######OpenITI# #META# URI: 1450ZahraSami.AcdadWaBinaInsan.Hindawi74946286 #META# Tags: linguistics #META# ID: 74946286 #META# Title: الأعداد وبناء الإنسان: العد ومسار الحضارات الإنسانية #META# AuthorID: 16251950 #META# Author: كيليب إفريت #META# EditorID: 46097241 #META# Editor: هبة عبد العزيز غانم #META# TranslatorID: 83840647 #META# Translator: الزهراء سامي #META# Related_books: 1450CalebEverett.NumbersMakingUs (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # تمهيد‏ # الجزء الأول: تغلغل الأعداد في الخبرة البشرية‏ # 1 - الأعداد منسوجة في حاضرنا‏ # 2 - الأعداد منقوشة في ماضينا‏ # 3 - رحلة عددية حول العالم اليوم‏ # 4 - ما بعد مفردات الأعداد: أنواع أخرى ~~من اللغة العددية‏ # الجزء الثاني: عوالم بلا أعداد‏ # 5 - شعوب لا عددية معاصرة‏ # 6 - الكميات في عقول الأطفال الصغار‏ # 7 - الكميات في عقول الحيوانات‏ # الجزء الثالث: الأعداد وتشكيل حياتنا‏ # 8 - اختراع الأعداد والحساب‏ # 9 - الأعداد والثقافة: نمط الإعاشة والرمزية‏ # 10 - أدوات تحويلية‏ # ملاحظات‏ # شكر وتقدير‏ # تمهيد‏ # الجزء الأول: تغلغل الأعداد في الخبرة البشرية‏ # 1 - الأعداد منسوجة في حاضرنا‏ # 2 - الأعداد منقوشة في ماضينا‏ # 3 - رحلة عددية حول العالم اليوم‏ # 4 - ما بعد مفردات الأعداد: أنواع أخرى ~~من اللغة العددية‏ # الجزء الثاني: عوالم بلا أعداد‏ # 5 - شعوب لا عددية معاصرة‏ # 6 - الكميات في عقول الأطفال الصغار‏ # 7 - الكميات في عقول الحيوانات‏ # الجزء الثالث: الأعداد وتشكيل حياتنا‏ # 8 - اختراع الأعداد والحساب‏ # 9 - الأعداد والثقافة: نمط الإعاشة والرمزية‏ # 10 - أدوات تحويلية‏ # ملاحظات‏ # | الأعداد وبناء الإنسان # | الأعداد وبناء الإنسان # | العد ومسار الحضارات الإنسانية # تأليف # كيليب إفريت # ترجمة # الزهراء سامي # مراجعة # هبة عبد العزيز غانم # إلى جيمي وجود، اللذين أثريا حياتي بطرق لا تحصى. # | شكر وتقدير # لقد ساهمت الجائزة السخية التي منحتها مؤسسة «كارنيجي كوربوريشن ~~أوف نيويورك» في إخراج هذا الكتاب إلى النور. أما البيانات والآراء ~~الواردة فيه، فهي تعبر عني وحدي بالطبع. # إنني أكن الكثير من مشاعر الامتنان للإرشادات القيمة التي قدمها ~~لي محرري، جف دين، في دار نشر هارفارد يونيفرسيتي برس، وأكن الكثير ~~من مشاعر التقدير أيضا لمايكل فيشر الذي كان أول من رأى أن هذا ~~العمل سيكون واعدا. وقد نال الكتاب فائدة عظيمة من التعليقات الوجيهة ~~التي قدمها أربعة من المراجعين المرموقين؛ وأنا ممتن لكل واحد منهم ~~لما بذلوه من وقتهم في قراءة المخطوطة الأولية. إن ما قدموه من ~~تعليقات ونقد قد جعل الكتاب أفضل. وثمة عدد كبير من الباحثين ~~اللامعين الذين ساهموا سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة ms001 في الأبحاث ~~التي عرضها هذا الكتاب، والذين أتقدم لهم بجزيل الشكر. وإذا كنت ~~أحد الأشخاص الذين يقومون بالأبحاث الرائعة التي يعتمد عليها هذا ~~الكتاب، فشكرا لك على عملك. # لقد كتبت بعض أجزاء هذا الكتاب على متن سفينة «إم في إكسبلورر» في ~~برنامج «سيمستر أت سي»، خلال الرحلات الطويلة في المحيط، والتي زاد من ~~متعتها الأشخاص الذين التقيت بهم على تلك السفينة. وكتبت بعض ~~الأجزاء أيضا في لاجوا دا كونسيساو، المحتجبة في منحدر تل من ~~الفردوس. أما معظم أجزائه، فقد كتبت في جامعة ميامي، وهي مكان رائع ~~للكتابة وإجراء الأبحاث. إنني أعمل هناك فقط لأنه قبل بضع سنوات، ~~قامرت هيئة التدريس في قسم الأنثروبولوجيا على باحث صغير، كانوا قد ~~قابلوه لأول مرة خلال توقف مؤقت في مطار ميامي الدولي. وأنا لا ~~أزال ممتنا لهم على ذلك. ويجب الشكر أيضا لزملائي الآخرين في جامعة ~~ميامي، والذين قد جعلوا تجربتي هناك تجربة رائعة. وقد شرفت أيضا ~~بأن كان لي الكثير من الطلاب الرائعين في جامعة ميامي، والذين ناقشت ~~معهم بعض الأفكار الواردة في هذا الكتاب. # لقد كان لوالدي كليهما بعض التأثير في هذا العمل بطريق مباشر ~~وغير مباشر أيضا، وأرجو أن يكون ذلك قد اتضح في صفحات هذا الكتاب. ~~إنني أشكرهما على ذلك وعلى جميع ما منحاني إياه، وهو ما أدرك أنني ~~لا أستطيع أن أتذكر الجزء الأكبر منه. وسأظل ممتنا على الدوام ~~لأختي الرائعتين وأسرتيهما المذهلتين، وإلى آل سكوتي أيضا. ~~وأخيرا، لم يكن هذا الكتاب ليصبح ممكنا لولا زوجتي جيمي وابننا ~~جود. # | تمهيد # | عن نجاح نوعنا البشري # البقاء على قيد الحياة ليس بالأمر السهل. وإذا كنت قد أقدمت من قبل ~~على العيش في بيئة لا تخضع لنموذج المجتمع المعاصر، فالأرجح أنك قد ~~أدركت هذه الحقيقة سريعا. إن الترحال بمفردك في إحدى الغابات ~~الاستوائية مثلا، يطبع في ذهنك هذه الفكرة بعمق؛ فبخلاف الإرهاق ~~الذي يسببه الهواء الخانق، والتعرق المصاحب له (أسلوب تكيفي ~~ضعيف في الأماكن ذات الرطوبة الخانقة) إضافة إلى المتاعب الأخرى من ms002 ~~البكتيريا والفيروسات والحشرات، والأنواع الأكبر حجما التي ربما ~~تفترسك، سوف تجد أن مجرد الحصول على الماء والغذاء أمر شاق، أو ~~محال تماما. وإذا أتيحت لك الفرصة في أن تتبع بعض السكان الأصليين ~~الذين يقطنون الأدغال، وتسير خلفهم على الغطاء النباتي اللين الذي ~~ينتشر في غابات الأمازون، فسوف تصبح واعيا تماما، إذا كنت ~~تشبهني بأي حال من الأحوال، بمدى سرعة شعورك بالإنهاك من البيئة ~~المحيطة، لولا معرفة هؤلاء الذين تتبعهم. إن جوليان كوبكه التي ~~اشتهرت بنجاتها من تحطم طائرتها على بعد آلاف الأمتار فوق غابات ~~بيرو عام 1971، قد أدهشت العالم حين نجت من الحادثة، وظلت وحدها ~~على مدار تسعة أيام في الأدغال. ولأنها ابنة مراهقة لأبوين من ~~علماء الأحياء كانا يعملان في الأمازون؛ فإن معرفتها بالنظام البيئي ~~المحيط قد أنقذت حياتها، غير أنها لم تستطع الحصول على الغذاء خلال ~~تجربتها القاسية، وكان من أنقذها في النهاية بعض الأفراد الذين ~~ينتمون إلى مجتمع محلي، ويقطنون بجوار أحد الأنهار. # إن معظم الأفراد الذين يكونون في وضعها، بمفردهم في إحدى الغابات، ~~لا يتمكنون من النجاة، وينطبق الأمر نفسه على الذين يضلون طريقهم ~~في غير ذلك من الأنظمة البيئية البدائية غير المألوفة. وتاريخ ~~الملاحة في المحيطات يمتلئ بقصص المستكشفين الذين اضطروا إلى ~~الاعتماد على الخبرة المحلية لمجتمعات السكان الأصليين، حين كانوا ~~يرسون في بيئات طبيعية جديدة. أما «برامج الواقع» التي تعرض على ~~التلفاز، والتي تقوم على أساس تصوير أفراد يعيشون في البرية دون ~~مساعدة خارجية، فعادة ما يكون تنفيذها ممكنا لأن الناجي ~~«المنعزل» الذي يجري تصويره مزود بالأدوات الأساسية، وهو يحصل على ~~الدعم من فريق من المنتجين الذين أعدوه بطرق مختلفة للعيش في ~~البيئات التي «سيترك فيها» مع طاقم الفيلم المزود بقدر كاف من ~~المؤن. وبالرغم من أنه قد يكون أمرا مخزيا، فأنا أو أنت سنموت على ~~الأرجح خلال أيام أو ربما أسابيع إن كنا أكثر حظا، إذا تركنا ~~منعزلين في معظم الأنظمة البيئية الموجودة في العالم. # 1 # والأكثر غرابة من ذلك أن الأفراد الذين ms003 ينتمون إلى مجتمعات السكان ~~الأصليين، غالبا ما يواجهون صعوبات في بيئات يعرفونها جيدا، ~~إذا تعرضوا مصادفة للعزلة؛ فضلال الطريق تحت مظلة الغابة قد يكون ~~أقل خطرا نسبيا لسكان الغابات الاستوائية الأصليين على سبيل ~~المثال، غير أنه يمكن أن يظل أمرا قاسيا. لقد سمعت عن بعض أفراد ~~إحدى القبائل التي تعيش في الأمازون، وقد تعرضوا لخطر ضلال طريقهم في ~~مكان غير بعيد عن قريتهم، ولم يتمكنوا من النجاة إلا بصعوبة ~~بالغة، أو في بعض الحالات المؤسفة لاقوا حتفهم. ومثل هذه الحالات ~~تؤكد لنا نقطة مهمة غالبا ما نهملها، وهي أن بقاء البشر على قيد ~~الحياة هو أمر مرهون بالمعرفة المخزونة في مستودع الثقافة، والذي نصل ~~إليه من خلال الوسائل اللغوية. إننا نعتمد في حياتنا اليومية على ~~معارف لا نملكها نحن على وجه التحديد، وإنما يمكن لنا أن نستخلصها ~~بسهولة من عقول الآخرين، وهي لم تتأت لهم إلا بصعوبة كبيرة، أو ~~اكتسبوها مصادفة على مدار آلاف الأعوام في العديد من الحالات. ~~فلتتأمل في بعض الأمثلة من ثقافتك الخاصة؛ إنك لم تضطر إلى ~~اختراع السيارة، أو التدفئة الداخلية بالمنازل، أو الطريقة الأكثر ~~كفاءة لتخلية صدور الدجاج من العظام، بل ورثت هذه التقنيات ~~والسلوكيات؛ فلطالما اقتديت بالآخرين في أفعالك، وتعلمت منهم ~~سلوكياتك، سواء بطريقة رسمية أو بطريقة غير رسمية، عن طريق اللغة. إن ~~مجموع أنشطتنا اليومية، بما فيها تلك الأنشطة المتعلقة بالعمليات ~~الأساسية، مثل تناول الطعام والنوم، ~~تستند كليا إلى أفكار استقيناها من المحيطين بنا، الذين ~~استقوها بدورهم من آخرين. وبالرغم من أن بعض الاحتياجات هي ~~احتياجات حيوية محتومة، فإن ثقافتنا الأصلية هي التي تشكل الأسلوب ~~الذي نتخذه في التعامل مع مثل هذه الاحتياجات. كل الاختراعات ~~المادية والسلوكية التي تسهل حياتك، بداية من فرشاة الأسنان وحتى ~~المصافحة بالأيدي، قد اخترعها إنسان آخر أو مجموعة أخرى من البشر. ~~وأما الأفكار فإننا نرث منها أكثر بكثير مما نبدعه، وينطبق الأمر ~~نفسه على أفراد ثقافات أخرى تختلف تماما عن ثقافتنا؛ فالصيادون في ~~نيو غينيا لا يحتاجون إلى ms004 اختراع الأقواس والسهام حين تقتضي الحاجة، بل ~~ورثوا هذه التقنية من خلال التدريس والمحاكاة. إن كل جيل في أي ~~ثقافة يبني على معارف الأجيال السابقة، التي تكون قد اكتسبت في ~~معظم الأحيان عن طريق الاكتشافات العرضية التي ربما قد تبعت ~~أحداثا مؤلمة أو مهلكة؛ فالأقواس والسهام وغيرها من أدوات الصيد على ~~سبيل المثال، لم تخترع في غمضة عين، بل تطورت على مدار القرون ~~فيما راح الصيادون يدركون تدريجيا بعض المزايا التي تنقذ حياتهم، ~~والتي تمتلكها بعض الأقواس والسهام دون غيرها؛ لأسباب ~~معينة. # 2 # إن الأساليب التي نستخدمها للنجاة والتكيف، والتي تتحسن ~~باستمرار، هي نتيجة «تأثير السقاطة الثقافي». يشير هذا المصطلح، ~~الذي روجه اختصاصي علم النفس ودراسة الرئيسات من جامعة ديوك؛ مايكل ~~توماسلو، إلى حقيقة أن البشر يتعاونون معا في الاحتفاظ بالمعرفة ~~من جيل إلى الجيل التالي، مثل ترس السقاطة الذي يدور في اتجاه ~~واحد ولا يمكن عكس اتجاه دورانه أبدا. وبعبارة أخرى، فإن نجاح ~~نوعنا يعود بدرجة كبيرة إلى قدرة الأفراد على التعلم من السلوكيات ~~النافعة التي توصل إليها أسلافهم أو معاصروهم في المجتمع، ~~ومحاكاتها. إن ما يتميز به البشر، ليس أننا أذكياء فحسب، بل ~~أننا لا نحتاج باستمرار إلى التوصل إلى حلول جديدة للمشكلات ~~القديمة نفسها. إننا نعرف ما كان ناجحا في الماضي، وإن كنا لا نعرف ~~دائما سبب نجاحه في الماضي؛ فكونك قادرا على إعادة تسخين شطيرة من ~~البوريتو لا يعني أنك تعرف أي شيء عن كيفية تصميم جهاز الميكروويف ~~أو الشبكة الكهربائية التي تمكنك من استخدامه. # 3 # إن أهمية الاكتساب التدريجي للمعرفة المخزونة في المجتمع والمتجسدة ~~فيه ثقافيا، لكنها غير محصورة في عقل فرد واحد بعينه، تتبلور حين ~~نرى حالات لثقافات قد اندثرت بأكملها تقريبا؛ لأن بعضا من ~~معرفتها المخزونة قد تبدد بسبب موت أفراد ~~قد كانوا عقدا أساسية في شبكة ~~المعرفة الخاصة بالمجتمع؛ ففي حالة مجتمع الإسكيمو القطبي في نورث ~~ويست جرينلاند، تضاءل عدد السكان في منتصف القرن التاسع عشر بعد وباء ~~قتل عددا من كبار ms005 السن في المجتمع. وقد دفن هؤلاء المسنون ~~ودفنت معهم أدواتهم وأسلحتهم؛ وفقا لتقاليد المجتمع، وتأثرت ~~قدرة الإسكيمو على صنع هذه الأدوات والأسلحة، تأثرا سلبيا كبيرا. ~~وقد أدى ضياع مثل هذه المعرفة وغيرها من المعارف، إلى عرقلة جهودهم في ~~صيد الوعول والفقمات، وكذلك صيد أسماك المياه الباردة. ونتيجة ~~لذلك، فإن عدد السكان لم يبدأ في التزايد إلا بعد قرابة أربعين ~~عاما، وذلك عند تواصلهم مع مجموعة أخرى من الإسكيمو، مما سمح لهم ~~باستعادة قاعدة المعرفة الخاصة بمجتمعهم البدائي. وعلى مدار التاريخ ~~البشري، اندثرت ثقافات بأكملها بسبب عمليات تدهور مماثلة لخبرات ~~أفراد هذه الثقافة المتعلقة بالنجاة، أو بسبب ضياع تقنيات مادية ~~أساسية، لم يكن من الممكن نسخها بسهولة. # 4 # إن مثل هذه الحالات تنفي ~~بصورة مباشرة ذلك المفهوم الرائج أو الأسطوري مثلما قد يسميه ~~بذلك البعض، والذي يقول بأن البشر متفوقون لأنهم يتمتعون بذكاء ~~فطري أكبر من ذكاء الأنواع الأخرى. والواقع أنها فكرة واهية لا يدعمها ~~قدر كاف من الأدلة؛ فبالرغم من أننا أذكى من الأنواع الأخرى ~~بالتأكيد، ولدينا بالفعل زيادة نسبية في حجم الدماغ (حجم الدماغ كبير ~~مقارنة بحجم الجسم)؛ فقدراتنا الإدراكية الفطرية في بعض الجوانب، ليست ~~متطورة بالقدر الذي كنا نظنه من قبل. إن العديد من سماتنا ~~الفكرية المميزة، ليست متأصلة في جيناتنا، وإنما تعلمناها ~~بطرق عديدة تستند إلى الثقافة. وبالرغم من أن الانتخاب الطبيعي ~~قد أثمر بالتأكيد عن أدمغة بشرية مميزة، فالأمر المثير حقا بشأن ~~نوعنا هو ما تمكنا من تحقيقه بهذه الأدمغة منذ بزوغ الثقافة. في هذا ~~الكتاب، سأنضم إلى الكورال التصعيدي الذي يتكون من العلماء في مجال ~~أصل الإنسان، وعلماء اللغة، وعلماء النفس، وغيرهم من العلماء الذين ~~يؤكدون على هذه النقطة. حيث يؤكد هؤلاء العلماء أن الاختراعات ~~القائمة على الثقافة، مثل اللغة، قد دشنت ثورة إدراكية وسلوكية في ~~نوعنا. وأنا أقترح في هذا الكتاب أن مجموعة من الأدوات المفاهيمية ~~تدعى «الأعداد»، وهي الكلمات وغيرها من الرموز التي تستخدم للإشارة ~~إلى كميات محددة، هي مجموعة بارزة من الاختراعات ms006 المستندة إلى ~~اللغة، والتي قد أسهمت في تميز نوعنا بطرق لم تكن تحظى بالتقدير ~~الكافي. وكما سنرى، فالأعداد هي اختراعات بشرية غيرت البيئات التي ~~نحيا فيها ونتطور، مثلها في ذلك مثل الطهي والأدوات الحجرية ~~والعجلة. وبالرغم من أن العلماء في مجال أصل الإنسان وغيره من ~~المجالات، طالما كانوا مولعين بالتركيز على مثل هذه الاختراعات ~~ودورها في تغيير نص قصة البشرية، فإن دور الأعداد لم يحظ ~~بالانتباه الكافي من قبل. والسبب الذي كان يشجع على عدم الاهتمام هو ~~أمر بسيط للغاية: أننا لم نبدأ في إدراك حجم إسهام الأدوات التي ~~تدعى «الأعداد» في إعادة تشكيل الخبرة البشرية، إلا الآن. # الجزء الأول # | تغلغل الأعداد في الخبرة البشرية # الفصل الأول # | الأعداد منسوجة في حاضرنا # كم عمرك؟ منذ سن مبكرة، وإجابة هذا السؤال طوع بنانك ~~بالمعنى الحرفي، والأرجح أنه لم يستغرق من تفكيرك سوى قدر ضئيل ~~من الثانية لكي تتوصل إلى الإجابة. أيمكن فعلا أن يوجد سؤال ~~أسهل من هذا؟ إن العديد من أوجه حياتك يتحدد بناء على عدد ~~سنواتك؛ أيمكن لك قيادة سيارة بنفسك؟ حسنا، يتوقف ذلك على عدد ~~السنوات التي عشتها. هل أنت راض عما تراه في المرآة؟ إن ذلك ~~يتأثر على الأرجح بعمرك، بدرجة ما على الأقل، وبما تتوقع أن ~~تراه في المرآة. أيجب عليك أن تعمل في وظيفة أكثر إشباعا لذاتك؟ ~~من الصعب الإجابة عن هذا السؤال دون معرفة عمرك. إن الإجابة ~~عن هذه الأسئلة والعديد غيرها، والتي تمس صميم هويتك وخبراتك ~~اليومية، لا يمكن معرفتها إلا بعد معرفة إجابة ذلك السؤال الأول ~~البسيط. وهو سؤال عظيم الأهمية، ولا شك، بالنسبة إلى الأفراد الذين ~~ينتمون إلى مصفوفتنا الثقافية. # بالرغم من ذلك، فنحن الذين نعزو أهمية كبيرة إلى أعمارنا، نجد ~~أنه من الغريب أن يكون ذلك السؤال نفسه لا يعني أي شيء لأفراد ~~بعض الثقافات الأخرى. وليس ذلك لأن أفراد هذه الثقافات يعجزون عن ~~متابعة دوران الأرض حول الشمس، بل لأنهم لا يملكون الأدوات التي ~~تمكنهم من تحديد كميات هذه الدورات ms007 بدقة. على سبيل المثال، ~~لا تمتلك قبيلة موندوروكو من سكان الأمازون الأصليين أي كلمات ~~محددة للأعداد فيما بعد العدد «اثنين». وفي حالة نظرائهم من ~~قبيلة بيراها الأمازونية، فليس لديهم أي كلمات على الإطلاق ~~للتعبير عن الأعداد، ولا حتى عن العدد «واحد»، فكيف يمكن إذن ~~لمتحدثي هذه اللغات الإجابة عن سؤال «كم عمرك؟» وماذا أيضا عن ~~غيره من الأسئلة القائمة على الأعداد، والتي تتناول جوانب أساسية ~~للحياة بالنسبة إلى معظم سكان العالم؟ فلنتأمل بعض الأمثلة ~~الأخرى: ما راتبك؟ وكم طولك؟ وكم وزنك؟ في عالم بلا أعداد، تصبح ~~هذه الأسئلة عديمة الجدوى؛ إذ لا يمكن سؤالها ولا الإجابة عنها. ~~لا يمكن صياغة هذه الأسئلة ولا إجاباتها المحتملة في الثقافات ~~اللاعددية، ليس بالدرجة الأدنى من الدقة على الأقل. وعلى مدار ~~الجزء الأكبر من تاريخ نوعنا البشري، كانت جميع الثقافات البشرية ~~ثقافات لا عددية. إن الأعداد: التمثيل اللفظي والرمزي ~~للكميات، قد غيرت أحوال البشر تغييرا جذريا. وفي هذا ~~الكتاب، سوف أستكشف مدى هذا التحول، والذي لم يحدث إلا مؤخرا، ~~وهو أمر لافت للنظر. سوف أركز كذلك على قدرة الأعداد المنطوقة على ~~إحداث التغيير، لكنني سأتناول أيضا دور الأعداد المكتوبة. ومن ~~أجل وضوح المصطلحات، فإنني أشير إلى الأعداد المنطوقة باسم ~~«الأعداد،» وأشير إلى الأعداد المكتوبة باسم «الأرقام». وعند ~~الإشارة إلى الكميات المجردة التي تصفها الأعداد، فإنني أستخدم ~~الرموز مثل 1 و2 و3 و4 وما إلى ذلك. # خلال العقد الأخير، أجرى علماء الآثار وعلماء اللغة وعلماء النفس ~~وغيرهم من العلماء، قدرا هائلا من الأبحاث عن الأعداد والأرقام، ~~ومن تلك الأبحاث تبدأ كتابة قصة جديدة للأعداد، وهي القصة التي ~~نرويها في هذا الكتاب. وباختصار، تسير القصة على هذا النحو: بالرغم ~~مما كنا نعتقد من قبل، فإن الأعداد ليست مجرد مفاهيم ~~تتولد لدى الأفراد بصورة تلقائية وفطرية. وبالرغم من أن ~~الكميات ومجموعات العناصر يمكن أن توجد مستقلة، بعيدا عن ~~خبرتنا العقلية، فالأعداد ابتكار من العقل البشري، واختراع معرفي ~~قد غير كيفية إدراكنا للكميات وتمييزها إلى الأبد. وربما يكون ms008 ~~هذا المفهوم مناقضا للبديهة بالنسبة إلى العديد منا، نحن الذين ~~قد عشنا حيواتنا بأكملها في وجود الأعداد، وقد اقتنعت بها ~~خبرتنا العقلية منذ الطفولة. بالرغم من ذلك، فالأعداد تشبه ~~اختراعا رمزيا آخر مهما لنوعنا البشري ومرتبطا به، وهو ~~اللغة، في أنها ابتكار يختلف باختلاف الثقافة. غير أن الأعداد ~~تختلف عن اللغة في أنها لا توجد لدى بعض الجماعات السكانية في ~~العالم؛ إنها ابتكار يترك أثرا لا يمحى بشأن الطريقة التي ~~يفسر بها معظم الأفراد، وليس جميعهم، خبراتهم اليومية. وهذا ~~التأثير الذي لا يمحى، يكمن في صميم القصة التي يرويها هذا ~~الكتاب؛ فسوف نستكشف فيه كيف كانت الأعداد، وهي أحد الابتكارات ~~الأساسية على مدار تاريخ نوعنا البشري، بمثابة حجر صوان قد أضاء ~~التاريخ البشري. # تتضمن القصة العديد من الأجزاء، وفي جزء لاحق من هذا الفصل، ~~سأوضح الطريقة التي يحاول بها الكتاب أن يخطو من جزء إلى آخر، ~~على طريق متماسك يؤدي إلى استنتاج لم يتشكل إلا حديثا. وقبل أن ~~نتحدث عن تلك الأجزاء، يجب أن أوضح ما أعنيه حين أقول إن ~~الأعداد قد غيرت الخبرة البشرية. ربما تكون الطريقة الأفضل لفعل ~~ذلك هي التعمق في دراسة كيفية إدراكنا لمرور الوقت. لقد أشرت ~~إلى أنك لا تستطيع بالطبع، بدون الأعداد، أن تسمي عدد رحلات ~~الأرض حول الشمس منذ مولدك، لكنك قد تعارض قائلا: إنه ربما ~~لا يزال بإمكانك أن تكون فكرة عن عدد سنوات عمرك؛ فيمكن أن ~~تعرف مثلا أنك قد ولدت قبل أختك وبعد أخيك؛ ومن ثم تستطيع ~~أن تعرف أنك أكبر من الأولى وأصغر من الأخير، ويمكن أن تدرك ~~تغير الفصول، وتدرك أنك قد عشت في دورات فصول سابقة؛ ومن ~~ثم يمكنك أن تعرف على الأقل أنك تبلغ من العمر العديد من ~~السنوات، وربما تعرف أنك قد عشت عددا أكبر من السنوات أو أصغر، ~~مقارنة بمعاصريك. بالرغم من ذلك، فسوف نرى في تناولنا للشعوب ~~اللاعددية في الفصل الخامس، أن الوعي بالعمر بهذه الطريقة يكون ~~مبهما إذا لم يستعن المرء بالأعداد. ms009 ويتضح دور الأعداد ~~بصورة أكبر في إدراكنا للزمن، لكن ذلك يتضح بصورة أكبر حين ~~نفكر في مرور الوقت عند أكثر مستوى أساسي له، بخلاف طريقتنا في ~~عد السنوات . # يتطلب هذا التفكير استطرادا موجزا عن كيفية فهمنا العام ~~للوقت. ومفهوم الوقت من المفاهيم التي يصعب فهمها إلى حد ما؛ ~~إذ إنه مفهوم مجرد تماما. ما معنى إدراك الوقت أو الشعور به؟ ~~حسنا، يتبين أن ذلك يتوقف على الأشخاص الذين تسألهم ~~والثقافة التي ينتمون إليها، أو اللغة التي يتحدثون بها. لقد ~~أظهرت الأبحاث الحديثة أن إدراك الوقت يتباين بطرق عدة ~~لدى بعض الشعوب. وفيما يلي، سأتناول قدرا من هذا التباين الثقافي، ~~وسأقترح بعدها أن الأعداد قد أدت دورا عظيما للغاية في تشكيل ~~خبرتنا عن الوقت، التي تختلف باختلاف الثقافة. # نتحدث كثيرا عن «مرور الوقت» أو «المرور بالوقت»، لقد ~~تحدثت عن ذلك بالفعل في الفقرات السابقة، وأشك في أنك قد ~~وجدت أن مثل هذه الصياغة غريبة. ونحن نتحدث أيضا عن مرور ~~الوقت «ببطء» أو «بسرعة»، غير أن كل هذه التعبيرات مجازية ~~بالطبع؛ فالوقت لا يتحرك فعلا، ولا نحن نمر به. لقد أثبت ~~علماء الإدراك منذ فترة طويلة، أن البشر يتسمون بنزعتهم ~~الطاغية لاستخدام الأشياء المادية، كالأغراض التي تتحرك في ~~المكان لوصف الجوانب المجردة من حياتنا، مثل الوقت، وصفا ~~مجازيا. ومن ثم يمكننا أن نتحدث عن «حركة» الوقت، أو ~~نتحدث على العكس من ذلك، عن «المرور» بوقت صعب أو «رؤية» وقت ~~صعب «أمامنا» أو عن عدم قدرتنا على الرجوع إلى «الوراء» للماضي، ~~أو عن اختيار «المسار» المهني المناسب، أو عن مواجهة خيار صعب في ~~«طريق» حياتنا وما إلى ذلك. إن متحدثي اللغة الإنجليزية ~~وغيرها من اللغات، يستخدمون عددا هائلا من التعبيرات التي تدل ~~على التأويلات المكانية للزمان، وتجسدها. وأبرز هذه التعبيرات ~~التوجيهية المجازية، هو ذلك الذي يسود الأمثلة التي ذكرناها ~~للتو، والذي يتمثل فيه المستقبل أمامنا، بينما يمر بنا الوقت. ~~بالرغم من ذلك، يتضح لنا أن بعضا من متحدثي اللغات الأخرى ~~لا يرون الوقت ms010 بهذه الطريقة؛ فبالنسبة إلى متحدثي اللغة ~~الأيمرية والعديد غيرها من اللغات الأخرى، لا يكمن المستقبل أمام ~~المتحدث، بل خلفه، أما الماضي فهو يقع مجازيا أمام ~~المتحدث. ويتجلى هذا الاتجاه في العديد من التعبيرات المختلفة ~~عن الوقت، وكذلك في إشارات اليد التي يستخدمها الفصحاء في اللغة ~~الأيمرية، حين يتحدثون عن أحداث الماضي والمستقبل. (ويمكننا ~~القول بأن مثل هذه الاستعارة الاتجاهية، ترتبط بالخبرة البشرية ~~بصورة أكثر مباشرة؛ إذ إننا نستطيع بالفعل أن «نرى» ما حدث في ~~ماضينا.) ولهذا، فإن بعض البشر يرون «حركة» الوقت بطريقة تبدو ~~متناقضة تماما مع الطريقة التي نصفه بها ونراه. # 1 # يتضح هذا الأساس المكاني المرن للأفكار المتعلقة بالوقت ~~بصورة أكبر حين نفكر في طريقة أخرى يمكننا تصوير الوقت مجازيا ~~من خلالها، وهي تصويره متحركا من اليسار إلى اليمين على خط ~~يمكن قياسه. في ثقافتنا وغيرها من الثقافات، يوجد عدد هائل من ~~الطرق التي يصور بها الوقت على مثل هذا النحو، ومنها ~~التقويمات وشريط التقدم على «نتفليكس» و«يوتيوب»، والخطوط ~~الزمنية في كتب التاريخ، وما إلى ذلك. وتقترح بعض الأدلة ~~التجريبية القوية، أن مثل هذه الممارسات الرمزية الافتراضية، ~~تؤثر على كيفية إدراكنا للوقت؛ فعلى سبيل المثال، حين تقدم إلى ~~بعض الأمريكيين، مجموعة من الصور تصور أحداثا في مراحل ~~مختلفة (صور لثمرة موز تقشر وتؤكل مثلا)، ثم يطلب منهم أن ~~يقوموا بترتيب الصور في الاتجاه المناسب من البداية إلى ~~النهاية، فإنهم يرتبونها عادة من اليسار إلى اليمين، حيث تكون ~~الصور التي تمثل المراحل المبكرة أقرب إلى الجانب الأيسر من ~~أجسادهم. أما حين يطلب من أفراد ينتمون إلى ثقافات أخرى أداء ~~المهمة نفسها، يتغير الترتيب. في وقت قريب، اكتشفت عالمة ~~اللغويات أليس جابي وعالمة النفس ليرا بوروديتسكي في ثقافة ~~الثايور، التي تقع في شبه جزيرة كيب يورك، أن الأفراد لا ~~يرتبون الصور من اليسار إلى اليمين، ولا من اليمين إلى اليسار ~~(وهو نمط يظهر في بعض الثقافات). بدلا من ذلك، يرتبونها وفقا ~~لمسار الشمس، حيث توضع الصور التي تدل على المراحل ms011 المبكرة ~~باتجاه الشرق، والمتأخرة باتجاه الغرب، بصرف النظر عن الاتجاه ~~الذي يقابله الشخص الذي يرتب الصور. # 2 # إن مثل هذه الاكتشافات تعكس أمرا مهما؛ وهو أن كيفية ~~تفكيرنا في الوقت تعود بصورة كبيرة إلى الممارسة اللغوية ~~والثقافية. وهنا تظهر الأعداد في القصة التي تروي الطريقة التي ~~نفهم بها مثل هذا الجانب الأساسي من حياتنا؛ فمن الواضح أن ~~الأعداد تمس طريقة تفكيرنا بشأن حركة «الوقت»، وسواء أكنا ~~نرى أن الوقت يمر بنا، أم كنا نرى أنه يتحرك على خط زمني ~~أمامنا، فإن هذه «الحركة» يمكن تقسيمها وعدها. فلتفكر مرة ~~أخرى في أشرطة التقدم التي نراها في مقاطع الفيديو المتوفرة ~~على الإنترنت، وكيف أن الأعداد (التي تدل على الدقائق ~~والثواني) تتتبع الأيقونة التي تمثل اللحظة التي تعرض في ~~مقطع الفيديو. والواقع أن الأعداد متغلغلة في التمثيلات ~~المكانية الرمزية للوقت، مثل التقويمات التي تسير من اليسار إلى ~~اليمين والخطوط الزمنية. ويمكننا القول بأن هذا التصور العقلي ~~للوقت، بهذه الطريقة المرتكزة على الأعداد، يحكم ~~حياتنا. # ما الوقت الآن؟ بالنسبة إلي فالوقت الآن، بينما أكتب هذه ~~الكلمات على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، هو 10:46 صباحا. ~~ولأننا في ذلك الوقت من اليوم، فأنا في غرفة مكتبي أجلس عليه، ~~ولست في المنزل أو أي مكان آخر. لكن ما الذي يعنيه ذلك الوقت ~~فعلا؟ حسنا، إنه يعني أنه قد مرت عشر ساعات وست وأربعون ~~دقيقة منذ منتصف الليل، لكن ذلك مجرد إعادة صياغة مطنبة لا ~~حاجة لها؛ ما الساعات؟ وما الدقائق؟ الواقع أنها لا توجد بمعزل ~~عن خبرتنا العقلية والعددية؛ إنها ببساطة وسيلة عشوائية لوصف ~~وجودنا بصورة كمية، ووسيلة لتقسيم هذ المرور المجازي للوقت إلى ~~وحدات منفصلة. إنها تدل على أن البشر قد اختاروا في مرحلة ما ~~أن يحددوا كميات الوقت، وأن يعدوا لحظات التجربة. ربما ~~يكون الوقت واقعا يوجد بمعزل عن خبرتنا، لكن الساعات ~~والدقائق والثواني لا توجد إلا في عقولنا، بصفتها وسيلة ~~للانخراط في العالم. ووسيلة الانخراط هذه قد تولدت هي نفسها ~~عن تقاليد ثقافية ولغوية ms012 محددة؛ إن وحدات الوقت من الساعات ~~والدقائق والثواني هي نفسها بقايا نظام عددي قديم، وما هذه ~~الوحدات حقا إلا آثار لغوية من حضارات منقرضة. # فلنتأمل في تقسيم كل دورة من دورات الأرض كل يوم إلى 24 ~~ساعة. لم يقسم كل يوم بهذه الطريقة؟ ما من سبب فلكي لهذا ~~التقسيم، فعلى أي حال، يمكننا نظريا أن نقسم اليوم إلى أي ~~عدد نشاء من الساعات. غير أن النظام الذي نستخدمه لضبط الوقت، ~~يدين بوجوده بصورة كبيرة إلى تقليد قد بدأه قدماء المصريين، ~~الذين اخترعوا الساعات الشمسية قبل أكثر من 3000 عام. لقد صممت ~~هذه الساعات الشمسية لتقسيم ضوء النهار إلى اثني عشر جزءا ~~متساويا. وقد جاء نظام التقسيم إلى اثني عشر جزءا نتيجة ~~لاختيار اتخذه المصريون بتقسيم ضوء النهار وفقا لطريقة ~~تلائم ثقافتهم، وذلك من خلال قياس الظل على الساعات الشمسية. ~~أتاح هذا الاختيار وجود عشر وحدات يمكن تقسيمها بدءا من شروق ~~الشمس حتى غروبها، وهو اختيار طبيعي إذ كان قدماء المصريين ~~يستخدمون نظاما عشريا للأعداد كالذي نستخدمه الآن. غير أن ~~مبتكري الساعات الشمسية قد أضافوا وحدتين: إحداهما للفجر ~~والأخرى للغسق، وهما الفترتان اللتان لا تكونان مظلمتين، ~~لكن الشمس لا تظهر فيهما في الأفق. وذلك القرار البسيط الذي ~~اتخذه المصريون بتقسيم ضوء النهار بهذه الطريقة، قد أنتج وحدات ~~الوقت التي تستند إلى العدد 12، فأصبح للأيام طابع اثنا عشري. ~~وكما سنرى في الفصل الثالث، توجد العديد من الأساسات المختلفة في ~~الأنظمة العددية المنطوقة في العالم، لكن النظام الاثني عشري ~~غير منتشر على الإطلاق (وهو مربك بعض الشيء للعديد من الأفراد ~~الذين يستخدمون الأنظمة العشرية على سبيل المثال). بالرغم من ذلك، ~~فبسبب الاختيار الذي اتخذه القائمون على ضبط الوقت من قدماء ~~المصريين، فإن لغتنا وتفكيرنا عن الوقت، يستندان بدرجة كبيرة ~~إلى نظام هو أشبه ما يكون بالنظام الاثني عشري. وقد أصبح هذا ~~النظام مترسخا في حياتنا بشدة في الوقت الحالي، وهو يفرض ~~منظورا محددا على أيامنا. ويعود السبب في تقسيم الليلة إلى ~~اثنتي عشرة ms013 ساعة إلى قدماء المصريين أيضا، وكذلك يعود إليهم ~~السبب في تقسيم دورة الليل والنهار التي تتكون من 24 ساعة، ~~والتي نعرفها جميعا الآن، وإن كان ذلك بصورة أقل مباشرة. ~~كان علماء الفلك من الإغريق في العصر الهلنستي، هم الذين قننوا ~~النظام الأخير بصورة أكثر نظامية، بالرغم من ذلك، لم يحظ ~~تقسيم الساعات بدقة إلى وحدات متساوية المدة بالتقدير ~~والاستحسان، إلى أن تم اختراع آلات دقيقة لضبط الوقت. (لم ~~تخترع ساعة البندول، وهي اختراع أساسي لضبط الوقت، حتى منتصف ~~القرن السابع عشر.) ومن ثم، فإن وجود الساعات هو حادثة تاريخية ~~في نهاية المطاف؛ فلو كانت الساعات الشمسية التي ابتكرها قدماء ~~المصريين قد قسمت ضوء النهار إلى عشر وحدات بدلا من اثنتي ~~عشرة وحدة، لأصبح لدينا الآن عشر وحدات في اليوم والليلة على ~~التوالي، بدلا من اثنتي عشرة وحدة، ولأصبحت دورة الأرض مقسمة ~~إلى عشرين «ساعة». # 3 # وفي حقيقة الأمر، استخدم نظام ضبط الوقت العشري في ~~فرنسا بعد الثورة مباشرة، غير أنه لم يصمد بسبب الترسخ الثقافي ~~للساعات والدقائق. يبدو أن الإطاحة بالملكية وضرب عنق عدد ~~كبير من المواطنين، أسهل على شعب من إعادة توجيه تفكيره وفقا ~~لوحدات جديدة للوقت. # الدقائق والثواني هي أيضا نتيجة قرارات ثقافية ولغوية عارضة، قد ~~اتخذت قبل وقت طويل. ويعزى وجود هذه الوحدات إلى النظام ~~الستيني (على أساس العدد 60) الذي استخدمه البابليون ~~والسومريون من قبلهم. ويبدو أن هاتين الثقافتين هما أول من ~~استخدم هذا الأساس للحسابات الفلكية؛ وذلك لأسباب لا تزال غامضة. ~~حيث يعتقد البعض أن النظام الستيني قد اكتسب شهرة في بلاد ~~الرافدين؛ لأنه يقبل القسمة على الأعداد من 1 إلى 6، وكذلك على ~~10 و12 و15 و20 و30. ويعتقد آخرون أن مثل ذلك النظام الستيني ~~قد ظهر على الأرجح لأن البشر لديهم خمس أصابع في اليد، ويمكنهم ~~استخدامها في عد المفاصل الاثني عشر الموجودة في أصابع اليد ~~الأخرى، فيما دون الإبهام (و5 × 12 = 60). وبصرف النظر عن هذا، ~~فإن الأنظمة الستينية ليست منتشرة بالقدر الكبير؛ فهي لم ms014 ~~تتطور سوى مرات قليلة على مدار تاريخ اللغات في العالم، ~~لكن الطبيعة الستينية لنظام العد البابلي هي السبب في أن ~~الدقائق والثواني تستغرق المدة التي تستغرقها؛ لأن تلك هي ~~وحدات الوقت التي تتوصل إليها حين تقسم الساعات والدقائق من ~~بعدها بهذا الترتيب على ستين. ويمكن للبشر الآن أن يعتمدوا ~~على قياسات مستقلة لتعريف الثواني، مثل المدة التي يستغرقها عدد ~~محدد سلفا من ترددات الطاقة في ذرة سيزيوم، وهذا التعريف هو ~~المقياس في الساعة الذرية. غير أن الاختيار لم يقع على مثل هذا ~~المقياس إلا لأن قيمته تساوي قيمة الثانية التقليدية تقريبا، ~~وهي ليست سوى منتج لنظام عددي قديم، قد جاء بطريقة فعالة ~~للدلالة على الوقت، لكنها قد تكون غير عملية. # خلاصة القول، أن فهمنا للوقت يتأثر بالربط المجازي بين ~~الوقت والمكان. لكن الأهم أن منظور الوقت المستند إلى ~~المكان، يقاس بطرق تعتمد كليا على وجود الأعداد. وعلى وجه ~~أكثر تحديدا يعتمد هذا القياس الكمي على خصائص أنظمة عددية ~~كانت تستخدم قبل ذلك في أماكن مثل بابل القديمة. إن طريقة ~~تفكيرنا في الوقت: على هيئة وحدات منفصلة يمكن قياسها من الساعات ~~والدقائق والثواني، تعود إلى سمات من اللغات والثقافات ~~المندثرة، وهي سمات لا تزال آثارها حاضرة في حياتنا المعاصرة. ~~وهذه الآثار توجهنا باستمرار بشأن كيفية تنظيم خبرتنا ~~اليومية؛ ومن ثم فإن الأرقام القديمة ذات الخصائص الغريبة لا ~~تزال تشكل الطريقة التي نختبر بها الوقت، ذلك الجانب المجرد ~~والأساسي من الحياة. إن حياتنا، رغم كل شيء، تحكمها الساعات ~~والدقائق والثواني، غير أن الوقت لا يحدث فعلا في هذه الوحدات ~~المنفصلة، أو غيرها؛ فتجزئة الوقت إلى وحدات يمكن قياسها ما هي، ~~في حقيقة الأمر، سوى اختراع من العقل البشري. # 4 # إن مناقشة الدور الذي تؤديه الأعداد في تشكيل إدراكنا ~~للوقت، توضح لنا ما للأعداد والاختلافات بين الأنظمة العددية من ~~تأثير فعال في الجانب الإدراكي والسلوكي في حيواتنا. بالرغم من ~~ذلك، فسوف نرى على مدار هذا الكتاب أن اختراع الأعداد قد أثر ~~في حياتنا، ms015 وفي قصة البشرية بصفة عامة، بالعديد من الطرق الأخرى ~~التي لا تقل عن ذلك عمقا وأهمية. وقبل أن نتحدث عن هذه ~~الطرق، يجدر بنا أن نعرض خلفية عن نوعنا البشري، وهي أساسية في ~~قصة الأعداد التي يرويها هذا الكتاب، ووثيقة الصلة بها. # الإنسان العاقل: ذلك النوع الحديث # تفيدنا قدرتنا على قياس الوقت عند مناقشة الأصول الحديثة ~~لنوع «الإنسان العاقل». فالأعداد تساعدنا في تصوير مدى حداثة ~~نوعنا؛ فعمر الكون 13,7 مليارا من الأعوام، وعمر الأرض 4,5 ~~مليارات عام، وعمر حقيقيات النوى 3 مليارات عام تقريبا. أما ~~ظهور الرئيسات فقد حدث قبل 65 مليون عام تقريبا. ويشير ~~سجل الحفريات إلى أن أشباه البشر، ومنهم أسلاف البشر، ~~لم يعيشوا إلا لقرابة عشر ذلك الوقت. ويدور قدر كبير من ~~الجدل بشأن تاريخ ظهورنا نحن - البشر المعاصرين - لكننا ~~قد ظهرنا منذ 100000 عام على الأقل. وإذا قبلنا بهذا الرقم ~~الأخير فهذا يعني أننا لم نوجد إلا لعام واحد مقابل كل ~~130000 عام من عمر الكون. وتلك من السمات التي غالبا ما نغفل ~~عنها بشأن البشر، وهي أننا صغار للغاية. وبالرغم من ذلك ~~فعلى حداثتنا في السن، قد شكلنا بطرق عدة هذا الكوكب الذي ~~لم نعش عليه إلا لفترة صغيرة للغاية من تاريخ وجوده، في ~~بضعة آلاف من الأعوام الماضية فحسب. وسوف نرى أن الأعداد ~~تمثل جزءا كبيرا من كيفية حدوث ذلك، والسبب في ~~حدوثه. # 5 # توضح البيانات المستفيضة أن نوع «الإنسان العاقل» ~~وسلفه، قد تطور في أفريقيا، وقد بدأت العناصر الأساسية ~~لخصائصنا الجسدية الحالية، تتشكل هناك؛ كالسير على قدمين ~~الذي ظهر بوضوح لأول مرة في الأسترالوبيثسينات، التي ظهرت ~~آثار أقدامها التي تعود إلى 3,7 مليون عام في الرماد ~~البركاني في لايتولي، بتنزانيا. وكذلك ظهرت الأدمغة الأكبر ~~حجما في بعض الأنواع مثل نوع «الإنسان المنتصب» (منذ 18 ~~مليون عام تقريبا)، ونوع «إنسان هايدلبيرج» (منذ ما يزيد عن ~~نصف مليون عام)، وهو النوع الذي تمكن من استكشاف قارات ~~بخلاف أفريقيا، غير أن سجلاته المادية لا تدل على ms016 حدوث ~~أي قفزة إدراكية إلى الأمام، مثلما هي الحال في نوع «الإنسان ~~العاقل». وهذه النقطة الأخيرة تشير إلى أمر غاية في ~~الأهمية، وهي أن أسلاف البشر كانوا يتمتعون بدماغ كبير ~~نسبيا، وإن كان لا يزال أصغر من دماغنا، قبل أن نظهر على ~~المشهد بفترة طويلة. وبالرغم من هذه الأدمغة الكبيرة، فإن ~~سلوك أقرب الأسلاف إلينا لم يكن لافتا للنظر عند مقارنته ~~بسلوك غيره من القردة العليا. لم يكن يحمل سوى قدر ضئيل ~~من التشابه مع سلوك البشر المعاصرين، وكذلك سلوك «إنسان ~~النياندرتال»، وهو النوع الشقيق لنوعنا، الذي عاش في أوروبا ~~قبل نصف مليون عام تقريبا، إلى أن انقرض على نحو متسارع ~~نتيجة وصولنا على تلك القارة فيما يبدو. # 6 # إذن، فيمكننا أن نصف نشوء نوعنا بأنه تغيير جذري حديث، ~~ومن المؤكد أن سلالتنا قد ظلت تتطور على مدار الملايين ~~من الأعوام؛ مما جعلنا على ما نحن عليه اليوم من الناحية ~~الفسيولوجية، غير أن أسلافنا قد عاشوا في معظم هذا الوقت ~~حياة قاسية وقصيرة، وقد كانوا في معظم الأحوال فرائس لغيرهم ~~من الأنواع الأفريقية الأكبر حجما. إننا لم ننجح دائما في ~~التغلب على الأنواع الأخرى في المنافسة بالدرجة التي ننجح ~~بها الآن. وقد تحدثت مؤخرا مع زميل في مجال علم ~~الإنسان، وهو أيضا عالم في الحفريات والآثار، يدرس حفريات ~~العديد من أنواع أشباه البشر في أفريقيا. وقد ذكر أن واحدة ~~من أبرز السمات في هذه الحفريات هي ما تدل عليه من عنف؛ ~~فالعديد منها يحتوي على تمزقات وكسور عظمية، وكثيرا ما ~~تحمل آثار أسنان المفترسات أو نابشات الفضلات، وكثيرا ما ~~توجد هذه الحفريات في مخابئ المفترسات كالأسود، ومعظمها ~~لأطفال وشباب. ومن المحزن أن هذه الأدلة تشير إلى أن ~~العديد من أسلافنا قد عاشوا حياة صعبة وقصيرة، وكانوا يواجهون ~~فيها صعوبة في التنافس مع الكائنات المفترسة المحيطة ~~بهم. # ويمكننا القول بأن قدرا كبيرا من هذه الصعوبة التي ~~كانوا يواجهونها قد جاء نتيجة للجمود الواضح في قدراتهم ~~الإدراكية، ويتضح هذا الجمود في الاختراعات ms017 المادية ~~التدريجية التي تظهر في سجل الحفريات على مدار العديد من ~~ملايين السنين؛ فلننظر إلى الفأس اليدوية الحجرية، التي ~~يشير إليها العلماء في مجال علم الإنسان باسم الفأس ~~الأشولية، والتي ابتكرها نوع «الإنسان الماهر» قبل ما يقرب ~~من 1,75 مليون عام. فهذه الفأس المحمولة التي تتميز بفائدتها ~~العملية البارزة، قد كانت أداة مهمة للغاية لأسلافنا، غير ~~أنها بسيطة للغاية مقارنة بالقوس والسهم. وقد اعتمد أشباه ~~البشر عليها وحدها تقريبا على مدار 15 مليون عام. فمع السير ~~على الأقدام، والأدمغة الكبيرة نسبيا، والأدوات البسيطة، ~~يبدو أن أسلافنا قد كانوا على منصة الانطلاق إلى الحداثة، ~~منذ مئات الآلاف من السنوات، غير أن هذا الانطلاق قد فشل إلى ~~أن جاء ما أشعل جذوته حديثا. # بعد المعارك التي كان يخوضها أسلافنا من أجل البقاء في ~~العصر الحجري القديم، اتخذت الأمور منحنى حادا إلى ~~الأفضل. (استمر العصر الحجري القديم من نحو 2,5 مليون عام، ~~إلى نحو 10000 عام مضت.) وفي مرحلة ما خلال مائتي ألف عام ~~ماضية، قبل مائة ألف عام على الأرجح وفقا للسجل الأثري، ~~حدث ما يبدو أنه تغير جذري في تفكير أسلافنا. ويتضح هذا ~~التغير الإدراكي في الأدوات العظمية المعقدة المصقولة، ~~والتي اكتشفت في كهف بلومبوس في جنوب أفريقيا على سبيل ~~المثال، إضافة إلى غيرها من الأدوات التي اكتشفت في ذلك ~~الكهف وغيره من الكهوف، وهو ما سنتناوله بقدر أكبر من التفصيل ~~في الفصل العاشر. وبعد اختراع هذه الأدوات بفترة قصيرة، بدأ ~~البشر في مغادرة أفريقيا بهمة. وتوضح التحليلات الجينية ~~للبشر الذين يعيشون في العصر الحالي أن الشعوب الحديثة غير ~~الأفريقية، هي أحفاد مجموعة صغيرة من نوع «الإنسان العاقل» ~~الذين قد أخذتهم هجرتهم من أفريقيا على الأرجح عبر البحر ~~الأحمر عند مضيق باب المندب. # 7 # ما حدث بعد ذلك كان سابقة من نوعه؛ كما كان غير متوقع ~~على الإطلاق، ذلك أن النوع البشري كان يواجه صعوبة كبيرة، ~~ويواجه تهديدا حقيقيا للغاية بالانقراض. وبالرغم من أن ~~بعض أنواع الرئيسات الأخرى قد غادرت أفريقيا ms018 مصادفة، لينتهوا ~~بعد ذلك بصورة أساسية في إقليم حيوي استوائي آخر، فقد بدأ ~~أسلافنا عملية الاستكشاف الإرادي والتي ما زالت مستمرة حتى ~~اليوم. وعلى مدار فترة التجوال في أنحاء العالم، التي ~~استمرت لعشرات الآلاف من السنوات، إلى أن وصل البشر إلى ~~حافة أمريكا الجنوبية قبل ما يقرب من 14000 عام، تمكنا في ~~النهاية من التأقلم مع جميع البيئات الموجودة في العالم ~~تقريبا. لقد تفوقنا في المنافسة مع بعض الأنواع الأخرى في ~~بيئات قاسية مثل التندرا السيبرية، وأدغال تسمانيا، وصحراء ~~أتاكاما، ومعظم البيئات البيولوجية التي تقع فيما بينها. ~~والسجل الأثري يوضح تقدمنا، وباختصار، فقد تكيف البشر ~~على التكيف. وهذا التكيف المستحدث كان سيصبح محالا ~~بدون اللغة والثقافة، وهما السمتان الأبرز ~~لنوعنا. # 8 # لا تزال أصول نشأة اللغة والثقافة محل جدال كبير، ووفقا ~~لأعمال العديد من العلماء في مجال علم الإنسان، فإن الثورة ~~اللغوية والثقافية لدى البشر قد نتجت بصورة كبيرة عن ~~اعتمادهم على التعاون بدرجة أكبر. وقد كان لهذا الاعتماد ~~جانبان: الجانب الأول هو أن البشر كانوا مجبرين على ~~التعاون للتفوق في المنافسة مع الأنواع الأخرى، وأما الجانب ~~الثاني فهو أن بعض المجموعات المحددة من البشر قد اعتمدت ~~على شكل أكثر تقدما من التعاون، عند التنافس مع مجموعات ~~أخرى من البشر. ويدعم هذا التفسير حقيقة أن البشر ينزعون ~~إلى تحري التعاون مع غيرهم من أفراد النوع البشري، بينما لا ~~يبدو أن مهارة اللغة متأصلة في شفرتهم الوراثية على وجه ~~التحديد. إن أطفال البشر الذين يفتقرون إلى بعض الوظائف ~~الإدراكية الأعلى التي تتمتع بها بعض الأنواع الأخرى من ~~القردة العليا، يتميزون بملاحظتهم الدقيقة لأنشطة التعاون ~~المحتملة مع أفراد آخرين. يبدو لنا إذن أن تأصل التعاون ~~في البنية الأساسية البشرية قد كان، على الأقل، مؤشرا ~~مهما على التحول من أنظمة التواصل البدائية القائمة على ~~الإشارات، التي كانت تستخدمها القردة، إلى أنظمة التواصل ~~الأقوى القائمة على الحديث، والتي استخدمها البشر. وبعبارة ~~أخرى، فإن ما يجعلنا كائنات لغوية هو ليس أننا مزودون ~~فطريا بمجموعة مهارات ms019 لغوية محددة، بل أننا قادرون على ~~التعاون، وأننا ننظم وفقا لمبادئ جماعية مهاراتنا ~~الإدراكية، التي يتمتع بالعديد منها أنواع أخرى من القردة ~~الأقل ترابطا. يبدو أن هذا التحرك نحو التعاون كان له ~~دور محوري في مسيرة حياتنا الإدراكية؛ إذ نتج عنه ذلك ~~التحول في نظام التواصل، الذي أسهم في أن يجعلنا بشرا على ~~وجه التحديد. لم يكن لوجود اللغة أن يصبح ممكنا دون تركيزنا ~~على التعاون، وما يتصل به من الانتباه الذي بدأنا في ~~توجيهه لفهم أفكار الآخرين ونواياهم. وأيا كانت أصولها، فلا ~~شك بأن اللغة قد أعادت تشكيل خبرتنا البشرية، ومكنتنا ~~من التفوق قبل مغادرة أفريقيا وبعدها. # 9 # إن اللغة تشكل طريقة تفكيرنا، وهي تسهل أيضا بعض ~~أنواع عمليات التفكير غير اللغوية. والفائدة الأكبر من ذلك، هي ~~أنها تتيح لنا أشكالا جديدة من التعاون، وتتيح للبشر أن ~~ينقلوا ما توصلوا إليه من حلول للتحديات البيئية إلى بقية ~~أفراد جيلهم والأجيال التالية كذلك. فالكلمات التي هي قنوات ~~الأفكار، أدوات إدراكية تتيح للأفراد تسجيل حلولهم لتلك ~~المجموعة الكبيرة والمتنوعة من المشكلات الحديثة التي ~~تواجههم حين يدخلون بيئات جديدة، والإفصاح عنها. لقد أتاح ~~اختراع اللغة للبشر أن يتوصلوا إلى الأفكار التي تدور في ~~عقول غيرهم من البشر، وأن ينقلوها بكل سهولة، دون أن ~~يضطروا إلى إنتاج أفكار جديدة باستمرار. وقد أتيحت ~~الفرصة لوجود تأثير ترس السقاطة الثقافي العابر للأجيال، ~~الذي ذكرته في الافتتاحية. إننا نظل قادرين على التكيف ~~جيدا على بيئاتنا الحالية، حتى في البيئات الحضرية في العالم ~~الحديث، بفضل الأفكار التي نقلت إلينا من عقول الآخرين منذ ~~طفولتنا، عن طريق اللغة؛ فاللغة وغيرها من الممارسات الثقافية ~~الرمزية تتيح لنا تخزين الأفكار والوصول إليها بسهولة، ومنها ~~الأفكار التي تمكننا من النجاة بأنفسنا وبثقافتنا. # 10 # رغم أن قصة ظهور اللغة قد ضاعت مع مرور الزمن، أو ربما ~~ظلت عالقة في غبش السجل الأثري بعيدة المنال، فما من ~~خلاف على أهميتها، مثلما أوضحنا هنا؛ فمن الجلي أن ~~الكلمات وغيرها من التمثيلات الرمزية، كانت بمثابة ms020 أدوات ~~ناجعة، وربما هي أعظم أدوات قد امتلكناها على الإطلاق. ~~غير أنه لا تزال هناك مجموعة متفرعة من هذه المجموعة من ~~الأدوات اللفظية، وهي الأدوات الإدراكية المتمثلة في ~~الأعداد، والتي أدت دورا مميزا للغاية في تشكيل الإنسانية ~~منذ هجرتها من أفريقيا، بل حتى قبل الهجرة من أفريقيا على ~~الأرجح. وقد مكنتنا هذه المجموعة الفرعية من الأدوات ~~اللفظية، من رؤية الكميات واستخدامها بطرق جديدة. وكما ~~ناقشنا بالفعل، فقد مكنتنا هذه الأدوات المحددة التي ~~نتحدث عنها، من إدراك الوقت بطرق جديدة كذلك. وعلاوة على ~~ذلك يقترح هذا الكتاب أيضا أن هذه الأدوات العددية قد ~~أدت إلى بدء تطور الزراعة والكتابة، ثم أدت بطريقة ~~غير مباشرة إلى تطور جميع التقنيات التي انبثقت عن هاتين ~~الظاهرتين الأخيرتين. إن هذه الأدوات قد غيرت خبرتنا ~~الإدراكية والسلوكية إلى الأبد. # الكميات في الطبيعة، والأعداد في عقولنا # في كثير من الأحيان تكون وظيفة الكلمات هي تسمية الأشياء أو ~~الأفكار الموجودة مسبقا؛ فكلمة «باندا» مثلا تسمي نوعا ~~محددا من الثدييات، وهذا النوع موجود بالفعل، بصرف النظر ~~عن وجود الاسم، غير أن الكلمات تشير أحيانا إلى مفاهيم ~~لا توجد إلا بوجود الكلمات المعنية. فلنتأمل ذلك في ضوء ~~الألوان؛ إننا نتفاعل دائما مع الجزء المرئي من طيف الضوء، ~~وهو جزء ضئيل من نطاق الأمواج الكهرومغناطيسية، وهذا الطيف ~~المرئي من الضوء مستمر دون أي فواصل مادية محددة؛ ولذا ~~فما من نقطة محددة على طيف الضوء تفصل بين الأخضر والأزرق ~~بدقة. ولهذا السبب تتخلى العديد من اللغات عن استخدام ~~مصطلحات مثل «أخضر» «وأزرق»، وتستخدم بدلا من ذلك كلمة للفئة ~~اللونية «أخضرق». بالرغم من ذلك، فإن متحدثي بعض اللغات ~~كالإنجليزية يشيرون إلى هذا التباين اللوني على الدوام، ~~ومن ثم يؤسسون فرقا أوضح بين «الأخضر» «والأزرق»؛ فهم ~~يستخدمون الكلمات للتواصل بشأن أجزاء من طيف الضوء يمكن ~~التمييز بينها على وجه التقريب، غير أنها تفتقر إلى وجود ~~حدود واضحة. وبعض متحدثي اللغات الأخرى، يقسمون طيف الضوء ~~بطرق مختلفة؛ فمتحدثو لغة البيرينمو في نيو غينيا على ~~سبيل ms021 المثال يستخدمون المصطلح «وول» والمصطلح «نر»، اللذين ~~يميزان بين جزأين من طيف الضوء، يشار إليهما في ~~الإنجليزية بمصطلح واحد هو «الأخضر». وهذه الاختلافات فيما بين ~~اللغات، تؤثر في كيفية إدراك المتحدثين بها للألوان ~~وتذكرهم لها، تأثيرا طفيفا لكنه أكيد. ومعنى هذا باختصار ~~أن مصطلحات الألوان ليست مجرد أسماء لمفاهيم موجودة مسبقا ~~عن الألوان، ويتشاركها جميع البشر، بل هي تبعث إلى الوجود ~~أيضا مفاهيم أكثر تحديدا للألوان. # 11 # مثلما أن مصطلحات الألوان تحدد أجزاء معينة من الطيف ~~الضوئي وتجسدها، فإن الكلمات وغيرها من رموز الأعداد ~~تولد في حياتنا الذهنية أنواعا معينة من الكميات؛ إذ ~~يتضح أن البشر لا «يرون» الفروق بين معظم الكميات بدون ~~الأعداد. وفي غياب الأعداد لن نختلف في رؤيتنا لكميات ~~الأشياء التي نراها في البيئات الطبيعية عن غيرنا من الأنواع ~~العديدة. فلولا قدرتنا على ابتكار الأعداد واستخدامها، ما ~~امتلكنا الأدوات اللازمة للإبحار تجاه هدف واتجاه محدد، ~~في بحر الكميات المحيط بنا. # قد يبدو الطرح القائل بأن الأعداد اختراع بشري، أمرا ~~غريبا؛ فبالرغم من كل شيء قد يقول البعض: إن وجود بعض ~~الأعداد المتوقعة في الطبيعة، مثل ثمانية (أرجل الأخطبوط) ~~وأربعة (الفصول) وتسعة وعشرين (أيام الدورة القمرية) وما إلى ~~ذلك، كان سيظل قائما بصرف النظر عن وجود البشر على الإطلاق ~~من عدمه. بالرغم من ذلك، فحقيقة الأمر على وجه الدقة هو أن ~~هذه «الكميات» تحدث في الطبيعة بانتظام وحسب، ويمكننا ~~القول إن الكميات والتناظر بين الكميات، يوجد منفصلا عن ~~الخبرة الذهنية البشرية، فسوف تظل أرجل الأخطبوط على الهيئة ~~التي توجد بها في مجموعات منتظمة، حتى وإن لم نكن قادرين على ~~إدراك هذا الانتظام. أما «الأعداد» فهي الكلمات والتمثيلات ~~الرمزية الأخرى التي نستخدمها للتمييز بين الكميات. # 12 # ومثلما أن مصطلحات الألوان تخلق بينها حدودا ~~ذهنية أوضح على الأجزاء المتجاورة على طيف الضوء المرئي، ~~فإن الأعداد تخلق حدودا إدراكية بين الكميات، وقد تعكس ~~هذه الحدود فرقا حقيقيا بين الكميات في العالم المادي، غير ~~أن العقل البشري لا يتمكن عادة من إدراك ms022 هذه الفروق بدون ~~الأعداد. # غالبا ما كانت كلمات الأعداد التي تمثل الكميات، ترى ~~على أنها تسميات ملائمة لأفكار يزود بها البشر فطريا، ~~أو يتعلمونها تلقائيا خلال مراحل نموهم الحيوي. وعلى العكس ~~من ذلك، تشير الأعمال الحديثة إلى أن الأعداد ليست مجرد ~~تسميات فحسب؛ فكما ذكرت عالمة اللغة واختصاصية الأعداد ~~هايكا فيسا ملحوظتها الثاقبة: «تمدنا اللغة بأمثلة على ~~الأعداد، هي الكلمات التي يمكن أن نستخدمها مثلما نستخدم ~~الأعداد، لا كمحض أسماء نستخدمها للإشارة للأعداد والتفكير ~~بشأنها.» # 13 # إن معظم الكميات المحددة لا توجد في عقولنا في ~~غياب الأعداد. ربما يكون هذا الزعم مفاجئا للبعض، غير أنه ~~مدعوم بالعديد من الأدلة التجريبية، أما الزعم بأن الأعداد ~~هي محض أسماء لأفكار موجودة مسبقا، فهو زعم لا تؤيده ~~أدلة كافية؛ لقد اتضح أن البشر، كالحيوانات الأخرى، لا ~~يستطيعون دوما أن يميزوا بين الكميات المحددة فيما يتجاوز ~~الثلاثة بدون وجود الأعداد. أما فيما يتجاوز الثلاثة، فلا ~~يمكننا سوى تقدير كمية الأشياء التي يستقبلها إدراكنا، إذا ~~لم نكن نعرف الأعداد. ويؤيد هذا الاستنتاج دراسات تجريبية ~~حديثة أجراها العديد من الباحثين (بمن فيهم أنا) على الأفراد ~~الذين لا يعرفون أي أعداد، وتؤيده أيضا الأبحاث التي ~~أجريت على الأطفال الرضع وغيرهم من الأطفال الذين لم ~~يتعلموا الأعداد بعد. سوف نناقش هذه النتائج بالتفصيل في ~~الجزء الثاني، ومثلما سنرى فإننا لا يمكننا تفكيك المعوقات ~~الفطرية التي تمنعنا من تمييز الكميات إلا من خلال أدوات ~~الأعداد. # بالرغم من ذلك، علينا أن نقر بأن هذا التفسير يطرح ~~لنا مفارقة، وهي: إذا كان البشر لا يستطيعون أن يفكروا في ~~الكميات بدقة إلا من خلال الأعداد، فكيف توصلوا إلى اختراع ~~الأعداد في المقام الأول؟ والنقطة الأولى التي سنوضحها في ~~الإجابة عن ذلك السؤال هي أن هذه المفارقة تنطبق على جميع ~~الاختراعات البشرية، في بعض الجوانب على الأقل. فلكي يحدث ~~أي اختراع، لا بد للبشر أولا أن يدركوا مفهوما لا ~~يدركونه عادة وبتلقائية. إن الاختراعات ليست متأصلة في ~~شفرتنا الوراثية، بل نصنعها من سلسلة ms023 من الأفكار التي ~~ندركها، وغالبا ما تكون أفكارا بسيطة. إننا لم نفطر على ~~التفكير في أشياء كنقاط الارتكاز أو المسامير اللولبية أو ~~العجلات أو المطارق أو غيرها من الأدوات الميكانيكية ~~الأساسية، غير أننا قد طورنا جميع هذه الأدوات عبر ~~مجموعة كبيرة مختلفة من الأفكار. فلنتأمل العجلة على سبيل ~~المثال، هذه الأداة البسيطة العملية؛ إننا نجد أنه يكاد ~~يكون من المستحيل «ألا» يخترع البشر هذه الأداة ، نظرا إلى ~~وعينا بدحرجة الأشياء الدائرية في بيئاتنا الطبيعية. بالرغم ~~من ذلك، فالعجلة ومحور الدوران من الاختراعات الحديثة ~~نسبيا، والتي لم توجد في العديد من الثقافات السابقة ~~(ومنها بعض المجتمعات الكبيرة مثل الإنكا)؛ ولهذا، بالرغم من ~~بساطتها وسهولة إدراك مفهومها، لا يمتلك البشر مفهوما ~~«فطريا» للعجلة. وبالمثل فإن أداة لفظية كالكلمة «سبعة»، ~~تبدو أمرا مسلما به للغاية حين نعرفها، وبالرغم من ذلك ~~فإن بعض الأفراد لا يعرفون الكمية المحددة التي تشير ~~إليها. ومثلما أنهم قد يكونون لا يعرفون العجلات، لكنهم يفهمون ~~فائدتها بسرعة حين يرون عجلة فعلية، فإنهم لا يتعلمون ~~مفهوم وجود سبعة أشياء بالتحديد إلا حين يتعلمون الكلمة التي ~~تمثل ذلك المفهوم؛ ولهذا السبب البسيط فإن مفردات الأعداد ~~لا تيسر العمليات الحسابية المعقدة فحسب، بل تيسر ~~أيضا مجرد التفريق بين الكميات التي تزيد عن ثلاثة، ~~وتمييزها. (وسنناقش الأدلة التجريبية على هذا الاستنتاج في ~~الجزء الثاني.) # بالرغم من ذلك، فربما قد لاحظت أنني لم أحل المفارقة ~~تماما، وإذا أعدنا صياغتها بطريقة مختلفة يمكننا أن نطرح ~~السؤال التالي: كيف تمكن أفراد لا يمتلكون أعدادا من إدراك ~~أن مثل هذه الكلمات يمكن أن تعبر عن الكميات، إذا كانت ~~الأعداد ضرورية لإدراك الكميات المحددة؟ يمكنك أن تعتبر ما ~~يلي بمثابة تعهد على ذكر تفسير أكثر تفصيلا في الجزء ~~الثالث من هذا الكتاب: فلتتخيل أن بعض الأفراد من نوعنا ~~قد أدركوا في نقاط زمنية مختلفة، أنه يمكن أن يمتد معنى ~~كلمة موجودة بالفعل، ليمثل كمية محددة أكبر من ثلاثة. ~~(فأدركوا مثلا أن كلمة «يد» يمكن أن تشير إلى العدد ms024 خمسة، ~~وليس الطرف المادي فحسب.) إن هذه الفكرة البسيطة هي صميم ~~اختراع الأعداد، غير أن أفراد نوعنا لا يولدون ومثل هذه ~~الفكرة متأصلة فيهم، مثلما أننا لم نولد وفكرة وجود ~~العجلات متأصلة فينا، أو فكرة أن السفن المصنوعة من الصلب ~~يمكن أن تطفو، أو فكرة أن الطائرات المصنوعة من الألومنيوم ~~يمكن أن تطير. بالرغم من ذلك، فحين اكتشف مخترعو الأعداد أنه ~~يمكن استخدام الكلمات للتمييز بين الكميات، مثل التمييز بين ~~خمسة وستة، مكنهم ذلك من تأسيس طريقة جديدة للتفكير بشأن ~~الكميات، وقد بدأ آخرون في استخدامها. ومن خلال ذلك الاستخدام ~~انتشرت الأعداد. # مثلما سأوضح بقدر أكبر من التفصيل في الفصل الثامن، ~~فإن حقيقة أن بعض البشر تمكنوا من اختراع الأعداد، يعود ~~بشكل كبير إلى عوامل تتعلق بالتشريح. إن الفكرة البسيطة ~~التي تتمثل في وجود كميات كبيرة محددة، وفي إمكانية ~~تسميتها، قد تولدت بصفة عامة عن حقيقة وجود كميات تتكرر ~~بانتظام أمام أعيننا تماما. إننا نمتلك خمسة أصابع في كل ~~يد، وتقدم لنا الحياة دائما مجموعات متطابقة تتكون من ~~خمسة عناصر لم نزود مسبقا بالقدرات الإدراكية اللازمة ~~لتمييزها، مثلنا في ذلك مثل الحيوانات الأخرى. غير أن ~~البشر قد تمكنوا مصادفة من إدراك هذا التناظر، ويبدو هذا ~~التناظر واضحا للغاية، غير أن مجرد إدراك هذا التناظر ~~البيولوجي، لا يؤدي بالضرورة إلى اختراع الأعداد؛ فمن ~~الممكن ألا يتم تمييز الكميات، وحتى الأصابع الخمسة في كل ~~يد، إلا بطريقة عابرة. بالرغم من ذلك، عند معرفة كلمة مثل ~~«خمسة» ثم استخدامها بشكل مثمر لوصف كمية الأصابع في كل يد، ~~فإن ذلك يؤدي إلى اختراع الأعداد. وهذا المسار التشريحي ~~العام الذي يفسر اختراع الأعداد، يدعمه الكثير من البيانات ~~اللغوية، مثل تكرار التشابه بين كلمة «خمسة» وكلمة «يد» في ~~لغات العالم. (سنوضح هذه النقطة بالتفصيل في الفصل ~~الثالث.) # إن اختراع الأعداد الذي تم في أوقات مختلفة على مدار ~~التاريخ البشري، لم ييسر تفكيرنا بشأن الكميات فحسب، بل ~~مكنتنا الأعداد من أن نكون قادرين دائما على التمييز بين ms025 ~~الكميات التي تزيد عن ثلاثة، بدقة وبصورة منتظمة. وسوف ~~نوضح هذه الفرضية بشكل أفضل على مدار هذا الكتاب، أما في ~~الوقت الحالي فإنني آمل أن أكون قد حددت بوضوح أكبر ~~ما أعنيه حين أقول إن الأعداد أدوات إدراكية ثورية قد ~~اخترعها البشر. ويقترح هذا الكتاب أن اختراع الأعداد ~~وانتشار استخدامها على نطاق واسع، قد أدى إلى إعادة توجيه ~~البشر إدراكيا وسلوكيا. فربما كانت الأعداد هي الأداة ~~الوحيدة الأكثر تأثيرا في مجموعة الأدوات اللغوية التي أتاحت ~~التحول الحديث لنوعنا، والذي ناقشناه في جزء سابق. إضافة ~~إلى ذلك، فقد مكنتنا من جميع أنواع الاختراعات الأحدث ~~منها، والتي سنناقشها لاحقا في هذا الكتاب، أو سهلتها لنا ~~على الأقل. وبدون هذه الأدوات الإدراكية، لم تكن الثورة ~~الزراعية لتحدث على الأرجح، ولم تكن الثورة الصناعية لتحدث ~~بالتأكيد. # إلى أين سيأخذنا هذا الكتاب؟ # يقدم هذا الكتاب توليفة من الأدلة المستقاة من مجال علم ~~الإنسان، والأدلة اللغوية والنفسية، وهو يأخذ في الاعتبار ~~بيانات من الجماعات البشرية وكذلك الحيوانات. وجميع هذه ~~البيانات تؤدي بإصرار إلى الاستنتاج البسيط الذي تنبأنا به ~~بالفعل، وهو أن الأعداد قد كانت بمثابة دعامات إدراكية ~~وسلوكية أساسية، فأسهمت في تأسيس الصرح الأكبر ~~للحداثة. # في القدر المتبقي من الجزء الأول، سوف نبحث في مدى تغلغل ~~الأعداد في الخبرة البشرية، وسوف نركز على التمثيلات ~~الرمزية للكميات في السجلات الأثرية والمكتوبة (الفصل ~~الثاني)، وفي الحديث كذلك، وسوف نستطلع كلمات الأعداد (الفصل ~~الثالث) وغيرها من الإشارات اللغوية إلى الكميات، في اللغات ~~حول العالم. وتقترح البيانات التي سترد في هذه الفصول أن ~~الأعداد مكون أساسي في جميع لغات العالم تقريبا، وكذلك ~~جميع الأنظمة الرمزية غير اللفظية القديمة. إضافة إلى ذلك، ~~فإن جميع النتائج التي فحصناها، تؤكد أهمية التشريح البشري ~~وعلم الأعصاب في اختراع الأعداد واستخدامها. # وفي الفصل الثاني سنتناول الدور الذي قامت به الأعداد في ~~تاريخ البشرية، وذلك من خلال تفصيل ما يرتبط بهذا الموضوع من ~~نتائج جمعت من بالغين لا يعرفون الأعداد (الفصل الخامس). ~~وسوف نفحص أيضا الإدراك ms026 العددي لدى الأطفال الذين لم يكتسبوا ~~مهارة اللغة بعد (الفصل السادس)، وكذلك المهارات العددية لدى ~~الأنواع الأخرى، التي يرتبط العديد منها بنوعنا ارتباطا ~~وثيقا (الفصل السابع). وسيركز هذا الفحص على الدراسات الحديثة ~~التي أجراها علماء الإنسان وعلماء اللغة في أماكن بعيدة في ~~معظم الأحوال، وكذلك الدراسات المستندة إلى المختبرات، ~~التي أجراها الباحثون في فروع أخرى من مجال العلوم ~~الإدراكية. # وفي الجزء الثالث من هذا الكتاب ، سوف نرى كيف أن الأعداد ~~قد شكلت معظم الثقافات المعاصرة، وسوف نتناول الكيفية ~~التي اخترعت بها الأعداد والعمليات الحسابية الأساسية على ~~الأرجح (الفصل الثامن). وأنا أقترح أيضا أن اللغة العددية ~~قد أسهمت في تغيير أنماط إعاشة البشر (الفصل التاسع). وسوف ~~نرى كيف أن الأعداد قد أتاحت ازدهار بعض التقنيات المادية ~~والسلوكية الأخرى، وهي تقنيات قد أدت إلى أحداث مهمة في ~~التاريخ البشري الحديث. وأخيرا ينتهي الكتاب بتناول بعض ~~الطرق المحورية التي قد غيرت بها الأعداد الثقافات ~~البشرية من الناحية الاجتماعية والروحية، وإن كان ذلك ~~بطريقة غير مباشرة على الأقل (الفصل العاشر). # الفصل الثاني # | الأعداد منقوشة في ماضينا # فوق أرض الغابة، وفي صميم قلب غابات الأمازون البرازيلية، ~~بالقرب من مدينة مونتي أليجري العتيقة، توجد مجموعة من الرسومات ~~على كهف بجانب أحد التلال وبعض الجدران البارزة. وهذه الرسومات ~~التي أبدعها فنان من السكان الأصليين قبل أكثر من 10000 ~~عام، ووثقتها بعناية شديدة عالمة الآثار آنا روزفلت، قد ~~أسهمت في تغيير فهمنا لتاريخ ما قبل الاستعمار في الأمريكتين. ~~في إحدى اللوحات، نجد مجموعة من علامات # x # المرسومة في ترتيب شبكي. ~~ووظيفة هذه الرسمة، التي هي أشبه بالمخطط منها بالعمل الفني، ~~ليست معروفة على وجه اليقين، لكن الأرجح أن هذه العلامات ~~تشير إلى كميات: للأيام، أو للبدور أو غيرها من أنواع الدورات ~~الثمينة التي ضاعت بمرور الزمن، تدل هذه الرسمة على توجه ~~أكبر. على مدار العقود العديدة الماضية، اكتشف علماء الآثار العديد ~~من قطع الأدلة التي تشير إلى أن القدماء كانوا يولون اهتماما ~~للكميات، وقد كانوا يمثلون هذه الكميات ms027 في بعدين؛ فلم ~~يكونوا يمثلونها على هيئة كتابة رمزية مكتملة الملامح، بل ~~بالعلامات المرسومة على جدران الكهوف، والعلامات المنقوشة على ~~الخشب والعظام. وعلامات العصي تلك هي علامات رمزية من حيث إنها ~~ترمز إلى شيء آخر، لكنها لا تمثل الكميات بطريقة رمزية مجردة ~~تماما كالأرقام الفعلية المكتوبة؛ فالرقم سبعة، على سبيل المثال، ~~يشير إلى مجموعة تتكون من سبعة عناصر، بغض النظر عن نوع هذه ~~العناصر. يمكن تسمية هذه العلامات البدائية «أرقام ما قبل ~~التاريخ»؛ فهي مؤشرات شبه رمزية على الأرقام الحديثة المكتوبة. ~~فلتتأمل الرقم 3 في الأرقام الرومانية # III # إنه أكثر شبها بتمثيل ~~ثلاثة عناصر بطريقة العد بالعصا فحسب. حتى الأرقام التي ~~نستخدمها، والتي تعود إلى أصل هندي، تحمل آثارا واضحة على نظام ~~العد بالعصا؛ فالرقم 1 مثلا، يمثل بعلامة عصا ~~واحدة. # 1 # على بعد 5000 كيلومتر من مونتي أليجري، في ليتل سولت سبرينج ~~بفلوريدا، اكتشف طلاب علم الآثار من جامعة ميامي في وقت قريب ~~جزءا كبيرا من قرن أحد غزلان الرنة، يعود تاريخه هو أيضا ~~إلى ما يقرب من عشرة آلاف عام قبل الآن. تظهر صورة حديثة لهذا ~~القرن في الشكل # 2-1 ~~، وكما توضح الصورة، ~~توجد مجموعة من الخطوط المنقوشة على جانب القرن، وهي خطوط ~~منتظمة للغاية، ويبلغ طول كل منها خمسة ملليمترات تقريبا. ~~إضافة إلى ذلك، فالمسافة بين الخطوط متسقة بدرجة كبيرة، مما ~~يوحي بأن هذه العلامات قد نقشت عن قصد وبشكل منهجي. وبجوار ~~هذه العلامات توجد نقوش صغيرة، يتوازى كل منها مع الخطوط ~~الأكبر. وتوحي هذه الخطوط الثانوية الصغيرة بأن العظمة كانت ~~تستخدم لمتابعة تقدم شيء ما. (في الشكل # 2-1 ~~، تظهر النقوش الثانوية إلى اليسار قليلا من الخطوط الأساسية ~~على القرن.) لقد غفل الكثيرون عن أهمية قطعة قرن الوعل؛ فهي لم ~~توصف إلا مؤخرا في دورية متخصصة في مجال علم الإنسان، دون ~~الإشارة إلى ما يترتب عليها من نتائج أعم. بالرغم من ذلك، فعلى ~~العكس من رسمة مونتي أليجري، يمكن لنا أن نطرح فرضية تتسم ~~بدرجة كبيرة من ms028 المنطقية، بشأن وظيفة العلامات الموجودة على ~~القرن. إن هذه العلامات توحي بالفعل بأن هذه القطعة من ~~القرن هي أقدم أداة معروفة في العالم الجديد، استخدمت لأهداف ~~تتعلق بالتقويم، وتوجد العديد من الأدلة التي تؤيد هذا ~~الاستنتاج. # 2 # شكل 2-1: قرن غزال الرنة المكتشف في ليتل سولت سبرينج ~~بفلوريدا، مع يد زميل لتوضيح الحجم. الصورة ~~الفوتوغرافية من التقاط المؤلف. # إن المياه في ليتل ووتر سبرينج فقيرة بالأكسجين (فهي تفتقر ~~إلى الأكسجين المذاب) فيما يزيد عن عمق 5 أمتار تحت السطح. ~~والقطعة المعنية، وهي جزء مستو من قرن، ويبلغ طولها 8 ~~سنتيمترات تقريبا وتزن ما يقرب من خمسين جراما، قد اكتشفت على ~~عمق 8 أمتار. لقد كانت محاطة بالماء الفقير بالأكسجين منذ أن ~~قطعت قبل 10000 عام تقريبا، والآثار لا تتلف في الماء الفقير ~~بالأكسجين بالدرجة التي تتلف بها في الماء المعتاد؛ إذن فالقرن ~~محفوظ بعناية شديدة؛ ولهذا يمكننا أن نثق بأن عدد العلامات ~~الموجودة على جانبه هو نفسه العدد الذي نقشه ذلك الفنان قبل كل ~~هذه الأعوام. إضافة إلى ذلك، فقد اكتشف القرن مغروسا في الأرض ~~بجوار حافة جرف تحت الماء، ولم يكن هذا الجرف مغمورا تحت المياه ~~في العصر الجليدي الذي صنعت فيه هذه الأداة، حين كانت مستويات ~~المياه المحيطة بفلوريدا أقل انخفاضا مما هي عليه الآن ~~بدرجة كبيرة. وقد كانت القمة المنحدرة لهذا الجرف تستخدم ~~بمثابة موقع صيد في ذلك العصر؛ فقد اكتشفت هناك العديد من بقايا ~~الحيوانات والأسلحة، وذلك على يد عالمي الآثار البحرية بجامعة ~~ميامي؛ جون جيفورد، وستيف كوسكي، وطلابهما. وقد قام هذا الفريق ~~البحثي بوصف هذه البقايا والأسلحة المعنية وأرخها بدقة، ~~واكتشف أنها تعود إلى العصر ذاته الذي ينتمي إليه القرن المنقوش. ~~ونظرا لأن قرن غزال الرنة قد اكتشف في هذا الموقع، فمن ~~المنطقي أن نفترض أن العظمة كانت تستخدم لغرض متعلق ~~بالصيد. ولدينا دليل آخر مهم يدعم هذا الاستنتاج الأخير، وهو ~~أن قطعة القرن قد نقش بها تسعة وعشرون خطا أساسيا، ~~ولدينا الآن جزء مكشوط، ms029 حيث كان به أحد هذه الخطوط كما يدل على ~~ذلك وجود نقش أصغر بجوار ذلك الجزء المكشوط. وأحد هذه الخطوط ~~الموجودة في المنتصف أقل انتظاما؛ ولهذا فقد يكون ثمانية ~~وعشرون خطا فقط هي التي نقشت عن قصد، غير أن هذا الاحتمال ~~الأخير يبدو غير مؤكد؛ إذ إن المسافة بين العلامات متساوية، كما ~~يتضح في الشكل # 2-1 ~~. # ولأنه من الواضح أن ليتل سولت سبرينج كانت تستخدم بمثابة ~~موقع صيد في العصر الحجري، فمن المحتمل أن تكون العلامات ~~الموجودة على القرن تمثل الأيام أو الليالي. فأطوار القمر ~~تؤثر في ممارسات الصيد نظرا إلى بعض العوامل مثل تغير سلوك ~~بعض الحيوانات في طور البدر، وتأثير ضوء القمر على حدة رؤية ~~الصيادين؛ ومن ثم فالأرجح أن المصفوفة المنقوشة على القرن، ~~التي تتكون من تسعة وعشرين خطا، تمثل عدد الأيام في الشهر ~~القمري، الذي يمتد على مدار 29 يوما ونصف اليوم في المتوسط. ~~ويدعم هذا التأويل التقويمي دليل موجود على القرن، لكنه أقل ~~وضوحا؛ وهو أنه لا يوجد نقش صغير بجوار أحد السطور الطرفية في ~~سجل العلامات (السطر الطرفي السفلي في الشكل # 2-1 ~~). ويوحي لنا ذلك بأنه لم يكن ثمة حاجة ~~إلى نقش علامة أصغر بجوار العلامة الأكبر، أي إن تسجيل العلامة ~~الأخيرة لم يكن ضروريا على ما يبدو. وذلك هو ما كان سيحدث ~~بالتأكيد إذا كان أحد الصيادين يتابع تقدم دورة القمر؛ فلن يكون ~~هناك حاجة إلى تسجيل حدوث البدر/الهلال، في الليلة الفعلية ~~المعنية، وسيكون الصياد مدركا تماما أن البدر أو الهلال ~~قد حل. وبالنظر إلى هذه العوامل، وكذلك اكتشاف الأداة في موقع ~~مرتبط بالصيد؛ فإن الاستنتاج الأرجح والجدير بالملاحظة بشأن ~~قطعة القرن، هو أن الصيادين كانوا يستخدمونها أداة لعد ~~الأيام/الليالي في الشهر، ثم عدها من جديد. ومعنى هذا أن ~~البشر قبل ما يزيد على 10000 آلاف عام، وفي مكان غير بعيد عن ~~ميامي التي نعرفها في الوقت الحاضر، كانوا يستخدمون العلامات ~~الخطية لمتابعة تقدم الكميات. وقد كانت أرقام ما قبل ~~التاريخ تتمثل في ms030 علامات العصي المنقوشة على جزء من قرن غزال ~~قد قطع إلى حجم مناسب حتى يمكن حمله بسهولة في قبضة اليد. ~~لقد كان ذلك بصفة أساسية تقويم الجيب في العصر الحجري، وقد ~~حفظ مصادفة في مياه فقيرة بالأكسجين. (ومن المفترض أن ~~العديد غيره لم يحفظ.) # بالرغم من أن «التقويم» المصنوع من قرن الغزال، والمكتشف في ~~ليتل سولت سبرينج، قد يمثل أحد أوضح الأمثلة على الآلات الحجرية ~~التي استخدمت لمتابعة دورة القمر، فمن المؤكد أن البشر الذين ~~استخدموه لم يكونوا هم البشر الوحيدين في العصر الحجري الذين ~~استخدموا نقش علامات العصي على العظام لمتابعة الكميات؛ ففي كهف ~~جروت دي تاي في جنوب فرنسا على سبيل المثال، اكتشفت لوحة عظمية ~~صغيرة منقوشة، ويعود تاريخها أيضا إلى العصر الحجري الحديث. ~~ويظهر على سطح عظمة الضلع مئات الخطوط المنقوشة، وتوضح بعض ~~التحليلات أن هذه الخطوط كانت تستخدم لأغراض تتعلق ~~بالتقويم. ومن الأدوات الأخرى التي اكتشفت في فرنسا، لوحة أبري ~~بلانشارد، وهي عظمة يعود تاريخها إلى 28 ألف عام، وتظهر عليها ~~نقوش دائرية وبيضاوية تمثل على الأرجح أطوار القمر وحركته. ~~إضافة إلى ذلك، يبدو أن البشر في أوروبا في العصر الحجري ~~الحديث، كانوا يستخدمون نظام عصي أقل تعقيدا، لتمثيل ~~الكميات، وذلك يشبه كثيرا استخدام بشر العصر الحجري العلوي ~~القديم الذين كانوا يعيشون فيما نعرفه اليوم بفلوريدا. ويؤيد هذا ~~الاستنتاج نموذج لنظام عصي بسيط، قد اكتشف أيضا في فرنسا، ~~وهو عظمة أبري سيليه أفيان التي تقترب في العمر من أداة أبري ~~بلانشارد. تحتوي عظمة أبري سيليه على علامات خطية، تفصل بينها ~~مسافة منتظمة بدرجة كبيرة، مثل قرن ليتل سولت سبرينج. ولا ~~يوجد بجوار العلامات نقوش أصغر، كالتي تتضح في قطعة ليتل ~~سولت سبرينج، وهي لا تمثل الكمية 29 أو أي كمية أخرى يمكن فهم ~~أسباب تمثيلها بعلامات العصي. بالرغم من ذلك، فإن أحد التحليلات ~~الحديثة يوضح أن عظمة أبري سيليه، لا تختلف عن أداة جروت دي ~~تاي وأداة أبري بلانشارد؛ فهي تقدم دليلا على أن مخترعها، أو ms031 ~~مخترعيها، قد عمدوا إلى تمثيل المفاهيم العددية بطريقة ~~مادية. # 3 # يبدو لنا إذن أن البشر في أوروبا وأمريكا الجنوبية وأمريكا ~~الشمالية، كانوا يمثلون الكميات في بعدين منذ آلاف السنوات. ~~ونحن لا نعلم على وجه اليقين ما إذا كانت أرقام ما قبل التاريخ ~~تستخدم مع مفردات الأعداد أم لا، لكن بالنظر إلى الدور الذي ~~تؤديه مفردات الأعداد في تيسير عملية التفكير الرياضي وتمييز ~~الكميات المتكررة (انظر الفصل الخامس)، فإن هذه الأدوات ~~تدل بالفعل على أن مخترعيها كانوا يستخدمون اللغة العددية. ~~إننا لا نعرف بصورة واضحة طول المدة التي كان البشر يستخدمون ~~فيها أرقام ما قبل التاريخ المنقوشة والمرسومة، لكنهم كانوا ~~يستخدمونها على الأرجح على مدار عشرات الآلاف من الأعوام. في هذا ~~الفصل وفي الفصلين الثالث والرابع، سوف أوضح استنتاجا بسيطا ~~يتضح في البيانات الأثرية العالمية واللغوية كذلك، وهو أن ~~البشر كانوا منشغلين دائما بتمثيل الكميات. إن مصطلحات ~~الكميات تؤدي دورا طاغيا وشاملا تقريبا، في لغات البشر ~~المعاصرة، مما يدل على دورها البارز في تاريخ الكلمة ~~المنطوقة. وبالمثل، فإن تركيز البشر على الأعداد يبرز في ~~السجل الأثري وفي تاريخ أنظمة الكتابة؛ فالأعداد منقوشة بالفعل ~~على سجلنا التاريخي. # مثلما هي الحال في جميع النقاشات عن تطور الأنظمة الرمزية ~~البشرية، فإن تركيزنا يتحول بالضرورة إلى أفريقيا. وبصورة ~~أكثر تحديدا، يسترعي انتباهنا إقليم صغير في الكونغو، وهو ~~الإقليم الذي كان عالم الجيولوجيا البلجيكي، جون دي هينزيلين، قد ~~اكتشف فيه في العام 1960 قصبة ساق أحد حيوانات البابون يبلغ ~~طولها 15 سنتيمترا، ويوجد عليها بعض النقوش. وبعد تأريخ هذه ~~العظمة، التي سميت بعظمة إيشانجو، على اسم المكان الذي ~~اكتشفت فيه في بحيرة إدوارد، اتضح أنها تبلغ من العمر عشرين ~~ألف عام على الأقل. وعلى جوانب العظمة التي يقترب شكلها من ~~الأسطوانة، يوجد ثلاثة أعمدة من الخطوط التي تظهر فيها علامات ~~مجمعة في مجموعات. ومنذ اكتشاف هذه العظمة يدور جدل حاد ~~بشأن دلالة هذه المجموعات؛ فقد اقترح البعض أن المجموعات تشير ~~إلى استخدام النظام العددي الاثني عشري ms032 (الأساس 12) أو الوعي ~~بالأعداد الأولية، أو النظام العشري. غزيرة هي الفرضيات؛ ~~لأننا لا نعرف الغرض الذي استخدمت العظمة لأجله بالتحديد، ~~غير أننا نعرف بالتأكيد أن الخطوط التي تمتد على جوانب ~~العظمة، متوازية تقريبا مع مثيلاتها من الخطوط الموجودة في ~~الأعمدة الأخرى. (وتختلف الخطوط في الاتجاه اختلافا طفيفا، وهي ~~تختلف أيضا بعض الشيء في الطول.) والأهم من ذلك أن الكميات التي ~~تظهر في مجموعات العلامات ليست عشوائية؛ فالعمود الأول يتضمن ~~العدد التالي من الخطوط، بالترتيب من الأعلى إلى الأسفل: 3، 6، 4، ~~8، 10، 5، 5، 7 (المجموع = 48). ويتضمن العمود الثاني مجموعات ~~تتكون بالترتيب من 11 و21 و19 و9 (المجموع = 60). وكالعمود ~~الثاني، يتضمن العمود الثالث أيضا 60 خطا، لكنها ترد في ~~مجموعات تتكون من 11 و13 و17 و19. وجميع الأعداد في هذا العمود ~~الأخير هي أعداد أولية، وتلك مصادفة على الأرجح، لكن ما يبدو ~~مصادفة أقل هو تساوي المجموع الكلي للعلامات في العمودين؛ ~~فهو يبلغ ستين في كلا العمودين. إضافة إلى ذلك، لدينا ~~احتمال واضح بأن العمود الأول يشير إلى نمط من أنماط ~~المضاعفة، نظرا إلى وجود مجموعات متجاورة هي عبارة عن 3 / 6، ~~و4 / 8، و5 / 10 على التوالي. # 4 # ربما تكون الفرضيات المتنوعة الجذابة بشأن العلامات ~~الموجودة على الجوانب، هي السبب في أننا عادة ما نغفل بشأن ~~عظمة إيشانجو حقيقة بسيطة لكنها هامة، وهي أن أحد طرفي ~~العظمة تبرز منه قطعة حادة من معدن المرو، وهي سن مدببة ~~ملحقة بها، من الواضح أنها كانت تستخدم في النقش. يبدو أن ~~عظمة إيشانجو كانت تستخدم بمثابة قلم رصاص في العصر الحجري؛ لقد ~~أمسك شخص ما بهذه العظمة بين أصابعه ذات مرة، واستخدمها للنقش ~~على أشياء أخرى؛ عظام على الأرجح. والاستنتاج البارز هنا هو أن ~~جوانب العظمة ربما كانت تستخدم بمثابة جدول مرجعي عددي للشخص ~~الذي يحملها، بينما يقوم هو بدوره بتسجيل كمية من العناصر أو ~~الأحداث، بشكل تفصيلي، على جانب عظمة أخرى أو قطعة خشب، أي إن ~~هذه العظمة كانت تستخدم لهدف فعلي ونظري في الوقت ذاته. إنها ~~تبدو كمسطرة ms033 للعصر الحجري؛ فالكميات ممثلة على جوانبها ~~لتيسير عملية مضاعفة هذه الكميات وغيرها بدقة. إن هذه العظمة ~~تشير إلى أن بعض سكان أفريقيا كانوا يجرون عمليات المضاعفة ~~على أرقام ما قبل التاريخ، منذ عشرين ألف عام على الأقل. # وبعض العظام الأفريقية الأخرى التي تظهر على جوانبها خطوط ~~منقوشة، يعود تاريخها إلى أبعد من ذلك، وينطبق الأمر نفسه على ~~بعض العظام المكتشفة في أوروبا، مثل عظمة الذئب التي يبلغ ~~عمرها 33 ألف عام، والتي تحتوي على خمس وخمسين علامة على أحد ~~جوانبها، وقد اكتشفت في جمهورية التشيك، غير أن وظائف معظم ~~هذه المنقوشات القديمة للغاية قد ضاعت للأبد على الأرجح. بالرغم ~~من ذلك، يبدو لنا أن إحدى العظام الأفريقية، وهي أقدم كثيرا من ~~عظمة إيشانجو؛ إذ يقدر عمرها باستخدام وسائل التأريخ بالكربون ~~المشع بحوالي 43000 عام أو 44000، كانت تستخدم لأهداف تتعلق ~~بالرياضيات، اكتشفت هذه العظمة في سلسلة جبال ليبومبو التي ~~تمتد على الحدود بين جنوب أفريقيا وسوازيلاند، وتوجد أيضا على ~~جوانبها خطوط منقوشة. عظمة ليبومبو هي قصبة ساق إحدى حيوانات ~~البابون، وهي شبيهة في الحجم بعظمة إيشانجو، لكنها كانت تستخدم ~~لوظيفة أقل تعقيدا، أو أوضح على الأقل؛ فهي تحتوي على تسعة ~~وعشرين خطا منقوشا على أحد جوانبها، ومن ثم فقد كانت ~~تستخدم على الأرجح لتتبع دورة القمر، مثل قرن الغزال ~~المكتشف في ليتل سولت سبرينج. وبالرغم من أن هذا التفسير ليس ~~مؤكدا؛ إذ إن العظمة مكسورة من كلا الطرفين، وهي ليست ~~مقطوعة بانتظام كقرن ليتل سولت سبرينج، فهو تفسير منطقي في ضوء ما ~~سبق ذكره من أهمية دورة القمر بالنسبة إلى الجماعات البشرية، ~~وكذلك في ضوء حقيقة أن بعض الشعوب الأفريقية المعاصرة تستخدم ~~تقويمات العصي المشابهة لها. # 5 # ما يتضح لنا من كل هذه العظام التي يتضمنها السجل الأثري، ~~هو أن البشر كانوا يسجلون الكميات بطريقة مادية، باستخدام ~~أرقام ما قبل التاريخ منذ عشرات الآلاف من الأعوام. فلطالما كنا ~~مهتمين بتسجيل الكميات ومتابعتها، سواء أكانت دورة القمر التي ~~تتكون من 29 يوما، ms034 أو غيرها من فئات الكميات التي تحدث في ~~الطبيعة. ويتضح هذا الاهتمام الذي تمسكنا به طويلا، على ~~مستوى العالم؛ إذ ظهر لدى الشعوب التي أتت لتقيم في فلوريدا، ~~والأمازون، وجنوب فرنسا، وفي وسط أفريقيا وجنوبها، ومن المؤكد أن ~~العديد من المواقع الأخرى لا تزال بها أدوات مدفونة. # القليل فقط من التقنيات التي ابتكرها البشر، كان لها هذا القدر ~~من التأثير الذي حققته أنظمة العصي الأساسية. وقد أدت أنظمة ~~العصي الأكثر تعقيدا دورا أكثر أهمية في أوروبا وغيرها من ~~الأماكن في الألفية الماضية، ولا تزال بعض أنظمة العصي الأساسية ~~تستخدم حتى الآن. ومن الأمثلة المتعددة على هذه الأنظمة، سوف ~~نلقي نظرة على نظام العصي الذي تستخدمه قبيلة جاراوارا، وهم ~~مجموعة من السكان الأصليين يبلغ عددهم مائة فرد، ويعيشون تحت ظل ~~غابات الأمازون الكثيفة في الجنوب الغربي، وهم يعيشون بصفة أساسية ~~على الصيد والتقاط الثمار. لا يزال هؤلاء الأشخاص بارعين في ~~استخدام أساليب البقاء التقليدية، والعديد منهم أيضا على بعض ~~الدراية بالحياة المتمدنة في البرازيل. وقبل خمسة أعوام فقط، ~~كنا نعتقد أن هؤلاء الأفراد يفتقرون إلى وجود أعداد خاصة بهم ~~من أي نوع. بالرغم من ذلك، فكما سنرى في الفصل الثالث، اتضح أن ~~الجاراوارا كانوا يستخدمون نظاما شفهيا للأعداد على مدار قرون ~~عديدة، وكانوا يستخدمون أيضا نظام العد بعلامات العصي، وقد ~~كان هذا النظام منقوشا على الخشب لا على العظام. ويوضح الشكل # 2-2 # أحد أمثلة هذا النظام، حيث تظهر صورة ~~غصن شجرة صغير عار، قد حفر فيه ببراعة أحد رجال الجاراوارا ~~سلسلة من الشقوق، وهذه الشقوق المثلثة المحفورة في الغصن ترد ~~في مجموعات منتظمة؛ فهي ترد في مجموعات تتكون من 1 و2 و3 و4 ~~و5 و10 نقوش منفصلة. وقد شرح لي الفنان الذي حفر هذه الشقوق ~~استخدامها التقليدي: عند الإشارة إلى الكميات، كعدد الأيام التي من ~~المتوقع أن يقضيها أحد رجال الجاراوارا في السفر على سبيل ~~المثال، سيشير الرجل إلى المجموعة المناسبة من الشقوق؛ فإذا كان ~~يتوقع أن يسافر لمدة أسبوع مثلا، ms035 فيمكنه أن يشير إلى ~~مجموعة تتكون من خمسة شقوق، وأخرى تتكون من شقين. وهذا ~~التمثيل للكميات مفيد للغاية، غير أننا سنرى في الفصل الخامس ~~أن بعض الثقافات التي تعيش في منطقة الأمازون لا تستخدم أي ~~تمثيلات مشابهة للكميات، سواء أكانت حسية أو لفظية أو بصرية؛ ~~فهي ثقافات لا عددية. أما الجاراوارا، فقد اعتادوا على استخدام ~~نظام عصي محمول، لا يختلف كثيرا عن ذلك الذي استخدمه صيادو ~~فلوريدا في ليتل سولت سبرينج، قبل 10000 عام. ونظرا لأنهم ~~استخدموا الخشب لا العظام لتسجيل نظامهم، وكذلك مع مراعاة استهلاك ~~غابات الأمازون لمعظم الأدوات التي صنعها البشر؛ فإن نظام ~~العصي الذي يستخدمه الجاراوارا لم يكن ليبقى حاضرا في السجل ~~الأثري لفترة طويلة. بالرغم من ذلك، فنظرا لوجود رسومات ~~قديمة تشبه نظام العصي في مونتي أليجري، فالأرجح أن سكان ~~الأمازون، كانوا هم أيضا يتحرون الدقة في الكميات منذ آلاف ~~الأعوام. ولا شك أن العديد من التقنيات المثيرة للاهتمام، ~~والتي كانت تستخدم لتصوير الكميات بصريا، مثل ذلك النظام الذي ~~يستخدمه الجاراوارا، قد ضاعت بمرور الزمن نتيجة للتحلل المادي، ~~وليس ذلك في الأمازون فقط، بل في جميع أنحاء العالم. # 6 # شكل 2-2: نظام العصي التقليدي لدى الجاراوارا. الصورة من ~~التقاط المؤلف. # على بعد مئات الكيلومترات باتجاه الجنوب الغربي للقرى القليلة ~~والصغيرة التي تسكنها قبيلة جاراوارا، حيث حافة إقليم الأمازون، ~~اكتشف مؤخرا نوع مختلف تماما من النقوش، وهي نقوش تتفق مع ~~الاستخدام القديم للأعداد، على يد مجموعة غير معروفة من البشر، ~~غير أن هذه النقوش ليست على الخشب ولا على العظام، بل على الأرض. ~~إنها مجموعة كبيرة من رسوم «الجيوجليف» الضخمة¬¬، وهي عبارة عن ~~خنادق خطية محفورة في الأرض، ويبلغ عمقها من مترين إلى ثلاثة ~~أمتار. عند رؤيتها من الأعلى، فإن هذه الرسوم تمثل أشكالا ~~هندسية منتظمة، كالدوائر والأشكال رباعية الأضلاع. وبعضها ~~مربعات منتظمة تماما بأضلاع متساوية يصل طولها إلى 250 مترا. ~~والأمر الغريب أن بعض هذه الرسوم يعود تاريخه إلى أكثر من 2000 ~~عام. لقد ظلت مغطاة ms036 بالغابات الكثيفة على مدار قرون طويلة، ~~إلى أن سمحت إزالة الغابات باكتشافها مصادفة، من طائرة صغيرة. ~~وبالرغم من أن قصة المعماريين الذين صمموا هذه الرسوم لا ~~تزال غامضة نظرا لقدمها، فمن الجلي أن هؤلاء الأشخاص قد ~~اعتمدوا على التطابق الرياضي المعتاد لابتكار هذه ~~الرسوم. # 7 # لقد أنتجت رسوم «الجيوجليف» هذه في وقت حديث نسبيا، ~~مقارنة ببعض ما ذكرناه من الأرقام الرياضية الأكثر وضوحا، ~~والتي تنتمي إلى مرحلة ما قبل التاريخ. غير أن هذه الرسوم تمثيل ~~واضح لأحد الموضوعات الشائعة في علم الآثار، وهو أن آثار انشغال ~~البشر الدائم بالأعداد، كثيرا ما تتضح في السجلات المادية. ~~وينطبق ذلك على أشهر أنواع بقايا العصر الحجري القديم، وهي رسومات ~~الكهوف، كما يتضح ذلك في الموقع الموجود بالقرب من مونتي ~~أليجري. وبالرغم من صعوبة معرفة وظائف رسومات الكهوف، فإن بعض ~~توجهات فن العصر الحجري القديم تتجلى في الجدران الداخلية ~~في بعض الكهوف. وبالرغم من استحالة معرفة المعنى الذي تنطوي عليه ~~هذه الرسومات على وجه التحديد، فغالبا ما يمكننا معرفة أعمارها ~~بدقة. ففي الأماكن التي استخدم فيها الفنانون الأصليون ~~الطلاء المعدني مثل المغرة‏ لرسم أعمالهم، يمكننا تأريخ هذه ~~اللوحات بشكل غير مباشر، وذلك من خلال استخدام الأدوات ذات الأساس ~~العضوي، التي توجد بالقرب من العمل الفني. أما الرسومات الفحمية، ~~فإنها تسمح بتأريخها بالكربون المشع بشكل مباشر من خلال تأريخ ~~الطلاء المستخدم في الرسم. # إن الجمع بين التأريخ والتأويل يوضح بعض ما تتضمنه رسومات ~~الكهوف الأوروبية من عناصر أساسية متكررة قديمة للغاية، وغالبا ~~ما نجد في هذه الرسومات ظهورا للحيوانات؛ فللثيران البرية وغيرها ~~من أنواع الأبقار، دور بارز للغاية، إضافة إلى الثور الأمريكي ~~والخيول وغيرها من الثدييات الكبيرة. ويتكرر في هذه الرسومات ~~أيضا ظهور عنصر آخر، وهو اليد البشرية؛ إذ تظهر في أقدم ~~الرسومات الأوروبية، كالرسومات الموجودة في كهف إل كاستيلو في ~~إسبانيا (عمرها 40000 عام تقريبا)، وفي كهف شوفيه (32000 عام ~~تقريبا)، وكهف لاسكو بجنوب فرنسا (17000 عام تقريبا). وربما يكون ~~لشكل اليد في هذه ms037 الكهوف وظيفة عد من نوع ما، غير أن ذلك ~~تخمين فحسب. أما رسومات الأيدي المطبوعة في كهفي كوسكار وجارجاس ~~في فرنسا، التي يعود تاريخها إلى 27000 عام تقريبا، فقد كان لها ~~على الأرجح وظيفة عددية؛ فالرسومات المطبوعة في هذين الكهفين ~~تصور أياد يسرى تمتد أصابعها من 1 إلى 5، وفي جميع ~~الرسومات، يظهر الإبهام مرفوعا وكأنه يعبر عن العدد الأول في ~~تسلسل العد. وقد ذكر عالم الآثار كارينلي أوفرمان، والذي أجرى ~~أبحاثا رائعة عن التمثيلات العددية في السجل البشري المادي، ~~أن رسومات الأيدي المعنية في هذين الكهفين تعبر عن أسلوب ~~العد من الإبهام (1) إلى الإصبع الصغيرة (5). (ومعنى هذا أن ~~الإبهام بمفردها مرفوعة تمثل العدد 1، وحين تكون الأصابع كلها ~~مرفوعة، بما فيها الإصبع الصغيرة؛ فإن ذلك يمثل الكمية 5.) ~~وإذا قبلنا بتلك الافتراضات فإنها تشير إلى أن ما دون ذلك من ~~تمثيلات الأيدي البشرية في العصر الحجري القديم، ربما كانت ~~تستخدم هي الأخرى لتمثيل الكميات. # 8 # إن ما يلفت النظر تحديدا في سياق ما نطرحه الآن، هو أن ~~اليد البشرية وأصابعها عنصر أساسي يتكرر في جميع رسومات الكهوف ~~على مستوى العالم، لا الكهوف الأوروبية فحسب. وبالفعل، فإن ~~بعضا من أقدم الرسومات المعروفة في العالم، في كهف سولاويسي ~~بإندونيسيا، مزخرفة برسومات ملونة للأيدي، تظهر فيها كل إصبع ~~بوضوح. يبلغ عمر رسومات كهف سولاويسي ما يقرب من 40000 عام، ~~وكغيرها من العديد من الرسومات الموجودة في الكهوف الأخرى، قد ~~صنعت من خلال وضع الصبغة على يد ثم وضع اليد على الجدار. وفي ~~السياق نفسه، فإننا نجد بعض رسومات الطباعة بالأيدي في كهف فيرن ~~في أستراليا، ويعود تاريخ هذه الرسومات إلى ما يقرب من 12000 عام. ~~وحتى في أمريكا الجنوبية، يظهر عنصر اليد بدرجة كبيرة في الأشكال ~~الفنية التي يبلغ عمرها 10000 عام تقريبا، والموجودة في كهف ~~«كويفا دي لاس مانوس» أي «كهف الأيدي» - وهو اسم على مسمى - ~~الذي يوجد في منطقة بتاجونيا بالأرجنتين. ويضم هذا الكهف عشرات ~~الصور الملونة للأيدي، وهي تظهر في الشكل # 2-3 ms038 ~~. # 9 # شكل 2-3: رسومات الأيدي المطبوعة في كهف كويفا دي لاس ~~مانوس، بالأرجنتين. ويكيميديا كومونز ~~( # CC BY-SA ~~3.0 ~~). # لقد أدى تصوير الأيدي والأصابع دورا بارزا يتضح في جميع ~~قارات العالم، في تطور الفن والرموز ثنائية الأبعاد. وبناء على ~~هذا التوزيع العالمي لرسومات الأيدي، فمن المحتمل أن يكون البشر ~~قد مارسوا رسم الأيدي قبل مغادرة أفريقيا. ويحمل هذا التفسير ~~لتصوير الأيدي قدرا لا بأس به من التخمين، وربما يكون قد حدث ~~لظروف فحسب. بالرغم من ذلك، ففي بعض الحالات على الأقل، يوضح ~~التحليل التفصيلي وجود وظيفة عددية لرسومات الأيدي المطبوعة. ~~ونظرا لأهمية الأيدي في التمثيل اللغوي للأعداد، الذي سنناقشه ~~بالتفصيل في الفصل الثالث، ونظرا إلى الوظيفة العددية الواضحة ~~لبعض الأدوات القديمة الأخرى، كعظمة إيشانجو، فليس من المستبعد ~~أن تكون لبعض هذه التمثيلات الفنية للأيدي وظائف أساسية تتعلق ~~بالكميات؛ فرسومات الأيدي الموجودة في كهفي كوسكار وجارجاس ~~تعبر عن العد بصفة خاصة. وحتى إذا نحينا هذه الافتراضات ~~المنطقية جانبا، فسوف ندرك على الأقل أن رسومات الكهوف تمتلئ ~~بالأدلة التي توضح تركيز البشر على أيديهم؛ فنحن قوم مشغولون ~~بأيدينا. ومثلما سنرى في مناقشتنا عن الإدراك لدى الأطفال في ~~الفصل السادس، فإن تطور التفكير العددي لدى الأطفال يرتبط ~~ارتباطا وثيقا بهذا التركيز على اليد؛ فحتى ونحن لا نزال في ~~الرحم، نبدأ بالانتباه إلى أيدينا. وعادة ما تتضمن محاولاتنا ~~الأولى لتمثيل الكميات استخدام الأصابع، وكذلك فإن العد على ~~الأصابع هو ممارسة منتشرة في جميع ثقافات العالم. # أيا كان ما يشير إليه كثرة ظهور الأيدي في رسومات الكهوف، ~~بشأن تاريخ الأعداد، فالواضح أن العديد من إبداعات مختلف ~~فناني العصر الحجري القديم، التي انتشرت في مناطق جغرافية ~~مختلفة، وعلى مدار عشرات آلاف الأعوام، تصور الكميات. فللنقوش ~~والرسومات القديمة تفسير عددي في معظم الحالات، وقد أدى تمثيل ~~الكميات بالعصي دورا متكررا في عرض أفكار الإنسان على ~~عظام الحيوانات والخشب والأرض وجدران الكهوف. # لم يؤدي تمثيل الكميات مثل هذا الدور البارز في مثل هذه ~~الأعمال الإبداعية القديمة؟ أعتقد أن الإجابة ms039 عن هذا السؤال ذات ~~شقين على الأقل؛ أولهما هو سهولة تمثيل الكميات في صورة ثنائية ~~البعد، مقارنة بغير ذلك من جوانب الخبرة البشرية كالوقت (الذي ~~يبدو أنه كان يمثل بطريقة غير مباشرة في أعمال العصر الحجري ~~القديم من خلال علامات العصي التي تمثل الدورات السماوية)، أو ~~الانفعالات أو بعض المواقع الفعلية المحددة كذلك، والتي تستلزم ~~درجة أكبر من التعقيد الفني؛ كي يتم التعبير عنها بدقة من ~~خلال الرسم. وعلى العكس من ذلك، فالخطوط البسيطة وغيرها من ~~العلامات يمكنها تمثيل الوحدات أو الكميات بطريقة سهلة ~~ومباشرة، غير أن ذلك يثير التساؤل عن السبب في أن علامات ~~العصي تعبر عن غيرها من الأشياء بسهولة شديدة وبطريقة ~~مجردة، دون أن تصورها فعليا. وربما تكمن إجابة هذا ~~السؤال في أيدينا، وإن كان ذلك بصورة جزئية على الأقل، وهي ~~تتمثل في التشابه بين العلامات الخطية البسيطة وأصابعنا التي ~~تشبه الخطوط. يمكننا أن نقول بطريقة ما: إن الأصابع هي خطوط ~~تشريحية ثلاثية الأبعاد؛ فليس من المفاجئ إذن أن نجد الأفراد في ~~العديد من الثقافات حول العالم، وليس الأفراد في جميع الثقافات ~~بالتأكيد، قد استخدموا الخطوط لتمثيل الكميات، مثلما يستخدمون ~~الأصابع للغرض نفسه. ومعنى هذا أن الانتقال من أنظمة العد ~~على الأصابع إلى أنظمة العد بعلامات العصي، يستلزم قفزة ~~إدراكية أبسط مما يستلزمه اختراع أنواع أخرى محتملة ~~للتمثيلات البصرية للأفكار. فمن الناحية العملية، تستند أنظمة ~~العد بالعصي إلى طريقة مباشرة لتمثيل الأفكار على مساحة ~~ثنائية البعد، وذلك مقارنة بالعناصر والأفكار التي تزيد صعوبة ~~تمثيلها بأسلوب فني، وما من مدخل تشريحي يسهم في تمثيلها ~~تمثيلا بسيطا. # وأما الشق الثاني، وربما يكون الأهم، فهو أن علامات العصي ~~الرقمية المنقوشة، وكذلك الرسومات التي تعبر عن ممارسات العد ~~على الأصابع، وإن كان ذلك على نحو افتراضي بصورة أكبر، قد ~~انتشرت بصورة أكبر في السجل الأثري بسبب فائدتها لمبتكريها. ~~إن الوسائل التمثيلية لترميز الكميات ذات فائدة عظيمة؛ فمن ~~السهل جدا أن نرى على سبيل المثال بعض المزايا المحتملة لإعداد ~~جدول بالعدد الدقيق ms040 لرجال إحدى القبائل التي ينتظر شن غارة ~~عليها، أو تسجيل العدد الدقيق للحيوانات المفترسة الموجودة ~~بالقرب من المرء. ومن السهل أيضا أن ندرك بعض المزايا ~~المحتملة لتتبع وحدات دورة القمر، وبالرغم من أن البشر ~~يستطيعون العيش والنجاح بالطبع دون تتبع مثل هذه الكميات، ~~فإن مزايا القيام بذلك تساعد في تفسير السبب في أن جميع ~~ثقافات العالم تقريبا تستخدم الأعداد. ويمكن لهذه المزايا أن ~~تحسن من معدلات البقاء على قيد الحياة، سواء في الحرب أو ~~الصيد. إن وظيفة أرقام ما قبل التاريخ، تتجاوز العوامل الروحية ~~والاجتماعية والبلاغية. إنها قد تكون ضرورية، في بعض الحالات على ~~الأقل؛ لمجرد البقاء على قيد الحياة. # ليس من العجيب إذن أن نجد أن أرقام ما قبل التاريخ قد أدت ~~مثل هذا الدور البارز في هذا التمثيل المجرد الذي ابتكره البشر ~~خلال العصر الحجري القديم. ولم يقتصر دورها البارز في هذه ~~التمثيلات ثنائية البعد للأفكار، على العصر الحجري، وإنما ~~تجلى أيضا بعد ذلك بآلاف السنين، حين تحول البشر إلى تمثيلات ~~رمزية أكثر تعقيدا للأفكار؛ ففي فجر الكتابة، احتل دور ~~البطولة الذي تقوم به الأعداد مركز الصدارة مرة أخرى. # الأعداد في مرحلة نشأة الكتابة # الساحة الكبرى للمتحف البريطاني في وسط لندن، محمية ~~بمظلة من الزجاج والصلب، وتعمل هذه المظلة الشفافة ~~بمثابة مصفاة للضوء؛ فهي ترشح سماء لندن الرمادية، ~~وتلقي بضوء سماوي أبيض على مجموعة المصنوعات البشرية الهائلة ~~التي تقطن تحتها. وهي مجموعة منقطعة النظير من نواح عديدة، ~~نظرا إلى الطريقة التي جمعت بها الإمبراطورية البريطانية ~~هذه الكنوز من جميع أنحاء العالم (أو ربما الوصف الأنسب أنها ~~استولت عليها، في بعض الحالات على الأقل). ومن هذه الكنوز ~~حجر رشيد، الذي يحيط به دوما حشد من السياح هم أشبه ~~بالمصورين المتطفلين، وهو يقع إلى اليسار في اتجاه ~~القاعة الجنوبية الغربية المجاورة للساحة الكبرى. أما في ~~الطابق الأعلى للقاعة، فيقبع غرض آخر أصغر وأبسط، ~~ومهمل بعض الشيء، لكنه قد يمدنا برؤى أعظم عن تطور ~~الكتابة البشرية. على جدار عادي غير مزخرف، ms041 وفي معرض بسيط ~~لتاريخ الكتابة البشرية، يعلق لوح من الجص يبلغ عمره ~~5300 عام (أكبر من حجر رشيد بثلاثة آلاف عام). لا يزيد طول ~~هذا اللوح على بضعة سنتيمترات في كل جانب، ويضم خطوطا ~~ونقطا نقشت في الجص، قبل كل هذه الأعوام. ونحن نعرف الآن ~~أن هذه النقط والخطوط تمثل كميات، كميات حبوب على ~~الأرجح، أو ربما سلعة أخرى كانت تستخدم في المعاملات ~~الاقتصادية، وهي نظامية بدرجة أكبر من العلامات التي تظهر ~~في سجل العصر الحجري القديم؛ فهي ليست مجرد علامات عصي ~~تعبر عن الكميات، بل تمثل طريقة قياسية للتواصل في ~~بعدين. إنها أول رموز كتابية فعلية نعرف عنها؛ فكل خط ~~وكل نقطة يعبر عن كمية محددة مجردة. وبعبارة أخرى، ~~فالعلامات الموجودة على لوح الجص هي أرقام فعلية. # من بين ضباب الممارسات الرمزية المنتشرة حول العالم، ظهرت ~~الكتابة الفعلية في بلاد الرافدين في الوقت الذي شكل فيه ~~هذا اللوح. وهذا اللوح المعروض في لندن الآن، هو مثال على ~~التحول الذي بدأه الكتاب في بلاد الرافدين، وهو التحول ~~من استخدام الطرق البسيطة في تصوير الكميات إلى الكتابة ~~مكتملة الأركان. إن علماء الكتابات الأثرية وغيرهم من ~~العلماء، عادة ما يفرقون بين الكتابة التي توفر ترميزا ~~كاملا للغة معينة، وبين الكتابة الأولية، وهي صورة أقدم ~~من الممارسة الرمزية (غير أنها أقل قدما من أرقام ما قبل ~~التاريخ المستخدمة في سياقات العصر الحجري القديم)، وهي لا ~~تصور سوى مجموعة محددة من المعاني المحتملة. واتخاذ ~~قرار محدد بشأن ما إذا كان أحد النصوص القديمة ينتمي إلى ~~فئة الكتابة الأولية أم الكتابة الفعلية، ليس بالأمر السهل، ~~والواقع أن هذه المصطلحات تعتم العملية التدريجية التي ~~تطورت الكتابة من خلالها. # وإذا نحينا الاختيارات الاصطلاحية جانبا، نجد أنه ~~من المتفق عليه عامة أن أول تطور شامل للكتابة، قد حدث ~~في منطقة الهلال الخصيب، وتحديدا في بلاد الرافدين على يد ~~السومريين. غير أنها ليست اختراعا خاصا بمنطقة الشرق ~~الأوسط فحسب؛ فقد تطورت أيضا بصورة مستقلة في الصين ~~وأمريكا الوسطى. ومن ms042 هذه الأقاليم، انتشرت الكتابة وتطورت ~~وفقا للاحتياجات اللغوية والاجتماعية والاقتصادية المحلية. ~~واليوم توجد العشرات من أنظمة الكتابة، مثل ذلك النظام الذي ~~أستخدمه الآن للتعبير عن أفكاري إليك. بالرغم من ذلك، يمكننا ~~أن نتتبع أصل جميع هذه الأنظمة الكتابية العديدة ونردها ~~إلى واحد من ثلاثة أساليب أساسية للكتابة، وذلك بطرق فعلية ~~ومثبتة تاريخيا. وسيكون تركيزنا هنا على نشأة أقدم أنظمة ~~الكتابة الفعلية، الذي تطور في بلاد الرافدين. (وفي الفصل ~~التاسع، سنناقش باختصار، أصول بعض أنظمة الكتابة الأخرى.) لقد ~~ولدت الكتابة البشرية لأول مرة في هذه المنطقة، وتوضح قصة ~~الميلاد هذه الدور الأساسي الذي أدته الأرقام في بداية ~~تطور الكتابة. # 10 # بطريقة ما، ليس هناك ما يدهش في تلك الجاذبية التي طالما ~~اتسمت بها الرموز العددية؛ إذ إن الطلاقة في مثل هذه ~~الرموز قد أدت، ولا تزال تؤدي، دورا اجتماعيا اقتصاديا ~~في حياة الناس. فالعديد من هذه الرموز الكتابية التي تعبر ~~عن الكميات، والتي حفظت جيدا، هي عملات معدنية أو أدوات ~~تشبهها، ترمز لقيم مالية محددة. ومع مراعاة النسب ~~المحدودة لمعرفة القراءة والكتابة على مدار معظم تاريخ وجود ~~الكتابة البشرية، فالعملات المعدنية وغيرها من أنواع العملات ~~المرتبطة بكميات محددة، قد ظلت على مدار فترة طويلة ~~(ولا تزال في بعض مناطق العالم) هي الرموز الوحيدة التي يستطيع ~~الناس تفسيرها. وحتى بعد تطورها المستقل في أوراسيا ~~والأمريكتين، ظلت الكتابة الفعلية على مدار ألف عام، مهارة ~~متخصصة، يمارسها ويعلمها للآخرين مجموعة محددة من ~~الأفراد في عدد قليل من المجتمعات. فدروس الكتابة في نهاية ~~المطاف، هي ترف اقتصادي قد نتج بصورة غير مباشرة عن ~~الزراعة التي أتاحت وجود مثل هذه المهنة المتخصصة. وقد ~~أدت الوظيفة الاقتصادية للأعداد دورا واضحا في تطور ~~نقوش الكتابة في مجتمع بلاد الرافدين الزراعي، وقد أدى هذا ~~الدور في النهاية إلى تشكيل لوح الجص الذي يوجد فوق ~~الساحة الكبرى في المتحف، فلنتناول سريعا إحدى النظريات ~~التي تفسر كيفية حدوث ذلك. # من المحتمل أنه قبل فترة تقدر بثمانية آلاف عام، كان ~~البشر في ms043 بلاد الرافدين يتقايضون كميات كبيرة من المحاصيل ~~الزراعية والحيوانات فيما بينهم. وقد سهل المقايضة في ~~المنطقة إدراكهم لإمكانية تمثيل الكميات بصورة رمزية، ~~ونقلها عبر مسافات بعيدة. إن إحدى الوسائل الأساسية التي ~~تطورت في هذه المنطقة، قد تبدو الآن عتيقة، غير أنها كانت ~~ثورية ولا شك في ذلك الوقت، وهي أوعية متينة من الفخار ~~مملوءة بعملات رمزية، كانت بمثابة العقد. فإذا افترضنا ~~مثلا أن أحد ملاك الأراضي قد وافق على أن يدفع لمالك ~~أرض آخر مقدارا محددا من الأغنام؛ فيمكن تسجيل هذا ~~الاتفاق في كرة من الطين، فتوضع العملات الرمزية التي ~~تمثل الكمية المحددة من الأغنام في الطين الذي يوضع بعد ~~ذلك في أفران حتى يصبح صلبا؛ ومن ثم فقد كانت كرة ~~الفخار بمثابة سجل يمكن نقله وكسره بعد ذلك حين الوفاء ~~بالعقد. ولتيسير عملية التسجيل؛ كان من الممكن الإشارة إلى ~~عدد العملات الموجودة داخل الإناء الفخاري ، على الجانب ~~الخارجي منه. ومع الوقت، اخترعت رموز خارجية محددة ~~لتمثيل أنواع البضائع التي تتكرر كثيرا في المعاملات. وكان ~~يمكن بعد ذلك مضاهاة هذه الرموز الخارجية مع عدد العملات ~~الرمزية الموجودة داخل الإناء. ومما لا شك فيه أن نظام ~~المضاهاة هذا قد سرع وتيرة التعاملات الاقتصادية في هذا ~~الزمن السابق على العملات النقدية الفعلية. # إننا لا نعرف على وجه التحديد طول المدة التي استمر ~~خلالها هذا النظام الكمي الثلاثي الأبعاد لتمثيل السلع، ~~في بلاد الرافدين. وعلى أي حال، فقد بدأ السومريون في نهاية ~~المطاف في التخلي عن العملات الرمزية الداخلية تماما، ~~وتحول النظام تدريجيا من نظام ثلاثي الأبعاد إلى نظام ~~ثنائي الأبعاد (غير أنه من المحتمل أن يكون النظام ~~الثلاثي الأبعاد قد استمر في بعض الأماكن). ومعنى هذا أنه ~~بدلا من ترميز كميات السلع التجارية بعملات حقيقية داخل ~~الأواني الفخارية، كانت الكميات تمثل ببساطة على ألواح ~~طينية صغيرة جاءت لتحل محل تلك الأواني. وبالفعل، كانت ~~تلك الأواني والعملات الموجودة بداخلها زائدة عن الحاجة. فكل ~~ما كان ضروريا لحفظ العقود، هو طريقة منهجية لتسجيل السلع ms044 ~~والكميات الموجودة على الفخار. ومن المرجح أن تكون الكتابة ~~المسمارية، وهي أول كتابة اخترعها البشر، قد ولدت تدريجيا ~~من هذه الفكرة. فمع مرور الوقت، امتد استخدام هذا النظام ~~لترميز الكميات والبضائع ليشمل أغراضا أخرى. وتطورت رموز ~~جديدة للسلع وغيرها من الأفكار، مرة تلو الأخرى، من خلال ~~أجيال جديدة من النقوش الكتابية. وأصبحت وسائل تسجيل هذه ~~الرموز المصورة على الطين منظمة، وذلك باستخدام الخوص أو ~~القصب لنقش الرموز بعناية، وبطريقة تتيح فهمها بسهولة، ثم ~~جاء تمثيل قواعد اللغة بعد ذلك، إلى أن أصبح من الممكن في ~~النهاية تمثيل جميع الجمل بالكتابة. وبينما نحن نتحدث بكل ~~يسر عن «اختراع» الكتابة، فقد تطورت بالفعل على مدار ~~آلاف الأعوام. بالرغم من ذلك، فمن الواضح أنه في بداية هذا ~~التطور الطويل في بلاد الرافدين، كان تمثيل الكميات ~~موجودا بالفعل، وقد كان ذلك في الواقع هو صميم الكتابة ~~المبكرة. # ثمة شيء يدعى «مبدأ استخدام الرموز في تمثيل أصوات ~~اللغة» هو الذي يسرع التطور التدريجي لأنظمة الكتابة، مما ~~يؤدي إلى السرعة في استخدام الرموز المستندة إلى الأصوات، ~~بدلا من الرموز المعبرة عن أفكار ومفاهيم، كالرموز ~~المستخدمة في الأشكال الأولى من الكتابة السومرية. ويشير ~~مبدأ استخدام الرموز في تمثيل أصوات اللغة إلى استخدام الرمز ~~نفسه في تمثيل لفظتين متجانستين صوتيا. فلتتأمل مثلا ~~هذا المثال الخيالي البسيط: تخيل لو أن الكتابة الإنجليزية ~~كانت تمثل بالرموز أو الصور المعبرة عن الأفكار، بحيث ~~يمثل الرمز الواحد فكرة أو مفهوما أساسيا، لا صوتا. ~~وتخيل أيضا أن مفهوم «العين» أو بالإنجليزية # Eye # يمثل من خلال هذا ~~الشكل الذي يتمثل في قوسين بينهما علامة النجمة ~~( ~~⋆ ~~)، ~~ويمكننا القول إن هذا الرمز يمثل العين الفعلية بطريقة ~~أيقونية ولكن مجردة إلى حد ما. لكن لنقل مثلا: إنه لا ~~يوجد رمز للضمير «أنا» الذي يعبر عنه في الإنجليزية بكلمة # I # في هذا النظام لكتابة ~~الإنجليزية، ويمكننا أن نتخيل السبب في ذلك؛ إذ إنه ما من ~~طريقة مادية سهلة لتمثيل ذلك المفهوم، فالمقصود بالضمير ~~«أنا» يتغير وفقا للمتحدث. بالرغم ms045 من ذلك، فإذا كنت ~~كالعديد من الكتاب في التاريخ، فسوف تدرك أنه يمكن ~~استخدام ~~« ~~⋆ ~~» ~~للتعبير عن مفهوم «العين» والضمير «أنا» في الوقت ذاته إذا كان ~~لهما الصوت نفسه. ويشار لهذه الفكرة باسم «مبدأ استخدام ~~الرموز في تمثيل أصوات اللغة» وهي تمثل خطوة كبيرة تجاه ~~تطور أنظمة الكتابة الصوتية الأكثر تجريدا، التي تستخدم ~~عددا أقل من الرموز. ونظرا لوضعها القديم في أنظمة ~~الكتابة، فقد تأثرت الأرقام نفسها بهذا المبدأ على الأرجح؛ ~~فكانت رموزا تمثل الألفاظ المتجانسة صوتيا معها. ~~والواقع أن بعض أشكال الكتابة الحديثة في الرسائل النصية ~~مثلا تؤيد هذا الاحتمال؛ فقد يستخدم البعض هذا التجانس ~~الصوتي فيكتبون مثلا أنهم: # 2 good 4 ~~you # وفي هذه الحالة يرمز «2» إلى # too ~~(وهما متجانسان ~~صوتيا في الإنجليزية ومختلفان في المعنى)، ويرمز «4» إلى # for ~~، (وهما أيضا متجانسان ~~صوتيا ومختلفان في المعنى)، وتستخدم هذه الطريقة لسهولتها ~~في كتابة الرسائل النصية والتعبير عن المعنى بطريقة أسهل ~~وأسرع. بالرغم من ذلك ، يمكننا بسهولة أن نتخيل واحدا من ~~السيناريوهات تمثل فيه بعض المفاهيم المجردة مثل # too # وكذلك # for # من خلال الأعداد؛ لا ~~بغرض السهولة، وإنما لأن الصور الكتابية لمثل هذه المفاهيم ~~غير الملموسة لم توجد بعد. # 11 # لقد كان مبدأ استخدام الرموز في تمثيل أصوات اللغة عاملا ~~محفزا ولا شك في تطور أنظمة الكتابة القائمة على ~~المقاطع وأنظمة الكتابة القائمة على الحروف، لكن علينا أن ~~نتذكر أن مبدأ استخدام الرموز في تمثيل أصوات اللغة يعتمد ~~على وجود رموز سابقة عليه تعبر عن الأشياء الأقل ~~تجريدا، كالسلع والكميات. وأكثر ما يسترعي الملاحظة في ~~سياق مناقشتنا، هو أن نزعة الإنسان للتعبير عن الكميات ~~باستخدام الرموز قد كانت قديمة وتأسيسية؛ فوضعت الأساس ~~لتطورات تالية، مثل مبدأ استخدام الرموز في تمثيل أصوات ~~اللغة، الذي أدى في نهاية المطاف إلى تأسيس أنظمة الكتابة ~~التي تشبه أبجديتنا. # أحد أشكال الكتابة التي تطورت بعد ذلك في بلاد الرافدين، ~~هي كتابة تكتب بالرموز الرياضية؛ فقد طور السومريون، ~~والبابليون من بعدهم، وهم آخر قاطني منطقة بلاد الرافدين، ms046 ~~رموزا رياضية واضحة مكتوبة. فقبل 3600 عام تقريبا، كان ~~البابليون يستخدمون الجبر والهندسة بالفعل، وكانوا قادرين ~~على حل المعادلات التربيعية، وكانوا قد اكتشفوا قيمة ثابت ~~الدائرة # π # بالفعل (بدرجة تقريبية على الأقل)؛ ومن ثم يبدو أن تمثيل ~~الكميات قد أشعل شرارة تطور الكتابة السومرية، وهو ما نتج عنه ~~في نهاية الأمر، القدرة على تمثيل الكميات بصورة ~~أوضح. # 12 # موجز القول أن أقدم أنظمة الكتابة ينبع - ولو جزئيا على ~~الأقل - من الفائدة الجوهرية لتمثيل الكميات، ومن سهولتها ~~النسبية في تمثيل المفاهيم الرقمية بصورة مجردة. وكما رأينا ~~من قبل، فإن هذه السهولة تنعكس أيضا في الممارسات ~~التمثيلية الأقدم والأقل انتظاما، التي كان يستخدمها البشر ~~في العصر الحجري القديم. فمن العصر الحجري إلى العصر ~~الزراعي، لدينا خيط براق من الأعداد يلتف حول السجل ~~الرمزي البشري. # الأنماط في الأرقام القديمة # بينما كان السومريون هم أول من استخدم الأرقام بصورتها ~~المكتملة، فقد تطورت الأعداد المكتوبة في أماكن أخرى كذلك. ~~والواقع أن الأرقام قد ظهرت في مراحل مختلفة في التاريخ ~~على مستوى العالم؛ إذ إن لدينا ما لا يقل عن مائة نظام ~~مسجل لتدوين الأعداد، غير أن الغالبية العظمى من هذه ~~الأنظمة قد تطورت عن أنظمة أخرى، أو طورت على الأقل، مع ~~الوعي بأن شعوبا أخرى قد دونت الأرقام بالفعل. إن ~~العديد من هذه الأنظمة العددية المعنية قد أصبحت الآن بائدة، ~~غير أن الأمثلة المتبقية منها تتيح لنا فهم كيفية ~~عملها. # حين ندرس الأنظمة العددية الحالية والبائدة، تتشكل ~~لدينا فكرة واضحة بشأن وجود أنماط مشتركة في الطريقة التي ~~يستخدمها البشر في كتابة الأعداد. فلنلق نظرة على هذه ~~الأنماط من خلال دراسة بعض الأنظمة العددية التي أدت دورا ~~بارزا في الحضارات الإنسانية. وأفضل نقطة نبدأ منها هي دراسة ~~الأرقام في نظام الترقيم الغربي. والواقع أن هذا النظام ~~معدل من نظام الترقيم العربي، الذي هو معدل بدوره من ~~أحد الأنظمة التي تطورت في الهند. # 13 # فما كيفية عمل نظام الترقيم الغربي؟ لا يوجد سوى عشرة رموز ~~في نظام ms047 الترقيم الذي نستخدمه: 0، 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9. ~~وقد تبدو هذه الملاحظة واضحة للغاية؛ فهي عشرة رموز فقط ~~بالطبع. وقد يكون من الصعب أن نتخيل أنظمة عددية أخرى ~~تتكون من أكثر من عشرة رموز أو أقل من ذلك، غير أنه ليس من ~~الضروري أن تكون أنظمة الترقيم عشرية، بل يمكن أن تتكون من ~~أي عدد من الرموز. فأحد الأنظمة التي استخدمها اليونانيون ~~القدماء، هو نظامهم العددي الأبجدي، الذي كان يتكون من نحو ~~أربعة وعشرين حرفا، تمثل قيما مختلفة. وتذكر أيضا أننا ~~نجمع بين هذه الرموز العشرة، لنكون منها أرقاما أكبر، مثل ~~مائتين واثنين وعشرين 222. فلتتأمل القواعد اللازمة لكي ~~تفهم هذا الرقم. فأنت تعرف مثلا أن أرقام 2 المتتالية لا ~~تعني مجرد الجمع، أي إن 222 لا يعني 6، أو 2 + 2 + 2. هذه ~~الأرقام المتتالية تدل على المضاعفة، لكن هذا الرقم لا ~~يعبر عن حاصل ضرب 2 في ثلاثة، وهو لا يرمز أيضا إلى ~~الكمية 8، أو 2 × 2 × 2، وإنما تشير «الخانات» أو الأماكن في ~~نظامنا العددي إلى مضاعفة ضمنية بأسس العدد عشرة؛ لذا فإن ~~222 تشير إلى 2 × 10 # 2 # زائد 2 × ~~10 # 1 # زائد 2 × ~~10 # 0 ~~، أي 200 زائد 20 زائد 2. ~~وبعبارة أخرى، فإنك حين تقرأ الأرقام المكتوبة وفقا لنظام ~~الترقيم الغربي، فأنت تضيف على الدوام حاصل ضرب الأعداد التي ~~ضربت في إحدى قيم الأس عشرة؛ ومن ثم فإن 2456346 ~~تعني بالنسبة إليك: (2 × 10 # 6 ~~) + ~~(4 × 10 # 5 ~~) + (5 × ~~10 # 4 ~~) + (6 × ~~10 # 3 ~~) + (3 × ~~10 # 2 ~~) + (4 × ~~10 # 1 ~~) + (6 × ~~10 # 0 ~~). ثمة تعقيد أصيل في هذه ~~الأرقام غالبا ما نغفل عنه بسبب اعتيادنا عليه، ولأن تصنيف ~~الكميات إلى عشرات يبدو أمرا طبيعيا للغاية. وبالرغم من ~~انتشار الأنظمة العشرية في الأنظمة العددية على مستوى العالم، ~~وفي الأعداد المنطوقة على مستوى العالم كذلك، فإننا لم نزود ~~في شفرتنا الوراثية بمهارة تصنيف الأعداد إلى مجموعات عشرية؛ ~~فتعلم نظامنا العددي يتطلب مجهودا كبيرا، ويشهد على ذلك ~~مقدار الوقت الذي يستغرقه الأطفال الصغار في تعلم قواعد ~~كتابة ms048 الأعداد الكبيرة وقراءتها. إضافة إلى ذلك، فالقواعد ~~العددية تتغير بتغير الثقافة، وثمة قدر كبير من الاختلاف ~~بين الأنظمة العددية التي تطورت في مناطق مختلفة، والعديد ~~من أنواع هذه الأنظمة العددية لا يقوم على أساس تصنيف الكميات ~~إلى عشرات. ولكي أوضح هذه النقطة؛ سنقوم بجولة مختصرة في ~~حضارة المايا القديمة. # تحت أوراق الأشجار الكثيفة في الغابات الاستوائية، وتحت ~~الضباب في بعض الأحيان، ظلت مدينة بالينكي الحجرية مدثرة ~~بالطبيعة على مدار قرون، قبل «اكتشافها» على يد الأوروبيين ~~في النصف الأخير من القرن الثامن عشر، وذلك بعد أن دمر غزاة ~~الكونكيستدور قدرا كبيرا من التراث الثقافي لأمريكا الوسطى. ~~وهذه السلسلة من الأطلال المتخفية في خط القمم المنحدر ~~المحيط بالأراضي المرتفعة في تشياباس، قد بهرت المستكشفين ~~منذ ذلك الحين. في مدينة بالينكي، صنع الأوروبيون في أواخر ~~القرن الثامن عشر بعض الرسومات المبكرة للرموز ~~الهيروغليفية لحضارة المايا، وهناك أيضا، قد التقطت بعض ~~الصور الفوتوغرافية المبكرة لهذه الرموز، في أواخر القرن ~~التاسع عشر. وبالرغم من أن أهل المايا قد أنتجوا مخطوطات ~~غير عددية (كتب قابلة للطي تصنع أوراقها من لحاء ~~الشجر، وبها كتابات ملونة)، فإن معظمها كان طعاما ~~للمحارق التي أقامها أفراد الرهبان الإسبان، مثل الراهب ~~السيئ السمعة فراي دييجو دي لاندا؛ كان دي لاندا يسعى إلى ~~إجبار السكان الأصليين لأمريكا الوسطى على التحول عن ~~دينهم؛ ولهذا فقد أباد القدر الكبير من الثقافة المادية ~~الرمزية التي أنتجها هؤلاء السكان الأصليون، وأباد معها ~~معظم أمثلة كتابة المايا الكلاسيكية. لقد أمر بإحراق النصوص ~~التي أنتجها السكان الأصليون بعد أن عرف أن بعض أهل المايا ~~ما زالوا يمارسون نظامهم العقائدي التقليدي. ونتيجة لجهوده، ~~وجهود آخرين من بعده؛ لم يحفظ من هذه النصوص أو المخطوطات ~~سوى عدد قليل، وأخيرا وصل ثلاثة منها إلى بعض الرفوف ~~الأوروبية، في باريس ومدريد ودريسدن. لقد أسهمت النقوش ~~الغامضة الموجودة على الأحجار في أطلال بعض المدن، مثل ~~بالينكي وتيكال وكوبان وغيرها من مواقع المايا، في تعزيز ~~الانبهار بكتابة المايا. ما الذي تعنيه هذه الرموز الغريبة ms049 ~~المنقوشة على الحجر، التي تصور حيوانات وبشرا مزخرفي ~~الثياب، والعديد من أنواع الرموز الأخرى؟ أكانت طبيعة هذه ~~الرموز لغوية، أم أنها كانت فنية في الأساس؟ لقد ظل ~~الباحثون يخوضون نقاشات محتدمة بشأن إجابة هذه الأسئلة ~~وغيرها من الأسئلة المرتبطة بالموضوع على مدار عقود؛ وذلك في ~~أثناء فك رموز النص المكتوب بلغة المايا تدريجيا على مدار ~~القرنين الماضيين. # غير أن أول اكتشاف مهم في عملية فك الرموز، قد جرى على ~~يد شخص قد درس بعض أجزاء مخطوطات المايا التي أعيد إنتاجها ~~في مكتبة دريسدن. ففي عام 1832، وضع قسطنطين صمويل رافينيسك، ~~وهو رجل فرنسي غريب ~~الأطوار يهتم بهوايات متعددة، تحليلا لأنماط هذه المخطوطة. ~~وقد كانت هذه الأنماط التي حللها موجودة أيضا في النقوش ~~الحجرية التي أذهلت مستكشفي مدينة بالينكي وغيرها من مدن ~~المايا. وما لاحظه رافينيسك هو أنه بين جميع هذه النقوش ~~والكتابات، ووسط هذا البحر من الصور التي لا يبدو أنه قد ~~يمكن فك رموزها، توجد سلسلة متكررة من النقاط والخطوط، ~~التي كانت أقل رمزية من الرموز المجاورة لها. فما الذي قد ~~تعنيه هذه النقاط والخطوط؟ لاحظ رافينيسك أنه لم يكن ~~يوجد أبدا في أي صف أكثر من أربع نقاط، فمعظم الصفوف ~~كانت تحتوي على نقطة واحدة أو اثنتين أو ثلاث نقاط أو أربع. ~~إضافة إلى ذلك، فقد لاحظ أن النقاط كانت توضع في معظم ~~الأوقات بجوار خطوط، فخمن أن النقاط تعبر عن وحدات ~~مفردة، وقد كان محقا في ذلك؛ فالنقطة الواحدة تمثل ~~عنصرا واحدا والنقطتان تمثلان عنصرين ... وهكذا. واستنتج ~~أن الخط يمثل خمسة عناصر، وذلك يشبه الطريقة التي ~~تكتب بها خطا مائلا على أربع علامات عند تمثيل خمسة ~~عناصر بنظام العد بالعصي على قطعة من الورق. وقد غيرت ~~هذه الملاحظة فهمنا لرموز المايا، وكانت هي الخطوة الأولى ~~نحو فك رموز كتابة المايا. ثم أتت إحدى الخطوات التالية ~~الأساسية التي تضمنت أرقام المايا، وأوضحت أن النظام ~~العددي لهذه الثقافة معقد إلى حد ما. # بعد عقود من اكتشاف رافينيسك، قدم باحث ألماني ms050 يدعى ~~إرنست فورستمان، تحليلات للأرقام المصورة في مخطوطة ~~دريسدن. ومن بين الرؤى التي قدمت في العديد من الأعمال ~~التي نشرت في الفترة ما بين 1880 إلى 1900، قد لاحظ أن ~~أرقام المايا الموجودة في المخطوطة كثيرا ما كانت تمثل ~~كميات كبيرة تتوافق مع ظواهر فلكية، مثل دورة كوكب ~~الزهرة. لقد ظل العمل الذي قام به فورستمان صامدا أمام ما ~~تلاه من فحص دقيق ودراسة عميقة للكتابات، ولعب دورا ~~أساسيا في فك رموز المايا في القرن العشرين. لقد قدم ~~فورستمان وصفا مفصلا للعناصر الأساسية للتقويمات الأساسية ~~التي كان يستخدمها شعب المايا، وكذلك وضح الرياضيات ~~المعقدة التي كانوا يمارسونها. # 14 # بالرغم من أن النظام العددي للمايا، الذي ساعد فورستمان في ~~فك رموزه، ليس نظاما عشريا، فإنه يتشارك بعض التشابهات ~~التركيبية مع الأنظمة العددية كالنظام الغربي. فكيف كتب أهل ~~المايا الأرقام؟ لقد استخدموا رمزا للدلالة على الصفر، وهو ~~على الأرجح أقدم رقم يستخدم للتعبير عن الصفر في العالم. ~~استخدم رمز الصفر لحفظ القيمة المكانية، أي مثلما يستخدم ~~في نظام الترقيم الغربي. وبدلا من التوجه الأفقي لنظامنا، ~~الذي نحرك فيه الأرقام بمقدار خانة إلى اليسار للدلالة على ~~مضاعفة هذا الرقم في أس عشرة الذي يليه، كانت أرقام ~~المايا تمثل رأسيا لتمثيل ما حدث من تغيرات للأسس. ~~(بالرغم من ذلك ، يمكن تدوير أعداد المايا أفقيا في النصوص، ~~وهو أمر محير بعض الشيء.) غير أن فورستمان قد لاحظ أن ~~النظام العددي للمايا يقوم على أساس العشرين لا العشرة، أي ~~إنه نظام عشريني لا عشري. في الشكل # 2-4 ~~، ~~كتبت رقمين من أرقام المايا؛ لكي أقدم نبذة عن كيفية ~~عمل النظام الترقيمي للمايا. على اليسار، نجد تمثيلا للعدد ~~437، وتساعدنا الخطوط المكونة من نقاط على توضيح الطبيعة ~~الرأسية لأرقام المايا، من خلال الفصل بين خانات الأسس ~~الضمنية، غير أن كتابة المايا لم تكن تحتوي على هذه ~~الخطوط، وإنما أضفتها من أجل التوضيح (ومن أجل التوضيح ~~أيضا؛ بالغت في المسافات بين الخانات). في العدد الموضح ~~على اليسار، نرى أن المجموعة السفلى ms051 من الخطوط والنقاط، ~~تتضمن ثلاثة خطوط ونقطتين، وهي تمثل 17. ويمكننا أن ~~نتخيل ذلك على أنه 5 + 5 + 5 + 2. وفي المجموعة الوسطى من ~~الرمز، لا نجد سوى نقطة واحدة، وهي تمثل 1 مضروبا في ~~الأساس الذي يرفع له الأس الأول. ونظرا إلى أن نظام ~~المايا العددي هو نظام عشريني؛ فهذا يعني أن النقطة تمثل ~~20 أو 1 × 20 # 1 ~~. أما النقطة ~~العليا، فهي تمثل 1 مضروبا في الأساس، ومرفوعا إلى الأس ~~2 أو 1 × 20 # 2 ~~. ومعنى هذا أن ~~النقطة العليا تمثل 400، وتمثل النقطة الوسطى 20، أما ~~المجموعة السفلى من الخطوط والنقاط، فهي تمثل 17. ومعا، ~~فإن هذه الرموز تمثل 400 + 20 + 17 أو 437. لقد كانت ~~أرقام المايا تتضمن الضرب والإضافة كأرقام النظام الغربي، ~~لكن الأساس مختلف. # شكل 2-4: نموذج لأرقام المايا. لاحظ أنه في الأرقام ~~التقويمية يمكن لبعض النقاط أن تمثل 360 لا ~~400. وقد سهل هذا النظام العشريني تتبع ~~السنوات. # في الجزء الموضح على اليمين في الشكل # 2-4 ~~، نقدم تمثيلا للرقم 1080. وفي هذه ~~الحالة، فإننا نجد في الجزء السفلي من الرقم تنويعة من ~~الشكل البيضاوي الذي يرمز إلى الصفر في أرقام المايا. أما ~~المجموعة الوسطى من الخطوط والنقاط فهي تمثل 14 (أي 5 + 5 + ~~4)، غير أن الأساس العشريني الذي يستخدمه النظام الترقيمي ~~للمايا، يشير إلى أن هذه الكمية المتمثلة في الرقم 14 ~~مضروبة في الرقم 20، مما ينتج لنا 280. وتحتوي المجموعة ~~العليا من العدد على نقطتين، وهما تمثلان الكمية 2 × ~~20 # 2 ~~، نظرا إلى موقعيهما؛ ~~ولهذا فإن النقطتين العلييين تمثلان 2 × 400 (800)، ~~وتمثل الخطوط والنقاط السفلى 14 × 20 (280)، أما الرمز ~~السفلي فهو يمثل 0 × 1 (0)، مما ينتج لنا المجموع ~~1080. # 15 # ربما تبدو أرقام المايا غير عملية؛ لأنها لا تتبع الأساس ~~العشري. بالرغم من ذلك، فكما ذكرت سابقا، ليس البشر ~~مفطورين على التفكير في العناصر على هيئة مجموعات من عشرة، كل ~~ما في الأمر أن معظمنا يمارس المجموعات العشرية جيدا ~~بسبب اللغة (اللغات) التي نتحدث بها، وأنظمة الترقيم التي ~~نعرفها. لقد كان نظام أرقام ms052 المايا عمليا، واستمر على ~~مدار أجيال كثيرة، وعلاوة على ذلك فهو يسبق نظام الترقيم ~~الغربي بالعديد من القرون. فلو أن سكان المايا قد وجدوا ~~أن نظامهم الترقيمي غير عملي، لما كانوا قد استخدموه لهذه ~~المدة الطويلة. # بالرغم من غرابة طريقة كتابة المايا للأرقام، فعلينا أن ~~نلاحظ أنها تتشارك الكثير مع نظام الأرقام الذي نستخدمه؛ فهي ~~تعتمد بشدة على استخدام مفهوم الخانات، مثلما نستخدم الصفر ~~لحفظ «القيمة المكانية». وبالرغم من أن النظام العددي ~~للمايا يرتب خانات الأعداد ترتيبا رأسيا، بينما ~~يرتبها نظامنا ترتيبا أفقيا، فإن الخانات في كلا ~~النظامين تعبر عن مضاعفة الرقم الموضح في أساس وأس ~~ضمنيين، وهذا الأساس في نظامنا هو العدد عشرة، أما في نظام ~~المايا، فهو العدد عشرون. غير أن استخدام هذين الأساسين، ~~لم يحدث بصفة عشوائية، بل إن الدور الهيكلي للعدد خمسة ~~والعدد عشرين في أرقام المايا، والعدد عشرة في أرقامنا، ~~يوضح كيف أن الجسم البشري كان هو الأساس لكلا نظامي ~~الترقيم. فليس من المصادفة أن البشر يمتلكون خمسة أصابع ~~في كل يد، وعشرة أصابع في كلتا اليدين، وعشرين إصبعا في ~~اليدين والقدمين، وأن هذه الكميات تؤدي مثل هذا الدور ~~المهم في أرقام المايا، ونظام الترقيم الغربي، وهي أيضا تؤدي ~~دورا مهما في أنواع أخرى من أنظمة الترقيم، التي تطورت ~~بشكل مستقل. # 16 # لنتناول نظام الكويبو الذي كانت تستخدمه إمبراطورية الإنكا. ~~لقد كانت أرقام الكويبو ثلاثية الأبعاد، تتكون من عقد ~~تربط في الحبال بعناية، وتصنع هذه الحبال من خيوط القطن أو ~~غير ذلك من المواد مثل فراء حيوانات الألبكة أو اللاما. وقد ~~كانت هذه الخيوط تجدل مع خيوط أخرى؛ فتكون مصفوفة بها ~~ما يقرب من ألف من الفتائل التي توصل بحبل أساسي أكثر ~~سمكا منها. وكل فتيل من هذه الفتائل يمثل عددا منفصلا، ~~أما العقد الموجودة في هذه الفتائل، فهي تمثل الأرقام، وقد ~~كان يستخدمها محاسبو الإنكا لتسجيل الضرائب والبضائع على ~~سبيل المثال، وكذلك لإجراء الإحصاءات. لقد كان هذا النظام ~~فريدا في تكوينه ومادته، غير أن ms053 التكوين الرمزي لأرقام ~~الإنكا، يشبه النظام العددي الغربي في واقع الأمر. فالنظام ~~العددي للكويبو، يقوم هو أيضا على أساس إضافة مجموعات مضاعفة ~~من العدد عشرة (أي إنه نظام عشري)، وهو يستخدم أيضا وسائل ~~للتعبير عن العناصر الصفرية. يشير عدد العقد الموجودة على ~~فتيل معين، إلى مضاعفات العشرة، وتستخدم فراغات قصيرة ~~بين العقد للفصل بين خانات الرقم، وفراغات طويلة للتعبير عن ~~الصفر. فلتتخيل على سبيل المثال هذه السلسلة من العقد على ~~أحد الحبال: عقدة واحدة في الأسفل (1)، وتتبعها فجوة صغيرة ~~على الحبل لا تحتوي على أي عقد، ثم ثلاث عقد متجاورة ~~(30)، ثم عقدتين متجاورتين (200)، ثم فجوة قصيرة، ثم فجوة ~~واحدة في أعلى الحبل (1000)، وذلك بالقرب من تقاطعه مع الحبل ~~الأساسي؛ حبل الكويبو الأكثر سمكا. يمثل هذا الحبل إذن، 1 ~~+ (3 × 10 # 1 ~~) + (2 × ~~10 # 2 ~~) + (1 ~~× 10 # 3 ~~) أو 1231. ولتتخيل ~~أيضا حبلا يبدأ بعقدة واحدة في الأسفل (1) وتتبعها فجوة ~~طويلة من الحبل دون عقد (0)، ثم ثلاث عقد (300)، ثم فجوة ~~صغيرة تتبعها عقدتان في أعلى الحبل (2000). إن هذا ~~التسلسل من العقد يمثل 1 + (0 × ~~10 # 1 ~~) + (3 × ~~10 # 2 ~~) + (2 × ~~10 # 3 ~~) أو 2301. وموجز القول أنه ~~بالرغم من الاختلافات المادية الواضحة بين أرقام الكويبو ~~وأرقام النظام الغربي، فإن أرقام الكويبو ليست مختلفة ~~تماما عن أرقام النظام الغربي؛ إذ إنها كانت تستخدم الأساس ~~العشري، وكذلك استخدمت شكلا من أشكال الصفر. ويتضح هذا ~~التشابه التركيبي فيما يقرب من 600 نموذج لنظام الكويبو، وهي ~~النماذج الموجودة في المتاحف والمجموعات الخاصة. # 17 # معظم أنواع الأرقام التي تطورت على مدار الألفيات القليلة ~~الماضية، وفي مناطق مختلفة من العالم، تتشارك في بعض ~~التشابهات التركيبية الواضحة. ويعود بعض هذا التشابك إلى ~~حقيقة أن الأرقام لم تظهر مستقلة إلا في عدد قليل من ~~الأماكن. بالرغم من ذلك لا يمكن تفسير جميع هذه التشابهات على ~~أنها ناجمة عن تأثير الثقافات والإمبراطوريات المحيطة، وإلا ~~لكان لنظام ترقيمي، كنظام الأرقام الرومانية، تأثير أكبر على ~~أنظمة الترقيم الحالية. غير أن هذا النظام، الذي كان ms054 يفتقر ~~إلى مفهوم الصفر لحفظ القيمة المكانية، وكثيرا ما كان ~~يتطلب كتابة سلاسل طويلة من الرموز للدلالة على كميات صغيرة ~~(على سبيل المثال، # XXXVIII # يساوي 38)، لم يعد يستخدم إلا في سياقات محددة. لقد ~~مهد الطريق لنظام يستخدم رمزا للتعبير عن الصفر، وخانات ~~تعكس مجموعات من العدد عشرة. # تختلف أنواع الأرقام في بعض النواحي التي لن نتطرق إليها ~~هنا، غير أن الاختلاف في قيمة الأسس محدد بدرجة كبيرة ~~في أنظمة الترقيم التي لا ترتبط ببعضها، الحالية منها ~~والقديمة. وتعود هذه المحدودية إلى حقيقة بسيطة، وهي أن ~~أنواع أنظمة الترقيم الأساسية في العالم، سواء أكانت أنظمة ~~عشرية اخترعت في الصين، وتطورت في شرق آسيا، أو تلك الأنظمة ~~التي بدأ استخدامها في الهند أو وسط أمريكا أو الأنديز، ~~تجمع بينها نزعة مشتركة. إنها تتخذ جميعا العدد عشرة ~~أو أحد مضاعفات العدد خمسة أساسا لها. والحافز التشريحي ~~لهذه النزعة واضح، وهو أن الكميات التي نراها بصورة منتظمة ~~في أجسامنا أساسية للغاية في كيفية بنائنا للأعداد. وتنطبق ~~هذه الحقيقة على الأرقام المكتوبة والأعداد المنطوقة كذلك، ~~ومثلما سنرى في الفصل الثالث، فإن أصابع اليدين، وأصابع ~~القدمين بدرجة أقل منها، كان لها تأثير كبير للغاية في ~~تشكيل الأرقام على مدار آلاف الأعوام. # خاتمة # إننا لم نستعرض تاريخ نظم الأعداد التي ابتكرها البشر ~~بصورة شاملة في هذا الفصل، وإن مثل هذا الأمر ليتطلب ~~كتبا بأكملها. فنحن لم نناقش مثلا أنظمة المعداد الصيني، ~~التي كانت ولا تزال تستخدم في مختلف الأماكن، مثل روما ~~القديمة واليابان المعاصرة؛ لتسهيل التفكير في الأعداد، لكنني ~~يجب أن أذكر أن نظام المعداد الصيني المنتشر حول ~~العالم، يتأسس هو أيضا على مجموعات تتكون من العدد خمسة ~~والعدد عشرة. # 18 # بالرغم من ذلك، فإن الاستعراض الحالي لنظم ~~الأعداد قد أكد على بعض النقاط الأساسية بشأن الممارسات ~~الرمزية القديمة؛ ففي البداية قد وضح أن جدولة الكميات ~~تظهر في العديد من أدوات العصر الحجري القديم حول العالم، ~~وهو ما يدل على أن أرقام ما قبل التاريخ، قد كانت ms055 من أولى ~~الرموز غير اللفظية (أو أشباه الرموز الأقل تجريدا). وفي معظم ~~الأحيان، صورت أشكال الفن في العصر الحجري القديم أصابع ~~الأيدي البشرية، وكانت تصورها أحيانا بطرق تدل على ~~استخدامها في ممارسات العد القديمة. إضافة إلى ذلك يبدو ~~أن سهولة تصوير الكميات وما يعود به ذلك من نفع، قد جعل من ~~علامات العصي وغيرها من أرقام ما قبل التاريخ أمرا محوريا ~~لأول تمثيل ثنائي البعد للأفكار. # ومع تطور الجدولة المنهجية للكميات الأكبر، عمد البشر إلى ~~تصنيف الكميات إلى مجموعات أصغر يمكن التعامل معها حرفيا ~~بشكل مادي. وفي نهاية المطاف طور البشر أنظمة ترقيم تقوم ~~على أساس مجموعة محددة من العناصر التي نجدها بصورة منتظمة ~~في الطبيعة، وهي أصابع اليد. لقد كان التركيز على الأيدي ~~مهما للغاية لتطور الأرقام، مثلما كان بالقدر نفسه من ~~الأهمية لرسم الأيدي على الكهوف في العصر الحجري. لقد كانت ~~عقولنا في حاجة إلى أجسامنا، أو إلى أيدينا وأصابعنا تحديدا، ~~من أجل معرفة الكميات. ويدعم هذا الاستنتاج أدلة من الأعداد ~~المنطوقة، وهو ما سنذكره بقدر أكبر من التفصيل في الفصل ~~الثالث، أما في هذا الفصل فقد رأينا أن أنواعا مختلفة من ~~الأرقام المكتوبة تعزز هذا الاستنتاج. وقد رأينا أيضا ~~أن الأرقام كانت موجودة في فجر الكتابة، والأرجح أنها كانت ~~مهمة للغاية لتطور الكلمة المكتوبة. # الفصل الثالث # | رحلة عددية حول العالم اليوم # إن المختصين بدراسة علم الإنسان، سواء أكانوا من علماء ~~الآثار أم من علماء اللغة أم من غيرهم من العلماء، يجتازون ~~الثقافات ماديا وزمنيا؛ لكي يتعرفوا على الحياة التي يعيشها ~~البشر، والحياة التي عاشوها. ويعتمد الهدف الأسمى لمشروعنا، وهو ~~أن نتوصل إلى فهم أعمق لما يعنيه كون المرء أحد أفراد نوع ~~«الإنسان العاقل»، على هذه الدراسة العابرة للثقافات. في الوضع ~~المثالي، ما الإنسان سوى إسفنجة تمتص المعرفة من التفاعلات ~~المباشرة مع الثقافات المعاصرة الأخرى، أو التفاعلات غير ~~المباشرة مثل دراسة بقايا الثقافات البائدة. وهذه التفاعلات ~~والتبادلات ليست دائما مستوية بشكل أو بآخر؛ فعادة ما يكون ~~ما نأخذه ms056 أعلى قيمة مما نتركه، بصرف النظر عن نوع المقابل ~~الذي ندفعه. # مما يدعو إلى الامتنان أننا نحظى بالفرصة أحيانا في أن نشارك ~~مظاهر ثقافاتنا التي تمثل قيمة لمن نتعلم منهم؛ ففي يوم خانق ~~قبل بضعة مواسم مطيرة في إقليم الأمازون سنحت لي هذه الفرصة. ~~كنت ألعب كرة القدم الأمريكية مع مجموعة من البرازيليين الذين ~~يقطنون بالقرب من أحد الأنهار، ولاحظت انضمام لاعبين من ~~السكان الأصليين، وقد كانا قصيري القامة، لكنهما يتمتعان ~~بالسرعة والقوة الشديدتين. وبعد المباراة (التي لم يكن من قبيل ~~المصادفة أنهما قد أحرزا فيها معا القدر الأكبر من الأهداف) ~~بدأت معهما محادثة بذلك القدر المحدود الذي يعرفانه من اللغة ~~البرتغالية. اكتشفت أنهما ينتميان إلى ثقافة الجاراوارا (التي ~~ذكرتها في الفصل الأول)، وهي مجموعة من السكان الأصليين يبلغ ~~عدد أفرادها مائة فرد تقريبا. وقد أصبحت متحمسا على الفور إلى ~~أن أتعلم من هذين الرجلين؛ إذ إنهما يتحدثان واحدة من ~~اللغات القليلة التي كان يزعم أنها لا تتضمن أي كلمات ~~للأعداد. وسرعان ما اكتشفت أنهما أيضا كانا متحمسين إلى أن ~~يكتسبا مني شيئا، وهو معرفة كيفية ركوب الدراجة النارية ~~التي شاهداني وأنا أصل بها. على مدار الأسابيع العديدة التالية، ~~تبادلنا هذه المكونات من ثقافاتنا الأصلية بعضنا مع بعض: ~~تعلمت أنا عن لغتهما، وتعلما هما كيفية ركوب دراجة نارية ~~للطرق الوعرة. خلال هذا الوقت الذي قضيته معهما، ومع بعض ~~أصدقائهما وأفراد عائلتيهما (والذين كانوا مثلهما في رحلة ~~قصيرة بعيدا عن حياة القرية)، أدركت أمرين أساسيين: أولهما ~~أنه على العكس من المزاعم السابقة، يمتلك هؤلاء الأفراد نظاما ~~عدديا أصليا مذهلا، وأما الأمر الثاني فهو أنهما بارعان ~~وجسوران في تعلم كيفية ركوب الدراجة النارية. # يعيش أفراد الجاراوارا في قريتين أساسيتين تقعان بالقرب ~~من نهر بوروس، وهو أحد الروافد الرئيسة لنهر الأمازون. وهم ~~يتحدثون واحدة من مجموعة من اللغات المترابطة الموجودة في هذا ~~الإقليم، وهي تنحدر عن لغة بائدة تسمى «أراوا الأولية» وقد ~~كانت تستخدم على الأرجح قبل ما يزيد عن 1000 عام. ونحن ms057 نعرف ~~الآن أن جميع هذه اللغات المترابطة تتضمن بضع كلمات أساسية ~~تعبر عن الأعداد، وهي تتشابه مع بعضها. فعلى سبيل المثال ~~الكلمة التي تعبر عن العدد «اثنين» متشابهة في جميع لغات ~~الأراوا، مما يشير إلى أن هذه الكلمات تنتمي إلى الفئة التي ~~يشير إليها علماء اللغة باسم «الكلمات ذات الأصل الاشتقاقي ~~المشترك»، وهي كلمات تشتق من الكلمة نفسها في لغة سالفة، ~~فهي لم تستعر من لغة أخرى في وقت أحدث، وهي تساعد علماء اللغة ~~على إعادة بناء الكلمات البائدة التي تنحدر منها. وفي حالة لغة ~~أراوا الأولية فإننا نثق الآن أن الكلمة التي تشير إلى العدد ~~«اثنين» كانت ~~« ~~⋆ # باما». ~~(في علم اللغة، تشير علامة النجمة إلى كلمة أعيد بناؤها وكانت ~~توجد في لغة سالفة.) وفي معظم عائلات اللغات في العالم، يمكننا ~~إعادة بناء الكلمات القديمة التي تشير إلى الأعداد مثل ~~« ~~⋆ # باما»؛ ~~إذ إن الغالبية العظمى من لغات العالم الحالية تتضمن ~~كلمات تعبر عن الكميات المحددة. حتى اللغات الأسترالية، التي ~~تفتقر عادة إلى وجود مخزون كبير من مفردات الأعداد، تتضمن ~~كلمات تعبر عن بعض الكميات. كل ذلك يوضح أن الأعداد المنطوقة ~~هي اختراع بشري قديم للغاية، وتشترك فيه جميع لغات العالم ~~الحالية، إضافة إلى اللغات السالفة التي كانت تستخدم قبل فترة ~~طويلة. في هذا الفصل سوف نستعرض بعض الاكتشافات الأساسية التي ~~تتضح في أعداد العالم المنطوقة، والتي أشير إليها ببساطة باسم ~~الأعداد. (تمييزا لها عن «الأرقام» وهو المصطلح الذي أستخدمه ~~للدلالة على الأعداد المكتوبة.) # 1 # يتضح أن الكلمة التي تعبر عن العدد «اثنين» في لغة ~~الجاراوارا هي «فاما»، ومن الواضح أنها تشبه كلمة ~~« ~~⋆ # باما» ~~التي استخدمها متحدثو لغة أراوا الأولية. وخلال المقابلات التي ~~أجريتها مع معارفي من الجاراوارا، اتضح لي أن نظامهم العددي ~~الأصلي، يتضمن العديد من الأعداد إلى جانب «فاما». في ~~مقابلاتي الفردية معهم، طلبت منهم أن يخبروني بكلمة من لغتهم ~~تصف عدد مجموعة من الأغراض قد وضعتها أمامهم على طاولة، ~~وتطابقت إجابات البالغين السبعة الذين تطوعوا لمساعدتي. ~~إضافة إلى ms058 ذلك، حين طلبت منهم بعد ذلك ترجمة بعض مفردات الأعداد ~~البرتغالية إلى لغتهم، تطابقت إجاباتهم أيضا. ونتيجة لهذه ~~الجلسات؛ استنتجت أن الجاراوارا لديهم نظام أصلي للأعداد، على ~~عكس المزاعم السابقة. ومثلما هي الحال في العديد من لغات العالم، ~~فالكلمات الأصلية التي تعبر عن الأعداد، قد استبدلت بها في ~~لغة الجاراوارا كلمات الأعداد الأكثر نفعا، التي تنتمي إلى القوة ~~الاقتصادية المهيمنة التي يضطر الأفراد إلى التفاعل معها. ~~(راجع مناقشة الأنظمة العددية المعرضة للخطر في الفصل التاسع.) ~~وبالرغم من استخدامهم للأعداد البرتغالية التي تستخدم في ~~البرازيل، فإن من قابلتهم من أفراد الجاراوارا البالغين، ~~تمكنوا من تذكر أعدادهم الأصلية التقليدية. # 2 # ونوضح فيما يلي بعض مفردات الأعداد في لغة ~~الجاراوارا (الكلمات المكتوبة بين قوسين هي كلمات ~~اختيارية): # الكلمة بلغة ~~الجاراوارا # الكمية # ohari # 1 # fama # 2 # fama ~~oharimake # 3 # famafama # 4 ~~(yehe) ~~kahari # 5 ~~(yehe) kahari ~~famamake # 7 ~~(yehe) ~~kafama # 10 ~~(yehe) kafama ~~ohari # 11 ~~(yehe) kafama ~~kafama # 20 # يمثل النظام العددي للجاراوارا مدخلا مفيدا لما سنقوم به ~~من استعراض الأعداد في لغات العالم المنطوقة؛ إذ إن الأنماط ~~الواضحة في الأنظمة تشير إلى وجود قواسم مشتركة بين معظم اللغات ~~في العالم. وعلى وجه التحديد تظهر أسس أعداد الجاراوارا في ~~العديد من الأنظمة العددية في العالم. والأساس هو كلمة تتكرر في ~~الأعداد المنطوقة بلغة معينة، بصورة واضحة في معظم الأحيان، ~~أو بصورة مستترة في بعضها، وهو وحدة بناء لأعداد ~~أخرى. # 3 ~~(ومثلما رأينا في الفصل الثاني، يمكن استخدام هذا ~~المصطلح أيضا للإشارة إلى القيمة التي ترفع إلى قوة أسية ~~محددة في نظام الأعداد المكتوبة). فلنلق نظرة سريعة على أسس ~~أعداد الجاراوارا. في البداية، نلاحظ تكرار الكلمة # fama # في الأعداد كلها؛ فالعدد ~~«اثنان» يعني # fama ~~«وأربعة» هو # famafama ~~؛ أي إنه صيغة مضاعفة ~~من الكلمة «اثنين». وينطبق الأمر نفسه على الكلمة التي تعبر ~~عن العدد «عشرة»، وهي ~~( # yehe ~~) # kafama # أي «مع (يدين)» ونجد أن الكلمة التي ~~ترمز إلى يد # yehe # فيها مستترة لا ~~ظاهرة؛ ومن ثم يمكننا ms059 أن نستنتج أن الجاراوارا يستخدمون ~~ما يعرف باسم الأساس الثنائي (الأساس 2)، أي إن العدد «اثنين» ~~يستخدم بصفته وحدة بناء لبعض الأعداد الأكبر على الأقل، بالرغم ~~من ذلك فهو ليس الأساس الوحيد الذي يتضح لنا. بداية من العدد ~~«خمسة» نلاحظ أن # yehe # مستخدمة ~~في جميع الأعداد المتبقية، ولو بشكل ضمني على الأقل. إن أفضل ~~ترجمة ممكنة للكلمة التي تشير إلى العدد «خمسة» هي «مع يد» ويظهر ~~هذا الأساس الخماسي (الأساس 5) على مدار النظام العددي. وأفضل ~~ترجمة للكلمة التي تعبر عن العدد «سبعة» هي «يد مع زوجين» أما ~~الكلمة التي تعبر عن العدد «عشرة» فترجمتها «مع يدين» ~~وتستخدم هذه الكلمة أساسا لبقية الأعداد مثل «أحد عشر» ~~و«عشرين». # من الواضح أن نظام أعداد الجاراوارا يستخدم أساسات متكررة ~~لا أسماء أصلية لكل كمية بعينها، وهو يشبه في ذلك معظم أنظمة ~~الأعداد المنطوقة، وهو يشبهها أيضا في أن العدد خمسة له مكانة ~~مميزة بصفته أساسا متكررا. إضافة إلى ذلك، نجد أن العدد ~~عشرة يتكرر، مع أنه هو نفسه يقوم على أساس العدد خمسة. عادة ~~ما تكون أنظمة الأعداد المنطوقة في العالم عشرية - أي أنها تعتمد ~~على الأساس عشرة. غير أن الأنظمة الخماسية كثيرة أيضا، مثلما ~~هي الحال في نظام الجاراوارا. وأحيانا تكون عشرينية أيضا، أي ~~إنها تعتمد على أساس العدد عشرين. وأخيرا فإننا نجد الأساس ~~الثنائي الذي يستخدمه نظام ~~الجاراوارا في بعض اللغات الأخرى في العالم. موجز القول إن هذا ~~النظام العددي المكتشف حديثا يعكس بعض خصائص الأنظمة العددية ~~الأخرى التي تتضمنها لغات العالم؛ إذ تستخدم بعض الكلمات ~~المحددة وحدات للبناء في الأعداد المنطوقة، وعادة ما تشير ~~هذه الأساسات إلى كميات مثل 5 و10 و20، وكذلك 2 في بعض الأحيان. ~~بعبارة أخرى، تعكس الأعداد نزعتنا الكبيرة إلى تفسير الكميات من ~~خلال الوحدات المفردة في طبيعتنا البيولوجية، أو أصابعنا بصفة ~~أساسية. # ولنتناول مثالا آخر من إقليم الأمازون، وهو من لغة قبيلة ~~كاريتيانا، التي كانت موضوعا لبعض أبحاثي. إن هذه اللغة لا ~~ترتبط على الإطلاق بلغة الجاراوارا. ms060 ومثلما هي الحال في معظم أنظمة ~~الأعداد بالعالم، فإن المصطلحات التي تعبر عن الكميات الصغيرة ~~في هذه اللغة، لا يمكن تحليلها بدون وجود أساسات مميزة، مثل ~~الأساس الثنائي «فاما» في لغة الجاراوارا. وفي القائمة التالية ~~سأوضح حفنة من الأمثلة على مفردات الأعداد في لغة الكاريتيانا ~~(من الصعب تجاهل الأيدي عند الحديث عن الكميات، حتى في ~~الإنجليزية). # المصطلح بلغة ~~الكاريتيانا # الكمية # myhint # 1 # sypom # 2 # myjyp # 3 # otadnamyn # 4 ~~(«يدنا») # yj-pyt # 5 ~~(«نأخذ واحدا ويدنا الأخرى») # myhint yj-py ota ~~oot # 6 ~~(«نأخذ إصبعا واحدا من أصابع القدم») # myhint yj-piopy ~~oot # 11 # إن الأنماط التي نراها ~~في هذه القائمة توضح مجددا وجود قواسم مشتركة بين كلمات ~~الأعداد في العالم؛ فمن الواضح أن الكلمة التي تعبر عن العدد ~~«خمسة» ترتبط بالكلمة التي تشير إلى «اليد» وهي تستخدم أيضا ~~بصفتها أساسا للأعداد الأكبر مثل «ستة». إضافة إلى أساسها ~~الخماسي فإن أعداد الكاريتيانا تعكس وجود الأساس العشري الأكثر ~~انتشارا في لغات العالم. فلنلق نظرة على أفضل ترجمة ممكنة ~~للكلمة التي تشير إلى العدد «أحد عشر»، وهي «نأخذ إصبعا واحدا ~~من أصابع القدم.» إن هذه الكلمة تستند ضمنيا إلى العدد 10؛ ~~إذ إنه لا يلزم سوى إصبع قدم واحدة للإشارة إلى العدد 11. وينطبق ~~الأمر نفسه على غير ذلك من الأعداد الأكبر في لغة الكاريتيانا، ~~التي تستند هي أيضا إلى الأساس العشري. # والواقع أن الغالبية ~~العظمى من أنظمة الأعداد في العالم، وفي لغاته التي يقترب عددها ~~من 7000 لغة، تعكس وجود النظام العشري، بشكل أو بآخر؛ إذ إن ~~الأعداد الكبيرة عادة ما تبنى على العدد 10، أما الكميات الأقل، ~~فغالبا ما تستند إلى النظام الخماسي (مثلما هي الحال في أعداد ~~الجاراوارا والكاريتيانا)، أو تكون أعدادا لا يمكن تحليلها (مثل ~~أعداد الكاريتيانا الصغيرة). وقد أدركنا لبعض الوقت هذا الدافع ~~الذي ينبع منه تركيز مخترعي الأعداد من البشر على الأساس ~~الخماسي والعشري، هو أن البشر في جميع أنحاء العالم، يميلون إلى ~~الاعتماد على أيديهم عند تشكيل كلمات للأعداد؛ إذ إن أصابعنا ms061 ~~تسمح لنا بتمثيل المفاهيم العددية في العالم المادي بصورة بسيطة. ~~وهذا التجسيد الذي يتم من خلال العد على الأصابع والممارسات ~~المرتبطة به، يتجسد مرة أخرى في العالم اللفظي، من خلال استخدام ~~كنايات المصطلحات البيولوجية مثل «يد» «وإصبع» «وإصبع قدم» في ~~تسمية الكميات. # في العديد من اللغات تمثل الأعداد الكبيرة بمصطلحات أشبه ~~بعبارات تتضمن أصولا مادية واضحة، مثل العدد 11 في لغة ~~الكاريتيانا، «نأخذ إصبعا واحدا من أصابع القدم.» وأحد المبادئ ~~التي تقوم عليها نظرية اللغة الحديثة هو أن المصطلحات التي ~~تستخدم كثيرا، تختزل صوتيا، أي إن الكلمات الشائعة تصبح ~~أقصر بمرور الوقت؛ فالكلمات المركبة والمصطلحات التي كانت ~~تطول إلى عبارات في بداية تشكيلها، تصبح أقصر؛ ولهذا السبب، ~~وغيره من الأسباب، فإن الكلمات التي يكثر استخدامها، تكون ~~مصادرها التاريخية أقل وضوحا في أغلب الأحوال. ومعنى هذا أن ~~المصادر التاريخية الواضحة لبعض الأعداد في لغات مثل الكاريتيانا ~~والجاراوارا، تدل على قلة استخدامها. وعلى العكس من ذلك ففي ~~معظم اللغات التي تؤدي الأعداد فيها دورا أكثر بروزا، ~~وتستخدم بدرجة أكبر، حتى الأعداد الكبيرة فيها، لا تكون أصولها ~~الاشتقاقية واضحة بهذا القدر. (لعلك تتذكر أن أعداد ~~الجاراوارا لا تستخدم إلا فيما ندر، حتى إن البعض قد افترضوا ~~أنها ليست موجودة على الإطلاق.) في الإنجليزية على سبيل المثال، ~~لا تدل الأعداد الكبيرة على أي إشارة واضحة للأصابع أو الأيدي ~~أو أصابع القدم أو الأقدام. # 4 # إنها لا تتضمن أي إشارة «واضحة»، لكننا قد نجد بعض الإشارات ~~الأقل وضوحا. نظرا إلى أن كلمات الأعداد الإنجليزية، بصرف ~~النظر عن طريقة كتابتها، عشرية تماما، فلنتأمل كلمة # thirteen # وكلمة # fourteen # وغيرهما من الكلمات ~~التي تنتهي بالمقطع # teen ~~. إن هذه ~~الكلمات تشير إلى أن الكميات مضافة إلى عشرة # ten ~~؛ فكلمة # thir+teen # هي 13، وكلمة # four+teen # هي 14، وهكذا. وحتى ~~الأعداد الأكبر من العشرات هي أعداد عشرية أيضا، لكن مفهوم ~~العدد 10 فيها قد اتخذ الشكل # ty # في هذه الكلمات، بدلا من الشكل # teen ~~. إضافة إلى ذلك فإن ~~هذه الأعداد الكبيرة تقوم على ms062 أساس الضرب لا الجمع. ومع ذلك فإن ~~الأعداد التالية: # twenty # و # thirty # و # forty # و # fifty # و # sixty # و # seventy # و # eighty # و # ninety # من الواضح أنها تعكس ~~بعض المسائل الحسابية البسيطة التي ترتكز على الكمية 10: 2 × 10 ~~و3 × 10 و4 × 10 وهكذا. وهذا التركيز على الأساس العشري ينبع من ~~الجذور البيولوجية نفسها، التي نجدها في لغة الكاريتيانا. إن ~~البشر يعدون على أصابعهم، وعلى أصابع أقدامهم في بعض الأحيان، ~~وحين يسمون الكميات، فإنهم يختارون أسماءها بناء على تمييز ~~تلك الكميات من خلال الأصابع البشرية. # وينتشر هذا النمط في لغات العالم. لنتناول مثالا آخر من ~~لغة أوروبية أخرى تستخدم الأساس العشري، وهي اللغة البرتغالية؛ ~~فبالرغم من انتمائها إلى عائلة اللغات الهندية الأوروبية الكبيرة، ~~فهي لغة من أصل لاتيني؛ ولهذا فهي ليست وثيقة الصلة ~~بالإنجليزية، التي تنتمي إلى فرع اللغات الجرمانية في شجرة اللغات ~~الهندية الأوروبية. في بعض الحالات نجد أن كلمات الأعداد في ~~اللغتين تكون متشابهة، وفي حالات أخرى لا تكون كذلك. وبصرف ~~النظر عن التفاوت في المصطلحات، نجد أن طبيعة اللغة البرتغالية ~~في توجهها العشري واضحة للغاية: # المصطلح باللغة ~~البرتغالية # الكمية # Um # 1 # Dois # 2 # Tres # 3 # Quatro # 4 # Cinco # 5 # Seis # 6 # Sete # 7 # Oito # 8 # Nove # 9 # Dez # 10 # Onze # 11 # Doze # 12 # Treze # 13 # Quatroze # 14 # Quinze # 15 # Dezesseis # 16 # Dezessete # 17 # Dezoito # 18 # Dezenove # 19 # Vinte, vinte um, vinte dois, ~~... # 20, 21, 22, ~~... # مرة أخرى نرى أن صيغ ~~كلمات الأعداد من 1 إلى 10 تبدو اعتباطية، لكن بداية من العدد 11، ~~نبدأ في رؤية درجة من الانتظام؛ فعند العدد «أحد عشر» يبدأ العد ~~من جديد؛ لذا فإن العدد السابق يكون هو الأساس. في الأعداد من ~~11 إلى 15، يمكننا أن نلاحظ وجود تشابه خفي بينها وبين الأعداد ~~من 1 إلى 5، إضافة إلى المقطع # ze # الذي يبدو بمفرده بلا معنى، لكن من الواضح أنه يعكس التقليد ~~القديم المتمثل في إضافة العدد 10 إلى الأعداد من 1 إلى 5. ~~وينطبق الأمر نفسه على الأعداد ms063 من 16 إلى 19؛ إذ نرى مرة أخرى ~~أنها تشبه الأعداد من 6 إلى 9، مع دمجها مع العدد 10. وفي هذه ~~الحالة نجد أن الدمج أكثر وضوحا؛ إذ إن # e # هي أداة العطف «و» في اللغة ~~البرتغالية الحديثة؛ ومن ثم فإن 16 هي حرفيا «عشرة وستة». ~~وفي الأعداد الأكبر من ذلك، فإن النظام يولد مرة أخرى من ~~مضاعفات العدد عشرة، وبهذا يصبح العدد 21 مثلا # vinte um # أو «واحد وعشرون». ~~وينطبق الأمر نفسه على 31 و41 وما إلى ذلك. وباختصار فإن الأعداد ~~البرتغالية عشرية بالطبع. # 5 # يجدر بنا أن نؤكد على أن السبب في الطبيعة العشرية التي ~~تتسم بها هذه الأنظمة العددية لا يعود إلى الملاءمة الرياضية ~~فحسب، كما يفترض في بعض الأحيان؛ فالأساسات العشرية تظهر في ~~العديد من المجتمعات التي لم تتطور فيها الرياضيات، مثل ~~الكاريتيانا، وأما في اللغات الأوروبية، فإن ظهورها يسبق ظهور ~~الأعداد المكتوبة والممارسات الرياضية الحديثة بألف عام. ويتضح ~~هذا النظام العددي الذي أعيد بناؤه من اللغة الهندية الأوروبية ~~الأولية، وهي اللغة التي تمثل سلفا للإنجليزية والبرتغالية ~~و400 لغة أخرى ذات صلة. # 6 # كانت اللغة الهندية الأوروبية الأولية مستخدمة قبل ~~ما يقرب من 6000 عام في محيط البحر الأسود. (وما زال المختصون ~~يخوضون نقاشات حامية بشأن المكان الذي كانت تستخدم فيه ~~تحديدا، إما في سهول ما يعرف اليوم بأوكرانيا أو في الأناضول.) ~~ومن خلال مجموعة من الأحداث، تمكن متحدثو اللغة الهندية ~~الأوروبية الأولية واللغات المشتقة منها من التأثير في العالم ~~بشكل منقطع النظير، وقد أصبح نصف عدد السكان في العالم اليوم ~~يتحدثون شكلا من أشكال اللغة الهندية الأوروبية. وسنوضح فيما ~~يلي بعض الأعداد المعاد بناؤها من هذه اللغة الأصلية المؤثرة. ~~ولتتذكر أن علامة النجمة تشير إلى الأعداد المعاد بناؤها. ~~ومعنى هذا أننا لا نملك أي نصوص مكتوبة أو تأكيدات تاريخية لهذه ~~الكلمات، لكن بناء على التشابهات بين اللغات الحديثة التي ~~تنحدر من اللغة الهندية الأوروبية، يمكننا أن نثق بدرجة كبيرة ~~في أن مصطلحات الأعداد المستخدمة في تلك اللغة ms064 قد كانت على هذا ~~الشكل الذي نقدمه. # 7 # المصطلح بالهندية ~~الأوروبية الأولية # الكمية # Hoi(H)nos ~~⋆ # 1 # duoh ~~⋆ # 2 # treies ~~⋆ # 3 # kwetuor ~~⋆ # 4 # penkwe ~~⋆ # 5 ~~(s)uéks ~~⋆ # 6 # séptm ~~⋆ # 7 # hekteh ~~⋆ # 8 ~~(h)néun ~~⋆ # 9 # dékmt ~~⋆ # 10 # duidkmti ~~⋆ # 20 # trihdkomth ~~⋆ # 30 # kweturdkomth ~~⋆ # 40 # penkwedkomth ~~⋆ # 50 # ueksdkomth ~~⋆ # 60 # septmdkomth ~~⋆ # 70 # hekthdkomth ~~⋆ # 80 # hneundkomth ~~⋆ # 90 # dkmtom ~~⋆ # 100 # وتتجلى الطبيعة العشرية للأعداد الهندية الأوروبية الأولية، ~~بصرف النظر عن التفاوتات الطفيفة، في الأعداد البديلة التي أعيد ~~بناؤها؛ فالأعداد من 11 إلى 19، التي لا تظهر في القائمة الموجودة ~~بالأعلى، تتخذ الصيغة «عشرة» و«س» حيث «س» هو أي عدد من 1 إلى ~~9. أما الأعداد بداية من 20 وما فوقها، فهي أيضا تعكس نمط ~~الأساس العشري بوضوح؛ إذ تتضمن هذه الأعداد شكلا من أشكال ~~المقطع الصوتي # dkmt # ويعزى ذلك ~~إلى الكلمة القديمة التي تعبر عن العدد 10، وهي # dékmt ~~⋆ ~~. ~~بالرغم من ذلك فهي تقوم على أساس الضرب لا الجمع، مثلما رأينا في ~~اللغة الإنجليزية والبرتغالية؛ فالعدد 20 على سبيل المثال هو # duidkmti ~~⋆ ~~، ~~أو «عشرتان» (تقريبا)، والعدد 30 هو # trihdkomth ~~⋆ # أو «ثلاث عشرات» ... وهكذا. # تتضح المكانة القديمة للأساسات العشرية في الأعداد المنطوقة ~~في بعض عائلات اللغات الأساسية الأخرى في العالم. وسوف نتناول ~~ثلاثا من هذه اللغات، وهي: اللغات الصينية التبتية واللغات ~~النيجيرية الكونغولية واللغات الأسترونيزية. مثلما هي الحال في ~~اللغات الهندية الأوروبية، يوجد ما يزيد على 400 لغة من اللغات ~~الصينية التبتية التي تستخدم اليوم، ويزيد عدد المتحدثين بها ~~على مليار نسمة؛ إذ إن هذه اللغات تتضمن لغة الماندرين ~~واللغة الكنتونية. ونظرا إلى أن الحديث عن الأعداد في اللغات ~~الصينية التبتية البدائية سيستلزم توضيحا متخصصا للخصائص ~~الصوتية لتلك اللغة، فإننا سنتحدث عن الأعداد في اللغة الأكثر ~~استخداما من عائلة هذه اللغات في العصر الحالي، وهي لغة ~~الماندرين. وكالأعداد في اللغات الهندية الأوروبية، فإن الأعداد ~~من 1 إلى 10 في لغة الماندرين، لا يمكن فك رموزها؛ فما من وحدات ~~متكررة تستخدم في بناء الأعداد الصغيرة. إن الكلمة التي ~~تعبر عن العدد 10 في لغة ms065 الماندرين هي # shí # وجميع الكلمات التي ~~تعبر عن الأعداد من 11 إلى 19، تتضمن هذه الكلمة، إضافة إلى ~~عدد آخر يستخدم لتمثيل العدد الأصغر من العشرة؛ فالكلمة التي ~~تعبر عن العدد 11 على سبيل المثال هي # shíyī # أو «عشرة واحد» والكلمة ~~التي تعبر عن العدد 17 هي # shíqī # أو ~~«عشرة سبعة». وحتى الأعداد الأكبر تبنى أيضا على الأساس العشري، ~~وتعكس تجميع الكميات وفقا لعشرة عناصر، غير أنه في الأعداد من ~~20 إلى 99، يأتي الرقم الأصغر قبل الأساس العشري؛ فالعدد 70 على ~~سبيل المثال هو، # qīshí # أي «عشر ~~سبعات»، وذلك على العكس من طريقة الترتيب في العدد 17. وينطبق ~~الأمر نفسه على غير ذلك من مضاعفات العشرة. وباختصار فإن ~~أعداد الماندرين تبنى على الأساس العشري، وهو أكثر وضوحا فيها ~~من الأعداد الإنجليزية. # اللغات النيجيرية الكونغولية، هي أيضا من عائلات اللغات ~~الأساسية في العالم. وفيما يتعلق بعدد اللغات فهي عائلة اللغات ~~الأكبر على مستوى العالم؛ إذ تتضمن 1500 لغة، وفقا لدراسة ~~حديثة. ومن أكثر اللغات استخداما في هذه العائلة اللغة ~~السواحلية، وهي تنتمي إلى فرع البانتو الذي يستخدم على نطاق ~~واسع في شرق أفريقيا. في الأمثلة التالية يتضح الأساس العشري ~~في الأعداد السواحلية، الذي يدل على الاستراتيجيات العشرية التي ~~تنتشر في جميع لغات العائلة النيجيرية الكونغولية. وتوضح ~~الأمثلة أن الكميات من 11 إلى 13 على سبيل المثال، تمثل ~~بإضافة المصطلحات التي تعبر عن الأعداد الأصغر، مثل # tatu # أي «ثلاثة» إلى الكلمة ~~التي تعبر عن العدد «عشرة» وهي # kumi ~~. # المصطلح باللغة ~~السواحيلية # الكمية # moja # 1 # mbili # 2 # tatu # 3 # kumi na moja # 11 # kumi na ~~mbili # 12 # kumi na tatu # 13 # أما عائلة اللغات الأسترونيزية، فهي تتوزع على نطاق جغرافي ~~متسع للغاية؛ فهي تتضمن 1200 لغة تتوزع في أماكن يبتعد أحدها ~~عن الآخر، مثل مدغشقر وجنوب شرق آسيا وهاواي. وهي تنتشر أيضا في ~~بعض جزر المحيط الهادي؛ بسبب التوسع البحري لمتحدثي اللغات ~~الأسترونيزية البدائية، على مدار ما يقرب من 2000 عام. ويبدو أن ~~اللغات الأسترونيزية ms066 الأولية كانت تستخدم النظام العشري، الذي ~~تتسم باستخدامه معظم اللغات الأسترونيزية. وينطبق ذلك على سبيل ~~المثال في الفرع البولينزي من هذه العائلة، الذي اتضح أنه ~~يستخدم نظاما عشريا منذ فترة طويلة. # 8 # ومما يثير الاهتمام أيضا أن بعض اللغات ~~الأسترونيزية تبدي بعض الدلائل على استخدامها للنظام الخماسي ~~أيضا. وكالأساس العشري، فإن هذا النمط الخماسي يرتبط بدوافع ~~تشريحية لا يمكن إنكارها، ولا سيما أن الكلمة التي تعبر عن ~~العدد 5 في اللغات الأسترونيزية الأولية، هي الكلمة نفسها التي ~~تستخدم للتعبير عن «اليد» وهي: # lima ~~⋆ ~~. # 9 # لقد وضحت لنا رحلتنا العددية حتى الآن، أن كبرى عائلات ~~اللغات في العالم، ومنها عائلة اللغات الهندية الأوروبية والصينية ~~التبتية والنيجيرية الكونغولية والأسترونيزية، هي كعائلات اللغات ~~الصغيرة في إقليم الأمازون وغيرها من الأماكن، تعكس التأثير ~~المتغلغل للنظام العشري. ومن الجلي أن هذا التأثير يعود إلى ~~آلاف الأعوام في الماضي؛ فمنذ فترة طويلة توصلت الثقافات ~~البشرية، كل على حدة، إلى أن الأعداد تقسم تلقائيا إلى ~~مجموعات تتكون الواحدة منها من عشرة عناصر أو خمسة. ومثلما ~~رأينا في مناقشتنا بشأن الأرقام المكتوبة، فإن هذه العادة ~~الإدراكية تعزى إلى طبيعتنا البيولوجية. غالبا ما تشتق ~~الكلمات التي تعبر عن الأعداد من الكلمات التي تعبر عن الأيدي. ~~وحتى حين لا يكون ذلك صحيحا، فإن الأساسات العشرية في معظم ~~الأنظمة العددية (وكذلك العشرينية والخماسية بدرجة أقل) تعكس ~~الأساس التشريحي لمفردات الأعداد. وفي دراسة حديثة قد أجريت ~~على 196 لغة تنتمي إلى مختلف العائلات اللغوية والمناطق ~~الجغرافية، اكتشف عالم اللغويات المرموق برنارد كومري أن 125 من ~~هذه اللغات تستخدم أساسا عشريا خالصا للكميات التي تزيد عن ~~العشرة. وقد اكتشف أيضا أن الأنظمة العشرية/العشرينية الهجينة، ~~والأنظمة العشرينية الخالصة، تنتشر بدرجة كبيرة؛ فقد وجد 22 لغة ~~تمثل الحالة الأولى، و20 لغة تمثل الحالة الثانية. # 10 # ينتشر الأساس العشريني على نطاق كبير إلى حد ما في بعض ~~المناطق مثل أمريكا الوسطى والقوقاز وغرب وسط أفريقيا، لكن هذه ~~الأنماط العشرينية تظهر بدرجة أقل في بعض اللغات الأوروبية. ms067 ~~فهي تظهر على وجه التحديد في اللغة الفرنسية، ونجد أن تركيب بعض ~~الأعداد الكبيرة يعكس نمط الأساس 20؛ فالكلمة التي تعبر عن العدد ~~99 على سبيل المثال هي «أربع عشرينات وتسعة وعشرة» (4 × 20 + 10 + ~~9)، وقد بنيت باستخدام الأساسين: العشري والعشريني. وحتى اللغة ~~الإنجليزية تحمل في القليل من الأحيان بعض آثار النظام العشريني. ~~لنلق نظرة على مقدمة الخطاب الشهير الذي ألقاه أبراهام ~~لينكولن في جيتيسبيرج (قبل أربعة عشرينات وسبعة من الأعوام) التي ~~يشير فيها إلى استقلال الولايات المتحدة قبل خطابه بسبعة وثمانين ~~عاما. إن وجود كلمة في اللغة الإنجليزية تعني «مجموعة مكونة ~~من عشرين عنصرا» وهي كلمة # score ~~، ~~بالرغم من ندرة استخدامها، يعكس التصنيف اللغوي للكميات باستخدام ~~الأساس العشريني. # في بعض الحالات، قد يظهر في اللغة الواحدة الأساس الخماسي ~~وكذلك العشري والعشريني أيضا؛ ففي لغة المامفو، وهي لغة تتبع ~~عائلة لغات وسط السودان المستخدمة في أفريقيا، نجد أن الأصول ~~الاشتقاقية لمفردات الأعداد من 1 إلى 5 مبهمة، أي إن مصادر ~~مفردات الأعداد الصغيرة غامضة كما هي الحال في معظم الأحوال. وعلى ~~العكس من ذلك، فمفردات الأعداد من 6 إلى 9، تستند إلى الأساس ~~الخماسي. فأفضل ترجمة ممكنة للكلمة التي تعبر عن العدد 6 # elí qodè relí # هي «اليد تأخذ ~~واحدا.» أما عبارة # qarú qodè relí # التي ترمز إلى العدد 11، فأفضل ترجمة لها هي «القدم تستحوذ على ~~واحد.» وعلى العكس من ذلك، فالمفردات التي تعبر عن الكميات ~~التي تزيد عن 20، فهي تتشكل بناء على العبارة العددية # múdo ng-burú relí # ومعناها ~~«شخص كامل». إن لغات كلغة المامفو تقدم أدلة في غاية ~~الوضوح على أن الأنظمة العددية تؤسس في العادة بناء على ~~وحدات ترمز إلى أصابع اليد الواحدة واليدين والشخص بأكمله، ~~والتي يفهم منها أن الشخص بأكمله يشير إلى جميع أصابع يديه ~~وقدميه. # 11 # بالرغم من شيوع هذه الأساسات في لغات العالم، فيجب التأكيد على ~~حقيقة أن الأساس العشري على وجه التحديد يؤدي دورا بارزا في ~~الأعداد. ومن الواضح أن السبب في هذا الدور البارز ms068 الذي يؤديه ~~النظام العشري، يعود إلى الطبيعة البيولوجية لجسم الإنسان، وليس ~~إلى ميل فطري لتصنيف الأغراض إلى مجموعات من 10، أو إلى فاعلية ~~ذلك كما يفترض في بعض الأحيان. ومن الواضح أيضا أن السبب في ~~غلبة الأساس العشري مقارنة بالأساس العشريني، يعود إلى طبيعتنا ~~البيولوجية؛ فأصابع يدينا أكثر وضوحا وأسهل في الوصول إليها من ~~أصابع قدمينا. إنها تقع في مجال بصرنا، وهي أسهل في استخدامها ~~والتعامل معها؛ فهي وسيلة أكثر تلقائية لعد الأشياء. ~~واستخدامها في أنماط العد يسهم في التشجيع على تسمية مصطلحات ~~الأعداد. وربما يكون السبب في اعتماد البشر بصورة أكبر على أنظمة ~~الأساس العشري لا أنظمة الأساس الخماسي؛ أقل وضوحا، غير أنه يمكن ~~تفسيرها هي أيضا من خلال بعض الحقائق التشريحية البسيطة، ومنها ~~أن الأصابع متماثلة في اليدين تقريبا، لكن ثمة فرقا ~~واضحا بين أصابع اليدين وأصابع القدمين. وينطبق ذلك على موقعها ~~من الجسم، وكذلك مظهرها المادي. ومثلما يقول عالم اللغويات برند ~~هين: «نظرا لأن الاختلاف الإدراكي الحسي بين اليدين ~~والقدمين أكبر مما هو عليه بين اليد واليد الأخرى، فإن العدد ~~«10» يشكل أساسا أكثر بروزا من العدد «5».» # 12 # مثلما يتضح في بعض الأمثلة التي تناولناها، نجد أن المصطلحات ~~التي تعبر عن كميات تزيد عن الخمسة، غالبا ما تتمثل في ~~عبارات؛ ففي لغة الكاريتيانا على سبيل المثال، نجد أن الكمية 6 ~~تمثل بالعبارة العددية «نأخذ واحدا ويدنا الأخرى.» وغالبا ما ~~تتحول هذه العبارات إلى تعبيرات مفرداتية مع الوقت (أي إنها ~~تصبح كلمات أقصر وتصبح معانيها أقل وضوحا)، وهذا هو ما حدث ~~مع الأعداد الإنجليزية، غير أنه في بعض اللغات تظل هذه العبارات ~~العددية واضحة، وتتكون من تعبيرات الضرب أو الجمع؛ فمثلما رأينا ~~في حالة لغة الماندرين، فإن الكلمات التي ترمز إلى الأعداد من ~~11 إلى 19 تعبيرات تستخدم الجمع، أي إنها تتكون من العدد 10 ~~زائد «س»، أما الكلمات التي ترمز إلى الأعداد 20 و30 و40 وما إلى ~~ذلك، فهي تعبيرات تستخدم الضرب؛ إذ تتخذ الصيغة «س» مضروبة في ~~10. ومعظم ms069 الأنظمة العددية تستند ضمنيا إلى الجمع والضرب لبناء ~~أعداد كبيرة من الأعداد الصغيرة، مثلما هي الحال في لغة الماندرين. ~~وفي أحيان أقل كثيرا، يستخدم الطرح حتى في الأنظمة التي ~~تستند إلى المجموعات العشرية. ففي حالة لغة الأينو الأصلية في ~~اليابان، نجد أن الكلمة التي تعبر عن العدد 9 هي # shine-pesan # ومعناها «ناقص ~~واحد» ونجد أن الأعداد من 6 إلى 8، تستند إلى الطرح أيضا. ~~بالرغم من ذلك، فلم يكن الطرح أبدا هو القاعدة الأساسية ~~المستخدمة في تكوين الأعداد في لغة ما. وفي التسلسل الهرمي الذي ~~يتضح في الأنظمة العددية في العالم، نجد أن الجمع يؤدي دورا ~~أبرز من الضرب الذي يؤدي دورا أبرز من الطرح. وتستخدم القسمة ~~أيضا، غير أن ذلك في حالات نادرة للغاية. # 13 # ومع دور الصدارة الذي يحتله الجمع في تكوين مفردات الأعداد، ~~يتضح لنا أمر آخر مرتبط به في العديد من الأعداد التي نعبر ~~عنها بعبارات في لغات العالم، وهو أن مفهوم الجمع يشار إليه من ~~خلال الاستخدام الشائع لكلمات مثل «يأخذ» أو «يستحوذ»؛ فمثلما ~~رأينا في لغة الكاريتيانا، تترجم الكلمة التي تعبر عن العدد 11 ~~إلى «نأخذ إصبعا واحدا من أصابع القدم.» وفي لغة المامفو ~~تترجم الكلمة نفسها إلى «تستحوذ القدم على واحد.» وإضافة إلى ~~الكلمات على غرار «يأخذ» «ويستحوذ»، فمن الطرق الأخرى المنتشرة ~~لإضافة الأعداد الصغيرة من أجل تشكيل مفردات الأعداد الأكبر منها، ~~استخدام كلمات أو مقاطع تعني «مع»، وهو ما ينطبق على لغة ~~الجاراوارا، التي نجد فيها أن البادئة # ka # تستخدم في تعبير # yehe kafama # الذي يترجم ~~حرفيا إلى «مع يدين» أو «عشرة». # ويتضح تكوين مفردات الأعداد بالاعتماد على أعضاء الجسم، في بعض ~~التوجهات الأضعف في لغات العالم؛ فعلى سبيل المثال، نجد أن ~~الكلمات التي تعبر عن فعل العد غالبا ما تشتق تاريخيا ~~من الكلمات التي تعبر عن الأصابع أو عن ثنيها. (تتضح العلاقة ~~الأخيرة بين الكلمات التي تعبر عن العد والكلمات التي تعبر عن ~~ثني الأصابع، في لغات الفرع الشمالي من عائلة اللغات ms070 ~~الأثاباسكانية الأمريكية على سبيل المثال، وفي لغة الزولو.) # يمكننا أيضا أن نورد بعض التعميمات الأخرى عن الأشكال ~~المعتادة التي ترد فيها الأعداد، بعيدا عن ارتباطها بأعضاء ~~الجسم. فنحن لم نناقش مثلا الأعداد الكبيرة للغاية مثل ~~«الآلاف» «والملايين» التي تعكس هي أيضا في نهاية المطاف أساسا ~~عشريا؛ إذ إنها تتكون من العدد 10 مرفوعا إلى قيمة أسية ~~معينة، حتى وإن كانت مصادرها الاشتقاقية مختلفة، مقارنة ~~بالأعداد الأصغر منها. وتختلف هذه الأعداد الكبيرة عن الأعداد ~~الصغيرة أيضا في أنها تعامل عادة على أنها أسماء بخلاف ~~الأعداد الصغيرة التي تعامل عادة على أنها صفات. فعلى سبيل ~~المثال يمكنني أن أقول بالعربية (والإنجليزية أيضا): «مئات» من ~~الناس، أو «آلاف» من الناس، ولا يمكنني أن أقول إنه كان ثمة ~~«سبعات» من الناس أو «ثمانيات» من الناس. إضافة إلى ذلك، فإن ~~هذه الأعداد الكبيرة نادرة نسبيا في الحديث الفعلي، وهي أقل ~~انتشارا في لغات العالم كذلك. فبينما تتضمن معظم لغات العالم ~~تقريبا نظاما من الأعداد الأساسية، # 14 # فإنها لا تتضمن عادة كلمات تعبر عن الكميات ~~التي تزيد عن 100 أو 200، أو غير ذلك من مضاعفات 10 و20. والواقع ~~كما سنرى في القسم التالي، أن سقف المصطلحات الدقيقة الأصلية ~~التي تعبر عن الأعداد في العديد من اللغات في أستراليا والأمازون ~~وغيرها من الأماكن أقل من عشرة. # من هذا الاستعراض المختصر يمكننا أن نتوصل إلى بعض ~~الاستنتاجات العامة عن الأعداد في الحديث؛ أولا: أنها تنتشر في ~~جميع لغات العالم تقريبا؛ فبالرغم من أننا لم نستكشف سوى جزء ~~صغير من الأمثلة الممكنة من تلك اللغات، فإن هذه الأمثلة توضح ~~أن مفردات الأعداد الأساسية هي عامل مشترك بين العديد من اللغات ~~غير المترابطة التي تتوزع على مناطق جغرافية بعيدة عن بعضها ~~البعض. وثانيا: أن هذه المناقشة قد وضحت أن مفردات الأعداد ~~في اللغات غير المترابطة غالبا ما تعكس تشابهات صارخة؛ إذ ~~إن معظم اللغات توظف نموذجا بيولوجيا يستند إلى أعضاء ~~الجسد، يتضح في أساسات أعدادها. ثالثا: أن الأدلة اللغوية ~~توضح ms071 أن النموذج القائم على أعضاء الجسد لم يشجع على ~~ابتكار الأعداد على مستوى العالم فحسب، بل هو يمتد أيضا إلى ~~أبعد ما تأخذنا إليه البيانات اللغوية في التاريخ؛ إنه يتضح ~~في إعادة بناء اللغات السالفة مثل اللغة الصينية التبتية الأولية، ~~واللغة النيجيرية الكونغولية الأولية، واللغة الأسترونوزية ~~الأولية، واللغة الهندية الأوروبية الأولية، وهي اللغات التي ~~أصبحت اللغات المشتقة منها هي الأفضل تمثيلا في العالم ~~اليوم. # إن أجسامنا تؤدي دورا بارزا في أنماط تفكيرنا، وفي كيفية ~~فهمنا للعالم حولنا. ويتضح هذا التأثير الجسدي على التفكير ~~في الكثير من الأبحاث الحالية في علم الإدراك، بشأن كيفية تشكيل ~~جسدنا لعملياتنا الإدراكية، وهو ما يعرف باسم الإدراك التجسيدي. ~~والتفكير الكمي الأساسي مثال ممتاز على الإدراك التجسيدي؛ إذ ~~إننا نفهم الكميات من خلال أجسادنا. (وسوف نشرح هذه النقطة ~~بقدر أكبر من التفصيل في الفصل الثامن.) ومثلما رأينا في الفصل ~~الأول، يبدو أن البشر قد واجهوا صعوبة في فهم مرور الوقت بدون ~~استخدام أجسادهم وكذلك الحيز المحيط بها، بصفتها أساسا ~~مجازيا راسخا للتفكير بشأن الوقت. وبطريقة مشابهة، فإن ~~استعراضنا لمفردات الأعداد الأساسية في العالم، يدل على أن ~~الطريقة الأولية التي نستخدمها في فهم الكميات المجردة، هي من ~~خلال أصابع يدينا وقدمينا، لكنها أصابع يدينا هي التي ~~نستخدمها بصفة أساسية. # قد يبدو كل ذلك واضحا للغاية من بعض الجوانب؛ فبالرغم من كل ~~شيء قد استخدمنا جميعا أصابعنا في العد في صغرنا، ولا نزال ~~نفعل ذلك في بعض الأحيان. غير أننا كثيرا ما نقلل من أهمية ~~الأساس المادي للأعداد، لا سيما على ما أعتقد في ضوء وجود نموذج ~~أجزاء الجسم في جميع الأعداد المنطوقة بالعالم. إن هذا الانتشار ~~في كل مكان يدل على أن مفردات الأعداد هي ابتكار قد انبثق ~~نتيجة الارتباط بين أصابعنا وبين الكميات التي يمكن أن تستخدم ~~في تمثيلها (وسوف نناقش هذه النقطة بالمزيد من التفصيل في الفصل ~~الثامن). وبدلا من ذلك يمكننا أن نرى أن الأعداد مفاهيم ~~مستقلة، ربما تكون متأصلة في العقل البشري، وما ms072 نستخدم ~~أصابعنا إلا لتسمية هذه المفاهيم. ومثلما سنرى في الفصل الخامس، ~~فإنه من الصعب لهذا الرأي أن يصمد في وجه الأدلة التجريبية بشأن ~~وجود شعوب لا تعرف الأعداد. غير أنه يجدر بنا أن نشير هنا إلى ~~أن طبيعة مفردات الأعداد، التي نجد أنها تستند إلى الأصابع في ~~لغات العالم، يجب أن تستوقف هؤلاء الذين يعتقدون أن الأعداد ~~مفاهيم متأصلة تنتظر التسمية فحسب. فمن المؤكد أنه إن كانت ~~الحال كذلك لما اعتمدنا في معظم الأحيان على أصابعنا لتسميتها، ~~ولوجدنا في لغات العالم جميع أنواع الأساسات المختلفة التي ما ~~كانت لتدل على الاستخدام التاريخي للأصابع. إن الأدلة ~~المتعلقة بمختلف اللغات وحدها تؤيد الرؤية القائلة بأن ~~الأعداد أدوات مفاهيمية، لا مجرد أسماء اخترعناها بعد أن فهمنا ~~الكميات من خلال أصابعنا. # 15 # إن اختراع الأعداد ممكن للعقل البشري، لكنه قد أصبح ممكنا من ~~خلال الأصابع؛ إذ تقترح البيانات اللغوية، القديمة منها ~~والحالية، أن الأعداد قد ظهرت في الثقافات المختلفة بصورة ~~مستقلة، وفي مناسبات غير محددة، عن طريق إدراك البشر أن ~~بإمكانهم استخدام الأيدي لتسمية الكميات مثل 5 و10. يمكن استخدام ~~الأصابع للإشارة إلى الكميات، وقد اكتشف العديد من الأشخاص فائدة ~~ذلك، غير أن الأصابع محدودة من الناحية الرمزية، ولا تمثل ~~وسيلة مجردة تماما للتعبير عن الكميات. أما الكلمات فهي أدواتنا ~~الملائمة للترميز المجرد، ولحسن الحظ أنه يمكن استخدامها للإشارة ~~إلى الكميات، غير أنها لا تستخدم عادة إلا بعد أن يؤسس ~~الأفراد بين أصابعهم والكميات تطابقا متجسدا ملموسا ~~بدرجة أكبر. إن اختراعنا للأعداد متأصل في أجسادنا، ثم في ~~أصابعنا التي مكنتنا من اشتقاق رموز مجردة تماما للتعبير عن ~~الكميات، وهي مفردات الأعداد. وهذه الرموز المجردة يمكن أن ~~تنتقل إلى الجماعات البشرية وفيما بينها ويتعلمونها بسهولة، وقد ~~أصبحت تلبي مجموعة كبيرة من الاحتياجات؛ فهي أدوات لفظية ~~ومفاهيمية حقة. # دوافع أخرى لتصنيف الكميات في مجموعات # بالرغم من الانتشار الواسع على مستوى العالم للأنظمة العددية ~~التي تعتمد ضمنيا أو صراحة على الأصابع البشرية، يمكن أن ~~تتأسس الأعداد أيضا ms073 على عوامل أخرى. علاوة على الأنظمة ~~الخماسية والعشرية، توجد الأنظمة الثنائية أيضا؛ ففي حالة ~~الجاراوارا على سبيل المثال، رأينا قدرا من تأثير النظام ~~الثنائي في الأعداد الصغيرة، وفي نظام الأعداد التقليدي الذي ~~كان يستخدم ذات يوم في جزيرة مانجريفا، نجد أنه كان ~~يستخدم نظام ثنائي أكثر تعقيدا، كما سنرى في الفصل ~~التاسع. وإضافة إلى النظام الثنائي أو الأعداد التي تستند ~~إلى الأساس 2 والتي توجد في بعض الثقافات، نجد أن أساسات ~~أخرى تتضح في بعض الثقافات، ومنها الأساس الثلاثي (الأساس ~~3) والرباعي (الأساس 4) والسداسي (الأساس 6) والثماني (الأساس ~~8) والتساعي (الأساس 9). وعلاوة على ذلك، فإن بعض الثقافات ~~تستخدم الأساس الاثني عشري (الأساس 12)، أو كانت تستخدمه، ~~وكان غيرها يستخدم الأساس الستيني (الأساس 60). وكما ~~أشرنا في الفصل الأول، فإن استخدام النظام الستيني على يد ~~السومريين أولا، ثم البابليين من بعدهم، هو السبب في أننا لا ~~نزال نقسم الساعات إلى دقائق، والدقائق إلى ثوان. # ومن المثير للاهتمام أن الأساس الثماني والاثني عشري ~~والستيني، قد يكون منبثقا من الأيدي البشرية كذلك، وإن كان ~~ذلك بطرق أقل وضوحا مما هي عليه في المجموعات الخماسية ~~والعشرية. فبالرغم من أن البشر يمتلكون عشرة أصابع في ~~اليدين، فليست كل الطرق المعروفة للعد على الأصابع تستند ~~إلى المطابقة بين الأصابع والكميات؛ فثمة طرق أخرى لتمثيل ~~الكميات من خلال ترتيبات مختلفة لليدين. وهذه الترتيبات ~~البديلة، وإن كانت أقل وضوحا، هي السبب بصورة جزئية في ~~وجود اختلاف فيما بين الثقافات بشأن الكيفية التي يعد بها ~~الناس على أصابعهم. ومن الأمثلة الغريبة على ذلك أحد الأنظمة ~~الهندية التي يستخدمها التجار في العد على أصابعهم . وفي هذا ~~النظام تمثل أصابع إحدى اليدين الوحدات المفردة، أما ~~أصابع اليد الأخرى فتمثل مضاعفات الخمسة؛ ومن ثم فإن ~~إصبعين على يد زائد ثلاثة أصابع على اليد الأخرى تمثل ~~الكمية 17 (2 × 1 + 3 × 5) وليس 5. # الفراغات الموجودة بين الأصابع يسهل عدها أيضا، والواقع ~~أن عدد الفراغات في اليدين قد يكون هو السبب في ظهور ~~الأساس الثماني (العدد 8) النادر. أو فلنتأمل الأساس ms074 12، أو ~~النمط الاثني عشري؛ حيث يوجد اثنا عشر خطا متجاورا على ~~أصابع اليد الواحدة فيما عدا الإبهام (خط في كل عقلة)، ويمكن ~~استخدام هذه الخطوط بمثابة علامات بارزة للإشارة إلى الكميات، ~~من خلال عدها بإصبع من اليد الأخرى. (انظر الشكل # 3-1 ~~) إضافة إلى ذلك، بخلاف هذا الأساس ~~الحيوي الذي قد يكون هو السبب في ظهور استراتيجية العد ~~بالأساس 12، يجدر بنا الإشارة إلى أن 12 × 5 = 60. وإذا ~~أخذنا في الاعتبار أن الأيدي البشرية تمثل دافعا واضحا ~~محتملا لظهور استراتيجية الأساس 12، واستراتيجية الأساس 5 ~~كليهما، فإن ظهور نظام الأساس الستيني في بلاد الرافدين ~~قديما، يغدو أقل غرابة. وليس ذلك لكي نزعم بشكل ~~مؤكد أن استراتيجية الأساس 60 قائمة على الأيدي، غير أن ~~ذلك أمر محتمل بالتأكيد، ومن غير المرجح أن يكون استخدام ~~أساس يقبل القسمة على 5 و10 و12 مجرد مصادفة. # 16 # إنني لا أرغب في الاستفاضة في تفاصيل جميع هذه الأساسات ~~العددية الأقل انتشارا، غير أنه من الضروري أن أشير إلى ~~وجودها كيلا أقدم انطباعا بأنه ثمة آلية جوهرية أو ~~غيرها من العوامل، تلزم البشر بفهم الكميات عن طريق ~~أصابعهم بالطريقة نفسها. إضافة إلى ذلك يمكننا أن نستخدم ~~عناصر مختلفة من بيئاتنا لفهم الكميات، وهو ما يحدث ~~بالفعل، وغالبا ما تكون هذه العناصر سمات أخرى من طبيعتنا ~~البيولوجية؛ فربما يعود السبب في نشأة الأنظمة الثنائية بصفة ~~جزئية، إلى حقيقة أن السمات البيولوجية للبشر في معظم ~~الحالات، تتمثل في أزواج. ومن الأمثلة المحددة على ذلك ~~رأسنا الذي يحتوي على عينين وأذنين وفتحتي أنف وخدين. ~~وثمة أدلة ضعيفة من بعض اللغات على أن الكلمة التي تعبر ~~عن العدد «اثنين» تشتق من إحدى هذه الكلمات؛ ففي لغة ~~الكاريتيانا على سبيل المثال، نجد أن الكلمة التي تعبر عن ~~«اثنين» هي # sypo # والكلمة التي ~~تعبر عن «العين» هي # sypom ~~. ~~(وليس من الواضح لنا ما إذا كان ذلك مجرد مصادفة أم ~~لا.) # شكل 3-1: تستند معظم الأنظمة العددية في العالم إلى ~~كمية الأصابع في اليد البشرية، غير ms075 أن سمات ~~أخرى في أيدينا قد تؤثر في الأنظمة العددية؛ ~~فالفراغات الأربعة الموضحة بالخطوط البيضاء، ~~والمفاصل الاثنا عشر المتجاورة، والموضحة ~~بالخطوط السوداء المنقطة، تسهم في تشكيل ~~الأعداد، وإن كان ذلك بدرجة أقل انتشارا. ~~الصورة من التقاط المؤلف. # وثمة أنواع أخرى من استراتيجيات العد التي تستند إلى ~~أجزاء الجسم، وقد تكون غريبة في بعض الأحيان. ففي مقاطعة ~~سيبيك الغربية في نيو غينيا، توجد لغة تدعى أوكسابمين، التي ~~كانت تستخدم من قبل استراتيجية عد تتضمن 27 عددا يتطابق ~~كل منها مع أعضاء الجسد بالترتيب، بما في ذلك الأصابع ~~والعينان والكتفان. تبدأ النقاط المعدودة في الجسم بيد ~~واحدة، وتستمر إلى ذراع واحدة، صعودا إلى الرأس ثم نزولا ~~إلى الذراع الأخرى. وقد سجلت أنظمة مشابهة في مناطق أخرى ~~في نيو غينيا، ومنها ذلك النظام المستخدم بين شعب اليوبنو. ~~ففي لغتهم ترتبط مفردات الأعداد بأصابع اليدين وأصابع ~~القدمين مع نقاط أخرى من الجسم، ويصل مجموعها إلى 33 كلمة. ~~ونظرا إلى أنها لا تؤدي إلى تشكيل أساسات عددية منتظمة في ~~الحديث، فلن نناقش مثل هذه الأنظمة العددية هنا بأكثر من ~~ذلك. بالرغم من ذلك، يجدر بنا الإشارة إلى وجودها؛ إذ إنها ~~تدل على وجود طريقة أخرى يحفز بها تركيب الجسم البشري على ~~تصميم استراتيجيات العد. # 17 # لقد شاهدنا بعض الأمثلة على وجود أساسات عددية نادرة، مثل ~~الأنظمة الرباعية (الأساس 4) في لغات قبائل السالينان التي ~~تعيش في كاليفورنيا، أو الأنظمة السداسية (الأساس 6)، التي ~~توجد في جنوب نيو غينيا. وقد حظيت الأنظمة السداسية ~~بقدر جيد من انتباه الباحثين في اللغات، وقد نتج عن هذا ~~الانتباه أنهم قد زعموا أن السبب في استخدام الأساس السداسي ~~للأعداد في بعض لغات نيو غينيا، يعود إلى أحد مظاهر الثقافة ~~الإقليمية ، وهو نبات البطاطا الذي يؤدي دورا أساسيا في ~~اقتصاد هذه الجماعات الأصلية التي تعيش في هذا الجزء من ~~العالم، ونمط حياتها. فمن المذهل أن الترتيبات التي ~~تستخدم في تجميع محصول البطاطا وتخزينه، والتي تكون عادة ~~على هيئة ستة في ستة، قد شجعت ms076 ظهور أنظمة الأعداد السداسية ~~المستخدمة في هذه المنطقة. وهذه الاستراتيجية المستخدمة في ~~عد شيء محدد، قد أصبحت أكثر تجريدا في وقت ما بعد ~~ذلك، وامتد استخدامها إلى مجالات أخرى، حتى أصبح من الممكن ~~عد الأشياء كلها باستخدام نظام الأساس السداسي. # 18 # وقد تأثرت بعض أنواع الأعداد الأخرى باستراتيجيات العد ~~المرتبطة بأشياء خارج الجسم، أشياء تؤدي دورا مهما في ~~ثقافات متحدثي اللغة. فالعديد من اللغات في ميلانيزيا ~~وبولينزيا تستخدم، أو كانت تستخدم من قبل، أنظمة عددية ~~تختلف وفقا لنوع الشيء المراد عده. ففي لغة الفيجي القديمة ~~الفصحى على سبيل المثال، نجد أن الكلمة التي تشير إلى العدد ~~100 هي «بولا» عند عد الزوارق، لكنها «كورو» عند عد جوز ~~الهند. وبالرغم من أن أساس الأعداد كان لا يزال متأثرا ~~بالنظام العشري، فإن تخصيص العدد بناء على الشيء المعدود ~~كان واضحا. أما الأعداد البولينزية فسوف نتناولها بالمزيد من ~~التفصيل في الفصل التاسع، الذي سنرى فيه أنها توفر بعض ~~المزايا الإدراكية. # من المثير للاهتمام أن بعض الأنظمة العددية النادرة تعكس ~~تأثير ظواهر ثقافية أكثر تعقيدا؛ فقد اكتشف عالم اللغويات ~~في جامعة تكساس بيشنس إبس أن بعض اللغات في شمال غرب ~~الأمازون، تستخدم علاقات القرابة أساسا لأعدادها. وينطبق ~~ذلك الأمر على لغة «دو» ولغة «هاب» وهما لغتان قريبتان من ~~اللغات المستخدمة في المنطقة. يستخدم متحدثو اللغة ~~الأولى أصابعهم مع الكلمات عند العد من 4 إلى 10، حيث تشير ~~الأصابع إلى كمية الأشياء المراد عدها، أما الكلمات ~~فتستخدم لتوضيح ما إذا كانت الكمية فردية أو زوجية. فإذا ~~كانت الكمية زوجية، استخدم المتحدثون الكلمة: «لها أخ.» وإذا ~~كانت فردية استخدموا: «ليس لها أخ.» وينطبق الأمر نفسه في لغة ~~«الهاب»؛ فأفضل ترجمة ممكنة للكلمة التي تعبر عن 3 هي «دون ~~إخوة »، وأفضل ترجمة للكلمة التي تعبر عن أربعة هي «مع إخوة ~~مرافقة». ويبدو أن هذا النظام العددي «الأخوي» ينبع من ~~طريقة تبادل الإخوة في الزواج، التي يتبعها هذا الجزء من ~~أمريكا الجنوبية. ومثل النظام العددي السداسي المستند إلى ~~البطاطا، ms077 والمستخدم في نيو غينيا، فإن هذه الأعداد القائمة ~~على العلاقات، توضح أن حقيقة استخدام أجزاء الجسم في بناء ~~الأعداد في معظم الحالات، لا تعني أن ذلك هو ما ينبغي أن ~~يكون الأمر عليه. ومثلما هي الحال في بعض المظاهر الأخرى للغة، ~~فكل ما يمكننا القول به هو وجود أنماط شائعة بين الأنظمة ~~العددية في العالم، لكنها ليست أنماطا عالمية. # 19 # الأنظمة المحدودة للأعداد المنطوقة # نظرا لأن الأعداد من 4 إلى 10 في لغة «الدو» تستلزم ~~استخدام الأصابع مع الإشارة إلى «الإخوة» فهي ليست أعدادا ~~لفظية بالمعنى الأدق؛ إذ لا تتضمن لغة «الدو» أعدادا ~~مفرداتية فعلية إلا للأعداد من 1 إلى 3. ومثل لغة «الدو»، ~~فإن الأعداد في بعض اللغات الأخرى محدودة النطاق؛ فبعض هذه ~~اللغات يستخدم أنظمة عددية عديمة الأساس. وفي دراسة حديثة ~~عن الأنظمة العددية المحدودة، اكتشف أن أكثر من اثنتي ~~عشرة لغة في العالم لا تستخدم هذه الأساسات على الإطلاق، ~~وأن العديد من اللغات لا يتضمن كلمات تعبر عن الكميات ~~الدقيقة فيما هو أكبر من 2، أو أكبر من 1 في بعض الحالات. ولا ~~شك في أن هذه الحالات تمثل جزءا صغيرا للغاية من ~~اللغات في العالم، فالغالبية العظمى تستخدم أساسات عددية ~~تعكس نموذج أعضاء الجسم. علاوة على ذلك، فإن معظم الحالات ~~المتطرفة المعنية تنحصر جغرافيا في نطاق منطقة ~~الأمازون. وأيضا فإنه يصعب القول بكل ثقة: إن الأساسات لم ~~تستخدم أبدا في بعض هذه اللغات التي من المفترض أنها عديمة ~~الأساسات؛ ففي بعض الحالات قد تهمل الأعداد الأصلية نظرا ~~إلى تبني نظام عددي جديد أكثر فاعلية. (ولعلك تتذكر ~~مناقشتنا عن الجاراوارا.) في بعض الثقافات قد يخفق ~~المتحدثون الأصغر سنا في اكتساب نظام الأعداد الأصلي ~~القديم، وقد يعطي انقراض هذا النظام انطباعا خاطئا بعدم ~~وجود مثل ذلك النظام الأصلي على الإطلاق. بالرغم من ذلك فحتى ~~في ضوء العامل الاجتماعي اللغوي يمكننا الوثوق بأن الأعداد ~~في بعض اللغات هي أعداد محدودة ليس لها أساسات. ففي حالة ~~لغتين من منطقة الأمازون، وهما لغة ms078 «زيليكسانا» ولغة ~~«بيراها»، زعم البعض أنهما لا تستخدمان أي مفردات ~~محددة من أي نوع تعبر عن الأعداد. وسوف نتناول حالة لغة ~~«بيراها»، التي ألم بها بعض الشيء، ببعض التفصيل في الفصل ~~الخامس. أما في حالة لغة «زيليكسانا» الأقل وضوحا، فقد ~~أشارت بعض التقارير إلى أن الأعداد الثلاثة في اللغة ترمز ~~بشكل تقريبي إلى «واحد أو بضع» و«اثنين أو بضع» و«ثلاثة ~~أو أكثر». # 20 # إن بعض الأنظمة العددية المحدودة في منطقة الأمازون تتيح ~~الإشارة بدقة إلى شيء واحد أو اثنين، لكنها لا تسمح إلا ~~بالإشارة غير الدقيقة إلى الكميات الكبيرة. وينطبق ذلك على لغة ~~«المندوروكو» التي حظيت بقدر كبير من الاهتمام في الأبحاث ~~النفسية اللغوية الحديثة. (راجع الفصل الخامس.) ويشتهر عن معظم ~~اللغات في أستراليا أن أنظمتها العددية محدودة، وقد زعم ~~علماء اللغويات قبل ذلك أن معظم اللغات الأسترالية تفتقر ~~إلى وجود مصطلحات دقيقة للإشارة إلى الكميات الأكبر من 2. ~~بالرغم من ذلك، يبدو أن هذا الزعم مبالغ فيه، والواقع أن ~~العديد من لغات هذه القارة تستخدم أساليب أصلية لوصف ~~مختلف الكميات بدقة، وفي بعض الأحيان يمكن دمج مفردات ~~الأعداد التي ترمز إلى الكميات الصغيرة في هذه اللغات، ~~واستخدامها في التعبير عن الكميات الكبيرة من خلال استخدام ~~خاصية الجمع، أو حتى خاصية الضرب في الأساسات. ومثلما أشارت ~~الدراسة الموسعة التي أجراها عالما اللغويات كلير بويرن ~~وجيسون زينتز، على اللغات الأسترالية، فإن معظم أنظمتها ~~العددية غالبا ما تكون محدودة بالفعل. بالرغم من ذلك، فلا ~~يمكن وصفها بالتأكيد على أنها أنظمة «واحد واثنين والعديد» ~~مثلما كنا نظن قبل ذلك؛ فغالبا ما تكون أكثر فعالية من ~~الأنظمة العددية التي كانت تستخدمها الجماعات الأمازونية التي ~~تعتمد على الصيد والتقاط الثمار. فاللغات الأسترالية التي ~~تضمنتها الدراسة، والتي يقترب عددها من المائتين، تحتوي ~~جميعها على كلمات تعبر عن العددين 1 و2، غير أن العدد ~~الأكبر في ثلاثة أرباع هذه اللغات تقريبا هو 3 أو 4. ومع ذلك ~~فإن العديد من هذه اللغات تستخدم الكلمة التي ترمز إلى ~~العدد «اثنين» ms079 أساسا لأعداد أخرى. والعديد من هذه اللغات ~~يستخدم الكلمة التي تعبر عن العدد «خمسة» أساسا لتكوين ~~أعداد أخرى، وفي ثمان من هذه اللغات نجد أن أكبر عدد ~~تستخدمه هو العدد «عشرة» (بينما لا توجد أي لغة أخرى تشير ~~على سبيل المثال إلى 7 أو 8 أو 9 أو 11، بأكبر عدد فيها). ~~إذن، فحتى في أستراليا توجد بعض الإشارات المتناثرة التي ~~تدل على الدور الأساسي للأصابع في استراتيجيات تكوين ~~الأعداد. ثمة دلالة خاصة لهذا الأمر نظرا إلى العزلة ~~النسبية التي اختبرتها هذه الشعوب على تلك القارة منذ ~~استيطانهم لها قبل 40000 عام. فمثلما هي الحال في مناطق أخرى ~~من العالم، فإن بعض جماعات السكان الأسترالية قد ابتكرت، ~~بصورة مستقلة، نموذج أعداد يعتمد على أعضاء الجسم لتمثيل ~~الكميات لغويا. # 21 # خاتمة # بالرغم من أن معظم الباحثين في اللغات كانوا يعتقدون قبل ~~ذلك أن الاختلافات اللغوية سطحية إلى حد ما، وهي تخفي ~~السمات العالمية الأعمق التي تشترك فيها جميع اللغات، فقد ~~أصبح عدد كبير منهم يعتقد الآن أن الاختلاف في اللغات ~~البشرية الموجودة عميق للغاية، حتى إنه لا يمكن تقديم ~~مسوغات تجريبية تدعم القول بوجود سمات عالمية بارزة تشترك ~~فيها جميع اللغات. # 22 # وفي رحلتنا القصيرة إلى الأعداد المنطوقة في ~~العالم، رأينا أنه لا يمكننا أن نجد أي سمات عامة في ~~هذا الصدد، مما يناقض التوقعات القديمة المتمثلة في ~~وجود مفردات محددة للأعداد في جميع اللغات. علاوة على ذلك، ~~فقد رأينا أن اللغات تختلف في كيفية تأسيس أنظمتها العددية؛ ~~فبعض هذه الأنظمة محدود النطاق بعض الشيء، وبعضها كنظامنا ~~الذي قد يكون لا نهائيا. وقد رأينا أيضا أن اللغات ~~الأصلية تتضمن في بعض الأحيان أعدادا أكثر مما توحي به ~~الانطباعات الأولية، مثلما هي الحال في لغات أستراليا أو ~~الجاراوارا على سبيل المثال. إن التوثيق اللغوي المتأني ~~يوفر لنا صورة أدق للأعداد في العالم. # بالرغم من ذلك، تتراكب فوق هذه الصورة المتبلورة لتنوع ~~الأعداد أنماط واضحة، تتجلى في الأعداد المنطوقة بالعالم. ~~وهي أنماط بسيطة تتمثل ms080 في أن مفردات الأعداد غالبا ما ~~تشتق من المفردات التي تعبر عن الأيدي، وهي توضح عادة ~~تقسيم الكميات إلى خمسات أو عشرات أو عشرينات، أو بعض ~~التوليفات الأخرى منها. وهذه الحقائق البسيطة التي تتجلى في ~~اللغات القديمة والمعاصرة في جميع القارات الآهلة بالسكان، ~~تشير إلى أن أساسات الأعداد هي تمثيلات لفظية لبعض ~~المفاهيم التي تتضح لنا بصورة أفضل من خلال تجسيد الكميات. ~~وقد أصبح هذا التجسيد ممكنا بفضل مجموعات العناصر التي ~~نشهدها في الطبيعة باستمرار، والتي تكمن على أطراف أصابعنا ~~حرفيا في انتظار من يستوعبها. (وسنتناول كيفية حدوث هذا ~~«الاستيعاب» على وجه أكثر تحديدا، في الفصل الثامن.) إن ~~أصابعنا المتمايزة والمتناظرة، قد مكنتنا من تجسيد ~~المفاهيم المجردة التي لا يمكن إدراكها بشكل كامل، مما ~~سهل عملية انتقال تمثيل الكميات إلى أفواهنا، ومن ثم إلى ~~عقول الآخرين. # 23 # الفصل الرابع # | ما بعد مفردات الأعداد: أنواع أخرى ~~من اللغة العددية # إن الأعداد تحكم جملنا، حتى الكلمات التي أكتبها الآن ~~وأعبر بها عن هذه الأفكار، لا يمكن إنتاجها بالإنجليزية وفهمها ~~إلا من خلال الإشارة المستمرة إلى كمية العناصر، أو المفاهيم ~~التي تتحدث الجملة عنها. فلأعد إلى الوراء وأعد عليك تلك ~~الجملة، مع توضيح أجزائها التي تشير إلى كميات: حتى الكلمات التي ~~أكتبها الآن وأعبر بها عن هذه الأفكار، لا يمكن إنتاجها ~~بالإنجليزية وفهمها، إلا من خلال الإشارة المستمرة إلى كمية ~~العناصر أو المفاهيم التي تتحدث الجملة عنها. ثمة ما لا يقل ~~عن أحد عشر موضعا في هذه الجملة وحدها اقتضت فيها قواعد ~~اللغة أن أميز كمية «الأشياء» التي أتحدث عنها. وليست هذه ~~الجملة بمثال غريب في هذا الصدد، وليست اللغة الإنجليزية بغريبة ~~في إشارتها إلى الكميات؛ فالعديد من اللغات تتطلب باستمرار ~~وجود إشارات نحوية إلى الكميات التي تتحدث عنها جملها أو إلى ~~كمية الأشخاص المشتركين في أحد التفاعلات (مثل «أنا» أو «نحن»). ~~وفي هذا الفصل آمل أن أقدم لك نبذة عن مدى أهمية هذه ~~الاختلافات العددية في لغات العالم. سوف نرى أن العدد ms081 النحوي ~~هو أمر شائع للغاية، وأنه يعكس أيضا نقطة مهمة بشأن طبيعتنا ~~البيولوجية، غير أنه يختلف عن كلمات الأعداد في أنه يخبرنا عن ~~طبيعتنا البيولوجية العصبية لا عن أيدينا. # تبدأ هذه المناقشة بمقدمة عامة عن العدد النحوي، وذلك قبل أن ~~نطرح بعض الاستنتاجات الأساسية بشأن الطبيعة البيولوجية العصبية ~~للبشر، والتي يبدو أنها تحفز استخدام الأنماط التي تظهر في ~~المقدمة، ولو كان ذلك بشكل جزئي على الأقل. وبصفة أساسية، ~~فإن هذا الاستعراض يمثل رحلة نمر فيها بالأعداد التي لا ~~توجد كلمات عددية تعبر عنها (كالتي تناولناها في الفصل ~~الثالث)، ولا هي أعداد مكتوبة. # العدد في الأسماء # إن المكان الذي سنبدأ منه هذه الرحلة هو العدد الاسمي. ~~والعدد الاسمي هو ما يشير إلى تصريفات الاسم، التي تدل ~~على كمية العناصر التي يشير إليها الاسم. ولدينا في اللغة ~~الإنجليزية كلمات يتغير شكلها بدرجة كبيرة بناء على ~~عددها النحوي؛ فإذا كنت أشير إلى شخص واحد أقول: # person # أي «شخص» وإذا كنت ~~أشير إلى أكثر من شخص أقول: # persons # أي «أشخاص» ~~والإشارة العددية هنا تقريبية في الحالة الأخيرة؛ فنحن لا ~~نعرف إلا أن الإشارة إلى أكثر من شخص واحد، لكننا لا ~~نعرف العدد بدقة أكبر من ذلك. ولدينا أيضا بعض الأسماء ~~غير المنتظمة مثل # tooth # أي ~~«سن» التي تجمع على # teeth # أي «أسنان»، وكذلك # mouse # أي ~~«فأر»، وجمعها # mice # أي ~~«فئران»، وكذلك # criterion # أي ~~«معيار»، وجمعها # criteria # أي ~~«معايير»، وغيرها من الأسماء التي تزعج متعلمي اللغة ~~الإنجليزية. وربما ما يسبب لهم قدرا أكبر من الإزعاج هي ~~الصيغ الأخرى التي تعرف باسم الجموع «الصفرية»، وهي كلمات ~~لا يتغير شكلها، سواء أكانت تشير إلى مفرد أو أكثر من ذلك، ~~ومنها # deer # التي تعني «غزال ~~أو غزلان»، وكذلك # sheep # التي ~~تعني «خروف أو خراف». ولدينا أيضا بعض صيغ الجموع الأخرى ~~غير المنتظمة، التي تبدو أقل غرابة، مثل: # children # أي «أطفال»، ~~وأيضا # men # أي «رجال»، وكذلك # oxen # أي «ثيران»، لكن ~~هذه الكلمات التي تنتهي باللاحقة # en ~~، ليست هي الصيغة ms082 ~~القياسية للجمع، ويختلف مصدرها التاريخي عن الصيغ الأكثر ~~انتشارا من العدد الاسمي في اللغة الإنجليزية. والصيغة ~~الأكثر انتشارا هي مجرد إضافة صوت إلى آخر الكلمة، وهو ~~يشير إلى وجود أكثر من عنصر من هذا الاسم، ويختلف هذا الصوت ~~بدرجة طفيفة، لكنه يمثل عادة بالحرف # s ~~. لنلق نظرة على هذه ~~الأزواج الثلاثة التالية من الكلمات، التي تدل فيها الكلمة ~~الثانية على وجود أكثر من عنصر من خلال لاحقة الجمع ~~المنتظمة: # جدول 4-1 # الجمع # المفرد # قطط # cats # قطة # cat # عربات # cars # عربة # car # منازل # houses # منزل # house # في كل من هذه الحالات تشير اللاحقة # s # إلى أن المقصود هو ~~وجود أكثر من # house # أو # cat # أو # car ~~. في اللغة الإنجليزية ~~يفهم من الكلمات التي لا تحتوي على أي لاحقة أنها تعبر ~~عن مفرد، ويفهم من الكلمات التي تحتوي على اللاحقة # s # أنها تعبر عن جمع. ~~وأنت تعي هذه الحقيقة منذ أن بدأت في تعلم اللغة، غير أن ~~الأمر ليس بهذه البساطة حتى في الحالات المعتادة التي تضاف ~~فيها اللاحقة # s # إلى الكلمة. ~~وإذا لم يكن السبب واضحا، فراجع الجدول # 4-1 # مرة أخرى مع التركيز على النطق، وسوف تدرك أن اللاحقة ~~المستخدمة للدلالة على صيغة الجمع ليست واحدة في الكلمات ~~الثلاث؛ ففي الكلمة # cats ~~[تنطق كاتس] نجد أن اللاحقة # s # هي ما يدعوه علماء اللغة ~~صوت «مهموس»، أي إن أحبالك الصوتية لا تهتز بينما تنطقه، ~~أما في الكلمة # cars # نجد أن ~~الصوت «جهري»، وتعطي اللاحقة # s # صوت طنين إذا أمسكت ~~عليه [تنطق كارز]؛ لأن أحبالك الصوتية تهتز. وفي كلمة # houses # نجد أن اللاحقة # s # جهرية أيضا، لكنها ~~مسبوقة بحرف متحرك؛ لذا فهي تنطق «إز». وعلى أي حال، ~~فبالرغم من هذا الاختلاف في الصوت فإننا نجد وحدة أساسية في ~~صيغة الجمع المنتظم في اللغة الإنجليزية، مثلما تدل على ~~ذلك حقيقة أنه يكتب بالحرف # s # في الحالات الثلاث. # وكما هي الحال في اللغة الإنجليزية، فإن العديد من اللغات ~~الأخرى تستخدم إضافة اللاحقات أو البادئات إلى ms083 الأسماء ~~للدلالة على كمية العناصر المقصودة بالحديث. وفي معظم هذه ~~اللغات، تضاف اللاحقة أو البادئة إلى الاسم للدلالة على صيغة ~~الجمع (أي إن الاسم يعبر عن وجود أكثر من عنصر منه). ~~فلنتأمل هذه المرادفات البرتغالية لأزواج الكلمات الواردة ~~في الجدول # 4-1 ~~: # جدول 4-2 # الجمع # المفرد # gatos # gato # carros # carro # casas # casa # في اللغة البرتغالية أيضا تستخدم اللاحقة # s # للدلالة على صيغة الجمع، ~~لكن ذلك لا يعني أن العدد النحوي يصاغ بالطريقة نفسها ~~في اللغتين؛ فأولا: ليس لاختلافات النطق، التي رأيناها في ~~تشكيل صيغة الجمع بالإنجليزية، وجود في اللغة البرتغالية. ~~وثانيا: فإن الكلمات المجاورة للأسماء البرتغالية تتغير ~~هي أيضا وفقا لحالتها من الإفراد أو الجمع؛ فإذا أردت أن ~~أقول # my house # على سبيل ~~المثال، فيجب أن أقول # minhas ~~casas # أي إن ضمير الملكية يصرف هو ~~أيضا في صيغة الجمع. وبالمثل، فإذا أردت أن أقول # the house # أو # the houses # فإن أداة ~~التعريف # the # لا تتغير في كلتا ~~الحالتين، أما في البرتغالية فنقول # a ~~casa # في المفرد، ونقول # as ~~casas # في الجمع؛ فتتغير الأداة وفقا ~~للكمية التي يعبر عنها الاسم الذي يليها. # وعلى أي حال، فإن ~~التشابه مع لغة أوروبية أخرى قد يعطي انطباعا غير صحيح ~~بأن لاحقة الجمع # s # تستخدم ~~في العديد من اللغات أو معظمها، لكن مع ازياد معرفة علماء ~~اللغويات باللغات غير الأوروبية في جميع أنحاء العالم على مدار ~~العقود القليلة الماضية، فقد اكتشفوا أن العدد النحوي يمكن ~~أن يختلف بدرجة كبيرة. وقد اتضح بصورة أكبر أنه يوجد ~~العديد من اللغات التي لا تتغير فيها الأسماء وفقا لتغير ~~كمية العناصر التي تشير إليها. فلنلق نظرة على ترجمة ~~الكلمات التالية: # cat ~~، # cats ~~، # house ~~، # houses # بلغة ~~الكاريتيانا: # جدول 4-3 # الجمع # المفرد # ombaky # ombaky # cats # cat # ambi # ambi # houses # house # نلاحظ أن الكلمة # ombaky ~~( # cat # التي عادة ما تعني ~~«النمر المرقط») والكلمة # ambi ~~(house) # لا يتغيران بصرف النظر عن عدد ~~القطط أو المنازل المشار إليها. وينطبق الأمر نفسه على جميع ~~الأسماء في ms084 لغة الكاريتيانا؛ إذ إن هذه اللغة تفتقر إلى ~~وجود العدد الاسمي (فيما عدا الاستثناء التقني المتمثل في ~~الضمير «نحن»). # في دراسة شاملة للغاية أجريت على 1066 لغة، اكتشف عالم ~~اللغويات ماثيو دراير مؤخرا أن 98 لغة منها تشبه ~~الكاريتيانا في افتقارها إلى وجود وسيلة نحوية لتمييز الأسماء ~~التي تدل على صيغة الجمع؛ ومن ثم فليس من النادر جدا أن ~~نجد لغات لا تستطيع فيها تحديد ما إذا كان الاسم مفردا أم ~~جمعا. وقد يبدو أمرا غريبا بالنسبة إلى متحدثي اللغات ~~الأوروبية كالإنجليزية، والتي يعد تحديد ما إذا كان الاسم ~~مفردا أو جمعا مهارة أساسية للفصاحة، أن يكون عشر لغات ~~العالم تقريبا لا تستلزم ذلك من المتحدثين بها. غير أن ~~الأمر اللافت للنظر بالنسبة إلي هو أن الغالبية العظمى من ~~لغات العالم، حوالي 90 بالمائة منها، تتضمن وسائل نحوية ~~يستخدمها المتحدثون بها للدلالة عما إذا كانوا يتحدثون ~~عن شيء واحد أو أكثر. وهذه النزعة القوية، التي تتجلى في ~~لغات توجد في مختلف أنحاء العالم ولا يرتبط بعضها ببعض على ~~الإطلاق، تشير إلى أن التمييز بين «المفرد/غير المفرد» هو ~~أمر مهم لنا للغاية في التواصل. ونحن نسلم بصحة هذه ~~الحقيقة، بيد أنه ليس من الواضح بداهة السبب في الإشارة ~~المتكررة لهذا التمييز في حديثنا. ولكي نعرف السبب في ~~تكرار هذا التمييز في حديثنا بهذه الدرجة؛ فقد يكون من ~~المفيد أن ندرس فئات أخرى من العدد النحوي، وهي التي توجد ~~في أنحاء مختلفة من العالم. # 1 # بدلا من مجرد فصل ~~الأسماء التي تمثل عنصرا واحدا عن تلك التي تمثل أكثر ~~من عنصر، فإن بعض أنظمة الأعداد النحوية تتضمن فئة أخرى ~~يشير إليها علماء اللغة باسم «المثنى». وتستخدم هذه الفئة ~~عند الحديث عن عنصرين بالتحديد. في اللغة العربية على سبيل ~~المثال، تستخدم اللاحقة «ان» للدلالة على المثنى، وثمة ~~لاحقة أخرى للدلالة على الجمع. وبينما قد يبدو ذلك غريبا ~~لمتحدثي اللغة الإنجليزية، فمن المثير للاهتمام أن نشير ~~إلى أن اللغة الهندية الأوروبية الأولية، التي انحدرت ms085 منها ~~اللغة الإنجليزية، كانت تستخدم المثنى على ما يبدو. ~~والدليل على هذا أن اليونانية القديمة والسنسكريتية وغيرها ~~من اللغات التي انقرضت الآن، لكنها من نسل اللغة الهندية ~~الأوروبية الأولية، كانت تستخدم فئة المثنى من قبل؛ ففي ~~اليونانية القديمة على سبيل المثال، كانت # o ~~hippos # تشير إلى # the ~~horse # أي الحصان، أما # to ~~hippo # فتشير إلى # the two ~~horses # أي الحصانين، وتستخدم # hoi hip-poi # للإشارة إلى # the horses # أي ~~الأحصنة. # 2 # والواقع أن اللغة الإنجليزية القديمة كانت ~~تستخدم هي الأخرى فئة المثنى، وما تزال لهذه الفئة ~~آثار خافتة في الإنجليزية المعاصرة. وبالرغم من أن ~~اللاحقات الإنجليزية لا تغير الصيغة بناء على ما إذا كانت ~~الإشارة إلى عنصرين فقط أو أكثر من ذلك، فإننا نستخدم ~~كلمات أخرى لتوضيح ذلك الفرق. فحين أقول # either of them ~~[أي منهما] ~~بدلا من # any of them ~~[أي ~~منهم] فأنت تفهم أنني أتحدث عن شخصين، وكذلك إذا قلت # both of them ~~[كلاهما] ~~بدلا من # all of them ~~[كلهم] ~~فأنت تفهم أيضا أنني أتحدث عن شخصين فقط؛ ومن ثم ~~فبخلاف مفردات العد مثل «اثنين» «وثلاثة» يمكن للإنجليزية ~~أن تعبر عن الفرق بين الإشارة إلى عنصر واحد أو عنصرين أو ~~أكثر من ذلك. بالرغم من ذلك، ففي لغات كالعربية، تستخدم صيغة ~~المثنى بتواتر وانتظام أكثر من ذلك بكثير، وهي تتضح في ~~اللاحقات التي تتبع بها الأسماء. ومن اللغات الحديثة الأخرى ~~التي تستخدم اللواحق للإشارة إلى المثنى، اللغة ~~السلوفينية. # بعض اللغات الأصلية في القارة الأسترالية تستخدم علامة ~~نحوية للمثنى. لنلق نظرة على الأمثلة التالية من لغة ~~ديربال، وهي لغة مستخدمة في شبه جزيرة كيب يورك: # جدول 4-4 # Bayi Burbula ~~miyandanyu ~~«ضحكت بربلا» # جدول 4-5 # Bayi Burbula-gara ~~miyandanyu ~~«ضحكت بربلا وشخص آخر» # جدول 4-6 # Bayi Burbula-mangan ~~miyandanyu ~~«ضحكت بربلا وأشخاص آخرون» ~~* ~~* # Robert ~~Dixon, # The ~~Dyirbal Language of North ~~Queensland ~~(New York: ~~Cambridge University Press, 1972), ~~51. # توضح هذه الأمثلة أن اللاحقة # gara # تستخدم عند الإشارة ~~إلى شخصين، أما اللاحقة # mangan # فهي تستخدم عند ms086 ~~الحديث عن أكثر من شخصين. غير أن اللاحقة # gara # هي علامة مثنى ~~ملحقة، فهي تستخدم لكي تعني في هذه الحالة «بربلا وشخص ~~آخر» وليس «اثنين من بربلا» وهي تلحق بالأسماء الشخصية على ~~عكس علامة الجمع في الإنجليزية. وبعض اللغات الأسترالية الأخرى ~~تستخدم علامات للمثنى تشير إلى الحديث عن اثنين ~~بالتحديد من الاسم المعني، على نحو أكثر مباشرة. وفي لغة ~~كايارديلد، تؤدي اللاحقة # yarrngka # تلك الوظيفة؛ ~~فكلمة «أخت» على سبيل المثال هي # kularrin # أما إذا قال ~~أحدهم: # kularrinjiyarrngka # يكون المقصود بها «أختان». # 3 # في اللغات التي تستخدم المثنى، غالبا ما توجد صيغة ~~المثنى في الضمائر، أو حتى تقتصر عليها. (ولعلك تتذكر من ~~دروس النحو أن الضمائر هي بدائل عن أسماء أخرى، وهي ~~تستخدم بصفة أساسية للإشارة إلى الأشخاص الذين يتحدثون أو ~~إلى الأشخاص الذين يجري الحديث عنهم.) فلنلق نظرة على ~~الضمائر التالية من اللغة الصوربية العليا، وهي إحدى اللغات ~~المستخدمة في إقليم صغير في ألمانيا الشرقية: # جدول 4-7 # ty # ja ~~«أنت» ~~«أنا» # جدول 4-8 # wój # mój ~~«أنتما الاثنان» ~~«نحن الاثنان» # جدول 4-9 # wy # my ~~«أنتم جميعا» ~~* ~~«نحن» ~~* # Greville ~~Corbett, # Number ~~(Cambridge: ~~Cambridge University Press, 2000), ~~20. # يستخدم الضميران الواردان في الجدول # 4-7 # للإشارة إلى المفرد، فيشير الأول منهما إلى المتكلم ~~والثاني إلى المخاطب. ويستخدم الضميران الواردان في الجدول # 4-9 # للإشارة إلى الجمع، فالأول منهما ~~يشير إلى المتكلم ويشير الثاني إلى المخاطب. أما الضمائر ~~الواردة في الجدول # 4-8 # فلا يمكن ترجمتها ~~إلى الإنجليزية دون استخدام الكلمة «اثنين»، بالرغم من عدم ~~الحاجة إلى استخدام كلمة عددية في اللغة الصوربية؛ وذلك لأن ~~الضميرين في الجدول # 4-8 # يعكسان صيغة ~~المثنى. وعلى الرغم من أن صيغة المثنى أقل شيوعا من ~~صيغة الجمع، فمن الواضح أنها توجد بالفعل في اللغات ~~المعاصرة، وقد كانت توجد أيضا في لغات قديمة. # تستخدم بعض اللغات ما يسميه علماء اللغويات باسم ~~التصريفات «الثلاثية»، وهي تستخدم عند الإشارة إلى ثلاثة ~~عناصر بالتحديد. بالرغم من ذلك، يبدو أن فئة التصريفات ~~الثلاثية تنحصر في مجموعة صغيرة من ms087 لغات العالم، في بعض ~~اللغات الأسترونيزية على وجه التحديد. فلنتأمل الأمثلة ~~التالية من لغة مولوكو: # جدول 4-10 # na’a # aridu # hima # Duma # نملك # نحن الثلاثة # الذي # المنزل ~~«المنزل الذي نملكه ~~نحن الثلاثة» ~~* ~~* # Wyn ~~Laidig and Carol Laidig, “Larike Pronouns: Duals and Trials in a Central ~~Moluccan Language,” # Oceanic ~~Linguistics # 29 (1990): ~~87-109, 92. # إن كلمة # aridu # في هذه ~~الجملة، تشير إلى ثلاثة أشخاص بالتحديد؛ لذا فهي ضمير ~~ثلاثي. # مع ذلك، تنتهي قائمة فئات الأعداد الاسمية الدقيقة عند ~~هذا الحد؛ فلسنا نعرف على سبيل المثال أمثلة واضحة على وجود ~~العدد النحوي «الرباعي» في أي من لغات العالم. # 4 # والفئة الأساسية الوحيدة التي لم أذكرها بعد من فئات ~~العدد النحوي، هي فئة «جمع القلة»، وهي فئة غير شائعة أيضا ~~لكنها تستخدم في بعض اللغات الأسترونيزية للإشارة بصورة غير ~~دقيقة إلى عدد قليل من المعنيين بالحديث. يستخدم جمع ~~القلة، على سبيل المثال، متحدثو لغة البوما الفيجية، ~~الذين يعيشون في قرية يقطنها ستون فردا تقريبا. فإذا كان ~~المتحدث يتحدث مع بضعة أشخاص أو حتى ما يزيد على اثني ~~عشر فردا، فإنه يستخدم ضمير جمع القلة للمخاطب، وهو # dou ~~، أما إذا كان يتحدث ~~مع القرية بأكملها، فسوف يستخدم ضمير الجمع للمخاطب # omunuu ~~. # 5 # إضافة إلى التنوع في وظيفتها، فإن فئات العدد النحوي ~~يمكن أن تختلف بدرجة كبيرة في شكلها. فمثلما رأينا في ~~الجدول # 4-1 # والجدول # 4-2 # والجدول # 4-6 ~~، فإن شكل لاحقة الجمع ~~مختلف في لغة ديربال عما هو عليه في الإنجليزية أو ~~البرتغالية على سبيل المثال. بالرغم من ذلك، فعلينا أن ~~نلاحظ أن صيغة الجمع تمثل بلاحقة في اللغات الثلاث؛ إذ ~~إن علامة الجمع تأتي في نهاية الاسم. والحق أن ذلك ليس ~~بالأمر العرضي؛ فاستخدام اللواحق هو الصيغة الأكثر انتشارا ~~على الإطلاق من العدد الاسمي في لغات العالم. واستخدام ~~البادئات ليس نادرا أيضا مع ذلك، فهو يرد في أكثر من 10 ~~بالمائة من اللغات التي يبلغ عددها 1066، والتي وردت في ~~الدراسة سالفة الذكر التي أجريت على معظم لغات ms088 العالم ~~بشأن العدد النحوي. وفيما يلي سنورد مثالا على العدد ~~الاسمي باستخدام البادئات وهو من اللغة السواحلية: # جدول 4-11 # me-no # ji-no ~~«أسنان» ~~* ~~«سن» ~~* # Thomas Payne, # Describing Morphosyntax ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~1997), 109. # قد يتخذ العدد الاسمي صيغا أكثر غرابة بخلاف ~~العلامات التي تلحق ببداية الاسم أو نهايته. وفي بعض الحالات ~~الغريبة فإن قواعد النحو تقضي بإلحاق علامة الجمع في منتصف ~~الكلمة، وذلك من خلال عملية تدعى باسم «الدمج الوسطي» ~~فلنلق نظرة على زوجي الكلمات التالي من لغة توالي ~~إيفوجاو، وهي من اللغات الأصلية في الفلبين: # جدول 4-12 # binabai # babai ~~«نساء» ~~* ~~«امرأة» ~~* Payne, # Describing ~~Morphosyntax ~~, ~~98. # نلاحظ أن العلامة الوسطية # in # تضاف في منتصف كلمة # babai # لكي تصبح ~~جمعا. # ومن الطرق الغريبة التي تستخدم أيضا في جمع الأسماء في ~~بعض اللغات، هي ما يطلق عليه علماء اللغويات مصطلح ~~«المضاعفة». وفي المضاعفة يعمد إلى تكرار مقطع واحد أو ~~أكثر من مقاطع الكلمة؛ للدلالة على أن هذا الاسم المحدد ~~يشير إلى أكثر من عنصر واحد. وتستخدم لغة توالي إيفوجاو ~~المضاعفة أيضا، كما هو الحال في المثال التالي، الذي نجد ~~فيه أن المقطع الأول يكرر للدلالة على الجمع: # جدول 4-13 # tatagu # tagu ~~«أشخاص» ~~* ~~«شخص» ~~* Payne, # Describing ~~Morphosyntax. # ولا تتوقف قائمة الحيل التي تستخدمها القواعد اللغوية ~~لتحويل الأسماء المفردة إلى صيغة الجمع عند ذلك الحد؛ ففي ~~حالة «التعويض»، على سبيل المثال، تستخدم كلمة مختلفة ~~تماما للتعبير عن صيغة الجمع من الاسم المفرد؛ ففي اللغة ~~العربية المعاصرة نجد الاسم المفرد «امرأة» وجمعه «نساء». ~~وفي لغة الإندو المستخدمة في كينيا، ~~نجد أن الكلمة التي تشير ~~إلى «ماعز» هي # aráan # أما الجمع ~~«معز» فتشير إليه الكلمة # no ~~. ~~والجموع التي تصاغ باستخدام التعويض هي من الجموع التي يصعب ~~تعلمها؛ إذ لا بد من حفظ صيغة المفرد والجمع. وبعض أنظمة ~~العدد النحوي الأخرى أكثر صعوبة في تعلمها؛ فاللغة ~~اللاتينية والروسية وبعض اللغات الأخرى، تستخدم لاحقات ~~عددية مختلفة تماما، وفقا لحالة الاسم في الجملة، أي ما ~~إذا كان فاعلا أو مفعولا به. # ويمكننا ms089 أن نستخلص بعض الاستنتاجات من هذا الاستعراض ~~الموجز للعدد النحوي في الأسماء في لغات العالم؛ فمثلما ~~رأينا في الفقرات السابقة، يمكن لشكل العدد الاسمي أن ~~يختلف بدرجة كبيرة، وهو يظهر في معظم اللغات من خلال ~~اللواحق، غير أننا نجد أنه ينعكس في البادئات في بعض اللغات، ~~أو ينعكس من خلال بعض الأشكال الأكثر غرابة، مثل المضاعفة ~~في عدد قليل من اللغات. وقد لاحظنا أيضا أن بعض اللغات ~~مثل الكاريتيانا، لا تستخدم العدد الاسمي على الإطلاق. ~~وبالرغم من وجود أنواع عديدة من العدد الاسمي، فإن لغات ~~العالم تعكس توجهات واضحة فيما يتعلق بوظيفة هذه ~~الظاهرة النحوية؛ فمعظم اللغات تتضمن فئة للمفرد وفئة ~~للجمع، وبعضها يتضمن فئة للمفرد وأخرى للمثنى وأخرى للجمع، ~~وأخيرا، تتضمن قلة من اللغات تصريفات ثلاثية. بالرغم من ~~ذلك، فما من لغة في العالم تستخدم وسيلة نحوية للإشارة إلى ~~وجود 4 عناصر من الاسم أو 5 أو 6 أو غيرها من الكميات الكبيرة، ~~وتلك نقطة أساسية، فلا بد لها من استخدام كلمات الأعداد ~~للإشارة إلى تلك الكميات. من الواضح إذن أن لغات العالم ~~تميل إلى التمييز بين الكميات 1 و2 و3، على وجه التحديد، بينما ~~تميل إلى التمييز بين جميع الكميات الأخرى بشكل تقريبي. ~~ومثلما سنرى فيما يلي، فمن المرجح أن يكون هناك أساس ~~بيولوجي عصبي لمثل هذه النزعة. # 6 # العدد في أنواع أخرى من الكلمات # بالرغم من أن العدد النحوي يتضح عادة في الأسماء؛ إذ ~~إنه يشير في العادة إلى عدد الأشخاص أو غيرها من العناصر التي ~~يجري الحديث عنها، يمكن للغات أن تغير أجزاء أخرى من ~~الجملة وفقا للكميات التي تجري مناقشتها؛ ففي العادة، ~~تقتضي اللغات تغييرا في ~~شكل الفعل بناء على عدد العناصر التي تمثل فاعل الجملة، ~~وهذا النمط مألوف لمتحدثي الإنجليزية وغيرها من اللغات ~~الأوروبية. فلنلق نظرة على الزوجين التاليين من ~~الجمل: # جدول 4-14 # The cars are ~~fast # The car is ~~fast ~~«السيارات سريعة» ~~«السيارة سريعة» # جدول 4-15 # They run ~~slowly # He runs ~~slowly ~~«هم ms090 يجرون ببطء» ~~«هو يجري ببطء» # في الزوجين الأولين، نرى أن فعل الكينونة في ~~الإنجليزية يتغير من صيغته # is # إلى # are # بناء على ما إذا كان ~~الفاعل في صيغة المفرد أو الجمع. وفي الزوجين الآخرين من ~~الجمل، نرى أن الفعل تضاف إليه اللاحقة # s # حين يكون الفاعل في صيغة ~~المفرد، ولا تضاف إليه أي لاحقة حين يكون الفاعل في صيغة ~~الجمع. وفي هذا المثال أيضا، توضح لنا اللاحقة معلومات عن ~~زمن حدوث الجري. (لا تستخدم الصيغة # he ~~runs # إلا في المضارع.) وحقيقة الأمر أن ~~لواحق الأفعال غالبا ما تخلط بين العدد النحوي وفئة أخرى، ~~كالزمن مثلا؛ فأحيانا تكون اللغات فوضوية. # لنلق نظرة على هذين الزوجين من الجمل أيضا، واللذين ~~يوضحان العدد النحوي من خلال الاتفاق بين الفاعل والفعل، ~~وهما من اللغة البرتغالية: # جدول 4-16 # Eles foram ~~ontem # Ele foi ~~ontem ~~«هم ذهبوا بالأمس» ~~«هو ذهب بالأمس» # جدول 4-17 # As mulheres jogaram ~~futebol # Marta jogou ~~futebol ~~«النساء لعبن كرة القدم» ~~«مارتا لعبت كرة القدم» # تتغير صيغة الفعل # foi ~~(«ذهب») إلى # foram # في الجدول # 4-16 # وفقا لعدد الأشخاص الذين ذهبوا ~~في اليوم السابق. وفي الجدول # 4-17 ~~، تتغير ~~اللاحقة المضافة إلى الفعل # jogou # وفقا لعدد الأشخاص ~~الذين يلعبون، وما إذا كان شخص واحد هو الذي يلعب أم أكثر. ~~إن الجمل في الجداول من ( # 4-14 # إلى # 4-17 ~~) تعكس استراتيجية عادة ما ~~تستخدمها لغات العالم، وهي تتمثل في تغيير الفعل حين يكون ~~فاعل الجملة في صيغة الجمع. وفي بعض اللغات نجد تعديلا على ~~هذه الاستراتيجية، ونجد أن الفعل فيها يوافق المفعول لا ~~الفاعل. ونجد ذلك في اللغة الأوروبية المنعزلة «البشكنشية» ~~ونحن ندعوها «منعزلة» لأنها لا ترتبط بغيرها من اللغات ~~المعروفة: # جدول 4-18 # di-tut # Irakurri # luburuak # Nik # الزمن الماضي لصيغة الجمع للغائب # يقرأ # الكتب # أنا ~~«أنا قد قرأت الكتب» ~~* ~~* # Jon Ortiz ~~de Urbina, Parameters in the Grammar of ~~Basque ~~(Providence, RI: ~~Foris, 1989). Technically the verb ~~agrees in number with the 'absolutive’ ~~noun, not the object, but this ms091 ~~distinction is not important to our ~~discussion. # في هذا المثال، نجد أن الفعل المساعد # tut ~~(والذي يمثل صيغة ~~الماضي)، مسبوق بالبادئة # di # التي تشير إلى أكثر من كتاب واحد قد جرت قراءته. # لقد بدأنا ندرك بالفعل أن العدد النحوي ينتشر في الكثير ~~من لغات العالم، لكنه يتخذ العديد من الأشكال المختلفة. ~~فيمكن الإشارة إليه ببساطة من خلال إضافة لاحقة جمع إلى ~~الاسم، أو من خلال استخدام ضمير المثنى الذي يشير إلى ~~شخصين، أو بإضافة بادئة إلى الفعل تتفق مع عدد الاسم ~~الموجود في مكان ما بالجملة، أو من خلال غير ذلك من ~~التغيرات التي تطرأ على الأسماء والأفعال. # ولا يتوقف الأمر في ~~اللغات عند هذا الحد؛ فلنتأمل أدوات التنكير في اللغة ~~الإنجليزية [ # a/an ~~]. يمكننا أن ~~نقول: # a car # أو # a computer # غير أنه لا ~~يمكننا أن نقول: # a cars # أو # a computers ~~. بالرغم من ~~أن أداة التنكير # a # ليست ~~كلمة عددية، فهي تمدنا ولا شك بمعلومات عن الكمية. ~~والعديد من اللغات الأخرى تتشارك هذه السمة أيضا، ويستخدم ~~المتحدثون بها أدوات مختلفة وفقا للكميات التي يشار ~~إليها في الجملة. ففي الألمانية على سبيل المثال، يمكننا أن ~~نقول: # das Auto # أي «السيارة»، ~~غير أنه يتحتم علينا أن نغير أداة التعريف # das # إلى # die # عند استخدام الاسم في ~~صيغة الجمع # Autos ~~. ولنتأمل ~~أيضا استخدام أدوات الإشارة في اللغة الإنجليزية مثل # this # أو # that # وهما يوضحان ~~الكيان المحدد الذي يجري الحديث عنه، مع الإشارة إلى مدى ~~قرب هذا الكيان من المتحدث. فيمكنني أن أقول مثلا: # this pen here ~~[أي «هذا ~~القلم هنا»] أو # that pen over ~~there ~~[أي «ذلك القلم هناك»]. بالرغم من ~~ذلك، فإذا كنت أتحدث عن أكثر من قلم واحد هنا أو هناك، ~~فسوف أحتاج إلى تغيير اسم الإشارة الذي أستخدمه، وأستخدم بدلا ~~منه # these pens here ~~[أي «هذه ~~الأقلام هنا»] أو # those pens over ~~there ~~[أي «تلك الأقلام هناك»]. # تستخدم بعض اللغات كلمات تتشابه في معناها ووظيفتها مع ~~أسماء الإشارة، وهي ms092 ما يدعوه علماء اللغويات باسم ~~«المصنفات». والمصنفات هي كلمات أو أجزاء من الكلمات ~~تصنف الأسماء التي تليها، وهي لا تصنف الأسماء وفقا ~~للمسافة مثل أسماء الإشارة، بل وفقا لكونها عاقلا أم غير ~~عاقل، أو وفقا لوظيفة ما يشير إليه الاسم. ومن المثير ~~للاهتمام أن المصنفات غالبا ما تضاف إلى مفردات الأعداد ~~عند عد بعض الأشياء. فلندرس الأمثلة التالية من لغة ~~الياجوا، وهي لغة أصلية مستخدمة في شمال غرب إقليم ~~الأمازون: # جدول 4-19 # Varturu # tï-kï ï # امرأة (متزوجة) # مصنف للعدد واحد ~~«امرأة واحدة متزوجة» # جدول 4-20 # Vaada # tïn-see # بيضة # مصنف للعدد واحد ~~«بيضة واحدة» ~~* ~~* Payne, # Describing ~~Morphosyntax, # 108. # تختلف اللاحقة المصنفة المضافة إلى العدد «واحد» بناء ~~على ما إذا كنا نتحدث عن شخص أو بيضة. وتستخدم العديد ~~من اللغات مصنفات تظهر في أثناء العد، ومنها اثنتان من ~~أكثر اللغات انتشارا في العالم؛ لغة الماندرين، واللغة ~~اليابانية. وفي بعض لغات المايا تصنف الأسماء إلى عشرات ~~الفئات التي تتضح عند العد؛ فتستخدم اللغة الإنجليزية ~~بعض ملامح نظام المصنفات. عند استخدام الأسماء المفردة ~~المعبرة عن الجمع مثل «رمل» و«تراب» و«طين» لا بد لنا من ~~تصنيف أشكالها؛ فلا يمكننا أن نقول مثلا: «ثلاثون طينة» أو ~~«ثلاثون ترابة» أو «ثلاثون رملة». ولكي يمكننا أن نستخدم مثل ~~هذه العبارات بما يتناسب مع قواعد اللغة، فسوف نحتاج إلى أن ~~نضيف كلمات مثل «كتل من الطين» أو «أكوام من التراب» أو ~~«حبات من الرمل» مع الاحتفاظ بالاسم في صيغة المفرد. أما ~~الأسماء «المعدودة»، مثل «سيارات وأقلام رصاص وكتب»، فهي لا ~~تتطلب مثل هذه المساعدة؛ فعبارة «ثلاثون سيارة» مفهومة ~~ومنطقية تماما، أما «ثلاثون من كتل السيارات» فهي ليست ~~كذلك. # من الجلي أن القواعد اللغوية تستخدم طرقا عديدة ~~للتمييز بين كميات العنصر المشار إليه في الحديث. بالرغم من ~~ذلك، فعلينا أن نلاحظ أن هذه الطرق جميعها، بما فيها ~~الظواهر النحوية على مثال الاتفاق بين العدد والفعل وأدوات ~~التنكير للمفرد، مخصصة لتقسيم كميات صغيرة، لا سيما ~~الكمية 1 ثم 2 و3 بدرجة أقل ms093 من الكميات الأخرى. إن العدد ~~النحوي تقريبي فحسب، خاصة حين يتعلق الأمر بالكميات ~~الأكبر. وتتضح هذه النزعة إلى التقريب أيضا في المفردات ~~الفعلية للأعداد، التي تعبر عن الكميات. لقد ركزنا في ~~الفصل الثالث على الكلمات التي تعبر عن كميات محددة، غير ~~أنه يجدر بنا أن نشير هنا إلى أن اللغات تستخدم كلمات ~~مشابهة للأعداد، لكنها غير دقيقة تماما. ففي اللغة ~~الإنجليزية مثلا نجد كلمات مثل: # a ~~few # أي بضعة، ونجد # a ~~couple # أي قليل، ونجد # many # أي كثير، وكذلك # several # أي عدة، وما إلى ~~ذلك من الكلمات. والأرجح أن مثل هذه المصطلحات توجد في جميع ~~اللغات؛ ولهذا فسوف تكون الأمثلة عليها كثيرة للغاية. ففي لغة ~~المايا اليوكاتية على سبيل المثال، نجد كلمات مثل # yá’ab’ # التي تعني ~~«العديد» أو «الكثير». # 7 # وربما يكون الأمر الغريب هو أن بعض اللغات ~~تعتمد كليا أو في الغالبية العظمى من الحالات على مثل هذه ~~الكلمات العددية التقريبية عند وصف الكميات، وسوف نلقي نظرة ~~على تلك اللغات في الفصل الخامس حين نناقش الشعوب ~~اللاعددية. # يمكن استخدام بعض المفردات العددية غير الدقيقة للإشارة إلى ~~الحديث عن أكثر من واحد من نوع محدد من العنصر المعني. ~~فإذا كنت أتحدث مثلا عن مجموعة من الحيوانات ذات الحوافر، ~~يمكنني أن أستخدم كلمة # herd ~~[أي «قطيع»]، وإذا كنت أتحدث عن مجموعة كبيرة العدد أيضا ~~من الحيوانات السابحة، يمكنني أن أقول مثلا: # school of fish ~~[أي «سرب» ~~من الأسماك] أو # pod of ~~dolphins ~~[أي «سرب» من الدلافين]. وتوجد ~~العشرات من مثل هذه الكلمات التي تطلق على مجموعات ~~الحيوانات في اللغة الإنجليزية، ومنها كلمة # gaggle # والتي تشير إلى ~~مجموعة من الإوز إن لم تكن تطير، فإذا كانت تطير أصبح ~~المصطلح الأنسب لها هو # skien # هذا على الأقل إن كنت من المدققين. أما إن كنت أتحدث عن ~~مجموعة من البط، لا الإوز، فسوف أستخدم مصطلح # flock ~~. والحق أن ~~العديد من متحدثي الإنجليزية لا يدركون الفرق بين هذه ~~المصطلحات، وهو أمر مفهوم نظرا لفائدتها المحدودة، ms094 غير أن ~~هذه الفروق موجودة على أي حال، وهي تشير إلى وجود طريقة أخرى ~~تستخدمها اللغات لتأكيد الفرق بين ما هو واحد وما هو أكثر من ~~واحد. # وتظهر هذه الفروق أيضا في الاختلافات الغريبة بين الأفعال؛ ~~فإذا كنت أشاهد مثلا فيلا واحدا يتحرك بسرعة، يمكنني أن ~~أستخدم الفعل # run ~~[أي يجري]، ~~أما إذا كان هناك مجموعة كبيرة من الأفيال تتحرك بالطريقة ~~نفسها، فقد أستخدم الفعل # stampede # في وصف حركتها ~~[بمعنى تندفع]. وهذا التغيير في الفعل يعود إلى تغير عدد ~~الأفيال وليس إلى عدد المرات التي جرى فيها فيل معين. ~~والأمر المثير أن بعض اللغات تستخدم مثل هذه الاختلافات ~~بين الأفعال للإشارة إلى عدد المرات التي وقع فيها حدث ~~معين، وليس إلى عدد العناصر التي يتضمنها الحدث. تتضح ~~هذه الظاهرة، التي تعرف باسم «تكرار الفعل»، في لغة الهوسا ~~التشادية المستخدمة في الساحل الأفريقي؛ ففي هذه اللغة على ~~سبيل المثال، نجد أن الفعل # aikee # معناه «يرسل» وكذلك ~~الفعل # a’’aikee # يؤدي المعنى ~~ذاته، غير أن البادئة # a’’ # في ~~النسخة الثانية من الفعل تعني أن شيئا ما كان يرسل ~~مرارا وتكرارا؛ ومن ثم فإن الفعل يتغير وفقا لعدد ~~مرات وقوع فعل الإرسال، لا وفقا لعدد الأشخاص الذين ~~يرسلون أو يرسل إليهم، ولا عدد الأغراض التي ~~ترسل. # وتتضمن لغة الكاريتيانا الأمازونية أفعالا خاصة تشير ~~معانيها إلى اشتراك العديد من العناصر في الحدث، وذلك مفاجئ ~~بعض الشيء؛ فمثلما ذكرت سابقا في هذا الفصل، لا تستخدم ~~لغة الكاريتيانا العدد الاسمي (فيما عدا الاختلافات بين ~~الضمائر). وما تستخدمه هذه اللغة هو بضعة أفعال تنطوي على ~~معنى الجمع. فعلى سبيل المثال الفعل # ymbykyt # الذي يعني أن ~~«العديد من الأشخاص يصلون» والفعل # piit # الذي يعني «يأخذ ~~مجموعة من الأشياء»، ويستخدم هذا الفعل بصرف النظر عن عدد ~~الأشخاص الذين يقومون بفعل الأخذ. وتستخدم بعض الأفعال ~~«الدالة على الجمع» عند وصف أفعال مثل «الجري» «والذهاب» ~~«والطيران». وفي دراسة موجزة أجريتها على أربعة وعشرين ~~فردا من متحدثي لغة الكاريتيانا، توصلت إلى أدلة تؤكد ms095 ~~أن استخدام الأفعال الدالة على الجمع يؤثر في طريقة تفكير ~~المتحدثين في أفعال محددة، مقارنة بمتحدثي لغات ~~أخرى كالإنجليزية، التي لا تستخدم مثل هذه ~~التنويعات. # 8 # غالبا ما ينظر إلى ~~العدد النحوي بوصفه تمييزا بسيطا بين الأسماء في صيغة المفرد ~~والأسماء في صيغة الجمع. وقد رأينا أن الأمر أكثر من ذلك؛ ~~فالعدد النحوي يوجد في كل لغات العالم تقريبا، غير أنه ~~وحش يتمتع بالقدرة على تغيير شكله. فنجده في العديد من ~~اللغات يتخذ شكل اللواحق التي تشير إلى الاختلافات بين ~~الكميات. لكن في بعض الأحيان لا تكون هذه الاختلافات بسيطة ~~كالاختلاف بين «واحد» في مقابل «الكثير»؛ فقد تقسم هذه ~~الاختلافات خط الأعداد بطرق أكثر تحديدا، ربما في صورة ~~«واحد» في مقابل «اثنين» في مقابل «الكثير». علاوة على ذلك، ~~فقد رأينا أن العدد النحوي لا يظهر في الأسماء فقط، ~~فالأفعال أيضا يمكن أن تدل على كمية ما يشار إليه في ~~الحديث، أو تشير إلى كمية الأفعال التي يصفها الحديث. ~~ولدينا أيضا بعض الكلمات الأخرى، كأدوات التنكير ~~والمصنفات، التي تعكس نزعة البشر إلى الإشارة إلى الكميات، ~~حتى وإن كانت هذه الكميات تبدو غير وثيقة الصلة على ~~الإطلاق بمحادثة معينة. واللغات لا تعكس هذه النزعة لدى ~~البشر فحسب، بل إنها تعزز من تركيزنا على الأعداد؛ إذ هي ~~تقتضي الإشارة إلى الكميات على الدوام. # وبالرغم من الطبيعة المتنوعة التي يتسم بها العدد ~~النحوي، فقد رأينا أيضا نزعات قوية جدا في قواعد اللغات ~~في العالم فيما يتعلق بهذه الظاهرة؛ أولا: تتضمن ~~الغالبية العظمى من لغات العالم ظاهرة العدد النحوي؛ فهو أحد ~~أكثر السمات انتشارا في القواعد اللغوية على مستوى العالم، ~~التي يزداد إدراكنا لتنوعها الكبير. ثانيا، وهو ما لا ~~يقل أهمية عن النقطة الأولى على الإطلاق: فبالرغم من أن ~~استراتيجيات العدد النحوي تتخذ أشكالا متفاوتة في لغات ~~العالم، فإن وظيفتها تظل متشابهة بدرجة كبيرة. فقبل كل ~~شيء، تميل القواعد اللغوية إلى تقسيم الكميات إلى واحدة من ~~فئتين: 1 أو كل شيء فيما عدا 1. وفي الحالات ms096 التي تلجأ فيها ~~القواعد اللغوية إلى فئات أكثر دقة، فإنها تظل محددة ~~بشكل كبير؛ فالقواعد اللغوية تشير إلى ثلاث كميات محددة، ~~وهي 1 و2 و3، وهذا على أكثر تقدير، فما من لغة تستخدم ~~اللواحق على سبيل المثال، لتشير تحديدا إلى 5 أو 10، بالرغم ~~من انتشار النمط الخماسي والنمط العشري في الأعداد على مستوى ~~العالم. ونظرا إلى نطاق المعاني الضمنية التي تشير إليها ~~جميع أنواع البادئات واللواحق في لغات العالم، فإن نطاق ~~الكميات المحدد، الذي يشير إليه العدد النحوي، بارز بدرجة ~~كبيرة. وكل ذلك يطرح أمامنا سؤالا واضحا: ما السبب في أن ~~القواعد اللغوية لدى البشر تركز كل هذا التركيز على ~~الكميات، غير أنه تركيز ضبابي فحسب، ما لم تكن هذه الكميات ~~هي 1 أو 2 أو 3؟ إننا حين نتحرى الدقة عند الإشارة إلى ~~كميات أكبر من 3، نحتاج إلى استخدام مفردات الأعداد بدلا من ~~العدد النحوي. فيبدو الأمر كما لو أن تمييز الكميات الكبيرة ~~بدقة ليس بالأمر الذي نفعله بتلقائية، على العكس من تمييز ~~الكميات 1 و2 و3. ولكي نفهم السبب في أننا نستطيع التمييز ~~بين كميات معينة بدرجة أكبر من التلقائية؛ نحتاج إلى أن ~~نوجه النظر إلى الأداة الدماغية التي نستخدمها لفهم ~~الكميات. # الأساس البيولوجي العصبي للعدد النحوي # الثلم داخل الفص ~~الجداري هو أحد الوديان العديدة الموجودة في الدماغ البشري. ~~وهو يمتد أفقيا في الفص الجداري، بداية من الجزء المركزي ~~في القشرة باتجاه المؤخرة. والثلم داخل الفصل الجداري هو ~~أحد منابع التفكير العددي، وهي نقطة سنعرضها بقدر أكبر من ~~التفصيل في الفصل الثامن. ومن الأمور الغريبة بشأن التفكير ~~العددي الذي يحدث فيه، هو أن جزءا منه فطري من ناحية ~~التطور البيولوجي للفرد، وكذلك من ناحية تطور النوع على حد ~~سواء. ومعنى هذا أن جزءا من هذا التفكير يحدث في مرحلة ~~مبكرة من تطورنا (التطور البيولوجي للفرد) وهو يبدو أيضا ~~قديما في نوعنا والأنواع المرتبطة به (تطور النوع). فالبشر ~~وغيرهم من الأنواع القريبة منهم مهيئون للتفكير العددي ~~بدرجة ما. ~~«بدرجة ما»، ms097 وهذه «الدرجة» من النقاط الأساسية التي نركز ~~عليها في هذا الكتاب: إن الأدوات العددية التي تمنحنا ~~إياها أدمغتنا بمعزل عن الثقافة، كليلة للغاية، غير أنها ~~موجودة بالتأكيد. ويبدو أن إحدى السمات المميزة للمعالجة ~~العددية الأصلية التي تحدث في الثلم داخل الفص الجداري، وهو ~~أمر تتحكم فيه طبيعتنا البيولوجية العصبية الفطرية لا ~~الأعراف الثقافية، تحفز أنماط القواعد اللغوية التي ~~وضحناها في الأقسام السابقة. فمن الواضح أن البشر ~~مهيئون فطريا للتمييز بين الكميات الصغيرة، لا سيما 1 و2 ~~و3، وبينها وبين الكميات الكبيرة؛ فتمييز الكمية 1 مثلا عن أي ~~كمية أخرى، هو أمر فطري لدينا. # لقد أوضح عدد كبير من الأبحاث في علم النفس الإدراكي ~~والعلوم العصبية وغيرها من المجالات المتعلقة بالموضوع، أن ~~البشر يستطيعون أن يميزوا الكميات الصغيرة من الأشياء ~~بسرعة، وذلك قبل أن يتلقوا أي تدريب في الرياضيات. ~~(سنشرح هذه النقطة بمزيد من الوضوح في مناقشتنا للإدراك لدى ~~الأطفال في الفصل السادس.) وهذه القدرة على تتبع الأشياء قد ~~أصبحت ممكنة من خلال سمات بيولوجية عصبية أساسية ~~كالثلم داخل الفص الجداري، وهي تمكننا من التمييز بين ~~المجموعات التي تتكون من 1 أو 2 أو 3 من العناصر، بسرعة ~~ودقة. بالرغم من ذلك، فحين يتعلق الأمر بالكميات ~~الكبيرة، فإن آلياتنا العصبية الفطرية لا تمدنا إلا ~~بوسائل ضبابية للتفريق بين الكميات. فلننظر إلى هذا المثال ~~الدرامي بصفته توضيحا لمدى فاعلية قدرتنا الطبيعية على ~~تمييز الكميات الصغيرة. فلنقل مثلا: إنك تسير في أحد أزقة ~~مدينة نيويورك، وقد رأيت مجموعة صغيرة من المجرمين مجهولي ~~الهوية يراقبون شخصا قد هاجموه للتو. فإن كان المهاجمون ~~ثلاثة أو أقل، ولم يكن لديك إلا ثانية أو أقل لكي تعالج ~~المشهد بصريا، فسوف تتمكن من تمييز عدد المجرمين ~~الموجودين. وإذا استجوبك ضباط الشرطة فيما بعد فسوف ~~تتمكن من إخبارهم بثقة بعدد المجرمين الذين رأيتهم، هذا ~~على افتراض أنه كان يمكن تمييزهم بصريا. وفي المقابل، ~~لنقل مثلا: إنك كنت تسير في الزقاق نفسه لكنك قد رأيت ~~ستة مجرمين يهاجمون شخصا ما، ms098 فهل كنت ستتمكن من أن تقول ~~بدقة وثقة كم كان عدد المهاجمين إن لم يكن لديك سوى جزء من ~~الثانية لتعالج الأمر قبل أن يبتعدوا (أو تبتعد أنت)؟ كلا، ~~فحين يطلب من الأشخاص أن يحددوا عددا معينا من ~~العناصر بسرعة، مثل مجموعة من الأفراد الذين يمكن التمييز ~~بينهم بصريا؛ فهم لا يستطيعون إلا قول العدد التقريبي إن كان ~~هذا العدد يتجاوز 3. # حين يتعلق الأمر بالكميات التي تزيد عن 3، فإننا نكون ~~أفضل في تمييز المجموعات التي تختلف عن بعضها اختلافا ~~ملحوظا؛ ومن ثم إذا سألك ضابط الشرطة عما إذا كان عدد ~~المهاجمين 6 أو 7، فقد تجيب بإجابة خاطئة؛ لأن الفرق ~~بين 6 و7 ليس فرقا ملحوظا. لكن إذا تصادف أن ضابط الشرطة ~~يعرف أنها إما إن تكون عصابة من 6 أفراد أو عصابة من 12 ~~فردا، وأعطاك الاختيار بين 6 و12، فسوف تجيب إجابة صحيحة؛ ~~لأن 12 أكبر من 6 بنسبة 100 بالمائة. بالرغم من ذلك، فلكي ~~نكون دقيقين بشأن إدراك الكميات مثل 6، نحتاج إلى عد العناصر ~~المعنية. فتقرير الشرطة المستند إلى شهادتك العيان سيكون ~~دقيقا إلى حد ما في السيناريو الأول الذي طرحناه لما حدث ~~في الزقاق، أما شهادتك الثانية فسوف تكون مبهمة؛ ربما شاهدت ~~ستة مهاجمين بالفعل، لكن عند التفكير في الأمر مرة أخرى، ~~ربما كانوا خمسة أو سبعة، أو ربما - فقط ربما - كانوا ثمانية. ~~إذا لم تتسن لك فرصة عدهم، وتستخدم هذه الرموز اللفظية ~~للكميات، والتي نسميها مفردات الأعداد، فلن تكون روايتك ~~جديرة بالثقة؛ فالآليات الوراثية المتأصلة في الثلم ~~داخل الفص الجداري وغيرها من المناطق الموجودة في القشرة ~~الدماغية، لا تستطيع سوى تمييز الكميات الصغيرة، مثلما تشير ~~إلى ذلك الدراسات التجريبية ودراسات تصوير الدماغ. # قد تبدو هذه النقطة واضحة بطريقة ما، فتمييز الكميات ~~الصغيرة أسهل بالتأكيد، لكن ما نفترضه هنا بناء على ~~دراسات موسعة قد أجراها العديد من الباحثين، هو ليس ذلك ~~فحسب؛ فالبشر ليسوا أفضل قليلا فحسب في تمييز الكميات ~~الصغيرة، ولا يقتصر الأمر على أن تشوشنا ms099 الرياضي يزداد ~~تدريجيا وفقا لزيادة العناصر التي يستقبلها إدراكنا، بل ~~توجد فجوة واضحة بين كيفية تفكيرنا في الكميات 1 و2 و3، ~~مقارنة بجميع الكميات الأخرى. وبعبارة أخرى، نحن مهيئون ~~فطريا للتفكير في هذه الكميات بدقة، مع التفكير بشأن جميع ~~الكميات الأخرى بشكل تقريبي. ومثلما يشير عالم النفس ~~المرموق ستانيسلاس ديهان، فإننا نمتلك «حاسة عددية» وهو ما ~~يساعدنا على تمييز بعض الكميات بدقة. إن أدمغتنا على ~~وجه التحديد، ولا سيما الثلم داخل الفص الجداري الموجود في ~~أدمغتنا، بها حاستان عدديتان؛ حاسة عددية دقيقة، ~~وحاسة عددية تقريبية. وفي حقيقة الأمر، فإن الحاسة ~~العددية الأولى هي القدرة على متابعة الأشياء، والتي يشار ~~إليها عادة باسم نظام «التفرد المتوازي» ولهذا فهي تسمح ~~لنا بأكثر من مجرد التفكير الكمي. غير أن إحدى خصائصها ~~هي أنها تمكننا من تمييز المجموعات التي تتكون من ~~كميات صغيرة بدقة، مثل مجموعة تتكون من 1 أو 2 أو 3 من ~~المهاجمين. ولذلك السبب فسوف أشير إليها باسم «الحاسة ~~العددية الدقيقة»، وهو مصطلح يسهل تذكره؛ إذ يقابل مصطلح ~~«الحاسة العددية التقريبية». وتمكننا الحاسة الأخيرة من ~~تقدير الكميات الكبيرة، كالمجموعات التي تتكون من 5 إلى 7 من ~~المهاجمين. وهاتان الحاستان، اللتان سنناقشهما بمزيد من ~~التفصيل في الفصول التالية، هما وحدتا البناء للقدرة على ~~التسويغ المنطقي الكمي، التي يتميز بها نوعنا، لكنهما لا ~~تفسران التفكير الرياضي بأكمله بالتأكيد. # 9 # ومن الواضح أن هذه الخلفية بشأن طبيعتنا البيولوجية ~~العصبية الأساسية، تلقي ضوءا جديدا على ما كنا نتناوله من ~~مناقشة بشأن العدد النحوي؛ أولا: من المحتمل أن تكون ~~الطبيعة البيولوجية العصبية العددية المتأصلة في نوعنا، ~~تعزز إحدى النتائج الأساسية التي توصلنا لها من دراستنا ~~الاستقصائية، وهي أن العدد النحوي منتشر في كل مكان. إنه ~~يوجد في الغالبية العظمى من اللغات، وعادة ما يكون له آثار ~~بارزة في كيفية تكوين الأفراد للجمل والكلمات المفردة، في ~~اللغات التي يوجد فيها، ويمكن أن يظهر في الأسماء والأفعال ~~والأدوات والمصنفات وغيرها من أنواع الكلمات. ثانيا: حين ~~يشير العدد النحوي ms100 إلى كميات محددة، فإنها تكون محددة ~~للغاية؛ فهو يميز بين 1 وبين الكميات الأخرى، ويمكن ~~استخدامه أيضا للإشارة إلى الكمية 2 و3، على وجه التحديد. ~~ثالثا: غالبا ما يشير العدد النحوي إلى الكميات الكبيرة، ~~لكن ذلك دائما ما يكون على نحو تقريبي. # لقد رأينا في الفصل الثالث أن معظم الأنظمة العددية ~~تحفزها الطبيعة البيولوجية البشرية. وفي الغالبية العظمى ~~من اللغات، تبدي الأعداد ارتباطا تاريخيا واضحا مع ~~الأصابع والأيدي. وتوضح لنا النتائج التي يتناولها هذا ~~الفصل أن العدد النحوي أيضا له سمات مشتركة عبر لغات ~~العالم، غير أننا لا نعزو السبب في وجود هذه السمات ~~المشتركة إلى صفات الأطراف البشرية، بل يبدو أنها تنبع من ~~سمات الدماغ البشري. إن قواعدنا اللغوية تشير إلى المفاهيم ~~العددية التي يصفيها دماغنا أو الثلم داخل الفص الجداري ~~على وجه التحديد، بصورة فطرية وبسهولة، وليس ذلك من قبيل ~~المصادفة. # إذا كان ما اقترحناه من العوامل التي تحفز وجود مفردات ~~الأعداد والعدد النحوي دقيقا، فقد نتوقع أن مفردات ~~الأعداد التي تعبر عن الكميات الصغيرة للغاية سوف تكون ~~مختلفة بطريقة ما عند مقارنتها بمفردات الأعداد التي ~~تعبر عن الأعداد الكبيرة. وهذا التوقع يلقى دعما من ~~الأدلة اللغوية؛ فمفردات الأعداد التي تعبر عن كميات مثل 1 ~~و2 و3، غالبا ما يكون لها مصادر قد ضاعت مع مرور الزمن، ~~وأصول تختلف بوضوح عن أصول الأعداد الكبيرة في اللغة نفسها. ~~فعلى العكس من الأعداد التي تعبر عن كميات مثل 5 و10، فإن ~~البشر عادة لا يسمون الكميات الأصغر على أسماء أعضاء ~~الجسم. (بالرغم من ذلك، فمثلما هي الحال مع الأحكام العامة ~~بشأن اللغات البشرية، توجد بعض الاستثناءات النادرة.) ونحن لا ~~نحتاج إلى ذلك؛ إذ يمكننا أن ندرك مثل هذه الكميات من خلال ~~أدمغتنا، دون الحاجة إلى وسيط مادي ليساعدنا على ~~إدراكها. إننا لا نحتاج إلى الإشارة إلى الكميات المتطابقة ~~الموجودة في العالم الخارجي لأدمغتنا، لاختراع كلمات للكميات ~~1 و2 و3. # وتختلف الأعداد الصغيرة عن الكبيرة بطريقة أخرى مهمة ~~أيضا، وهي تدعم ms101 الاقتراح القائل بأن الأعداد الصغيرة ~~تتأسس مباشرة على مفاهيمنا الفطرية. ومثلما أشار الباحثون ~~كعالم النفس الذي سبق ذكره، ستانيسلاس ديهان، فإن الأعداد ~~الصغيرة تستخدم أكثر من غيرها بدرجة كبيرة. وبالفعل، فإن ~~الأعداد 1 و2 و3، توجد في اللغات المكتوبة بأكثر من ضعف ~~المقدار الذي توجد به جميع الأعداد الأخرى. ويعود جزء كبير ~~من السبب في مثل هذا التواتر إلى سهولة إدراك هذه الأعداد ~~بدقة وسرعة. فليس الأمر على سبيل المثال أن الطبيعة ~~تقدم لنا الأشياء في مجموعات تتكون من 1 أو 2 أو 3 ~~بتواتر أكبر، ليس إلى الحد الذي يتضح في اللغة على ~~الأقل. علاوة على ذلك، فإن تواتر ورود الأعداد المكتوبة ~~والمنطوقة في جميع اللغات، التي درس فيها تواتر ورود ~~الأعداد، لا يتراجع بانتظام مع زيادة العدد، وإنما نجد ~~انخفاضا حادا في معدل ورود العدد 4 مقارنة بالعدد 3. ثم ~~إننا نجد في الإنجليزية وغيرها من اللغات العشرية، أن ~~أعدادا مثل 10 و20، ترد بتواتر كبير للغاية، هو أكبر ~~كثيرا من تواتر الأعداد الكبيرة الأخرى. ويشير ذلك إلى أن ~~التواتر الكبير لبعض الأعداد في الحديث والكتابة لا يعود إلى ~~أن بعض الكميات أكثر انتشارا في العالم من حولنا فحسب، ~~وإنما ترد بعض الأعداد بتواتر أكبر لأن أدمغتنا ~~وأجسادنا قادرة على تصفيتها بسهولة أكبر. # 10 # إن السهولة التي يعالج بها البشر الكميات الصغيرة، تنعكس ~~في الأنماط التي وصفناها فيما يتعلق بالعدد النحوي. وهي ~~تنعكس أيضا في وتيرة استخدام الأعداد الصغيرة، وفي الأصول غير ~~الواضحة لها، ويجب أن نذكر أيضا الأعداد الترتيبية. ~~والأعداد الترتيبية هي التي توضح موضع عنصر ما أو حدث ~~ما في الترتيب؛ فيمكنني أن أقول مثلا بالإنجليزية: # Germany is the third country to win the ~~World Cup a fourth time ~~. وهي تعني ~~«ألمانيا هي الدولة الثالثة في الفوز بكأس العالم للمرة ~~الرابعة.» وبكتابة هذه الجملة التي توضح مثالا على الأعداد ~~الترتيبية، أكون قد وضحت طريقة أخرى تستخدمها اللغات في ~~تمييز الكميات 1 و2 و3 عن غيرها. فلنلق نظرة ms102 على قائمة ~~الأعداد الترتيبية في الإنجليزية: # first, ~~second, third, fourth, fifth, sixth, seventh, eighth, ~~ninth, tenth, eleventh, twelfth # إلخ ... ~~[الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، ~~الثامن، التاسع، العاشر، الحادي عشر، الثاني عشر، ... إلخ] ~~تلاحظ أن أول ثلاث كلمات في هذه المجموعة لها نهايات غير ~~منتظمة، أما بقية الأعداد الترتيبية بأكملها فهي تنتهي ~~بالنهاية نفسها «- # th ~~»؛ ومن ~~ثم فإننا نرى من جديد أن الأعداد التي ترتبط بكميات ~~أصغر لها وضع لغوي خاص، مما يعكس بطريقة غير مباشرة وضعها ~~المميز في أدمغتنا. # والآن سنضرب مثالا أخيرا على اختلاف طريقة التعامل مع ~~الأعداد الصغيرة في اللغات البشرية، وهو الأعداد الرومانية. ~~لقد تطورت هذه الأعداد من أحد أنظمة العد بالعصي، وهو ~~يقوم على أساس العلامات الخطية. في الأعداد الرومانية نجد ~~أن الكميات الصغيرة تمثل بالخطوط فحسب، مثل: # I ~~(1) ~~و # II ~~(2) ~~و # III ~~(3)، أما الكميات ~~الكبيرة فقد كانت تعامل بطريقة مختلفة؛ فعلى العكس من ~~مجموعة تتكون من ثلاثة خطوط، ستكون المجموعات الأكبر صعبة ~~التناول من الناحية الإدراكية: يمكننا أن نميز # VI # بسهولة أكبر من تمييز # IIIIII ~~؛ إن المجموعة ~~الأخيرة من الخطوط يصعب عدها على وجه الدقة مقارنة ~~بمجموعة الخطوط المتمثلة في # I # أو # II # أو # III ~~، والتي يمكن التعرف ~~عليها بصريا بسرعة دون عدها. وتتضح سهولة تمييز الكميات ~~من 1 إلى 3، بصورة أكبر في تمثيل 4 في الأعداد الرومانية: # IV ~~. إن الأعداد الصغيرة، ~~لا سيما 1 و2 و3، تعامل بطريقة مختلفة وبشكل أكثر مباشرة، ~~مقارنة بجميع الكميات الأخرى. # 11 # إن الرموز البسيطة التي تمثل الكميات الصغيرة في ~~الأعداد الرومانية، هي مجرد مثال آخر على الأنماط التي ~~نلاحظها في العالم بأسره في أنظمة العدد النحوي وفي الكلمات ~~التي تمثل الكميات الصغيرة. إن الفسيولوجيا العصبية ~~البشرية تمكننا من التفكير في الكميات الصغيرة والتحدث ~~عنها بصورة فطرية. والتفسيرات البديلة للأنماط المعنية، ~~معضلة بعض الشيء؛ فما من دليل مقنع على أن الكميات ~~الصغيرة مثلا، هي أكثر انتشارا في البيئات الطبيعية للبشر، ~~غير أننا نملك دليلا على أن حاستنا ms103 العددية الفطرية ~~تجعلنا أفضل في تمييز الكميات الصغيرة. # عند البحث في لغات العالم، يتولد لدى المرء انطباع بأن ~~العدد النحوي غزير التنوع. وهذا الانطباع ليس بخاطئ ~~تماما؛ فالعدد النحوي يأتي في أشكال متنوعة، غير أن ~~التفحص الأدق يوضح بعض السمات المشتركة في الوظائف التي ~~يؤديها العدد النحوي. والأرجح أن السبب في وجود هذه ~~السمات المشتركة هو طبيعتنا البيولوجية العصبية الأساسية، ~~وذلك مثلما أن الأنماط الشائعة في مفردات الأعداد في لغات ~~العالم، توجد بسبب الحقائق الأساسية بشأن طبيعتنا ~~البيولوجية. # خاتمة # كان ابني، الذي لم يبلغ من العمر عامين بعد، جالسا في ~~المقعد الخلفي في سيارتنا بينما كنا متوجهين بها إلى جسر ~~«ريكنباكر كوزواي» - جسر يربط جزيرة فيرجينيا كي بمدينة ~~«ميامي» قاسما مياه خليج بيسكاين الفيروزية. وبينما اعتلت ~~سيارتنا الجسر، نظر ابني إلى يمينه من النافذة محدقا في ~~الخليج الذي يمتد إلى المحيط على الأفق، وصاح: # water ~~! [ماء] ثم أدار رأسه ~~إلى اليسار، مركزا في ذلك الوقت على جزء الخليج الذي يمتد ~~إلى ساحل المدينة. ومأخوذا بوجود ما يبدو على أنه جزء منفصل ~~من المياه، صاح متعجبا: # Two ~~waters ~~! [اثنان مياه] اثنان مياه، ولم ~~لا؟ بالنسبة إلى طفل لم يفهم بعد الفرق بين الأسماء ~~المعدودة والأسماء المعبرة عن الجمع، فإن ذلك التعبير ~~مفهوم تماما، غير أن ذلك التعبير المفعم بالحيوية الذي ~~أصدره ابني، كاشف بصورة أعمق. فمنذ سن مبكرة للغاية، ~~وغالبا ما يكون ذلك قبل سن العامين، يدرك متحدثو اللغة ~~الإنجليزية وغيرها من اللغات الأخرى أنه يجب عليهم جمع ~~الأسماء إذا كانت هذه الأسماء تشير إلى أكثر من شيء واحد. ~~ومن الواضح أن الأطفال يستطيعون تعلم هذا الفرق منذ سن ~~مبكرة. إن اللغات تعطي قدرا كبيرا من الأهمية للعدد ~~النحوي، وهي أهمية تتعامل معها أدمغتنا ببراعة لأنها مهيأة ~~فطريا لذلك. ومن المرجح أن يكون هذا الاستعداد الفطري هو ~~الذي يشجع الانتشار العالمي للعدد النحوي. # إن وجود العدد النحوي في الغالبية العظمى من اللغات هو أمر ~~في غاية الأهمية، لا سيما مع وعينا ms104 بتنوع اللغات التي ~~يتحدث بها البشر. في العقود الأخيرة الماضية، حين وصل علماء ~~اللغويات إلى الزوايا البعيدة في العالم وقاموا بتوثيق لغات ~~لا ترتبط ببعضها، عرفنا أن اللغات قد تختلف فيما بينها ~~اختلافا كبيرا. وقد أصبح علماء اللغويات يعتقدون الآن أن ~~تنوع اللغات هو السمة الأبرز في التواصل الإنساني؛ فبعض ~~اللغات لا تستخدم الأزمان، وبعضها لا تميز بين لونين ~~كالأحمر والأصفر، وبعضها لا يستخدم فاعل الجملة بطريقة ~~واضحة، وبعض اللغات لا يستخدم سوى عدد قليل للغاية قد لا ~~يتجاوز العشرة من الأصوات ذات المعنى، بينما قد تستخدم ~~لغات أخرى ما يصل إلى المائة، وغير ذلك الكثير. إن اللغات ~~تتنوع وتختلف بدرجة كبيرة، وقد أصبح بعض الباحثين في اللغات ~~يعتقدون الآن أن هذا التنوع يعكس بدرجة صغيرة، قدرة ~~اللغات على التكيف مع البيئات المختلفة تدريجيا. (ويقترح ~~بحثي الخاص الذي أجريته مع بعض الزملاء أن بعض سمات ~~الأنظمة الصوتية اللغوية تتطور بطرق تتأثر تأثرا طفيفا ~~بالعوامل البيئية كالقحط الشديد.) # 12 # بالرغم من ذلك التنوع والقدرة على التكيف البارزين، ~~فإننا نجد بعض الميول القوية التي تظهر في لغات العالم فيما ~~يتعلق بكيفية معاملتها للكميات. وقد رأينا في هذا الفصل ~~أن العدد النحوي يوجد في الغالبية العظمى من لغات العالم؛ ~~فالقواعد اللغوية مهووسة بالأعداد، وغالبا ما يتركز هوسها ~~هذا على تمييز الكميات الصغيرة الدقيقة عن الكميات الكبيرة ~~التقريبية. ومن هذه الناحية، فإن العدد النحوي يعكس ~~وظيفيا بنيتنا الدماغية، التي تأتي مجهزة مسبقا ~~لتكون قادرة على التمييز الدقيق بين الكميات الصغيرة ~~فقط. # بالرغم من الطبيعة المشتركة للعدد النحوي، تبقى الحقيقة أن ~~بعض اللغات لا تستخدمه، وذلك مثل ما ذكرته في الفصل الثالث ~~عن أن مفردات الأعداد لا توجد في كل اللغات. في الفصل ~~الخامس، سنقلب النظر في قضية محورية في مسعانا لفهم ~~دور الأعداد في قصة البشرية: ما الذي يحدث حين لا يستخدم ~~البشر العدد النحوي أو مفردات الأعداد أو غيرها من ~~التمثيلات الرمزية للكميات؟ بعد ذلك، سنلقي نظرة على بعض ~~العوالم التي لا توجد ms105 بها أعداد. # الجزء الثاني # | عوالم بلا أعداد # الفصل الخامس # | شعوب لا عددية معاصرة # في بعض الأحيان وأنا طفل صغير، كنت أستيقظ في الأدغال على ~~الأصوات المتنافرة لأشخاص يروون أحلامهم لبعضهم البعض: أحاديث ~~فردية يعقبها دفقات من تعليقات تتسم بالحماسة. والأشخاص ~~المعنيون هم مجموعة تعرف باسم «بيراها»، وهي جماعة مذهلة ~~(بالنسبة إلي على أي حال)، ويعرف عنهم أنهم يستيقظون ~~ويتحدثون إلى أقرب جيرانهم في أي ساعة من ساعات الليل. وفي ~~بعض الأحيان، تزعج هذه الممارسة بعض الأغراب الذي يحاولون ~~جاهدين أن يناموا. بالرغم من ذلك، فبالنسبة إلى ولد صغير مثلما ~~كنت، فإن هذه الأصوات التي يتردد صداها في كوخ أسرتي الكبير، ~~خففت من مخاوفي الليلية المرتبطة بالأدغال، وهدأت من روعي ~~حتى وإن لم أفهم إلا قليلا مما يقولون. فعلى أي حال، كانت هذه ~~الأصوات تدل على أن أهل القرية كانوا مطمئنين وغير منشغلين ~~بما كان يقلقني. لقد بدت أصواتهم في هذا الليل السحيق خالية من ~~أسباب القلق التي كانت تبقيني مستيقظا في سكون في أرجوحتي ~~الشبكية حين كانت تقلقني بعض ضوضاء الغابة غير المفهومة. وحين ~~كنت أستيقظ على صوت رواة الأحلام، عادة ما كان النوم يتسلل ~~إلي ثانية بعد وقت قصير. # كان طريق الوصول إلى قرية «بيراها» التي كانت تعيش فيها أسرتي ~~عبارة عن رحلة متعرجة عبر روافد الأمازون، أو رحلة لمدة ساعة ~~بطائرة سيسنا ذات المحرك الواحد، وكانت هذه الرحلة تنتهي ~~بالطيار وهو يستقر بعجلات الطائرة على مدرج هبوط ضيق من ~~العشب، كان قبل اقتراب الطائرة مختفيا في خضم ذلك البحر من ~~الأشجار. وقد ظلت قرية بيراها منعزلة حتى اليوم، فلم تتغير ~~ثقافتها بدرجة كبيرة منذ طفولتي، بل منذ بداية تواصلهم مع أهل ~~البرازيل قبل ما يزيد على القرنين. إنهم ما زالوا يعيشون في ~~تجمعات صغيرة حول النهر، في بيوت متواضعة للغاية كانوا ~~يتخلون عنها في بعض الأحيان فينامون على ألواح من الخشب على ~~شواطئ النهر البيضاء التي تظهر في موسم الجفاف. وهم ما زالوا ~~يستيقظون في منتصف الليل، ويبدو ms106 أنهم يكونون في وسط محادثة إذ ~~يتشاركون الخبرات من أحلامهم. # لقد قضيت أنا ووالداي وأختاي الأكبر مني سنا، شهورا عديدة ~~من طفولتي مع هذه المجموعة الصغيرة التي تعيش على جمع والتقاط ~~الثمار في قلب إقليم الأمازون. وهذه الجماعة مميزة لأسباب ~~عديدة، وبخلاف مخاوف الليل العابرة، فإن ذكريات طفولتي عنهم ~~لطيفة وتكاد أن تكون شاعرية. لقد أخذنا والداي لنقضي بعض الوقت ~~معهم، وكان ذلك جزءا من عملهما في ذلك الوقت؛ إذ كانا مترجمين ~~إنجيليين للإنجيل. بالرغم من ذلك، فلم يكن الإنجيل هو الشيء ~~الخارجي الوحيد الذي أحضرته أسرتنا إلى ذلك المكان، بل ~~أحضرنا بعض الأغراض الخارجية الأخرى التي قد يقول البعض عنها ~~إنها تلقى اعتراضا أقل من أهل «بيراها» ويفضلونها بدرجة ~~أكبر، ومنها الأدوية الغربية التي أنقذت حياة العديد من الأطفال. ~~لقد كان إحضار أغراض أجنبية أقل نجاحا في العادة؛ فعلى سبيل ~~المثال، كانت معظم منتجات الطعام الخارجية تثير حيرة أهل ~~بيراها، مثلما كانت عادتهم في أكل بعضهم القمل من رءوس بعض ~~تثير حيرتي أنا وأختي. لقد سألنا أحد رجال «بيراها» ذات مرة ~~عن السبب في حاجتنا إلى أن نوزع مادة تشبه الدم، وهي التي ~~نطلق عليها اسم «الكاتشب»، على طعامنا. وكذلك حين كنا نأكل ~~السلاطة ذات مرة، أشار رجل آخر إلى بعض المشاهدين الآخرين من ~~أهل بيراها بأننا نأكل أوراق النباتات بطريقة غريبة. ومن الفئات ~~الأخرى للواردات التي لم تنجح مع أهل بيراها الرموز الغربية ~~بجميع أنواعها، ومنها الحروف الأبجدية؛ فعلى العكس من معظم ~~مجموعات السكان الأصليين، بدا أهل بيراها غير مهتمين بكتابة ~~لغتهم. ومن بين الواردات المرفوضة أيضا الأعداد، والتي رفضتها ~~الجماعة تماما. # 1 # في الكثير من هذه الليالي التي قضيناها في القرية، وقبل أن نذهب ~~إلى النوم في الأرجوحات الشبكية، كان والداي يعطيان دروس الحساب ~~لأهل بيراها، وقد زادوا من مستويات مشاركة أهل القرية في هذه ~~الدروس من خلال تقديم أحد أنواع الواردات الجيدة المطلوبة في ~~نظرهم: الفشار. وعلى الوهج الجاذب للحشرات، المنبعث من مصابيح ~~الغاز الموزعة في ms107 كوخ أسرتنا، والذي يطل على عناصر الطبيعة ~~الممتدة على طول نهر مايسي الأسود، حاولا تعليم هذه الجماعة ~~الحساب بلغتهم الأصلية. وقد اتضح أن هذه المحاولات لم تنجح ~~لمجموعة متنوعة من الأسباب؛ ولعل السبب الأبرز منها هو أن لغة ~~البيراها تفتقر إلى وجود أي أعداد محددة؛ فحين تتبنى إحدى ~~الثقافات نظاما عدديا لثقافة أخرى، فإن أفراد هذه الثقافة ~~المتبناة يكونون على وعي بالمقصود بمفردات الأعداد على أقل ~~تقدير، أما في حالة البيراها فقد كانت الأعداد غريبة تماما. ولا ~~ينطبق ذلك على مفردات الأعداد البرتغالية التي كان والداي يحاولان ~~تدريسها فحسب، بل على وجود مفردات دقيقة للأعداد، والأهم من ~~ذلك أنه كان ينطبق على تمييز معظم الكميات المحددة التي تشير ~~إليها. # حين كنت ولدا صغيرا كانت الصعوبة التي يواجهها البالغون من ~~أهل بيراها حين يحاولون تعلم الأعداد، تحيرني كثيرا. وبدرجة ~~كبيرة، كان ذلك الأمر محيرا لي؛ لأنه كان واضحا حتى لوعيي ~~الصغير أن هؤلاء ليسوا أفرادا يعانون من صعوبة ما في التعلم؛ ~~فما من خلل وراثي واضح بين هؤلاء الأفراد يفسر الصعوبة التي ~~كانوا يواجهونها حين ذاك، وما زالوا يواجهونها، حين يتعلق الأمر ~~بتعلم الأعداد. علاوة على ذلك، فإن أفراد البيراها الذين ~~نشئوا في ثقافة خارجية لا يواجهون مثل هذه الصعوبة. وبالفعل، فقد ~~كنت أتعجب من البراعة الإدراكية لهؤلاء الأفراد في العديد من ~~الجوانب الأخرى. ولا شك بأن جزءا من هذا التعجب كان يعزى ~~إلى حداثة سني، لكن التجربة التي حفزته لم تكن بالهينة؛ ~~فقد كنت (مثل أختي) ألعب مع أطفال البيراها، وأتبعهم في ~~الغابات، وقد كنت أضل طريقي بالفعل دونهم في بعض الأحيان. كنت ~~أشاهدهم وهم يصطادون السمك أفضل مني، ويميزون موارد الفاكهة ~~بطرق لم أستطع أن أفعلها. وبصفة عامة، فقد كنت أشعر أنهم لا ~~يبارون في العديد من المهارات الذهنية التي كانت في غاية ~~الأهمية في بيئتهم. بالرغم من ذلك، ففي درس الحساب العابر الذي ~~يقام على ضوء المصابيح، كنت أنا الأفضل من بينهم، أفضل حتى من ~~الكبار. # إن هؤلاء ms108 الأشخاص ليسوا هم الوحيدين الذين تقف بعض الحواجز ~~اللغوية والثقافية بينهم وبين اكتسابهم لمبادئ الحساب. وبالفعل ~~توجد جماعة على بعد مئات الكيلومترات باتجاه الشرق، قد واجهت ~~صعوبات مماثلة؛ قبيلة موندوروكو، وقد كانت قبيلة كبيرة محاربة ~~في السابق، تعيش في أعلى نهر تاباجوس، وهو رافد رئيس لنهر ~~الأمازون. بدأت هذه القبيلة في العمل باستخراج المطاط خلال ~~أواخر القرن التاسع عشر، والبعض لا يزالون يقومون بذلك حتى الآن. ~~ومع العمل الجاد تمكنوا من استخراج كمية كبيرة من المطاط، ~~لا سيما في أوج ازدهار المطاط الأمازوني في الجزء الأول من القرن ~~الماضي. بالرغم من ذلك، فقد كانوا مثلما يشير المؤرخ جون ~~هيمينج: «لا يتمتعون بمهارات التجارة إلى درجة محزنة، وقد ~~كان من السهل خداعهم؛ إذ إنهم لم يكونوا يفهمون قواعد الحساب. ~~لقد باع لهم تجار «ريجاتو» (قارب نهري) بعض البضائع بأربعة أضعاف ~~الربح، وقد كان من هذه البضائع رم الكاشاسا وبعض الأدوية عديمة ~~الفائدة، والتي تباع دون وصفة من الطبيب. لقد بخسوهم بالطبع ثمن ~~المطاط.» # 2 # لقد رأينا في الفصلين الثالث والرابع أن اللغات تختلف ~~اختلافا كبيرا في كيفية ترميزها للمفاهيم العددية؛ فبعض اللغات ~~تستخدم أنظمة عددية تتيح لها توليد عدد لا نهائي من مصطلحات ~~الكميات، غير أن العديد من اللغات تستخدم أنظمة أقل فاعلية. ~~ولا شك بأن لغة الموندوروكو ولغة البيراها تصنفان في هذه ~~الفئة الأخيرة، وربما تمثل لغة البيراها بالتحديد الحالة ~~الأكثر تشددا؛ فهي لغة منطوقة لا تتضمن أي مصطلحات محددة ~~للأعداد، ولا حتى للعدد «واحد»، وليس ذلك بزعم منقول بالرواية ~~فحسب. إن أول من لفت اهتمام المجتمع البحثي إلى الطبيعة ~~اللاعددية للغة، هو والدي دانييل إيفريت، الذي تخلى عن عمله ~~التبشيري، وأصبح باحثا. # 3 # وقد نتج عن تعليقاته على هذا الأمر العديد من ~~التجارب التي أجراها العديد من علماء النفس وغيرهم ليختبروا ما ~~إذا كانت اللغة لا عددية بالفعل أم لا. فلنتناول على سبيل المثال ~~إحدى التجارب التي قام بها الأخصائيون اللغويون النفسيون قبل ~~عشر سنوات تقريبا. في هذه التجربة ms109 عرض على أفراد البيراها ~~مجموعة من الأشياء؛ كرات من الخيط، ثم طلب منهم أن يذكروا ~~اسم الكمية التي تمثلها المجموعة. واستخدم الأفراد الأربعة ~~عشر المشاركون في هذه التجربة كلمة # hói # للإشارة إلى شيء واحد، ~~وأفضل ترجمة ممكنة لهذه الكلمة هي «حجم أو مقدار صغير»، وهو ~~المصطلح الذي يعبر عن أقل كمية في اللغة. والمصطلح التالي ~~الذي يعبر عن أقل كمية هو # hoí # الذي لا يختلف عن # hói # إلا في نغمة ~~الحرف المتحرك، وهذا الاختلاف في النغمة يغير معنى الكلمة ~~تقريبا إلى «قليل أو بضعة». بالرغم من ذلك، فعلينا أن نشير إلى ~~أن معنى # hói # يمتد إلى معنى # hoí # وهو ما اتضح من النتائج ~~التجريبية للدراسة المعنية. لقد اكتشف الباحثون أنه بخلاف ~~الحالات التي طلب فيها من المشاركين الأربعة عشر أن يذكروا ~~المصطلح الذي يعبر عن كمية كرة واحدة من الخيط، ظهرت بعض ~~الاختلافات حين طلب منهم تسمية كميات أكبر، وقد استخدمت ~~الكلمة # hoí # في معظم الحالات، لكن ~~الأمر الغريب أن بعض المتحدثين قد استخدموا كلمة # hói ~~(مما يوضح أن الكلمة ~~الأخيرة لا تعبر عن العدد «واحد» فحسب). وبالنسبة إلى العدد ~~ثلاثة، جاءت النتائج مختلطة أيضا. والواقع أنه مع زيادة الكمية ~~قل استخدام # hoí # لكن الانتقال ~~من استخدام # hói # إلى # hoí # ثم من # hoí # إلى # baágiso ~~(وهي الكلمة التي تعني ~~تقريبا «الكثير» وتعني حرفيا «نجمع معا») كان تدريجيا. وعلى ~~العكس من ذلك، فإن متحدثي اللغة الإنجليزية الذين يؤدون هذه ~~المهمة لا يستخدمون سوى كلمة # one # للدلالة على شيء واحد، ~~ويستخدمون # two # للدلالة على ~~شيئين، ويستخدمون # three # للدلالة ~~على ثلاثة أشياء ... وهكذا. # 4 # إنها نتيجة مهمة؛ إذ تدعمها دراسات تجريبية أخرى، وهي تشير ~~إلى أن الكلمات الثلاث الشبيهة بالأعداد في لغة البيراها ليست في ~~واقع الأمر أعدادا دقيقة؛ فهذه المصطلحات تستخدم بمعنى تقريبي ~~فحسب، مثلما نستخدم # a few ~~[بضعة] أو # a couple of ~~[زوجان من] ~~في الإنجليزية. وعلى العكس من متحدثي الإنجليزية، فإن ~~متحدثي البيراها لا يمتلكون بدائل دقيقة مثل # three # أو ms110 # two ~~. إن لغة البيراها لغة لا ~~عددية، إنها حتى تفتقر إلى اختلافات العدد النحوي التي ناقشناها ~~في الفصل الرابع؛ إنها سمة مذهلة في لغة البيراها وثقافتها ~~بصورة أعم: لقد اختاروا ألا يستخدموا الأعداد الدقيقة في ~~خبرتهم اليومية، وبالرغم من أن قبيلة الموندوروكو تستخدم ~~الأعداد، فهم يستخدمون معظمها بطرق غير دقيقة كذلك. ففي دراسة ~~مهمة نشرت في مجلة «ساينس» عام 2004، وضح فريق من علماء ~~الإدراك أن معظم مفردات الأعداد التي تستخدمها تلك اللغة، هي ~~أيضا لها معان غير محددة. # 5 # إن السبب في المعوقات الثقافية لاستخدام الأعداد الدقيقة ~~بين هذه الجماعات، لا يزال محلا للجدل، لكن صلابة هذه ~~المعوقات غير اعتيادية؛ فعادة ما تنتشر الأنظمة العددية بين ~~الثقافات، لا سيما بعد التواصل لفترة طويلة مع أفراد من خارج ~~الثقافة، مثلما حدث مع هذه الجماعات من السكان الأصليين. ~~وبعبارة أخرى، حين تواجه الثقافات مجموعات أخرى تستخدم عددا ~~أكبر من الكلمات التي تعبر عن الكميات، فإنها عادة ما تستعير بعض ~~هذه الكلمات أو كلها، أو حتى المفاهيم التي تعبر عنها هذه ~~الكلمات على الأقل. وهذه الاستعارة أمر مفهوم؛ لأن الأعداد ~~مفيدة جدا. ونظرا إلى هذه النزعة التي نلاحظها كثيرا، فقد ~~يكون من المفاجئ أن بعض الثقافات لم تتبن الأنظمة العددية ~~الشاملة التي تستخدمها الجماعات التي التقت بها، بغض النظر ~~عما قد تواجهه من صعوبة في استخدام هذه الأنظمة في حالاتهم ~~الخاصة. بالرغم من ذلك، فقد ظلت البيراها والموندوروكو وبعض من ~~الثقافات الأخرى ثقافات لا عددية، أو ثقافات لا عددية إلى حد ~~كبير. (غير أن بعض الإشارات تشير الآن إلى تغير ذلك الوضع في ~~كلتا الحالتين.) ومثلما سنرى لاحقا فإن هذا الاختيار له ~~آثار متغلغلة. # البحث عن إجابات في الغابة # في دراسة حظيت بذيوع كبير، ونشرت أيضا في مجلة ~~«ساينس» عام 2004، وضح أحد متخصصي علم النفس من جامعة ~~بيتسبرج من خلال التجربة، أن غياب مفردات الأعداد من ثقافة ~~البيراها، له آثار عميقة على قدرات أفرادها على التمييز بين ~~الكميات. وقد أجرى عالم النفس بيتر ms111 جوردون سلسلة من المهام ~~التجريبية على مدار صيفين زار فيهما قرية البيراها، وكان ذلك ~~بمساعدة والدي. وقد أثبتت نتيجة هذه المهام، بطريقة ~~واضحة ومتكررة، أمرا كان مثار الأقاويل لبعض الوقت، وهو ~~أن أفراد البيراها يجدون صعوبة في التمييز بين الكميات التي ~~تزيد على ثلاثة. ومن نواح عديدة، كانت التجارب التي أجراها ~~جوردون تشبه بعض التجارب التي حاول والداي تنفيذها في ~~الدروس سالفة الذكر مع أفراد هذه الجماعة في بداية ~~الثمانينيات من القرن العشرين. # 6 # وفي موجة الانتباه الذي وجه إلى البيراها عقب نشر ~~دراسة جوردون، غالبا ما كان يتم تصوير هؤلاء الأشخاص ~~بصورة غير دقيقة، أو مشوهة للغاية في بعض الأحيان. فعلى أي ~~حال، أصبحوا يمثلون بالنسبة إلى البعض حياة الرجعية، عودة ~~إلى أيام العصر الحجري، وبقايا من العصر اللاعددي. واقترح ~~البعض أن الصعوبة التي يواجهونها في تعلم المفاهيم ~~الحسابية ربما تعود إلى زواج الأقارب فيما بينهم، فربما يكون ~~السبب هو جينا، أو جينات، متنحية قد ظهرت بسبب المختنق ~~السكاني. وكلا التفسيرين خاطئ تماما بالطبع؛ فالنتيجة ~~المنطقية الوحيدة التي يمكننا أن نستخلصها من دراسة جوردون ~~هي أن أهل البيراها هم جماعة تعيش على الصيد والتقاط ~~الثمار، وقد اختاروا ألا يستخدموا الأعداد، ونتيجة لذلك، فهم ~~لا يستخدمون المزايا الإدراكية التي تقدمها هذه الأداة. ~~ولكي نفهم هذا التفسير بصورة أفضل؛ يجب علينا أن ندرس ~~نتائج دراسة جوردون، وكذلك أعمال الآخرين اللاحقة عليها، بما ~~في ذلك أعمالي. # شكل 5-1: أسرة من البيراها في زورق تقليدي يسير في ~~أحد روافد نهر مايسي، ثيابهم من الواردات ~~القليلة من العالم الخارجي. الصورة من التقاط ~~المؤلف عام 2015. # لكننا في البداية، سنعرض مقدمة عن كيفية إدراك البشر ~~للأعداد بصفة عامة. مثلما أوضحنا في الفصل الرابع، فإن ~~البشر مزودون فطريا «بحاستين» حسابيتين. وبالرغم من ~~أن العديد من البالغين لن يروا أن هاتين القدرتين أو ~~هاتين الهبتين الوراثيتين، تتسمان بالطبيعة الحسابية، ~~نظرا لبساطتهما، فإنهما أساسيتان لمشروع التفكير باستخدام ~~الأعداد؛ لدينا أولا: الحاسة العددية التقريبية، وهي ~~قدرتنا الفطرية على تقدير الكميات، ms112 ويبدو أن أطفال البشر ~~يولدون بهذا النظام، وهو يمكنهم من تمييز الفروق الكبيرة ~~بين الكميات؛ فمثلما سنرى في الفصل السادس، يستطيع الأطفال ~~حديثو الولادة أن يميزوا على سبيل المثال بين ثمانية عناصر ~~وستة عشر عنصرا، فهم يستطيعون إجراء العمليات الحسابية ~~بشكل تقريبي، فيما يتعلق بالكميات الكبيرة. وأما ثاني ~~القدرات الحسابية الفطرية لدى البشر: فهي قدرتهم على التمييز ~~الدقيق للكميات المتمثلة في ثلاثة أو أقل، بعبارة أخرى، ~~فإن جميع أفراد البشر من جميع الأعمار يستطيعون أن ~~يميزوا بين شيء واحد وشيئين، وكذلك بين ثلاثة أشياء وشيء ~~واحد. وفي هذا الكتاب، سوف أشير إلى هذه القدرة باسم الحاسة ~~العددية الدقيقة؛ لسهولة مقارنتها بالحاسة العددية ~~التقريبية. (ونظرا إلى أنها تساعد بصفة عامة في تتبع ~~المجموعات الصغيرة من الأشياء بالتوازي، فعادة ما يشار إليها ~~في مجال علم النفس باسم «نظام الملف الهدف» أو «نظام التفرد ~~المتوازي».) ومثلما ذكرت في الفصل الرابع، فإن المنطقة ~~المسئولة بشكل كبير عن هاتين الحاستين في أدمغتنا، هي ~~منطقة الثلم داخل الفص الجداري. # إن وجود هاتين القدرتين الحسابيتين البدائيتين ~~المختلفتين، قد أصبح مؤكدا في الوقت الحالي، غير أن الوعي ~~بوجودهما لا يزال يطرح أمامنا أسئلة محيرة: لم يستطيع ~~البشر دون الأنواع الأخرى الجمع بين هاتين القدرتين؟ وكيف ~~نجمع بينهما معا؟ وما الذي يمكننا من نقل هذا الإدراك ~~الدقيق للكميات الصغيرة إلى الكميات الكبيرة، التي تعالجها ~~الحاسة العددية التقريبية تلقائيا؟ وبصفة عامة، توجد ~~إجابتان أساسيتان لهذه الأسئلة المتشابهة؛ الإجابة الأولى ~~هي إجابة التوجه الفطري، ووفقا له فإن هاتين ~~القدرتين مدمجتان في الدماغ البشري؛ لأن تلك ببساطة هي ~~كيفية عمل الدماغ البشري. ووفقا لهذا المنظور، فإننا لم ~~نزود في شفرتنا الوراثية بالحاسة العددية الدقيقة ~~والحاسة العددية التقريبية فحسب، بل زودنا أيضا ~~بالقدرة على استخدامهما معا تدريجيا بطريقة ما. ومعنى هذا ~~بعبارة أخرى: أن إحدى السمات التي يتميز بها نوعنا هي ~~أن الأعداد مثبتة في أدمغتنا، وأننا ندرك تلقائيا ~~على مدار تطورنا أن كميتين مثل 5 و6، تختلفان عن بعضهما ~~البعض. (وحتى إن ms113 كانت التسميات مثل «خمسة» و«ستة» قد تيسر ~~هذا الإدراك، فإن الإدراك نفسه ممكن في غيابها.) أما ~~الإجابة الثانية المحتملة فهي ذات توجه ثقافي، وهي أن ~~البشر لا يتعلمون الجمع بين القدرتين الرياضيتين ~~الفطريتين، إلا إذا تعرضوا للأعداد بعد انتمائهم إلى ~~ثقافة عددية وتحدثهم لغة عددية. ويفترض مثل هذا ~~التفسير أن البشر لا يتعلمون التمييز بدقة بين الكميات ~~الأكبر من 3، إلا حين يتعلمون الرموز الثقافية المشتركة التي ~~ترمز إلى الكميات المحددة، أي حين يتعلمون مفردات ~~الأعداد. # إن هذين التفسيرين المحتملين بشأن نشأة الإدراك ~~العددي الذي يتميز به البشر؛ يؤديان إلى توقعات متماثلة ~~بدرجة كبيرة. فكلا التفسيرين يتوقع أنه مع نشأة البشر ~~في مجتمعات عددية، سوف يكتسبون مهارة إدراك الفروق الدقيقة ~~بين الكميات الأكبر من 3. ونظرا إلى أن الغالبية العظمى من ~~ثقافات العالم عددية؛ فقد ظل تقديم أدلة واضحة تدعم هذه ~~الفرضية أو تلك أمرا صعبا لبعض الوقت. فقد يقترح أحد ~~المؤيدين لهذا التفسير الثقافي، على سبيل المثال، أن ~~الأطفال لا يتقنون التمييز بين الكميات الأكبر من 3، إلا ~~حين يتعلمون العد. وقد يحتج أحد المؤيدين لفرضية التوجه ~~الفطري بأننا نتعلم العد حين تنمو أدمغتنا بالدرجة الكافية ~~لأداء هذه المهمة. ومن الطرق التي يمكن استخدامها لإلقاء ~~الضوء على المسألة تقديم بيانات من مجموعة من البالغين ~~الأصحاء الذين يعيشون في مجتمع غير عددي. فإذا كانت إحدى ~~الجماعات السكانية لا تستخدم مفردات الأعداد أو غيرها من ~~أشكال الثقافة العددية، فهل سيتعلم أفرادها التمييز بين معظم ~~الكميات بدقة، أم يقتصر استخدامهم على الحاسة التقريبية ~~الأبسط التي يوفرها جهازنا الدماغي؟ إن الإجابة بالإيجاب عن ~~السؤال الأول سوف تقدم دعما كبيرا للتفسير الفطري، أما ~~الإجابة بالإيجاب عن السؤال الثاني فسوف تقدم دعما كبيرا ~~للتفسير الثقافي. # ومع وضع هذه المسائل في الاعتبار، فإن الدراسات ~~المتعلقة بالموضوع، التي أجريت على سكان البيراها، قد ~~ركزت على إبراز قدرة هؤلاء الأفراد على التمييز بين الكميات ~~الأكبر من 3 بدقة، أو إبراز غيابها. تكونت دراسة جوردون من ~~مجموعة من مهام تمييز الكميات، وقد ms114 أجراها على البالغين في ~~قريتين، وكان الهدف من هذه المهام هو الإجابة عن هذا السؤال ~~الأساسي: هل يتمكن الأفراد البالغون الأصحاء الذين ينتمون ~~إلى ثقافة لا عددية من التمييز بين الكميات الأكبر من 3 بدقة ~~وبصورة منتظمة؟ هل يمكنهم دوما التمييز بين 6 عناصر و7 عناصر، ~~أو بين 8 و9، أو حتى بين 5 و4؟ وإذا لم يكونوا يستطيعون، ~~فإن ذلك سوف يشير إلى أن معرفة العد ومفردات الأعداد ~~أمر أساسي، لا للرياضيات فحسب، بل لمجرد التمييز بين ~~الغالبية العظمى من الكميات. # كانت مهام جوردون التجريبية تنقسم إلى فئتين واسعتين، ~~وفي إحدى فئتي المهام، يطلب من المشاركين في التجربة أن ~~يقدموا عددا مطابقا للأشياء الموضوعة أمامهم على أحد ~~الأسطح، وذلك من خلال وضع العدد نفسه من الأشياء على ذلك ~~السطح، وقد كانت الأشياء المستخدمة بطاريات جافة صغيرة ~~بالحجم # AA ~~. وقد استخدمت هذه ~~البطاريات في أنواع مختلفة من المهام، وفي المهمة الأساسية ~~المتمثلة في «مطابقة الخط»، كان يوضع أمام المشاركين خط ~~من البطاريات الجافة التي تبعد عن بعضها مسافات متساوية، ~~وكانت البطاريات توضع قريبا بعضها من البعض لكي يفهم ~~أنها مجموعة، لكنها مجموعة من عناصر منفصلة. وكان يطلب من ~~المشاركين بعد ذلك أن يضعوا الكمية نفسها من البطاريات ~~الجافة في مصفوفة موازية للخط الأصلي، وذلك بعد تمثيل ~~المهمة أمامهم أولا بدقة. (وينطبق ذلك على جميع المهام ~~المتعلقة بالكميات التي أجريت بين هذه المجموعة؛ فدائما ~~ما ينفذ الباحثون التجارب أولا، وذلك للحد من أي لبس.) ~~في مهمة «المطابقة المتعامدة» طلب من المشاركين مرة أخرى ~~أن يصنعوا خطا من البطاريات، وقد كان من المفترض أن يكون ~~العدد مساويا للخط الأصلي المعروض أمامهم، لكنه في هذه ~~الحالة أدير بمقدار تسعين درجة. (وذلك بدلا من أن يكون ~~موازيا للخط الأصلي مثلما هي الحال في مهمة مطابقة الخط ~~الأساسية.) وفي إحدى المهام الأخرى ذات الصلة، وهي مهمة «العرض ~~لفترة موجزة»، عرض أمام المشاركين خط من البطاريات، ~~وطلب منهم أن يصنعوا خطا من الكمية نفسها من البطاريات، ms115 ~~لكن ذلك بعد إخفاء الخط الأصلي من أمامهم. وفي الفئة الثانية ~~من المهام التي استخدمها جوردون، كان المطلوب من المشاركين أن ~~يوضحوا إدراكهم لكمية من الأغراض الموضوعة في وعاء؛ ولهذا، ~~فعلى سبيل المثال، كان جوردون يضع بعض الجوز في علبة ~~معتمة، وكان يضعها واحدة تلو الأخرى أمام المشاركين. (كان ~~المشاركون يستطيعون رؤية جانب العلبة من منظورهم، لكنهم لم ~~يكونوا يستطيعون رؤية ما بداخلها.) وقد قام بعد ذلك بإزالة ~~حبات الجوز نفسها واحدة تلو الأخرى على مرأى من ~~المشاركين، وبعد إزالة كل حبة كان يطلب منهم أن يوضحوا ~~ما إذا كان هناك أي جوز بالعلبة أم لا. # مع إجراء جوردون لتجاربه، ظهر نمط واضح في إجابات أهل ~~البيراها، بصرف النظر عن الطلبات المحددة في المهمة. ~~وموجز القول إن أهل البيراها كانوا يواجهون صعوبة ملحوظة ~~في التمييز بين الكميات، على أن الأمر الأهم هو أنهم لم ~~يجدوا هذه الصعوبة إلا في الكميات الأكبر من ثلاثة؛ فحين كان ~~يطلب من المشاركين على سبيل المثال أن يصنعوا خطا من ~~البطاريات يطابق خطا آخر في الكمية، فإن الخط الذي كانوا ~~يصنعونه كان يطابق الأول دائما، إذا كانت هذه الكمية 1 أو ~~2 أو 3. بالرغم من ذلك، فحين كان الخط الأولي يتضمن 4 ~~بطاريات أو أكثر، بدأ ظهور الأخطاء في الإجابات، وكان عددها ~~يزداد طرديا مع زيادة عدد البطاريات التي تعرض عليهم. وقد ~~ظهر نمط مشابه لذلك في مهمة المطابقة المتعامدة، وكذلك ~~مهمة العرض لفترة وجيزة، غير أن الأخطاء قد زادت في المهمة ~~الثانية، وليس ذلك مفاجئا بالطبع نظرا لما تحمله طبيعة هذه ~~المهام من صعوبة أكبر. وفي اختبار وضع الجوز في العلبة، واجه ~~متحدثو هذه اللغة اللاعددية صعوبة فائقة، وقد زادت أخطاؤهم ~~تبعا لزيادة عدد الجوز الذي وضع في العلبة في البداية. ~~وبعبارة أخرى، فقد أشارت نتائج جوردون إلى أن أهل البيراها ~~كانوا قادرين على مطابقة الكميات في عقولهم، وذلك بشكل ~~متكرر ودقيق؛ شرط ألا تزيد كمية هذه العناصر التي ~~يسجلونها في عقولهم عن ثلاثة. ms116 أما في الكميات التي تزيد ~~على الثلاثة، فقد بدأت الأخطاء بالظهور كما هو متوقع. ~~لقد عكست إجاباتهم نمطا من الاعتماد على التقريب أو ~~التقدير التماثلي، لا التمييز الدقيق بين الكميات. # إن الأخطاء التي قام بها أهل البيراها لم تكن عشوائية، بل ~~إن جوردون قد لاحظ ارتباطا واضحا بين عدد المحفزات ~~المعروضة أمامهم وبين نطاق الأخطاء المعتادة التي يقومون بها؛ ~~فبالنسبة إلى الكميات الكبيرة التي أجريت الاختبارات عليها، ~~كان متوسط الانحراف عن الإجابات الصحيحة يزداد بشكل ~~متناسب، أي كلما زاد العدد المستهدف زادت الأخطاء. وقد ~~كانت هذه العلاقة منتظمة للغاية. # 7 # وقد تتساءل عن السبب الذي يجعل نمط الإجابات ~~الخاطئة لأهل البيراها وثيق الصلة للغاية بمناقشتنا. ~~والواقع أن لذلك سببين؛ أولهما أن العلاقة التي لاحظها ~~جوردون تشير إلى أن أهل البيراها كانوا يحاولون بالفعل أن ~~يطابقوا الكميات التي يشاهدونها، من خلال عقولهم؛ فهم لم ~~يتوقفوا عن المحاولة ببساطة حين كانت الكميات تزيد عن ~~ثلاثة، ولا هم كانوا يخمنون الإجابة عشوائيا لأنهم ~~سئموا على سبيل المثال. والسبب الثاني هو أنه بالرغم من ~~أن العلاقة تشير إلى أنهم كانوا يصورون كميات ما يعرض ~~عليهم من أشياء في عقولهم، فمن الواضح أنهم كانوا يفعلون ذلك ~~بطريقة تقريبية فحسب. وتلك هي الطريقة نفسها التي سنتنبأ ~~بها في ضوء ما نعرفه عن الحاستين العدديتين اللتين قد ~~زود بهما البشر فطريا. # لقد رسمت لنا هذه النتائج الأولية التي جمعناها من ~~البيراها صورة واضحة؛ وهي أن هؤلاء الأشخاص يجدون صعوبة ~~في مجرد التمييز بين الكميات التي تزيد عن ثلاثة، وهم ~~يستطيعون فعل ذلك، غير أنهم يفعلونه بطريقة تعتمد على ~~التقدير. وبالمثل، فإنهم قادرون تماما على التمييز بين ~~الكميات الصغيرة؛ فما يبدو أن أهل البيراها يفتقرون إليه هو ~~الوسيلة إلى توحيد هاتين القدرتين التي منحتنا إياهما ~~شفرتنا الوراثية، بالرغم من أن هؤلاء الأشخاص طبيعيون ~~جدا من الناحية الوراثية؛ فلقد نجحوا في بيئتهم المحلية، ~~وتمكنوا من التكيف والبقاء على قيد الحياة بجوار نهر ~~مايسي على مدار قرون على الأقل، وما ms117 من تفسير سهل يوضح ~~السبب فيما يواجهونه من صعوبات واضحة في أداء المهام ~~الأساسية التي تستند إلى تمييز الكميات، إضافة إلى حقيقة ~~أنهم يتحدثون لغة لا عددية تماما، ولا تتضمن ثقافتهم ~~أي ممارسات عددية. # لقد نوقشت نتائج جوردون على نطاق واسع، ونظر إليها ~~الكثيرون على أنها مؤشر واضح، ولعله الأوضح بشأن تلك ~~النقطة المتمثلة في أن بعض المفاهيم الرياضية الأساسية ليست ~~متأصلة فطريا لدى البشر، بل إننا نتعلمها ونكتسبها ~~من خلال الثقافة والانتقال اللغوي. وإذا كنا نتعلمها لا ~~نكتسبها بالوراثة، فهي ليست مكونا من مكونات الجهاز العقلي ~~البشري، لكنها جزء من برنامجنا العقلي، سمة في تطبيق ~~طورناه بأنفسنا. # ولأن القابلية للتكرار هي مبدأ أساسي في أي مشروع علمي؛ ~~فقد تحمس الكثيرون من علماء الإدراك لأن يواصلوا عمل ~~جوردون بين أفراد البيراها. وبعد سنوات قليلة من نشر جوردون ~~لمقالته البارزة قام فريق من علماء الإدراك، ومنهم مايكل ~~فرانك (من جامعة ستانفورد) وتيد جيبسون (من معهد ماساتشوستس ~~للتكنولوجيا) بفعل ذلك. ومثلما ذكرنا سابقا، وضح هذا ~~الفريق أن المصطلحات التي يستخدمها أهل البيراها للتعبير عن ~~الكميات، ليست لها دلالات دقيقة. بالرغم من ذلك، فلم يكن ~~عملهم مقتصرا على التعزيز التجريبي للزعم بأن ثقافة ~~البيراها هي ثقافة لا عددية بالفعل، بل تتضمن أيضا تكرار ~~العديد من المهام التجريبية التي أجراها جوردون، ولا سيما ~~مطابقة الخط ، والمطابقة المتعامدة، والعرض لفترة وجيزة، ~~ووضع حبات الجوز في إناء. أعيد إجراء هذه المهام في قرية ~~تدعى # Xaagiopai ~~(وتنطق «آه ~~جي أوه باي»)، وهي تبعد عن القرى التي أجرى فيها جوردون ~~أبحاثه، مسيرة أيام (بالزورق) في النهر. وقد استخدم ~~الباحثون نوعا مختلفا من المحفزات في تجارب المطابقة ~~التي أجروها؛ إذ إنهم تخوفوا من أن تكون البطاريات التي ~~استخدمها جوردون قد تدحرجت في بعض الأحيان، مما جعل من مهمة ~~صعبة بالفعل أكثر صعوبة على أهل البيراها. وبدلا منها ~~استخدموا أشياء أخرى منتظمة الشكل غير أصلية، لكن ~~السكان يعرفونها؛ بكرات من الخيط، وبالونات فارغة من المطاط، ~~وكان من الممكن وضع بكرات ms118 الخيط رأسيا على الطاولة دون ~~أن تتدحرج. قدم إلى أربعة عشر من أفراد البيراها البالغين ~~كميات من بكرات الخيط موضوعة على طاولة تقع أمامهم مباشرة، ~~وطلب منهم أن يمثلوا كمية بكرات الخيط بالكمية المناظرة ~~لها من البالونات المطاطية. وبخلاف استخدام محفزات ~~مختلفة، فقد صممت التجربة بعناية على مثال التجارب ~~التي أجراها جوردون. وفي تجارب المطابقة المتعامدة، والعرض ~~لفترة وجيزة، ووضع حبات الجوز في وعاء، كان أداء أفراد ~~البيراها مثلما لاحظه جوردون تماما؛ ومن ثم فقد استنتج ~~الباحثون أن أهل البيراها لا يستطيعون التمييز بين الكميات ~~الأكبر من ثلاثة بصورة دقيقة، حين يكون عليهم تغيير موضع ~~الشيء أو حين يستذكرون عدد الأشياء بعد رؤيتها لفترة وجيزة. ~~من الجدير بالذكر أن مثل هذه المهام تافهة بالنسبة إلى ~~الأشخاص الذين يلمون بمعرفة مفردات الأعداد والعد، ~~كالبالغين من متحدثي اللغة الإنجليزية. # وفي حالة مهمة مطابقة الخط الأساسية، دون الحاجة إلى ~~الاستعادة من الذاكرة أو التدوير المادي، لم تكن النتائج التي ~~توصل إليها فريق فرانك مطابقة تماما لنتائج جوردون؛ فقد ~~وجدوا، مع بعض الاستثناءات، أن أفراد البيراها تمكنوا من ~~إعادة تكوين الكمية التي رأوها من بكرات الخيط بشكل دقيق، ~~إذا كانت هذه البكرات معروضة في خط، وسمح للمشاركين برؤية ~~هذا الخط على مدار المهمة. وقد كانت هذه النتائج بمثابة عقبة ~~للتفسير السابق بشأن الإدراك العددي لأهل البيراها . واستخلص ~~فريق البحث أنه بالرغم من أهمية مفردات الأعداد التي تعمل ~~بمثابة «تقنية إدراكية» وتيسر عملية معالجة الكميات ~~واستذكارها، فإنها ليست ضرورية في المهام التي تقتصر على ~~تمييز الكميات فحسب. وقد اقترح الباحثون سببا بديلا ربما ~~يفسر الصعوبة التي واجهها أفراد البيراها في أداء أبسط ~~المهام في دراسة جوردون، التي تتمثل في مطابقة خط بخط؛ ~~ربما كانت البطاريات تدحرجت بالفعل في بعض الأحيان، وربما ~~عقدت هذه الدحرجة إدراك الأفراد للكميات. # في صيف عام 2009، وفي ظهيرة أحد الأيام الأمازونية الرطبة، ~~وجدتني أقرأ هذا العمل الحديث عن البيراها، بينما كنت أقوم ~~بإجراء الأبحاث على مجموعة أخرى من السكان الأصليين. وبالرغم ms119 ~~من أنني كنت مقتنعا بنتائج فرانك وزملائه، فلم أكن مقتنعا ~~بأن نتائج جوردون كانت بسبب تدحرج البطاريات؛ فقد أجريت ~~تجارب جوردون بمساعدة من والدي (مثل الدراسة الأخيرة)، ~~وقد كانا بمثابة مترجمين وميسرين لبحثه الميداني في ~~بداية التسعينيات من القرن الماضي. ولأنني كنت أتبع ~~والدي أحيانا إلى الغابات خلال السنوات الأولى من مراهقتي ~~(لكننا كنا نعيش آنذاك في الولايات المتحدة)، فقد شاهدت ~~جوردون وهو يجري بعض تجاربه. ومثلما رأيت أفراد البيراها ~~يواجهون صعوبة في التمييز الأساسي للكميات في تلك الدروس ~~التي كانت تقام بجوار ضوء المصباح، فقد رأيتهم يواجهون ~~القدر نفسه من الصعوبة في المهام المشابهة المستخدمة في ~~عمل جوردون، بصرف النظر عن نوع المحفزات المستخدمة. وقد ~~يكون الأهم من ذلك أنني كنت أعرف أن قرية «آه جي أوه ~~باي»، التي أجريت فيها دراسة المتابعة، كانت تختلف عن باقي ~~قرى البيراها الأخرى من ناحية مهمة. في الشهور التي سبقت ~~العمل التجريبي الذي أجري هناك، قدمت أمي كارن مادورا بعض ~~دروس الحساب لأهل القرية. وعلى العكس من المحاولات السابقة ~~الفاشلة في تدريس المفاهيم العددية الأساسية، فقد أحرزت بعض ~~التقدم حين لجأت إلى ابتكار كلمات جديدة من لغة البيراها ~~مثل # xohoisogio # التي تعني ~~«جميع أبناء اليد». وبدا أن بعض الأفراد في هذه القرية قد ~~تعلموا بعض المبادئ الأساسية لتمييز الكميات، وإن كان ذلك ~~يعود جزئيا إلى تلك الدروس على الأقل. # ولكي أتوصل إلى حل أفضل لهذه المشكلة؛ عدت إلى قرية ~~أخرى من قرى البيراها بعد ذلك بعدة أسابيع، ثم عدت مرة أخرى ~~في صيف عام 2010. وقد كانت ثمرة هذا البحث الذي أجريته مع ~~أمي، التي تتحدث لغة البيراها بإتقان شديد كأبي، هو سلسلة ~~من النتائج التي أيدت معظم ما توصلت إليه الدراستان ~~التجريبيتان السابقتان اللتان أجريتا على أفراد ~~البيراها. وقد قدمت هذه النتائج أيضا تأييدا قاطعا ~~لفرضية جوردون الأولية، وهي أن أهل البيراها غير المدربين، ~~والذين لا يستخدمون مفردات الأعداد ولا غيرها من رموز ~~الكميات، لا يستطيعون التمييز بين الكميات الأكبر من ثلاثة ms120 ~~على الدوام وبصورة منتظمة. وينطبق ذلك أيضا حتى على ~~الأفراد الذين لم يطلب منهم سوى أن يؤدوا أبسط مهام ~~المطابقة، وهي مطابقة خط بخط. # 8 # كررت دراستنا مهام المطابقة سابقة الذكر، باستخدام ~~وسائل ومحفزات مماثلة لما استخدمه فرانك وزملاؤه، وهي ~~بكرات من الخيط وبالونات من المطاط، وبعض المحفزات ~~الأخرى، مع الحصول على النتائج نفسها في دراسة المتابعة. غير ~~أننا حين اختبرنا أفراد البيراها في قرية أخرى غير «آه جي أوه ~~باي»، لم يكن المشاركون في الدراسة قد تعرضوا لتدريس ~~مفردات الأعداد في الشهور السابقة على عملنا التجريبي. وشارك ~~في هذا المشروع أربعة عشر فردا من البالغين (ثماني نساء ~~وستة رجال)، لكننا أجرينا بعض المهام مع الأطفال أيضا، ~~الذين كانوا متحمسين للاشتراك. في مهام المطابقة الثلاث ~~كانت إجابات أفراد البيراها تتضمن أخطاء حين يعرض عليهم ~~أربعة محفزات أو أكثر. وانخفضت نسبة الإجابات الصحيحة من ~~100 بالمائة، عند عرض 1 أو 2 أو 3 عناصر، إلى حوالي 50 بالمائة ~~عند عرض 5 عناصر، وانخفضت هذه النسبة تدريجيا مع الكميات ~~الكبيرة. وبالنسبة إلى الكمية 10، وهي أكبر كمية في الاختبار، ~~كانت الإجابات صحيحة في ربع الوقت فقط في مهام مطابقة خط ~~بخط ومهام المطابقة المتعامدة، وفي عشر الوقت فقط في مهام ~~مطابقة الخط المخفي. # والأمر ببساطة أن أفراد البيراها يواجهون صعوبة في ~~التمييز بين الكميات بدقة وتذكرها في السياقات التجريبية، ~~متى ما كانت الكمية محل الاختبار تتجاوز ثلاثة. والدراسات ~~التجريبية الثلاث كلها تؤيد هذا الاستنتاج، وتتسم نتائجها ~~في معظم المهام بدرجة كبيرة من الاتساق. إضافة إلى ذلك، ~~فإن الاختلاف ذا الصلة في نتائج فرانك وزملائه يمكن ~~تفسيره بسهولة. وحتى إذا تشكك المرء في التفسير المقترح ~~لهذا الاختلاف (وهو التدريب على الأعداد في قرية «آه جي أوه ~~باي»)، فسوف تبقى الحقيقة أن مجموعات النتائج الثلاث ~~جميعها، توضح أن أفراد البيراها يواجهون صعوبة في أداء ~~مهام تمييز الكميات، التي نعرف أن الشعوب العددية يؤدونها ~~بسهولة. والتفسير الأكثر وجاهة لبيانات البيراها هو أنه دون ~~تعلم مفردات الأعداد ms121 واستراتيجيات العد المتعلقة بها، ~~فإن الأفراد يفتقرون إلى القدرة على توحيد الحاستين ~~الفطريتين اللتين نتشارك فيهما جميعا، من أجل التمييز بين ~~الكميات؛ تبقى الحاستان العدديتان منفصلتين، وتصبح ~~مهارات الإدراك الكمي محدودة، مقارنة بالإدراك الكمي لدى ~~الشعوب العددية. ويبدو أن توحيد هاتين الحاستين يستلزم ~~أن يولد المرء في ثقافة عددية، ويستخدم مفردات ~~الأعداد. # 9 # إضافة إلى تكرار الدراسات السابقة بين أفراد البيراها، ~~قمنا بعد ذلك باختبار مهارات الإدراك الكمي لديهم بطرق ~~أخرى. فعلى سبيل المثال، طلبنا منهم في بعض المهام تكرار ~~سلسلة من الإشارات، أو سلسلة من الأصوات، كالتصفيق. وفي جميع ~~الحالات ظل أداؤهم يشير إلى أنهم يواجهون صعوبة في ~~التمييز بدقة بين الكميات؛ إذ يبدو أنهم يستخدمون الحاسة ~~العددية التقريبية عند التمييز بين الكميات، بصرف النظر عن ~~كيفية استقبالهم للمحفزات المعنية. # ومن سوء الحظ أن النتائج التي جمعها الباحثون من أفراد ~~البيراها، ما زالت تفسر على نحو غير صحيح في كثير من ~~الأحيان؛ فمن التفسيرات السطحية والخاطئة بشكل واضح، مثلما ~~أشرنا من قبل، هو أن أداء الأفراد يدل بطريقة ما على ~~وجود قصور في مهارات الإدراك على مستوى السكان، وهو تفسير ~~لا يمكن الدفاع عنه من منظور تجريبي. ومن التفسيرات الأخرى ~~التي يمكن دحضها بسهولة أن الأفراد لا يبذلون جهدا في ~~أداء مهام التجربة المعنية، أو يولون اهتمامهم لأشياء أخرى ~~خلال أداء المهام. ولا يتفق هذا التفسير مع الفحص الدقيق ~~للنتائج ؛ إذ إن المشاركين لا يخمنون الإجابة فحسب، بل ~~إننا نجد منهم إجابات تقريبية صحيحة بصورة منتظمة. فمن ~~الواضح أنهم يولون انتباههم إلى الكمية، لكن ذلك يكون ~~بشكل تقريبي. وأما التفسير الثالث، وهو الأكثر وجاهة وتؤيده ~~جميع النتائج التي حصلنا عليها من أفراد البيراها حتى الآن، ~~فهو أنهم جماعة لا عددية، يفتقرون إلى وجود اللغة العددية أو ~~غيرها من مظاهر الثقافة العددية، وهذا الافتقار إلى وجود ~~الأعداد هو الذي ينتج هذا التأثير الواضح في قدرتهم على ~~تمييز الكميات وتذكرها. وليست الدراسات التجريبية وحدها ~~هي التي تدعم هذا التفسير، بل تدعمه ms122 أيضا تقارير كثير من ~~الأجانب الذين تفاعلوا مع هذه الجماعة؛ فما من شيء في الثقافة ~~الأصلية لجماعة البيراها يشير إلى وجود العد الدقيق؛ ~~فالمباني التي يسكنون بها، والأدوات التي يصطادون بها، ~~وغيرها من الأدوات الصغيرة، لا تستلزم في إنتاجها تمييزا ~~دقيقا بين الكميات. # وبالرغم من ذلك، فمن المؤكد أن بعض مظاهر ثقافتهم ~~تتطلب التمييز بين الكميات الكبيرة بصورة منتظمة، أليس ~~كذلك؟ وفي ذلك الصدد يتضح لنا بعض من المفاهيم الخاطئة التي ~~صادفتها مرات عديدة في المحاضرات وغيرها من السياقات، ففي ~~الفقرة التالية التي قدمها أحد المعلقين على الإنترنت ~~على مقالة نشرت في مجلة «سليت» بشأن نتائج هذه الدراسة ~~التجريبية: «إذا كان ثمة سيدة في هذه الجماعة، ولديها ~~سبعة أطفال أو حتى خمسة، فكيف ستربيهم وتهتم بهم إذا كانت ~~غير قادرة على استخدام الحساب لمعرفة أعمارهم النسبية؟ هل ~~يمكن للأم أصلا أن تتذكر أن لديها أكثر من طفلين ~~أو ثلاثة؟ وإذا كانت تستطيع أن تتذكر فلا بد أنها تستطيع ~~العد في سياقات أخرى أيضا.» # والواقع أن مثل هذه التعليقات تعكس مفهومين أساسيين ~~من المفاهيم الخاطئة بشأن التجربة البشرية في الفراغ العددي؛ ~~أولهما هو أن تتبع العمر بشكل تقريبي لا يتطلب استخدام ~~مفاهيم عددية؛ فيمكنني أن أكون واثقا من أن أحد أقاربي ~~أكبر من الآخر؛ لأن القريب الأول كان حيا بالفعل حين ~~ولد القريب الثاني. وإذا كان لدي ثلاثة أقارب آخرون أو ~~أكثر ، فيمكنني أن أعرف أيهم الأكبر باستخدام بعض القياسات ~~المنطقية البسيطة، أو من خلال إجراء مقارنة مباشرة بين أي ~~اثنين من أقاربي؛ ومن ثم فإذا كان لأم أربعة أطفال، ~~فإنها سوف تعرف أيهم كان حيا قبل الآخرين جميعا، ~~وأيهم ولد بعد أن كان الآخرون جميعا أحياء بالفعل؛ ففهم ~~مثل هذه المفاهيم لا يستلزم الإشارة إلى الكميات. إن ~~فهم الأعمار المطلقة، مثل عدد الرحلات التي قد قام بها أحد ~~الأشخاص حول الشمس (راجع الفصل الأول)، يستلزم بالفعل التمييز ~~بين الكميات، لكن ذلك مفهوم مختلف عن مفهوم الأعمار ~~النسبية، غير أنه قد ms123 يبدو من الصعب على العديد من الأفراد أن ~~يفهموا هذا الاختلاف، والأرجح أن ذلك بسبب ترسخ جذورهم في ~~ثقافات يرتبط فيها العمر مع الأعداد بشكل معقد منذ سن ~~مبكرة. # 10 # وأما النقطة الأخرى التي تتضح في تعليق القارئ، فهي تعكس ~~بعض الحصافة، وإن كان ذلك سطحيا على الأقل؛ كيف يمكن ~~لأم ألا تتذكر عدد أطفالها؟ لا شك بأن جميع الأمهات ~~يتذكرن جميع أطفالهن طوال الوقت، أليس كذلك؟ بالطبع بلى، ~~لكن ذلك لا يتعلق في الواقع بالعد وتمييز الكميات. فلنقل ~~مثلا إنك تنحدر من عائلة كبيرة، وتذهب إلى بيتك في العطلات ~~لتزور إخوتك الأربعة: كوري وأنجلا وجسيكا ومات. بالرغم من ~~ذلك، تلغى رحلة كوري ولا يتمكن من الوصول في الموعد ~~المحدد للعشاء العائلي. فإن لم تخطر بالإلغاء قبل العشاء ~~وجلست لتناوله، فسوف تتساءل على الفور: «أين كوري؟» أعتقد ~~أنك لن تنظر حولك متسائلا بتعجب: «إنني أرى ثلاثة إخوة ~~هنا، لكنني أعرف أن لدي أربعة!» ما أعنيه أنك لا تحتاج ~~إلى أي معرفة بالتمييز الدقيق للكميات لكي تدرك غياب أحد ~~أحبتك. إننا نفكر في أعضاء أسرنا بصفتهم أفرادا، لا ~~أشياء عديمة الوجوه يمكن عدها. «نستطيع» بالطبع أن نعد ~~أعضاء أسرتنا، لكننا لا «نحتاج» إلى ذلك لكي ندرك حضورهم أو ~~غيابهم. والأمر نفسه ينطبق على البيراها؛ فما من دليل يشير ~~إلى أن هؤلاء الأشخاص يحتاجون إلى التمييز بين الكميات لكي ~~يتذكروا الغائبين أو لأداء أي مهمة أخرى في ثقافتهم. فإذا ~~كانت تلك هي الحالة فلا شك في أنهم كانوا سيستخدمون مفردات ~~الأعداد لتيسير ذلك التمييز، لكن البيراها يتذكرون أطفالهم ~~بصفتهم أفرادا، لا أعدادا. # إن الأسئلة المتعلقة بالأفراد الذين لا يستخدمون الأعداد ~~غالبا ما تنبئنا بشيء عمن يسألونها من الأشخاص الذين ~~ينتمون إلى ثقافات عددية. إننا منخرطون جدا في عالم ~~الأعداد، حتى إنه قد صار من الصعب علينا أن نتخيل الحياة ~~بدونها؛ فحيواتنا الإدراكية والمادية لا يمكن أن تنفصل عن ~~الأعداد التي طورناها، والتي نفرضها على أنفسنا في سن ~~مبكرة للغاية. إن النتائج التي ms124 تجمع من جماعة البيراها، قد ~~تستغل في إظهار غرابة هذه الجماعة من السكان الأصليين، وذلك ~~يحدث في بعض الأحيان، وتؤدي إلى التعامل معهم باعتبارهم ~~نسخة معاصرة من بشر العصر الحجري القديم. ومثل هذا التغريب ~~يضيع الكشف الحقيقي الذي تقدمه مثل هذه الأبحاث. ولا ~~يقتصر هذا الكشف على جماعة البيراها فحسب، بل يمتد ~~ليشملنا جميعا؛ فالبشر يحتاجون إلى اللغة العددية والثقافة ~~كي يتمكنوا من تمييز معظم الكميات المحددة بدقة ~~وتذكرها. إن المهارات الإدراكية المتعلقة بالكميات، ~~التي تبدو من المهارات الأساسية، ليست مجرد منتج ثانوي ~~لبعض الآليات الفطرية أو العمليات التي تحدث بصورة طبيعية ~~تلقائية، بل إن بعضها لا يكتسب إلا من خلال الثقافة ~~واللغة. # ومن حسن الحظ أن هذا الاستنتاج لا يتوقف كليا ولا ~~حتى مبدئيا على النتائج التي حصلنا عليها من أهل ~~البيراها؛ فالأعمال المعنية بتطور الإدراك العددي لدى ~~الأطفال في المجتمعات الصناعية الكبيرة، قد توصلت إلى ~~الاستنتاج نفسه، وهو ما سنراه في الفصل السادس، إضافة إلى ~~الأبحاث التي أجريت بين مجموعة أخرى مذهلة من سكان ~~الأمازون، وهي جماعة الموندوروكو التي سبق ذكرها. وثقافة ~~الموندروكو من الثقافات الأصلية الكبيرة؛ فبينما يبلغ عدد ~~أفراد البيراها 700 فرد تقريبا، نجد ما يربو على 11 ألف ~~فرد من الموندوروكو. وهم يقيمون على أرضهم الكبيرة على بعد ~~600 كيلو متر من أقصى جزء باتجاه الشرق من أرض البيراها. وهم ~~يشتركون مع البيراها في بعض السمات، بالرغم من اختلاف نمطي ~~حياتهم؛ فمن الناحية التاريخية تشترك الثقافتان في سمعتهما ~~المخيفة في الدفاع عن أراضيهم الأصلية عند وصول الأوروبيين. ~~وقد استحقت هذه السمعة أيضا جماعة أخرى تعرف باسم ~~المورا، التي كانت البيراها مجموعة صغيرة تنتسب لها. ومثلما ~~ذكرنا سابقا، فإن جماعة الموندوروكو يتشاركون في تلك ~~السمعة، التي سادت لفترة طويلة، بأنهم يواجهون صعوبة مع ~~المفاهيم العددية. # بالرغم من ذلك، على العكس من البيراها، فثقافة الموندوروكو ~~ليست لا عددية تماما؛ إذ إنهم يستخدمون بعض مفردات الأعداد ~~التي تشير إلى مجموعات تتكون من عنصر واحد أو 2 أو 3 ms125 أو 4 ~~من العناصر. غير أن الفحص الدقيق يوضح أن هذه الأعداد ~~ليست دقيقة كمفردات الأعداد في معظم اللغات؛ فهي تقع في ~~المنتصف بين مفردات الأعداد الإنجليزية مثل # one # وبين مفردات البيراها ~~مثل # hói # وكذلك # hoí ~~. وقد أكدت التجارب ~~هذا الافتقار إلى الدقة؛ فحين كان يطلب من متحدثي ~~الموندوروكو ذكر مفردة عددية تعبر عن مجموعة النقاط ~~الموزعة عشوائيا على شاشة الكمبيوتر المحمول، أجابوا ~~بالكلمة # pug # فيما يقرب من ~~100 بالمائة من الحالات التي عرضت عليهم فيها نقطة واحدة، ~~واستخدموا الكلمة # xep # في 100 ~~بالمائة من الحالات التي عرض عليهم فيها نقطتان. من الواضح ~~إذن أن لغتهم تستخدم كلمات تشير إلى العدد «واحد» ~~والعدد «اثنين»، وهي عادة ما تستخدم كلمات تعبر عن ~~المجموعات التي تتكون من ثلاثة عناصر أو أربعة على التوالي، ~~لكن هذه المصطلحات لا تشير إلى ثلاثة عناصر أو أربعة في ~~جميع الحالات. ويوضح هذا أنها مصطلحات عددية غير دقيقة ~~تتشابه في نوعها مع مصطلحات البيراها. وبالنسبة إلى ~~الكميات الأكبر من أربعة، فهم يستخدمون كلمات تقريبية ~~أخرى، وأفضل ترجمة لها هي «بعض» «والكثير». إضافة إلى ذلك، ~~فمن الواضح أن مفردات الأعداد التي توجد في اللغة، لا ~~تستخدم في كثير من الأحيان؛ لذا فالإشارات العددية ليست ~~منتشرة. (على العكس من ذلك، فبعض اللغات في أستراليا وغيرها، ~~لا تمتلك إلا مجموعة محدودة من مفردات الأعداد، لكنها ~~تستخدم الإشارات إلى مفاهيم كالمفرد والمثنى والجمع، في ~~كثير من الأحيان.) # 11 # لقد قام بيير بيكا، وهو عالم لغويات فرنسي يجري بعض ~~الأعمال التجريبية في الأمازون، بدراسة الإدراك العددي الأساسي ~~لدى جماعة الموندوروكو، وذلك مع فريق من علماء النفس ~~المرموقين. وقد وضح هو والفريق أن متحدثي هذه اللغة ~~يعتمدون على حاستهم العددية التقريبية في أداء المهام ~~الرياضية التي تتضمن كميات أكبر من ثلاثة، مثلهم في ذلك ~~مثل أفراد البيراها. في إحدى الدراسات أجرى بيكا ورفقته أربع ~~مهام رياضية أساسية، على خمسة وخمسين من أفراد الموندوروكو ~~البالغين، وعشرة أفراد من متحدثي الفرنسية يمثلون ~~المجموعة الضابطة. وقد ms126 كانت اثنتان من هذه المهام لهما طبيعة ~~تقريبية، وكان يطلب من المشاركين فيهما أن يحددوا بسرعة ~~أي مجموعتي النقاط اللتين تظهران على شاشة الكمبيوتر ~~تتضمن أكثر النقاط. وقد كان أداء الموندوروكو وأداء ~~الفرنسيين متماثلا في مثل هذه المهام؛ إذ إنها لا تستلزم ~~سوى التقريب لا التمييز الدقيق بين الكميات. بالرغم من ذلك، ~~ففي المهمتين الأخريين طلب من المشاركين توضيح التمثيل ~~الدقيق للكميات، وقد تضمنت كلتا المهمتين الطرح من ~~النقاط؛ فقد شاهد المشاركون النقاط وهي «توضع» في علبة ~~تظهر على شاشة الكمبيوتر، وقد تابعوا المشاهدة بينما تتم ~~«إزالة» عدد من النقاط من العلبة. وقد طلب منهم في واحدة ~~من هاتين المهمتين أن يذكروا اسم الكمية المتبقية في ~~العلبة، وفي المهمة الأخرى طلب منهم أن يختاروا من بين ~~مجموعة من الصور العلبة التي تحتوي بداخلها على العدد الصحيح ~~المتبقي من النقاط؛ فعلى سبيل المثال إذا شاهدوا خمس نقاط ~~تدخل العلبة، وأربعة تخرج منها، فقد كانوا يرون بعدها ~~بشكل متزامن ثلاث علب «للاختيار»؛ من بينها: علبة تحتوي ~~على صفر من النقاط، وعلبة تحتوي على نقطة واحدة، وعلبة تحتوي ~~على نقطتين. والإجابة الصحيحة في هذه الحالة بالطبع هي العلبة ~~التي تحتوي على نقطة واحدة. # في المهام التي تستلزم تمييز الكميات بدقة كانت إجابات ~~الموندوروكو شبيهة للغاية بإجابات البيراها؛ فقد كان الاختلاف ~~واضحا بين النتائج التي حصل عليها الباحثون من الموندوروكو، ~~والنتائج التي حصلوا عليها من المجموعة الضابطة المتمثلة ~~في متحدثي الفرنسية؛ ففي حالة أفراد الموندوروكو، بالغين ~~وأطفالا، كان أداؤهم مثاليا تقريبا حين كان العدد ~~الأولي للنقاط التي توضع في العلبة أقل من أربعة، أما ~~حين أصبح العدد الأولي أربعة أو أكثر، فقد انخفض مستوى الأداء ~~انخفاضا ملحوظا؛ فقد «ظل أفراد الموندوروكو يستخدمون ~~التمثيلات التقريبية، في مهمة حلتها المجموعة الضابطة من ~~الفرنسيين بسهولة من خلال إجراء حسابات دقيقة.» # 12 # بالرغم من أن بعض الأبحاث الأخرى قد درست الإدراك العددي ~~لدى أفراد من المجموعات الأصلية غير المترابطة، التي ~~تستخدم أنظمة عددية محدودة، فإن النتائج التي حصلنا ms127 ~~عليها من البيراها والموندوروكو ترتبط ارتباطا كبيرا ~~بفهمنا للقدرة التحويلية للأعداد بصفتها أدوات مفاهيمية؛ ~~إذ إن هذه الجماعات تفتقر في العادة إلى وجود مصطلحات ~~عددية محددة ووجود عدد نحوي. (تقترح الأبحاث الحديثة أن ~~العدد النحوي يفيد أيضا في اكتساب المفاهيم ~~العددية.) # 13 # وليس من الغريب أن هؤلاء الأفراد يفتقرون ~~إلى وجود عادات العد وطرقه، التي يبدو أنها مهمة للغاية ~~في تطور المفاهيم العددية المحددة في عقول الأطفال في ~~المجتمعات العددية. (انظر الفصل السادس.) إن النتائج التي ~~حصل عليها الباحثون من هاتين المجموعتين اللتين تعيشان في ~~الأمازون متشابهة للغاية، مما يشير إلى نتيجة واضحة؛ وهي ~~أن البشر الذين يعيشون في ثقافات تفتقر إلى وجود أنظمة ~~عددية دقيقة يواجهون صعوبة في التمييز الدقيق بين الكميات ~~الأكبر من ثلاثة. وهذا الاستنتاج يسهم في زيادة فهمنا لما ~~كان للأعداد من تأثيرات على نوعنا؛ ففي نهاية المطاف لا ~~تعكس هذه النتائج شيئا عن هاتين المجموعتين فحسب، لكن ~~الأهم أنها توضح كيفية عمل الإدراك الرياضي الأساسي في غياب ~~الدعم المفاهيمي الذي تقدمه مصطلحات الأعداد وغيرها من ~~الرموز المرتبطة بها؛ فالأصحاء البالغون الذين يفتقرون إلى ~~وجود مثل هذه الأدوات الرمزية يعتمدون على التقدير التقريبي ~~عند التعامل مع الكميات الأكبر من ثلاثة. إن التمثيلات ~~الدقيقة لكميات مثل 5 و6 و7 ليست متأصلة في عقولنا ~~بطريقة ما، بل تكتسب عادة من خلال الثقافة. إنها ظاهرة ~~تعتمد على اللغة؛ فنحن لا نستطيع التمييز بين مثل هذه ~~الكميات بدقة على الدوام إلا أن نندمج في مصفوفة من الرموز ~~المتوارثة ثقافيا، مثل مفردات الأعداد. # في كتابه «الحاسة العددية» يقدم عالم النفس الشهير ~~ستانيسلاس ديهان (أحد أعضاء فريق بيكا) التفسير التالي ~~لنتائج تمييز الكميات التي جمعت من الموندوروكو: «إن ~~تجاربنا تدافع بقوة عن عالمية الحاسة العددية ووجودها في ~~أي ثقافة بشرية، مهما كانت درجة انعزالها أو حرمانها من ~~التعليم؛ فما توضحه أن الحساب سلم، جميعنا يبدأ من ~~الدرجة نفسها، لكننا لا نرتقي جميعا إلى المستوى ~~نفسه.» # 14 # إن ديهان على صواب بالطبع في ms128 أن نتائج الموندوروكو ~~والبيراها تؤيد الطبيعة العالمية لحاستنا العددية الفطرية، ~~أو حاستينا العدديتين على وجه التحديد؛ فبالرغم من كل ~~شيء، تستطيع كلتا الجماعتين التمييز بين 1 و2 و3 بصورة ~~متسقة؛ وذلك من خلال الحاسة العددية الدقيقة (نظام ~~التفرد المتوازي الفطري). وكلتا المجموعتين تعمدان إلى ~~حساب الكميات الكبيرة بصورة تقديرية، باستخدام الحاسة ~~العددية التقريبية. بالرغم من ذلك، فربما يكون الأمر الأهم ~~بشأن هذه الدراسات وثيقة الصلة، هي أنها تقترح أن ارتقاء ~~أي من درجات السلم يستلزم وجود الأعداد. إن الارتفاع ~~الذي نبلغه في ارتقاء هذا السلم ليس نتيجة لذكائنا ~~الفطري، بل نتيجة اللغة التي نتحدث بها والثقافة التي ~~ولدنا فيها؛ فإذا كان أحدنا يتحدث لغة لا عددية، فلن ~~تكون لديه سوى فرصة ضئيلة في الارتقاء، ومن المحتمل ألا ~~يكون لديه سوى سبب ضئيل يدفعه إلى الارتقاء أيضا؛ فاللغة ~~العددية وما يرتبط بها من ممارسات عددية، تتيح وجود ما يبدو ~~لنا على أنه أنواع أساسية من التفكير الكمي. # لا يزال علينا إجراء الكثير من الأبحاث قبل أن نحيط بفهم ~~كامل للدور الذي أدته اللغة العددية وغيرها من مظاهر ~~الثقافة العددية، في تشكيل الإدراك الرياضي لدى الغالبية ~~العظمى من البشر الذين يعيشون اليوم. وهذا الاستكشاف لن ~~يوضح لنا دور الأعداد في توحيد حاستينا العدديتين ~~الأساسيتين فحسب، بل سيفسر لنا أيضا جوانب أخرى من ~~التفكير الكمي؛ فعلى سبيل المثال، بدأ العمل البحثي الذي ~~أجري على ثقافة الموندوروكو في استكشاف كيفية تأثير الأعداد ~~في قدرة البشر على تنصيف الكميات، ويقترح ذلك البحث أن ~~أفراد الموندوروكو يستطيعون تنصيف الكميات بشكل تقريبي ، حتى ~~وإن لم يكونوا قد تعرضوا لتلك الكميات من قبل. # 15 # ومن المسائل الأخرى التي أجريت الأبحاث عليها حديثا في ~~ثقافة الموندروركو، هي مدى استخدام الأشخاص للمفاهيم المكانية ~~أثناء التفكير الكمي. ومثلما ذكرت في الفصل الأول، فإن ~~البشر كثيرا ما يستخدمون المجال المادي للمكان لفهم بعض ~~النطاقات الإدراكية الأكثر تجريدا. وقد أشرت في هذا الفصل ~~إلى أن الغالبية العظمى من الثقافات تستخدم المكان من أجل ms129 ~~فهم الزمن. وبالمثل فإن البشر كثيرا ما يفسرون ~~الكميات بمصطلحات مكانية، ويستخدم نقل الكميات إلى المكان ~~في مدارسنا بالطبع، التي يتعلم فيها طلابنا استخدام خطوط ~~الأعداد والمستوى الديكارتي، غير أننا نجد استخداما أقل ~~منهجية للمكان يظهر في العديد من الثقافات الأخرى. إضافة ~~إلى ذلك، تقترح بعض الأبحاث أن الأطفال الصغار والرضع ~~يعرفون جيدا كيف يتصورون الأعداد في المكان قبل أن يبدءوا ~~التعلم في المدرسة. # 16 # ولكي نتمكن من تحقيق فهم أفضل للتعيين الإدراكي ~~للكميات في المكان؛ أجرى ديهان وزملاؤه التجربة التالية على ~~أفراد الموندوروكو. عرض على المشاركين دائرتان يفصل بينهما ~~خط أفقي. على الدائرة اليسرى توجد نقطة سوداء، وعلى ~~الدائرة اليمنى توجد عشر نقاط سوداء، ثم عرض على ~~المشاركين مجموعة منفصلة من النقاط، تتكون من ست نقاط ~~على سبيل المثال، وطلب منهم وضع هذه الكمية من النقاط على ~~الخط الأفقي. والآن، إذا كان الموندوروكو لا يفهمون الكميات ~~من خلال المكان، فقد تكون إجاباتهم عشوائية، وعلى النقيض من ~~ذلك، فالأمريكيون يضعون الكميات عادة على مسافات متساوية ~~على خط «الأعداد» الأفقي؛ فهم على سبيل المثال يضعون تسع ~~نقاط بالقرب من الدائرة التي تحتوي على عشر نقاط، ونقطتين ~~بالقرب من الدائرة التي تحتوي على نقطة واحدة. وقد قام ~~الموندوروكو أيضا بوضع النقاط بطريقة منتظمة، لكن طريقتهم ~~في توزيعها على خط الأعداد لم تكن منظمة للغاية؛ فبدلا من ~~هذه الطريقة الخطية، التي يبدو أنها تدرس في المدرسة، ~~استخدم الموندوروكو ما يعرف باسم الاستراتيجية اللوغاريتمية ~~في أداء هذه المهمة؛ لقد كانت الكميات الصغيرة هي الأكثر ~~نزوحا بمحاذاة البعد الأفقي مقارنة بالكميات الكبيرة . ~~وضعت ثلاث نقاط بالقرب نسبيا من منتصف الخط، ووضعت ~~تسع نقاط على ضعف المسافة تقريبا (مقارنة بالنقاط الثلاث) ~~من الدائرة اليسرى. في الشكل الخطي الذي يألفه معظمنا، ~~نتوقع أن النقاط التسع ستوضع على بعد ثلاثة أضعاف ~~المسافة من الدائرة اليسرى، مقارنة بالنقاط الثلاث. أما في ~~الشكل اللوغاريتمي فيجب وضع النقاط التسع على بعد ضعف ~~المسافة من الثلاث نقاط؛ إذ إن ~~3 # 2 ~~= 9. ونظرا ms130 لأن ~~الموندروركو ثقافة لا عددية بشكل كبير؛ فإن طريقتهم في ~~تحديد موضع النقاط قد أوحت للبعض بأن جميع البشر، بصرف ~~النظر عن ثقافتهم ولغتهم، يستخدمون المكان لفهم الكميات. فمن ~~الواضح أن الأشخاص البالغين الذين ينتمون إلى ثقافات لا ~~عددية، يستخدمون خط «أعداد» ذهنيا، لكن هذا الخط الذهني ~~مؤسس على الطريقة اللوغاريتمية. # 17 # لكن يبدو لنا الآن أن الأمر قد لا يكون كذلك في جميع ~~الجماعات السكانية التي لم تتلق التعليم المدرسي؛ إذ تشير ~~نتائج حديثة جمعت من إحدى الجماعات الأصلية في الجانب الآخر ~~من العالم إلى أن خط الأعداد البشري قد لا يكون عالميا ~~على أي حال؛ فقد قام فريق من علماء الإدراك بقيادة رفاييل ~~نونييث من جامعة كاليفورنيا في سان دييجو بإعادة تجارب خطوط ~~الأعداد الذهنية على جماعة اليوبنو التي تعيش في سلسلة جبلية ~~بعيدة في بابوا نيو غينيا. وبالرغم من أن أفراد اليوبنو ~~يستخدمون مفردات الأعداد، فإنهم لا يقيسون المكان ولا ~~الزمان بطرق دقيقة. وقد ثبت أنهم لا يربطون ذهنيا بين ~~الكميات والمكان، بطريقة يمكن التنبؤ بها. وعلى العكس من ~~معظم أفراد الموندوروكو، لم يظهروا أي استعداد لوضع ~~الكميات على خط أعداد ذهني، سواء أكان لوغارتميا أم لا. ~~وبدلا من ذلك، حين طلب منهم وضع كميات محددة من النقاط ~~وغيرها من المحفزات على خط ما، كانوا يختارون النقاط ~~الطرفية من الخط على الدوام. ويشير هذا العجز عن تقسيم ~~الخط، وفقا للكميات، إلى أن التفكير في الكميات من الناحية ~~المكانية لا يحدث لدى جميع البشر، وإنما يدرك بعض الأشخاص ~~الكميات بطرق مختلفة، تستند - ولو جزئيا على الأقل - إلى ~~الأدوات المفاهيمية التي اكتسبوها من ثقافتهم ~~الأصلية. # 18 # من الواضح إذن أنه لا يزال علينا أن نتعلم القدر الكبير ~~بشأن الكيفية التي تشكل بها اللغة العددية وغيرها من أجزاء ~~الثقافة العددية إدراك البشر للكميات؛ فلا يزال من غير ~~المؤكد لدينا، على سبيل المثال، مدى اختلاف الثقافات في ~~نزعتها إلى استخدام خطوط الأعداد الذهنية. بالرغم من ذلك، ~~فثمة أمر واحد اتضح لنا ms131 من مناقشتنا في هذا الفصل، وهو ~~أن أعضاء الثقافات الأصلية المختلفة، الذين يعيشون في ~~الأدغال البعيدة ويتحدثون لغات لا يرتبط بعضها ببعض، ~~يسهمون في إعادة تشكيل فهمنا عن التفكير الرياضي؛ فقد ~~أوضحت الدراسات التي أجريت على هذه الجماعات السكانية ~~أن الأعداد والعد أمران أساسيان في مهارات الإدراك ~~الكمي، حتى ما يبدو متواضعا منها. وقد أوضحت الدراسات ~~أنه بالرغم من أن جميع البشر يولدون بقدرات رياضية ~~مؤكدة وأساسية للغاية، فوحدهم الأفراد الذين ينتمون إلى ~~ثقافات عددية هم الذين يستطيعون ارتقاء السلم ~~الحسابي. # بلا أصوات ولا أعداد # ليست جماعة الموندوروكو وجماعة البيراها هما الجماعتين ~~الوحيدتين اللتين تستخدمان أساليب التواصل اللاعددي ~~بصورة مطلقة، أو تستخدمانها بصفة أساسية؛ فثمة جماعة أخرى ~~من البشر تفتقر إلى وجود اللغة العددية، وهي أيضا تلقي بعض ~~الضوء على مدى تأثير الأعداد في التفكير الرياضي الأساسي. ~~وهؤلاء الأفراد الذين نتحدث عنهم هم مجموعة من الصم ~~الذين يعيشون في نيكاراجاوا، ولمجموعة من الأسباب، لم تسنح ~~لهم الفرصة من قبل في تعلم لغة الإشارة. بالرغم من ذلك ~~فهم، كغيرهم من الصم الذين لا يعرفون لغة الإشارة في ~~أجزاء أخرى من العالم، يستخدمون إشارات الأيدي المبتكرة ~~للتحدث مع من حولهم؛ لا سيما أفراد الأسرة الذين يشاركون في ~~تعلم هذه الإشارات المبتكرة واختراعها. إن هؤلاء الصم ~~هم شاهد حي على قوة احتياج البشر إلى التواصل؛ ففي الحالات ~~التي يفتقر فيها الأطفال إلى حاسة السمع، والتعرض للغة ~~مكتملة التكوين؛ لا تزال تظهر لدينا وسيلة واضحة من ~~وسائل التواصل؛ غير أن هذه الوسيلة للتواصل، على الأقل في ~~حالة صم نيكاراجاوا، تفتقر إلى مفردات الأعداد. # في دراسة مذهلة، أجرى علماء النفس مجموعة من التجارب ~~المتعلقة بقدرات الإدراك العددي لدى أربعة من الصم ~~البالغين الذين لا يعرفون لغة الإشارة في نيكاراجاوا. لا ~~يمتلك هؤلاء البالغون أي معرفة بالأعداد، لكنهم على العكس ~~من الموندوروكو والبيراها ينتمون إلى ثقافة عددية؛ فهم ~~يدركون أهمية الاختلافات بين الكميات. فعلى سبيل المثال ~~يمكن لهؤلاء الصم أن يدركوا القيمة التقريبية للأوراق ~~النقدية، ويستطيعون ms132 التمييز بين الأوراق ذات الفئة الصغيرة ~~والأوراق ذات الفئة الكبيرة. وبالرغم من هذا الوعي، وبالرغم من ~~وعيهم بوجود كميات محددة أكبر من ثلاثة؛ فهم لا يمتلكون ~~وسيلتهم الخاصة للإشارة إلى مثل هذه الكميات بطرق محددة. ~~إنهم لا يمتلكون الأعداد. # وقد اختبر الباحثون ~~مدى تأثير عدم وجود الأعداد على هذه الجماعة النيكاراجاوية، ~~التي تشبه البيراها والموندوروكو في أنه لا يظهر لديها ~~أي عيوب إدراكية خلقية. وتلقي الدراسة مزيدا من الضوء ~~على القدرات الرياضية لدى الأصحاء البالغين الذين لا ~~يعرفون الأعداد، لكنها تختبر ذلك على مجموعة من الأفراد ~~الذين أدركوا على مدار حياتهم وجود الأعداد. إن هذه الأعداد ~~ببساطة لم تتغلغل في حيواتهم الإدراكية من خلال اكتساب مفردات ~~الأعداد وطرق العد؛ فبالرغم من أن هؤلاء الصم يستخدمون ~~الإيماءات للتواصل بشأن الكميات، فهم يفعلون ذلك بطريقة غير ~~محددة حين يتعلق الأمر بالكميات الكبيرة. # بعد إجراء مجموعة من التجارب، ومنها أحد مهام المطابقة ~~الأساسية، والمتمثلة في مطابقة خط بخط، التي كانت قد ~~أجريت لمرات عديدة بين أفراد البيراها؛ توصل الباحثون ~~إلى نتيجة شبيهة للغاية، وهي أن الصم الذين لا يعرفون لغة ~~الإشارة «لا يستطيعون مطابقة عدد العناصر في مجموعة ثانية ~~بعدد العناصر في المجموعة الهدف، إذا كانت المجموعتان تضمان ~~أكثر من ثلاثة عناصر.» # 19 # وكأفراد الموندوروكو والبيراها، يجد هؤلاء ~~الأفراد البالغون صعوبة في تمييز كمية عناصر المجموعة بدقة ~~وإعادة إنتاجها، حين تتجاوز الكمية ثلاثة. فعلى سبيل المثال ~~شاهد الصم الذين لا يعرفون لغة الإشارة بطاقات عليها صور ~~لعدد محدد من العناصر، ثم طلب منهم أن يمثلوا عدد ~~العناصر الموجودة على البطاقة باستخدام أصابعهم. وحين كان عدد ~~العناصر المصورة على البطاقات واحدا أو اثنين أو ثلاثة، ~~كانوا يمثلون العدد الصحيح بأصابعهم في جميع المحاولات. أما ~~في الكميات الكبيرة فقد انخفضت نسبة إجاباتهم الصحيحة، وازداد ~~مقدار أخطائهم وفقا لزيادة كمية العناصر. وعلى العكس من ~~ذلك، فالذين يتحدثون لغة الإشارة الرسمية من الصم ~~النيكاراجاويين، الذين يعرفون مفردات الأعداد، لم يخطئوا، ~~وكذلك أهل نيكاراجاوا من غير الصم، الذين ms133 يعرفون مفردات ~~الأعداد بالإسبانية. وموجز القول أن النتائج التي حصل عليها ~~الباحثون من النيكاراجاويين تقترب من استنتاج قد أصبح الآن ~~مألوفا، وهو أن البشر يحتاجون إلى استخدام مفردات الأعداد ~~لكي يتمكنوا من أن يميزوا بين الكميات الأكبر من ثلاثة ~~بدقة واتساق. # خاتمة # إذا كانت للأعداد هذه الفائدة الكبيرة من الناحية ~~الإدراكية، فلماذا اختارت بعض الجماعات أن تتخلى عنها أو ~~فشلت في استخدامها؟ يمكننا أن نعمد إلى تقديم إجابات ~~مسكنة عن هذا السؤال، فيمكننا أن نقول مثلا: إن «هؤلاء ~~البشر أفضل حالا دون استخدام الأعداد.» لكن ثمة احتمالا ~~كبيرا بأن هذه الإجابات تتسم بالنزعة الأبوية أو تضع ~~النسبية الثقافية في غير محلها. والأرجح أن الإجابة ~~الحقيقية عن هذا السؤال قد ضاعت فيما لم يكتب من تواريخ ~~الثقافات المعنية، وذلك في حالة الموندوروكو والبيراها على ~~الأقل. من المؤكد أن هذه الجماعات كانت ستستفيد من المزايا ~~التي يوفرها استخدام هذه الأدوات المعرفية العجيبة، غير أنه ~~من المؤكد أيضا أن هذه الجماعات قد تمكنت من البقاء على ~~مدار فترة طويلة، ونجحت في البيئات التي تعيش بها دون ~~مساعدة الأعداد. # 20 # على ضوء فائدة الأعداد وانتشارها في معظم لغات العالم؛ فإن ~~وجود الجماعات اللاعددية هو أمر صادم بطريقة ما، غير أن ~~المخزون العالمي من اللغات يقدم لنا، على نحو لا بد منه، ~~استثناءات لتوقعاتنا بأن بعض السمات اللغوية يجب أن ~~تكون عالمية. إن الثقافات واللغات يختلف بعضها عن بعض ~~اختلافا جذريا. وإذا سلمنا بهذه الحقيقة، فلن نندهش ~~بالقدر نفسه عندما نعرف أن بعض البشر يعيشون في عوالم ~~بلا مفردات للأعداد، أو أرقام أو إشارات عددية متفق ~~عليها، أو غيرها من الإشارات التي تعبر عن كميات محددة. ~~وقد أشرت ضمنيا في هذا الفصل إلى أن ذلك أمر مفيد في ~~سياق مسعانا الحالي لفهم الكيفية التي غيرت بها ~~الأعداد خبرتنا البشرية؛ فهذه الجماعات من البالغين ~~الأصحاء الذين ينتمون إلى ثقافات لا عددية، توفر لنا ~~نافذة ثمينة على طبيعة التفكير الكمي لدى البشر. وهي ~~تقدم لنا دليلا واضحا ms134 على أنه بدون الأعداد لا نستطيع أن ~~ننمي قدراتنا الفطرية لكي نفهم جميع الكميات بشكل ~~كامل. # الفصل السادس # | الكميات في عقول الأطفال الصغار # بالرغم من أننا نتتبع عمرنا ووجودنا إلى اللحظة التي طردنا ~~فيها من أرحام أمهاتنا، فذلك لأن هذه الطريقة ملائمة لنا بدرجة ~~كبيرة، أما الواقع فهو أننا ننفصل عن مرحلة اللاوعي، وتدب ~~فينا الحياة تدريجيا ونحن في الرحم. وهذا الانفصال مقيد ~~بطبيعة الحدود المحيطة بنا التي تمنع معظم المحفزات من ~~التأثير على حيواتنا العقلية. لكن الرحم لا يستطيع أن يمنع ~~جميع المحفزات من الوصول إلينا، وفيه نبدأ التواصل مع ~~المحفزات المادية الخارجية التي يكون لها تأثير عميق على ~~حيواتنا المعرفية والسلوكية بداية من ذلك الوقت فصاعدا، وهي ~~أصابعنا. إنها محفزات أساسية من الناحية التجريبية؛ فهي تتلمس ~~طريقها إلى خبرتنا الحسية، وحتى أفواهنا، قبل أن نعي ~~بالروائح والمناظر والأصوات (مع القليل من الاستثناءات). في المرة ~~الأولى التي رأيت فيها وجه ابني، كان ذلك على جهاز التصوير ~~بالأشعة فوق الصوتية ثلاثي الأبعاد، قبل ولادته بشهرين، وكانت ~~أصابعه تطفو في المساحة الموجودة بجوار خديه، وقد بدا ذلك ~~تأكيدا راسخا لوجوده الجديد. قبل أن يرى الضوء الحقيقي، كان ~~«يرى» الأصابع حوله وهي تلمس هذه الأجزاء المتفردة من جسمه، ~~ويبدو أنه يشعر بها واحدة بعد الأخرى، وينطبق الأمر نفسه على ~~بقية الأجنة في الأرحام. وهذه المرحلة من الحياة فيما قبل ~~الولادة هي البداية فقط لرحلة معرفية طويلة نخوضها مع أصابعنا ~~جنبا إلى جنب. إن كمية الأصابع الموجودة في أيدينا تؤدي ~~دورا أساسيا في تفكيرنا العددي الذي يميزنا بصفتنا بشرا، ~~ويتضح هذا الدور في كثرة تسمية البشر على مستوى العالم للأعداد ~~باسم المصطلحات التي يستخدمونها للإشارة إلى الأيدي. بالرغم من ~~ذلك، فقبل أن نلقي الضوء على ذلك الدور الأساسي، فإننا نحتاج ~~إلى فهم تلك المفاهيم العددية التي قد تسبق وعينا بأصابعنا ~~التي يمكن عدها، بصورة أوضح؛ ذلك أننا حتى وإن كنا نلتقي ~~بأصابعنا في وقت مبكر للغاية، يبدو أننا نكون واعين ببعض هذه ~~الفروق ms135 العددية حتى قبل مثل هذا اللقاء. فعلى أي حال، يزود ~~البشر منذ البداية بالأنظمة العصبية المعرفية المذكورة في الفصلين ~~الرابع والخامس: الحاسة العددية التقريبية، وما أسميته ~~بالحاسة العددية الدقيقة. وهاتان الحاستان معا يسمحان لنا ~~بإدراك الفروق الكمية في مرحلة مبكرة من الحياة. # 1 # بالرغم من ذلك، فحتى مع هاتين الحاستين اللتين ~~يمكن استخدامهما، فمن الصعب على الأطفال أن يتعلموا كيفية ~~التفكير في جميع الكميات بدقة؛ فتعلم كيفية التمييز بين الأعداد ~~ليس سهلا، وهو يتوقف بدرجة كبيرة على تعلم مفردات الأعداد. ~~وبالنسبة إلى جميع البشر على أي حال فإن هذه المفردات، التي ~~تستند تسميتها إلى الأصابع في معظم الأحوال، تكون هي بداية ~~إدراكهم للأعداد الصحيحة. # كيف يفكر الرضع في الكميات؟ # مثلما رأينا من قبل، فإن الحاسة العددية الدقيقة تتضح ~~لدى الجماعات اللاعددية، دون وجود أي وسيلة لغوية لنقل ~~المفاهيم العددية من جيل إلى الجيل التالي، أو بين أفراد ~~الجيل الواحد. وينطبق الأمر نفسه على جميع البالغين من ~~البشر؛ فحتى من ينتمون منهم إلى ثقافات لا عددية يمتلكون ~~القدرة على التمييز بين المجموعات التي تحتوي على عدد كبير ~~من العناصر، إذا كان الفرق بين المجموعات كبيرا بالدرجة ~~الكافية. فجميع البالغين الذين يتمتعون بحالة عصبية ~~إدراكية طبيعية يستطيعون التمييز بين 6 عناصر وبين 12 عنصرا، ~~وكذلك بين 8 عناصر و16 عنصرا، وهذه القدرة هي دليل على وجود ~~الحاسة العددية التقريبية. وتتيح لنا مفردات الأعداد ~~واستراتيجيات العد أن نتمكن من التمييز بين الكميات ~~بدقة، بما فيها الكميات الكبيرة، ويحدث ذلك بصفة أساسية من ~~خلال الدمج بين حاستينا العدديتين الفطريتين ~~معا. # وبالرغم من ذلك، قد يطرح أحدهم سؤالا وجيها: كيف يمكننا ~~أن نجزم أن الحاستين المعنيتين هما قدرتان فطريتان ~~فعلا؟ فبعض السمات الأخرى للأدوات الإدراكية للبشر، التي ~~كنا نعتقد أنها فطرية قبل ذلك، لا تبدو الآن كذلك؛ على سبيل ~~المثال استنتج العديد من علماء اللغة في الماضي أن نشأة ~~اللغة نفسها كانت بسبب حدوث طفرة وراثية أو مجموعة من ~~الطفرات في الجينوم البشري، وأن البشر ms136 جميعا يشتركون في ~~وجود «غريزة اللغة» لديهم. ومعنى هذا أن الطبيعة قد انتقت ~~البشر الذين حدثت لهم هذه الطفرة أو المجموعة من الطفرات؛ إذ ~~كانت تلك السمة الوراثية مفيدة للغاية للتكاثر. واليوم ~~قل عدد علماء اللغة الذين يعتقدون بهذا، وأصبح أفضل تعريف ~~للغة هو أنها مجموعة من استراتيجيات التواصل وإدارة المعلومات ~~المتنوعة، ولكنها في الغالب متشابهة. ومن هذا المنظور الذي ~~تتزايد شعبيته، فمن المرجح أن يكون الانتقاء الطبيعي ~~قد أنتج لنا مجموعة من القدرات الإدراكية والاجتماعية التي ~~أسهمت في تعزيز اللغة، لكنها لم تؤد بصورة مباشرة إلى ~~إنتاج غريزة لغوية محددة. فكيف يمكننا إذن أن نكون ~~متأكدين للغاية من أن «حاستينا» العدديتين غريزيتان ~~وليستا أيضا نتيجة مجموعة من الاستراتيجيات المتقاربة ~~للتفكير في الكميات؟ كيف يمكننا أن نثق بأننا نمتلك بالفعل ~~قدرة فطرية على التفكير العددي؟ # 2 # إنه لأمر صعب أن نقدم إجابة محددة عن هذا السؤال، غير ~~أن لدينا مكونين أساسيين في هذه الإجابة؛ وهما نوعان ~~عامان من الأدلة قد تركا لدينا يقينا قويا إلى حد ~~ما بأن البشر يتمتعون بغريزة عددية، أو هما على وجه ~~الدقة قدرتان فطريتان يمكننا استخدامهما للتمييز بين ~~الكميات. وقد استخلص الباحثون أحد نوعي هذه الأدلة من سلوك ~~الحيوانات الأخرى؛ فمثلما سنرى في الفصل السابع تشترك العديد ~~من الأنواع الأخرى في أن لديها قدرات مشابهة للتمييز ~~الدقيق بين الكميات الصغيرة، وكذلك التمييز التقريبي بين ~~الكميات الكبيرة؛ ومن ثم يمكننا أن نقول بثقة: إن ~~النظامين العدديين الموجودين في أدمغتنا بدائيان من ~~ناحية تطور النوع. ومعنى هذا أنهما كانا موجودين منذ ملايين ~~السنين في أدمغة البشر، وأدمغة بعض الأنواع السابقة علينا. ~~ويمكننا أن نتعقب أثرهما في الماضي في الأنواع المنقرضة ~~التي كانت سلفا للبشر وغيرها من الفقاريات ذات الصلة. وأما ~~المصدر الثاني للأدلة فهو سلوك الأطفال الصغار الذين لم ~~يكتسبوا مهارة اللغة بعد، ويقترح هذا النوع الأخير من الأدلة ~~أن بعض القدرات الرياضية تتطور في فترة مبكرة من ~~التطور الحيوي للفرد، أي إنها قدرات نمتلكها قبل أن ms137 نبدأ في ~~معرفة المفاهيم بصورة عملية في مرحلة الطفولة؛ فهي هبة ~~وراثية. وليس معنى أن الحاستين العدديتين المعنيتين ~~من الهبات الوراثية التي نتمتع بها أننا نلمح إلى غياب ~~الاختلافات بين الثقافات في مدى نمو هاتين القدرتين في ~~عقولنا بينما نكبر في العمر، أو في مدى تمكننا من ~~استخدام هذين النظامين لتحقيق تفكير رياضي أكثر اكتمالا. ~~لا يزال أمامنا إنجاز قدر كبير من العمل، لكي نتمكن من ~~التوصل إلى فهم كامل لطبيعة التفكير الكمي لدى الأطفال ~~في جميع ثقافات العالم. بالرغم من ذلك، فقد أنجزنا من العمل ~~قدرا كبيرا أيضا، وفيما يلي سأولي بالاهتمام قليلا من ~~النتائج البارزة بشأن هذا الموضوع. # لكن أولا ربما يكون لديك سؤال بسيط: كيف يمكننا أن نعرف ~~ما يدور في عقل الأطفال الصغار ولما يكتسبوا مهارة اللغة ~~بعد، ولا يمكن إخبارهم بما يجب عليهم أن يفعلوه في السياقات ~~التجريبية؟ والحق أنها مشكلة صعبة من الناحية المنهجية، وقد ~~استلزمت قدرا من الابتكار كي يتم التغلب عليها. وقد ~~أنتج التغلب على هذه العقبة ما يشبه الثورة في فهمنا ~~للإدراك العددي لدى الأطفال الصغار في الثلاثين عاما ~~الأخيرة، وفي الوقت نفسه شكك في النتائج السابقة التي ربما ~~تكون قد تأثرت بالتوقعات غير العادلة عن حدس الأطفال ~~بخصوص الأهداف المرتبطة بتجارب معينة. وقد تغلب ~~الباحثون على هذه العقبة حينما بدءوا يعتمدون على المهام التي ~~تتطلب القدر الضئيل من مشاركة الأطفال مع القائمين بالتجربة ~~والتفاعل المادي معهم، مع التركيز بالتحديد على ما يسترعي ~~انتباه الأطفال في السياقات التجريبية. وهذا التركيز على ~~الانتباه أمر منطقي؛ نظرا إلى أن البشر، كالأنواع الأخرى، ~~يركزون على المحفزات الجديدة. # تخيل مثالا على بيئة يومية تألفها على الأرجح؛ مطعم ~~مزدحم، حين تدخل المطعم قد تلاحظ طنين المحادثات، وصليل ~~آنية المائدة الفضية وهي تلامس الأطباق، والكئوس وهي ~~توضع على الموائد، وما إلى ذلك. وهذا ما تتوقعه من مثل هذه ~~البيئة، وبينما تجلس وتأكل فإن مثل هذه المحفزات غير ~~الجديدة لن تسترعي انتباهك؛ فسوف تبدأ أنت وبقية زبائن ~~المطعم ms138 في تناول الطعام والشراب، مع التركيز على وجباتكم ~~ومحادثاتكم (ولعلها تتضمن محفزات جديدة، وإلا فسوف ~~يخمد اهتمامك بها أيضا على الأرجح). والآن تخيل ما سيحدث ~~إذا دخل محفز جديد إلى حيزك الإدراكي؛ فعلى سبيل المثال ~~يتدحرج كأس من صينية النادل ويهوي على الأرض متهشما. ~~سينجذب انتباهك على الفور إلى صوت التهشم، بينما تحاول ~~تمييز مصدر الضوضاء التي سمعتها للتو. وحين يتغير انتباهك ~~بتلك الطريقة تحدث العديد من الأشياء على المستوى المادي؛ ~~ينجذب بصرك إلى مصدر الضوضاء، ومن المرجح أن جميع رءوس ~~من في المطعم سوف تستدير للتركيز على المحفز الجديد. ومن ~~الأمور التي ستكون أقل وضوحا أنهم سوف يتوقفون عن الأكل ~~للحظة على الأرجح، معلقين أنشطة كالبلع. أما الأمر الأهم ~~فهو أن هذه النزعات إلى تثبيت النظر وإيقاف البلع، هي ~~أمور أساسية من ناحية النمو، وهي تعود إلى طفولتنا المبكرة. ~~ونتيجة لذلك، قد أدرك الباحثون في مجال نمو الطفل منذ فترة ~~من الوقت أنهم يستطيعون معرفة المحفزات التي يعدها ~~الأطفال محفزات جديدة أو غير ذلك؛ ولهذا فعند دراسة انتباه ~~الأطفال، يمكن للباحثين أن يلاحظوا ما إذا كان الأطفال ~~يميزون محفزا جديدا أو لا، سواء أكان هذا المحفز ~~لونا جديدا أو شكلا جديدا أو كمية جديدة. ولكي يتمكن ~~الباحثون من ملاحظة ذلك؛ عليهم أن يتابعوا ما إذا كان هناك ~~أي تغيرات مصاحبة في نظرات الأطفال أو أنماط بلعهم في أثناء ~~تقديم المحفزات لهم. وعند التطبيق يدرس القائمون ~~بالتجربة أنماط الأطفال في النظر والرضاعة خلال مهمات ~~محددة. والتحديق والرضاعة من السلوكيات التي لا يسهل قياسها ~~بشكل دقيق، وقد تطلبت المنهجيات التي تقوم على قياس هذين ~~السلوكين ظهور أدوات جديدة أصبحت موجودة في العقود ~~الماضية الأخيرة. ومن هذه الأدوات سكاتات الأطفال التي ~~يمكن مراقبتها إلكترونيا، وكاميرات الفيديو القادرة على ~~تتبع نظرات الأطفال وحركات عيونهم. # والآن لنتناول بعض التجارب المهمة التي أجريت على ~~الإدراك العددي لدى الأطفال، وجميعها يقوم على افتراض أن ~~الأطفال يحدقون إلى أنواع معينة من المحفزات لمدة أطول. ~~ويجب أن نبدأ ms139 بدراسة مشهورة حاليا أجرتها عالمة النفس ~~كارين وين، نشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة «نيتشر» قبل ما ~~يزيد على 20 عاما، وقد نقحت تجاربها وأعيد إجراؤها ~~بطرق مختلفة في السنوات اللاحقة. إن دراسة وين المؤثرة هي ~~نقطة منطقية للبدء بالنسبة إلينا؛ إذ إنها تقترح بقوة أن ~~الأطفال يستطيعون تمييز الاختلافات بين 1 و2 و3، حتى في تلك ~~المرحلة التي تسبق تعلمهم الحديث. وقد كان متوسط عمر ~~هؤلاء الأطفال الذين شملتهم الدراسة 5 شهور تقريبا. وقد ~~تناولت بعض الدراسات الأحدث منها الإدراك العددي لدى ~~الأطفال الأصغر سنا، ومنهم حديثو الولادة. (وسوف نتناول مثل ~~هذه الدراسة بعد قليل.) استعانت وين باثنين وثلاثين طفلا ~~للمشاركة في هذه الدراسة، وقد كانت المهمة التي عين لها ~~نصف الأطفال تختبر قدرتهم على جمع 1 + 1، أما النصف الآخر ~~فقد شاركوا في مهمة تختبر قدرتهم على طرح 2 − 1. # 3 # إذن، كيف اختبرت وين هؤلاء الذين يبلغ عمرهم 5 شهور في ~~هاتين المهمتين؟ لقد استخدمت الطرق البسيطة المبتكرة ~~التالية؛ وضع كل طفل بمفرده أمام صندوق للعرض كان يحتوي ~~على شكل يشبه الدمية كان يجذب انتباههم تلقائيا. ~~إضافة إلى ذلك، كان صندوق العرض يحتوي على ستار غير شفاف ~~يمكن رفعه ليحجب رؤية الطفل للشكل الذي يشبه الدمية؛ ~~وبعد رفع هذا الستار، لا يعود هذا الشكل مرئيا. أما الأمر ~~الأهم فهو أنه كانت توجد فجوة بجوار كل جانب من جوانب ~~الستار في صندوق العرض. وبعد أن كان انتباه الأطفال يتجه ~~إلى الشكل في البداية، يرفع الستار ليحجب عن الطفل رؤيته، ~~ثم يقوم الباحث القائم بالتجربة بوضع يده في باب جانبي في ~~صندوق العرض مع الإمساك بشكل آخر يطابق الشكل الذي حجبه ~~الستار. كان الأطفال يستطيعون رؤية اليد والشيء الذي تمسك ~~به من خلال الفتحة الموجودة بين الستار وجانب صندوق العرض. ~~ومن منظور الأطفال، فقد أضيف شيء آخر مطابق للشكل الذي ~~يشبه الدمية، والموجود خلف الستار. وفي هذه المرحلة تظهر ~~خدعة منهجية أساسية؛ كان صندوق العرض مزودا بباب سري يمكن ~~للباحث من ms140 خلاله أن يزيل الشكل الأصلي من أمام الأطفال؛ ومن ~~ثم فبالرغم من أن الأطفال قد رأوا شيئا يضاف إلى شيء ~~آخر، كان يمكن إزالة الشيء الأصلي في الوقت نفسه من وراء ~~الستار، دون علم الأطفال. وأخيرا أنزل الستار بعد إضافة ~~الشيء الثاني. فوفقا لحالة «الناتج المحتمل»؛ كشف لنا ~~إنزال الستار عن شكلين متطابقين يشبهان الدمية، وهو ما ~~يتفق مع ما رآه الأطفال. ووفقا لحالة «الناتج غير المحتمل» ~~كشف إنزال الستار عن شكل واحد فقط؛ لأن الشكل الأصلي قد ~~أزيل بخدعة من خلال الباب السري لصندوق العرض. # ولأن البشر، بمن فيهم الأطفال، يحدقون لفترة أطول في ~~الأحداث الجديدة غير المتوقعة، فقد افترضت وين أن الأطفال ~~في دراستها قد يحدقون لفترة أطول في حالة الناتج غير ~~المحتمل. ومعنى هذا أنهم إذا رأوا شيئا يضاف إلى شيء آخر ~~مطابق، ثم اكتشفوا أن نتيجة هذه الإضافة هي شيء واحد ~~متبق فحسب، فسوف تنتابهم الحيرة بعض الشيء. أما إذا ~~رأوا شيئين بعد إضافة الشيء الثاني، فلن يكترثوا للنتيجة ~~المتوقعة. بعبارة أخرى: إذا أدرك الأطفال ذوو الأشهر ~~الخمسة أن 1 + 1 يساوي 2، وليس 1؛ فإن مثل هذه التجربة ~~سوف توضح ذلك الإدراك. لقد كان التوقع المباشر أن ~~الأطفال سوف يحدقون إلى صندوق العرض لفترة أطول في حالة ~~الناتج غير المحتمل، حين بدا أن 1 + 1 يساوي 1 وليس 2، وقد ~~حدقوا بالفعل لفترة أطول. لقد حدق الأطفال إلى صندوق العرض ~~لفترة أطول بدرجة ملحوظة من الناحية الإحصائية، حينما كشف ~~الستار بعد إنزاله عن شيء واحد فقط. # وفي مهمة الطرح، استخدم صندوق العرض نفسه والعناصر ~~نفسها، لكن ترتيب الأحداث الذي شهده الأطفال كان معكوسا ~~بالكامل؛ ففي البداية جذب انتباه الأطفال إلى الشكلين ~~الشبيهين بالدمية في منتصف صندوق العرض، ثم رفع الستار ~~فحجب عن الأطفال رؤية الشكلين كليهما. بعد ذلك ظهرت يد ~~القائم على التجربة من خلال الفجوة الموجودة بين الستار وجانب ~~الصندوق، ثم أزالت اليد أحد الشكلين من خلف الستار، بطريقة ~~تظهر للأطفال بوضوح. في حالة الناتج غير المحتمل، ms141 استخدم ~~الباب السري لإضافة شكل آخر مطابق، بينما تتم عملية ~~الإزالة المرئية. ونتيجة لذلك، ظل هناك شكلان بعد إنزال ~~الستار، بالرغم من الحقيقة الواضحة بإزالة أحد الشكلين. ففي ~~حالة الناتج المحتمل، لم يضف شكل إضافي من خلال الباب ~~المسحور، وعند إنزال الستار بعد إزالة أحد الشكلين بصورة ~~مرئية، لم يتبق سوى شكل واحد. وقد جاءت نتائج مهمة الطرح ~~متشابهة إلى حد ما مع نتائج مهمة الجمع؛ حدق الأطفال ~~لفترة أطول إلى ما يبدو على أنه الناتج غير المحتمل، فإذا ~~رأوا أحد الشكلين الأصليين وهو يزال، توقعوا بقاء شكل ~~واحد فقط. فقد بدا أن الأطفال يدركون أن 2 − 1 = 1. وموجز ~~القول أن نتائج هاتين المهمتين في دراسة وين، تشير إلى ~~أن الأطفال الذين لم يكتسبوا مهارة اللغة بعد يستطيعون ~~التمييز بين شيء واحد وشيئين. ومنذ دراستها التي كانت تستكشف ~~الطريق، ظهرت أساليب جديدة قد استخدمت لاستكشاف هذه ~~المسألة بعناية أكبر. ونتيجة لذلك، فقد أصبح من المتفق ~~عليه بصفة عامة، أن الأطفال يستطيعون بالفعل التمييز بين ~~الكمية من واحد إلى ثلاثة، بانتظام واتساق. # أما الدراسة الثانية التي سنناقشها من دراسات الإدراك لدى ~~الأطفال، فقد ظهرت بعد ثماني سنوات تقريبا من نشر دراسة ~~وين، وقد شارك إجراءها عالمتا النفس؛ فيشو، وإليزابيث ~~سبيلك. (سبيلك هي باحثة وأستاذة جامعية في جامعة هارفارد، ~~وواحدة من أكثر علماء نفس النمو تأثيرا على مستوى العالم.) ~~وسوف نتناول نتائج الدراسة هنا؛ لأنها تؤيد وجود حاسة ~~عددية تقريبية، وهي تبين بطريقة واضحة أن الأطفال الذين ~~لم يكتسبوا مهارة اللغة بعد يستطيعون بطرق تقريبية، أن ~~يميزوا الفروق الكمية بين المجموعات الكبيرة. # 4 # وسوف نتناول فيما يلي كيف سارت التجربة الأولى في دراسة شو ~~وسبيلك. استخدم في التجربة ستة عشر طفلا يبلغ متوسط ~~أعمارهم ستة أشهر، وقد جعلهم القائمون على التجربة يعتادون ~~رؤية 8 نقاط سوداء أو 16 نقطة على شاشة بيضاء، بمعنى أن هذه ~~المحفزات كانت تعرض على الأطفال حتى يملوا منها أو لا ~~يعودوا يجدونها جديدة بعد ذلك. وكان القائمون ms142 على التجربة ~~يرون أنهم قد وصلوا إلى مرحلة الاعتياد حين يتوقف الأطفال ~~عن التحديق في المحفزات، أو حين يكونون قد رأوا أربعة ~~عشر مصفوفة متتالية من النقاط. وفقا لحالة النقاط الثماني، ~~كان يعرض على الأطفال عروض مختلفة لثماني نقاط تختلف في ~~الحجم والتكوين والسطوع، حتى يعتاد الأطفال على رؤيتها. ~~ووفقا لحالة الست عشرة نقطة، كان يعرض على الأطفال أيضا ~~عروض مختلفة لست عشرة نقطة تختلف أيضا وفقا لمعايير مثل ~~الحجم والتكوين، إلى أن يعتاد الأطفال على رؤيتها. وفي كلتا ~~الحالتين، كان يعرض على الأطفال بعد ذلك 8 نقاط أو 16 نقطة، ~~بعد أن يكونوا قد اعتادوا على الكمية الأولية من النقاط. ~~فوفقا للحالة الأولى كانت المصفوفات التي تتكون من 16 ~~نقطة، والتي عرضت بعد مرحلة الاعتياد، تمثل محفزا ~~جديدا؛ لأن الأطفال لم يكونوا يرون سابقا سوى مصفوفات ~~تتكون من 8 نقاط. وفقا للحالة الثانية، كان العكس هو ~~الصحيح، وقد كانت المجموعات التي تتكون من 8 نقاط، والتي ~~عرضت على الأطفال بعد مرحلة الاعتياد، هي المحفز الجديد؛ ~~إذ إن الأطفال كانوا يرون قبل ذلك مصفوفات تتكون من 16 ~~نقطة. على الأقل فنحن البالغين الذين نعرف الأعداد، سوف ندرك ~~أن هذه المصفوفات جديدة؛ لأننا نعرف أن 16 لا تساوي 8. ~~لكن ماذا عن الأطفال الذين لم يتعلموا العد بعد، ولا حتى ~~تعلموا الحديث؟ إن نتائج شو وسبيلك قد قدمت بعض الأدلة ~~القوية على أن الأطفال أيضا يمكنهم إدراك الفرق بين 8 ~~عناصر و16 عنصرا. # جاءت نتائج التجربة الأولى مباشرة؛ كان الأطفال غالبا ما ~~ينظرون إلى شاشات العرض التي تتضمن كمية مختلفة عن الكمية ~~التي أصبحوا معتادين عليها، مدة ثانيتين أطول؛ ومن ثم ~~فإذا اعتادوا على رؤية مجموعات تتكون من 8 نقاط، حدقوا ~~إلى المجموعة التي تتكون من 16 نقطة لفترة أطول. وعلى العكس ~~من ذلك، إذا اعتادوا على رؤية مجموعات تتكون من 16 نقطة، ~~حدقوا إلى المجموعة التي تتكون من 8 نقاط لفترة أطول. ~~وهذا الانتباه البصري لدى الأطفال قد بين بوضوح أنهم ms143 قد ~~أدركوا الفرق بين 8 نقاط و16 نقطة، بصرف النظر عن العوامل ~~الأخرى مثل حجم النقاط وتشكيلها. وبعبارة أخرى: يبدو أن معظم ~~الأطفال قادرون على تمييز الاختلافات العددية، حتى في الكميات ~~الكبيرة، على الأقل حين يكون الفرق بين المجموعتين التي تجري ~~المقارنة بينهما واضحا، # 5 # غير أن هذا الادعاء الأخير مهم للغاية مثلما ~~يتضح في نتائج تجربة شو وسبيلك الثانية. في تلك التجربة، ~~كررت الباحثتان تجربتهما الأولى مع اختلاف مهم للغاية؛ ~~فقد اختبرتا قدرة الأطفال على تمييز الفرق بين مجموعات ~~تتكون من 8 نقاط و12 نقطة، بدلا من 8 نقاط و16 نقطة. في هذه ~~الحالة، ومع انخفاض النسبة بين الكميتين إلى 2 : 3 (8 : 12) ~~من 1 : 2 (8 : 16)، تغيرت النتائج تغيرا كبيرا؛ فلم يعكس ~~نمط التحديق لدى الأطفال أي إدراك للفرق بين 8 نقاط و12 ~~نقطة. # وهذه النتائج، إضافة إلى غيرها من نتائج الدراسات ذات ~~الصلة التي أجراها علماء نفس النمو، تقدم دليلا واضحا ~~على أن الأطفال يستطيعون تمييز الفروق بين كميات تحتوي على ~~عدد كبير من العناصر، إذا كانت هذه الفروق تمثل نسبة 1 : 2 ~~على الأقل. وهذه النتائج دليل على وجود النظام العددي ~~التقريبي الفطري، مثلما أن دراسة وين دليل على وجود نظام ~~عددي دقيق نسبيا. وكلا النظامين يمثلان مؤشرات ~~إدراكية حاسمة على الإدراك العددي الأكثر دقة لدى البالغين. ~~بالرغم من ذلك، فمثلما رأينا في الفصل الخامس، فإن هذا ~~التفكير الكمي الدقيق لدى البالغين يعتمد على التدخل ~~اللغوي. وقد لاحظت كل من شو وسبيلك عند مناقشة القدرتين ~~العدديتين الفطريتين لدينا أنه: «بينما يتعلم الأطفال ~~معاني مفردات الأعداد والغرض من العد، فقد يجمعون بين ~~هذين النوعين من التمثيل، لتشكيل مفهوم موحد، بشري ~~للغاية ويعتمد على اللغة، للعدد المنفصل.» # 6 # وليس معنى هذا أن عملية التوحيد هذه سهلة أو ~~مباشرة؛ فالواقع أن قدرا كبيرا من الجدل يثار بين ~~المختصين بشأن كيفية حدوث هذا «الدمج» على وجه ~~التحديد. # توضح مثل هذه الأبحاث التجريبية أن أطفال البشر يمكنهم ~~تمييز بعض الفروق العددية ms144 في سن صغيرة. إن الحاستين ~~العدديتين التقريبية والدقيقة، لا يمكنانا من حل معظم ~~المسائل الحسابية بسرعة ودقة، لكنهما يتيحان لنا الفرصة ~~في معرفة كيفية التعامل مع مثل هذه المسائل. بالرغم من ذلك، ~~فالدراسات المعنية لا توضح أن أطفال البشر مزودون ~~بمفاهيم عددية مجردة بحق؛ فإدراك الفرق بين شكل واحد ~~يشبه الدمية وشكلين، أو بين ثماني نقاط وست عشرة نقطة ~~على الشاشة، لا يعني سوى أن الأطفال ينتبهون إلى الاختلافات ~~العددية البصرية. غير أن البعض ربما يقولون: إن ذلك ~~الإدراك لا يعني أن الأطفال يفكرون في الكميات بطرق ~~مجردة، أي طرق لا تعتمد على الإدراك البصري. بعبارة أخرى: ~~ربما لا يكون تمييز الكميات لدى الأطفال عابرا للحواس؛ فقد ~~يميز الأطفال على سبيل المثال أن دميتين على شكل أسد ~~تختلفان عن دمية واحدة في نطاق حاسة البصر. وقد يميزون ~~أيضا أن صوت صفرتين متتاليتين يختلف عن صفرة واحدة في ~~نطاق حاسة السمع، لكن ذلك الإدراك المادي للاختلافات في ~~نطاق حاستين منفصلتين لا يعني بالضرورة أنهم يدركون ~~الرابط بين صفرتين ودميتين على سبيل المثال؛ فهذا الإدراك ~~العابر للحواس للتشابه بين الكميات، سوف يقدم دليلا ~~أقوى على أن ما يحدث في عقول الأطفال هو تفكير عددي في شكل ~~أكثر جوهرية وتجريدا. وربما لا يكون من الغريب إذن أن بعض ~~التجارب الحديثة قد سعت إلى اختبار إدراك الكميات العابر ~~للحواس لدى الأطفال. # وبعض هذه التجارب الأحدث قد تناولت أيضا مشكلة أخرى ~~محتملة في الأعمال السابقة التي أجريت على الإدراك العددي ~~لدى الأطفال، وهو السن المتقدمة للخاضعين للتجربة. وقد ~~تبدو تلك مشكلة غريبة للطرح؛ إذ إن عمر الخاضعين للتجربة ~~في دراسة وين لم يكن يزيد على خمسة أشهر فقط، غير أن إثبات ~~وجود مهارة إدراكية معينة في مثل ذلك العمر لا يعني ~~بالضرورة أنها مهارة غريزية؛ فهذا الدليل بوجودها في مثل هذه ~~السن الصغيرة يدعم ولا شك الادعاء بوجود غرائز رياضية، ~~لكن ذلك لا يوضح لنا أي المهارات الكمية يبدأ الأطفال ~~في صقلها ثقافيا، حتى وإن ms145 كان ذلك في مثل هذه السن ~~المبكرة. ويجدر بنا أن نضع في الاعتبار أن الأبحاث التي ~~يجريها معظم علماء نفس النمو مخصصة لاستكشاف الإدراك ~~العددي لدى أطفال ينتمون للثقافات الغربية والصناعية؛ ومن ~~ثم فإن النتائج لا تقدم لنا إلا قدرا ضئيلا من ~~المعلومات فيما يتعلق بأي تأثيرات محتملة عابرة للثقافات ~~بشأن التفكير الرياضي في الشهور الأولى من الطفولة. # 7 # أما الدراسة البارزة الثالثة التي سنناقشها، التي أجرتها ~~عالمة النفس فيرونيك إزارد وزملاؤها (ومنهم إليزابيث سبيلك)، ~~فهي تتناول نقطتي الجدل السابقتين؛ فالنتائج المثيرة ~~التي توصلت إليها الدراسة تفيد بأن الأطفال يستطيعون ~~تمييز بعض الفروق بين الكميات على أساس مجرد وعابر للحواس، ~~وأنهم يتمكنون من فعل ذلك بعد الميلاد بفترة قصيرة. وجدت ~~إزارد وزملاؤها عددا من أولياء الأمور الذين وافقوا على ~~مشاركة أطفالهم حديثي الولادة في الدراسة، والواقع أنه كان ~~عليهم أن يجدوا العديد من أولياء الأمور الذين يوافقون على ~~هذا؛ إذ إن جزءا صغيرا فقط من الأطفال المختارين ~~للمشاركة، هم الذين أسهموا في نهاية المطاف في نتائج الدراسة. ~~لقد اختير للدراسة ستة وستون طفلا، لكن خمسين من هؤلاء ~~الأطفال قد استبعدوا من العينة الفعلية بسبب انزعاجهم أو ~~بعض المشاكل الأخرى كالنوم، وهو ما يشير إلى مدى صعوبة إجراء ~~مثل هذه الأبحاث! إن من يقومون منا بالأبحاث العابرة ~~للثقافات في بعض الأماكن النائية كالأمازون أو مرتفعات نيو ~~غينيا، قد يشتكون من التحديات الخاصة التي نواجهها عند ~~القيام بالأبحاث الميدانية، لكنه من غير المرجح أن نجد ~~المشاركين في التجربة يغلبهم النعاس في منتصفها. وكان ~~متوسط عمر الأطفال الذين شاركوا في النهاية في تجربة إزارد ~~وزملائها 49 ساعة. وهذه السن الصغيرة تسمح لنا أن ننحي ~~تأثير خبرتهم الحياتية المبكرة بدرجة كبيرة من الثقة. ~~ومثلما أشرنا من قبل فإن الأطفال يرون كميات منتظمة، ~~مثل أصابع أيديهم، وهم في الرحم. إضافة إلى ذلك، فإن ~~الطفل يستطيع أن يسمع نبضات قلب الأم وصوتها قبل الولادة، ~~مما يجعلهم معتادين بعض الشيء على المحفزات السمعية على ~~فترات بينية منتظمة، ms146 غير أن الاحتمال ضئيل للغاية بأن ~~يكون للعوامل التجريبية والثقافية تأثير على كيفية تطور ~~الإدراك العددي في الرحم. إضافة إلى ذلك فقد وضحت ~~دراسة إزارد وزملائها أن البشر قادرون على تمييز الكميات ~~بصريا بعد فترة قصيرة من مولدهم، ومن الجلي أنهم لم ~~يتعرضوا لرؤية أي كمية من العناصر وهم في الرحم. # 8 # لقد قدمت إزارد وزملاؤها دليلا واضحا على أن الأطفال ~~حديثي الولادة قادرون على استخدام نظامهم العددي التقريبي في ~~المقارنة المجردة للكميات عبر حواس متعددة. استمع ~~الأطفال إلى مجموعة من المقاطع، مثل «تو، تو، تو، تو» أو «را، ~~را، را، را». وقد كانت هذه المجموعة تحتوي على عدد ثابت من ~~المقاطع، ويتبع كلا منها فاصل قصير. فعلى سبيل المثال، ~~يستمع الطفل إلى أربعة مقاطع يتبعها فاصل قصير، ثم يستمع ~~إلى أربعة مقاطع أخرى، وهكذا. كان الأطفال يستمعون إلى ~~المحفزات السمعية لمدة دقيقتين، وخلال هذا الوقت، ألف ~~الأطفال كمية المقاطع. وبعد هاتين الدقيقتين، عرض على ~~الأطفال بعض الصور على شاشة كمبيوتر. وكانت هذه الصور تتضمن ~~مصفوفات لعدد محدد من الأشكال زاهية الألوان، تحتوي على ~~أفواه وعيون (لجذب انتباه الأطفال)، التي كانت تتطابق في ~~العدد مع سلسلة المقاطع التي تكررت على مسامع الأطفال. وقد ~~افترضت إزارد وزملاؤها أنه إذا كان الأطفال يتمتعون ~~بالإدراك المجرد للكميات العابر للحواس، فسوف تصدر عنهم ~~استجابات مختلفة تجاه المصفوفات البصرية التي عرضت عليهم ~~بعد المقاطع. فسوف يحدقون لفترة أطول إلى مصفوفات محددة، ~~وفقا لما إذا كانت المصفوفات تتطابق في العدد مع مجموعة ~~المقاطع التي سمعوها للتو. وهذا بالضبط هو ما لاحظه ~~الباحثون؛ فعلى سبيل المثال، عند الاستماع إلى مجموعة تتضمن ~~أربعة مقاطع، كان الأطفال بعدها يحدقون إلى الشاشة حين ~~تحتوي على أربع صور لفترة أطول من تلك التي حدقوا فيها ~~إلى الشاشة حين عرضت اثنتا عشرة صورة. وهم أيضا يحدقون ~~إلى الشاشة حين تتضمن أربع صور لفترة أطول من تلك التي ~~يحدقون فيها إليها حين تتضمن ثماني صور. (وقد كان ~~الاختلاف في فترة التحديق أكبر في ms147 الحالة الأولى ؛ إذ إن ~~الفرق بين 4 و12 أكثر وضوحا من الفرق بين 4 و8.) وحين ~~استمع الأطفال إلى مجموعة تتكون من ستة مقاطع، كانوا ~~يحدقون بعدها إلى الشاشة التي تحتوي على ست صور لفترة ~~أطول من تلك التي يحدقون فيها إلى الشاشة التي تحتوي على ~~ثماني عشرة صورة. وقد كان الاختلاف في فترة التحديق في حالات ~~التطابق وعدم التطابق يزيد عن 10 ثوان في معظم الأحيان، ~~وليست تلك بالنتيجة الهينة. وباختصار، فإن فترات التحديق ~~لدى الأطفال كانت تتوافق بدرجة كبيرة مع اهتمامهم الزائد ~~نسبيا بالكميات المتساوية، كما لو أنهم كانوا يدركون وجود ~~تطابق جديد بين الحواس. لقد زادت نتائج إزارد والمجموعة في ~~تأكيد الادعاء القائل بأن البشر يولدون بقدرة فطرية ~~تمكنهم من تقدير عدد المجموعات الكبيرة من العناصر بصورة ~~تقريبية، وهي تشير أيضا إلى أن هذه القدرة تتميز بالتجريد، ~~ولا تقتصر على حاسة واحدة كالبصر. # لقد بينت الدراسات الثلاث التي تناولناها بعض الطرق ~~المبتكرة التي يستخدمها علماء نفس النمو لاستكشاف التفكير ~~العددي لدى الأطفال، وتتطابق هذه الدراسات مع الاستنتاج ~~الأساسي الذي ذكرناه قبل هذه المناقشة، وهو أن البشر ~~يتمتعون بفهم غريزي مجرد للأعداد، وهو يتجلى حتى بعد ~~الميلاد بفترة قصيرة. وهم يمتلكون حاسة عددية فطرية ~~تقديرية ودقيقة. # 9 # الأطفال والعد # يبدو لنا إذن أن الأطفال يزودون مسبقا بالحاستين ~~العدديتين اللتين يتمتعون بهما منذ مولدهم. غير أن ~~وجود هاتين الحاستين لا يسهم إلا بمقدار في إكمال ~~الصورة التي لدينا عن القدرة التي يتمتع بها البشر على وجه ~~الخصوص على التفكير الرياضي. فبطريقة ما، لا يزال الجزء ~~الأكبر من اللغز قائما؛ إذ إننا لا نعرف الكيفية التي ~~يجري بها دمج حاستينا الفطريتين بعد ذلك، للقيام ~~بالتفكير الرياضي. فمع الطبيعة البدائية لهاتين الحاستين ~~العدديتين، كيف نتمكن على سبيل المثال، من تمييز أن ~~الأخطبوط يمتلك عددا معينا من المجسات، وليس كمية ~~مبهمة فحسب؟ إن مثل ذلك التمييز الكمي الأساسي لا ~~يتوفر لدينا من خلال حاستينا الفطريتين. فكيف ننتقل ~~إذن من النقطة «أ» وهي ms148 التمييز الفطري البسيط بين الكميات، إلى ~~النقطة «ب » وهي التفريق الدقيق بين جميع الكميات؟ كيف ننتقل ~~بالفعل إلى عالم الأعداد الطبيعية؟ إحدى الطرق التي يمكننا ~~استخدامها لإيجاد الإجابة (أو الإجابات) المحتملة عن هذا ~~السؤال، هي استكشاف كيفية تقدم الأطفال في التفكير الكمي ~~بينما يتقدمون في السن. لقد أجرى علماء النفس، وما زالوا ~~يجرون، مثل هذه الدراسات. وفيما يلي سوف أستعرض بعض ~~النتائج التوضيحية التي توصل إليها الباحثون خلال مثل هذه ~~الدراسات. وأعتقد أن الدراسات التي ألخصها هنا، تمثل ~~أنواع الطرق التي تستخدم لتحسين فهمنا للكيفية التي ~~يتعلم بها الأطفال المفاهيم العددية. بالرغم من ذلك، فعلينا ~~أن نضع في الاعتبار أنه توجد بالفعل آلاف الدراسات ~~المنشورة عن هذا الموضوع الواسع. وتسهم الدراسات التي ~~سنناقشها في هذا الكتاب في توضيح أن التقدم تجاه الوعي ~~بالأعداد الطبيعية، هو تقدم مضن وتدريجي، وهو يتطلب ~~الممارسة المتكررة مع المحفزات اللغوية. # حتى الجزء الأخير من القرن العشرين، لم تكن المهارات ~~العددية لدى الأطفال في سن ما قبل المدرسة تحظى بالتقدير ~~الكافي بشكل عام، بل كان يعتقد في وقت ما أن الأطفال لا ~~يتعلمون المفاهيم العددية الأساسية حتى سن الخامسة ~~تقريبا. ومن الأدلة التي كان يستند إليها هذا الادعاء ~~هو سلوك الأطفال في سن الرابعة، فيما يعرف باسم «اختبارات ~~الحفاظ». في مثل هذه الاختبارات، يعرض على الأطفال صفان من ~~الأشياء؛ صف به ست كئوس وصف به ست زجاجات على سبيل ~~المثال، ويكون كل عنصر في أحد الصفين أمامه عنصر في الصف ~~الآخر، حتى يكون من الواضح على الأرجح أن المجموعتين ~~متساويتان في العدد. عندما كان الأطفال يسألون أي ~~الصفين أكبر عددا، كانوا يجيبون بأنهما متساويان. أما إذا ~~باعد القائم بالتجربة بين العناصر الموجودة في أحد الصفين، ~~فأصبح صف الكئوس على سبيل المثال أطول من صف الزجاجات، ~~فقد تتغير إجابات الأطفال. في كثير من الأحيان، كانت ~~إجاباتهم في التجارب الأولى على الحفاظ على الكمية، تشير ~~إلى أنهم كانوا يعتقدون أن عدد العناصر في الصفين يختلف ~~بمجرد إطالة أحد ms149 الصفين. فقد كانوا يقولون، على سبيل ~~المثال، إن عدد الكئوس أكبر من عدد الزجاجات، بالرغم من ~~عدم إضافة أي كئوس أو إزالة أي زجاجات. ومعنى هذا أنه وفقا ~~لمهام الحفاظ البسيطة هذه، فإن الأطفال فيما دون سن ~~الخامسة، لم يدركوا أبدا أن الكمية تبقى كما هي بصرف ~~النظر عن طول صفي المحفزات اللذين تجري المقارنة ~~بينهما. إن تغيير الحجم الكلي لمجموعة من المحفزات، كان ~~يربك إدراك الأطفال لعدد المحفزات. # بالرغم من ذلك، فحقيقة الأمر أن الأطفال الصغار ~~يستطيعون الحفاظ على الكميات في بعض الأحيان على الأقل، ~~فهم يستطيعون تمييز أي المصفوفتين تحتوي على عدد أكبر من ~~العناصر، بصرف النظر عن طولهما. وقد وضحت بعض التجارب في ~~الوقت الحالي أن النتائج التي حصل عليها الباحثون من ~~مهام الحفاظ الأولى، قد كانت بسبب تشوش الأطفال بعض الشيء، ~~وهو تشوش بشأن أهداف الباحثين. حاول لثانية أن تتصور أنك ~~طفل في مثل هذه التجربة، وقد عرض عليك أحد البالغين، الذي ~~تفترض أنه يعرف عن كيفية عمل الأشياء أكثر منك بكثير، ~~مصفوفتين يمكن التمييز بينهما بصريا، ثم سألك أيهما ~~يحتوي على كمية «أكبر» بالرغم من أنه من الواضح أنهما ~~متساويتان في العدد (نظرا إلى أن كل عنصر في المصفوفة ~~الأولى له ما يقابله في المصفوفة الثانية)، فبماذا يمكنك أن ~~تجيب؟ من الصعب أن نعرف ذلك بالطبع، لكنك قد تؤول سؤاله ~~بأفضل صورة ممكنة لكي تفهم دوافعه التي يفترض أنها ~~خالصة، وربما تفسر الأمر على أن الخط الذي يتضمن كمية ~~«أكبر» هو الذي يغطي مساحة أكبر من الفراغ، لا الخط الذي ~~يحتوي على عدد أكبر من العناصر. وقد تفترض أن الخط ~~الأطول لا بد أنه يحتوي على شيء ما بكمية أكبر من الخط ~~الآخر (المسافة مثلا) وإلا فإن هذا الشخص يسأل سؤالا ~~مضللا؛ لماذا قد يفعل شخص بالغ مثل هذا الشيء؟ ومعنى ~~هذا أن مهام الحفاظ البسيطة تلك ربما لا تخبرنا إلا ~~الشيء القليل عن الإدراك العددي لدى الأطفال، وتخبرنا بدلا ~~من ذلك بقدر أكبر عن ms150 مدى الجهد الذي يبذله الأطفال في ~~التوصل إلى الدلالات الاجتماعية خلال المحادثات مع ~~البالغين. # ويدعم هذه الاحتمالية الأخيرة بحث أحدث بشأن هذا ~~الموضوع، الذي قد أثبت الآن أن بعض الأطفال الصغار ~~يستطيعون التمييز حين يكون أحد الخطين يحتوي على عناصر ~~أكثر من الآخر في مهام الحفاظ. والواقع أن إحدى الدراسات قد ~~أثبتت هذا الأمر قبل عدة عقود، وقد قدمت ابتكارا منهجيا ~~مثيرا للاهتمام. فقد عرض الباحثون على الأطفال صفوفا من ~~أشياء يرغبون في أكلها، لا سيما حلوى إم آند إمز. فعلى سبيل ~~المثال شاهد الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة صفين يقابل ~~كل عنصر في أحدهما عنصرا في الصف الآخر، ويحتوي كل ~~منهما على أربع حبات من الحلوى. بعد ذلك تغير أحد ~~الصفين، فأصبح أحدهما أقصر من الآخر مع أنه يحتوي على ~~ست حبات من الحلوى بدلا من أربعة. وبناء على النتائج ~~القديمة فسوف يكون من المتوقع أن يرى الأطفال أن الصف ~~الأطول هو الذي يحتوي على عدد أكبر من الحلوى إذا سئلوا ~~ببساطة أن يختاروا الصف الذي يحتوي على كمية أكبر من ~~العناصر. بالرغم من ذلك، فعندما طلب من الأطفال أن يختاروا ~~صفا من الحلوى ليأكلوه، أي لكي يتناولوا جرعة من إم آند ~~إمز (بالمعنى الأدق)، فقد اختارت الغالبية العظمى من ~~الأطفال الصف الذي يحتوي على عدد أكبر من الحلوى، بالرغم ~~من أنه كان أقصر. وقد اكتشف علماء نفس الطفل الآن أن ~~الأطفال يستطيعون أداء هذه المهمة بمهارة أكبر مما كان ~~يعتقد قبل ذلك، غير أن الجدل ما زال مستمرا بشأن العمر ~~الذي يتمكن فيه الأطفال من الحفاظ على الكميات بهذا ~~الشكل. # 10 # ولكي نصل إلى فهم أفضل لكيفية انخراط الأطفال مع ~~الأعداد، سنتناول نتائج دراسة بارزة أحدث عن تطور ~~الإدراك لدى الأطفال. (أجريت الدراسة على يد عالمة النفس ~~بجامعة هارفارد، كيرستن كوندري، والعالمة سابقة الذكر ~~إليزابيث سبيلك.) ومن خلال مجموعة من التجارب، وضحت ~~الدراسة أنه حين يتعلم الأطفال الذين يبلغون من العمر 3 ~~سنوات مفردات الأعداد، فإنهم لا ms151 يفهمون معناها في البداية إلا ~~بالقدر الضئيل. وبالفعل فإن هذه النتيجة قد دعمتها ~~العديد من الدراسات الحديثة: الأطفال لا يفهمون معاني ~~الأعداد تماما حين يبدءون في تعلمها. وفي الدراسة ~~المعنية، درست الباحثتان ما تمثله الأعداد فعلا ~~للأطفال الذين يبلغ عمرهم 3 سنوات، وقد ركزتا على هذه ~~السن بصفة جزئية؛ لأن هؤلاء الأطفال قد تعرضوا ~~لمفردات الأعداد، لكنهم لم يدرسوا الحساب بصورة مكثفة، ~~وهم يستطيعون في العادة استظهار الأعداد من «واحد» إلى ~~«عشرة». وقد بينت نتائج الدراسة أن الأطفال في سن ~~الثالثة لا يستوعبون المفاهيم المرتبطة بمفردات الأعداد، ~~إلا على مستوى أساسي للغاية. فعلى سبيل المثال، يفهم ~~الأطفال أن الاسم «ثمانية» يستخدم لوصف مجموعة عناصر لها ~~كمية محددة، وهم يدركون أيضا أن «ثمانية» تشير إلى ~~مجموعة لها حجم مختلف عما تشير إليه كلمة مثل ~~«اثنين». # بالرغم من ذلك، فقد وضحت الدراسة أيضا أن الأطفال في ~~عمر الثلاث سنوات لا يدركون الكمية التي تشير إليها كلمة ~~«ثمانية»، ولا ما إذا كانت دائما أكبر من «أربعة» (وذلك من ~~بين إخفاقات أخرى). وبعبارة أخرى: فبالرغم من أن الأطفال ~~في عمر ثلاث سنوات يستطيعون استظهار مفردات الأعداد من ~~«واحد» إلى «عشرة»، فإنهم لا يستوعبون المفاهيم المرتبطة ~~بها مثلما يفهمها البالغون؛ فهم لم يدركوا بعد أن هذه ~~الكلمات تشير إلى كميات محددة. وفي نهاية المطاف، فإن ~~الاستعداد الفطري للأطفال لتمييز الكميات من 1 إلى 3 ~~يساعدهم في فهم مفردات الأعداد التي يسمعونها في كل ~~مكان حولهم. ويبدءون في إدراك المعاني الفعلية لكلمات مثل ~~«واحد» «واثنين» «وثلاثة»، وإن كان ذلك جزئيا على الأقل، ~~بسبب حاستهم العددية الفطرية. ثم يبدأ هذا الإدراك في ~~تنبيههم إلى أن بعض كلمات العد الأخرى تتطابق أيضا مع ~~كميات متتابعة محددة، لكن هذا الإدراك الأخير لا يتم ~~إلا تدريجيا. وليست الحال بالتأكيد أن الأطفال حين ~~يتعلمون مفردات الأعداد التي تشير إلى معظم الكميات، ~~يتعلمون مجرد أسماء للمفاهيم التي يألفونها بالفعل. # 11 # إن مثل هذا البحث يسهم في توضيح كيفية تشكيل الأعداد ~~الدقيقة في ms152 عقول الأطفال على مدار الوقت، بينما يتعرضون ~~لمفردات الأعداد وممارسات العد في بيئتهم الخاصة . وإجماع ~~الرأي الذي يظهر في علم نفس النمو واضح: مهارات التمييز بين ~~الكميات فطرية، في الجوانب التقريبية فحسب، وهي تستلزم ~~دعامات لغوية وثقافية لكي تتطور. ومثلما رأينا في الفصل ~~الخامس، فإن هذه الدعامات لا توجد في جميع ثقافات العالم، ~~لكنها توجد في معظمها. وبينما تختلف الجماعات السكانية ~~في الأساسات العددية التي تستخدمها، أو في مدى اعتمادهم على ~~الرياضيات النظامية، فإن الغالبية العظمى من الثقافات ~~تستخدم أنظمة عددية وما يرتبط بها من أشكال العد. وهذه ~~الاستراتيجيات اللفظية للعد، التي تدعم في كثير من ~~الأحيان بالعد على الأصابع أو أحد أنظمة العد بالعصي، هي ~~أساسية للغاية في تطور المفاهيم العددية في عقول ~~الأطفال. # 12 # وبالرغم من أن العديد من التفاصيل بخصوص اكتساب الأعداد ~~عند الأطفال لا يزال غامضا، توجد بعض المبادئ الراسخة التي ~~يكتسبها الأطفال بعد تعرضهم بشكل مستمر إلى مصطلحات ~~الأعداد وغيرها من التقنيات المرتبطة بالعد. ومن المبادئ ~~المحورية التي يتعلمها الأطفال الصغار هو «مبدأ الخلف» ~~ويكتسبه الأطفال عادة في سن الرابعة تقريبا، مما يشير ~~إلى الوعي بأن كل عدد في تسلسل العد يدل على كمية ~~تزيد بمقدار واحد تحديدا عن العدد الذي يسبقه. وفهم ~~مبدأ الخلف يشير إلى أن الأطفال قد فهموا أن الأعداد ~~لا تعبر عن الكميات بصورة عشوائية فحسب، بل إن تسلسل ~~الأعداد يؤسس بطريقة تسمح بأن يشير كل عدد إلى كمية ~~تختلف عن العدد السابق عليه بمقدار واحد فحسب. # 13 # ومن النقاط الأساسية أيضا في طريقنا للتفكير الحسابي، ما ~~نشير إليه باسم «المبدأ الكاردينالي». حين يتعلم الأطفال ~~هذا المبدأ، يدركون أن آخر عدد ينطق به عند عد ~~مجموعة من الأشياء، يصف عدد العناصر في المجموعة التي يجري ~~عدها أو كمية العناصر في المجموعة بأكملها. حين يصل الأطفال ~~إلى مرحلة المعرفة بالمبدأ الكاردينالي، يدركون أن كل ~~عدد يصف حجم مجموعة محدد بدقة، وهو إدراك يتشكل ~~تدريجيا وهم لا يتوصلون إليه بسهولة، ويختلف الوقت ~~المستغرق ms153 في التوصل إليه من طفل إلى طفل. بالرغم من ذلك ~~يمر الأطفال بمراحل متوقعة في طريقهم إلى الوصول لهذه ~~المرحلة: في البداية يمرون بمرحلة «معرفة العدد واحد» التي ~~يدركون فيها أن الكلمة «واحد» تمثل مجموعة تتكون من ~~عنصر واحد فقط، ثم يمرون بمرحلة «معرفة العدد اثنين»، ثم ~~«معرفة العدد ثلاثة»، ولا يصلون إلى مرحلة المعرفة بالمبدأ ~~الكاردينالي إلا بعد ذلك. وهم يصلون إلى مرحلة المعرفة ~~بالأعداد واحد واثنين وثلاثة بسهولة نسبية، حتى وإن كان ذلك ~~بصورة جزئية على الأقل؛ وذلك بسبب قدرتهم الفطرية على عد ~~أشياء تتراوح كميتها من 1 إلى 3 بدقة. # إن المبدأ الكاردينالي يساعد الأطفال على إدراك مفهوم ~~التكافؤ العددي (بمعنى أن أي مجموعتين تتساويان في عدد ~~العناصر التي تحتوي عليها كل منهما، يمكن مقابلة كل عنصر ~~من إحداهما بعنصر في الأخرى). وهذا الإنجاز الرائع يستلزم ~~شهورا أو حتى سنوات، وفي خلال هذا الوقت يتعرض الأطفال ~~لعدد هائل من المحفزات اللغوية التي تساعد في جعل الإدراك ~~الأساسي ممكنا. بالرغم من ذلك، فمثلما رأينا في الفصل ~~الخامس، لا يتعرض جميع الأطفال في العالم لهذا القدر الكبير ~~من المحفزات. ونظرا إلى أن الأطفال في بعض الثقافات لا ~~يتعرضون بالقدر الكافي إلى المحفزات الضرورية، فمن غير ~~المحتمل أن يعرفوا المبدأ الكاردينالي، وإدراك التطابق ~~بين كل عنصر والذي يقابله في المجموعات الكبيرة المتساوية ~~عدديا. وبعبارة أخرى: فإن النتائج التي لاحظناها في ~~الجماعات السكانية اللاعددية، تتنبأ بها دراسات علماء نفس ~~النمو، الذين قد وضحوا لنا الكيفية التي يكتسب بها ~~الأطفال المعرفة بالأعداد في الثقافات العددية. # 14 # لا تزال معرفتنا بشأن الآليات التي تنتج من خلالها ~~مفردات الأعداد والعد المفاهيم المجردة كالمبدأ ~~الكاردينالي تتشكل من خلال الدراسة التجريبية. ومن المثير ~~للاهتمام أن إحدى الدراسات الحديثة التي أجراها فريق من ~~علماء النفس قد بينت أن إيماءات اليد تساعد في تمهيد ~~الطريق للربط بين المفاهيم العددية والكلمات. وقد تضمن ~~الفريق سوزان جولدن مدو، وهي عالمة نفس بجامعة شيكاجو، وقد ~~كانت دائما في طليعة من يدرسون ms154 الإيماءات البشرية وما ~~يرتبط بها من عمليات إدراكية. وفي مجموعة من المهام ~~التجريبية التي أجريت على 155 طفلا، درس الباحثون ~~الإيماءات العددية التي يقوم بها الأطفال في المرحلة ~~العمرية ما بين 3 إلى 5 سنوات. وقد وجدوا أن الأطفال الذين ~~لم يفهموا المبدأ الكاردينالي، كان استخدامهم للكلمات ~~للإشارة إلى الكميات أكثر محدودية من استخدامهم للإيماءات ~~للإشارة إلى الكميات نفسها. وقد كان الأطفال يشيرون إلى ~~الكميات الصغيرة من خلال إيماءات اليد بدقة أكبر من الإشارة ~~إليها من خلال الكلمات. ومثلما يذكر الباحثون، فإن النتائج ~~توضح أنه «قبل أن يتعلم الأطفال المعاني الكاردينالية ~~لمفردات الأعداد مثل «اثنين» «وثلاثة» يكونون قادرين على ~~فهم التمثيلات غير اللفظية لأحجام هذه المجموعات والتواصل ~~بشأنها باستخدام الإيماءات». # 15 # إضافة إلى ذلك، اكتشف علماء النفس أن الأطفال الذين لم ~~يعرفوا المبدأ الكاردينالي بعد، يستطيعون تسمية المجموعات ~~الكبيرة بصورة تقريبية باستخدام أصابعهم، أفضل مما ~~يستطيعون تسميتها باستخدام الكلمات. فيبدو أن التمثيل ~~الإيمائي لبعض المفاهيم العددية يسبق التمثيل اللفظي. وربما ~~لا يكون ذلك مفاجئا؛ نظرا لما للأصابع من مزايا متأصلة ~~في تمثيل بعض الكميات، مقارنة بالكلمات. فيمكن للأصابع ~~تمثيل كمية العناصر في مجموعة صغيرة من خلال مطابقة كل ~~إصبع بعنصر في المجموعة، وذلك من خلال الأصابع المنفصلة ~~التي تستخدم معا في الوقت ذاته لتمثيل كل عنصر. ويكون ~~الأطفال أكثر استعدادا لتقدير الكميات الأكبر بصورة تقريبية ~~من خلال التمثيل البسيط باستخدام اليد الواحدة واليدين على ~~التوالي. أما الكلمات فهي على العكس من ذلك عشوائية في معظم ~~الأحوال، ولا بد من حفظها، ولا يمكن للأطفال استخدامها ~~بسهولة في وصف مجموعة معينة من العناصر، سواء أكان ذلك ~~بصورة دقيقة أم تقريبية. # وتتضح هذه الميزة المتعلقة بالتطور الحيوي للفرد، ~~التي تتسم بها الأصابع واليدان أيضا في الأنماط العابرة ~~للغات في مصطلحات الأعداد التي تناولناها في الفصل الثالث. ~~فعلى أي حال، نجد أن مفردات الأعداد تسمى عادة بأسماء ~~الأصابع واليدين التي كانت تستخدم منذ البداية في تمثيل ~~الكميات، ومنذ البداية مقصود بها من الناحية التاريخية ms155 ومن ~~ناحية التطور الحيوي الفردي على حد سواء. بالرغم من ذلك ~~فإن تعلم المفردات التي تعبر عن المفاهيم العددية في ~~نهاية المطاف، ييسر المعالجة الذهنية للكميات بدرجة ~~كبيرة؛ إذ يتعلم الأطفال التعبير عن عدد العناصر بدقة من ~~خلال الإشارات المعجمية. (تكون هذه الإشارة المعجمية الأدق ~~إلى الكميات لفظية لدى معظم الأطفال، ولكن يستطيع الأطفال ~~الصم بالطبع استخدام الإشارات اللغوية من أجل الإشارة إلى ~~الكميات بسرعة ودقة.) # من خلال اكتساب مفردات الأعداد والعد، يتعلم الأطفال ~~مبدأ الخلف، والمبدأ الكاردينالي، ويبدءون أيضا في إدراك ~~أن الكميات الكبيرة تكون متساوية إذا كان كل عنصر في ~~إحدى المجموعات يقابله عنصر في الأخرى، وهم يدركون معنى ~~التساوي الدقيق. وعلينا أن نلاحظ أنه بالرغم من وجود ~~الحاستين العدديتين لدى البشر، فإنهم لم يتمتعوا بأي ~~من هذه المبادئ الأساسية من خلال الغريزة، بل إننا نعمل ~~بجهد على مدار سنوات طفولتنا لكي نكتسبها. ونحن لا نبذل ~~مثل هذا المجهود في تعلمها إلا إذا لقمنا من هم حولنا ~~هبات الأعداد والعد (والواقع أن ذلك يكون في بعض الأحيان ~~في أثناء تلقيننا بالفعل). والذين ينتمون إلى ثقافات لا ~~تستخدم «الكثير» من الأعداد أو ممارسات العد، لا يمتلكون ~~الأدوات نفسها لتيسير هذا المجهود. # 16 # خاتمة # كيف نقوم إذن بالبناء على حاستينا الفطريتين للتفكير ~~العددي؟ كيف نؤسس صرح التفكير العددي الذي يتميز به البشر؟ ~~من التفسيرات المهمة والمنطقية، ذلك التفسير الذي تقدمه ~~عالمة النفس بجامعة هارفارد سوزان كاري: يتعلم الأطفال ~~مفردات الأعداد، لكنها تكون مجرد مفردات يحفظونها ~~بالترتيب، دون أن يدركوا العلاقة الدقيقة بين الكلمة «اثنين» ~~وبين الكمية 2، على سبيل المثال. وبصفة أساسية تكون الكلمات ~~بمثابة أوعية للمفاهيم التي ستملؤها فيما بعد. ومع مرور ~~الوقت، والتعرض الكافي لمفردات الأعداد تلك، يدرك ~~الأطفال أن بعض مفردات الأعداد لها معان محددة ترتبط ~~بمفاهيم يسهل تمييزها. ولأنهم يتمتعون بقدرة فطرية على ~~التمييز بين المجموعات التي تتكون من عنصر واحد أو عنصرين أو ~~ثلاثة عناصر؛ فإن لديهم نزعة تلقائية لإدراك ما تمثله ~~الكلمات «واحد» «واثنان» «وثلاثة» ms156 مثلما أن لديهم نزعة ~~تلقائية لإدراك بعض الاختلافات اللغوية الأخرى مثل صيغة الجمع ~~مقابل صيغة المفرد. فهم يبدءون في إدراك أن هذه الكلمات ~~تصف كميات محددة، ومع القدر الكافي من التعرض يربطون ~~بين الكميات الصحيحة وبين تلك الكلمات. ومثلما أشرنا سابقا، ~~فإنهم يمرون بمرحلة معرفة الواحد أولا، ثم الاثنين، ثم ~~الثلاثة، ثم يبدءون في استنتاج أن الكلمات التي تعلموها ~~بالترتيب، لا بد أنها أيضا تكافئ كميات محددة. وهم ~~يدركون أن ترتيب الكلمات يتوافق مع ترتيب الكميات الذي ~~يختلف بمقدار واحد؛ ومن ثم فإن «ثلاثة» «وأربعة» تجمع ~~بينهما نفس علاقة الإضافة التي تجمع بين «اثنين» «وثلاثة». ~~إن الحاسة العددية التقريبية تزودهم بوعي تأسيسي ~~لحقيقة أن الكميات الكبيرة يمكن تمييزها؛ ولهذا، فمن ~~المرجح أنها تؤدي دورا أساسيا في عملية اكتساب الأعداد ~~الأخرى. وفي نهاية المطاف، يبدأ الأطفال في إدراك أن «خمسة» ~~أكبر من «أربعة» بواحد، «وستة» أكبر من «خمسة» بواحد. ومع ~~القدر الكافي من التعود والممارسة، «يفهمون» مبدأ الخلف ~~تماما، وكذلك المبدأ الكاردينالي، ووجود التساوي الدقيق ~~للكميات الكبيرة، وما إلى ذلك. # 17 # بصفة أساسية، يمكن للأطفال أن يستخدموا المفاهيم التي ~~توصلوا إليها، مثل فكرة أن «ثلاثة» أكبر من «اثنين» ~~بواحد، ويشكلون مفاهيم أخرى على المنوال نفسه، على سبيل ~~المثال «ستة» أكبر من «خمسة» بواحد. فتكون الكلمات بمثابة ~~علامات إرشادية في هذه العملية، وتخبر الأطفال بأنه لا تزال ~~هناك مفاهيم عددية محددة يجب توليدها. إن تعلم ~~الأعداد ليست عملية لتسمية المفاهيم بقدر ما هي عملية ~~«إضفاء معنى المفاهيم على تسميات محددة.» # 18 # والتسميات في هذه الحالة هي مفردات الأعداد ~~المتسلسلة، التي لا يفهم الأطفال معانيها في البداية، ~~وتكون بمثابة أوعية للمفاهيم التي تملؤها بعد ذلك بطريقة ~~أنسب. وهذه العملية التي تتمثل في ابتكار مفاهيم جديدة من ~~المفاهيم القديمة؛ من أجل فهم كلمات لم يكتمل تشكيل ~~معانيها بعد، تعرف أحيانا باسم «التدعيم المفاهيمي» إذ ~~يطور الأطفال أنفسهم من الناحية المفاهيمية، وذلك من خلال ~~أدواتهم التمهيدية العددية البسيطة. # والآن يوجد عدد كبير من الأبحاث يدعم ms157 هذا التفسير في ~~صورته الأساسية، غير أن القدر الأكبر منها أجري على ~~أطفال في المجتمعات الصناعية الكبيرة؛ ومن ثم فالاتفاق ~~الواضح في الآراء هو أن مفردات الأعداد أساسية لتوسع ~~التطور في التفكير الكمي لدى البشر بما يتجاوز التفكير ~~الفطري المحدود؛ فمفردات الأعداد هي المفتاح الذي يحرر ~~إمكانية استخدام حاستينا العدديتين، أو يزيد من سهولة ~~تحريرها بصورة بارزة على الأقل؛ إذ تساعدنا الممارسة على ~~مفردات الأعداد والعد في نقل التمييز الدقيق للكميات إلى ~~الكميات الكبيرة التي كنا سنميزها على نحو تقريبي وخاطئ ~~لولا ذلك. وهذه القصة مقنعة، ويمكن الوثوق بها، وهي مدعمة ~~بالتجارب. وعلينا أن نلاحظ الدور الأساسي الذي تؤديه ~~اللغة في هذه القصة؛ فبالرغم من أن فهم الأطفال للفروقات ~~العددية إنجاز رائع، فهو يعتمد بصفة أساسية على مفردات ~~الأعداد وممارسات العد. # 19 # إن هذه المناقشة مقتضبة بكل تأكيد؛ فنحن لم نتناول ~~مختلف النتائج المثيرة، المرتبطة بالطرق التي يتعلم بها ~~الأطفال الأعداد والمهارات الكمية المرتبطة بها. بالرغم من ~~ذلك، فقد ركزت هذه المناقشة على بعض النتائج المهمة ~~المتعلقة بغايتنا الأشمل؛ وهي توضيح الدور الذي تؤديه ~~الأعداد في حياتنا، والدور الذي أدته على مدار تاريخ ~~البشرية. إن الأعداد وطرق العد تغير الطريقة التي ~~يفكر بها الأطفال في الكميات. وهي توفر مستوى جديدا من ~~الدقة في التفكير العددي لدى البشر، وهو لم ينتج ببساطة عن ~~التطور الطبيعي للدماغ، بل هو نتيجة النشأة في ثقافات ~~محددة طورت طرقا للعد وغيره من المهارات ذات الصلة. ~~وهذه الطرق والمهارات تعتمد في النهاية على مفردات ~~الأعداد. # الفصل السابع # | الكميات في عقول الحيوانات # بدأ علماء الحيوان مؤخرا في سبر أغوار ذكاء الأنواع الأخرى ~~بطرق جديدة؛ ففي المختبرات والمواقع الميدانية حول العالم، ~~يوضح الباحثون أن الرئيسات وغيرها العديد من أنواع الحيوانات ~~أكثر ذكاء مما قد نتوقع، أو أكثر ذكاء مما كنا نعتقد على ~~الأقل. وسنقدم مثالا على إحدى المهام الإدراكية المعقدة التي ~~كانت تستخدم لاختبار ذكاء الرئيسات، وهي مهمة نفذها العلماء ~~في معهد ماكس بلانك لعلم الإنسان التطوري، في ms158 مدينة لايبزيج في ~~ألمانيا. في هذه المهمة، يوضع أحد قردة الشمبانزي في غرفة ~~بها أسطوانة شفافة مصنوعة من مادة البلكسيجلاس، مثبتة في أحد ~~الجدران. وهذه الأسطوانة ضيقة وعميقة إلى حد ما (عرضها 5 ~~سنتيمترات، وطولها 26 سنتيمترا)؛ مما يجعل من المستحيل أن تصل ~~أصابع الشمبانزي إلى قاعها. وفي قاع هذه الأسطوانة، يضع أحد ~~الباحثين حبة من الفول السوداني، وقردة الشمبانزي تحب ~~الفول السوداني؛ ومن ثم فإن الشمبانزي يرغب في أكل حبة ~~الفول السوداني، لكنه مع الأسف الشديد لا يستطيع أن يفعل ذلك. ~~بالرغم من ذلك، فمن حسن الحظ أنه يوجد حل لهذا السيناريو، وإن ~~لم يكن واضحا في البداية. على بعد متر من الأسطوانة، يوجد إناء ~~مياه يمكن للشمبانزي أن يشرب منه. هذا الإناء لا يمكن تحريكه، ~~وكذلك هي الأسطوانة. فما الذي سيفعله شمبانزي جائع؟ إنه يرغب في ~~حبة الفول السوداني لكنه لا يستطيع استخدام يديه، وليس لديه ~~أداة طويلة صلبة لكي يحاول أن يغرسها في حبة الفول. (يشتهر ~~الشمبانزي في البرية بمقدرته على استخدام أدوات الطعن؛ فهم ~~يستخدمونها في قتل صغار الجلاجو على سبيل المثال من أجل الحصول ~~على مقدار ضئيل من البروتين.) وبالرغم من ذلك، فإن ما يمتلكه ~~الشمبانزي هو أداة سائلة؛ إنها المياه التي يستطيع أن يشربها. ~~حين يوضع أطفال البشر في مثل هذا الموقف، فإن العديد منهم ~~يواجهون صعوبة في التوصل إلى حل. والواقع أن الأطفال الذين ~~تقدم إليهم هذه المهمة وهم في سن الرابعة يفشلون في معظم ~~الأحوال تقريبا، ولا ينجح الأطفال في أداء هذه المهمة بانتظام ~~نسبي إلا في سن الثامنة. والحل بالطبع هو نقل المياه من ~~الإناء إلى الأسطوانة حتى تطفو حبة الفول السوداني، وترتفع ~~إلى مكان يمكن الوصول إليه بالأسطوانة. وتستطيع نسبة جيدة من ~~قردة الشمبانزي (الخمس تقريبا) أن تدرك أن عليها استخدام ~~أفواهها لكي تطفو حبة الفول السوداني إلى السطح؛ ولهذا فهم ~~يبصقون المياه على حبة الفول السوداني، بمقدار شربة في كل ~~مرة. وبعضها يتمتع بالقدر الكافي من المثابرة الذي يجعل ms159 حبة ~~الفول تطفو في مكان عال بالأسطوانة، فيستطيعون الوصول إليها ~~بأيديهم. لقد نجحوا في المهمة! # 1 # إن هذه المهمة هي واحدة فقط من المهام التي تشير إلى مدى ~~البراعة الإدراكية التي تتضح لدى أقرب إخوة لنا من الناحية ~~الوراثية، ويوجد الكثير غيرها؛ فالأبحاث التي تجرى على الحيوانات ~~قريبة الصلة منا، والعديد من الحيوانات غير قريبة الصلة، ~~تزيد باستمرار من فهمنا للقدرة الإدراكية لتلك الحيوانات؛ ~~فمن قردة الشمبانزي إلى غربان كاليدونيا الجديدة إلى الحيتان، ~~قد أطاحت سلسلة من الاكتشافات في العقود الماضية الأخيرة ~~بالعديد من الجدران الإدراكية التي كنا نظن أنها تقف بين نوع ~~«الإنسان العاقل» وغيره من الأنواع. وغالبا ما يكشف هذا البحث ~~النقاب عن بعض القدرات الذهنية الأساسية التي تتضح في ~~التجربة التي وصفناها للتو: الحيوانات الأخرى قادرة على التخطيط. ~~وهي قادرة على استخدام الأدوات، والتفكير في حل العديد من ~~المشكلات الحديثة بطرق كنا نظن من قبل أنها ~~مستحيلة. # وقد اتضح أن بعض هذه المشكلات ذات طبيعة حسابية. وفي هذا ~~الفصل سوف ننظر في بعض القدرات الكمية التي تمتلكها بعض ~~الحيوانات الأخرى، مع تناول بعض الأعمال التجريبية التي اكتشفت ~~هذه القدرات. إننا نخصص القدر الأكبر من انتباهنا للأبحاث التي ~~تجرى على قردة الشمبانزي وغيرها من الرئيسات؛ إذ إن هذه ~~الأنواع هي الأكثر ارتباطا إذا كنا نرغب في أن نحظى بفهم ~~أفضل للكيفية التي تطورت بها أشكال التفكير الكمي الفريدة ~~التي يتميز بها البشر. بالرغم من ذلك، فثمة تنبيهان يجدر بنا ~~أن نذكرهما منذ البداية؛ أولهما هو أن تلك الأبحاث التي تجرى ~~على الإدراك لدى الحيوانات، بما في ذلك الإدراك العددي، تتوسع ~~باستمرار. إن تاريخ هذه الدراسة حافل بالمراجعات؛ إذ يكتشف ~~الباحثون قطعا مهارات إدراكية جديدة في عقول الحيوانات، ~~والأرجح أن هذا الوضع سوف يستمر أيضا في السنوات القادمة. ~~وأما التنبيه الثاني، فهو أنه عند النظر في هذه الأبحاث، يجب ~~علينا أن نراعي ألا نكون شديدي التركيز على النوع البشري، أو ~~شديدي التشبيه بالصفات البشرية، عند تأويل النتائج. إن هذه ms160 ~~النقطة التي نتناولها تتطلب التوسع؛ إذ إنها أساسية في مجال ~~علم الإنسان وعلم الرئيسات، وغيرها من المجالات المرتبطة. ~~والنقطة الأساسية هنا أنه يجب علينا أن ندع البيانات تتحدث، ~~ونحاول أن نمنع تحيزاتنا الطبيعية من تحديد تأويلاتنا ~~للبيانات وما قد تخبرنا به عن طريقة تفكير الحيوانات وسلوكها. ~~إننا نميل إلى افتراض أن إدراك الحيوانات ليس له علاقة بالأبحاث ~~التي تجرى بشأن البشر؛ ذلك أن البشر بالطبع حيوانات من نوع ~~مميز لهم عقول تختلف تماما عن عقول الحيوانات، أو ربما تجري ~~فيهم روح أثيرية. ويمكن أن نطلق على هذا المنظور أنه بشري ~~التمركز. ووفقا لميول المرء الدينية أو الفكرية النظرية، يمكن ~~أن تكون هذه المكانة التي يحتلها الإنسان في هذا المنظور أمرا ~~جذابا للغاية. بالرغم من ذلك، فمن منظور يستند إلى ~~التجريبية، فإن الأدلة وحدها هي التي يجب أن توجه آراءنا ~~بشأن التفكير لدى الحيوانات. بدلا من افتراض أن الحيوانات ~~تفتقر إلى مهارات إدراكية محددة، مهارات قد يكون من الصعب ~~اكتشافها نظرا لصعوبة التواصل بين الأنواع المختلفة بعضها عن ~~بعض، يجب علينا أن نستبعد وجود مثل هذه المهارات بعناية ~~شديدة. # وعلى العكس من ذلك، فالعديد من الأشخاص يبدون ميلا ~~تلقائيا إلى تبني وجهة النظر المتمثلة في التشبيه بالإنسان، ~~وهي رؤية تفترض مسبقا أن الحيوانات الأخرى تتمتع بأفكار ~~وعواطف تشبه الأفكار والعواطف البشرية، ذلك أن البشر هم ~~«مجرد نوع آخر من الحيوانات.» بالرغم من ذلك، فثمة أسباب ~~وجيهة تدعو إلى الارتياب في أن الحالة الثانية ليست هي ~~الصحيحة، ويجب علينا أن نحرص على ألا نسقط السمات البشرية ~~على أفكار الحيوانات وسلوكياتهم، حين تكون البيانات ملتبسة. في ~~تفاعلاتي المتكررة مع طلبة الجامعة، أجد أن الموقف الأخير هو ~~السائد في معظم الحالات، ويعود ذلك جزئيا إلى التجارب التي ~~تجرى على الحيوانات الأليفة وغيرها من الحيوانات، التي غالبا ما ~~يشعر الأفراد برابطة حميمية معها. إن تصفح موقع فيسبوك أو ~~ريديت أو غيرها من مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر لنا دائما ~~مقاطع فيديو أو حكايات عن حيوانات أليفة ms161 تعبر ظاهريا عن ~~«حبها» لأصحابها أو «صداقتها» معهم. وبالرغم من أن تكوين ~~الحيوانات لعلاقات مع البشر هو أمر لا جدال فيه (يقترح بعض ~~العلماء في مجال علم الإنسان أن العلاقات بين البشر والحيوانات ~~كانت أساسية في تطور الثقافة)، فإنه يظل من الصعب أن ~~نقرر ما يدور فعليا في عقول الأنواع الأخرى. فعلى سبيل ~~المثال، ما مقدار ما يصدر عنها من سلوكيات بسبب «مشاعرها» ~~نحونا، أو نحو بعضها بعضا، ومقدار ما يصدر عنها بسبب العلاقات ~~المتوقعة بين المحفز والاستجابة؟ وحين تفكر الحيوانات وتعبر ~~عن مشاعرها، هل تفعل ذلك بطريقة تسمح لنا نحن - أفراد النوع الذي ~~استفاد من الأدمغة الأكبر حجما، وكذلك الثقافة واللغة - بإدراك ~~هذه الأفكار والمشاعر، على أنها تشبه أفكارنا ومشاعرنا بأي ~~شكل من الأشكال؟ إن الإجابات المناسبة عن مثل هذه الأسئلة ~~يصعب التوصل إليها، بالرغم من أي تخمينات حدسية قد ~~نطرحها. وبالرغم من أنه قد يكون لدينا ميل شخصي قوي تجاه وجهة ~~النظر البشرية التمركز، أو وجهة النظر المتمثلة في تشبيه ~~الحيوانات بالصفات البشرية، فإن هذا الميل قد تأسس على ~~الأرجح بناء على خبراتنا السردية. وفي نهاية المطاف، يكون ~~تأويل الخبرات الشخصية أساسا غير مرض للاستنتاجات ذات الطبيعة ~~العلمية، والدليل على ذلك أن التخمينات الحدسية الشخصية بشأن ~~مثل هذه الموضوعات يمكن أن تختلف بدرجة كبيرة. بعبارة أخرى: ~~التخمينات الحدسية بشأن الإدراك لدى الأنواع الأخرى، تخبر عنا ~~أكثر مما تخبر عنها. # 2 # في سياق التفكير العددي لدى الحيوانات، نجد قصة يستشهد بها ~~كثيرا، غير أنها لا تزال قصة تحذيرية مهمة، وهي قصة هانز ~~الذكي. وقد كان هانز الذكي حصانا جميلا من سلالة أورلوف تروتر. ~~وكان صاحب هذا الحصان رجلا ألمانيا يدعى فيلهلم فون أوستن، ~~ويبدو أنه كانت له مجموعة من الاهتمامات الاصطفائية، وكان منها ~~تدريس الرياضيات لهانز، وممارسة الفراسة، التي قد أصبحت الآن ~~مجالا بائدا من الدراسة، كان مختصا بدراسة الجماجم البشرية في ~~محاولة لاستكشاف القوالب الأساسية للدماغ، التي يفترض أنها ~~مخصصة لمهارات عقلية محددة. وكان من اهتماماته في العقد ms162 ~~الأول من القرن العشرين أن يوضح للجمهور أن هانز قادر على ~~أداء مجموعة متنوعة من المهام الإدراكية المعقدة، كان من ~~بينها قراءة بعض الكلمات الألمانية وتهجيها، وكذلك فهم ~~التقويم وإيجاد الحلول لجميع المسائل الرياضية. وفي مثل هذه ~~المهام، كان هانز يوضح كفاءته في المهارات العقلية ذات الصلة ~~من خلال النقر بحافره على الأرض لعدد معين من المرات. فعلى ~~سبيل المثال، إذا طلب فون أوستن من هانز أن يطرح 8 من 12، كان ~~هانز سيضرب بحافره على الأرض لأربع مرات. والواقع أن العديد ~~من المسائل الرياضية التي كان يبدو أن هانز يحلها، كانت ~~أعقد من ذلك بكثير، وقد أبهر الحشود في ألمانيا بقدرته على ~~الإجابة عن معظم الأسئلة بشكل صحيح. لقد أصبح شخصية مشهورة ~~بشكل ما، وذاع نبؤه في بعض المنشورات التي تصدر بعيدا مثل ~~صحيفة «نيويورك تايمز». # 3 # والآن، فمثلما قد خمنت على الأرجح، لم يكن هانز قادرا ~~بالفعل على أداء العمليات الحسابية، ولا هو كان قادرا على فهم ~~اللغة الألمانية؛ ولهذا فقد يتساءل المرء: كيف تسنى لفون أوستن ~~أن يخدع الجمهور من خلال التلميح لهانز بطرق لا يكتشفها ~~الجمهور؟ حسنا، هنا تأخذ القصة منحنى غير متوقع؛ فون ~~أوستن لم يكن يخدع جمهوره (ولا حتى كان يتقاضى منهم أي مال). ~~والحق أنه حين كان يسمح لأشخاص آخرين بأن يطرحوا على هانز ~~الأسئلة، لم يكن أداء الحصان يتراجع تراجعا كبيرا. وحتى حين ~~كان هؤلاء الأشخاص لا يعرفون هانز ولا فون أوستن، كان يبدو أن ~~هانز يفهم أسئلتهم ويستطيع أن يجيب عنها إجابات صحيحة في معظم ~~الأحوال. يظهر في المشهد أوسكار بفونجست، وهو عالم نفس ألماني كان ~~أقل إعجابا بكثير من هذه الحشود المنبهرة بالعرض الفرسي، ~~كان بفونجست واثقا من وجود شيء محير في هذا الأمر، ثمة ~~عامل متغير آخر كان يمكن هانز من التعبير عن الإجابة الصحيحة ~~عن طريق النقر بحافره على الأرض. ومن خلال مجموعة من التجارب، ~~أثبت بفونجست أن هانز ليس بارعا في حقيقة الأمر في ~~الرياضيات؛ فحين كان هانز ms163 لا يستطيع رؤية الشخص الذي يطرح عليه ~~السؤال، كان نقره على الأرض يتراجع إلى إجابات عشوائية. علاوة ~~على ذلك، وهذه نقطة مهمة، حين كان هانز يستطيع رؤية الشخص الذي ~~يسأله، لكن هذا الشخص نفسه لا يعرف إجابة السؤال، كان أداء هانز ~~يتراجع كذلك. # يمكننا أن نستخلص نتيجتين على الأقل من هذه القصة التحذيرية؛ ~~أولا: بالرغم من أن الحيوانات مثل هانز قد لا يكونون بارعين ~~في الرياضيات أو القراءة، فهم أفضل مما قد نعتقد بكثير في ~~تمييز المعلومات البصرية التي يقدمها لهم البشر. بالرغم من ~~أن السائلين لم يكونوا يتعمدون الكشف عن الإجابة لهانز، فقد ~~كانوا يقدمون له بعض التلميحات البصرية الخفية، التي أفادت ~~أداءه. وقد أوضح الفحص الدقيق أن رءوسهم كانت تتحرك قليلا ~~حين كانت سلسلة النقرات التي يصدرها هانز تقترب من الإجابة ~~الصحيحة. وبطريقة ما، كان هانز يلاحظ هذا التلميح غير ~~المتعمد في التواصل. ثانيا: يجب علينا أن نكون واعين ~~بالنزعة لتشبيه الحيوانات الخاضعة للتجارب، ببعض الصفات البشرية؛ ~~ففي حالة فون أوستن على سبيل المثال، قد واصل اصطحابه في جولات ~~بعد دراسة بفونجست للحيوان، وظل غير مقتنع بالنتائج التي ~~توصل إليها عالم النفس. لقد فقد فون أوستن حسه الموضوعي، ~~ويبدو أن ذلك لأنه أسقط بعض السمات البشرية على هانز، وربما ~~يعود ذلك جزئيا إلى الرابطة التي نمت بينهما. # لا تزال قصة تأثير هانز الذكي تتداول اليوم بسبب دروسها ~~الأساسية، والتي لا تزال تنطبق على الوضع في الوقت الحالي، بقدر ~~ما كانت تنطبق قبل أكثر من قرن. ولتتأمل قصة الغوريلا كوكو، ~~التي كان يزعم أنها تستطيع أن تتحدث «لغة إشارة الغوريلا»؛ ~~ومن ثم التواصل مع البشر. وهذا أيضا قد جعل من كوكو شخصية ~~شهيرة بعض الشيء، وقد تفاعلت مع ويليام شانتر، وروبن ويليامز، ~~والسيد روجرز، والعديد غيرهم من الشخصيات المشهورة. بالرغم من ~~ذلك، فقد ظهرت على مدار السنوات العديد من الانتقادات التي ~~وجهت للبحث الذي قامت به فرانسين باترسون، نظرا إلى الرابطة ~~القوية التي تجمع بين فرانسين وكوكو. وقد أوضحت ms164 هذه الانتقادات ~~بشكل مقنع أنه من الصعب أن نستنتج من تفاعلات باترسون مع ~~كوكو، نطاق المهارات الإدراكية والتواصلية لدى قردة الغوريلا؛ ~~فحين تنشأ بين الحيوانات ومدربيهم علاقات اجتماعية قوية، فإن ~~المدربين لا يحتفظون بالموضوعية التامة في معظم الأحوال، وقد ~~يميلون إلى إنتاج تأويلات تتسم بإضفاء سمات بشرية على ~~الحيوانات. # وتفسير تأثير هانز الذكي أيضا ليس أمرا مباشرا مثلما قد يبدو ~~ذلك؛ فقد يقترح أحدهم على سبيل المثال ألا يحضر المدربون عند ~~إجراء التجارب، أو استخدام التجارب مزدوجة التعمية فقط. إن ~~تنفيذ هذه الاقتراحات ليس بالأمر السهل، بل ربما يكون مستحيلا في ~~معظم الحالات؛ ففي معظم الأحيان، تستلزم التجارب أن تطيع ~~الحيوانات تعليمات المدربين الذين يثقون بهم، وتجمعهم معا ~~رابطة اجتماعية خارج سياقات المختبر. وإبعاد المدربين عن مثل ~~هذه السياقات يمكن أن يؤدي بسرعة إلى فشل المشروع ~~بأكمله. # إضافة إلى مثل هذه المخاوف، فالأنواع غير البشرية لا تمتلك ~~مهارات التواصل اللغوية بالطبع؛ ومن ثم فإن ما ناقشناه في ~~الفصل السادس من تحديات منهجية تتعلق بالدراسات على الأطفال ~~الذين لم يكتسبوا مهارة اللغة بعد، تنطبق أيضا على الحيوانات. ~~فبطريقة ما، من المدهش أننا نعرف أي شيء على الإطلاق عن ~~الإدراك الرياضي لدى الحيوانات. وليس من المفاجئ أن بعض ~~الخلافات بشأن نطاق الإدراك العددي لديهم لا تزال قائمة حتى ~~اليوم. على أي حال، فبالرغم من هذه الخلافات المستمرة، ~~ومجموعة التحديات المنهجية المرتبطة بمثل هذا العمل، فقد بدأنا ~~في فهم القدرات العددية لدى العديد من الأنواع، إضافة إلى البشر. ~~وبالرغم من أن الحيوانات قد تكون غير قادرة على حل المسائل ~~الرياضية مثل تلك التي كانت تطرح على هانز الذكي، فقد اتضح ~~أن إدراكها العددي لا يختلف كثيرا عن الإدراك العددي لدى ~~أطفال البشر. # الإدراك العددي لدى غير الرئيسات # تظهر مطابقة الكميات في سلوك الحيوانات بطرق غير ~~متوقعة وبشكل دائم. فلتتأمل ما يلي: في عام 1831، نقل ~~تجار الفراء في أونتاريو أن جماعة أوجيبواي من السكان ~~الأصليين، كانت تواجه نقصا حادا في الغذاء والفراء؛ ~~لأن أحد ms165 فرائسهم الأساسية، وهو أرنب حذاء الثلوج البري، قد ~~بدا أنه يختفي. وليس مصادفة أن تجار الفراء في شركة ~~هدسون باي، قد أذاعوا وجود نقص مماثل في حيوانات الوشق ~~الثمينة للغاية بسبب فرائها الناعم . ولأن حيوانات الوشق هي ~~أيضا تتغذى على الأرانب البرية؛ يبدو أن نقص النوع ~~الأخير قد ساهم في نقص عدد النوع الأول. وتوضح سجلات شركة ~~هدسون باي، التي يعود تاريخها إلى سبعينيات القرن السابع ~~عشر، أن هذا النقص في أعداد حيوانات الوشق والنقص في ~~الأرانب البرية قد تزامن حدوثهما معا على فترات منتظمة ~~تبلغ عشر سنوات. والآن، تقترح دراسات واسعة النطاق أن ~~هذا النقص المنتظم في عدد أفراد النوعين، يعود إلى أنماط ~~يمكن التنبؤ بها تتعلق بالزيادة الفائضة في عدد الأفراد. ~~فحين تصل بيئة محلية إلى درجة التشبع ولا يمكنها الاحتفاظ ~~بعدد أكبر من الأرانب البرية بسبب تناسلها الخارج عن ~~السيطرة، فإن ذلك يمكن أن يشكل ضغطا على الموارد ~~الغذائية؛ ومن ثم حدوث انخفاض بارز في معدلات تناسل ~~الأرانب البرية. وهذا الانخفاض يكون له تأثير غير مباشر على ~~أنواع أخرى كالوشق، على فترات زمنية منتظمة إلى حد ما ~~تبلغ عشر سنوات. # 4 # أو يمكننا أن نتأمل مثال حشرات الزيزيات، وهي عائلة من ~~الحشرات لها ما يزيد على 2000 نوع، ومنها جنس الزيزيات ~~الدورية، الذي يقضي الجزء الأكبر من دورة حياته تحت الأرض ~~يتغذى فيه على جذور الأشجار، ولا تخرج هذه الحشرات من تحت ~~الأرض إلا لكي تتكاثر بأعداد كبيرة للغاية. وبعد شهرين ~~تقريبا، وهي الفترة التي تتزاوج فيها هذه الحشرات وتضع ~~البيض للجيل التالي، تختفي الزيزيات البالغة مرة أخرى. ~~ووفقا لما يقوله السكان، فإن الزيزيات البالغة لا تظهر ~~مرة أخرى إلا بعد 13 أو 17 عاما. وهذه الدورة طويلة للغاية ~~ومنتظمة للغاية، فكأن هذه الحشرات تعد السنوات إلى أن ~~يحين موعد ظهورها من جديد، غير أن الأمر ليس كذلك بالطبع. ~~وما يبدو أنه قد حدث هو أن الطبيعة قد انتقت لصالح ~~الزيزيات دورة الظهور تلك؛ فمعظم الحيوانات التي ms166 تتغذى على ~~الزيزيات، تكون دورة التكاثر لديها من سنتين إلى 10 سنوات. ~~تخيل لو أن الزيزيات تظهر كل 12 عاما على سبيل المثال، ~~عندها كانت ستصبح فريسة أسهل لجميع الأنواع المفترسة التي ~~تأتي دورة تكاثرها كل عامين أو ثلاثة أعوام أو أربعة ~~أعوام أو ستة أعوام؛ إذ إن العدد 12 يقبل القسمة على 2 و3 ~~و4 و6؛ ومن ثم يمكننا أن نتوقع أن الزيزيات إذا تبعت ~~دورة تكاثر كل 12 عاما، سوف تواجه تحديات أعظم في التكاثر. ~~على العكس من ذلك، فإن الزيزيات عندما تتبع دورات تكاثر ~~أطول، وتتكرر على فترات زمنية منتظمة مثل 13 عاما أو 17 ~~عاما، ستواجه تحديات أقل من الأنواع الأخرى؛ فهذان ~~العددان من الأعداد الأولية ولا تسهل قسمتهما مثل العدد 12 ~~على سبيل المثال. إن الضغوطات البيئية قد انتقت لصالح ~~الزيزيات دورات تكاثر من الأعداد الأولية، ولغير صالح ~~الحشرات التي تتبع دورات تكاثر من أعداد تقبل قسمتها بشكل ~~متساو. # 5 # إن مثالي أرانب حذاء الثلوج البرية والزيزيات، ~~يوضحان أن الكميات المنتظمة تظهر في سلوك الأنواع غير ~~البشرية، ومنها الحشرات. غير أنهما يوضحان أيضا أن ظهور ~~هذه الكميات المنتظمة، لا يستلزم أن تتمتع الحيوانات ~~الأخرى بقدرات الإدراك العددي. وفي العديد من الحالات يمكننا ~~أن نفترض أنها لا تتمتع بها، وذلك على سبيل المثال، بسبب ~~المحدودية المتأصلة في الأنظمة العصبية للحشرات. على سبيل ~~المثال، نحن نعرف أن بعض أنواع النمل لديها القدرة على ~~التمييز الميكانيكي لعدد الخطوات التي قطعتها لكي تصل إلى ~~مكان محدد، لكن ذلك الإدراك لا يشير بشكل مؤكد إلى ~~أن النمل يستطيع استيعاب الكميات. # 6 # بالرغم من ذلك، فحين يمتد نقاشنا لكي يشمل كائنات أكثر ~~تعقيدا مثل السمادل وأنواع متعددة من الأسماك، فإننا نجد ~~أن العديد من الأنواع التي تقع على أغصان بعيدة من شجرة ~~الحياة تتمتع بقدرات إدراكية لتمييز الفرق بين الكميات ~~الكبيرة والصغيرة. غير أنه لا يتضح لنا في مثل هذه الحالات ~~ما إذا كانت هذه القدرات الظاهرية في تقدير الكميات، تعود ms167 إلى ~~بعض العوامل غير المحددة مثل الحجم الكبير أو الكثافة أو ~~الحركة المرتبطة بالكميات الكبيرة. فلننظر في حالة ~~السمادل؛ في إحدى الدراسات، خير الباحثون السمادل بين ~~أنبوبين مملوءين بوجبة شهية، وهي ذباب الفاكهة، وبين ثلاثة ~~أنابيب مملوءة أيضا بها، وتلقائيا، اختارت السمادل الاختيار ~~الذي يحتوي على عدد أكبر من ذباب الفاكهة. بالرغم من ذلك، ~~في دراسة أخرى، اكتشف الباحثون أن اختيار السمادل لوجبة ~~شهية أخرى، وهي الصراصير الحية، كان يتوقف على كمية الحركة ~~التي تقوم بها الحشرات التي يرونها. وعند الحد من هذه ~~الحركة، بدا أن اختيار السمادل لكمية الصراصير التي يرونها، ~~كان عشوائيا، أي إن السمادل تميز الكمية المتواصلة ~~لشيء ما (الحركة الكلية) حين تقوم بمثل هذه الاختيارات، لكنها ~~لا تميز الكميات الفردية، مثل 2 و3 وما إلى ذلك. لقد أوضحت ~~الكثير من الدراسات التي أجريت في البرية أن أنواعا ~~كثيرة يمكن أن تكون انطباعات عن الكمية الأكبر من شيء ما، ~~غير أن الدراسات التي تجرى خارج المختبرات لا تستطيع ~~التحكم في متغيرات هي ضرورية لفهم مقدار ما يعود من قدرة ~~الحيوانات على إدراك كميات الحيوانات الأخرى، إلى القدرة على ~~التمييز بين الأكثر أو الأقل من «الأشياء»، أو الحركة ~~المستمرة، مقارنة بقدرة الحيوانات على التمييز بين الكميات ~~على نحو منفصل. # 7 # إن الفئران، التي لا ننظر إليها عادة على أنها أحد ~~أنواع الثدييات القريبة لنوعنا، تشترك في جزء كبير مع ~~السلالة البشرية، وهي قادرة على تمييز الكميات. لقد ثبت هذا ~~الأمر منذ أكثر من أربعة عقود الآن؛ ففي دراسة أجريت عام ~~1971، اكتشف الباحثون أنه يمكن تدريب الفئران على الأعداد ~~التقريبية؛ فالفئران التي كانت تتلقى مكافأة على الضغط على ~~ذراع رفع لعدد محدد من المرات، كانت تقترب من بلوغ هذا ~~العدد بعد التمرين. فعلى سبيل المثال، عند مكافأة أحد الفئران ~~بعد الضغط على ذراع الرفع لخمس مرات، وكانت تتوفر أمامه ~~الفرصة لدفع الذراع بعد ذلك، فإنه كان يدفعه لخمس مرات ~~تقريبا. وكلمة «تقريبا» هنا أساسية للغاية؛ فالفئران لا ~~تتذكر أنه ms168 يجب عليها دفع الذراع لخمس مرات على وجه ~~التحديد، لكنها تستطيع أن تتذكر أنه يجب عليها دفع الذراع ~~حوالي خمس مرات. وفي مثل هذه الحالات، فسوف يكونون أقرب إلى ~~دفع الذراع خمس مرات من دفعه ثماني مرات، على سبيل المثال. ~~بالرغم من ذلك، فإن نطاق الأخطاء في عدد المرات التي يرفع ~~فيها الفئران الذراع، يزداد مع زيادة الكمية المستهدفة. ~~وبالرغم من أن استجابات الفئران في دراسة عام 1971، كانت ~~فوضوية، فقد كانت تتوزع بصورة طبيعية حول الكمية التي ~~دربوا عليها. وهذه الاستجابات ذات الصوت المزعج، والصحيحة ~~في معظم الأحيان، تشير إلى أن الفئران كغيرها من العديد من ~~الأنواع الأخرى، وكالبشر الذين لا يعرفون الأعداد؛ غير قادرة ~~على التمييز بدقة بين الكميات؛ غير أنها قادرة على تحديد ~~الكميات بصورة تقريبية، وحقيقة أن هذا النوع من الثدييات ~~بعيدة الصلة بالبشر، يستطيع تمييز الكميات بصورة تقريبية، ~~تقترح أن الحاسة العددية التقريبية لدى البشر كانت موجودة ~~في سلفنا المشترك مع الفئران. وقد كان ذلك النوع موجودا قبل ~~ستين مليون عام على الأقل. # 8 # بعض الأنواع الأبعد صلة بالبشر تتشارك معهم أيضا في ~~القدرة على تحديد الكميات بصورة تقريبية، غير أنه ليس من ~~الواضح في مثل هذه الحالات أن ذلك يعود إلى وراثتنا المشتركة ~~للقدرات العددية الفطرية. ومعنى هذا أن الحيوانات الأخرى ~~تتمتع بمهارات إدراكية «مماثلة» لا مهارات إدراكية ~~«متناددة». والسمات المماثلة هي سمات مشابهة توجد ~~على مستوى النوع؛ إذ تطورت بشكل مستقل للتغلب على ~~تحديات بيئية متشابهة. وعلى العكس من ذلك، فالسمات ~~المتناددة تشير للخصائص التي توجد في العديد من الأنواع ~~لوجود أسلاف مشتركة بينها؛ على سبيل المثال، الأرجل الأربعة ~~لدى الأسود والدببة سمة متناددة، أما أجنحة الفراشات، ~~والوطاويط، والطيور، فهي سمات مماثلة. # بعض أنواع الطيور التي لا تجمعها بالبشر إلا صلة بعيدة، ~~تتمتع بالقدرة على تقدير الكميات، غير أنه ليس من المؤكد ~~مقدار ما يعود من هذه القدرة إلى العناصر الإدراكية ~~المتناددة أو المماثلة، مقارنة بالبشر. ثمة قصص ~~وأساطير عن طيور تستطيع العد بصورة ms169 دقيقة، لكن من الصعب ~~أن نلغي تأثير العناصر الملفقة في مثل هذه الحكايات. ~~علاوة على ذلك، فالعديد من البشر الذين يمتلكون طيورا ~~أليفة، مقتنعون بأن هذه الطيور (أو غيرها من الحيوانات ~~الأليفة على أي حال) تتمتع بقدرات رياضية. غير أن هذه ~~الحكايات القصصية لا تدخل في نطاق نقاشنا هنا؛ وذلك بسبب ~~عوامل كتأثير هانز الذكي، ونزعتنا إلى إسقاط السمات البشرية ~~على الحالة العاطفية والحالة الإدراكية لحيواناتنا الأليفة، ~~دون سبب مقنع. بالرغم من ذلك، ومع تنحية مثل هذه الحكايات ~~جانبا، فإن لدينا أدلة تجريبية قوية توضح أن العديد ~~من غير الرئيسات، ومنها الطيور والفئران، تستطيع تحديد الكميات ~~على نحو تقريبي. غير أنه حتى في التجارب التي تجرى على ~~حيوانات ذكية نسبيا (مقارنة بالسمادل على سبيل المثال)، ~~فمن الصعب أن نضبط جميع العوامل المتغيرة لكي نضمن أن ~~مهارة التقريب التي نكشف عنها لها طبيعة كمية بالفعل. # فلننظر في هذا المثال؛ حين قدم الباحثون إلى إناث الأسد ~~في متنزه سيرينجيتي تسجيلا صوتيا لأنثى أسد أخرى تزأر، ~~اقتربت الإناث في الغالب من مصدر الصوت لكي تدرأ الدخيلة ~~المزيفة. وعلى العكس من ذلك، حين سمعت إناث الأسد تسجيلا ~~لثلاث من إناث الأسد، لم تكن تقترب من مصدر الصوت في معظم ~~الأحوال؛ فهل تستطيع إناث الأسد عد مصادر الزئير الذي ~~تسمعه؟ ربما، ولكن من الصعب التأكد من مثل هذه المهمة؛ ربما ~~كانت تحدد فقط السعة العامة للزئير، ربما لديها علاقة ~~غامضة بين مقدار الزئير ومقدار الخطر، بدون التمييز بين كمية ~~أي من المتغيرين بمصطلحات عددية مجردة. وبصرف النظر عن ~~التفاصيل، فإن القدرات الإدراكية الحسية لدى إناث ~~الأسد، تفيدهم في زيادة فرص البقاء؛ إذ تجنبهم المخاطر ~~غير الضرورية، وهي تشير إلى أن إناث الأسود تستطيع تمييز ~~عدد الأسود الأخرى التي تصدر ما تسمعه من زئير. وفي سياق ~~مماثل، فمن المعروف أن الحمام يستطيع دائما أن يختار ~~الكمية الأكبر من الغذاء دون تدريب. وهذا الانحياز في الاختيار ~~أيضا، يضفي مزايا واضحة على فرص بقاء الحيوان وتكاثره؛ ~~فتجنب الخطر ms170 أو اختيار غذاء يحتوي على عدد أكبر من ~~السعرات الحرارية، أو تقدير الكميات، كل ذلك يساعد الحيوانات ~~على التفوق في بيئاتها المختلفة. # 9 # ما يبدو واضحا من هذه النتائج وغيرها، هو أن العديد من ~~الأنواع تستطيع التمييز بين الكميات بشكل تقريبي. غير أن ~~هذه النتائج تشير أيضا إلى أن تمييز الكميات يعتمد في بعض ~~الأحيان على الإدراك التقريبي لبعض العوامل المستمرة (أي ~~إن بعض الاختيارات في المواقف التجريبية وغير التجريبية، ~~يعكس تفضيلا «للكمية» الأكبر من عنصر ما). ومثلما أشار ~~عالم الإدراك كريستيان أجريلو مؤخرا إلى أن «العددية ~~تتغير تغيرا مصاحبا لبعض السمات المادية الأخرى (وهي ~~المساحة التراكمية للسطح أو السطوع أو الكثافة أو المساحة ~~الإجمالية التي تشغلها المجموعات)، ويمكن للكائنات استخدام ~~الحجم النسبي للمتغيرات المستمرة، لتقدير أي المجموعات ~~أكبر أو أصغر.» # 10 # وتمييز مقدار مثل هذه السمات ذات الصلة، ~~يقدم مزايا واضحة لبقاء الأنواع ونجاحها في التكاثر. ~~بالرغم من ذلك، فهذه القدرات تختلف في طبيعتها عن القدرتين ~~العدديتين لدى البشر؛ القدرة على تمييز المجموعات الصغيرة، ~~والتعرف على عددها بصريا بسرعة وتلقائية، والقدرة على ~~التوصل إلى عدد المجموعات الكبيرة بشكل تقريبي. # غير أن بعض الأبحاث التجريبية تقترح بقدر أكبر من ~~الوضوح أن بعض أنواع غير الرئيسات، تتشارك معنا في واحدة ~~على الأقل من هاتين القدرتين العدديتين، وهي الحاسة ~~العددية التقريبية الفطرية. إضافة إلى ذلك، ففي حالة عدد ~~قليل من الحيوانات التي أجريت عليها الاختبارات، مثل الكلاب ~~أو طيور أبي الحناء النيوزلندي، يبدو أنها تستطيع تمييز عدد ~~العناصر في المجموعات الصغيرة بدقة، كالإنسان تقريبا. ~~وبالفعل، فقد أوضحت الأبحاث أن طيور أبي الحناء النيوزلندي ~~قادرة على التمييز بين عنصر واحد مقابل عنصرين، وكذلك بين ~~عنصرين مقابل ثلاثة عناصر، وثلاثة عناصر مقابل أربعة عناصر. ~~بالرغم من ذلك، فعند المقارنة بين مجموعات يزيد عددها على ~~أربعة عناصر، لا تنجح في التمييز إلا أن يكون معدل الفرق ~~بين المجموعتين 1 : 2 على الأقل، أي إذا كان عليهم الاختيار ~~مثلا بين أربعة عناصر وثمانية. وهذا الاستعداد لتمييز ms171 الكميات ~~الصغيرة بدقة، وتمييز الكميات الكبيرة بشكل تقريبي، ~~يذكرنا للغاية بما لاحظناه فيما يتعلق بالبشر الذين لم ~~يكتسبوا مهارة اللغة بعد، والبشر الذين ينتمون إلى ثقافات لا ~~عددية. # 11 # ومن المثير للدهشة أن بعضا من أفضل الأدلة المستقاة من ~~أنواع مختلفة، بشأن الأنظمة المحددة لتمييز الأعداد، يأتي ~~من نوع أبعد صلة بالبشر من ناحية تطور النوع. لقد أثبتت ~~الأعمال البحثية الحديثة أن أسماك الجوبي (وهي نوع من ~~الأسماك الصغيرة) تستطيع تمييز الكميات الصغيرة وتقدير الكميات ~~الكبيرة كذلك. لقد قام الباحثون في مجال الإدراك لدى الحيوانات ~~بوضع أسماك الجوبي؛ كل بمفردها في بيئة تستطيع فيها ~~الاختيار بين الانضمام إلى واحدة من مجموعتين ظاهرتين. وحين ~~كان عدد كلتا المجموعتين يزيد على أربع سمكات، كانت ~~الأسماك تختار الانضمام إلى المجموعة الأكبر، التي ستكون ~~أكثر أمنا في أغلب الأحوال، غير أنها كانت تستفيد في هذا ~~الاختيار من وجود فرق كبير في النسبة بين المجموعتين. ومعنى ~~هذا أنها كانت تختار المجموعة الأكبر في معظم الأحوال، إذا ~~كان الاختلاف بين عددها وبين عدد المجموعة الأصغر بنسبة 2 : 1 ~~أو 3 : 1 أو 4 : 1، وتزداد احتمالية اختيارها، بزيادة حجم ~~النسبة بين الخيارين. وأيضا كانت أسماك الجوبي تختار ~~المجموعة الأكبر عادة من مجموعتين، حين كانت كل مجموعة ~~تحتوي على أربع سمكات أو أقل. ومن المثير للاهتمام أن هذا ~~الاتساق في الاختيار لم يتأثر وفقا للنسبة في الكميات ~~الأصغر. فإذا كانت إحدى المجموعتين تحتوي على سمكتين، ~~والأخرى تحتوي على أربع سمكات، كانت الأسماك تختار المجموعة ~~الأخيرة في ثلثي المرات تقريبا. وحتى حين كانت إحدى ~~المجموعتين تحتوي على ثلاث سمكات، وتحتوي الأخرى على أربع، ~~كان السمك لا يزال يختار المجموعة الأخيرة في ثلثي المرات ~~تقريبا. وبالرغم من أن البشر يؤدون مثل هذه المهام ~~بدقة أكبر من ذلك بكثير، فثمة تشابه مثير للاهتمام في ~~استجابات الأسماك. إنها مثلنا، يبدو أنها تميز الكميات ~~الصغيرة بدقة، مقارنة بتمييزها للكميات الكبيرة. # 12 # لقد تعلم الباحثون القدر الكبير عن الإدراك العددي لدى ~~أنواع الرئيسات فيما ms172 دون البشر، لكن ما لم يتعلموه بعد لا ~~يزال أكبر. إن الصورة التي ترسمها الأعمال المعنية بهذا ~~الموضوع، التي لم أشرح منها إلا القدر القليل، لا تزال غير ~~واضحة؛ ففي حالة العديد من الأنواع، يبدو أن تمييز الكميات ~~يستند بصفة أساسية على الإدراك الحسي للمتغيرات ~~المستمرة، مثل مقدار ما يدركونه من حركة. إضافة إلى ذلك، ~~فإن استراتيجيات التمييز التي تستخدمها بعض أنواع من غير ~~الرئيسات ، يمكن أن تختلف وفقا للمهمة أو للمحفز الذي ~~تتضمنه المهمة، وسوف تستمر الأعمال المستقبلية في اختبار ~~مثل هذه المتغيرات. وستكون هذه الأبحاث محورية في فهمنا ~~لتطور الأنظمة العددية البيولوجية العصبية، مثل تلك الموجودة ~~لدى الإنسان. فنحن لا نعرف حتى الآن، على سبيل المثال، مدى ~~تميز الإدراك العددي لدى الفقاريات، أو مدى تميز المهارات ~~العددية الفطرية لدى الرئيسات، مقارنة بغيرها من الفقاريات ~~الذكية مثل الطيور. علاوة على ذلك، فلا تزال هناك فجوات ~~واضحة في سجل التجارب على الحيوانات الأخرى؛ فعلى سبيل ~~المثال، لا توجد أعمال قد أجريت بشكل منهجي على مهارات ~~إدراك الكميات لدى الزواحف. وسوف يساعدنا سد هذه الفجوة ~~الموجودة في سجل التجارب، على تحقيق فهم أفضل عن مدى ~~قدم القدرات العددية الفطرية لدى الإنسان، وكذلك مقدار ما ~~يعود من القدرات العددية لدى العديد من الأنواع إلى السمات ~~المتناددة التي تتشارك فيها مع البشر. إذا لاحظ الباحثون ~~وجود قدرات مشابهة لدى الزواحف، فربما يكون لدينا دليل ~~أوضح على أن بعض القدرات العددية المتناددة تعود إلى ~~النوع السالف من الثدييات، كالزواحف والطيور والأسماك وغيرها ~~الكثير من الفقاريات، وهو نوع يعيش منذ ما يزيد على 400 مليون ~~سنة. # الإدراك العددي لدى الرئيسات # إن الإدراك العددي لدى الرئيسات فيما عدا البشر، يرتبط ~~بقصة الأعداد بصورة خاصة. فالرئيسات الأخرى، ومنها القردة ~~العليا مثل الشمبانزي، هي الأقرب إلينا من الناحية الوراثية، ~~مما يعني أن الجينوم الخاص بها شبيه للغاية بالجينوم ~~البشري؛ ففي حالة الشمبانزي، يشير أحد الأبحاث إلى أن ~~التطابق بين المجموع الجيني لنوعينا يبلغ 99 بالمائة ~~تقريبا (وينطبق الأمر ms173 نفسه على نوعنا والبونوبو). ونحن ~~نتشابه في طبيعتنا البيولوجية نظرا إلى هذا التطابق الجيني؛ ~~ومن ثم، فإذا كنا نحرص على الوصول إلى فهم أفضل بشأن ~~حاستنا العددية الفطرية، فمن الضروري لنا أن نستكشف عقول ~~هذه الحيوانات وغيرها من الرئيسات ذات الصلة. لكن بالرغم من ~~أننا نتشارك الكثير من جينات شفرتنا الوراثية مع بعض ~~الرئيسات الأخرى، فعلينا أن ننتبه لئلا نفسر سلوكها من ~~خلال إسقاط سمات بشرية عليها . والواقع أن التشابه بين ~~شفراتنا الوراثية، لا يخبرنا إلا بالقدر الضئيل عن الإدراك ~~العددي لدى أولاد عمومتنا هؤلاء. # 13 # يعود التركيب الحلزوني المزدوج المميز لجزيئات الحمض ~~النووي «دي إن إيه» إلى ارتباط أربع قواعد فقط من ~~النيوكليوتيدات على شكل يشبه السلم، وهذه القواعد هي: ~~(الأدينين والسيتوسين والجوانين والثايمين)، ونشير إليها ~~بالرموز المألوفة: # A # و # C # و # G # و # T ~~. إذن، توجد أربعة ~~مكونات في الحمض النووي «دي إن إيه» هي التي تؤلف ~~الجينات في نهاية المطاف، حتى جينات الأنواع المختلفة عن ~~نوعنا. إضافة إلى ذلك، فالعديد من هذه الأنواع تتسم ~~بتشابهات بارزة في مادتها الوراثية المصنوعة من الحمض ~~النووي «دي إن إيه»، وهي الجينومات الخاصة بها؛ فعلى سبيل ~~المثال يوجد تشابه بنسبة 25 بالمائة بين الجينوم البشري ~~وجينوم العنب. (ونحن نمتلك عدد جينات أقل مما يمتلكه ~~العنب!) # 14 # ويجب علينا أن نأخذ بعض الحذر قبل التوسع في ~~القراءة بشأن نسب التشابه الجيني بين الأنواع؛ فأنا أشك ~~أن ينتهي بك الأمر لأن تعتبر نفسك عنبة بنسبة الربع! وعلى ~~أي حال، فإن الجينوم البشري يتشابه بدرجة كبيرة مع غيرنا ~~من أنواع الثدييات بسبب وجود سلف مشترك يجمعنا بها. فعلى ~~سبيل المثال، نجد أن نسبة التشابه الجيني بين البشر وبين ~~نوعي الكلبيات والبقريات، تبلغ 85 بالمائة. ونظرا إلى ~~هذه العوامل، وكذلك إلى الاختلاف السلوكي الواضح بين الكلاب ~~والأبقار والبشر؛ فيجب أن نتأنى حين نستقي أي استنتاجات ~~تقوم على التشابه الجيني بين الشمبانزي والبشر. وبالطبع، ~~فعلينا ألا نتوقع أن حيوانات الشمبانزي قادرة على ~~التفكير العددي بلا شك، ms174 لأنها وثيقة الصلة بنا فحسب؛ ~~فالتغييرات الصغيرة في التكوين الجيني يمكن أن ينتج عنها، ~~ضمن عوامل أخرى، تغييرات كبيرة في حجم الدماغ. ولكي نفهم ~~العلاقة بين التفكير العددي لدى البشر، وما يرتبط بهم من ~~الأنواع الأخرى؛ فعلينا أن ندع البيانات التجريبية هي التي ~~تتحدث. # وها هي البيانات تتحدث؛ فعلى مدار العقود العديدة الماضية، ~~كان العديد من الباحثين الجسورين يستكشفون العوالم الإدراكية ~~لحيوانات الشمبانزي وغيرها من الرئيسات غير البشرية، ويضعون ~~تصورا للإدراك العددي لدى هذه الحيوانات . ونتيجة لهذا ~~التصور، فقد أصبح من الواضح لنا الآن أن أقاربنا من ~~الرئيسات تتشارك معنا بالفعل في قدر من مهارتنا الفطرية في ~~التعامل مع الأعداد، وهي تتشارك معنا أيضا في قدر من القيود ~~التي نواجهها في غياب الأعداد. فهي تمتلك قدرات عددية ~~متناددة، تتسم بتشابه صارخ مع حاستينا العدديتين ~~للتمييز الدقيق للكميات الصغيرة، والتمييز التقريبي للكميات ~~الكبيرة. # وفي تجربة شبيهة ببعض التجارب التي أجريت على أطفال ~~البشر، اكتشف علماء النفس أن قرود الريسوس تستطيع التمييز ~~بين الكميات الصغيرة. قدمت إلى القرود في هذه التجربة ~~كميات مختلفة من طعام لذيذ (شرائح التفاح)، ثم أخفيت عن ~~أبصارها. بعد ذلك، كان يسمح للقرود باختيار الكمية التي ~~تريدها من هذا الطعام المختفي. وحين كان اختيارهم يقع بين 1 ~~و2 من شرائح التفاح أو بين 2 و3، أو بين 1 و3، أو حتى بين 3 ~~و4، فقد كانت تختار الكمية الأكبر دوما. بالرغم من ذلك، فقد ~~اتضح أنها غير قادرة على اختيار الكمية الأكبر من شرائح ~~التفاح بصورة مستمرة ومنتظمة، حين كانت تختار بين 4 و6 ~~على سبيل المثال. في مثل هذه الحالات، كانت اختياراتها تتراجع ~~إلى اختيارات عشوائية، مما يشير إلى أن أدمغتها مزودة ~~بالقدرة على التمييز بين الكميات الصغيرة فقط. # 15 # وفي المهام التي تتسم بقدر أكبر من التجريد، اتضح أن ~~قرود الريسوس أيضا تستطيع تمييز الفروق الكبيرة بين الكميات، ~~لكن هذه القدرة على التمييز تتوقف على مدى التباين بين ~~هذه الكميات. فعلى سبيل المثال، وضحت إحدى الدراسات ms175 أنه ~~يمكن تدريب القرود على تمييز مجموعة من العناصر في ترتيب ~~تصاعدي. وبعد تدريبها بهذه الطريقة، فقد تعلمت أن تختار ~~مجموعات تتكون من عنصر واحد وعنصرين و3 عناصر و4 عناصر، ~~بالترتيب. بعد ذلك، قدم الباحثون لها مجموعتين تحتويان على ~~عدد أكبر من العناصر، وقد تمكنت القرود من لمس المجموعة ~~الأصغر أولا بصورة منتظمة؛ فقد استطاعت ترتيب الكميات ~~الكبيرة مثلما تعلمت ترتيب الكميات الصغيرة. بالرغم من ذلك، ~~فقد كان الوقت الذي استغرقته القرود في أداء هذه المهام، ~~يختلف وفقا لمدى التفاوت بين الكميات الكبيرة؛ فكلما زاد ~~حجم التفاوت، زادت سرعة القرود في الاستجابة. وفي دراسة ~~متابعة، كانت استجابة اثنين من القرود تشبه استجابة 11 من ~~البالغين الذين أجريت التجربة عليهم حين منع الخاضعون ~~للتجربة من البشر، من العد اللفظي. وهذا التشابه يدل على ~~وجود حاسة عددية تقريبية قديمة، ورثها كل من قرود ~~الريسوس والبشر. # 16 # إن النوع الأقرب للإنسان على شجرة الحياة، وهو يوجد على ~~الغصن المجاور في حقيقة الأمر، يستطيع تمييز الكميات بطرق ~~محكمة نسبيا. إن قدرات الشمبانزي على تمييز الكميات ~~تذكرنا بما لاحظناه في أطفال البشر؛ فعلى سبيل المثال، ~~مثلما يميل الأطفال إلى اختيار الكمية الأكبر من الحلوى حين ~~يتاح لهم الاختيار، تميل حيوانات الشمبانزي إلى اختيار ~~الكمية الأكبر من أصناف الطعام اللذيذة، حين تقدم إليها ~~صينيتان تحتويان على كميات مختلفة من الأطعمة الشهية. ~~وقبل 30 عاما تقريبا، لاحظ ~~الباحثون في مجال الحيوان ~~أنه عند تقديم طبقين يحتويان على كمية صغيرة من رقائق ~~الشكولاتة إلى قردة الشمبانزي، كانت تختار الطبق الذي يحتوي ~~على الكمية الأكبر في معظم الأحيان. غير أن أداء هذه ~~الحيوانات قد أصبح يعتمد على الصدفة بصورة أكبر عند تقديم ~~كمية أكبر من الشوكولاتة، مع عدم وجود فرق بارز بين الكمية ~~الموجودة في كل طبق. بعبارة أخرى: كانت اختيارات القرود تتسم ~~بتأثير نسبة الفرق ذاته، الذي لاحظناه في العديد من التجارب ~~الأخرى التي أجريت على غير ذلك من الحيوانات والبشر الذين ~~ينتمون إلى ثقافات لا عددية. والأمر ms176 الأجدر بالملاحظة، أن ~~نتائج الدراسة المعنية التي تشير إلى أن قردة الشمبانزي ~~لا تستطيع تمييز الكميات الكبيرة من رقائق الشوكولاتة عند ~~وجود اختلاف كاف بين كمية الطبقين فحسب، بل تستطيع أيضا ~~جمع الكميات معا قبل المقارنة بين إجمالي كمية رقائق ~~الشوكولاتة في كل من الطبقين. ففي بعض الحالات على سبيل ~~المثال، كانت القردة تواجه اختيارا بين طبقين. يحتوي أحد ~~الطبقين على كومتين من رقائق الشوكولاتة، تحتوي إحداهما على ~~ثلاث رقائق، بينما تحتوي الأخرى على رقاقتين. أما الطبق ~~الآخر، فقد كان يحتوي على كومتين أيضا، لكن إحداهما تحتوي ~~على أربع من رقائق الشوكولاتة، وتحتوي الأخرى على ثلاث منها. ~~في مثل هذه الحالات، كانت القرود تدرك في معظم الأحوال أن ~~الكمية الموجودة في الطبق الأول، وهي 5 (3 + 2)، أقل من ~~الكمية الموجودة في الطبق الثاني، وهي 7 (4 + 3)، وهو ما يدل ~~على أن قردة الشمبانزي قادرة على جمع الكميات الصغيرة، ~~والمقارنة بين نتائج هذه العمليات الحسابية. بالرغم من ذلك، ~~فعلينا أن نؤكد على أن اختيارات القرود كانت صحيحة في ~~معظم الحالات فقط، وكانت تمتلئ بالأخطاء. علاوة على ذلك، فحين ~~كان الفرق بين نتائج عمليات الجمع التي تقارن بينها صغيرا، ~~مثل 7 في مقابل 8، تراجع مستوى الدقة. وبالرغم من أنه من ~~المنطقي أن نستنتج من هذه التجارب أن قردة الشمبانزي ~~تستطيع إجراء عملية الجمع على الكميات والمقارنة بينها بصورة ~~تلقائية، فينبغي التأكيد على أن قدراتها على الجمع ~~معرضة للأخطاء، لا سيما حين يكون الفرق بين الكميات التي ~~تقارن بينها صغيرا، وهو ما أصبح نمطا مألوفا لنا بوصولنا ~~إلى هذه المرحلة. وبناء على أبحاث مثل هذا البحث وغير ذلك ~~من الأعمال التجريبية التي لم نعرضها هنا، يمكننا أن نثق ~~بأن قردة الشمبانزي تتمتع بقدرة طبيعية على تقدير الكميات ~~بصورة تلقائية، والتمييز بين الكميات الصغيرة على نحو دقيق. ~~وبالطبع، فإنها ليست نوع الرئيسات الوحيد القريب منا، الذي ~~يشترك معنا بدرجة ما في فهمنا البدائي للتمييز بين ~~الكميات. # 17 # لقد أوضحت الأبحاث التي أجريت على الرئيسات ms177 أيضا أنها ~~قادرة على تعلم الأرقام وربطها بالمعلومات الكاردينالية ~~والمعلومات الترتيبية. أي إنها تستطيع أن تتعلم ترتيب الرموز ~~مثل 2 و3 و4 و5، مع إدراك أن مثل هذا الترتيب يمثل زيادة ~~في حجم المجموعة التي تتضمن عددا محددا من العناصر، وهي ~~تلك العناصر كالحلوى التي قد تفوز بها عند توضيح فهمها ~~للرموز. والواقع أن إحدى التجارب قد وضحت أن قرود ~~الريسوس تستطيع أن تتعلم أن تلمس رموز الأعداد من 1 إلى 9 ~~على شاشة الكمبيوتر في ترتيب تصاعدي، وأنها تستطيع أن ~~تتعلم الكميات التي تمثلها هذه الرموز. ثم أوضحت ~~التجارب بعد ذلك أن القرود السنجابية وقرود البابون، ~~تتمتع هي أيضا بهذه القدرة. ففور تلقي التدريب المناسب ~~على هذه الرموز، تبدي القرود السنجابية مقدرتها على جمع ~~رموز الأعداد معا، مثلما يتضح ذلك من تفضيلها لاختيار ~~كمية مضافة مثل (3 + 3) على اختيار (5 + 0)، حين يكون عليها ~~الاختيار من بين خيارين يصفان كمية المكافآت التي ستحصل ~~عليها بعد ذلك. إن هذه الاختيارات ليست منتظمة تماما، ~~ومما لا شك فيه أن «حساب القرود» يتضمن بعض الأخطاء، ~~مثلما قد نتوقع بالطبع. بالرغم من ذلك، فمن الواضح أيضا ~~أن اختيارات القرود ليست عشوائية، والاختيارات التي تختارها ~~في معظم الأحيان، تعكس فاعلية الرموز في تعزيز مهارة تمييز ~~الكميات. إذن، يمكن للقرود أن تتعلم الأعداد، غير أن لهذا ~~التعلم حدودا لا نجدها لدى البشر. # 18 # إن القدرات الرياضية لدى الرئيسات غير البشرية، ~~كالقدرات الرياضية لدى بعض الأنواع الأخرى، تتميز بشكل ~~واضح بتأثير المسافة وتأثير المقدار. يشير التأثير الأول ~~إلى حقيقة أن هذه الحيوانات، كالبشر الذين ينتمون إلى ~~ثقافات لا عددية، أفضل كثيرا في تمييز الاختلافات بين ~~الكميات، حين يكون الفرق بينها كبيرا. أما التأثير الثاني ~~فهو يشير إلى حقيقة أن هذه الحيوانات تستطيع تمييز الكميات ~~الصغيرة بكفاءة أفضل من الكميات الكبيرة. إن انتشار ~~تأثيري المسافة والمقدار في الأنواع المختلفة، هو أحد ~~النتائج الأساسية التي حصلنا عليها من العمل على هذا ~~الموضوع. وهذا الانتشار يمثل دليلا على وجود حاسة ms178 عددية ~~تقريبية متناددة قديمة، وربما يكون دليلا على وجود حاسة ~~عددية دقيقة متناددة أيضا، غير أنه لا يزال أمامنا مقدار ~~كبير من العمل حتى نستطيع تقديم تفسير كامل للقدرات العددية ~~الفطرية لدى الأنواع غير البشرية. # 19 # خاتمة # إن قدراتنا العددية الفطرية قديمة، وتتشارك معنا فيها ~~العديد من الأنواع، بدرجة أو بأخرى. ومن المنطقي أن تكون ~~العديد من الأنواع قادرة على التمييز بين الكميات، بطريقة ~~تقريبية على الأقل. فبعض القرارات المتعلقة بالكميات ضرورية ~~للبقاء في البرية؛ ومن ثم لنجاح التكاثر الذي يؤدي إلى ~~حفظ السمات الوراثية، وانتشارها على المدى الطويل. وسواء ~~أكنا نتحدث عن فوائد تمييز الفئران أو الحمام للمجموعات ~~التي تحتوي على عدد أكبر من عناصر الطعام ، عن تلك التي ~~تحتوي على عدد أقل، أو عن الفوائد التي تعود على إناث الأسود ~~من قدرتها على تمييز وجود مجموعات أكبر من غيرها من إناث ~~الأسود، فإن مزايا البقاء التي توفرها القدرة على تمييز ~~الكميات واضحة. وبالرغم من هذه التأويلات البديهية للأسباب ~~التي أدت إلى توارث مهارات تمييز الكميات عبر العديد من ~~الأنواع، فإننا لا نعرف السبب في أن هذه القدرات لم ~~تصقل لدى معظم الأنواع فيما بعد. # بطريقة ما، نجد أن توضيح القدرات الإدراكية لدى حيوانات ~~أخرى، لا سيما أولاد عمومتنا من القرود كبيرة الأدمغة، يجلب ~~إلى دائرة الضوء المزيد من الألغاز؛ فحين نفكر في أنه ~~يمكن تدريب بعض قردة الشمبانزي على تمييز الكميات بقدر أكبر ~~من الدقة، تصبح هذه النقطة بارزة على نحو خاص. إذا كانت بعض ~~الأنواع الأخرى تمتلك القدرة على تعلم أنواع أكثر تعقيدا ~~من التفكير العددي، فلماذا لم تصقل هذه الأنواع قدراتها ~~على مدار ملايين السنين التي ظلت تتطور خلالها على فرع ~~آخر من شجرة الحياة؟ إن قردة الشمبانزي تمتلك الأسس ~~للتفكير الرياضي، لكنها لا تبني شيئا على الإطلاق على مثل ~~هذه الأسس؛ فهذه الأسس التي تتضح في تفكيرها، وفي ~~تفكيرنا نحن أيضا قبل أن نتعلم الأعداد خلال نمونا، تبدو ~~بدائية إلى حد كبير. ومثلما أشار مؤخرا ms179 كل من جونكو بارك ~~وإليزابيث برانون، وهما عالمان مختصان في الإدراك لدى ~~الحيوانات: «إنه من الصعب أن نفهم كيف أمكن لنظام بدائي، ~~غير قادر على تمثيل الكميات الكبيرة بدقة، أن ينتج ~~الرياضيات الشكلية، التي هي إنتاج بشري خالص.» # 20 # إن التفكير الكمي الذي زودنا به فطريا ~~نحن وغيرنا من الأنواع، يتمثل في القيم الأسية التي تغيب ~~من أنواع التفكير الكمي التي يمتلكها البشر في نهاية المطاف. ~~وهذا يوضح أن التفسيرات البيولوجية لمثل هذا التفكير ~~ذات طبيعة محدودة. إن القدر الأكبر من إدراكنا العددي لا ~~يعزى إلى تركيبنا البيولوجي العصبي إلا قليلا، بينما ~~يعزى بأكثر من ذلك بكثير إلى طريقة استخدامنا لهذا التركيب. ~~وهذا الاستخدام لا يكون ممكنا إلا بوجود أدوات خارجية ~~تتفاعل مع آلياتنا الفطرية للتمييز بين الكميات. والأداة ~~الخارجية الرئيسة التي نعنيها هنا هي الأعداد، تلك التمثيلات ~~الرمزية للكميات، التي تتجسد عن طريق اللغة وتستخدم بطرق ~~تختلف باختلاف الثقافة. إن وجود الأعداد يفسر الفجوة ~~الموجودة بين التفكير العددي الفعلي لدى البشر، والتفكير ~~العددي الذي نزود به فطريا. # بعض الأدلة التي تؤيد قوة الأعداد تأتي أيضا من حيوانات ~~أخرى قد تلقت تدريبا مكثفا على الرموز دون أن تكون ~~طليقة في بيئتها. وربما يكون المثال الأفضل على هذه ~~الحيوانات، هو أليكس، وهو ببغاء أفريقي رمادي، تلقى ~~التدريب على مدار عقود طويلة على يد عالمة النفس أيرين ~~بيبربيرج. وبالرغم من أن أليكس قد مات عام 2007، فإن نتائج ~~المهام الرياضية التي أجريت مع الببغاء لم تنشر إلا ~~عام 2012. وتقدم هذه النتائج أدلة قاطعة على أن أليكس ~~كان قادرا على القيام بمهام حسابية لا يقدر عليها عادة ~~سوى نوع «الإنسان العاقل». ففي سلسلة من التجارب، ثبت أن ~~أليكس يستطيع تسمية رموز الأعداد وترتيبها من خلال التعبير ~~اللفظي، وذلك بصفة منتظمة ومستمرة. والأهم من ذلك أنه كان ~~يستطيع تسمية الكمية التي تمثلها مجموعة من العناصر، حتى ~~إذا كانت المجموعة تحتوي على ثمانية عناصر. وربما يكون الأكثر ~~إثارة للدهشة هو أن أليكس كان قادرا على إجراء ms180 عملية الجمع ~~على مجموعتين يتراوح عدد العناصر فيهما بين الصفر والستة، ~~وكان يتوصل إلى الإجابة الصحيحة في معظم الحالات. ومن ~~الحيوانات الأخرى التي أوضحت الأبحاث الخاضعة لمراجعة الأقران ~~أنها تستطيع التوصل إلى ناتج جمع مجموعتين بصفة مستمرة، ~~هي قردة شمبانزي تدعى شيبا. يبدو أن «عباقرة» الحيوانات ~~المدربة مثل أليكس وشيبا، تتمتع بمهارات رياضية ~~محددة، تمكنها من التمييز بين الكميات الأكبر من 3 بدقة. ~~وذلك اكتشاف مذهل؛ إذ إن الحيوانات غير المدربة، بصرف ~~النظر عن نوعها وحجم دماغها، لا تبدي هذه المهارة. بالرغم من ~~ذلك، فعلينا أن نلاحظ ما يتطلبه الأمر قبل أن تبدي هذه ~~الحيوانات هذا النبوغ: سنوات من التعلم، بل عقود يقضيها ~~المدربون في تعريف المتدربين على رموز الكميات؛ ~~فالمدربون يدرسون لهم الأعداد. في بعض الحالات، ومنها ~~حالة أليكس بالتأكيد، يتمكن الحيوانات من تعلم هذه ~~الأعداد. ومثلما يتعلم الأطفال في نهاية المطاف تمثيل ~~الكميات التي تزيد عن ثلاثة بالرموز، فإن بعض الحيوانات ~~المدربة يمكن أن تفعل ذلك بالفعل. # 21 # وقد أتاحت لنا مثل هذه الأبحاث التوصل إلى مثل هذه ~~الملاحظة الهامة، وهي أنه يمكن تطبيق اختراع الأعداد البشري ~~على أنواع مختلفة، وإن كان ذلك في بعض الحالات على الأقل. ~~ومثلما تشير بيبربيرج عند مناقشة حيوانات مثل أليكس وشيبا، ~~إلى أن تلك الحيوانات فقط أي التي «دربت على تمثيل ~~الكميات من خلال الأرقام العربية أو الأعداد اللفظية ... هي التي ~~يبدو أنها قادرة على ربط تلك الأرقام بالقيمة الكاردينالية ~~للمجموعات.» # 22 # لذا، فبالرغم من أن الببغاوات والشمبانزي ~~تستطيع تكوين مفاهيم مجردة عن كميات كبيرة محددة، ~~فإن اختراع الأعداد البشري هو الذي يجعل من هذه القدرة ~~على التصور التجريدي أمرا ممكنا. # في آخر ثلاثة فصول، لاحظنا أن البالغين من البشر الذين ~~ينتمون إلى ثقافات لا عددية، وأطفال البشر الذين لم يكتسبوا ~~مهارة اللغة بعد، وبعض الأنواع المختلفة من الحيوانات، ~~يستطيعون التفكير في الكميات بصور تقريبية، ويمكنهم أيضا ~~التفكير فيها بصورة محددة حين يتعلق الأمر بالكميات ~~الصغيرة. وهذه القدرات التقريبية والدقيقة، هي بمثابة ms181 أساس ~~ضروري من أجل بناء نظام أكثر تعقيدا للتفكير بشأن الكميات، ~~غير أنه أساس تقريبي. فالبناء على مثل هذا الأساس يتطلب ~~استخدام أدوات رمزية. فهو يتطلب استخدام الأعداد، وهي ~~الرموز اللفظية والكتابية للكميات. وفي الجزء الثالث، سوف ~~نستكشف الكيفية التي اخترعت بها الأعداد على الأرجح، وندرس ~~الطرق العميقة التي أثرت بها في الخبرة البشرية. # الجزء الثالث # | الأعداد وتشكيل حياتنا # الفصل الثامن # | اختراع الأعداد والحساب # إن أنماط اللغة تنتج أنماطا في التفكير. فقد وضحت ~~الأبحاث الموسعة في العصر الحالي أن الاختلافات بين اللغات ~~يمكن أن تؤدي إلى وجود اختلافات، هي اختلافات طفيفة في معظم ~~الأحيان، في العادات الإدراكية للمتحدثين بها. وهذا الاستنتاج، ~~الذي يشار إليه عادة بمصطلح «النسبية اللغوية»، قد أصبح له ~~الآن ما يؤيده من عشرات الدراسات التي تجرى في موضوعات مثل ~~الإدراك المكاني، وإدراك الزمن، وتصنيف الألوان. فعلى سبيل المثال، ~~قد رأينا في الفصل الأول كيف أن «المكان» الذي «يقع» فيه كل ~~من المستقبل والماضي، يتوقف على اللغة التي تتحدث بها. ~~وبالمثل فإن الطريقة التي تستخدمها في تذكر الألوان والتمييز ~~بينها، تتأثر بشكل مستتر، بمخزون المصطلحات الذي يعبر عن ~~الألوان الأساسية في لغتك الأصلية. لقد أدت بنا جولتنا في ~~العوالم اللاعددية في نهاية الأمر، إلى التوصل إلى نتيجة مفادها ~~أن اللغات العددية ينشأ عنها اختلافات في طريقة تفكير ~~الأفراد. فمفردات الأعداد، التي توجد في الغالبية العظمى من ~~لغات العالم (وليس كلها بالتأكيد)، تؤثر ولا شك على الإدراك ~~الكمي. ووحدهم الأفراد الذين يستخدمون مفردات الأعداد ~~والعد، هم الذين يستطيعون التمييز بين معظم الكميات بدقة. إذن ~~فوجود مفردات الأعداد في لغة من اللغات لا يؤثر في طريقة ~~تفكيرنا في الكميات بشكل مستتر فحسب، بل يفتح لنا أيضا بابا ~~للحساب والرياضيات. وأول خطوة نخطوها عبر ذلك الباب، هي إدراك ~~أنه يمكننا التمييز بدقة بين الكميات، بصرف النظر عن ~~حجمها. # 1 # لكن ما الطريقة المحددة التي تفتح لنا بها الأعداد هذا ~~الباب في بادئ الأمر؟ وما الذي يحدث بعد أن نمر منه؟ في ms182 ~~الجزء الثالث من هذا الكتاب، سوف نتناول مثل هذه الأسئلة. في هذا ~~الفصل، نبحث في «الكيفية»؛ كيف ظهرت مفردات العد ومبادئ الحساب ~~الأساسية في الوجود؟ إنني أقدم رواية للكيفية التي اخترع بها ~~البشر الأعداد على الأرجح (وما زالوا يخترعون) المفردات الأساسية ~~للأعداد، وكذلك الكيفية التي نأخذ بها مفردات الأعداد تلك، ~~ونستخدمها كوحدات بناء في العمليات الحسابية الأساسية. # الأعداد غير الطبيعية # إن النتائج التي حصلنا عليها من العوالم اللاعددية تشير ~~بوضوح إلى أننا نحتاج إلى وجود الأعداد، لكي «نفهم» الكميات ~~بالفعل، على النحو الذي يتميز به البشر في فهمها. بالرغم من ~~ذلك، فإن ذلك يطرح مفارقة، مثلما ذكرت في الفصل الأول؛ ~~إذا كنا نحتاج إلى الأعداد لكي ندرك معظم الكميات بدقة، ~~فكيف توصلنا إلى الأعداد في المقام الأول؟ وكيف تمكنا ~~بداية من تسمية الكميات الموجودة في مجموعة محددة من ~~العناصر، إذا كنا لا نستطيع تمييز هذه الكميات؟ إذا كنا لا ~~نستطيع على سبيل المثال، أن نميز أن «سبع تفاحات» لا ~~تمثل «ست تفاحات» ولا «ثماني تفاحات» فكيف تمكنا ~~من استخدام كلمات مثل «ستة» و«سبعة» و«ثمانية» للمرة ~~الأولى؟ # ونظرا لما يبدو من صعوبة هذه المفارقة؛ فقد استنتج البعض ~~أن البشر مهيئون فطريا لاكتساب مفاهيم الأعداد. ووفقا ~~لهذا المنظور، فلا بد أن نكون مهيئين بطريقة ما من شأنها ~~أن نستطيع التمييز بين 5 و6 و7، وغير ذلك من الكميات، على ~~مدار تطورنا الإدراكي الطبيعي. إلا أن هذا النهج يطرح ~~أمامنا معضلة للوهلة الأولى؛ إذا كنا مهيئين فطريا ~~للتمييز بين الأحجام المختلفة للمجموعات بصفتها كيانات ~~مجردة مستقلة، فما حد هذا الاستعداد الفطري المسبق؟ ~~فهل نحن مهيئون فطريا لأن ندرك في النهاية، على سبيل ~~المثال، أن 1023 ليست هي 1024؟ إن هذا يبدو غير منطقي ~~بدرجة كبيرة؛ فوجهات النظر التي تستند إلى النهج الفطري ~~في الموضوعات التي تتعلق بالأعداد، لا تقدم شيئا سوى ~~أنها تؤخر النقطة التي سنصل عندها للمفارقة. # في كتابه المميز عن اللغة والأعداد، يذكر عالم اللغويات ~~جيمس هيرفورد، أن مفردات الأعداد هي أسماء ms183 «الكيانات غير ~~اللغوية التي تشير إليها الأعداد.» # 2 # أي إن مفردات الأعداد هي تسمية لكيانات ~~مفاهيمية. وفي سياق متصل، اقترحت عالمة الآثار كارينلي ~~أوفرمان مؤخرا أن «مفاهيم الكميات لا بد أنها تسبق ~~تسمياتها المعجمية، وإلا فلن يكون ثمة ما يمكن تسميته ... ~~فلا يمكن لأي طريقة اختراع أن تسبق ما تخترعه.» # 3 # وهذا الرأي الأخير منطقي بعض الشيء، لكن يمكننا ~~القول إنه يقلل من أهمية الأدلة الكثيرة التي عرضناها ~~في الفصول من الخامس إلى السابع. ووفقا لهذه الأدلة، فإن ~~المفردات التي تعبر عن الكميات الأكبر من ثلاثة، ليست ~~مجرد تسمية لمفاهيم موجودة مسبقا؛ لأن هذه المفاهيم ~~لا توجد لدى معظم الناس إلى أن يتعلموا الأعداد ~~بالفعل. # وفي رأيي أن مفتاح حل هذه المفارقة هو أن المفردات ~~التي تعبر عن الكميات الأكبر من ثلاثة، تجسد الأفكار ~~العددية المجردة المحددة التي تطرأ على ذهن بعض الأفراد ~~في بعض الأحيان وبصورة غير منتظمة. وبعض هؤلاء الأفراد قد ~~يخترعون الأعداد في نهاية المطاف، ولكن إن لم يفعلوا، فلن ~~تنقل أفكارهم العابرة إلى غيرهم. إن تسمية مثل هذه ~~الأفكار سريعة الزوال، هو ما يمكن الأفراد في نهاية ~~المطاف من إدراك الفروق بين الكميات على نحو منتظم ومستمر. ~~إنني أعتقد أن مفهوم الانتظام والاستمرارية هذا ضروري ~~للغاية لحل هذه المعضلة. يبدو أن البشر، كجماعة، يبدون ~~القدرة، على نحو غير منتظم فقط، على التوصل إلى فكرة بسيطة ~~لكنها مؤثرة، وهي فكرة أنه يمكن تعريف المجموعات التي ~~تتضمن كمية أكبر من ثلاثة تعريفا دقيقا. وهذه الفكرة ~~البسيطة قد أدت على الأرجح إلى اختراع رموز لهذه الكميات ~~الكبيرة، وذلك على مدار مرات عديدة لم يكن من الممكن ~~تسجيلها كلها. وقد كانت هذه الرموز لفظية في البداية؛ إذ ~~إن الغالبية العظمى من ثقافات العالم تستخدم مفردات لمثل ~~هذه الكميات، لكن معظمها يفتقر في العادة إلى وجود الأرقام ~~المكتوبة أو حتى أنظمة العصي المعقدة. إن بعض الأفراد ~~قد اخترعوا مفردات الأعداد من أجل تجسيد إدراكهم لوجود كميات ~~كبيرة محددة، وقد كان من ms184 الممكن لهذا الإدراك أن يظل ~~عابرا. # هل يعني هذا أن مفردات الأعداد ليست إلا تسميات ~~لمفاهيم؟ الأمر ليس كذلك تماما؛ إذ تبدو الحقيقة أكثر ~~تعقيدا وتنوعا من الخيار الثنائي القسري الذي تفترضه ~~هذه المفارقة؛ فمفردات الأعداد ليست تسميات فحسب، على ~~الرغم من أنها تصف الاكتشافات المفاهيمية التي يتوصل ~~إليها «بعض» الأفراد في «بعض» الأحيان. إن مصطلح «تسمية» ~~يشير إلى أن الكلمات تعبر عن مفاهيم يفكر جميع البشر ~~فيها، أي إن جميع البشر يولدون وهم على استعداد لإدراك ~~هذه المفاهيم (على الأقل في نهاية المطاف)، بصرف النظر عن ~~بيئتهم الثقافية. بالرغم من ذلك، فمن الواضح أن ليس جميع ~~البشر يتمتعون بالقدرة على إدراك مثل هذه المفاهيم حتى وهم ~~كبار، والأرجح أن معظم الأفراد لن يتوصلوا أبدا إلى هذه ~~الاكتشافات المفاهيمية المعنية، التي يمكن وصفها من خلال ~~الأعداد. وفي الوقت نفسه، من الواضح أيضا أن بعض الأفراد ~~قد توصلوا إلى تلك الاكتشافات، حتى وإن كان ذلك بشكل غير ~~منتظم. وفي تلك الحالات التاريخية الفعلية التي تمكن ~~البشر فيها من وصف تلك المفاهيم بكلمات، اخترعوا الأعداد. ~~وبعد ذلك، تمكن غيرهم من الأفراد الذين ينتمون إلى ثقافتهم ~~نفسها، من تمييز المفهوم الذي اخترعوا له اسما، وذلك من ~~خلال استخدام (أو الكلمات) الوثيقة الصلة. إن مفردات ~~الأعداد هي أدوات مفاهيمية تنتشر بسهولة؛ فهي أدوات يرغب ~~معظم البشر في استعارتها. # إن التفسير العام الذي أقترحه ليس جوهريا بدرجة ~~كبيرة، بل يمكن تطبيقه بالطريقة نفسها على الكثير جدا من ~~الاكتشافات البشرية التي توصف باستخدام كلمات جديدة. ~~فغالبا ما تتطور الكلمات أو تخترع، من أجل التعبير عن ~~المفاهيم والأفكار التي يكتشفها البشر حديثا، لا عن الأفكار ~~والمفاهيم الفطرية. فلنتناول مثالا «كالمصباح الكهربائي». ~~لقد أدرك العديد من المخترعين في أواخر القرن التاسع عشر ~~أن تمرير الكهرباء عبر فتيل معدني ينتج إنارة، وقدمت ~~العديد من براءات الاختراع لمصابيح كهربائية قصيرة الأجل. أما ~~توماس إديسون وموظفوه، فقد طوروا فن إنارة فتيل في ~~مصباح زجاجي مفرغ يسمح للفتيل بالاحتراق لفترة أطول ~~كثيرا. ms185 بطريقة ما، كان اختراع مثل هذا النوع من مصادر ~~الإنارة قائما على اكتشاف بسيط، وهو: اعزل السلك عن الهواء ~~المحيط، وسوف يظل مضيئا لفترة أطول كثيرا. لم يكن هذا ~~الاكتشاف البسيط عسيرا على فهم الآخرين، وقد كان الجهاز ~~الناتج عنه سهل التسمية بكل تأكيد؛ فمما لا شك فيه أن ~~مصطلح «المصباح الكهربائي» ليس صعبا في الفهم، وبالرغم من ~~هذه البساطة الجوهرية الأنيقة، وبالرغم من سهولة فهم معظم ~~الأفراد لمفهوم «المصباح الكهربائي» والمصطلح المرتبط به؛ ~~فإن أحدا لن يزعم أبدا أن البشر مهيئون فطريا ~~لفهم المصابيح الكهربائية. إن «المصباح الكهربائي» يمكن أن ~~يصف مفهوما محددا لا يصعب فهمه، لكنه ليس بمفهوم ~~طبيعي. ومفردات الأعداد تعد هي أيضا إشارات لمفاهيم ~~بسيطة، وربما لا نكون مهيئين فطريا بشكل مسبق للتوصل ~~إلى تلك المفاهيم، لكن بعض البشر يتوصلون إليها، ويمكن ~~للآخرين اكتسابها من خلال الوسائل اللغوية. ومثلما أوضحنا في ~~المقدمة، فإن ما يتميز به نوعنا لا يتمثل في أننا ~~نتمتع بقدرة عظيمة على الاختراع، بل أننا استثنائيون في ~~توارث هذه الاختراعات ومشاركتها بسبب طبيعتنا اللغوية. (لقد ~~كتب إديسون نفسه ذات مرة أنه كان «إسفنجة أكثر مما هو ~~مخترع.») إذن، فنحن لسنا مهيئين فطريا لأن تطرأ على ~~أذهاننا مفاهيم مثل «المصباح الكهربائي»، وتنتظر أن تجري ~~تسميتها، ولا نحن نمتلك مفاهيم مثل 6 و7 و8 تجول في عقولنا ~~وتنتظر أن تجري تسميتها. إن اختراع الأعداد يستلزم أولا أن ~~ندرك بطريقة تجريبية عشوائية تعتمد على الاكتشافات ~~الشاردة التي تتوصل إليها بعض العقول فقط، أن الكميات ~~المحددة التي يمكن تسميتها (والتي تزيد عن ثلاثة) موجودة ~~بالفعل. # وثمة دليل على أن العدد النحوي، أي التمييز بين المفرد ~~والجمع على سبيل المثال، له مصدر مختلف، مقارنة بالأعداد ~~المعجمية مثل «ستة» «وسبعة». ومثلما أشرنا في الفصل الرابع، ~~فإن اختلافات العدد النحوي في لغات العالم (قليلا) لا ~~تميز بين 1 و2 (ونادرا) ما تميز بين 1 و2 و3، وكذلك بين ~~هذه الكميات وجميع الكميات الأكبر. ويبدو أن هذه الاختلافات ~~تشير بالفعل إلى ms186 مفاهيم موجودة مسبقا، باعتبار أن ~~أدمغتنا تتسم باستعداد فطري للتمييز بين مثل هذه الكميات. ~~ويمكننا قول الشيء نفسه عن مفردات الأعداد الصغيرة مثل ~~«واحد» «واثنين» «وثلاثة»، وهي تسميات لمفاهيم فطرية. إن ~~هذه المفاهيم لها أساس بيولوجي عصبي واضح؛ ومن ثم فإن ~~الكلمات التي تصفها توجد في الغالبية العظمى من لغات ~~العالم. وليس من قبيل المصادفة أن مصادرها التاريخية ~~غالبا ما تكون مختلفة عن مصادر الكلمات التي تصف الأعداد ~~الكبيرة في لغة معينة. ومثلما يذكر عالم النفس ستانيسلاس ~~ديهان، أن «التوحيد والتثنية والتثليث، هي ملكات إدراكية ~~يحسبها دماغنا بعفوية بدون العد.» # 4 # لكن غير ذلك من مفردات الأعداد لا يستند إلى هذا ~~الأساس العصبي، ولا تحسبه أدمغتنا بهذه الدرجة من العفوية. ~~إن اللغة وغيرها من الجوانب الرمزية في حضارتنا، تمنح الفرصة ~~لنوع «الإنسان العاقل» لاختراع الأعداد . بالرغم من ذلك، فإن ~~الاستفادة من مثل هذه الفرصة ليست بالأمر السهل، مثلما يشهد ~~على ذلك الاختلاف الواسع في تعقيد مفردات الأعداد الكبيرة ~~وأساساتها بين الثقافات. ومع ذلك، فمثلما ناقشنا في الفصل ~~الثالث، فإن هذا التنوع اللغوي بين الثقافات ليس ~~عشوائيا ويشير إلى وجود بعض التوجهات الأساسية الواضحة. ~~وهذه التوجهات تشير بوضوح إلى أنه بالرغم من أن البشر ~~يمكن أن يتخذوا أكثر من مسار مختلف يأخذهم إلى اختراع ~~رموز تطابق الكميات التي يميزونها في بعض الأحيان، فإن ~~هذه الرموز تخترع عادة عن طريق الأيدي. وهذا الطريق اليدوي ~~أساسي للأعداد الأكبر من 4. # في دراسة حديثة لتاريخ مفردات الأعداد في أستراليا، لاحظ ~~عالما النفس كيفين زو وكلير بويرن، نمطا مثيرا للاهتمام، ~~وهو يتوافق مع التفسير العام الذي نطرحه هنا. ووفقا لهذا ~~النمط، فإن الأعداد من 1 إلى 3 تتسم بمكانة أكثر أساسية ~~من الأعداد الكبيرة؛ فقد وجدا أن الكلمة التي تعبر عن ~~العدد 4 في هذه اللغات عادة ما تكون تركيبية، أي إنها تتكون ~~من مفردات أعداد أصغر. في الفصل الثالث، كنت قد أشرت إلى ~~أننا نلاحظ وجود هذا النمط أيضا في لغة الجاراوارا بإقليم ~~الأمازون؛ فالكلمة ms187 التي تعبر عن العدد 4 في هذه اللغة هي # famafama # وتعني «اثنين ~~اثنين». وتوجد أيضا أنماط مماثلة في العديد من اللغات ~~الأخرى في الأمازون وأستراليا وغيرها من الأماكن. وهذه السمة ~~التركيبية للعدد «أربعة» تشير إلى أن تسمية هذا المفهوم ~~أقل سهولة؛ فهو مفهوم يتجه البشر إلى تسميته في معظم ~~الأحيان من خلال الاستعانة بأفكار أبسط، أفكار قد تشكلت ~~مسبقا. وبالرغم من أننا نستطيع تسمية العدد «أربعة» من خلال ~~الجمع بين عددين أصغر منه، ونحن نفعل ذلك بالفعل، فهو عدد ~~مخالف للقاعدة. فالأعداد الأكبر من «أربعة» لا تبتكر عادة ~~من خلال التركيب البسيط لكميات أبسط مثل 2، وإنما بتسمية ~~الكميات على الأيدي بطريقة ما. وبالرغم من أن اللغات ~~الأسترالية، يمكن أن تفقد بعض مفردات الأعداد أو تكتسب ~~بعضها على مدار الوقت، فقد استنتج زو وبويرن أن تلك اللغات ~~غالبا ما تكتسب الأعداد الأكبر من خمسة، بسرعة أكبر إلى ~~حد ما، بعد اكتساب كلمة تعبر عن العدد «خمسة»، التي ~~ترتبط من الناحية الاشتقاقية في أكثر عائلات اللغات الأسترالية ~~انتشارا، بالكلمة التي تعبر عن «اليد». إن مثل هذا ~~الاكتشاف، مع الأساسين الخماسي والعشري الشهيرين في ~~الغالبية العظمى من الأنظمة العددية في العالم، يشير إلى أن ~~العدد «خمسة» المستند إلى اليد، هو بمثابة الأساس للأنواع ~~الأكثر فاعلية من الأنظمة العددية؛ فعادة ما يكون بمثابة ~~المدخل لأشكال جديدة من التفكير العددي. # 5 # إن الجسم هو الأساس لمعظم مفردات الأعداد الأكبر من ~~«أربعة»؛ إذ يتعلم البشر أنهم يستطيعون المطابقة بين أصابعهم ~~وبين المجموعات الصغيرة التي يعدونها. إن العد على ~~الأصابع يسهم في تعزيز حقيقة أن الكلمات التي تعبر عن ~~«اليد» أو «الأيدي» كثيرا ما تمثل المصدر التاريخي للأعداد ~~وأساساتها. وبالرغم من مزايا هذا التفسير بشأن مفردات الأعداد ~~الكبيرة، فإنه يغفل بعض الأسئلة المهمة، منها: كيف ~~تأسست علاقة التطابق بين الأصابع وأحجام المجموعات منذ ~~البداية، ولماذا؟ وإذا كان البشر اللاعدديون، من الأطفال ~~الذين لم يكتسبوا مهارة اللغة بعد، والصم الذين لا يعرفون ~~لغة الإشارة في نيكاراجاوا، وشعب الموندوروكو، ms188 يواجهون ~~صعوبة في التمييز بين الكميات الكبيرة بدقة، فكيف تمكن ~~أي إنسان بالغ «أي مخترعو الأعداد» من تمييز التطابق بين ~~الأصابع بدقة، لا سيما تطابقها مع غيرها من العناصر التي يمكن ~~عدها والتي تمثل مجموعات كبيرة من خمسة أو عشرة؟ وما ~~السبب في أن الأصابع مهمة للغاية في إحراز تقدم نحو ~~التفكير العددي المعقد؟ # 6 # إنني أعتقد بوجود سببين على الأقل لذلك؛ أولهما أن ~~الأصابع مميزة لأنها أول الوحدات المنفصلة التي نصادفها في ~~حياتنا بشكل فعلي، فمثلما ذكرنا في الفصل السادس، نحن ~~نتعرف على أصابعنا، ونحن ما نزال في الرحم، والأطفال ~~مهووسون بأيديهم، يمصون أصابعهم في بداية حياتهم، ~~ويركزون بصريا على أيديهم حين يدركون أن هذه الأشياء ~~يمكن اللعب بها ومدها أمام بصرهم أو سحبها منه، حسب ~~إرادتهم. إذن، فالأصابع عنصر بارز للغاية في حياتنا كلها. ومن ~~الأمور المهمة للغاية أنها ليست على هذه الدرجة نفسها من ~~البروز في تلك الأنواع القريبة منا، والتي تشترك معنا في ~~بعض القدرات الفطرية للإدراك العددي. فالغوريلا وقرود الجيبون ~~والشمبانزي، وغيرها من أنواع القرود القريبة من نوعنا، لا ~~تسير على قدمين مثلنا؛ ولهذا فهي تستخدم قائمتيها ~~الأماميتين في معظم الأحوال لأغراض الحركة. أما نحن، ~~فنستخدم أيدينا عادة في صنع الأدوات واستخدامها، ونستخدم ~~أصابعنا لنطاق أوسع من الأغراض، ومنها بعض الأغراض الأكثر ~~تخصصا والتي تتطلب المزيد من البراعة والتركيز على ~~اليدين. إننا نركز على أصابعنا أكثر مما يفعل أي نوع ~~آخر، وربما تمثل هذه النقطة الجزء الأول من الإجابة عن ~~سؤالنا عن الكيفية التي تمكنا بها من التوصل إلى الأعداد ~~من خلال أيدينا. # بالرغم من بروز الأصابع في حياتنا اليومية، فمن غير ~~المرجح أن يكون مجرد انتشارها الفعلي، هو السبب الوحيد ~~للمفاهيم التي توصل إليها بعض مخترعي الأعداد حين أدركوا ~~أنه يمكن مطابقة مجموعات الأصابع مع مجموعات تتكون من ~~عناصر أخرى. وأما السبب الثاني في أن الأصابع تؤدي مثل ~~ذلك الدور البارز، وهو سبب لم يناقش حتى الآن (حسب معرفتي) ~~في المؤلفات، هو أنها توجد ms189 في الطبيعة متطابقة على نحو ~~متناظر. فليس الأمر أننا نتفاعل مع أصابعنا باستمرار ونركز ~~عليها فحسب، بل لأن كل إصبع من أصابعنا له رفيق يشبهه ~~في اليد المقابلة، فإن احتمالية أن يتطابق كل إصبع من ~~أصابعنا مع عنصر واحد في مجموعة أخرى من العناصر، تتأكد ~~بثبات في خبرتنا البصرية والحسية. إن التناظر الموجود ~~في أيدينا وأصابعنا، وتعرضنا المستمر لذلك التناظر في ~~حياتنا التي تعتمد على اليدين بشكل غريب، قد دفع العديد من ~~الأشخاص على الأرجح إلى إدراك إمكانية الربط بين مجموعتين ~~تتكون كل منهما من خمسة عناصر. # وربما يدرك بعض الأفراد أيضا التطابق بين خمسة عناصر ~~خارجية على الجسم، مع مجموعة من خمسة أصابع (مع تسمية التكافؤ ~~العددي للأصابع الموجودة في كل يد في البداية، أو بدونه). ~~إن هذا التوافق بين الأصابع وهذه العناصر، يستفيد على ~~الأرجح من التوافق المادي الطبيعي للعناصر الصغيرة التي يمكن ~~حملها باليد والأصابع، فربما حدث ذلك بسبب وضع هذه العناصر ~~على راحة اليد. بالرغم من ذلك، أيا كان الطريق الذي يتخذه ~~مخترعو الأعداد، فإن اختراع أنظمة عددية معقدة يعتمد ~~عادة على المساواة الكمية بين الأصابع وعناصر محددة، ~~ومنها الأصابع الأخرى. على مدار التاريخ البشري، اكتشف البشر ~~هذا التطابق المنتظم بين الكميات، ثم وثقوا هذا التطابق ~~الكمي، وقد كان ذلك في معظم الأحيان من خلال تسمية تطابق ~~محدد باسم الكلمة التي تستخدم في لغتهم للتعبير عن ~~«اليد». وحين استخدموا هذه التسمية بالفعل، اخترعوا أداة ~~رمزية سهلت الإشارة إلى الكمية المعنية المحددة، وتمييزها ~~بعد ذلك، كما سمحت أيضا بتوصيلها إلى عقول الآخرين. # بعد ذلك، يمكن لمستخدمي مفردات الأعداد أن يكونوا ~~كلمات للأعداد الأكبر؛ فربما في أثناء عد بعض العناصر على ~~أصابعهم، يبتكرون كلمة جديدة من خلال الجمع بين الكلمة التي ~~تعبر عن «اثنين» والكلمة التي تعبر عن «يد» فتصبح ~~«اثنين ويد» (أي «سبعة»). وبمرور الوقت، فإن استخدام مثل ~~هذه الكلمة، سيؤدي إلى الاستفادة منها بأكبر درجة ممكنة، ~~وقد يمكن استخدامها في الكثير من السياقات لتسمية مجموعات ~~تتكون ms190 من عناصر مختلفة. وقد ينشر بعض المتحدثين ~~الابتكار في اتجاهات جديدة، فيبتكرون كلمات تعبر عن ~~العدد «عشرة» والعدد «عشرين»، ومن المرجح أيضا أنهم ~~سيستخدمون من عدد الأصابع الموجودة في جسم الإنسان أساسات ~~لمثل هذه الكلمات. ثمة الكثير من الطرق التي يمكن سلوكها؛ ~~إذ إن مفردات الأعداد تتراكم وتقترض وتعدل وتنتشر. ~~ونظرا إلى فائدة الأعداد ونوع العمليات التي تجعله ممكنا؛ ~~فإنها سوف تنتشر في معظم السياقات بين أفراد الجماعة السكانية ~~الواحدة وكذلك بين الجماعات السكانية التي تتواصل فيما بينها. ~~ويمكن أن تدخل مفردات الأعداد إلى لغات جديدة على هيئة ~~كلمات دخيلة أو ترجمات اقتراضية، إذ تستخدم المفاهيم على ~~مستوى الثقافات، مع تأليف كلمات جديدة للمفاهيم ~~المقترضة. # إن إدراكنا لفكرة أن الأصابع يمكن أن تتطابق بعضها مع ~~بعض بشكل متناظر، ومع العناصر الأخرى إذ يطابق كل إصبع ~~عنصرا واحدا، يأخذنا إلى ما هو أبعد من قدرات الحاسة ~~العددية الفطرية. غير أنه إدراك قد تشكل على نحو غير ~~متوقع؛ إذ إن بعض اللغات لا تمتلك أنظمة عددية متينة، ~~وبعضها يستخدم أعدادا لا تتأسس على عدد الأيدي أو ~~الأصابع. على أي حال، فإن هذه الفكرة هي العامل الأكثر ~~فعالية في التجسيد اللفظي للكميات الأكبر من 4. (بطريقة ~~ما، نجد أنه أمر غريب أن بعض الجماعات البشرية لا تسمي ~~الكميات الكبيرة على أيديها، نظرا لما لدينا من انحياز ~~تشريحي تجاه مساواة الأصابع الخمسة في إحدى اليدين، بالأصابع ~~الخمسة الموجودة في الأخرى.) في نهاية المطاف، يعد اكتشاف ~~وجود كميات كبيرة محددة؛ ومن ثم اختراع معظم الأعداد، ~~ناتجا عرضيا لسيرنا على قدمين، مثله في ذلك مثل العديد ~~من الأمور الأخرى التي نتميز بها كبشر. إن السير على ~~قدمين قد أدى في النهاية إلى التركيز على اليدين بدرجة ~~أكبر، والانتباه إلى تناظر أصابعنا، وقد سهل أيضا إدراك ~~تطابق كل إصبع من أصابعنا مع غيره من الأشياء التي يمكن ~~عدها. ونتيجة لمثل هذه العوامل، مهدت لنا أيدينا الطريق ~~الأسهل في رحلتنا الشاقة نحو الأعداد. # 7 # إن الظاهرة التي نتناولها هنا، ms191 وهي فهم البشر للكميات ~~بسبب أعضاء من أجسامهم توجد خارج الدماغ، هي مثال على ~~ظاهرة أعم تعرف باسم «الإدراك المتجسد». على مدار ~~العقود القليلة الماضية، أشار العديد من الفلاسفة وعلماء النفس ~~وعلماء اللغة وغيرهم إلى أن مجموعة من عمليات الإدراك ~~البشرية تتأسس على سمات التجربة الجسدية البشرية، أو ~~تتيسر من خلالها على الأقل. وقد وضح هذا المجال النامي من ~~دراسة الإدراك المتجسد أن الطبيعة التشريحية لأجسادنا ~~وطريقة عملها، تقيد بعض عمليات التفكير أو تعززها. وعلى ~~الرغم من أن هذا ليس المكان المناسب للمناقشة المطولة ~~لمثل هذه العمليات، فلنعد النظر مرة أخرى في مثال الإدراك ~~الزمني الذي ناقشناه في الفصل الأول. نحن - متحدثي اللغة ~~الإنجليزية - نفكر في المستقبل على أنه أمامنا؛ لأننا ~~بطريقة ما نسير إلى المستقبل. ولأننا نسير، فاللحظات التي ~~وقعت في ماضينا قد وقعت ونحن في أماكن مادية قد أصبحت ~~الآن خلفنا . وعلى العكس من ذلك، فمن المتوقع أن تقع لحظات ~~المستقبل بينما تكون أجسادنا في أماكن هي الآن أمامنا. إن ~~استعارة «المستقبل أمامنا» هي نتيجة التفكير في الزمن في سياق ~~هذه التجربة المادية الجسدية. وهذا المنظور الشائع بشأن الزمن ~~مثال على التفكير المتجسد؛ إذ يتأثر تفسيرنا لتقدم ~~الزمن بكيفية عمل أجسادنا. وفي سياق متصل، حين يفكر ~~البشر أن «خمسة أشياء تشبه اليد» أو غير ذلك من الأفكار ~~وثيقة الصلة؛ ومن ثم يخترعون الأعداد، فإن هذا يعني أن ~~بعض سمات أجسادهم تمكنهم من العملية الإدراكية المعنية. ~~إن إدراكهم يتجسد حين يستخدمون اليد على سبيل الكناية؛ ~~للدلالة على خاصية كمية لتلك السمة الجسدية. وبالرغم من ~~أن علماء اللغة قد لاحظوا أن أنظمة الأعداد غالبا ما ~~تكون عشرية أو خماسية أو عشرينية (أو توليفة من كل ذلك)، ~~فإن مدى تأثير التفكير الكمي المتجسد في ابتكار معظم ~~الأعداد، لم يحظ بالتقدير الكافي في العديد من ~~الدوائر. # 8 # ما بعد العد البسيط # إن العديد من المفاهيم المستندة إلى الأعداد لم تستلهم ~~من خلال اليد. ولم تتطور الممارسات الرياضية المعقدة ~~بصورة مستقلة إلا في ms192 عدد قليل بعض الشيء من الثقافات، ~~بالرغم من عالمية الأصابع، وبالرغم من انتشار مفردات الأعداد ~~على مستوى العالم، فالأعداد المستندة إلى الأيدي، لا تؤدي ~~بالضرورة إلى إنتاج أعداد كبيرة للغاية؛ فوجود كلمة مثل ~~«خمسة» أو «عشرة» في لغة ما، لا يعني أن هذه اللغة تحتوي ~~على كلمة مثل «ألف» أو «مليون» إن وجود مفردات الأعداد ~~البسيطة هو شرط ضروري لتفصيل أعداد أكثر تعقيدا، لكنه غير ~~كاف لذلك. # كذلك فإن العديد من الأنواع الأخرى من الأعداد، لا تتبع ~~بالضرورة تقديم مفردات أعداد أساسية في ثقافة معينة. ~~فالمسار التشريحي ينتج أعدادا صحيحة بسيطة يطلق عليها اسم ~~«الأعداد النموذجية المستخدمة في العد» # 9 # مثل «خمسة» و«ستة» و«عشرة» و«عشرين»، لكنه لا ~~ينتج بالضرورة عددا «كالصفر». (راجع مناقشة العدد صفر في ~~الفصل التاسع.) وهو أيضا لا ينتج بالضرورة الأعداد السالبة، ~~ولا الأعداد غير النسبية، ولا يؤدي إلى اكتشاف متتالية ~~فيبوناتشي، وما إلى ذلك. إذن، فالسؤال المتوقع في سياق هذه ~~المناقشة، هو: كيف نبدأ في تشكيل الأعداد النموذجية ~~المستخدمة في العد لكي نصل إلى عالم يحفل بجميع الأنواع ~~الأخرى من الأعداد والمفاهيم الرياضية؟ إن ذكر التفاصيل ~~الكاملة لتطور علم الحساب، يقع خارج نطاق هذا الكتاب، غير ~~أن الأمر حري بأن نتناول بعض العوامل الأساسية التي ~~تتعلق باستخدام البشر للأعداد النموذجية المستخدمة في ~~العد في ابتكار مفاهيم رياضية أساسية، مثل الجمع والطرح ~~والضرب. ففي نهاية المطاف، تعد هذه المفاهيم الأخيرة ~~محورية في العديد من التقنيات البشرية المادية ~~والسلوكية. # إن هذا النقاش الذي نتناوله بشأن اتساع المفاهيم العددية ~~يعيدنا مرة أخرى إلى إحدى الأفكار المتكررة، وهي أن ~~البشر يفهمون الأفكار المجردة من خلال الأشياء المجسدة ~~الموجودة في حيواتنا التي ترتكز على الطبيعة المادية. ومثلما ~~أن المجاز، والمسار اليدوي الذي اتخذناه نحو الأعداد، ~~يستند إلى كيفية تركيب أجسادنا وعملها؛ فثمة حجة مقنعة ~~على أن الإدراك الحسابي الأساسي يرتكز على خبرتنا المادية. ~~ومعنى هذا أن تطور المفاهيم الرياضية من أعدادنا ~~النموذجية المستخدمة في العد، ينتج بدرجة كبيرة عن إعجاب ~~البشر ms193 بالتفكير المجازي المرتكز على أشياء مادية. # 10 # إن ما يعنينا في هذه المناقشة، هو نوعان من أنواع التفكير ~~المجازي المرتكز على الطبيعة المادية، وأولهما هو الاستعارة ~~المفاهيمية، التي يوجد منها العديد من الأمثلة في أي لغة، ~~وسنذكر عليها مثالين من اللغة الإنجليزية: تصوير مفهوم ~~المزاج العاطفي في صورة درجات الحرارة، ووصف الأمور السلبية ~~بأنها «منخفضة». على سبيل المثال، تظهر الاستعارة الأولى ~~المرتكزة على الطبيعة الجسدية حين نتحدث عن أشخاص ~~يتمتعون إما بشخصية «دافئة» أو «باردة»، مع افتراضنا ~~الضمني أن الشخصيات «الدافئة» أكثر ودا وترحيبا. ~~وتظهر الاستعارة الثانية المرتكزة على الطبيعة الجسدية حين ~~نتحدث مثلا عن شعورنا «بانخفاض الروح المعنوية» أو عن ~~شخص يشعر بأنه «سقط في هوة الاكتئاب.» إن ما ذكرناه ~~هنا هو مثالان فقط على هذا النوع من الاستعارات، غير أن هناك ~~الكثير من الأمثلة عليها. (وينبع الربط المجازي بين الأشياء ~~«المنخفضة » والحزن من العلاقات التجريبية، مثل العلاقة بين ~~الموت والدفن، والوجود في مستوى «منخفض» في الأرض.) # وأما النوع الثاني من التفكير المجازي الذي يعنينا في هذه ~~المناقشة، فهو ما يشير إليه علماء اللغة باسم «الحركة ~~الخيالية»، والتي تتمثل في تفكيرنا في الأشياء على أنها ~~تتحرك بينما نستعرضها في عقولنا. فعلى سبيل المثال، إذا ~~قلت: «إن منظر ناطحات السحاب في أفق ميامي، يجري على ~~امتداد خليج بيسكاين.» فذلك من الأمثلة على الحركة الخيالية؛ ~~فمن الواضح أن ناطحات السحاب لا تجري فعليا، لكنني ~~أتحدث عنها وكأنها تفعل. وبالمثل، حين أزعم أن «الحد ~~الفاصل بين بيرو والبرازيل يمر بالأمازون.» فلن يفسر أحد ~~ذلك على أن الحد يتحرك بالفعل؛ فإن الاستعارات ~~المستندة إلى الطبيعة الجسدية والحركة الخيالية، كلاهما ~~أساسي في تشكيل التفكير الرياضي. # إن علماء الإدراك، ومن أبرزهم رافاييل نونييث من جامعة ~~كاليفورنيا في سان دييجو، قد قدموا بعض الأدلة على أن ~~الاستعارات الأساسية والحركة الخيالية، تسهمان في بنية ~~علم الحساب؛ فهم يذكرون على سبيل المثال أن إحدى الركائز ~~الأساسية في تكوين عمليات الإضافة والطرح هو استعارة أن ~~«الحساب هو جمع الأشياء.» ms194 # 11 # وبعبارة أخرى: فإن البشر يفكرون في الأعداد ~~من خلال الأشياء، فها هم مرة أخرى يحولون الأفكار ~~المجردة إلى شيء مادي وملموس بدرجة أكبر. ومن الأدلة على ~~هذا التوجه المجازي ذلك التداخل بين المصطلحات والعبارات ~~المستخدمة في الجمع والطرح، والتعامل مع الأشياء المادية؛ ~~فيمكنني أن أتحدث مثلا عن «إضافة اثنين وخمسة»، ويمكنني ~~أيضا أن أتحدث عن «إضافة الجبن إلى الهامبرجر»، أو «إضافة ~~الملح إلى السلاطة»، أو «إضافة قطعة أخرى من الأثاث إلى ~~الغرفة». يمكنني أن أقول: «إضافة ثلاثة وثلاثة تساوي ستة.» أو ~~يمكنني أن أقول: «سيارة فيراري الجديدة إضافة رائعة إلى ~~مجموعته.» وبقدر ما يمكنني أن أتحدث عن «الجمع بين ثلاثة ~~وخمسة»، يمكنني أن أتحدث عن «الجمع بين السكر والبيض ~~والزبد»؛ إننا نجمع الأعداد معا في عقولنا، مثلما نجمع بين ~~الأشياء الموجودة في العالم الخارجي عنها. وعلى العكس من ذلك، ~~فإننا نفصل بين الأعداد ، مثلما نفصل بين الأشياء؛ فيمكنني أن ~~أقول مثلا: «إذا أخذت هذا العمود، فسوف ينهار البناء.» أو ~~يمكنني أن أقول: «شكرا على أخذ القمامة.» ومع ذلك، يمكنني ~~أن أتحدث عن «أخذ خمسة من سبعة»، أو أقول: «اثنا عشر نأخذ ~~منها ستة، يساوي ستة.» إضافة إلى ذلك، فمثلما يمكنني أن ~~أقول: «خمسة عشر ناقص اثنين، يساوي ثلاثة عشر.» يمكنني أن ~~أقول: «إذا أنقصنا هذا الحزام من الزي، فإنه سيصبح غير ~~ملائم.» يمكنني أن أستمر في طرح المزيد من الأمثلة، لكنني ~~أعتقد أن ما أعنيه قد أصبح واضحا، وهو أن الكثير من كلمات ~~اللغة التي نستخدمها لجمع الأشياء وإزالتها، يستخدم أيضا ~~لجمع الأعداد وإزالتها. # إن التوازي بين الأشياء والأعداد، لا ينتهي هنا على أي ~~حال؛ فمثلما يمكننا الحديث عن حجم الأشياء، يمكننا الحديث ~~أيضا عن «حجم» الأعداد. فيمكنني أن أقول مثلا: إن ~~التريليون عدد «كبير للغاية» أو: إن «سبعة أصغر من خمسة ~~عشر». ويمكنني أن أقول: «أنا لا أعرف بالضبط الراتب الذي ~~تحصل عليه، ولكني أعرف أنه رقم ضخم.» ويمكنني أيضا أن أقول: ~~«إن راتبها ضئيل للغاية مقارنة بما ms195 تستحقه.» إننا نتحدث ~~عن الأعداد في معظم الأحوال، وكأنها أشياء طيعة مختلفة ~~الأحجام، أشياء يمكن المقارنة بينها وضمها معا وتجميعها ~~كذلك. إن هذا النوع من التفكير المجازي طبيعي للغاية حتى ~~إننا قد لا ندرك أننا نستخدمه. وربما يعود السبب في هذا ~~الأساس المادي للغة الحسابية إلى أن اختراع الأعداد يعتمد ~~بصورة كبيرة على أجسامنا المادية، لكننا، إضافة إلى هذا، ~~نفكر في الأفكار المجردة، ونتحدث عنها في العديد من ~~المجالات الإدراكية على أنها عناصر موجودة في العالم المادي. ~~إن التفكير في الأعداد على أنها أشياء مادية ييسر ~~تخزينها وتمثيلها ومعالجتها في الدماغ؛ إذ إننا نستطيع ~~تصور الأشياء وتذكرها بسهولة أكبر من المفاهيم ~~المجردة. # تؤدي الحركة الخيالية أيضا دورا في تطور الاستراتيجيات ~~الحسابية، غير أن هذا الدور أكثر ثانوية. وهي ظاهرة مختلفة ~~تماما، لكنها مجازية أيضا، ويمكننا أن نطلق عليها اسم ~~«الحساب هو حركة على مسار ». # 12 # والفكرة الأساسية هي أن العديد من البشر (لا ~~سيما متحدثي اللغة الإنجليزية) يصفون الأعداد على أنها ~~توجد على خط، ويصفون الحركة على امتداد هذا الخط. والأمثلة ~~اللغوية التي تتجسد فيها هذه الاستعارة كثيرة للغاية؛ ~~فيمكنني أن أقول مثلا إن «101 و102 قريبان للغاية.» وإذا ~~سألتك عما يكون ناتج عشرة زائد عشرة، وأجبت بأنه ثلاثون، ~~يمكنني أن أقول إن إجابتك «بعيدة للغاية.» وإذا رأيت ~~مجموعة من الأشخاص في فصل دراسي، فقد تقول إنه يوجد «ما ~~يقرب من عشرين طالبا». وإذا كنت لا تعتقد أنهم بهذا العدد ~~الكبير، فقد تقول إن عددهم «يقترب من العشرين». ويمكننا أن ~~نطلب من الأطفال أن يعدوا من واحد إلى مائة، دون ~~«تخطي أي أعداد». ويمكنهم أن يعدوا «من الخلف»، وكأن ~~العد ينطوي على حركة إلى الأمام أو إلى الخلف على خط ~~الأعداد. إن ما تتميز به هذه اللغة من تلقائية يمكن أن ~~يحجب ما يحدث حين نستخدمها، وهو أننا نتحدث عن الأعداد ~~المجردة والكميات التي تصفها وكأنها توجد على خط يمكن ~~تحريكها عليه أو عرضها. إن الإشارة إلى الأعداد في سياق ms196 ~~الخطوط والأشياء الطيعة منتشرة للغاية، وهي تسهل من ~~اكتسابنا للكثير من المفاهيم الحسابية خلال الطفولة. إن هذه ~~الاستعارات تستخدم عن عمد في السياقات التربوية كذلك؛ إذ ~~يربط الأطفال بين الأعداد وبين الأشياء المادية وبين خطوط ~~الأعداد في كتب التدريبات الخاصة بالرياضيات. # 13 # إضافة إلى أنماط الحديث، فإن الإيماءات المصاحبة ~~للحديث، توضح الطرق التي نفهم بها الأعداد مجازيا. إن ~~دراسة الإيماءات التي يقوم بها البشر في أثناء حديثهم، هي ~~مجال خصب للدراسة في مجال علوم الإدراك. وتشير الكثير من ~~الأبحاث إلى أن الإيماءات بمثابة نافذة تطل على ~~العمليات الإدراكية لدى البشر. فعلى سبيل المثال، تنعكس نزعة ~~متحدثي الإنجليزية إلى الحديث عن المستقبل باعتباره شيئا ~~يقع أمام أجسامهم، في إشارتهم إلى الأمام في أثناء الحديث عن ~~الأحداث المستقبلية. وعلى العكس من ذلك، فهم يشيرون إلى ~~خلفهم في معظم الأحيان عند التحدث عن الماضي. وبالمثل، تظهر ~~الإيماءات حين يتحدث الأشخاص عن الأعداد، مثلما يتضح ذلك ~~في دراسة حديثة لمقاطع فيديو مسجلة لطلبة الكليات. حين ~~تحدث الطلبة عن إضافة أعداد معا، كانوا يستخدمون في ~~الوقت نفسه إيماءات «الجمع» أو «المسار». وقد تمثلت ~~الإيماءات الأخيرة في تحريك أصابعهم أو أيديهم من أحد جانبي ~~أجسادهم إلى الجانب الآخر، وكأن الأعداد تتقدم على خط ~~ما. أما إيماءات الجمع، فقد كانت تنطوي على حركة الأيدي إلى ~~الداخل، مع ضم اليد في قبضة، كما لو أن الطلاب يمسكون ~~شيئا في أيديهم، أو يقبضون عليه. وحين كان الطلاب يتحدثون ~~عن جمع الأعداد، كانوا يقومون في الوقت نفسه، وبشكل غير ~~واع، بجمع أشياء متخيلة بأيديهم، أو يحركون أيديهم ~~على خط خيالي. فمن الواضح أن المجاز يؤدي دورا في إنشاء ~~الرياضيات باستخدام الأعداد، غير أن حجم هذا الدور يستلزم ~~المزيد من البحث. # 14 # وثمة أنواع أخرى من الأدلة التي تدعم الاستنتاج المتمثل ~~في أن البشر غالبا ما يفكرون في الأعداد في ضوء المكان ~~المادي؛ فعلى سبيل المثال، يتخذ الأفراد القرارات الرياضية ~~بصورة أسرع حين تتوافق المعلومات المكانية والعددية بدقة. ~~فلتفكر على سبيل ms197 المثال في أي العددين التاليين له قيمة أكبر: # 7 أم 9؟ # أو أي العددين التاليين أكبر قيمة: # 6 أم 8؟ # هل استغرقت وقتا أطول في تقييم الزوجين ~~الأولين من الأعداد؟ إذا كنت قد فعلت، فهذا يعني أن ~~أوقات استجابتك لا تختلف عما أبداه معظم الأشخاص الذين ~~تعرضوا لاتخاذ هذا القرار؛ فالفصل الكامل بين المعلومات ~~المكانية والمعلومات العددية صعب بعض الشيء. وهذا التشابك ~~الموجود بين هذين النوعين من المعلومات، يظهر بالفعل في ~~الأبحاث المعنية بتصوير للدماغ. فحين يطلب من الأفراد ~~التركيز على عدد أو أداء مهمة تتضمن التفكير العددي، تنشط ~~في أدمغتهم أجزاء محددة. ويحدث الشيء نفسه حين يؤدون ~~مهام تستلزم منهم اتخاذ قرارات بشأن الحجم المادي ~~والموقع أو أي منهما؛ إذ تنشط هذه الأجزاء نفسها. # 15 # إضافة إلى هذا، فإن التشابك المكاني العددي يتضح ~~أيضا في الارتباط المكاني العددي لرموز الاستجابة، الذي يشار ~~إليه عادة باسم تأثير سنارك # SNARC ~~. (يعود اكتشاف هذا التأثير، مثل ~~العديد غيره من سمات الإدراك العددي، إلى عالم النفس الفرنسي ~~ستانيسلاس ىديهان.) ويتضح هذا التأثير في السياقات ~~التجريبية، حين يطلب من الخاضعين للتجربة على سبيل المثال أن ~~يضغطوا على زر فور أن يروا عددا محددا على شاشة ~~أمامهم. في حالة الأعداد الكبيرة، كان الخاضعون للتجربة ~~يستجيبون بصورة أسرع حين يضغطون الزر باليد اليمنى، وفي ~~حالة الأعداد الصغيرة، كانوا يستجيبون بصورة أسرع حين يضغطون ~~على الزر باليد اليسرى. ويشير هذا النمط في الاستجابة إلى ~~أننا نفكر في الأعداد وكأنها توجد في تمثيل مكاني على ~~طول خط ما، بحيث تكون الأعداد الأصغر على اليسار والأكبر ~~على اليمين. بالرغم من ذلك، ففي بعض الثقافات التي يسير ~~اتجاه كتابتها من اليمين إلى اليسار، نجد أن هذا الخط ~~معكوس، ونجد أن الاستجابة إلى الأعداد الكبيرة تتحقق ~~بصورة أسرع باليد اليسرى. إن انتشار تأثير سنارك، مثل ~~القرارات العددية المتأثرة بالمكان التي ذكرناها في ~~الفقرة السابقة، كلاهما يدل على التشابك الإدراكي بين ~~المكان والأعداد. # 16 # بالرغم من أن الأدلة على وجود أساس مجازي ومكاني ~~للتفكير ms198 الحسابي تتسم بالإقناع، فإن هذا لا يعني أن ~~التفكير المجازي هو الأساس الوحيد لمثل هذا النوع من ~~التفكير؛ فمن غير المنطقي ألا يكون لدينا سوى عامل واحد فقط ~~هو الذي يفسر تطور الأعداد أو استخدام هذه الأعداد في ~~مبادئ الحساب. في حالة المجاز، على سبيل المثال، نجد أن ~~الثقافات تختلف في طريقة وضعها للأعداد في سياق المكان. ~~إضافة إلى ذلك، ففي بعض الثقافات نجد أن الأدلة التي ~~نمتلكها على أن الأفراد يضعون الأعداد على خط لها، قليلة ~~للغاية أو حتى منعدمة. (راجع النقاش عن جماعة اليوبنو في ~~الفصل الخامس). وعلى مستوى أكثر بدائية، فقد لاحظنا بالفعل ~~وجود عدد قليل من الثقافات التي لا تستخدم أي أعداد ~~محددة على الإطلاق، أو تستخدم منها مجموعة محددة ~~للغاية. وبالرغم من أن الطريق اليدوي إلى الأعداد منتشر ~~للغاية، فهو ليس بالطريق المحتمل الوحيد، ولا تظهر آثاره على ~~الدوام في أساسات الأنظمة العددية. فعلى سبيل المثال، ~~تستخدم بعض اللغات أنظمة سداسية (الأساس 6) لا يمكن ~~تفسيرها باستخدام الأيدي أو الأصابع في التسمية الأولية ~~للكميات. (راجع الفصل الثالث) إن أحد الموضوعات المتكررة ~~في مجال اللغويات هو أنه لا ينبغي لنا الإفراط في تعميم ~~الأنماط التي تتضح في العديد من اللغات، ونفترض أنها ~~توجد في اللغات جميعها. بالرغم من ذلك، ولأن جميع البشر ~~يمتلكون الأدمغة نفسها والأجساد نفسها بصفة أساسية، فليس ~~من المفاجئ أنهم عادة ما يتخذون مسارات متشابهة ~~توصلهم إلى المفاهيم الحسابية، وهذه المسارات غالبا ما ~~تتضمن طرقا مجازية. # ومن الأساسات الأخرى التي أسهمت في انتشار الأعداد الأساس ~~اللغوي على وجه التحديد؛ إذ تشير بعض الأعمال التي قامت بها ~~عالمة اللغويات هايكا فيسا إلى أن علم بناء الجملة ييسر ~~ابتكار المفاهيم العددية؛ فقد يساعدنا البناء اللغوي على ~~تحويل مصطلحات الأعداد مثل «خمسة» و«ستة» إلى أنظمة عددية ~~ذات فائدة أكبر. وفي نهاية المطاف، عندما ندرك نحن - ~~مستخدمي الأعداد - أن 6 أكبر من 5 بمقدار واحد، وأقل من 7 ~~بمقدار واحد، نصبح على وعي بمبدأ الخلف. لكن الأرجح ~~أننا ms199 نتوصل إلى هذه الفكرة، بشكل جزئي على الأقل، لأن ~~اللغة توفر لنا التدريب على استخدام رموز يختلف معناها ~~وفقا للترتيب الذي ترد فيه. فلنتناول هذه الجملة الإنجليزية ~~المتعدية على سبيل المثال: # The crocodile ~~ate the snake ~~. (التي تعني بالعربية أن ~~التمساح أكل الثعبان.) يتوقف معنى هذه الجملة على كلماتها ~~المفردة، لكن الكلمات وحدها لا تكفي للفهم في غياب ~~الاتفاق البنائي؛ فبالرغم من كل شيء، توجد بعض أنواع ~~الثعابين (الأناكوندا) تأكل التماسيح؛ فكيف سنعرف ما الذي ~~يأكل ماذا؟ إن السهولة التي نفهم بها مثل هذه الجمل التي ~~يمكن أن تكون مبهمة، يعود السبب فيها إلى قواعد بناء الجملة ~~في اللغة الإنجليزية. فلأننا نعرف أن الفاعل يسبق الفعل ~~عادة، الذي يسبق المفعول بدوره؛ فنحن نعرف أن الثعبان هو ~~الذي أكل. وإذا طبقنا على عالم الأعداد هذا النوع من ~~المعنى الذي يتوقف على الترتيب، يمكننا أن نرى كيف أن ~~علم بناء الجملة يساعدنا في فهم العلاقة بين كل عدد ~~والآخر. ربما تكون لدينا نزعة فطرية لتشكيل التسلسلات ~~العددية وفك رموزها، وفهم أن مفردات العد لها معان ~~محددة متوقعة؛ لأن البناء اللغوي يساعدنا في وضع ~~الأساس لفهم تسلسلات الأعداد. ومن هذا المنظور فإن البناء ~~اللغوي يمدنا بالأساس لإدراك أن معاني الكلمات يمكن أن ~~تختلف وفقا للترتيب الذي ترد فيه. # 17 # إن هذه العوامل مثل المجاز والبناء اللغوي، تفيدنا في أن ~~نفهم كيف تمكن نوعنا من الانتقال من «مواجهة» الصعوبة في ~~التعامل مع الأعداد الأساسية (وأنا أعني هذه التورية)، إلى ~~استخدامها بطرق جديدة. وهي تساعدنا في تفسير كيفية تطور ~~العمليات الحسابية من الأعداد النموذجية. وبغرض الوضوح، فإنني ~~لا أزعم أن هذه العوامل توجد قطعا في جميع الثقافات، أو ~~أنها تنبع منطقيا في جميع الحالات من اختراع مفردات ~~الأعداد؛ فسوف يكون من غير الدقيق بالطبع أن نزعم أن «البشر ~~يخترعون الأعداد بسبب أصابعهم، فهم يستخدمون اللغة والمجاز، ~~وغير ذلك من العوامل؛ فيتوصلون في النهاية إلى النظرية ~~الأساسية في التفاضل والتكامل.» إن مدى استخدام الثقافات ~~لمبادئ الحساب ms200 الأساسية، والرياضيات الأكثر تعقيدا، تختلف ~~بدرجة كبيرة من ثقافة إلى أخرى، مما يدل على أن العديد ~~من العوامل المرتبطة بالمجتمع تدخل في الأمر. بالرغم من ~~ذلك، يبدو لنا أن العوامل التي ناقشناها هنا شائعة، وهي ~~من المكونات الأساسية في تعزيز التفكير الرياضي. # الأعداد في الدماغ # إن الدماغ البشري أكبر مما ينبغي أن يكون عليه بعدة ~~مرات، وذلك مقارنة بالنسبة المعتادة بين حجم الدماغ وحجم ~~الجسم، والتي تظهر لدى أنواع الرئيسات الأخرى. ويتركز 80 ~~بالمائة من كتلة الدماغ في القشرة الدماغية؛ تلك الطبقة ~~الفوضوية الالتفاف، التي تتكون من المادة الرمادية، ويبلغ ~~سمكها من ميلليمترين إلى أربعة ميلليمترات، وتنقسم إلى ~~نصفين وأربعة فصوص أساسية. ووفقا لبعض التقديرات، فإنها ~~تحتوي على 21 إلى 26 مليارا من الخلايا العصبية التي تسمح ~~بجميع أنواع عمليات التفكير المميزة للبشر. وفي العقود ~~القليلة الماضية، استكشفت الأبحاث الموسعة من بين العديد ~~من الموضوعات الأخرى، كيفية حدوث الإدراك العددي من الناحية ~~الفيسيولوجية العصبية. وقد اكتشفت دراسات تصوير الدماغ ~~المكان الذي يحدث فيه الجزء الأكبر من عمليات التفكير ~~العددي. وهذا الموضع العددي لا يقع في قشرتنا الأمامية التي ~~تتميز بتطورها الفائق، بل إن القدر الأكبر من تفكيرنا ~~العددي يحدث في منطقة تدعى الثلم داخل الفص الجداري ~~( # IPS ~~)، التي ذكرناها لأول ~~مرة في الفصل الرابع، وقد أشرنا حينها إلى أن حاستنا ~~العددية الفطرية توجد، بصفة أساسية على ما يبدو، في الثلم ~~داخل الفص الجداري. # 18 # وبالنظر إلى أن الحاسة العددية الفطرية لدى البشر لا ~~تختلف عن مثيلتها لدى الرئيسات الأخرى، فربما لا يبدو من ~~المفاجئ أن يحدث القدر الأكبر من تفكيرنا العددي في منطقة ~~من الدماغ توجد أيضا في أدمغة الأنواع قريبة الصلة ~~بنوعنا. والواقع أن دراسات تصوير الدماغ تشير إلى أن ~~الثلم داخل الفص الجداري في القرود، ينشط هو أيضا استجابة ~~للمهام العددية، مثل تحديد ما إذا كانت مجموعتان من النقاط ~~تمثلان كميتين مختلفتين أم لا. إضافة إلى ذلك، تنشط ~~مجموعات محددة من الخلايا العصبية الموجودة في الثلم داخل ~~الفص ms201 الجداري، وفقا للكميات المحددة التي تركز عليها ~~مهام معينة. فحين ترى القرود شيئا ما تنشط مجموعة ~~متوقعة من الخلايا العصبية، وحين ترى شيئين تنشط مجموعة ~~أخرى متوقعة أيضا من الخلايا العصبية. # 19 # إن الدراسات التي أجريت على أدمغتنا قد أوضحت مرارا ~~أن الثلم داخل الفص الجداري في نصفي الدماغ، ينشط في أثناء ~~العديد من مهام المعالجة العددية. في معظم الأحيان، تستخدم ~~دراسات تصوير الدماغ التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. وفي ~~هذه الدراسات، يجري الخاضعون للتجربة عددا من مهام ~~التفكير العددي، بينما تتم مراقبة نشاط أدمغتهم من خلال ~~التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. ومثلما قد أشار بعض ~~علماء الأعصاب، فإن هذا النشاط يقع بصورة كبيرة في منطقة ~~محددة من الثلم داخل الفص الجداري، وهي شريط أفقي من الثلم ~~الدماغي يشار إليه باسم المنطقة الأفقية في الثلم داخل الفص ~~الجداري ( # hIPS ~~). فقد أوضحت ~~مجموعة متنوعة من تجارب التصوير أن الثلم الأفقي داخل ~~الفص الجداري ينشط حين يفكر البشر في الكميات ~~ويميزونها. فعلى سبيل المثال، إذا عرضت عليك مجموعة من ~~النقاط، أو طلب منك أن تقارن بين كمية مجموعتين، فسوف ~~تنشط المنطقة الأفقية في الثلم داخل الفص الجداري لديك. ومن ~~المثير أنه ينشط عند إدراك كميات من النقاط أو رؤية رموز ~~الأعداد، أو عند سماع الأعداد المنطوقة. وبعبارة أخرى، فإن ~~المعالجة العددية في الحواس المختلفة تحدث هناك. إن ~~المنطقة الأفقية في الثلم داخل الفص الجداري ترتبط بالتفكير ~~العددي المجرد، لا الإدراك الحسي البصري لمجموعات من ~~الأجسام فحسب. إضافة إلى ذلك، فإن درجة هذا النشاط تتناسب ~~مع شدة التفكير العددي المطلوب لأداء المهمة المحددة. ~~فعلى سبيل المثال، إذا طلب منك أن تحدد ما إذا كانت عشرون ~~نقطة أكبر عددا من خمس نقاط أم لا، فإن المنطقة الأفقية ~~في الثلم داخل الفص الجداري لا تنشط إلا بدرجة ضعيفة. وعلى ~~العكس من ذلك، إذا طلب منك أن تميز عشرين نقطة من سبعين، ~~فإن درجة نشاطها ستكون أعلى بدرجة كبيرة. # 20 # ترسم بيانات التصوير العصبي صورة مشابهة لتلك التي ms202 ~~يرسمها ما فحصناه من بيانات أخرى، وهي أن البشر يمتلكون ~~مكونا حيويا عصبيا بدائيا أساسيا، وهو يوجد أيضا ~~لدى العديد من الأنواع الأخرى. لكننا نمتلك أيضا القدرة ~~على توسيع وظائف هذا المكون إلى ما هو أبعد من عالم التمييز ~~بين الكميات الصغيرة وتقدير الكميات الكبيرة. ويستلزم هذا ~~التوسع الوظيفي استخدام أجزاء أخرى من القشرة الدماغية ~~البشرية، وبصورة أكثر تحديدا، فنحن نحتاج إلى استخدام أجزاء ~~من النصف الأيسر من الدماغ، التي يكون لها دور في المعالجة ~~اللغوية لتوسيع التفكير العددي إلى عالم التمييز الدقيق ~~والجمع الدقيق والطرح الدقيق، وغير ذلك. ولكي يحدث هذا ~~التوسع، نحتاج إلى تحويل الفروق المادية إلى ألفاظ. وهذا ~~التوسع القائم على الألفاظ، والذي ييسره على ما يبدو، ~~علم بناء الجملة والمجاز، يتضح في بيانات التصوير التي ~~تبين نشاط المناطق المرتبطة باللغة في القشرة الدماغية خلال ~~بعض المهام الكمية؛ ومن ثم فإن بيانات تصوير الدماغ ~~تعيدنا مرة أخرى إلى الاستنتاج الذي أصبح مألوفا لنا: لكي ~~نبني تفكيرنا الرياضي الفطري؛ نحتاج إلى رموز لفظية ~~للكميات، أي إننا نحتاج إلى الأعداد. # 21 # خاتمة # هذه هي الطريقة التي اخترعت بها الأعداد في معظم الأحوال؛ ~~كان البشر يكتشفون أحيانا أنه توجد كميات محددة مثل ~~«خمسة». وقد أدى اكتشافهم هذا، في بعض الحالات على الأقل، ~~إلى ابتكار كلمات لتلك الكميات، وقد كانت هذه الكلمات ~~تشتق عادة من أسماء أجزاء الجسم الموجودة بالفعل، وهي ~~أجزاء الجسم التي مكنتهم من إدراك وجود الكميات ~~المحددة، أو يسرت ذلك. وأصبحت مفردات الأعداد الناتجة ~~تمثل الكميات بدقة، وهذا التمثيل الدقيق ينبع جزئيا من ~~قدرتنا الفطرية على تقدير الكميات الأساسية. بالرغم من ذلك، ~~فلا يمكننا أن نغالي في ذكر الدور المحوري للأصابع والأيدي ~~في تقدير الكميات الأقل أساسية. ويعود هذا الدور بدرجة ما ~~إلى الحضور القوي للأصابع في الخبرة الإدراكية والحسية ~~للبشر، وإلى التناظر الجوهري بين يدي البشر. وهو يعود ~~بطريقة غير مباشرة إلى سير البشر على قدمين، وهو إحدى ~~الطرق الأساسية العديدة التي يفسر بها البشر خبرتهم ~~الإدراكية ms203 من خلال التفكير المتجسد. # إن اختراع الأعداد الأساسية، أو الأعداد النموذجية، ليست ~~سوى بداية الحكاية فقط؛ فاستخدام مثل هذه المفردات يؤدي في ~~النهاية إلى التوسع الوظيفي للأنشطة الفيسيولوجية العصبية ~~المرتبطة بالتفكير الكمي. وبالرغم من أننا لا نفهم هذا ~~التوسع تماما، فنحن نعرف أنه يعتمد بدرجة كبيرة على وجود ~~الأعداد اللفظية. صحيح أن بعض الظواهر اللغوية الأخرى مثل ~~المجاز والترتيب البنائي المعتاد، تساعد في تشييد بنيان ~~علم الحساب، لكن هذا البنيان يقوم بصورة أساسية على الأعداد ~~اللفظية. # إن الأعداد هي ابتكار من العقل البشري كانت له آثار ~~عميقة على قصة البشرية؛ فقد غيرت الأعداد فهمنا للكميات. ~~لكن هذه الآثار لم تكن إدراكية فحسب؛ إذ إنها قد شكلت ~~أيضا خبرتنا البشرية من نواح أخرى. في الفصل التالي، سنناقش ~~المدى الذي شكلت به الأعداد، وما زالت تشكل، الجوانب ~~المختلفة في حياتنا اليومية. # الفصل التاسع # | الأعداد والثقافة: نمط الإعاشة والرمزية # على قمة هرم خوفو، أكبر أهرامات الجيزة، نجد السحر ~~الرياضي لقدماء المصريين يقبع هناك عاريا؛ ملايين الأطنان من ~~الحجر الجيري المجوى تتقارب عند القمة المربعة ، وهي مساحة ~~تتسع بالكاد لأن يستريح فيها فرد واحد فقط بعد وصوله إلى ~~القمة، وتحيط به منحدرات شديدة الانحدار على الجوانب الأربعة (غير ~~أن أعقاب السجائر المبعثرة على القمة توضح أن العديد من ~~الأشخاص قد تمكنوا من الصعود والاسترخاء هناك بالأعلى). حين ينظر ~~المرء إلى جوانب الهرم من الأعلى، وهو يبتلع أي نزعة لرهاب ~~المرتفعات، فإنه يدهش من الانتظام الهندسي لمربعات الحجارة ~~متحدة المركز، التي تأخذنا نحو القاعدة؛ فعلى طول 139 مترا ~~رأسيا، يزداد حجم المربعات المرصوصة تدريجيا كلما اقتربت من ~~الأرض. وعلى العكس من القمة المربعة الصغيرة للغاية، يبلغ طول كل ~~جانب من جوانب القاعدة المربعة ما يقرب من 230 مترا. ومن ~~المثير أن محيط قاعدة الهرم، يساوي تقريبا ضعف الارتفاع ~~الأصلي للهرم عند ضرب هذا الارتفاع في ثابت الدائرة # π ~~. # 1 # لا يزال بعض الخلاف قائما بشأن ما إذا كان هذا ~~التناظر مقصودا أم أنه أمر عرضي ms204 فحسب قد جاء نتيجة للتناظر ~~الكلي للهرم ودقة البناء. أما ما لا يوجد خلاف بشأنه، فهو أن ~~هذا الهرم إنجاز استثنائي وخالد للمعماريين والعمال القدامى. ~~لقد صمد كأعلى بناء صنعه البشر على مدار ما يقرب من أربعة آلاف ~~عام، وذلك إلى أن اكتملت كاتدرائية لنكولن في إنجلترا عام 1311. ~~لقد كان الهرم مقبرة للفرعون المصري خوفو منذ أن اكتمل إنشاؤه ~~قرابة العام 2540 قبل الميلاد؛ فهذا البناء المذهل قديم للغاية ~~حتى إنه قد ظل من أماكن الجذب السياحي على مدار آلاف السنين ~~حتى الآن. إن إنشاءه قد استلزم تخصيص نسبة كبيرة من السكان ~~للعمل فيه، وهم الذين أنشئوه، مثله في ذلك كغيره من الآثار ~~العظيمة والمقابر والمباني. لقد احتل مركزا محوريا في ~~ثقافتهم، مجسدا لأساطيرهم ومعززا العديد من القيم ~~الروحية. إن تشييد هرم خوفو وغيره من الأهرامات، قد أسهم في ~~تشكيل حياة المصريين القدماء، بل إنه لا يزال يؤدي دورا بارزا ~~في حياة الكثير من المصريين المعاصرين الذين ينتفعون من السياحة ~~بعد بنائه بأربعة آلاف وخمسمائة عام. # إن الأمر لا يتطلب الكثير من التأمل حتى ندرك أن ~~البناء، كغيره الكثير من إنجازات البشرية في آلاف الأعوام القليلة ~~الماضية، لم يكن ليصبح ممكنا بدون الأعداد والرياضيات؛ ~~فالمشروعات الكبيرة التي يتعاون فيها عدد من الثقافات، التي ~~تسهم بدورها في تشكيل تلك الثقافات من خلال حلقة استجابة مادية ~~اجتماعية، عادة ما تتوقف على الرياضيات. ولن يختلف أحد على ~~أن الرياضيات قد سمحت بازدهار بعض المظاهر الواضحة من الثقافة ~~المادية، مثل هرم خوفو وغيره من المباني الضخمة. في هذا الفصل، سوف ~~نستكشف عددا قليلا من هذه الطرق التي غيرت بها الأعداد خبرات ~~البشر اليومية في معظم الثقافات. إضافة إلى هرم خوفو، توجد ~~العديد من الأمثلة الأقل وضوحا والأكثر انتشارا، في مظاهر ~~الثقافة المادية والرمزية التي ابتكرت من خلال الأعداد أو أصبحت ~~ممكنة بسبب وجودها؛ فمنذ فترة طويلة ونحن نعترف بأن الرياضيات ~~مؤشر مهم للعمارة والتصنيع، وتقدم العمليات الطبية والعلمية ~~وما إلى ذلك. وبالرغم مما يحمله ms205 هذا الاعتراف العام من مزايا، ~~فيمكننا أن نقول إنه يعكس قصر نظرنا التاريخي؛ إذ إننا عادة ~~ما نركز على التطورات الحديثة نسبيا في الرياضيات الغربية، ~~التي نتج عنها العديد من الإنجازات في مجالات الهندسة والعلوم. ~~أما هنا، فنحن نولي تركيزا أكبر على عمق تاريخي أبعد، وعلى ~~الدور التأسيسي الذي لعبته الأعداد في بناء الممارسات الثقافية ~~التي أعادت تشكيل الخبرة البشرية، بعيدا عن دورها في الرياضيات ~~المتقدمة. ربما يكون الأمر الأكثر أهمية، هو أن الأعداد قد ~~جعلت من الثورات الزراعية أمرا ممكنا، وما يرتبط بها من اختراع ~~أنظمة الكتابة في أجزاء مختلفة من العالم، وفي مراحل مختلفة من ~~التاريخ. فلم تتطور الممارسات الرياضية المعقدة في بلاد ~~الرافدين والصين وأمريكا الوسطى، إلا بعد أن وفرت الثورات ~~الزراعية الفوائض الغذائية، التي أتاحت وجود طبقات من الأشخاص ~~المدربين على استخدام الرياضيات في هذه المناطق. بالرغم من ذلك، ~~فقبل هذه التطورات، لم يكن ظهور الأنظمة العددية سابقا على ~~الزراعة والكتابة بشكل عرضي؛ ففي واقع الأمر كانت هذه الأنظمة ~~العددية هي الأساس الذي بنيت عليه هذه الحضارات الكبيرة، ومنها ~~الحضارة التي شيدت هرم خوفو. ولسنا نزعم هنا أن الأنظمة ~~العددية المعقدة تتمخض دوما عن اتساع الرقعة الزراعية أو ~~أنظمة الكتابة، بل نزعم أن استخدام مثل هذه الأنظمة كان معيارا ~~ضروريا لانبثاق مثل هذه الظواهر. وفيما يلي سأقدم بعض الأدلة ~~التي تدعم هذا الرأي. # الأعداد ونمط الإعاشة # إننا نرشح خبرتنا من خلال ما تعلمناه وشاركناه من ~~معتقدات وقيم وأدوات ورثناها من المحيطين بنا، وذلك ~~بطرق لا شعورية في معظم الأحوال. أي إننا نرشح خبرتنا من ~~خلال ثقافتنا الأصلية. إن جميع عناصر حياتنا تقريبا تتأثر ~~بهذا الترشيح؛ ماذا يعني لك الزواج؟ حسنا، يتوقف هذا على ~~ثقافتك الأصلية؛ ففي بعض الثقافات يعني الزواج أن يكون لك ~~أكثر من شريكة، وفي ثقافات أخرى يعني الزواج الارتباط ~~بشريكة واحدة فقط. أحيانا يكون الزواج بعقد مدى الحياة، ~~وأحيانا لا يحدث هذا. في تجاربي الشخصية في ثقافات ~~مختلفة، شهدت زواج مراهقين عمرهما اثنا ms206 عشر عاما، وزواج ~~أنثى عمرها أحد عشر عاما من ذكر عمره أربعون عاما، وزواج ~~رجل واحد بعدة نساء، وزواج امرأتين في الخمسين من عمرهما، ~~إضافة إلى غير ذلك الكثير من ترتيبات الزواج. وفي كل من هذه ~~الثقافات التي التقيت فيها بأفراد في هذه الزيجات، كانت ~~ترتيباتهم تبدو طبيعية للغاية بالنسبة إليهم، بالرغم من أنها ~~تبدو شاذة جدا في بعض المجتمعات في العالم. إن هذه ~~الترتيبات تعكس بعض الاختلافات الأساسية في مفهوم الطفولة بين ~~ثقافات العالم أيضا. وليس هذا مجالا لذكر الطرق التي ~~تؤسس بها الثقافات حياتنا الاجتماعية، لكن إذا كانت ~~الثقافات تحدد مفهومنا عن الطفولة والزواج، فلن يقع خارج ~~نطاقها من جوانب الحياة إلا عدد قليل. ومثلما ذكرت سابقا، ~~فإن المكون اللغوي للثقافة يمكن أن يؤثر في كل شيء، ~~بداية من كيفية تفكيرنا في الزمان والمكان، إلى التمييز بين ~~فئات الألوان، وأحيانا يكون ذلك بشكل مستمر (وإن كان ~~خفيا). موجز القول أن خبرتنا الإدراكية والسلوكية تعد ~~نتيجة لعوامل تتعلق بالثقافة بطريقة أو بأخرى. وهذه العوامل ~~تتضمن الأعداد التي تستخدمها مجموعات محددة من ~~الأشخاص. # مثلما رأينا، فإن مصطلحات الأعداد يكون لها تأثير على ~~التفكير العددي الأساسي؛ إذ تمكننا من اكتساب المهارات ~~الأساسية لتمييز الكميات، ويمكن استخدام هذه المهارات بعد ذلك ~~في تأسيس علم الحساب. إضافة إلى هذا، يبدو أن المهارات ~~الأساسية لتمييز الكميات وعلم الحساب، تسمح بوجود ما يرتبط بها ~~من تغييرات ثقافية، أو تسهل من وجودها على الأقل، مثل تلك ~~التغيرات المرتبطة بنمط الإعاشة. وبهذا، فقد تشكل تلك ~~التغييرات مصدر ضغط على أفراد ثقافات محددة في أن يزيدوا ~~من تطوير مخزونهم من مفردات الأعداد، وأن يصقلوا ~~استراتيجياتهم الحسابية. وبعبارة أخرى: يبدو أن هناك علاقة ~~تكافلية بين الأعداد والجوانب غير اللغوية من الثقافة؛ إذ ~~إن كليهما يتوقف على الآخر، على مدار الأجيال. ويتضح ~~جزء من هذه الأدلة التي تدعم وجود هذه العلاقة التكافلية، من ~~خلال دراسة العلاقات العالمية بين العناصر السلوكية في ~~الثقافة، وبين اللغة العددية. # إن أحد الأمور المذهلة بشأن ms207 الأعداد (من منظور متعدد ~~الثقافات) هو النطاق الواسع لتنوعها، ويتضح هذا التنوع ~~في المعلومات التي عرضناها في هذا الكتاب. ويجدر بنا أن ~~نشير إلى أن معظم جوانب المعنى لا تتنوع بهذه الدرجة ~~الكبيرة فيما يتعلق بنطاق التعبير عنها في لغات العالم. فعلى ~~سبيل المثال، في حالة مصطلحات الألوان، نجد تنوعا بالفعل ~~فيما يتعلق بكيفية ترميز لغات العالم لدرجات الألوان، لكن ~~هذا التنوع ينحصر في نطاق عدد مصطلحات الألوان الأساسية، ~~وعادة ما تمتلك اللغات ما يتراوح بين ثلاثة مصطلحات وأحد ~~عشر مصطلحا للألوان الأساسية. وينطبق الأمر نفسه على مصطلحات ~~العواطف، وحتى الروائح قد ثبت أنها تتنوع بطرق مشابهة، ~~إضافة إلى مجموعة متنوعة من فئات المفاهيم. أما حين يتعلق ~~الأمر بمفاهيم الكميات، فإن اللغات تختلف بدرجة أكبر في عدد ~~الكلمات التي تستخدمها، في ترتيب الحجم، على المقياس الأسي. ~~وهذا لا يعني أنه لا توجد قواعد في كيفية بناء تعبيرات ~~الأعداد، وهو لا يعني أيضا أن معاني مصطلحات الأعداد ليس ~~لها حدود. فبالرغم من أن مقدار مفردات الأعداد يختلف ~~اختلافا كبيرا بين اللغات، نظرا إلى أن نطاق الكميات التي ~~يمكن تسميتها غير محدود، فإن ترجمة هذه المفردات عادة ما ~~تكون مباشرة للغاية؛ فالكلمة التي تعبر عن العدد 6 في أي ~~لغة من اللغات، يشير تعريفها إلى التعبير عن ستة أشياء على ~~وجه التحديد. وهو أمر منطقي؛ فالأجسام المادية كمياتها ~~منفصلة، أي إنها ترد في مجموعات منفصلة. وعلى العكس من ذلك، ~~نجد أن ألوان الطيف الضوئي المرئي تمتزج مع بعضها. ونتيجة ~~لهذا، ولعوامل أخرى، فإن الدلالات المادية التي تعبر ~~عنها مصطلحات الألوان غالبا ما تختلف بعض الشيء من لغة إلى ~~أخرى (راجع الفصل الأول)؛ إذ إن هذه المصطلحات تقسم الضوء ~~المرئي بأشكال محددة، لكنها متباينة. وعلى العكس من ذلك، ~~فإن معنى كلمة مثل «خمسة» يظل ثابتا بين اللغات بشكل ~~عام. # مع ذلك، فنظرا إلى أن «النطاق» الذي يمكن أن تتنوع فيه ~~الأعداد المنطوقة بين الثقافات منقطع النظير، فثمة أهمية ~~خاصة لأن نستكشف العلاقة بين ms208 أنظمة الأعداد وغيرها من ~~العوامل الثقافية. لقد انشغل العديد من الباحثين باستكشاف ~~العلاقة بين الأعداد والثقافة على مدار سنوات، وسوف نناقش هنا ~~أحد أهم النتائج التي توصلت إليها هذه الأعمال البحثية، ~~وهي إظهار العلاقة بين أنواع أنظمة الأعداد وبين أساليب ~~الإعاشة. وقد قدمت الأعمال الحديثة بعض الأدلة على وجود ~~ارتباط يمكن تمييزه بوضوح بين الأنظمة العددية البسيطة (التي ~~توشك أحيانا ألا تكون موجودة على الإطلاق)، وبين أسلوب ~~الإعاشة القائم على الصيد وجمع الثمار. وعلى العكس من ذلك، ~~توضح هذه الأعمال وجود علاقة بين أنظمة العيش الزراعية ~~وبين أنظمة الأعداد الأكثر تعقيدا. # 2 # بقيادة بيشنس إبس من جامعة تكساس، قام فريق من علماء ~~اللغويات مؤخرا بتوثيق تعقيد أنظمة الأعداد في العديد من ~~لغات العالم. وقد اهتم الباحثون تحديدا بالحد العددي ~~الأعلى في اللغات، أي أكبر كمية لها اسم محدد. وليس من ~~السهل تأسيس هذا الحد في حالة بعض اللغات، مثل لغة الباردي؛ ~~فهذه اللغة الأسترالية تستخدم كلمات للتعبير عن الكميات 1 ~~و2 و3، لكن وضع الكلمة التي ترمز إلى الكمية 4 أقل ~~وضوحا؛ إذ إنها تنطوي على تكرار الكلمة المستخدمة للعدد 2. ~~(مثلما أشرنا في الفصل الثامن، فإن الكلمة التي تعبر عن ~~العدد «أربعة» في اللغات الأسترالية، غالبا ما تتكون من ~~أعداد أصغر.) إضافة إلى ذلك، فإن كلمة «ني-مارلا» أو «يد» ~~يمكن أن تشير إلى العدد 5، لكن ذلك بين بعض متحدثي ~~الباردي فحسب. ومثل هذا العدد المميز يجسد مثالا على ~~التحديات العرضية في تأسيس الحدود العليا في أنظمة عددية ~~معينة. بالرغم من ذلك، ففي معظم الحالات يكون تحديد العدد ~~الأكبر في لغة ما مهمة مباشرة بدرجة كبيرة. وقد توصل ~~الفريق المعني من علماء اللغويات إلى الحد العددي ~~الأكبر في 193 لغة في الثقافات التي تقوم على الصيد وجمع ~~الثمار في أستراليا والأمازون وأفريقيا وأمريكا الشمالية. ~~إضافة إلى ذلك، فقد فحصوا الحد العددي الأكبر في 204 من ~~اللغات في الثقافات الزراعية والرعوية في هذه الأماكن أيضا، ~~واكتشفوا أن الحد العددي في لغات الجماعات ms209 التي تعتمد على ~~الصيد وجمع الثمار، عادة ما يكون أصغر. وينطبق ذلك تحديدا في ~~أستراليا والأمازون، وهي المناطق التي تعتمد في أسلوب العيش ~~على الصيد وجمع الثمار بشكل كامل. وقد ذكرنا الأعداد ~~المحدودة التي تستخدمها هذه اللغات في الفصل الثالث، أما الآن ~~فسوف نربط هذه القيود بالعوامل الثقافية. # 3 # في حالة اللغات الأسترالية لاحظت الدراسة المعنية أن ~~80 بالمائة من اللغات، محدودة من ناحية الأعداد، وأكبر كمية ~~تمثل فيها لا تزيد عن 3 أو 4. # 4 # وقد أشارت الدراسة إلى أن لغة أسترالية واحدة، ~~وهي لغة الجاميلاراي، هي التي يزيد حدها العددي الأكبر على ~~العشرة، وأعلى عدد تمثله هو العدد 20. ونظرا إلى أن كل ~~جماعات السكان الأصليين في أستراليا تعتمد عادة على الصيد ~~وجمع الثمار، فإن العلاقة بين وجود عدد محدود من مصطلحات ~~الأعداد ونمط العيش، يؤثر بشدة على الاتجاه المتوقع في ~~تلك القارة. وتتضح هذه العلاقة بقوة أيضا في أمريكا ~~الجنوبية، أو الأمازون على وجه التحديد؛ فعادة ما يكون الحد ~~الأعلى في اللغات التي تستخدمها ثقافات الصيد وجمع الثمار في ~~هذا الإقليم، أقل من عشرة، فلا توجد سوى لغة واحدة من هذه ~~اللغات هي التي تمتلك أعدادا للكميات الأكبر من 20، وهي لغة ~~هاوراني. إن ثلثي اللغات التي تستخدمها جماعات هذا ~~الإقليم يكون الحد الأكبر فيها 5 أو أقل، وأما الثلث الآخر ~~فلا يزيد الحد الأكبر فيه عن عشرة. وهذه النسب من ~~الأنظمة العددية المحدودة أكبر كثيرا مما قد نتوقعه من ~~عينة عشوائية من الثقافات. واختصارا، فإن العلاقة بين ~~أساليب العيش الأساسية والتعقيد العددي متغلغلة في هذه ~~الأقاليم. # وبالرغم مما تجلبه مثل هذه النتائج من فائدة، فإنها تنطوي ~~على إحدى المشكلات، وهي أنها مبنية على أساس التصنيف ~~المبسط للثقافات إلى نوعين: ثقافات تتبع نمط الصيد وجمع ~~الثمار مقابل ثقافات لا تتبع نمط الصيد وجمع الثمار. وهذا ~~التصنيف ضروري لإجراء هذا العمل الاستبياني، غير أنه من ~~المهم أيضا أن نراعي أن أنماط إعاشة البشر تتنوع ~~تنوعا أكبر مما ينطوي عليه هذان المسميان. ms210 فعلى سبيل ~~المثال، نجد أن المجموعات التي تعيش على الصيد وجمع الثمار ~~تختلف بدرجة كبيرة في مقدار ما تحصل عليه من سعرات حرارية ~~من خلال الصيد، وفي أنواع الصيد الذي تمارسه. وبالرغم من كل ~~شيء، فإن مجموعات الصيد وجمع الثمار في أستراليا والأمازون ~~وغيرها من الأماكن، تصطاد أنواعا مختلفة من الحيوانات، وتعيش ~~في أنظمة بيئية مختلفة. وهذا الاختلاف في الأنظمة البيئية، ~~يتضمن الاختلاف في إمكانية الوصول إلى مصادر الماء العذب، ~~ومن ثم اختلاف معدلات الاعتماد على الأسماك وغيرها من ~~الحيوانات المائية كمصدر للحصول على السعرات الحرارية. ~~إضافة إلى ذلك، فالعديد من الجماعات التي تعتمد على الصيد ~~وجمع الثمار، تعتمد على أساليب القطع والحرق في الزراعة، ~~بدرجة ما على الأقل، حتى وإن لم يمارسوا الزراعة المستقرة ~~على الإطلاق. وأخيرا، فإن أنواع الشبكات الاجتماعية الأكبر ~~التي تتضمن مجموعات الصيد وجمع الثمار، تختلف اختلافا ~~كبيرا؛ فبعض مجموعات الصيد وجمع الثمار في الأمازون تعيش في ~~انعزال بدرجة كبيرة. وفي الواقع، وفقا لتقنيات التصوير ~~بالقمر الصناعي الجديدة، توجد العديد من جماعات السكان ~~الأصليين المنعزلة التي تعيش في الإقليم. وعلى العكس من ذلك، ~~فإن معظم جماعات الصيد وجمع الثمار التي تعيش في منطقة ~~الحوض العظيم بجنوب غرب أمريكا (وهي المنطقة التي ركز عليها ~~إبس وزملاؤه)، طالما كانت متصلة مع بعضها البعض، ومتصلة ~~بالمجتمعات الأكبر منها أيضا. ومع هذا التواصل يأتي انتشار ~~التجارة وتقييم السلع، مما يزيد من فائدة مفردات الأعداد، ~~بينما يؤدي هذا الترابط المجتمعي الكبير إلى استعارة مفردات ~~الأعداد. وموجز القول أن ثقافات الصيد وجمع الثمار المختلفة، ~~تواجه ضغوطات اجتماعية ثقافية كبيرة التنوع، فيما ~~يتعلق بزيادة استخدام الأعداد. ومن ثم، فبالرغم من أن ~~الاستخدام المتجانس لمصطلحات مثل «مجموعات الصيد وجمع الثمار» ~~أمر منطقي، فهو يعتم على بعض الاختلافات المهمة بين أنواع ~~الثقافات؛ ولهذا فليس من الغريب أن مجموعات الصيد وجمع ~~الثمار في أمريكا الشمالية، تمتلك أنظمة عددية أكثر تعقيدا، ~~من تلك التي تمتلكها مجموعات الصيد وجمع الثمار التي تعيش في ~~الأمازون على سبيل المثال. # 5 ms211 # وبالرغم من محدودية المصطلحات المستخدمة لتصنيف الجماعات ~~السكانية البشرية، فلا يزال لدينا ارتباط واضح بين أنواع ~~أسلوب العيش، وتعقيد أنظمة الأعداد: الجماعات التي تعتمد على ~~الصيد وجمع الثمار، ولا تستخدم الزراعة أو غيرها من الأساليب ~~الزراعية المعقدة إلا قليلا، تستخدم تقنيات عددية ~~متواضعة في معظم الأحيان. وينبغي أن أؤكد على «في معظم ~~الأحيان» هنا؛ إذ يوجد بعض الاستثناءات من المجتمعات التي لا ~~تعتمد على الزراعة، لكنها تمتلك حدودا عددية كبيرة نسبيا. ~~ويوجد عدد قليل من المجتمعات الاستثنائية التي تطبق بعض ~~الممارسات الأساسية في الزراعة، لكن حدودها العددية منخفضة ~~(مثل جماعة الموندوروكو التي تناولناها في المناقشة في الفصل ~~الخامس.) بالرغم من ذلك، فما من جماعات زراعية كبيرة، سواء ~~في الوقت الحالي أو في التاريخ المسجل لدينا، دون أنظمة ~~عددية معقدة. ومع ذلك، يجب أن أوضح أن التفسير الذي أطرحه ~~ليس تفسيرا حتميا يقضي بأن الأنظمة العددية التي تتسم ~~بوجود حدود عددية مرتفعة، تؤدي حتما إلى ظهور الزراعة. ~~وإنما أقترح أن الأنظمة العددية القوية (كانت) ولا تزال ~~عاملا مهما يساعد في ابتكار الممارسات الزراعية. غير ~~أننا في نهاية المطاف نفترض وجود تطور مشترك بين الأنظمة ~~العددية وأنماط الإعاشة، أي إن أنواعا محددة من أنماط ~~الإعاشة (مثل الزراعة المستقرة) تشكل بعض الضغوطات لتطوير ~~أنواع أكثر تعقيدا من الأعداد. # إن تداعيات هذا الاستنتاج لا تقتصر على وعينا بالبشر في ~~الوقت الحالي فحسب، ولكنها تؤثر أيضا على فهمنا للبشر على ~~مدار التاريخ. فقد عاش نوعنا في الغالبية العظمى من فترة ~~وجوده على الصيد وجمع الثمار في أفريقيا، دون ممارسات زراعية ~~ولا شبكات تجارة معقدة؛ إذن فمن التفسيرات المنطقية ~~للتوزيع المعاصر لأنواع الأنظمة الثقافية والعددية، هو أن ~~البشر لم يستخدموا الأنظمة العددية المعقدة على مدار الجزء ~~الأكبر من تاريخهم. ومن التفسيرات المنطقية الأخرى أن ~~التحول إلى ثقافات أكثر استقرارا وتعتمد على التجارة ~~بدرجة أكبر، قد أسهم في دفع العديد من المجموعات إلى تطوير ~~تقنيات عددية أكثر تعقيدا. وقد كان هذا التحول واضحا ~~بالفعل في نقاشنا لنشأة ms212 الكتابة في الفصل الثاني؛ فقد تطورت ~~الأعداد المكتوبة، والكتابة بوجه عام، في منطقة الهلال الخصيب ~~بعد أن بدأت الثورة الزراعية هناك؛ فحين بدأ البشر الذين ~~كانوا يعيشون في هذه المنطقة في تطوير مزارع كبيرة، وأصبحت ~~الحياة في تلك المنطقة تعتمد بصورة أكبر على الزراعة، ظهرت ~~ضغوطات جديدة دفعت البشر الذين يعيشون في هذا الجزء من ~~العالم إلى تسجيل كميات السلع بدقة. فقد كان عليهم مثلا أن ~~يعدوا مخزون القمح والشعير والدخن، وأن يسجلوا أعداد ~~هذه المحاصيل وغيرها من السلع الناتجة عن الزراعة أو التصنيع ~~أو كليهما، وذلك في المراكز الحضرية التي تعتمد على ~~الزراعة. وفي النهاية نتج عن هذه الضغوطات اختراع الأرقام ~~وغيرها من الرموز، وذلك مثل الأرقام القائمة على العملات ~~الفخارية، التي ناقشناها في الفصل الثاني. وقد أتاحت هذه ~~الأرقام وجود أشكال جديدة من الزراعة والتجارة، التي كانت ~~تستلزم تمثيل الكميات والتمييز بينها بدقة. ومن ثم، فإن ~~المثال القديم لبلاد الرافدين، يوضح السبب وراء الربط ~~الحالي بين نمط الإعاشة وأنواع الأعداد؛ فالأنظمة ~~الاقتصادية الكبيرة التي تقوم على الزراعة والتجارة، تستلزم ~~وجود التعقيد العددي كي تنجح. ومثل الأرقام المكتوبة فإن ~~الحدود العددية الكبيرة تؤدي إلى نجاح الزراعة والتجارة؛ إذ ~~إنها تمكننا من التمييز الدقيق بين جميع الكميات ~~المعنية. # حتى بعض الممارسات الزراعية التي يفترض بأنها بسيطة، لن ~~تكون ممكنة إن لم يسبقها وجود أنظمة عددية معقدة. فمن ~~جميع الأدلة التي استعرضناها، يمكننا القول بأن الثورة ~~الزراعية لم تكن لتحدث إن لم يطور البشر مجموعات واسعة ~~من الأعداد. فمثلما رأينا يحتاج البشر إلى الأعداد كي ~~يتمكنوا من التمييز بين معظم الكميات بدقة؛ ومن ثم فمن ~~الواضح أن مفردات الأعداد وغيرها من الأدوات العددية ضرورية ~~لنا لكي نتمكن من متابعة دورة القمر، وغيرها من السمات ~~البيئية الضرورية لتطوير العديد من الممارسات الزراعية. وبسبب ~~هذه الضرورة؛ فإن العديد من السجلات العددية المبكرة في ~~مناطق مختلفة مثل أمريكا الوسطى وبلاد الرافدين، تتبع ~~الدورات الفلكية والفصول. وبدون التقويمات المفصلة ~~المستندة إلى الأعداد، لم يكن للبشر ms213 أن يتتبعوا الأنماط ~~السماوية غير الواضحة، مثل تكرار مواقع الشمس في أوقات ~~مختلفة من العام. لقد اخترعنا أدوات عددية، وقد أصبح من ~~الممكن أن نستخدم هذه الأدوات بعد ذلك بطرق غير ~~متوقعة، ويمكن تحسينها لتلبية احتياجات غير متوقعة ~~أيضا. إن استخدام الأعداد قد مكن البشر من تتبع حدوث ~~الاعتدال الربيعي والانقلاب الشتوي على سبيل المثال، وقد ثبت ~~أن ذلك أمر محوري للزراعة. إضافة إلى ذلك، فالأنظمة ~~العددية التي تتضمن حدودا عددية كبيرة، قد مكنت ~~السومريين وغيرهم من تحديد عدد صفوف الشعير بدقة، أو قياس ~~مخزون الحبوب للشتاء على وجه التحديد. وبدون الأعداد لن تكون ~~مثل هذه المهام صعبة فحسب، بل مستحيلة. ويمكننا أن نقول هذا ~~الآن بثقة؛ نظرا إلى الأبحاث التجريبية الحديثة التي ناقشناها ~~في هذا الكتاب؛ إذن فالأعداد تمكننا من الزراعة، وفي نهاية ~~المطاف تؤدي الزراعة إلى وجود مجتمعات أكبر وأكثر استقرارا، ~~وهذه المجتمعات تنتج شبكات أكبر من العقول التي تتشارك ~~اللغة نفسها؛ ومن ثم تنتشر الأدوات العددية خلالها ~~بسرعة. # إن انتشار الأدوات العددية لم يكن سمة مميزة للماضي ~~فحسب، أي خلال الثورة الزراعية في الهلال الخصيب على سبيل ~~المثال. فالواقع أن انتشار أنظمة الأعداد لا يزال يغير ~~أنماط العيش، والأرجح أنه يحدث اليوم بالغزارة نفسها التي ~~كان يحدث بها في أي فترة من التاريخ؛ فثمة أنواع مختلفة ~~من الضغوطات الاجتماعية الثقافية التي تواجه الأفراد في ~~عصرنا، وتدفعهم إلى استخدام أنظمة عددية وتعديلها. فلنتأمل ~~مثالا هذه الحالة، وهو صديق لي ينتمي إلى إحدى الجماعات ~~الأصلية، هي الكاريتيانا. ومن أجل الحفاظ على سرية هوية ~~صديقي هذا؛ سوف أشير إليه باسم باولو. إن جماعة الكاريتيانا ~~تتكون من 350 فردا من السكان الأصليين، يعيشون في جنوب غرب ~~الأمازون. ويعيش معظمهم في محمية تبعد حوالي 90 كيلومترا ~~عن المدينة البرازيلية النامية، بورتو فاليو، غير أن نسبة ~~متزايدة من أفراد الكاريتيانا يعيشون في بورتو فاليو ~~نفسها. قضى باولو الجزء الأكبر من طفولته في ثمانينيات ~~القرن الماضي وتسعينياته في أكبر قرية في المحمية التي تعيش ms214 ~~فيها الجماعة. فيمكننا القول إنه قد نشأ في جزيرة بالأدغال ~~تحيط بها الطرق والمزارع البرازيلية. خلال ذلك الوقت، تعلم ~~أعداد الكاريتيانا (راجع الفصل الثالث) لكنه تعرض أيضا ~~للأعداد البرتغالية والأرقام البرتغالية. وينطبق الأمر نفسه ~~على بقية أفراد جيله من الكاريتيانا. فبينما كان العديد من ~~أفراد الكاريتيانا يسعون وراء رزقهم في مدينة بورتو فاليو ~~المجاورة، جاهد العديد منهم للحفاظ على طريقتهم التقليدية في ~~العيش في محميتهم. وقد كان ذلك متاحا في ذلك الوقت؛ إذ ~~كان لا يزال من الممكن ممارسة طرقهم التقليدية في العيش من ~~الصيد وجمع الثمار والبستنة. أما حديثا فقد صار الحفاظ على ~~طريقتهم التقليدية في العيش أمرا يصعب التمسك به؛ إذ بني ~~بالقرب منهم سد كهرومائي مما أثر على مصائد الأسماك ~~المحلية. وفي الوقت نفسه صارت أراضي الكاريتيانا تواجه ~~تعديا أكثر مباشرة على يد عدد متزايد من السكان ~~البرازيليين المحليين، وقد نتج عن هذا التعدي وجود ~~كميات أقل من الصيد والأسماك في محمية الكاريتيانا. ~~وباختصار، فبالرغم من جمال جزيرتهم الموجودة في الأدغال ~~وفائدتها، شعر العديد من أفراد الكاريتيانا بأنه لا خيار ~~أمامهم سوى أن يحاولوا الحصول على عمل في الاقتصاد البرازيلي ~~المحلي إن هم أرادوا البقاء والنجاة. وينطبق هذ الأمر ~~تماما على باولو، فقد التحق بالمدارس البرازيلية لبعض ~~الوقت، وحصل قدرا من التعليم العالي، وهو يعمل الآن في ~~منظمة حكومية. ولكي يتمكن من القيام بكل هذا؛ كان على باولو ~~بالطبع أن يتعلم قواعد اللغة البرتغالية وكتابتها، وكان عليه ~~أيضا أن يتعلم الأعداد والحساب. وباختصار فقد واجه ضغوطات ~~اجتماعية واقتصادية عظيمة، دفعته لتعلم أعداد ثقافة ~~أخرى. # لنعد مرة أخرى إلى موضوعنا؛ إن باولو ليس سوى فرد ~~واحد من مئات ملايين الأفراد الذين يتحدثون لغات قد أصبحت ~~اليوم معرضة للاندثار، ويواجهون ضغوطات مماثلة لتعلم ~~أعداد لغات أخرى. ووفقا لبعض التقديرات، فإن 90 بالمائة من ~~7000 لغة توجد اليوم معرض للاندثار بدرجة أو بأخرى. ~~والسبب الأساسي في تعرضها للانقراض، هو أن أفرادا مثل ~~باولو يجبرون على الانضمام لدول أكبر، ويتعلمون لغات ms215 ~~أصلح للاقتصاد. وهذه اللغات التي تكون ذات أصول أوروبية في ~~العادة، تستخدم أنظمة عددية ورياضية معقدة، وتحديدا عند ~~مقارنتها بلغات المجتمعات الصغيرة التي تعتمد على الصيد وجمع ~~الثمار والبستنة. فالناس في نيو غينيا وأستراليا والأمازون ~~وغيرها من المناطق يضطرون إلى تعلم الرياضيات. ولكي ~~يتمكن السكان الأصليون من النجاة أو الكفاح أو كليهما، ~~يجبرون باستمرار على التواصل بشكل أكبر مع شعوب الدول ~~المهيمنة. وهذا التفاعل الطويل مع ثقافات شعوب هذه الدول، ~~عادة ما يستلزم تعلم أنظمة عددية معقدة. إن هذه النقطة ~~توضح لنا نمط ما كان يحدث من قبل على مستوى كل منطقة ~~بعينها، على مدار آلاف الأعوام تشكل الثقافات ضغوطات ~~قوية على بعضها البعض لتبني الأعداد وغيرها من التقنيات ~~العددية. ومثلما أن الأعداد قد أتاحت حدوث بعض التغيرات ~~الثقافية، مثل الاعتماد على الزراعة بدرجة أكبر، فإن ~~التغيرات الثقافية أيضا تمكن من تعلم أعداد جديدة. ~~إن الثقافة السلوكية وأنظمة الأعداد، كل منهما يعمل جنبا ~~إلى جنب، وتجمع بينهما حلقة استجابة؛ فالتغيرات في ~~الممارسات الثقافية غالبا ما تستلزم اكتساب أدوات عددية ~~جديدة، مما يسهل بدوره اكتساب هذه الممارسات الثقافية، ~~التي قد تتطلب بدورها وجود أدوات عددية أكثر تعقيدا، ~~وهكذا. # المزايا المهملة لبعض أنظمة الأعداد # عند الحديث عن المزايا المحتملة التي أصبحت ممكنة بسبب ~~وجود أنظمة عددية معقدة (مثل الزراعة) يجب أن أوضح أنني ~~لا أساوي بين استخدام مثل هذه الأنظمة وبين «تطور» الثقافة ~~أو اللغة. فقد دأب العديد من علماء اللغة والعلماء في مجال ~~علم الإنسان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر على تلك ~~العادة المؤسفة، وهي مساواة سمات اللغات والثقافات ~~الأوروبية بما يفترض أنه المرحلة اللاحقة في تطور ~~المجتمعات البشرية. ويمكن قول الشيء نفسه عن المستعمرين ~~الأوروبيين، الذين كانوا يعتبرون أن الثقافة الغربية هي ~~أوج التكيف الاجتماعي البشري. ولم تعد مثل هذه الآراء ~~تحظى بالتقدير، وإن كان ذلك جزئيا على الأقل؛ إذ إن ~~الأعمال البحثية الميدانية الموسعة قد أثبتت أنها محض ~~هراء؛ فعلى سبيل المثال، كان بعض المستوطنين يرون من قبل ms216 ~~أن لغات السكان الأصليين الأمريكيين بدائية، وتفتقر إلى ~~التهذيب النحوي الذي تحظى به اللغات الأوروبية الحديثة أو ~~الكلاسيكية. وبالرغم من أن البعض من غير المختصين في علم ~~اللغويات ربما لا يزالون يعتقدون بصحة مثل هذه الآراء ~~القديمة، فإن العالمين في اللغويات ومجال علم الإنسان: ~~فرانز بواس، وإدوارد سابير، قد أطاحا بمثل هذه الآراء في ~~الدوائر الأكاديمية، وذلك منذ فترة طويلة في أوائل القرن ~~الثامن عشر. فقد وضحا كيف أن هذه اللغات التي يزعم بأنها ~~لغات أصلية بدائية، تمتلئ بجميع أشكال التعقيدات النحوية التي ~~لا نجدها في اللغات الهندية الأوروبية. وذلك لا يعني أيضا ~~أن اللغات الأصلية أكثر تعقيدا؛ فمنذ فترة من الوقت ~~والإجماع في مجال اللغويات على أنه لا توجد طريقة موضوعية ~~لترتيب اللغات من حيث تعقيدها الجوهري. إضافة إلى ذلك، فبما ~~أننا نتفق بصفة عامة على أن جميع اللغات تعود إلى أصل ~~أفريقي؛ فما من أساس نستنتج منه أن بعض اللغات أكثر ~~تطورا من غيرها. # وبناء على هذا، فمن المهم ألا نقع في الفخ نفسه ~~مجددا. من الواضح أن اللغات تختلف في درجة تعقيدها ~~العددي؛ إذ إن بعضها يمتلك مخزونا من الأعداد أكبر كثيرا ~~مما تمتلكه غيرها. غير أن ذلك لا يعني أن هذه اللغات ~~المعنية هي أكثر تعقيدا بشكل عام، أو أن المتحدثين ~~بها هم أكثر تقدما من الناحية الاجتماعية الثقافية، وإنما ~~يعني أن متحدثي هذه اللغات يمتلكون أدوات يمكنهم ~~استخدامها لتسهيل أنواع محددة من السلوك. وكل ذلك لا جدال ~~فيه، لكن هذا لا يعني أنه يمكن وضع جميع الثقافات على طريق ~~بسيط يؤدي إلى الحداثة، ولا يعني أنه يجب على جميع الناس أن ~~يهتموا بمثل هذا الطريق. إن حالة الكاريتيانا توضح كيف ~~أن استخدام الأنظمة العددية ليس أمرا اختياريا بالنسبة ~~إلى العديد من الأشخاص. والأمر المثير للاهتمام أنه حتى مع ~~هذه الضغوطات لاستخدام الأنظمة العددية، فإن بعض المجموعات ~~تظل غير راغبة في استخدام مجموعة كبيرة من الأعداد. وتلك ~~هي الحالة التي تنطبق على أفراد البيراها، الذين نجد ms217 أنهم ~~عادة ما يناهضون معظم مظاهر الثقافة البرازيلية. فهل يجعل ~~هذا من ثقافة البيراها أقل تقدما؟ إذا كان المرء يتبنى ~~منظور المركزية الأوروبية، فسوف تكون الإجابة أجل بالتأكيد. ~~بالرغم من ذلك، فإن أفراد البيراها يبدون راضين بشكل عام ~~عن الخيارات التي اتخذوها للحفاظ على ثقافتهم، كما أن ~~تمركزهم الإثني يكذب الاستنتاج الساذج بأنهم هم أنفسهم ~~يشعرون بدونيتهم أو بدائيتهم عند مقارنتهم مع غرباء. ~~إن سلالتهم الثقافية الفخورة، طالما تكيفت جيدا مع ~~البيئة التي تعيش فيها؛ إذ نجحوا في الحياة في الأمازون منذ ~~آلاف الأعوام. # 6 # إن منظور المركزية الأوروبية التقليدي تجاه التعقيد ~~اللغوي، والذي يفترض تلقائيا أن لغات الجماعات الأصلية ~~بدائية، لم يتسبب في التبسيط المبالغ فيه للقواعد اللغوية ~~للغات الأخرى فحسب، بل تسبب أيضا في التمويه على التعقيد ~~العددي في بعض اللغات. فعلى سبيل المثال، كان ثمة افتراض ~~شائع بأن الأنظمة العددية تصبح أقل تعقيدا إذا لم تكن ~~تتبع الأساس العشري، أو إذا كانت الثقافات التي تستخدمها لا ~~تمتلك أنظمة كتابة. أما الآن، فقد بدأ الباحثون يدركون أن ~~بعض الأنظمة العددية للجماعات الأصلية تقدم مزايا محددة ~~لبعض المهام الرياضية، وهي مزايا لا توفرها أنواع الأعداد ~~الأوروبية. إن التقدير الذي أصبحت تحظى به الأنظمة العددية ~~غير المعروفة، قد جاء نتيجة العمل الذي قدمه اثنان من علماء ~~الإدراك؛ هما أندريا بندر وسيجهارد بيلر، اللذان نشرا في ~~العقد الماضي دراسات مذهلة عما سبق ذكره من المزايا ~~الإدراكية لبعض الأنظمة العددية الأصلية في بعض جزر المحيط ~~الهادي. وتوضح الدراسات التي قاما بها أن ما تتسم به ~~بعض الأنظمة العددية للغات الأصلية من تعقيد وسمات جمالية ~~يتم إهماله في بعض الأحيان. # 7 # في الفصل الثالث، ذكرنا أنه بالرغم من أن معظم أنظمة ~~الأعداد المنطوقة تقوم على أساس الجسم البشري، فإنه توجد بعض ~~الاستثناءات؛ فبعض أنظمة الأعداد السداسية في نيو غينيا على ~~سبيل المثال، يبدو أنها قد ظهرت من الأنماط الشائعة في ~~الترتيبات المستخدمة لتخزين الخيوط. وغالبا ما ينظر ~~الغرباء على هذه الثقافة إلى هذه ms218 الأعداد على أنها أعداد ~~بسيطة؛ لأنها تقدم أكثر فائدة لها في سياقات معينة، ~~ولا يمكن تطبيقها بسهولة على جميع الأشياء التي يمكن جمعها. ~~ففي بعض اللغات، يمكن أن تقتصر مفردات الأعداد أو ما يشبهها ~~على سياقات محددة فقط؛ فعلى سبيل المثال، نجد أن اللغة ~~البالية وغيرها من اللغات التي يوجد بعضها في جنوب ~~أستراليا، تستخدم أسماء ترتيب الميلاد. وهذه ليست أعدادا، بل ~~أسماء للأفراد بناء على ترتيب ميلادهم بين إخوتهم. فحين نجد ~~شخصا يدعى «كيتوت» باللغة البالية، على سبيل المثال، نعرف ~~أنه رابع طفل ولد في أسرته. وفي لغة الكورنا الأسترالية، ~~نجد أنه يمكن تمييز ترتيب الأطفال وفقا لميلادهم من الأول ~~إلى الثامن، من خلال نهايات الأسماء. # 8 # إن هذه الكلمات الشبيهة بالأعداد، لا تستخدم ~~إلا في الأسماء؛ ومن ثم فهي ليست مجردة بالدرجة الكافية لأن ~~تكون أعدادا مناسبة. بالرغم من ذلك، فالقول بأن أنظمة ~~الأعداد التي تستخدم مصطلحات عددية محدودة بأشياء ~~معينة، أقل تجريدا ونفعا، هو استنتاج يفتقر إلى وجود ~~أساس قوي يدعمه في بعض الحالات. وفي حقيقة الأمر، أوضحت أبحاث ~~بيندر وبيلر على اللغات البولينزية أن بعض الأنظمة العددية ~~التي تستخدم مصطلحات عددية مخصصة لأشياء معينة، يمكن ~~أن توفر مزايا إدراكية واضحة للمتحدثين بها . # فلنتأمل في مثال اللغة التي كانت تستخدم من قبل في جزيرة ~~مانجريفا في بولينيزيا الفرنسية. كانت هذه اللغة تستخدم ~~تسلسلات عد مختلفة، وفقا لما إذا كان المتحدث يعد ~~على سبيل المثال ثمار فاكهة الخبز أو البندان (شجرة تشبه ~~النخيل) أو أخطبوطات. وهذا التنوع البارز قد يعده ~~الغرباء على الثقافة بدائيا أو غير متطور؛ إذ إنه لا يوجد ~~مجموعة واحدة من مصطلحات الأعداد المجردة يمكن استخدامها ~~لعد جميع العناصر. غير أن الأمر المثير للاهتمام هو أن ~~اللغة المانجريفية تنحدر من اللغة المحيطية الأولية، وهي لغة ~~كانت تمتلك على ما يبدو نظاما عشريا موحدا يمكن ~~استخدامه لعد أي شيء. إذن، فنظام العد في اللغة ~~المانجريفية وغيره من أنظمة العد في بولينيزيا، قد تطورت ~~من نظام عشري ms219 قد يراه البعض أكثر تطورا من نظام العد ~~المانجريفي، لكن مثل هذا التطور يعارض الافتراض القائل ~~بأن الأعداد المانجريفية تمثل مرحلة مبكرة في تطوير ~~أعداد تتسم بالتعقيد العددي الحقيقي. وربما يعود السبب في ~~هذا المسار التاريخي غير المتوقع الذي اتخذه هذا النظام ~~العددي، إلى حقيقة أن أنظمة الأعداد المرتبطة بأنواع ~~الأشياء، يمكن أن تزيد من سرعة الحساب الذهني في بعض ~~السياقات، مع تقليل الجهد الإدراكي المبذول في أداء بعض المهام ~~الرياضية في غياب الكتابة. # لقد كانت اللغة المانجريفية تمتلك نظاما عدديا أساسيا ~~يتضمن مصطلحات الأعداد الأكثر وضوحا والمستخدمة في عد ~~أنواع محددة من الأشياء، وقد كان هذا النظام الأساسي ~~عشريا في واقع الأمر. وبداخل هذا الإطار العشري كانت اللغة ~~تمتلك أيضا تسلسلات عددية أخرى، لعد أنواع محددة من ~~الأشياء بشكل أكثر فعالية. وقد كانت هذه التسلسلات العددية ~~تتداخل بصورة بارزة. فالكلمة «تاوجا» على سبيل المثال، تشير ~~إلى 1 أو 2 أو 4 أو 8 من الأشياء، وفقا لنوع هذا الشيء الذي ~~تعده. وثمة قفزة ثنائية بين كل نوع «تاوجا» والذي ~~يليه؛ ذلك أن 2 × 2 = 4، و2 × 4 = 8. بالرغم من ذلك، فقد ~~ظلت سمة العشرية التي كانت موجودة في اللغة المحيطية ~~الأصلية، في العد المانجريفي؛ إذ يمكن تجميع «تاجوا» ~~بالعشرات، أي إن اللغة المانجريفية كانت تعد كميات ~~«تاجوا» وبأسلوب عشري؛ لذا فإن الكلمة «باوا» على سبيل ~~المثال تعبر عن الكمية 20 أو 40 أو 80، وفقا لنوع العنصر ~~الذي يجري عده. بعبارة أخرى، فإن الكلمة «باوا» تشير إلى ~~الكمية 10، لكن ذلك من أجل التعبير عن قيمة عشرة «تاجوا»، ~~والتي يمكن أن تختلف على نحو ثنائي؛ ومن ثم فإن «باوا» ~~تعني في الأساس: 10 ×2 أو 10 × 4 أو 10 × 8، وفقا لما يجري ~~عده. # بصفة أساسية، فقد كان سكان جزيرة المانجريف يعدون ~~الأشياء المهمة في ثقافتهم وشبكاتهم التجارية بالأزواج أو ~~الأرباع أو الثماني. ومثلما يقترح بيندر وبيلر، إذا كان ~~أحدهم يعد اثني عشر «تواجا» من الأسماك، فإنه يشير بذلك ~~إلى 24 سمكة. وإذا ms220 كانوا يعدون اثني عشر «تواجا» من جوز ~~الهند، فإنهم يشيرون بذلك إلى 48 من ثمار جوز الهند. # 9 # لم يكن سكان جزيرة مانجريف يعدون الأشياء ~~بصفتها عناصر منفصلة، بل بصفتها مجموعات يسهل التمييز ~~بينها. وهذه الاستراتيجية التي تتمثل في عد الأشياء ~~بالمجموعات، ستوفر بعض المزايا فيما يتعلق بالأشياء التي ~~توجد في كميات متوقعة من 2 و4 و8، ونحن نقوم اليوم ~~بعمليات مماثلة حين نعد الأشياء التي توجد بطبيعتها في ~~مجموعات؛ فعلى سبيل المثال إذا طلبت من شخص ما أن يبتاع لك ~~البيرة من المتجر، فيمكنك أن تطلب منه أن يشتري لك «أربعا ~~من عبوات الستة» بدلا من أن تطلب منه «أربعا وعشرين من ~~زجاجات البيرة». لقد كان نظام العد المانجريفي مخصصا ~~للكميات التي توجد عادة في النظام البيئي المحلي. # إضافة إلى ذلك، فإن النظام المانجريفي يوضح المزايا ~~المحتملة لاستخدام الاستراتيجية الثنائية في تجميع الكميات ~~بسرعة؛ فحجم الكمية التي يشار إليها بالكلمة «تاجوا» تقوم على ~~الأس 2. لقد وضح لايبنيز في أعماله الشهيرة، مزايا الحسابات ~~القائمة على الأساس الثنائي في الجزء الأول من القرن الثامن ~~عشر. وتقترح أبحاث بيندر وبيلر أن سكان جزيرة المانجريف قد ~~استغلوا بعضا من هذه المزايا قبل عمله بقرون، مما يوضح لنا ~~أن أساليب العد المستخدمة في بعض جزر المحيط الهادي، ~~التي تبدو بدائية وغير مجردة، ليست بهذا القدر من البدائية ~~بالرغم من كل شيء . ويبرز لنا مثل هذا الاستنتاج بمثابة ~~حكاية تحذيرية؛ فبعض الأنظمة العددية «غير المتطورة» تعمل ~~بكفاءة، وبطرق معقدة خادعة، لكي تلبي احتياجات من ~~استخدموها أو ما زالوا يستخدمونها. # وتقترح الأبحاث الحديثة أيضا، أن درجة التعقيد في بعض ~~الأنظمة العددية غير اللغوية لم تحظ بالتقدير الكافي. فالعديد ~~من ألواح العد والمعدادات التي كانت تستخدم في الماضي، لا ~~تزال مستخدمة في بعض الثقافات في مختلف أنحاء العالم، وهي ~~توفر مزايا واضحة لمن يستخدمونها. ولن يشك الكثيرون ~~في هذا الاستنتاج إذا رأوا بعض الأشخاص يستخدمون معداد ~~السوروبان الياباني على سبيل المثال (الذي اخترع منذ قرون ~~عدة على ms221 غرار معداد سوان بان الصيني). إن الأطفال في ~~المجتمعات الغربية الصناعية لم يعتادوا على استخدام ~~المعدادات، التي قد تبدو بدائية مقارنة بالآلات الحاسبة ~~التي تنتشر في قاعات الصفوف الدراسية في معظم أنحاء العالم، ~~غير أن هذه المعدادات تقدم بعض المزايا الإدراكية على ~~عكس الآلات الحاسبة. وتقترح الأبحاث أن السبب في هذا يعود ~~إلى أن الأطفال الذين يشبون على استخدام المعداد، ~~يطورون «معدادا ذهنيا» بمرور الوقت. أي إنهم يستوعبون ~~تركيب المعداد داخليا، ويستخدمون الصور الذهنية للمعداد ~~في إجراء الحسابات من خلال استعمال الخرز بصورة خيالية. ~~ووفقا لبعض الاستنتاجات الحديثة من ثقافات متعددة؛ اتضح ~~أن الأشخاص الذين يستخدمون الاستراتيجيات الرياضية القائمة ~~على المعداد، يتفوقون على الأشخاص الذين لا يعرفون مثل هذه ~~الاستراتيجيات، في بعض المهام الرياضية على الأقل. وليس ~~مصادفة أن نجد أن العديد من المدارس في قارة آسيا، قد ~~أصبحت تستخدم معداد السوروبان. إن فعالية المعداد الذهني، ~~توضح لنا مرة أخرى أن الرموز العددية غير الغربية، ~~توفر بعض المزايا الواضحة، مقارنة بتلك الرموز التي اعتاد ~~عليها معظمنا. وتؤكد هذه الفعالية أيضا على نقطة أساسية ~~أخرى، وهي أن التقنيات العددية تمدنا بطرق جديدة ~~للتعامل مع الكميات ذهنيا، وهي طرق قد تبدو غير متوقعة ~~قبل اختراع هذه التقنيات المعنية أو استخدامها. وينطبق هذا ~~الأمر على هذه التقنيات، سواء أكانت كلمات عد جديدة، أو ~~معدادات جديدة، أو أي تمثيل عددي آخر للكميات. # 10 # رحلة الصفر المؤثرة والبطيئة # في أعماق الأدغال الكمبودية، ثمة مجموعة من الوجوه الضخمة ~~المتخفية، المصنوعة من الحجر الرملي، تبرز محدقة في ~~القادم إليها من وسط بناء شاسع مترامي الأطراف، وذلك هو ~~معبد بايون. ويقع هذا المعبد في عاصمة مملكة خمير القديمة، ~~التي تعرف باسم أنجكور ثوم. وتلك الوجوه التي يصل ارتفاعها ~~إلى عشرات الأمتار التي تقع في أنحاء المعبد، تمثل خليطا ~~من وجهي بوداسف أفالوكيتاسفارا، الذي يقال إنه يجسد ~~الشفقة لجميع البوذيين، وجيافارمان السابع، ملك خمير (انظر ~~الشكل # 9-1 ~~). وقد بني هذا المعبد تلبية ~~لأمر الملك جيافارمان السابع، والذي يقال عنه: ms222 إنه كان شخصا ~~صالحا قد حكم هذه الأدغال قبل ما يقرب من 900 عام. إن ~~التاريخ يذكر جيافارمان بالخير، ويعود السبب في ذلك جزئيا ~~إلى أنه قد أسس ما يزيد على 100 مستشفى لعلاج مواطني ~~إمبراطوريته. وعلى بعد عدة كيلومترات من أنجكور ثوم، يوجد ~~أنجكور وات أكبر مبنى ديني في العالم، وقد بني خلال فترة ~~حكم والد جيافارمان السابع. ومثل الأهرامات العظيمة في ~~الجيزة، أو أهرامات أمريكا الوسطى، فإن معابد إمبراطورية ~~خمير تحتل مكانة مميزة في خيالنا الجمعي. ففي أنجكور، ~~وبعيدا عن الحضارة الغربية من ناحيتي المكان والزمان، أسس ~~مواطنو هذه الإمبراطورية بعضا من أكثر المباني المذهلة في ~~العالم. وقد ابتكروا أيضا شبكات للمستشفيات والطرق وأنظمة ~~للري منقطعة النظير. وقد فعلوا كل ذلك بدقة مذهلة، حتى ~~إن التناظر والمهارة الفنية التي تظهر في أطلال أنجكور، ~~تملؤنا بالرهبة. # شكل 9-1: أحد الأوجه الموجودة في معبد بايون، ~~كمبوديا. الصورة من التقاط المؤلف. # وسط جميع مباني خمير العظيمة المحيطة بنا، قد نغفل بسهولة ~~عن بعض التقنيات الأساسية التي كانت هي صميم هذا الإنجاز ~~البشري الرائع. وهذه التقنيات لا تتجلى للمرء فور أن يسير ~~حول واجهات معبد بايون الحجرية وفي ساحاته، لكن هذه ~~الواجهات والساحات شاهدة على تلك التقنيات المعنية. ولعلك ~~تستطيع أن تخمن التقنيات التي أشير إليها: الأعداد ~~المنطوقة والأرقام المكتوبة. إضافة إلى ذلك، فأنا أشير ~~تحديدا إلى رقم مهم ومبتكر، ويبدو أنه قد سهل تأسيس ~~إمبراطورية خمير، بعد أن وصل من شبه القارة الهندية قبل ~~قرون من ظهور وجوه بايون في الحياة. هذا الرقم الذي أتحدث ~~عنه هو «الصفر». ولا يزال هذا الرمز الدائري الذي يرمز إلى ~~اللاشيء يظهر في الثقافة الكمبودية المعاصرة؛ إذ نجده على ~~العملة الكمبودية على سبيل المثال. وبالرغم من الإغراء الذي ~~يتمثل في أن نرى في كمبوديا المعاصرة هذا الرمز الدائري الذي ~~يعبر عن الصفر فنفترض أنه مأخوذ من الصفر الغربي 0، فإن ~~الطريق العكسي للتأثير هو الصحيح. والواقع أنه في العام 2015، ~~أعيد اكتشاف أقدم نقش واضح للصفر الدائري ms223 على مستوى ~~العالم، في كمبوديا. وهذا الصفر المعني هو نقطة كبيرة ~~للغاية، ووظيفته حفظ الخانة المكانية في العدد الخميري القديم ~~الذي يعبر عن الكمية 605. لقد نقش هذا الصفر على لوح ~~حجري يعود تاريخه إلى العام 683 ميلاديا، وقد وجد على ~~بعد كيلومترات فحسب من وجوه بايون وغيرها من أطلال أنجكور ~~وات وأنجكور ثوم. ومثلما أوضحنا في الفصل الثاني، فإن ~~حضارة المايا قد طورت هي أيضا صيغة كتابية للصفر، ورمزت ~~حضارة الإنكا إلى المفهوم في نظام الكويبو الذي كانت تستخدمه، ~~وتوجد أيضا بعض الأدلة على وجود المفهوم في النقوش ~~البابلية. بالرغم من ذلك، فهذا الصفر الذي نعرفه جميعا ~~ونحبه، هذا الرمز الدائري الذي يعبر عن اللاشيء لتيسير ~~الكثير جدا من العمليات الحسابية، لم يستخدمه اليونانيون ~~ولا الرومان ولا معظم الحضارات القديمة الأخرى. وهو لم ~~يستخدم بالفعل على الإطلاق في أي من حضارات العالم القديم، ~~إلا بعد أن تطور في الهند على ما يبدو في القرن الخامس ~~تقريبا. ومن هناك اتخذ طريقه إلى الشرق بسرعة إلى حد ما، ~~فوصل إلى كمبوديا (والصين بعد ذلك) وساعد في تأسيس الرياضيات ~~في إمبراطورية خمير التي كانت شديدة التأثر بالثقافة الهندية، ~~ومنها الهندوسية في ذلك الوقت، كما أنه ساعد أيضا في تأسيس ~~الرياضيات في ثقافات أخرى بطرق جديدة. # 11 # أما رحلة الصفر إلى الغرب، فقد كانت أكثر بطئا، فرمز الصفر ~~الذي نستخدمه لحفظ الخانة المكانية (أي كعلامة ملائمة تدل ~~على اللاشيء في العمليات الحسابية) لم يوجد في أوروبا إلا ~~في القرن الثالث عشر. ففي القرن التاسع دعا عالم رياضيات فارسي ~~يدعى الخوارزمي (الذي اشتقت كلمة «خوارزمية» من اسمه) في ~~أعماله المؤثرة إلى استخدام نظام الأرقام الهندية، بما في ~~ذلك الصفر. وبعد ذلك بقرون عدة، ترجمت هذه الأعمال إلى ~~اللغات الأوروبية. وفي عام 1202، قام عالم الرياضيات ~~الإيطالي ليوناردو بيسانو الذي يشتهر باسم ليوناردو فيبوناتشي، ~~بكتابة كتابه الشهير «كتاب الحساب». وقد ذكرت هذه المخطوطة ~~أيضا المزايا العظيمة لاستخدام الصفر (ونظام الأرقام الهندية ~~بوجه عام) وأشار إلى أنه يسهل ms224 مختلف العمليات الرياضية. ~~وبالرغم من تردد العديد من الأوروبيين في تقبل هذا النظام ~~الشرقي؛ ففي نهاية المطاف اتخذ الصفر والأرقام المستندة ~~إلى النظام العشري طريقها إلى الثقافة الغربية، وأصبحت هي ~~الرموز السائدة في ممارسة الرياضيات. ومن المنطقي جدا أن ~~يكون استخدام الصفر قد أسهم فيما حدث بعد ذلك من تطور ~~العلم والتقنية في أوروبا. ويمكننا بالطبع أن نقول إن هذه ~~الأداة الإدراكية البسيطة، التي هي مجرد رقم مبتكر، كان ~~لها العديد من النتائج المؤثرة على حياة سكان خمير ~~والصينيين والأوروبيين ومعظم البشر في الوقت الحالي. ففي ~~النهاية نجد أن تسهيل حل المسائل الحسابية يعني تسهيل ~~العمارة، وتسهيل العلوم. وبصفة عامة، يمكننا أن نقول إنها ~~هبة واضحة للتطور التقني. وبالرغم من أن الأرقام العشرية ~~التي تتضمن الصفر، التي استخدمتها أوروبا ربما لا تكون أكثر ~~«تطورا» من جانب ثقافي محايد، فيبدو أنها قد سرعت ~~إيجاد الحلول لأنواع محددة من المهام الرياضية التي ~~اضطلعت بها الثقافات الأوروبية في الجزء الأخير من العصور ~~الوسطى، وخلال عصر النهضة. لقد طور الأوروبيون بمن فيهم ~~الرومان واليونانيون القدماء نظاما رياضيا دقيقا بدون ~~وجود الصفر، ولا يبدو الرمز مكونا ضروريا لوجود الحضارات ~~الكبيرة. بالرغم من ذلك، فمن الصعب أن نتخيل حدوث الثورة ~~الصناعية أو التقنية بدون استخدام هذا الرقم. # إن التحسينات التي تجرى على اللغة العددية، ومنها ~~التحسينات الكتابية كالصفر، تسمح بحدوث التغيرات الثقافية ~~الخارجة على اللغة، أو تعجل بها على أقل تقدير. وانظر كيف ~~حسن اختراع الصفر الرياضيات الغربية؛ فبدونه ما كان ~~تمثيل الأعداد السالبة بالرموز، والنظام الإحداثي الديكارتي، ~~والتمثيل البياني للدوال، والحدود في حساب التفاضل وغيرها ~~أمرا يسيرا. وفي المقابل، فإن هذه الأدوات الرمزية كانت ~~بمثابة منصات لغيرها من الاستراتيجيات الرياضية، والأرجح ~~أن حدوث ثورة رياضية متواضعة في أوروبا بعد معرفتها برقم ~~الصفر، ليس مصادفة على الإطلاق. ومن غير المرجح أن تكون ~~مصادفة أن تسبق المعرفة بالصفر والكتابة الرياضية التي تستند ~~إلى الأساس العشري، الابتكارات التقنية المبكرة في ~~إمبراطورية خمير. ومن ثم، فإن وجوه بايون هي ms225 تمثيل مصغر ~~للظاهرة الأكبر التي نشير إليها، وهي أن الثقافة، لا سيما ~~الثقافة المادية المعقدة، تتأثر على نطاق واسع بالأدوات ~~العددية المبتكرة، والتي تكون هي بدورها، منتجا لتقاليد ~~ثقافية محددة. # 12 # الأعداد في صميم الابتكار الرمزي: عودة إلى الكتابة # لم تتطور الكتابة بصورة مستقلة، إلا على مدار مرات ~~قليلة في التاريخ البشري، في بلاد الرافدين، وفي أمريكا ~~الوسطى، وفي الصين، وفي مصر (وهو أمر خاضع للجدل). # 13 # وفي كل من هذه الثقافات الأربعة، نجد أن أقدم ~~نماذج من الكتابة كان محورها الأعداد بدرجة كبيرة. وقد ~~أكدنا على هذه النقطة في الفصل الثاني في مناقشتنا لأقدم ~~أنظمة الكتابة، التي ظهرت في بلاد الرافدين؛ فالعديد من ~~الألواح المسمارية التي اكتشفت هناك، هي في الواقع سجلات ~~لبيانات كمية. ويبدو أن الكتابة المسمارية بصورتها ~~المكتملة لم تظهر إلا بعد تطوير أنظمة تسجيل الحسابات ~~العددية، أو بالتوازي معها على الأقل. # ومن المثير للاهتمام أيضا أن ذلك يمكن أن ينطبق أيضا ~~على الكتابة الصينية، التي يعود تاريخ النماذج الأولى منها ~~إلى عهد سلالة تشانج الحاكمة، وهو ما يزيد عن 3000 عام. وكان ~~أقدم هذه النماذج مسجلا على عظام العرافة، وهي عظام قد ~~نقشت عليها رموز عددية تحدد كميات بعض العناصر، مثل عدد ~~السجناء من الأعداء، وعدد الطيور والحيوانات التي تم ~~صيدها. وفي أمريكا الوسطى، إضافة إلى ذلك، نجد أن إحدى ~~السمات الأساسية المشتركة في أقدم نصوص هذه المنطقة هي تمثيل ~~الأعداد بالخطوط والنقاط . (انظر الشكل # 2-4 ~~) ~~وعادة ما تكون هذه الأشكال المبكرة من الكتابة في هذه ~~المنطقة أشكالا تقويمية وعددية بدرجة أو بأخرى. وأخيرا في ~~مصر، نجد أن أقدم الأشكال المعروفة من الكتابة الهيروغليفية ~~عادة ما تعبر عن معلومات بشأن كميات السلع. من الواضح ~~إذن، أن الأرقام هي سمة مشتركة في جميع الأشكال الأولى من ~~الكتابة، وليست الكتابة في بلاد الرافدين فحسب. إن أشكال ~~الكتابة القديمة التي ظهرت في مختلف أنحاء العالم تركز ~~على الأعداد، مثلما أن نقوشات العصر الحجري القديم ~~ورسوماته الشبيهة بالرموز تركز على ms226 الكميات في أغلب ~~الأحيان. وقد رأينا هذا في الفصل الثاني في مناقشتنا لبعض ~~الأدوات التي سجل عليها البشر الرسوم مثل قرن غزال ~~الرنة المكتشف في ليتل سولت سبرينج، الذي يعود تاريخه إلى ~~1000 عام. إن مثل هذه الأشكال المصورة ليست مجردة أو ~~اصطلاحية بالدرجة الكافية كالكتابة، لكن من الواضح أنها كانت ~~تؤدي وظيفة مماثلة للتعبير عن الأفكار في صورة ثنائية ~~البعد. # إذن، فالأعداد موجودة منذ بدايات جميع أنظمة الكتابة. ومن ~~التفسيرات المنطقية لهذه الحقيقة أن رموز الأعداد المكتوبة، ~~تعمل بمثابة مؤشرات ضرورية على وجود أنظمة كتابية أكثر ~~اكتمالا. لكن إن كان الأمر كذلك؛ فلماذا تؤدي مثل هذا الدور ~~المحوري في ظهور الكتابة؟ سوف أعرض عليكم تفسيرا محتملا قد ~~أشرت إليه سابقا في الفصل الثاني، في مناقشتي لأنظمة العصي ~~القديمة. فإذا تناولنا عددا رومانيا مثل العدد # III ~~، الذي يمثل بشكل ~~مصور؛ إذ يمثل كل خط عنصرا واحدا. وعلى العكس من ذلك، ~~فالكلمة اللاتينية # et ~~(«و») ~~تمثل مفهوما بسيطا، لكنه ليس مصورا؛ إذ إن الرمزين ~~اللذين تتكون منهما الكلمة، لا توجد بينهما وبين المفهوم ~~الذي تعبر عنه الكلمة، أي علاقة مادية فعلية؛ فهما لا ~~يشبهان ما يعبران عنه، مثلما يشبه الرمز # III # ما يعبر عنه. (فحين ~~أقول سوبر باول # III ~~، على سبيل ~~المثال، فإن كل علامة رأسية تمثل مباراة واحدة.) وفي ~~النهاية قد تصبح الأرقام أقل تصويرا؛ ولهذا فإن الأصول ~~التصويرية للرقم 7 على سبيل المثال، لم تعد واضحة. ويبدو ~~أن تطوير الرموز العددية المكتوبة يكون أسهل في البداية، ~~مقارنة برموز المفاهيم والأصوات الأخرى؛ بسبب مفهوم المطابقة ~~واحدا إلى واحد. فيمكن على سبيل المثال تمثيل الكميات ~~المفردة بخطوط مفردة، ثم تمثيل الكميات الكبيرة من خلال ~~جمع هذه الخطوط. وفي الأنظمة التي تعتمد على المطابقة ~~التصويرية، كلما زادت الكميات استلزم ذلك خطوطا أكثر (أو ~~نقاطا أو زوايا، إلخ ...)؛ ومن ثم فإن السمة التصويرية ~~الكامنة في العديد من الأرقام، تعتمد على قدرتنا على تمييز ~~مفهوم مطابقة كل عنصر بعنصر واحد. ومثلما أكدنا في ~~الفصول ms227 السابقة، فإن هذه القدرة تكون فطرية حين يتعلق ~~الأمر بالكميات الصغيرة، ومكتسبة من خلال اللغة حين يتعلق ~~الأمر بالكميات الكبيرة. وقد ركزت أيضا على دور الأصابع في ~~تطوير التفكير العددي، مع ملاحظة أن الأصابع هي أول تمثيل ~~خطي للكميات في حياة الفرد. إننا نستطيع فهم العلامات ~~الخطية على الحجارة أو الورق أو الخشب، بصفتها تمثيلات ~~للكميات بسهولة أكبر؛ لأننا نرى هذه التمثيلات الخطية في ~~أيدينا. ونتيجة لمثل هذه العوامل؛ يمكن تمثيل الكميات ~~مباشرة أو من خلال الصور عن طريق توليفات من أشكال ثنائية ~~البعد، وذلك بسهولة نسبية من الناحية الإدراكية، لا تنطبق ~~على ما يبدو بالنسبة إلى المفاهيم الأخرى. # 14 # إذن، من الواضح أنه ~~يمكن كتابة رموز الكميات بسهولة نسبيا لثلاثة أسباب ~~مترابطة على الأقل. أولها أن البشر مهيئون فطريا ~~لاستيعاب تطابق بعض الكميات بصورة مجردة؛ فنحن ندرك ~~تلقائيا أن الأشياء يمكن أن تتطابق بعضها مع بعض بأنماط ~~بسيطة من التطابق لكنها مجردة. وثاني هذه الأسباب أن هذا ~~التطابق المجرد يمكن الإشارة إليه بسهولة نسبية باستخدام ~~رموز غير لفظية. فبالرغم من كل شيء، لا تتطلب الرموز التي ~~تستخدم للإشارة إلى الكميات أي رسم أو نقش معقد ~~بدرجة كبيرة، فعلى العكس من ذلك كانت التمثيلات المبكرة ~~للمفاهيم الأخرى تكتب من خلال الصور التوضيحية في جميع ~~أساليب الكتابة؛ ومن ثم فقد كان رسم معظم الرموز يستلزم ~~درجة تعقيد أكبر مما يستلزمه رسم الأعداد المكتوبة. على ~~سبيل المثال، كان تمثيل كلمة «ماموث» أو «صيد» أصعب من تمثيل # I # أو # II # أو # III ~~. وثالث هذه الأسباب ~~أن أصابعنا بمثابة رموز خطية طبيعية، وهي التي نبدأ في ~~استخدامها لمطابقة الكميات. إن استخدام أصابعنا بمثابة رموز ~~عددية، قد سهل على الأرجح استخدام رموز خطية أخرى لتمثيل ~~الأعداد بعد ذلك. وبمرور الوقت، يمكن تسمية هذه الرموز الأخرى ~~بعد ذلك بمصطلحات ثابتة وأكثر تجريدا، ثم تطورت الأرقام ~~الحقيقية تدريجيا من هذه العلامات المستخدمة في أنظمة ~~العصي. # إذن، فموجز القول إن السهولة الكامنة في تمثيل الكميات ~~بالخطوط وغيرها من ms228 العلامات، يمكن أن تكون هي الأساس ~~الطبيعي للتمثيلات ثنائية الأبعاد للكميات، بصورتها الأكثر ~~اكتمالا وتجريدا. وهذا النوع الأخير من التمثيل يمكن أن ~~يعجل بإدراك أن المفاهيم الأخرى يمكن أن تمثل هي أيضا ~~في صورة مجردة ثنائية البعد. وعلى الأقل، من المهم أن ~~ندرك أنه في ذلك العدد القليل من الأماكن على مستوى العالم، ~~التي اخترعت فيها الكتابة بصورتها المكتملة (حتى وإن كان ~~ذلك تدريجيا) كانت الأرقام المكتوبة موجودة في بداية نشأة ~~أنظمة الكتابة المعنية. ومثلما كانت الأعداد ضرورية في ~~تطوير الزراعة وانتشارها، يبدو أنها كانت ضرورية أيضا في ~~اختراع الكتابة وانتشارها. # 15 # وأخيرا، فإن الدور المهم الذي أدته الأعداد في نشأة ~~الكتابة يعود على الأرجح إلى حقيقة أخرى بسيطة أيضا؛ وهي ~~أن الأرقام عملية للغاية؛ فهي تؤدي وظائف أساسية في بعض ~~أنواع التفاعلات البشرية، ومنها التعاملات الاقتصادية على ~~سبيل المثال. فالعديد من أوائل السجلات المكتوبة، هي أعمال ~~كاتبي الحسابات المعنيين بالتجارة بين طرفين أو أكثر. ~~إن تسجيل الحسابات قد يسر الإبقاء على شبكات التجارة، ~~وتخزين السلع بعناية. ومما يتصل بذلك أيضا أن الأرقام ~~قد مكنتنا من متابعة التقويم وتسجيله، مما أتاح لنا ~~التوصل إلى توقعات دقيقة بشأن الفصول وجني المحاصيل. إن ~~الأرقام ضرورية للقيام بالعديد من أنشطة المجتمعات العامرة ~~بالسكان. (وهي مجتمعات يمكن تتبع أصولها إلى الممارسات ~~الزراعية التي يسرتها الأعداد.) # لمثل هذه الأسباب، تعد الأعداد عنصرا تأسيسيا في ~~ظهور الكتابة حول العالم. ومن المعترف به عموما أن الثورة ~~العلمية والتصنيع والطب الحديث، قد اعتمدت على بعض الممارسات ~~الرياضية المحددة. وحتى قبل وجود هذه الممارسات بآلاف ~~الأعوام، قد ساعدت الأعداد اللفظية على إحداث تغييرات عميقة ~~في الكيفية التي يحيا بها البشر، وفي كيفية استخدامهم للرموز ~~للتعبير عن الأفكار. # خاتمة # من الأهرامات التي بناها قدماء المصريين، إلى المدن الحجرية ~~في أنجكور، إلى أطلال بلاد الرافدين وأمريكا الوسطى القديمة، ~~تظهر لنا سمة مشتركة. وهي أن المجتمعات الزراعية التي ~~ابتكرت هذه الآثار العظيمة، قد اعتمدت بدرجة كبيرة على ~~الأعداد، أو الأرقام على وجه ms229 التحديد. وقد كانت الأشكال الأولى ~~من الأنظمة الكتابية التي طوروها تركز بدرجة مذهلة على ~~تمثيل الأعداد. ونتيجة لذلك، فإن هذه الأرقام قد أتاحت ~~أشكالا جديدة من الهندسة والعمارة، التي غيرت البيئات التي ~~كانت تطورت فيها هذه الثقافات؛ فالأرقام على غرار الصفر قد ~~سهلت التعامل مع الكميات. وبعد ذلك تطورت أنواع جديدة ~~من الممارسات الثقافية، التي قد شكلت بدورها ضغوطات جديدة ~~على أنظمة الأعداد. وقبل ذلك كله يبدو أن الأعداد اللفظية ~~الدقيقة، كانت محورية للغاية في ظهور أنواع محددة من ~~الزراعة، بدليل مثلا أن معظم الجماعات السكانية المعاصرة ~~التي تعتمد على الصيد وجمع الثمار، لا يستخدمون سوى أنظمة ~~عددية محدودة الوظائف وذات حد عددي صغير. وباختصار، فإن ~~الأعداد المنطوقة والأرقام المكتوبة، كان لهما دور محوري في ~~إحداث تغييرات جذرية في ثقافات عدة منذ آلاف الأعوام. وفي ~~العديد من الثقافات المعاصرة المعرضة للانقراض، تحدث ~~اليوم تغييرات مشابهة. # الفصل العاشر # | أدوات تحويلية # ما لبث جبل تيبل أن ظهر في مرآة الرؤية الخلفية في سيارتي، ثم ~~اختفى بعد ذلك. كنت أسير على الأطراف الجنوبية من اليابسة ~~الأفريقية عبر الوديان المتعرجة، وبينما كنت أقترب من وجهتي، ~~وهي قرية هادئة تسمى ستيلباي، وتحتضن خليجا من المياه ~~اللازوردية، يقع شرقا من الجزء الفاصل بين المحيطين الهادي ~~والهندي، كانت إشارات الطريق وإعلانات الراديو مزيجا من اللغة ~~الأفريقية والإنجليزية. إننا لا نعرف أين ظهرت الأعداد للمرة ~~الأولى، لكن من المحتمل أنني أقترب من ذلك المكان. فمن ~~المحتمل أن تكون قصة الأعداد قد بدأت هنا، على امتداد ساحل ~~وعر يرى من ستيلباي، وهو ساحل تزداد أهميته باعتباره موقعا ~~مهما في قصة البشرية. # على مدار العقدين الأخيرين، كان علماء الآثار متعددو ~~التخصصات يفتشون سطح الأرض في بعض الكهوف القريبة من هذا ~~الساحل، وكذلك الأسطح السابقة التي صارت الآن تحت الأرض. ومن هذه ~~الكهوف، كهف بلومبوس الذي يقع غرب ستيلباي، وكهف بيناكل بوينت الذي ~~يقع على بعد عشرات الكيلومترات إلى الشرق. وقد أسفر هذا البحث ~~الذي أجري في هذه المناطق المحلية عن ms230 نتائج لافتة للنظر. إن ~~هذا البحث، مع غيره من الدراسات المبكرة التي أجريت على «نوع ~~الإنسان العاقل»، يلقي ضوءا جديدا على الكيفية التي تمكن ~~بها أسلافنا من البقاء بل التفوق، على مدار آلاف الأعوام التي ~~سبقت هجرة نوع «الإنسان العاقل» من أفريقيا. إن ما وجده العلماء ~~في هذه الكهوف، ليس من نوع المكتشفات الذي نربطه في العادة بعلم ~~آثار العصر القديم في أفريقيا؛ فليس هناك أي من عظام ~~الأسترالوبيثسينات، أو أي بقايا من الهيكل العظمي لأي أنواع أخرى ~~من الأسلاف المحتملين لنوع «الإنسان العاقل». (وقد اكتشفت مثل ~~هذه الآثار في أماكن أخرى في جنوب أفريقيا، وغير ذلك من الأماكن ~~البعيدة في أفريقيا مثل مضيق أولدوفاي والأخدود الأفريقي العظيم.) ~~لم يعثر العلماء في كهفي بلومبوس وبيناكل بوينت على آثار ~~هامة لأشباه البشر، فقط بعض بقايا قديمة لأسنان بشرية، وأجزاء ~~من العظام. غير أن ما وجدوه يخبرنا عن حياة أسلافنا الأقربين، ~~وهم أفراد نوعنا الذين كانوا يشبهوننا ويتصرفون مثلنا، أكثر ~~مما قد يخبرنا به أي هيكل عظمي. وبناء على هذه المكتشفات ~~التي وجدناها في هذه الكهوف، فإن الكثير مما نعده الآن من ~~السلوكيات البشرية الحديثة، ربما يكون قد نشأ على هذا الساحل. ومن ~~هذه السلوكيات ما يتعلق باستخدام التقنيات العددية. # فمنذ ما يتراوح بين 190000 إلى 135000 عام، حدث تغير في ~~المناخ العالمي. ومثل غيره من التغيرات المناخية الأقدم، يبدو ~~أن هذا التغير قد أمال مسرح البشرية؛ فربما كانت التغيرات ~~المناخية السابقة، مثل ذلك الذي حدث قبل ما يقرب من 19 مليون ~~عام، محورية في نشأة نوعنا؛ إذ اضطر أسلافنا من الأنواع إلى ~~الانتقال إلى العيش في سهول السافانا بدلا من الغابات. أما ~~التغير الأحدث الذي نتحدث عنه، فقد أثر على نوع «الإنسان ~~العاقل» نفسه؛ إذ تسبب في وجود نقص حاد في المناطق الصالحة ~~للعيش في أفريقيا؛ فقد أصبحت القارة أكثر جفافا، وندرت مصادر ~~الغذاء. إضافة إلى ذلك، فقبل 75000 عام تقريبا، حدث انفجار ~~بركاني عظيم في بركان توبا في سومطرة، مما ms231 أدى إلى تكون ~~سحابة ضخمة من الرماد البركاني، وشتاء بركاني ربما يكون قد أدى ~~إلى تناقص عدد البشر بدرجة كبيرة. وتقترح أدلة علم آثار العصر ~~القديم أن البشر قد اتخذوا من المناطق الساحلية مأوى لهم خلال ~~هذه الفترات الصعبة، ولا سيما السواحل الموجودة على الأطراف ~~الجنوبية لأفريقيا. وتوضح النتائج الحديثة أن السبب في اختيار ~~هذا المأوى يعود على الأرجح إلى أن هذا الساحل كان غنيا بمصادر ~~الغذاء إلى حد ما. وينطبق ذلك بالتحديد على الحافة الجنوبية ~~لأفريقيا، التي كانت تتوفر بها الأغذية البحرية بسهولة، مثل ~~القواقع البحرية والنباتات الأرضية، وهي نباتات لحمية كالأبصال ~~والدرنات التي يمكنها العيش تحت الأرض. وبالرغم من أن مصادر ~~الغذاء كانت نادرة نسبيا في العديد من المواطن التي كان يسكنها ~~البشر في ذلك الوقت، فقد كانت الأرض هنا غنية بمصادر ~~الكربوهيدرات والبروتين. إن التجديدات المناخية والبيئية التي ~~حدثت في تلك الحقبة المعنية، اتضحت في تلك البقعة بدرجة ~~كبيرة؛ فقد كان هذا الساحل مكانا جيدا لحياة البشر، في مرحلة لم ~~يكن فيها سوى القليل من الأماكن الصالحة للعيش في ~~أفريقيا. # 1 # وبناء على ما اكتشفه العلماء في كهف بيناكل بوينت، فإن البشر ~~لم يبقوا على قيد الحياة هنا فحسب، بل ازدهروا في هذه ~~المنطقة خلال تلك الفترة التي نتحدث عنها. لقد شهدت البشرية ~~نوعا من الازدهار التقني خلال الفترة التي عاش فيها البشر على ~~هذا الساحل، والتي تبدأ قبل 170000 عام تقريبا. وقد أوضح علماء ~~الآثار الآن أنه خلال عشرات آلاف الأعوام التي استخدمت فيها كهوف ~~بيناكل، حسن البشر من التقنيات التي كانوا يستخدمونها مثل ~~أدواتهم الحجرية. وهذه الكهوف تتضمن أدلة على أن الأدوات ~~كانت تصنع بعد تسخين الحجارة في النار ثم صقلها، وتلك عملية ~~معقدة لصنع الأدوات. وعلى العكس مما تميزت به تقنيات صنع ~~الأدوات الحجرية في الفترات السابقة من جمود، فإن مكتشفات كهف ~~بيناكل تدل على وجود معدل جذري من الابتكار في استخدام أنواع ~~جديدة من الأدوات الحجرية. إضافة إلى ذلك، توجد بعض الآثار التي ms232 ~~تشير إلى وجود تطورات تقنية أخرى مثل صبغة حمراء كانت تستخدم ~~على الأرجح في طلاء الجسم، مثلما تستخدم لدى بعض الجماعات ~~السكانية اليوم. إن الآثار المتبقية من هذه المادة تدل على ~~أن التقنية كانت تتقدم خلال هذه الفترة، لكنها توضح أيضا ~~أن البشر كانوا يفكرون بطرق رمزية، وينقلون هذه التقنيات ~~المادية عبر الأجيال؛ ومن ثم فإن الآثار المتبقية من هذه ~~المادة تشير إلى أن السكان القدماء لهذه المنطقة كانوا يمتلكون ~~اللغة. # 2 # بقيادة كريستوفر هنشيلوود، عالم الآثار بجامعة ببيرجن في ~~النرويج، أوضحت مجموعة من الدراسات أن البشر كانوا يستخدمون كهف ~~بلومبوس أيضا على مدار آلاف الأعوام لفترة تبلغ 30000 عام على ~~الأرجح. وينتمي الفتات الموجود في الكهف إلى فترة أحدث، وهو ~~يحتوي على أدلة تعبر عن تقدم الإدراك البشري بصورة أكبر. ~~وتتضمن هذه الأدلة أدوات حجرية دقيقة وأدوات عظمية تشبه ~~الإبر. وربما يكون الدليل الأبرز هو وجود أصداف أذن البحر التي ~~تشبه الوعاء، وأحجار الشحذ وغيرها من العناصر التي كانت تستخدم ~~قبل ذلك في معالجة المغرة لاستخراج الصبغة من المعدن الممتلئة ~~بعنصر الحديد. وفي حقيقة الأمر، يبدو أن كهف بلومبوس كان ~~يستخدم بمثابة ورشة لتصنيع مختلف الأدوات ومعالجتها. وتتضمن ~~هذه الأدوات قطعا منقوشة من العظام والمغرة، يعود تاريخها إلى ~~فترة تتراوح بين 100000 عام و70000 عام في الماضي. وعلى أشهر ~~قطعة من القطع المكتشفة في الكهف، وهي قطعة من المغرة يبلغ طولها ~~6 سنتيمترات، لاحظ علماء الآثار وجود مجموعة من العلامات ~~المنتظمة التي تشبه الخطوط ~~على هذه القطعة، والتي يتضح أنها قد نقشت عمدا بيد فنان ~~من البشر. ولسنا نعرف على وجه التحديد ما الغرض الذي كانت تؤديه ~~هذه العلامات، لكن من المحتمل أنها كانت تؤدي وظيفة رمزية أو ~~شبه رمزية. وربما تكون هذه القطعة أقدم قطعة ذات طبيعة رمزية في ~~تاريخ البشرية. ونظرا إلى وجود الكثير من الأدلة على وجود أعداد ~~ما قبل التاريخ في مختلف أنحاء العالم، فمن المحتمل أن هذه ~~العلامات كانت تؤدي وظيفة عددية. فهل من ms233 الممكن أن يكون الفنان ~~الذي نقش هذه القطعة من المغرة، كان يسجل كمية ما، مثل هؤلاء ~~الذين نقشوا عظمة إيشانجو بعد ذلك بعشرات الآلاف من الأعوام؟ (راجع ~~الفصل الثاني) من المؤسف أن الوظيفة الحقيقية لهذه القطعة قد ~~ضاعت على الأرجح في عتمة السجل الأثري. # 3 # وثمة أدلة أخرى في كهف بلومبوس، تشير إلى أن البشر الذين ~~استخدموه بمثابة ورشة ربما كانوا يستخدمون طرقا لتسجيل ~~الكميات، فربما يكونون قد اخترعوا الأعداد أو ورثوها على الأقل. ~~ومن المكتشفات المميزة في هذا الموقع وجود العديد من الأصداف ~~البحرية المثقوبة (وتسمى أيضا بأصداف القراد وهي أصداف من ~~نوع «ناساريوس كروسيانوس») في مجموعات صغيرة تتكون من خمس ~~أصداف واثنتي عشرة صدفة. ويبدو أن هذه الأصداف التي يبلغ طول ~~الواحدة منها سنتيمترا واحدا، كانت تستخدم في الزينة الشخصية. ~~فالثقوب المنتظمة التي صنعها البشر، قد مكنت الأفراد من ربط ~~هذه الأصداف معا على هيئة عقد أو أي نوع آخر من أنواع الزينة، ~~مثلما يحدث تماما في العديد من الثقافات في العصر الحالي. ومن ~~المهم أن نلاحظ أن بعض هذه الأصداف لم يكن أصليا في المنطقة ~~التي يقع بها الكهف، حتى قبل هذه الآلاف من الأعوام. واليوم لا ~~توجد هذه الأصداف إلا في مصبات الأنهار على بعد 20 ~~كيلومترا من بلومبوس. # 4 # ومن ثم يبدو أن البشر الذين كانوا يعيشون في هذه ~~المنطقة كانوا يكنون تقديرا عظيما لهذه الأصداف؛ مما دفعهم ~~إلى السفر لهذه المسافة الطويلة سيرا على الأقدام للعثور عليها، ~~أو ربما كانوا يقايضونها مع الشعوب الأخرى. إن ما نراه في كهف ~~بلومبوس إذن، هو دليل على الاستخدام القديم لأدوات صغيرة متشابهة ~~نسبيا لها قيمة عظيمة. # من المحتمل أن يكون البشر الذين عاشوا بالقرب من الكهف قد ~~واجهوا ضغوطا قوية لأن يخترعوا طرقا لتسجيل الكميات بشكل ~~رمزي، أي إنها بصفة أساسية ضغوط لاختراع الأعداد، وربما كان ذلك ~~لتسجيل هذه الأصداف الثمينة، أو ~~لمقايضة سلع أخرى في مقابل الحصول عليها، أو ربما لكلا الأمرين. ~~وقد تمادى بعض الباحثين ms234 إلى درجة أنهم قد اقترحوا أن هذه ~~الأصداف الصغيرة هي بالفعل تمثيلات رمزية للكميات (أي إنها كانت هي ~~نفسها أعدادا). بالرغم من ذلك، فمثلما نرجو أن تكون الاستنتاجات ~~التي تناولناها في هذا الكتاب قد وضحت، فالأرجح أن الأصابع لا ~~هذه الأصداف، كانت هي الأداة الأولى في التمثيل الدقيق للكميات؛ ~~أي إنها هي التي كانت تمثل أول شكل من الأعداد. ومثلما تشير ~~عالمة النفس المرموقة سوزان كاري (التي ناقشنا أعمالها المؤثرة ~~في الفصل السادس) في مناقشتها لأهمية هذه الأدوات: «ربما يعود ~~تاريخ الخرز إلى 100000 عام، لكن تاريخ الأصابع يعود إلى ملايين ~~الأعوام.» # 5 # ففي معظم الأحيان، تكون الأصابع هي المدخل إلى ~~التمييز الدقيق للكميات، وكثيرا ما تستخدم بصفتها أعدادا، ~~تمثل حينها تمثيلا لفظيا. بالرغم من ذلك، يظل من المحتمل ~~أن تكون مثل هذه القطع الصغيرة المنفصلة ذات القيمة الثمينة، قد ~~دفعت البشر في مرحلة ما من تاريخهم إلى أن «يرغبوا» في تحديد ~~كميات الأشياء، بطرق غير تقريبية، حتى وإن احتاجوا إلى أصابعهم ~~لكي يتمكنوا من القيام بذلك. ربما تكون الضغوطات التي واجهها ~~البشر الذين عاشوا في كهف بلومبوس لتحديد كمية هذه الحبات ~~اللامعة من الخرز، قد خلقت حاجة جديدة إلى وجود الأعداد، رغبة ~~جديدة للتمييز بين الكميات بدقة وبصورة منتظمة. # وبالرغم من أننا لا نستطيع أن نحدد على وجه الدقة، أول مكان ~~قد استخدمت فيه الأعداد، فإن الصورة التي نرسمها الآن تبدو ~~منطقية؛ فالبشر الذين عاشوا في هذه المناطق الساحلية، كانوا ~~يمتلكون حضارة مادية ولغة، وربما كانوا يمارسون التمثيل ~~الرمزي ثنائي البعد أيضا. إضافة إلى ذلك، كانوا يمتلكون ~~سلعا صغيرة ثمينة، ومن المرجح أنهم كانوا يرغبون في عدها؛ ~~نظرا إلى طول المسافة التي كان عليهم قطعها من أجل الحصول على ~~هذه القطع. وفي ضوء هذه الحقائق، فإن استخدامهم للأعداد ليس ~~بالأمر المستبعد. لكن لنفترض للحظة أن ذلك كان هو الحال ~~بالفعل، فهل اخترعت الأعداد هنا، أم وصلت إلى هنا؟ وفقا ~~للوتيرة التي بدأت بها التقنية في التطور على امتداد هذا ms235 ~~الساحل، وذلك بناء على المكتشفات التي وجدها العلماء في كهف ~~بيناكل، فإن السيناريو الأول ممكن على أقل تقدير. ربما يكون ~~البشر قد صقلوا مهاراتهم اللغوية والعددية هنا، على امتداد هذا ~~الساحل وفي أماكن أخرى من جنوب أفريقيا. وربما يكون هذا الصقل قد ~~أدى بدوره دورا محوريا في قدرة البشر على التكيف على ~~غير ذلك من البيئات المتنوعة الأخرى. ولا شك في أن استخدام ~~اللغة، الذي يتضح على نحو غامض في الأدوات المدفونة في كهفي ~~بلومبوس وبيناكل بوينت، قد مكننا بعد ذلك من غزو أفريقيا، ثم ~~الهجرة من القارة في جماعات. # شكل 10-1: الساحل الموجود بجوار كهف بلومبوس، جنوب ~~أفريقيا. الصورة من التقاط المؤلف. # عندما وصلت إلى الساحل الذي يبدو أنه قد لعب دورا مهما في ~~التاريخ البشري، وجدته مليئا بعدد لا حصر له من الصخور. (انظر ~~الشكل # 10-1 ~~) إن هذه الصخور لم تكن ساحلية ~~طوال الوقت؛ إذ إن الساحل نفسه يتحرك بدرجة ما من أثر حلول ~~العصور الجليدية وذهابها، غير أنها منذ 100000 عام، استقرت في ~~مكانها الذي نراه الآن بالقرب من كهف بلومبوس. معظم هذه الصخور ~~مكعب الشكل تقريبا، وكأنما هي من صنع البشر، لكن إن كان الأمر ~~كذلك؛ فهذا يعني أن معماريا منتشيا قد رتبها بهذا ~~الشكل المائل بجوار بعضها. وإذ أخطو فوقها، أتذكر سكان ~~المنطقة الذين كانوا يتسلقون هذه الصخور وفيما حولها قبل كل هذه ~~العشرات من آلاف الأعوام. هنا على هذا الشاطئ، أنقذ البشر أنفسهم ~~من الموت إذ اكتشفوا تذوقهم للمأكولات البحرية، وبصورة أعم، ~~فإن القرارات التي اتخذها البشر على هذه الصخور، وفي الكهوف ~~القريبة، وغيرها من الأماكن الموجودة في هذه المنطقة، من المحتمل ~~أنها قد تكون قد أنقذت نوعنا ~~من الانقراض. ولا شك في أن هذه القرارات قد سهلت على ما ~~يبدو استمرارنا في البقاء خلال الأوقات العسيرة؛ ومن ثم ~~توسعنا خارج القارة بعد ذلك. # وفيما بين هذه الصخور، نجد بعض الأدلة الظرفية المتناثرة، ~~التي تدل على الضغوطات التي كان أسلافنا قد واجهوها لتطوير ~~الأعداد. ms236 وعلينا أن نقر بأنها أدلة ضعيفة، لكن إشارة غير ~~مباشرة تقبع بين هذه الصخور قد ابتلعتها تلك الأمواج العنيدة مع ~~مرور الزمن، وهي وجود نبات الخزامى المحزز والأصداف البيضاء ~~موزعة بدرجة من الانتظام. ونحن نعرف الآن أن مثل هذه ~~الأصداف والرخويات التي كانت تحتوي عليها، التي لا يزال الحصول ~~عليها ممكنا بالقدر الذي كان عليه ذلك قبل كل هذه الآلاف من ~~الأعوام، قد كانت ضرورية لبقاء البشر خلال أوقات القحط. وقد ~~كانت أيضا خيطا مهما في نسيج الحضارة المادية المحلية. فمن ~~المحتمل أن تكون القيمة الأصلية لمثل هذه الأصداف هي التي قد ~~دفعت إحدى نساء البشر إلى عدها؛ فربما أدركت أنه يمكن وضع ~~هذه الأصداف مصطفة بمحاذاة بعضها، مثلما ترى أصابع يديها ~~مصطفة ومتناظرة، أو ربما أدركت مباشرة أنه يمكن مطابقة خمس ~~أصداف مع أصابع اليد الواحدة، كل صدفة مقابل إصبع من الأصابع. ~~وربما تمثل هذا الإدراك في الواقع لفظيا حين بدأت تتحدث عن ~~«يد» من الأصداف. وربما أصبح التوصل إلى هذا الإدراك أسهل ~~كثيرا بعد ذلك، عليها وعلى غيرها من أفراد الجماعة السكانية الذين ~~تدربوا على مفهوم «يد» من الأصداف، أو «يد» من عناصر أخرى. ونحن ~~لا نعلم بالطبع، لكن في هذه المرحلة، فإن الاحتمال الأرجح هو ~~أن هذا المكان هو أول مكان قد بدأ فيه البشر في استخدام ~~الأعداد. # إن ما نعرفه هو أن شخصا ما في مكان ما، في لحظة معينة من ~~التاريخ، كان هو أول شخص يدرك بصورة مجردة وجود خمسة أشياء ~~على وجه التحديد. بالرغم من ذلك، فإن هذا الإدراك الضروري ~~لاختراع أنظمة الأعداد، قد حدث بلا شك، على مدار العديد من ~~المرات بصور مستقلة، وفي العديد من السلالات الثقافية. وقد ضاع ~~مع الزمن على الأرجح في معظم الحالات، غير أن هذا الإدراك ~~المتقلب قد تجسد رمزيا في بعض الحالات الأخرى، وأصبح ~~حقيقيا من خلال تجسده في كلمة. وقد انتقلت هذه الكلمة بعد ذلك ~~إلى عقول أخرى قد اعتمدت على هذا المفهوم بطرق جديدة. وبالرغم ms237 ~~من أن أول مخترعي مفردات الأعداد مثل «خمسة» لم يدركوا هذه ~~الحقيقة، فإن أدواتهم الإدراكية حديثة التشكل كانت ستغير ~~مسيرة الثقافات البشرية في يوم ما. # الأعداد والألوهية # إن انشغالنا الدائم بأعداد أيامنا وسنواتنا، الذي يتضح ~~في المجتمعات الكبيرة من مجتمع المايا القديم إلى المجتمع ~~الأمريكي الحديث، ينبع جزئيا من الممارسات الزراعية، التي ~~يعود السبب في وجودها إلى ابتكار الأنظمة العددية. إن ~~التحول إلى نمط إعاشة يعتمد على الزراعة، كان أيضا هو ~~البداية لأنواع أخرى من التغيرات الأكثر حميمية في ~~الخبرة البشرية: إنها تغيرات لا تخبرنا بكيفية عد ~~أعمارنا فحسب، بل تخبرنا أيضا بمكاننا في الكون. وأنا لا ~~أشير هنا إلى حقيقة أن الأعداد والزراعة قد نتج عنهما ~~حاجة أكبر إلى الاعتماد على تتبع النجوم وفصول السنة وغير ~~ذلك، مما أدى في نهاية المطاف إلى تشكل وعي بالفضاء، ~~وتقدير الكون الذي نعيش فيه، والذي لا يتمركز حول البشر. ~~وبالرغم من أن الجزء الأخير حقيقي بلا شك، فأنا أشير هنا ~~إلى النوع الجديد من الدوائر الدينية، الذي ظهر بعد وجود ~~أنظمة عددية معقدة. # ربما يبدو من ~~المبالغة بعض الشيء أن نعزو أي دلالة روحية إلى ظهور ~~الأعداد. من المؤكد أن جميع الشعوب تؤمن بشكل ما من أشكال ~~المعتقدات الدينية والروحانية، بصرف النظر عن نوع الأنظمة ~~العددية التي تستخدمها؛ غير أن المغزى الذي نقصده هنا ~~أكثر دقة، وله الكثير مما يؤيده من الأدلة في السجل الأثري ~~والأنثروبولوجي: بالرغم من أن أساطير الخلق، والممارسات ~~الروحية، وغيرها من أشكال الروحانية هي أمور عالمية أو تكاد ~~تكون كذلك، فالديانات الهرمية واسعة النطاق، تقتصر على ~~عدد قليل نسبيا من السلالات الثقافية. إضافة إلى ذلك، ~~فإن هذه الديانات بما فيها الديانات التوحيدية، كالإسلام ~~والمسيحية واليهودية، وغيرها العديد أيضا من الديانات الرئيسة ~~في العالم مثل الهندوسية والشنتوية والبوذية، قد ظهرت بعد ~~ظهور الزراعة بفترة طويلة. والأهم من ذلك أنها لم تظهر إلا ~~بعد أن بدأ البشر يعيشون في مجموعات ومستوطنات أكبر، بسبب ~~نمط حياتهم الزراعي. فعلى مدار الجزء الأكبر ms238 من مدة وجودنا ~~التي تزيد على 100000 عام، عاش نوعنا في مجموعات صغيرة أو ~~قبائل في أماكن مثل كهف بلومبوس. ومنذ 10000 عام تقريبا، ~~لا سيما في الألفيات القليلة الماضية، بدأنا في الاحتشاد ~~وتكوين زعامات أو إمبراطوريات أكبر، مع تأسيس مناطق حضرية في ~~مراكزها في أغلب الأحيان. ومؤخرا قد اقترحت مجموعة من ~~الباحثين أن تطور الديانات الرئيسة الهرمية، كتطور ~~الحكومات الهرمية، قد نبع من تكتل البشر في مثل هذه ~~الأماكن. وإذا افترضنا إلى الآن أن هذه الفرضية الوجيهة ~~صحيحة، فإن هذا سيشير إلى أن اختراع الأنظمة العددية ~~المعقدة، قد أدى في نهاية المطاف من خلال تيسير الزراعة، ~~إلى تكوين وجهات نظر جديدة بشأن دور البشر في العالم، ~~وظهور آراء جديدة بشأن نشأة الأرض وما عليها. ويمكننا أن ~~نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول إن ظهور الأنظمة العددية كان ~~أمرا محوريا في اختراع إله أو آلهة. أو مثلما يرى البعض، ~~فإن تطور الأعداد قد أدى إلى توصل البشر إلى الإدراك ~~الدقيق بوجود إله أو آلهة. # إن هذا الافتراض يقوم على الزعم القائل بأن المجتمعات ~~السكانية الأكبر كانت تنتج تقاليد جديدة؛ لأسباب معينة، ~~وعادة ما تكون هذه التقاليد إيمانية دينية. ما السبب إذن في ~~أن الجماعات السكانية الأكبر قد اتجهت إلى الإيمان بوجود ~~إله؟ في خطوط عريضة، تقترح الفرضية المعنية أن الأسباب قد ~~جرت على المنوال التالي: المعتقدات الدينية المنظمة التي ~~تتضمن آلهة وفئات رجال دين تلزم باتباع الأخلاق، نتجت عن ~~حاجة المجموعات الكبيرة من البشر إلى التعاون من خلال الأخلاق ~~المشتركة والإيثار. وبعد أن زاد عدد المنتمين للحضارات بعد ~~ظهور المراكز الزراعية وما يرتبط بها من تحضر، كان على ~~الأفراد أن يعتمدوا على الثقة المشتركة في عدد كبير من ~~البشر الآخرين، ومنهم الكثيرون الذين لا يمتون لهم بصلة ~~قرابة، على عكس ما كان عليه الحال في المجموعات الصغيرة ~~كالقبائل والعشائر. وقد كانت هذه الثقة المشتركة داخل ~~الحضارات أمرا ضروريا إذا أرادت هذه المجموعات أن تتفوق ~~على مجموعات الأفراد التي تقاربها في ms239 الحجم. وعلى العكس من ~~ذلك، فإن مجموعات القبائل والعشائر كانت (ولا تزال) صغيرة، ~~وفي معظم الأحوال في العشائر التي تعتمد على الصيد وجمع ~~الثمار، توجد صلة قرابة بين معظم أفرادها وبين جميع الأفراد ~~الآخرين الذين ينتمون إلى نفس الثقافة، أو معظمهم. إذن، ~~فالدوافع الطبيعية للثقة والتعاون بين الأفراد، أكثر وضوحا في ~~حالة الجماعات السكانية الصغيرة؛ فنظرا إلى أن الانتقاء ~~الطبيعي يقوم على أساس حماية الفرد لجيناته، فمن الأسهل أن ~~نفهم دوافع الإيثار والتضحية داخل المجموعة، في المجموعات ~~الصغيرة كالعشائر والقبائل. لكن ما الذي قد يدفع البشر الذين ~~يعيشون في المجموعات السكانية الأكبر كثيرا، والذين لا ~~تربطهم بمعظم الأفراد الذين يتواصلون معهم يوميا صلة ~~وراثية يمكن تمييزها، إلى التعاون مع هؤلاء الأفراد الآخرين ~~الذين ينتمون إلى ثقافتهم؟ لماذا قد يهتمون بما فيه خير ~~لأفراد غرباء عنهم تماما، من خلال أداء أفعال تعاونية ~~باستمرار؟ وفقا للفرضية التي نتحدث عنها، والتي يؤيدها عدد ~~من الباحثين مثل عالمي النفس أرا نورنزيان وعظيم شريف، فإنه ~~كان لا بد من تطور آلية اجتماعية حتى لا تتفكك الثقافات ~~الكبيرة بسبب المنافسة بين أفرادها، وحتى لا يستنزف العديد ~~من الأفراد ثمرة عمل الآخرين. ومن الآليات الاجتماعية التي ~~تعزز السلوك التعاوني الإيجابي نحو المجتمع، الدين المنظم ~~الذي يستند إلى أخلاق مشتركة وآلهة كلية العلم تستطيع ~~معرفة ما يقترف من مخالفة لمثل هذه الأخلاق. وربما كان ~~التطور التدريجي لمثل هذه الديانات المرتكزة على وجود إله ~~قد أدى تلقائيا إلى حفظ النظام والسلوكيات التعاونية التي ~~كانت مفيدة في نجاح الحضارات وبقائها من خلال الاهتمام ~~الاجتماعي بالآخرين. وبعبارة أخرى، يمكننا أن نقول إن ~~الجماعات السكانية الكبيرة التي تبنت ديانات أخلاقية ~~تتمركز حول إله أو آلهة، كان احتمال بقائها سيقل عند ~~المواجهة مع مجموعات أخرى كبيرة لا تتسم بالتعاون مع ~~الغرباء (وتتسم بدرجة من التعطش للدماء تجاه الغرباء) ~~لكنها تتسم بالتعاون فيما بين أفرادها بسبب وجود دين يفرض ~~عليهم التعاون مع غير أقربائهم من أفراد الجماعة ~~السكانية. # يستند بعض الدعم الذي تلقته هذه ms240 الرؤية إلى دراسة ~~مسحية حديثة للعديد من ثقافات العالم. ووفقا لهذه الدراسة ~~التي أجريت على 186 من المجتمعات المعاصرة، فثمة ارتباط ~~قوي بين حجم السكان في ثقافة معينة، واحتمالية أن تكون هذه ~~الثقافة تتبع ديانة تتمركز حول إله (أو آلهة) يعنى بأخلاق ~~الأفراد. وهذه العلاقة الطردية ليست حاسمة بالطبع، لكنها ~~تشير إلى أن هذا التفسير يسير في الاتجاه الصحيح. أما ~~الأمر الواضح فهو أن ظهور الديانات الهرمية الكبيرة التي ~~تتمركز حول إله (أو آلهة) هو توجه حديث بدرجة كبيرة. ~~إضافة إلى ذلك، فقد ظهر هذا التوجه بعد الثورة الزراعية ~~المتأثرة بالأعداد، التي أتاحت زيادة عدد السكان في المناطق ~~التي تطورت بها الأديان المعنية بعد ذلك. وهذه الديانات ~~«الجديدة» قد غيرت بدورها رؤية الكثيرين من البشر بشأن ~~موقعهم في الكون، وغيرت رؤيتهم بشأن العالم، وأشبعتهم ~~بحس مميز بوجود الغاية. وبسبب هذا المنحى الذي اتخذته ~~الأحداث، أصبح الكثيرون من البشر يرون أنفسهم على أنهم ~~مخلوقات الإله (أو الآلهة) المميزة. ومن ثم، فإن تطور ~~الأنظمة العددية المعقدة، قد أدى دورا في تغيير فهم ~~البشر لأرواحهم، وإن كان ذلك بصورة غير مباشرة على أقل ~~تقدير. # 6 # أعداد ذات دلالة اجتماعية # حين هبط موسى من جبل سيناء بألواحه الحجرية، كان منقوشا ~~عليها عشر وصايا إلهية؛ هي الوصايا العشر. وحتى إذا لم تكن ~~من أتباع إحدى الديانات التي تقر بهذه الوصايا، فأنت ~~تدري بوجودها. وبالرغم من أنك قد لا تكون قادرا على ذكرها ~~جميعا، فأنت تعرف أنها عشر وصايا. فلماذا هي عشرة؟ لا شك ~~بأن هناك أكثر من عشر وصايا دينية كان من الممكن أن تلقى ~~على البشرية، أو على مجموعة من رحالة الشرق الأوسط تحديدا، ~~قبل ما يزيد على ألفي عام. ها هي وصية حادية عشرة كان ~~يمكن أن يتبناها العديد من البشر دون جدال: «لا تعذب.» ~~يمكننا أن نتخيل أنه إذا نزل موسى بمثل هذه الوصية، لم تكن ~~لتحدث أي بلبلة. وعلاوة على ذلك، فإن كثيرا من البشر ~~في الوقت الحالي كانوا سيؤيدون هذه ms241 الوصية المفقودة. غير ~~أن القائمة كانت ستفقد بعضا من ثقلها البلاغي. «الوصايا ~~الإحدى عشرة» وكأنها تشي بإله ساخر. لو كان موسى قد نزل ~~بإحدى عشرة وصية، ربما لم يكن قومه ليعترضوا على هذه الوصية ~~الحادية عشرة في حد ذاتها، لكن وجود إحدى عشرة وصية على ~~وجه التحديد، كانت ستبدو للبعض أمرا غريبا. وربما كان ~~تعلم الأطفال للوصايا الإحدى عشرة في السياقات الدينية، ~~سيصبح أكثر التباسا، مما لو أنهم كانوا يتعلمون العدد ~~المقدس عشرة. إن العدد عشرة هو أكثر الأعداد اكتمالا، ~~ومن المنطقي جدا للعديد من الأشخاص أن ترد معظم القواعد ~~التي تحكم حياتنا، في مجموعات من عشرة. ومن المثير للاهتمام ~~أيضا أن العدد عشرة له دلالة روحية في العديد من التقاليد ~~الدينية المختلفة: تجسدات فيشنو العشر، والجورو العشرة في ~~السيخية، والصفات العشر في القبالة، وغيرها. وهذا التأثير ~~المتكرر للعدد عشرة، ليس عرضيا على ما يبدو. وربما ليس ~~علينا أن نندهش حين نجد أن للعدد عشرة دلالة روحية ~~واجتماعية خاصة، نظرا إلى تأثيره واسع الانتشار في الأنظمة ~~العددية. إن الدافع النهائي لهذه الدلالة قد أصبح واضحا ~~الآن: ليس الأمر أن المفاهيم الإلهية ترد في مجموعات من ~~عشرة، وإنما ينطبق ذلك على أصابعنا. (ومما لا شك فيه أن ~~البعض يرون أن هذا الشكل الذي توجد عليه أصابعنا، هو ~~إلهي في حد ذاته.) # 7 # إن الأعداد الأخرى التي تتميز بدلالة معينة في النصوص ~~الدينية، غالبا ما تكون هي أيضا بسيطة وتامة، ويسهل ~~قسمتها على عشرة. فعلى سبيل المثال، للعدد «أربعين» دور مهم ~~للغاية في التقليد اليهودي المسيحي؛ فقد استمر طوفان نوح 40 ~~يوما، وتجول يسوع في الصحراء 40 يوما، وقضى موسى 40 يوما ~~على جبل سيناء، وصام إلياس 40 يوما ، ونزل يسوع بعد 40 يوما ~~من صلبه، وغير ذلك. # 8 # وإضافة إلى الانحياز الواضح للأصابع في الأعداد المقدسة، ~~التي يكون لها دلالة مميزة في بعض التقاليد الدينية، فإننا ~~نشهد هنا ظاهرة أخرى ترتبط بهذا الأمر، وهي تداخل الأعداد ~~مع الروحانية. ينطبق ذلك على ms242 الأعداد المقدسة في الديانات ~~الرئيسة في العالم، وغيرها من التقاليد الروحية المنتشرة إلى ~~جانب ما ذكرناه سابقا؛ فبعض التقاليد الصينية ترى أعدادا ~~معينة على أنها ميمونة أو مشئومة، ويرى أنصار علم التنجيم ~~أن أعدادا محددة تدل على سمات روحية أو شخصية محددة، ~~أو كليهما. # إن هذه الأعراف تدور في حلقة منتظمة؛ فمثلما أشرنا سابقا، ~~أدى ظهور نمط العيش الذي يعتمد على الزراعة والاستقرار إلى ~~زيادة عدد السكان، الأمر الذي أدى بدوره إلى نشأة العديد من ~~الأنظمة العقائدية الإيمانية والأخلاقية. ونظرا إلى أن ~~أنظمة الأعداد قد أسهمت في تشكيل الممارسة الزراعية، فهي ~~مسئولة جزئيا على أقل تقدير، عن نشأة الممارسات الدينية ~~والروحية، التي أضفت بدورها دلالة روحية ودينية على أعداد ~~محددة. ويعد هذا النمط من الاستجابة الثقافية، من ~~السمات الأساسية للقصة العامة للتطور المشترك، التي يشير ~~إليها هذا الكتاب في نقاط متعددة؛ فقد أثرت الأعداد ~~وممارسة العد في التجربة البشرية تأثيرا جوهريا، وقد نتج ~~عن هذا التأثير ضغوطات جديدة بشأن كيفية اعتماد البشر على ~~الأعداد، وإلى أي درجة يعتمدون عليها. وقد تضمنت هذه ~~الضغوطات إضفاء دلالة روحية على الأعداد. # قد يرى البعض أن ~~إضفاء دلالات روحية واجتماعية على الأعداد، ما هو إلا أحد ~~الآثار الطريفة لعصور ما قبل العلم. بالرغم من ذلك، يمكننا ~~أن نجادل في أن الأعداد تكتسب الآن دلالة أكثر من أي ~~وقت مضى؛ إذ أصبحت مرتبطة دون تفكير في بعض الحالات ~~بالاكتشافات العلمية؛ ففي نهاية المطاف أدت الرياضيات ~~دورا كبيرا في تشكيل التقدم العلمي الكبير الذي حدث على ~~مدار القرون القليلة الماضية. ومعظم الأشخاص يدركون أن ~~العلم الحديث يقوم على أساس النتائج التي تطرح عادة في ~~صورة كمية. والمنهجية العلمية المرتبطة بمختلف أنواع ~~الرياضيات، ترى على أنها نقطة الانطلاق لأي طريق مؤد إلى ~~حقيقة أعلى. ومن ذلك الجانب، فإن أنصار العلم من ~~الملحدين أو اللاأدريين، يمكنهم أن يضفوا على الأعداد ~~أهمية روحانية؛ إذ يتعاملون معها على أنها حقائق خارجية عن ~~العقل والجسد ترشدنا نحو اكتشافات لحقائق جديدة. بالرغم ms243 من ~~أن الكميات التي تمثلها الأعداد يمكن أن توجد خارج ~~عقولنا، فإن التمثيلات الرمزية لهذه الكميات هي اختراعنا ~~الخاص؛ فهي ليست منفصلة تماما عن عقولنا. وتعتمد الممارسات ~~العلمية على نوع من روحنة هذه الاختراعات التي تستند إلى ~~طبيعتنا التشريحية؛ ففي العديد من المجتمعات الحديثة تعد ~~الأعداد ضرورية للغاية في نظرية المعرفة؛ فهي تساعدنا على ~~تحديد ما إذا كان أحد الأمور اعتقادا مبررا، أم لا. ~~والوصف العددي للمعتقدات الجديدة يمدها بأنواع خاصة من ~~المعنى. فعلى سبيل المثال، إذا أخبرنا علماء الكونيات أن ~~الكون قديم للغاية، فإن هذا قد يعني شيئا لنا، لكن إذا ~~أخبرونا أن عمر الكون يزيد على 13 مليار عام، فإن هذا قد ~~يعني أكثر بكثير بالنسبة لنا، بصرف النظر عن قدرتنا على ~~تصور مثل ذلك المقياس الزمني؛ ففور أن توصف الملاحظات ~~بالأعداد، يزيد تقبلنا لها بصفتها حقائق فعلية. # إلا أن الأعداد لا تكتسب قيمة اجتماعية من ذلك الجانب ~~العام المتعلق بنظرية المعرفة فحسب؛ فلا تزال بعض ~~الأعداد تتحلى بدلالة اجتماعية شبه روحانية في بعض ~~السياقات غير الدينية، وهي دلالة أكثر عشوائية مما يلاحظه ~~الكثيرون. ولعل ذلك يتضح جليا فيما يعرف باسم القيم ~~الدلالية. وهذه القيم مدهشة للغاية؛ لأنها توضح أن بعض ~~الأعداد المحددة التي ترد في سياقات لا دينية ولا ~~روحانية، تتخذ قيمة يصدق عليها المجتمع، مما يمنحها ~~في معظم الأحوال مكانة مميزة في عقولنا. ونكرر أن هذه ~~المكانة المميزة، تعود في نهاية المطاف إلى العلاقة بين ~~الأعداد وطبيعتنا التشريحية. # وسأوضح ما أعنيه هنا؛ إذا تناولت أي مجلة علمية، ~~فسوف تجد على الأرجح أن العديد من مقالاتها أو معظمها، ~~يذكر ما يسمى بقيم «الاحتمالية أو P ~~» يتعرف الباحثون على ~~هذه القيم في مرحلة مبكرة من تدريبهم؛ (لذا، فلتعذر ~~الاستفاضة هنا، إذا كنت باحثا في أحد المجالات.) تشتق ~~هذه القيم من أنواع مختلفة من التحليلات الإحصائية بناء ~~على نتائج التجارب أو غيرها من أشكال جمع البيانات. وهذه القيم ~~الاحتمالية تعكس احتمالات أن تكون نتيجة محددة، تعود ~~إلى الفرضية الصفرية، ms244 لا الفرضية التي يجري اختبارها؛ فعلى ~~سبيل المثال، إذا كانت لدينا دراسة تبحث الارتباط بين ~~معدلات التدخين في جماعة سكانية معينة، وانتشار سرطان ~~الرئة فيها، فبعد اختبار قوة الارتباط، قد يخلص الباحثون ~~إلى أن قيمة «الاحتمالية» تساوي 0,004 على سبيل المثال. وسوف ~~يشير هذا إلى أن الفرضية الصفرية (وهي في هذه الحالة عدم ~~وجود ارتباط بين التدخين وسرطان الرئة) غير مرجحة على ~~الإطلاق، أي إن احتمالية وقوع الفرضية الصفرية أقل من 4 ~~لكل 1000 في هذه الحالة المختلقة؛ فقيم «الاحتمالية» ~~المنخفضة تشير إلى أن النتائج التي توصلت إليها دراسة ~~معينة، لا يعود السبب فيها إلى الصدفة على الأرجح، وأنها ~~تدعم الفرضية التي يجري اختبارها. في العقود التي تلت العام ~~1920، حين قدم عالم الإحصاء رونالد فيشر مفهوم قيم ~~«الاحتمالية»، أدت هذه القيم دورا واسع الانتشار في ~~العلوم. إن بعض قراء المؤلفات الأكاديمية يلقون نظرة ~~سريعة أولا على المقالات؛ بحثا عن قيم «الاحتمالية» ~~محاولين تكوين رأي سريع عن قوة النتائج التي تتناولها ~~المقالة؛ فالأشخاص يرغبون مباشرة في أن يعرفوا ما إذا كانت ~~النتائج «ذات دلالة إحصائية» أم لا. في معظم الأحيان يأمل ~~الباحثون في الحصول على قيم «احتمالية» ذات دلالة منخفضة، ~~عندما يقومون بإجراء التحليلات؛ فقيم «الاحتمالية» المنخفضة ~~تزيد من فرصة نشر أعمالهم، ومن فرصة حصولهم على تمويل في ~~المستقبل، وغير ذلك. وبصرف النظر عن الإفراط في استخدام قيم ~~«الاحتمالية» أو إساءته في أحيان أخرى منذ أن ظهر عمل فيشر ~~بشأن هذا الموضوع، وبصرف النظر أيضا عن خلافات علماء الإحصاء ~~بشأن فائدتها، فمن المؤكد أن قيم «الاحتمالية» لها أهمية ~~عظيمة في المجتمع العلمي المعاصر؛ فهي تضفي المعنى على ~~العديد من الدراسات، أو هي على أقل تقدير تمكن الأشخاص ~~من استخلاص المعنى من هذه النتائج بسرعة أكبر . # 9 # بالرغم من ذلك، فقد يكون هذا المعنى وهميا من بعض الجوانب، ~~أو قد لا يكون عميقا بالقدر الذي يراه عليه بعض قراء ~~الأعمال العلمية، على أقل تقدير. ولكي نعرف بعض الأسباب التي ~~تؤدي إلى هذا؛ ms245 فلنلق نظرة على النتائج التي تعد «ذات ~~دلالة إحصائية» فيما يتعلق بقيم «الاحتمالية»؛ إذا كانت قيمة ~~«الاحتمالية» أقل من 0,01، فإن نتائج الدراسة تعد ذات ~~دلالة إحصائية في معظم الأحوال. في فترة ما خلال العقود ~~القليلة الماضية، كانت قيم «الاحتمالية» التي تقل عن 0,05 ~~تعد هي أيضا ذات دلالة إحصائية في بعض المجالات، غير ~~أنها كانت تعد ذات دلالة إحصائية أقل من قيم الاحتمالية ~~التي تقل عن 0,01. إن قيم الاحتمالية التي تقل عن 0,05 ~~تشير إلى أن هناك 5 فرص من 100 تكون فيها الفرضية ~~الصفرية للدراسة صحيحة. لكن لماذا 5 من مائة؟ أو 1 من 100؟ هل ~~أقر الكون بحياد أن مثل هذه النسب هي الطريق إلى ~~المعرفة؟ بالطبع لا، لكن ما نراه في مثل هذه القيم ~~«للاحتمالية» قد أصبح نمطا مألوفا لنا الآن؛ فالعددان خمسة ~~وعشرة ومضاعفاتهما، من الأعداد المميزة لدينا؛ فنحن نميل إلى ~~إضفاء دلالة اجتماعية على هذه الأعداد؛ لا لأنها ترتبط ~~بالحقيقة العلمية من الناحية الموضوعية، بل لأنها ترتبط ~~بأيدينا. حتى إذا لم نكن نفكر في هذا الأساس الخماسي، ~~والأساس العشري، فهو موجود دائما من الناحية التاريخية. ~~والواقع أن قدرا كبيرا من العلم، أو من الطريقة التي ~~يفسر بها الكثيرون الدراسات العلمية على وجه التحديد، ~~يتأسس على هذا الأساس المتعلق بالأيدي، دون تفكير. فمن ~~الممكن أن تصبح قيم «الاحتمالية» مقبولة اجتماعيا حين ~~تكون بنسب أخرى؛ فربما يجب أن تصبح قيم «الاحتمالية» أقل ~~من 0,03 لكي تعد ذات دلالة إحصائية، أو ربما يجب أن ~~تصبح 0,007 أو 0,023. إنهما قيمتان عشوائيتان ومنخفضتان، ~~لكنهما من منظور غير متحيز للأصابع مسوغتان تماما ~~بقدر تسويغ القيمتين 0,05 أو 0,01. # كل ما يمكننا إثباته فعلا هو أنه حين تكون قيم ~~«الاحتمالية» منخفضة في دراسة محددة، فإن احتمالات أن ~~تكون الفرضية الصفرية صحيحة ليست بالجيدة، غير أن ذلك لا ~~يمنحنا سوى تأكيد أقل؛ فنحن نرغب في أن تخبرنا الأعداد ~~ببساطة معنى الدراسة. إن ذلك لا يعني أن الاختبارات ~~الإحصائية ليست موضحة، وإنما ms246 لكي نشير إلى أن طريقة ~~تفسيرنا لها ليست حاذقة كما ينبغي لها أن تكون. وبدلا من ~~ذلك، فإن تفسيرنا للدراسات العلمية غالبا ما يعتمد على ~~طريقة «الكل أو لا شيء»، ولهذا الاختيار القائم على الثنائية ~~فوائده في تبسيط قراءتنا للبيانات. لكن الأهم بالرغم من ~~ذلك، هو أن طريقة قيامنا بالاختيار المعني، ليست سوى ناتج ~~ثانوي بالأساس لسمات أيدينا التي نمارس بها العلم. فمن ~~ناحية ما، تعد قيم «الاحتمالية» هي آخر مثال على ~~استخدامنا لأصابعنا، دون أن ندرك في معظم الأحوال، في ~~الإشارة إلى حقائق عليا، لا تختلف كثيرا عن الوصايا ~~العشر. # خاتمة # من المحتمل أن تكون الأعداد قد بدأت في تشكيل الخبرة ~~البشرية منذ الماضي البعيد حين كان أسلافنا يسكنون بجوار ~~البحر بالقرب مما يعرف اليوم بمدينة ستيلباي، وهي لا تزال ~~تفعل ذلك؛ فمن المعابد والكنائس، إلى الجامعات والمختبرات، لا ~~تزال الأعداد تغير حياة الجماعات السكانية الزراعية ~~الكبيرة، إضافة إلى الجماعات الصغيرة التي تعيش على الصيد ~~وجمع الثمار، والجماعات التي تعتمد على البستنة، والتي تجبر ~~الآن على الدخول في عالم تزداد عولمته. # إن التمثيلات ~~اللفظية وغير اللفظية للكميات المحددة، قد غيرت جميع ~~الأوجه الممكنة في حياتنا؛ فبينما تقرأ هذه الكلمات، لا ~~يوجد سوى القليل من عالمك، بداية من أفكارك الداخلية إلى ~~بيئتك الخارجية، هو الذي لم يتأثر بصورة مباشرة أو غير ~~مباشرة بهذه التمثيلات، أي بالأعداد؛ فهذه السطور الأنيقة ~~والحروف الموجودة على هذه الصفحة ما كانت لتصبح ممكنة ~~بدون الأعداد؛ فالأعداد قبل كل شيء، هي التي تمكننا من ~~أخذ القياسات، وقد كانت رموز الأعداد هي باكورة الكتابة. ~~إن ذكر الجوانب التي لم تتأثر في حياتنا باختراع الأعداد، ~~لهو أمر أقل صعوبة من ذكر الجوانب التي تغيرت في حياتنا ~~باختراعها. فكل شيء بداية من الطب الحديث، والدين، ~~والتصنيع، والعمارة، والألعاب الرياضية، قد تأثر باختراع ~~الأنظمة العددية، وتفاصيلها بطرق لا يمكن تمييزها في معظم ~~الأحيان. # في هذا الكتاب، قدمت طرحا يفيد بأن الأعداد، أي ~~التمثيل الرمزي للكميات، هي اختراع في واقع الأمر؛ ms247 فالكميات ~~ترد في الطبيعة، حتى إن منها ما يرد بصورة منتظمة، ~~سواء أكان ذلك في السنوات التي تفصل بين دورات تكاثر حشرات ~~الزيزيات أو مجموع أرجل العنكبوت، أو أيام الدورة القمرية ~~وغيرها. غير أن الأعداد نفسها، أي التجسيد الرمزي لمثل هذه ~~الكميات المنتظمة، لا توجد بصورة مستقلة عن الابتكار ~~البشري، ونحن لا نخترعها ببساطة، بفضل بعض الآليات الفطرية. ~~وإنني أطرح هذا الزعم بناء على الأدلة الحديثة من التجارب ~~التي أجريت على الأطفال، وعلى الشعوب اللاعددية، وعلى بعض ~~الأنواع قريبة الصلة بنوعنا. ومثلما رأينا فإن هذه ~~الأدلة تئول إلى نتيجة واضحة، وهي أننا لا نولد ونحن ~~نمتلك القدرة على التمييز بين معظم الكميات بدقة، بالرغم ~~من أننا نمتلك بعض القدرات الفطرية التي تمكننا من ~~التمييز بين الكميات بصورة تقريبية، مع التمييز الدقيق بين ~~المجموعات التي تحتوي على كمية صغيرة من الأشياء. إن هذه ~~القدرات لا تسمح لنا بالتمييز بين أعداد معظم مجموعات ~~الأشياء أو الأحداث، حتى وإن كانت هذه المجموعات توجد في ~~الطبيعة. إن اختراع الأعداد، وهي تمثيلات كميات محددة، ~~هو الذي مكن البشر من إدراك الأنماط الكمية على نحو ~~محدد، وذلك بصورة منتظمة على الدوام؛ فقبل اختراع الأنظمة ~~العددية كانت معظم الأنماط الكمية المنتظمة في الطبيعة ~~خفية عن أعين أفراد نوع «الإنسان العاقل»، أو أي نوع غيره ~~كذلك. وقد أدى اختراعها إلى حدوث تغيير إدراكي مزلزل، ولا ~~يزال تأثيره مستمرا. # وقد اقترحت أيضا أن اختراع معظم أنواع الأعداد لم يكن ~~ناتجا فرعيا تلقائيا عن اللغة والثقافة فحسب، وإنما كانت ~~نتيجة التناظر الحيوي في يدي الإنسان. إنها الأيدي التي ~~يمكن أن نركز عليها بسهولة؛ إذ إنها غير ضرورية للحركة. ~~إن تمكننا من السير على قدمين، قد أتاح لنا التركيز ~~على أيدينا بدرجة أكبر، وتحسين استخدامنا لها. وقد أدى هذا ~~التركيز في نهاية المطاف إلى إدراكنا مصادفة للتطابق ~~العددي بين الأصابع في كل يد والأخرى، إضافة إلى تطابق ~~عدد الأصابع مع غير ذلك من المجموعات. إن هذا الإدراك البسيط ~~شيء بسيط للغاية، ms248 ولكنه غير متأصل في طبيعتنا الفطرية، قد ~~تجسد في النهاية من خلال اللغة. لقد أتت الأعداد إلى ~~الوجود؛ فأصبحت الكميات المحددة حاضرة في أفكارنا على ~~الدوام، فلم نعد نصادفها بشكل متقطع فحسب. وبناء ~~على السجل الأثري والسجل اللغوي، فإن البشر يعبرون عن ~~الكميات المحددة بصورة منتظمة من خلال الأعداد، منذ ~~الكثير من آلاف السنين. ومن هذه الناحية فإن الثورة العددية ~~ثورة قديمة. # بالرغم من ذلك، فمن ناحية واقعية أخرى لم تكتسب الثورة ~~العددية زخما إلا منذ بضعة آلاف من السنوات. وخلال تلك ~~الفترة، تطورت الأنظمة العددية والزراعة جنبا إلى جنب. وقد ~~تضمنت نتائج هذا التطور المشترك تشكيل مجتمعات أكبر، ~~وظهور أنواع محددة من العقائد الدينية، وظهور الرياضيات ~~وأنظمة الكتابة، التي كانت أنظمة مرتكزة على الأعداد في ~~بداية الأمر. ومما لا جدال فيه أن الأعداد وممارسة العد، ~~قد غيرت قصة البشرية. فبالرغم من أن البشر قد أدركوا ~~أهمية تطور الرياضيات في قصة البشرية منذ فترة طويلة، فقد ~~أكدت أنا على أن اختراع مفردات الأعداد والأعداد ~~المنطوقة، قد أدى دورا أهم وأسبق. وتماشيا مع الأبحاث ~~متعددة التخصصات التي أجريت على هذا الموضوع؛ اقترحت ~~أن الأعداد كانت ولا تزال أدوات إدراكية، أدوات قد غيرت ~~حياتنا قبل استخدام الرياضيات المتطورة بفترة ~~طويلة. # إننا - نحن البشر - نطفو على الدوام في بحر من الكميات، ~~مثلما أننا نطفو دوما في بحر من المحفزات الأخرى. ~~إننا نطفو في بحر من الضوء المرئي على سبيل المثال، ومثلما ~~أن أعيننا تمكننا من تمييز ذلك الضوء، والتنقل في ~~العالم المادي من حولنا، فإن الأعداد تساعدنا على تمييز ~~الكميات الموجودة حولنا، واجتياز بحور فكرية جديدة. ومثلما ~~أكدت في هذا الكتاب، فإن هذه الأدوات التي نستخدمها في ~~الإبحار الفكري، لا توجد بصورة منفصلة عن اختراعنا لها. ~~إننا لم نكتشف هذه الأدوات قابعة في مكان ما على ساحل ~~جنوب أفريقيا، بل أدركنا التطابق بين الكميات، على مراحل ~~مختلفة من التاريخ وفي أماكن مختلفة قد تكون مدينة ستيلباي ~~منها، ثم جسدنا هذا الإدراك من خلال ms249 ابتكار أنواع جديدة ~~من الكلمات. وفي معظم الأحيان، كان هذا التطابق بين كميات ~~توجد في البرية، والكميات التي تمثلها أصابعنا. # إذن، فبصفة أساسية قد أخذنا أيدينا ومددناها في بحر ~~الكميات التي لا نستطيع التمييز بينها، وشكلناها في صورة ~~أعداد. لقد أمسكنا بأيدينا كميات من الأشياء الموجودة حولنا، ~~وذلك بصورة مجازية وحرفية أيضا. وقد شكلنا هذه ~~التطابقات المجردة للكميات، وصغنا منها أعدادا حقيقية ~~للغاية، لكنها غير طبيعية على الإطلاق. لقد بنينا الأعداد، ~~ونظرا إلى تأثيرها التحويلي، فمن الإنصاف أن نقول إن ~~الأعداد قد بنتنا أيضا. # | ملاحظات # تمهيد # الجزء الأول: تغلغل الأعداد في الخبرة البشرية # الفصل الأول: الأعداد منسوجة في حاضرنا # الفصل الثاني: الأعداد منقوشة في ماضينا # الفصل الثالث: رحلة عددية حول العالم اليوم # الفصل الرابع: ما بعد مفردات الأعداد: أنواع أخرى ~~من اللغة العددية # الجزء الثاني: عوالم بلا أعداد # الفصل الخامس: شعوب لا عددية معاصرة # الفصل السادس: الكميات في عقول الأطفال الصغار # الفصل السابع: الكميات في عقول الحيوانات # الجزء الثالث: الأعداد وتشكيل حياتنا # الفصل الثامن: اختراع الأعداد والحساب # الفصل التاسع: الأعداد والثقافة: نمط الإعاشة والرمزية # الفصل العاشر: أدوات تحويلية ms250