######OpenITI# #META# URI: 1450ZahraSami.CharlesDarwin01.Hindawi30713151 #META# Tags: biographies #META# ID: 30713151 #META# Title: تشارلز داروين: حياته وخطاباته (الجزء الأول): مع فصل سيرة ذاتية بقلم تشارلز داروين #META# AuthorID: 86406130 #META# Author: فرانسيس داروين #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 83840647 #META# Translator: الزهراء سامي #META# Related_books: 1344FrancisDarwin.CharlesDarwinLifeAndLetters (TRANSL) #META#Header#End# # تقديم‏ # 1 - عائلة داروين‏ # 2 - سيرة ذاتية‏ # 3 - ذكريات من حياة والدي اليومية‏ # الخطابات‏ # 4 - الحياة في كامبريدج‏ # 5 - تعيين أبي في رحلة «البيجل»‏ # 6 - الرحلة‏ # 7 - لندن وكامبريدج‏ # 8 - الدين‏ # 9 - الحياة في داون‏ # 10 - تطور كتاب «أصل الأنواع»‏ # 11 - تطور كتاب «أصل الأنواع»: الخطابات، 1843-1856‏ # 12 - الكتاب غير المكتمل‏ # 13 - كتابة كتاب «أصل الأنواع»‏ # 14 - بقلم البروفيسور هكسلي‏ # ملاحظات‏ # تقديم‏ # 1 - عائلة داروين‏ # 2 - سيرة ذاتية‏ # 3 - ذكريات من حياة والدي اليومية‏ # الخطابات‏ # 4 - الحياة في كامبريدج‏ # 5 - تعيين أبي في رحلة «البيجل»‏ # 6 - الرحلة‏ # 7 - لندن وكامبريدج‏ # 8 - الدين‏ # 9 - الحياة في داون‏ # 10 - تطور كتاب «أصل الأنواع»‏ # 11 - تطور كتاب «أصل الأنواع»: الخطابات، 1843-1856‏ # 12 - الكتاب غير المكتمل‏ # 13 - كتابة كتاب «أصل الأنواع»‏ # 14 - بقلم البروفيسور هكسلي‏ # ملاحظات‏ # | تشارلز داروين: حياته وخطاباته (الجزء الأول) # | تشارلز داروين: حياته وخطاباته (الجزء الأول) # | مع فصل سيرة ذاتية بقلم تشارلز داروين # تحرير # فرانسيس داروين # ترجمة # الزهراء سامي # دينا عادل غراب # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # تشارلز داروين في عام 1874 (؟). بإذن من مجلة ~~«سينتشري ماجازين». # | تقديم # عند اختيار الخطابات الملائمة للنشر، كان الدافع الذي يوجهني إلى ~~حد كبير هو الرغبة في توضيح طبيعة شخصية والدي. غير أن حياته ~~كانت حافلة بالعمل وقد كرسها له بصفة أساسية؛ فلم يكن من الممكن ~~أن نسرد تاريخ الرجل دون أن نقتفي عن كثب أثر حياته العملية ~~كمؤلف؛ ومن ثم، فإن الجزء الأكبر من هذا الكتاب عبارة عن فصول ~~تناظر عناوينها أسماء كتبه. # وعند ترتيب الخطابات، حاولت أن ألتزم بالتسلسل الزمني لها قدر ~~الإمكان، لكن طبيعة أبحاثه وتنوعها تجعل من الالتزام التام بهذا ~~أمرا مستحيلا؛ فقد كانت عادته أن يبحث في موضوعات متعددة في الوقت ~~نفسه تقريبا. وغالبا ما كان يجري تجاربه على سبيل التنويع أو تنشيط ~~ذهنه، بينما كان يعكف على كتابة الكتب التي تنطوي على التسويغ المنطقي ~~وتجميع عدد هائل من الحقائق وترتيبها. وعلاوة على ذلك، فقد توقف ~~عن العمل في العديد من أبحاثه ms001 ولم يستأنفه إلا بعد عدة سنوات؛ ومن ~~ثم، فسوف نجد أن الالتزام التام بالتسلسل الزمني في عرض ~~الخطابات، لن ينتج لنا سوى مزيج مختلط ومتنوع من الموضوعات ~~المختلفة، التي سيصعب متابعة كل منها. وسوف يوضح جدول المحتويات ~~ما قد حاولت القيام به لكي أتفادى مثل هذه النتيجة. # لقد اتبعت في عرض الخطابات الطريقة المعتادة في الإشارة إلى وجود ~~حذف أو إضافة (وذلك باستثناء حالات قليلة). والواقع أن خطابات ~~والدي كثيرا ما تعطي قارئها انطباعا بأنه قد كتبها على عجل أو كتبها ~~وهو مرهق، وهي تحمل علامات على ذلك. وكثيرا ما كان يحذف أدوات ~~التعريف والتنكير وكلمات الربط القصيرة حين كان يكتب إلى صديق أو إلى ~~أحد أفراد العائلة، وقد أضفتها بدون ذكر الإشارات المعتادة على ~~ذلك، فيما عدا حالات قليلة؛ فثمة أهمية خاصة للحفاظ على طبيعة ~~التعجل التي تتضح في الخطاب، دون أن يجرى المساس بها. ولم أتبع في ~~هذه الخطابات تنسيق الخطابات الأصلية من حيث الالتزام بتهجي الأسماء ~~أو استخدام الحروف الكبيرة أو علامات الترقيم. وكذلك كان والدي يضع ~~خطا تحت العديد من الكلمات في خطاباته، غير أنني لم أميزها كلها في ~~الكتاب؛ إذ إن ذلك سيؤدي إلى المبالغة في التأكيد عليها بغير ~~وجه حق. # لقد كانت لمفكرته اليومية أو لمفكرة جيبه والتي وردت فيها ~~الاقتباسات التي سيلي ذكرها في الصفحات التالية، فائدة عظيمة؛ إذ ~~أمدتنا بإطار من الحقائق يمكن تصنيف الخطابات إلى مجموعات وفقا ~~لها. ومن سوء الحظ أنها قد كتبت باختصار كبير؛ فتجد تاريخ عام كامل ~~وقد تكدس في صفحة أو أقل، وهي لا تتضمن سوى تواريخ الأحداث ~~الأساسية في حياته أو أكثر قليلا، مع بعض الإدخالات المرتبطة بعمله، ~~وكذلك بتلك الفترة التي كان يعاني فيها من مرض شديد. لم يؤرخ أبي ~~خطاباته إلا نادرا؛ لذا، فلولا تلك المفكرة، لما تمكنا من ~~معرفة تاريخ كتبه. كما أنها قد مكنتني أيضا من تحديد تواريخ ~~العديد من خطاباته، والتي لولاها لكانت قد فقدت نصف قيمتها. # أما الخطابات الموجهة إلى ms002 والدي، فلم أعرض منها الكثير؛ فقد ~~كانت عادته أن يحتفظ بجميع الخطابات المرسلة إليه في ملفات صغيرة ~~(وهي التي كان يدعوها باسم «الأسياخ»)، وحين كانت تمتلئ عن آخرها، كان ~~يحرق خطابات سنوات عديدة، لكي يستخدم «الأسياخ» الفارغة. وقد استمر في ~~فعل ذلك على مدى سنوات تخلص فيها من الغالبية العظمى من ~~الخطابات التي تلقاها قبل عام 1862. أما بعد ذلك، فقد أقنعه البعض ~~بأن يحتفظ بالخطابات المهمة والمثيرة، والتي قد جرى حفظها بطريقة ~~يسهل الوصول إليها. # حاولت في الفصل الثالث أن أقدم صورة عن أساليبه في العمل؛ فلقد ~~عملت مساعدا له في السنوات الثماني الأخيرة من حياته، مما أتاح لي ~~الفرصة للتعرف على بعض عاداته وأساليبه. # لقد تلقيت مساعدات جمة من أصدقائي في أثناء عملي على هذا ~~الكتاب؛ فأنا مدين لبعضهم بعرض ذكرياتهم مع والدي، ولآخرين بإمدادي ~~بالمعلومات والنقد والنصيحة؛ فإلى جميع هؤلاء الذين قدموا المساعدات، ~~أقر بما لهم من فضل كبير. وسوف أذكر أسماء بعضهم حين يرد ذكر ~~مساهماتهم، غير أنني لن أذكر أسماء من أدين لهم بفضل فيما يتعلق ~~بالنقد وتصويب ما ورد من أخطاء؛ ذلك أنني أريد أن أتحمل وحدي ~~مسئولية أخطائي، فلا أدع أي جزء منها يقع بأي حال من الأحوال على ~~عاتق هؤلاء الذين قد بذلوا قصارى جهدهم للحد منها ~~وتصويبها. # وسوف يتضح للقارئ مقدار ما أدين به من فضل إلى السير جوزيف هوكر، ~~لما قدمه من وسائل قد ساعدت في تصوير حياة والدي. وأعتقد أن ~~القارئ أيضا سيشعر بالامتنان للسير جوزيف لما أولاه من عناية لحفظ ~~مجموعته القيمة من الخطابات، كما أنني أود أن أعبر عن شكري ~~وتقديري لكرمه لوضع هذه الخطابات تحت تصرفي، وكذلك لما أمدني به ~~من عطف وتشجيع على مدى عملي. # كما أنني أدين بالشكر إلى السيد هكسلي، ليس فقط لما قدمه لي من ~~مساعدة كبيرة، وإنما أيضا لأنه قد تفضل بقبول طلبي في أن ~~يساهم بكتابة فصل عن الاستقبال الذي حظي به كتاب «أصل ~~الأنواع». # وأخيرا، فإنه يسعدني أن أتقدم بالشكر ms003 والتقدير لما أظهره ناشرو ~~مجلة «سينتشري ماجازين» من لطف وفضل؛ إذ أتاحوا لي كامل الحرية في ~~استخدام رسوماتهم التوضيحية. كما أنني أدين بالشكر إلى كل من ~~السيدين مول وفوكس، والسيدين إليوت وفراي؛ إذ كان لطفا منهم أن ~~سمحوا لي بعرض نسخ من صورهم. # فرانسيس داروين # كامبريدج # أكتوبر، 1887 # الفصل الأول # | عائلة داروين # توضح السجلات الأقدم للعائلة أن أفرادها كانوا من ملاك الأراضي ~~الكبار الذين يعيشون على الحدود الشمالية لمقاطعة لينكنشير، بالقرب من ~~يوركشاير. لقد أصبح الاسم نادرا للغاية في إنجلترا، لكنني أعتقد أنه ~~معروف في أنحاء شيفيلد ولانكشاير. وفي عام 1600، نجد أن الاسم صار ~~يكتب بطرق عدة مثل: درونت ودارون ودارويين وغير ذلك؛ لذا فمن الممكن ~~أن تكون العائلة قد انتقلت في وقت ما غير معلوم من يوركشاير أو ~~كامبرلاند أو ديربيشاير، حيث يوجد نهر يسمى درونت. # إن أول من نعرفه من الأسلاف هو ويليام داروين، وقد كان يعيش في ~~مارتون بالقرب من جينزبوره عام 1500 تقريبا. وورث حفيده الأكبر ~~ريتشارد داروين بعض الأراضي في مارتون وغيرها، وفي وصيته التي يعود ~~تاريخها إلى عام 1584، نجد أنه قد «خصص مبلغا قدره ثلاثة شلنات ~~وأربعة بنسات للمساهمة في دفع النفقات اللازمة لتعليق شعار النبالة ~~الخاص بجلالة الملكة على باب المكان المخصص لجوقة الإنشاد في الكنيسة ~~الرعوية في مارتون.» # يبدو أن ويليام داروين، نجل ريتشارد، والذي وصف بأنه «رجل نبيل»، ~~كان رجلا ناجحا؛ فلقد حافظ على ملكية الأرض التي ورثها من أسلافه، ~~وكذلك حاز ضيعة، عن طريق الشراء ومن خلال زوجته، في كليثام بأبرشية ~~مانتون بالقرب من كيرتون لينزي، واستقر هناك. وظلت هذه الضيعة ملكا ~~للعائلة يتوارثها أجيالها حتى عام 1760. ولم يتبق من أثر هذه ~~الضيعة التي تدعى أولد هول سوى كوخ سميك الجدران وبعض برك الأسماك ~~والأشجار القديمة، ولا يزال بتلك المنطقة حقل يسميه أهلها باسم «حقل ~~داروين الخيري»؛ إذ خصص جزء من عائداته لصالح فقراء مارتون. لا بد ~~أن ما ناله ويليام داروين من ترق في مكانته الاجتماعية يعود الفضل ~~فيه، ms004 ولو جزئيا، إلى المنصب الذي كلفه به الملك جيمس الأول عام ~~1613؛ إذ عينه حارسا بمستودع الأسلحة الملكي في جرينتش. لم يكن ~~المقابل المادي لهذه الوظيفة يزيد عن ثلاثة وثلاثين جنيها في العام، ~~أما الواجبات، فالأرجح أنها كانت شكلية فحسب، وقد احتفظ بهذا المنصب ~~حتى وفاته في أثناء الحروب الأهلية. # إن حقيقة أن ويليام هذا كان موظفا ملكيا قد تفسر لنا ~~السبب في أن ابنه، الذي يسمى ويليام أيضا، قد التحق بخدمة الملك ~~وهو لا يزال صبيا، فانضم إلى فرقة الفرسان التابعة للسير ويليام ~~بيلم، برتبة «ملازم أول». وعند التسريح الجزئي للجيوش الملكية، وتراجع ~~الجزء المتبقي منها إلى اسكتلندا، صادر البرلمان أملاك الصبي، لكنه ~~استعادها مجددا بعد توقيعه على اتفاق «التحالف والعهد»، وبعد أن ~~دفع غرامة لا بد أنها قد أثرت في أوضاعه المالية تأثيرا بالغا؛ ~~ففي الالتماس الذي تقدم به إلى الملك تشارلز الثاني، نجد أنه يتحدث عما ~~حل به من خسارة كبيرة جدا جزاء إخلاصه للقضية الملكية. # وفي أثناء فترة الكومنولث، أصبح ويليام داروين محاميا في جمعية ~~لينكن للحقوق، ولعل ذلك هو ما أفضى إلى زواجه بابنة إيرازموس إيرل، ~~الذي كان محاميا من الدرجة الأولى، والذي أخذ منه حفيده الأكبر، ~~الشاعر إيرازموس داروين، اسمه الأول. وفي النهاية، أصبح قاضيا لمدينة ~~لينكن. # أما الابن الأكبر لهذا القاضي، الذي سمي ويليام هو الآخر، فقد ~~ولد في عام 1655 وتزوج بوريثة روبرت وارينج، الذي هو سليل عائلة ~~جيدة من مقاطعة ستافوردشير. وقد ورثت هذه السيدة من عائلة لاسيلس ضيعة ~~إلستون، التي تقع بالقرب من نيوارك، والتي احتفظت العائلة بملكيتها ~~منذ ذلك الوقت. (تولى النقيب لاسيلس من إلستون، منصب كبير مساعدي منك، ~~دوق ألبيمارل، خلال الحروب الأهلية.) إن ابن عمي فرانسيس داروين، ~~يمتلك الآن مجموعة كبيرة من دفاتر الحسابات الممهورة في أماكن عديدة ~~بتوقيع منك. وقد تكون لهذه الدفاتر أهمية خاصة لدى خبراء الأثريات أو ~~المؤرخين، وهي تتضمن صورة شخصية للنقيب لاسيلس، مرتديا زيه العسكري، ~~وهي التي كانت لا تزال بحالة جيدة بالرغم ms005 من أن صبيان عائلتنا كانوا ~~يستخدمونها في وقت من الأوقات، كهدف للتدريب على الرماية. ويبدو ~~ويليام داروين في هذه الصورة الشخصية وهو في إلستون، شابا حسن المظهر ~~يرتدي شعرا مستعارا طويلا. # كان لويليام الثالث هذا ولدان، وهما ويليام وروبرت الذي تلقى تعليمه ~~ليصبح محاميا. ورث ويليام ضيعة كليثام، غير أنه قد انقطع نسله من ~~الورثة؛ إذ إنه لم ينجب سوى البنات، وآلت إلى أخيه الأصغر، الذي حصل ~~على ضيعة إلستون كذلك. وعند وفاة والدته، تخلى روبرت عن مهنته واستقر ~~بعد ذلك في ضيعة إلستون هول. وعن روبرت هذا، يكتب تشارلز داروين (ما ~~يلي مقتبس من السيرة الذاتية التي كتبها تشارلز داروين عن جده، كإعلان ~~أولي عن المقال الشائق الذي كتبه إرنست كراوز بعنوان «إيرازموس ~~داروين»، لندن، 1879، صفحة 4): ~~«يبدو أنه كان مهتما بالعلوم؛ فقد كان من الأعضاء الأوائل في نادي ~~سبولدينج الشهير. وقد كتب عنه خبير الآثار المرموق، الدكتور ستوكلي، في ~~كتابه «تقرير عن الهيكل العظمي شبه الكامل لحيوان كبير ...» الذي نشره ~~على أجزاء في مجلة «فيلوسوفيكال ترانزاكشنز» على مدى أبريل ومايو عام ~~1719؛ فهو يبدأ كتابه بما يلي: «لقد عرفت من صديقي روبرت داروين، ~~المحامي بجمعية لينكن للحقوق، وهو رجل تواق إلى المعرفة، بوجود ~~هيكل عظمي بشري متحجر، عثر عليه كاهن إلستون مؤخرا ...» ويتحدث ~~ستوكلي بعد ذلك عن هذا الهيكل على أنه اكتشاف نادر وعظيم للغاية، ~~فيكتب: «لم أسمع قط عن مثيل له قد اكتشف من قبل في هذه الجزيرة.» ~~وبناء على إحدى الصلوات التي كتبها روبرت وتناقلتها العائلة من ~~بعده، يبدو لنا أنه كان من أشد المناصرين للاعتدال في الشراب، الذي قد ~~ظل ولده من أشد المناصرين له طوال حياته كذلك: # من صباح لا يشرق بالنور، # ومن ابن يشرب النبيذ، # ومن زوجة تتحدث اللاتينية، # اللهم احمني، وأنقذني! # من المحتمل أن تكون زوجته، أم إيرازموس، هي المقصودة بالسطر الثالث؛ ~~فقد كانت على قدر عال من المعرفة. وقد ورث الابن الأكبر لروبرت، ~~والذي عمد باسم روبرت وارينج، ضيعة إلستون، وتوفي هناك وهو ms006 في سن ~~الثانية والتسعين، وكان لا يزال عزبا. كان روبرت متذوقا جيدا ~~للشعر، كأخيه الأصغر إيرازموس. كما أنه كان يهتم بعلم النبات، وفي أيام ~~كهولته، نشر كتابه «مبادئ علم النبات». كانت مخطوطة هذا الكتاب قد ~~كتبت بخط رائع، وقد ذكر أبي [الدكتور آر دابليو داروين] أنه يعتقد ~~أنها قد نشرت لأن عمه الأكبر لم يحتمل أن يذهب ذلك الخط البديع ~~سدى. والحق أن ذلك لا يفي الكتاب حقه على الإطلاق؛ إذ كان يتضمن ~~العديد من الملاحظات الشائقة في علم الأحياء، وهو الذي كان من ~~الموضوعات المهملة تماما في إنجلترا في القرن الماضي. بالإضافة إلى ~~ذلك، حظي الكتاب بإعجاب جمهور القراء؛ إذ إن النسخة التي أمتلكها من ~~الطبعة الثالثة له.» # ورث الابن الثاني، ويليام ألفي، ضيعة إلستون، ثم انتقلت ملكيتها إلى ~~حفيدته، وهي الراحلة السيدة داروين، صاحبة ضيعتي إلستون وكريسكيلد. ~~أما الابن الثالث، جون، فقد أصبح كاهن إلستون، حيث إن تعيين الكاهن ~~كان من ضمن سلطات العائلة. وأما الابن الرابع والأصغر، فهو إيرازموس ~~داروين، الشاعر والفيلسوف. # ويوضح المخطط التالي، انحدار تشارلز داروين من روبرت وكذلك علاقته ~~بغيره من أفراد العائلة الذين يرد ذكرهم في مراسلاته. ومن هؤلاء: ~~ويليام داروين فوكس، وهو أحد مراسليه الأوائل، وفرانسيس جالتون، الذي ~~جمعت بينهما أواصر صداقة حميمة امتدت على مدى سنوات عديدة. ويرد ~~أيضا ذكر اسم فرانسيس سيشيفاريل داروين، الذي ورث حب التاريخ الطبيعي ~~من إيرازموس ونقله إلى ابنه إدوارد داروين، الذي ألف كتاب «دليل ~~القائمين على مناطق الصيد» (الطبعة الرابعة، 1863)، مستخدما الاسم ~~المستعار «هاي إلمز» (أشجار الدردار العالية). ويضم هذا الكتاب ~~ملاحظات دقيقة عن عادات أنواع مختلفة من الحيوانات. # من المثير دائما أن نتأمل إلى أي مدى يمكن تتبع سمات المرء ~~الشخصية عبر أسلافه؛ فلقد ورث تشارلز داروين طول القامة من إيرازموس، ~~لكنه لم يرث منه ضخامة الجسم، وأما الملامح، فليس بينه وبين جده من ~~تشابه ملحوظ فيها. ويبدو أيضا أن إيرازموس لم يكن يحب التمرينات ~~البدنية والصيد والرماية، بينما كانت تلك من الأمور التي ms007 كان تشارلز ~~داروين يستمتع بها في شبابه، غير أن إيرازموس كان يشبه حفيده في حبه ~~الجارف للعمل الذهني الشاق. كما أنهما كانا يشتركان في حبهما لفعل ~~الخير والتعاطف مع الآخرين وكذلك ما كانا يتسمان به من جاذبية شخصية ~~كبيرة. كان تشارلز داروين يتمتع بأعلى درجة من «خصوبة الخيال»، وقد ذكر ~~أنها من السمات التي كان يتميز بها إيرازموس بالقوة نفسها كذلك، وأنها ~~كانت عاملا أساسيا في «ميله الشديد إلى التعميم ووضع النظريات.» ~~وأما بالنسبة إلى تشارلز داروين، فلم يكن يسمح لهذه النزعة بأن تتملك ~~منه، بل كان يراقبها دوما؛ إذ كان يصر على اختبار نظرياته إلى أقصى ~~درجة. كان إيرازموس يكن حبا كبيرا للآلات بجميع أنواعها، وذلك ~~على خلاف داروين الذي لم يكن مهتما بها. كما أن داروين لم يكن يتمتع ~~بذلك المزاج الأدبي الذي جعل من إيرازموس شاعرا وفيلسوفا. لقد كتب ~~داروين عن إيرازموس يقول: # 1 ~~«أكثر ما أدهشني في خطاباته هو عدم اكتراثه بالشهرة، ~~وغياب أي أثر يدل على مغالاته في تقييم قدراته، أو نجاح أعماله.» ~~ولا شك في أن هذه السمات تتجلى بوضوح كبير في شخصية داروين نفسه. ~~لكننا لا نملك دليلا على أن إيرازموس كان يتمتع بهذا القدر من ~~التواضع والبساطة الشديدين، اللذين هما من أهم ما كان يميز طباع ~~داروين. لكننا عندما نتأمل نوبات الغضب السريعة التي كان يدخل فيها ~~إيرازموس عندما يشهد أيا من مظاهر الوحشية أو الظلم، نتذكر داروين ~~وطباعه مرة أخرى. # بالرغم من ذلك، فإن ما يبدو لي بصفة عامة هو أننا لا نعرف القدر ~~الكافي عن إيرازموس داروين وطباعه الشخصية الجوهرية؛ ما لا يسمح لنا ~~بأن نعقد أكثر من مقارنة سطحية بين الرجلين. وبالرغم من أوجه الشبه ~~المتعددة بين الاثنين، فإنني أعتقد أنهما كانت لهما شخصيتان ~~مختلفتان. ولقد اتضح أن الآنسة سيوارد والسيدة شيميل بينيك، قد ~~أساءتا التعبير عن شخصية إيرازموس داروين. # 2 # بالرغم من ذلك، فمن المحتمل جدا أن تكون تلك العيوب التي ~~بالغتا في التعبير عنها، تنطبق على الرجل ms008 إلى حد ما؛ مما يدفعني إلى ~~الاعتقاد بأنه لم يكن يخلو من الفظاظة أو حدة المزاج، وهو ما لم ~~يوجد في حفيده. # لقد ورث ابنا إيرازموس داروين شيئا من ميوله الفكرية؛ فقد كتب عنهما ~~تشارلز داروين ما يلي: ~~«كان ابنه الأكبر تشارلز (الذي ولد في الثالث من سبتمبر عام 1758) ~~شابا ذا مستقبل واعد للغاية، لكنه توفي في الخامس عشر من مايو عام ~~1778 قبل أن يبلغ من العمر واحدا وعشرين عاما، إثر جرح قد أصابه ~~بينما كان يجري تشريحا لدماغ طفل. ورث من أبيه حبه الشديد لفروع ~~مختلفة من العلوم، وكذلك كتابة الشعر، والميكانيكا ... كما أنه قد ورث ~~التلعثم في الحديث، وقد أرسله والده إلى فرنسا وهو في الثامنة تقريبا ~~(1766-1767) مع معلم خاص أملا في أن يفلح ذلك في علاجه؛ إذ كان ~~يعتقد أنه إن لم تتح له الفرصة في التحدث بالإنجليزية لبعض الوقت، ~~فستزول عنه عادة التلعثم. ومن الغريب أنه لم يكن يتلعثم قط في السنوات ~~التالية حين كان يتحدث الفرنسية. بدأ منذ الصغر في جمع العينات بجميع ~~أنواعها. وفي السادسة عشرة من عمره بعث لمدة عام إلى جامعة أكسفورد ~~[كلية كنيسة كرايست]، لكن المكان لم يرق له؛ فقد كان يعتقد (كما ~~عبر عن ذلك والده) «أن ذهنه المتوقد قد فتر في سعيه هذا إلى طلب ~~الوجاهة الكلاسيكية، مثلما وهن هرقل إذ انكفأ على مغزله، وكان يتوق ~~إلى الانتقال إلى كلية الطب في إدنبرة؛ حيث الدراسة والممارسة ~~المكثفة.» مكث في إدنبرة ثلاث سنوات، كان يجتهد خلالها في دراسته للطب ~~ويرعى «المرضى الفقراء في أبرشية ووترليث بكل اجتهاد وعناية، ويوفر ~~لهم الأدوية اللازمة.» منحته جمعية إسكيليبيان وسامها الذهبي الأول ~~عن بحث تجريبي قام به عن الصديد والمخاط. وورد ذكره في العديد من ~~المجلات، وقد اتفق جميع الكتاب على ما يتمتع به من طاقة وقدرات ~~متميزة. ويبدو أنه كان محبوبا من أصدقائه، كما كانت الحال أيضا مع ~~والده؛ فقد تحدث عنه ... البروفيسور أندرو دانكان ... بعد وفاته بسبعة ~~وأربعين عاما بأصدق ms009 العواطف، وذلك حينما كنت أدرس الطب في إدنبرة ~~... # وأما عن ابنه الثاني إيرازموس (الذي ولد عام 1759)، فليس لدي ~~الكثير لأقوله؛ فبالرغم من أنه كان يكتب الشعر، فيبدو أنه لم يرث من ~~والده اهتماماته الأخرى، وإنما كانت له اهتماماته المميزة، وهي: علم ~~الأنساب، وجمع العملات المعدنية والإحصاء؛ فعندما كان صبيا، أحصى ~~جميع المنازل في مدينة ليتشفيلد وتوصل إلى عدد السكان في معظمها؛ وهو ~~بذلك قد قام بتعداد للسكان، وحين أجري تعداد فعلي للمرة ~~الأولى، تبين أن التقدير الذي توصل إليه يقترب من الدقة إلى حد ~~كبير. وكان خجولا هادئ الطباع، وقد كان والدي يؤمن بقدراته إيمانا ~~كبيرا، والأرجح أن ذلك كان حقيقيا، وإلا لما دعي إلى السفر مع ~~العديد من الشخصيات الهامة المميزة في مختلف المجالات وقضاء وقت طويل ~~معهم، ومن هؤلاء المهندس بولتون والروائي والفيلسوف الأخلاقي ~~داي.» ويبدو أن حالة من الجنون قد بدأت تتملك عقله، مما أدى إلى إقدامه ~~على الانتحار الذي أفضى إلى موته في عام 1799. # ولد روبرت وارينج، والد تشارلز داروين، في الثلاثين من مايو عام ~~1766، والتحق بمهنة الطب كوالده. درس لبضعة أشهر في جامعة لايدن، وحصل ~~على شهادة الطب منها في السادس والعشرين من فبراير عام 1785. إن والده ~~إيرازموس «قد أرسله # 3 # إلى شروزبيري قبل أن يتم عامه الحادي والعشرين (1787)، ~~وترك له عشرين جنيها، قائلا: «أخبرني حين تريد المزيد وسوف أرسل لك ~~المبلغ الذي تريده.» ثم أرسل له عمه، كاهن إلستون، عشرين جنيها غيرها ~~وكان ذلك هو كل ما تلقاه من مساعدة مالية ... وقد أخبر إيرازموس ~~السيد إيدجوورث أنه بعدما استقر ابنه روبرت في شروزبيري لمدة ستة ~~أشهر فقط، «كان عدد مرضاه يتراوح بين الأربعين والخمسين.» وبحلول عامه ~~الثاني هناك، اتسع عمله وظل في ازدياد منذ ذلك الحين.» # تزوج روبرت وارينج داروين في (18 أبريل عام 1796) من سوزانا، وهي ~~ابنة صديق والده، جوزايا ويدجوود، وهو من إتروريا، وهي التي كانت في ~~ذلك الوقت في الثانية والثلاثين من عمرها. لدينا صورة صغيرة جدا لها ~~ظهرت فيها بوجه ms010 جميل وسعيد، والذي نجد أن بها بعض الشبه من الصورة ~~الشخصية التي رسمها لوالدها السير جوشوا رينولدز؛ إذ تبدو في طلعتها ~~ملامح الرقة والود، وهو ما تصفه بها الآنسة ميتيارد. # 4 # ولقد توفيت في الخامس عشر من يوليو عام 1817، قبل وفاة ~~زوجها باثنين وثلاثين عاما؛ إذ توفي في الثالث عشر من نوفمبر عام ~~1848. كان الدكتور داروين قد عاش قبل زواجه في شارع سان جونز هيل ~~لعامين أو ثلاثة، ثم انتقل بعد ذلك إلى حارة ذا كريسنت، حيث ولدت ~~ابنته الكبرى ماريان، ثم انتقل في النهاية إلى ذا ماونت الذي يقع في ~~ذلك الجزء من شروزبيري الذي يعرف باسم فرانكويل، والذي شهد مولد جميع ~~أبنائه الآخرين. بنى الدكتور داروين منزل ذا ماونت عام 1800 تقريبا، ~~وقد انتقل الآن إلى ملكية السيد سبنسر فيليبس وخضع إلى بعض التغييرات ~~الطفيفة. المنزل كبير وبسيط ومربع الشكل، وقد بني بالطوب الأحمر، ~~وتعد تلك الصوبة الزراعية التي تطل عليها غرفة الجلوس النهارية أكثر ~~معالمه تميزا. # يقع هذا المنزل في موقع ساحر على قمة ضفة تنحدر نزولا إلى نهر ~~السيفرن. ويوجد على هذه الضفة المدرجة ممشى طويل، يمتد من ~~بدايتها إلى نهايتها، وهو لا يزال يدعى باسم «ممشى الدكتور». وفي ~~مكان ما على هذا الممشى تنمو شجرة كستناء حلو، وهي التي تنحني ~~أغصانها إلى الوراء مرة أخرى بالتوازي بعضها مع بعض بطريقة غريبة، ~~وقد كانت تلك هي الشجرة المفضلة لتشارلز داروين حينما كان صبيا، ~~وهي التي كان له ولأخته كاثرين فيها مقعد خاص بكل منهما. # كان الدكتور يجد في الاعتناء بحديقته سرورا كبيرا، فكان يزرعها ~~بأشجار الزينة وشجيراتها، كما أنه قد نجح في زراعة أشجار الفاكهة على ~~وجه الخصوص، وأعتقد أن حبه للنباتات هو كل ما كان يمتلكه من ميل ~~قد يمت بصلة إلى التاريخ الطبيعي. وبالنسبة إلى «حمام ذا ماونت» ~~الذي تصفه الآنسة ميتيارد بأنه يوضح اهتمام الدكتور بالتاريخ ~~الطبيعي، فذلك مما لم أسمع به ممن هم أكثر دراية منها ومعرفة بالرجل. ~~إن رواية الآنسة ميتيارد ms011 عنه ليست دقيقة في عدة نقاط؛ فهي تذكر ~~مثلا، أن الدكتور داروين كان يميل إلى التفكير الفلسفي، والواقع أنه ~~كان يميل إلى الاهتمام بالتفاصيل، لا التعميم. وكذلك فإن الذين عرفوه ~~عن قرب يذكرون أنه لم يكن يأكل إلا أقل القليل؛ ولهذا فإنه لم يكن ~~«أكولا يتناول إوزة على العشاء بالسهولة التي يتناول بها غيره من ~~الرجال طائرا من نوع الحجل.» # 5 # أما فيما يتعلق بذوقه في اللبس، فقد كان تقليديا ~~متحفظا، وظل حتى آخر حياته يرتدي السراويل القصيرة التي تصل إلى ~~الركبتين، والجراميق القماشية، والتي لم تصل بالتأكيد إلى ما فوق ~~الركبة، كما قالت بذلك الآنسة ميتيارد، وإنما كان ما وصفته زيا ~~يرتديه بصفة أساسية رماة القنابل اليدوية في عهد الملكة آن، وكذلك ~~قطاع الأخشاب وعمال الحرث في العصر الحديث. # كان تشارلز داروين يكن أقوى مشاعر الحب والاحترام لذكرى والده. ~~وقد كان يتذكر كل ما يتعلق به بوضوح شديد، وكثيرا ما كان يتحدث ~~عنه؛ فغالبا ما كان يبدأ أي حكاية سيرويها عنه بأن يقول مثلا: «كان ~~والدي، وهو أحكم من عرفت من الرجال ...» ومن المدهش أنه كان يتذكر آراء ~~والده بكل وضوح؛ ومن ثم، فقد كان بإمكانه أن يذكر بعض مبادئه أو ~~إرشاداته في معظم الحالات المرضية. وبصفة عامة، فإنه لم يكن يثق ~~كثيرا بالأطباء؛ لذا فإن ثقته المطلقة فيما يتمتع به الدكتور داروين ~~من قدرة ومهارة في الطب وكذلك في أساليب العلاج التي كان يتبعها لهو ~~أمر أكثر غرابة. # لقد كان يبجله تبجيلا لا محدودا وصادقا. كان يميل للتخلي عن ~~عاطفته في أي رأي يصدره على الإطلاق، أما ما يرد من والده، فقد ~~كان يصدقه ويثق به ثقة شبه مطلقة. لقد ذكرت ابنته السيدة ~~ليتشفيلد أنها تتذكر قوله بأنه يتمنى ألا يصدق أي من أبنائه شيئا ~~لأنه قد قاله، ما لم يكونوا هم مقتنعين بأن تلك هي الحقيقة؛ وهي ~~رغبة تتعارض تعارضا صارخا مع سلوكه فيما يتعلق بتصديق ما ورد عن ~~والده. # استطاعت ابنة تشارلز داروين من خلال الزيارة ms012 التي قامت بها هي وهو ~~إلى شروزبيري عام 1869 أن تدرك بوضوح مدى حبه لمنزله القديم؛ فقد راح ~~قاطن المنزل آنذاك يطوف بهم في أرجائه، وقد أخطأ في التقدير وظل ~~مصاحبا لهم على مدى الزيارة كلها، ظنا منه أن ذلك من حسن ضيافته ~~لهم . وبينما كانوا يغادرون، قال تشارلز داروين وفي عينيه نظرة ندم قد ~~امتزجت بالأسى: «لو كان بإمكاني أن أختلي بنفسي في تلك الصوبة لمدة ~~خمس دقائق، لكان باستطاعتي تخيل والدي على كرسيه المتحرك بكل وضوح ~~وكأنه هناك أمامي.» # ولعل هذه الحادثة توضح ما أعتقد أنه الحقيقة، وهو أن أكثر ما ~~كان يحبه تشارلز داروين من ذكريات والده، هي ذكرياته حين كان مسنا. ~~وقد كتبت السيدة ليتشفيلد بعض الكلمات التي تصور مشاعره تجاه والده ~~تصويرا جيدا؛ فهي تصفه وهو يقول بنبرة في غاية الرقة والاحترام: ~~«أعتقد أن أبي كان متحاملا علي قليلا حينما كنت صغيرا، غير ~~أنني أشعر بالامتنان إذ توطدت علاقتي به بعد ذلك وأصبحت من أقرب ~~الناس إليه.» وهي تتذكر بوضوح شديد التعبير الذي خالطه وهو يقول تلك ~~الكلمات؛ فقد كان يرددها وكأنه في حلم سعيد، وكأنه يستعيد العلاقة ~~كلها في ذاكرته وقد تركته الذكرى في حالة من السلام والامتنان ~~العميقين. # وفيما يلي مقتطف كتبه تشارلز داروين في سيرته الذاتية، وذلك في عام ~~1877 أو 1878: # أعتقد أنني سأضيف هنا بضع صفحات عن والدي، الذي كان رجلا عظيما من ~~نواح عديدة. # لقد كان يبلغ من الطول ستة أقدام وبوصتين، وقد كان عريض الكتفين ~~وممتلئ الجسم بحيث كان أضخم رجل عرفته على الإطلاق. وفي آخر مرة قد ~~وزن فيها نفسه، كان يزن 24 ستونا، لكن وزنه قد ازداد بعد ذلك بدرجة ~~كبيرة. وقد كانت أهم سماته الذهنية هي قوة الملاحظة والقدرة على ~~التعاطف، ولم أعرف قط أحدا تفوق عليه في هاتين الصفتين أو كان ~~ندا له فيهما. ولم تكن ملكة التعاطف لديه تقتصر على التعاطف مع ~~أحزان من هم حوله فحسب، وإنما مع أفراحهم أيضا، بل إنه كان ms013 يتعاطف مع ~~أفراحهم بدرجة أكبر. ولهذا فقد كان دائما ما يسعى إلى إسعاد ~~الآخرين، والقيام بالعديد من الأعمال الخيرية، وذلك بالرغم من كرهه ~~للإسراف في العطاء؛ فعلى سبيل المثال، أتاه في أحد الأيام السيد ب... وهو ~~أحد صغار المصنعين في شروزبيري، وقال له إنه سيفلس إن لم يتمكن من ~~اقتراض عشرة آلاف جنيه في الحال، لكنه لا يستطيع أن يقدم على ذلك ~~أي ضمانة قانونية، فسمع منه والدي ما يبرر أنه سيتمكن من رد هذا ~~المبلغ في النهاية، وقد تيقن بما له من حدس رائع، أن الرجل محل ~~ثقة؛ ومن ثم، أقرضه ذلك المبلغ، الذي كان مبلغا كبيرا جدا ~~بالنسبة إليه، إذ كان لا يزال شابا، لكن الرجل رده إليه بعد ~~فترة من الوقت. # أعتقد أن ملكة التعاطف لديه هي ما مهد له تلك القدرة المطلقة على ~~الفوز بثقة الآخرين، مما ساهم في النجاح العظيم الذي حققه في ممارسة ~~الطب. لقد بدأ في العمل قبل أن يبلغ من العمر واحدا وعشرين عاما، وقد ~~استطاع من أتعابه التي جمعها خلال السنة الأولى أن يحتفظ بفرسين ~~ويستعين بخادم. وفي السنة التالية، ازداد عمله وتوسع، وقد استمر هذا ~~التوسع لمدة ستين عاما، توقف بعدها عن عيادة أي شخص. والواقع ~~أن نجاحه الكبير في مهنة الطب لهو أمر مدهش للغاية؛ فقد أخبرني أنه ~~كان يبغض عمله بشدة في البداية؛ فما كان لأي شيء أن يدفعه إلى ~~الاستمرار فيه على الإطلاق لو أنه كان يمتلك أي دخل ولو زهيد، أو ~~لئن أتاح له والده أي خيار آخر. لقد ظل حتى آخر حياته يكاد يشعر ~~بالغثيان من مجرد التفكير في العمليات الجراحية، ولم يكن يطيق أن يرى ~~شخصا ينزف - وهو سبب من أسباب الرعب قد نقله إلي - وإنني لأتذكر ~~الرعب الذي انتابني حين قرأت وأنا صغير في أيام الدراسة عن بليني (على ~~ما أعتقد)، الذي ظل ينزف وهو في حمام ساخن حتى مات ... # وبفضل قدرات والدي في اكتساب ثقة الناس، فقد كان العديد من المرضى - ~~ولا ms014 سيما النساء - يستشيرونه فيما يهمهم من أي ألم أو ضيق، في شكل ~~هو أقرب إلى الاعتراف الذي يسرون به للقس في الكنيسة. لقد أخبرني ~~بأنهم غالبا ما كانوا يبدءون بالشكوى من صحتهم بصورة عامة ومبهمة، ~~لكنه سرعان ما كان يبدأ في تخمين حقيقة الأمر من خلال الخبرة التي ~~اكتسبها في هذا المجال. فكان يخبرهم بأن العلة في عقولهم؛ ومن ثم ~~يخبرونه بمشكلاتهم، ولا يعود يسمع أي شكوى عن الجسد ... وبفضل مهارة ~~والدي في الفوز بثقة الناس، استمع إلى اعترافات غريبة عن التعاسة ~~والذنب. لقد كان يشير كثيرا إلى هذا العدد الكبير من الزوجات التعيسات ~~اللائي عرفهن. في حالات عديدة، كان الأزواج وزوجاتهم يعيشون في جو ~~من التفاهم لمدة عشرين أو ثلاثين عاما، ثم تدب بينهم الكراهية ~~المريرة؛ وهو ما كان يعزوه إلى تلك الرابطة المشتركة التي يفقدها الزوج ~~وزوجته عندما يكبر أطفالهما. # لكن الملكة الأبرز التي كان يمتلكها والدي هي قراءة شخصيات الناس، ~~حتى إنه كان يقرأ أفكار من يلتقي بهم ولو لفترة قصيرة. وقد شهدنا ~~العديد من الأمثلة على هذه الملكة، حتى إن بعضها كان يبدو خارقا ~~للطبيعة. وقد حفظ ذلك والدي من صداقة من لا يستحقون صداقته (فيما ~~عدا رجلا واحدا، كان هو الاستثناء الوحيد وهو الذي سرعان ما اتضحت ~~حقيقته). لقد كان كاهنا غريبا أتى إلى شروزبيري وقد بدا عليه أنه ~~رجل ثري، فراح الجميع يزورونه ودعاه معظم الناس إلى بيوتهم. وكذلك ~~زاره أبي، وعندما رحل أبي عائدا إلى منزله، طلب من أخواتي ألا يدعون ~~هذا الشخص ولا أي فرد من أسرته إلى منزلنا؛ إذ إنه غير جدير ~~بالثقة. وبعد بضعة أشهر، هرب فجأة وهو غارق في الديون، ثم اتضح أنه ~~محتال محترف. ولدينا أيضا مثال آخر عن الثقة التي لم يكن ليغامر ~~بمنحها إلا قلة من الرجال؛ فهناك رجل أيرلندي زار والدي في أحد ~~الأيام، وهو غريب عن البلد تماما، وأخبره بأن محفظته قد ضاعت، وأنه ~~سيتضرر كثيرا إن انتظر في شروزبيري حتى تأتيه حوالة من ms015 أيرلندا. وقد ~~طلب من والدي أن يقرضه عشرين جنيها، وهو ما حدث على الفور؛ إذ شعر ~~والدي بأن القصة حقيقية. وفي أول موعد لوصول الخطابات من أيرلندا، ~~ورد خطاب به تعبير عن وافر الشكر، وإشارة إلى تضمنه ورقة نقدية ~~بقيمة عشرين جنيها إسترلينيا، غير أنه لم يكن به أي ورقة نقدية. سألت ~~والدي عما إذا كان ذلك قد أدهشه، لكنه أجابني «كلا، على الإطلاق.» وفي ~~اليوم التالي، ورد خطاب آخر يعتذر الرجل فيها كثيرا؛ إذ نسي (كما هي ~~عادة الرجال الأيرلنديين) أن يضع الورقة النقدية في خطاب اليوم ~~السابق ... [أحد الرجال الأفاضل] أحضر ابن أخيه إلى والدي، وقد كان هذا ~~الفتى لطيفا لكن به علة في عقله قد جعلته يتهم نفسه بارتكاب ~~جميع الجرائم المعروفة. وعندما ناقش والدي بعد فترة أمر الفتى مع عمه، ~~قال له: «إنني متأكد من أن ابن أخيك قد ارتكب ... جريمة شنيعة.» ~~وعندئذ قال [الرجل الفاضل]: «يا إلهي! من أخبرك يا دكتور داروين؟ لقد ~~ظننا أنه لا أحد يعرف بالأمر غيرنا!» لقد أخبرني والدي بهذه القصة بعد ~~عدة سنوات من حدوثها، وقد سألته كيف استطاع أن يميز بين الاتهامات ~~الزائفة التي كان يوجهها الفتى إلى نفسه وبين الاتهامات الحقيقية؛ ~~فما كان منه إلا أن يخبرني، كعادته، بأنه لا يستطيع أن يشرح ~~الأمر. # وستوضح القصة التالية قدرة والدي الجيدة على التخمين. كان ~~اللورد شيلبيرن، والذي أصبح فيما بعد الماركيز الأول في لانزداون، ~~مشهورا (كما يذكر ماكولي في موضع ما) بمعرفته بشئون أوروبا، وهو أمر ~~كان يعتز به كثيرا. وكان قد استشار والدي في مسألة طبية، ثم راح ~~يخاطبه بلهجة حادة عن شئون هولندا. وكان والدي قد درس الطب في لايدن، ~~وفي أحد الأيام [بينما كان هناك] قام بجولة طويلة في الريف مع صديق ~~اصطحبه إلى بيت كاهن هناك (وسندعوه هنا بالمبجل السيد أ... إذ إنني ~~قد نسيت اسمه)، وكان هذا الكاهن متزوجا من امرأة إنجليزية. كان والدي ~~جائعا جدا، ولم يكن لديهم على الغداء سوى الجبن، ولم ms016 يكن والدي ~~يتناوله أبدا. كانت السيدة العجوز مندهشة وحزينة لذلك، وظلت تؤكد ~~لوالدي أنه جبن ممتاز قد أرسل إليهما من بوود، وهي مقر اللورد ~~شيلبيرن. لقد تعجب والدي من إرسال هذا الجبن من بوود، لكنه لم يفكر في ~~الأمر أكثر من ذلك إلى أن لاح مرة أخرى في ذهنه بعد ذلك بسنوات ~~عديدة، بينما كان اللورد شيلبيرن يتحدث عن هولندا. فأجابه: «لا بد ~~أن الموقر السيد أ... كان رجلا مهما للغاية وعلى دراية جيدة ~~بأمور هولندا.» استطاع والدي أن يدرك أن الإيرل، والذي قد غير موضوع ~~المحادثة فورا، قد بهت واندهش للغاية. وفي الصباح التالي، تلقى ~~والدي خطابا من الإيرل يقول فيه إنه قد أجل موعد البدء في رحلته؛ إذ ~~إنه يرغب في رؤية والدي. وحين أتى، تحدث الإيرل إلى والدي قائلا: ~~«دكتور داروين، إنه لأمر في غاية الأهمية لي وللموقر السيد أ... أن ~~نعرف كيف اكتشفت أنه مصدر معلوماتي عن هولندا.» ومن ثم، فقد اضطر ~~والدي أن يشرح ما حدث فجعله يتوصل إلى هذه النتيجة، وقد رأى أن ~~اللورد شيلبيرن كان معجبا للغاية بقدرة والدي الكبيرة على التخمين؛ إذ ~~على مدى سنوات عديدة بعدها، ظل يتلقى منه العديد من الخطابات اللطيفة ~~عن طريق عدد من الأصدقاء. وأعتقد أنه ولا بد قد حكى هذه القصة إلى ~~أولاده؛ إذ سألني السير سي لايل قبل عدة أعوام عن سبب ما عبر عنه ~~ماركيز لانزداون (وهو ابن أو حفيد الماركيز الأول) من اهتمام كبير بي ~~وبعائلتي، وهو الذي لم يرني من قبل. وحين أضيف إلى نادي الأثنيام ~~أربعون من الأعضاء الجدد (وقد كانوا يدعون حين ذاك باسم الأربعين ~~لصا)، كان هناك الكثير من النقاش بشأن انضمامي معهم، وبدون أن أطلب ~~ذلك من أحد، قدمني اللورد لانزداون وأصبحت عضوا منتخبا. وإذا كنت ~~محقا في افتراضي، فقد كانت تلك سلسلة غريبة من الأحداث أن يكون عدم ~~تناول والدي للجبن قبل نصف قرن في هولندا، قد أدى إلى أن أصبح عضوا ~~منتخبا في نادي الأثنيام. # إن ms017 حدة ملاحظته قد جعلته قادرا على أن يتنبأ بالمسار الذي سيتخذه ~~أي مرض بمهارة فائقة، وكان يقدم عددا لا نهائيا من التفاصيل ~~التي تؤدي إلى شعور المرضى بالارتياح. لقد سمعت عن طبيب شاب في ~~شروزبيري كان يكره والدي وهو الذي كان يزعم أنه لم يكن علميا على ~~الإطلاق، غير أنه كان يتمتع بالقدرة على التنبؤ بنهاية أي مرض ~~بدقة لا مثيل لها. وحين كان أبي يرى في السابق أن علي أن أصبح ~~طبيبا، كان يحدثني كثيرا عن مرضاه. وقد كانت ممارسة الفصد منتشرة في ~~الماضي على نحو كبير، غير أن والدي كان يرى أنها تضر أكثر مما تفيد، ~~حتى إنه كان ينصحني بألا أدع أي طبيب يستخرج مني سوى كمية ضئيلة ~~جدا من الدم، إن مرضت في أحد الأيام. وقبل أن يجرى تمييز حمى ~~التيفود عن غيرها بوقت طويل، أخبرني والدي بأن مصطلح حمى ~~التيفود يطلق على نحو خاطئ على نوعين مختلفين تماما من الحمى. وقد ~~كان يعارض تناول الكحوليات معارضة قاطعة، وكان مقتنعا بأن ~~تناولها بانتظام، حتى إن كان بكميات معقولة، يتسبب في أضرار شديدة، ~~بعضها يحدث مباشرة والبعض الآخر ينتقل بالوراثة، وذلك في الغالبية ~~العظمى من الحالات. غير أنه قد أقر بأن بعض الأشخاص قد يتناولون ~~كميات كبيرة من الكحوليات طوال حياتهم دون أن تظهر عليهم أي أضرار ~~يعانون منها، وقدم بعض الأمثلة على ذلك، وقد كان يرى أنه يستطيع أن ~~يعرف هؤلاء الذين لن يعانوا من هذه الأضرار مقدما. وأما عنه، فهو ~~لم يتناول ولا قطرة واحدة من أي شراب كحولي. وتذكرني هذه الملاحظة ~~بحالة توضح كيف يمكن أن يكون أحد الشهود مخطئا تماما، حتى إن ~~كانت الظروف مواتية؛ فقد حث والدي أحد الرجال الأفاضل من ~~المزارعين على ألا يتناول الكحوليات، وقد شجعه على ذلك بأن أخبره ~~بأنه هو نفسه لم يمس قط أي شراب روحي؛ وعندئذ قال هذا الرجل ~~لوالدي: «حنانيك أيها الطبيب! إنني لا أصدق هذا، غير أنه لطف منك ~~أن تخبرني بذلك حرصا على ms018 صحتي، لكنني أعرف أنك تتناول كأسا كبيرة ~~للغاية تتضمن مزيجا من الماء الساخن والجن كل مساء بعد عشائك.» ~~فسأله والدي كيف تسنى له أن يعرف هذا، وقد أجاب الرجل: «كانت طاهيتي ~~تعمل لديك خادمة في المطبخ لسنتين أو ثلاث، وقد رأت الساقي يعد خليط ~~الجن والماء ويذهب بهما إليك.» والواقع أن والدي كانت لديه تلك ~~العادة الغريبة بأن يشرب بعد عشائه ماء ساخنا في كأس طويلة وكبيرة ~~للغاية، وقد اعتاد الساقي أن يضع بعض الماء البارد أولا في ~~الكأس، وهو ما ظنت الفتاة أنه شراب الجن، ثم يملأ الكأس بالماء ~~المغلي من غلاية المطبخ. # لقد كان أبي يخبرني بالكثير من التفاصيل الصغيرة التي اكتشف أنها ~~مفيدة في ممارسته لمهنة الطب؛ فقد كانت النساء يبكين كثيرا حين كن ~~يخبرنه بمشكلاتهن، وهو ما كان يضيع الكثير من وقته الثمين، وسرعان ما ~~اكتشف أنه حين كان يطلب منهن تمالك أنفسهن والتوقف عن البكاء، ما ~~كان ذلك يزيدهن إلا بكاء ونحيبا؛ لذا فقد كان يحثهن على الاستمرار ~~في البكاء، مخبرا إياهن بأن ذلك هو ما سيخفف عنهن أكثر من ~~أي شيء آخر، ودائما ما كانت النتيجة هي توقفهن عن البكاء، مما ~~يتيح له الاستماع جيدا لحالاتهن وتقديم النصيحة المطلوبة. وحين كان ~~مرضاه الذين ساءت حالتهم يشتهون أنواعا غريبة وغير معتادة من الأطعمة، ~~كان يسألهم عما دفع هذه الفكرة في عقولهم، وإن أجابوا بأنهم لا يعرفون، ~~فإنه كان يسمح لهم بتناول ما يشتهون، وغالبا ما كان ينجح الأمر؛ إذ ~~كان يثق بأنها رغبة غريزية لديهم فحسب، أما إذا أجابوا بأنهم قد ~~سمعوا أن ذلك الطعام قد أفاد شخصا آخر في حالته المرضية، فإنه لم ~~يكن يعطي موافقته على الإطلاق. # لقد قدم في أحد الأيام لمحة صغيرة وغريبة عن الطبيعة البشرية. كان ~~ذلك حين كان شابا صغيرا إذ دعي إلى زيارة أحد الرجال المميزين ~~في شروبشاير مع طبيب العائلة، وتقديم المشورة في حالته. وقد أخبر ~~الطبيب العجوز الزوجة بأن هذا المرض سينتهي بالموت لا محالة. أما ms019 ~~أبي، فقد كان له رأي آخر وقال بأن الرجل سيتعافى، غير أنه كان ~~مخطئا تماما (وذلك عند تشريح الجثة على ما أعتقد)، وقد أقر أبي ~~بخطئه. وكان مقتنعا حينئذ بأنه يجب ألا يقدم المشورة إلى هذه ~~الأسرة مجددا، غير أن أرملة هذا الرجل قد أرسلت إليه بعد ذلك ~~ببضعة أشهر؛ إذ لم تعد تستعين بخدمات طبيب الأسرة العجوز. كان أبي ~~مندهشا لذلك للغاية، حتى إنه قد طلب من أحد أصدقاء الأرملة أن يسأل عن ~~السبب الذي دفعهم إلى أخذ مشورته مجددا. فأجابت الأرملة هذا الصديق ~~بأنها «لن ترى ثانية هذا الطبيب الكريه العجوز الذي قال من البداية ~~إن زوجها سوف يموت بالتأكيد، على العكس من الدكتور داروين الذي كان ~~يؤكد دوما أنه سيتعافى!» وفي حالة أخرى، كان والدي قد أخبر ~~سيدة بأن زوجها سوف يموت لا محالة، ثم رأى والدي هذه السيدة بعد وفاة ~~زوجها بعد ذلك بعدة أشهر، وقد كانت سيدة حكيمة فقالت له: «إنك ما تزال ~~صغيرا للغاية؛ فاسمح لي أن أنصحك بأن تمنح الأمل لأي شخص يرعى ~~قريبا له، طالما أمكنك ذلك. لقد جعلتني أشعر باليأس، ومنذ هذه ~~اللحظة خارت قواي.» وقد كان أبي يقول إنه من ذلك الحين، أدرك الأهمية ~~القصوى لإعطاء الأمل لمن يقوم على رعاية المريض؛ إذ إن ذلك يحافظ ~~على تماسكه وقوته، مما يصب في مصلحة المريض. وقد كان يواجه صعوبة في ~~فعل ذلك أحيانا لأنه يتعارض مع الحقيقة. غير أنه في إحدى المرات قد ~~أنقذه سيد عجوز من تلك الحيرة. كان السيد ب... قد أرسل في طلب والدي ~~لاستشارته، قائلا: «بناء على كل ما رأيته وسمعته عنك، فإنني أثق ~~بأنك ستخبرني الحقيقة، وأنني إن سألتك متى سأموت، فسوف تجيبني. والآن ~~فإنني أرغب بشدة في أن تشرف على حالتي، إن وعدتني بألا تخبرني أنني ~~سأموت، مهما قلت لك.» وقد قبل والدي ذلك على أساس هذا الاتفاق الذي ~~يعني أن كلامه لن يكون له في الواقع أي معنى على الإطلاق. # لقد كان والدي يتمتع ms020 بذاكرة استثنائية، لا سيما في تذكر التواريخ، ~~حتى إنه كان لا يزال يتذكر وهو في كبره تواريخ الميلاد والزواج ~~والوفاة لعدد كبير من الناس في شروبشاير، وقد أخبرني ذات يوم أن ~~هذه الملكة تزعجه؛ فقد كان يحفظ أي تاريخ فور أن يسمعه، ولا يمكنه أن ~~ينساه ؛ ومن ثم، فلطالما كان يتذكر تواريخ وفاة العديد من أصدقائه ~~ويتذكرهم، فيشعر بالحزن. وبفضل ما كان يتمتع به من ذاكرة استثنائية، ~~فقد كان يعرف عددا هائلا من القصص المشوقة الغريبة، والتي كان ~~يحب أن يرويها؛ إذ كان متحدثا بارعا. لقد كان بوجه عام شخصا ~~مرحا؛ يضحك ويمزح مع الجميع، وفيهم خدمه، بمنتهى الأريحية، غير ~~أنه كان يعرف كيف يجعل الجميع يطيعون أوامره بحذافيرها. لقد كان العديد ~~من الناس يخشونه بشدة؛ فقد حكى لنا والدي ذات يوم وهو يضحك أن بعض ~~الناس قد سألوه عما إذا كانت الآنسة ... وهي سيدة عجوز مهيبة في ~~شروبشاير، قد زارته، فتساءل عن السبب الذي دفعهم إلى سؤاله، وقد أخبروه ~~بأن الآنسة ... التي كان أبي قد أغضبها بشدة، قد راحت تخبر الجميع ~~بأنها ستزور وتخبر «هذا الطبيب السمين العجوز برأيها فيه بكل صراحة.» ~~وقد زارته بالفعل، لكن شجاعتها قد خانتها، وقد كانت معه في غاية اللطف ~~والود. وحين كنت صبيا، ذهبت كي أمكث في منزل ... وقد كانت زوجته بها ~~بعض الجنون، وفور أن رأتني هذه المسكينة، تملكت منها أشد حالات ~~الهلع التي رأيتها على الإطلاق؛ فقد راحت تنتحب بمرارة وتسألني مرارا ~~وتكرارا: «هل سيأتي والدك؟» غير أنه سرعان ما هدأ روعها. وعند عودتي ~~إلى المنزل، سألت والدي عن سبب هلعها، فقال إنه سعيد بسماع ذلك؛ إذ ~~إنه قد تعمد إخافتها لأنه رأى أنها ستعيش في مأمن ودون تقييد لحريتها ~~إن نجح زوجها في التأثير عليها، حينما تنتابها نوبات العنف، بأن يخبرها ~~بأنه سيبعث في طلب الدكتور داروين، وقد كانت هذه الكلمات تنجح في ~~تهدئتها في كل مرة على مدى ما تبقى من حياتها الطويلة. # لقد كان أبي حساسا للغاية؛ لذا ms021 فقد كانت العديد من الوقائع ~~الصغيرة تزعجه أو تؤلمه بشدة. لقد سألته ذات مرة بعد أن كبرت سنه ~~ولم يعد قادرا على السير، عن السبب في عدم الخروج والتنزه بالعربة، ~~فأجابني: «إن كل طريق خارج شروزبيري يرتبط في ذهني بحادث أليم.» ~~لكنه فيما عدا ذلك، كان شخصا مرحا في معظم الأحوال. وبالرغم من أنه ~~كان يغضب بشدة بسهولة، فإن عطفه كان هائلا ولا حدود له. وقد كان ~~محبوبا بشدة من الجميع. # لقد كان رجل أعمال جيدا وحريصا؛ فنادرا ما خسر أي نقود في ~~أي استثمار، وقد ترك لأولاده إرثا كبيرا للغاية. وإنني أتذكر الآن ~~قصة توضح مدى السهولة التي تنشأ بها المعتقدات العارية من الصحة ~~وتنتشر انتشارا واسعا. كان السيد إي ... وهو من ملاك الضياع في إحدى ~~أقدم العائلات في شروبشاير، وشريك كبير في أحد المصارف، قد انتحر، وقد ~~بعثوا في طلب والدي من باب الواجب، لكنه وجده ميتا بالفعل. وأريد أن ~~أذكر هنا، لأوضح كيفية تدبير مثل هذه الأمور في هذه الأيام الخوالي، ~~أنه لما كان السيد إي ... رجلا عظيما يحترمه الجميع، فلم يجر تحقيق ~~بخصوص موته. وعند عودة أبي إلى المنزل، رأى أنه يجب عليه الذهاب إلى ~~المصرف (الذي كان لديه حساب فيه) لكي يخبر الشركاء التنفيذيين بما ~~حدث؛ فلم يكن من المستبعد أن يتسبب ذلك في سحب كثير من الناس ~~لأموالهم من البنك. وقد انتشرت شائعة انتشارا كبيرا وواسعا، مفادها ~~أن والدي ذهب إلى المصرف وسحب جميع أمواله، وغادر البنك ثم عاد ~~مجددا، وقال: «يمكنني أن أخبركم بأن السيد إي ... قد قتل نفسه.» ثم ~~غادر. يبدو أنه كان هناك اعتقاد شائع حينها بأن النقود التي تسحبها ~~من المصرف، لن تصبح آمنة حتى تخطو خارج باب المصرف. ولم يسمع أبي بهذه ~~الشائعة إلا بعد ذلك بفترة قصيرة، حين قال الشريك التنفيذي إنه قد خرق ~~قاعدته الثابتة التي تقضي بألا يطلع أي شخص على حساب شخص آخر؛ إذ ~~كشف عن سجل الحساب الخاص بوالدي للعديد من الأشخاص، لكي يثبت ms022 أن ~~أبي لم يسحب بنسا واحدا من نقوده في ذلك اليوم. ولئن انتشر الخبر بأن ~~والدي قد سحب نقوده، لكان ذلك عارا عليه؛ إذ استخدم معلومة حصل عليها ~~بسبب مهنته لمنفعته الخاصة. وعلى الرغم من ذلك، فقد نال التصرف ~~المزعوم إعجاب العديد من الأشخاص، حتى إنه بعد ذلك بسنوات عديدة، قال ~~أحد الرجال الأفاضل لوالدي: «لكم كنت رائعا في إدارة أعمالك أيها ~~الطبيب! لقد تمكنت من سحب جميع نقودك من ذلك المصرف بأمان!» # لم يكن والدي يتمتع بملكة التفكير العلمي، ولم يحاول تعميم معرفته ~~وجمعها تحت قوانين عامة، غير أنه كان يكون نظرية عن جميع ما تعرض ~~له تقريبا. لا أعتقد بأنني قد أخذت منه الكثير من الناحية الفكرية، ~~غير أنه كان مثالا يحتذى به في الأخلاق لجميع أطفاله. وقد كانت إحدى ~~قواعده الذهبية (وهي قاعدة يصعب اتباعها) هي «لا تصادق من لا يمكن أن ~~تكن له الاحترام.» # كان للدكتور داروين ستة أبناء: ماريان التي تزوجت من الدكتور هنري ~~باركر، وكارولين التي تزوجت من جوزايا ويدجوود، إيرازموس ألفي، وسوزان ~~التي لم تتزوج حتى ماتت، وتشارلز روبرت، وكاثرين التي تزوجت من الكاهن ~~تشارلز لانجتون. (إن السيدة ويدجوود هي الوحيدة الباقية على قيد الحياة ~~الآن من بين كل هؤلاء.) # ولد الابن الأكبر إيرازموس عام 1804، وتوفي دون أن يتزوج في ~~السابعة والسبعين من عمره. # ومثل أخيه، تلقى تشارلز داروين تعليمه في مدرسة شروزبيري، وفي كلية ~~كرايست بجامعة كامبريدج. وقد درس الطب في إدنبرة ولندن، وحصل على درجة ~~البكالوريوس في الطب من جامعة كامبريدج، لكنه لم يتخذ أي خطوة ~~لممارسة مهنة الطب، وبعد أن غادر كامبريدج، عاش حياة هادئة في ~~لندن. # لطالما كان هناك شيء شجي فيما يكنه تشارلز داروين لأخيه إيرازموس ~~من عواطف، وكأنه ما فتئ يتذكر حياة العزلة التي عاشها، وكذلك صبره ~~الذي يثير العواطف وطبيعته العذبة. كان كثيرا ما يتحدث عنه بالاسم ~~«أخي الكبير المسكين راس» أو «أخي الكبير العزيز فيلوس»، وأعتقد أن ~~كلمة فيلوس (الفيلسوف) كانت مما بقي من تلك ms023 الأيام الخوالي التي عملا ~~فيها في الكيمياء بمستودع الأدوات في شروزبيري، وقد كانت هذه الفترة من ~~الذكريات السعيدة التي كان يعتز دوما بتذكرها؛ ولأن إيرازموس كان ~~أكبر من تشارلز داروين بأكثر من أربع سنوات، فلم يمكثا معا طويلا في ~~كامبريدج، لكنهما قد أقاما معا في النزل نفسه قبل ذلك حين كانا في ~~إدنبرة، ثم أقاما معا لبعض الوقت بعد رحلة «البيجل» في منزل إيرازموس ~~بشارع جريت مالبرا. وفي هذا الوقت أيضا، نجد أنه يتحدث عن إيرازموس ~~بعاطفة كبيرة في خطاباته إلى فوكس؛ فنجده يستخدم كلمات مثل: «أخي ~~الكبير العزيز الغالي.» وبعد ذلك بعدة سنوات، كان إيرازموس داروين يأتي ~~إلى داون أحيانا، أو يزور أسرة أخيه في عطلة الصيف. لكن الأمر قد ~~انتهى تدريجيا إلى أنه عزم على البقاء في لندن وعدم مغادرتها نظرا ~~لسوء صحته؛ فاقتصرت رؤية كل من الأخوين للآخر على المرات التي كان ~~يذهب فيها تشارلز داروين لزيارة أخيه، ويقضي معه أسبوعا في منزله ~~بشارع كوين آن. # وفيما يلي نبذة قصيرة كتبها تشارلز داروين عن شخصية أخيه في الوقت ~~نفسه تقريبا الذي أضيف فيه وصف والده إلى عمله «ذكريات»: # كان أخي إيرازموس يتمتع بذهن صاف للغاية، وقد كانت ~~اهتماماته ومعارفه في الأدب والفن، وحتى في العلوم، شاملة ~~ومتنوعة؛ فعلى مدى فترة قصيرة، كان يجمع النباتات ويقوم ~~بتجفيفها، وعلى مدى فترة أطول بعض الشيء، كان يجري تجارب ~~في الكيمياء. لقد كان شخصا لطيفا للغاية، وكثيرا ما كانت ~~بديهته وظرفه يذكرانني بما أجده في أعمال تشارلز لام ~~وخطاباته. ولقد كان رقيق القلب للغاية ... وكان ضعيفا عليلا ~~منذ صباه؛ ولذا فلم يكن يتمتع بطاقة كبيرة. ولم يكن شخصا ~~مرحا في أغلب الأحوال؛ فقد كان الاكتئاب يخيم عليه ~~أحيانا، لا سيما عند بداية بلوغه مبلغ الرجال وكذلك في منتصف ~~عمره. كان يقرأ كثيرا منذ صباه، وكان يشجعني على القراءة ~~في أيام الدراسة ويعيرني الكتب. وبالرغم من ذلك، فقد كنا ~~نختلف اختلافا كبيرا في طبيعة تفكيرنا وأذواقنا؛ حتى إنني ~~أعتقد أنني لا أدين ms024 له بالكثير من الناحية الفكرية. وأنا أميل ~~إلى الاتفاق مع فرانسيس جالتون في الاعتقاد بأن التعليم ~~والبيئة لا يؤثران في عقل المرء إلا تأثيرا صغيرا، وأن ~~معظم صفاتنا غريزية فينا. # بالرغم من أن اسم إيرازموس داروين غير معروف لدى الجمهور العام، ~~فإننا قد نتذكره من خلال وصف شخصيته الذي ورد في كتاب كارلايل ~~«ذكريات»، الذي سأذكر بعضا منه فيما يلي: # كان إيرازموس داروين رجلا مختلفا للغاية، وقد تعرف ~~علينا منذ فترة قريبة (كان قد سمع بكارلايل في ألمانيا ~~وغيرها)، وهو لا يزال يزورنا منذ ذلك الوقت حتى إنه أصبح ~~صديقا للعائلة يتردد على منزلنا كثيرا، غير أن زياراته ~~قد صارت تتباعد وتقل أكثر فأكثر بمرور الوقت؛ نظرا لما ~~يعاني منه من اعتلال الصحة، ولضيق وقتي وانشغالي كذلك، وغير ~~ذلك. لقد كان يتمتع بنبوغ حقيقي يبعث على السخرية، وهو رجل ~~من أكثر الرجال صدقا وإخلاصا، ومن أشدهم تواضعا. إنه الأخ ~~الأكبر لتشارلز داروين (داروين المشهور هذه الأيام لكتابه عن ~~الأنواع)، والحق أنني أفضل إيرازموس عنه لتفكيره وعقله، ~~لولا اعتلال صحته الذي أجبره على أن يلوذ بالصمت والصبر في ~~سكون ... لقد كان لسليل عائلة داروين الأمين هذا منزلة وحظوة ~~خاصة لدى زوجتي العزيزة؛ فكثيرا ما كان يصحبها في عربته، ~~ويسير بها في مختلف الطرق إلى المحلات وغيرها (فكانت عربة ~~داروين بمنزلة نجمة الملك جورج بالنسبة لها) إذ لم تكن أجرة ~~ركوب الحافلات العامة بالهينة في تلك الأيام، كما أن ما ~~كان يتفوه به من عبارات قليلة وهي التي كانت ساخرة في معظم ~~الأحيان، مصدر سرور كبير بالنسبة لها. لقد رأت فيه على ~~الفور أنه «رجل فاضل تماما»، ويتمتع برجاحة عقل ورقة لا ~~حدود لهما. # 6 # لم يحب تشارلز داروين تلك الصورة التي رسمها كارلايل لأخيه؛ إذ كان ~~يرى أنه لم يستطع أن يصور فيها جوهر طبيعته المحبوبة ~~للغاية. # والآن، تدفعني رغبتي في أن أسهب في تصوير شخصية من الشخصيات التي ~~أحبها جميع أبناء تشارلز داروين بكل صدق إلى أن أعرض هنا خطابا ms025 قد ~~كتبته ابنة عمه الآنسة جوليا ويدجوود إلى مجلة «ذا سبيكتاتور» (3 ~~سبتمبر 1881). # إن الوصف الذي قدمه السيد كارلايل، الذي قد أعجب الجميع ممن ~~أحبوا الشخصية الأصلية، يعبر ولا شك عن قدر كبير من التميز، ~~مما يستدعي بعض كلمات الإشادة والتقدير، لا سيما وأن الشخص الذي يصفه ~~قد توفي بالفعل. إن إيرازموس، الأخ الوحيد لتشارلز داروين، والصديق ~~المخلص والمحب للسيد كارلايل وزوجته، قد خلف من بعده دائرة من ~~الراثين الذين لا يعوزهم الثناء من كاتب لامع كي يعطروا ذكرى ~~هذا الشخص العزيزة إلى قلوبهم، غير أن ذلك الثناء قد أثار دون شك ~~اهتمام دائرة أوسع، تلك التي ربما استقبلت هذه الذكرى بانتباه ~~شديد قد خلف لديها انطباعا فريدا لا يمحى، بالرغم من أنه خلف في ~~قلوب أناس لا يستطيعون أن ينقلوه؛ ولهذا، فلا بد أنه سيتلاشى سريعا ~~معهم. وهم يتذكرون ذكراه بتقدير يليق بعبقري؛ فهو قد أثرى الحياة ~~وزاد من حلاوتها، وشكل نقطة التقاء مشتركة لمن لم يكن لهم غيرها، ~~وبأثر ذكراه القوي الفواح بالفردانية، عزز من احترام ما يتميز به ~~البشر من خصوصية وتفرد في طبائعهم، وهي التي بدونها، يصبح الحكم ~~الأخلاقي قاسيا وسطحيا دائما، وظالما في معظم الأحيان. لقد كان ~~كارلايل يجد متعة خاصة في رفقة إيرازموس داروين التي تجمع بين الحيوية ~~والسكينة، اللتين كانتا تبعثان فيمن يكون في رفقته حالة من التحفيز ~~والهدوء في الوقت نفسه، ولم يكن ما قاله كارلايل عن إيرازموس بعد موته، ~~هي المرة الأولى التي يتضح فيها ما كان يكنه له من تقدير ومودة؛ إذ ~~لا تزال خطاباته التي تعبر عن القلق والتي كتبها قبل ما يقرب من ~~ثلاثين عاما، حين كان يهدد حياته الواهنة التي طالت حتى الشيخوخة، ~~مرض عضال، حاضرة في ذاكرتي. لقد جمعت بينه وبين كارلايل وزوجته ~~علاقة صداقة دافئة. وأنا أتذكر جيدا أنها قد أبدت اعتراضا مثيرا ~~للضحك، حينما عبر إيرازموس داروين عن تفضيله للقطط عن الكلاب؛ إذ ~~إنها قد اعتبرت ذلك إهانة لكلبها الصغير «نيرو»، وتشي النبرة التي ms026 ~~كان عليها ردها الذي قالت فيه: «أوه، لكنك مولع بالكلاب! إنك رقيق ~~للغاية، فلا يمكن ألا تكون مولعا بها!» بأنها رأت منه الكثير من ~~الأفعال التي تنم عن الكرم والطيبة، والتي كانت تتذكرها بامتنان. ~~وقد جمعته علاقة حميمة كذلك بهاريت مارتينو، التي كان أصدقاؤها، ~~كأصدقاء السيد كارلايل، لا يشعرون دوما بالفخر لوجودهم في ~~معيتها. وقد سمعته غير مرة يدعوها بصديقتي المخلصة، ودائما ما كان ذلك ~~يبدو لي أنه ثناء غريب على شيء ما في تلك الصداقة، لم يكن يقدمه ~~سواه، غير أنني أعتقد أنها إن كانت قد كتبت عنه على الإطلاق، فقد كان ~~ذكره سيحف بحرارة التقدير، وكان سيشكل نقطة التقاء غريبة ونادرة ~~مع غيره مما يرد في كتاب «ذكريات»؛ فسوف يوجد الكثير من التشابهات ~~والكثير من الاختلافات كذلك. من غير الممكن أن ننقل طابع إحدى ~~الشخصيات، وإنما يمكننا أن نحاول طرحه فقط من خلال الشبه، وإنه ~~لتمثيل فريد لتلك المفارقة التي تحكم مشاعرنا أو توجهها، أنني حين ~~أحاول تقديم الرجل الذي يبدو أنه أكثر من أحبه كارلايل بخلاف أهله، ~~فلا يمكنني أن أقول أي شيء أكثر توضيحا من أنه يبدو لي أنه يشترك في ~~بعض السمات مع الرجل الذي لم يكن يحظى بتقدير كارلايل. في رأيي، إن ~~عالم إيرازموس داروين كان يتمتع بالجاذبية التي كانت تتمتع بها كتابات ~~تشارلز لام؛ إذ نجد فيه ذلك النوع نفسه من المرح وخفة الظل والرقة ~~وربما العيوب نفسها. وعلى جانب آخر من طبيعته، لطالما ذكرني به حس ~~الدعابة الغريب الرقيق والتعصب السطحي وتلك الينابيع العميقة من ~~الشفقة وذلك المزيج العجيب من الحنق والسخرية المبهجة، البعيد كل ~~البعد عن الازدراء، التي تميز الحوارات القديمة التي كان السير آرثر ~~هلبس يكتبها على لسان شخصيته إلزمير. ولعلنا نتذكر هذه الطباع بوضوح ~~فائق؛ لما كان هذا الشبه هو كل ما يتبقى منها. إن طباع المرء ~~وشخصيته ليست مركبة فيه، وما نفقده بسبب ضعف قدرتنا على التعبير عن ~~طباعنا، يبدو أننا نستعيده مرة أخرى من خلال وضوح تلك ms027 الطباع. لقد ~~توفي إيرازموس داروين وهو في سن كبيرة، غير أن ذاكراه ما تزال ~~تفوح برائحة نضارة الشباب؛ إذ كان وجوده ينشر قدرا كبيرا من ~~السعادة، من ذلك النوع المرتبط بالشباب، على العديد ممن هم حوله، ~~ومنهم هذا القلم اللامع الذي تكفي شهادته لوضع هذا الإكليل الذاوي على ~~قبره، بالرغم من أنها لا تشي بالتأكيد بالرغبة في ذلك. # إن الصفحات السابقة قد قدمت، على نحو سريع، قدرا كافيا ~~قدر الإمكان من المعلومات عن الأسرة التي نشأ فيها تشارلز داروين، ~~وهي تصلح كمقدمة لسيرته الذاتية التي سترد في الفصل التالي. # الفصل الثاني # | سيرة ذاتية # [إن ما كتبه أبي من ذكريات تتعلق بسيرته الذاتية، التي تظهر في ~~الفصل الحالي، كان قد كتبه لأبنائه، ولم يكن يخطر بباله قط حينها أنها ~~سوف تنشر. وقد يبدو ذلك للعديد من الأشخاص على أنه أمر محال، أما ~~من يعرفون والدي، فسوف يتفهمون أنه أمر ممكن جدا، بل طبيعي أيضا. ~~وقد جاءت هذه السيرة الذاتية تحت عنوان «ذكريات عن تطوري الذهني ~~والشخصي»، وهي تنتهي بالملاحظة التالية: «3 أغسطس 1876. لقد بدأت في ~~كتابة هذه السيرة التي تسرد أحداث حياتي في الثامن والعشرين من مايو في ~~هوبدين، وداومت، منذ ذلك الوقت، على الكتابة على مدى ساعة تقريبا ~~في معظم العصاري.» وفي سرد شخصي وحميمي كهذا، قد كتب إلى الزوجة ~~والأبناء، من الطبيعي جدا أن توجد بعض الفقرات التي يجب علي ~~حذفها، ولا أرى ضرورة لبيان مواضع الحذف هذه. ولقد وجدت أنه من ~~الضروري أن أصحح بعض الهفوات الواضحة في الكتابة، غير أنني لم ~~أجر هذه التغييرات إلا في أضيق الحدود. إف دي.] # لقد بعث إلي محرر ألماني يطلب مني أن أكتب عن تطوري الذهني ~~وتطور شخصيتي مع سرد جانب من سيرتي الذاتية. وقد رأيت أنني سأستمتع ~~بهذه المحاولة، وأنها قد تثير اهتمام أبنائي أو أبنائهم؛ فأنا عن نفسي، ~~أعرف أنني كنت سأهتم اهتماما كبيرا بقراءة عرض موجز للتطور الذهني ~~لجدي، الذي قد كتبه هو بنفسه، حتى إن كان هذا ms028 العرض مملا ومختصرا ~~للغاية؛ إذ كان سيثير اهتمامي أن أتعرف على أفكاره وأعماله وطريقته في ~~أداء عمله. وقد حاولت أن أكتب سيرتي الذاتية هذه، كما لو أنني كنت ~~ميتا أعيد النظر إلى حياتي من العالم الآخر. والواقع أنني لم أجد ~~صعوبة في ذلك؛ إذ إن حياتي قد شارفت على الانتهاء، ولم أبذل ~~الكثير من الجهد للاهتمام بأسلوبي في الكتابة. # لقد ولدت في شروزبيري في الثاني عشر من فبراير عام 1809، وتعود ~~أولى ذكرياتي إلى حين كنت قد تخطيت الرابعة من العمر بعدة شهور، ~~وذهبنا إلى منطقة بالقرب من أبيرجالي للاستحمام في البحر، وأنا أتذكر ~~بعض الأحداث والأماكن هناك بالقليل من الوضوح. # توفيت والدتي في يوليو عام 1817، وكنت حينها أكبر من الثامنة بقليل، ~~ومن الغريب أني لا أستطيع أن أتذكر أي شيء عنها سوى الفراش الذي ~~ماتت عليه، وردائها الأسود المخملي، ومنضدة عملها ذات التصميم الغريب. ~~وفي ربيع هذا العام نفسه، بعثت إلى مدرسة نهارية في شروزبيري وقضيت ~~فيها عاما. وقد عرفت منهم أن وتيرتي في التعلم كانت أبطأ كثيرا من ~~شقيقتي الصغرى كاثرين، وأعتقد أنني كنت ولدا شقيا، من نواح ~~عديدة. # وفي ذلك الوقت الذي ذهبت فيه إلى هذه المدرسة النهارية، كان اهتمامي ~~بالتاريخ الطبيعي، وبالجمع على وجه الخصوص، قد تشكل وتطور؛ فكنت ~~أحاول معرفة أسماء النباتات والتمييز بينها، وكنت أجمع مختلف الأشياء ~~من الصدف والأختام وطوابع البريد والعملات المعدنية والمعادن. وقد كان ~~ذلك الشغف بجمع الأشياء، الذي يدفع بالمرء إلى أن يصبح مختصا في ~~التاريخ الطبيعي، أو هاويا للفنون وجامعا للتحف القديمة، أو بخيلا؛ ~~حاضرا في بدرجة كبيرة، ومن الواضح أنه كان فطريا؛ إذ إن أحدا ~~من إخوتي لم يظهر قط أي اهتمام بمثل هذا الأمر. # حدث واحد صغير في هذا العام ظل حاضرا في ذهني لا يبرحه، وأتمنى أن ~~يكون ذلك لما كان يشعر به ضميري من ذنب شديد، وإنه لأمر غريب إذ ~~يوضح أنني كنت مهتما بتنوع النباتات واختلافها وأنا في مثل هذه ~~السن الصغيرة! كنت قد أخبرت ms029 فتى آخر (وأظن أنه لايتون، وهو الذي أصبح ~~فيما بعد عالما مشهورا في علم الأشنات والنبات) أنني أستطيع إنتاج ~~نرجسيات وزهور الربيع المختلفة الألوان، وذلك من خلال سقيها بسوائل ~~ملونة معينة، وما كان ذلك بالطبع إلا خرافة شنيعة قد اختلقتها ~~ولم أجربها قط. ويمكنني أن أعترف هنا أيضا بأنني كنت أميل في صغري ~~إلى اختلاق مزاعم كاذبة عن عمد، وقد كان ذلك دوما لخلق بعض ~~الإثارة؛ فعلى سبيل المثال، كنت قد جمعت في أحد الأيام بعض الفواكه ~~الثمينة من أشجار أبي وخبأتها في الشجيرات، ثم انطلقت أجري لاهث ~~الأنفاس لكي أعلن أنني قد عثرت على كنز من الفاكهة المسروقة. # لا بد أنني كنت فتى ساذجا للغاية في بداية عهدي بالمدرسة وذهابي ~~إليها؛ ففي أحد الأيام، اصطحبني ولد يدعى جارنيت إلى متجر كعك، ~~واشترى بعضا منه لكنه لم يدفع ثمنه؛ إذ كان البائع يثق به. وحين خرجنا ~~سألته عن السبب في عدم دفعه الثمن، فأجابني على الفور: «ألا تعرف أن ~~عمي قد منح البلدة مبلغا هائلا من المال شريطة أن يعطي كل تاجر أي ~~شخص يرتدي قبعته القديمة ويحرك [إياها] بطريقة معينة ما يرغب ~~فيه دون مقابل؟» وبعد ذلك، أراني كيفية تحريكها، ثم دخل متجرا آخر ~~يتمتع فيه بالثقة كذلك، وطلب غرضا صغيرا محركا قبعته بالطريقة ~~المناسبة، ثم حصل عليه بالطبع دون أن يدفع ثمنه. وعندما خرجنا تحدث ~~إلي قائلا: «والآن، إن كنت ترغب في العودة إلى متجر الكعك (الذي ما ~~زلت أتذكر موقعه بدقة شديدة)، فسوف أعيرك قبعتي، ويمكنك أن تحصل ~~على أي شيء تريده إن حركت القبعة على رأسك بالطريقة الصحيحة.» ~~قبلت هذا العرض السخي بكل سرور، ودخلت إلى محل الكعك وطلبت بعضا منه ~~ثم حركت القبعة القديمة بالطريقة السليمة. وبينما كنت أسير خارجا من ~~المتجر، اندفع البائع نحوي، فسقط مني الكعك ورحت أجري كي أنجو بحياتي، ~~وكم كنت مندهشا من صيحات الضحك التي استقبلني بها صديقي المخادع ~~جارنيت. # يمكنني أن أشهد لنفسي بأنني كنت صبيا محبا للخير، غير ms030 أنني أدين ~~بذلك بالكامل إلى إرشاد أخواتي ومثالهن. إنني لا أعرف على وجه ~~التحديد ما إذا كان حب الخير صفة فطرية أم مكتسبة. لقد كنت مولعا ~~جدا بجمع البيض، لكنني لم آخذ قط أكثر من بيضة واحدة من عش كل ~~طائر، فيما عدا مرة واحدة أخذت فيها البيض كله ، وما كان ذلك لقيمته، ~~وإنما على سبيل استعراض قدراتي. # كنت أحب بشدة الصيد بالصنارة، وكنت أجلس على مدى ساعات طويلة ~~على ضفة نهر أو بحيرة أراقب فلينة الصنارة؛ وحين كنت في مير، سمعت ~~بأنني أستطيع قتل الدود بالملح والماء، ومنذ ذلك اليوم، لم أدخل دودة ~~حية واحدة في خطاف الصنارة، متخليا بذلك ربما عن جزء من النجاح في ~~الصيد. # وذات مرة حين كنت ما أزال ولدا صغيرا في المدرسة النهارية أو حتى ~~قبل ذلك الوقت، تصرفت بقسوة، وضربت جروا صغيرا، وأظن أن ذلك كان ~~بدافع الاستمتاع بالشعور بالقوة فحسب، لكن هذا الضرب لم يكن قويا ~~بأي حال؛ إذ لم يعو الجرو، وأنا متيقن من ذلك لأنه كان في بقعة ~~قريبة من المنزل. وما تزال تلك الواقعة تثقل بشدة ضميري، وهو ما يتضح ~~من تذكري للمكان الدقيق الذي وقعت فيه تلك الجريمة. وأعتقد أن ~~وطأتها راحت تزداد علي بسبب ما كنت أكنه من حب للكلاب في ذلك ~~الوقت وهو الذي امتد على مدى فترة طويلة بعد ذلك، حتى أصبح شغفا ~~لدي. ويبدو أن الكلاب كانت تدرك ذلك؛ فقد كنت بارعا في جعلها تحبني ~~أكثر من أصحابها. # لم تتبق سوى حادثة أخرى هي التي أتذكرها بوضوح من أحداث هذا ~~العام، الذي قضيته في مدرسة السيد كيس النهارية، وهي حادثة دفن جندي ~~من سلاح الفرسان. من المدهش أنني ما زلت أستطيع أن أتذكر بوضوح حذاء ~~الجندي العالي الرقبة وبندقيته القصيرة وهما معلقان بسرج حصانه، بينما ~~تطلق الطلقات من حول المقبرة. لقد أهاج هذا المشهد في جميع الخيالات ~~الشاعرية التي كانت بداخلي. # في صيف العام 1818، ذهبت إلى مدرسة الدكتور باتلر في شروزبيري، ~~وقضيت فيها سبع ms031 سنوات حتى منتصف الصيف في عام 1825، حين بلغت السادسة ~~عشرة. لقد أقمت في تلك المدرسة؛ فتمتعت بتلك الميزة العظيمة بأن أختبر ~~حياة الدراسة الحقيقة؛ غير أنها لم تكن تبعد عن منزلي بأكثر من ميل ~~واحد؛ لذا، فغالبا ما كنت أعدو إلى المنزل في الفترات الفاصلة ~~الطويلة بين انتهاء الدراسة وإغلاق أبواب المدرسة في الليل. وأعتقد ~~أن ذلك مثل ميزة كبيرة بالنسبة لي؛ إذ تمكنت من الحفاظ على ~~ارتباطي بالمنزل وأسرتي. وفي بداية حياتي المدرسية، أتذكر أنني غالبا ~~كنت أضطر إلى الجري بسرعة كي أصل في الموعد، وعادة ما كنت أنجح في ~~ذلك؛ إذ كنت عداء سريعا، وحين كنت أشك في النجاح، كنت أتضرع إلى ~~الله بدعائي سائلا العون منه، وأتذكر جيدا أنني كنت أعزو نجاحي إلى ~~استجابة الله لدعائي، لا إلى سرعتي في الجري، وكم كنت أتعجب من عونه ~~الدائم لي. # لقد سمعت أبي وأختي الكبرى يقولان إنني كنت أميل في طفولتي إلى ~~التجول منفردا لمسافات طويلة، غير أنني لا أدري ما الذي كنت أفكر ~~فيه في تلك الجولات. كثيرا ما كنت أشرد بذهني، وذات مرة بينما كنت ~~عائدا إلى المدرسة من فوق المتاريس المحيطة بشروزبيري، والتي كانت قد ~~تحولت إلى ممشى عام بدون حاجز على أحد الجانبين، تعثرت وسقطت ~~على الأرض، غير أن الارتفاع لم يكن يزيد عن سبعة أو ثمانية أقدام. ~~ومع ذلك، فإن عدد الأفكار الذي دار بذهني في أثناء تلك السقطة ~~الصغيرة جدا والمفاجئة وغير المتوقعة تماما، كان مذهلا، ولا يبدو ~~لي أنه يتفق مع ما أثبته المختصون في علم وظائف الأعضاء، على ما أعتقد، ~~وهو أن الفكرة الواحدة تستغرق فترة ملحوظة من الوقت حتى ~~تتكون. # كانت مدرسة السيد باتلر هي الأسوأ لتطوري الذهني على الإطلاق؛ إذ ~~كانت تقليدية تماما، ولم يكن يدرس بها سوى بعض من الجغرافيا ~~والتاريخ القديمين. لم أستفد من تلك المدرسة بأي قدر من التعليم؛ ~~فعلى مدى حياتي كلها، لم أتمكن من إتقان أي لغة. وقد كانت هذه ~~المدرسة تولي اهتماما عظيما ms032 بنظم الشعر، ولم أكن أجيد ذلك على ~~الإطلاق. غير أنه كان لي العديد من الأصدقاء وكنا نحفظ معا مجموعة ~~جيدة من أبيات الشعر القديم، فكنت آخذ أجزاء من هذه الأبيات وأدمجها ~~معا، بمساعدة بعض الصبية الآخرين في بعض الأحيان، وهذا ما جعلني ~~أتمكن من تناول أي موضوع شعرا. وقد كان الاهتمام كبيرا بحفظ ~~الدروس التي تعلمناها في اليوم السابق، وهذا ما كنت أتقنه بسهولة ~~كبيرة؛ فقد كنت أحفظ ما يقرب من الأربعين أو الخمسين سطرا لفيرجيل أو ~~هوميروس، وأنا لا أزال في المصلى الصباحي، غير أن هذا الأمر لم يكن ~~مفيدا على الإطلاق؛ فقد كانت جميع هذه الأبيات تتلاشى من ذاكرتي في ~~غضون ثمان وأربعين ساعة. لم أكن بليدا، وباستثناء نظم الشعر، فقد ~~كنت بوجه عام أجتهد في دراسة الأعمال الكلاسيكية وأداء واجباتي ~~المتعلقة بها، دونما أي محاولة للغش. وأما الشيء الوحيد الذي كنت ~~أستمتع بدراسته من تلك الدراسات، فقد كان بعض القصائد الغنائية لهوراس، ~~التي أعجبتني بشدة. # عندما غادرت المدرسة، لم أكن بالنابغة ولا بالبليد بالنسبة لسني، ~~وأعتقد أنني كنت في رأي أبي وجميع المدرسين، ولدا عاديا ~~للغاية، أو إلى حد ما أقل من المستوى المعتاد في الذكاء. وقد قال لي ~~والدي ذات يوم: «إنك لا تهتم بأي شيء سوى الصيد والكلاب ومطاردة ~~الفئران، ولسوف تكون عارا على نفسك وكل عائلتك.» وهو ما أشعرني ~~بالخجل والخزي الشديدين، لكن أبي، الذي كان أطيب من عرفت من الرجال ~~والذي أحب ذكراه بكل قلبي، لا بد أنه كان غاضبا ومتحاملا بعض الشيء ~~حين استخدم هذه الكلمات. # وحين أعيد النظر بقدر استطاعتي في شخصيتي خلال فترة الدراسة، أجد ~~أن الصفات الوحيدة التي كنت أتمتع بها في تلك الفترة والتي تبشر ~~بمستقبل جيد، كانت تعدد اهتماماتي وشغفي بها؛ وامتلاكي لحماس كبير ~~لما يثير اهتمامي؛ وإيجادي لسرور كبير في فهم أي أمر أو موضوع ~~معقد. لقد تعلمت حساب إقليدس على يد معلم خاص، وأنا أتذكر جيدا ~~ذلك الشعور الغامر بالرضا الذي منحتني إياه البراهين الهندسية ms033 ~~الواضحة. وأتذكر بالوضوح نفسه، مدى السرور الذي شعرت به حين شرح لي ~~عمي (والد فرانسيس جالتون) الفكرة الأساسية لورنية مقياس الضغط الجوي. ~~وأما عن اهتماماتي الأخرى بعيدا عن العلوم، فقد كنت مولعا بقراءة ~~مختلف الكتب، وقد اعتدت على الجلوس لساعات طويلة أقرأ فيها المسرحيات ~~التاريخية لشكسبير، وقد كان ذلك عادة في نافذة قديمة بالجدران السميكة ~~للمدرسة. وقد قرأت أيضا غير ذلك من الشعر مثل «الفصول» لتومسون وكذلك ~~قصائد بايرون وسكوت، التي كانت قد نشرت حديثا. وأنا أذكر ذلك لأنني ~~مع الأسف الشديد، وفي مرحلة لاحقة من حياتي، لم أعد أجد أي متعة في ~~قراءة الشعر من أي نوع، بما في ذلك شعر شكسبير. وبخصوص الاستمتاع ~~بالشعر، فيمكنني أن أضيف أيضا أنه في عام 1822، شعرت ولأول مرة ~~بالاستمتاع الشديد بمشاهدة الطبيعة؛ إذ كنت في جولة بالخيول على حدود ~~ويلز، وقد استمر هذا الشعور لفترة أطول من أي شعور مماثل متعلق ~~بمتعة جمالية أخرى. # في بداية أيامي بالمدرسة، كان أحد الفتيان يقتني نسخة من كتاب «عجائب ~~العالم»، وكثيرا ما كنت أقرأ فيه وأختلف مع الصبيان الآخرين بشأن صحة ~~بعض المزاعم الواردة فيه، وأعتقد أن هذا الكتاب هو أول ما أثار في ~~الرغبة في السفر إلى بلاد بعيدة، وهو ما تحقق بعد ذلك من خلال رحلة ~~«البيجل». وفي الفترة الأخيرة من حياتي المدرسية، أصبحت مولعا ~~للغاية بالصيد؛ فأنا لا أعتقد أن أحدا قد أبدى حماسا لأهم ~~القضايا وأقدسها، أكثر مما أبديت من حماس نحو صيد الطيور. ولكم ~~أتذكر بدقة تلك المرة الأولى التي اقتنصت فيها أول طائر شنقب، ~~ولقد كان تأثري وحماسي عظيمين حتى إنني وجدت صعوبة كبيرة في تعبئة ~~البندقية مجددا، من أثر ارتعاش يدي. ولقد استمر معي هذا الاهتمام ~~بالصيد على مدى فترة طويلة، وأصبحت بارعا فيه. وحين كنت في ~~كامبريدج، اعتدت أن أتمرن على رفع بندقيتي على كتفي أمام المرآة كي ~~أتأكد من أنني أرفعها باستقامة، وأما الخطة الأخرى وهي الأفضل، فقد ~~كانت أن أطلب من صديق لي أن يلوح ms034 بشمعة مضاءة، ثم أصوب نحوها مع ~~تغطية فونية البندقية بكبسولة تفجير، وإذا كانت الإصابة دقيقة، ~~فإن نفحة الهواء الخفيفة ستطفئ الشمعة. كان انفجار الكبسولة يصدر ~~صوت طقطقة حادة، وقد سمعت بأن المشرف المدرسي قد علق على ذلك ~~ذات يوم قائلا: «يا له من أمر غريب! إذ يبدو أن السيد داروين يقضي ~~ساعات طويلة في قرقعة سوط في غرفته، إذ غالبا ما أسمع صوت هذه ~~القرقعة حين أمر من تحت نوافذ غرفته.» # كان لدي العديد من الأصدقاء من صبيان المدرسة، وقد كنت أحبهم ~~حبا جما، وأعتقد أن الود كان يغلب على طباعي في ذلك ~~الوقت. # وأما بالنسبة إلى العلوم، فقد واصلت جمع المعادن بحماس كبير، غير ~~أنني لم أتبع في ذلك أي طريقة علمية؛ كل ما كنت أهتم به هو ~~العثور على معدن حديث «التسمية»، ونادرا ما كنت أحاول تصنيف ما ~~أجمع. ولا بد أنني كنت أراقب الحشرات ببعض الاهتمام؛ فعندما كنت في ~~العاشرة (1819)، قضيت ثلاثة أسابيع في بلاس إدواردز على ساحل البحر ~~في ويلز، وقد كنت مهتما للغاية ومندهشا كذلك عندما رأيت حشرة ~~كبيرة من نصفيات الجناح تجمع بين اللونين الأسود والقرمزي، وكذلك ~~الكثير من حشرات العث (البزيات)، وخنفسة نمرية، وهي حشرات لا توجد في ~~شروبشاير. وكنت قد نويت أن أبدأ في تجميع كل ما أجده من الحشرات ~~الميتة؛ إذ إنني قد استشرت أختي وتوصلت إلى أنه ليس من الصواب أن ~~يقتل المرء حشرة من أجل امتلاك تشكيلة من الحشرات. وعندما قرأت كتاب ~~«سيلبورن» لوايت، استمتعت كثيرا بمراقبة عادات الطيور، وكتبت حتى ~~بعض الملاحظات عن الموضوع. ومن سذاجتي، كنت أتعجب من أن كل الرجال ~~الأفاضل لم يصيروا من المختصين في علم الطيور. # وقرب نهاية فترة المدرسة، بدأ أخي يعمل بجد في مجال الكيمياء، وأسس ~~مختبرا جيدا في مستودع الأدوات بالحديقة وجهزه بالأجهزة ~~المناسبة، وكان يسمح لي بمساعدته في معظم التجارب. لقد حضر الغازات ~~جميعها والعديد من المركبات، أما أنا، فقد قرأت بعناية شديدة عدة ~~كتب عن الكيمياء مثل «مختصر مبادئ ms035 الكيمياء» لهنري وباركس. وقد أثار ~~الموضوع اهتمامي بدرجة كبيرة، وكثيرا ما كنا نستمر في العمل حتى وقت ~~متأخر من الليل. كان ذلك هو الجزء الأفضل مما حظيت به من تعليم في ~~فترة المدرسة؛ إذ تعرفت منه عمليا على معنى العلوم التجريبية. ~~وبطريقة ما، ذاع عنا في المدرسة أننا نعمل في الكيمياء؛ ولأنها كانت ~~واقعة غير مسبوقة، فقد لقبوني باللقب «غاز». وكذلك قد عنفني ~~المدير الدكتور باتلر على الملأ ذات يوم؛ إذ كان يرى بأني أهدر وقتي ~~في مثل هذه الموضوعات العديمة الجدوى، كما أنه قد نعتني ظلما ب ~~«المستهتر»؛ ولما لم أفهم ما كان يعنيه، فقد بدا لي أنه زجر ~~مرعب. # ولأنني لم أكن أبلي بلاء حسنا في المدرسة، فقد تصرف أبي بحكمة ~~وأخرجني منها في سن أصغر من المعتادة، وبعثني (في أكتوبر 1825) إلى ~~جامعة إدنبرة مع أخي، وقضيت فيها عامين أو سنتين دراسيتين. كان أخي ~~يكمل دراسته في الطب، بالرغم من أنني أعتقد أنه لم ينتو ممارسته ~~أبدا، وقد بعثني والدي إلى هناك كي أستهل أنا دراستي الطبية. لكنني ~~سرعان ما توصلت إلى اقتناع بعد ذلك بفترة قصيرة، كنت قد استنتجته من ~~بعض الأمور البسيطة، بأن والدي سيترك لي قدرا جيدا من الأملاك، ~~مما يكفيني لأحيا في بعض من الدعة والراحة، غير أنني لم أتخيل قط أن ~~أصبح على هذه الدرجة التي أنا عليها من الثراء. وبالرغم من ذلك، فقد ~~كان اعتقادي هذا كافيا بأن يحجم لدي أي مجهود شاق أبذله ~~لدراسة الطب. # كان التدريس في إدنبرة يعتمد كليا على المحاضرات، وقد كان ذلك ~~مملا بدرجة لا تحتمل، وذلك باستثناء محاضرات الكيمياء التي كان ~~يلقيها هوب، غير أنني كنت أرى أنه لا توجد أي ميزة للمحاضرات، ~~وإنما لها الكثير من العيوب، وذلك على عكس القراءة. محاضرات الدكتور ~~دانكان عن المواد الدوائية في الثامنة من صباح يوم شتوي، كانت من ~~الذكريات التي أخشى تذكرها. أما الدكتور ... فقد كان يجعل محاضراته ~~عن تشريح الجسم البشري مملة بقدر ما كان يتسم به ms036 هو شخصيا من ~~شخصية مملة، وقد كان ذلك الموضوع يثير تقززي. وقد اتضح لي بعد ذلك ~~مدى الضرر الذي شهدته في حياتي عندما لم يشجعني أحد على ممارسة ~~التشريح؛ فلكنت إذن قد تغلبت على ما كنت أعانيه من تقزز، ~~ولأفادني ذلك في عملي المستقبلي فائدة عظيمة. لقد كان ذلك من الأضرار ~~التي لا يمكن علاجها، إضافة إلى عدم قدرتي على الرسم. لقد حرصت ~~أيضا على زيارة الأجنحة السريرية في المستشفى بانتظام. وقد كانت بعض ~~الحالات تشعرني بالحزن الشديد، حتى إن بعضها ما زال يتجسد في صور ~~حية وواضحة أمامي، لكنني لم أكن بتلك الحماقة التي تجعلني أدع مثل هذا ~~الأمر يقلل من ذهابي إلى هناك. إنني لا أستطيع أن أفهم السبب في ~~أن هذا الجانب من دراستي للطب لم يثر اهتمامي بدرجة أكبر؛ إذ في ~~خلال فصل الصيف الذي سبق حضوري إلى إدنبرة، كنت قد بدأت في رعاية بعض ~~الفقراء في شروزبيري، الذين كان أغلبهم من النساء والأطفال. كنت أكتب ~~وصفا كاملا للحالة بقدر ما أستطيع، وأدون فيه كل الأعراض، ثم ~~أقرؤه على والدي بصوت عال، فيقترح هو المزيد من الفحوصات وينصحني ~~بالأدوية التي يجب أن أقدمها لهم، والتي كنت أعدها بنفسي. في ~~إحدى الفترات، كنت أعالج ما يزيد على اثني عشر مريضا وشعرت بحماس ~~شديد لهذا العمل. إن أبي، الذي كان أكثر العارفين بالطباع ~~والشخصيات، قد قال إنني سأصير طبيبا ناجحا؛ أي سيكون لي من المرضى ~~الكثيرون. لقد كان يرى أن العنصر الأساسي في النجاح هو اكتساب ثقة ~~الناس؛ أما ما قد رآه في وأقنعه بأنه ستكون لدي تلك الملكة على ~~اكتساب الثقة، فهذا ما لا أعرفه. كنت قد حضرت أيضا عمليتين ~~جراحيتين في قاعة العمليات في المستشفى بإدنبرة، غير أنهما كانتا ~~فظيعتين جدا، وإحداهما كانت تجرى لطفل، وقد اندفعت خارجا قبل أن ~~ينتهوا منهما. ولم يحدث قط أن حضرت أي عملية جراحية بعد ذلك، وما ~~كان لأي دافع أن يقنعني بالقيام بذلك؛ فقد كان ذلك قبل اختراع مخدر ms037 ~~الكلوروفورم الرائع بالعديد من السنوات. ولم تبرح هاتان الحالتان ~~خيالي لسنوات طوال. # مكث أخي عاما واحدا فقط في الجامعة؛ لذا ففي العام الثاني، كنت ~~أتمتع بالحرية في التصرف كما يحلو لي، وقد كان ذلك لصالحي إذ أتاح لي ~~الفرصة في التعرف على العديد من الشباب المولعين بالعلوم الطبيعية. ~~وقد كان من بين هؤلاء، إينزوورث، الذي نشر بعد ذلك سردا لرحلاته إلى ~~آشور؛ لقد كان عالم جيولوجيا من أعضاء جمعية فيرنر للتاريخ الطبيعي، ~~وكان لديه بعض المعرفة بالعديد من الموضوعات. وكان منهم أيضا الدكتور ~~كولدستريم، الذي كان يمثل نوعا مختلفا للغاية من الشباب؛ فقد كان ~~أنيقا وتقليديا ومتدينا للغاية وعطوفا جدا، وقد نشر بعد ذلك ~~بعض المقالات الجيدة عن علم الحيوان. وأما ثالث هؤلاء الشباب فهو ~~هاردي، الذي أعتقد أنه كان سيصبح عالم نباتات رائعا، لكنه مات ~~مبكرا في الهند. وآخرهم هو الدكتور جرانت، الذي كان يكبرني بعدة ~~أعوام، لكنني لا أتذكر كيف تعرفت عليه. لقد نشر بعض المقالات ~~الممتازة عن علم الحيوان، لكنه بعد أن عاد إلى لندن وأصبح أستاذا في ~~كلية لندن الجامعية، لم يقم بأي إسهامات علمية، وهو الأمر الذي لم ~~أتمكن من فهمه قط. لقد كنت أعرفه جيدا؛ فقد كان جادا ~~وتقليديا، غير أنه كان يفيض بالحماس من تحت هذا القناع الخارجي؛ ففي ~~إحدى المرات بينما كنا نسير معا، انفعل من فرط إعجابه بلامارك وآرائه ~~عن التطور. أما أنا، فقد كنت أستمع إليه في اندهاش وصمت، محاولا ~~قدر الإمكان أن أكون رأيي بحيادية ودون أي تأثير منه على عقلي. ~~كنت قد قرأت فيما سبق كتاب «زونوميا أو قوانين الحياة العضوية» الذي ~~كتبه جدي، والذي يحتوي على آراء مشابهة، غير أنها لم تترك أي تأثير ~~على عقلي. ومع ذلك، فمن المحتمل أن تكون معرفتي بمثل هذه الآراء التي ~~كانت تحظى بالقبول والثناء، في سن مبكرة نسبيا، قد مهد الأمر لقولي ~~بها بعد ذلك في صورة مختلفة، في كتابي «أصل الأنواع». في ذلك الوقت، ~~كنت أكن إعجابا كبيرا لكتاب ms038 «زونوميا»، لكنني بعد أن قرأته مرة ~~ثانية بعد ذلك بفترة زمنية تتراوح بين عشرة أعوام وخمسة عشر عاما، ~~وجدت أنه قد خذلني للغاية؛ إذ كان يحتوي على الكثير من الافتراضات ~~مقابل نسبة صغيرة للغاية من الحقائق. # كان الدكتور جرانت والدكتور كولدستريم يهتمان اهتماما كبيرا بعلم ~~الحيوانات البحرية، وكثيرا ما كنت أرافق الأول لجمع الحيوانات من ~~برك المد والجزر، والتي كنت أقوم بتشريحها قدر ما أستطيع. كما ~~أنني قد صادقت بعض الصيادين في نيوهافين، وكنت أرافق بعضهم أحيانا ~~في صيدهم للمحار؛ ومن ثم أحصل على الكثير من العينات. لكن نظرا ~~لأنني لم أمارس التشريح بصورة منتظمة، ولضعف المجهر الذي كنت ~~أمتلكه، فلم تكن تلك المحاولات بالمثمرة في أغلب الأحوال. ومع ذلك، ~~توصلت إلى اكتشاف مثير صغير، وقرأت ورقة بحثية قصيرة عن الموضوع ~~أمام جمعية بليني للتاريخ الطبيعي، وذلك في بداية عام 1826. وقد كان ~~هذا الاكتشاف يتمثل في أن ما يسمى ببيوض الطحلبيات من نوع ~~فلاسترا # Flustra # تمتلك القدرة على ~~التحرك على نحو مستقل باستخدام أهداب، وهي في واقع الأمر يرقات. وفي ~~ورقة بحثية أخرى قصيرة، أثبتت أن الأجسام الكروية الصغيرة التي كان ~~يعتقد أنها من نوع فيوكاس ~~لورياس # Fucus Loreus # وهي ما تزال في مرحلة صغيرة، هي في الواقع ~~أكياس البيض للنوع الشبيه بالدود بونتوبديلا ~~موريكاتا Pontobdella muricata ~~. # كانت جمعية بليني للتاريخ الطبيعي تحظى بتشجيع البروفيسور جيمسون، ~~وأعتقد أنه هو مؤسسها أيضا، وكانت تتألف من بعض الطلاب، وقد كانوا ~~يلتقون في إحدى غرف الجامعة الموجودة تحت الأرض ليقرءوا أوراقهم البحثية ~~عن العلوم الطبيعية ويتناقشون فيها. ولقد اعتدت على حضور هذه ~~الاجتماعات بانتظام، وقد كانت تترك لدي تأثيرا جيدا؛ إذ كانت ~~تزيد من حماسي، كما أنني كونت من خلالها علاقات جديدة ممن تتوافق ~~اهتماماتي مع اهتماماتهم. وفي إحدى الأمسيات، نهض شاب مسكين وبعد أن ~~ظل يتلعثم ويتأتئ لفترة طويلة من الوقت وقد احمرت وجنتاه من الخجل، ~~تمكن أخيرا من أن يتفوه ببطء بالكلمات التالية: «سيدي الرئيس، لقد ~~نسيت ما كنت سأقوله.» بدا ms039 الشاب المسكين مضطربا للغاية، وقد تملكت ~~الدهشة من جميع الأعضاء، فلم يستطع أحد منهم أن يفكر في كلمة ~~يقولها ليواري ما كان به من اضطراب. لم تكن تلك الأوراق التي كنا ~~نقرؤها في تلك الجمعية الصغيرة مطبوعة؛ لذا فإنني لم أحظ برؤية ورقتي ~~مطبوعة، لكنني أعتقد أن الدكتور جرانت قد لاحظ اكتشافي الصغير وكتب ~~عنه في مقاله الممتاز عن الفلاسترا. # لقد كنت عضوا كذلك في الجمعية الطبية الملكية وكنت أحضر ~~اجتماعاتها بانتظام، غير أنه لما كانت الموضوعات التي تعنى بها طبية ~~فحسب، فلم أمنحها الكثير من الاهتمام. وكثيرا ما كانت الموضوعات التي ~~يتحدثون عنها على درجة كبيرة من السوء، غير أنه كان بها أيضا بعض ~~المتحدثين الجيدين، وكان من أفضلهم من أصبح حاليا السير جيه ~~كاي-شاتلوورث. كان الدكتور جرانت يصحبني بين الحين والآخر إلى ~~اجتماعات جمعية فيرنر للتاريخ الطبيعي؛ حيث تقرأ أوراق بحثية عديدة ~~عن التاريخ الطبيعي وتجري مناقشتها، ثم تنشر بعد ذلك في المجلة التي ~~تنشر محاضر هذه الاجتماعات. وقد سمعت فيها أودوبون وهو يلقي بعض ~~الأحاديث الشائقة عن عادات طيور أمريكا الشمالية، وهو يهزأ بعض الشيء ~~بووترتون دون وجه حق. وأذكر أيضا بهذه المناسبة أن أحد الزنوج كان ~~يعيش في إدنبرة وقد سافر مع ووترتون وكان يكسب عيشه بتحنيط الطيور، وقد ~~كان بارعا في ذلك، وكان يعطيني دروسا مقابل أجر أدفعه له، وقد اعتدت ~~على الجلوس معه؛ إذ كان رجلا لطيفا وذكيا للغاية. # وقد اصطحبني السيد ليونارد هورنر أيضا ذات مرة إلى أحد اجتماعات ~~الجمعية الملكية بإدنبرة، وهناك رأيت السير والتر سكوت في كرسي الرئيس، ~~وقد اعتذر للحضور في الاجتماع إذ إنه لم يكن يشعر بأن المنصب مناسب ~~له. كنت أنظر إليه وإلى المشهد كله بإعجاب وتبجيل، وأعتقد أنه بسبب ~~هذه الزيارة في غضون شبابي، وكذلك بسبب حضوري اجتماعات الجمعية الطبية ~~الملكية، شعرت بالتكريم حين انتخبت قبل بضع سنوات عضوا شرفيا في ~~كلتا الجمعيتين، أكثر مما شعرت بالتكريم في أي موقف مشابه. ولئن ~~كان أحدهم قد أخبرني في ms040 ذلك الوقت بأنني سوف أحظى بمثل هذا الشرف، ~~لقلت بأن ذلك مما يثير السخرية وهو أمر غير محتمل على الإطلاق، ~~كما لو أن أحدهم قد أخبرني بأنني سأنتخب ملكا لإنجلترا. # وفي عامي الثاني في إدنبرة، حضرت محاضرات الدكتور ... في الجيولوجيا ~~وعلم الحيوان، غير أنها كانت مملة للغاية، وقد كان أثرها الوحيد ~~علي هو أنني قد عزمت على ألا أقرأ ما حييت كتابا واحدا عن ~~الجيولوجيا وكذلك ألا أدرس بأي نحو هذا العلم. وبالرغم من ذلك، فأنا ~~متيقن من أنني كنت مستعدا لدراسة الموضوع من ناحية فلسفية؛ إذ كان ~~السيد العجوز كوتون من شروبشاير، الذي كانت لديه معرفة كبيرة بالصخور، ~~قد أراني قبل ذلك بسنتين أو ثلاث في مدينة شروزبيري أحد الجلاميد ~~الصخرية الكبيرة المنجرفة بفعل الأنهار الجليدية، الذي كان يدعى باسم ~~«حجر الجرس»، وقد أخبرني بأنه لا توجد صخرة أخرى من هذا النوع في ~~مكان أقرب من كمبرلاند أو اسكتلندا، وقد راح يؤكد لي مليا أن ~~العالم سينتهي قبل أن يتمكن أي إنسان من أن يفسر السبب في وجود ~~هذا الجلمود في المكان الذي يقبع فيه الآن. وقد ترك ذلك انطباعا ~~عميقا لدي، ورحت أتأمل وأتفكر في هذه الصخرة الرائعة؛ لذا فقد ~~شعرت بسرور بالغ حين قرأت لأول مرة عن دور الكتل الجليدية في نقل ~~الجلاميد الصخرية؛ إذ كنت فخورا بالتقدم الحادث في علم الجيولوجيا. ~~ومن الأمور العجيبة كذلك أنني، رغم كوني ما زلت في السادسة والسبعين، ~~فقد سمعت البروفيسور وهو يلقي محاضرة ميدانية عند جروف سولزبيري ~~كريجز، وكان يتحدث عن جيب نافذ به حواف لوزانية، وقد تصلبت الطبقات ~~على جانبيه، وانتشرت الصخور البركانية في كل مكان من حوله، وقال ~~إنه صدع قد امتلأ بالرواسب من الأعلى، وقد أضاف متهكما أن هناك ~~بعض الرجال يرون أنه قد حقن من الأسفل بمواد منصهرة. وحين أتذكر ~~هذه المحاضرة، فإنني لا أتعجب من قراري بعدم دراسة الجيولوجيا. # ومن حضوري لمحاضرات ... تعرفت إلى المسئول عن المتحف، السيد ~~ماكجليفراي، والذي قد نشر فيما بعد كتابا ms041 كبيرا وممتازا عن طيور ~~اسكتلندا. وكنت أتحدث معه أحاديث شائقة للغاية عن التاريخ الطبيعي، ~~وقد كان لطيفا معي للغاية، وأعطاني بعض الأصداف النادرة؛ إذ إنني كنت ~~في ذلك الوقت أجمع الرخويات البحرية، لكنني لم أكن لذلك حماسا ~~كبيرا. # أما عن عطلاتي الصيفية في هاتين السنتين، فقد كانت مخصصة ~~بأكملها للاستمتاع والترفيه، لكنني دائما ما كنت أقرأ فيها بعض الكتب ~~باهتمام كبير. وفي صيف عام 1826، ذهبت في جولة سير طويلة مع اثنين ~~من الأصدقاء، وقد حملنا حقائبنا على ظهورنا عبر أرجاء شمال ويلز. كنا ~~نسير ثلاثين ميلا في معظم الأيام، بما في ذلك يوم صعودنا جبل سنودن. ~~وذهبت أيضا مع أختي في جولة بالخيول في شمال ويلز، ومعنا خادم يحمل ~~ثيابنا في حقائب على سرج حصانه. أما عطلات الخريف، فقد كانت ~~مخصصة للصيد، لاسيما في ضيعة السيد أوين في وودهاوس وضيعة عمي جوز ~~[جوزيا ويدجوود، ابن مؤسس مصنع إتروريا ووركس] في مير. وقد كان حماسي ~~للصيد عظيما، حتى إنني كنت أضع حذائي المخصص للصيد مفتوحا بجوار ~~سريري حين كنت أذهب للنوم كي لا أضيع نصف دقيقة في ارتدائه صباحا. ~~وفي إحدى المرات، وصلت إلى بقعة بعيدة من ضيعة مير، وكان ذلك في ~~العشرين من أغسطس لصيد الطيهوج الأسود، وقبل أن أدرك أنني قد ابتعدت، ~~ظللت أتحرك ببطء وصعوبة في النباتات الخضراء الكثيفة والصنوبر ~~الاسكتلندي مع القائم على منطقة الصيد على مدى اليوم. # لقد كنت أحتفظ بسجل دقيق أدون فيه جميع الطيور التي صدتها على ~~مدى الموسم. وفي أحد الأيام، بينما كنت أصطاد في وودهاوس مع الابن ~~الأكبر العقيد أوين، وابن عمه الرائد هيل، الذي أصبح فيما بعد لورد ~~بيريك، واللذين كنت أكن لهما حبا جما، اعتقدت أنهما يستغلانني ~~مع الأسف؛ فكلما أطلقت النار وظننت بأنني قتلت طائرا، تظاهر أحدهما ~~بأنه يعيد حشو بندقيته، وصاح: «يجب عليك ألا تعد هذا الطائر؛ إذ ~~إنني أطلقت النار عليه في الوقت نفسه.» وإذ أدرك القائم على منطقة ~~الصيد المزحة، فإنه كان يجاريهما. وبعد بضع ساعات، ms042 أخبراني بالمزحة، ~~لكنها لم تكن مزحة بالنسبة لي على الإطلاق؛ إذ إنني كنت قد أصبت ~~عددا كبيرا من الطيور، لكنني لم أعرف عددها على وجه التحديد، ولم ~~أستطع إضافتها إلى قائمتي، وهو ما اعتدت فعله من خلال عمل عقدة في ~~قطعة من الخيط أربطها بعروة أحد أزرار ملابسي. وهذا ما اكتشفه صديقاي ~~الخبيثان . # كم كنت أستمتع بالصيد، لكنني أعتقد أنني كنت أخجل من هذا الحماس، ولم ~~أكن واعيا بذلك تماما؛ لأنني طالما حاولت أن أقنع نفسي بأن الصيد ~~تمرين فكري؛ إذ يتطلب الكثير من المهارة لتحديد المكان الذي تجد فيه ~~الكثير من الحيوانات والطيور التي يمكن اصطيادها، وكذلك للاستخدام ~~الجيد للكلاب في الصيد. # ومن الزيارات الخريفية التي لا يمكنني نسيانها، زيارتي إلى مير عام ~~1827؛ إذ التقيت فيها السير جيه ماكينتوش، وهو أفضل متحدث قد ~~استمعت إليه على الإطلاق. وقد سمعت بعد ذلك أنه قال: «إنني أجد ~~في هذا الشاب شيئا مثيرا للاهتمام.» مما جعلني أشعر بالفخر. ولا بد ~~أن قد قال ذلك بصفة أساسية، لما قد لمسه مني من اهتمام بجميع ما ~~يقوله؛ إذ إنني لم أكن أفقه شيئا على الإطلاق فيما كان يتحدث فيه من ~~موضوعات عن التاريخ والسياسة وفلسفة الأخلاق. وأعتقد أنه لأمر جيد ~~أن يسمع شاب مثل هذا الثناء من رجل عظيم مثله؛ إذ إنه سيساعده على ~~أن يظل على المسار الصحيح، بالرغم من أنه من الممكن أو حتى من المؤكد ~~أن يثير فيه الغرور. # كانت زياراتي إلى مير على مدى هاتين السنتين أو الثلاث التالية، ~~ممتعة للغاية، بغض النظر عن رحلات الصيد الخريفية. لقد كنا نتمتع في ~~الحياة هناك بكامل الحرية؛ فقد كان الريف هناك جميلا للسير أو الركوب، ~~وفي المساء، كانت تدور بيننا محادثات ممتعة للغاية، ولم تكن محادثات ~~شخصية بدرجة كبيرة، وذلك كما هي العادة في تجمعات الأسر الكبيرة، ~~وكذلك كنا نستمتع ببعض الموسيقى. وفي الصيف، اعتادت الأسرة بكاملها ~~على الجلوس على درجات الرواق المعمد القديم؛ حيث تقع حديقة الزهور من ~~أمامه، ويظهر انعكاس ms043 الضفة الخشبية المنحدرة والموجودة في الجهة ~~المقابلة من المنزل، على البحيرة والتي نجد فيها بين الحين والآخر، ~~سمكة تطل من الماء أو طائرا مائيا يجدف في مائها. كانت هذه ~~الأمسيات التي قضيتها في مير، هي أكثر ما قد ترك في ذهني صورة بهذه ~~الحيوية. كما أنني كنت شديد التعلق بعمي جوز وكنت أبجله للغاية؛ فقد ~~كان قليل الكلام ومتحفظا، وهو ما قد يجعل منه رجلا مريعا إلى ~~حد ما، غير أنه كان يتحدث معي في بعض الأحيان. لقد كان مثالا للرجل ~~المستقيم، الذي يمتاز بحسن التقدير. ولا أعتقد أن قوة على الأرض ~~كانت تجعله يحيد ولو بوصة واحدة عما كان يعتقد أنه المسار الصحيح. ~~وقد اعتدت على أن أربطه في ذهني بتلك القصيدة الغنائية الشهيرة ~~لهوراس، التي نسيتها الآن، لكنني أتذكر منها بعض الكلمات، مثل: ~~«التهديد الناتج عن غضب طاغية.» ~~(1) كامبريدج في الفترة من 1828 إلى 1831 # بعد أن قضيت سنتين دراسيتين في إدنبرة، أدرك والدي، أو لعله قد سمع من أختي، أنني ~~لا أرغب في أن أكون طبيبا؛ لذا فقد اقترح علي أن أصبح من رجال الدين. لقد كان معارضا ~~تماما لفكرة أن أصبح رجلا لاهيا عاطلا، وهو ما بدا آنذاك على أنه وجهتي المرجحة. ~~طلبت منه بعض الوقت لأفكر في الأمر؛ إذ من القدر القليل الذي سمعته أو فكرت فيه بشأن ~~الموضوع، كنت مترددا بشأن تصريحي بالإيمان بجميع العقائد الثابتة التي تتبناها كنيسة ~~إنجلترا، رغم أنني قد أعجبتني فكرة أن أكون قسا بالريف. وبناء على ذلك، فقد قرأت كتاب ~~بيرسون عن العقيدة بعناية وحرص، وكذلك بضعة كتب عن الألوهية؛ وإذ لم تساورني أي شكوك ~~على الإطلاق حينها في الحقيقة المؤكدة والحرفية لكل كلمة من الإنجيل، فسرعان ما أقنعت ~~نفسي بأنه لا بد أن عقيدتنا مقبولة تماما. # وبالنظر إلى شدة ما تعرضت له من هجوم من جانب المتدينين المتشددين؛ ~~فإنه ليبدو أمرا مثيرا للسخرية أنني كنت أنتوي ذات يوم أن أصبح ~~من رجال الدين. أنا لم أتخل قط عن ms044 نيتي تلك وكذلك لم يتخل أبي عن ~~أمنيته هذه، غير أنهما قد ماتتا على نحو طبيعي حين غادرت كامبريدج ~~وانضممت إلى رحلة «البيجل» بصفتي مختصا في التاريخ الطبيعي. ولئن ~~كان من الممكن أن نثق بعلماء الفراسة، فإنني كنت سأصلح من أحد الجوانب ~~لأن أكون رجل دين؛ فقبل بضع سنوات، أرسل إلي أمناء أحد الجمعيات ~~الألمانية المعنية بعلم النفس، خطابا يحثونني فيه على أن أرسل إليهم ~~صورة فوتوغرافية لي، وبعد ذلك بفترة قصيرة، تلقيت منهم خطابا ~~بمجريات أحد الاجتماعات، وقد بدا منه أن شكل رأسي كان محل نقاش عام، ~~وقد أعلن أحد المتحدثين أن رأسي به ذلك الانتفاخ الذي يدل على ~~التبجيل، وهو كبير بما يكفي لعشرة من القساوسة. # ونظرا لاتخاذ القرار بأن أكون من رجال الدين، فقد كان لزاما علي ~~أن ألتحق بإحدى الجامعات الإنجليزية وأن أنال شهادة منها، لكن نظرا ~~لأنني لم أفتح كتابا كلاسيكيا واحدا منذ أن غادرت المدرسة، فقد ~~هالني أنني اكتشفت نسياني لكل ما تعلمته، بالرغم من أن ذلك قد يبدو ~~غير معقول، وذلك في السنتين الفاصلتين فحسب، حتى إنني لم أعد أتذكر ~~سوى القليل من الحروف اليونانية؛ ولهذا، فإنني لم أتابع إجراءات ~~الالتحاق بكامبريدج في الوقت المعتاد في أكتوبر، بل درست مع معلم ~~خاص في شروزبيري وذهبت إلى كامبريدج بعد عطلة أعياد الميلاد، في بداية ~~عام 1828. وسرعان ما استعدت معرفتي الملائمة لمستوى المدرسة وكنت ~~أستطيع ترجمة السهل من الكتب اليونانية، مثل ملحمتي هوميروس والإنجيل ~~باليونانية، بمهارة متوسطة. # وبالنسبة إلى السنوات الثلاث التي قضيتها في كامبريدج، فقد كان ذلك ~~وقتا مهدرا، ولم تكن الدراسة الأكاديمية فيها تختلف شيئا عن الدراسة ~~في إدنبرة أو المدرسة. اخترت دراسة الرياضيات، وذهبت حتى في صيف عام ~~1828 مع معلم خاص (وهو رجل ممل للغاية) إلى بارماوث، لكنني كنت ~~أتقدم فيها ببطء شديد؛ فقد كانت دراستها منفرة بالنسبة لي، وقد ~~كان السبب الأساسي في ذلك هو أنني لم أستطع أن أجد أي معنى في ~~المراحل الأولى لدراسة علم الجبر. ولم يكن ms045 هذا التعجل سوى حماقة ~~مني، وقد أسفت بعد ذلك أسفا شديدا على أنني لم أواصل الدراسة حتى ~~أتمكن على الأقل من فهم المبادئ الأساسية في الرياضيات بدرجة كافية؛ ~~إذ يبدو أن الرجال الذين تمكنوا من ذلك يتمتعون بحاسة إضافية، غير ~~أنني أعتقد أنني لم أكن لأحرز سوى درجة ضعيفة للغاية فيها. وأما ~~بالنسبة إلى الكلاسيكيات، فلم أفعل شيئا سوى أنني قد حضرت عددا ~~قليلا من المحاضرات الإجبارية، وقد كان حضورا شكليا فحسب. وفي عامي ~~الثاني، كان علي أن أذاكر على مدى شهر أو شهرين لكي أنجح في ~~الاختبار التمهيدي لنيل درجة الليسانس، وهو ما تمكنت من فعله ~~بسهولة. ومرة أخرى في عامي الأخير، رحت أدرس ببعض الحماس كي أنال ~~شهادتي النهائية، فراجعت الأعمال الكلاسيكية مع القليل من الجبر وحساب ~~إقليدس، وهذا الأخير كنت أستمتع به بدرجة كبيرة، كما كانت هي الحال في ~~المدرسة. ولكي أجتاز اختبار الليسانس، كان علي أيضا أن أدرس كتابي ~~«براهين المسيحية» و«الفلسفة الأخلاقية» لبيلي. وقد درستهما بتدقيق، ~~وأنا مقتنع بأنني كنت سأتمكن من أن أعيد كتابة الكتاب الأول بأكمله ~~دون خطأ واحد، لكنني لم أكن لأتمكن بالطبع من كتابته بتلك اللغة ~~الواضحة التي كتبه بها بيلي. وقد استمتعت بمنطق هذا الكتاب وكذلك بمنطق ~~كتابه «اللاهوت الطبيعي»، قدر ما كنت أستمتع بحساب إقليدس. وقد كانت ~~دراسة هذه الأعمال دراسة متأنية دون محاولة حفظها عن ظهر قلب، هي الجزء ~~الوحيد من الدراسة الأكاديمية الذي كنت أرى آنذاك وما زلت أرى كذلك، ~~أنه الجزء الأقل فائدة في تثقيف عقلي. لم أكن أفكر آنذاك في فرضيات ~~بيلي، وإذ كنت أصدقها دون شك، فقد كنت مفتونا بالمسار الجدلي ~~الطويل الذي اتخذه، وكنت مقتنعا به. ولما أن أجبت جيدا عن ~~الأسئلة المتعلقة بكتب بيلي في الاختبار، وكذلك فيما يتعلق بإقليدس، ~~ولم أفشل فشلا ذريعا فيما يتعلق بالأعمال الكلاسيكية؛ فقد حصلت على ~~مرتبة جيدة بين الطلاب الذين لم يحصلوا على أعلى الدرجات. ومن الغريب ~~أنني لا أستطيع أن أتذكر ترتيبي بالتحديد، وتتأرجح ذاكرتي ms046 بين ~~المرتبة الخامسة والعاشرة والثانية عشرة في القائمة. [لقد ورد اسمه في ~~المرتبة العاشرة بقائمة يناير 1831.] # كانت المحاضرات العامة عن فروع متعددة من المعارف والعلوم تلقى في ~~الجامعة، وكان حضورها طوعيا إلى حد ما، لكنني كنت قد ضقت ذرعا ~~بالمحاضرات في إدنبرة حتى إنني لم أحضر محاضرات سيجويك التي كانت ~~تتميز بالبلاغة والإمتاع، ولربما لو فعلت ذلك، لأصبحت عالم جيولوجيا ~~في وقت سابق على ما فعلت. وبالرغم من ذلك، فقد كنت أحضر محاضرات ~~هنزلو عن علم النبات، وأحببتها للغاية لوضوحها الشديد وما كان يحضره ~~هنزلو من رسومات توضيحية رائعة، لكنني لم أدرس علم النبات. وقد اعتاد ~~هنزلو أن يأخذ طلابه، ومنهم عدد من الأعضاء الأقدم في الجامعة، في ~~رحلات ميدانية، سيرا على الأقدام أو في العربات أو في قارب عبر ~~النهر، لأماكن بعيدة، ويلقي محاضراته عن النباتات والحيوانات ~~النادرة التي يشاهدونها هناك. وقد كانت هذه الرحلات ممتعة. # بالرغم من أن هناك بعض الجوانب الأخرى المضيئة فيما قضيته من وقت في ~~كامبريدج، وذلك كما سنرى الآن، فقد كان وقتا مهدرا للأسف، بل أسوأ من ~~ذلك. فنظرا لحبي الشديد للقنص والصيد، ولركوب الخيل في الريف حين لم ~~يكن ذلك متوفرا، انضممت إلى مجموعة رياضية والتي كان من أعضائها ~~بعض الفتيان المتهتكين محدودي التفكير. وقد اعتدنا على أن نلتقي مساء ~~للعشاء معا في معظم الأحيان، وكثيرا ما كان يحضر هذه الأمسيات بعض ~~من الرجال الأعلى منزلة، وأحيانا كنا نفرط في الشراب وننطلق في ~~غناء مرح ثم نلعب بعض ألعاب الورق بعد ذلك. إنني أدرك أنه يجدر بي أن ~~أخجل من الأيام والأمسيات التي قضيتها على هذه الحال، لكني لما كنت ~~أستمتع بصحبة بعض أصدقائي، وقد كنا نقضي وقتا مبهجا للغاية، فلا ~~يسعني إلا أن أشعر بالسرور الشديد حين أستعيد ذكرياتي في هذه ~~الأوقات. # ويسعدني بالرغم من ذلك أن أقول إنني قد حظيت بالعديد من الأصدقاء ~~الآخرين الذين اختلفت طباعهم بدرجة كبيرة. فلقد جمعتني صداقة حميمة ~~بويتلي، [وهو المبجل سي ويتلي، كاهن درم الفخري، ms047 وأستاذ الفلسفة ~~الطبيعية المساعد السابق في جامعة درم] والذي حصل فيما بعد على أعلى ~~الدرجات في الرياضيات في كامبريدج، وقد اعتدنا أن نذهب معا ~~باستمرار للسير في جولات طويلة. وقد نقل إلي الاهتمام بالصور والصور ~~المنقوشة الجيدة، التي ابتعت بعضا منها. ولقد كنت أزور متحف ~~فيتسويليام باستمرار، وأعتقد أن حسي الفني كان جيدا إلى حد ما؛ ~~فلطالما أعجبتني أفضل الصور، وكنت أناقشها مع المسئول عن المتحف. كما ~~أنني قد قرأت كتاب السير جوشوا رينولد باهتمام كبير. وبالرغم من أن ~~هذا الاهتمام لم يكن مغروسا لدي بالفطرة، فإنه قد استمر معي لسنوات ~~عدة، وقد استمتعت كثيرا بالعديد من الصور المعروضة في المتحف الوطني ~~بلندن، حتى إن صورة سباستيان ديل بيمبو كانت تثير في شعورا ~~بالجلال والسمو. # وقد انضممت أيضا إلى مجموعة موسيقية، وأعتقد أن ذلك كان من خلال ~~صديقي الودود هربرت، [وهو الراحل جون موريس هربرت، قاضي كارديف ودائرة ~~مونماوث] الذي حصل على درجة عالية في الرياضيات. ومن خلال معرفتي ~~بهؤلاء الرجال واستماعي إليهم وهم يعزفون الموسيقى، نما اهتمامي الكبير ~~بالموسيقى، وغالبا ما كنت أختار موعد ذهابي للتجول بما يسمح لي ~~بسماع الترانيم في كنيسة كلية كينجز كوليدج. وقد كان ذلك يمنحني سرورا ~~عظيما، حتى إن القشعريرة كانت تنتابني أحيانا في جسمي. وأنا أثق ~~أن اهتمامي هذا بالموسيقى وحسي الفني الذي تشكل فيها، لهو أمر ~~بعيد كل البعد عن التصنع أو حتى التقليد؛ فقد اعتدت بوجه عام ~~أن أذهب وحدي إلى كينجز كوليدج، وأحيانا كنت أستعين بالصبيان من جوقة ~~المنشدين لكي يغنوا في حجرتي. وبالرغم من ذلك، فأنا لا أمتلك ~~أذنا موسيقية تستطيع تمييز النشاز في اللحن ولا أن أحافظ على الإيقاع ~~وأشدو بلحن على النحو الصحيح، وإنه لأمر ملغز حقا أنني كنت أتمكن من ~~الاستمتاع بالموسيقى. # وسرعان ما أدرك أصدقائي الموسيقيون ذلك الأمر، وأخذوا أحيانا ~~يتندرون علي بأن يعقدوا لي اختبارا يتمثل في حساب عدد الأنغام ~~التي يمكنني تمييزها عند عزفها بوتيرة أسرع أو أبطأ. وقد كان لحن ~~«ليحفظ الله ms048 الملك» عسيرا ومحيرا في تمييز أنغامه حين كان يعزف ~~بمثل هذه الطريقة. وقد كان هناك رجل آخر أيضا، أذنه ليست موسيقية ~~كأذني، ومن الغريب أنه كان يعزف قليلا على الناي، غير أنني قد تغلبت ~~عليه ذات مرة في واحد من هذه الاختبارات الموسيقية. # غير أنني لم أمارس في كامبريدج أيا من الأنشطة بمثل هذا الحماس ~~وذلك الشعور بالمتعة الذي كنت أمارس به نشاط جمع الخنافس. وقد كان ~~كل هذا الشغف والحماس، لجمعها فحسب؛ إذ إنني لم أكن أشرحها، ونادرا ~~ما كنت أقارن سماتها الخارجية بأوصافها المنشورة، لكنني كنت أحدد ~~أسماءها على أي حال. وسوف أوضح دليلا على حماسي هذا؛ بينما كنت أنزع ~~لحاء شجرة قديم في أحد الأيام، رأيت خنفستين نادرتين، وأمسكت كل ~~واحدة منهما في يد، ثم رأيت ثالثة من نوع مختلف ولم أتحمل أن ~~أضيعها؛ لذا فقد وضعت الخنفساء التي كنت أحملها في يدي اليمنى ~~بفمي. يا إلهي! لقد أفرزت في فمي سائلا لاذعا جدا، وقد ألهب ~~لساني، فاضطررت إلى أن أبصق الخنفساء من فمي، فضاعت مني، هي والخنفساء ~~الثالثة. # لقد كنت بارعا للغاية في الجمع وابتكرت له طريقتين؛ فقد كنت ~~أستعين بعامل لكي يكشط الطحالب عن الأشجار القديمة في فصل الشتاء، ~~ويضعها في كيس كبير، وكذلك كان يجمع القمامة من قاع القوارب التي كانت ~~تنقل البوص من المستنقعات؛ ومن ثم، فقد كنت أحصل على أنواع نادرة ~~للغاية. إن مقدار سروري حين رأيت في كتاب «صور للحشرات البريطانية» ~~لستيفنز تلك الكلمات السحرية «التقطها المحترم تشارلز داروين» كان يفوق ~~سرور أي شاعر برؤية أول قصيدة تنشر له. لقد تعرفت على علم ~~الحشرات من خلال ابن ابن عمة أبي ويليام داروين فوكس، وقد كان رجلا ~~ماهرا ولطيفا، وكان لا يزال آنذاك في كلية كرايست، وقد توطدت ~~أواصر الصداقة فيما بيننا. وبعد ذلك، أصبحت على قدر جيد من ~~المعرفة بالأمر، وكنت أذهب لجمع الحشرات مع ألبرت واي من كلية ترينيتي، ~~وهو الذي أصبح فيما بعد عالم آثار مشهورا، وكذلك مع إتش ms049 تومسون من ~~الكلية نفسها، والذي أصبح فيما بعد رائدا في مجال الزراعة، ورئيس ~~شركة سكة حديدية كبيرة وكذلك أحد أعضاء البرلمان. وهكذا، يبدو أن ~~الاهتمام بجمع الخنافس يعطي دلالة على النجاح في الحياة ~~مستقبلا! # إنني أتعجب من ذلك الانطباع الذي لا يمحى، والذي خلفته في عقلي ~~العديد من الخنافس التي أمسكت بها في كامبريدج. يمكنني أن أتذكر بكل ~~دقة، شكل بعض الأعمدة بعينها، وكذلك بعض الأشجار القديمة والضفاف التي ~~وجدت عليها بعض الخنافس الجيدة. كانت خنفساء الصليب الأرضية الجميلة ~~كنزا في تلك الأيام، وقد رأيت هنا في داون خنفساء تجري عبر أحد ~~الممرات، لكنني حين التقطتها لاحظت على الفور أنها تختلف اختلافا ~~طفيفا عن خنفساء الصليب الأرضية، واتضح بعد ذلك أنها الخنفساء الأرضية ~~بي ~~كوادريبيمكتاتوس P. quadripunctatus ~~، وهي صنف مختلف عنها أو نوع شديد ~~الصلة بها، لا يختلف عنها إلا قليلا في الشكل. لم أر في هذه الأيام ~~الخوالي أيا من الخنافس الأرضية ليسينياس # Licinus # وهي حية، وهي التي لا تميزها العين غير ~~المدربة عن العديد من الخنافس الأرضية السوداء، لكن أبنائي قد وجدوا ~~هنا واحدة منها، وقد أدركت على الفور أنها جديدة علي، لكنني لم أبصر ~~أي خنفساء بريطانية على مدى العشرين عاما الماضية. # إنني لم أذكر حتى الآن الحادثة التي أثرت في حياتي العملية كلها أكثر ~~من أي شيء آخر، ألا وهي: صداقتي مع البروفيسور هنزلو؛ فقبل أن ألتحق ~~بكامبريدج، سمعت عنه من أخي باعتباره رجلا يلم بجميع فروع العلوم، ~~وبناء على هذا، فقد كنت مستعدا لتبجيله. لقد كان يستضيف في منزله ~~لقاء مفتوحا كل أسبوع في المساء، يحضره جميع الطلبة وبعض أعضاء ~~الجامعة الأكبر سنا من المهتمين بالعلوم. وسرعان ما تلقيت ~~دعوة للحضور، عبر فوكس، وانتظمت في الذهاب إلى هناك. وفي وقت قصير، ~~توطدت علاقتي بهنزلو، وعلى مدى النصف الثاني من وجودي في كامبريدج، ~~كنت أذهب معه في جولات سير طويلة في معظم الأيام؛ ولهذا، فقد أطلق ~~علي بعض الأساتذة لقب «الرجل الذي يسير مع هنزلو»، وكثيرا ms050 ما كان ~~يدعوني في المساء لتناول العشاء مع أسرته. كان يتمتع بقدر كبير من ~~المعرفة في علم النبات والحشرات والكيمياء وعلم المعادن والجيولوجيا. ~~وكان يجد متعته الكبرى في استخلاص النتائج من الملاحظات المتواصلة ~~الدقيقة، وكان يتمتع بسداد الرأي، وكذلك كان تفكيره سليما ومتوازنا ~~بوجه عام، غير أنني لا أعتقد أن أحدا سيقول إنه كان يمتلك الكثير ~~من النبوغ الأصيل. كان متدينا للغاية وشديد التمسك بعقيدته حتى ~~إنه قد أخبرني ذات يوم أنه كان سيشعر بشديد الأسى إن تغيرت كلمة ~~واحدة في القواعد التسع والثلاثين للإيمان وفقا لكنيسة إنجلترا. ~~أما صفاته الأخلاقية، فقد كانت جديرة بالإعجاب من جميع النواحي؛ لم ~~يكن في تكوينه مثقال ذرة من كبر، أو غير ذلك من المشاعر الحقيرة؛ فلم ~~أر أحدا بهذا القدر من التواضع وهو الذي كان لا يفكر في نفسه أو ~~مصلحته إلا قليلا. كما كان هادئ المزاج والطباع، ويتمتع بكياسة وذوق ~~لا حدود لهما. بالرغم من ذلك، فقد رأيت أنه يمكن أن يثور غضبا من أي ~~تصرف سيئ، إلى أقصى درجات السخط والتصرف الحازم. # لقد رأيت ذات يوم بينما كنت أسير معه في شوارع كامبريدج منظرا ~~مريعا وكأننا نشاهد حدثا من الثورة الفرنسية؛ فقد شهدنا اعتقال ~~اثنين من نباشي القبور، وبينما هما يؤخذان إلى السجن، حررهما من ~~رجل الشرطة حشد من بعض الرجال الأشداء الذين راحوا يسحبونهما من ~~سيقانهما عبر الطريق الموحل والحجري. كان الوحل يغطيهما تماما، ~~وقد نزفا من وجهيهما، سواء من تلقي الركلات أو من الحجارة. كانا ~~يبدوان كالجثث، لكن الحشد كان كثيفا للغاية؛ فلم أبصر هذين ~~الكائنين البائسين سوى للحظات خاطفة. ولم أر في حياتي غضبا أشد ~~من ذلك الذي رأيته مرتسما على وجه هنزلو حين رأينا ذلك المشهد ~~البشع. لقد حاول أن يخترق الحشد مرارا، لكن ذلك كان محالا؛ فاندفع ~~مسرعا إلى العمدة، وأخبرني بألا أتبعه، وطلب مني أن أذهب لإحضار ~~المزيد من رجال الشرطة. وقد نسيت القضية فيما عدا أن الرجلين قد ~~دخلا السجن دون أن يقتلا. # لقد ms051 كان إحسان هنزلو واسعا ولا حدود له، كما قد أثبتت ذلك خططه ~~الممتازة لمساعدة الفقراء من سكان أبرشيته، وذلك حين أصبح كاهنا ~~لأبرشية هيتشام بعد ذلك بسنوات. لا بد أن لصداقتي مع رجل مثله ~~فائدة كبيرة للغاية. ولا أستطيع هنا أن أقاوم ذكر هذه الحادثة ~~البسيطة، التي تبرز تفهمه وعطفه؛ فبينما كنت أفحص بعض حبوب اللقاح ~~على سطح رطب، لاحظت أن الأنابيب بارزة؛ فاندفعت ذاهبا إليه أخبره ~~باكتشافي المدهش. والآن لا يسعني إلا أن أتخيل أن أي عالم نبات آخر ~~لم يكن ليفعل أي شيء آخر سوى السخرية مني ومن مجيئي في مثل هذه العجلة ~~لأخبره بذلك، غير أنه اتفق معي في أنها ظاهرة غريبة، وشرح لي معناها، ~~ثم أوضح لي أيضا أنها ظاهرة معروفة للغاية؛ ومن ثم، فلم أكن خجلا ~~من نفسي على الإطلاق، وإنما كنت مسرورا لأنني اكتشفت هذه الحقيقة ~~بنفسي، غير أنني قد عزمت على ألا أسرع في التصريح باكتشافاتي بعد ~~ذلك. # كان الدكتور هيوويل أحد الرجال الكبار السن المميزين الذين كانوا ~~يأتون لزيارة هنزلو، وفي كثير من الأحيان، كنت أصحبه سيرا على الأقدام ~~إلى منزله ليلا. وقد كان يلي السير جيه ماكينتوش في كونه أفضل من ~~استمعت إليهم يتحدثون في الموضوعات المعقدة. وأما ليونارد جينينز ~~[الذي كان سوم جينينز الشهير أحد أبناء عمومة والده] الذي نشر فيما ~~بعد بعض المقالات الجيدة في التاريخ الطبيعي؛ # 1 # فقد كان أخا زوجة هنزلو وكثيرا ما كان يمكث معه. لقد ~~زرته في بيته الكنسي، الذي يقع على حدود منطقة فينز [سوافهام ~~بولبيك]، وصحبته في العديد من الجولات التي استمتعت فيها بالحديث معه ~~عن التاريخ الطبيعي. وتعرفت أيضا على العديد من الرجال الآخرين ~~الذين كانوا أكبر مني سنا، ولم يكونوا من المهتمين بالعلوم، لكنهم ~~كانوا أصدقاء لهنزلو. كان أحدهم اسكتلنديا، وهو أخو السير ألكسندر ~~رامزي، وكان معلما في كلية يسوع: لقد كان رجلا لطيفا، لكنه لم يعش ~~طويلا. ومن هؤلاء الرجال أيضا السيد دوز، الذي أصبح فيما بعد رئيس ~~كاتدرائية هيرفيرد، ms052 واشتهر بنجاحه في تعليم الفقراء. وقد اعتاد هذان ~~الرجلان وغيرهما ممن هم في المكانة نفسها أن يذهبوا مع هنزلو في رحلات ~~بعيدة إلى الريف كان يسمح لي بالذهاب فيها معهم، وقد كانوا يعاملونني ~~بغاية اللطف. # حين أعيد النظر في الماضي، أستدل منه على أنني كنت أتفوق على ~~بقية الشباب في شيء ما، وإلا لما سمح لي أولئك الرجال بالاختلاط بهم، ~~وهم أكبر مني في السن والمكانة الأكاديمية. ولم أكن مدركا لمثل هذا ~~التفوق بالطبع، وأذكر أن صديقي تيرنر، وهو أحد الأصدقاء الذين كنت ~~أمارس معهم الرياضة، قد رآني منشغلا بالعمل مع خنافسي؛ فقال بأنني ~~سأصبح عضوا في الجمعية الملكية ذات يوم، وقد بدت لي تلك الفكرة حينها ~~مستحيلة. # خلال عامي الأخير في كامبريدج، قرأت كتاب «سرد شخصي» لصاحبه ~~هومبولت، بعناية واهتمام شديدين، وقد أثار في هذا العمل، وكذلك ~~كتاب السير جيه هيرشيل «مقدمة إلى دراسة الفلسفة الطبيعية»، حماسا ~~متوقدا لأن أضيف إلى ذلك الصرح العظيم للعلوم الطبيعية، حتى إن كان ~~ما سأضيفه جزءا يسيرا للغاية. لم يؤثر في كتاب آخر، ولا حتى ~~عشرات من الكتب، مثلما أثر في هذان الكتابان. لقد نسخت من كتاب ~~هومبولت فقرات طويلة عن تينيريف، وقرأتها بصوت عال في إحدى تلك ~~الرحلات السابق ذكرها، على (حسب اعتقادي) هنزلو ورامزي ودوز؛ ذلك أنني ~~كنت قد تحدثت في مرة سابقة عن عظمة جزيرة تينيريف، وقد أعلن بعضهم ~~عن رغبتهم في الذهاب إليها، لكنني أعتقد أنها لم تكن رغبة صادقة ~~تماما. أما أنا، فقد كانت رغبتي صادقة تماما، وتحدثت مع تاجر في ~~لندن كي أسأله عن السفن، لكن تلك الخطة قد ألغيت بالطبع، بسبب رحلة ~~«البيجل». # كنت أقضي عطلة الصيف في جمع الخنافس وقراءة بعض الكتب والذهاب في ~~جولات قصيرة. أما في الخريف، فقد كان وقتي كله مخصصا للصيد، لا سيما في وودهاوس ومير، وأحيانا مع إيتون الصغير في إيتون. وبصفة ~~عامة، فإن السنوات الثلاث التي قضيتها في كامبريدج، كانت هي الأكثر ~~مرحا في حياتي السعيدة؛ إذ كنت آنذاك ms053 بصحة ممتازة ومنشرح الصدر في ~~معظم الأوقات. # حيث إنني قد قدمت إلى كامبريدج في البداية في أعياد الميلاد؛ فقد ~~كان علي أن أدرس لفصلين دراسيين بعد النجاح في الاختبار النهائي، ~~في بداية عام 1831، وقد أقنعني هنزلو آنذاك بأن أبدأ في دراسة ~~الجيولوجيا؛ ولذا حين عدت إلى شروبشاير، رحت أفحص القطاعات، وقمت ~~بتلوين خريطة خاصة بالأجزاء المحيطة بشروزبيري. وكان البروفيسور ~~سيجويك ينوي زيارة شمال ويلز في بداية أغسطس ليستكمل أبحاثه ~~الجيولوجية الشهيرة على الصخور القديمة، وقد طلب منه هنزلو أن يصحبني ~~معه؛ وبناء على ذلك، فقد أتى وبات الليلة في منزل أبي. # دخلت معه في محادثة قصيرة في ذلك المساء، والتي قد تركت انطباعا ~~قويا في ذهني. كان أحد العمال قد أخبرني أنه بينما كان يفحص حفرة ~~قديمة من الحصى بالقرب من شروزبيري، قد وجد صدفة حلزونية استوائية ~~كبيرة وبالية، كالتي نراها في القطع التي تزين مدافئ البيوت ~~الريفية، ولأنه رفض بيع الصدفة، فقد كنت مقتنعا بأنه وجدها في ~~الحفرة بالفعل. أخبرت سيجويك بالواقعة، وفورا قال (وكان محقا بلا ~~شك) إنه لا بد أن أحدا قد ألقاها في الحفرة، لكنه أضاف بعد ذلك ~~أنها إن كانت جزءا من الحفرة بالفعل، فسوف تكون كارثة عظيمة ~~للجيولوجيا؛ إذ إن ذلك سيطيح بكل ما نعرفه عن الرواسب السطحية في ~~مقاطعات منطقة ميدلاند. والواقع أن هذه الطبقات الأرضية من الحصى ~~تعود إلى العصر الجليدي، وقد وجدت فيها بعد ذلك بسنوات بعض الأصداف ~~القطبية المكسورة. لكنني كنت في غاية الدهشة حينذاك من أن سيجويك لم ~~يكن مسرورا بهذا الاكتشاف الرائع لوجود صدفة استوائية بالقرب من ~~السطح في وسط إنجلترا. وبالرغم من قراءتي للكثير من الكتب العلمية ~~المتنوعة، فإن تلك الحادثة هي أول ما جعلني أدرك تماما أن العلم ~~يقوم على تجميع الحقائق؛ بحيث يمكن استخلاص النتائج والقوانين العامة ~~منها. # وفي الصباح التالي، ذهبنا إلى لانجولين وكوني وبانجور وكابل كيريج. ~~وقد كان لتلك الجولة فائدة كبيرة لي؛ إذ جعلتني أتعرف قليلا على ~~كيفية فهم الطبيعة الجيولوجية لبلد ms054 ما. فكثيرا ما كان سيجويك يرسلني ~~في اتجاه مواز للاتجاه الذي يسلكه، ويطلب مني أن أحضر معي عينات من ~~الصخور وأن أحدد ترسب الطبقات على الخريطة. وأنا أشك بأنه قد فعل ~~ذلك لأي شيء سوى مصلحتي؛ فما كان لعلمي القليل أن يساعده بأي شيء. ~~وفي هذه الجولة، شهدت مثالا صارخا على مدى سهولة أن يغفل المرء ~~ظواهر معينة رغم وضوحها الشديد، حتى يلاحظها أحدهم. فقد مكثنا ساعات ~~عدة في كوم إدوال، نفحص الصخور بعناية شديدة؛ إذ كان سيجويك مترقبا ~~لأن يجد بعض الحفريات بها، لكن أحدا منا لم يلاحظ قط أي أثر لتلك ~~الظواهر الجليدية الرائعة التي تحيط بنا؛ فلم نلاحظ الصخور المحززة ~~ولا الجلاميد الجاثمة ولا الركام الجليدي الجانبي والطرفي. لكن كانت ~~تلك الظواهر بارزة للغاية، لدرجة أنني ذكرت في ورقة بحثية قد نشرت ~~بعد ذلك بسنوات في مجلة «فيلوسوفيكال ماجازين» # 2 # أن منزلا قد أكلته النيران لم يكن ليبوح بقصته بوضوح ~~أكبر من هذا الوادي. ولو ظل هذا الوادي ممتلئا بكتلة جليدية، لكانت ~~هذه الظواهر أقل وضوحا مما هي عليه الآن. # وفي كابل كيريج، تركت سيجويك بمفرده وسرت في اتجاه مستقيم ~~مستعينا بالبوصلة والخريطة عبر الجبال وصولا إلى بارماوث، ولم أسلك ~~أي طريق ما لم يكن متوافقا مع مساري؛ فأتيت على بعض الأماكن ~~البرية الغريبة، وقد استمتعت كثيرا بهذه الطريقة في السفر. زرت ~~بارماوث لأرى بعض الأصدقاء من كامبريدج كانوا يقومون بالدراسة هناك، ثم ~~عدت إلى شروزبيري ومير من أجل الصيد؛ ففي هذا الوقت، كنت أحسبني قد ~~جننت إن تخليت عن صيد الحجل في سبيل الجيولوجيا أو غيرها من ~~العلوم. ~~(2) رحلة «البيجل» من 27 ديسمبر 1831 إلى 2 أكتوبر 1836 # حين عدت إلى المنزل بعد جولتي الجيولوجية القصيرة في شمال ~~ويلز، وجدت خطابا من هنزلو يخبرني فيه بأن القبطان فيتزروي ~~مستعد لأن يخصص جزءا من مقصورته لأي شاب يتطوع بالذهاب معه ~~دون أجر باعتباره اختصاصيا في التاريخ الطبيعي في رحلة ~~«البيجل». وأعتقد أنني قد أوردت في دفتر يومياتي ms055 شرحا لجميع ~~الظروف التي حدثت حينذاك؛ لذا لن أذكر هنا سوى أنني تحمست على ~~الفور لقبول العرض، غير أن أبي عارض بشدة، لكنه لحسن الحظ قد ~~قال لي: «إذا وجدت رجلا واحدا حكيما ينصحك بالذهاب، فسوف ~~أعطيك موافقتي.» لذا، فقد كتبت خطابا في ذلك المساء ورفضت ~~العرض. وفي الصباح التالي، ذهبت إلى مير لكي أستعد لليوم الأول من ~~سبتمبر، وبينما كنت أصيد في الخارج ، بعث عمي [جوزايا ويدجوود] في ~~طلبي، وعرض علي أن يقلني بالعربة إلى شروزبيري ويتحدث مع ~~والدي؛ إذ كان يرى أنه من الحكمة أن أقبل العرض. ولطالما كان أبي ~~يرى أنه من أرجح الرجال عقلا، ووافق على الفور بمنتهى اللطف. ~~لقد كنت مسرفا بعض الشيء في كامبريدج؛ لذا، فقد قلت لوالدي كي ~~أواسيه: «يجب أن أكون بارعا جدا لأنفق أكثر من مخصصاتي ~~المالية وأنا على متن «البيجل».» فأجابني بابتسامة: «لكنهم أخبروني ~~بأنك بارع للغاية.» # في اليوم التالي، ذهبت إلى كامبريدج لكي أرى هنزلو، ومن هناك، ~~ذهبت إلى لندن لكي أرى فيتزروي، وسرعان ما رتبنا الأمر. وحين ~~توطدت علاقتي بفيتزروي فيما بعد، سمعت أنه كاد يرفضني ~~بسبب شكل أنفي! لقد كان من أشد المعجبين بلافاتار ~~والمؤيدين له، وكان مقتنعا بأنه يستطيع أن يحكم على شخصية ~~المرء من خلال شكل ملامحه، وقد كان يشك في أن شخصا بمثل أنفي ~~يمكن أن يكون لديه القدر الكافي من الطاقة والعزم للقيام ~~بالرحلة، لكنني أعتقد أنه اقتنع بعد ذلك بأن أنفي لم تعبر ~~جيدا عني. # كان فيتزروي يتمتع بشخصية فريدة تمتاز بالعديد من الصفات ~~النبيلة؛ فقد كان مخلصا لواجبه، وكريما إلى أقصى درجة، وجريئا، ~~وحاسما، وكذلك كان يتمتع بنشاط لا حدود له. وكان صديقا مخلصا ~~لجميع من هم تحت قيادته؛ فقد كان يخوض كل عسير لمساعدة من ~~يستحقون المساعدة. وكان رجلا وسيما شديد الشبه بالنبلاء، ولطيفا ~~دمث الخلق، وقد كان يشبه في ذلك خاله الشهير اللورد كاسلراي، وذلك ~~كما أخبرني الكاهن في ريو. وعلى أي حال، لا بد أنه قد ورث الكثير ms056 ~~من ملامحه من الملك تشارلز الثاني؛ فقد أعطاني الدكتور ووليك ~~مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي كان قد جمعها، وقد أدهشني ما ~~رأيته من شبه شديد بين فيتزروي وبين إحدى الشخصيات فيها، وحين ~~نظرت إلى اسمه، وجدت أنه إتش إي سوبيسكي ستيوارت، وهو كونت ~~ألباني وسليل الملك نفسه. # كان فيتزروي يتمتع بمزاج سيئ للغاية. وكانت أسوأ حالاته عادة ~~في الصباح الباكر، وبعينيه الحادتين كعيني العقاب ، كان يمكنه ~~أن يكتشف أي خطأ في السفينة؛ فيلوم من فعله لوما قاسيا. لقد ~~كان لطيفا للغاية معي، لكنه كان رجلا يصعب العيش معه على مستوى ~~شخصي، وقد كان ذلك حتميا إذ كنا نقضي الوقت معا في مقصورته التي ~~كنا نتشاركها. دبت بيننا خلافات عدة؛ ففي بداية الرحلة في باهيا ~~في البرازيل على سبيل المثال، أيد العبودية واستحسنها، بينما ~~كنت أبغضها، وأخبرني أنه زار للتو أحد ملاك العبيد الكبار، ~~وقد نادى هذا الرجل على عدد من عبيده وسألهم عما إذا كانوا سعداء ~~أم لا، وما إذا كانوا يريدون الحرية، فأجابوا بأنهم لا يريدونها. ~~وقد سألته بعد ذلك، ببعض السخرية ربما، عما إذا كان يعتقد أن ~~إجابة العبيد في حضور سيدهم تعني أي شيء على الإطلاق، فاستشاط ~~غضبا وقال إنني أشكك في كلامه وإننا لا يمكننا العيش معا بعد ~~الآن. وقد ظننت أنني سأرغم على مغادرة السفينة، لكن بمجرد أن ~~انتشر الخبر، وهو ما حدث بسرعة؛ إذ طلب القبطان من الملازم الأول ~~أن يذهب لتهدئة غضبه، وذلك من خلال الإساءة إلي، شعرت براحة ~~كبيرة؛ إذ تلقيت دعوة من جميع صغار الضباط بمشاركة غرفتهم. ~~غير أنه بعد ساعات قليلة، قد أبدى فيتزروي مروءته المعتادة وأرسل ~~إلي أحد الضباط باعتذار منه وطلبه بأن أستمر في العيش ~~معه. # لقد كان شخصا من أنبل من عرفتهم على الإطلاق، وذلك في العديد ~~من الجوانب. # لقد كانت رحلة «البيجل» هي أهم حدث في حياتي على الإطلاق، وقد ~~حددت شكل مساري المهني بأكمله، لكنها توقفت على أمر صغير ~~للغاية، وهو أن عمي قد عرض ms057 علي أن يقلني في عربته لمسافة ~~ثلاثين ميلا حتى شروزبيري، وهو أمر ما كان ليفعله الكثيرون من ~~الأعمام، وكذلك على أمر تافه للغاية مثل شكل أنفي. لقد كنت أشعر ~~دوما بأنني أدين لهذه الرحلة أنها وفرت لي الفرصة في أن أحظى ~~بأول تدريب وتثقيف حقيقي لذهني؛ فدفعتني إلى الاهتمام الشديد ~~بالعديد من فروع التاريخ الطبيعي؛ ومن ثم، فقد تحسنت مهاراتي ~~في الملاحظة، بالرغم من أنها كانت جيدة على الدوام. # لقد كانت دراسة الطبيعة الجيولوجية لجميع الأماكن التي نزورها من ~~أهم الأمور؛ إذ كان الاستدلال المنطقي يؤدي في ذلك دورا كبيرا؛ ~~فعند فحص منطقة جديدة للمرة الأولى، فإننا لا نجد شيئا أدعى ~~للقنوط من فوضى الصخور، غير أن تسجيل ترتيب الطبقات، وطبيعة ~~الصخور، والحفريات في أماكن متعددة، مع عمل بعض الاستنتاجات ~~والتنبؤ بما سنجده في أماكن أخرى، سرعان ما يجعل معالم المنطقة ~~وخصائصها تتضح شيئا فشيئا، ويصبح تركيب المنطقة بأكملها مفهوما ~~إلى حد ما. كنت قد أحضرت معي الجزء الأول من كتاب لايل «مبادئ ~~الجيولوجيا»، وهو الذي درسته بعناية كبيرة، وقد أفادني فائدة ~~عظيمة في العديد من النواحي. وكان أول مكان أفحصه على الإطلاق، ~~وهو سانت جاجو في جزر الرأس الأخضر (كيب دي فيردي)، قد كشف لي ~~بوضوح عن التميز الرائع لأسلوب لايل في تناول علم الجيولوجيا، ~~وذلك مقارنة بأسلوب أي مؤلف آخر كنت أصطحب أعماله في ذلك ~~الوقت أو قرأت له بعد ذلك. # ومن المهام الأخرى التي كنت أقوم بها جمع الحيوانات من ~~الفئات جميعها، مع وصفها باختصار وتشريح العديد من البحري منها. ~~غير أنني لم أكن أستطيع الرسم، ولم أمتلك قدرا كافيا من المعرفة ~~بعلم التشريح؛ ومن ثم فقد اتضح أن الكثير من الملاحظات التي ~~دونتها في أثناء الرحلة عديم الفائدة بدرجة كبيرة. وبهذا، فقد ~~أضعت الكثير من الوقت، فيما عدا الوقت الذي قضيته في اكتساب بعض ~~المعرفة عن القشريات؛ إذ أفادني ذلك في سنوات لاحقة حين أجريت ~~أفرودة عن هدابيات الأرجل. # كنت أقتطع جزءا من فترة النهار أكتب ms058 فيه يومياتي، وقد كنت أبذل ~~قصارى جهدي كي أصف كل ما رأيته بدقة ووضوح شديد، وقد كان ذلك ~~تدريبا جيدا. وكذلك كانت مفكرتي في جزء منها بمنزلة خطابات إلى ~~عائلتي، وقد كان بعضها يرسل إلى إنجلترا متى سنحت الفرصة ~~بذلك. # بالرغم من ذلك، فكل ما ذكرته سابقا من هذه الدراسات المتنوعة ~~المتخصصة لا يعدل في أهميته عادة المثابرة والانتباه الشديد لأي ~~شيء أكون منخرطا فيه، والتي اكتسبتها حينذاك. وقد كان لكل ما ~~أفكر فيه أو أقرؤه صلة مباشرة بما أراه أو ما هو متوقع أن أراه، ~~وقد استمرت معي هذه العادة الذهنية على مدى السنوات الخمس التي ~~قضيتها في الرحلة. وأنا متيقن من أن هذا التدريب هو ما مكنني من ~~القيام بأي شيء قد أنجزته في مجال العلوم. # وإذ أعيد النظر في الماضي، أدرك الآن أن حبي للعلوم قد طغى ~~بالتدريج على جميع اهتماماتي الأخرى. فعلى مدى العامين ~~الأولين، استمر معي شغفي القديم بالصيد بالدرجة نفسها تقريبا، ~~وقد اصطدت بنفسي جميع الطيور والحيوانات التي اقتنيتها في ~~مجموعتي، لكنني قد بدأت أتخلى عن بندقيتي شيئا فشيئا، ثم ~~أعطيتها لخادمي؛ إذ كان الصيد يتداخل مع عملي، لا سيما مع فهم ~~التركيب الجيولوجي لبلد ما. وقد اكتشفت، وإن كان ذلك بنحو غير واع ~~وغير محسوس، أن المتعة التي أجنيها من الملاحظة والاستدلال هي ~~أكبر كثيرا من المتعة التي كنت أجنيها من المهارة والرياضة. ~~وأما ما إذا كان ذهني قد أصبح أكثر تطورا من خلال ما قمت به ~~في الرحلة من أبحاث ومجهودات، فهو أمر مرجح، ويدل على ذلك تعليق ~~أبي، والذي كان أكثر من عرفتهم دقة في الملاحظة، وكان أيضا ذا ~~نزعة شكوكية وغير مؤمن على الإطلاق بعلم فراسة الدماغ: إذ فور أن ~~رآني بعد عودتي من الرحلة، استدار إلى أخواتي وقال لهن باندهاش: ~~«عجبا! لقد تغير شكل رأسه بعض الشيء.» # لنعد الآن ثانية إلى الرحلة. في الحادي عشر من سبتمبر (عام ~~1831)، ذهبت مع فيتزروي في زيارة سريعة إلى سفينة «البيجل» في ~~بليموث، ms059 ومن هناك ذهبت إلى شروزبيري لكي أودع أبي وأخواتي لأني ~~توقعت أني لن أراهم لفترة طويلة. وفي الرابع والعشرين من أكتوبر، ~~أقمت في بليموث وظللت هناك حتى السابع والعشرين من ديسمبر، وذلك ~~حين غادرت «البيجل» أخيرا شواطئ إنجلترا لكي تذهب في رحلتها ~~للإبحار حول العالم. كنا قد حاولنا الإبحار مرتين قبل ذلك، غير ~~أن العواصف العاتية كانت تعيدنا مرة أخرى. وقد كان هذان الشهران ~~اللذان قضيتهما في بليموث هما الأكثر تعاسة على الإطلاق، بالرغم من ~~أنني كنت أشغل نفسي فيها بشتى الطرق؛ فقد كنت مغموما لابتعادي عن ~~عائلتي وأصدقائي لفترة طويلة، وقد بدا لي الطقس كئيبا بدرجة لا ~~يمكن وصفها. وكذلك كنت أعاني من ألم في القلب وعدم انتظام ~~نبضاته، ومثل غيري العديد من الشباب معدومي الخبرة، ولا سيما مع ~~معرفتي السطحية بالطب، فقد كنت مقتنعا بأنني أعاني من مرض في ~~القلب. لم أستشر أي طبيب؛ إذ إنني كنت أتوقع أن أسمع حكمه ~~بأنني غير صالح للذهاب في الرحلة، وكنت قد عزمت على الذهاب ~~بالرغم من جميع المخاطر. # لا أحتاج هنا إلى سرد أحداث الرحلة - الأماكن التي زرناها وما ~~فعلناه فيها - إذ إنني قد قدمت وصفا كافيا لذلك في يومياتي ~~التي نشرت. إن عظمة نباتات المناطق الاستوائية ما تزال تتجلى ~~الآن أمام ذهني بحيوية أكثر من أي شيء آخر؛ رغم أن ما أثارته ~~في الصحاري العظيمة في باتاجونيا والجبال المكسوة بالغابات في ~~أرخبيل تييرا ديل فويجو من إحساس بالجلال قد ترك في ذهني انطباعا ~~لا يمحى. وكذلك فإن رؤية همجي عار في موطنه الأصلي لهو مشهد ~~لا ينسى. كما كانت العديد من جولاتي في المناطق البرية، التي كنت ~~أقوم بها على ظهر جوادي أو على متن القوارب والتي كان بعضها ~~يستمر لأسابيع، مثيرة للغاية، ولم يكن ما كنت أجده فيها من ~~المشقة وبعض المخاطر سوى عقبة يسيرة في ذلك الوقت، لكنها حتى لم ~~تعد كذلك فيما بعد. وإنني لأنظر إلى بعض إنجازاتي العلمية فيها ~~برضا كبير؛ مثل حل مشكلة الجزر ms060 المرجانية، والتوصل إلى التركيب ~~الجيولوجي لجزر معينة؛ مثل جزيرة سانت هيلينا. وكذلك لا يمكنني ~~إغفال اكتشاف العلاقات المميزة التي تربط بين الحيوانات والنباتات ~~التي تستوطن العديد من الجزر في أرخبيل جالاباجوس، وعلاقتها ~~جميعا بسكان أمريكا الجنوبية. # أستطيع القول إنني قد بذلت قصارى جهدي في الرحلة وكان ذلك ~~نابعا من استمتاعي الخالص بالبحث، وكذلك من رغبتي القوية في إضافة ~~القليل من الحقائق إلى هذا القدر الضخم من الحقائق المعروفة في ~~مجال العلوم الطبيعية. غير أنني كنت أطمح أيضا إلى أن أحظى ~~بمكانة جيدة بين رجال العلم؛ أما ما إذا كنت أكثر طموحا من ~~معظم زملائي في العمل في الرحلة أم لا، فذلك ما لا أستطيع تكوين ~~رأي بشأنه. # لقد كانت الطبيعة الجيولوجية لسانت جاجو، لافتة للنظر بنحو ~~كبير بالرغم من بساطتها؛ فقد تدفق فيها فيما مضى تيار من الحمم ~~البركانية على قاع البحر المكون من الأصداف والمرجانيات المسحوقة ~~الحديثة، وهو الذي حولته إلى صخر صلب أبيض. لقد ارتفعت ~~الجزيرة بأكملها إلى الأعلى منذ ذلك الحين، لكن خط الصخر ~~الأبيض قد كشف لي حقيقة جديدة ومهمة، وهي أنه قد حدث بعد ذلك ~~هبوط حول فوهات البراكين، التي كانت نشطة منذ ذلك الحين وصبت ~~المزيد من الحمم البركانية. لقد خطر لي في بداية الأمر حينذاك ~~أنني قد أكتب كتابا عن الطبيعة الجيولوجية للبلاد المختلفة التي ~~زرتها، وقد ملأني ذلك بالحماسة والسرور. لقد كانت تلك ساعة لا ~~تنسى، وإنني ما زلت أتذكر بوضوح ذلك المنحدر المنخفض الذي ~~يتكون من الحمم البركانية، والذي جلست أستريح تحته، بينما تتوهج ~~الشمس بالحرارة، وتنمو بالقرب مني بعض النباتات الصحراوية الغريبة، ~~ومن تحت أقدامي توجد المرجانيات الحية في البرك التي يصنعها ~~المد والجزر. وفي وقت لاحق في الرحلة، طلب مني فيتزروي أن أقرأ ~~عليه بعضا من مذكراتي، وقد قال بأنها تستحق النشر؛ وهكذا فقد ~~أصبح لدي مشروع كتاب آخر! # وقبيل نهاية الرحلة، تلقيت خطابا من أخواتي، عندما كنت في ~~أسينشان، جاء فيه أن سيجويك قد زار والدي وأخبره بأنني ms061 سأتبوأ ~~مكانة كبيرة بين رجال العلم البارزين. لم أفهم في ذلك الوقت كيف ~~تسنى له أن يعرف أي شيء عما كنت أقوم به، لكنني سمعت (بعد ذلك ~~على ما أعتقد) أن هنزلو قد قرأ بعضا من الخطابات التي أرسلتها ~~له على الجمعية الفلسفية في كامبريدج، # 3 # وطبعها لتوزيعها على أعضائها. وكذلك فقد لاقت مجموعة ~~الحفريات العظمية التي أرسلتها لهنزلو اهتماما كبيرا من علماء ~~الحفريات. وبعد قراءة هذا الخطاب، تسلقت جبال أسينشان ورحت ~~أخطو بخطوات واثقة عليها حتى دوت الصخور البركانية تحت مطرقتي ~~الجيولوجية. إن كل ذلك يدل على مدى طموحي، لكنني أعتقد أنه ~~يمكنني أن أقول بصدق إنه في السنوات اللاحقة، وبالرغم من حرصي ~~الشديد على نيل استحسان رجال مثل لايل وهوكر، وهم الذين كانوا ~~أصدقائي، فإنني لم أحرص كثيرا على نيل استحسان الجمهور. وأنا ~~لا أعني بذلك أن الاستقبال الإيجابي لكتبي، أو تحقيقها لمبيعات ~~كبيرة، لم يكن يسعدني بدرجة كبيرة، غير أن هذا الشعور بالسعادة، ~~سرعان ما كان يتلاشى، وأنا متأكد أنني لم أحد عن مساري مقدار ~~بوصة واحدة لأحظى بالشهرة. ~~(3) من عودتي إلى إنجلترا (2 أكتوبر 1836) حتى زواجي (29 يناير ~~1839) # كانت هذه الفترة والتي تمثلت في سنتين وثلاثة أشهر، هي ~~الفترة الأكثر نشاطا في حياتي، بالرغم من أنني لم أكن على ما ~~يرام في بعض الأحيان، وكنت شاردا في أحيان أخرى. وبعد التردد ~~لمرات عديدة على شروزبيري ومير وكامبريدج ولندن ذهابا وإيابا، ~~استقرت إقامتي في كامبريدج [بشارع فيتسويليام] في الثالث عشر من ~~ديسمبر؛ حيث كانت مجموعاتي كلها تحت رعاية هنزلو. وقد أقمت هناك ~~لمدة ثلاثة شهور، وفحصت معادني وصخوري بمساعدة البروفيسور ~~ميلر. # بدأت في الإعداد ل «يوميات الرحلات» ولم يكن ذلك عملا شاقا؛ ~~إذ كنت قد دونت يومياتي بعناية، وكان جهدي الأساسي منصبا على ~~كتابة ملخص بنتائجي العلمية الأكثر أهمية. وبناء على طلب لايل، ~~أرسلت إلى الجمعية الجيولوجية، تقريرا قصيرا بملاحظاتي عن ارتفاع ~~ساحل تشيلي. # 4 # في السابع من مارس عام 1837، أقمت في شارع جريت مالبرا في لندن، ms062 ~~وظللت هناك قرابة العامين إلى أن تزوجت. وخلال هذين العامين، ~~أنهيت يومياتي وقرأت العديد من الأوراق البحثية على الجمعية ~~الجيولوجية، وبدأت في إعداد مخطوطة كتابي «ملاحظات جيولوجية» ~~ورتبت لنشر عملي «دراسة حيوانات رحلة «البيجل»». وفي يوليو، فتحت ~~أول دفتر لي للكتابة عن بعض الحقائق المرتبطة بموضوع أصل الأنواع، ~~والذي ما برحت أفكر فيه وأعمل عليه دون توقف على مدى ~~العشرين عاما التالية. # وخلال هذين العامين، اندمجت أيضا قليلا في المجتمع، وعملت ~~كأحد الأمناء الشرفيين للجمعية الجيولوجية. كما أنني قد التقيت ~~كثيرا بلايل واقتربت منه. وكانت إحدى سماته البارزة هي تشجيعه ~~لأعمال الآخرين، وقد كنت مندهشا وسعيدا في الوقت نفسه حين أظهر ~~اهتمامه بآرائي عن الشعاب المرجانية، وهي التي شرحتها له عند ~~عودتي إلى إنجلترا. لقد شجعني ذلك كثيرا، وقد كان لنصائحه ~~ومثاله تأثير عظيم على شخصي. وفي هذه الأثناء أيضا، كنت ألتقي ~~كثيرا بروبرت براون؛ فكثيرا ما كنت أزوره وأجلس معه على الإفطار ~~في صباح أيام الأحد، وقد كان حديثه يفيض بكنز من الملاحظات الشائقة ~~والتعليقات الثاقبة، لكنها دائما ما كانت ترتبط بنقاط محددة، ~~ولم يناقش معي مطلقا الأسئلة العامة أو الكبيرة فيما يتعلق ~~بالعلوم. # وخلال هذين العامين، قمت بالعديد من الجولات القصيرة ~~للاسترخاء، وقمت بجولة أطول إلى الطرق المتوازية في منطقة جلين ~~روي، وهي التي قد نشرت سردا لها في مجلة «فيلوسوفيكال ~~ترانزاكشنز». # 5 # لقد كانت هذه الورقة البحثية فاشلة للغاية، وإنني ~~لأشعر بالخزي منها؛ فحيث إنني كنت منبهرا بما رأيته من ارتفاع ~~أرض أمريكا الجنوبية، فقد عزوت السبب في هذه الخطوط الساحلية ~~المتوازية إلى فعل البحر، لكنني اضطررت إلى التخلي عن هذا الرأي ~~حين طرح أجاسي نظريته عن البحيرة الجليدية. ولأن ذلك كان هو ~~التفسير الوحيد في ظل الحالة المعرفية آنذاك، فقد أيدت نظرية فعل ~~البحر، وكان خطئي هذا درسا جيدا لي بألا أثق في العلم بمبدأ ~~الاستبعاد. # ولأنني لم أستطع العمل بمجال العلم طيلة اليوم، فقد قرأت خلال ~~هذين العامين قدرا كبيرا في مختلف الموضوعات، ومنها بعض ms063 الكتب ~~المتعلقة بموضوعات ما بعد الطبيعة، غير أن مثل هذه الدراسات لم ~~تكن تناسبني. وفي هذه الفترة، كنت أستمتع كثيرا بشعر ووردزوورث ~~وكولريدج، ويمكنني الفخر بأنني قد قرأت قصيدة «النزهة» بأكملها ~~مرتين. وقبل ذلك، كانت قصيدة «الفردوس المفقود» لميلتون هي ~~المفضلة عندي، وحتى في جولاتي في أثناء رحلة «البيجل»، حين كان ~~يتوجب علي اختيار كتاب واحد، فدائما ما كنت أختار كتابا ~~لميلتون. ~~(4) من زواجي 29 يناير 1839 والإقامة في شارع أبر جاور، إلى مغادرة ~~لندن والاستقرار في داون في 14 سبتمبر 1842 ~~[بعد أن يتحدث عن حياته الزوجية السعيدة وأطفاله، يواصل ~~قائلا]: # في أثناء فترة إقامتنا في لندن، وهي التي استمرت لثلاث سنوات ~~وثمانية أشهر، لم أنجز الكثير في مجال العلوم، بالرغم من أنني ~~كنت أعمل فيها جاهدا قدر استطاعتي، وقد عملت فيها أكثر مما ~~عملت في أي فترة مقابلة على مدى حياتي بأسرها. وقد كان ذلك ~~بسبب ما يعتريني من توعك متكرر، وبسبب مرضي الشديد الذي امتد ~~لفترة طويلة. وحين كنت أتمكن من القيام بأي شيء، كنت أخصص ~~الجزء الأكبر من وقتي لعملي عن «الشعاب المرجانية»، والذي كنت قد ~~بدأته قبل زواجي، والذي جرى تصحيح بروفة الطباعة الأخيرة منه في ~~السادس من مايو عام 1842. لقد استغرق مني هذا الكتاب عشرين شهرا ~~من العمل الشاق، بالرغم من صغر حجمه؛ إذ كان علي قراءة كل ما ~~كتب عن جزر المحيط الهادئ، وكذلك الرجوع إلى العديد من الخرائط. ~~لقد حظي الكتاب بتقدير كبير من جانب رجال العلم، وأعتقد أن ~~النظرية التي يتضمنها قد أصبحت الآن راسخة. # لم أبدأ أيا من أعمالي بمثل هذه الروح الاستدلالية التي بدأت ~~بها هذا الكتاب؛ فقد تشكلت النظرية بأكملها على الساحل الغربي ~~لأمريكا الجنوبية، وذلك قبل أن أرى أي شعاب مرجانية في الواقع؛ ~~لذا، لم يكن علي سوى أن أتثبت من صحة آرائي وأعززها من ~~خلال الفحص الدقيق للشعاب المرجانية الحية. بالرغم من ذلك، فيجب أن ~~أشير إلى أنني قضيت هذين العامين في دراسة تأثير زيادة ~~الارتفاع ms064 في الأرض على نحو متقطع، مع عوامل التعرية وترسب ~~الرواسب، على سواحل أمريكا الجنوبية. ولا شك في أن هذا قد دفعني ~~إلى التفكير مليا في آثار الهبوط، وقد كان من السهل جدا أن ~~أستبدل في خيالي بالترسب المستمر للرواسب ازدياد نمو المرجانيات. ~~ولكي أتمكن من القيام بذلك، كان علي أن أشكل نظريتي عن ~~تكون الحيود المرجانية والجزر المرجانية الحلقية. # وإضافة إلى عملي على الشعاب المرجانية في أثناء إقامتي في لندن، ~~قرأت على الجمعية الجيولوجية بعض الأوراق البحثية عن الجلاميد ~~الصخرية المنجرفة بفعل الأنهار الجليدية في أمريكا ~~الجنوبية، # 6 # والزلازل، # 7 # وكذلك عن دور دود الأرض في تكوين العفن. # 8 # كما أنني قد واصلت الإشراف على نشر كتابي «دراسة ~~حيوانات رحلة «البيجل»». ولم أتوقف قط عن جمع الحقائق المتعلقة ~~بأصل الأنواع، وكنت أفعل ذلك أحيانا حين يقعدني المرض عن القيام ~~بأي شيء آخر. # في صيف عام 1842، تحسنت صحتي وأصبحت أقوى مما كنت عليه لبعض ~~الوقت، وذهبت إلى شمال ويلز في رحلة قصيرة بمفردي، لملاحظة تأثير ~~الأنهار الجليدية القديمة التي كانت تملأ جميع الوديان الأكبر ~~سابقا. وقد نشرت تقريرا قصيرا عما رأيته في مجلة «فلوسوفيكال ~~ماجازين». # 9 # وقد أثارت هذه الرحلة اهتمامي بدرجة كبيرة، وقد كانت ~~تلك هي آخر مرة تمكنت فيها من تسلق الجبال أو السير لمسافات ~~طويلة، وهما أمران ضروريان للعمل الجيولوجي. # في الجزء الأول من فترة إقامتنا في لندن، كنت أمتلك من القوة ما ~~يكفي للاندماج في المجتمع، ورأيت عددا كبيرا من رجال العلم، ~~وغيرهم من الرجال البارزين بنحو أو بآخر. وسوف أوضح هنا ~~انطباعاتي عن بعضهم، بالرغم من أنني ليس لدي الكثير مما يستحق أن ~~يقال. # التقيت بلايل أكثر مما التقيت بأي شخص على الإطلاق، قبل ~~زواجي وبعده. وفي رأيي، كان ذهنه يتميز بالوضوح والحيطة وسداد ~~الرأي، مع قدر كبير من التميز والأصالة. وحين كنت أخبره بأي ~~من ملاحظاتي عن الجيولوجيا، لم يكن ليهدأ بالا حتى يرى المسألة ~~بأكملها، وغالبا ما كان يساعدني على رؤيتها بوضوح أكثر من ms065 ذي ~~قبل. وكان يقدم جميع اعتراضاته الممكنة على اقتراحي، وحتى بعد ~~أن تنفد كلها، فإنه يظل متشككا لفترة طويلة. وقد كان من صفاته ~~أيضا تشجيعه الصادق لأعمال غيره من رجال العلم. # بعد عودتي من رحلة «البيجل»، شرحت له آرائي عن الشعاب ~~المرجانية، وهي التي كانت تختلف عن آرائه، وقد أدهشني للغاية ~~وشجعني كذلك ما أبداه من اهتمام شديد. لقد كان يجد في العلم ~~متعة كبيرة، وكان يكن اهتماما شديدا تجاه مستقبل البشرية. كان ~~عطوفا للغاية ومتحررا تماما في معتقداته الدينية، لكنه كان ~~يؤمن بشدة بالله. وكان إنصافه بارزا للغاية، وقد اتضح ذلك إذ ~~تحول إلى مناصرة نظرية الارتقاء، بالرغم من أنه اشتهر بمعارضة ~~آراء لامارك، لكن ذلك كان بعد تقدمه في السن. لقد ذكرني ~~بأنني قلت له قبل سنوات عديدة عندما كنا نناقش معارضة المدرسة ~~القديمة من علماء الجيولوجيا لآرائه الجديدة: «لكم سيكون جيدا ~~لو أن العلماء يموتون عندما يبلغون الستين؛ إذ إنهم لو عاشوا ~~أكثر من ذلك، لعارضوا بالتأكيد جميع الأفكار الجديدة.» بالرغم من ~~ذلك، فقد تمنى لو أنه يعيش. # إن علم الجيولوجيا يدين إلى لايل بالكثير، أكثر من أي شخص ~~آخر على الإطلاق، في رأيي. وحين كنت على وشك البدء في رحلة ~~«البيجل»، نصحني هنزلو الحصيف، الذي كان كغيره من علماء الجيولوجيا ~~في ذلك الوقت يؤمن بتتابع الكوارث الجيولوجية، بأن أحضر الجزء ~~الأول من كتاب «مبادئ الجيولوجيا» الذي كان قد نشر للتو، وأدرسه، ~~على ألا أقبل بالآراء التي يقول بها على أي حال. لكم اختلف ~~الآن رأي الناس في هذا الكتاب! وإنني أفتخر إذ أتذكر أن أول ~~مكان مارست فيه عملي بالجيولوجيا، وهو سانت جاجو الموجود في ~~أرخبيل الرأس الأخضر، قد أقنعني بالتميز الشديد لآراء لايل عما ~~سواها مما قرأت أو عرفت من غير كتب لايل. # ويمكننا رؤية ذلك الأثر القوي الذي خلفته أعمال لايل يتضح ~~جليا في تقدم العلوم في فرنسا وإنجلترا؛ فمن الممكن أن نعزي ~~السبب في التجاهل التام الحالي لفرضيات إيلي دو بومون الجامحة، ~~مثل ms066 فرضيته عن «فوهات الارتفاع» وكذلك «خطوط الارتفاع» (وقد ~~سمعت عن الفرضية الأخيرة من سيجويك وهو يمتدحها للغاية في الجمعية ~~الجيولوجية.) إلى لايل. # كنت ألتقي كثيرا بروبرت براون أو «رائد علم النبات» كما كان ~~يدعوه هومبولت. وقد كنت أرى أن أهم ما يميزه في رأيي هو ~~براعة ملاحظاته ودقتها البالغة. لقد كان غزير المعرفة بدرجة ~~استثنائية، لكن أغلب هذه المعرفة قد مات معه بسبب خوفه الشديد من ~~ارتكاب أي خطأ على الإطلاق. وقد أغدق علي من معرفته دون ~~حساب، غير أنه كان كتوما أحيانا بنحو غريب فيما يتعلق ببعض ~~النقاط. كنت قد زرته مرتين أو ثلاثا قبل رحلة «البيجل»، وفي إحدى ~~هذه المرات، طلب مني أن أنظر في مجهر وأصف ما أراه. وقد فعلت ~~ذلك، وأعتقد الآن أن ما رأيته كان تيارات البروتوبلازم الرائعة ~~في خلية نباتية ما. وقد سألته بعد ذلك أن يخبرني بماهية ما ~~رأيته، لكنه أجابني: «ذلك هو سري الصغير.» # لقد كان قادرا على البذل والعطاء إلى أبعد حد؛ فحتى حين كان ~~كبيرا ومعتل الصحة وغير قادر على بذل أي مجهود شاق، كان ~~يوميا يزور (كما أخبرني هوكر) خادما كبير السن كان يعيش على ~~مسافة منه، (وهو الذي كان يعوله) ويقرأ له بصوت عال. وإن ذلك ~~لكاف لأن يغفر له أي كتم للعلم أو غيرة فيه. # وسوف أذكر هنا بعض الرجال البارزين الآخرين، الذين كنت أراهم ~~في بعض الأحيان، رغم أنني لا أملك الكثير مما يستحق الذكر في هذا ~~الشأن. لقد كنت أبجل السير جيه هيرشيل أشد التبجيل، وقد سررت ~~بتناول العشاء معه في منزله الجميل الموجود في رأس الرجاء ~~الصالح، ثم في منزله بلندن بعد ذلك. وقد التقيت به أيضا في بعض ~~المناسبات الأخرى. لم يكن هيرشيل كثير الكلام، لكن كل كلمة ~~كان يقولها تستحق الاستمتاع إليها. # وذات مرة على الإفطار في منزل السير آر موركيسون، التقيت ~~بالعالم المرموق هومبولت، الذي شرفني بأن عبر عن رغبته في ~~لقائي. لقد خاب أملي قليلا في هذا الرجل العظيم، لكنني ms067 قد ~~أفرطت في توقعاتي بشأنه على الأرجح. وأنا لا أتذكر شيئا ~~محددا من لقائنا سوى أنه كان مرحا جدا وقد تحدث ~~كثيرا. # ويذكرني ... بباكل الذي التقيته ذات مرة في منزل هينزلي ~~ويدجوود. لقد سررت كثيرا لتعلمي منه نظامه في جمع الحقائق. ~~وقد أخبرني بأنه اشترى جميع الكتب التي قرأها وأعد فهرسا ~~كاملا بجميع الحقائق الواردة في كل منها، وهي التي كان يعتقد ~~أنها قد تخدم أغراضه، وأنه يستطيع دائما أن يتذكر في أي كتاب ~~قد قرأ معلومة بعينها؛ إذ كان يتمتع بذاكرة رائعة. وقد سألته كيف ~~كان يستطيع منذ البداية أن يحدد الحقائق التي ستخدم أغراضه، وقد ~~أجابني بأنه لا يعرف، لكن حدسه كان يقوده؛ ونظرا لعادته في ~~إعداد الفهارس، فقد كان بإمكانه أن يذكر عددا هائلا من الإحالات ~~في جميع المواضيع، وهو ما يتضح في كتابه «تاريخ الحضارة». وقد ~~وجدت هذا الكتاب شائقا للغاية وقرأته مرتين، لكنني أشك أن ~~ما ذكره فيه من تعميمات قد يكون لها أي قيمة على الإطلاق. لقد ~~كان باكل متحدثا رائعا، وقد كنت أستمع إليه دون أن أتفوه ~~بكلمة واحدة، وما كنت لأتمكن من ذلك؛ إذ إنه لم يكن يترك ثغرة ~~واحدة. وحين بدأت السيدة فارار بالغناء، اندفعت وثبا وقلت له ~~إن علي أن أستمع إليها، وبعد أن ابتعدت عنه، التفت إلى صديق ~~وقال له (وفقا لما سمعه أخي): «حسنا، إن كتب السيد داروين ~~أفضل كثيرا من حديثه.» # ومن رجال الأدب العظماء، التقيت ذات مرة بسيدني سميث في منزل ~~دين ميلمن. وقد كنت أجد في كل كلمة يتحدث بها شيئا ممتعا بنحو ~~لا يمكن تفسيره، وربما كان ذلك يعود جزئيا لما توقعته من ~~شعوري بالاستمتاع في الحديث معه. كان يتحدث عن الليدي كورك، وهي ~~التي كانت في هذا الوقت طاعنة في السن. تلك هي السيدة التي قال ~~عنها إنها قد تأثرت للغاية بموعظة كان قد ألقاها عن حب الخير، ~~حتى إنها «اقترضت» جنيها من أحد الأصدقاء ووضعته في الطبق ~~المخصص للصدقة. وقد قال بعد ms068 ذلك: «إنه لأمر شائع الاعتقاد ~~بأن صديقته الغالية العجوز، قد جرى إغفالها.» وقد قال ذلك بما لا ~~يدع مجالا للشك في أنه كان يعني أن الشيطان هو من أغفلها. ~~أما الكيفية التي تمكن بها أن يعبر عن ذلك، فهذا ما لا ~~أعرفه. # كنت قد التقيت أيضا بماكولي في منزل اللورد ستانهوب المؤرخ؛ ~~ونظرا لأنه لم يكن على العشاء سوى شخص آخر فقط، فقد حظيت ~~بفرصة كبيرة في الاستماع إليه وهو يتحدث، وقد كان لطيفا للغاية. ~~لم يتحدث كثيرا، وما كان لرجل مثله أن يفعل ذلك بالطبع؛ إذ إنه ~~كان يسمح للآخرين بأن يديروا دفة الحديث، وهو ما قام به. # لقد قدم لي اللورد ستانهوب ذات يوم برهانا صغيرا وغريبا على ~~دقة ذاكرة ماكولي وسعتها. لقد اعتاد الكثير من المؤرخين ~~أن يلتقوا في منزل اللورد ستانهوب، وبينما كانوا يناقشون الموضوعات ~~المختلفة، كانوا يختلفون أحيانا مع رأي ماكولي، وغالبا ما كانوا ~~يعودون إلى كتاب ما ليحددوا أي الطرفين كان على صواب. أما ~~مؤخرا، فقد لاحظ ستانهوب أن أحدا من المؤرخين لم يكن ~~ليكلف نفسه عناء ذلك الأمر، وأنهم كانوا يوافقون على ما يقول به ~~ماكولي دون أي مراجعة. # وفي مناسبة أخرى في منزل اللورد ستانهوب، التقيت بمجموعة أخرى ~~من أصدقائه من المؤرخين ورجال الأدب، وكان من بينهم موتلي وجروت. ~~وبعد الغداء، سرت مع جروت على مدى ساعة تقريبا في أرجاء ~~حديقة تشيفنينج، وقد وجدت حديثه شائقا للغاية وسرني منه ~~بساطته وغياب مظاهر الادعاء من تصرفاته. # وقد كنت فيما مضى أتناول العشاء أحيانا مع الإيرل الكبير، ~~والد ستانهوب. لقد كان رجلا غريبا، لكنني قد أحببت ذلك ~~القدر القليل الذي عرفته عنه. لقد كان صريحا وودودا ولطيفا. ~~وكان يتسم بملامحه المميزة البارزة، وبشرته بنية اللون، وحين ~~رأيته، كانت جميع ملابسه بنية اللون. بدا أنه يؤمن بكل ما لا ~~يصدقه الآخرون، وقد قال لي ذات مرة: «لم لا تتخلى عن ~~ترهاتك في الجيولوجيا وعلم الحيوان وتلتفت إلى العلوم ~~الخفية؟» لقد ذهل ستانهوب، الذي كان يحمل ms069 لقب اللورد ماهون في ذلك ~~الوقت، من هذا الكلام الموجه إلي، أما زوجته الفاتنة، فقد ~~بدا عليها الاستمتاع. # إن آخر من سأتحدث عنه هنا هو كارلايل، الذي قد التقيت به ~~مرات عديدة في منزل أخي، ومرتين أو ثلاثا في منزلي. لقد كان ~~حديثه حيويا وشائقا، تماما ككتاباته، لكنه كان يطيل الحديث ~~أحيانا في الموضوع نفسه. أتذكر عشاء مضحكا في منزل أخي، ~~وكان من بين القليلين الذين حضروه، بابيدج ولايل، وقد كانا يحبان ~~الحديث. لكن كارلايل قد أسكت الجميع؛ إذ ظل يحاضر طوال فترة ~~العشاء عن مزايا الصمت. وبعد العشاء، قدم بابيدج بطريقته ~~المتجهمة، شكره إلى كارلايل لمحاضرته الشائقة عن الصمت. # كان كارلايل يسخر من الجميع تقريبا؛ ففي أحد الأيام في منزلي، ~~قال عن كتاب جروت «تاريخ» إنه «مستنقع نتن الرائحة، ليس به شيء ~~روحاني.» لقد كنت أعتقد دوما، حتى نشر عمله «ذكريات»، أنه يسخر ~~جزئيا بدافع الفكاهة، أما الآن، فأنا أشك في ذلك. لقد كانت ~~هيئته تدل على أنه رجل مكتئب ويكاد يكون قانطا، لكنه خير في ~~الوقت نفسه، وقد اشتهر بضحكته الصافية الصادقة. أعتقد أن إحسانه ~~كان حقيقيا، غير أنه كان مشوبا بقدر ليس بالقليل من الغيرة. ~~ولا يمكن لأحد أن ينكر قدرته الاستثنائية في رسم صور للأشياء ~~والناس، وفي رأيي أن ما يرسمه من صور أكثر حيوية ووضوحا من ~~جميع الصور التي يرسمها ماكولي. أما ما إذا كانت الصور التي ~~يرسمها للرجال حقيقية أم لا، فذلك أمر آخر. # لقد كان بارعا للغاية في إقناع الأشخاص ببعض الحقائق الأخلاقية ~~الجليلة. غير أن آراءه عن العبودية كانت منفرة؛ فقد كان يرى ~~الجبروت شيئا صحيحا. وأرى أن عقله كان محدودا للغاية، حتى مع ~~استبعاد جميع فروع العلوم، التي كان يبغضها. وإنه ليدهشني ~~أن كينجسلي قد قال عنه إنه رجل قادر على المساهمة في تقدم ~~العلم. لقد كان يهزأ من القول بأن عالم رياضيات؛ مثل هيوويل، ~~يستطيع الحكم على آراء جوته عن الضوء، بينما أصر أنا على أنه ~~يستطيع. وكان يرى أنه ms070 من العبث أن يهتم أحد بما إذا كانت كتلة ~~جليدية قد تحركت على نحو أسرع أو أبطأ قليلا من المعتاد، أو ~~ما إذا كانت قد تحركت على الإطلاق. وأعتقد أنني لم أر شخصا ~~لا يتناسب عقله مع البحث العلمي بقدر كارلايل. # في أثناء إقامتي في لندن، كنت أواظب قدر استطاعتي على حضور ~~اجتماعات العديد من الجمعيات العلمية، وعملت أمينا للجمعية ~~الجيولوجية. لكن حضور هذه الاجتماعات، إضافة إلى العيش في مجتمع ~~المدينة، لم يكن مناسبا لصحتي؛ لذا فقد قررت أنا وزوجتي أن ~~ننتقل إلى الإقامة بالريف، وقد فضل كلانا الإقامة هناك، ولم نندم ~~قط على هذا القرار. ~~(5) الإقامة في داون من 14 سبتمبر 1842 حتى الوقت الحالي، عام ~~1876 # بعد العديد من المحاولات التي ذهبت هباء للبحث عن منزل في سري ~~وأماكن أخرى، وجدنا هذا المنزل وابتعناه. سرني التنوع في أشكال ~~النباتات وهو ما تتميز به المناطق الجيرية، وقد كان ذلك مختلفا ~~تماما عما اعتدت عليه في مقاطعات منطقة ميدلاند، كما أنني كنت ~~أكثر سرورا بهدوء المكان وطابعه الريفي. وبالرغم من ذلك، فلم يكن ~~المكان معزولا، كما وصفه كاتب بإحدى الدوريات الألمانية، وهو الذي ~~قال إنه لا يمكن الوصول إلى بيتي إلا بعد مسافة من ركوب البغال! ~~وقد عاد علينا استقرارانا في هذا المكان بميزة عظيمة لم نكن ~~نتوقعها، وهي أنه كان ملائما للغاية لكي يتردد علينا أطفالنا ~~باستمرار. # قلة هم من يمكنهم أن يعيشوا حياة أكثر انعزالا من تلك التي ~~عشناها؛ فبخلاف الزيارات القصيرة إلى منازل الأقارب، وزيارة شاطئ ~~البحر أو أي مكان آخر في بعض الأحيان، لم نكن نغادر المنزل. وفي ~~أثناء الجزء الأول من إقامتنا، اندمجنا قليلا في المجتمع، ~~واستقبلنا في المنزل بعض الأصدقاء، لكن صحتي دائما ما كانت ~~تتأثر سلبا بالإثارة، وهو ما كان يجلب علي نوبات شديدة من ~~القيء والارتجاف. ولهذا؛ فقد اضطررت إلى التخلي عن حفلات العشاء ~~لسنوات عديدة، وقد كان ذلك يمثل حرمانا لي بعض الشيء؛ إذ كانت ~~هذه الحفلات تحسن دوما من مزاجي؛ ms071 ولهذا السبب نفسه، لم أستطع ~~أن أدعو إلى منزلي سوى عدد قليل من معارفي من رجال العلم. # لقد كانت متعتي الأساسية وشاغلي الوحيد على مدى حياتي كلها هو ~~العمل في مجال العلوم، وقد كانت الإثارة التي أشعر بها من هذا ~~العمل تجعلني أنسى ما أعانيه من ألم يومي لبعض الوقت، أو تنسيني ~~إياه تماما. وبهذا، لا يتبقى لدي ما أدونه عن الجزء الباقي ~~من حياتي سوى نشري لأعمالي المتعددة؛ إذ ربما تكون بعض التفاصيل ~~عن كتابتها وخروجها للنور جديرة بالذكر . ~~(5-1) أعمالي العديدة المنشورة # في الجزء الأول من عام 1844، نشرت ملاحظاتي عن الجزر البركانية ~~التي زرتها في رحلة «البيجل». وفي عام 1845، بذلت قصارى جهدي في ~~تصويب طبعة جديدة من عملي «يوميات الأبحاث»، والذي كان قد نشر في ~~الأصل عام 1839، كجزء من عمل فيتزروي. إن نجاح هذا العمل، وهو ~~كتابي البكر، دائما ما يداعب خيلائي أكثر من أي كتاب آخر لي. ~~وحتى يومنا هذا، فإنه لا يزال يحقق مبيعات كبيرة في إنجلترا ~~والولايات المتحدة، وقد ترجم للمرة الثانية إلى الألمانية ~~والفرنسية ولغات أخرى. وإنه لأمر مدهش أن يستمر كتاب ~~للرحلات، لا سيما أنه عن رحلة علمية، في تحقيق هذا النجاح بعد ~~سنوات عديدة من نشره لأول مرة؛ فقد بيعت في إنجلترا عشرة آلاف ~~نسخة من الطبعة الثانية. وفي عام 1846، نشر كتابي «ملاحظات ~~جيولوجية عن أمريكا الجنوبية». وقد دونت في مفكرة يومية صغيرة ~~ظللت محتفظا بها أن كتبي الثلاثة عن الجيولوجيا (وفيها ~~«الشعاب المرجانية») قد استغرقت أربع سنوات ونصف السنة من العمل ~~المتواصل؛ «والآن قد مرت عشر سنوات منذ عودتي إلى إنجلترا، فكم ~~عاما قد أضاعها المرض علي؟» وليس لدي ما أقوله عن هذه الكتب ~~الثلاثة سوى أنه قد أدهشني طلب طبعات جديدة منها ~~مؤخرا. # 10 # في أكتوبر من عام 1846، بدأت عملي عن «هدابيات الأرجل.» وحين ~~زرت ساحل تشيلي، وجدت نوعا غريبا للغاية يحفر في أصداف ~~حلزونيات أذن البحر التشيلي # Concholepas ~~، وقد كان يختلف ~~اختلافا كبيرا عن جميع ما رأيته من هدابيات ms072 الأرجل؛ فاضطررت ~~إلى أن أضعه في رتبة فرعية جديدة له وحده. ومؤخرا قد اكتشف ~~على شواطئ البرتغال جنس حفار مشابه. ولكي أتمكن من فهم تركيب ~~ذلك النوع الجديد الذي اكتشفته من هدابيات الأرجل، كان علي أن ~~أفحص العديد من الأنواع المعروفة وأشرحها، حتى انتهى بي الحال ~~تدريجيا إلى تناول المجموعة كلها. وقد عملت على هذا الموضوع ~~بنحو منتظم على مدى السنوات الثماني التالية، وفي نهاية المطاف، ~~نشرت مجلدين سميكين [نشرتهما جمعية راي] يضمان وصفا لجميع ~~الأنواع الحية المعروفة في هذه الرتبة، وكتيبين صغيرين من قطع ~~الربع عن الأنواع المنقرضة منها. وليس لدي شك بأن السير إي ~~بولور ليتن كان يقصدني حين كتب في إحدى رواياته عن بروفيسور يدعى ~~لونج، كان قد كتب مجلدين ضخمين عن أنواع البطلنيوس. # وبالرغم من أنني اشتغلت بهذا العمل لمدة ثمانية أعوام، فقد ~~دونت في مفكرتي أن المرض قد أضاع علي عامين منها؛ ~~وبناء على ذلك، فقد ذهبت عام 1848 إلى مولفرن لعدة أشهر طلبا ~~للعلاج المائي، الذي قد نفعني كثيرا؛ ولهذا فقد كنت قادرا على ~~استئناف العمل حين عدت إلى المنزل. لقد كنت مريضا للغاية، حتى ~~إنني لم أتمكن من حضور جنازة والدي حين توفي في الثالث عشر من ~~نوفمبر عام 1848، أو أن أقوم بواجبي كأحد المنفذين ~~لوصيته. # أعتقد أن لعملي على هدابيات الأرجل قيمة كبيرة؛ فإلى جانب وصف ~~العديد من الأشكال الجديدة والمميزة، أوضحت أوجه التشابه فيما ~~يتعلق بأجزائها المختلفة - وقد اكتشفت الجهاز اللاصق بالرغم من ~~أنني ارتكبت خطأ كبيرا بشأن الغدد اللاصقة - وأخيرا فقد أثبت ~~أنه يوجد في أجناس معينة ذكور دقيقة مكملة للخناثى ومتطفلة ~~عليها. وقد ثبتت صحة هذا الاكتشاف الأخير تماما في النهاية، ~~بالرغم من أن أحد الكتاب الألمان قد عزا الأمر بالكامل إلى ~~خيالي الخصب. إن هدابيات الأرجل من المجموعات الشديدة التنوع ~~والتي يصعب تصنيفها، وقد أفادني عملي عليها فائدة عظيمة حين كان ~~علي أن أناقش في كتابي «أصل الأنواع» مبادئ التصنيف الطبيعي. ~~وبالرغم من ذلك، فأنا لست متأكدا مما ms073 إذا كان هذا العمل يستحق ~~كل هذا الوقت الكبير الذي استهلكه. # بداية من سبتمبر 1854، كرست وقتي بأكمله لترتيب تلك الكومة ~~الهائلة من الملاحظات التي كتبتها، والملاحظة وإجراء التجارب فيما ~~يتعلق بتحول الأنواع. فلشد ما أذهلني ما اكتشفته في سهول ~~البامبا خلال رحلات «البيجل» من حفريات لحيوانات كبيرة مغطاة ~~بدروع كالتي نراها على حيوانات الأرماديلو المدرعة التي تعيش ~~الآن، وقد أذهلتني أيضا الطريقة التي تتبعها الحيوانات القريبة ~~الصلة من بعضها في الحلول محل بعضها بعضا في التقدم نحو جنوب ~~القارة، هذا بالإضافة إلى الطابع الأمريكي الجنوبي الذي تتميز به ~~معظم الكائنات الموجودة في أرخبيل جالاباجوس، ولا سيما ما يوجد ~~بينها من اختلاف طفيف في كل جزيرة من جزر المجموعة، بالرغم من أنه ~~لا يبدو على أي من هذه الجزر أنها قديمة للغاية من الناحية ~~الجيولوجية. # لقد كان جليا أنه لا يمكن تفسير حقائق مثل هذه وغيرها ~~الكثير إلا بافتراض أن هذه الأنواع قد عدلت بالتدريج، وقد ~~لازم هذا الموضوع ذهني طوال الوقت. وبالقدر نفسه، فقد كان من ~~الجلي أيضا أنه لا يمكن لنا أن نعزي تلك الحالات التي لا تحصى ~~من التكيف الرائع للكائنات الحية مع ظروفها الحياتية؛ مثل قدرة ~~نقار الخشب أو ضفدع الشجر على تسلق الأشجار أو انتشار البذور من ~~خلال الخطاطيف أو الريش، إلى فعل الظروف المحيطة ولا إلى إرادة هذه ~~الكائنات (لا سيما في حالة النباتات). ولطالما انشغلت بالتفكير ~~بشأن أساليب تكيف الكائنات، ولما لم يكن لهذه الأساليب تفسير ~~بعد، فقد بدا لي استخدام الأدلة غير المباشرة في محاولة إثبات ~~أن الأنواع قد عدلت تدريجيا أمرا لا طائل منه. # بعد عودتي إلى إنجلترا، بدا لي أنه من خلال اتباع مثال لايل في ~~الجيولوجيا، وجمع كل الحقائق المتعلقة بأي شكل من الأشكال ~~بتباين النباتات والحيوانات، في ظروف التدجين أو في ظروف البيئة ~~الطبيعية، يمكنني إلقاء بعض الضوء على الموضوع بأكمله. فتحت أول ~~دفتر لكتابة ملاحظاتي في يوليو من عام 1837، وكنت أتبع بدقة ~~مبادئ المنهج العلمي التي وضعها بيكون، ms074 وبدون تشكيل أي نظرية، ~~رحت أجمع الحقائق على نطاق شامل، ولا سيما الحقائق المتعلقة ~~بالتكاثر في ظروف التدجين، وقد قمت بذلك من خلال الاستفسارات ~~المطبوعة وتبادل الحديث مع البارعين من مربي الحيوانات ~~والطيور والقائمين على زراعة النباتات، وكذلك من خلال القراءة ~~الموسعة؛ فحين أرى قائمة الكتب التي قرأتها ولخصتها في جميع ~~المجالات، بما في ذلك سلاسل كاملة من الدوريات والمجلات العلمية، ~~أندهش من اجتهادي ومثابرتي. وسرعان ما أدركت أن الانتقاء كان ~~هو العامل الأساسي في نجاح الإنسان في تكوين أعراق ناجحة من ~~الحيوانات والنباتات . وبالرغم من ذلك، فقد ظل مدى انطباق فكرة ~~الانتقاء على الكائنات الحية التي تعيش في البيئة الطبيعية لغزا ~~بالنسبة لي لبعض الوقت. # في أكتوبر من عام 1838؛ أي بعد خمسة عشر شهرا من البدء في ~~استقصائي المنهجي، تصادف أنني كنت أقرأ على سبيل الاستمتاع عمل ~~مالثس الشهير عن النمو السكاني، ولأنني كنت على استعداد تام ~~لإدراك قيمة الصراع من أجل البقاء على قيد الحياة، وهو الذي ~~شهدته في جميع ملاحظاتي الطويلة والمستمرة لعادات الحيوانات ~~والنباتات، فقد خطر لي على الفور أنه في مثل هذه الظروف، ستبقى ~~التباينات المواتية على الأرجح، وأما التباينات غير المواتية، ~~فسوف تندثر، وسينتج عن ذلك تشكيل أنواع جديدة. وبناء على ذلك، ~~توصلت أخيرا إلى نظرية أستخدمها في العمل، لكنني كنت حريصا ~~للغاية على تجنب الحكم المسبق، حتى إنني قررت أن أنتظر لبعض ~~الوقت، وألا أبدأ حتى في كتابة أي شيء ولو حتى مسودة قصيرة ~~عنها. وفي يونيو عام 1842، سمحت لنفسي لأول مرة بأن أشبع رغبتي ~~في كتابة ملخص قصير للغاية لنظريتي؛ فكتبت ملخصا بالقلم ~~الرصاص في خمس وثلاثين صفحة، وقد توسع هذا الملخص في صيف عام ~~1844، فبلغ 230 صفحة، وهي التي نسختها مرة أخرى بخط جيد وما زلت ~~أحتفظ بها. # بالرغم من ذلك، فقد أغفلت في ذلك الوقت، مشكلة مهمة للغاية، ~~وإنه ليدهشني كيف أنني قد أغفلتها وأغفلت حلها، إلا أن يكون ذلك ~~من قبيل ما يسمى ببيضة كولومبوس الذي يشير إلى فكرة ms075 رائعة أو ~~اكتشاف يبدو بسيطا أو سهلا بعد حدوثه. وتتمثل هذه المشكلة في ~~أن الكائنات العضوية المنحدرة من الأصل نفسه غالبا ما تتشعب ~~صفاتها حين تصبح معدلة. ويصبح تشعبها الشديد واضحا من طريقة ~~ترتيب الأنواع جميعها في أجناس ثم الأجناس في فصائل ثم الفصائل في ~~رتب ثم الرتب في رتب فرعية، إلى آخر ذلك، وأن بإمكاني أن أتذكر ~~البقعة المحددة التي كنت أمر بها وأنا في عربتي حين خطر لي الحل ~~فامتلأت به سرورا، وقد كان ذلك بعد أن انتقلت إلى داون بفترة ~~طويلة. والحل كما أعتقد، هو أن الذرية المعدلة لجميع الأشكال ~~السائدة والمتزايدة غالبا ما تتكيف مع أماكن عديدة وشديدة ~~التنوع في منظومة الطبيعة. # في بداية عام 1856، نصحني لايل بأن أكتب آرائي بتفصيل كامل، وقد ~~بدأت تنفيذ نصيحته على الفور بنطاق يزيد ثلاثة أضعاف أو أربعة ~~عن النطاق الذي كنت أتبعه بعد ذلك في كتابة عملي «أصل ~~الأنواع»؛ غير أنه لم يكن سوى ملخص للمواد التي جمعتها، وقد ~~أنجزت نصف العمل بهذا المعدل. بالرغم من ذلك، فقد أطيح بخططي؛ ~~ففي صيف عام 1858، كان السيد والاس، وهو الذي كان في أرخبيل ~~الملايو حينئذ، قد أرسل لي مقالة بعنوان «عن ميل الضروب إلى ~~الاختلاف كليا عن نمطها الأصلي»، وقد كانت هذه المقالة تتضمن ~~نظريتي نفسها. وقد عبر لي السيد والاس عن رغبته في أن أرسل ~~المقالة إلى لايل للفحص والتمعن، إن استحسنتها. # وردت الظروف التي دفعتني إلى الموافقة على طلب لايل وهوكر ~~بالسماح بنشر مقتطف من مخطوطتي، مع خطاب إلى آسا جراي بتاريخ 5 ~~سبتمبر 1857، في الوقت نفسه مع مقال والاس في دورية «جورنال أوف ذا ~~بروسيدينجز أوف ذا لينيان سوسايتي» 1858، ص45. في البداية، كنت ~~معرضا عن الموافقة؛ إذ إنني حسبت أن السيد والاس سوف يرى ~~قيامي بذلك أمرا غير مبرر على الإطلاق؛ فلم أكن حينئذ أعرف ~~مدى كرمه ونبل أخلاقه. لم يكن ذلك المقتطف من مخطوطتي ولا خطاب آسا ~~جراي مجهزين للنشر، وقد كتبا بطريقة رديئة، أما مقال السيد ms076 ~~والاس، فقد كان مكتوبا بأسلوب فصيح وواضح. وبالرغم من ذلك، فلم ~~يحظ إنتاجنا المشترك إلا بقدر قليل من الاهتمام، والإشارة ~~الوحيدة التي أذكر أنها قد نشرت عن هذا العمل، هي إشارة البروفيسور ~~هوتون من دبلين، وقد كان رأيه فيه أن كل ما هو جديد فيه خاطئ، ~~وكل ما هو صواب فيه قديم. ويوضح ذلك مدى ضرورة شرح أي ~~آراء جديدة بإسهاب كاف كي تثير انتباه الجمهور. # في سبتمبر من عام 1858، تفرغت بناء على النصيحة التي شدد ~~عليها كل من لايل وهوكر لإعداد كتاب عن تحول الأنواع، لكنني ~~كثيرا ما كنت أضطر إلى التوقف عن العمل فيه نظرا لاعتلال ~~صحتي، والزيارات القصيرة التي كنت أقوم بها إلى مصحة الدكتور لين ~~الرائعة للعلاج المائي في مور بارك. لقد لخصت المخطوطة التي ~~كنت قد بدأت في العمل فيها على نطاق أكبر كثيرا في عام 1856، ~~وأكملت الكتاب على هذا النطاق الضيق نفسه. وقد استغرق مني إنجازه ~~ثلاثة عشر شهرا وعشرة أيام من العمل الشاق، ونشر بعنوان «أصل ~~الأنواع» في نوفمبر 1859. وبالرغم من أنني صححت فيه وأضفت إليه ~~قدرا غير هين في الطبعات التالية، فقد ظل هو الكتاب نفسه ~~بصفة أساسية. # لا شك في أنه العمل الأهم في حياتي، وقد كان ناجحا للغاية من ~~البداية. لقد بيعت الطبعة الأولى الصغيرة منه، التي كانت تتكون ~~من 1250 نسخة، في يوم النشر، ونفدت الطبعة الثانية التي تكونت من ~~3000 نسخة بعدها بفترة قصيرة. وقد بيعت في إنجلترا ستة عشر ألف ~~نسخة حتى الآن (1876)، وهو عدد كبير بالنظر لطبيعة الكتاب ~~الجافة. وقد ترجم إلى جميع اللغات الأوروبية تقريبا، بما فيها ~~الإسبانية والبوهيمية والبولندية والروسية. ووفقا للآنسة بيرد، ~~فقد ترجم أيضا إلى اليابانية، وهو يدرس كثيرا هناك. وقد ظهر ~~عنه مقال بالعبرية أيضا يقول بأن النظرية قد وردت في العهد ~~القديم! ظهر عنه عدد كبير من المراجعات، وقد ظللت لبعض الوقت ~~أجمع كل ما كتب عنه وعن كتبي المرتبطة به، وقد بلغ عدده 265 (مع ~~استثناء المراجعات التي نشرت ms077 في الصحف)، غير أنني توقفت عن ذلك ~~يئسا بعد فترة. وقد ظهر عن الموضوع العديد من الكتب والمقالات ~~المنفصلة، وكان يصدر في ألمانيا فهرس أو قائمة بالكتب التي ~~صدرت عن «الداروينية» كل عام أو عامين. # أعتقد أن جزءا كبيرا من نجاح كتاب «أصل الأنواع» يرجع إلى ~~أنني قد كتبت قبل نشره بفترة طويلة، مسودتين مكثفتين له، ~~وكذلك إلى قيامي في النهاية بتلخيص مخطوطة أكبر بكثير، وهي نفسها ~~التي كانت ملخصا. وبهذه الطريقة، تمكنت من اختيار الحقائق ~~والاستنتاجات الأكثر وضوحا. كما أنني ظللت أتبع قاعدة ذهبية على ~~مدى سنوات عديدة؛ فكنت كلما مرت علي حقيقة أو ملاحظة أو ~~فكرة جديدة تعارض نتائجي العامة، أسجلها على الفور دون ~~توان؛ إذ إنني اكتشفت بالخبرة أن مثل هذه الحقائق والأفكار ~~تضيع من الذاكرة على الأرجح أكثر من الأفكار والحقائق المتوافقة مع ~~نتائجي. وبفضل هذه العادة، لم يكن هناك سوى عدد قليل جدا من ~~الاعتراضات على آرائي الذي لم أكن على الأقل على علم به وحاولت ~~الإجابة عنه. # ولقد قيل في بعض الأوقات إن نجاح «أصل الأنواع» يثبت «أن ~~الموضوع كان مطروحا» أو «أن العقول كانت مهيأة له»، غير ~~أنني لا أعتقد أن ذلك كان صحيحا تماما؛ إذ إنني كنت أستطلع ~~أحيانا آراء عدد ليس بالقليل من علماء التاريخ الطبيعي، ولم يبد ~~أن أيا منهم كانت لديه أي شكوك بشأن ديمومة الأنواع. وينطبق ~~ذلك أيضا على لايل وهوكر؛ إذ بالرغم من أنهما كانا يستمعان إلي ~~باهتمام، فلم يبد أنهما كانا يوافقان على ما أقول. وقد حاولت ~~مرة أو مرتين أن أشرح لبعض العلماء ما أعنيه بالانتقاء الطبيعي، ~~لكنني فشلت بصورة ملحوظة. أما ما أعتقد أنه صحيح تماما، فهو ~~أن عقول علماء التاريخ الطبيعي قد خزنت عددا لا حصر له من ~~الحقائق التي خضعت للملاحظة المتقنة، وأصبحت على استعداد بأن ~~تأخذ أماكنها المناسبة حالما تظهر أي نظرية تستوعب هذه الحقائق ~~وتطرح لها تفسيرا كافيا. ومن العناصر الأخرى التي ساهمت في نجاح ~~الكتاب هو حجمه المتوسط، وأنا ms078 أدين بذلك لظهور مقال السيد والاس؛ ~~فلو كنت قد نشرت الكتاب بالنطاق الذي كنت أكتب به في عام 1856، ~~لزاد حجم الكتاب أربعة أضعاف أو خمسة، ولما صبر على قراءته إلا ~~عدد قليل. # لقد ربحت الكثير من تأجيلي للنشر، منذ عام 1839 تقريبا حين ~~توصلت إلى تصور واضح للنظرية، وحتى عام 1859، ولم أخسر شيئا ~~على الإطلاق؛ إذ إنني لم أهتم كثيرا بقدر ما ينسبه إلي ~~الناس من أصالة، سواء أينسبون معظمها إلي أم إلى والاس، ولا شك ~~في أن مقاله قد ساعد كثيرا في التمهيد لاستقبال النظرية. ولقد ~~غفلت عن نقطة واحدة فحسب طالما ندمت عليها، وهي أن أستخدم ~~الفترة الجليدية في تفسير سبب وجود الأنواع نفسها من النباتات ~~والقليل من الحيوانات على قمم الجبال البعيدة والمناطق القطبية. ~~لقد أعجبني هذا الرأي كثيرا حتى إنني قد كتبت عنه بإسهاب، وأعتقد ~~أن هوكر قد قرأه قبل أن ينشر إي فوربس تقريره الشهير # 11 # عن الموضوع بسنوات. وما زلت أعتقد أنني كنت على ~~صواب في النقاط القليلة التي اختلفنا فيها. وبالطبع فإنني لم ~~أشر في أي كتابات مطبوعة إلى أنني قد توصلت إلى هذا الرأي ~~منفردا. # لم أشعر بالرضا والسعادة في أثناء عملي على النقاط المختلفة في ~~كتاب «أصل الأنواع» قدر ما كنت أشعر به في أثناء العمل على ~~تفسير السبب في الاختلاف الكبير في العديد من الطوائف بين الجنين ~~والحيوان البالغ، والتشابه الوثيق بين أجنة الحيوانات التي ~~تنتمي إلى الطائفة نفسها. لا أتذكر أن المراجعات المبكرة ~~لكتاب «أصل الأنواع» قد تناولت تلك النقطة، وأتذكر أنني قد ~~عبرت عن دهشتي من هذا الأمر في خطاب إلى آسا جراي. وفي السنوات ~~الأخيرة، نسب العديد من النقاد الفضل في ذلك إلى فريتز مولر ~~وهاكل، اللذين بلا شك قد شرحا هذه النقطة على نحو أكثر ~~تفصيلا، وأكثر صحة مني في بعض الجوانب. لقد كان لدي من المادة ~~العلمية ما يكفي فصلا بأكمله عن هذا الموضوع، وقد كان علي أن ~~أطيل في المناقشة؛ إذ يبدو أنني قد ms079 فشلت في إقناع قرائي، وأنا ~~أرى أن من ينجح في ذلك هو من يستحق أن ينسب إليه كل ~~الفضل. # ويقودني ذلك إلى الإشارة إلى أن النقاد طالما عاملوني بصدق في ~~معظم الأوقات، هذا إن أغفلنا من لا يمتلكون القدر الكافي من ~~المعرفة العلمية؛ فهم لا يستحقون الانتباه إليهم على أي حال. ~~وكثيرا ما تعرضت آرائي للتحريف الشديد والمعارضة المريرة ~~والاستهزاء بها، لكنني أعتقد أن كل ذلك قد حدث بنية حسنة بصفة ~~عامة. وفي مجمل الأمر، أنا لا أشك في أن أعمالي قد تلقت أكثر مما ~~تستحق من الثناء مرارا وتكرارا. وأنا سعيد لأنني قد تجنبت ~~الخلافات، وأنا أدين بالفضل في ذلك إلى لايل الذي نصحني بشدة ~~منذ سنوات عديدة، بخصوص أعمالي الجيولوجية، بألا أنخرط في ~~الخلافات؛ إذ إن ذلك نادرا ما يعود بأي نفع، وهو مضيعة عظيمة ~~للوقت والجهد. # كلما اكتشفت أنني قد أخطأت أو أن عملي تشوبه بعض العيوب، ~~وكذلك حين كنت أتعرض للنقد الشديد والازدراء، وحتى حين كنت أتلقى ~~أكثر مما أستحق من الثناء، حتى إنني كنت أرتعب من ذلك، وجدت ~~راحة كبيرة في أن أردد على نفسي مئات المرات أنني «قد بذلت ~~قصارى جهدي وقدمت أفضل ما عندي، وأنه ليس بوسع أي أحد أن يفعل ~~أكثر من ذلك.» وأتذكر أنني رحت أفكر بينما كنت في خليج جود ساكسيس ~~في تييرا ديل فويجو (وأعتقد أنني كتبت خطابا إلى أسرتي يتضمن ~~هذا المعنى.) بأنني لا يمكن أن أوظف حياتي أي توظيف أفضل من ~~المساهمة بالنزر اليسير في الإضافة إلى مجال العلوم الطبيعية. وقد ~~فعلت ذلك بأفضل قدراتي، ويمكن للنقاد أن يقولوا ما يشاءون، لكنهم ~~لن يستطيعوا أن يحطموا هذا الاقتناع. # في الشهرين الأخيرين من عام 1859، انهمكت تماما في إعداد ~~طبعة ثانية من كتاب «أصل الأنواع»، إضافة إلى عدد هائل من ~~المراسلات. وفي الأول من يناير عام 1860، بدأت في ترتيب ملاحظاتي ~~للعمل على كتاب «تباين الحيوانات والنباتات تحت تأثير التدجين»، ~~لكنه لم ينشر حتى بداية عام 1868؛ ويعود السبب في التأخير ms080 بصورة ~~جزئية إلى ما كان ينتابني من نوبات مرض متكررة، تلك التي ~~استمرت إحداها سبعة أشهر، وأما السبب الآخر في تأخر النشر، فهو ~~أنني كنت أشعر أحيانا بالرغبة في النشر عن مواضيع أخرى كانت ~~تثير اهتمامي بصورة أكبر في ذلك الوقت. # في الخامس عشر من مايو 1862، نشر كتابي الصغير عن «تلقيح ~~السحلبيات» والذي استغرق مني عشرة أشهر؛ كانت معظم الحقائق الخاصة ~~به قد تراكمت ببطء على مدى العديد من السنوات السابقة. وفي صيف ~~عام 1839، إضافة إلى الصيف السابق عليه، على ما أعتقد، دفعتني ~~الرغبة إلى دراسة التلقيح المتبادل أو الخلطي للزهور عن طريق ~~الحشرات؛ إذ إنني كنت قد توصلت إلى نتيجة من تأملاتي في موضوع ~~أصل الأنواع مفادها أن التبادل قد أدى دورا مهما في الإبقاء ~~على أشكال معينة ثابتة كما هي. وقد ظللت أبحث في هذا الموضوع على ~~مدى فصول الصيف التالية تقريبا، وزاد اهتمامي به بدرجة كبيرة ~~منذ أن حصلت في نوفمبر 1841، عبر نصيحة روبرت براون، على نسخة من ~~الكتاب الرائع «الكشف عن أسرار الطبيعة» لصاحبه سي كيه سبرينجل ~~وقرأته، وقد كان ذلك بناء على نصيحة روبرت براون. وعلى مدى عدد ~~من السنوات قبل 1862، كنت مهتما بالبحث في موضوع تلقيح ~~السحلبيات البريطانية على وجه التحديد، وقد بدا لي أن الخطة ~~الأنسب هي أن أقوم بإعداد بحث مكتمل قدر الإمكان عن هذه ~~المجموعة من النباتات، وذلك بدلا من استخدام ذلك القدر الهائل ~~من المواد عن النباتات الأخرى، والذي كنت قد جمعته ببطء قبل ~~ذلك. # وقد ثبت أن قراري هذا كان حكيما؛ فمنذ ظهور كتابي، ظهر عدد ~~هائل من الأوراق البحثية والأعمال المنفصلة عن تلقيح جميع أنواع ~~الزهور، وقد كانت هذه الأعمال أفضل كثيرا مما كان من الممكن أن ~~أقدمه في عملي. وها قد عرفت الآن جدارة سبرينجل المسكين العجوز ~~بعد موته بسنوات عديدة، وذلك بعد فترة طويلة من التجاهل. # خلال السنة نفسها، نشرت في دورية «جورنال أوف ذا لينيان ~~سوسايتي» ورقة بحثية بعنوان «عن شكلي زهرة الربيع، أو الحالة ms081 ~~ثنائية الشكل لها»، وكذلك نشرت على مدى السنوات الخمس التي ~~تليها، خمس ورقات بحثية أخرى عن النباتات الثنائية الشكل ~~والنباتات الثلاثية الشكل. وأنا لا أعتقد أن أي شيء قمت به ~~على مدى حياتي العلمية بأكملها قد منحني هذا القدر الكبير من ~~الرضا الذي منحني إياه التوصل إلى تركيب هذه النباتات. كنت قد ~~لاحظت في عام 1838 أو 1839، ثنائية شكل زهرة الكتان الأصفر، وقد ~~حسبت في البداية أنها مجرد حالة مختلفة لا معنى لها. لكن عند ~~دراسة الأنواع الشائعة من زهرة الربيع، وجدت أن الشكلين كانا ~~على درجة كبيرة من الشيوع والثبات، بما لا يسمح بالنظر إليهما ~~بهذه الطريقة؛ ولهذا، فقد أصبحت مقتنعا بدرجة كبيرة بأن زهرة ~~الربيع العطري وزهرة الربيع الشائعة في طريقهما إلى أن تصبحا ~~منفصلتي الجنس؛ فقد كانت المدقة القصيرة في الشكل الأول ~~والسداة القصيرة في الشكل الآخر، تتجهان إلى الإجهاض، ووفقا ~~لهذه الرؤية، تكون النباتات معرضة لمحنة. بالرغم من ذلك، فحالما ~~لقحت الزهور ذات المدقات القصيرة بحبوب اللقاح من الزهور ذات ~~الأسدية القصيرة، اتضح أن ذلك ينتج عددا من البذور أكبر مما ~~ينتجه غيرها من الاتحادات المحتملة الأربعة؛ ومن ثم، فقد ~~تحطمت نظرية الإجهاض تماما. وبعد المزيد من التجارب، اتضح ~~أن درجة القرابة التي تربط بين الشكلين، بالرغم من أنهما كانا ~~خنثويين تماما، هي درجة القرابة نفسها التي تربط بين أي زوج ~~متغاير الجنس من الحيوانات المعتادة. ولنا في جنس الخثري # Lythrum # مثال أكثر روعة لحالة ~~نجد فيها ثلاثة أشكال يحمل كل منها للآخر درجة القرابة نفسها. ~~وقد اكتشفت بعد ذلك أن الذرية التي تنتج عن اتحاد اثنين من ~~النباتات التابعة للأشكال نفسها، تمثل تشابها غريبا وقريبا ~~مع الهجائن الناتجة عن اتحاد نوعين متباينين. # في خريف عام 1864، انتهيت من ورقة بحثية طويلة عن «النباتات ~~المتسلقة»، وأرسلتها إلى الجمعية اللينية. وقد استغرقت مني ~~كتابة هذه الورقة أربعة شهور، لكنني كنت مريضا للغاية حين ~~تلقيت بروفات الطباعة، فاضطررت إلى أن أتركها على حال سيئة، ~~وبما يشوبها من غموض في ms082 معظم الأجزاء. لم تحظ الورقة بقدر ~~كبير من الانتباه، لكنها قد حققت مبيعات جيدة بعد تحريرها ~~جيدا ونشرها ككتاب منفصل في عام 1875. وقد دفعني إلى الاهتمام ~~بهذا الموضوع ورقة بحثية قصيرة لآسا جراي نشرت في عام 1858 كنت ~~قد قرأتها. وقد أرسل إلي جراي بعض البذور، ومع زراعة النباتات، ~~أصبحت منبهرا وحائرا للغاية إزاء تلك الحركات الالتفافية ~~للمحالق والسيقان؛ وقد كانت هذه الحركات بسيطة جدا في واقع ~~الأمر، رغم أنها تبدو للوهلة الأولى معقدة للغاية، حتى إنني قد ~~حصلت على المزيد من النباتات المتسلقة لكي أدرس الموضوع ~~بأكمله. وقد ازداد اهتمامي بالموضوع بدرجة كبيرة؛ إذ إنني لم ~~أكتف على الإطلاق بالتفسير الذي قدمه هنزلو في محاضراته عن ~~النباتات الملتفة، والذي يرى أن هذه النباتات تميل تلقائيا ~~إلى أن تنمو على نحو لولبي. وقد ثبت أن هذا التفسير خاطئ ~~تماما؛ إذ إن بعض أساليب التكيف التي نشهدها في النباتات ~~المتسلقة لا تقل جمالا عن تلك التي تتبناها السحلبيات لضمان حدوث ~~التلقيح المتبادل. # كما ذكرت سابقا، فإنني كنت قد بدأت في كتابي «تباين الحيوانات ~~والنباتات تحت تأثير التدجين» في بداية عام 1860، لكنه لم ينشر ~~حتى بداية عام 1868. لقد كان كتابا ضخما وقد استغرق مني أربع ~~سنوات وشهرين من العمل الشاق. وقد طرحت فيه جميع ملاحظاتي وعددا ~~كبيرا من الحقائق التي جمعتها من مصادر متعددة عن إنتاجنا عن ~~طريق التدجين. وقد تناولت في الجزء الثاني الأسباب والقوانين ~~الخاصة بالتباين والوراثة وغير ذلك، بالقدر الذي تسمح به معرفتنا ~~الحالية. وقرب نهاية العمل، قدمت فرضيتي عن شمولية التكوين، وهي ~~التي أسيء التعامل معها. إن الفرضية التي لا تثبت صحتها ليست ~~لها قيمة كبيرة، وقد تكون عديمة القيمة تماما، لكن إذ جمع شخص ~~بعد ذلك ملاحظات تؤكد صحة هذه الفرضية، فإنني سأكون بذلك قد قدمت ~~خدمة كبيرة؛ فحينها سنتمكن من الربط بين عدد مذهل من الحقائق ~~المنفصلة لتصبح واضحة ومفهومة. وفي عام 1875، ظهر من هذا ~~الكتاب طبعة ثانية ومنقحة على نحو كبير، وهو ما كلفني ~~قدرا ms083 كبيرا من العمل الشاق. # في فبراير من عام 1871، نشر كتابي «نشأة الإنسان»؛ ففور أن ~~أصبحت مقتنعا في عام 1837 أو 1838 أن الأنواع الحية يمكن أن ~~تتغير، لم أستطع أن أتجنب الاعتقاد بأن الإنسان كذلك لا بد أنه ~~يخضع إلى هذا القانون. وبناء على ذلك، بدأت في جمع ملاحظات عن ~~الموضوع لإشباع رغبتي في المعرفة فحسب دون أي نية للنشر، غير ~~أن ذلك لم يستمر لوقت طويل. وبالرغم من أن كتاب «أصل ~~الأنواع» لا يناقش نشوء أي نوع محدد من الأنواع الحية، فقد ~~رأيت أنه من الأفضل أن أضيف فيه أنه من خلال هذا العمل «سيلقى ~~الضوء على نشأة الإنسان وتاريخه»، وذلك لئلا يتهمني أي رجل فاضل ~~بإخفاء آرائي. وعلاوة على ذلك، فإن تناول الموضوع دون الإشارة ~~إلى اعتقادي بخصوص نشأة الإنسان، كان سيصبح أمرا عقيما يضر ~~بنجاح الكتاب. # لكن حين وجدت أن العديد من علماء التاريخ الطبيعي قد تقبلوا ~~نظرية تطور الأنواع الحية بنحو كامل، رأيت أنه من الأفضل أن ~~أواصل العمل على الملاحظات التي أمتلكها، وأن أنشر بحثا خاصا ~~عن أصل الإنسان ونشأته. وقد كنت سعيدا للغاية بالقيام بذلك؛ إذ ~~أتيحت لي الفرصة في مناقشة الانتقاء الجنسي بنحو كامل، وهو ~~موضوع لطالما كان يثير اهتمامي بدرجة كبيرة. إن هذا الموضوع، ~~وكذلك الخاص بتباين إنتاجنا الداجن، مع الأسباب والقوانين التي ~~تحكم تباين الأنواع الحية الناتجة في ظروف التدجين، وكذلك ~~الوراثة، والتلقيح المتبادل في النباتات، هي الموضوعات الوحيدة ~~التي تمكنت من الكتابة فيها بنحو كامل لكي أستخدم جميع المواد ~~العلمية التي جمعتها. لقد استغرق مني كتاب «نشأة الإنسان» ثلاثة ~~أعوام في كتابته، لكن جزءا من هذا الوقت قد ضيع علي ~~كالعادة نظرا لاعتلال صحتي، وكذلك قد أنفقت بعضه في الإعداد ~~لطبعات جديدة من كتبي وبعض الأعمال الصغيرة الأخرى. وقد ظهرت ~~طبعة ثانية ومنقحة على نحو كبير من كتاب «نشأة الإنسان» عام ~~1874. # نشر كتابي عن «التعبير عن الانفعالات في الإنسان والحيوان» في ~~خريف عام 1872، وقد كانت نيتي أن أخصص للموضوع فصلا ms084 في كتاب ~~«نشأة الإنسان»، لكن حالما بدأت في تجميع ملاحظاتي معا، رأيت ~~أنها ستستلزم كتابا مستقلا. # ولد طفلي الأول في السابع والعشرين من ديسمبر عام 1839، وقد ~~بدأت على الفور منذ أول فجر له في هذه الحياة، في تدوين ~~ملاحظات عن جميع ما يبديه من انفعالات؛ فحتى في هذه الفترة ~~المبكرة كنت مقتنعا بأن جميع الانفعالات بكل أشكالها الأعقد ~~والأدق، لا بد أن لها أصلا طبيعيا قد نشأت منه بالتدريج. ~~وفي صيف العام التالي، 1840، قرأت العمل الرائع الذي أنجزه السير ~~سي بيل عن التعبير عن الانفعالات، وقد زاد ذلك من اهتمامي بالموضوع ~~بدرجة كبيرة، غير أنني لم أوافقه الرأي على الإطلاق في اعتقاده ~~بأن العديد من العضلات قد صممت خصيصا للتعبير عن الانفعالات. ~~وابتداء من هذا الوقت، ظللت مهتما بالموضوع، أبحث فيه بين ~~الحين والآخر، فيما يتعلق بالإنسان والحيوانات المدجنة كذلك. وقد ~~حقق الكتاب مبيعات جيدة؛ فقد بيعت منه 5267 نسخة في يوم ~~النشر. # في صيف عام 1860، كنت أستجم وأستريح بالقرب من هارتفيلد، والتي ~~ينتشر فيها نوعان من النباتات المندرجة تحت جنس الندية، وقد لاحظت ~~أن العديد من الحشرات قد وقعت في شراك أوراقهما. أخذت معي ~~إلى المنزل بعضا من هذه النباتات، وحين قدمت لها الحشرات، ~~شاهدت حركة مجساتها، وقد دفعني ذلك إلى التفكير بأنه من المحتمل ~~أن تكون الحشرات قد وقعت في الشرك لسبب معين. ولحسن الحظ، خطر ~~بذهني أن أقوم باختبار حاسم، وهو أن أضع عددا كبيرا من أوراقها ~~في سوائل نيتروجينية وغير نيتروجينية لها الكثافة نفسها، وفور أن ~~رأيت أن النوع الأول فقط هو الذي استثار الحركة في الأوراق، ~~أدركت أن ذلك حقل جديد وجيد للأبحاث. # على مدى السنوات التالية، كنت كلما حظيت بفسحة من الوقت، ~~واصلت العمل على تجاربي. وقد نشر كتابي عن «النباتات الآكلة ~~الحشرات» في يوليو عام 1875؛ أي بعد ملاحظاتي الأولى بستة عشر ~~عاما. وقد كان في تأخر نشر هذا الكتاب فائدة عظيمة لي، كما هي ~~الحال مع بقية كتبي؛ إذ يصبح المرء بعد مرور ms085 فترة طويلة قادرا ~~على أن ينقد عمله بنفسه، وبجودة تقترب للغاية من تلك التي ~~يقدمها في نقد عمل شخص آخر. لقد كان اكتشاف حقيقة أن ~~نباتا معينا، حين يتعرض للإثارة المناسبة، يفرز سائلا يحتوي ~~على حمض ومادة مخمرة، تشبه السوائل الهاضمة لدى الحيوانات، ~~بالتأكيد اكتشافا هاما. # في خريف هذا العام 1876، سوف أنشر كتابا عن «تأثيرات التلقيح ~~المتبادل والتلقيح الذاتي في المملكة النباتية» وسوف يشكل هذا ~~الكتاب تكملة لكتاب «تلقيح السحلبيات»، وهو الذي وضحت فيه مدى ~~المثالية التي كانت عليها وسائل التلقيح المتبادل، وسوف أقوم في ~~هذا الكتاب الجديد بتوضيح أهمية النتائج. على مدى أحد عشر عاما، ~~كنت أقوم بالتجارب التي أوردتها في هذا الكتاب، وما دفعني إلى ~~القيام بها سوى ملاحظة عارضة. وقد كان لا بد لهذه الملاحظة ~~العارضة أن تتكرر بالطبع قبل أن تسترعي كامل انتباهي إلى تلك ~~الحقيقة الهامة التي تقول بأن الشتلات الناتجة عن التلقيح الذاتي ~~للأصل الأبوي، تكون أقصر من الشتلات الناتجة عن التلقيح المتبادل ~~للأصل الأبوي وأضعف منها، حتى في الجيل الأول. وإنني آمل أيضا في ~~إعادة نشر نسخة منقحة من كتابي عن السحلبيات، وكذلك الأوراق ~~البحثية التي نشرتها عن النباتات الثنائية الشكل والنباتات ~~الثلاثية الشكل، مع بعض الملاحظات الإضافية عن بعض النقاط المتصلة ~~بها، والتي لم يتسن لي الوقت قط في ترتيبها. وسوف أكون قد ~~استنفدت جميع قواي حينئذ، وسأكون مستعدا لأن أدعو الرب قائلا: ~~«والآن فلتطلقني بسلام.» ~~(5-2) كتب في الأول من مايو 1881 # نشر كتاب «تأثيرات التلقيح المتبادل والتلقيح الذاتي» في خريف عام 1876، وأنا ~~أعتقد أن النتائج الواردة فيه تساهم في تفسير وجود ذلك العدد اللانهائي من ~~الوسائل المبتكرة الرائعة لانتقال حبوب اللقاح من نبات إلى آخر من النوع نفسه. ~~بالرغم من ذلك، وبناء على ملاحظات هيرمان مولر، فإنني أرى الآن أنه كان علي ~~التركيز بصورة أكبر على وسائل التكيف العديدة للتلقيح الذاتي، وهي التي كنت على ~~دراية جيدة بالكثير منها. وقد نشر من كتابي «تلقيح السحلبيات» طبعة أكثر تفصيلا ~~في عام ms086 1877. # في هذا العام نفسه، ظهر كتاب «الأشكال المختلفة للزهور، إلى ~~آخره» وفي عام 1880، ظهر منه طبعة ثانية. ويتكون هذا الكتاب بصفة ~~أساسية من عدة أوراق علمية عن الزهور ذات الأعضاء الجنسية متفاوتة ~~الأطوال، التي كانت قد نشرت في الأصل عن طريق الجمعية اللينية، ~~والتي خضعت للتحرير وإضافة الكثير من المواد الجديدة إليها، مع ~~تقديم ملاحظات على بعض الحالات الأخرى التي يحمل فيها النبات نفسه ~~نوعين من الزهور. وكما ذكرت سابقا، فإن أيا من اكتشافاتي ~~الصغيرة لم يمنحني من السرور ما شعرت به حين تمكنت من تفسير ~~ظاهرة تفاوت أطوال الأعضاء الجنسية في الزهور. وأعتقد أن ~~النتائج المترتبة على تلقيح هذه الزهور بإحدى الطرق التهجينية، لها ~~أهمية كبيرة؛ إذ إنها ترتبط بموضوع عقم الهجائن، غير أن هذه ~~النتائج لم يلاحظها سوى عدد قليل من الأشخاص. # في عام 1879، نشرت ترجمة لعمل «حياة إيرازموس داروين» لصاحبه ~~الدكتور إرنست كراوس، وقد أضفت وصفا لشخصيته وعاداته، من مواد ~~كنت أمتلكها. لقد كانت الحياة القصيرة التي عاشها هذا الرجل تثير ~~اهتمام العديد من الأشخاص، وقد فوجئت أن عدد النسخ المبيعة لم ~~يزد على 800 أو 900 نسخة. # في عام 1880، نشرت بمساعدة [ابني] فرانك، كتابنا عن «قوة الحركة ~~في النباتات»، وقد كان ذلك عملا شاقا. ويرتبط الكتاب بعض الشيء ~~بكتابي الصغير عن «النباتات المتسلقة»، مثلما يرتبط كتاب «التلقيح ~~المتبادل» بكتاب «تلقيح السحلبيات»؛ فوفقا لمبدأ التطور، لم ~~يكن من الممكن تفسير السبب في أن النباتات المتسلقة قد تطورت ~~إلى العديد من المجموعات التي تختلف فيما بينها اختلافا كبيرا، ~~ما لم تكن النباتات جميعها تمتلك قدرا بسيطا من القدرة على ~~القيام بالحركة بنحو مماثل. وقد أثبت صحة هذا التفسير، وقادني ~~ذلك إلى تعميم أكثر شمولا، وهو أن أعظم أنواع هذه الحركات ~~وأهمها، وهي التي يحفزها الضوء وقوة الجاذبية وغير ذلك، هي ~~أشكال معدلة من الحركة الأساسية المتمثلة في الالتفاف الدائري. ~~ولطالما كنت أشعر بالسعادة لرفع النباتات لمستوى الكائنات ~~المتعضية؛ لذا فقد سررت بنحو خاص لتوضيح ما يقوم به طرف ms087 ~~جذر النبات من حركات كثيرة، وما تظهره من حسن تكيف مثير ~~للإعجاب. # لقد أرسلت الآن (1 مايو 1881) إلى المطابع مخطوطة كتاب صغير ~~عن «تكون العفن النباتي بفعل الديدان»، وهو موضوع لا يشكل ~~أهمية كبيرة، ولا أعلم إن كان سيثير اهتمام القراء أم لا، لكنه ~~يثير اهتمامي. [جدير بالذكر أنه في الفترة بين نوفمبر 1881 ~~وفبراير 1884، بيعت من هذا الكتاب 8500 نسخة.] وهو تكملة لورقة ~~بحثية قصيرة كنت قد قرأتها على الجمعية الجيولوجية منذ ما يزيد ~~على أربعين عاما، وقد قمت فيها بإحياء أفكار جيولوجية ~~قديمة. # الآن وقد ذكرت جميع الكتب التي نشرتها، وهي التي تمثل ~~معالم بارزة في حياتي، فلا يتبقى لي بعدها إلا القليل مما يمكنني ~~قوله. إنني لا ألاحظ أي تغيير في طريقة تفكيري على مدى آخر ~~ثلاثين عاما فيما عدا نقطة واحدة سأذكرها بعد قليل، والواقع أنه ~~ليس ثمة تغيير متوقع سوى التدهور العام. غير أن أبي قد عاش ~~حتى بلغ الثالثة والثمانين، وظل ذهنه حادا كما كان دائما، ~~وظلت جميع قدراته كما هي دون أن يخفت توهجها، وأنا أرجو أن ~~أموت قبل أن يتأثر أدائي الذهني بدرجة كبيرة. أعتقد أنني قد ~~أصبحت أكثر براعة قليلا في تخمين التفسيرات الصحيحة، وفي تصميم ~~الاختبارات التجريبية، لكن ذلك على الأرجح نتيجة الممارسة فقط ~~وتراكم مخزون أكبر من المعرفة. ولا زلت أواجه القدر نفسه من ~~الصعوبة التي كنت أواجهها دائما في التعبير عن نفسي بإيجاز ~~ووضوح، وقد كلفتني هذه الصعوبة ضياع الكثير من الوقت، لكنها قد ~~أفادتني كذلك إذ دفعتني إلى التمهل والتفكير مليا في كل ~~جملة تخرج مني؛ ومن ثم فقد تسنى لي أن أكتشف ما ارتكبت من ~~أخطاء فيما أعرضه من تسويغ منطقي أو في ملاحظاتي أو ملاحظات ~~الآخرين. # يبدو أن ثمة شيئا كارثيا في ذهني يدفعني دائما إلى ~~كتابة رؤيتي أو فرضيتي في البداية بطريقة خاطئة أو غريبة. لقد ~~اعتدت في السابق على أن أفكر في الجمل قبل تدوينها، لكنني ~~اكتشفت منذ عدة سنوات طريقة أخرى وجدت ms088 أنها توفر الوقت، وهي ~~أن أكتب ما يدور في عقلي بخط رديء وبأسرع ما أستطيع، مع اختزال ~~نصف الكلمات، ثم أدقق بعد ذلك في تصويبها؛ فغالبا ما تكون ~~الجمل التي تكتب بسرعة وعفوية أفضل كثيرا من تلك التي أتحرى ~~كتابتها. # والآن، وبعد أن ذكرت كل هذا القدر عن أسلوبي في الكتابة، سوف ~~أضيف أنني في الكتب الكبيرة، أقضي وقتا طويلا في إعداد الترتيب ~~العام للمحتوى؛ فأبدأ بإعداد تخطيط عام ومبدئي للمحتوى في صفحتين ~~أو ثلاث، ثم أتبعه بآخر أطول منه يتكون من عدة صفحات، مستخدما ~~كلمة واحدة أو بضع كلمات للإشارة إلى موضوع بأكمله أو مجموعة من ~~الحقائق. ثم أستطرد بعض الشيء في الكتابة عن كل من هذه العناوين، ~~التي غالبا ما يتغير موقعها قبل أن أبدأ بالكتابة بتفصيل وإسهاب. ~~وكما هي الحال في العديد من كتبي، فإنني أستخدم الحقائق التي ~~توصل إليها الآخرون عن طريق الملاحظة استخداما مكثفا؛ ~~ونظرا لأنني أعمل دائما على عدد من الموضوعات المختلفة في الوقت ~~نفسه، فإنني أحتفظ بعدد كبير من حافظات الأوراق يتراوح عددها بين ~~الثلاثين والأربعين، وأضعها في خزائن ذات رفوف، وعلى كل منها ~~عنوان موضوع محدد، وبهذا، أتمكن من أن أضع فيها مذكرة أو مرجعا ~~منفصلا. إنني أبتاع الكثير من الكتب، وفي نهاية كل منها، أصنع ~~فهرسا بالحقائق التي ترتبط بعملي، أو، إذا لم يكن الكتاب أحد ~~كتبي، أكتب ملخصا مستقلا له، وأضع هذه الملخصات في درج كبير. ~~وقبل البدء في أي موضوع، ألقي نظرة على جميع الفهارس القصيرة ~~وأصنع منها فهرسا عاما ومرتبا، وحين أختار ما أريده من ~~حافظات الأوراق، سواء أكانت واحدة أم اثنتين، تصبح لدي جميع ~~المعلومات التي جمعتها في حياتي جاهزة للاستخدام. # لقد ذكرت أن عقليتي قد تغيرت على مدى العشرين أو ~~الثلاثين عاما الأخيرة في جانب واحد؛ فحتى سن الثلاثين أو بعدها، ~~كنت أستمتع بشدة بالعديد من أنواع الشعر؛ مثل أعمال ميلتون وجراي ~~وبايرون ووردزوورث وكولريدج وشيلي، وحتى حين كنت صبيا في ~~المدرسة، كنت أستمتع بشدة بأعمال ms089 شكسبير، لا سيما مسرحياته ~~التاريخية. وقد ذكرت أيضا أن اللوحات كانت تبهجني بعض الشيء ~~فيما سبق، وكانت الموسيقى تمنحني متعة عظيمة. أما الآن، وعلى ~~مدى سنوات عديدة فأنا لا أتحمل أن أقرأ بيتا واحدا من الشعر؛ ~~فقد حاولت مؤخرا أن أقرأ لشكسبير، لكنني وجدته مملا بنحو ~~لا يحتمل حتى إنني قد شعرت بالغثيان. وقد فقدت اهتمامي باللوحات ~~والموسيقى تقريبا. وقد أصبحت الموسيقى تنشط ذهني وتحفزني ~~على التفكير في الموضوع الذي أعمل عليه، ولم تعد تبهجني كما في ~~السابق. ما زلت أجد بعض الاستمتاع في مشاهدة المناظر الجميلة، ~~لكنها لم تعد تمنحني ذلك السرور البديع التي كانت تمنحني إياه من ~~قبل. وعلى العكس من ذلك، فإن الروايات، والتي هي أعمال من نسج ~~الخيال، رغم أنها ليست على قدر عال من الأهمية، ظلت لسنوات تمنحني ~~سرورا وراحة رائعة، وأنا غالبا ما أكن التقدير لجميع ~~الروائيين. وقد قرئ على مسامعي عدد هائل من الروايات، وأنا ~~أحب جميع الروايات، ما دامت على قدر معقول من الجودة، ولا تنتهي ~~بنهاية تعيسة - وهو أمر يجب أن يمنعه القانون. وبالنسبة لي، ~~فإن الرواية لا ترقى إلى المرتبة الأولى إلا أن تكون بها شخصية ~~يمكن أن نكن لها حبا عميقا، وحبذا لو كانت امرأة ~~جميلة. # إن هذه الحالة العجيبة والمؤسفة من فقدان القدرة على تذوق ~~الفنون الراقية لهي أمر غريب للغاية؛ إذ إن كتب التاريخ والسير ~~الذاتية وكتب الرحلات (بغض النظر عن أي حقائق علمية قد تحتوي ~~عليها)، وكذلك المقالات في جميع الموضوعات، ما تزال تثير اهتمامي ~~بالقدر نفسه كما كانت دائما. ويبدو أن عقلي قد أصبح ضربا من ~~الآلات المعدة لاستخلاص القوانين العامة من بين مجموعات ضخمة ~~من الحقائق، غير أنني لا أستطيع أن أفهم السبب في أن ذلك قد تسبب ~~في ضمور ذلك الجزء وحده من العقل، الذي يتوقف عليه تذوق هذه ~~الفنون الراقية. وأعتقد أن أي شخص يتمتع بعقل أعلى تنظيما من ~~عقلي، أو أفضل تكوينا، لن يعاني مما أعانيه، وإن كان لي أن أعيش ms090 ~~حياتي مرة أخرى، لوضعت قاعدة في حياتي تتضمن قراءة بعض الشعر ~~والاستماع إلى بعض الموسيقى مرة في الأسبوع على الأقل؛ فلربما كان ~~ذلك الجزء الذي ضمر من عقلي الآن، سيظل نشطا إن تعرض للاستخدام ~~المستمر. إن فقدان القدرة على تذوق هذه الفنون، لهو فقدان ~~للسعادة، وربما يضر بالقدرات الذهنية، والأرجح أنه مضر للجانب ~~الأخلاقي؛ إذ يضعف الجانب العاطفي من طبيعتنا. # لقد حققت كتبي مبيعات كبيرة في إنجلترا، وترجمت إلى العديد ~~من اللغات، وكذلك صدرت منها عدة طبعات في الدول الأجنبية. وقد ~~سمعت أن نجاح أي عمل في بلد أجنبي هو الاختبار الأفضل ~~لقيمته الدائمة، وأنا لا أثق فيما إن كان هذا القول جديرا بالثقة ~~تماما ، لكن بالقياس على هذا المعيار، فإن اسمي سيبقى مترددا ~~لبضع سنين؛ لذا، ربما يكون من المفيد هنا محاولة تحليل القدرات ~~الذهنية والظروف التي توقف عليها نجاحي، بالرغم من أنني أدرك ~~أن أحدا لا يستطيع أن يقوم بهذه المهمة بنحو صحيح. # إنني لا أتمتع بسرعة الفهم أو البديهة التي يتميز بها غيري من ~~الرجال البارعين، ومنهم هكسلي على سبيل المثال؛ ولهذا فأنا ناقد ~~سيئ؛ فحين أقرأ كتابا أو ورقة بحثية للمرة الأولى، فإنها تثير ~~إعجابي بوجه عام، ولا أدرك مواطن ضعفها إلا بعد فترة ليست ~~بالهينة من التأمل والتفكر. وأما قدرتي على متابعة سلسلة ~~طويلة وخالصة التجريد من الأفكار، فهي محدودة للغاية؛ ولهذا السبب، ~~لم أكن لأحقق أي نجاح في مجال الميتافيزيقيا أو الرياضيات. ~~إنني أتمتع بذاكرة هائلة، لكنها مشوشة؛ فهي تكفي لأن تجعلني ~~حريصا؛ إذ تشير إلي على نحو غامض بأنني قد لاحظت أو قرأت ~~شيئا يتعارض مع النتيجة التي يقودني تفكيري إليها، أو يؤيدها، ~~وبعد فترة من الوقت، أستطيع أن أتذكر بوجه عام المصدر الذي يجب ~~أن أبحث فيه عما أرجع إليه. والحق أن ذاكرتي ضعيفة جدا في أحد ~~الجوانب، وهو أنني لم أستطع قط أن أتذكر تاريخا واحدا أو ~~بيتا من الشعر لما يزيد على بضعة أيام. # لقد قال عني بعض النقاد: «حسنا، ms091 إنه يتمتع بقدرة جيدة على ~~الملاحظة، لكنه يفتقر إلى القدرة على التسويغ المنطقي!» وأنا لا ~~أعتقد أن ذلك يمكن أن يكون صحيحا؛ إذ إن كتاب «أصل الأنواع» ~~هو نقاش جدلي طويل من أوله إلى آخره، وقد أقنع عددا ليس بالقليل ~~من الرجال البارعين، ولم يكن لأحد أن يكتبه دون أن يمتلك القدرة ~~على التسويغ المنطقي. وأنا أتمتع بحظ جيد من الابتكار، وكذلك من ~~حسن الإدراك والتقدير، بالدرجة التي يتمتع بها أي محام أو ~~طبيب بارع بعض الشيء، لا أكثر، في رأيي. # وأما عن الجانب المميز في، فأنا أعتقد أنني أتفوق على ~~الغالبية العظمى من الناس في الالتفات إلى الأمور التي يسهل أن ~~تفلت من الانتباه ، وملاحظتها بعناية. ولقد ثابرت بأقصى ما ~~أستطيع على الملاحظة وجمع الحقائق. والأهم من ذلك، أن حبي للعلوم ~~الطبيعية ظل متقدا وثابتا. # بالرغم من ذلك، فإن ما ساعد كثيرا هذا الحب الخالص هو طموحي ~~إلى أن أحظى بتقدير زملائي من علماء التاريخ الطبيعي. ومنذ بداية ~~شبابي، تملكتني رغبة شديدة في فهم أي شيء ألاحظه أو تفسيره؛ أي ~~تجميع الحقائق كلها تحت قوانين عامة. وهذه الأسباب مجتمعة قد ~~أمدتني بالقدرة على الصبر للتأمل والتفكر في أي مسألة ~~غير مفهومة، مهما طالت المدة لأي عدد من السنوات. وأعتقد أنني ~~لست قادرا على الاتباع الأعمى لآراء غيري من الأشخاص. وكنت أسعى ~~دوما إلى الحفاظ على عقلي حرا لكي أكون قادرا على التخلي عن ~~أي فرضية مهما بلغ حبي لها (وأنا لا أستطيع أن أقاوم تكوين ~~فرضية جديدة عن كل موضوع)، فور أن تتضح أي حقائق تعارضها. ~~والواقع أنه لم يكن لدي خيار للتصرف بما هو دون ذلك، وباستثناء ~~موضوع الشعاب المرجانية، فأنا لا أتذكر فرضية واحدة لم تتغير بعد ~~ذلك أو تعدل بدرجة كبيرة. وقد دفعني ذلك تلقائيا إلى عدم ~~الثقة على نحو كبير في التفكير الاستنباطي في العلوم المختلطة. ~~وعلى الجانب الآخر، فإنني لست متشككا بشدة، وأنا أعتقد أن هذا ~~الإطار الذهني يضر بتقدم العلوم. فمن المحبذ لرجل ms092 العلم أن ~~يتحلى بقدر معقول من التشكك وذلك لتجنب إهدار الكثير من ~~الوقت، غير أنني قابلت عددا ليس بالقليل من الرجال أعرف يقينا ~~أنهم كثيرا ما أحجموا عن الملاحظة أو إجراء التجارب، التي كانت ~~ستثبت فائدتها، سواء بنحو مباشر أو غير مباشر. # وللتوضيح، سوف أعرض أغرب حالة عرفتها. كان أحد الرجال الأفاضل ~~(وهو الذي قد سمعت بعد ذلك أنه عالم نبات محلي جيد) قد كتب ~~إلي من المقاطعات الشرقية يخبرني أن بذور أو حبوب الفاصوليا ~~الخضراء قد نبتت هذا العام في كل مكان على الجانب المخالف ~~للمألوف من القرن. وقد كتبت له ردا على خطابه أطلب منه المزيد ~~من المعلومات؛ إذ لم أكن أفهم ما يعنيه، غير أنني لم أتلق منه ~~ردا إلا بعد فترة طويلة للغاية. ثم قرأت بعد ذلك في جريدتين، ~~كانت تنشر إحداهما في كنت والأخرى في يوركشاير، بعض الأخبار التي ~~تذكر أنها لحقيقة جديرة بالملاحظة أن «حبوب الفاصوليا في هذا ~~العام قد نمت على الجانب المخالف للمألوف.» لذا، فقد ظننت أنه لا بد أن هناك أساسا لمثل هذا الادعاء العام؛ وبناء على هذا، فقد ~~ذهبت إلى البستاني الذي يعمل لدي، وهو رجل عجوز من كنت، ~~وسألته عما إذا قد سمع بأي شيء عن ذلك؛ فأجابني: «أوه، كلا يا سيدي، لا بد أن هناك خطأ ما؛ فالفاصوليا لا تنمو على الجانب ~~المخالف للمألوف إلا في السنة الكبيسة، ولسنا في سنة كبيسة.» وقد ~~سألته بعد ذلك عن الشكل الذي تنمو عليه في السنوات الكبيسة، لكنني ~~اكتشفت أنه لا يعرف شيئا عن كيفية نموها في أي وقت، وإنما كان ~~متمسكا باعتقاده فحسب. # وبعد فترة من الوقت، أرسل إلي الشخص الذي كان قد أخبرني بالأمر ~~في البداية الكثير من الاعتذارات قائلا إنه لم يكن ليرسل إلي، ~~لو أنه لم يسمع ذلك من العديد من المزارعين البارعين، لكنه قد ~~تحدث إليهم بعد ذلك، ولم يفهم أي منهم على الإطلاق ما كان ~~يعنيه بكلامه. وهكذا، فقد أصبح لدينا اعتقاد - هذا إذا كان ms093 من ~~الممكن أن نطلق على أي ادعاء لا يتضمن أي فكرة محددة اسم ~~اعتقاد - قد انتشر في معظم أنحاء إنجلترا دون أي دليل على ~~الإطلاق. # لم أعرف على مدى حياتي سوى ثلاثة ادعاءات خاطئة عن عمد، ~~وربما كانت إحداها أكذوبة (وقد كان هناك العديد من الأكاذيب ~~العلمية)، غير أنها قد وردت في إحدى الدوريات الزراعية ~~الأمريكية. وقد كانت تتعلق باستيلاد سلالة جديدة من الثيران في ~~هولندا، وذلك من خلال التهجين المتبادل لأنواع معينة من البقر ~~(التي قد تصادف أني أعرف أن بعضها يصبح عقيما معا) وقد كان ~~الكاتب يتمتع بالصفاقة إذ أعلن أنه قد تواصل معي وأنني كنت شديد ~~الانبهار بأهمية هذه النتائج. وقد عرفت بهذا المقال؛ إذ أرسله ~~إلي محرر في إحدى الدوريات الزراعية الإنجليزية، طالبا لرأيي ~~في إعادة نشره. # وأما الحالة الثانية، فقد كانت تقريرا عن ضروب عديدة قد ~~أنتجت من أنواع متعددة من زهرة الربيع، التي أثمرت تلقائيا عن ~~مجموعة كاملة من البذور، بالرغم من أن النباتات الأصلية كانت ~~محمية بعناية بحيث لا يمكن للحشرات الاقتراب منها. وقد نشر هذا ~~التقرير قبل أن أكتشف معنى تفاوت أطوال الأعضاء الجنسية في ~~الزهور، ولا شك في أن الادعاء بأكمله كان كاذبا، أو كان هناك ~~إهمال شديد في إبعاد الحشرات، بدرجة يصعب تصديقها. # وأما الحالة الثالثة، فقد كانت أكثر غرابة؛ فقد نشر السيد هوث ~~في كتابه عن «اقتران الأقارب» مقتطفات طويلة من باحث بلجيكي ذكر ~~أنه قد استولد أرانب من أزواج وثيقي القرابة على مدى أجيال ~~عديدة دون أي تأثيرات ضارة. وقد نشر التقرير بإحدى أكثر ~~الدوريات العلمية احتراما، وهي الدورية الخاصة بالجمعية الملكية ~~البلجيكية. وبالرغم من ذلك، فلم أستطع تجنب ما انتابني من شكوك، ~~ولم أكن أعرف سببا لذلك، سوى أنه لم يكن ثمة سابقة من هذا ~~القبيل، كما أن خبرتي في استيلاد الحيوانات قد دفعتني إلى ~~التفكير بأن حدوث مثل هذا الاحتمال ضعيف للغاية. # ولهذا، وبعد تردد كبير، كتبت إلى البروفيسور فان بيندين أسأله ~~عما إذا كان الكاتب ms094 جديرا بالثقة أم لا. وسرعان ما جاءني الرد ~~بأن الجمعية قد صدمت صدمة عظيمة؛ إذ اكتشفت أن التقرير ~~بأكمله كان مزيفا. [جدير بالذكر أن السيد هوث قد أوضح بنفسه عدم ~~صحة الادعاءات التي استند إليها، وذلك في قصاصة ألحقها بجميع ~~نسخ كتابه التي لم تكن قد بيعت بعد.] وقد جرت مواجهة الكاتب ~~علنيا في الدورية وطلب منه تحديد المكان الذي احتفظ فيه بهذا ~~العدد الكبير من الأرانب في أثناء قيامه بتجاربه، والتي لا بد ~~أنها قد استغرقت عدة سنوات، غير أنه لم يرد. # لقد كانت عاداتي منهجية، وكان لذلك أهمية كبيرة في مجال عملي. ~~وأخيرا، قد أصبحت أتمتع بفسحة من الوقت؛ إذ لم يعد علي أن أكسب ~~قوت يومي. وحتى اعتلال صحتي، فبالرغم من أنه قد أهدر عدة سنوات من ~~حياتي، فقد كفاني إلهاءات المجتمع ولهوه. # ولهذا، فإنني أرى أن نجاحي كأحد رجال العلم، بغض النظر عن ~~المدى الذي بلغه، كان نتاجا للعديد من الظروف والقدرات العقلية ~~المتنوعة والمعقدة. والأهم من بينها، كان هو حبي للعلوم، والصبر ~~اللامتناهي على طول التفكر في أي موضوع، والمثابرة على ملاحظة ~~الحقائق وجمعها، وقدرا لا بأس به من الابتكار وكذلك من حسن ~~التمييز. وبهذه القدرات المتوسطة التي أمتلكها، فإنه لمن المدهش ~~حقا أن أكون قد أثرت بقدر غير هين في رأي العلماء بشأن ~~بعض النقاط المهمة. # شكل منزل داون من الحديقة. بإذن من مجلة ~~«سينتشري ماجازين». # الفصل الثالث # | ذكريات من حياة والدي اليومية # أسعى في هذا الفصل لأن أقدم لمحة عن حياة والدي اليومية. وقد ~~رأيت أنني يمكنني القيام بذلك من خلال رسم صورة سريعة للحياة ~~اليومية في منزل داون، التي سوف تتخللها بعض الذكريات التي تستدعيها ~~الذاكرة. والعديد من تلك الذكريات، التي هي ذات معنى لمن كانوا يعرفون ~~والدي، ستبدو مملة وتافهة للغرباء. وبالرغم من ذلك، فسوف أذكرها ~~لعلها تبقي على ذلك الانطباع عن شخصيته الذي ما زال باقيا لدى من ~~عرفوه وأحبوه؛ وهو انطباع واضح جدا ولا يمكن ترجمته إلى كلمات في ms095 ~~آن واحد. # بالنسبة إلى مظهره الشخصي (وفي ظل هذه الأيام التي نشهد فيها انتشار ~~الصور الفوتوغرافية)، ليس هناك داع لأن نقول الكثير. لقد كان يبلغ من ~~الطول ستة أقدام تقريبا، لكنه لم يكن يبدو طويلا للغاية؛ إذ كان ظهره ~~محنيا بدرجة كبيرة، وقد استسلم في آخر أيامه لهذا الانحناء، لكنني ~~أستطيع أن أتذكره قبل ذلك بفترة طويلة، وهو يقف مستقيما مع بعض ~~الاهتزاز يطيح بذراعيه إلى الخلف ليفتح صدره. لقد كان يخلف عنه ~~انطباعا بأنه نشيط أكثر مما هو قوي، ولم تكن كتفاه عريضتين بما ~~يتناسب مع طوله، لكنهما لم تكونا صغيرتين بالتأكيد. لا بد أنه كان ~~يتمتع بقدرة كبيرة على التحمل حين كان شابا صغيرا؛ ففي إحدى ~~الجولات الاستكشافية الشاطئية، التي كان يقوم بها في رحلة «البيجل»، ~~كان الجميع يعانون من ندرة المياه، وكان هو أحد الرجلين اللذين كانا ~~أكثر قدرة على المثابرة بحثا عن الماء. لقد كان نشيطا حين كان ~~صبيا، وكان يمكنه أن يقفز حاجزا يحاذي ارتفاعه «تفاحة آدم» الموجودة ~~في رقبته. # كان يسير متأرجحا، وهو يستند على عصا كعبها من الحديد الثقيل، وهي ~~التي كان يدق بها على الأرض بصوت عال، فتصدر حين كان يمشي بها على ~~«الممشى الرملي» في داون طقطقة متواترة الإيقاع، والتي ظلت ذكرى واضحة ~~للغاية لدى كل منا. وعند عودته من جولته التي كان يقوم بها في منتصف ~~النهار، حاملا في معظم الأحوال معطفه الواقي من المطر أو عباءته؛ وذلك ~~لشعوره بالحر الشديد، يستطيع المرء أن يرى أنه يحافظ على خطوته ~~المتأرجحة تلك ببعض الجهد. كانت خطوته في داخل المنزل بطيئة ومجهدة في ~~أغلب الأحيان، وحين كان يصعد الدرج في العصر، كان صوت وقع أقدامه ~~يتردد ثقيلا، كما لو أنه كان يبذل مجهودا كبيرا في كل خطوة. أما ~~حين كان ينهمك في عمله، فقد كان يتحرك بسرعة وسهولة كافيتين. وكثيرا ~~ما كان يهرول داخلا إلى الردهة في أثناء قيامه بالإملاء ليشتم ~~بعض النشوق، تاركا باب المكتب مفتوحا وصائحا بالكلمات الأخيرة من ~~جملته ms096 في أثناء سيره. وأحيانا، كان يستخدم في داخل المنزل عصا مصنوعة ~~من خشب البلوط تشبه عصا التسلق الصغيرة، وقد كانت تلك علامة على أنه ~~يشعر بالدوار. # بالرغم من قوته ونشاطه، فإنني أعتقد أنه لم يكن يتمتع قط بالرشاقة في ~~الحركة؛ فلم يكن بارعا في استخدام يديه، ولم يكن يجيد الرسم على ~~الإطلاق. (إن الشكل الذي يمثل محتويات الخلية مجمعة في كتابه «النباتات ~~آكلة الحشرات» من رسمه.) وقد كان يشعر بالأسف الشديد لذلك، وطالما كان ~~يؤكد الأهمية القصوى لأن يسعى الشباب من الباحثين في التاريخ ~~الطبيعي إلى إجادة الرسم. # كان بارعا في التشريح تحت المجهر البسيط، لكنني أعتقد أن ذلك ~~يعود إلى ما كان يتمتع به من صبر وما يوليه من عناية بالغة. لقد كان ~~يعتقد أن العديد من التفاصيل الصغيرة المتعلقة بالبراعة في التشريح ~~لهي أمر يكاد يفوق مستوى القدرات البشرية. وكان يتحدث كثيرا ~~بإعجاب عما شهده من براعة نيوبورت في تشريح نحلة طنانة؛ إذ استخرج ~~جهازها العصبي بعد أن جزها بضع مرات فقط بمقص رفيع كان يمسكه، كما ~~اعتاد والدي أن يوضح، وهو يرفع مرفقه، وبأسلوب يضمن تحقيق درجة ~~كبيرة من الثبات الضروري بالطبع. لقد كان والدي يعتقد أن إعداد ~~المقاطع التشريحية إنجاز عظيم، وفي العام الأخير من حياته، أبدى طاقة ~~مدهشة وبذل قصارى جهده لكي يتعلم كيفية إعداد مقاطع من أوراق ~~النباتات وجذورها. لم تكن يداه ثابتتين بما يكفي للإمساك بالشيء ~~المراد قطع جزء منه، وقد كان يستخدم مشراحا دقيقا عاديا، تكون ~~البقعة المخصصة للإمساك بالشيء مثبتة بإحكام، وتنزلق الشفرة على سطح ~~زجاجي عند إعداد المقاطع. وقد اعتاد على السخرية من نفسه ومهارته في ~~إعداد المقاطع، وهي التي كان يقول عنها: «إنها تجعله عاجزا عن الكلام ~~من فرط الإعجاب بها.» بالرغم من ذلك، فلا بد أنه كان يتمتع بدقة ~~النظر والقدرة على تنسيق حركاته؛ إذ كان بارعا في التصويب بالبندقية ~~حين كان شابا، وفي الرمي حين كان صبيا. لقد قتل ذات يوم أرنبا ~~بريا كان يجلس في حديقة ms097 الزهور في شروزبيري، وذلك برميه بقطعة صغيرة ~~من الرخام، وحين أصبح رجلا، قتل ذات مرة طائرا ملتوي المنقار برميه ~~بقطعة من الحجارة. لقد كان مستاء للغاية لقتله هذا الطائر بلا جدوى، ~~حتى إنه لم يذكر الأمر لسنوات، ثم وضح بعد ذلك أنه ما كان ينبغي له ~~أن يرميه بقطعة الحجارة، إذا لم يكن متأكدا من أنه فقد مهارته ~~القديمة في الرمي. # كان يتململ بأصابعه في أثناء السير، وقد وصف ذلك في أحد كتبه بأنها ~~عادة رجل عجوز. وكثيرا ما كان يمسك أحد معصميه بيده الأخرى حين ~~كان يجلس، وقد كان يجلس واضعا ساقا على ساق، وقد كانت الساقان ~~تتصالبان بدرجة كبيرة من شدة نحافتهما، ويتضح ذلك في إحدى صوره ~~الفوتوغرافية. وقد كان يرفع كرسيه الموجود في المكتب وفي غرفة ~~الاستقبال إلى مستوى أعلى من المعتاد في الكراسي الأخرى؛ ذلك أن ~~الجلوس على كرسي منخفض الارتفاع أو حتى في الارتفاع المعتاد كان ~~يتسبب في شعوره بعدم الارتياح. وقد اعتدنا أن نسخر من قيامه بزيادة ~~ارتفاع كرسيه في غرفة الاستقبال أكثر وأكثر بوضع عدد من مساند ~~القدمين فوقه، ثم معادلة النتيجة بأن يضع قدميه على كرسي ~~آخر. # كانت لحيته كثة وغير مهذبة في معظمها، وقد كان شعره رماديا ~~يمتزج بالأبيض، ناعما لا خشنا، وكان مموجا أو مجعدا. وكان ~~شاربه يبدو مشوها بعض الشيء، بقصته القصيرة العريضة. وقد أصابه ~~الصلع فيما بعد، ولم يتبق في رأسه سوى بعض من الشعر الداكن ~~بالخلف. # كان وجهه متورد اللون، ولعل ذلك قد جعل الناس يظنون أنه أقل ~~اعتلالا مما كان عليه. لقد كتب إلى الدكتور هوكر (13 يونيو 1849) ~~يقول: «إن الجميع يظنون أنني أبدو جميلا مشرق الوجه، ويظن معظمهم ~~أنني أدعي المرض، لكنك لم تكن قط واحدا من هؤلاء.» ويجب أن نتذكر ~~أنه كان مريضا للغاية في تلك الفترة وكان مرضه فيها أشد كثيرا من ~~مرضه في السنوات الأخيرة من حياته. كانت عيناه بلون رمادي يميل إلى ~~الزرقة، ويتدلى من فوقهما حاجبان بارزان وكثيفا الشعر. كان ms098 أعلى جبينه ~~متغضنا، لكن وجهه كان خاليا من الخطوط أو العلامات فيما عدا ذلك. ~~ولم تكن تعابير وجهه تدل على ما يعانيه من تعب مستمر. # حين كانت محادثة ممتعة تثير فيه الحماس، كانت سلوكياته كلها تصبح ~~مشرقة ومفعمة بالحيوية على نحو رائع، وقد كان وجهه ينخرط بشدة في هذه ~~الحيوية العامة. كانت ضحكته طلقة ورنانة، كضحكة من يكرس نفسه بكل ~~ود واستمتاع للشخص والشيء اللذين يمتعانه. وغالبا ما كانت ~~تبدر عنه إيماءة وهو يضحك، كأن يرفع يديه أو ينزل إحداهما بضربة ~~بها. وأعتقد أنه كان يميل إلى استخدام الإيماءات بنحو عام، وكثيرا ما ~~كان يستخدم يديه في شرح أي شيء (تلقيح الزهور، على سبيل المثال)، وقد ~~كان يبدو أنه يستخدمهما كوسيلة مساعدة له وليس للمستمع. وكان يفعل ذلك ~~في مناسبات كان معظم الأشخاص فيها يوضحون شروحاتهم باستخدام ~~رسومات تخطيطية مرسومة بالقلم الرصاص. # كان يرتدي ملابس فضفاضة داكنة اللون. وفي سنوات حياته الأخيرة، ~~توقف عن ارتداء القبعة الطويلة حتى في لندن، وكان يرتدي قبعة ~~سوداء ناعمة في الشتاء، وقبعة كبيرة من القش في الصيف. وكان لباسه في ~~خارج المنزل يتألف عادة من العباءة القصيرة التي تظهر في الصورة ~~الفوتوغرافية التي التقطها له إليوت وفراي، وهو يميل على عمود في ~~الشرفة. وهناك أمران غريبان فيما يتعلق بلباسه داخل المنزل، وهما أنه ~~كان يضع شالا على كتفيه في أغلب الأحيان، وأنه كان يمتلك حذاء عالي ~~الرقبة واسعا للغاية، ومصنوعا من القماش ومبطنا بالفراء، وهو الذي ~~كان يرتديه فوق حذائه في داخل المنزل. ومثل غيره من الأشخاص الرقيقي ~~الصحة، فقد كان يعاني من الحرارة ومن البرودة على حد سواء؛ كما لو ~~أنه لا يستطيع تحقيق التوازن بين الحرارة الشديدة والبرودة الشديدة. ~~وغالبا ما كان يشعر بالحر الشديد عندما تشغل ذهنه بشدة مسألة ما؛ ~~فكان يخلع معطفه إذا حدث أي خطب في مسار عمله. # كان يستيقظ مبكرا وأعتقد أن ذلك يعود بصفة أساسية إلى أنه لم ~~يكن يستطيع أن يستلقي في السرير، وأعتقد أنه كان ms099 سيحب أن ينهض أبكر ~~مما كان يفعل. وكان يذهب في جولة قصيرة قبل الإفطار، وتلك عادة ~~اكتسبها حين ذهب لأول مرة إلى مصحة للعلاج المائي، وقد حافظ عليها حتى ~~آخر حياته تقريبا. وقد كنت أحب أن أذهب معه وأنا فتى صغير، والآن ~~ترادوني ذكرى بعيدة ومبهمة لحمرة شروق الشمس في فصل الشتاء، وذكريات ~~الرفقة الممتعة، إضافة إلى شعوري بالزهو والافتخار فيما يتعلق بهذا. ~~وقد كان يسليني وأنا فتى صغير بأن يخبرني كيف أنه رأى في جولات ~~سابقة له، في بواكير الصباح في الشتاء، مرة أو مرتين الثعالب وهي ~~تهرول إلى منازلها عند الفجر. # وبعد أن يتناول الإفطار بمفرده في الثامنة إلا الربع تقريبا، كان ~~يذهب إلى العمل على الفور، وكان يرى أن الساعة والنصف بين الساعة ~~الثامنة والتاسعة والنصف هي من أفضل الأوقات التي يعمل فيها. وفي ~~التاسعة والنصف، كان يذهب إلى غرفة الاستقبال لقراءة ما ورده من ~~خطابات، مبتهجا إن لم يكن لديه الكثير منها، وقلقا في بعض الأحيان إن ~~كانت كثيرة. ثم كان يستمع إلى أي خطابات خاصة بالعائلة تقرأ عليه ~~بصوت عال وهو مستلق على الأريكة. # وكانت فترة القراءة بصوت عال، وهي التي كانت تتضمن أيضا قراءة ~~جزء من رواية، تستمر حتى العاشرة والنصف تقريبا، ثم يعود والدي إلى ~~العمل حتى الثانية عشرة أو الثانية عشرة والربع. وبحلول هذا الوقت، كان ~~يعتبر أن يوم عمله قد انتهى، وغالبا ما كان يقول بصوت راض: «لقد ~~أنجزت قدرا جيدا من العمل هذا اليوم.» بعد ذلك، كان يذهب إلى ~~الخارج سواء أكان الجو صحوا أم مطيرا، وكانت كلبته التيرير البيضاء ~~بولي، تذهب معه حين يكون الجو صحوا، لكنها كانت ترفض الذهاب معه في ~~المطر، أو كانت تقف في الشرفة مترددة، وعلى وجهها تعبير يمتزج فيه ~~الاستياء والخزي من افتقادها للشجاعة، غير أن ضميرها كان يسود في ~~الغالب، وفور أن يتضح لها أنه قد ذهب بالفعل، لم تكن تطيق أن تتخلف ~~عنه. # لقد كان أبي دائما شغوفا بالكلاب، وحين كان شابا، ms100 كان ماهرا في ~~سرقة حب الحيوانات الأليفة التي تربيها أخته؛ ففي كامبريدج، فاز ~~بحب كلب ابن عمه دابليو دي فوكس، وربما كان ذلك هو الوحش الصغير ~~الذي اعتاد على أن يتسلل إلى سريره، وينام عند قدميه كل ليلة. ~~وكان لوالدي أيضا كلب نكد، وقد كان مخلصا له للغاية، لكنه لم يكن ~~ودودا مع أي شخص آخر، وحين عاد من رحلة «البيجل»، تذكره الكلب لكن ~~بطريقة غريبة كان أبي مغرما بروايتها، وهي أنه قد دخل إلى الفناء ~~ونادى عليه بطريقته القديمة، فاندفع الكلب ورافقه في سيره دون أن ~~يبدي أي انفعال أو إثارة، كما لو أن ذلك الأمر نفسه قد حدث في ~~اليوم السابق، لا قبل خمس سنوات. وقد عرض أبي هذه القصة في كتابه «نشأة ~~الإنسان»، الطبعة الثانية، صفحة 74. # لم يبق في ذاكرتي سوى كلبين هما اللذان أذكر أنهما قد تعلقا ~~بوالدي. وكان أحدهما كلب ريتريفر كبير نصف أصيل، يجمع بين اللونين ~~الأبيض والأسود، وكان يدعى بوب، وكنا ونحن أطفال نحبه بإخلاص. وهو ~~الكلب الذي تعرض قصة «انفعال الصوبة الزراعية» الخاصة به في كتاب ~~«التعبير عن الانفعالات». # لكن الأكثر تعلقا بوالدي من الكلاب هي الكلبة بولي التي سبق ~~ذكرها. وقد كانت كلبة بيضاء من نوع فوكس تيرير، وكانت قوية وحادة ~~الذكاء وعطوفة. كانت إذا اعتزم صاحبها السفر، تكتشف دائما هذه الحقيقة ~~من علامات حزم الأغراض التي تجري في غرفة المكتب، ويصيبها الحزن ~~تبعا لذلك. وكانت تبتهج أيضا إذ ترى علامات إعدادات غرفة المكتب ~~استعدادا لعودته إلى المنزل. لقد كانت كائنا صغيرا ماكرا، وقد ~~اعتادت على أن ترتجف أو تبدي التعاسة حين يمر بها أبي، بينما تنتظر ~~عشاءها، وكأنها تعرف أنه سيقول (كما كان يفعل في معظم الأحوال) إنها ~~«كانت تتضور جوعا.» وقد اعتاد أبي على أن يجعلها تمسك قطع البسكويت ~~من فوق أنفها، وقد كان يشرح لها بكل عطف ووقار أن عليها أن تكون ~~«كلبة مطيعة للغاية». كانت لديها علامة على ظهرها هي موضع حرق قديم، ~~وقد نما فيها الشعر ms101 من جديد باللون الأحمر بدلا من الأبيض، وقد كان ~~أبي يثني على وجود هذه الخصلة من الشعر؛ إذ إنها تتوافق مع نظريته عن ~~شمولية التكوين؛ فقد كان أبوها من نوع بول تيرير أحمر، ومن ثم ~~فإن ظهور الشعر الأحمر بعد الحرق يوضح وجود بريعمات حمراء كامنة. ~~لقد كان أبي رقيقا مع بولي بنحو رائع، ولم يبد أي ضجر على الإطلاق ~~مما كانت تتطلبه من رعاية؛ مثل السماح لها بالدخول من الباب أو ~~الخروج إلى الشرفة والنباح على «الأشخاص الأشقياء»، وهو واجب قد ألزمت ~~به نفسها وقد كانت تستمتع به كثيرا. وقد توفيت، بل الأدق أننا ~~اضطررنا إلى إنهاء حياتها بعد وفاته بأيام قليلة. # عادة ما كان أبي يبدأ الجولة التي يقوم بها في منتصف النهار، بزيارة ~~الصوبة الزراعية، وهناك كان يفحص أي بذور نابتة أو أي نباتات تستدعي ~~الفحص بين الحين والآخر، لكنه نادرا ما كان يجري أي ملاحظات جادة ~~في هذا الوقت. بعد ذلك، كان يذهب في جولته، سواء حول «الممشى الرملي» ~~أو خارج أرضه بجوار المنزل. كان «الممشى الرملي» عبارة عن شريط ضيق من ~~الأرض، يبلغ امتداده فدانا ونصفا، ويحيط به ممشى من الحصى. وعلى ~~جانب منه، توجد أجمة قديمة بها عدد من أشجار البلوط الكبيرة الحجم ~~إلى حد ما، وهي التي كانت بمنزلة ملاذ ظليل للمشي، وأما الجانب ~~الآخر، فقد كان يفصله عن حقل العشب المجاور سياج منخفض من شجيرات ~~الزعرور، وقد كان يطل على واد هادئ ينتهي عند الأرض المرتفعة باتجاه ~~حافة تل ويسترام، مع أيكة من أشجار البندق وأجمة من أشجار ~~اللاركس، وهي بقايا غابة كبيرة كانت تمتد على طريق ويسترام. وقد ~~سمعت والدي يقول إن سحر هذا الوادي الصغير البسيط قد ساعده على ~~الاستقرار في داون. # زرع والدي في الممشى الرملي مجموعة متنوعة من الأشجار، مثل أشجار ~~البندق والحور الرومي والليمون والنير والقضبان والحناء والقرانيا، مع ~~صف من أشجار البهشية على طول الجانب المكشوف. كان أبي قبل ذلك يقوم ~~بعدد معين من الدورات في ms102 كل يوم وكان يحسب عددها باستخدام ~~كومة من صخور الصوان؛ إذ كان يركل واحدة منها على الطريق كلما مر ~~بها. أما في السنوات الأخيرة، فأنا لا أعتقد أنه حافظ على عدد ~~معين من الدورات، وإنما كان يقوم بأكبر عدد ممكن تساعده عليه صحته. ~~كان الممشى الرملي هو الفناء الذي نلعب فيه حين كنا صغارا، وفيه كنا ~~نرى والدي باستمرار وهو يقوم بجولاته. كان يحب أن يرى ما كنا نفعله، ~~وكان مستعدا على الدوام لأن يشارك فيما نلهو فيه. وإنه لمن الغريب ~~أن أول ما لدي من ذكريات تتعلق بوالدي والممشى الرملي تتوافق مع ~~آخر ذكرياتي، وهو ما يوضح مدى ثبات عاداته وعدم تغيرها. # في بعض الأحيان ، حين يكون بمفرده، كان يقف ساكنا أو يمشي بهدوء ~~ليراقب الطيور والحيوانات. وفي مرة من هذه المرات، تسلقت على ظهره ~~وساقيه بعض السناجب اليافعة، بينما راحت أمها تنادي عليها بالتياع، وهي ~~لا تزال في موقعها بالشجرة. لقد كان يعثر دائما على أعشاش الطيور، ~~حتى في سنواته الأخيرة، وقد كنا نظن، ونحن ما نزال أطفالا، أنه يتمتع ~~بموهبة فذة في ذلك الأمر. وفي تلك الجولات الهادئة التي كان يقوم بها، ~~شاهد بعض أنواع الطيور الأقل شيوعا، لكنني أعتقد أنه لم يكن يخبرني ~~بذلك حين كنت ولدا صغيرا؛ إذ إنه أدرك ما كنت أعانيه من ضيق شديد ~~إن لم أتمكن من رؤية طائر السيسكن أو الحسون أو أيا ما كان الطائر ~~الذي رآه. وقد كان يحكي لنا كيف أنه كان يسير بهدوء في «بيج-وودز» حين ~~رأى ثعلبا نائما بالنهار، وهو الذي قد كان مندهشا للغاية حتى إنه ~~حدق في أبي قبل أن يبتعد. وقد كان يرافق أبي في هذه الجولة كلب من ~~نوع سبيتز، لكنه لم يبد أي علامة تدل على الإثارة تجاه الثعلب، ~~وقد كان أبي ينهي القصة بتعجبه من وهن عزيمة الكلب. # ومن الأماكن التي كان يحبها كذلك منطقة «أوركيس بانك» التي تقع أعلى ~~وادي كودهام الهادئ، حيث كانت تنبت السحلبيات المسكية وسحلبيات الذبابة ms103 ~~بين أشجار العرعر، وسحلبيات السيفالنثيرا # Cephalanthera # والنيوتيا تحت أغصان شجر الزان. وقد ~~كان مغرما كذلك بالغابة الصغيرة «هانجروف»، التي كانت أعلى هذه ~~المنطقة قليلا، وأنا أتذكره وهو يجمع الأعشاب منها حين تراءى له ~~تحديد أسماء الأنواع الشائعة هناك. وقد كان مغرما بتكرار قول أحد ~~صبيانه الصغار الذي وجد نوعا من العشب لم يره أبوه من قبل فوضعه ~~بجانب طبقه في أثناء العشاء معلقا: «أنا مستكشف أعشاب ~~استثنائي!» # لقد كان أبي يستمتع كثيرا بالتريض على مهل في الحديقة بصحبة أمي ~~أو بعض أطفاله، أو التنزه معهم جميعا بالجلوس على أحد المقاعد ~~الموجود على العشب، لكنه عادة ما كان يجلس على العشب مباشرة، وأنا ~~أتذكر أنه كان كثيرا ما يستلقي تحت إحدى أشجار الليمون الكبيرة، ~~واضعا رأسه على الرابية الخضراء الموجودة عند قاعدتها. وحين كنا نجلس ~~في الخارج في أجواء الصيف الجافة، عادة ما كنا نسمع البكرة الضخمة ~~الموجودة في البئر وهي تدور؛ ولهذا فقد أصبح هذا الصوت مرتبطا بتلك ~~الأيام السعيدة. لقد كان يحب مشاهدتنا ونحن نلعب كرة المضرب على ~~العشب، وكثيرا ما كان يلقي لنا بأي كرة شاردة، مستخدما مقبض عصاه ~~المقوس. # وبالرغم من أنه لم يشارك بصفة شخصية في أعمال الحديقة، فقد كان ~~يستمتع كثيرا بجمال الزهور؛ مثل باقات الأزالية التي غالبا ما كانت ~~تزين غرفة الاستقبال. وأعتقد أنه كان يمزج في بعض الأحيان بين ~~إعجابه بتركيب الزهرة وجمالها الجوهري، وذلك على سبيل المثال في حالة ~~زهور الدايلترا # Dielytra # المتدلية ~~الضخمة بلونيها الأبيض والوردي. وبالطريقة نفسها، فقد كان يكن ~~حبا، نصفه علمي ونصفه فني، لزهرة اللوبيليا الزرقاء الصغيرة؛ ونظرا ~~لإعجابه بالزهور، فكثيرا ما كان يسخر من الألوان الباهتة المستخدمة في ~~الفنون، ويقارنها بما تتسم به الطبيعة من ألوان زاهية. لقد كنت أحب ~~سماعه وهو يعبر عن إعجابه بالزهور؛ لقد كان ذلك ضربا من الامتنان ~~للزهرة نفسها، وحبا شخصيا لرقة لونها وشكلها. وأنا أتذكره ذات ~~مرة وهو يلمس برفق زهرة قد أعجبته؛ ولم يكن ما رأيته منه يختلف عن ذلك ms104 ~~الإعجاب البسيط الذي قد يبديه الأطفال. # لم يكن يسعه ألا يضفي السمات البشرية على الأشياء الطبيعية. وقد ~~كان هذا الشعور يتجلى مدحا أو ذما؛ فقد كان يقول مثلا عن بعض ~~الشتلات: «تلك الشتلات الوضيعات، إنهن يفعلن بالضبط ما لا أريده منهن.» ~~وبنبرة تجمع بين الغيظ والإعجاب، كان يتحدث عن براعة ورقة نبات ~~الميموزا في القيام بالالتواء حول نفسها والخروج من حوض ماء كان قد ~~حاول تثبيتها فيه. وتتضح هذه الروح أيضا في حديثه عن نبات الندية ~~وديدان الأرض وغير ذلك. (يقارن ليسلي ستيفن في كتابه «سويفت»، طبعة عام ~~1882، صفحة 200، بين ما كان يجريه سويفت من بحث حول سلوكيات الخدم ~~وعاداتهم وبين ملاحظة أبي للديدان، فيقول: «إن الفرق هو أن داروين ~~لم يكن يكن للديدان سوى المشاعر الطيبة.») # وفي حدود ما أتذكره، فقد كان النشاط الترفيهي الوحيد الذي يقوم به ~~أبي خارج المنزل، إضافة إلى المشي، هو ركوب الخيل، الذي قد بدأ ممارسته ~~بناء على نصيحة الدكتور بينس جونز، وقد حالفنا الحظ فعثرنا له على ~~جواد قصير قوي القوائم، وقد كان في غاية السلاسة والهدوء، واسمه ~~«تومي». لقد كان يستمتع بهذه الجولات استمتاعا بالغا، وكان يقوم ~~بعدد من الجولات القصيرة كي يتمكن من العودة إلى المنزل في وقت ~~الغداء. ويتناسب ريفنا مع هذا الأمر؛ فهو يمتلئ بالوديان الصغيرة، مما ~~يضفي التنوع على الطريق الذي سيكون مملا في أي أرض منبسطة. ~~وأعتقد أن والدي لم يكن بطبيعته مغرما بالخيل، ولم يكن كثير ~~التقدير لذكائها، وقد كان يسخر كثيرا من «تومي» لما كان يبديه من ~~وجل حين كان يمر مرة بعد أخرى بتلك الكومة التي تتألف من بقايا ~~تقليم السياج، في أثناء دورانه حول الحقل. وأعتقد أن أبي كان يدهش ~~من نفسه حين يتذكر جسارته في ركوب الخيل، ثم يتذكر ما حل به من ~~التقدم في العمر واعتلال الصحة؛ إذ انتزعا منه جلده. لقد كان يقول ~~إن ركوب الخيل كان أنجع من السير في منعه عن التفكير؛ إذ كان ينشغل ~~بالجواد بالدرجة الكافية ms105 التي تمنعه عن أي تفكير حقيقي جاد. وكذلك ~~كان تغيير المناظر جيدا لصحته ومعنوياته. # ولسوء الحظ، سقط تومي بقوة وهو على ظهره ذات مرة في منطقة كيستون ~~كومان، وقد حدثت له حادثة أخرى مع جواد آخر، فأضرتا بأعصابه، ونصح ~~بالتوقف عن ركوب الخيل. # وإذا ذهبت إلى ما هو أبعد من تجربتي الخاصة ورحت أستعيد ما سمعته ~~منه عن حبه للرياضة وغير ذلك، فأستطيع أن أتذكر القدر الكثير، لكنه ~~سيكون تكرارا لما ورد في عمله «ذكريات». لقد كان مولعا وهو في ~~المدرسة بلعبة ضرب الكرة بالمضرب، وتلك هي اللعبة الوحيدة التي كان ~~بارعا بها. وكان مولعا كذلك ببندقيته وهو لا يزال صبيا، وأصبح ~~قناصا جيدا. وقد اعتاد أن يحكي كيف أنه تمكن وهو في أمريكا ~~الجنوبية من اصطياد ثلاثة وعشرين من طيور الشنقب بأربع وعشرين طلقة ~~فحسب، وقد كان حريصا على أن يضيف أنه لم يكن يعتقد أنها بضراوة طيور ~~الشنقب الإنجليزية. # كانت وجبة الغداء تقدم في داون بعد الجولة التي كان أبي يقوم بها في ~~منتصف النهار، ويمكنني هنا أن أتحدث قليلا عن وجباته بصفة عامة. لقد ~~كان يحب الحلوى كالأطفال، وذلك من سوء حظه؛ إذ إنه دائما ما كان يمنع ~~من تناولها. ولم يكن ناجحا في الحفاظ على ما اتخذه من «عهود»، كما ~~كان يسميها، بالامتناع عن تناول الحلوى، ولم يكن يعتبر أنها ملزمة ~~له على الإطلاق، ما لم يقطعها على نفسه بصوت عال. # لم يكن يشرب من الخمر إلا قليلا جدا، لكنه كان يستمتع به، وقد كان ~~هذا القدر القليل ينعشه ويعيد إليه حيويته. لقد كان يرتعب من احتساء ~~الخمر، ودائما ما كان يحذر أبناءه من الإفراط فيه؛ إذ يسهل على ~~المرء الانقياد إلى ذلك. وأنا أتذكر أنني سألته ببراءة ذات مرة وأنا ~~طفل صغير، عما إذا كان قد شعر بالانتشاء من الخمر قبل ذلك، وقد أجابني ~~بجدية شديدة أنه يشعر بالخزي إذ أفرط في الشراب ذات مرة في كامبريدج. ~~وقد ترك ذلك لدي انطباعا عميقا؛ ولهذا فإنني ms106 لا زلت أتذكر المكان ~~الذي سألته فيه هذا السؤال. # وبعد أن يتناول غداءه، كان يقرأ الجريدة مستلقيا على الأريكة في ~~غرفة الاستقبال. وأعتقد أن الجريدة هي المادة غير العلمية الوحيدة ~~التي كان يقرؤها بنفسه، أما المواد الأخرى من روايات وأدب رحلات ~~وتاريخ، فقد كانت تقرأ عليه بصوت عال. لقد كان يهتم بأمور الحياة ~~اهتماما كبيرا؛ ولهذا فقد هناك الكثير مما يهمه في الجريدة، رغم أنه ~~كان يسخر من الإسهاب في المجادلات، وأعتقد أنه لم يكن يقرؤها إلا ~~إجمالا. وكان يولي السياسة قدرا لا بأس به من الاهتمام، لكن رأيه ~~في مثل هذه الأمور كان يتشكل وفقا للظروف، لا بعد أي قدر من ~~التفكير. # بعد قراءة الجريدة، يحين الوقت المخصص لكتابة الخطابات. وقد كان يكتب ~~هذه الخطابات، وكذلك مخطوطات كتبه، وهو يجلس على كرسي ضخم مصنوع من ~~شعر الخيل بجوار المدفأة، ويسند ورقته على لوح يضعه على ذراعي ~~الكرسي. وحين تكون الخطابات التي يجب أن يكتبها طويلة أو كثيرة، فإنه ~~كان يمليها من مسودة يكتبها على ظهر أوراق مخطوطاته أو بروفات ~~الطباعة، وقد كان يصعب قراءة خطه في هذه المسودات، حتى على نفسه ~~أحيانا. وقد وضع قاعدة تقضي بالاحتفاظ ب «جميع» الخطابات التي كان ~~يستقبلها، وقد تعلم هذه العادة من والده، وقال إنها أفادته فائدة ~~عظيمة. # كان يتلقى خطابات عديدة من بعض الحمقى وعديمي الأخلاق، وكان يرد ~~عليها جميعا. وقد كان يقول إنه إن لم يرد عليها، فسوف يثقل ذلك ~~ضميره فيما بعد. ولا شك في أن الكياسة التي كان يبديها في الرد على ~~جميع هذه الخطابات كان لها تأثير عظيم، وهو ما تولد عنه ذلك ~~الانطباع العام الواسع الانتشار عن لطف طبيعته، وهو ما تجلى بقوة عند ~~موته. # وقد كان يراعي مراسليه في أمور أخرى أقل أهمية؛ فحين كان يملي ~~علي خطابا لشخص غريب على سبيل المثال، كان يقول لي في معظم ~~الأحيان: «عليك أن تحاول الكتابة بأسلوب جيد؛ إذ إن الخطاب موجه ~~لشخص غريب.» وعادة ما كانت تكتب خطاباته ms107 بافتراض أنها ستقرأ دون ~~عناية؛ لذا فحين كان يملي علي، كان يحرص على إخباري بأن أبدأ أي ~~قسم مهم بفقرة واضحة «كي تلفت الانتباه»، كما كان يقول غالبا. لكم ~~كان يفكر في المشقة التي يعانيها الآخرون إذ يطرح عليهم الأسئلة؛ ~~وهو ما سيتضح جيدا من خطاباته. ومن الصعب أن نقول أي شيء عن النبرة ~~العامة في خطاباته، لكنها ستتحدث عن نفسها. ومن اللافت للنظر فيها، هي ~~الدماثة التي لا تتغير التي كتبت بها، ولدي دليل على هذه السمة ~~في المشاعر التي كان يكنها له محاميه السيد هاكون؛ فبالرغم من أنه ~~لم يلتق أبي على الإطلاق، فقد كان يكن له مشاعر صداقة خالصة، وكان ~~يتحدث بصفة خاصة عن خطاباته، على أساس أنها من النوع الذي يندر أن ~~يتلقاه المرء في مجال الأعمال، فكان يقول: «كل ما كنت أفعله كان ~~صوابا، وكان يشكرني شكرا غامرا على كل شيء.» # كان لديه نموذج مطبوع للرد على المراسلين المزعجين، لكنه نادرا ~~ما كان يستخدمه على الإطلاق، وأعتقد أنه لم يجد قط فرصة مناسبة تماما ~~ليستفيد من استخدامه فيها. أتذكر أنه قد تلقى خطابا من شخص غريب ~~يقول فيه إنه قد أخذ على عاتقه تأييد نظرية التطور في إحدى الجمعيات ~~النقاشية، ولما كان رجلا يافعا ومشغولا وليس لديه من الوقت ما ~~يكفي للقراءة، فقد كان يأمل في أن يحصل على ملخص لآراء والدي. وحتى ~~هذا الشاب العجيب قد حظي برد مهذب، لكنني لا أعتقد أنه قد حصل على ~~الكثير من المواد لحديثه. وقد كانت القاعدة التي يتبعها والدي هي أن ~~يشكر من يهدون له كتبا، لا نشرات. وقد كان يعبر في بعض الأحيان ~~عن اندهاشه من قلة عدد الأشخاص الذين كانوا يشكرونه على كتبه التي كان ~~يهديها لهم بأريحية، لكن الخطابات التي كان يتلقاها ممن يفعلون ذلك ~~كانت تمنحه سعادة كبيرة؛ فعادة ما كان تقديره لقيمة جميع أعماله ~~متواضعا للغاية، حتى إنه كان يندهش بوجه عام مما تثيره من ~~اهتمام. # وأما فيما يتعلق بأمور المال والأعمال، ms108 فقد كان حريصا ودقيقا على ~~نحو ملحوظ. كان يحتفظ بالحسابات بعناية بالغة، ويصنفها ويسويها ~~في نهاية العام مثل أي تاجر. إنني أتذكر السرعة التي كان يصل بها ~~إلى دفتر حساباته ليسجل أي شيك قد جرى دفعه، وكأنه في عجلة لتسجيله ~~قبل أن ينساه. ولا بد أن والده قد جعله يعتقد أنه سيكون أفقر مما ~~كان عليه في واقع الأمر، ولا بد أن بعض الصعوبة التي واجهها أبي ~~لإيجاد منزل في الريف، كان يعود إلى المبلغ المتواضع الذي شعر بأنه ~~مستعد لتقديمه لهذا الغرض. بالرغم من ذلك، فقد كان يشعر بأن أحواله ~~المالية ستتحسن بعد ذلك؛ إذ إنه يذكر ذلك في عمله «ذكريات» على أنه أحد ~~الأسباب التي جعلته لا يقبل على ممارسة الطب بحماس كما لو كان سيفعل ~~لو أنه كان في حاجة ماسة لكسب عيشه منه. # كان يحب الاقتصاد في استخدام الورق، لكن ذلك كان على سبيل الهواية، ~~لا الاقتصاد الحقيقي. كان يحتفظ بجميع ما كان يجده في الخطابات التي ~~ترده من صفحات فارغة، ويضعها في حافظة خاصة لكي يستخدمها في كتابة ~~الملاحظات. إن احترامه للورق هو الذي دفعه إلى كتابة هذا القدر ~~الكثير على ظهور صفحات مخطوطاته القديمة، غير أنه بذلك قد أدى لسوء ~~الحظ إلى تدمير أجزاء كبيرة من المخطوطات الأصلية لكتبه. وقد امتدت ~~مشاعره تجاه الورق لتشمل المخلفات الورقية، وقد كان يعترض بنحو شبه ~~مازح، على تلك العادة التي تتسم باللامبالاة والتي تتمثل في إلقاء أي ~~لفافة ورقية في نار المدفأة بعد استخدامها لإشعال شمعة. # لقد كان أبي سخيا وكريما للغاية مع جميع أطفاله فيما بتعلق ~~بالمال، ولدي سبب خاص لأتذكر لطفه، وذلك حين أتذكر الطريقة التي ~~سدد لي بها بعض ديوني في كامبريدج؛ إذ جعل الأمر يبدو كما لو كان ~~فضيلة مني أن أخبره بشأنه. وفي سنواته الأخيرة، وضع مخططا ينم ~~عن لطفه وكرمه، وهو تقسيم ما يزيد عن حاجته من مال في نهاية العام ~~على أبنائه. # كان يكن احتراما عظيما للبراعة في ممارسة الأعمال ms109 وإدارتها، ~~وكثيرا ما كان يتحدث بإعجاب عن أحد الأقارب الذي استطاع مضاعفة ثروته. ~~وكثيرا ما كان يقول عن نفسه مازحا إن ما كان يفتخر به «فعلا» هو ~~أنه استطاع ادخار بعض المال، وكذلك كان يشعر بالرضا عما جناه عن كتبه ~~من نقود. لقد كان قلقه بشأن الادخار نابعا بدرجة كبيرة من مخاوفه ~~بألا يتمتع أبناؤه بقدر كاف من الصحة الجيدة التي تمكنهم من كسب ~~عيشهم، وهو هاجس ظل يساوره لسنوات عديدة. وأتذكر على نحو غير ~~واضح قوله: «أشكر الله على أنه سوف يكون لديكم خبز وجبن.» وقد كنت ~~صغيرا للغاية حينها، فكنت أميل إلى فهمها بمعناها الحرفي. # بعد أن كان ينتهي من الخطابات في نحو الساعة الثالثة من بعد الظهيرة، ~~كان يستريح في غرفة نومه؛ إذ كان يستلقي على الأريكة ويدخن لفافة ~~من التبغ، ويستمع إلى رواية أو كتاب غير علمي. لم يكن يدخن إلا في ~~وقت الراحة، أما النشوق، فقد كان بمنزلة منبه وكان يستخدمه في أثناء ~~العمل. لقد ظل يتناول النشوق على مدى سنوات عديدة من حياته؛ إذ اكتسب ~~هذه العادة وهو لا يزال طالبا في إدنبرة. وقد كان لديه علبة فضية ~~جميلة للنشوق، كانت قد أهدتها له السيدة ويدجوود وهي سيدة من مير، وقد ~~كان يعتز بهذه العلبة كثيرا، لكنه لم يكن يحملها إلا نادرا؛ إذ كانت ~~تغريه بتناول الكثير منه. وقد تحدث في أحد خطاباته المبكرة عن ~~توقفه عن تناول النشوق لمدة شهر، وتحدث عن شعوره بأنه أصبح ~~«بليدا وغبيا وكئيبا لأقصى حد.» وقد أخبرني جارنا وكاهننا السابق، ~~السيد برودي إنيس، أن والدي قد قرر ذات مرة ألا يتناول النشوق إلا ~~وهو بعيد عن المنزل، وأضاف: «إنه ترتيب مناسب لي تماما؛ إذ إنني أحتفظ ~~بعلبة في مكتبي يمكنني الوصول إليها من الحديقة دون أن أستدعي أحد ~~الخدم، كما أن ذلك كان يتيح لي فرصة أكبر في أن أتبادل الحديث ~~لدقائق مع صديقي العزيز.» وعادة ما كان يتناول النشوق من جرة زجاجية ~~موضوعة على منضدة البهو؛ إذ ms110 كان قطع هذه المسافة من أجل نشقة أمرا ~~مثبطا بعض الشيء، وقد كان صوت انفتاح الغطاء مألوفا للغاية. ~~وأحيانا كان يخطر له وهو يجلس في غرفة الاستقبال أن نار مدفأة ~~المكتب قد خمدت بعض الشيء، وحين كان أحدنا يعرض أن يعتني بأمرها، يتضح ~~أنه كان يرغب أيضا في الحصول على بعض النشوق. # لم يبدأ أبي في التدخين باستمرار إلا في سنواته الأخيرة، بالرغم من ~~أنه كان قد تعلم التدخين مع رجال الجاوتشو في جولاته على الخيول في ~~سهول البامبا، وقد سمعته يتحدث عن الراحة العظيمة التي كان يجلبها ~~تناول قدح من المتة مع لفافة من التبغ حين كان يتوقف بعد جولة ~~طويلة ولا يستطيع الحصول على طعام لبعض الوقت. # غالبا ما كانت القراءة بصوت عال تبعثه على النوم، ولقد كان يشعر ~~بالأسف إذ يغفل عن أجزاء من إحدى الروايات؛ فقد كانت أمي تواصل ~~القراءة خشية أن يوقظه توقف الصوت. كان ينزل من غرفته في الرابعة ~~ليرتدي ثيابه استعدادا لجولة المشي الخاصة به، وقد كان مواظبا للغاية ~~حتى إننا لنتوقع سماع وقع خطواته نازلا على الدرج في غضون دقائق ~~من الرابعة. # كان يعمل من الساعة الرابعة والنصف حتى الخامسة والنصف، ثم يأتي إلى ~~غرفة الاستقبال ولا يقوم بشيء حتى يحين الوقت (في السادسة تقريبا) كي ~~يصعد مجددا لفترة استراحة ثانية، يستمع فيها إلى رواية تقرأ عليه ~~مع تدخين لفافة من التبغ. # في السنوات الأخيرة، تخلى عن تناول وجبة العشاء، وكان يكتفي ~~بتناول قدح من الشاي مع بيضة أو قطعة صغيرة من اللحم في السابعة ~~والنصف بينما كنا نتناول العشاء. ودائما ما كان يغادر الغرفة بعد ~~العشاء معتذرا بقوله إنه سيدة عجوز ويجب أن يسمح لها بمغادرة ~~الغرفة مع السيدات. وقد كان ذلك إحدى العلامات والنتائج العديدة لما ~~يعانيه من ضعف واعتلال مستمرين في الصحة. وكان، إذا تحدث لقرابة ~~نصف ساعة، شعر بإرهاق شديد بحيث لا يتمكن من النوم طوال الليل وقد ~~يفقد قدرته على إنجاز نصف العمل في اليوم التالي. # غرفة ms111 المكتب في داون. بإذن من مجلة «سينتشري ~~ماجازين». # بعد العشاء، كان يلعب لعبة الطاولة مع والدتي؛ فكانا يلعبان ~~جولتين كل ليلة، وقد ظلا يحتفظان على مدى سنوات عديدة بسجل ~~لعدد الجولات التي فاز بها كل منهما، وقد كان أبي يحظى بالنصيب ~~الأكبر منها. وقد أصبح أبي متحمسا للغاية تجاه هذه الجولات؛ فكان ~~عند الخسارة ينعى حظه السيئ بمرارة، وينفجر بغضب زائف من حظ أمي ~~الجيد. # بعد لعب الطاولة، كان يقرأ بنفسه كتابا علميا في غرفة الاستقبال ~~أو في المكتب، إن كانت الغرفة صاخبة. # وفي المساء، بعد أن يكون قد قرأ قدر ما سمحت به قواه، وقبل أن تبدأ ~~المطالعة بصوت عال، عادة ما كان يستلقي على الأريكة ويستمع إلى أمي ~~وهي تعزف على البيانو. لم يكن يتمتع بأذن موسيقية جيدة، لكنه كان ~~يكن حبا حقيقا للموسيقى الجيدة. ودائما ما كان يشكو أن ~~استمتاعه بالموسيقى قد قل مع تقدمه في العمر، غير أنني أتذكر أن حبه ~~للألحان الجيدة كان قويا. ولم أسمعه يدندن قط إلا بلحن واحد وهو لحن ~~الأغنية الويلزية «طوال الليل» («آر هيد ي نوس») والذي كان يؤديه بنحو ~~صحيح، وقد اعتاد أن يدندن أيضا بلحن أغنية أوتاهيتية قصيرة. ~~ونظرا لافتقاره إلى الأذن الموسيقية، لم يكن يستطيع تمييز اللحن إن ~~استمع إليه مرة أخرى، لكنه ظل يحب الألحان نفسها التي أحبها من قبل، ~~وعند الاستماع إلى إحدى المقطوعات القديمة المفضلة لديه، فإنه غالبا ~~ما كان يقول: «إنها مقطوعة جميلة، ما اسمها؟» لقد كان يحب أجزاء من ~~سيمفونيات بيتهوفن بنحو خاص، وأجزاء صغيرة لهاندل، وقد أعد قائمة ~~قصيرة بجميع المقطوعات التي كان يحبها من بين المقطوعات التي كانت ~~تعزفها أمي، مع كتابة كلمات قليلة عن الانطباع التي كانت تتركه عليه ~~كل منها، لكن هذه الملاحظات قد ضاعت مع الأسف. كان يلاحظ ~~الاختلافات الطفيفة في أسلوب العزف، وكان يستمتع كثيرا بعزف الراحلة ~~السيدة فيرنون لاشينجتون. وحين أتى هانس ريختر لزيارة داون في يونيو من ~~عام 1881، أثار فيه أداؤه الرائع في العزف ms112 على البيانو حماسا عظيما. ~~وكان يستمتع كثيرا بالغناء الجيد، وكانت مشاعره تتأثر حتى تكاد أن ~~تذرف دموعه عند سماع الأغنيات العظيمة أو الحزينة. ولم يكن يمل قط من ~~سماع ابنة أخيه الليدي فارار وهي تغني أغنية سوليفان «هل سيأتي؟» («ويل ~~هي كام؟»). لقد كان متواضعا للغاية فيما يتعلق بذوقه الفني؛ لذا فقد ~~كان يسر كثيرا حين يجد أن آخرين يتفقون معه. # كان تعبه يشتد في المساء، لا سيما في السنوات الأخيرة، وكان يغادر ~~غرفة الاستقبال في نحو العاشرة، ويذهب إلى السرير في العاشرة والنصف. ~~وعادة ما كانت حالته تسوء في الليل؛ فيجلس في السرير مستيقظا لساعات ~~وهو يعاني من التعب. وكان يعاني في الليل من نشاط أفكاره ، ويضنيه عقله ~~من التفكير في مسألة كان قد قرر أن يتجنب التفكير فيها. وبالليل كذلك، ~~كان يطارده كل ما حيره في النهار أو أزعجه، وأعتقد أنه كان يعاني حينئذ ~~إن لم يكن قد أجاب عن خطاب من أحد الأشخاص المزعجين. # إن القراءة المنتظمة، التي ذكرتها من قبل، قد استمرت على مدى ~~سنوات عديدة، وقد مكنته من التعرف على قدر كبير من ضروب الأدب ~~الخفيفة. لقد كان مولعا للغاية بالروايات، وأتذكر جيدا كيف أنه ~~كان يتلهف على شعوره بالسرور للاستماع إلى رواية جديدة تقرأ عليه، ~~بينما هو مستلق أو يدخن لفافة من التبغ. لقد كان يهتم اهتماما ~~كبيرا بالحبكة والشخصيات، ولم يكن يحاول قط أن يعرف نهاية الرواية قبل ~~أن يصل إليها، وكان يرى أن إلقاء نظرة على نهاية القصة قبل نهايتها ~~سمة أنثوية سيئة. لم يكن يستمتع بالروايات التي تنتهي بنهايات حزينة؛ ~~ولهذا فلم يكن يستمتع كثيرا بروايات جورج إليوت، بالرغم من أنه كثيرا ~~ما كان يتحدث جيدا عن روايتها «سايلاس مارنر» ويثني عليها. أما ~~روايات والتر سكوت والآنسة أوستن والسيدة جاسكيل، فقد كانت تقرأ عليه ~~مرارا وتكرارا، حتى لا يعد من الممكن قراءتها مرة أخرى. كان ~~يحتفظ بكتابين أو ثلاثة يقرؤها في الوقت نفسه؛ رواية مثلا مع كتاب ~~سيرة ذاتية وكتاب عن ms113 الرحلات. ولم يكن من عادته أن يقرأ الكتب غير ~~المألوفة أو الكتب القديمة، وإنما كان يكتفي غالبا بالكتب المعاصرة ~~التي كان يحصل عليها من مكتبات الإعارة. # إنني لا أعتقد أن ذوقه وآراءه فيما يتعلق بالأدب كانت في نفس مستوى ~~غيرها من الجوانب الذهنية لديه. لقد كان هو نفسه يعتقد أنه غير حري ~~بأن يدلو بدلوه فيما يتعلق بالمسائل المتعلقة بالذوق الأدبي، وذلك ~~بالرغم من وضوح رأيه فيما يتعلق بما يروق له وما لا يروق له، وكثيرا ~~ما كان يتحدث عمن هم حري بهم أن يدلوا بدلوهم فيها، وعما يحبون ~~ويكرهون، وكأنهم يشكلون طائفة لا يملك هو أن ينتمي إليها. # وفيما يتعلق بجميع أمور الفن، فغالبا ما كان يميل للسخرية من النقاد ~~المعترف بهم، قائلا إنهم يشكلون آراءهم وفقا للنمط السائد؛ لذا، ~~فقد اعتاد أن يقول عن الرسم مثلا كيف أنهم في أيامه كانوا ~~يحتفون احتفاء كبيرا ببعض الروائع الفنية وقد أصبحت الآن مهملة. إن ~~حبه للصور حين كان شابا صغيرا يعد دليلا على أنه كان يكن ~~التقدير لفن رسم الصور الشخصية على أساس أنه عمل فني، لا مجرد محاكاة ~~للأصل. بالرغم من ذلك، فقد كان يسخر كثيرا من ضآلة قيمة الصور الشخصية ~~المرسومة، قائلا إن صورة فوتوغرافية واحدة تساوي الكثير من الصور ~~المرسومة، كما لو كان غافلا عن القيمة الفنية للصور الشخصية المرسومة. ~~لكنه غالبا ما كان يقول ذلك لإقناعنا بالتخلي عن فكرة رسم صورة ~~شخصية له؛ إذ كان يجد ذلك أمرا مزعجا للغاية. # لقد عزز من هذه الطريقة في النظر إلى نفسه على أنه جاهل في جميع ~~أمور الفن، عدم ميله إلى الادعاء، وهو ما كان جزءا من شخصيته. وفيما ~~يتعلق بأمور الذوق وكذلك الأمور الأكثر جدية، فلطالما كانت لديه ~~الشجاعة في التعبير عن آرائه. بالرغم من ذلك، فإنني أتذكر مثالا يبدو ~~مناقضا لذلك، وذلك عندما كان يشاهد رسومات تيرنر في غرفة نوم السيد ~~راسكين، ولم يعترف حينها، كما فعل لاحقا، بأنه لا يفهم على الإطلاق ما ~~يراه السيد ms114 راسكين جميلا فيها. لكن هذا القدر القليل من الادعاء لم ~~يكن لغرض في نفسه، وإنما كان مجاملة لمضيفه. لقد ابتهج كثيرا حين أحضر ~~له السيد راسكين بعدها صورا فوتوغرافية لبعض الرسومات (أعتقد أنها ~~كانت صورا شخصية لفاندايك)، وقد بدا أنه كان يعتز بآراء والدي فيها ~~ويقدرها. # لقد كانت معظم قراءاته العلمية باللغة الألمانية، وقد كان يجد في ذلك ~~مشقة عظيمة؛ فحين كنت أطلع على أي كتاب بعده، فإنني كثيرا ما كنت ~~أندهش، بالنظر إلى العلامات التي يضعها بالقلم الرصاص كل يوم في المكان ~~الذي توقف عنده، من أنه لم يكن يستطيع أن يقرأ في المرة الواحدة سوى ~~القدر القليل. وقد اعتاد أن يطلق على اللغة الألمانية كلمة ~~«اللعينة» وينطقها كما لو كانت كلمة إنجليزية. كان شديد السخط على ~~الألمان لاقتناعه بأنهم يستطيعون الكتابة بصورة مبسطة إن أرادوا، ~~وكثيرا ما كان يثني على الدكتور إف هيلدبراند؛ إذ كان يكتب الألمانية ~~بالوضوح نفسه الذي تتسم به اللغة الفرنسية. وقد كان في بعض الأحيان ~~يعطي لإحدى صديقاته، وهي سيدة ألمانية محبة لوطنها، جملة بالألمانية ~~وكان يتندر عليها إن لم تستطع ترجمتها بفصاحة. أما هو، فلم يتعلم ~~الألمانية إلا عن طريق المجاهدة باستخدام قاموس، وقد كان يقول إن ~~طريقته الوحيدة هي أنه كان يقرأ الجملة الكثير والكثير من المرات، حتى ~~يتراءى المعنى له في النهاية. وحين بدأ في تعلم الألمانية قبل وقت ~~طويل، راح يفتخر بذلك (كما اعتاد هو أن يقول) أمام السير جيه هوكر، ~~الذي رد عليه قائلا: «أوه، يا رفيقي العزيز، لا يعد ذلك شيئا؛ ~~فقد بدأت في تعلمها مرات عديدة.» # بالرغم من عدم معرفته بقواعد اللغة الألمانية، فقد تمكن من فهم ~~الجمل بنحو رائع، وأما الجمل التي لم يستطع فهمها، فقد كانت جملا ~~صعبة بالفعل. لم يحاول قط أن يتحدث الألمانية بنحو صحيح، وإنما كان ~~ينطق الكلمات بنطقها الإنجليزي، وقد كان ذلك يمثل صعوبة ليست بالهينة ~~بالنسبة له حين كان يقرأ جملة بالألمانية طالبا ترجمتها. لم يكن ~~بالتأكيد يحسن سماع الأصوات ms115 الملفوظة؛ لذا فقد كان محالا بالنسبة له ~~أن يدرك الاختلافات الطفيفة في النطق. # كان يهتم اهتماما كبيرا بالعديد من فروع العلوم التي لم يكن ~~متخصصا بها؛ لذا، فقد كان لآرائه تأثير كبير وواسع في مجال العلوم ~~الحيوية؛ إذ إنه كان يجد شيئا مثيرا للاهتمام في معظم أقسام هذا ~~المجال. لقد قرأ قدرا كبيرا من العديد من الأعمال المميزة، ~~وأجزاء كبيرة من المراجع مثل كتاب هكسلي «تشريح اللافقاريات» أو كتاب ~~مثل كتاب بالفور «علم الأجنة»، بالرغم من أن التفاصيل الواردة فيه لا ~~تقع في مجال تخصصه على الإطلاق. وبالرغم من أنه لم يدرس الكتب ~~المفصلة والمتخصصة في موضوع واحد، فقد كان يكن لها أكبر درجات ~~الإعجاب. # وأما فيما يتعلق بالعلوم غير الحيوية، فقد كان يشعر بالتعاطف مع ~~الأعمال التي لا يستطيع الحكم عليها. على سبيل المثال، كان يقرأ مجلة ~~«نيتشر» بأكملها تقريبا، بالرغم من أن القدر الأكبر من محتواها ~~يناقش مسائل الرياضيات والفيزياء. وكثيرا ما سمعته وهو يقول إنه كان ~~يشعر ببعض الرضا حين يقرأ مقالا لا يستطيع فهمه. أتمنى لو أنني أستطيع ~~أن أقلد طريقته في السخرية من نفسه. # ومن الجدير بالملاحظة أيضا، كيف أنه قد حافظ على اهتمامه بموضوعات ~~كان قد عمل عليها سابقا، وقد كان هذا هو الحال بنحو لافت للنظر مع ~~الجيولوجيا. وفي أحد خطاباته إلى السيد جود، كتب إليه أبي يرجوه أن ~~يزوره قائلا إنه أصبح نادرا ما ينغمس في محادثة عن الجيولوجيا منذ ~~موت لايل. ومن الأمثلة الأخرى على ذلك، ملاحظاته عن الحصى العمودي في ~~الترسبات المجروفة عند ساوثامبتون، والتي لم يقم بها إلا قبل وفاته ~~ببضع سنوات وناقشها في خطاب إلى السيد جيكي. ومرة أخرى في خطاباته إلى ~~الدكتور دورن، يوضح أن اهتمامه بالبرنقيلات لا يزال حاضرا. وأعتقد ~~أن ذلك كله يعود إلى حيوية ذهنه ومثابرته، وهما سمتان قد سمعته يتحدث ~~عنهما كما لو أنه يشعر بأنه موهوب للغاية في هذا الجانب. لم يكن يتحدث ~~عن نفسه مفتخرا بامتلاكه لمثل هذه الملكات، لكنه كان ms116 يقول إنه يتمتع ~~بالقدرة على الاهتمام بأي موضوع أو مسألة بنحو أو بآخر لعدد طويل من ~~السنوات. ويتضح مدى امتلاكه لهذه القدرة حين ننظر في عدد المسائل ~~المختلفة التي حلها، مع مراعاة الفترة المبكرة التي بدأ فيها ~~بالتفكير في بعضها. # لقد كان سكونه في غير أوقاته المعتادة للراحة، علامة مؤكدة على ~~اعتلال صحته؛ إذ لم يكن لنظام حياته أن يختل على الإطلاق طالما كان ~~بصحة جيدة إلى حد ما. وقد كان يقضي أيام الآحاد كغيرها من أيام ~~الأسبوع، ولكل منها الأوقات المخصصة للعمل وتلك المخصصة للراحة. ومن ~~المحال تقريبا لمن لم يشهد حياته اليومية أن يدرك مدى أهمية نمط ~~حياته اليومية الذي ذكرته لسلامه النفسي، وكذلك مدى الألم والصعوبة ~~التي كان يجدها في محاولة إنجاز أي شيء فيما دونه. لقد كان أي ~~ظهور عام يرهقه، حتى ولو كان بسيطا للغاية؛ فقد ذهب في عام 1871 ~~إلى كنيسة القرية الصغيرة لحضور زفاف ابنته الكبرى، لكنه استطاع بالكاد ~~أن يتحمل المشقة الناتجة عن وجوده في مثل هذا الاحتفال القصير. وينطبق ~~الأمر نفسه على غير ذلك من المناسبات القليلة التي حضر فيها احتفالات ~~مماثلة. # إنني أتذكره قبل أعوام طويلة في احتفال بتعميد طفل، وهي ذكرى لم ~~تغب عني؛ إذ بدا ذلك حادثا استثنائيا وغريبا للغاية بالنسبة إلينا ~~كأطفال. وأتذكر أيضا نظرته في جنازة أخيه إيرازموس بوضوح شديد، وهو ~~واقف بين الثلج المتناثر ملتفا بمعطفه الأسود الطويل المخصص ~~للجنائز، وقد ارتسمت على وجهه نظرة وقورة تنم عن استغراق ~~حزين. # وحين حضر مجددا بعد سنوات عديدة، اجتماعا للجمعية اللينية، شعر ~~كأنها مهمة خطيرة، وقد كانت كذلك بالفعل؛ فلم يكن ليتخذ قرارا كهذا ~~دون الشعور بالقلق والخوف ولم يكن لينفذه دون أن يتحمل عاقبة ذلك ~~من المعاناة والتعب. وبالمثل، فقد تسبب له حفل إفطار قد دعي إليه ~~لدى السير جيمس باجيت، مع بعض الضيوف المميزين للمؤتمر الطبي عام ~~1881، بالإجهاد الشديد. # لقد كان الصباح المبكر هو الوقت الوحيد الذي يتمكن فيه من بذل مثل ~~هذا المجهود، مع ms117 بعض الحصانة مما كان يليه من تعب وإرهاق؛ بالتالي، كان ~~يفضل أن يقوم بزياراته إلى أصدقائه من رجال العلم في لندن، في أبكر ~~وقت ممكن مثل العاشرة صباحا. ولهذا السبب أيضا، كان يبدأ رحلاته في ~~أول رحلة قطار في الصباح، وقد اعتاد أن يصل منازل أقربائه في لندن ~~بينما كانوا ما يزالون يبدءون يومهم. # كان يحتفظ بسجل دقيق للأيام التي كان يعمل فيها والأيام التي كان فيها ~~اعتلال صحته يحول بينه وبين العمل؛ ومن ثم يتمكن من حساب عدد الأيام ~~التي ضاعت سدى في أي سنة محددة. وكان هذا السجل عبارة عن مفكرة ~~صفراء ليتس صغيرة، كان يتركها مفتوحة على رف المدفأة، ومن تحتها مفكرات ~~الأعوام السابقة، وقد كان يسجل فيها أيضا اليوم الذي يبدأ فيه ~~عطلته ويوم عودته منها إلى المنزل. # كانت أكثر عطلاته تواترا هي زياراته إلى لندن لمدة أسبوع لزيارة ~~منزل أخيه (6 شارع كوين آن) أو منزل ابنته (4 شارع بريانستون). وعادة ~~ما كانت أمي هي التي تقنعه بأخذ هذه العطلات القصيرة حين يتضح من زيادة ~~تواتر «الأيام السيئة» أو دوار الرأس الذي يصيبه أنه قد أنهك نفسه في ~~العمل أكثر من اللازم. كان يذهب دون رغبة حقيقية منه، ويظل يعقد معها ~~صفقات شديدة؛ فيشترط مثلا أن يعود إلى البيت بعد خمسة أيام بدلا من ~~ستة. وحتى إن كان مسافرا لأسبوع واحد فقط، كان لا بد من البدء في ~~حزم الأمتعة مبكرا في اليوم السابق للسفر، وكان يقوم هو بنفسه ~~بالجزء الأكبر من هذا فيما يتعلق بأمتعته. وكان الجزء الأكبر من مشقة ~~الرحلة يتمثل بالنسبة له، في السنوات الأخيرة على الأقل، في الترقب، ~~وفي ذلك الشعور الغامر بالبؤس الذي كان يعاني منه قبل الرحلة مباشرة؛ ~~فرحلة طويلة بعض الشيء، مثل تلك الرحلة التي قام بها إلى كونيستون، لم ~~ترهقه إلا بالقدر القليل على نحو يثير الدهشة، مقارنة بمدى الاعتلال ~~الذي كان يعاني منه، ولا شك في أنه قد استمتع بها إلى حد غريب وبطريقة ~~صبيانية بعض ms118 الشيء. # وبالرغم من أن بعض قدراته الجمالية بحسب قوله قد أخذت تضعف ~~بالتدريج، فإن حبه للمناظر الطبيعية ظل حاضرا وقويا؛ فكل جولة كان ~~يقوم بها في كونيستون كانت تمنحه متعة جديدة، وهو لم يمل قط من ~~الثناء على جمال الريف المتقطع بالتلال الموجود عند رأس ~~البحيرة. # ومن الذكريات السعيدة في هذا الوقت (1879) تلك الخاصة بزيارتنا ~~المبهجة إلى جراسمير، والتي كتبت عنها أختي: «إن اليوم المثالي ~~واستمتاع والدي المفعم بالحيوية وانطلاقه قد رسما صورة في ذهني أحب أن ~~أتذكرها. إنه لم يكن يطيق أن يجلس ساكنا في العربة عند دورانها، بل ~~كان ينهض كي يستمتع بالمنظر من كل نقطة جديدة، وحتى أثناء العودة، ~~ظل يتحدث عن جمال بحيرة رايدال ووتر، رغم أنه لم يكن ليسمح بالقول ~~بأن جراسمير تتساوى على الإطلاق مع محبوبته كونيستون.» # وإلى جانب هذه العطلات الطويلة، كان يقوم بزيارات أقصر منها إلى ~~الأقارب، مثل زيارته إلى منزل زوج أخته بالقرب من تل ليث هيل، ومنزل ~~ابنه بالقرب من ساوثامبتون. وهو دائما ما كان يستمتع على وجه الخصوص ~~بالتجول بأراضي الريف المفتوحة الخشنة، مثل الأراضي العامة الموجودة ~~بالقرب من تل ليث هيل وساوثامبتون، أو الأراضي البور المغطاة بنبات ~~الخلنج التابعة لغابة آشداون أو الأرض «الخشنة» المبهجة بالقرب من منزل ~~صديقه السير توماس فارار. لم يكن متكاسلا حتى وهو في هذه العطلات، ~~وكان يجد أشياء ليقوم بملاحظتها؛ ففي هارتفيلد، أخذ يشاهد نبات الندية ~~وهو يمسك بالحشرات وما دونها، وفي توركي، كان يلاحظ تلقيح أحد أجناس ~~السحلبيات (اللولوبة)، وكذلك توصل إلى العلاقات بين الجنسين فيما ~~يتعلق بنبات الزعتر. # كان يبتهج دوما بعودته إلى البيت بعد عطلاته، وكان يستمتع كثيرا ~~بما كان يلقاه من ترحاب من كلبته بولي، التي كانت تصبح جامحة من فرط ~~الإثارة، فتظل تلهث وتنبح بصوت حاد، وتندفع في الغرفة صعودا على ~~الكراسي وهبوطا منها، وقد اعتاد أن ينحني إلى الأسفل حتى يصل إليها ~~ويقرب وجهه إلى وجهها ويتركها تلعقه، بينما يتحدث إليها بصوت رقيق ~~وملاطف للغاية. # لقد كان ms119 أبي يتمتع بالقدرة على أن يضفي على هذه العطلات الصيفية ~~سحرا تشعر به جميع الأسرة بقوة. لقد كان ضغط العمل الذي يعاني منه في ~~البيت يتطلب منه أن يتحلى بأقصى حد من قدرته على التحمل، وحين كان ~~يتحرر منه، فإنه كان يستقبل العطلة باستمتاع شبابي يجعل صحبته أمرا ~~باعثا على البهجة، وكنا نشعر بأننا نرى منه في أسبوع العطلة ما لا ~~نراه على مدى شهر في البيت. # بالرغم من ذلك، فقد كان لبعض هذه الغيابات عن المنزل تأثير مثبط ~~عليه؛ إذ يبدو أن غياب هذا الإجهاد المعتاد الذي كان يتعرض له قبلها ~~إن أنهكه العمل في المنزل أكثر من اللازم، كان يجعله يغرق في حالة ~~غريبة من المرض الشديد. # وإلى جانب العطلات التي ذكرتها، كانت هناك زياراته إلى مصحات العلاج ~~المائي؛ فحين مرض بشدة في عام 1849 وأصبح يعاني من اعتلال مستمر، حثه ~~صديق له على أن يجرب العلاج المائي، وقد وافق أخيرا على أن يذهب ~~إلى مصحة الدكتور جالي في مولفرن. وتوضح خطاباته إلى السيد فوكس ما ~~كان للعلاج من تأثير جيد عليه، ويبدو أنه قد ظن أنه وجد علاجا ~~لمتاعبه، لكنه كجميع العلاجات، لم يكن له سوى تأثير مؤقت عليه. بالرغم ~~من ذلك، فقد كان في البداية يجد أن تأثيره جيد للغاية، حتى إنه ~~حين عاد إلى المنزل بنى لنفسه منضحة وتعلم رئيس الخدم كيف ~~يحممه. # قام بالعديد من الزيارات إلى مصحة مور بارك للعلاج المائي لصاحبها ~~الدكتور لين، والتي توجد في سري بالقرب من ألدرشوت. وقد كانت هذه ~~الزيارات ممتعة، ودائما ما كان يتذكرها بسرور. وفي الثاني والعشرين من ~~أكتوبر من عام 1882، في محاضرة للدكتور ريتشاردسون تتحدث عن أبي، قرأ ~~خطابا أرسله إليه الدكتور لين يتحدث فيه عن ذكرى والدي، والذي منه ~~أقتبس ما يلي: # في المؤسسات العامة كمؤسستي، كان يحاط بالطبع بالعديد من الشخصيات ~~المختلفة من الجنسين، وغالبا ما كانوا يختلفون عنه اختلافا كبيرا؛ ~~باختصار كانوا من عامة الناس، مثلما تكون الأغلبية في كل مكان، لكنهم ms120 ~~كانوا بالنسبة له على الأقل، رفاقه في الإنسانية وفي المرض. ولم يكن ~~هناك من هو أكثر لطفا وتفهما وودا وجاذبية منه بنحو عام ... إنه ~~لم يسع أبدا، كما هو الحال غالبا مع المتحدثين الجيدين، إلى ~~احتكار الحديث، بل كان يجد متعة أكبر في العطاء والأخذ، وقد كان ~~مستمعا جيدا بقدر ما كان متحدثا جيدا. ولم يقم على ~~الإطلاق بإلقاء العظات أو الخطب، وإنما كان حديثه، سواء أكان في الجد ~~أو المرح (وقد كان كل يأتي في دوره)، حيويا وموحيا ومشرقا ~~ومثيرا. # يمكننا رسم صورة عن علاقته بأسرته وأصدقائه مما سبق ذكره، ومن ~~المحال أن نحاول رسم صورة كاملة عن هذه العلاقات، لكننا يمكننا أن ~~نكتب عنها بتفصيل أكثر قليلا. بالنسبة إلى حياته الزوجية، فلا أستطيع ~~أن أتحدث عنها إلا بأقل القليل. لقد كانت علاقته مع أمي تظهر طبيعته ~~الرقيقة والودية في أجمل صورها. لقد كان يجد سعادته في حضورها، ومن ~~خلالها وجد الرضا والسرور الهادئ في حياته، التي كان من الممكن أن ~~تظللها الكآبة لولا وجودها. # يوضح كتاب «التعبير عن الانفعالات في الإنسان والحيوان» كيف أنه ~~كان يراقب أطفاله عن قرب. وقد كان من سماته المميزة (كما سمعته يتحدث ~~بذلك)، أنه بالرغم من تلهفه على أن يلاحظ تعبير البكاء لدى أحد ~~الأطفال ملاحظة دقيقة، فإن تعاطفه مع الحزن الذي يشعر به الطفل، كان ~~يفسد عليه ملاحظته. ويتضح لنا من دفتره الذي كان يسجل فيه العبارات ~~التي كان يقولها أطفاله، ما كان يستمده منهم من سرور. ويبدو أنه كان ~~يحتفظ بذكرى مفعمة بالأسى عن أيام طفولتهم التي خبت؛ لذا فقد كتب في ~~عمله «ذكريات»: «حين كنتم صغارا للغاية، كنت أستمتع باللعب معكم ~~جميعا، وأعتقد والحسرة تعتصرني أن مثل هذه الأيام لن تعود ~~ثانية.» # وكي أوضح رقة طبيعته، يمكنني أن أقتبس من دفتره بعض الجمل التي ~~كتبها عن ابنته الصغيرة آني بعد موتها بأيام قليلة: # طفلتنا المسكينة، آني، ولدت في شارع جاور في الثاني من مارس ~~1841، وتوفيت في مولفرن في منتصف نهار ms121 الثالث والعشرين من ~~أبريل عام 1851. # إنني أكتب هذه الصفحات القليلة، إذ أعتقد أننا في السنوات ~~اللاحقة إذا عشنا فستساعدنا هذه الانطباعات التي أدونها هنا ~~على تذكر سماتها الأساسية بوضوح أكبر. إنني حين أتأملها من ~~أي جانب، فإن السمة الأساسية التي تنبثق في ذهني على ~~الفور، هي مرحها المبهج الذي يمتزج بسمتين أخريين هما ~~حساسيتها التي قد يغفل عنها بسهولة الغرباء، وعاطفتها القوية. ~~كان مرحها وحيويتها يشعان من كامل سيمائها، وكانا يجعلان كل ~~حركة لها مليئة بالمرونة ومفعمة بالحياة والنشاط. لقد كانت ~~مشاهدتها أمرا ممتعا ومبهجا، وها هو وجهها الغالي ينبثق ~~الآن أمامي؛ إذ كانت في بعض الأحيان تهبط على السلم جريا، ~~وهي تحمل لي جرعة من النشوق قد اختلستها لأجلي، وجميع ~~تكوينها يشع بهجة من كونها تمنح الآخرين البهجة. وحتى حين ~~كانت تلعب مع أبناء عمومتها وتنهمك في اللعب والمرح إلى حد ~~الصخب، كانت نظرة واحدة من عيني، لا نظرة سخط بالطبع (إذ أحمد ~~الله أنها لم تر مني هذه النظرة أبدا)، وإنما نظرة تستدعي ~~تعاطفها، كانت كفيلة بتغيير جميع قسماتها لبضع دقائق. # وأما السمة الأخرى في شخصيتها والتي جعلت من مرحها ~~وحيويتها سببا للبهجة، فهي عاطفتها القوية، والتي كانت تتجلى ~~في طبيعتها شديدة التعلق والمحبة للملاطفة. وقد اتضح ذلك منذ ~~أن كانت طفلة رضيعة؛ إذ لم تكن لتهدأ قط دون أن تلمس والدتها ~~حين كانت ترقد معها في السرير، ثم أصبحت مؤخرا، حين ~~تمرض، تظل ممسكة بإحدى ذراعي أمها تداعبها مهما طال الوقت. ~~وحين كان يشتد بها المرض، فإن استلقاء والدتها بجوارها في ~~السرير يبدو أنه كان يهدئها بطريقة مختلفة إلى حد كبير عما ~~كان ليهدئ أيا من أطفالنا الآخرين. وكذلك كان الأمر معي، إذ ~~كانت تقضي في أي وقت من الأوقات ما يزيد عن نصف ساعة في ترتيب ~~شعر رأسي، وذلك كي «تجعله جميلا»، كما اعتادت أن تقول، أو ~~تسوية ياقتي أو أكمامي؛ أي، أنها باختصار كانت تقضي هذا الوقت ~~في ملامستي ومداعبتي. # وإلى جانب مزاجها المرح هذا، ms122 كانت ودودة وصريحة ومنطلقة ~~وأمينة وتلقائية، دون مقدار ذرة من التحفظ. كان عقلها نقيا ~~وشفافا؛ فكان المرء يشعر أنه يعرفها تماما ويمكن أن يثق بها. ~~ولطالما كنت أعتقد أنه، مهما يكن من أمر، فيجب أن يكون لدينا ~~حين يتقدم بنا العمر، على الأقل جانب محب في روحنا ما كان ~~لأي شيء أن يغيره أبدا. لقد كانت جميع حركاتها تتسم ~~بالعنفوان والنشاط وفي الغالب الرشاقة. وحين كانت تذهب معي في ~~جولتي حول الممشى الرملي، وبالرغم من أنني أسير بسرعة، فإنها ~~غالبا ما كانت تسبقني وهي تسير متراقصة بأجمل طريقة ممكنة، ~~وكان وجهها الغالي يشرق دوما بأجمل الابتسامات. لقد كانت ~~تتدلل علي أحيانا في أعذب صورة وهي التي ما تزال ذكراها ~~تأسرني. وكثيرا ما كانت اللغة التي تستخدمها مفعمة ~~بالمبالغة، وكنت حين أمازحها بالمبالغة فيما قالته، كانت ترفع ~~رأسها لأعلى قليلا، وهو ما يتجلى بوضوح أمام عيني الآن، ثم ~~تقول متعجبة: «أوه! يا أبي! يا له من أمر مخجل!» وفي مرضها ~~الأخير الذي دام فترة قصيرة، كان سلوكها ملائكيا بحق؛ لم ~~تتذمر ولو لمرة واحدة، ولم تشاكس أبدا، ودائما ما كانت ~~تراعي مشاعر الآخرين، وكذلك كانت تعبر عن شكرها لكل ما ~~يقدم لها بمنتهى الرقة وبطريقة تبعث على الأسى. وحين كان ~~يصيبها الإنهاك الشديد حتى يكون من الصعب عليها الحديث، كانت ~~تثني على كل ما يقدم لها، وقد قالت عن قدح من الشاي إنه ~~«جيد بنحو جميل.» وحين قدمت لها بعض الماء قالت: «أشكرك ~~بشدة»، وأعتقد أن تلك كانت هي آخر كلماتها الثمينة التي ~~تحدثت بها إلي تلك الشفاه العزيزة على قلبي. # لقد فقدنا بهجة المنزل وسلوانا حين يتقدم بنا العمر. لا بد ~~أنها كانت تعرف مقدار حبنا لها. آه، لو أنها تعرف الآن مدى ~~الحب الخالص العميق الذي لا نزال، وسنظل دوما، نكنه ~~لوجهها البهيج العزيز! فلتحل عليها البركة! # 30 أبريل 1851 # لقد كنا، نحن أطفاله، نستمتع كثيرا بالألعاب التي كان يلعبها معنا، ~~لكنني لا أعتقد أنه كان يصخب كثيرا معنا؛ ms123 إذ أعتقد أن صحته كانت ~~تعوقه عن أي لعب عنيف. كان يحكي لنا بعض القصص أحيانا، وقد كان ذلك ~~أمرا مبهجا للغاية، ويعود السبب في ذلك جزئيا إلى ندرة ~~حدوثه. # وتتضح الطريقة التي اتبعها في تنشئتنا من خلال قصة قصيرة عن أخي ~~ليونارد، والتي قد كان أبي مغرما بحكيها. كان أبي قد دخل إلى غرفة ~~الاستقبال ذات مرة ووجد ليونارد يتراقص على الأريكة، وهو ما كان ~~ممنوعا للحفاظ على النوابض؛ فقال له أبي: «أوه، ليني، ليني، إن ذلك ~~يخالف جميع القواعد.» فأجابه أخي قائلا: «إذن، أعتقد أنه من الأفضل ~~لك أن تخرج من الغرفة.» أعتقد أنه على مدى حياته كلها، لم يتحدث ~~مطلقا إلى أي من أطفاله بأي كلمة غاضبة، لكنني متيقن من أنه لم ~~يخطر ببالنا على الإطلاق أن نعصيه. أتذكر جيدا أن أبي قد وبخني ~~ذات مرة على إهمالي في أمر ما، وما زلت أتذكر ما اعتراني من ~~مشاعر الحزن، وكذلك اهتمام أبي بأن يبددها عني؛ إذ سرعان ما تحدث ~~إلي بعدها بعطف كبير. وقد ظل يعاملنا بطريقته المبهجة العطوفة ~~علينا طوال حياته. إنني أتعجب أحيانا أنه تمكن من ذلك؛ إذ إن ~~عائلتنا تتسم بالتحفظ، لكنني أرجو أن يكون قد عرف مدى السرور الذي كان ~~يبعثه فينا عطفه وكلماته المحبة. وبعد أن أصبحت رجلا، كثيرا ما ~~كنت أتمنى أن يمرر أبي يده ويمسح بها على شعري، بينما هو واقف خلف ~~الكرسي الذي أجلس عليه، كما كان يفعل حين كنت طفلا. لقد كان يسمح ~~لأبنائه الكبار بأن يضحكوا ويمزحوا معه، وكان بوجه عام يتعامل معنا من ~~منطلق المساواة التامة بيننا وبينه. # لقد كان يهتم دائما بخطط ونجاحات كل منا. وقد كنا نمزح معه قائلين ~~بأنه لا يثق بأبنائه، لأنه على سبيل المثال، كان يتردد بعض الشيء بشأن ~~توليهم بعض المهام التي لم يكن يثق في أنهم يلمون بالقدر الكافي من ~~المعرفة عنها. بالرغم من ذلك، فغالبا ما كان يميل إلى استحسان ما ~~نقوم به. وحين كنت أرى أنه قد ms124 أولى قيمة كبيرة لأي شيء قمت به، ~~كان يستاء ويكاد أن ينفجر في غضب مصطنع. لقد كانت شكوكه جزءا من ~~تواضعه بخصوص أي شيء يتعلق به، وأما آراؤه المحابية لما نقوم به، ~~فقد كانت نتيجة لطبيعته التي تتسم بالتعاطف، والتي جعلته متساهلا مع ~~الجميع. # كان يحافظ دائما على التعبير عن شكره لأبنائه بطريقته الرائعة، ولم ~~يحدث قط أن كتبت له خطابا أو قرأت عليه شيئا، دون أن أتلقى منه بضع ~~كلمات رقيقة تعبر عن امتنانه. وقد كان حبه وعطفه تجاه حفيده الصغير ~~برنارد عظيما، وكثيرا ما كان يتحدث عما كان يجده من سرور لرؤية «وجهه ~~الصغير أمامه» على الغداء. وقد اعتاد هو وبرنارد أن يقارنا بين ~~أذواقهما؛ كيف أنهما على سبيل المثال يفضلان السكر البني على الأبيض ~~وما إلى ذلك، والنتيجة هي: «إننا نتفق دوما، أليس كذلك؟» # وتكتب أختي عنه، فتقول: # إن أول ذكرى لي عن والدي هي استمتاعنا بلعبه معنا. لقد كان ~~متعلقا بأطفاله بصورة عاطفية، بالرغم من أنه لم يكن من ~~محبي الأطفال بوجه عام. وقد كان بالنسبة لنا جميعا أكثر رفاق ~~اللعب إمتاعا، وأكثر من لديه القدرة على التعاطف. إنه لأمر ~~محال بالطبع أن نصف بشكل كاف، مدى البهجة التي كان يمنحها ~~لعائلته، سواء وهم أطفال أو في المراحل اللاحقة من ~~حياتهم. # ومن الأدلة على مدى توافقنا معه ومدى تقديرنا له كرفيق للعب، ~~أن أحد أبنائه عندما كان في نحو الرابعة من عمره قد حاول أن ~~يرشوه بستة بنسات كي يأتي ويلعب معنا في وقت العمل. وقد كنا ~~جميعا نعلم مدى قداسة وقت العمل بالنسبة له، غير أنه قد بدا ~~لنا من المستحيل أن يرفض أي شخص ستة بنسات. # لا شك أنه كان أكثر الممرضين صبرا وأقدرهم على بعث ~~البهجة. إنني أتذكر ما كان يبدو لي ملاذا من الأمان والراحة ~~حين يصيبني المرض؛ إذ أتدثر على الأريكة في غرفة مكتبه ~~بينما أتطلع بتراخ إلى الخريطة الجيولوجية القديمة المعلقة ~~على الحائط. لا بد أن ذلك كان في أثناء ms125 وقت عمله؛ إذ إنني ~~أرى صورته في ذهني دوما وهو جالس على الكرسي ذي الذراعين ~~المصنوع من شعر الخيل، بجوار ركن المدفأة. # ومن الدلائل الأخرى على ما كان يتسم به من صبر لا متناه، هو ~~رد فعله حينما كنا نشن غارات على غرفة المكتب عندما نكون في ~~حاجة ملحة للحصول على شريط طبي لاصق أو خيط أو دبابيس أو مقص ~~أو طوابع أو مسطرة قدمية أو مطرقة. كانت غرفة المكتب لا تخلو ~~من هذه وغيرها من الأغراض الضرورية، وهي المكان الوحيد الذي ~~كنا نعرف يقينا أننا سنجد فيه هذه الأغراض. وقد كنا نشعر أنه ~~ليس من الصواب أن ندخلها في أوقات العمل، لكننا كنا نفعل ~~أحيانا إن كانت الحاجة لذلك ملحة للغاية. وأنا أتذكر نظرته ~~الصبورة حين قال ذات مرة: «لا تظني أنه لا يمكنك الدخول ~~مجددا، لقد قوطعت كثيرا من قبل.» كنا نرهب الدخول للحصول ~~على شريط طبي لاصق، ذلك أنه كان يكره أن يرانا وقد جرحنا ~~أنفسنا، لخوفه علينا ولحساسيته الشديدة لرؤية الدم كذلك. وأنا ~~أتذكر جيدا بقائي مترصدة في الممر حتى يصبح هو على بعد ~~مسافة آمنة؛ فأذهب خلسة للحصول على الشريط الطبي ~~اللاصق. # حين أعيد النظر في حياتنا، يبدو لي أنها كانت منتظمة للغاية ~~في هذه الفترة المبكرة، وباستثناء الأقارب (وعدد قليل من ~~الأصدقاء المقربين)، فإنني لا أعتقد أن أحدا كان يأتي إلى ~~المنزل. وبعد تلقي الدروس، كان يسمح لنا دائما بالذهاب حيثما ~~نريد، وغالبا ما كنا نذهب إلى غرفة الاستقبال والحديقة، وذلك ~~حتى نكون بالقرب من أبي وأمي كليهما. لقد كنا نستمتع كثيرا ~~حين كان يحكي لنا قصصا عن رحلة «البيجل» أو عن أيامه المبكرة ~~في شروزبيري؛ مثل قصصه عن أيام المدرسة وعن اهتماماته في فترة ~~الصبا. وفي بعض الأحيان أيضا، كان يقرأ على أطفاله بعض الكتب ~~مثل روايات سكوت، وأتذكر أيضا بضع محاضرات عن المحرك ~~البخاري. # لقد كنت مريضة بعض الشيء على مدى خمس سنوات في الفترة ~~بين سن الثالثة عشرة والثامنة عشرة، وعلى ms126 مدى فترة طويلة ~~للغاية (أظن أنها قد امتدت لسنوات)، اعتاد أن يلعب معي كل ~~عصر جولتين من لعبة الطاولة. وقد كان يلعب معي بحماس شديد، ~~وأتذكر أننا اعتدنا في وقت من الأوقات على الاحتفاظ بسجل ~~للجولات التي فاز بها كل منا؛ ولما كان هذا السجل في ~~صالحه، فقد احتفظنا بقائمة للمرات التي حصل فيها كل منا على ~~رقمين متماثلين على النرد؛ إذ كنت مقتنعة بأنه أفضل مني في ~~رمي النرد. # كان صبره وتعاطفه لا حدود لهما في هذه الفترة المرهقة من ~~المرض، وعندما كان المرض يشتد علي أحيانا، كنت أشعر أن ~~تعاطفه عميق للغاية. وحين كانت حالتي تسوء للغاية، كنا نذهب ~~إلى بيت عمتي في هارتفيلد، في ساسيكس، وفور وصولنا بأمان، كان ~~يذهب إلى مور بارك لقضاء أسبوعين في مصحة العلاج المائي. إنني ~~أتذكر الآن كيف أنني ما كنت أتحمل وجوده في غرفتي بعد عودته؛ ~~فقد كان تعبير وجهه الذي يفيض بالمشاعر والتعاطف الرقيق، يثير ~~مشاعري للغاية، إذ كان يتجدد بعد غيابه القصير. # كان يهتم بجميع مساعينا واهتماماتنا، وقد كان يشاركنا حياتنا ~~بطريقة قلما يفعلها الآباء. لكنني على يقين أن أحدا منا لم ~~يشعر أن مثل هذه الحميمية تتدخل بأقل قدر مع احترامنا أو ~~طاعتنا له؛ فجميع ما كان يقوله، كان يمثل حقيقة وقانونا لنا. ~~وكان دائما يولي ذهنه كليا للإجابة عن أي من أسئلتنا. وقد ~~أدركت من إحدى المناسبات التافهة مقدار اهتمامه بما كنا نهتم ~~به؛ فهو لم يكن يحب القطط كثيرا، رغم أنه كان محبا لما ~~تفعله القطط الصغيرة من أمور لطيفة. بالرغم من ذلك، فقد كان ~~يعرف جميع ما يتعلق بقططي العديدة ويتذكرها، وكان يستطيع ~~التحدث عن عادات القطط المميزة منها، وكذلك طباعها حتى بعد ~~موتها بسنوات. # ومن الصفات الأخرى التي كان يتسم بها في معاملته لأطفاله، ~~احترامه لحريتهم وشخصيتهم، وأتذكر أنني كنت أستمتع بهذا ~~الإحساس بالحرية، حتى وأنا ما زلت طفلة صغيرة. لم يكن أبي ~~وأمي يرغبان حتى في معرفة ما نفعله أو نفكر فيه ما ms127 لم نرغب ~~نحن في إخبارهما. لقد كان أبي يشعرنا دوما بأن كلا منا ~~كيان له آراؤه وأفكاره التي يقدرها هو؛ لذا فإن أفضل ما ~~فينا كان يتجلى في سماء حضوره. # لا أعتقد أن مبالغته في تقدير صفاتنا الجيدة، من الناحية ~~الفكرية أو الأخلاقية، قد جعلنا متكبرين، كما قد يتوقع ~~البعض، بل زادنا تواضعا وامتنانا له. والسبب في ذلك بلا شك ~~هو أن التأثير الذي كانت تخلفه فينا طباعه وطبيعته ~~العظيمة وإخلاصه، كان أدوم وأعمق من أي قدر يسير من ~~إعلاء الذات كان من الممكن أن يتسبب فيه مدحه لنا أو ثناؤه ~~علينا. # وأما بصفته سيد المنزل، فقد كان يحظى بالحب والاحترام من جميع ~~الخدم؛ لقد كان يتحدث إليهم دائما باحترام، مستخدما عبارة «هلا ~~تكرمت» حين يطلب من أحدهم القيام بأي شيء. ونادرا ما كان يغضب من ~~أحد الخدم، ومما يدل على ندرة ذلك أنني سمعته ذات مرة حين كنت ~~صغيرا يوبخ أحد الخدم ويتحدث إليه بغضب؛ فشعرت بأنه أمر ~~مروع، وأتذكر أنني عدوت هاربا إلى أعلى إذ ترك ذلك عندي إحساسا ~~عاما بالرهبة. لم يكن يشغل نفسه برعاية الحديقة والأبقار وما إلى ~~ذلك، وكان يعتبر أنه مسئول عن الخيول بدرجة طفيفة للغاية؛ حتى إنه ~~كان يتساءل بتشكك عما إذا كان بإمكانه أن يحصل على حصان وعربة ليرسلهما ~~إلى كيستون لإحضار بعض نباتات الندية أو إلى مشاتل ويسترام طلبا لبعض ~~النباتات أو ما شابه. # وأما فيما يتعلق بالضيافة، فقد كان أبي يتمتع بجاذبية خاصة كمضيف: ~~لقد كان حضور الزائرين يبعث فيه الحماس ويظهر أفضل ما فيه. لقد كان ~~يقول دوما عن منزل شروزبيري إن والده كان يرى أنه يجب العناية ~~بالضيوف، وهو يتحدث في أحد خطاباته إلى فوكس عن استحالة كتابة خطاب ~~بينما المنزل مليء بالضيوف. وأعتقد أنه دائما ما كان يشعر بشيء من عدم ~~الارتياح لعدم قدرته على الترفيه عن ضيوفه والترحيب بهم بدرجة أكبر، ~~لكن النتيجة كانت جيدة؛ فللتعويض عن أي خسارة، فقد كان المغنم أن ~~الضيوف كانوا يشعرون ms128 بكامل الحرية في التصرف كما يحلو لهم. كان الضيوف ~~المألوفون لدينا تماما هم الذين يبقون من يوم السبت إلى الاثنين، ~~وأما من كانوا يقيمون لفترة أطول، فقد كانوا عادة من الأقارب، ~~وكان ينظر إليهم على أنهم مسئولية أمي بدرجة أكبر. # وإضافة إلى الضيوف، فقد كان هناك بعض الزوار من الأغراب والأجانب ~~أحيانا، وقد كنا نستضيفهم على الغداء ثم يرحلون بعد الظهيرة. وكان ~~حريصا على أن يوضح لهم مدى بعد المسافة بين لندن وداون ومدى المشقة ~~التي سيتعرضون لها في الرحلة، مسلما بنحو لا واع بأنهم سيجدون الرحلة ~~شاقة كما كان يحدث معه. وإن لم يتراجعوا بالرغم من ذلك، فإنه كان يرتب ~~لهم رحلاتهم، ويخبرهم بالموعد الذي يمكنهم المجيء فيه، وبنحو عملي، ~~يخبرهم أيضا بموعد رحيلهم. لقد كان من الممتع رؤيته وهو يصافح ضيفا ~~يرحب به للمرة الأولى؛ لقد كانت يده تندفع بطريقة تشعر المرء بأنها ~~تسارع لتقابل يدي الضيف. ومع أصدقائه القدامى، كانت يده تمتد لتقابل ~~اليد الأخرى بتلويحة حميمية، ودائما ما كانت طريقته في المصافحة تبعث ~~في الراحة عند رؤيتها. وأما السمة الأساسية في وداعه، فقد كانت ~~تتمثل في طريقته العذبة إذ يقف على الباب موجها الشكر إلى ضيوفه على ~~زيارتهم له. # لقد كانت زيارات الغداء تلك مناسبات رائعة للترفيه، ولم يكن فيها أي ~~ملل أو فتور، وكان أبي يبدو مبتهجا ونشيطا على مداها كلها. لقد وصف ~~البروفيسور دي كوندول إحدى زياراته إلى داون، وذلك في وصفه لأبي، والذي ~~يتسم بالإعجاب والتعاطف. # 1 # وهو يصف سلوكه بأنه يشبه سلوك «عالم» في أكسفورد أو ~~كامبريدج. وأنا لا أجد هذا التشبيه دقيقا؛ فهو أكثر شبها ببعض الجنود ~~في سلاسته وتلقائيته، وهو سلوك ينبع من افتقاره التام للتظاهر أو ~~التصنع. لقد كان غياب التكلف في سلوكه وطريقته البسيطة التلقائية والتي ~~كان يبدأ بها التحدث إلى ضيوفه لكي يفهم وجهات نظرهم، هما اللذين جعلا ~~منه مضيفا رائعا لأي شخص غريب. وقد بدا أن اختياره للتحدث في ~~موضوعات مبهجة، كان ينبع من طبيعته المتعاطفة، ms129 واهتمامه المتواضع ~~المفعم بالحيوية بأعمال الآخرين. # أعتقد أن تواضعه قد تسبب للبعض في معاناة فعلية؛ فقد رأيت الراحل ~~فرانسيس بالفور منزعجا للغاية؛ إذ نسبت إليه معرفة نقطة ما كان أبي ~~قد أعلن أنه يجهلها تماما. # سيكون من الصعب أن نحيط بالسمات التي كانت تتصف بها محادثات ~~أبي. # كان يخشى من تكرار قصصه أكثر من معظم الناس، ودائما ما كان يقول: ~~«لا بد أنك قد سمعتني أقول» أو «يمكنني أن أقول إنني أخبرتك»، وقد كان ~~ذلك من السمات المميزة التي كان لها تأثير غريب على محادثاته. غالبا ~~ما كانت أول بضع كلمات من جملته تذكره بوجود استثناء أو سبب معارض لما ~~كان في سبيله إلى الإدلاء به؛ ومن ثم، فإن ذلك كان يستحضر جملة ~~أخرى ، فتصبح الجملة مكونة من جملة اعتراضية ضمن جملة اعتراضية، ~~فيستحيل على المستمع في معظم الأحيان أن يفهم سياق ما كان يقوله إلى ~~أن ينتهي من جملته. وقد كان يقول عن نفسه إنه ليس سريعا بما يكفي ~~لينخرط في جدال مع أي شخص، وأعتقد أن ذلك كان صحيحا. فإذا لم يكن ~~موضوع الجدال من القضايا التي كان يدرسها في ذلك الوقت، فإنه لم يكن ~~يستطيع الحفاظ على متابعة الجدال بسرعة كافية. ويتضح ذلك حتى في ~~خطاباته؛ ففي حالة الخطابين اللذين بعث بهما إلى البروفيسور سيمبر عن ~~تأثير الانعزال، لم يتذكر مجموعة الحقائق التي أراد أن يتذكرها إلا بعد ~~بضعة أيام من إرسال الخطاب الأول. # وحين كان يحار في أمر ما في أثناء الحديث، كان يعاني من تلعثم غريب ~~في الكلمة الأولى من الجملة، وأنا لا أتذكر حدوث ذلك إلا مع الكلمات ~~التي تبدأ بحرف # w ~~، ومن المحتمل أنه كان ~~يعاني من بعض الصعوبة مع هذا الحرف؛ فقد سمعته يقول ذات مرة إنه لم يكن ~~بإمكانه نطق هذا الحرف وهو فتى صغير، وأنهم كانوا يعرضون عليه ستة ~~بنسات إن استطاع أن يقول # white wine # والتي كان ينطقها # rite rine ~~. ومن ~~المحتمل أن يكون والدي قد ورث هذه النزعة ms130 من إيرازموس داروين، الذي ~~كان يتلعثم هو أيضا. (وقد كان أبي يروي إجابة إيرازموس داروين تذكرنا ~~بأسلوب صامويل جونسون عن السؤال: «ألا تجد أن التلعثم أمر غير مريح ~~للغاية يا دكتور داروين؟» والتي كانت على النحو التالي: «كلا يا سيدي ~~لأنه يتيح لي الوقت لكي أفكر قبل أن أتحدث، وألا أسأل أسئلة ~~سفيهة.») # أحيانا كان يجمع بين تعبيراته المجازية بطريقة غريبة؛ فيستخدم مثلا ~~عبارة «صامد مثل الحياة»، وهي مزيج بين «صامد من أجل حياته» «وصامد مثل ~~الموت الزؤام.» وقد كان ذلك نابعا من رغبته المتلهفة للتأكيد على ما ~~كان يقوله، مما كان يعطي انطباعا بالمبالغة في بعض الأحيان، حيث لم ~~يكن يقصدها، لكنه كان يعطي كذلك انطباعا نبيلا بالاقتناع القوي ~~الفياض، وذلك على سبيل المثال حين كان يقدم أدلته عن تشريح الحيوانات ~~الحية أمام المفوضية الملكية، وقال كلماته عن القسوة: «إنها جديرة ~~بالمقت والاشمئزاز.» وعندما كانت تصبح لديه آراء قوية وواضحة بشأن أي ~~مسألة مماثلة، لم يكن يثق بقدرته على الحديث؛ إذ كان يغضب بسهولة، وقد ~~كان يكره ذلك للغاية. لقد كان مدركا لحقيقة أن غضبه كان يميل لأن ~~يتضاعف ويتضاعف، ولهذا السبب، فقد كان يخشى أن يوبخ أحد الخدم على سبيل ~~المثال. # ومن أكبر الأدلة على تواضع والدي في أسلوبه في الحديث، أنه حين حضر ~~لزيارته عدد من الزوار من طرف السير جون لاباك بعد ظهيرة يوم من أيام ~~الآحاد، لم يبد عليه قط أنه كان يقوم بالوعظ أو إلقاء محاضرة، بالرغم ~~من استحواذه على النصيب الأكبر من الحديث. وكان يتمتع بجاذبية خاصة حين ~~«يغيظ» بمزاح أحدا، وقد كان يفعل ذلك بفرح كبير. وكان يتسم بخفة روح ~~صبيانية في مثل هذه الأوقات، وتتجلى رقة طبيعته بقوة شديدة. وحين كان ~~يتحدث مع سيدة يسر بالحديث معها ويستمتع به، كان من الممتع جدا ~~مشاهدة سلوكه الذي يجتمع فيه المرح مع الاحترام. # حين كان يحضر لأبي عدد من الضيوف، فإنه كان يحسن التصرف: فيتحدث مع ~~كل منهم على حدة لبعض الوقت، أو ms131 يجمع بين اثنين أو ثلاثة منهم معا ~~حول كرسيه. ودائما ما كان حديثه في هذه المحادثات مفعما بوجه عام ~~بقدر كبير من المرح أو الود الغامر بالبهجة. وربما يكون تذكري ~~لعنصر الفكاهة السائد هو الأكثر حيوية في ذهني؛ فقد كانت أفضل الحوارات ~~تدور مع السيد هكسلي، الذي كان يتسم بنزعته المماثلة إلى الدعابة، حتى ~~إن لم تكن حاضرة في الحديث. كان أبي يستمتع بدعابة السيد هكسلي ~~للغاية، وكثيرا ما كان يقول عنه: «يا لروعة حس الدعابة لدى هكسلي!» ~~وأعتقد أنه كان يندمج في جدالات تغلب عليها الطبيعة العلمية (على هيئة ~~العراك) مع لايل والسير جوزيف هوكر. # كان يقول إنه يحزنه ألا يشعر تجاه أصدقائه في آخر حياته بتلك المشاعر ~~الدافئة التي كان يشعر بها في شبابه. لا شك في أن خطاباته الأولى التي ~~أرسلها من كامبريدج كانت تبرهن على مدى صداقته القوية جدا مع هربرت ~~وفوكس، ولم يكن لأحد سواه بالطبع أن يعترف بأن مشاعره تجاه أصدقائه ~~لم تكن على الدرجة نفسها من الدفء طوال حياته. لم يكن يدخر وسعا في ~~سبيل تقديم أي خدمة لأحد من الأصدقاء، وكان يبذل في ذلك جهده ووقته ~~الثمينين عن طيب خاطر. لا شك في أنه كان يتمتع بقدرة غير عادية على أن ~~يجعل أصدقاءه يتعلقون به. لقد حظي في حياته بالعديد من الصداقات ~~الدافئة، لكن أواصر المودة التي جمعته بالسير جوزيف هوكر، كانت أقوى ~~مما نراه عادة بين الرجال. لقد كتب في عمله «ذكريات» يقول: «لا أظن ~~أنني قد عرفت من الرجال من هو أكثر جدارة بالمحبة من هوكر.» # كانت تجمعه بأهل القرية علاقة جيدة، وكان يعاملهم بلطف أفرادا ~~وجماعات كلما تواصل معهم، وكذلك كان يهتم بجميع ما يتعلق بشئونهم ~~ومعيشتهم. وبعد مرور بعض الوقت على انتقاله إلى المعيشة في داون، ساعد ~~في تأسيس «ناد خيري»، وعمل أمينا لصندوقه على مدى ثلاثين عاما. وقد ~~بذل عناء كبيرا في رعاية أمور هذا النادي، من الإشراف على حساباته ~~وتسجيلها بدقة بالغة، والاستمتاع بما وصل إليه ms132 من أحوال مزدهرة. وقد ~~اعتاد النادي في يوم اثنين العنصرة على القيام بمسيرة والتجول مع ~~فرقة موسيقية ورايات والتجمع على الأرض المعشوشبة أمام منزلنا. ~~وهناك، كان يلتقي بهم ويشرح لهم وضعهم المالي في حديث قصير تتخلله بعض ~~الدعابات المعتادة. وفي أحيان كثيرة، لم يكن يتمتع بصحة جيدة، مما ~~كان يجعل من هذا الاحتفال القصير مجهودا شاقا بالنسبة له، لكنني لا ~~أعتقد أنه قد تخلف مرة عن لقائهم. # كان يقوم أيضا بمهام أمين الصندوق لنادي الفحم، فكان ذلك يشغله ~~بعض الشيء، كما أنه قد عمل لبعض السنوات قاضيا محليا. # وفيما يتعلق باهتمام والدي بأمور القرية، فقد كان السيد برودي إنيس ~~كريما للغاية؛ إذ أمدني بذكرياته عن ذلك، وهي كالتالي: # حين أصبحت كاهن داون في عام 1846، أصبحنا صديقين واستمرت صداقتنا ~~حتى وفاته. وكان يعاملني أنا وأسرتي بعطف لم يتغير أبدا، وقد كنا ~~نبادله ذلك بمودتنا الدافئة. # كان يهم بالمساعدة في جميع أمور الأبرشية، وكان على استعداد دائم ~~لتقديم مساهماته السخية في جميع الأمور المتعلقة بالمدارس والأعمال ~~الخيرية وغيرها من الأعمال، وبالنسبة إلى الاختلافات التي كانت تحدث في ~~الأبرشية أحيانا كما يحدث في غيرها من الأبرشيات، فقد كنت دائما على ~~يقين من مساندته لي. لقد كان يرى أنه ما دام الاعتراض ليس بالأمر ~~المهم، فإنه سيساند رجل الدين، لأنه الأكثر دراية بالظروف، وهو الذي ~~يتحمل المسئولية بأكملها. # كان حديثه مع الغرباء يتسم بالتهذيب المتحوط واتباع الآداب الرسمية ~~إلى حد ما، لكنه في الواقع لم يتسن له الالتقاء بغرباء إلا في ~~مناسبات قليلة. # لقد وصف # 2 # الدكتور لين، كيف أنه في المناسبة النادرة التي حضر فيها ~~أبي محاضرة (للدكتور ساندرسون) في المعهد الملكي، «نهض جميع الحضور على ~~أقدامهم ... للترحيب به»، بينما قد بدا هو «غير واع تقريبا أن هذا ~~التصفيق الحاد من الممكن أن يكون من أجله.» لقد جعلته الحياة الهادئة ~~في داون يرتبك في المناسبات التي تضم عددا كبيرا من الحضور؛ ففي ~~أمسيات الجمعية الملكية، على سبيل المثال، كان يشعر بالضيق بسبب ~~الأعداد ms133 الكبيرة. وكان شعوره بأن عليه أن يعرف الحضور، وما كان ~~يعانيه من صعوبة في تذكر وجوه الناس في السنوات الأخيرة، من الأمور ~~التي تضيف إلى أسباب عدم ارتياحه في مثل هذه المناسبات. لم يكن يدرك ~~أن الناس سيتعرفون عليه من صوره الفوتوغرافية، وأتذكر عدم ارتياحه ~~حين تعرف عليه أحد الغرباء في معرض كريستال بالاس للأحياء ~~المائية. # لا بد لي أن أقول شيئا عن أسلوبه في العمل: من أهم السمات التي كانت ~~تميزه هي احترامه للوقت؛ فهو لم ينس قط قيمته الثمينة. ويتضح ذلك ~~على سبيل المثال في محاولته التقليل من عطلاته، وكذلك يتضح أكثر في ~~محاولته لاختصار مدتها. وكثيرا ما كان يقول إن ادخار الدقائق هي ~~الطريقة التي يمكن بها إنجاز العمل، وقد اتضح حبه لادخار الدقائق فيما ~~كان يشعر به من فرق بين العمل لمدة ربع ساعة والعمل لمدة عشر دقائق؛ ~~فهو لم يهدر قط بضع دقائق إضافية نتيجة لتفكيره بأنها لا تستحق ~~استغلالها في العمل. وكثيرا ما كنت أندهش من طريقته في استنفاد جميع ~~قواه في العمل إلى أقصى حد حتى إنه كان يتوقف عن الإملاء فجأة ~~قائلا: «أعتقد أن علي ألا أعمل أكثر من ذلك.» وتتضح رغبته الشديدة ~~في توفير الوقت مرة أخرى من خلال سرعته في الحركة في أثناء العمل، ~~وأتذكر أنني لاحظت ذلك على وجه التحديد حين كان يقوم بتجربة على جذور ~~الفول، التي كانت تتطلب بعض العناية في التنفيذ؛ إذ كان من الضروري أن ~~يجرى تثبيت أجزاء البطاقات الصغيرة على الجذور بحرص وبطء، لكن الحركات ~~البينية كانت تتم كلها بسرعة، مثل تناول حبة جديدة ورؤية ما إن كان ~~الجذر سليما أم لا، وخرقه بدبوس ثم تثبيته على فلينة ورؤية ما إذا كان ~~رأسيا أم لا، وكذلك بعض الأمور الأخرى؛ وكان يقوم بكل هذه الأمور ~~بنوع من التلهف المكبوح. ودائما ما كان يعطي الانطباع بأنه يستمتع ~~بالعمل دون أي ضجر. ولدي صورة عنه كذلك، وهو يسجل نتائج تجربة ما، إذ ~~كان ينظر بتلهف إلى كل ms134 جذر وما إلى ذلك، ثم يكتب بالدرجة نفسها من ~~اللهفة ملاحظاته، وأتذكر أيضا حركة رأسه السريعة صعودا وهبوطا للنظر ~~إلى الأغراض ثم تدوين الملاحظات. # لقد كان يوفر كثيرا من الوقت من خلال عدم القيام بالشيء نفسه ~~مرتين. وبالرغم من أنه كان يكرر بصبر التجارب حين يرجى من ذلك ~~أي نفع، فإنه لم يكن يتحمل تكرار تجربة كان لها أن تنجح من المرة ~~الأولى إن كان قد أولاها كامل عنايته، مما كان يسبب له قلقا ~~مستمرا من أن تضيع التجربة سدى؛ فقد كان يشعر بأن التجربة لها ~~قداستها، مهما كانت بساطتها. وكان يأمل أن يتعلم من التجربة بأقصى ~~درجة ممكنة؛ لذا فإنه لم يكن يقيد نفسه بملاحظة النقطة المحددة التي ~~صممت التجربة لملاحظتها، وقد كان يتمتع بقدرة رائعة على ملاحظة ~~العديد من الأشياء. لا أعتقد أنه كان يهتم بالملاحظات الأولية أو ~~التحضيرية، والتي كان الغرض منها استخدامها كدلائل، ثم يجب أن تعاد ~~مرة أخرى. وكان لا بد أن يكون لكل تجربة يجريها بعض النفع، وأتذكر في ~~هذا السياق مدى حثه على ضرورة الاحتفاظ بالملحوظات المدونة عن التجارب ~~التي فشلت، وقد كان يلتزم بهذه القاعدة دائما. # لقد كان يعاني من الهلع نفسه بخصوص إهدار الوقت فيما يتعلق بالجانب ~~الأدبي من عمله، وكذلك كان يشعر بالحماس نفسه تجاه ما كان يقوم به في ~~اللحظة الحاضرة، مما جعله حريصا على ألا يضطر إلى أن يعيد قراءة أي ~~شيء، دونما ضرورة إلى ذلك. # كان يميل إلى استخدام الطرق البسيطة وعدد قليل من الأدوات. وقد زاد ~~استخدام المجهر المركب بدرجة كبيرة منذ شبابه، وذلك على حساب المجهر ~~البسيط. وإننا لنجده الآن أمرا غريبا أنه لم يأخذ معه مجهرا مركبا ~~في رحلة «البيجل»، لكنه قد اتبع في ذلك نصيحة روبرت داون، الذي كان من ~~الثقات في مثل هذه الأمور. ودائما ما كان شديد التفضيل لاستخدام ~~المجهر البسيط، وكان يرى بأنه مهمل للغاية في هذه الأيام، وأن على ~~المرء أن يرى أكبر قدر ممكن بالمجهر البسيط قبل أن ms135 يستخدم المجهر ~~المركب. وهو يتحدث عن هذا الأمر في أحد خطاباته ويقول إنه يرتاب دوما ~~في عمل أي شخص لا يستخدم المجهر البسيط أبدا. # كانت منضدة التشريح الخاصة به عبارة عن لوح سميك، مثبت بإحدى نوافذ ~~غرفة المكتب؛ وقد كانت أقل ارتفاعا من المنضدة العادية؛ لذا فلم يكن ~~يتسنى له العمل عليها واقفا، لكنه لم يكن ليفعل ذلك على أي حال للحفاظ ~~على قواه. كان يجلس إلى منضدة التشريح على كرسي خفيض غريب بلا ذراعين ~~أو ظهر كان ملكا لوالده، والذي كان مقعده يدور حول محور رأسي، وهو ~~مثبت على عجلات كبيرة لكي يتسنى له الاستدارة بسهولة من جانب إلى آخر. ~~كانت أدواته المعتادة وما إلى ذلك تتناثر على المنضدة، وكان يوجد في ~~الجوار عدد من النثريات على منضدة مستديرة مليئة بالأدراج المتشعبة، ~~التي كانت تدور على محور رأسي، وتوجد على جانبه الأيسر، حين يجلس إلى ~~منضدة المجهر. أما الأدراج، فقد كانت تحمل العناوين: «أفضل الأدوات»، ~~«الأدوات التقريبية»، «العينات»، «تحضيرات العينات» ... إلخ. والأمر ~~الأكثر غرابة بشأن محتويات هذه الأدراج، هي العناية الكبيرة في ~~الاحتفاظ ببعض الجذاذات الصغيرة وغيرها من الأغراض العديمة القيمة ~~تقريبا؛ فقد كان يؤمن بالاعتقاد الشائع أنك إن رميت شيئا، فسوف ~~تحتاج إليه مباشرة؛ ولهذا فقد تراكمت الأغراض هناك. # لو نظر أي شخص إلى أدواته وغيرها من الأغراض المتناثرة على ~~الطاولة، فإنه كان ليندهش من البساطة والارتجال والغرابة. # على جانبه اليمين، كانت توجد بعض الرفوف مع عدد من النثريات، ~~والأكواب والصحون وصناديق البسكويت المعدنية لاستنبات البذور، وبطاقات ~~من الزنك وصحون مليئة بالرمل وغير ذلك. وبالنظر إلى ما كان أبي عليه ~~من تنظيم ومنهجية في الأمور الأساسية، فإنه من الغريب أن نجد أنه قد ~~تحمل وجود العديد من الأشياء المستعملة قبل ذلك؛ فبدلا من الحصول على ~~صندوق مصنوع على شكل محدد، ومصبوغ باللون الأسود من الداخل، فإنه كان ~~يبحث عن شيء مشابه لما كان يريده ويصبغه بالأسود من الداخل باستخدام ~~دهان الأحذية. ولم يكن يهتم بالحصول على أغطية زجاجية ms136 مصنوعة بشكل ~~خاص لأوعية استنبات البذور، وإنما كان يستخدم قطعا مكسورة ذات أشكال ~~مختلفة، وأحيانا كان يوجد بها زاوية ضيقة تبرز بلا جدوى من أحد ~~الجانبين. بالرغم من ذلك، فإن معظم التجارب التي كان يجريها، كانت ~~من النوع البسيط ولم تكن تستدعي أغراضا غاية في الإتقان. وأعتقد أن ~~عادته في هذا الصدد كانت تنبع بدرجة كبيرة من رغبته في حفظ قواه وعدم ~~إهدارها على أمور غير ضرورية. # ويمكننا أن نذكر هنا شيئا عن طريقته في تمييز الأغراض. إذا كان ~~لديه عدد من الأغراض التي يرغب في التمييز بينها، مثل أوراق الشجر ~~والزهور وغير ذلك، فإنه كان يربط حول كل منها لونا مختلفا من ~~الخيوط. وكان يستخدم هذه الطريقة بالتحديد حين يرغب في التمييز بين ~~فئتين فقط من الأشياء؛ ولهذا ففي حالة التلقيح المتبادل والتلقيح ~~الذاتي للزهور، كان يميز إحدى المجموعتين بخيط أسود والأخرى بخيط ~~أبيض يربطه حول ساق الزهرة. أتذكر جيدا منظر مجموعتين من أغلفة ~~البذور، وقد جمعهما في انتظار قياس وزنهما وعد محتوياتهما وما ~~إلى ذلك، وقد استخدم قطعتين من الخيط الأبيض والأسود للتمييز بين ~~الأواني التي ستوضعان فيها. وعندما كان عليه أن يقارن بين مجموعتين ~~من الشتلات قد زرعتا في الإناء نفسه، فإنه كان يفصل بينهما بحاجز من ~~صحائف الزنك، مع وضع بطاقة الزنك التي توضح التفاصيل الضرورية عن ~~التجربة على جانب محدد دائما؛ وذلك حتى يتسنى له أن يعرف على الفور ~~أيهما يمثل «التلقيح المتبادل» وأيهما يمثل «التلقيح الذاتي»، دون حاجة ~~إلى قراءة البطاقة. # لقد تجلى على نحو واضح حبه لكل تجربة ورغبته المتلهفة على ألا يهدر ~~ثمارها، في تجارب التلقيح المتبادل التي كان يقوم بها، وذلك من خلال ~~حرصه الدقيق على ألا يحدث أي خلط في وضع أغلفة البذور على الأواني ~~الخاطئة، وما شابه ذلك. ويمكنني أن أتذكر منظره وهو يحصي البذور تحت ~~المجهر البسيط بانتباه شديد لا تستدعيه في العادة مهمة آلية مثل ~~العد. أعتقد أنه كان يتصور كل بذرة على أنها عفريت صغير يحاول ms137 ~~الإفلات منه إلى الكومة الخاطئة، أو الهرب منه تماما، وقد كان ذلك ~~يضفي على العمل الإثارة التي تتسم بها الألعاب. كان يثق بالآلات ثقة ~~عظيمة، ولا أظن أنه كان ليفكر في أن يرتاب في دقة مقياس أو كوب ~~للقياس أو ما شابه ذلك. وقد اندهش حين اكتشف أن أحد الميكرومترات ~~يختلف في قياسه عن الآخر. لم يكن يحتاج إلى الدقة العالية في معظم ~~قياساته، ولم يمتلك أدوات قياس جيدة: كان يمتلك مسطرة قدمية قديمة ~~طولها ثلاثة أقدام، وقد كانت ملكية عامة للمنزل بأكمله، وكنا نقترضها ~~باستمرار لأنها هي الوحيدة التي كنا نعرف يقينا أنها موجودة في ~~مكانها؛ هذا بالطبع إن لم يكن آخر من اقترضها قد نسي أن يضعها مجددا ~~في مكانها. ولقياس ارتفاع النباتات، فإنه كان يستخدم قضيبا خشبيا ~~طوله سبعة أقدام، كان قد استعان بنجار القرية في تدريجه. ثم بدأ بعد ~~ذلك في استخدام المقاييس الورقية التي تتدرج إلى ملليمترات. وبالنسبة ~~إلى الأغراض الصغيرة، فقد كان يستخدم الفرجار ومنقلة عاجية. وقد كان من ~~سماته أنه يتحمل عناء كبيرا في اتخاذ قياساته باستخدام أدواته ~~التقريبية بعض الشيء. ومن الأمثلة البسيطة على ثقته في المراجع أنه كان ~~يحسب «البوصة على أساس الملليمترات»، وذلك من كتاب قديم، والذي قد ~~اتضح عدم دقته. وكان لديه ميزان كيميائي يعود تاريخه إلى عهد عمله في ~~الكيمياء مع أخيه إيرازموس. وبالنسبة إلى قياسات السعة، فقد كان يأخذها ~~باستخدام وعاء زجاجي صيدلاني للقياس، وما زلت أتذكر جيدا مظهره ~~الخشن وتدريجه السيئ، وأتذكر أيضا ما كان يوليه أبي من عناية كبيرة ~~ليصبح خط السائل على التدريج. إنني لا أقصد بهذا الحديث عن أدواته أن ~~أيا من تجاربه قد عانت من نقصان في دقة القياسات، وإنما أقدم به ~~مثالا على وسائله البسيطة وثقته في الآخرين؛ ثقته على الأقل في صانعي ~~الأدوات، والتي كانت صناعتهم بأكملها لغزا بالنسبة له. # ويحضرني الآن عدد من سماته الذهنية، والتي تتعلق بصفة خاصة بطريقته ~~في العمل. هناك سمة ذهنية يبدو أنها كانت ذات ms138 فائدة عظيمة ومميزة في ~~قيادته إلى التوصل للاكتشافات، والتي تتمثل في قدرته على ملاحظة ~~الاستثناءات على الدوام، وعدم إغفالها على الإطلاق. إن الجميع ~~يلاحظون وجود الاستثناءات حين تكون واضحة للغاية ومتكررة، لكنه كان ~~يتمتع بحدس خاص للانتباه إلى وجود أي استثناء. إن أي نقطة تبدو بسيطة ~~وغير مرتبطة بالعمل الحالي، تغيب عن انتباه العديد من الرجال بشكل غير ~~واع تقريبا، ويعزون السبب فيها إلى تفسير غير محكم، والذي هو في ~~واقع الأمر ليس تفسيرا على الإطلاق، لكن مثل هذه الأمور، هي ما كان ~~يتوقف عندها، ويبدأ بالعمل منها. وبطريقة ما، يمكننا أن نرى أنه لا ~~شيء مميز في هذه العملية؛ فهي الطريقة التي أدت إلى التوصل للعديد من ~~الاكتشافات، وإنما أذكرها فقط لأنني بينما كنت أشاهده وهو يعمل، فإنني ~~قد تأثرت كثيرا بقيمة هذه القدرة للعالم التجريبي. # ومن السمات الأخرى التي اتضحت في عمله التجريبي، هي قدرته على ~~المثابرة في العمل على موضوع محدد، وقد كان يعتذر عن صبره قائلا إنه ~~لا يستطيع احتمال الهزيمة، كما لو كان ذلك من نقاط الضعف. وكثيرا ما ~~كان يستشهد بالقول: «إن الإصرار هو السبيل إلى النجاح»، وأعتقد أن ~~الإصرار يعبر عن إطاره الذهني بنحو أفضل من المثابرة؛ فالمثابرة لا ~~تكفي للتعبير عن رغبته الشديدة في إجبار الحقيقة على الإفصاح عن نفسها. ~~وكثيرا ما كان يقول إنه من المهم للمرء أن يعرف النقطة الصحيحة التي ~~يجب عندها التخلي عن أي بحث. وأعتقد أن ميله إلى تخطي هذه النقطة هو ~~ما كان يجعله يعتذر عن مثابرته، وأضفى طابع الإصرار على عمله. # كثيرا ما كان يقول إنه لا يمكن للمرء أن يكون ملاحظا جيدا إن لم ~~يكن منظرا نشيطا. ويعيدني ذلك إلى ما قلته عن موهبته في الانتباه ~~إلى الاستثناءات؛ فكأنه كان مشحونا بقدرته على وضع النظريات، والتي ~~كانت مهيأة للتدفق في أي اتجاه عند حدوث أي اضطراب بسيط؛ لذا فلم ~~يكن لأي حقيقة مهما كانت صغيرة ألا تتسبب في تدفق فيض من ~~النظريات، وبهذا تتضخم ms139 الحقيقة ويكون لها أهمية. وبهذه الطريقة فقد حدث ~~تلقائيا أن تواردت على ذهنه العديد من النظريات التي يتعذر ~~تعضيدها، لكن من حسن الحظ أن قدرته على النظر في الأفكار التي تطرأ ~~على ذهنه وتدقيقها كانت تعادل ثراء خياله. لقد كان منصفا تجاه ~~نظرياته ولم يدنها قبل أن يتحقق منها؛ ولهذا فقد كان مستعدا لاختبار ~~ما قد يبدو لمعظم الناس على أنه لا يستحق الاختبار. وقد كان يدعو هذه ~~المحاولات الجامحة باسم «تجارب الحمقى» وكان يستمتع بها للغاية. وكمثال ~~على ذلك يمكنني أن أذكر أنه حين اكتشف الحساسية الشديدة للورقات ~~الجنينية في النباتات من جنس الحساسة # Biophytum # تجاه اهتزازات الطاولة، تخيل أنها قد تكون ~~قادرة على استقبال ذبذبات الصوت؛ ولهذا فقد طلب مني أن أعزف على زمخري ~~بالقرب من إحداها. (ولا يعد ذلك مثالا على الاستفاضة في وضع النظريات ~~فيما يتعلق بشيء بسيط، وإنما يعبر عن رغبته في اختبار أكثر الأفكار ~~غير المحتملة.) # لقد كان حب التجريب قويا لديه للغاية، وإنني لأستطيع تذكر ~~الطريقة التي كان يقول بها: «لن أهدأ حتى أخضع هذا للتجربة.» وكأنما ~~كانت هناك قوة خارجية تدفعه إلى ذلك. وكان يستمتع بإجراء التجارب أكثر ~~من استمتاعه بالعمل الذي لا ينطوي إلا على التسويغ المنطقي، وحين كان ~~ينخرط في تأليف كتاب يتطلب تقديم الحجج وترتيب الحقائق، كان يشعر ~~بأن العمل التجريبي سيكون بمنزلة استراحة أو عطلة؛ ولهذا، فحين كان ~~يعمل على كتابه «تباين الحيوانات والنباتات تحت تأثير التدجين»، في ~~الفترة بين 1860 و1861، توصل إلى فهمه لتلقيح السحلبيات، وكان يرى ~~نفسه متكاسلا إذ أولى هذا الأمر هذا القدر الكبير من الوقت. وإنه ~~لأمر مثير أن ندرك أنه قد قام بجزء مهم للغاية من العمل البحثي، على ~~سبيل تمضية الوقت، والاستراحة من عمل أكثر جدية. وتتضمن خطاباته إلى ~~هوكر في هذه الفترة بعض العبارات مثل: «فليسامحني الله على تكاسلي؛ ~~فأنا مهتم بهذا العمل على نحو سخيف.» ويتجلى استمتاعه الشديد باستيعاب ~~أساليب التكيف للتلقيح بقوة في هذه الخطابات. إنه يتحدث في ms140 أحد ~~الخطابات عن نيته في العمل على جنس الندية على سبيل الاستراحة من كتابة ~~عمله «نشأة الإنسان» وقد وصف في عمله «ذكريات» شعوره الكبير بالرضا ~~بعد أن توصل إلى حل مسألة تفاوت أطوال الأعضاء الجنسية في ~~الزهور. وقد سمعته يذكر أنه قد استمتع بالطبيعة الجيولوجية لأمريكا ~~الجنوبية أكثر من أي شيء آخر. ربما يكون ذلك السرور الذي كان يستمده ~~من العمل الذي يستدعي الملاحظة الدقيقة هو ما جعله يقدر أي ثناء ~~يتلقاه على قواه في الملاحظة أكثر من أي احتفاء بملكاته ~~الأخرى. # لم يكن يكن احتراما كبيرا للكتب، وإنما كان يعتبرها مجرد أدوات ~~تستخدم في العمل؛ لذا لم يجلدها، وإذا تهرأ أحد الكتب الورقية من ~~كثرة الاستخدام، كما حدث مع كتاب «التلقيح» لمولر، فإنه كان يحفظه من ~~التفكك التام من خلال وضع مشبك معدني على ظهره. وبالمثل فإنه كان ~~يقسم الكتب الثقيلة إلى نصفين كي يسهل حملها. وقد كان يتفاخر بأنه ~~جعل لايل ينشر الطبعة الثانية من أحد كتبه في جزأين بدلا من واحد، ~~وذلك بأن أخبره أنه اضطر إلى تقسيمه إلى نصفين. وكثيرا ما كان ~~يتعامل مع النشرات بقسوة أكثر من الكتب؛ إذ كان يمزق الصفحات التي ~~لا يهتم بها، لتوفير الحيز الذي تشغله. ونتيجة لجميع تلك الممارسات، ~~فإن مكتبته لم تكن مزينة، وإنما كانت لافتة للنظر؛ إذ كان يبدو ~~بوضوح أنها مجموعة من الكتب المخصصة للعمل. # كان أبي منهجيا في الطريقة التي يتبعها في قراءة الكتب والنشرات ~~المرتبطة بعمله. فقد كان يخصص رفا يضع عليه جميع الكتب التي لم ~~يقرأها بعد، وآخر تنقل إليه بعد قراءتها وقبل تصنيفها. وكثيرا ما ~~يتحسر على كتبه التي لم يقرأها، لأنه كان يعرف أنه لن يتمكن من قراءة ~~العديد منها. وقد كانت كتب عديدة تنقل إلى الكومة الأخرى في الحال، ~~وقد كانت هذه الكتب تحمل علامة الصفر عند نهايتها لتدل على أنها لا ~~تضمن أي فقرات قد حددها، أو كان يكتب عليها أحيانا «لم يقرأ» أو ~~«جرى تصفحها فقط». كانت الكتب تتراكم ms141 في الكومة المخصصة للكتب التي ~~قرئت حتى يفيض بها المكان، وبعد الكثير من الامتعاض، كان يخصص يوما ~~لتصنيفها. كان يكره القيام بهذه المهمة، وحين يصبح القيام بها ضرورة ~~ملحة، فإنه غالبا ما كان يقول في نبرة يأس: «يجب علينا بالفعل ترتيب ~~هذه الكتب في وقت سريع.» # في كل كتاب كان يقرؤه، كان يحدد بعض الفقرات المتعلقة بعمله. وحين ~~كان يقرأ كتابا أو نشرة أو غير ذلك، كان يرسم خطوطا بالقلم الرصاص ~~على جانب الصفحة ويضيف ملاحظات قصيرة في أغلب الأحيان، وفي النهاية، ~~كان يكتب قائمة بالصفحات التي بها فقرات مميزة. وعندما يحين موعد تصنيف ~~الكتاب ووضعه في المكان المخصص، كان يعيد النظر في الصفحات التي ~~تحتوي على ملاحظاته، ومن ثم يعد ملخصا سريعا للكتاب. وقد ~~يكتب هذا الملخص تحت ثلاثة عناوين أو أربعة في صفحات مختلفة، وفيها ~~يجري تصنيف الحقائق وإضافتها إلى الحقائق التي سبق جمعها في مختلف ~~الموضوعات. وكانت لديه مجموعة أخرى من الملخصات التي كان يرتبها ~~وفقا للدورية لا الموضوع. وحين كان يجمع الحقائق على نطاق واسع في ~~السنوات المبكرة، كان معتادا على القراءة وإعداد الملخصات بهذه ~~الطريقة لسلاسل بأكملها من الدوريات. # وفي بعض خطاباته المبكرة، كان يتحدث عن ملء العديد من الدفاتر ~~بالحقائق لكتابه عن الأنواع، لكن المؤكد أنه قد بدأ في وقت مبكر في ~~تبني خطته في استخدام حافظات الأوراق، والتي يصفها في عمله ~~«ذكريات». وقد شعر كل من والدي ودي كوندول بالسرور لاكتشافهما أنهما ~~قد استخدما الخطة نفسها في تصنيف الحقائق. ويصف دي كوندول هذه الطريقة ~~في كتابه «علم النباتات»، وهو يذكر في وصفه لوالدي مدى الرضا الذي شعر ~~به حين رأى خطته تنفذ في داون. # وإضافة إلى حافظات الأوراق التي يوجد منها عشرات مليئة ~~بالملاحظات، توجد لفائف ضخمة من المخطوطات التي كان يضع عليها عنوان ~~«مستخدمة»، وكان يضعها بعيدا. كان يشعر بقيمة مذكراته وكان لديه ~~ذعر من أن تدمرها النيران. أتذكر حين حدث إنذار بالحريق ذات ~~مرة، أنه كان يرجوني أن أتوخى شديد الحذر، ms142 ثم أضاف بجدية شديدة أن ~~حياته ستكون تعيسة إن تلفت مذكراته وكتبه. # وهو يعبر عن هذا الشعور نفسه فيما كتبه عن فقدان إحدى مخطوطاته، وقد ~~كان فحوى كلامه: «لدي نسخة منها وإلا لكان قد قتلني فقدانها.» وحين كان ~~ينوي تأليف كتاب، فإنه كان يبذل الكثير من الوقت والجهد في إعداد هيكل ~~أو خطة للكتاب بأكمله، وكذلك في تكبير العناوين وتشعيبها، وذلك كما يصف ~~في عمله «ذكريات». وأعتقد أن هذا الترتيب الدقيق للخطة لم يكن ~~جوهريا على الإطلاق في بناء حجته، لكنه كان ذلك لطريقة العرض وترتيب ~~الحقائق. ولأن كتابه «حياة إيرازموس داروين» قد طبع في البداية في ~~قصاصات، فإن نمو الكتاب من مجرد هيكل كان واضحا للغاية، وقد تغير ~~ترتيب الكتاب فيما بعد لأنه كان رسميا للغاية وذا طبيعة حاسمة، وبدا ~~وكأنه يعرض شخصية جده من خلال تقديم قائمة بصفاته، لا صورة ~~كاملة. # وفي سنواته الأخيرة فقط، تبنى خطة للكتابة كان مقتنعا بأنها الأنسب ~~له، وهي التي وصفها في «ذكريات» والتي تتمثل في كتابة نسخة مبدئية ~~مباشرة دون أن يعير الأسلوب أي اهتمام. وكان من عادته أن يشعر بأنه لا ~~يستطيع الكتابة بالقدر الذي يرغب فيه من العناية إن استخدم أفضل ~~الأوراق؛ لذا فإنه كان يكتب على ظهر أوراق بروفات الطباعة أو ~~المخطوطات. وبعد ذلك، كان يعيد النظر في النسخة المبدئية ويعد نسخة ~~منقحة؛ ولهذا الغرض، فقد كان لديه أوراق فولسكاب واسعة المسافة بين ~~السطور، وقد كانت السطور ضرورية لكي يتفادى الكتابة عن قرب، فيكون ~~التصويب أمرا عسيرا. بعد ذلك، تصوب النسخة المنقحة ويعاد نسخها ثم ~~ترسل إلى المطابع. وكان السيد إي نورمان هو الذي يتولى عملية النسخ، ~~وكان قد بدأ هذا العمل قبل سنوات عديدة حين كان مدرس القرية في داون. ~~وقد أصبح والدي معتادا للغاية على خط السيد نورمان حتى إنه لم يكن ~~يستطيع تصويب أي مخطوطة، حتى حين يكون أحد أبنائه قد كتبها بوضوح، إلى ~~أن يعيد السيد نورمان نسخها. وحين تعود المخطوطة من عند السيد نورمان، ms143 ~~فإنها تصوب مرة أخرى ثم ترسل إلى المطابع، ثم يأتي دور تنقيح بروفات ~~الطباعة وتصويبها، وهو ما كان أبي يجده عملا مملا للغاية. # وفي هذه المرحلة، كان يبدأ في التفكير بجدية في أسلوب كتابته. وحين ~~كان يصل إلى هذه المرحلة، فإنه عادة ما كان يبدأ في عمل آخر للترويح ~~عن نفسه. والواقع أن عملية تصويب القصاصات كانت تتم على مرحلتين: ~~وهما التصويب بالقلم الرصاص أولا، ثم إعادة النظر فيما جرى تصويبه ~~وكتابته بالحبر. # وحين كان الكتاب يمر بمرحلة «القصاصات»، كان أبي يسر بتلقي ~~التصويبات والاقتراحات من الآخرين؛ ولهذا فقد ألقت أمي نظرة على ~~بروفات الطباعة لكتاب «أصل الأنواع». وفي بعض الأعمال المتأخرة، كانت ~~أختي السيدة ليتشفيلد هي التي تقوم بالجزء الأكبر من التصويب، وبعد ~~زواج أختي، أصبح الجزء الأكبر من العمل من نصيبي . # وفي هذا الشأن، تكتب أختي السيدة ليتشفيلد: # لقد كان هذا العمل مشوقا للغاية في حد نفسه، وقد كان ~~العمل لأجله، أمرا مبهجا بنحو لا يمكن التعبير عنه. لقد كان ~~دائما على استعداد للاقتناع بأن أي تغيير مقترح هو تحسين، ~~وكان يعبر دائما عن خالص امتنانه للجهد المبذول. ولا أعتقد ~~أنه قد نسي أن يخبرني بمدى التحسين الذي قمت به في رأيه، ~~ويكاد أن يعتذر إن لم يوافق على أحد التعديلات. وأعتقد أنني قد ~~شعرت برقته وتواضعه الفريدين من خلال العمل معه، بطريقة ~~لم أكن لأعرفها بأي سبيل آخر. # لم يكن يكتب بسهولة، وكان يميل إلى عكس جمله سواء في الحديث ~~أو الكتابة؛ إذ كان يضع العبارة الوصفية قبل أن يوضح ما ~~تصفه. وكان يصوب الكثير، وكان حريصا على التعبير عن نفسه ~~بأفضل نحو ممكن قدر الإمكان. # ولعل القدر الأكبر من التعديلات اللازمة كان يتمثل في النقاط ~~المبهمة بسبب حذف رابط ضروري في عملية التبرير المنطقي، ولا بد أن ~~ذلك كان يتمثل في شيء كان قد حذفه لمعرفته المفصلة بالموضوع. لم يكن ~~هذا ناتجا عن خطأ في تسلسل الأفكار لديه، وإنما إلى أنه لم ينتبه إلى ~~أن الكلمات ms144 التي اختارها لا تعبر عن الفكرة المعروضة وذلك لأنه قد ~~ألف الحجة التي يسوقها. وكثيرا ما كان يضع الكثير في الجملة ~~الواحدة؛ فكان لا بد من تجزئتها إلى جملتين. # بوجه عام، إنني أرى أن أبي كان يبذل قدرا عظيما من الجهد في ~~الجزء الأدبي من عمله، وقد كان ذلك بارزا للغاية. وكثيرا ما كان ~~يسخر من نفسه أو يتذمر لما يجده من صعوبة في الكتابة باللغة ~~الإنجليزية؛ فكان يقول مثلا بأنه إذا كان ثمة ترتيب سيئ للجملة ~~يحتمل أن تكون عليه، فمن المؤكد أنه سيستخدمه. وفي إحدى المرات، شعر ~~بالسرور والرضا عندما وجد أحد أفراد العائلة صعوبة في كتابة منشور ~~قصير. وقد سر بتصحيح أخطائه والسخرية من النقاط المبهمة والجمل ~~المعقدة وغير ذلك من العيوب؛ وبهذا فقد انتقم لنفسه من جميع النقد ~~الذي كان عليه أن يتحمله. وقد اعتاد على أن يقتبس نصيحة الآنسة ~~مارتينو إلى المؤلفين الشباب معبرا عن دهشته منها، وهي أن ~~ينطلقوا في الكتابة ثم يرسلوا المخطوطات إلى جهة الطبع مباشرة دون ~~تصويبها. بالرغم من ذلك، فقد كان يتصرف على نحو مشابه لذلك في بعض ~~الأحيان. وحين كانت إحدى الجمل تتعقد على نحو لا أمل في إصلاحه، فإنه ~~كان يسأل نفسه: «والآن، ما الذي تريد أن تقوله؟» وعادة ما كانت إجابته ~~التي يدونها هي التي تزيل اللبس. # كان أسلوبه يحظى بالثناء؛ بالرغم من ذلك، فقد صرح لي خبير معروف ~~بأن أسلوبه ليس جيدا. لكنه رغم كل شيء كان مباشرا وواضحا، ~~وهو يشبه صاحبه في بساطته التي تقترب من السذاجة، وفي غياب الادعاء ~~عنه. وكان لا يؤمن على الإطلاق بالفكرة الشائعة القائلة بأنه يجب على ~~أي عالم أن يكتب بلغة إنجليزية سليمة، وكان يعتقد في الواقع أن ~~العكس هو الصحيح. وكان يستخدم في الكتابة أحيانا، بعض التعبيرات ~~القوية مثلما كان يفعل في الحديث؛ لذا، في الصفحة 440 من كتاب «أصل ~~الأنواع»، يرد وصف لهدابيات الأرجل اليرقانية، يقول: «لها ستة أزواج ~~من الأرجل جميلة التركيب المهيأة للسباحة، وزوج من ms145 الأعين ~~المركبة الرائعة، وقرون استشعار غاية في التعقيد.» وقد اعتدنا أن ~~نسخر منه بسبب هذه الجملة، وشبهناها بأحد الإعلانات. وتظهر هذه ~~النزعة في الاستسلام للميل الحماسي في أفكاره، دون الخوف من أن يكون ~~مضحكا، في مواضع أخرى من كتاباته. # لقد كانت نبرته الدمثة والودية نحو قارئه بارزة للغاية، ولا بد أن ~~ذلك من الأمور التي أوشت بطبيعته العذبة إلى العديد ممن لم يروه أبدا. ~~ولطالما شعرت بأنها حقيقة غريبة أن يكون الرجل الذي غير وجه العلوم ~~الحيوية، وهو في هذا الشأن رائد العلماء المعاصرين، كان يكتب ويعمل ~~بهذه الطريقة والروح اللتين لا تتسمان بالعصرية في جوهرهما. وعند ~~قراءة كتبه، فإن المرء ليتذكر السابقين من علماء التاريخ الطبيعي، ~~أكثر مما يتذكر كتاب المدرسة الحديثة. لقد كان عالما في التاريخ ~~الطبيعي بالمعنى القديم للكلمة؛ أي إنه رجل يعمل في العديد من فروع ~~العلوم، ولا يتخصص في واحد منها فقط؛ ولهذا، فبالرغم من أنه قد أسس ~~فروعا جديدة بأكملها من الموضوعات المميزة، مثل تلقيح الزهور ~~والنباتات الآكلة الحشرات وثنائية الشكل وغير ذلك، فإنه حتى عند ~~معالجته لمثل هذه الموضوعات لا يجعل القارئ يشعر بأنه يقرأ لعالم ~~متخصص، بل يشعر أنه صديق يتحدث إليه صديقه الرجل الفاضل الدمث، وليس ~~تلميذا يحاضره أستاذه. لقد كانت النبرة التي استخدمها في كتاب مثل ~~«أصل الأنواع» ساحرة وعاطفية بعض الشيء؛ إنها نبرة رجل يقتنع بصدق ~~أفكاره ولا يتوقع كثيرا أن يتمكن من إقناع الآخرين؛ فقد كان أسلوبه ~~يناقض تماما أسلوب المتعصبين الذين يرغبون في إجبار الآخرين على ~~الإيمان بآرائهم. إنه لا يشعر القارئ بأي ازدراء على الإطلاق ~~لأي مقدار من الشك يمكن له أن يتخيله، وإنما يتعامل مع هذا الشك ~~باحترام صبور. يبدو أن القارئ المتشكك وربما حتى القارئ غير ~~العقلاني، كانا حاضرين دائما في تفكيره. وربما نتيجة لهذا الشعور، ~~كان يبذل مجهودا كبيرا في النقاط التي كان يتصور أنها ستلفت نظر ~~القارئ، أو توفر عليه المشقة فيغريه بالقراءة. # ولهذا السبب نفسه، كان يهتم اهتماما كبيرا بالرسومات التوضيحية ms146 في ~~كتبه، وأعتقد أنه كان يوليها أكثر من قدرها. إن الرسومات التوضيحية ~~في كتبه الأولى قد رسمها فنانون محترفون، وكان ذلك في كتاب «تباين ~~الحيوانات والنباتات تحت تأثير التدجين» وكتاب «نشأة الإنسان» وكتاب ~~«التعبير عن الانفعالات في الإنسان والحيوان». أما في أعماله ~~«النباتات المتسلقة» و«النباتات آكلة الحشرات» و«حركات النباتات» ~~و«أشكال الزهور»، فقد كانت الرسومات التوضيحية الواردة فيها إلى حد ~~كبير من رسم بعض أولاده؛ إذ كان أخي جورج هو من رسم معظمها. لقد كان من ~~الممتع أن نرسم له؛ إذ كان يفرط في الثناء على أدائنا المتواضع جدا. ~~وأنا أتذكر جيدا طريقته العذبة التي كان يستقبل بها رسومات إحدى ~~زوجات أبنائه، وكيف أنه كان ينهي عبارات الثناء قائلا: «أخبر أ... أن ~~رسومات مايكل أنجلو لا تساوي شيئا مقارنة بهذه.» وبالرغم من أنه كان ~~يفيض في الثناء، فإنه كان يتفحص الرسومات وكان يكتشف بسهولة أي خطأ ~~أو إهمال فيها. # كان لديه ذعر من الإسهاب الشديد، وكان يبدو منزعجا ومضطربا للغاية ~~حين وجد أن كتاب «تباين الحيوانات والنباتات تحت تأثير التدجين» يطول ~~في يديه. وأتذكر أنه كان يتفق بشدة مع كلمات تريستام شاندي: «لا تدع ~~أي إنسان يقول: هيا، فسوف أؤلف كتابا بقطع الاثني عشر.» # كان تقديره للمؤلفين الآخرين من سماته المميزة، مثلما كانت ~~نبرته مع القارئ. فقد كان يتحدث عن جميع المؤلفين الآخرين كأشخاص ~~يستحقون الاحترام. وفي الحالات، كما في حالة تجارب ... على نباتات جنس ~~الندية، التي لم يكن يعتد كثيرا بالمؤلف، كان يتحدث عنه بطريقة لا ~~تشي بذلك. وفي حالات أخرى، كان يتعامل مع الكتابات المرتبكة للجهلاء، ~~كما لو أن الخطأ يقع على عاتقه أنه لم يفهمهم أو يقدرهم. وإلى ~~جانب هذه النبرة العامة من الاحترام، فقد كانت له طريقة عذبة في ~~التعبير عن رأيه في قيمة العمل المستشهد به، أو امتنانه لمعلومة خاصة ~~قدمت إليه. # لم يكن شعوره الذي ينم عن الاحترام حميدا من الناحية الأخلاقية ~~فحسب، بل أعتقد أنه قد أفاده من الناحية العملية؛ إذ جعله ذلك مستعدا ms147 ~~للتفكير في أفكار جميع ضروب البشر وملاحظاتهم. وكان يكاد أن يعتذر عن ~~ذلك قائلا إنه كان يميل في البداية إلى الإعلاء من قيمة أي شيء بنحو ~~مرتفع للغاية. # ومن صفاته الذهنية الرائعة أنه بالرغم من شعوره القوي بالاحترام تجاه ~~ما كان يقرؤه، فإنه كان يتمتع بغريزة قوية للغاية بخصوص ما إذا كان ~~الشخص جديرا بالثقة أم لا. لقد بدا أنه يكون رأيا محددا للغاية ~~عن دقة المؤلفين الذين كان يقرأ لهم، وكان يستخدم هذا الرأي في ~~اختياره للحقائق التي يستخدمها في تقديم البرهان أو تقديم الأمثلة ~~التوضيحية. وقد تولد انطباع لدي أنه كان يشعر بما لهذه القدرة في ~~الحكم على جدارة الشخص بالثقة من قيمة كبيرة. # كان يؤمن تماما بميثاق الشرف الذي ينبغي أن يكون بين المؤلفين، ~~وكان لديه ذعر من أي نوع من التراخي في الاستشهاد. كان يزدري الولع ~~بالتشريف والتمجيد، وكثيرا ما كان يوجه اللوم إلى نفسه في خطاباته، ~~وذلك لما كان يجده من سرور في نجاح كتبه، كما لو كان ذلك تخليا منه ~~عن مثله العليا: حب الحقيقة وعدم الاهتمام بالشهرة. وكثيرا ما كان ~~يسخر من نفسه لغروره وافتقاره إلى التواضع، وذلك حين كان يكتب إلى ~~السير جيه هوكر، ما يسميه بخطاب متباه. ويوجد خطاب مثير بنحو مدهش ~~كان قد كتبه إلى أمي، وهو يوصيها في حالة وفاته أن تنشر مخطوطة أول ~~مقال قد كتبه عن التطور. وإنني أرى في هذا الخطاب رغبته الشديدة في ~~نجاح نظريته بصفتها إسهاما في المعرفة بعيدا عن أي رغبة شخصية في ~~الشهرة. لقد كان يتمتع بالطبع بتلك الرغبة الصحية في النجاح، والذي ~~يتمتع بها كل إنسان يتمتع بقوة العزيمة. بالرغم من ذلك، فعندما نشر ~~كتاب «أصل الأنواع»، كان من الواضح أنه كان يشعر بارتياح غامر لما ~~لاقاه من تأييد وثناء من رجال مثل لايل وهوكر وهكسلي وآسا جراي، وهو ~~لم يكن يحلم أو يرغب فيما حظي به من شهرة واسعة وكبيرة. # وإلى جانب بغضه للولع المفرط بالشهرة، فقد كان يبغض بالدرجة ms148 نفسها ~~جميع المسائل التي تتعلق بالأسبقية؛ ففي خطاباته التي أرسلها إلى لايل ~~في الوقت الذي نشر فيه كتاب «أصل الأنواع»، نجد أنه يعبر عما كان يشعر ~~به من غضب لعدم تمكنه من كبت شعوره بخيبة الأمل، لما كان يظنه من قيام ~~السيد والاس بإحباط جميع سنوات عمله. ويتضح حسه بميثاق الشرف الأدبي ~~بقوة في هذه الخطابات، وكذلك تظهر مشاعره المتعلقة بالأسبقية مرة أخرى ~~فيما عبر عنه في عمله «ذكريات» من إعجاب بإنكار الذات الذي أبداه السيد ~~والاس. # كان لديه رأي واضح ومحدد بشأن الرد على الآخرين، بما في ذلك الرد ~~على حالات الهجوم والمشاركة في جميع أنواع النقاشات. وهو يتضح ببساطة ~~في خطاب قد كتبه إلى فالكونر (1863 (؟)) يقول فيه: «إذا حدث وشعرت نحوك ~~بالغضب، وأنا أكن لك مشاعر الصداقة الخالصة، فسوف أبدأ في الشك ~~بأنني قد أصبت بمس من الجنون. لقد شعرت بالأسف الشديد لردك، وأعتقد ~~أنه كان خطأ في جميع الأحوال ويجب تركه للآخرين. وأما عن إمكانية ~~تصرفي على النحو الذي تصرفت به تحت تأثير الاستفزاز، فذلك أمر ~~مختلف.» لقد كان هذا الشعور ينبع بصورة جزئية من رقته الفطرية، ومن ~~ناحية أخرى، فقد كان ينبع أيضا مما كان يسببه ذلك من إهدار للوقت ~~والطاقة وتغيير للمزاج. وقد قال إنه يدين بإصراره على عدم الخوض في ~~المناقشات إلى نصيحة لايل، وهي التي كان ينقلها بين أصدقائه الذين ~~كانوا يشتغلون بالكتابة. (لقد تخلى عن هذه القاعدة في عمله «ملاحظات عن ~~عادات نقار خشب سهول البامبا «الكولب السهلي»»، والذي نشر في دورية ~~«بروسيدينجز أوف ذا زولوجيكال سوسايتي»، 1870، الصفحة 705: وكذلك في ~~خطاب قد نشر في دورية «ذا أثنيام» (1863، الصفحة 554)، وقد أسف بعد ~~ذلك على أنه لم يلتزم الصمت. وأما ردوده على الانتقادات، في الطبعات ~~اللاحقة من كتاب «أصل الأنواع»، فهي لا تعد خرقا لهذه ~~القاعدة.) # إذا أردنا أن نفهم طباع والدي في حياته العملية، فعلينا أن نضع في ~~اعتبارنا دوما ظروف مرضه والتي كان يعمل دوما تحت تأثيرها. لقد تحمل ~~مرضه بصبر ms149 ودون تذمر، حتى إن أولاده، كما أعتقد، لم يدركوا مدى ~~معاناته المعتادة. وفي حالتهم، فإن ما يعزز من صعوبة إدراكهم لذلك ~~الأمر، هي حقيقة أنهم يرونه على هذه الحال من المرض المستمر منذ أيام ~~ذكرياتهم الأولى عنه، وقد رأوه أيضا رغم ذلك ممتلئا بالسعادة لجميع ~~ما كان يسعدهم؛ ولهذا، ففي الفترات اللاحقة من حيواتهم، كان لا بد من ~~الفصل بين إدراكهم لما كان يعانيه، وبين الانطباع الذي تشكل في ~~طفولتهم تأثرا بما كان يمدهم به دائما من عطف صادق بينما هو ~~يعاني من المصاعب التي لا يدركونها. ولا أحد بالطبع يعرف سوى أمي ~~مقدار ما كان يتحمله من معاناة، وكذلك مقدار صبره المدهش. فهي، في ~~جميع السنوات المتأخرة من حياته، لم تفارقه لليلة واحدة، وكانت تخطط ~~يومها بما يسمح أن تشاركه ساعات راحته. وقد كانت تدرأ عنه كل مضايقة ~~يمكن تلافيها ولم تبخل قط بأي شيء قد يجنبه بعض المشقة، أو يقيه ~~الإجهاد المفرط، أو حتى قد يخفف عنه المتاعب العديدة التي كان ~~يلقاها من اعتلال صحته. إنني أشعر بالتردد إزاء التحدث بحرية عن ~~شيء على هذه الدرجة من القداسة مثل الإخلاص مدى الحياة، والذي كان وراء ~~رعايتها الدائمة له برقة وعطف. بالرغم من ذلك، فإنني أعود وأكرر أنه ~~لم يتمتع بصحة الأناس العاديين ولو ليوم واحد على الإطلاق على مدى ~~أربعين عاما تقريبا، وقد كان ذلك من السمات الجوهرية في حياته؛ ومن ~~ثم، فقد كانت حياته كفاحا طويلا ضد الإرهاق والإجهاد الناتجين عن ~~المرض. ولا يمكننا أن نتحدث عن ذلك دون ذكر الظرف الوحيد الذي مكنه ~~من تحمل هذا الإجهاد والكفاح حتى النهاية. # | الخطابات # إن الخطابات المبكرة التي تمكنت من الوصول لها، هي تلك التي ~~كتبها والدي حين كان طالبا في كامبريدج. # ولهذا، فلا بد لسردنا لتاريخ حياته، كما ورد في خطاباته، أن يبدأ ~~من هذه الفترة. # الفصل الرابع # | الحياة في كامبريدج # [تمتد حياة والدي في كامبريدج من بداية الفصل الدراسي الشتوي في ~~عام 1828، حين أتى إليها طالبا مستجدا، ms150 إلى نهاية فصل مايو عام ~~1831، حين نال شهادته وغادر الجامعة. # ويظهر من سجلات الكلية أن والدي «قد التحق بها في فئة الطلاب ~~الحاصلين على إعانة صغيرة، تحت إمرة كبير المعلمين شو» في 15 ~~أكتوبر 1827. ولم يحضر والدي للإقامة حتى الفصل الدراسي الشتوي عام ~~1828؛ لذا، بالرغم من أنه قد اجتاز اختباراته في موعدها المحدد، ~~فلم يتمكن من نيل شهادته في الموعد المعتاد؛ بداية الفصل الدراسي ~~الشتوي عام 1831. وفي مثل هذه الحالة، عادة ما ينال الشخص شهادته ~~قبل أربعاء الرماد، وهو يسمى حينها «حاصل على الدرجة العلمية في ~~يوم الرماد»، ويصنف ضمن الحاصلين على الدرجة العلمية لذلك ~~العام. بالرغم من ذلك، يرد اسم والدي في قائمة الحاصلين على ~~الشهادة «في يوم المعمودية»، أو الذين حصلوا على الدرجة العلمية في ~~الفترة بين أربعاء الرماد ويوم القديس يوحنا المعمدان (الرابع ~~والعشرين من يونيو). (إذ قد ورد في «سجل كامبريدج»، بتاريخ الجمعة، ~~29 أبريل، 1831 ما يلي: «في يوم الثلاثاء الماضي، حصل تشارلز ~~داروين الطالب بكلية كرايست على درجة الليسانس.») ومن ثم فقد ~~ورد تصنيفه ضمن الحاصلين على درجة الليسانس عام 1832. # لقد ظل مقيما، على مدى فصل دراسي أو اثنين، في النزل ~~الموجود أعلى متجر بيكون للتبغ، وهذا المتجر ليس هو ذلك المتجر ~~الموجود في منطقة السوق، والذي يعرفه جيدا الآن جميع أهل ~~كامبريدج، بل كان في شارع سيدني. ثم أقام بغرفة سكنية جيدة تطل ~~على الطرف الجنوبي لأقدم ساحات كلية كرايست، وظل مقيما بها إلى ~~أن انتهى من دراسته. (تقع الغرفة في الطابق الأول، على الجانب ~~الغربي من الدرج الأوسط، وقد سمح مؤخرا بتعليق ميدالية (وهبها ~~أخي للكلية) على جدار غرفة الجلوس بها.) # أما عن العوامل التي حددت اختيار هذه الكلية لأبي ولأخيه ~~إيرازموس، فذلك مما لا سبيل لي إلى معرفته. لقد درس إيرازموس ~~الأكبر؛ جدهما، في كلية سان جون، وربما كانت هذه الكلية مناسبة ~~لهما؛ إذ إنها ترتبط بمدرسة شروزبيري. غير أنه يبدو أن حياة ~~الطلاب في كلية سان جون في ذلك الوقت، ms151 كانت بها بعض المشاكل، وذلك ~~بناء على ما يمكنني ملاحظته من انتقال قريب لي من هناك إلى كلية ~~كرايست، ليتفادى أساليب التضييق المتبعة في هذه الكلية. وتوضح ~~الأمر نفسه قصة أخرى رواها السيد هربرت # 1 # وهي كالتالي: # في بداية فصل أكتوبر الدراسي عام 1830، حدث أمر كانت له ~~عواقب مزعجة بعض الشيء بالنسبة لي، وإن كانت هزلية. كان ~~داروين قد طلب مني أن أذهب معه في جولة سير طويلة في ~~منطقة فينز للبحث عن بعض المواد الطبيعية التي كان يرغب في ~~الحصول عليها. وبعد يوم طويل ومرهق جدا من العمل، ~~تناولنا العشاء معا متأخرا في المساء في غرفته بكلية ~~كرايست، وحالما انتهينا من العشاء، ارتمينا على مقعدين ~~مريحين وغرق كل منا في نوم عميق. استيقظت أنا أولا ~~في نحو الثالثة صباحا، ولأنني أدري بالقواعد الصارمة في ~~كلية سان جون وهي التي تقضي بأن يعود الطلاب إلى الكلية ~~قبل منتصف الليل، فحين نظرت إلى ساعتي، اندفعت عائدا ~~إلى غرفتي بأقصى سرعة خوفا من العواقب، وأملا في أن يقبل ~~العميد عذري حين أخبره بالحقيقة. لكنه كان متعنتا ورفض ~~أن يستمع إلى توضيحي للأمور أو إلى أي دليل قد أقدمه، ~~وبالرغم من أنه لم يصدر عني أني قد حضرت إلى الكلية ~~متأخرا على الإطلاق خلال فترة دراستي، وقد أصبحت الآن ~~طالبا مجتهدا على وشك الحصول على الليسانس، ولدي خمسة ~~طلاب أو ستة، فقد قرر حبسي داخل جدران الكلية وعدم ~~الخروج منها حتى نهاية الفصل الدراسي. لم يكن لاستياء ~~داروين حدود، ولم يتسبب تعسف العميد وظلمه في إثارة ~~مشاعر الغضب لدى أصدقائي فحسب، بل كان موضوع احتجاج عدد ~~من الأعضاء البارزين في الجامعة. # يبدو أن والدي لم يكن يواجه صعوبة في التعامل مع جميع ~~الأشخاص الذين تعاقبوا على رئاسة كلية كرايست التي أعادت تأسيسها ~~الليدي مارجريت. وقد كان انطباع المعاصرين لوالدي عن كلية كرايست ~~في أيامهم، هو أنها كانت كلية لطيفة وهادئة نسبيا، ويسود فيها ~~ميل إلى «الاهتمام بالخيول»؛ فقد اعتاد الكثير من الطلاب ~~الذهاب ms152 إلى نيوماركت خلال السباقات، بالرغم من أن المراهنة لم ~~تكن من الممارسات المعتادة. ولم يكن كبير المعلمين السيد شو، ~~يثبطهم عن ذلك على الإطلاق؛ فعادة ما كان هو نفسه يرى حاضرا في ~~هذه المناسبات. وقد كان بهذه الكلية نسبة مرتفعة بعض الشيء بين ~~الطلاب العاميين الذين يدفعون نفقات تعليمهم؛ فقد كانوا ثمانية ~~أو تسعة، والطلاب الذين يتقاضون إعانة؛ فقد كانوا ستين أو سبعين، ~~مما يعني أنها كانت كلية غير مناسبة للرجال الذين يملكون المال ~~ولا يفضلون الالتزام الصارم بالنظام. # وتوضح الطريقة التي كانت تقام بها الشعائر في الكنيسة، أن ~~العميد على الأقل، لم يكن مفرط الحماس؛ فقد سمعت أبي وهو يحكي كيف ~~أن العميد كان يقرأ في شعائر المساء بالكنيسة آيات بديلة من سفر ~~المزامير، دون أن يتظاهر حتى بانتظار الحشد لكي يحظوا بفرصتهم في ~~ترديدها . وإذا طال الوقت المخصص لقراءة الإنجيل، فإنه كان ينهض ~~ويبدأ في قراءة سفر نشيد الأنشاد بعد أن يكون الطالب قد قرأ خمس ~~عشرة أو عشرين آية. # ومن اللافت للنظر أن أبي غالبا ما كان يتحدث عن حياته في ~~كامبريدج كما لو أنها كانت مضيعة للوقت، ناسيا أنه، بالرغم من ~~أن معظم الدراسات المقررة كانت عقيمة بالنسبة له، قد حظي بالقدر ~~الأكبر من أفضل مزايا الحياة الجامعية؛ من التواصل مع الآخرين، ~~وكذلك فرصة أن ينمو ذهنه ويتطور بقوة. والواقع أنه كان يكن ~~عظيم التقدير للمزايا التي اكتسبها من معرفته بالبروفيسور هنزلو ~~وآخرين غيره، لكنه على ما يبدو كان يرى ذلك على أنه إحدى نتائج ~~وجوده في كامبريدج التي كانت وليدة الصدفة، لا مزية يمكن أن ينسب ~~الفضل فيها إلى كليته. وكان من أصدقاء والدي في كامبريدج، الراحل ~~السيد جيه إم هربرت، وهو قاض بمحكمة المقاطعة في جنوب ويلز، وقد ~~أسعدني الحظ بأن حصلت منه على بعض الملاحظات التي تساعدنا على ~~تكوين فكرة عن مدى إبهار أبي لمعاصريه؛ فقد كتب السيد هربرت ~~يقول: «أعتقد أنني قابلت داروين لأول مرة في ربيع عام 1828، إما ~~في غرفة ابن ms153 عمي ويتلي في سان جون أو في غرفة شخص آخر من زملاء ~~دراسته القدامى في شروزبيري، وهم الذين كانت تجمعني بمعظمهم ~~أواصر صداقة متينة. لكن من المؤكد أنه في صيف هذا العام قد ~~توطدت علاقتنا إلى حد الحميمية، وذلك حين تصادف أن كنا معا ~~في باراموث نقضي العطلة الصيفية في القراءة مع معلمينا ~~الخصوصيين: هو مع معلمه الخاص للرياضيات والأعمال الكلاسيكية؛ ~~باترتون من سان جون، وأنا مع ييت من سان جون.» # لقد انتهى التفاعل بينهما بصورة عملية في عام 1831، حين ودع ~~أبي هربرت في كامبريدج، وذلك حين انطلق في رحلة «البيجل.» وقد ~~التقيت بالسيد هربرت ذات مرة وكان رجلا عجوزا حينذاك، ولقد ~~أدهشني الدفء الواضح والمودة الصافية التي تذكر بها أبي. وتنتهي ~~الملاحظات التي استشهدت بها بهذا الثناء الكريم: «لن يكون من ~~المجدي أن أتحدث عن قدراته الفكرية الهائلة ... غير أنني لا أستطيع ~~أن أنهي هذا الوصف السريع والمتشعب دون أن أدلي بشهادتي، وأنا لا ~~أشك بأن جميع زملائه من الكلية الذين لا يزالون على قيد الحياة ~~سيتفقون معي أنه كان أصدق الأصدقاء، وأطيبهم قلبا، وأكرمهم، ~~وأكثرهم مودة، وأنه كان يؤيد كل ما هو خير وحقيقي، وأنه كان ~~يمقت كل ما هو زائف أو دنيء أو قاس أو شرير أو غير شريف. إنه ~~لم يكن عظيما فحسب، بل كان خيرا دون نزاع، وكان عادلا ~~ومحبوبا.» # وتوجد قصتان سردهما السيد هربرت توضحان أن مشاعر أبي تجاه ~~المعاناة، سواء كانت معاناة إنسان أو حيوان، قوية للغاية وبالدرجة ~~نفسها منذ شبابه وحتى أيامه الأخيرة، وأولاهما كالتالي: «قبل أن ~~يغادر كامبريدج، أخبرني بأنه قد قرر ألا يمارس الصيد بعد الآن؛ إذ ~~إنه قد قضى يومين في الصيد في ضيعة صديقه السيد أوين في وودهاوس، ~~وفي اليوم التالي، بينما كانا يمران بجانب من الأرض التي اصطادا ~~عليها في اليوم السابق، وجد طائرا لم يمت، بل كان يعاني من طلقة ~~قد أصابته في اليوم السابق. وقد ترك ذلك انطباعا أليما للغاية في ~~ذهنه، حتى إنه لم ms154 يستطع التصالح مع ضميره بشأن استمراره في أن ~~يستمد المتعة من هذه الرياضة التي تخلف مثل هذه المعاناة ~~القاسية.» # ولكي ندرك قوة هذا الشعور الذي أدى إلى هذا القرار، يجب أن نتذكر ~~مدى شغف أبي وحبه لهذه الرياضة، وأن نتذكره وهو صبي وقد صاد أول ~~طائر شنقب له، # 2 # وكانت يداه ترتعشان من فرط الإثارة حتى إنه تمكن ~~بالكاد من إعادة تعبئة بندقيته. أو يمكننا أن نفكر في جملة مثل ~~«بروحي إن هي إلا مدة أسبوعين حتى بداية موسم الصيد، وإن كانت ~~هناك من نعمة على الأرض، فهي الصيد.» (وهي التي قد كتبها أبي في ~~خطاب إلى دابليو دي فوكس). # وأما القصة الأخرى التي يرويها السيد هربرت، فهي توضح أيضا ~~رقة قلبه: # حين كنت أنا وهو في بارماوث، ذهبنا إلى عرض ل «الكلاب ~~المدربة». وفي خضم هذا العرض الترفيهي، عجز كلب عن تنفيذ ~~الخدعة التي أمره صاحبه بتنفيذها. وحين وبخه الرجل، أبدى ~~الكلب تعبيرا مثيرا للشفقة كما لو كان خائفا من ضربه ~~بالسوط. وحين رآه داروين، طلب مني أن أغادر معه قائلا: ~~«هيا بنا، لا أستطيع أن أتحمل هذا أكثر من ذلك؛ لا بد ~~أنهم يبرحون هذه الكلاب المسكينة ضربا.» # ومن اللافت للنظر أن هذا الشعور نفسه قد راود أبي بعد مرور هذه ~~الحادثة بخمسين عاما حين رأى عرضا للكلاب في المتحف المائي في ~~ويستمينستر، وفي هذه المرة، كان المدير قد أكد له أن الكلاب قد ~~تدربت بالإثابة أكثر من العقاب. ويستطرد السيد هربرت في ~~ملاحظاته قائلا: «لقد كان يحرك لدى المرء أعمق المشاعر، حين ~~يتحدث عن أهوال تجارة العبيد مهاجما ومستنكرا، أو يتحدث عن مظاهر ~~القسوة التي يتعرض لها البولنديون في وارسو ... هذه الأمور وغيرها من ~~الأدلة قد تركت في ذهني اقتناعا بأنه لم يعش من قبله إنسان ~~أكثر منه رقة وعطفا على الإنسانية.» # ويتفق أصدقاؤه القدامى من الكلية في الحديث بعاطفة دافئة عن ~~طبيعته الودودة الكريمة وهو شاب. وبناء على ما تمكنوا من إخباري ~~به، فقد تشكل لدي ms155 انطباع عن شاب يفيض بالحيوية، ويعيش حياة ~~صحية متنوعة المشارب، لا حياة ليس فيها إلا العمل الدءوب في ~~الدراسات المقررة في الكلية، بل هي مليئة بالاهتمامات الأخرى، التي ~~كانت تمارس بحماس مبهج. الاهتمام بالحشرات وركوب الخيل والصيد ~~في المستنقعات ومناسبات العشاء ولعب الورق وموسيقى كنيسة كينجز ~~كوليدج والصور المنقوشة في متحف فيتسويليام وجولاته مع البروفيسور ~~هنزلو؛ كل هذه الأمور قد اجتمعت معا لتملأ حياته بالسعادة. ويبدو ~~أنه كان ينقل حماسه للآخرين؛ إذ يحكي السيد هربرت كيف أنه خلال هذا ~~الصيف الذي قضياه في بارماوث، قد انضم بصفة مؤقتة إلى خدمة ~~«العلم»، وهو ما كان يعني به أبي جمع الخنافس. كانا يقومان ~~بجولاتهما اليومية معا بين التلال الواقعة خلف بارماوث، أو ~~يتنقلان بالقارب عند مصب نهر ماوذاك، أو يبحران إلى سارن بادريج ~~ليرسوا هناك في المياه الضحلة، أو يذهبان لصيد الذباب في بحيرات ~~كورس-واي-جيدول. «في هذه المناسبات، كان داروين يمارس اهتماما ~~بالحشرات بدأب شديد، فلا يبرح يلتقط العديد من الكائنات في أثناء ~~سيره، ويضع في حقيبته جميع الأشياء التي يبدو أنها تستحق الاهتمام ~~بها، أو المزيد من الفحص. وبعد فترة قصيرة، زودني بزجاجة من ~~الكحول، والتي كان علي أن أضع بها أي خنفساء يبدو لي أنها من ~~نوع غير معتاد. وقد أديت هذه المهمة ببعض الاجتهاد في جولاتي ~~التي كنت أقوم بها سيرا على الأقدام، لكن للأسف نادرا ما كانت ~~قدرتي على التمييز تمكنني من الحصول على مكافأة؛ فقد كانت النتيجة ~~المعتادة حين يفحص محتويات زجاجتي، هي التعجب قائلا: «حسنا يا تشيربيري العجوز» [مشيرا بالطبع إلى هربرت لورد تشيربيري] (وهو ~~اللقب الذي منحني إياه وكان يخاطبني به في العادة) ويضيف: «لن ~~ينفعني شيء من كل هذا.»» ومرة أخرى، يقول الكاهن تي باتلر، الذي ~~كان أحد أعضاء نادي القراءة ببارماوث في عام 1828: «لقد نقل إلي ~~الاهتمام بعلم النبات، الذي قد لازمني طوال حياتي.» # أما رئيس الشمامسة واتكينز، وهو صديق آخر من أصدقاء والدي ~~القدامى من الكلية، فيتذكر والدي وهو يفتش عن الخنافس ms156 في أشجار ~~الصفصاف بين كامبريدج وجرانتشيستر، ويتحدث عن خنفساء معينة يتذكر ~~أن اسمها هو «خنفساء الصليب» [خنفساء الصليب الأرضية]. لا بد ~~أن أبي كان قد ابتهج بحماس شديد بشأن هذه الخنفساء لدرجة أن ~~ينطبع اسمها في ذهن صاحبه فيتذكره بعد نصف قرن! ويستطرد واتكينز ~~قائلا: «لا أنسى المحادثات الطويلة الشائقة التي دارت بيننا عن ~~المناظر الطبيعية والنباتات الاستوائية بجميع أنواعها في البرازيل. ~~وكذلك لا أنسى كيف أنه كان يحك ذقنه بحدة حين كان يتحمس بشأن هذه ~~المواضيع، وكان يتحدث بفصاحة عن النباتات المتسلقة الخشبية ~~والسحلبيات وغير ذلك.» # توطدت علاقته بهنزلو، البروفيسور في علم النبات، ومن خلاله، ~~توطدت علاقته بغيره من الأعضاء الأقدم في الجامعة. وفي هذا الشأن، ~~يكتب السيد هربرت قائلا: «بالرغم من ذلك، فقد حافظ على علاقته ~~المتينة بأصدقائه الذين هم في نفس مكانته ، وفي تجمعاتنا المتكررة ~~على الإفطار أو حفلات النبيذ أو العشاء، كان دائما من أكثر ~~الحاضرين ابتهاجا وأكثرهم ألفة وترحيبا.» # لقد شكل والدي ناديا للعشاء مرة في الأسبوع، وكان يسمى نادي ~~جورميه (لكن يذكر السيد هربرت أن اسمه كان نادي «جلوتون»). وقد كان ~~أعضاؤه بخلاف والدي والسيد هربرت (الذي أقتبس منه ذلك) هم: ويتلي ~~من كلية سان جون، الذي أصبح الآن يشغل منصب الكاهن الفخري في درم ~~(والذي كان سابقا أستاذ الفلسفة الطبيعية المساعد في جامعة درم)؛ ~~وهيفيسايد من سيدني، وهو الآن كاهن نوريتش؛ ولوفيت كاميرون من كلية ~~ترينيتي، وهو الآن قس شورهام؛ وبلين من كلية ترينيتي، والذي شغل ~~منصبا كبيرا خلال حرب القرم؛ وإتش لو (وهو الآن شيربروك) - وهو ~~أخو لورد شيربروك - من كلية ترينيتي هول؛ وواتكينز من كلية ~~إيمانويل، وهو الآن رئيس شمامسة يورك. ويبدو أن أصل تسمية النادي ~~محاط بالغموض؛ إذ يقول السيد هربرت إنه قد اختير للسخرية من ~~«مجموعة أخرى من الرجال الذين أطلقوا على أنفسهم اسما يونانيا ~~طويلا يدل على «ولعهم بالفاخر من الطعام»، غير أنهم قد كذبوا ~~ادعاءهم لمثل هذه التسمية، وذلك من خلال عادتهم الأسبوعية بتناول ~~العشاء في نزل ms157 على جانب الطريق على بعد ستة أميال من كامبريدج، ~~فيتناولون قطعا من لحم الضأن، أو الفاصولياء مع اللحم المقدد.» ~~ويخبرني عضو آخر من أعضاء النادي أن اسم النادي قد ظهر لأن ~~أعضاءه كانوا يميلون إلى تجربة «الطيور والحيوانات التي لم تكن ~~معروفة من قبل للذوق الإنساني.» وهو يقول إنهم قد جربوا الباز ~~والواق، لكن حماسهم قد تلاشى بعد أن جربوا بومة بنية عجوز، ~~«وهي التي كان يتعذر وصف طعمها.» على أي حال، يبدو أن التجمعات ~~كانت ناجحة وأنها كانت تنتهي ب «لعبة خفيفة من ألعاب الورق: لعبة ~~الواحد والعشرين.» # ويقدم السيد هربرت سردا ممتعا للاختبارات الموسيقية التي ~~وصفها أبي في «ذكريات»، وهو يؤكد حب أبي للموسيقى ويضيف: «إن ~~ما كان يمنحه القدر الأكبر من البهجة، هو الاستماع إلى سيمفونية ~~أو افتتاحية عظيمة لموزارت أو بيتهوفن ، والاستمتاع بما فيها من ~~تناغم.» وفي إحدى المناسبات، يتذكر هربرت: «مرافقته إلى شعائر ما ~~بعد الظهيرة في كنيسة كينجز كوليدج، وحينها سمعنا ترنيمة جميلة ~~للغاية. وفي نهاية أحد الأجزاء، وهو الذي كان مدهشا للغاية، ~~استدار إلي قائلا وهو يتنهد تنهيدة عميقة: «كيف حال ظهرك؟»» ~~لقد كان يتحدث كثيرا عن شعوره بالبرد أو القشعريرة في ظهره عند ~~سماع موسيقى جميلة. # وإضافة إلى حبه للموسيقى، فقد كان يكن بالطبع في ذلك الوقت ~~حبا للآداب الرفيعة. ويخبرني السيد كاميرون أنه قد اعتاد أن ~~يقرأ لوالدي أعمال شكسبير في غرفته في كلية كرايست، وكان أبي ~~يستمتع بذلك كثيرا. وهو يتحدث أيضا عن «حبه الكبير للصور ~~المنقوشة الرفيعة المستوى، لا سيما أعمال رافاييل مورجين ومولر، ~~وكان يقضي الساعات في متحف فيتسويليام مستعرضا للمطبوعات في هذه ~~المجموعة.» # وتوضح خطابات والدي إلى فوكس مدى شعوره العظيم بالقلق عند ~~المذاكرة لأحد الاختبارات: «إنني أجتهد كثيرا في المذاكرة، لكنني ~~لا أرغب في عمل أي شيء. والواقع أنني لم أفحص خنفساء واحدة في ~~هذا الفصل الدراسي.» ولا بد أن يأسه من الرياضيات كان عميقا، ~~وذلك حين عبر عن أمله أن يكون صمت فوكس راجعا إلى ms158 «انغماسك ~~الشديد في سبر أغوار الرياضيات، وإذا كان الأمر كذلك، فليكن الله ~~في عونك؛ فأنا أيضا على هذه الحال، مع اختلاف وحيد وهو أنني عالق ~~بوحل القاع، وسوف أظل هناك.» ويقول السيد هربرت: «أعتقد أنه لم يكن ~~يميل بطبيعته إلى الرياضيات، وأنه قد توقف عن دراسة الرياضيات ~~قبل أن يتقن الجزء الأول من الجبر؛ إذ كانت لديه خصومة كبيرة مع ~~الجذور الصماء ونظرية ذات الحدين.» # ولدينا بعض الأدلة من خطابات والدي إلى فوكس التي توضح نية ~~أبي في أن يصبح كاهنا؛ فهو يكتب في 18 مارس 1829: «إنني سعيد لأنك ~~تقرأ في اللاهوت، وأود أن أعرف الكتب التي تقرؤها، وآراءك فيها، ~~وعليك ألا تخشى من أن تبدأ في وعظي قبل الأوان.» ويوضح وصف ~~السيد هربرت أن أبي كانت تساوره الشكوك بشأن إمكانية أن يصبح ~~كاهنا؛ فهو يكتب : «لقد خضنا محادثة جادة بشأن دراسة الكهنوت، وأنا ~~أتذكر أنه سألني بخصوص السؤال الذي طرحه الأسقف في احتفال الترسيم: ~~«هل تثقون بأن الذي يحرككم من الداخل هو الروح القدس، وما إلى ~~ذلك؟» وعما إذا كان يمكنني الإجابة بالإثبات أم لا. وحين أجبت ~~بأنني لا أستطيع ذلك، قال لي: «ولا أنا أيضا يمكنني ذلك؛ ومن ~~ثم لا يمكنني أن أصبح كاهنا».» ويبدو أن هذه المحادثة قد ~~وقعت عام 1829، وإن كان ذلك صحيحا، فلا بد أن هذه الشكوك قد ~~هدأت بعد ذلك؛ ففي مايو عام 1830، كان يتحدث عن تفكيره في دراسة ~~اللاهوت مع هنزلو. # إن العدد الأكبر من الخطابات التالية موجه من أبي إلى ابن عمه، ~~ويليام داروين فوكس. ويوضح تسلسل النسب الوارد في الفصل الأول، ~~علاقة السيد فوكس بوالدي. ويبدو أن درجة القرابة قد ظلت تمثل ~~مشكلة بالنسبة لوالدي؛ فهو يوقع في أحد الخطابات بالتوقيع «ابن ~~العم/ن2.» والواقع أن الصداقة التي جمعت بينهما كانت تعود إلى ~~كونهما طالبين معا. وتدل خطابات والدي على مدى صدق مشاعر الصداقة ~~التي جمعت بينهما. وفي السنوات اللاحقة، حالت بينهما المسافة، ~~والأسرة الكبيرة، واعتلال الصحة، لكن مشاعر الصداقة الدافئة قد ms159 ~~ظلت بينهما. لم تتوقف بينهما المراسلات أبدا، بل استمرت حتى وفاة ~~السيد فوكس عام 1880. رسم السيد فوكس كاهنا، وعمل رجل دين ~~في الريف، إلى أن أجبره المرض على مغادرة مسكنه في غابة ديلامير ~~فوريست. وقد ظل حبه للتاريخ الطبيعي قويا، وأصبح مربيا ماهرا ~~للعديد من أنواع الطيور وغيرها. ويوضح فهرس «تباين الحيوانات ~~والنباتات تحت تأثير التدجين» وكذلك مراسلات أبي المتأخرة، مقدار ~~ما تلقاه من صديقه القديم من الكلية، من مساعدات ~~كثيرة.] # من تشارلز داروين إلى جيه إم هربرت # مساء السبت ~~[14 سبتمبر 1828] # عزيزي الغالي تشيربيري # إنني على وشك الوفاء بوعدي بالكتابة إليك، لكن يؤسفني أن ~~أضيف أنه يوجد دافع أناني للغاية وراء ذلك. سوف أطلب ~~منك أن تسدي إلي معروفا عظيما، ولا يمكنك أن تتخيل ~~مقدار ما ستتفضل به علي بتوفير المزيد من عينات بعض ~~الحشرات التي يمكنني أن أقول إنني أستطيع وصفها. في ~~البداية، يجب أن أخبرك بأنني قد حصلت على بعض من أندر ~~الحشرات البريطانية، ووجودها بالقرب من بارماوث هو حقيقة ~~لا يعرفها علماء الحشرات؛ أعتقد أن علي أن أكتب بذلك ~~إلى بعض علماء الحشرات المتميزين. # والآن لنعد إلى المهمة المطلوبة منك. مطلوب منك ~~«الكثير» من العينات الإضافية إذا كان بإمكانك أن ~~توفرها لي دون الكثير من العناء، وهي للحشرات التالية: ~~الخنفساء ذات اللونين الأسود والبنفسجي، وهي توجد على ~~كريج ستورم [وهي قمة التل الذي يقع خلف بارماوث مباشرة، ~~والكلمة كلمة إنجليزية ويلزية هجينة] وتحت الصخور، يوجد ~~أيضا خنفساء كبيرة ملساء لونها أسود تشبهها كثيرا؛ ~~وأيضا خنفساء الجعران بلونها المعدني المائل للزرقة، وهي ~~منتشرة «جدا» على جوانب التل. وإذا كان «بإمكانك» أن ~~تتكرم بركوب المعدية والعبور بها، فسوف تجد تحت الصخور ~~الموجودة على الأرض البور عددا كبيرا من الخنافس الطويلة ~~الملساء شديدة السواد (أريد الكثير من هذه الخنافس)، وفي ~~الظروف نفسها أيضا، توجد حشرة صغيرة جدا وردية اللون ~~وبها بقع سوداء، ولها صدر منحن يبرز تحت الرأس. وعلى ~~الأرض السبخة أمام المعدية، وبالقرب من البحر، وتحت ~~الأعشاب البحرية ms160 القديمة والصخور وما إلى ذلك، ستجد ~~خنفساء صغيرة شفافة يميل لونها إلى الصفرة، وعلى ظهرها ~~علامتان أو أربع باللون الأسود. وتحت هذه الصخور، يوجد ~~نوعان؛ أحدهما أكثر دكانة من الآخر، والنوع الذي أريده هو ~~النوع فاتح اللون. إن هذين النوعين الأخيرين من ~~الحشرات، «غاية في الندرة»، وإنك لتتكرم علي «للغاية» ~~بحسن صنيعك هذا وتكبدك هذا العناء قريبا للغاية. أبلغ ~~أرق تحياتي إلى باتلر وأخبره بنجاحي، ويمكنني أن أقول ~~إنكما ستميزان هذه الحشرات بسهولة. أتمنى أن تكون يساريعه ~~بخير، وأعتقد أن العديد من الخادرات تستحق الاحتفاظ بها. ~~إنني لأخجل حقا من كتابة مثل هذا الخطاب الطويل عن ~~أموري فحسب، لكنني أرجو أن ترد الخبيث بالطيب، وأن ترسل ~~لي خطابا طويلا تخبرني فيه بجميع شئونك. # في الأسبوع الأول، اصطدت خمسة وسبعين طائرا، وهو عدد ~~ضئيل للغاية، لكنه لا يوجد سوى عدد قليل جدا من ~~الطيور. بالرغم من ذلك، فقد قتلت زوجا من الطهيوج ~~الأسود. ومنذ ذلك الحين، وأنا أقيم في منزل فوكس بالقرب ~~من ديربي، وهو منزل لطيف للغاية، وقد سار الاجتماع ~~الموسيقي على نحو جيد جدا. أريد أن أعرف ما إن كان ييتس ~~قد أحب بندقيته، أم لا، وكذلك فيم استخدمها. # إن لم تكن الزجاجة كبيرة بالدرجة الكافية، فيمكنك أن ~~تبتاع لي غيرها. ويمكنك أن تترك هذه الكنوز حين تمر ~~بشروزبيري. وأتمنى أن تمكث معي يوما أو يومين، إن كان ~~هذا بإمكانك؛ فأنا أتمنى ألا أحتاج إلى أن أخبرك بمدى ~~السعادة التي سأشعر بها عند رؤيتك مجددا. لقد علق ~~فوكس بأنه لا بد أن أصدقائي في بارماوث يتمتعون بالكريم ~~من الطباع، وإن لم أكن أعرف هذا فيك أنت وباتلر، لما فكرت ~~في أن أطلب منكما بذل هذا العناء. # خالص مودتي إليك يا عزيزي هربرت # صديقك المخلص # تشارلز داروين # أبلغ تحياتي إلى جميع الأصدقاء. ~~[في يناير التالي، نجده يتطلع بكل سرور إلى بداية عام جديد من ~~حياته في كامبريدج؛ فهو يكتب إلى فوكس ما يلي: # لقد انتظرت حتى اليوم حتى تتسنى لي ms161 الفرصة في كتابة ~~خطاب، لكني لن أنتظر أكثر من ذلك. أهنئك بصدق وإخلاص ~~على الانتهاء من جميع مهامك. أعتقد أنك قد نلت مكانة ~~«جيدة للغاية»، بالنظر لما حققته من التفوق على العديد من ~~الرجال الذين بدءوا معك في الدراسة. أتمنى حقا لو أنني ~~كنت الآن في كامبريدج (بالرغم من أنها أمنية أنانية ~~للغاية؛ إذ إنني لم أكن حاضرا معك في متاعبك وبؤسك) لأكون ~~حاضرا في كل هذا النجاح والسعادة، وهو ما لم يتأت إلا ~~بعد ما مضى من مصاعب. يا لحديثنا وجولاتنا وعملنا في مجال ~~علم الحشرات! يجب أن تكون سافو هي أفضل الكلبات، وداش هو ~~أفضل الكلاب، ثم «ليحل السلام على الأرض، والخير على ~~البشر»، وأنا أعتقد بالمناسبة أن ذلك هو أفضل ما يمكن أن ~~تجود به الكلمات في وصف السعادة.] # من تشارلز داروين إلى دابليو دي فوكس # كامبريدج، الخميس [26 فبراير ~~1829] # عزيزي فوكس # حين وصلت هنا يوم الثلاثاء، اكتشفت ببالغ الأسى ~~والدهشة، خطابا على الطاولة كنت قد كتبته إليك قبل ~~أسبوعين، ولم يكلف الحاجب الغبي نفسه عناء إرساله. أظن ~~أنك ما برحت تحسبني جاحدا دنيئا، لكنني على يقين بأنك ~~ستشفق علي الآن؛ إذ لا شيء أكثر كدرا من كتابة أحد ~~الخطابات سدى. # في الخميس الماضي، غادرت شروزبيري متوجها إلى لندن، ~~ومكثت هناك حتى يوم الثلاثاء، والذي جئت فيه إلى هنا عبر ~~عربة بريد «ذا تايمز». قضيت أول يومين بأكملهما مع ~~السيد هوب [مؤسس كرسي أستاذية هوب في علم الحيوان في ~~أكسفورد]، وقد قضينا جل وقتنا في التحدث عن الحشرات ~~ومراقبتها. إن مجموعته رائعة للغاية، وهو أكرم عالم ~~حشرات على الإطلاق؛ فقد أعطاني نحو 160 نوعا جديدا، ~~والحقيقة أنه غالبا ما كان يرغب في إعطائي أندر الحشرات، ~~والتي لم يكن لديه منها سوى عينتين. إن حديثه إلي ~~لطيف للغاية، وهو يتمنى أن تزوره معي ذات مرة، متى كنا في ~~لندن. وهو يثني على أعمالنا في علم الحشرات ثناء عظيما، ~~ويقول إننا قد حظينا بعدد مدهش من الحشرات الجيدة. وأما ms162 ~~يوم الأحد، فقد قضيته مع هولاند الذي أعارني حصانا لكي ~~أركبه معه في الحديقة. # في مساء يوم الاثنين، تناولت الشاي مع ستيفنز [جيه إف ~~ستيفنز، مؤلف كتاب «دليل الخنافس البريطانية»، 1839، وغيره ~~من الأعمال.] إن خزانته أكثر روعة مما يمكن أن يحلم به ~~أكثر علماء الحشرات حماسة، وقد كان رجلا قصيرا لطيفا ~~ومرحا. وخلال إقامتي في المدينة، زرت المعهد الملكي ~~والجمعية اللينية والحدائق الحيوانية وغيرها العديد من ~~الأماكن التي يجتمع فيها علماء التاريخ الطبيعي. لو أنك ~~كنت معي، لكنت رأيت لندن مكانا أكثر بهجة، وبالرغم من كل ~~شيء، فقد وجدتها ألطف مما كنت أحسب أن هذه البقعة ~~الموحشة من المنازل ستكون عليه. # بينما كنت في شروزبيري، تمكنت من صيد واحدة من البط ~~الغواص (بلقشة أنثى، كما أحسب أنك تعرف.) لقد حنطها شو، ~~وحين تسنح الفرصة، سوف أرسلها إلى أوزموستون. وقد اصطدنا ~~أيضا خمسة من طيور الواكسوينج البوهيمية، وقد عرض شو ~~ثلاثة منها للبيع؛ فهل سترغب في شراء واحدة منها؟ إنني لم ~~أشكرك بعد على خطابك الأخير الطويل والممتع للغاية، غير ~~أنه كان سيصبح أمتع كثيرا لو أنه كان يتضمن خبرا مبهجا ~~بمجيئك إلى هنا. إن المرتين اللتين تناولت فيهما ~~إفطاري بمفردي، قد جعلتاني أدرك بالفعل كم أنني سأفتقدك ~~للغاية. ~~... # صديقي الغالي فوكس # إليك صادق مودتي # صديقك المخلص # سي داروين ~~[وفي وقت لاحق في الفصل الدراسي الشتوي، يكتب إلى فوكس قائلا: # إنني أحيا حياة يومية هادئة؛ أقرأ قليلا في كتاب ~~التاريخ الشهير الخاص بجيبون صباحا، وأقرأ قدرا كبيرا ~~لفان جون في المساء، وأحيانا أقوم بجولة مع سيمكاكس، إلى ~~جانب جولتي المنتظمة مع ويتلي، وتلك هي جميع الأعمال التي ~~أقوم بها عادة في هذه الأيام. ألتقي كثيرا بهربرت ~~وويتلي، وكلما زاد لقائي بهما، ازداد كل يوم ما أكنه ~~من احترام لسجاياهما الكريمة وقدرتهما الممتازة على فهم ~~الأمور. وقد أقاما حفلتين مبهجتين للغاية؛ وقد حضر ما ~~يقرب من ستين رجلا في كلتا الليلتين.] # من تشارلز داروين إلى دابليو دي فوكس # كلية كرايست [كامبريدج] 1 ms163 أبريل ~~[1829] # عزيزي فوكس # لقد ذكرت في خطابك إلى هولدن أنك سررت إذ لاحظت ~~«أنه من بين جميع الأنذال الذين عرفتهم، كنت أنا أكثرهم ~~نذالة.» لن أبدي أي تعليق على هذه الملاحظة، غير أنني ~~أثني عليك كثيرا في التصرف بناء عليها بدقة شديدة. ~~والآن أود أن أعرف كيف تكون بأي حال أقل مني نذالة؟ ~~أنت أيها العجوز البائس الكسول، لم لم تجب على خطابي ~~الأخير، وأنا على يقين من أنني قد أرسلته إلى كليفتون ~~قبل ما يقرب من ثلاثة أسابيع؟ لو لم أكن متلهفا بالفعل ~~على معرفة ما تفعله، لكنت قد سمحت لك بأن تظل صامتا ~~حتى ترى أنه قد حان الوقت لكي تتعامل معي كرجل محترم. ~~والآن بعد أن نفست عن غضبي في تقريعك، وأخبرتك ما يجب ~~عليك أن تعرفه، وأخبرتك بمدى رغبتي وتلهفي على معرفة ~~أحوالك أنت وأسرتك في كليفتون، يكون الهدف من هذا الخطاب ~~قد انتهى. ولو أنك فقط تعرف كم أفكر فيك، وكم آسف على ~~غيابك، لكنت قد أرسلت لي منذ فترة طويلة، وأنا على ~~يقين من ذلك. # إنني أجد الأجواء في كامبريدج تتسم بالسخافة، ولأنني لا ~~أعرف هنا تقريبا أي أحد يمكن أن يتجول معي، إضافة إلى ~~حالة شفتي المريضتين، فقد أدى بي ذلك إلى الدخول ~~في حالة من البيات الشتوي ... لقد اكتشفت أن السيد هاربور ~~قد ترك ... يحظى بالمجموعة الأولى من الخنافس؛ ومن ثم فقد ~~حظينا بوداعنا الأخير، وقد تمثل دوري في هذا المشهد ~~المؤثر في إخباره بأنه كان وغدا وضيعا، والإشارة إلى ~~أنني سأركله على الدرج إن رأيته في غرفتي ثانية، ويبدو ~~أن الرجل قد فوجئ بذلك تماما. ليس لدي أخبار أحكيها ~~لك؛ فلا شك في أنه حين تنقطع الخطابات لفترة كما انقطعت ~~بيننا، يكون من الصعب القيام بالخطوة الأولى مجددا. في ~~الليلة الماضية، نشب حريق فظيع في لينتون، على مسافة ~~أحد عشر ميلا من كامبريدج. وحين رأينا انعكاس الحريق ~~واضحا بقوة في السماء، قررنا أنا وهول ووودير وتيرنر أن ~~نذهب لنراها. انطلقنا في ms164 الساعة التاسعة والنصف، وركبنا ~~إلى هناك وكأننا شياطين متجسدة، ولم نعد حتى الثانية ~~صباحا. لقد كان منظرا مريعا تماما. ولا يمكنني أن ~~أنهي خطابي دون أن أخبرك أنه من بين جميع الأنذال الذين ~~قابلتهم، فإنك الأعظم والأفضل. # سي داروين # من تشارلز داروين إلى دابليو دي فوكس ~~[كامبريدج، الخميس، 23 أبريل، ~~1829] # عزيزي فوكس # لقد أجلت الرد على خطابك الأخير على مدى هذه الأيام ~~القليلة؛ فقد رأيت أن الكتابة إليك في ظل هذه الظروف ~~الحزينة، لن تسبب لك على الأرجح سوى المتاعب. في هذا ~~الصباح، تلقيت خطابا من كاثرين تخبرني فيه بهذا الحدث ~~[وفاة أخت فوكس، السيدة بريستو]، والذي كنت أتمنى لو أنك ~~تخبرني في خطابك بعدم صحته. إنني أكن لك ولعائلتك خالص ~~المشاعر الصادقة، وفي الوقت نفسه، فإنني على يقين أنك ~~ستعرف أين تبحث عن الدعم الذي يمكن للمرء أن يجده في ~~مبادئه الحسنة وفي الدين. وبعد هذه الطمأنينة النقية ~~والمقدسة التي يمنحنا الإنجيل إياها، فإنني على يقين ~~أيضا أن مشاعر التعاطف والمواساة التي يقدمها جميع ~~الأصدقاء تبدو بلا جدوى، بالرغم من أنها خالصة وصادقة؛ إذ ~~إنني أرجو أن تصدق أنني قادر على الشعور بها. وفي مثل ~~هذا الوقت العصيب، لن أقول أكثر من ذلك، فيما عدا أنني أثق ~~في أن أباك والسيدة فوكس سيتحملان هذه المحنة، بالقدر ~~الذي يمكن أن نأمله في مثل هذه الظروف. # يؤسفني يا عزيزي فوكس أننا لن نلتقي إلا بعد وقت طويل. ~~وإلى ذلك الحين، لك خالص مودتي على الدوام. # صديقك المخلص # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى دابليو دي فوكس # شروزبيري، الجمعة [4 يوليو، ~~1829] # عزيزي فوكس # لقد كان من المفترض أن أكتب لك قبل ذلك، غير أنني كنت ~~منهمكا للغاية في أثناء الرحلة الاستكشافية، وقد كانت ~~خاتمتها مؤسفة جدا، لدرجة أنني كنت تعيسا للغاية؛ ~~فقررت ألا أكتب لك حتى أحظى بالهدوء في المنزل هذا ~~الأسبوع. وأخيرا، قد منحني التفكير في ذهابي إلى وودهاوس ~~الأسبوع المقبل الشجاعة لكي أحكي عن قصتي المؤسفة. # لقد انطلقت من هذا ms165 المكان قبل أسبوعين تقريبا، لكي ~~أقوم مع السيد هوب برحلة استكشافية متعلقة بالحشرات، تمتد ~~عبر شمال ويلز بأكملها، وقد كانت بارماوث هي وجهتنا ~~الأولى. سارت الأمور معي في اليومين الأول والثاني على ما ~~يرام، وحصلت على العديد من الحشرات الجيدة، لكن على مدى ~~بقية الأسبوع، فجأة، ساءت فجأة حالة شفتي للغاية [غالبا ~~من الإكزيما التي كان كثيرا ما يعاني منها]، وقد اعتلت ~~صحتي أيضا حتى إنني لم أكن أقوى على الخروج من غرفتي، وفي ~~يوم الاثنين، رجعت مجددا إلى شروزبيري محملا بالحزن ~~والأسى. في اليومين الأول والثاني، حصلت على عدد من ~~الحشرات الجيدة ... لكن في الأيام التي لم أستطع الخروج ~~فيها، قام السيد هوب بالعديد من الأمور المذهلة ... واليوم، ~~تلقيت منه مجموعة أخرى من الحشرات، مثل خنافس الكوليمبيتس ~~وخنافس الكارابي # Carabi # وخنافس السالول # Elaters # الرائعة (نوعان من النوع القرمزي الفاقع). إنني على يقين ~~أنك ستتعاطف مع الموقف المؤسف الذي تعرضت له، وقد عزمت ~~على أن أغطي تلك الأرض التي غطاها هو قبل أن يأتي ~~الخريف، وإذا كان العمل الجاد سيساعد في الحصول على ~~الحشرات، فسوف أعود بمخزون عظيم. ~~... # مع تحياتي فوكس # صديقك المخلص # تشاز داروين # من تشارلز داروين إلى دابليو دي فوكس # شروزبيري، 18 يوليو 1829 # سوف أذهب الأسبوع القادم إلى مير لأقوم بجولتي المختصة ~~بعلم الحشرات، وسوف أقيم هناك أسبوعا، وبالنسبة إلى بقية ~~الصيف، فأنا أنوي أن أقضيه في الاستجمام والتجوال ... ربما ~~تدرك أن لي وضعك نفسه، مع اختلاف وحيد، وهو أنك تتخذ ~~قرارات جيدة، لكنك لا تلتزم بها أبدا، أما أنا، فأنا ~~لا أتخذها أبدا؛ لذا لا يمكنني الالتزام بها. إنه لمن ~~الجيد جدا أن أستمر في الكتابة على هذا النحو، غير أن ~~علي المذاكرة للاختبار التمهيدي. لقد ابتسم جراهام ~~وانحنى بأدب جم، حين كان يخبرني بأنه أحد الستة ~~المكلفين بجعل الاختبار أشد صعوبة، وأنهم عزموا على أن ~~يجعلوه مختلفا للغاية عن أي اختبار سابق؛ ولذلك كله، ~~فإنني أعتقد أنه ستكون هناك متاعب كبيرة لجميع الطلاب ~~المتكاسلين والمهتمين ms166 بعلم الحشرات. إننا ننتظر وصول ~~إيرازموس إلى البيت في غضون أسابيع قليلة. إنه يعتزم ~~قضاء الشتاء القادم في باريس. لا تنس أن تطلب قائمتي ~~الحشرات اللتين نشرهما ستيفنز: إحداهما طبعت على ~~الجانبين والأخرى على جانب واحد فقط؛ فسوف تجد أن لهما ~~نفعا كبيرا في العديد من الجوانب. # مع تحياتي عزيزي الغالي فوكس # المخلص لك # سي داروين # من تشارلز داروين إلى دابليو دي فوكس # كلية كرايست، الخميس [16 أكتوبر، ~~1829] # عزيزي فوكس # أخشى أن تكون غاضبا مني بشدة إذ لم أكتب لك خلال «ملتقى ~~الموسيقى»، لكنني كنت منشغلا للغاية بالفعل؛ فما كان ~~لدي وقت. لقد وصلت إلى هنا يوم الاثنين، ووجدت غرفتي في ~~حالة مريعة من الفوضى؛ إذ كانوا يجددون الأرضية، ولك أن ~~تحسب أنه كان لدي الكثير لأقوم به في هذين اليومين. ~~إن «ملتقى الموسيقى» [في بيرمينجهام] هو أعظم تجربة قد ~~خضتها، وأما عن ماليبران، فإن الكلمات لا تفي حقها ~~من الثناء؛ إنها أكثر من عرفتهم جاذبية على الإطلاق. لقد ~~حظينا بمقتطفات من عدد من أفضل الأوبرات، مع تمثيل بعض ~~الأدوار فيها، ولا يمكنك أن تتخيل مدى الروعة التي أضفاها ~~ذلك على الحفلات لتصبح أفضل من جميع ما رأيته على الإطلاق. ~~أدى جيه [جوزيبي] دي بيجنس دور «إيل فاناتيكو»، وحيث ~~إنه كان يرتدي زيا غير معتاد، فإن ذلك أضفي على تمثيله ~~تأثيرا أكبر. لقد ملأ المسرح بصيحات الضحك. لقد أعجبتني ~~مدام بلاسيس للغاية، لكن ماليبران تظل هي الأفضل: لقد غنت ~~بعض الأغنيات الكوميدية، ولا بد أن يكون قلب المرء قد ~~قد من حجر لئلا يهيم تماما بها. لقد نزلت في مكان ~~قريب للغاية من عائلة ويدجوود وأقمت معهم بنحو كلي، وقد ~~كان ذلك لطيفا، ولو أنك كنت هنا، لأصبح هذا مثاليا ~~تماما. لقد أرهقني ذلك بشدة، ولن أحاول أبدا بعد الآن أن ~~أقوم بأمرين في اليوم نفسه. ~~... # من تشارلز داروين إلى دابليو دي فوكس ~~[كامبريدج] الخميس [مارس ~~1830] # عزيزي فوكس # لقد نجحت في الاختبار التمهيدي! وأنا سعيد للغاية لدرجة ~~أن أتواضع بالاعتذار ms167 عن عدم الكتابة في وقت أبكر من ذلك، ~~لكنني أؤكد لك أنه قبل أن أدخل الامتحان وحين كانت أعصابي ~~في حالة مرتبكة وضعيفة، كان شخصك المزعج عادة ما يبرز ~~أمام عيني ويعنفني على كسلي. غير أنني قد نجحت؛ نجحت؛ ~~نجحت، ويمكنني أن أملأ الورقة كلها بكتابة هذه الكلمة ~~المبهجة. لقد ذهبت أمس، وعرفت هذه الأخبار السعيدة. لن ~~أعرف الصف الذي سأنضم إليه إلا بعد أسبوع. إن الاختبار ~~بأكمله يتم وفقا لنظام مختلف، ولذلك مزية كبيرة، وهي ~~أنه ينتهي في يوم واحد، غير أنهم يتسمون بالصرامة، ويسألون ~~عددا مهولا من الأسئلة. # والآن، فإنني أريد أن أعرف شيئا عن خططك. إنك تعتزم ~~بالطبع المجيء إلى هنا؛ كم أنا سعيد أننا سنحظى بالكثير من ~~المرح معا، ونمسك بالكثير من الخنافس، وسيسعدني كثيرا ~~أن نذهب معا مرة أخرى إلى بعض أوكارنا التي كنا نرتادها. ~~إن لدي طالبين واعدين في علم الحشرات ، وسوف نقوم ~~بجولات منتظمة إلى منطقة فينز. فلتحم السماء الخنافس ~~والسيد جينينز؛ إذ إننا لن نترك له زوجا واحدا في الريف ~~بأكمله. لقد تدهورت حالة خزانتي الجديدة، وذلك أمر غريب ~~بعض الشيء. # والآن في الوقت الحالي، أعتقد أن علي الذهاب إلى ~~المدينة لبضعة أيام، للاستماع إلى أوبرا ولقاء السيد هوب، ~~وأخي كذلك بالطبع، والذي يجب ألا يكون لدي مانع من ~~رؤيته. إذا ذهبت في وقت مبكر جدا، فيمكنك أن تأتي بعدي، ~~لكن إن أعددت خططك بنحو مؤكد؛ فسوف أرتب أموري وفقا لها؛ ~~لذا فلترسل لي الرد في الحال. وأنا أنوط بك أن تجعل الأمور ~~مواتية؛ أي أن تأتي مباشرة. لقد رسم هولدن وانطلق ~~مسافرا يوم الاثنين. لا أعتقد أنه بخير حال. وتشابمان ~~يريد مني ومنك أن نذهب لرؤيته حين تأتي، وهو يرسل إليك ~~خالص تحياته. يجب أن تعذرني على هذا الخطاب القصير؛ إذ لم ~~يعد لدي المزيد مما أخبرك به في خطاب هذا اليوم. أشتاق ~~إلى رؤيتك مجددا، وإلى لقاء قريب. # صديقي الغالي فوكس # صديقك المخلص # تشارلز داروين ~~[في أغسطس، كان في شمال ms168 ويلز وكتب إلى فوكس يقول: # لقد كنت أنوي أن أكتب لك كل ساعة في الأسبوعين ~~الماضيين، لكنني بالفعل لم يكن لدي أي وقت. لقد ~~غادرت شروزبيري في مثل هذا اليوم قبل أسبوعين، ومنذ ذلك ~~الوقت، وأنا أعمل من الصباح حتى المساء في صيد الأسماك أو ~~الخنافس. إن هذا اليوم بالفعل هو أول يوم راحة آخذه ~~لنفسي؛ فأنا، في الأيام الممطرة، أذهب لصيد الأسماك، وفي ~~الأيام الصحوة، أذهب لاصطياد الحشرات. ولعلك تذكر أنك في ~~الأسبوعين السابقين لكل هذا، قد طلبت مني ألا أكتب ~~لك؛ لذا فإنني أرجو أن أكون قد قدمت دفاعي لكوني لم أجب ~~على خطابيك الطويلين والممتعين للغاية في وقت أبكر من ~~ذلك.] # من تشارلز داروين إلى دابليو دي فوكس ~~[كامبريدج، 5 نوفمبر، ~~1830] # عزيزي فوكس # إن وقتي ضيق للغاية في الوقت الحاضر، ولكم يثير ~~اشمئزازي أن أقرأ أني لا أرغب في الكتابة لأي شخص. إنني لم ~~أكتب سوى مرة واحدة لأهلي منذ أن جئت إلى هنا. لا بد أن ~~ذلك يغفر لي عدم الرد على خطاباتك الثلاثة، والتي أنا لها ~~في غاية الامتنان ... # إنني لم أمسك بأي حشرة في هذا الفصل الدراسي، ولم أشرع ~~تقريبا في أي استقصاء. لو كان لدي وقت، لكنت قد ~~أرسلت إليك بالحشرات التي وعدتك بها منذ فترة طويلة، ~~لكنني بالفعل ليست لدي رغبة في القيام بأي شيء ولا ~~وقت لذلك. إن المذاكرة تصيبني بكثير من الإحباط؛ فتلك ~~اللعنة التي تتمثل في دراسة جميع موادي هي أمر لا ~~يحتمل. إن هنزلو هو معلمي، وهو معلم «بارع للغاية»، ~~والساعة التي أقضيها معه هي أفضل ساعة في اليوم على ~~الإطلاق، وأنا أعتقد أنه أكمل من عرفت من الرجال. لقد ~~ذهبت إلى بعض التجمعات اللطيفة في منزله في هذا الفصل ~~الدراسي. إن حسن طباعه لا يحده حدود. # أعرف أنك ستشعر بالأسف الشديد لعلمك أن والد ويتلي ~~العجوز المسكين قد مات. من الناحية الدنيوية، فإن ذلك ~~سيكون له عواقب عظيمة على حياته؛ فسوف يعوقه ذلك لبعض ~~الوقت عن الانضمام ms169 إلى جمعية الحقوق. (لا تنس الإجابة ~~عن التالي:) كم دفعت ثمنا للطوق الحديدي الذي طلبت صنعه ~~في شروزبيري؟ لأنني لا أريد أن أدفع المبلغ الذي طلبه ~~الرجل في كامبريدج كاملا. لا تشغل نفسك بشأن فطر الفالوس؛ ~~فقد ابتعت كلا النوعين. لقد سمعت من بعض الرجال أن ~~هنزلو له آراء دينية غريبة، لكنني لم أر من ذلك شيئا، ~~فماذا عنك؟ لقد سرني أن أسمع أنك، بعد كل هذا التأخير، قد ~~سمعت بأبرشية يمكنك أن تقرأ فيها جميع الوصايا دون أن ~~تؤذي حلقك. ولكم يسرني أيضا أن أسمع بأن والدتك تستمر ~~في التحسن بوتيرة ثابتة. إنني أثق بأنه لن يكون لديك ~~المزيد من الأسباب التي تدعو إلى الضيق. مع خالص أمنياتي ~~لك بالسعادة يا صديقي الغالي فوكس. # وإليك خالص مودتي # صديقك المخلص # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى دابليو دي فوكس # كامبريدج، الأحد، 23 يناير، 1831 # عزيزي فوكس # أتمنى أن تعذرني في عدم الكتابة إليك قبل أن أنال درجتي؛ ~~فقد كنت أشعر بنفور شديد غير مبرر من الكتابة إلى ~~أي شخص. أما الآن، فأنا أهنئك من كل قلبي على ~~النجاح في اختبارك، وأتمنى أن تجد أبرشيتك مريحة. وحتى لو ~~لم يكن لدي سوى شلن واحد (وأنا ليس لدي الكثير على ~~أي حال)، فسوف آتي وأزورك. # لست أدري السبب في أن الدرجات العلمية تسبب لنا ~~التعاسة، سواء قبل نيلها أو بعده. إنني أتذكر أنك كنت ~~تعيسا بما يكفي قبلها، وأستطيع أن أؤكد [لك] أنني الآن ~~كذلك، ومما يزيد من سخافة الأمر، أنني لا أعرف السبب في ~~هذه التعاسة. إنني أعتقد أنه احتياط جميل من الطبيعة ألا ~~يأسف المرء كثيرا على مغادرة مكان بجمال كامبريدج، والذي ~~من بين جميع المسرات فيه، وأنا أقولها الآن وإلى الأبد، لا ~~شيء أعظم من صداقتي بك. لقد أرسلت إليك بجريدة أمس، وهي ~~التي سترى فيها الترتيب الجيد [العاشر] الذي حظيت به في ~~قائمة الناجحين في الاختبار الخاص بالطلاب المتقدمين ~~للحصول على تقدير مقبول. بالنسبة إلى كلية كرايست، هل ms170 ~~رأيت من قبل مؤسسة تعليمية تسعى لتخريج قادة ورواد؟ ~~[يأتي «القائد» على رأس قائمة الناجحين، وأما الرواد، ~~فهم آخر اثني عشر فردا في الترتيب في اختبار درجة الشرف ~~للرياضيات.] ولم يتعرض أي من الرجال للرسوب، لا في كلية ~~كرايست ولا كلية إيمانويل. كاميرون وثلاثة من طلاب كلية ~~ترينيتي فشلوا في أن يكونوا ضمن قائمة الناجحين في اختبار ~~درجة الشرف للرياضيات لكنهم حصلوا على الدرجة العلمية ~~بتقدير مقبول! لم أستقر بشأن خططي بعد. أعتقد أنني سوف ~~أبقى هنا في هذا الفصل الدراسي، ثم أذهب إلى شروزبيري كي ~~أوفر بعض النفقات، ثم أعود وأنال درجتي. # قد يعذر المرء في الكتابة عن نفسه كثيرا إن كان قد نجح ~~لتوه في الاختبار؛ ولهذا عليك أن تعذرني. وبالمبدأ نفسه، ~~عليك أن تكتب لي خطابا تملؤه بالحكايات عن نفسك وخططك. ~~إنني أريد أن أعرف بشأن اختبارك؛ فأخبرني عن حالة أعصابك، ~~والكتب التي انتهيت من دراستها ومدى إتقانك لها. إن مثل ~~هذا النوع من الأمور يثير اهتمامي؛ فحين يأتي الوقت، ~~سأعاني أنا أيضا مثلك. إن معلمك تومسون، يرسل إليك ~~تحياته، هو وويتلي أيضا. إذا أجبت على هذا الخطاب، فسوف ~~أرسل إليك كل ما يمكن أن ترغب فيه من الإجابات ~~الغبية. # إليك خالص مودتي يا عزيزي فوكس # تشاز داروين # الفصل الخامس # | تعيين أبي في رحلة «البيجل» # في خطاب وجهه أبي إلى القبطان فيتزروي قبل أن تبحر «البيجل»، ~~كتب يقول: «سيكون الرابع من نوفمبر يوما عظيما بالنسبة لي. إنه ~~سيمثل بداية حياة جديدة، وسوف يكون بمنزلة عيد ميلاد لي حتى آخر ~~حياتي.» (جدير بالذكر أن «البيجل» لم تبدأ أخيرا في الإبحار ~~بنجاح إلا في السابع والعشرين من ديسمبر.) # والظروف التي أدت إلى هذا الميلاد الثاني، والتي هي أهم كثيرا ~~مما كان أبي يتخيله حينئذ، ترتبط بحياته في كامبريدج، لكن ربما ~~يكون من الأفضل أن نسردها في الفصل الحالي. وتأتي في صدارة هذه ~~الظروف التي أدت إلى تعيين أبي في رحلة «البيجل» صداقته مع ~~البروفيسور هنزلو؛ فقد كتب في مفكرة ms171 جيب أو دفتر يوميات، والذي يضم ~~سجلا موجزا بالتواريخ وغيرها من الأمور على مدى حياته ما يلي: # 1831. عيد الميلاد. نجحت في اختبار درجة الليسانس، ~~وأقمت للفصلين الدراسيين التاليين. # وخلال هذه الأشهر، عشت كثيرا مع البروفيسور هنزلو، ~~وكثيرا ما كنت أتناول معه العشاء وأسير معه؛ فتعرفت ~~بعض الشيء على عدد كبير من الرجال المتعلمين في ~~كامبريدج، مما أثار الحماس الذي لم تدمره حفلات العشاء ~~والصيد. # في الربيع، زرت السيد دوز مع رامزي وكيربي، وتحدثنا ~~بشأن رحلة إلى تينيريف. في الربيع، حثني هنزلو على ~~التفكير في دراسة الجيولوجيا، وقدمني إلى سيجويك. وخلال ~~فترة منتصف الصيف، مارست بعض أنشطة الجيولوجيا في ~~شروبشاير. # أغسطس، ذهبت في جولة جيولوجية. # 1 # وقد كانت هذه الجولة في لانجولين وريثين وكوني وبانجور وكابل ~~كيريج، حيث تركت البروفيسور سيجويك وعبرت الجبل إلى بارماوث. # سفينة «البيجل» ترسو على شاطئ نهر سانتا ~~كروز. # وفي خطاب إلى فوكس (مايو 1831)، يكتب أبي: «إنني مشغول للغاية ... ~~ألتقي كثيرا بهنزلو الذي لا أعرف إن كان حبي أم احترامي له أعظم.» ~~وهو يعبر بدقة عن مشاعره لهذا الرجل الرائع في خطاب قد كتبه إلى ~~المبجل إل بلومفيلد (وكان يدعى حينها بالمبجل إل جينينز) وذلك ~~حين كان الأخير منشغلا في عمله «سيرة البروفيسور هنزلو» (الذي ~~نشر عام 1862.) وقد استخدم الجزء المقصود # 2 # في أول مقالات الرثاء المنشورة في مجلة «نيتشر»، ~~ويوضح السيد رومينز أن والدي «بينما يصف شخصية أخرى، فإنه، ~~وبنحو لا واع، يقدم أدق وصف لنفسه»: # لقد ذهبت إلى كامبريدج في بداية عام 1828، ومن خلال بعض أصدقاء ~~أخي من المختصين في علم الحشرات، سرعان ما تعرفت إلى ~~البروفيسور هنزلو، الذي كان يشجع جميع المهتمين بأي فرع ~~من فروع التاريخ الطبيعي بالقدر نفسه. ولم يكن هناك ما هو أبسط ~~وأكثر ودا وبعدا عن الادعاء، من التشجيع الذي كان يمنحه لجميع ~~الشباب من المهتمين بالتاريخ الطبيعي. وسرعان ما توطدت ~~علاقتي به؛ إذ كان يتمتع بتلك المقدرة الهائلة في أن يجعل الشباب ~~يتصرفون معه بارتياح، بالرغم من أننا كنا ms172 جميعا منبهرين بمقدار ~~معرفته. قبل أن ألتقي به، سمعت أحد الشباب يلخص مؤهلاته بأن ~~قال عنه ببساطة إنه يعرف كل شيء. وحين أفكر في كيف أننا قد شعرنا ~~على الفور بالارتياح مع شخص أكبر سنا منا، وهو يتفوق علينا من ~~جميع الجوانب بدرجة هائلة، أعتقد أن ذلك كان يعود إلى ما كان في ~~طبعه من إخلاص واضح بقدر ما يعود لما يتمتع به من طيبة القلب، ~~وربما يعود على نحو أكبر لافتقاره إلى جميع مظاهر الوعي بالذات؛ ~~فقد كان المرء يدرك على الفور أنه لم يكن يفكر على الإطلاق في ~~معارفه المتنوعة أو ذهنه الحاد، وإنما في الموضوع محل النظر ~~فحسب. ومن محاسنه الأخرى، التي لا بد أنها كانت تبهر الجميع، هو ~~أن سلوكه في التعامل مع الأشخاص المرموقين أو كبار السن لم يكن ~~يختلف على الإطلاق عن سلوكه في التعامل مع الطلاب الصغار؛ فقد كان ~~يتعامل مع الجميع بتلك الدماثة الجذابة نفسها. لقد كان يولي ~~انتباهه إلى أبسط ملاحظة في أي فرع من فروع التاريخ الطبيعي، ~~ومهما ارتكب المرء من خطأ تافه، فإنه كان يشرح له الأمر بوضوح ~~وعطف؛ فما كان لأحد أن يتركه وهو يشعر باليأس، وإنما يصبح حريصا ~~على أن يكون أكثر دقة في المرة القادمة. باختصار، لم يكن هناك ~~من هو أفضل منه في نيل ثقة الشباب وتشجيعهم على ما يسعون إلى ~~تحقيقه. # لقد كانت محاضراته في علم النبات مشهورة على نطاق واسع، وكانت ~~واضحة كضوء النهار. لقد كانت معروفة للغاية حتى إن العديد من ~~الأعضاء الأكبر سنا في الكلية كانوا يحضرون منها دورات دراسية ~~متتابعة. وكان يقيم دعوة مفتوحة إلى منزله في إحدى أمسيات ~~الأسبوع، وكان جميع المهتمين بالتاريخ الطبيعي يحضرون هذه ~~الحفلات، وهي التي من خلال إتاحتها الفرصة للمهتمين بهذا المجال ~~للتواصل فيما بينهم كان لها الفائدة نفسها في كامبريدج، وبطريقة ~~جميلة جدا، التي للتجمعات الخاصة بالجمعيات العلمية في لندن. ~~وفي بعض الأحيان، كان يحضر هذه الحفلات العديد من أكثر أعضاء ~~الجامعة تميزا، وفقط ms173 حين لا يكون عدد الحضور كبيرا، فإنني كنت ~~أستمع إلى عظماء الرجال في هذه الأيام، وهم يتحدثون في شتى ~~الموضوعات بقدراتهم المتنوعة والمذهلة. ولم تكن تلك بالفائدة ~~الهينة لبعض الشباب؛ إذ كان ذلك يحفز من نشاطهم الذهني وطموحهم. ~~لقد كان يقوم ببعض الرحلات الاستكشافية مع طلابه في علم النبات، ~~وذلك لمرتين أو ثلاث في كل دورة؛ فكان يأخذهم مثلا في جولة ~~سير طويلة إلى موطن نبات نادر، أو في زورق عبر النهر إلى ~~المستنقعات، أو في عربات إلى بعض الأماكن الأبعد مثل جالمينجاي ~~لرؤية زهرة زنبق الوادي البرية، أو للإمساك في الأراضي البور ~~بعلجوم ناترجاك # natter-jack # النادر. وقد كانت هذه الرحلات تترك في ذهني أثرا ممتعا. لقد كان ~~يصبح مشرق النفس في مثل هذه المناسبات، وكأنه فتى صغير، وكان ~~يضحك من قلبه كفتى صغير على الحظ السيئ لمن كانوا يطاردون ~~الفراشات الخطافية الذيل الجذابة عبر المستنقعات المتكسرة ~~الغادرة. وقد اعتاد أن يتوقف بين الحين والآخر ليشرح شيئا عن ~~نبات ما أو غيره؛ وقد كان يخبرنا بمعلومة عن كل حشرة أو صدفة أو ~~أحفورة نجمعها؛ إذ كان ملما بجميع فروع التاريخ الطبيعي. وبعد ~~أن كنا ننتهي من يوم العمل، كنا نذهب لتناول العشاء في نزل أو ~~منزل، وكلنا مرح وسرور. أعتقد أن جميع من كانوا يشتركون في هذه ~~الرحلات، سيتفقون معي في الرأي أنها تركت انطباعا بهيجا لا ~~ينسى في عقولنا. # وبمرور الوقت في كامبريدج، توطدت علاقتي بالبروفيسور هنزلو، ~~الذي لم يكن لعطفه حدود؛ فقد كان يدعوني إلى منزله باستمرار، ويسمح ~~لي بمرافقته في جولاته. كان يتحدث في جميع المواضيع، ومنها رؤيته ~~للدين، وكان منفتحا تماما. إنني أدين لهذا الرجل الرائع بأكثر ~~مما يمكن أن أعبر عنه ... # وعلى مدى السنوات التي صحبت فيها البروفيسور هنزلو، لم يحدث ~~قط أن رأيت مزاجه قد تكدر ولو لمرة. لم يكن يسيء الظن ~~بطباع أي شخص، بالرغم من أنه لم يكن بالغافل قط عن نواقص ~~الآخرين. وقد كان يدهشني دوما أن عقله لم يكن حتى ms174 ليتأثر بأي ~~مشاعر دنيا من الزهو أو الحسد أو الغيرة. ومع كل هذا الهدوء في ~~مزاجه وإحسانه الكبير، فهو لم يكن رجلا خامل الطباع، وأعمى هو من ~~لا يستطيع أن يرى أن هذا السطح الخارجي الهادئ، يخفي تحته ~~عزيمة قوية وثابتة. وحين كان الأمر يتعلق بالمبادئ، فلم يكن لقوة ~~على الأرض أن تجعله يحيد عنها ولو بمقدار شعرة ... # وعند تقليب النظر في شخصيته بامتنان وتبجيل، فإن سماته ~~الأخلاقية تتجلى في منزلة أعلى رفعة من قدراته الذهنية، وذلك كما ~~هو معهود لدى الأشخاص الأكثر رقيا. # وفي خطاب إلى المبجل إل بلومفيلد (جينينز)، 24 مايو 1862، نجد ~~أن أبي كان يعبر عن الشعور نفسه الذي عبر عنه في خطابه قبل ~~ثلاثين عاما: # إنني أشكرك بصدق على هديتك الطيبة عن سيرة هنزلو. لقد ~~قرأت نصفها تقريبا، وقد أثارت اهتمامي للغاية. لم أكن ~~أعتقد أنه كان بإمكاني أن أجله أكثر مما فعلت، لكن ~~كتابك قد أعلى من قدره في عيني حتى بدرجة أكبر. ومن ~~التقليب في صفحات النصف الأخير، أعتقد أن روايتك عنه ~~ستكون ثمينة للغاية لأي رجل دين يرغب في أن يحتذي ~~بمثال عزيزنا المسكين والنبيل هنزلو. لكم كان رجلا ~~رائعا! # لقد كان للعمل الجيولوجي الذي ورد ذكره في مفكرة أبي أهمية ~~أكيدة؛ إذ منحه بعض الخبرة العملية، وربما كانت أهميته الأكبر هي ~~أنه قد ساعده في اكتساب بعض الثقة في نفسه. في يوليو من العام ~~نفسه، 1831، كان «يعمل مثل نمر» في الجيولوجيا، وكان يحاول عمل ~~خريطة جيولوجية لشروبشاير، لكنه «لم يجد الأمر بالسهولة التي كان ~~يتوقعها.» # وفي خطابه إلى هنزلو في الوقت نفسه تقريبا، نجد أنه يحكي بعض ~~الشيء عن عمله: # كان ينبغي أن أكتب إليك في وقت أبكر من ذلك، غير أنني ~~أردت انتظار الكلينومتر، ويسرني أن أخبرك بأنني أعتقد أنه ~~سيكون مفيدا جدا. لقد وضعت جميع الطاولات في غرفة ~~نومي ورتبتها في كل اتجاه وزاوية ممكنين. سوف أجرؤ ~~وأقول إنني قد قستها بهذا المقياس بأكبر درجة من الدقة ~~قد يتمكن أي ms175 عالم جيولوجيا من تحقيقها ... لقد كنت أعمل ~~في العديد من الأمور، فلم أحرز الكثير في الجيولوجيا. أشك ~~بأنني سوف أعود من أول رحلة أقوم بها حاملا المطرقة ~~والكلينومتر في يدي، وأنا أتحلى بالمزيد من المعرفة ~~والحكمة، بل ستعيدني أكثر حيرة مما كنت عليه حين بدأت. ~~إنني لم أنغمس حتى الآن إلا في الفرضيات، لكنها قوية ~~للغاية حتى إنني أعتقد أنها لو تحققت ليوم واحد، فسوف ~~تحل نهاية العالم. # لقد كان من الجلي أنه متحمس للغاية للعمل مع سيجويك؛ فقد كتب ~~إلى هنزلو: «إنني لم أتلق خطابا من البروفيسور سيجويك؛ لذا ~~فإنني أخشى ألا يذهب لفحص تكوينات نهر السيفرن الجيولوجية. وأنا ~~أتمنى أن تكون قد بذلت كل ما في وسعك لتحثه على ذلك، وأثق ~~بذلك.» # لقد حكى أبي في عمله «ذكريات» أجزاء من تلك الجولة. # وفيه أيضا نقرأ عن الجولة المتوقعة إلى جزر الكناري، والتي ~~يذكرها بنحو عابر في خطاباته إلى فوكس وهنزلو. # في أبريل عام 1831، يكتب إلى فوكس: «في الوقت الحالي، أتحدث ~~وأفكر وأحلم بخطة قد وضعتها بالذهاب إلى جزر الكناري. إنني أرغب في ~~رؤية النباتات والمناظر الطبيعية الاستوائية منذ وقت طويل؛ ووفقا ~~لههومبولت، فإن تينيريف مثال جميل للغاية.» ومرة أخرى في مايو: ~~«بالنسبة إلى خطتي لزيارة جزر الكناري، فإنك قد تعجلت في سؤالك ~~عنها. إن أصدقائي الآخرين يتمنون بكل صدق أن أكون هناك؛ فأنا ~~أزعجهم باستمرار بالحديث عن المناظر الطبيعية الاستوائية وغير ذلك. ~~سيذهب إيتون في الصيف القادم، أما أنا، فأتعلم ~~الإسبانية.» # وفي وقت لاحق في هذا الصيف، اتخذت الخطة شكلا أكثر تحديدا، ~~وبدا أن تاريخها قد تعين في يونيو عام 1832. وفي لندن، حصل ~~على معلومات عن تكلفة الانتقال لجزر الكناري بالبحر، وقضى شهر ~~يوليو في دراسة الإسبانية وظل يدعو فوكس بالإيطالية ب «الوغد ~~العظيم»، للدلالة على معرفته بهذه اللغة، والتي كان يرى بالرغم من ~~ذلك أنها «غبية جدا» مع ذلك، يبدو أنه كانت تساوره بعض ~~الشكوك بخصوص حماس رفاقه بشأن الرحلة، حتى في ذلك الوقت؛ فهو ~~يكتب إلى ms176 هنزلو (27 يوليو 1831): «آمل أن تكون ما زلت محتفظا ~~بحماسك لرحلة الكناري. إنني أقرأ كتاب هومبولت مرة بعد أخرى، فهل ~~تفعل الأمر نفسه؟ إنني أثق أنه لا شيء سيمنعنا من شجرة التنين ~~هناك.» # ظلت أحلامه المتعلقة بتينيريف والعمل الجيولوجي، تلاحقه طوال ~~الصيف، حتى عاد من بارماوث في يوم الأول من سبتمبر المقدس، وذلك ~~حين تلقى خطاب تعيينه في رحلة «البيجل» بوصفه عالما في التاريخ ~~الطبيعي. # وسيساعدنا المقتطف التالي من مفكرة الجيب في قراءة الخطابات: # عدت إلى شروزبيري في نهاية أغسطس. رفضت عرض ~~الرحلة. # سبتمبر، ذهبت إلى مير، وعدت مع عمي جوز إلى شروزبيري ~~ومنها إلى كامبريدج. لندن. # في الحادي عشر، ذهبت مع القبطان فيتزروي في سفينة ~~بخارية إلى بليموث لرؤية «البيجل». # في الثاني والعشرين، عدت إلى شروزبيري مرورا ~~بكامبريدج. # في الثاني من أكتوبر، غادرت منزلي، ومكثت في ~~لندن. # في الرابع والعشرين، وصلت إلى بليموث. # أكتوبر ونوفمبر، كان هذان الشهران تعيسين جدا. # في العاشر من ديسمبر ، أبحرنا لكننا اضطررنا إلى ~~العودة. # في الحادي والعشرين، أبحرنا مجددا، ثم عدنا. # في السابع والعشرين، أبحرنا من إنجلترا في رحلتنا ~~البحرية. # من جورج بيكوك (رئيس كاتدرائية إيلي سابقا، ~~وأستاذ الكرسي اللوندزي في علم الفلك في كامبريدج) ~~إلى جيه إس هنزلو # 7 شارع سافك، بول مول إيست ~~[1831] # عزيزي هنزلو # سيقوم القبطان فيتزروي بعمل مسح للساحل الجنوبي لتييرا ~~ديل فويجو، وبعد ذلك، سيزور العديد من جزر بحر الجنوب، ~~ثم يعود من طريق الأرخبيل الهندي. إن السفينة مجهزة ~~خصيصا للأغراض العلمية؛ لذا، فإنها مع هذا المسح، سوف ~~توفر فرصة نادرة للمختص في علم التاريخ الطبيعي، ~~وسيكون ضياعها سوء حظ عظيما. # ولقد عرض علي أن أرشح شخصا مناسبا للذهاب في هذه ~~الرحلة في وظيفة مختص في التاريخ الطبيعي، وسوف يعامل ~~بكل احترام. والقبطان شاب يافع يتحلى بالأخلاق الحميدة ~~(فهو ابن أخي دوق جرافتون) وهو عظيم الحماس لمهنته، ~~ويشاد به كثيرا. وإذا تمكن ليونارد جينينز من الذهاب، ~~فتخيل كم الكنوز التي قد يحضرها معه! إذ سوف توضع ~~السفينة تحت تصرفه، ms177 متى احتاج إليها في أبحاثه، ورأى ~~ذلك ضروريا أو محبذا. وفي حالة غياب مثل هذا ~~العالم الرائع، فهل من شخص آخر يمكنك أن ترشحه بقوة؟ ~~ولا بد لهذا الشخص أن يكون أهلا لترشيحنا. فكر في هذا ~~الأمر؛ فسوف تكون خسارة كبيرة لعلوم التاريخ الطبيعي إن ~~ضاعت هذه الفرصة الممتازة. ~~... # سوف تبحر السفينة بحلول نهاية سبتمبر تقريبا. # اكتب إلي في الحال وأخبرني بما يمكن فعله. # خالص مودتي إليك يا عزيزي هنزلو # صديقك المخلص # جورج بيكوك # من جيه إس هنزلو إلى تشارلز داروين # كامبريدج، 24 أغسطس، 1831 # عزيزي داروين # قبل أن أتطرق إلى الموضوع المباشر لهذا الخطاب، لنتشاطر ~~الأسى على فقدان صديقنا الغالي المسكين رامزي، الذي قد ~~سمعت بموته دون شك منذ فترة طويلة. # لن أخوض طويلا في هذا الحادث الأليم؛ إذ إنني آمل في ~~رؤيتك قريبا، متوقعا أن تتحمس لقبول العرض الذي سأوشك ~~أن أخبرك به، والذي يتمثل في ذهابك في رحلة إلى تييرا ديل ~~فويجو، ثم العودة إلى الوطن عن طريق جزر الهند الشرقية. ~~لقد طلب مني بيكوك، والذي سيقرأ هذا الخطاب ويرسله إليك ~~من لندن، أن أرشح له مختصا في التاريخ الطبيعي يرافق ~~القبطان فيتزروي، وهو الذي عينته الحكومة لعمل مسح ~~لطرف أمريكا الجنوبي. وقد قلت بأنني أعتقد أنك أنسب شخص ~~مؤهل أعرفه ومن الأرجح أن يقبل بالقيام بمثل هذه المهمة. ~~وأنا لم أقل ذلك على اعتبار أنك خبير في التاريخ ~~الطبيعي، وإنما بوصفك مؤهلا تماما للجمع والملاحظة ~~والانتباه إلى أي شيء يستحق الانتباه إليه في التاريخ ~~الطبيعي. إن بيكوك يملك حق التصرف فيما يتعلق بهذا ~~التعيين، وإن لم يجد شخصا يقبل بهذا العمل، فسوف تضيع ~~الفرصة على الأرجح. إن القبطان فيتزروي (كما أفهم) يرغب ~~في مرافق أكثر مما يرغب في مجرد جامع، ولن يقبل بأي ~~شخص مهما كانت براعته في التاريخ الطبيعي، إلا أن يأتيه ~~من ذكره أنه أيضا «رجل فاضل». أما التفاصيل المحددة ~~مثل الراتب وما إلى ذلك، فأنا لا أعرف عنها شيئا. ستستغرق ~~الرحلة عامين، وإذا ms178 أخذت معك الكثير من الكتب، فسوف ~~تتمكن من تحقيق كل ما ترغب فيه، وسوف تحظى بالعديد من ~~الفرص رهن إشارتك. باختصار، إنني أعتقد أنه لن توجد ~~فرصة أفضل من تلك لرجل يتمتع بالطاقة والحماس؛ فالقبطان ~~فيتزروي رجل شاب. وأما ما أرغب في أن تفعله، فهو أن ~~تحضر هنا في الحال وتتشاور مع بيكوك (7 شارع سافك، بول ~~مول إيست، أو نادي الجامعة) وأن تعرف المزيد من التفاصيل. ~~لا تسمح لأي شكوك أو مخاوف بأن تراودك بأنك تفتقر ~~إلى بعض المؤهلات؛ فأنا أؤكد لك أنك تتمتع بما يبحثون ~~عنه تماما؛ ولهذا، فلتتخيل أنك قد ألقي القبض عليك ~~وأمر بإرسالك في هذه البعثة من قبل صديقك المخلص. # جيه إس هنزلو # ستبحر هذه البعثة في الخامس والعشرين من سبتمبر (وليس قبل ذلك)؛ ~~لذا فما من وقت تضيعه. # من جي بيكوك إلى تشارلز داروين ~~[1831] # سيدي العزيز # لقد تلقيت خطاب هنزلو أمس في وقت متأخر للغاية؛ فلم ~~أستطع أن أرسله إليك في بريد الليل ، وهو أمر لم أندم ~~عليه؛ إذ إن ذلك قد سمح لي برؤية القبطان بوفورت من ~~ديوان البحرية (كبير الهيدروجرافيين) وإخباره بالعرض ~~الذي سأعرضه عليك. إنه يوافق عليه تماما، ويمكنك أن ~~تعتبر أن الأمر قد أصبح تحت تصرفك تماما. إنني أثق بأنك ~~ستقبله؛ فهو فرصة يجب ألا تفوتها. وأنا أتطلع ~~باهتمام شديد إلى ما ستثمر عنه جهودك من فائدة وإضافة ~~إلى مجموعاتنا الخاصة بالتاريخ الطبيعي. # وبيان الأمر كما يلي: # القبطان فيتزروي (ابن أخي دوق جرافتون) سيبحر في نهاية ~~سبتمبر في سفينة لعمل مسح هو الأول من نوعه، للساحل ~~الجنوبي لتييرا ديل فويجو، وبعد ذلك، سيزور جزر بحر ~~الجنوب، ثم يعود إلى إنجلترا عن طريق الأرخبيل الهندي. ~~البعثة مخصصة بالكامل للأغراض العلمية، وبصفة عامة، ~~ستكون السفينة تحت إمرتك بينما تجري أبحاثك في التاريخ ~~الطبيعي وما إلى ذلك. وأما القبطان فيتزروي، فهو ضابط ~~كريم، متحمس، دمث الأخلاق ويحبه جميع زملائه من الضباط. ~~لقد ذهب مع القبطان بيتشي وأنفق من ماله الخاص 1500 جنيه ~~في ms179 إحضار ثلاثة من السكان الأصليين من باتاجونيا ~~وتعليمهم. [هناك خطأ هنا؛ فقد ذهب مع «كينج» وليس «بيتشي». ~~وأنا لا أجد اسم فيتزروي في قائمة ضباط بيتشي. عاد ~~الأشخاص الثلاثة من أهل فويجو مع رحلة القبطان كينج.] وهو ~~ينفق من ماله الخاص 200 جنيه في العام لكي يصطحب معه أحد ~~الحرفيين؛ لذا، يمكنك أن تتأكد من أنه سيكون رفيقا ~~لطيفا للغاية، وسيتجاوب بصدق مع جميع آرائك. # ستبحر السفينة في نهاية سبتمبر، وعليك ألا تتأخر في ~~إبلاغ موافقتك للقبطان بوفورت، كبير الهيدروجرافيين ~~بديوان البحرية. لقد ناقشت هذ الأمر كثيرا في مراسلاتي ~~[مع هنزلو] الذي يشعر، كما أشعر أنا أيضا، بالتلهف ~~الشديد لذهابك. وأتمنى ألا يحدث أي شيء آخر يحول دون ~~ذلك الأمر. ~~... # إن ديوان البحرية لا يملك حق إعطائك راتبا، لكنهم ~~سيقدمون لك تعيينا رسميا، ويزودونك بكل سبل ~~الراحة. وإن كان الراتب ضروريا، فأعتقد أنه يمكن توفيره ~~بالرغم من ذلك. # خالص تحياتي إليك يا سيدي الفاضل # المخلص لك # جورج بيكوك # من تشارلز داروين إلى جيه إس هنزلو # شروزبيري، الثلاثاء [30 (؟) أغسطس ~~1831] # سيدي العزيز # لقد وصل خطاب السيد بيكوك في يوم السبت، وقد تسلمته ~~في وقت متأخر مساء أمس. بالنسبة لي، فأنا أعتقد أنه يجب ~~علي «بالطبع» أن أقبل، وبكل سرور، هذه الفرصة التي ~~تكرمت بعرضها علي. لكن أبي، رغم أنه لا يرفض ذهابي، ~~يشدد في نصيحته إلي بعدم الذهاب؛ لذا فلن أشعر ~~بالراحة إن لم أتبع نصيحته. # وتتمثل اعتراضات والدي فيما يلي: إنها تقلل فرصتي ~~في الاستقرار والعمل كرجل دين، وكذلك خبرتي القليلة في ~~السفر بالبحر، و«ضيق الوقت»، واحتمال أني لا أروق للقبطان ~~فيتزروي. ولا شك في أن ضيق الوقت فيما يتعلق بعمل جميع ~~الاستعدادات هو اعتراض جاد للغاية؛ فليس الجسم وحده هو ~~الذي يحتاج إلى الاستعداد، وإنما يحتاج العقل أيضا إلى ~~الاستعداد للقيام بمثل هذا الأمر. بالرغم من ذلك، فلولا ~~أبي، لقبلت بتحمل جميع المخاطر. ما السبب في عدم ~~الاستقرار على تعيين مختص في التاريخ الطبيعي منذ فترة ~~طويلة؟ إنني ممتن ms180 للغاية لما عانيته من متاعب في سبيل ~~ذلك، ولا شك في أنها كانت ستصبح فرصة رائعة للغاية. ~~... # لقد جادت رحلتي مع سيجويك بنتائج رائعة. ولم أسمع بموت ~~رامزي المسكين إلا قبل خطابك بأيام قليلة. لقد كنت ~~محظوظا حتى الآن في عدم فقدان أي شخص أكن له ~~تقديرا أو عاطفة، وبالرغم من أن معرفتي به لم تمتد إلا ~~لفترة قصيرة للغاية، فقد كانت كافية لكي تجعلني أشعر ~~بهذه المشاعر كلها، وبدرجة كبيرة. إنني لا أستطيع أن ~~أصدق أنه لم يعد موجودا. لقد كان أفضل شخصية قد ~~عرفتها على الإطلاق. # المخلص لك يا سيدي العزيز # تشارلز داروين # لقد كتبت إلى السيد بيكوك، وذكرت أنني قد طلبت منك أن تبلغني ~~في حالة أنه لم يتسلم خطابي. وقد طلبت منه أيضا أن يتواصل مع ~~القبطان فيتزروي. وحتى إن قررت الذهاب، فإن كراهية والدي لذلك ~~سوف تستنفد جميع طاقتي، التي سوف أحتاج إلى قدر كبير منها. إنني ~~أشكرك مرة أخرى؛ فهذه الفرصة تضيف القليل إلى ذلك القدر الثقيل ~~اللطيف الذي أدين لك به من الامتنان. # من تشارلز داروين إلى آر دابليو ~~داروين ~~[مير] 31 أغسطس ~~[1831] # أبي العزيز # يؤسفني أن أضايقك مرة أخرى. لكن بعد تفكير، أظن أنك ~~ستعذرني مرة أخرى إذ أخبرك برأيي في عرض الرحلة. وأما ~~عذري وسببي فهو اختلاف الطريقة التي ينظر بها جميع آل ~~ويدجوود عن الطريقة التي تنظر بها إليها، أنت ~~وأخواتي. # لقد قدمت لعمي جوز [جوزايا ويدجوود] ما أثق تماما ~~أنه قائمة كاملة ودقيقة بجميع اعتراضاتك، وسيتكرم هو ~~بأن يخبرك بآرائه فيها كلها. وسأرفق لك القائمة ورده ~~عليها، لكن هل لي أن أطلب منك صنيعا واحدا؛ سيكون غاية ~~في اللطف منك إن أرسلت لي إجابة محددة، نعم أم لا؟ وإذا ~~كانت الأخيرة، فسيكون نكرانا عظيما مني ألا أخضع لحكمك ~~الأفضل، ولعطفك الشديد الذي شملتني به طوال حياتي، ~~ويمكنك أن تثق حينها بأنني لن أذكر الأمر مرة أخرى. وإن ~~كانت إجابتك بنعم، فسوف أذهب إلى هنزلو مباشرة وأتشاور معه ~~بوضوح، ثم ms181 آتي إلى شروزبيري. # إن الخطر لا يبدو لي عظيما، أنا وجميع وآل ويدجوود، ~~ولا يمكن أن تكون الكلفة كبيرة، ولا أعتقد أن هذا الوقت ~~سيكون مهدرا بدرجة أكبر مما لو بقيت في المنزل. لكنني ~~أرجوك ألا تظن أنني عازم على الذهاب مهما يكن الأمر ويجب ~~أن تتأكد أنني لن أتردد ل «لحظة واحدة» عن التراجع، إن ~~رأيت أن عدم ارتياحك لن يزول بعد فترة قصيرة. # ولا بد لي من أن أقول مجددا بأنني لا أظن بأن هذا ~~سيضر بسمعتي وحياتي العملية في المستقبل. إنني أتمنى ألا ~~يزعجك هذا الخطاب بدرجة كبيرة. سوف أرسله بالعربة صباح ~~الغد؛ فهل لك أن ترسل لي الرد في اليوم التالي بالطريقة ~~نفسها، إن اتخذت قرارك مباشرة؟ وإن لم يصلك هذا الخطاب ~~وأنت في المنزل، فأتمنى أن تجيب فور أن تتمكن من ~~ذلك. # لست أدري كيف يمكنني أن أصف عطف عمي جوز؛ فلن أستطيع أن ~~أنسى أبدا مدى اهتمامه بأمري. # إليك خالص مودتي يا والدي العزيز # ابنك المحب # تشارلز داروين ~~[فيما يلي قائمة بالاعتراضات المشار إليها في الخطاب ~~التالي: ~~(1) # الإساءة إلى سمعتي كرجل دين فيما بعد. ~~(2) # خطة جامحة. ~~(3) # إنهم لا بد قد عرضوا وظيفة المختص بالتاريخ الطبيعي ~~على آخرين كثر قبلي. ~~(4) # ولما أنهم لم يقبلوها، فلا بد أنه ثمة بعض ~~الاعتراضات الخطيرة على الباخرة أو الرحلة. ~~(5) # إنني لن أستقر في حياة ثابتة في المستقبل. ~~(6) # إن إقامتي لن تكون مريحة على الإطلاق. ~~(7) # إنك [أي، الدكتور داروين] لا بد تنظر للأمر ~~باعتباره تغييرا في مساري المهني. ~~(8) # إنها مهمة عديمة الجدوى.] # من جوزايا ويدجوود إلى آر دابليو ~~داروين # مير، 31 أغسطس، 1831 ~~(اقرأ ذلك في النهاية) [كتب تشارلز داروين ~~هذا بنفسه] # دكتور داروين العزيز # إنني أشعر بثقل مسئولية طلبك لي بالمساعدة بخصوص العرض ~~الذي قدم إلى تشارلز، لكن لأنك كنت ترغب من تشارلز أن ~~يستشيرني، فلا يمكنني أن أرفض ذكر وجهة نظري في هذه ~~المسألة. # لقد أورد تشارلز ما يعتقد أنه يمثل اعتراضاتك الأساسية، ~~وأعتقد أن أفضل طريقة يمكن ms182 أن أتبعها في هذا الشأن هي أن ~~أذكر ما يخطر لي بشأن كل منها. ~~(1) # إنني لا أعتقد أن ذلك سوف يسيء إلى ~~سمعته كرجل دين بأي نحو، بل إنني أعتقد ~~أنه عرض مشرف، وإن كان العمل بالتاريخ ~~الطبيعي ليس بالتأكيد عملا مهنيا، فإنه ~~مناسب للغاية لرجال الدين. ~~(2) # إنني لا أعرف كيف أتطرق إلى هذا الاعتراض، ~~لكنه سيكون لديه أهداف محددة يعمل على ~~تحقيقها، وربما يساعده ذلك في اكتساب بعض ~~عادات التطبيق ويعززها لديه، وأعتقد أنه ~~قد يفعل ذلك بأي طريقة قد يقضي بها ~~العامين القادمين في المنزل. ~~(3) # لم يرد في ذهني هذا الخاطر عند قراءة ~~الخطابات، وإذ أعدت قراءتها مع التفكير في ~~هذا الخاطر، فإنني لا أجد أي أساس ~~له. ~~(4) # لا أعتقد أن ديوان البحرية سوف يرسل ~~باخرة سيئة لمثل هذا الغرض. وأما بالنسبة ~~إلى الاعتراضات على البعثة، فسوف تختلف في ~~حالة كل شخص، ولا أعتقد أنه يمكن الاستدلال ~~على أي شيء في حالة تشارلز، إن كان قد عرف ~~أن آخرين قد اعترضوا. ~~(5) # إنك أفضل مني بكثير تقديرا لشخصية تشارلز. ~~وإذا قارنت هذا النمط الذي سيقضي به هذين ~~العامين، بالنمط الذي سيقضيهما به على الأرجح ~~إن لم يقبل بهذا العرض وكنت تعتقد أنه سيحيا ~~حياة متقلبة ولن يكون قادرا على الاستقرار، ~~فإن ذلك اعتراض وجيه بلا شك. لكن أوليس من ~~المعتاد أن يستقر الملاحون في ظروف منزلية ~~هادئة؟ ~~(6) # لا يمكنني أن أبدي أي رأي بخصوص هذا ~~الاعتراض سوى اعتقادي أنه لكونه يعمل لصالح ~~ديوان البحرية، يحق له المطالبة بالحصول على ~~أفضل ما تقدمه الباخرة من سبل ~~الإقامة. ~~(7) # لو كنت أرى أن تشارلز منهمك في الدراسات ~~المهنية في الوقت الحالي، لكنت قد نصحت على ~~الأرجح بعدم مقاطعتها، لكن الحال ليست كذلك، ~~ولا أظنها ستكون كذلك. إن مسعاه الحالي ~~للمعرفة يتفق مع المسار الذي سيسلكه في هذه ~~البعثة. ~~(8) # المهمة ستكون عديمة الجدوى بالنسبة إلى ~~مهنته، لكن عند النظر إليه كرجل واسع الفضول، ~~فإن المهمة توفر له فرصة لرؤية الأشخاص ~~والأشياء، وهي فرصة ms183 لا تتاح إلا للقليل من ~~الناس. # يجب أن تراعي أنه لم يكن لدي متسع من الوقت للتفكير، ~~وأنك أنت وتشارلز من يجب عليهما اتخاذ القرار. # دكتور داروين العزيز # خالص مودتي إليك # المخلص # جوزايا ويدجوود # من تشارلز داروين إلى جيه إس هنزلو # كامبريدج، ريد لايون [2 سبتمبر] ~~1831 # سيدي العزيز # لقد وصلت للتو، وسوف تخمن السبب. لقد غير والدي ~~رأيه. وأعتقد أن الفرصة لا تزال موجودة. # إنني أشعر بالإرهاق الشديد وسوف أخلد إلى النوم. # أكاد أجزم أنك لم تتسلم خطابي الثاني بعد. # متى يمكنني أن آتي لك في الصباح؟ أرسل لي إجابة ~~شفهية. # طابت ليلتك # المخلص # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى الآنسة سوزان ~~داروين # كامبريدج، الأحد صباحا [4 ~~سبتمبر] # عزيزتي سوزان # لأن الخطاب لم يكن ليرسل البارحة؛ فقد أجلت كتابته ~~إلى اليوم. لقد خضت رحلة شاقة، لكنني وصلت إلى ~~كامبريدج وأنا في غاية النشاط. لقد قضيت يوم أمس بأكمله ~~مع هنزلو، لنفكر فيما سنفعله، وذلك أمر عظيم بالنسبة لي. ~~ومن عظيم حسن الحظ أنني أعرف شخصا يحمل اللقب وود، وهو ~~ابن أخي لورد لندنديري. إنه صديق رائع للقبطان فيتزروي، ~~وقد كتب له بشأني. لقد سمعت جزءا من خطاب للقبطان ~~فيتزروي مؤرخ بتاريخ سابق، وهو يقول فيه: «إن لدي ~~طاقما جيدا ومناسبا من الضباط، ومعظم رجالي قد ذهبوا ~~إلى هناك قبل ذلك.» يبدو أنه ذهب إلى هناك في السنوات ~~القليلة الماضية؛ لقد ذهب على متن هذه السفينة التي ~~اختارها الآن، وكان يتولى المرتبة الثانية في قيادتها. إنه ~~لا يبلغ من العمر سوى ثلاثة وعشرين عاما، لكنه تولى ~~الكثير من المهام، وفاز بالقلادة الذهبية في بورتسموث. ~~يقول عنه ديوان البحرية إن خرائطه هي الأفضل. لقد كان ~~لديه الاختيار من بين سفينتين، وقد اختار الأصغر. ~~سيعطيني هنزلو خطابات لجميع المسافرين الموجودين في ~~المدينة، الذين يعتقد أنه يمكنهم مساعدتي. # لا يملك بيكوك سوى مكان واحد لمختص في التاريخ ~~الطبيعي، وكان ليونارد جينينز هو أول من عرضت عليه هذه ~~الفرصة، وقد كاد أن يقبل بها ms184 حتى إنه حزم أمتعته. لكن ~~لما أن كانت له وظيفة يتكسب منها، فلم ير أنه من ~~الصواب أن يتركها؛ إذ كان ذلك سيتسبب في شعور جميع ~~عائلته بالأسف الشديد. ولم يكن من المستبعد أن يقبل بها ~~هنزلو نفسه؛ فقد تكرمت السيدة هنزلو بإعطاء موافقتها على ~~ذلك دون أن يطلب منها، لكنها قد بدت في غاية الحزن، فحدد ~~هنزلو موقفه بالرفض على الفور. ~~... # يؤسفني أن الأمر سيتطلب نفقات كثيرة في البداية. إن ~~هنزلو شديد المعارضة لفكرة أخذ الكثير من الأغراض؛ إذ إن ~~ذلك هو الخطأ الذي يقع به جميع الرحالة اليافعين. إنني ~~أكتب وكأن الأمر قد تقرر، لكن هنزلو يخبرني بألا أتخذ ~~قراراي «بأي حال من الأحوال»، حتى أخوض محادثات طويلة ~~مع القبطان بوفورت والقبطان فيتزروي. إلى اللقاء. سأكتب ~~إليك باستمرار. أرسلي إلي على العنوان: 17 سبرينج ~~جاردنز. لا تخبري «أحدا» في شروزبيري الآن. يجب أن تفعلي ~~ذلك. # تشارلز داروين # لقد كنت مرهقا للغاية في هذا المساء الذي قضيته في شروزبيري، ~~حتى إنني لم أشكر أيا منكم على لطفكم ، ولو حتى بنصف مقدار ما ~~شعرت به. # خالص مودتي إلى أبي. # إن السبب في رغبتي بعدم إخبار الناس في شروزبيري، هو أن ذلك ~~سيجعل الأمر أكثر سهولة إن لم أذهب. # من تشارلز داروين إلى الآنسة إس ~~داروين # 17 سبرينج جاردنز، الاثنين ~~[5 سبتمبر 1831] # ليس لدي سوى القليل من الوقت؛ فما لدي وقت أضيعه ~~في إعادة كتابة الخطابات؛ لذا فلتعذريني في إحضار الخطاب ~~السابق وتعديله. لقد كتبت الخطاب السابق في الصباح، وفي ~~منتصف اليوم، تسلم وود خطابا من القبطان فيتزروي، والذي ~~علي أن أقر بأنه كان «مباشرا» للغاية كما أنه كان ~~يعكس «نبل أخلاقه»، غير أنه كان يعارض ذهابي بدرجة كبيرة؛ ~~حتى إنني تخليت عن الأمر في الحال، وكذلك فعل هنزلو ~~قائلا إنه يرى أن بيكوك قد «أخطأ بشدة»؛ إذ أخفق كثيرا ~~في توضيح الأمور. # نادرا ما كنت أفكر من قبل في الذهاب إلى المدينة، ~~لكنني ها هنا الآن. والآن سأقص عليك المزيد ms185 من التفاصيل، ~~وهي تفاصيل مبشرة. القبطان فيتزروي موجود [في] المدينة، ~~وقد رأيته. من العبث أن أحاول مديحه بالقدر الذي أشعر ~~بأنني أرغب فيه؛ إذ إنك لن تصدقيني. والأمر الوحيد ~~الذي أثق به، هو أنني لن أجد من هو أكثر منه صراحة معي ~~ولطفا تجاهي. يبدو أنه قد وعد بأن يصطحب معه صديقا، لكنه ~~لن يستطيع الذهاب بسبب العمل، وقد تلقى الخطاب الذي يفيد ~~بذلك قبل أن أدخل عليه بخمس دقائق فقط، مما يجعل الأمور ~~أفضل كثيرا لي؛ إذ إن الحاجة إلى غرفة كانت من أكبر ~~اعتراضات فيتزروي. إنه يعرض علي أن نتشارك كل شيء في ~~مقصورته إن أردت الذهاب، وكذلك جميع سبل الراحة التي ~~يمكنني أن أحظى بها، لكنها لن تكون كثيرة. وهو يقول إن ~~أكثر ما سيغمه على الإطلاق هو أن أقيم معه في غرفته إن ~~لم أكن أشعر بالارتياح، ولأننا سوف نكون معا في سفينة ~~صغيرة، فقد رأى أن من واجبه أن يوضح الحال الأسوأ في ~~كل شيء. أعتقد أنني سأذهب يوم الأحد إلى بليموث لرؤية ~~السفينة. # إنه يتمتع بقدر كبير من الجاذبية في سلوكه وطريقته في ~~معالجة صلب الموضوع. وهو يقول إنه سيكون علي أن أعيش ~~كفافا إن عشت معه؛ دون نبيذ مع الاكتفاء بأبسط الوجبات. ~~إن الأمور ليست كما يصفها بيكوك بالطبع، والقبطان ~~فيتزروي ينصحني بألا أتخذ قراري الآن، لكنه يعتقد جديا ~~بأن الرحلة ستحمل لي من الاستمتاع أكثر مما ستحمله من ~~متاعب. لن تبحر السفينة حتى العاشر من أكتوبر، وهي تحمل ~~ستين رجلا، منهم خمسة ضباط أو ستة وغيرهم، لكنها سفينة ~~صغيرة. ستظل السفينة في مهمتها لمدة ثلاثة أعوام على ~~الأرجح. وسيكون علي أن أدفع مقابل طعامي كما يدفع ~~القبطان نفسه؛ ثلاثين جنيها في العام، ويقول فيتزروي إنني ~~إن أنفقت خمسمائة جنيه بما في ذلك نفقات تجهيزاتي، ~~فسوف يكون ذلك في منتهى الإفراط. وأما الأخبار الأسوأ، ~~فهي أن الدوران حول العالم ليس «أكيدا»، لكن الفرصة ~~لذلك ممتازة للغاية. وأنا لن أحسم أمري إلى أن يتم ms186 تحديد ~~هذا الأمر، ولعلك ترين أنه بعد جميع هذه التغيرات ~~العديدة التي مرت بي؛ فلن يقودني في عملية اتخاذ القرار ~~سوى عقلي. # يقول فيتزروي إن عواصف البحر هي أمر مبالغ فيه، ~~وإنني يمكنني العودة إلى إنجلترا في أي وقت إن اخترت ~~ذلك على البقاء معهم؛ إذ إن العديد من السفن تبحر في ~~هذا الاتجاه، وخلال أوقات الطقس السيئة (شهران على ~~الأرجح)، يمكنني أن أبقى في أي بلدة صحية وآمنة ولطيفة، ~~إن رغبت في ذلك. وهو يقول أيضا إنني سأحصل دائما على ~~المساعدة وإنه لديه الكثير من الكتب، وسوف تكون تحت ~~تصرفي، هي وجميع الأدوات والبنادق، وإنه كلما قل عدد ~~الملابس التي آخذها معي وكذلك ثمنها، كان ذلك أفضل. ~~ستناسبني الطريقة التي يتبعونها؛ فهم يرسون السفينة، ~~ويظلون لمدة أسبوعين في مكان محدد. لقد شرحت للقبطان ~~بوفورت وجهة نظري تماما، وهو يقول إنني إن بدأت ولم أطف ~~حول العالم، فإن لدي مبررا قويا لأن أرى أنني قد ~~تعرضت للخداع. يجب أن أتصل بهم بعد غد وأحصل على المزيد ~~من الإرشادات المحددة إن أمكن. إن طلبي للحصول على ~~غرفة هو الاعتراض الأكثر جدية، لكن القبطان فيتزروي ~~(بسبب خطاب وود على الأرجح) عازم على أن يوفر لي أقصى ~~ما يمكنه من وسائل الراحة. تعجبني طريقته في معالجة ~~الأمور. لقد سألني على الفور: «هل ستتحمل أن أخبرك بأنني ~~أريد المقصورة لنفسي حين أرغب في أن أكون بمفردي؟ إذا عامل ~~كل منا الآخر بهذه الطريقة، فأتمنى أن نتوافق فيما ~~بيننا، وإلا فسوف يتمنى كل منا الجحيم للآخر.» # سنتوقف لمدة أسبوع في جزر ماديرا، وسوف نرى معظم ~~المدن الكبيرة في أمريكا الجنوبية. وسوف يرسم القبطان ~~بوفورت المسار عن طريق بحر الجنوب. إنني أكتب باستعجال ~~كبير، وأنا لا أعرف ما إن كان الأمر يثير اهتمامك بالدرجة ~~الكافية التي تجعلك تعذرين هذا الخطاب الذي يطول إلى ~~ثلاثة أضعاف الحجم المعتاد للخطابات، أم لا. أتمنى أن ~~يكون رأيي سليما في القبطان فيتزروي، وألا يكون بدافع ~~التحيز؛ وإن كان كذلك، فأنا ms187 واثق أننا سنتفق. سوف ~~أتناول معه العشاء اليوم. يمكنني أن أكتب الكثير إن كنت ~~أعرف أنك ستحبين هذا، وكذلك لو كان لدي وقت. لا شك ~~بأن المرء ليصادف الفرص في حياته، ولقد خبرت ذلك، وقد ~~تخليت عنها «تماما» إلا فرصة اليوم. # خالص مودتي إلى أبي، وإلى اللقاء يا عزيزتي ~~سوزان. # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى جيه إس هنزلو # لندن، الاثنين [5 سبتمبر، ~~1831] # سيدي العزيز ~~«المجد للرب»، ذلك هو أبسط ما يمكنني أن أفكر في البدء ~~به. إن الظروف مواتية بأكثر مما كنت أظن أنها يمكن ~~أن تكون عليه. القبطان فيتزروي رجل رائع في كل شيء؛ فإن ~~حاولت الثناء عليه ولو بنصف مقدار ما أكنه له، لظننت ~~بأنني أتكلم عبثا؛ إذ إنني لم أره سوى مرة واحدة. أعتقد ~~أنه يود حقا في أن يصطحبني معه؛ فهو يعرض علي أن ~~أتناول الطعام معه، وأنه سيحرص على أن أحظى بأكبر مساحة ~~ممكنة، لكنه يقول إن علي تقليل حجم الأمتعة؛ فهو يفكر ~~في الحجم من وجهة نظر البحارة. ويقول القبطان بوفورت بأنني ~~سأقيم على السفينة، وأن ذلك لن يكلفني إلا كتكلفة باقي ~~الضباط. ستبحر السفينة في العاشر من أكتوبر، وستبقى ~~أسبوعا في جزر ماديرا، ثم ترحل إلى ريو دي جانيرو. يرى ~~الجميع أنه من المرجح جدا أن نعود إلى الوطن عن طريق ~~الأرخبيل الهندي، لكنني لن أتيقن من ذلك حتى يصدر ~~القرار. # إن ما حث القبطان فيتزروي على النظر للأمر بطريقة ~~أفضل هو أن السيد تشستر الذي كان سيذهب معه بصفته ~~صديقا، لا يستطيع الذهاب؛ ولهذا، فإنني سوف أحظى بمكانه ~~في جميع الجوانب. # يمتلك القبطان فيتزروي، مجموعة جيدة من الكتب، وقد كان ~~العديد منها ضمن قائمتي، وهو يمتلك كذلك بعض البنادق وغير ~~ذلك؛ ولهذا فسوف تكون تكلفة التجهيزات أقل مما كنت ~~أحسبه. # ستظل السفينة في تجوالها لمدة ثلاثة أعوام، وأنا لا ~~أمانع في ذلك، لما كان أبي لا يعارضه. لدي مقابلة ~~أخرى مع القبطان بوفورت في يوم الأربعاء، وسأذهب مع ~~القبطان فيتزروي إلى ms188 بليموث في يوم الأحد على الأرجح؛ لذا، ~~أتمنى أن تواصل التفكير في الأمر وأن تسجل ما قد ~~يتبادر إلى ذهنك بشأنه. سوف أزور السيد بورتشل على الأرجح ~~وأعرفه بنفسي. إنني أقيم بنزل في 17 سبرينج جاردنز. ~~لا يمكنك أن تتخيل كيف كان القبطان فيتزروي لطيفا وعطوفا ~~وصريحا في تعامله معي. إنني متأكد أنه سيكون خطئي إن لم ~~نتوافق فيما بيننا. # لكم مر بي من تغيرات! فحتى الساعة الواحدة اليوم، كنت ~~أتطلع لصيد الثعالب في شروبشاير، والآن لصيد اللاما في ~~أمريكا الجنوبية. # لا شك في أن المرء يصادف الفرص في حياته التي عليه أن ~~يغتنمها قبل فوات الأوان. إذا رأيت السيد وود، فأبلغه أرق ~~تحياتي. # إلى اللقاء يا عزيزي هنزلو # صديقك الأشد إخلاصا # تشاز داروين # فلتعذرني في كتابة هذا الخطاب بمثل هذه ~~العجلة. # من تشارلز داروين إلى دابليو دي فوكس # 17 سبرينج جاردنز، لندن # 6 سبتمبر، 1831 ~~... # لقد سرني خطابك سرورا عظيما. لا يمكنك أن تتخيل كيف ~~أزعجني خطابك السابق وآذاني. [كان قد أساء فهم أحد ~~خطابات فوكس على أنه يشير إلى اتهامه بالكذب.] لكن شكرا ~~للرب، إنني متيقن من أنه كان خطئي «بالكامل» أن أسأت ~~تأويل خطابك. لقد فقدت صديقا مؤخرا، وأنا أشك فيما إن ~~كان الموت المعنوي لصداقتنا (كما أسأت الافتراض) لم ~~يحزني بقدر ما أحزنتني تلك الفاجعة الحقيقية بموت ~~المسكين رامزي على حين غرة. إننا نعرف بعضنا منذ فترة ~~طويلة للغاية، مما يجعلني أثق أننا لا نحتاج إلى المزيد من ~~التبريرات. لكنني سأذكر أمرا واحدا فقط: حين أكون على ~~فراش الموت، أعتقد أنه يمكنني القول إنني لم أتفوه قط بأي ~~عبارة غير صادقة عن قدرك عندي. وسأضيف أمرا آخر: ~~أقسم بشرفي أن موضوع إرسال الحشرات «في الحال» كان ~~تصادفا غير موفق. لقد نسيت كيف أنك ستأخذها بطبيعة ~~الحال. أتمنى ألا يتبادر إلى ذهنك أي مشاعر قاسية حين ~~تنظر إليها الآن، وأتمنى أن تصدق أنني كنت لك دوما ~~صديقا مخلصا وممتنا أيضا. إن ما قضيناه معا في ~~كامبريدج من ms189 الكثير من الأوقات السعيدة، قد ظهرت أمامي ~~كأنها أرواح الراحلين تحاكمني. ليتنا نحظى بالمزيد من ~~مثل هذه الأوقات، وستكون هذه هي آخر أمنياتي عند مغادرة ~~إنجلترا. ليباركك الرب يا عزيزي الغالي فوكس، ولعلك تنعم ~~دائما بالسعادة. # صديقك المخلص # تشاز داروين # لقد خلفت خطابك؛ لذا، فإنني لا أعرف ما إن كنت أرسله إلى ~~الوجهة الصحيحة أم لا. # من تشارلز داروين إلى الآنسة سوزان ~~داروين # 17 سبرينج جاردنز، الثلاثاء ~~[6 سبتمبر 1831] # عزيزتي سوزان # سوف أزعجك مرة أخرى. أعتقد أنني إن واصلت بهذا ~~المعدل، فإنك ستتمنين بصدق أن أرحل إلى تييرا ديل ~~فويجو أو أي مكان آخر سوى إنجلترا. في البداية، سأذكر ~~طلباتي. أخبري نانسي أن تصنع لي اثني عشر قميصا بدلا من ~~ثمانية. وأخبري إدوارد أن يرسل لي في حقيبة سفري (يمكنه ~~أن يضع المفتاح في الحقيبة مربوطا بحبل) خفي المنزلي، ~~وحذاء خفيفا للسير، وكتبي الإسبانية ومجهري الجديد ~~(الذي يبلغ طوله ست بوصات وعمقه ثلاث بوصات أو أربعا) ~~الذي يجب حشوه بالقطن من الداخل، وبوصلتي الجيولوجية؛ ~~والدي يعرف هذا، وكتابا صغيرا، إن كان موجودا في غرفتي، ~~عنوانه «تحنيط الحيوانات ». اسألي أبي إن كان ثمة مانع ~~إن تناولت الزرنيخ لفترة وجيزة؛ فيداي ليستا بخير، ~~ولطالما لاحظت أنهما إذا تحسنتا وغيرت أسلوب حياتي في ~~الوقت نفسه، فسوف تظلان بخير بصفة عامة. ما هي الجرعة؟ ~~أخبري إدوارد أن بندقيتي متسخة. أين يوجد إيرازموس؟ ~~أخبريني إن كنت تعتقدين أنه يوجد وقت للرد وتسلمه ~~قبل أن أبدأ؛ إذ إنني أرغب في معرفة رأيه في الأمر ~~تحديدا. أظن أنك لا تعرفين مكان السير جيه ~~ماكينتوش؟ # إنني أكتب كل هذا وكأن الأمر قد تقرر بالفعل، لكن ~~الحال لم يتغير عما كان عليه، فيما عدا أن القبطان ~~فيتزروي يتمنى بشدة أن أذهب، ومما يبديه من عطف فإنني ~~أشعر بأنه سيكون من نصيبي أن أذهب. لقد قضيت معه ~~أمسية لطيفة للغاية أمس. لا بد أن عمره يزيد على ~~ثلاثة وعشرين عاما، وهو ضئيل الحجم، ويشبه السيد كينستون ~~في وسامته، لكنه أكثر ms190 اسمرارا. وأما أخلاقه، فأنا أرى ~~أنه يتمتع بمكارم الأخلاق دون نزاع. إنه يحب الاقتصاد في ~~كل شيء، فيما عدا أمرا واحدا، وهو الأسلحة النارية، ~~وهو يوصيني بشدة بأن أبتاع حقيبة من المسدسات مثل تلك ~~التي يمتلكها، والتي يبلغ ثمنها ستين جنيها! وهو يوصيني ~~أيضا بألا أذهب إلى أي شاطئ دون أن يكون معي مسدسات ~~محشوة، لكنه غير متأكد بشأن أهمية حصولي على بندقية؛ ~~فهو يقول إنه لا يمكنني أن أدرك قيمة رفاهية حصولي على ~~اللحم الطازج هنا. لن أبتاع شيئا بالطبع حتى يتحدد كل ~~شيء، لكنني أعمل طوال النهار على قوائمي، فأضع فيها بنودا ~~وأحذف منها أخرى. إن هذا هو أول يوم مبهج بالفعل أقضيه ~~منذ أن تسلمت الخطاب، وكل ذلك بسبب الثقة التي اخترت أن ~~أضعها في تصوري المثالي للقبطان. # سنتوقف في تينيريف، وهدفه هو أن نتوقف في أكبر عدد ~~ممكن من الأماكن. سيأخذ معه عشرين من أجهزة الكرونومتر، ~~وسيكون «إثما» ألا نحدد خط الطول. وهو يطلب مني أن ~~أحصل من ديوان البحرية على إذن كتابي يفيد بأن لي ~~حرية الاختيار في المغادرة متى رغبت في ذلك على الفور. ~~يمكنني القول بأنك تتوقعين عودتي من جزر ماديرا، ~~لكنني لن أتخلى عن هذه الفرصة، ما دامت صحتي تسمح بذلك. ~~فلتعذري إزعاجي إياك وكتابتي الكثيرة إليك؛ فالأمر الأول ~~مفيد لي، وأما الثاني، فهو ممتع للغاية. أغلب الظن أنني ~~سأكتب لك غدا، فلتجيبي مع عودة البريد. خالص مودتي إلى ~~أبي، أيتها الغالية سوزان. # سي داروين # نظرا لأن أدواتي تحتاج إلى التغيير، فلترسلي أغراضي عبر ~~عربة بريد «ذي أوكسونين» في الليلة نفسها. # من تشارلز داروين إلى الآنسة سوزان ~~داروين # لندن، صباح الجمعة، 9 سبتمبر، 1831 # عزيزتي سوزان # لقد تسلمت الطرد لتوي. أعتقد أنه لم يصل أمس بسبب ~~مراسم التتويج [تتويج ويليام الرابع]. إنني في غاية ~~الامتنان لوالدي، وكذلك الجميع. لقد تم كل شيء ~~بالطريقة الصحيحة. أظن أنه بحلول هذا الوقت تكونين قد ~~تسلمت خطابي في اليوم التالي، وأتمنى أن ترسلي ~~الأغراض. لا تزال ms191 أموري على ما هي عليه. يقول القبطان ~~بوفورت إنني مدرج ضمن سجلات الطعام، وهو يعتقد أنني لن ~~أواجه صعوبة بشأن مجموعاتي من العينات حين أعود إلى ~~المنزل. لكنه شخص عميق للغاية ولا يمكنني سبر أغواره. ~~إن الشيء الوحيد الذي يمنعني الآن من حسم أمري بصفة ~~نهائية، هو أنني أحتاج إلى التأكد بشأن جزر بحر الجنوب، ~~بالرغم من أنني أثق في شعوري بأننا سوف نذهب إلى هناك، ~~سواء أكان ذلك ضمن التعليمات أم لا. ويقول القبطان ~~فيتزروي إنني أفعل خيرا بالإلحاح على القبطان بوفورت؛ إذ ~~إن ذلك يذكره ويحفزه. ويقول كذلك إنه واثق بأنه ~~مهتم بالدرجة الكافية لأن يأمر بعودة السفينة من أي ~~طريق يرغب فيه، حتى وهو بالخارج، (لا سيما إن كانت هذه ~~الإدارة غير دائمة. إنني سوف أصبح مؤيدا لحزب ~~المحافظين حين أعود!) ووفقا لما يقوله وود، فإنني أعتقد ~~أن الدوق جرافتون والدوق ريتشموند، يهتمان لأمره. ~~وبالمناسبة، لقد أسدى لي جمائل كثيرة، وأنا متأكد من ~~أن تقديمه لي للقبطان فيتزروي قد جعله يميل إلى اصطحابي ~~معه. # ولكي أشرح الأمور من البداية: كان القبطان فيتزروي يرغب ~~في اصطحاب مختص بالتاريخ الطبيعي، ثم يبدو أنه قد انتابه ~~الذعر فجأة من احتمالية أن يصطحب شخصا لا يعجبه على متن ~~السفينة. وهو يعترف بأن خطابه إلى كامبريدج قد كان بغرض ~~إحباط الخطة. لا أظن أننا سنتشاجر بشأن السياسة، بالرغم ~~من أن وود (وذلك كما هو متوقع منه بصفته واحدا من أهل ~~لندنديري) قد حذر فيتزروي كثيرا من أنني مؤيد لحزب ~~الأحرار. كان القبطان فيتزروي في حضور عمي جوز، وقد قال: ~~«والآن سيخبرك أصدقاؤك بأن القبطان هو أكثر المخلوقات ~~قسوة على وجه الأرض. وأنا لا أعرف كيف يمكن لي أن أساعدك ~~في هذه الحالة، إلا بأن أتمنى أن تجربني.» لكم تتغير ~~الأمور! إنني أتمنى الآن بالفعل أن تطول الرحلة قبل أن تطأ ~~أقدامنا اليابسة. إنني أشعر بدمي يجري باردا من الرهبة ~~إزاء كل ما سيكون علي القيام به. الجميع يبدون على ~~استعداد لمساعدتي، وترغب ms192 جمعية علم الحيوان في انضمامي ~~لها بصفتي عضوا بالمراسلة. كل ذلك يمكنني تحقيقه وأنا لم ~~أعبر خط الاستواء بعد. والأهم أنني تعرفت على صديق مهم ~~للغاية، وهو السيد ياريل، وهو بائع كتب ومختص تاريخ ~~طبيعي ممتاز. وهو يذهب معي إلى المتاجر ويساوم في الأسعار ~~(لا يعني هذا أنني قد ابتعت شيئا بعد)؛ حاسبيني إن ~~أنفقت ستين جنيها على المسدسات. # أمس كانت جميع المتاجر مغلقة؛ لذلك لم أستطع أن أفعل ~~أي شيء، وقد تصرفت بقدر كبير من الطفولة حتى إنني ~~دفعت جنيها وشلنا لكي أحصل على مقعد ممتاز لرؤية موكب ~~التتويج، وقد كان جديرا بالرؤية دون شك. لقد كنت مندهشا ~~من أن أي كمية من الذهب قد تجعل صفا من الناس ~~يلتمعون. لقد كان الأمر أشبه بما يراه المرء في الكتب ~~المصورة للمواكب الشرقية. بدا الملك بحال جيدة للغاية، ~~ومحبوبا كذلك، غير أن الحماس كان طفيفا للغاية، حتى ~~إنه لا يسعني سوى أن أفكر أنه لن يكون لدينا تتويج ~~ملكي بعد خمسين عاما. # لقد استمتعت برؤية الحرس الملكي كثيرا؛ فهم رائعون ~~للغاية، ومن الرائع أن تريهم وهم يفرقون الحشود. ~~يعتقد المرء أنهم لا بد سيقتلون عشرين شخصا على الأقل، ~~لكنهم لا يؤذون أي أحد فيما يبدو، وجل ما يفعلونه هو ~~إخافة الناس ليس إلا؛ فمتى تكثف حشد في مكان واحد وكان ~~من الصعب إزاحته عن الطريق، تقدم إلى هذا المكان أحد ~~هؤلاء الرجال الذين يبلغ طول الواحد منهم ستة أقدام، على ~~فرس أسود يأخذ في الصهيل عاليا جدا، ثم يهبط بقائميه ~~في البقعة التي يتجمع بها أكبر عدد من الناس. وإنك ~~ستتخيلين حينئذ أن المادة المصنوع منها البشر هي ~~الإسفنج؛ إذ ترينهم يتضاءلون مبتعدين. # في المساء، كانت ثمة إضاءة أضخم كثيرا من تلك التي ~~كانت موجودة عند الاحتفال المتعلق بقانون إصلاح نظام ~~الانتخاب. وكانت الشوارع الرئيسية كلها مكتظة وكأنها ~~فناء للسباق. وعامة كانت العربات تسير، ست في كل صف، ~~بعضها بجوار بعض، وأكاد أجزم بأنها لا تسير بسرعة ميل في ~~الساعة. ms193 لقد تعلم دوق نورثمبرلاند درسا في المرة ~~الماضية؛ لقد كان منزله كبيرا للغاية، وهو أكبر منزل في ~~منازل النبلاء، وكذلك أفضلها ذوقا؛ فقد كانت جميع النوافذ ~~في هذا المنزل تمتلئ بخطوط مستقيمة من الأضواء اللامعة، ~~وقد كان لها تأثير جميل نظرا لعددها وانتظامها الشديد. ~~لقد كانت ندرة الابتكار أمرا لافتا للأنظار؛ فقد ~~تكررت التيجان والمراسي وكذلك الحرفان # W. R. # إلى ما لا ~~نهاية. وأما أجمل شيء، فقد تمثل في أنابيب الغاز التي ~~كانت تحتوي على ثقوب صغيرة؛ فقد كانت تلمع لمعانا شديدا ~~حتى إنه يكاد يصبح مؤلما. لقد كتبت الكثير عن التتويج، ~~لدرجة أنني أظن أنه لن يتسنى لك أن تقرئي جريدة «ذا ~~مورنينج هيرالد». # للمرة الأولى في حياتي تقريبا أجد أن لندن تعجبني ~~بشدة؛ فالعجلة والنشاط والضوضاء، جميعها في تناغم مع ~~مشاعري. ولدي الكثير لأفعله في أوقات فراغي القصيرة؛ ~~إنني أدرس علم الفلك؛ إذ إنني أعتقد أن عدم القدرة على ~~تحديد دوائر العرض وخطوط الطول، سيكون أمرا مفاجئا لأي ~~بحار. سأذهب الآن إلى القبطان فيتزروي، وسأترك [هذا] ~~الخطاب مفتوحا حتى المساء؛ فلربما حدث شيء. سأقدم لك ~~دليلا على كون فيتزروي ضابطا جيدا؛ إن كل ضباطه لم ~~يتغيروا؛ فثلثا طاقمه وثمانية من ضباط البحرية الذين ~~ذهبوا معه قبل ذلك، قد عرضوا عليه الذهاب مجددا؛ لذا لا ~~يمكن أن يكون العمل معه سيئا للغاية. وقد أصدر ديوان ~~البحرية لتوه أوامره بجلب كميات كبيرة من اللحوم ~~المعلبة وعصير الليمون وغير ذلك. لقد عدت لتوي بعد ~~قضاء يوم طويل مع القبطان فيتزروي، إذ قضيناه في التجول ~~بعربته الخفيفة ذات العجلتين والتسوق. إن هذا الخطاب ~~قد أصبح متأخرا للغاية؛ فلا يمكن إرساله في بريد اليوم. ~~يمكنك أن تعتبري أن الأمر قد استقر على ذهابي، إلا أن ~~يتغير أي شيء أو يحدث ظرف خارجي، وهو ما لا أستطيع أن ~~أرى أي سبب لتوقعه. إنني أشعر بالاقتناع بأنه لا شيء ~~سيغير من رغبتي في الذهاب. لقد بدأت في ترتيب الأمور؛ ~~فابتعت مجموعة جيدة من المسدسات المتينة ms194 وبندقية ~~ممتازة مقابل خمسين جنيها؛ لقد وفرت في هذه الصفقة، ~~وابتعت تلسكوبا جيدا مع بوصلة مقابل خمسة جنيهات، ~~وذلك هو كل ما سأحتاج إليه تقريبا من الآلات الباهظة ~~الثمن؛ فالقبطان فيتزروي يملك كل شيء. إنني لم أر قط (ما ~~يمكنني أن أدعوه) رجلا مسرفا جدا فيما يخصه، ومقتصدا ~~فيما يخصني، غير أنه ينكر ذلك. لقد رتب الأمور بطريقة ~~مدهشة. إن أسلحته النارية سيبلغ ثمنها أربعمائة جنيه على ~~الأقل. لقد وجدت حقيبة السفر حين وصلت، وقد كانت سليمة ~~وبحال جيدة، وأنا ممتن لذلك كثيرا. أعتقد أنه لا ينبغي ~~أن أتناول الزرنيخ على الإطلاق. سأرسل طيور الحجل إلى ~~السيد ياريل، شكرا جزيلا. اطلبي من إدوارد أن «يتفق» مع ~~كليمسون على أن يصنع لبندقيتي زنادين إضافيين، ونابضين ~~أساسيين، ونابضي حرق، وأربع فونيات أو سدادات؛ أعني ~~واحدا لكل ماسورة، فيما عدا الفونيات؛ اثنتين لكل ~~ماسورة، ويجب أن تكون جودة كل هذه ممتازة، وأخبريه أن ~~يرسلها في الحال، واطلبي من إدوارد أن يسأل عن الأسعار. ~~سأذهب يوم الأحد إلى بليموث في قارب البريد والبضائع، ~~وسأمكث هناك يوما أو يومين، وسأعود بعد ذلك، وآمل أن ~~أجد منك خطابا حينئذ. سأقضي بضعة أيام في لندن، ثم ~~أذهب إلى كامبريدج، ومنها إلى شروزبيري، ثم إلى لندن، ثم ~~بليموث، ثم ماديرا، وذلك هو طريقي. أعرف أن إسهابي في ~~الكتابة عن التتويج أمر ممل للغاية، وقد كان بإمكاني أن ~~أملأ ورقة أخرى. لقد كنت للتو مع القبطان كينج، وهو ~~الضابط الذي كان يرأس فيتزروي في البعثة الماضية، وهو ~~يعتقد أن البعثة ستناسبني. ودون أن أسأله، قال إن ~~مزاج فيتزروي ممتاز، وهو سيرسل معه ابنه بصفته ضابطا ~~بحريا متدربا. لقد نسي مفتاح مجهري، لكن هذا ~~ليس بالأمر الهام. خالص مودتي للجميع. # تشاز داروين # من تشارلز داروين إلى دابليو دي فوكس # 17 سبرينج جاردنز (وسوف أبقى هنا إلى أن ~~أنطلق) ~~[19 سبتمبر 1831] # عزيزي فوكس # لقد عدت من رحلتي لرؤية «البيجل» في بليموث، في يوم ~~السبت، ووجدت خطابك الكريم على طاولتي. إنه لأمر ms195 غريب ~~للغاية أن يبدو لي العشرون يوما الماضية فترة طويلة ~~للغاية؛ لقد بدت بالفعل أطول كثيرا من أسابيع عديدة في ~~الأحوال المعتادة، وهو ما يفسر نسياني للقدر الذي ~~أخبرتك به من خططي. ~~... # لكن بوجه عام هذه فرصة عظيمة وطيبة؛ فسوف يكون هناك ~~الكثير من الأشياء التي تثير اهتمامي؛ مثل المناظر ~~الطبيعية الجميلة، والكثير جدا من العمل في مختلف فروع ~~التاريخ الطبيعي والاستمتاع به، وكذلك فإن السفر ~~والجوانب المتعلقة بالأرصاد الجوية، من الأمور التي ~~سأستمتع بها في الرحلة؛ ومع الوضع في الاعتبار الأمر ~~الأساسي المتمثل في أن طاقم الضباط فيها دمث الطباع، ~~يمكنني القول بأن ذلك أمر مؤكد. وعلى الجانب الآخر، ~~ثمة قدر كبير جدا من المخاطرة بحياتي وصحتي، وكذلك ~~الغياب لفترة طويلة جدا عن الأشخاص الذين أحبهم ~~بشدة، يصبح مؤلما للغاية في أغلب الأحيان، حتى إنه ~~يستلزم كل عزمي لأتغلب عليه. بالرغم من ذلك، فقد ~~استقرت الأمور الآن، وقبل حلول العشرين من أكتوبر، أثق ~~في أنني سأكون في عرض البحر. إن اعتراضي على السفينة هو ~~صغر حجمها، وهو ما يقيد المساحة التي سأحصل عليها ~~لشخصي وكل أمتعتي وما إلى ذلك. وأما بالنسبة إلى أمانها، ~~فأعتقد أن ديوان البحرية هو الأكثر دراية وخبرة به؛ فهي ~~تبدو صغيرة للغاية لرجل قليل الخبرة بالبحر. إنها ~~سفينة مسلحة بعشرة مدافع، ولها ثلاثة صوار ذات ~~أشرعة مربعة، لكنني أعتقد أنها سفينة ممتازة. لقد ~~حكيت الكثير عن خططي المستقبلية، والآن سأحكي عن خططي ~~للوقت الحالي. سأذهب هذه الليلة إلى كامبريدج في عربة ~~البريد، وبعد أن أرتب أموري، سأذهب من هناك إلى ~~شروزبيري (سيكون ذلك على الأرجح في الثالث والعشرين ~~الموافق يوم الجمعة أو ربما قبل ذلك) وسأبقى هناك لبضعة ~~أيام، ثم أذهب إلى لندن بحلول الأول من أكتوبر، ثم أنطلق ~~إلى بليموث في التاسع من الشهر نفسه. # أما الآن، فسوف أبدأ في الجزء الأهم من خطابي. إنني لا ~~أدري كيف أعبر لك عما رأيت أنه لطف شديد من جانبك ~~فيما يتعلق بما عرضته علي من المجيء ms196 لرؤيتي قبل أن ~~أغادر لندن. سوف أحب ذلك كثيرا بالطبع، لكن علي أن ~~أخبرك بأنه لن يكون لدي سوى قدر ضئيل جدا من وقت ~~الفراغ، وحتى هذا الوقت الضئيل الذي يمكن أن أقضيه معك ~~سيفسده علي غالبا أنه سيكون لدي الكثير جدا من ~~الأمور التي ينبغي أن أفكر فيها، ثم إنني لا أظن أن ~~الأمر يستحق أن تترك أبرشيتك لمثل هذا السبب، لكنني لن ~~أنسى أبدا لطفك وكرمك هذا. والآن، فإنني أعرف أنك سوف ~~تفعل ما ترى أنه الصواب، لكن لا تأتي من أجلي فقط. الوقت ~~كله سواء عندي، وأعتقد أنه بداية من هذا الخطاب، ستعرف ~~خططي بقدر ما أعرفه منها، وسوف تحدد المكان الذي يمكن ~~أن تكتب لي فيه وكذلك الموعد المناسب لذلك. تنتابني بين ~~الحين والآخر لحظات رائعة من الحماس حين أفكر في أشجار ~~البلح والكاكاو والنخيل ونباتات السرخس، وهي جميلة وباسقة ~~للغاية، وكل شيء جديد وينطق بالجلال. ولو أنني عشت ~~لأتأمل بعض السنوات بعد عودتي، فلكم ستكون عظيمة هذه ~~الذكريات! هل تعرف هومبولت؟ (إن لم تكن تعرفه، فتعرف ~~إليه مباشرة.) لكم يبدو عليه السرور الشديد دوما حين ~~يتذكر الأيام التي قضاها في البلاد الاستوائية! في المرة ~~التالية التي تكتب فيها إلى أوزموستون، أتمنى أن تخبرهم ~~بخطتي، وأن تبلغهم خالص تحياتي وأمنياتي بلقائهم على ~~خير. # إلى اللقاء يا عزيزي فوكس # المخلص لك دوما # تشاز داروين # من تشارلز داروين إلى آر فيتزروي # 17 سبرينج جاردنز [17 (؟) أكتوبر ~~1831] # عزيزي فيتزروي # أشكرك شكرا جزيلا على خطابك. لقد بعث في راحة ~~كبيرة؛ إذ كان سيصبح أمرا مؤلما للغاية إن ننس شيئا، ~~وما كان ينبغي لي قط أن أفكر في إرسال الأغراض في ~~سفينة أخرى. أثق في أن هذا الخطاب سيصل مع بعض من مسحوق ~~التلك. لقد قرأت خطابك دون الانتباه إلى الاسم، لكنني ~~الآن قد حصلت على بعضه من جونز، وهو يبدو جيدا للغاية، ~~وسوف أرسله مساء في البريد. سوف تفاجأ من عدم رؤية شخصي ~~ورؤية خط يدي بدلا منه، لكنني قد ms197 اكتشفت للتو أن ~~القارب البخاري الكبير لن يبحر يوم الأحد، وقد كنت ~~أتخيل نفسي في مقصورة صغيرة متسخة، مع ما يقرب من تسعة ~~وثلاثين من الركاب أو أربعين منهم، يعانون من مرض شديد، ~~وذلك حين أتى السيد إيرل وأخبرني أن «البيجل» لن تبحر ~~حتى بداية نوفمبر؛ وبالتالي، فعلي أن أقضي أسبوعا آخر ~~في لندن. سوف أرسل الأغراض الثقيلة بالمركبة البخارية، ~~وأنطلق أنا بالعربة مساء يوم الأحد. # ألديك مجموعة جيدة من أجهزة قياس الضغط الجوي للجبال؟ ~~لقد أخبرني العديد من الخبراء الكبار في الأوساط العلمية ~~ببعض النقاط في الجيولوجيا التي علي أن أتأكد منها ~~والتي تتوقف كليا على ارتفاعها النسبي. إذا لم يكن ~~لديك عدد كاف منها، فسوف أضيف واحدا إلى القائمة. يجب ~~أن أخجل من نفسي إذ أحملك هذا العناء، لكن هل لك أن ~~«ترسل خطابا قصيرا» لترد علي في هذا الشأن؟ إنني ~~أزداد تلهفا إلى الانطلاق في كل يوم، وإن كان ذلك هو ~~حالي، فلا بد أنك أكثر مني تلهفا وشوقا. كم سيكون ~~الرابع من نوفمبر يوما رائعا بالنسبة لي! ستبدأ حياتي ~~الثانية حينئذ، وسوف يكون ذلك عيد ميلاد لي بقية ~~حياتي. # خالص الود يا عزيزي فيتزروي # المخلص لك # تشارلز داروين # الاثنين: أتمنى أنني لم أتسبب لك في الكثير من الإزعاج إذ ~~طلبت أن تكون الغرفة جاهزة. # من تشارلز داروين إلى جيه إس هنزلو # ديفنبورت، 15 نوفمبر، 1831 # عزيزي هنزلو # لقد صدرت الأوامر من ديوان البحرية بشأن الرحلة، ~~واستقرت الأمور جميعها أخيرا. ومن المؤكد أننا ~~سنبحر في اليوم الأخير من هذا الشهر، وأعتقد أن السفينة ~~ستكون جاهزة قبل حلول هذا الوقت. إنها تبدو جميلة ~~للغاية، ولا يسع المرء، حتى إن كان عديم الخبرة بالبحر، ~~إلا أن يعجب بها. «إننا» جميعا نعتقد أنها أفضل السفن ~~التي أنتجتها الترسانة البحرية. والأمر المؤكد أنها قد ~~صنعت بأثمن الخامات وجهزت بعناية شديدة؛ فكل ما يمكن ~~أن يصنع من خشب الماهوجني، قد صنع به، ولا شيء يمكن أن ~~يفوق أناقة جميع المرافق الخاصة بها ms198 وجمالها. إن ~~التعليمات الخاصة بالسفر عامة للغاية، وهي تترك قدرا ~~كبيرا لتقدير القبطان وحكمه على الأمور، وهي تتضمن ثناء ~~جوهريا عليه، وثناء لفظيا أيضا. ~~... # إنها أول سفينة تغادر إنجلترا، وهي تحمل هذا القدر ~~من أجهزة الكرونومتر، التي يبلغ عددها أربعة وعشرين، والتي ~~جميعها يتميز بجودته العالية. باختصار، إن كل شيء على ما ~~يرام، ولا يتبقى لي سوى أن أدعو بأن تخف حدة المرض ~~قليلا، وسوف أكون بخير حال. بالرغم من ذلك، فلن أقول ~~إنها أفضل فرصة قد حدثت في مجال التاريخ الطبيعي على ~~الإطلاق؛ فضيق المساحة شر لا يمكن أن يعلو عليه شيء. ~~أعتقد أن إل جينينز قد تصرف بحكمة كبيرة بعدم المجيء، ~~وذلك رأيي وفقا لما أشعر به؛ فأنا متيقن من أنني لم أكن ~~لأستطيع تحمل ذلك «أبدا»، لو أنني كنت قد تخرجت من ~~الكلية قبل عدة سنوات أو كنت أكبر من ذلك بسنوات. إن ~~الضباط (فيما عدا القبطان) يبدون كالمبتدئين حديثي ~~العهد في سلوكهم، لكنهم يختلفون عن ذلك كثيرا في أي ~~شيء آخر. أبلغه أرق تحياتي، وأخبره بأنه إن كان يحلم ~~في الليل أحيانا بأشجار النخيل، فيمكنه أن يعزي نفسه ~~في الصباح بأن يؤكد لنفسه أن الرحلة لم تكن ~~لتناسبه. # إنني ممتن جدا لجهدك معي بشأن الرياضيات. أظن أنني ~~حين أواجه صعوبة مع أحد المثلثات، فإنني سأتمنى لو كنت ~~في غرفتك، وأما بالنسبة إلى هذه الجذور الصماء اللعينة ~~الكئيبة، فلست أدري ما كنت سأفعله دون أن تأتي أنت ~~بحل لها. إنني أستمتع كثيرا بقضاء وقتي، وقد تعرفت ~~على عدد من الأشخاص اللطفاء، وألطفهم على الإطلاق هو ~~السيد ثاندر آند لايتنينج هاريس [ويليام سنو هاريس، ~~أخصائي الكهرباء]، الذي يمكنني أن أزعم أنك قد سمعت عنه. ~~إن شاغلي الأهم، هو أن أركب على ظهر «البيجل»، وأن ~~أحاول أن أبدو كبحار قدر الإمكان. وليس لدي دليل ~~عن اصطحاب أي نساء أو أطفال. # سوف أطلب منك مهمة أخرى، وأنا أثق بأنها ستكون ~~الأخيرة. حينما كنت في كامبريدج، أرسلت إلى السيد آش، ~~أطلب ms199 منه أن يرسل حساب الكلية الخاص بي إلى أبي بعد خصم ~~ثلاثين جنيها مقابل أثاثي. وقد نسي هو ذلك، ودفع أبي ~~الفاتورة بأكملها وأنا أريد أن ترسل نقود الأثاث ~~إلى أبي. فهل يمكنك أن تتكرم بالتحدث إلى السيد آش؟ لقد ~~كلفت والدي الكثير من النقود، وإنني لأخجل من ~~نفسي. # سوف أكتب إليك مرة أخرى قبل الإبحار، وربما تمكنت أنت ~~أيضا من الكتابة لي قبل ذلك. # أبلغ تحياتي للبروفيسور سيجويك والسيد بيكوك. # خالص مودتي إليك # المخلص المحب # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى جيه إس هنزلو # ديفنبورت، 3 ديسمبر 1831 # عزيزي هنزلو # أكتب إليك في وقت متأخر من المساء، وأنا، الليلة، ~~سأبيت على متن السفينة. سنبحر يوم الاثنين بكل تأكيد؛ ~~لذا يمكنك أن تدرك ما نحن فيه جميعا من ارتباك شديد. لو ~~أنك سمعت ما يتحدث به الضباط من تعجب، لظننت أننا لم ~~نعرف بالأمر إلا منذ أسبوع على أكثر تقدير. إنني ~~«متفاجئ» أيضا مثلهم ولا أدري ما الذي يجب أن أفعله في ~~مثل هذه الجلبة؛ فالأشياء التي يجب فعلها لا تنتهي. إنني ~~أتطلع إلى أي شيء ولو حتى دوار البحر بشيء من الرضا؛ ~~فأي شيء سيكون أفضل من هذه الحالة من القلق. إنني ~~ممتن للغاية لخطابك الأخير وما تبديه فيه من عطف ~~ومودة. إنني أحب أن أطلب منك النصيحة دوما، وإنني لا ~~أجد فيمن حسن حظي بمعرفتهم، من هو أقدر منك على ~~بذلها. تذكر حين تكتب لي أنني تلميذك وأنه من واجبك أن ~~ترشدني. # والآن، سوف أخبرك باتجاهي؛ سوف نتجه أولا إلى ريو، لكن ~~إن كنت سترسل إلي خطابا في أول يوم ثلاثاء (حين ~~تبحر الباخرة) في فبراير موجها إلى مونتي فيديو، فسوف ~~يسرني ذلك كثيرا؛ فسوف أستمتع كثيرا بمعرفة القليل من ~~أخبار كامبريدج. ما أروعك يا جامعتي القديمة العزيزة ~~المسكينة! إنني جدير بأن أكون ابنا لك، حين يتعلق الأمر ~~بالعاطفة. لا يزال لدي القليل لأكتبه ... لا يمكنني أن ~~أنهي هذا الخطاب دون أن أخبرك بمدى امتناني لما أبديته ~~تجاهي ms200 من لطف خلال حياتي في كامبريدج؛ إذ يعود الفضل إليك ~~في القدر الأكبر الذي حظيت به منها من السرور والمنفعة. ~~إنني أشتاق للقائنا مجددا، وإلى ذلك الحين، لك مني خالص ~~مودتي يا عزيزي هنزلو. # صديقك المحب والمخلص # تشارلز داروين # أبلغ تحياتي إلى جميع من يهتم لأمري. # الفصل السادس # | الرحلة # «ثمة حيوية تتسم بالتلقائية والانطلاق في خطاباته، كما هو ~~الحال فيما يتعلق به تماما.» من خطاب من الدكتور آر دابليو ~~داروين إلى البروفيسور هنزلو. ~~[يصف أبي الهدف من رحلة «البيجل» باختصار في عمله «يوميات ~~الأبحاث»، الصفحة 1، فيقول: «استكمال مسح باتاجونيا وتييرا ديل ~~فويجو، الذي بدأه القبطان كينج منذ عام 1826 حتى عام 1830، وكذلك ~~مسح سواحل تشيلي وبيرو وبعض جزر المحيط الهادئ، وإجراء سلسلة من ~~القياسات حول العالم، باستخدام أجهزة الكرونومتر.» # وتوصف «البيجل» بأنها سفينة صغيرة متينة البنيان تزن 235 ~~طنا، وهي سفينة ثلاثية الصواري بأشرعة مربعة، وتحمل ستة ~~مدافع. لقد كانت تنتمي إلى الفئة القديمة من السفن الثلاثية ~~الصواري التي تحمل عشرة مدافع، والتي كانت تلقب باسم «التوابيت»؛ ~~نظرا لزيادة احتمالية تعرضها للغرق في الظروف الجوية القاسية. ~~وقد كانت «عميقة الخصر»؛ أي إن كثف السفينة العلوي كان مرتفعا ~~بالنسبة إلى حجمها؛ لذا فإن اقتحام البحر للسفينة قد يمثل ~~خطورة كبيرة. بالرغم من ذلك، فقد صمدت على مدى البعثة التي ~~استمرت لخمس سنوات، في أكثر المناطق العاصفة في العالم تحت إشراف ~~القائدين ستوكس وفيتزروي، وذلك دون التعرض لحادثة خطيرة. وحين ~~أعيد تكليفها برحلتها الثانية عام 1831، وجدوا أنها في حالة سيئة ~~للغاية (وذلك كما علمت من الأميرال السير جيمس سوليفان)، وكان لا ~~بد من إعادة بنائها فعليا، وذلك هو سبب التأخير الطويل في إعادة ~~التجهيز. لقد زادوا من ارتفاع السطح العلوي، مما جعلها أكثر ~~أمانا في الأحوال الجوية القاسية، وكذلك جعلوا المرافق والإقامة ~~بالأسفل مريحة بدرجة أكبر. ومن خلال هذه التغييرات، وكذلك مع ~~التصفيح المتين لقاعها، بلغ وزنها نحو 242 طنا. إنه دليل على ~~براعة القبطان فيتزروي وضباطه في الملاحة البحرية، أن عادت ms201 ~~السفينة دون أن تفقد أحد صواريها، وكذلك أنها لم تتعرض لخطر عظيم ~~إلا في إحدى العواصف العاتية التي واجهتها. # لقد جهزت للبعثة بكل العناية الممكنة، من تزويدها بالصواري ~~والأحبال المنتقاة بعناية، وستة قوارب، و«زورق»، ومانعات صواعق ~~«وهي التي ابتكرها السيد هاريس وجرى تثبيتها على جميع الصواري ~~والصواري المائلة في مقدمة السفينة، وحتى على الوصلات الملحقة ~~بأذرع صواري المقدمة.» ويمكننا أن نستشهد بوصف أبي لها الذي كتبه ~~في ديفنبورت في 17 نوفمبر عام 1831: «إن الجميع من أهل الرأي ~~يقولون إنها أحد أعظم البعثات التي أرسلت على الإطلاق. كل ~~شيء مجهز على مستوى عظيم؛ أربعة وعشرون من أجهزة الكرونومتر، ~~والسفينة نفسها قد زودت بأجزاء عديدة من خشب الماهوجني، وهي محل ~~إعجاب الجميع بالمكان. باختصار، فإن كل شيء موات بالقدر الذي ~~يمكن أن تسمح به إمكانيات البشر.» # ونظرا لصغر حجم السفينة، فقد كان على جميع من هم على متنها أن ~~يعيشوا في أماكن ضيقة، ويبدو أن المساحة المخصصة لأبي كانت ~~ضيقة بدرجة كبيرة؛ فهو يكتب إلى هنزلو: «إن المساحة المخصصة ~~لي لا تكفي إلا لأن أستدير فحسب.» ويكتب لي الأميرال السير جيمس ~~سوليفان: «إن المكان الضيق الموجود على طرف طاولة الخريطة، كان ~~هو المكان الوحيد بالنسبة له للعمل وارتداء الملابس والنوم، وقد ~~كانت شبكة النوم تترك متدلية بالقرب من رأسه بالنهار، حينما يكون ~~البحر متلاطما؛ فيتسنى له الاستلقاء عليها بكتاب في يده حين لا ~~يعود قادرا على الجلوس عند الطاولة. وقد كان مكانه الوحيد لتخزين ~~الملابس هو بضعة أدراج صغيرة في الركن، كانت تمتد من الأرضية إلى ~~السقف، فقد أزيل الدرج العلوي حين علقت شبكة النوم، التي لم ~~يكن الارتفاع ليكفي لوضعها دون إزالته؛ فحلت الحبال السفلية ~~للشبكة مكان الدرج العلوي. وأما العينات، فقد كان يمتلك لها ~~خزانة صغيرة للغاية أسفل العنبر الأمامي للبحارة.» # بالرغم من ذلك، فقد كتب عن هذه المساحة الضيقة بحماس في 17 ~~سبتمبر 1831 يقول: «حين كتبت آخر مرة، كنت قلقا للغاية بشأن ~~مقصورتي؛ فلم تكن المقصورات قد خصصت ms202 لأصحابها حينئذ، لكنها ~~كانت قد خصصت حين غادرت، وقد كانت مقصورتي من أفضلها؛ فهي ~~بالتأكيد ثاني أفضل مقصورة بعد مقصورة القبطان، وهي مضاءة بدرجة ~~كبيرة. وأعتقد أن رفيقي فيها سيكون، لحسن حظي، هو الضابط الذي ~~أعتقد أنني سأحبه كثيرا. يقول القبطان فيتزروي إنه سيحرص على ~~تجهيز ركن فيها بأفضل صورة ممكنة لأشعر فيه بالراحة، ويمكنني ~~أن أعتبر أنه بيتي، غير أنه سيكون مرحبا بي في الجزء الخاص به ~~أيضا. مقصورتي هي مقصورة الرسم، ويوجد في وسطها طاولة كبيرة، ~~ينام كلانا عليها، كل في شبكة نوم. لكن خلال الشهرين ~~الأولين، لن يكون ثمة رسم من المطلوب إنجازه؛ لذا، فإنها ~~ستكون غرفة فاخرة إلى حد ما، وأكبر كثيرا من مقصورة ~~القبطان.» # لقد كان أبي يقول إن الضرورة الحتمية إلى النظام في هذا المكان ~~المكتظ على ظهر «البيجل» هي ما ساعدته على «اكتساب عاداته ~~المنهجية في العمل.» وقد كان يقول أيضا، إنه تعلم على ظهر ~~«البيجل» ما يرى أنه القاعدة الذهبية لتوفير الوقت، وهي: الحرص على ~~الدقائق. # ويخبرني السير جيمس سوليفان أن الخطأ الأكبر في إعداد البعثة، ~~كان هو الحاجة إلى سفينة أخرى أصغر لتكون بمنزلة سفينة تموين. ~~لقد كان القبطان فيتزروي يرى أن هذا الأمر ضروري للغاية، حتى ~~إنه استأجر اثنين من القوارب المغطاة لمسح ساحل باتاجونيا، ~~وذلك بتكلفة 1100 جنيه، وقد اضطر إلى توفير هذا المبلغ من ماله، ~~بالرغم من أن القاربين قد وفرا على البلد عدة آلاف من ~~الجنيهات. وقد اشترى بعد ذلك مركبا شراعيا بصاريين ليكون ~~بمنزلة سفينة تموين؛ ومن ثم فقد وفر على البلد مبلغا أكبر ~~من المال. وفي نهاية الأمر، صدرت إليه الأوامر ببيع هذا المركب، ~~واضطر إلى تحمل الخسارة من ماله، ولم يحدث إلا بعد وفاته أن ~~قدم له تعويض غير مناسب عما تحمله من خسائر في سبيل ~~حماسه. # ونظرا للحاجة إلى سفينة تموين مناسبة، فقد كان لا بد من إنجاز ~~معظم العمل في قوارب صيد صغيرة ومفتوحة، وهي التي كانت ترسل من ~~السفينة لمدة أسابيع ms203 متواصلة، وقد كان ذلك في ظروف جوية يتعرض ~~الطاقم فيها إلى صعوبات قاسية من المطر شبه المستمر، وهو الذي كان ~~يستمر أحيانا على مدى أسابيع متواصلة. وقد كان استكمال ~~المعدات، من نواح أخرى، يعود بدرجة كبيرة إلى اهتمام القبطان ~~فيتزروي بالمصلحة العامة. لقد وفر على نفقته الخاصة، حرفيا ~~وصانع معدات ماهرا للاعتناء بأجهزة الكرونومتر. وقد كان ~~القبطان فيتزروي يرغب في دعوة «أحد رجال العلم المثقفين» ليكون ~~في استضافته الخاصة، لكن أحدا لم يلب هذه الدعوة الكريمة سوى ~~والدي بشرط أن يسمح له بدفع مبلغ معقول من تكلفة مائدة القبطان، ~~وقد كان مسجلا أيضا في سجلات الطعام الخاصة بالسفينة. # وفي خطاب إلى أخته (يوليو 1832)، يكتب ليعبر عن رضاه بأسلوب ~~حياته في البحر: «إنني لا أعتقد بأنني قد حكيت لك من قبل عن يومي ~~وكيف أقضيه. إننا نتناول الإفطار في الساعة الثامنة. والقاعدة التي ~~لا تتغير هي أن ننسى جميع سلوكيات التهذيب واللياقة؛ أي ألا ننتظر ~~بعضنا وأن نغادر على الفور حالما ننتهي من تناول الطعام، وما إلى ~~ذلك. وحينما يكون الطقس هادئا في البحر، أعمل على الحيوانات ~~البحرية، التي يمتلئ بها المحيط. وحين يكون البحر هائجا، فإنني ~~أكون مصابا بالدوار أو أحاول أن أقرأ عن بعض السفريات أو ~~الرحلات. وفي الواحدة، نتناول الغداء. من المؤسف أنكم - يا من ~~تذهبون إلى الشواطئ - مخطئون بشأن أسلوب الحياة في السفن. إننا لم ~~نتناول قط (ولن نتناول) لحوما مملحة على الغداء، بل نتناول الأرز ~~والبازلاء والقرع الهندي الغربي، التي هي من الخضروات الممتازة، ~~وذلك مع الخبز الجيد؛ من ذا الذي قد يرغب فيما هو أكثر من ذلك؟ لم ~~يكن للقاضي ألدرسون أن يكون أكثر اعتدالا؛ إذ لا يوضع على ~~الطاولة أي مشروب سوى الماء. في الخامسة، نتناول الشاي. يتناول ~~الضباط المتدربون جميع وجباتهم قبلنا بساعة، ويتناول صغار الضباط ~~وجباتهم بعدنا بساعة.» # كان طاقم سفينة «البيجل» يتألف من القبطان فيتزروي، «القائد ~~والمسئول عن المسح»، واثنين من النقباء؛ النقيب الأول هو الراحل ~~القبطان ويكهام حاكم كوينزلاند، وأما ms204 النقيب الثاني فهو الأميرال ~~السير جيمس سوليفان، الحاصل على رتبة القائد الفارس. وإضافة إلى ~~القائد وزميليه، فقد كان هناك أيضا مساعد للمسح، وهو الأميرال ~~لورت ستوكس. وكان هناك أيضا جراح، ومساعد جراح، وضابطان ~~بحريان متدربان، وضابط بحري كبير، ومتطوع (درجة أولى)، ومحاسب، ~~ونجار، وكاتب موظف، ورئيس للبحارة، وثمانية من جنود البحرية، ~~وأربعة وثلاثون بحارا، وستة صبيان. # لا يوجد الآن (عام 1882) الكثير من زملاء أبي القدامى في ~~السفينة ممن لا يزالون على قيد الحياة. ومن الذين ما زالوا أحياء ~~الأميرال مليرش والسيد هاموند والسيد فيليب كينج من المجلس ~~التشريعي لسيدني والسيد أوزبورن. وقد مات الأميرال جونسون في الوقت ~~نفسه الذي مات فيه أبي تقريبا. # لقد ظل يحتفظ حتى النهاية بأجمل الذكريات عن رحلة «البيجل»، وعن ~~الأصدقاء الذين تعرف إليهم على متنها. لقد ألف أبناؤه أسماءهم من ~~كثرة ما سمعوا منه من قصص الرحلة، وقد شعرنا بصداقته للعديد منهم، ~~الذين لم يكونوا لنا سوى أسماء ليس إلا. # ومن بواعث السرور أن نعرف كيف أن أصدقاءه القدامى يتذكرونه ~~بكل ود. # لقد ظل السير جيمس سوليفان أحد الأصدقاء المقربين لوالدي ~~وأكثرهم إخلاصا على مدى حياته، وهو يكتب: «يمكنني أن أقول بكل ~~ثقة بأنه على مدى السنوات الخمس في «البيجل » لم يعرف عنه قط أنه ~~قد خرج عن شعوره، أو قال أي كلمة قاسية أو متعجلة إلى أي شخص ~~أو عنه؛ ولهذا، يمكنك أن تفهم على الفور كيف أن مثل هذا السلوك، ~~إضافة إلى إعجابنا بطاقته وقدراته، قد أدى بنا إلى أن نطلق عليه ~~اسم «الفيلسوف الكبير العزيز».» ويكتب لي الأميرال مليرش قائلا: ~~«ما زلت أرى صورة والدك في عقلي بكل وضوح، كما لو أنني كنت ~~معه في «البيجل» قبل أسبوع فحسب؛ فلا يمكن لأي أحد قد رأى ~~ابتسامته وسمع كلامه الودود أن ينساهما. لقد بعثت مرتين أو ~~ثلاث مرات على قارب معه في بعض جولاته العلمية، وكنت أتطلع ~~دائما إلى هذه الرحلات بسرور كبير، وهي أمنية كانت تتحقق ~~دائما، بخلاف الكثير مما عداها. أعتقد ms205 أنه الرجل الوحيد الذي ~~عرفته ولم أسمع كلمة واحدة ضده، وإن قولي ذلك ليس بالهين على ~~الإطلاق؛ إذ يصبح الناس أكثر عرضة للشجار حين يبقون ~~منعزلين في سفينة على مدى خمسة أعوام. لا شك بأننا كنا دائما ~~نجتهد في العمل؛ فما كان لدينا وقت للشجار، لكن حتى وإن كنا قد ~~فعلنا ذلك، فإنني أثق بأن والدك كان سيحاول أن يهدئ الأمور ~~فيما بيننا (وأنه كان سينجح في ذلك).» # ويتحدث الأميرال ستوكس والسيد كينج والسيد أوزبورن والسيد هاموند ~~جميعهم عن صداقتهم مع والدي بهذه الطريقة الودودة نفسها. # وتمنحنا خطاباته فكرة عن حياته على متن السفينة أو على الشواطئ ~~التي كانوا يحلون بها. كان القبطان فيتزروي ضابطا صارما، وقد ~~فرض على الجميع احترامه، سواء أكانوا من الضباط أم من الرجال ~~المدنيين. وقد كانوا يتحملون ما يصدر منه أحيانا من حدة في ~~التعامل؛ إذ كان الجميع يعرفون أن الأولوية لديه للواجب دائما، ~~وأنه كان سيضحي بأي شيء في سبيل المصلحة الحقيقية للسفينة. ~~ويكتب أبي في يوليو من عام 1834: «إننا جميعا نتوافق معا بنحو ~~جيد للغاية؛ فما من شجار على متن السفينة، وهو أمر عظيم. ~~والقبطان يحافظ على سلاسة الأمور؛ إذ لا يوبخ أيا منا إلا على ~~انفراد.» إن أفضل برهان على أن فيتزروي كان قائدا جيدا ~~يتضح في حقيقة أن عددا كبيرا # 1 # من الطاقم كان قد ذهب معه في رحلة «البيجل» السابقة، ~~وكذلك كان يوجد عدد قليل من الضباط والبحارة وجنود البحرية، ممن ~~قد عملوا على متن سفينة «أدفنتشر» أو «البيجل» خلال هذه البعثة ~~بأكملها. # ويتحدث أبي عن الضباط بصفتهم مجموعة راقية من أولي العزم من ~~الرجال، وهو يتحدث عن النقيب الأول ويكهام تحديدا، بصفته «رجلا ~~جليلا». وإذ كان الأخير مسئولا عن ترتيب السفينة ومظهرها، فقد ~~اعترض بشدة على إلقاء أبي للفضلات على ظهر السفينة، وكان يتحدث ~~عن العينات بصفتها «أغراضا مؤذية ميتة بغيضة»، وكان يضيف: «لو ~~أنني كنت القائد، لأخرجتك أنت وكل قمامتك الميتة من المكان في ~~الحال.» # ثمة هالة من ms206 القداسة كانت تحيط بأبي لتناوله الطعام في ~~مقصورة القبطان؛ لذا فقد كان الضباط المتدربون يتعاملون معه ~~بطريقة رسمية في البداية ويخاطبونه ب «سيدي»، لكن هذا لم يحل دون ~~تكوينه بسرعة لصداقات مع الضباط الأصغر سنا. لقد كتب تقريبا ~~في عام 1861 أو عام 1862 إلى السيد بي جي كينج، عضو المجلس ~~التشريعي لسيدني، والذي كان ضابط صف بحريا على متن «البيجل»، ~~كما ذكرنا سابقا: «إن ذكرى الأيام الخوالي حينما كنا نجلس على ~~عوارض صواري «البيجل» ونتحدث، ستجعلني دائما وحتى وفاتي، أشعر ~~بالسعادة عندما أسمع بأخبار سعادتك وتقدمك في الحياة.» ويصف ~~السيد كينج ما كان يبدو على أبي من استمتاع: «إذ يوضح لي، بصفتي ~~شابا صغيرا، متعة الليالي الاستوائية ونسيمها المنعش الذي ~~يحرك أشرعة السفينة من فوقنا، بينما يضيء البحر لمرور السفينة ~~عبر ذلك التيار اللانهائي من الكائنات المجهرية ذات الوميض ~~الفوسفوري.» # لقد كان يعتقد أن السبب في اعتلال صحته في السنوات الأخيرة ~~يعود إلى ما عاناه كثيرا من دوار البحر، لكنه هو نفسه لم يكن ~~يعتقد بصحة ذلك، وإنما كان يعزو السبب في اعتلال صحته إلى العيب ~~الوراثي المتمثل في النقرس الذي ظهر في بعض الأجيال السابقة. ولست ~~متأكدا تماما من مدى معاناته الفعلية من دوار البحر؛ فانطباعي ~~الواضح أنه، وفقا لذاكرته، لم يعد يعاني من الدوار بعد ~~الأسابيع الثلاثة الأولى، لكنه كان يشعر بعدم الارتياح باستمرار ~~حين كانت السفينة ترتج بشدة. بالرغم من ذلك، يبدو لنا من ~~خطاباته ومن شهادة بعض الضباط، أنه قد نسي في السنوات اللاحقة، ~~مقدار ما كان يشعر به من تعب. إنه يكتب في 3 يونيو عام 1836 من ~~رأس الرجاء الصالح ويقول: «إنه لمن حسن حظي أن الرحلة قد أوشكت ~~أن تنتهي؛ إذ إنني قد أصبحت أعاني من دوار البحر الآن، بدرجة ~~أكبر مما كنت أعاني منه قبل ثلاث سنوات.» وقد كتب الأميرال ~~لورت ستوكس إلى جريدة «ذا تايمز» في 25 أبريل 1883: # هل لي أن أدلي بشهادتي المتواضعة عن التحمل والمثابرة ~~المذهلين اللذين أبداهما ms207 في سبيل العلم عالم التاريخ ~~الطبيعي العظيم هذا، صديقي القديم والفقيد السيد تشارلز ~~داروين، الذي يجدر ببقاياه أن تكرم بدفنها في ويستمينستر ~~آبي؟ # ربما أكون أنا أفضل من يمكنه الإدلاء بشهادته عن تلك ~~الجهود الأولى المضنية التي بذلها. لقد عملنا معا على ~~مدى عدة أعوام على الطاولة نفسها في مقصورة الرسم في ~~الجزء الخلفي لسفينة «البيجل» خلال رحلتها الشهيرة، فكان ~~هو يفحص ما يوجد تحت مجهره، وأدرس أنا خرائطي. وغالبا ~~ما كان هذا مكانا رائعا في تلك السفينة الصغيرة، لكنه ~~كان مزعجا للغاية لصديقي القديم الذي كان يعاني بشدة من ~~دوار البحر؛ فبعد ساعة من العمل تقريبا، كان يقول لي: ~~«صديقي العزيز، لا بد لي أن أتخذ الوضع الأفقي.» فقد كان ~~ذلك هو أفضل الأوضاع التي توفر الراحة للشخص من حركة ~~السفينة. وحين كان يمدد جسمه على أحد جوانب الطاولة ~~لبعض الوقت، كان يتمكن من مواصلة عمله لفترة من الوقت، ~~ثم يكون عليه الاستلقاء مجددا. # لقد كان من المحزن أن أشهد هذه التضحية المبكرة بصحة ~~السيد داروين، الذي ظل بعد ذلك يعاني من آثار المرض التي ~~خلفتها رحلة «البيجل». # ويكتب السيد إيه بي أوزبورن: «لقد كان يعاني بشدة من دوار ~~البحر، وفي بعض الأحيان عندما كان يحين دوري في المناوبة، كنت ~~أخفض الأشرعة، مما يجعل حركة السفينة أكثر بطئا، ويخفف من حدة ~~معاناته، كان يشهد لي بأنني «ضابط جيد»، ثم يتابع ملاحظاته ~~المجهرية في مقصورة الرسم.» إن حجم العمل الذي أنجزه في رحلة ~~«البيجل» يدل على أنه كان يتمتع في أغلب الأحيان بكامل نشاطه؛ غير ~~أنه أصيب بمرض خطير في أمريكا الجنوبية، حين استضيف في منزل ~~السيد كورفيلد، وهو رجل إنجليزي قد اعتنى به بكل رعاية وعطف. ~~وقد سمعته يقول إن جميع إفرازات جسمه قد تأثرت في هذه النوبة ~~المرضية، وحين وصف الأعراض إلى والده الدكتور داروين، لم يستطع ~~أن يتوصل إلى طبيعة المرض. وقد كان أبي أحيانا يميل للاعتقاد ~~بأن السبب في تدهور صحته يعود إلى هذه النوبة المرضية ms208 بدرجة ~~ما. # إن خطابات رحلة «البيجل» تقدم دليلا كافيا على حب أبي ~~القوي لبيته وجميع ما يتصل به، بداية من والده ووصولا إلى نانسي، ~~مربيته القديمة التي كان يرسل لها تحياته أحيانا. # ويتضح سروره بكتابة خطابات إلى المنزل في بعض الفقرات مثل: «فقط ~~لو أنكم تعرفون ما شعرت به من سرور شديد لا يمكن وصفه، حين عرفت ~~بأن أبي وأنتم جميعا بخير، قبل أربعة شهور فقط، لما بخلتم ~~بهذا الجهد المبذول في الحفاظ على التتابع المنتظم لسلسلة ~~الخطابات فيما بيننا.» # ويتضح أيضا شوقه للعودة في كلمات مثل: «إنه لمن المبهج أيضا ~~أن أفكر في أنني سأشهد سقوط أوراق الشجر وأستمع إلى غناء أبي ~~الحناء في شروزبيري في الخريف القادم. إنني أشعر تماما وكأنني ~~صبي بالمدرسة، وإنني لأشك فيما إن كان أي صبي قد اشتاق إلى ~~عطلاته على الإطلاق بقدر شوقي إلى رؤيتكم جميعا مجددا. لقد ~~بدأت الآن، بالرغم من أن نصف العالم يفصل بيني وبين بيتي، في ~~التخطيط للأمور التي سأفعلها والأماكن التي سأزورها خلال الأسبوع ~~الأول من عودتي.» # ومن السمات الأخرى التي تتضح في خطاباته، دهشته وابتهاجه حين ~~يسمع بأن مجموعاته وملاحظاته قد أتت ببعض النفع. يبدو أنه لم ~~يبدأ في الاعتقاد إلا تدريجيا بأنه سيكون أكبر كثيرا من مجرد ~~جامع للعينات والحقائق التي سيستخدمها العظماء من رجال العلم. ~~إضافة إلى ذلك، يبدو أنه كانت لديه الكثير من الشكوك بشأن قيمة ~~مجموعاته؛ فهو يكتب إلى هنزلو عام 1834: «لقد بدأت أعتقد بالفعل ~~أن مجموعاتي رديئة للغاية حتى إنك لم تدر ما تقوله بشأنها؛ لقد ~~أصبحت الأمور الآن في الاتجاه المعاكس تماما؛ فأنت مذنب لإثارتك ~~جميع مشاعر الخيلاء لدي إلى أقصى درجة؛ فإذا كان العمل الجاد ~~سيكفر عن مثل هذه الأفكار، فإنني أتعهد بألا أبخل به.» # بعد عودته إلى لندن واستقراره بها، بدأ يدرك قيمة ما أنجزه، ~~وكتب إلى القبطان فيتزروي: «مهما كانت الطريقة التي يتذكر بها ~~الآخرون رحلة «البيجل»، فالآن بعد أن انقشعت الأجزاء الصغيرة ~~المزعجة من الذاكرة تقريبا، أرى ms209 أن «الحادثة الأفضل في حياتي ~~على الإطلاق» هي الفرصة التي وفرها لي عرضك باصطحابي كرفيق ~~ومختص بالتاريخ الطبيعي. إنني كثيرا ما أرى صورا مبهجة وواضحة ~~للغاية، لما رأيته على متن «البيجل»، تمر أمام عيني. وإنني لن ~~أتنازل عن هذه الذكريات وما تعلمته في التاريخ الطبيعي، مقابل ~~عشرين ألفا في العام.» # وفي اختياري للمجموعة التالية من الخطابات، كنت مدفوعا بالرغبة ~~في تقديم أكبر قدر ممكن من التفاصيل الشخصية؛ فلم أورد سوى ~~عدد قليل من الخطابات العلمية لتوضيح طريقته في العمل، وكذلك رأيه ~~في النتائج التي حققها. وفي عمله «يوميات الأبحاث»، يقدم هو ~~بنحو عارض نبذة عن طبيعته الشخصية، وسوف تساعد الخطابات ~~الواردة في هذا الفصل على توضيح الانطباع الذي تولد عن شخصيته ~~لدى الكثير من قراء هذا العمل.] # من تشارلز داروين إلى آر دابليو ~~داروين # باهيا، أو سان سلفادور، البرازيل ~~[8 فبراير 1832] # لقد اكتشفت بعد كتابة الصفحة الأولى أنني كنت ~~أكتب إلى أخواتي # أبي العزيز # إنني أكتب لكن هذا الخطاب في الثامن من فبراير، بعد يوم ~~من إبحارنا من سانت جاجو (الرأس الأخضر)، وأنا أنوي أن ~~أستغل فرصة الالتقاء بأي باخرة متجهة إلى الوطن، وذلك ~~بالقرب من خط الاستواء. أما تاريخ ذلك، فسوف يتحدد حين ~~تأتي الفرصة. سأبدأ الآن في سرد مختصر لتقدمنا في ~~الرحلة منذ يوم مغادرتنا لإنجلترا. لقد أبحرنا، كما تعرفن، ~~في السابع والعشرين من ديسمبر، ومن حسن حظنا أننا ننعم منذ ~~هذا الوقت وحتى الآن بنسيم لطيف ومعتدل. وقد ثبت بعد ذلك ~~أننا قد أفلتنا من ريح عاصفة شديدة في القناة الإنجليزية، ~~وأخرى في ماديرا، وثالثة عند ساحل أفريقيا. وبالرغم من ~~أننا قد أفلتنا من تلك الريح العاصفة، فقد شعرنا بعواقبها ~~والمتمثلة في بحر متلاطم الأمواج. في خليج بيسكاي، طغى ~~البحر بالأمواج، وقد كان ما تحملته من ألم بسبب دوار ~~البحر، يفوق كل ما تصورته على الإطلاق. أعتقد أنكن ~~تتطلعن إلى معرفة ذلك؛ ولسوف أخبركن بتجربتي القاسية في ~~هذا الشأن. ليس لأحد لم يقض في البحر سوى أربع ms210 وعشرين ساعة ~~أن يزعم أن دوار البحر غير مريح؛ فالمعاناة الفعلية لا ~~تبدأ إلا بعد أن تصبح مستنزف القوى جدا بحيث تشعر ~~بالإغماء من أقل مجهود. ولم أجد شيئا يجديني نفعا سوى ~~الاستلقاء على شبكة النوم. لا بد لي أن أستثني وصفتكن ~~لتناول الزبيب على وجه التحديد؛ فهو الطعام الوحيد الذي ~~تتحمله المعدة في تلك الظروف. # في الرابع من يناير، لم نكن نبعد عن ماديرا سوى عدد قليل ~~من الأميال، لكن لما كان البحر متلاطم الأمواج، وكانت ~~الجزيرة تقع باتجاه الريح، فقد رأينا أن الإسراع إليها ~~ليس بالفكرة السديدة. وقد اتضح بعد ذلك أنه من حسن حظنا ~~أننا جنبنا أنفسنا عناء المحاولة. وقد كنت أشعر بدوار شديد ~~للغاية حتى إنني لم أستطع القيام لرؤية الأفق البعيد. وفي ~~مساء السادس من يناير، أبحرنا إلى ميناء سانتا كروز، ~~وحينها فقط، شعرت لأول مرة بتحسن طفيف، وظللت أصور ~~لنفسي بهجة نمو الفواكه الطازجة في الوديان الجميلة، بينما ~~أقرأ وصف هومبولت لمناظر الجزيرة الرائعة، حتى أخبرنا رجل ~~شاحب ضئيل الحجم بأن علينا تنفيذ الحجر الصحي الصارم ~~لمدة اثني عشر يوما، ويمكنكن أن تتخيلن إحساسنا بخيبة ~~الأمل حينئذ. ساد السفينة صمت كالموت إلى أن صاح القبطان: ~~«ارفعوا شراع السارية الأمامية.» وغادرنا هذا المكان الذي ~~تمنينا زيارته لفترة طويلة. # لقد توقفنا لقلة الريح لمدة يوم بين تينيريف وجزيرة ~~جراند كناري، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أشعر فيها ~~بالاستمتاع. كان المنظر رائعا؛ فقد كانت أعلى قمة جبلية ~~في تينيريف تبدو وسط السحب وكأنها من عالم آخر. لقد كان ~~مصدر حزننا الوحيد هو رغبتنا الشديدة في زيارة هذه الجزيرة ~~الرائعة. «أخبرن إيتون ألا ينسى زيارة جزر الكناري ولا ~~أمريكا الجنوبية»؛ فأنا متأكد من أن ذلك سيعوضه عن أي ~~مشقة قد تكون ضرورية، لكن عليه أن يحسم أمره بحيث يرى ~~قدرا جيدا من الأخيرة. إنني متأكد بأنه سيندم إن لم ~~يحاول. وقد كانت الرحلة من تينيريف إلى سانت جاجو لطيفة ~~للغاية. وقد وضعت شبكة في مؤخرة السفينة؛ فأمسكت ms211 بها عددا ~~كبيرا من الحيوانات الغريبة، وقد شغل ذلك جميع وقتي في ~~مقصورتي. وعلى ظهر السفينة، كان الطقس مبهجا وصافيا، حتى ~~إن السماء والماء كونا معا صورة رائعة. وفي السادس عشر ~~من الشهر نفسه، وصلنا إلى بورت برايا، عاصمة الرأس الأخضر، ~~ومكثنا هناك لمدة ثلاثة وعشرين يوما؛ أي حتى أمس السابع ~~من فبراير. لقد مضى الوقت سريعا وكان رائعا للغاية، ~~والواقع أنه لا يمكن لشيء أن يكون أروع من ذلك؛ أن يكون ~~المرء منشغلا بالعمل للغاية، وأن يكون هذا العمل واجبا ~~ومصدرا كبيرا للسرور في الوقت نفسه. إنني لا أعتقد أنني ~~قد أمضيت نصف ساعة من الراحة منذ أن غادرنا تينيريف. لقد ~~جادت لي سانت جاجو بحصاد وفير للغاية في العديد من فروع ~~التاريخ الطبيعي. وإنني أجد أن الأوصاف تكاد لا تقترب ~~على الإطلاق من تلك الخاصة بالعديد من الحيوانات الأكثر ~~شيوعا في المناطق الاستوائية. أنا أشير بالطبع إلى ~~الحيوانات التي تنتمي إلى الرتب الأدنى. # إن الاستكشاف الجيولوجي في منطقة بركانية لهو أمر ~~رائع للغاية؛ فبجانب المتعة المتأصلة فيه، هو يقودك إلى ~~أجمل البقاع وأكثرها انعزالا. لا يمكن لأحد غير مولع ~~بالتاريخ الطبيعي أن يتخيل السرور في التجول تحت أشجار ~~جوز الهند وبين أحراج الموز وشجيرات القهوة، وأعداد هائلة ~~من الزهور البرية . وهذه الجزيرة التي منحتني هذا القدر ~~الكبير من التثقيف والسرور، يفترض أنها المكان الأقل ~~أهمية وإثارة من بين جميع الأماكن التي سنحل بها خلال ~~هذه الرحلة. لا شك في أنها قاحلة للغاية في المجمل، لكن ~~الوديان، على العكس من ذلك تماما، آية في الجمال. من ~~العبث أن أحاول وصف المنظر؛ إذ إن محاولة توضيح ~~الاختلاف التام في المناظر الطبيعية بين أوروبا والمناطق ~~الاستوائية لشخص لم يخرج من أوروبا قط، لن تجدي بأكثر ~~مما يجدي المرء أن يصف الألوان لرجل كفيف. وكلما ~~استمتعت بشيء، هممت بتدوينه إما في دفتري (الذي يزداد ~~حجما) أو في خطاب؛ لذا عليك أن تعذرني في تعبيري عن جذلي، ~~وتعذرني أيضا عندما أعبر عنه على ms212 نحو سيئ. إن ~~مجموعتي تزداد بدرجة مدهشة، وأعتقد أنني سأضطر إلى ~~إرسال شحنة إلى المنزل من ريو. # لقد اتضح أن جميع التأخيرات اللانهائية التي مررنا بها ~~في بليموث قد كانت في صالحنا؛ إذ إنني أوقن تماما أن ~~أحدا لم يذهب لجمع الملاحظات والعينات في مختلف فروع ~~التاريخ الطبيعي، بحال أفضل من الموارد أو التجهيزات. لقد ~~جنيت نفعا ولا شك من وجود هذا العدد الكبير من ~~المستشارين. وقد أدهشني كثيرا إذ وجدت أن السفينة ~~ملائمة بدرجة استثنائية لجميع أنواع العمل؛ فكل شيء في ~~المتناول، وضيق المكان يجعل المرء منظما للغاية؛ لذا، ~~فأنا الرابح في نهاية الأمر. لقد أصبحت أنظر إلى العودة ~~إلى البحر كأنني أعود إلى مكان هادئ مألوف؛ وكأنني أعود ~~إلى البيت بعد الابتعاد عنه لفترة من الوقت؛ باختصار، ~~إنني أجد السفينة منزلا مريحا جدا به جميع ما يحتاج ~~إليه المرء، ولولا دوار البحر، لأصبح جميع من في العالم ~~بحارين. ولست أرى خطرا في أن يبدأ إيرازموس هذا الطريق، ~~لكن تحسبا للأمر، فليثق بأنه لا يعرف معشار حجم ~~المعاناة بسبب دوار البحر. # لقد أصبحت أحب الضباط أكثر مما كنت أحبهم في البداية، ~~لا سيما ويكهام، وكينج الصغير وستوكس، وجميع الضباط ~~بالتأكيد. لم يزل القبطان ودودا للغاية، وهو يبذل كل ما ~~في وسعه لمساعدتي. إننا لا نلتقي إلا قليلا جدا ونحن في ~~الموانئ؛ إذ إن مساعينا تذهب بكل منا في اتجاه مختلف. ~~إنني لم ألتق في حياتي رجلا يمكنه تحمل هذا القدر ~~العظيم من الإجهاد؛ فهو يعمل بلا توقف، وحين يبدو أنه لا ~~يعمل، فهو يفكر. إن نجا من هذه الرحلة، فسوف يكون قد أنجز ~~قدرا هائلا من العمل فيها. أشعر بأنني بخير وأنني ~~أستطيع تحمل الارتفاع الطفيف في درجات الحرارة، بمقدار ما ~~يفعل الجميع حتى الآن. قريبا، سيبدأ الجد؛ فها نحن نبحر ~~باتجاه فرناندو نورونيا، بالقرب من ساحل البرازيل، ولن ~~نبقى طويلا هناك، ثم سنبدأ في دراسة المياه الضحلة بينها ~~وبين ريو، التي ربما تمتد حتى باهيا. سوف أنهي هذا ms213 الخطاب ~~حينما تسنح الفرصة بإرساله. # السادس والعشرون من ~~فبراير: # نحن على بعد 280 ميلا من باهيا ~~تقريبا. وفي العاشر من فبراير، تواصلنا مع الباخرة ~~«لايرا» التي كانت في رحلتها إلى ريو. وقد أرسلت عن طريقها ~~خطابا قصيرا لكي يرسل إلى إنجلترا في أول فرصة. لقد ~~تعثر حظنا بنحو استثنائي في مقابلة أي سفينة تتجه ~~إلى الوطن، لكنني أعتقد أننا سنتمكن من إرسال خطابات إلى ~~إنجلترا حينما نصل إلى باهيا بالتأكيد. لم يحدث شيء منذ ~~أن بدأت في كتابة الجزء الأول من [هذا] الخطاب فيما عدا ~~أننا قد عبرنا خط الاستواء، وأنني قد حلقت ذقني. ~~وتتألف هذه العملية الكريهة من مسح الوجه بالطلاء والقار ~~الذي يكون رغوة ليكشطها منشار والذي هو بديل الشفرة، ثم ~~الغمر حتى المنتصف في الماء المالح. وعلى بعد نحو خمسين ~~ميلا شمال الخط، لامسنا صخور سان بول، ولم يحل أحد ~~بهذه البقعة الصغيرة (التي يبلغ عرضها ربع ميل تقريبا) ~~والتي تقع في المحيط الأطلنطي إلا نادرا. إنها قاحلة ~~تماما، غير أنها تغطيها أسراب الطيور، ولم تكن هذه ~~الطيور معتادة على البشر إطلاقا، حتى إننا وجدنا أنه ~~بإمكاننا قتل الكثير منها بالعصي والحجارة فحسب. وبعد أن ~~مكثنا في الجزيرة لبضع ساعات، عدنا إلى متن السفينة على ~~القارب المحمل بفرائسنا. ومن هناك ، ذهبنا إلى فرناندو ~~نورونيا، وهي جزيرة صغيرة يرسل [البرازيليون] ~~المحكوم عليهم بالنفي إليها. رسونا هناك بصعوبة كبيرة، ~~وذلك بسبب الأمواج العاتية، وهذا ما جعل القبطان يصر ~~على الإبحار في اليوم التالي بعد الوصول. لقد كان اليوم ~~الوحيد الذي قضيته على الشاطئ هناك مثيرا للغاية، ~~والجزيرة كلها غابة واحدة تتشابك فيها النباتات المتسلقة ~~بعضها ببعض، حتى إنه ليصعب الابتعاد عن الطريق الممهد. إنني ~~أجد جوانب التاريخ الطبيعي في جميع هذه البقاع المهجورة ~~غاية في الإثارة، لا سيما الطبيعة الجيولوجية. لقد كتبت ~~كل هذا القدر من أجل توفير الوقت في باهيا. # إن أكثر ما يثير الانتباه بشأن المناطق الاستوائية ~~بكل تأكيد، هو نضارة الأشكال النباتية فيها. يمكنك أن ~~تتخيل ms214 أشجار جوز الهند جيدا من الرسومات، إن أضفت إليها ~~ذلك الإشراق البهي والذي لا تجده في أي من الأشجار ~~الأوروبية. أما أشجار الموز وأشجار موز الجنة، فهي تشبه ~~تلك التي تنمو في الصوب الدافئة تماما، وأما أشجار ~~السنط أو التمر الهندي، فهي تتميز بأوراقها الزرقاء، ~~وأما أشجار البرتقال الرائعة، فلا يمكن لأي وصف أو ~~رسم أن يعطي أي فكرة دقيقة عن شكلها؛ فبدلا من تلك ~~الخضرة السقيمة التي نراها في أشجار البرتقال لدينا، فإن ~~أشجار البرتقال هنا داكنة أكثر من أشجار الخوخ البرتغالي، ~~وهي أكثر منها جمالا في الشكل بدرجة لا توصف. وأشجار ~~جوز الهند والباباو وأشجار الموز الفاتحة الخضرة وأشجار ~~البرتقال، المحملة بالفاكهة، تحيط بالقرى التي هي أكثر ~~غنى ووفرة. وعند رؤية مثل هذه المناظر، يشعر المرء ~~باستحالة أن يقترب أي وصف من توضيح المشهد، وليس ~~المبالغة في وصفه بالطبع. # الأول من مارس: # باهيا ~~أو سان سلفادور. لقد وصلت إلى هذا المكان في الثامن ~~والعشرين من فبراير، والآن أكتب هذا الخطاب بعد أن رحت ~~أتجول بعزم حقيقي في غابات العالم الجديد. لا يمكن لأحد ~~أن يتخيل أي شيء في جمال مدينة باهيا القديمة؛ إذ تحيط ~~بها غابة زاخرة بالأشجار الجميلة، وهي توجد على ضفة ~~منحدرة وتطل على المياه الهادئة لخليج أول سينتس العظيم. ~~المنازل بيضاء وعالية، وذات نوافذ طويلة وضيقة مما ~~يمنحها مظهرا رقيقا وأنيقا. أما الأديرة والأروقة ~~والمباني العامة، فهي تختلف عن ذلك الطراز الموحد ~~للمنازل، وتتناثر السفن الكبيرة في الخليج. ماذا يمكن أن ~~يقال أكثر من ذلك! إنها باختصار، أحد أجمل الأماكن في ~~البرازيل. غير أن ذلك الشعور الاستثنائي الرائع بالسعادة ~~والذي ينبع من السير بين هذه الزهور والأشجار، لا يمكن أن ~~يستوعبه من لم يختبره. وبالرغم من أن درجة الحرارة في ~~المناطق القريبة من خط الاستواء لا تكون مرتفعة بدرجة ~~مزعجة، فالجو رطب للغاية في الوقت الحالي؛ إذ إنه موسم ~~المطر. إنني أجد أن الطقس يلائمني بدرجة رائعة حتى ~~الآن، وهو يجعلني أتوق إلى العيش بهدوء ms215 لبعض الوقت في ~~بلد كهذا. إذا كنتن تردن حقا أن تكون فكرة عن البلدان الاستوائية، فلتدرسن عمل هومبولت. تخطين الأجزاء ~~العلمية وابدأن بعد مغادرته تينيريف. إن إعجابي به يزداد ~~كلما قرأت له. أخبرن إيتون (ها أنا أكتشف أنني أكتب إلى ~~أخواتي!) أنني أستمتع بأمريكا للغاية، وبأنها ستكون خسارة ~~عظيمة إن لم يقم بأي خطوة فيما يتعلق بزيارتها. # سأبعث بهذا الخطاب في اليوم الخامس من الشهر، وأعتقد أنه ~~سيستغرق بعض الوقت إلى أن يصل إليكم، ولا بد من التذكير ~~بأنه في بعض أنحاء العالم قد تطول المدة بدون وصول ~~الخطابات؛ فقد يحدث أن يمر عام على هذه الحال. في الثاني ~~عشر من الشهر تقريبا، سنبحر متجهين إلى ريو، لكننا ~~سنبقى لبعض الوقت في الطريق لسبر أعماق المياه الضحلة في ~~أبرولوس. أخبر إيتون بأنه وفقا لتجربتي، أعتقد أن عليه ~~أن يدرس الإسبانية والفرنسية والرسم وكتاب هومبولت. إنني ~~حقا أتمنى لو أسمع بأنه في أمريكا الجنوبية، وذلك إن لم ~~أستطع أن أراه فيها. إنني أتطلع إلى تسلم الخطابات في ~~ريو، وإلى أن يجرى تسلمها جميعا، فاذكر تاريخ كل ~~منها في الخطاب الذي يليه. # لقد تفوقنا على جميع السفن في المناورة تفوقا ~~عظيما، حتى إن القائد يقول بأنه ليس علينا أن نتبع ~~مثاله؛ إذ إننا نقوم بكل شيء أفضل من سفينته العظيمة. ~~لقد بدأت أهتم اهتماما كبيرا بالنقاط البحرية، وقد ~~ازداد هذا الاهتمام الآن على وجه التحديد؛ إذ أجد أنهم ~~جميعا يقولون إننا في النقطة الأولى بأمريكا الجنوبية. ~~أعتقد أن القبطان هو أبرع الضباط على الإطلاق. لكم كان ~~الأمر رائعا حين تغلبنا اليوم على «سامارانج» في لف ~~الأشرعة! إنه لأمر جديد أن تتغلب «سفينة مسحية» على ~~سفينة حربية معتادة الإبحار، غير أن «البيجل» ليست ~~سفينة مميزة على الإطلاق. سيتخيل إيرازموس الصورة بوضوح ~~حين يعرف بأنني قد جلست ليلا بالفعل على ذلك الحرم ~~المقدس؛ مؤخرة سطح السفينة. فلتعذرني على هذه الخطابات ~~الغريبة، ولتتذكر أنني قد كنت أكتبها عادة في المساء بعد ~~يوم من العمل. إنني ms216 أبذل قصارى جهدي في الكتابة في دفتر ~~اليوميات حتى يكون لديكم في نهاية المطاف وصف جيد لجميع ~~الأماكن التي زرتها. إن الرحلة تلائمني «بنحو رائع» حتى ~~الآن، لكنني قد أصبحت الآن متفهما أكثر لحكمتك في عدم ~~تحمسك للأمر بأكمله؛ فكثيرة هي احتمالات انقلاب الأمور ~~إلى النقيض تماما، وإلى الحد الذي يجعلني أشعر بأنه إن ~~كان أحد يطلب نصيحتي بشأن أمر مشابه لهذا، فإنه يجدر ~~بي أن أكون حذرا للغاية في تشجيعه. ليس لدي وقت كي ~~أكتب إلى أي شخص آخر؛ فلترسل إلى مير وأخبرهم بأنني، في ~~خضم هذه الطبيعة الاستوائية الرائعة، لا أنسى دورهم ~~الكبير في مجيئي إلى هنا. لن أعبر عن جذلي ثانية، ~~لكنني سأعطي نفسي قدرها؛ إذ لم يذهب عقلي بعد من البهجة ~~الخالصة التي أجدها هنا. # أبلغ جميع من في البيت، وآل أوين كذلك، محبتي ~~لهم. # أعتقد أن عواطف المرء، كجميع الأشياء الطيبة، تنمو ~~وتزدهر في هذه المناطق الاستوائية. # إن الاعتقاد بأنني أتجول في «العالم الجديد» يزيد من ~~روعة الأمر بالنسبة لي، ويمكنني أن أقول إن تسلم خطاب ~~من ابنك وهو في هذه البقعة من العالم، لهو أقل روعة بدرجة ~~طفيفة بالنسبة إليك. # خالص مودتي إليك يا أبي # ابنك المحب # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى دابليو دي فوكس # خليج بوتوفوجو، بالقرب من ريو دي ~~جانيرو # مايو 1832 # عزيزي فوكس # لقد أجلت الكتابة إليك وإلى جميع أصدقائي الآخرين ~~إلى أن أصل إلى هنا ويكون لدي القليل من وقت الفراغ. منذ ~~أن غادرت إنجلترا، وقد هب بذهني «إعصار» مثالي من البهجة ~~والدهشة، وإلى هذه الساعة، لم أقض دقيقة واحدة من الفراغ ~~إلا نادرا ... # في سانت جاجو، بدأ عملي في التاريخ الطبيعي ومهامي ~~الممتعة. وعلى مدى الأسابيع الثلاثة، جمعت الكثير من ~~الحيوانات البحرية واستمتعت بالكثير من الجولات ~~الجيولوجية الجيدة. أبحرنا إلى باهيا بعد مرورنا ببعض ~~الجزر، ثم توجهنا منها إلى ريو، والتي أمكث فيها منذ بضعة ~~أسابيع. العينات التي أجمعها تزداد بنحو رائع في جميع ~~الفروع تقريبا. بالنسبة إلى ms217 الحشرات، أثق في أنني سأرسل ~~مجموعة من الحشرات التي لم تصنف بعد إلى إنجلترا. إنني ~~أوقن أنه لا يوجد لديهم حشرات صغيرة في مجموعاتهم، لكنني ~~قد جمعت هذا الصباح خنافس صغيرة للغاية من أنواع ~~هايدروبوري # Hydropori # ونوتيريس # Noterus # وكوليمبتيس # Colymbetes # وهيدروفيليس # Hydrophilus # وهيدروبيس # Hydrobius # وجروميس # Gromius # باعتبارها عينات من الخنافس التي تعيش في المياه العذبة. ~~إنني منهمك تماما في العمل على حيوانات اليابسة؛ إذ إن ~~الشاطئ رمل فحسب. أعتقد أن أكثر ما استمتعت به هو ~~العناكب والأنواع القريبة منها، وربما كان ذلك بسبب ~~حداثتها. وأعتقد أنني جمعت بالفعل العديد من الأجناس ~~الجديدة. # لكن العمل الجيولوجي هو الذي يسود المشهد؛ إن الأمر ~~يشبه متعة المقامرة. حين أبدأ في تخمين نوع الصخور في ~~بداية وصولي، غالبا ما أقول في نفسي بأنها ثالثية إلى ~~أولية بنسبة واحد إلى ثلاثة، لكن النوع الأخير هو الذي ~~فاز بجميع الرهانات حتى الآن. يكفي حديثا عن النتائج ~~العظيمة لرحلتي، لكن الأمور تسير بأفضل حال في نواح ~~أخرى كذلك. حياتي في البحر هادئة للغاية، وما أجمل من ~~ذلك بالنسبة لشخص يستطيع أن يشغل نفسه؛ فجمال السماء ~~وتلألؤ المحيط يرسمان معا صورة بديعة. أما حين أكون ~~على الشاطئ متجولا في الغابات الرائعة، وتحيط بي المناظر ~~الطبيعية التي هي أكثر روعة مما كان يمكن للرسام كلود أن ~~يتخيل على الإطلاق ، فإنني أشعر ببهجة لا يمكن أن يفهمها ~~إلا من اختبرها. وإن كان لا بد من فهمها، فلن يكون ذلك ~~إلا بدراسة كتاب هومبولت. في لقاءاتنا القديمة الدافئة على ~~الإفطار في كامبريدج، ما كنت لأفكر بأن المحيط ~~الأطلنطي الشاسع سيفصل بيننا، غير أنها ميزة نادرة ننعم ~~بها وهي أن المشاعر والذكريات لا تنفصل بانفصال الأجساد؛ ~~فعلى النقيض من ذلك، فإن أجمل المناظر التي رأيتها في ~~حياتي، والتي كان العديد منها في كامبريدج، تطرأ على ~~مخيلتي بوضوح كبير، وذلك لتناقضها مع الحاضر. أتظن ~~أن أي خنفساء ماسية ستمنحني من البهجة ما منحتني ~~إياه صديقتنا القديمة خنفساء الصليب الأرضية؟ ... إن أحد ~~مصادر المتعة ms218 الدائمة بالنسبة لي هي أن أستدعي صورا من ~~الماضي، وفي معظم الأحوال، أراك فيها أنت وفان الصغيرة ~~المسكينة. يا إلهي، وداش العجوز أيضا، يا له من مسكين! ~~أتذكر كيف أنكم جميعا كنتم تحسدونني بسبب ذيله ~~الجميل؟ ~~... عندما تجمع الحشرات من أسيجة الزعرور في يوم صحو من ~~شهر مايو (سيكون الطقس قارس البرودة بلا ريب)، فلتفكر ~~بأنني أجمع الحشرات بين أشجار الأناناس والبرتقال، وحين ~~تتلطخ يدك بتوت العليق الأسود القذر، فتخيل ثمار ~~البرتقال الناضجة وأنا أقطفها واحسدني على ذلك. إن ذلك ~~تبجح كبير مني؛ إذ إنني يمكن أن أسير أميالا كثيرة في ~~المطر الثلجي أو الثلج أو المطر، فقط لأصافحك. فليباركك ~~الرب يا عزيزي الغالي فوكس. خالص مودتي إليك. # صديقك المخلص # تشاز داروين # من تشارلز داروين إلى جيه إس هنزلو # ريو دي جانيرو، 18 مايو 1832 # عزيزي هنزلو ~~... # حتى وصولنا إلى تينيريف (إذ لم نرس في ماديرا)، لم أنهض ~~عن شبكة النوم إلا قليلا، ولقد عانيت حقا أكثر مما ~~يمكن لك أن تتخيل لمثل هذا السبب. في سانتا كروز، وبينما ~~كنت أنظر فيما بين الغيوم بحثا عن قمة تينيريف، وأعيد ~~على نفسي وصف هومبولت البديع، قد أعلن أنه يجب علينا ~~إجراء حجر صحي صارم لمدة اثني عشر يوما؛ فتحركنا ~~لمسافة قصيرة ثم صاح القبطان: «ارفعوا شراع السارية ~~الأمامية»، واتجهنا إلى سانت جاجو. ستقول إن كل هذا يبدو ~~سيئا للغاية، وقد كان كذلك بالفعل، غير أن الفترة ~~فيما بين ذلك الوقت وحتى الآن قد كانت مشهدا واحدا من ~~المتعة المتواصلة؛ فقد وضعت شبكة في مؤخرة السفينة وقد ~~شغل ما حصلت عليه منها وقتي بأكمله إلى أن وصلنا إلى سانت ~~جاجو. وهنا قضينا ثلاثة أسابيع غاية في الروعة. لقد كانت ~~الطبيعة الجيولوجية مثيرة بدرجة فائقة، وأعتقد أنها جديدة ~~أيضا؛ إذ توجد بعض الحقائق على نطاق واسع عن ارتفاع ~~الساحل (وهي حقبة ممتازة يمكن تأريخ جميع الصخور ~~البركانية بداية منها)، وسوف يثير ذلك اهتمام السيد ~~لايل. # ومن الأمور التي تمثل مصدر ارتباك كبير بالنسبة ms219 لي، هو ~~جهلي التام بما إن كنت ألاحظ الحقائق الصحيحة، أم لا، ~~وكذلك بما إن كانت ذات أهمية كافية لتثير اهتمام ~~الآخرين. إن جمع العينات هو الأمر الوحيد الذي لا يمكن أن ~~أكون مخطئا بشأنه. سانت جاجو قاحلة للغاية، وليس بها إلا ~~القليل جدا من النباتات والحشرات؛ لذا، فإن مطرقتي هي ~~رفيقتي المعتادة، وأنا أقضي في رفقتها أفضل الساعات التي ~~أستمتع بها. لقد جمعت من الساحل العديد من الحيوانات ~~البحرية، ومعظمها من بطنيات القدم (أعتقد أن بعضها ~~جديد). لقد فحصت أحد الشعاب المرجانية من نوع ~~كاريوفيليا # Caryopyllia # بدقة كبيرة، وإن لم تكن ~~عيناي بها مس من سحر، فالأوصاف السابقة لها لا تشبهها ~~في شيء على الإطلاق. وقد جمعت عددا من العينات لأخطبوط ~~لديه قدرة مدهشة على تغيير ألوانه، مثله في ذلك مثل ~~الحرباء، ومن الواضح أنه يتكيف مع تغير لون الأرضية التي ~~يمر بها. وقد كانت الألوان البارزة له هي الأخضر المائل ~~إلى الصفرة والبني الداكن والأحمر، ويبدو أن هذه الحقيقة ~~جديدة وفقا لما تمكنت من التوصل إليه. وسيكون الهدف ~~الأساسي لأبحاثي في هذه الرحلة بأكملها هو الجيولوجيا ~~واللافقاريات. # لقد أبحرنا بعد ذلك إلى باهيا، ونزلنا عند صخور سان بول. ~~إن التركيب الجيولوجي هنا سربنتيني. أليست هي الجزيرة ~~الوحيدة في المحيط الأطلنطي التي ليست بركانية؟ قضينا بضع ~~ساعات كذلك في فرناندو نورونيا، وقد مرت بنا أمواج عاتية؛ ~~فغرق أحد القوارب، مما جعل القبطان يبحر دون انتظار. ~~إنني أشعر بأن حياتي على متن السفينة ونحن في المياه ~~الزرقاء ممتعة وهادئة ومريحة للغاية؛ فأنا لا أبقى دون عمل ~~أبدا، وذلك أمر عظيم عندي. لا يمكن لأحد أن يكون أكثر ~~ملاءمة على جمع العينات مني، وذلك من جميع الجوانب؛ إن ~~كثرة الطهاة لم يفسد المرق هذه المرة. إن النصائح ~~الصغيرة التي قدمها السيد براون عن المجاهر وغيرها ثمينة ~~للغاية. لدي عدد كبير من الكتب، وأنا أجد أن كتاب ~~«المعجم الكلاسيكي» هو «أكثرها نفعا» لي. إن ورد ببالك ~~أي شيء أو كتاب تعتقد بأنه ms220 سيفيدني، فاكتب إلى إي ~~داروين، ويندهام، شارع سان جيمس، وسيحصل هو على ما توصي ~~به ويرسله مع بعض الأغراض الأخرى إلى مونتي فيديو؛ حيث ~~سيكون مقري على مدى العام التالي. # لقد رسونا عند أبرولوس ووصلنا إلى هنا في الرابع من ~~أبريل، وحينها تلقيت، من بين آخرين، خطابا وكان هو ~~خطابك الرقيق. أؤكد لك بأنني قضيت المساء وأنا أفكر في ~~الأوقات الكثيرة السعيدة التي قضيتها معك في كامبريدج. ~~إنني أعيش الآن في بوتوفوجو، وهي قرية تقع على مسافة ~~فرسخ من المدينة، وسوف أبقى هناك على مدى شهر آخر. لقد ~~عادت «البيجل» إلى باهيا، وسوف تأخذني في طريق عودتها. ~~ثمة خطأ مهم للغاية في خط طول أمريكا الجنوبية، وقد ~~نفذت هذه الرحلة الثانية، للتوصل إلى حل بشأنه. أجهزة ~~الكرونومتر تعمل بنحو ممتاز؛ ستة عشر منها على الأقل؛ فلم ~~يرد أن أي أجهزة سابقة قد أحرزت مثل هذا ~~التقدم. # بعد بضعة أيام من الوصول، بدأت في رحلة استكشافية على ~~نطاق 150 ميلا باتجاه ريو ماكاو، وقد استمرت ثمانية عشر ~~يوما. وهنا، قد رأيت للمرة الأولى غابة استوائية ~~بجلالها العظيم، ولا شيء سوى الواقع، يمكن أن يعطي أي ~~فكرة عن مدى روعة المشهد وعظمته. وإن كان علي أن أذكر ~~شيئا على وجه التحديد، فإنني سوف أعطي الأولوية لمجموعة ~~النباتات الطفيلية. إن نقشك صحيح تماما، لكنه يقلل ~~من وصف هذا الثراء؛ لا يبالغ في تصويره. إنني لم أشهد قط ~~مثل هذا السرور الشديد. لقد كنت معجبا بهومبولت قبل ذلك، ~~أما الآن، فأنا أعشقه؛ فهو الوحيد الذي يقدم فكرة عن ~~المشاعر التي تثور في الذهن عند دخول المناطق الاستوائية ~~لأول مرة. أعمل الآن على جمع عينات لحيوانات اليابسة ~~والمياه العذبة، وإذا كان ما سمعته في لندن صحيحا، وأعني ~~بذلك عدم وجود حشرات صغيرة في مجموعات المناطق ~~الاستوائية؛ فها أنا أقول لعلماء الحشرات أن يترقبوا ~~ويجهزوا أقلامهم ويستعدوا للوصف. لقد جمعت عينات من ~~حشرات صغيرة للغاية في حجم حشرات إنجلترا (إن لم تكن ~~أصغر) والتي من أنواع ms221 هايدروبوري # Hydropori # وهيجروتي # Hygroti # وهيدروبي # Hydrobii # وسيلافي Pselaphi # وستافيليني # Staphylini # وكركليو # Curculio # وغيرها الكثير. ومن المثير جدا ~~ملاحظة الاختلافات في الأجناس والأنواع بين هذه الحشرات ~~والحشرات التي أعرفها، لكنها على أي حال أقل كثيرا مما ~~توقعت. في الوقت الحالي، يزداد حماسي للعناكب؛ فهي مثيرة ~~جدا للاهتمام، وإن لم أكن مخطئا، فإنني قد جمعت بالفعل ~~بعض الأجناس الجديدة منها. سوف أرسل صندوقا كبيرا إلى ~~كامبريدج في وقت قريب للغاية، ومعه سوف أذكر المزيد من ~~التفاصيل الخاصة بالتاريخ الطبيعي. # القبطان يبذل كل ما في وسعه لمساعدتي، ونحن نتوافق معا ~~بنحو جيد، غير أنني شاكر لحسن حظي لأنه لم يجعل القبطان ~~يدفعني إلى خيانة مبادئ حزب الأحرار؛ فلن أكون مؤيدا ~~للمحافظين، ولو لم يكن ذلك إلا لما أبدوه من قسوة القلب ~~بشأن تلك الفضيحة التي تشين البلاد المسيحية وهي ~~العبودية. تجمعني علاقة صداقة جيدة بجميع الضباط. # لقد عدت للتو من إحدى جولات السير الخاصة بي. إن عينات ~~الحشرات التي أجمعها لا يحيط بها إلا قدر ضئيل من المعرفة؛ ~~ف «المعجم الكلاسيكي» يذكر أن نوع نوتيريس، لا يضم سوى ~~ثلاثة أنواع فرعية أوروبية. لقد جمعت في سحبة واحدة ~~لشبكتي خمسة أنواع مختلفة منها، أليس ذلك استثنائيا؟ ~~... # أخبر البروفيسور سيجويك بأنه لا يعرف كم أنا مدين له ~~بالرحلة الاستكشافية في ويلز؛ فقد ولدت في الاهتمام ~~بعلم الجيولوجيا، وهو ما لن أكف عنه لأي سبب من الأسباب. ~~لا أعتقد بأنني قد قضيت ثلاثة أسابيع أروع من تلك التي ~~قضيتها في العمل في جبال الشمال الغربي. إنني أتطلع إلى ~~فحص الطبيعة الجيولوجية لمونتي فيديو؛ إذ إنني سمعت بوجود ~~ألواح صخرية هناك؛ ومن ثم فإنني أعتقد بأنني سأكتشف في ~~هذه المنطقة نقاط التقاء الصفائح في سهول البامبا، ~~والتكوين الجرانيتي الضخم الموجود في البرازيل. في باهيا، ~~كان البيجماتيت والنايس يوجدان في الاتجاه نفسه في ~~الطبقات، وهو ما لاحظ هومبولت أنه يسود في كولومبيا التي ~~تبعد مسافة 1300 ميل، أليس ذلك مدهشا؟ ستظل مونتي فيديو ~~هي وجهتي لفترة طويلة. أتمنى ms222 أن تكتب إلي ثانية؛ فما من ~~أحد أحب أن أتلقى منه النصح أكثر منك ... فلتعذرني على ~~هذا الخطاب الذي يفتقر إلى الوضوح. خالص مودتي إليك يا عزيزي هنزلو، وأحر مشاعر الصداقة والاحترام. # المخلص إليك # تشاز داروين # من تشارلز داروين إلى جيه إم هربرت # خليج بوتوفوجو، ريو دي جانيرو # يونيو 1832 # عزيزي الغالي هربرت # لقد وصل خطابك حين كنت قد فقدت الأمل في تلقي خطاب ~~آخر؛ لذا فقد منحني قدرا أكبر من السعادة. على مدى مثل ~~هذه الفترة الزمنية، وهذا الحيز المكاني، يشعر المرء ~~بالامتنان الحقيقي لمن لا ينسونه. وحين نستعيد في ~~ذاكرتنا مشاهد قد مضت، فإن ذلك يمنحنا نحن ~~«المنفيين» أحد أعظم مصادر السرور. كثيرا ما أفكر ~~في بارماوث بينما أتجول بين هذه التلال، وكثيرا أيضا ما ~~أتمنى مثل ذلك الرفيق الذي كان معي. يا له من تناقض شاسع ~~بين ما تقدمه هذه الجولة وتلك! فهنا تجد القمم الحجرية ~~الحادة تغطيها إلى الحافة الأشجار الزاخرة؛ فسطح البلد ~~بأكمله هو غابة منيعة، إلا ما قطعه البشر منها. إنها ~~تختلف كثيرا عن ويلز بتلالها المنحدرة التي يغطيها ~~العشب، ووديانها الفسيحة. لم أكن أدرك من قبل مدى الصلة ~~الوثيقة بين ما يمكن أن نسميه الجانب المعنوي ~~والاستمتاع بالمناظر الطبيعية. وأنا أعني بذلك تلك الأفكار ~~مثل تاريخ البلد وفائدة المحصول، والأهم من ذلك سعادة ~~الأشخاص الذين تعيش معهم. تخيل أن العامل الإنجليزي قد ~~أصبح عبدا فقيرا يعمل لصالح شخص آخر، ولن تستطيع أن ~~ترى المنظر نفسه الذي كنت تراه من قبل. أعرف أنك ستسر حين ~~تعرف أن كل شيء في الرحلة يسير على نحو جيد (فليحفظ ذلك ~~الرب، باستثناء دوار البحر). لقد زرنا تينيريف بالفعل ~~وكذلك جزر الكناري وسانت جاجو، حيث قضيت أروع ثلاثة أسابيع ~~منتشيا ببهجة دراسة الطبيعة في جزيرة استوائية بركانية ~~لأول مرة، وزرنا كذلك بعض الجزر الأخرى، إضافة إلى ~~الميناءين الشهيرين في البرازيل، وهما: باهيا ~~وريو. # لقد كنت أقضي الوقت على شبكة نومي إلى أن وصلنا إلى جزر ~~الكناري، ولن أنسى ms223 أبدا ذلك الانطباع الرائع الذي انطبع ~~في ذهني حين رأيت تينيريف لأول مرة. لقد كان وصولنا إلى ~~الطقس الدافئ لأول مرة في غاية المتعة؛ فلم تكن السماء ~~الزرقاء الصافية للغابات الاستوائية تغييرا عاديا بعد ~~تلك العواصف الجنوبية الغربية اللعينة التي هبت علينا في ~~بليموث. وبالقرب من خط الاستواء، أصبح الطقس شديد الحرارة. ~~قضينا يوما واحدا في سان بول، وهي مجموعة صغيرة من ~~الصخور تبرز في منتصف المحيط الأطلنطي ويبلغ محيطها ربع ~~ميل تقريبا. وقد حدث فيها المشهد التالي. كنت أنا ~~وويكهام (النقيب الأول) الوحيدين اللذين نزلنا على ~~الجزيرة بالبنادق والمطارق الجيولوجية وغير ذلك. وقد كانت ~~الطيور كثيرة جدا وقريبة جدا مما يسهل اصطيادها؛ ~~ومن ثم، فقد حاولنا صيدها بالحجارة، وياللعار! في ~~النهاية، كانت مطرقتي الجيولوجية هي أداة الصيد. سرعان ما ~~حملنا القارب بالطيور والبيض، وبينما كنا منهمكين ~~جدا في العمل، كان الرجال على القارب يتقاتلون مع أسماك ~~القرش على هذا الصيد العظيم الذي لا يمكن أن ترى مثله في ~~سوق لندن. كان قاربنا سيصبح موضوعا جيدا لسيندرس؛ إذ ~~كان يضم مجموعة متنوعة من الطرائد. لقد وصلنا إلى هنا منذ ~~عشرة أسابيع، وسوف ننطلق الآن إلى مونتي فيديو، بينما ~~أتطلع إلى العدو على سهول البامبا. إنني خجل من إرسال مثل ~~هذا الخطاب المفكك، لكنك ستتفهم السبب لو أنك رأيت كومة ~~الخطابات المتراكمة على منضدتي ... # إنني سعيد لسماعي بازدهار الموسيقى في كامبريدج، غير ~~أن التحدث إلي عن «الحفلات الموسيقية الكبيرة» هو ضرب ~~من ضروب القسوة كما لو أنك تتحدث إلى شخص في شبه الجزيرة ~~العربية عن المياه الباردة. في رحلة كهذه، إن يجن المرء ~~قدرا كبيرا من المسرات الجديدة، فإن خسارته لا تكون ~~طفيفة كذلك. كيف ستجد الأمر لو أنك قد حرمت فجأة من رؤية ~~جميع الأماكن والأشخاص الذين عرفتهم وأحببتهم على مدى خمس ~~سنوات؟ إنني أؤكد لك أنني «أصدم» أحيانا من التفكير في ~~هذا الأمر، وليس من السهل على المرء ولا على السفينة أن ~~يعودا إلى المسار السابق مجددا. أبلغ تحياتي ms224 الصادقة ~~إلى من تبقى من خيرة الرفاق الذين أسعدني الحظ بمعرفتهم ~~في كامبريدج، وأنا أعني بهؤلاء: ويتلي وواتكينز. وأخبر لو ~~بأنني في حالة سيئة للغاية لا تستدعي حتى احتقاره. قل له ~~إنني آكل اللحم البقري المملح والبسكويت الزنخ على العشاء؛ ~~أفترى أي سوء قد يحل بالمرء؟! # ستكون وجهتي على مدى عام ونصف قادم هي مونتي ~~فيديو. # فليباركك الرب يا هربرت، يا صديقي العزيز والغالي جدا. ~~وأتمنى من كل قلبي أن تنعم دوما بالسعادة والرخاء. # صديقك المخلص # تشاز داروين # من تشارلز داروين إلى إف واتكينز # مونتي فيديو، ريفر بلاتا # 18 أغسطس 1832 # عزيزي واتكينز # لست متأكدا إن كنت سترى أن استقبال خطاب من شخص في ~~مكان ناء للغاية هو أمر مهم أم لا؛ ومن ثم، فإنني ~~أكتب لك انطلاقا من الرغبة الأنانية المتمثلة في تلقي ~~الرد. إن ما أجده في البلاد المختلفة التي نزورها، من ~~جدة واختلاف تامين عن إنجلترا، لا يزيدني إلا حرصا ~~على تذكر مناظر الأخيرة وجمالها. ومن ثم، فإن سرور ~~المرء بتذكر أصدقائه القدامى وسماع أخبارهم، يصبح ~~عظيما بلا شك. فلتتذكر هذا، ولتتذكر إحدى جلساتنا في ~~أمسيات الشتاء الطويلة، ولترسل لي خطابا تحكي لي فيه ~~الكثير عن نفسك وأصدقائنا؛ فلتخبرني عما تفعلونه وعما ~~تنوون فعله في المستقبل، وإلا فسوف تصبحون جميعا غرباء ~~عني تماما حين أعود بعد ثلاث سنوات أو أربع. بالنظر إلى ~~عدد الشهور التي قضيناها على متن «البيجل»، فإننا لم نقطع ~~مسافة كبيرة حول العالم. وحتى الآن، فإن كل شيء قد آتى ~~ثماره وعوضني جيدا عن أي تعب أو مشقة لم يكن منها ~~بد. لقد مكثنا ثلاثة أسابيع في الرأس الأخضر، ولم يكن ~~سروري بالسير على سهول الحمم البركانية وتحت الشمس ~~الاستوائية، سرورا عاديا، لكنني حين دخلت ورأيت الطبيعة ~~النباتية الزاخرة في البرازيل لأول مرة، كان الأمر أشبه ~~بتحقق إحدى رؤى كتاب «ألف ليلة وليلة». إن روعة المنظر ~~الطبيعي تلقي بالمرء في نوبة من البهجة، والتي ليس من ~~المحتمل أن يفيق منها سريعا صائد الخنافس؛ إذ ms225 أينما ~~استدار بوجهه وقعت عيناه على كنوز جديدة. في ريو دي ~~جانيرو، مرت ثلاثة شهور وكأنها عدة أسابيع. وخلال هذه ~~الفترة، قمت بجولة رائعة للغاية على امتداد 150 ميلا في ~~البلد. أقمت في قطعة أرض هي آخر من جرى تمهيده من الأرض، ~~ومن خلفي غابة شاسعة منيعة. إن تخيل هدوء هذه الحياة يكاد ~~يكون مستحيلا. لا يوجد إنسان على بعد أميال ليقاطع هذه ~~العزلة. إن الجلوس على جذع شجرة في طريقه إلى التحلل ~~في خضم روعة هذه الغابة، والتفكير في الوطن، لهو سرور ~~يستحق بذل بعض العناء في سبيله. # إننا الآن في بلد أقل إثارة بدرجة كبيرة؛ فجولة واحدة ~~على السهول المتموجة المكسوة بالخضرة، تكشف لك عن كل ما ~~يمكن رؤيته. إنها لا تختلف عن كامبريدجشير على الإطلاق، ~~فيما عدا أنه لا بد من تسوية جميع الأسياج الشجرية ~~والأشجار والتلال، وتحويل جميع الأراضي الصالحة للزراعة ~~إلى مراع. إن أمريكا الجنوبية بأكملها في حالة من عدم ~~الاستقرار؛ فلم ندخل ميناء واحدا دون شيء من القلاقل. ~~في بوينس آيريس، سمعنا صوت طلقة تصفر فوق رءوسنا؛ لقد كان ~~صوتا لم أسمعه من قبل، لكنني وجدت أن لدي معرفة ~~غريزية بما يعنيه. قبل أيام، أنزلنا رجالنا هنا، واستحوذنا ~~على القلعة المركزية، بناء على طلب السكان. إننا نحن ~~الفلاسفة لا نتوقع هذا النوع من العمل، وأتمنى ألا يكون ~~هناك المزيد. سنبحر في غضون يوم أو يومين لمسح ساحل ~~باتاجونيا؛ إنه غير معروف على الإطلاق، وأنا أتوقع أنه ~~سيكون مثيرا للاهتمام بدرجة كبيرة. بالرغم من ذلك، فأنا ~~أدرك بالفعل ذلك الاختلاف الشاسع بين الإبحار في هذه ~~البحار، وبين الإبحار في المحيط الأطلنطي الاستوائي. في ~~«خليج ليديز» كما يسميه الإسبان الأصليون، يكون من الممتع ~~جدا أن تجلس على ظهر السفينة مع الاستمتاع ببرودة الليل، ~~والإعجاب بالتجمعات النجمية الجديدة الخاصة بالجنوب ... إنني ~~أتساءل متى سنلتقي مجددا؛ ولكن، أيا كان الوقت الذي ~~سيتحقق فيه ذلك، فإن القليل من الأمور فقط، هي التي ~~ستمنحني سرورا أكبر من سروري برؤيتك مجددا ms226 والحديث عن ~~ذلك الوقت الطويل الذي قضيناه معا. # لو أنك كنت لتراني الآن، لنظرت إلي كما لو أنني وحش ~~بري لا شك؛ فاللحية الكبيرة الشيباء وسترة التنظيف ~~تشوهان أي أحد ولو كان ملاكا. خالص مودتي إليك يا ~~عزيزي واتكينز، مع خالص مشاعر الصداقة. # المخلص لك دوما # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى جيه إس هنزلو # 11 أبريل 1833 # عزيزي هنزلو # ها نحن الآن نغادر جزر فوكلاند متجهين إلى ريو نجرو ~~(أو كولورادو). ستتجه «البيجل» بعد ذلك إلى مونتي فيديو، ~~لكنني أنوي البقاء في المكان السابق إن كان ذلك ممكنا. ها ~~قد مضت عدة شهور منذ أن رسونا بميناء متمدن؛ فقد قضينا ~~معظم هذا الوقت تقريبا في أقصى الجنوب من تييرا ديل ~~فويجو. إنه مكان بغيض؛ إذ تتوالى العاصفة بعد العاصفة على ~~فترات زمنية قصيرة، مما يصعب القيام بأي شيء. لقد ~~كنا نبعد مسافة ثلاثة وعشرين يوما عن رأس هورن، ولم ~~نتمكن من الوصول إلى الجانب الغربي على الإطلاق. كانت ~~العاصفة الأخيرة قبل أن نتوقف عن المحاولة تماما عاتية ~~بنحو استثنائي. لقد ثقب البحر أحد القوارب وتسربت ~~على السطح الكثير من المياه؛ وغرق المكان بأكمله بالمياه، ~~وفسد الجزء الأكبر من الأوراق المستخدمة في تجفيف ~~النباتات، وكذلك نصف مجموعة النباتات الغريبة هذه. # وأخيرا وصلنا إلى مرفأ واتجهنا إلى الغرب في القوارب عن ~~طريق القنوات الداخلية؛ ولأنني كنت أحد أفراد هذه ~~المجموعة، فقد سررت بالأمر كثيرا. أخذنا قاربين وسرنا ~~بهما مسافة 300 ميل تقريبا؛ ومن ثم فقد حظيت بفرصة ~~رائعة لدراسة الطبيعة الجيولوجية ورؤية الهمج. إن أهل ~~فويجو يعيشون في حالة من الهمجية هي أشد سوءا مما ~~توقعت أن يكون عليها أي إنسان. إنهم يسيرون عراة ~~تماما في هذه البلدة ذات الطبيعة القاسية، وأما منازلهم ~~المؤقتة، فهي تشبه تلك المنازل التي يبنيها الأطفال في ~~الصيف بغصون الأشجار. لا أظن أن هناك مشهدا يمكن أن ~~يكون أكثر إثارة من رؤية رجل على همجيته البدائية للمرة ~~الأولى، وهذا الشعور بالإثارة لا يمكن لأحد أن يتخيله ms227 ~~حقا إلى أن يجربه. إنني لن أنسى أبدا عند دخول خليج ~~جود ساكسيس لأول مرة تلك الصرخة التي استقبلنا بها الجمع. ~~كانوا يجلسون على بقعة صخرية، وتحيط بهم غابة قاتمة من ~~أشجار الزان، وإذ رفعوا أذرعهم حول رءوسهم بوحشية، وتدلى ~~شعرهم الطويل؛ فقد بدوا وكأنهم أرواح معذبة من عالم ~~آخر. والطقس في هذا البلد يجمع في بعض النواحي، بين القسوة ~~والاعتدال، وبالنسبة إلى المملكة الحيوانية فالسمة الأولى ~~هي السائدة؛ ولهذا، فإنني لم أتمكن من إضافة عدد كبير إلى ~~مجموعتي. # لقد كانت الطبيعة الجيولوجية في هذا الجزء من تييرا ديل ~~فويجو، مثيرة للاهتمام بشدة بالنسبة لي، وذلك كجميع ~~الأماكن بالطبع. إن هذا البلد لا يحتوي على أحافير ~~متحجرة، وهو يحتوي على نسبة متوسطة من الصخور والألواح ~~الجرانيتية، وقد كانت محاولة الربط بين الصدوع والطبقات ~~وغير ذلك هي أكبر مصادر استمتاعي. ومع ذلك، أعتقد أن ~~دراسة الطبيعة المعدنية لبعض الصخور ستكون مثيرة للاهتمام ~~نظرا لتماثلها مع تلك من ذوات الأصل البركاني. ~~... # بعد أن غادرنا تييرا ديل فويجو، أبحرنا إلى جزر فوكلاند. ~~لقد نسيت أن أذكر مصير مواطني فويجو الذين أعدناهم ~~مجددا إلى بلدهم. لقد أصبحوا أوروبيين تماما في ~~عاداتهم ورغباتهم، حتى إن أصغرهم قد نسي لغته الأصلية، ~~ولم يعرهم أبناء بلدهم سوى قدر ضئيل من الاهتمام. لقد ~~بنينا لهم منازل وزرعنا من أجلهم حدائق، لكنني أتشكك ~~كثيرا في مقدار ما سنجده على حاله ولم يسرق بعد من هذه ~~الممتلكات حين نعود ثانية من طريقنا حول رأس هورن. ~~... حين أشعر بالتعب الشديد ودوار البحر، أتصور المستقبل ~~حين نلتقي مجددا ونخطو معا في الطرق المحيطة ~~بكامبريدج، وذلك من أكبر أسباب تعزيتي، غير أن ذلك اليوم ~~بعيد والطريق إليه مرهق. سنقوم برحلة بحرية أخرى إلى تييرا ~~ديل فويجو في الصيف القادم، وبعدها ستبدأ رحلتنا حول ~~العالم بحق. لقد اشترى القبطان فيتزروي مركبا شراعيا ~~كبيرا بصاريين يزن 170 طنا. ستكون للصحبة فائدة ~~عظيمة من نواح عديدة؛ فربما تقصر مدة الرحلة بعض ~~الشيء، وهو ما أرجوه من ms228 كل قلبي. بالرغم من ذلك، فإنني ~~أثق أن الشعاب المرجانية وغيرها من حيوانات المحيط ~~الهادئ، سوف تجعلني أحتفظ برباطة جأشي. أبلغ السيدة هنزلو ~~وجميع الأصدقاء بخالص تحياتي؛ فأنا محب صادق لكليتي ~~القديمة وجميع روادها. # خالص مودتي إليك يا عزيزي هنزلو # صديقك المحب والممتن إليك # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى الآنسة سي ~~داروين # مالدونادو، ريو بلاتا، 22 مايو، 1833 ~~... إن الجزء التالي المتعلقة بالعمل موجه إلى والدي. إن ~~الاستعانة بخادم خاص لي سيكون إضافة عظيمة بحق لراحتي. ~~ويرجع هذا لهذين السببين: أولا، عين القبطان فيتزروي ~~أحد الرجال ليكون معي دائما، لكنني لا أعتقد أنه من ~~الصحيح أن أحرم السفينة من أحد بحاريها؛ وثانيا، عندما ~~أكون على متن السفينة، أكون في حالة سيئة للغاية بحيث ~~أحتاج لأحد أن يخدمني بنحو خاص. إن الرجل مستعد لأن ~~يكون خادمي، وسوف تكون جميع النفقات أقل من ستين جنيها في ~~العام. لقد علمته صيد الطيور وسلخها؛ لذا فسوف يكون ~~مفيدا جدا في إنجاز مهمتي الأساسية. لقد غادرت إنجلترا ~~منذ عام ونصف تقريبا، ونفقاتي لا تزيد عن 200 جنيه في ~~العام؛ ولأنه يتعذر الكتابة إليك طلبا لموافقتك (بسبب ~~الوقت)، فقد توصلت إلى أنك ستسمح لي بهذا المبلغ الإضافي. ~~غير أنني لم أقرر بعد أن أطلب من القبطان هذا الأمر، ~~وتتساوى الاحتمالات فيما يتعلق برأيه في وجود رجل إضافي ~~على السفينة، وقد ذكرت ذلك لأنني أفكر فيه منذ فترة ~~طويلة. # يونيو: # لقد تسلمت للتو ~~حزمة جديدة من الخطابات، ولست أدري كيف يمكنني أن أشكركم ~~جميعا بالدرجة الكافية. أحد الخطابات من كاثرين بتاريخ ~~الثامن من فبراير، وآخر من سوزان بتاريخ الثالث من مارس، ~~مع ملاحظات من كارولين وأبي؛ فلتبلغي أبي بخالص مودتي. لقد ~~كدت أبكي فرحا حين تسلمتها؛ فتفكيركم في الكتابة لي ~~لهو أمر غاية في اللطف. إن خطاباتي قليلة وقصيرة وسخيفة ~~مقارنة بالخطابات التي ترسلونها جميعا، لكنني أهون على ~~ضميري دائما بأن أعتبر دفتر اليوميات بمنزلة خطاب طويل. ~~سوف أرسل الجزء المتبقي قبل الدوران حول هورن، إن ms229 استطعت ~~ذلك. لقد سرني بشدة أن جلد البهضم قد أثار اهتمامكم ~~جميعا بعملي بعض الشيء. بالرغم من ذلك، فهذه الشذرات ليست ~~هي أثمن الآثار الجيولوجية على الإطلاق. إنني أومن وأثق ~~أن الوقت الذي قضيناه في هذه الرحلة سيؤتي بثماره كاملة ~~في مجال التاريخ الطبيعي، حتى إن كان وقتا مهدرا من ~~جميع الجوانب الأخرى، وأنا أرى أن هذا القدر «الضئيل» ~~الذي يمكننا القيام به لزيادة مخزون المعرفة، هو أشرف ~~الأهداف التي يمكن أن يسعى المرء إلى تحقيقها في الحياة. ~~إن نتيجة مثل هذه التأملات (كما ذكرت من قبل) هي التي ~~تدفعني الآن إلى الاستمرار في هذه الرحلة، أكثر مما يدفعني ~~ما أستمده منها من سرور عظيم، إضافة إلى ذلك الأمل الرائع ~~في المستقبل، بأنه حينما نعبر مضيق ماجلان، سيكون العالم ~~أمامنا بالفعل. تخيلي جبال الأنديز وغابة جواياكيل الزاخرة ~~وجزر بحر الجنوب ونيو ساوث ويلز. كم من مناظر رائعة وبارزة ~~سنراها وكم من قبائل غريبة سنلتقي بها! وكم من فرص رائعة ~~لدراسة الأمور الجيولوجية وكذلك لدراسة عدد هائل من ~~الكائنات الحية! أليس ذلك أملا يوقظ الروح الواهنة؟ لئن ~~تخليت عن هذه الرحلة، فلا أظن بأنني سأستريح في قبري ~~أبدا؛ فلا شك بأنني سأصبح شبحا وأسكن المتحف ~~البريطاني. # يبدو أن الوزراء يتمتعون بشهرة كبيرة. إنني دائما ما ~~أستمتع كثيرا بالنميمة السياسية وبما تعتقدون أنه سيحدث ~~في الوطن. إنني أقرأ الجريدة الأسبوعية بانتظام، لكنها لا ~~تكفي لإرشاد المرء في تكوين رأيه الخاص، وأنا أجد أنه من ~~المؤلم جدا ألا أكون عنيدا في تمسكي بآرائي السياسة. ~~لقد رأيت كيف أن مشاعر الناس أصبحت تناهض العبودية ~~بثبات، كما اتضح في الانتخابات. كم سيكون فخرا عظيما ~~لإنجلترا أن تكون هي أولى البلاد الأوروبية التي تلغيها ~~نهائيا! لقد كانوا يخبرونني قبل مغادرة إنجلترا أن ~~جميع آرائي ستتغير بعد أن أعيش في بلاد تعترف بالعبودية، ~~والتغير الوحيد الذي أعيه، هو أنني أصبحت أكن تقديرا ~~أكبر كثيرا للزنوج. من المستحيل أن ترى زنجيا وألا تشعر ~~بالعطف نحوه؛ بما يبدو على ms230 وجهه من تعبيرات بشوشة صريحة ~~وأمينة وبما يتمتع به من جسم قوي ورائع. إنني لم أر قط ~~أيا من البرتغاليين الصغار الحجم بهيئتهم التي تلوح ~~فيها القسوة، إلا وكدت أتمنى أن تتبع البرازيل مثال ~~هايتي؛ ونظرا للعدد الكبير من السكان الزنوج، سوف يكون ~~أمرا مدهشا ألا يحدث ذلك في يوم ما في المستقبل. يوجد ~~رجل في ريو، (لا أعرف لقبه) يتقاضى راتبا كبيرا لمنع ~~مجيء العبيد إلى هناك (حسبما أعتقد). إنه يعيش في ~~بوتوفوجو، وبالرغم من ذلك، فخلال إقامتي، كان ذلك هو ~~الخليج الذي هبط فيه أكبر عدد من العبيد الذين جرى ~~تهريبهم. وقد كان على بعض الأفراد المناهضين للعبودية أن ~~يتشككوا في صنيعه، وكان ذلك موضوعا للحديث بين ~~الطبقات الأدنى من الإنجليز في ريو ... # من تشارلز داروين إلى جيه إم هربرت # مالدونادو، ريو بلاتا، 2 يونيو 1833 # عزيزي هربرت # لقد كنت محتجزا على مدى الأيام الثلاثة السابقة في ~~غرفة بائسة مظلمة ببيت إسباني قديم، محتميا من سيول ~~الأمطار؛ ولهذا، فأنا لست في حالة جيدة جدا للكتابة، ~~لكنني سأرسل لك بضعة سطور ردعا للكآبة، ولو لم يكن ذلك ~~إلا لكي أشكرك بصدق على الكتابة لي. لقد تسلمت خطابك ~~المؤرخ في الأول من ديسمبر بعدها بوقت قصير. إننا الآن ~~نقضي جزءا من الشتاء في ريو بلاتا، وذلك بعد أن عملنا بجد ~~في الصيف باتجاه الجنوب. تييرا ديل فويجو مكان بائس بلا شك؛ فغضب العواصف العاتية الذي لا يتوقف هائل بحق. في إحدى ~~الأمسيات، كنا نرى كيب هورن القديمة، وبعدها بثلاثة ~~أسابيع، لم نكن نبعد عنها سوى ثلاثين ميلا باتجاه الرياح. ~~إنه لمشهد عظيم حين ترى غضب الطبيعة وثورانها، لكن الرب ~~يعلم أن جميع من هم على ظهر «البيجل» قد رأوا خلال هذا ~~الصيف ما يكفيهم على مدى حياتهم. # كان أول مكان رسونا عنده هو خليج جود ساكسيس، وهو المكان ~~الذي لاقى فيه بانكس وسولاندر تلك المصائب عند صعودهم أحد ~~الجبال. كان الطقس جيدا بدرجة معقولة، وقد استمتعت ~~ببعض جولات السير في ms231 إحدى المناطق البرية، والتي تشبه ~~تلك التي تقع خلف بارماوث. لا يمكن اختراق الوديان بسبب ~~الغابات المتشابكة، لكن الأجزاء الأعلى منها، بالقرب من ~~حدود ذلك الثلج الدائم، مقفرة. وعلى بعض هذه التلال، بدت ~~المناظر الطبيعية في منتهى الجلال، وذلك لطبيعتها المتوحشة ~~والمنعزلة. حيوانات الجوناق هي الساكن الوحيد لهذه ~~المرتفعات، وكثيرا ما تكسر الصمت بصوتها الحاد. وقد زاد ~~من سروري بهذه الجولات معرفتي أنه لم يسبق من قبل أن ~~خطت قدم أوروبية على جزء كبير من هذه الأرض. كم من مرة ~~كانت العديد من الأوقات التي قضيتها في بارماوث تتبادر إلى ~~ذهني، وبوضوح شديد! إنني لا أتذكر ذلك الوقت بسرور عادي؛ ~~ففي هذه اللحظة، أستطيع أن أراك جالسا على التل وراء ~~النزل، وإنني لأراك بوضوح شديد كما لو أنك هناك ~~بالفعل. يلزم على المرء أن يترك كل ما قد كان معتادا ~~عليه، لكي يعرف قيمة اعتزازه بمثل هذه الذكريات، ويمكنني ~~أن أضيف يا عزيزي الغالي هربرت، أنه على هذه المسافة ~~البعيدة، يعرف المرء جيدا قيمة شخص مثلك. إنني أتساءل ~~متى سنلتقي مجددا، وأتمنى أن يكون لقاؤنا، كما تقول ~~أنت، بين أكوام الورق، غير أنه لا بد عاجلا أم آجلا، من ~~وجود سيدة صغيرة عزيزة لكي تعتني بك وببيتك. إن هذه ~~الصورة المبهجة تثير في نفسي بعض مشاعر الحسد؛ فتلك حياة ~~غريبة لرجل مثلي يرتاد الشواطئ بانتظام، وأسوأ ما فيها هو ~~طولها المفرط. إنها لا تخلو بالطبع من قدر كبير من ~~الاستمتاع، لكن بها، من ناحية أخرى، قدرا محتملا من ~~ضجر الروح. بالرغم من ذلك، فكل شيء يهون بالتأكيد في سبيل ~~الفرحة لاستخراج عظام قديمة وصيد حيوانات جديدة. ~~بالمناسبة، إنك تعلي كثيرا من قيمة جهودي في مجال ~~التاريخ الطبيعي. لكنني لست سوى راع للأسود، وأنا لست ~~واثقا على الإطلاق من أنها لن تكشر عن أنيابها في ~~نهاية الأمر وتدمرني. # يسرني أن أعرف كيف تسير الأمور في إنجلترا. فليحي ~~الأحرار الصادقون! إنني أثق في أنهم سرعان ما سيهاجمون تلك ~~البقعة التي لطخت حريتنا ms232 التي نتفاخر بها، ألا وهي: ~~العبودية الاستعمارية. لقد رأيت من العبودية وأحوال ~~الزنوج ما يكفي لأن أشمئز تماما من العبث والأكاذيب التي ~~يسمعها المرء في إنجلترا بشأن هذا الموضوع. فلنشكر الرب ~~أن المحافظين القساة القلوب الذين لا يظهرون حماسا ~~إلا ضد الحماس، كما يقول جيه ماكنتوش، قد خاضوا سباقهم في ~~الوقت الحالي. يؤسفني أن أعرف من خطابك أنك لست على ما يرام، وأنك تعزو ذلك بصفة جزئية إلى الحاجة إلى ممارسة ~~التمرينات الرياضية. أتمنى لو أنك كنت هنا بين السهول ~~الخضراء؛ فلقمنا إذن بجولات سير تنافس جولاتنا في دولجيلي، ~~ولحكيت لي قصصا والتي كنت سأصدقها بالطبع، حتى وإن بلغ ~~«هراؤك قدرا كبيرا». بالرغم من ذلك، ينبغي علي أن ~~أتجول وحيدا، بينما أتذكر أيام كامبريدج وألتقط ~~الثعابين والخنافس والعلاجم. اعذرني على هذا الخطاب القصير ~~(فأنت تعرف أنني لم أدرس قط «الدليل الشامل لكتابة ~~الخطابات»)، وخالص مودتي إليك يا عزيزي هربرت. # صديقك المحب # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى جيه إس هنزلو # جزيرة فوكلاند الشرقية، مارس 1834 ~~... إنني مفتون بشدة بالطبيعة الجيولوجية، لكنني كالحيوان ~~الحكيم بين كومتين من الحشيش المجفف، لا أدري ما أحبه ~~أكثر منهما؛ مجموعة الصخور القديمة المتبلورة، أم الطبقات ~~الأرق التي تحتوي على أحافير. وحين أحتار بشأن ترتيب ~~الطبقات وما إلى ذلك، أجد أنني أرغب في أن أصرخ: «تبا ~~لمحارك الكبير، وحيوانات البهضم خاصتك الأكبر.» لكنني حين ~~أستخرج بعض العظام الجيدة، أتعجب كيف أنه من الممكن لإنسان ~~أن يرهق ذراعيه في الطرق على الجرانيت . بالمناسبة، ليست ~~لدي أدنى فكرة عن التشقق وترتيب الطبقات وخطوط ~~التقبب؛ إذ إنني لا أمتلك كتبا تخبرني بالكثير، وما ~~أعرفه منها لا يمكنني تطبيقه على ما أراه. ونتيجة لذلك، ~~فإنني أتوصل إلى استنتاجاتي بنفسي، وكم هي سخيفة للغاية ~~تلك الاستنتاجات التي أتوصل إليها أحيانا. هل يمكنك أن ~~تعطيني فكرة عن الموضوع بأن تخبرني بالعلاقة بين التشقق ~~ومستويات الترسب؟ # وأما عن «قسمي» الثاني؛ علم الحيوان، فقد انهمكت ~~بصفة أساسية في إعداد نفسي لبحر الجنوب، من خلال ms233 دراسة ~~سلائل الطحلبيات المرجانية الأصغر حجما في هذه المنطقة من ~~دوائر العرض. إن الكثير منها في حد ذاته غريب للغاية ~~وأعتقد أنه لا يمكن وصفها كليا؛ فمنها ذلك النوع الرهيب ~~الذي يرتبط بنوع الفلاسترا، وأعتقد أنني قد ذكرت أنني ~~وجدته باتجاه الشمال، حيث تحتوي الخلايا على عضو قابل ~~للتحريك (مثل رأس نسر بمنقار قابل للتمدد) وهو مثبت على ~~الطرف. بالرغم من ذلك، فإن ما يثير اهتمامي بدرجة أكبر، ~~الوجود المؤكد (كما يبدو لي) لنوع آخر من النعام، بخلاف ~~نوع ستروثيو ~~ريا # Struthio rhea ~~. إن جميع الجاوتشو والهنود يقولون ~~بذلك، وأنا أثق بملاحظاتهم ثقة عظيمة. لدي الرأس والرقبة ~~وجزء من الجلد والريش والسيقان لواحدة منها. والاختلافات ~~بينهما تكمن بصفة أساسية في لون الريش وحراشيف السيقان، ~~ووجود الريش أسفل الركبتين، وبناء الأعشاش، والتوزيع ~~الجغرافي. يكفي حديثا عما فعلته مؤخرا؛ فالأفق أمامي ~~مليء بالشمس المشرقة، والطقس الجميل والمناظر الطبيعية ~~الرائعة، والطبيعة الجيولوجية للأنديز، والسهول التي تزخر ~~بالبقايا العضوية (التي قد يسعدني الحظ بالعثور عليها ~~بينما أتحرك)، وأخيرا، هذا المحيط بشواطئه التي تفيض ~~بالحياة؛ ومن ثم، إن لم يحدث أي شيء غير متوقع، ~~فسوف أواصل الرحلة، رغم أنها، وفقا لما أراه، قد ~~تستمر إلى أن نصير شيوخا قد شابت رءوسنا. إنني أشكرك من ~~كل قلبي على إرسال الكتب. وأنا أقرأ الآن «تقرير» ~~أكسفورد [وهو ذلك الخاص بالاجتماع الثاني للجمعية ~~البريطانية الذي عقد في أكسفورد عام 1832، وقد عقد ~~الاجتماع في العام التالي في كامبريدج.] لقد كانت مشاركتك ~~رائعة للغاية، ولا يمكنك أن تتخيل كيف أن بقاءك في ~~إنجلترا يجعل هذه التقارير مثيرة للغاية بالنسبة لي. إن ~~شعوري الشديد بالإثارة يجعلني أثق فيما لهذه التقارير من ~~أثر ممتاز على جميع من قرءوها من المقيمين في ~~المستعمرات البعيدة، والذين لا يجدون فرصة كبيرة للاطلاع ~~على الدوريات. لقد انكفأت على قراءة الفقرات المتعلقة ~~بعملي بعزيمة مضاعفة، وبينما رحت أتأمل فصاحة رئيس ~~اجتماع كامبريدج، ازداد تمعني فيها أكثر فأكثر، وأتمنى ~~أن يمدني ذلك بعزيمة أكبر لفهم السلسلة الجبلية في ms234 هذه ~~المنطقة. وأتمنى أن ترسل لي من خلال القبطان بوفورت نسخة ~~من «تقرير» كامبريدج. # لقد نسيت أن أذكر أنني منذ فترة مضت، ولفترة قادمة ~~في المستقبل كذلك، سوف أضع علامة صليب بالقلم الرصاص على ~~علب أقراص الدواء التي أضع فيها الحشرات؛ فهذه العلب ~~بالتحديد سوف تستلزم أن تظل جافة تماما، وربما يوفر ~~عليك ذلك بعض المشقة. إنني لا أعرف متى سيبعث هذا الخطاب؛ ~~فقد تصاعدت حدة الصراع في تلك الجزيرة البائسة مؤخرا ~~بسبب حالات قتل مريعة، وقد أصبح حاليا عدد المسجونين ~~أكثر من عدد السكان. وإذا ذهبت سفينة تجارية لأخذهم إلى ~~ريو، فسوف أرسل بعض العينات (لا سيما العدد القليل الذي ~~جمعته من النباتات والبذور). أبلغ تحياتي إلى جميع ~~أصدقائي في كامبريدج. إنني أحب جميع ذكرياتي في كامبريدج ~~العزيزة الغالية وأعتز بها. وأنا ممتن إليك كثيرا لأنك ~~وضعت اسمي على النصب التذكاري لرامزي المسكين؛ فأنا لا ~~أتذكره إلا بأصدق مشاعر الإعجاب. وداعا يا عزيزي ~~هنزلو. # خالص المودة والامتنان من صديقك # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى الآنسة سي ~~داروين # جزيرة فوكلاند الشرقية، 6 أبريل 1834 # عزيزتي كاثرين # إنني لا أعرف متى سيصلك هذا الخطاب، لكن من المرجح أن ~~تأتي سفينة حربية إلى هنا قبل، وفقا للمسار المعتاد ~~للأحداث، أن تتسنى لي الفرصة في الكتابة مجددا. ~~... # بعد أن زرنا بعض الجزر الجنوبية، انطلقنا عبر المناظر ~~الطبيعية البديعة في قناة بيجل إلى بلد جيمي بوتون. [إن ~~جيمي بوتون ويورك مينستر وفويجيا باسكت من السكان ~~الأصليين لتييرا ديل فويجو، وقد أحضرهم القبطان فيتزروي ~~إلى إنجلترا في رحلته السابقة، وأعادهم إلى بلدهم في عام ~~1832.] لم نتمكن من تمييز جيمي إلا بصعوبة كبيرة؛ فبدلا ~~من الشاب القوي النظيف أنيق الثياب الذي تركناه، وجدنا ~~همجيا متسخا ونحيفا وعاريا. أما يورك وفويجيا، فقد ~~انتقلا إلى بلدتهما قبل بضعة أشهر، وذلك بعد أن سرق الأول ~~جميع ثياب جيمي. والآن، فقد صار لا يملك سوى غطاء يلف به ~~وسطه. إن جيمي المسكين كان سعيدا للغاية برؤيتنا، ~~ولمشاعره الطيبة المعتادة، ms235 فقد أحضر لأصدقائه القدامى ~~العديد من الهدايا (جلود القضاعة، وهي ثمينة للغاية ~~بالنسبة لهم). وقد عرض عليه القبطان أن يأخذه إلى إنجلترا، ~~لكننا دهشنا إذ رفض هذا العرض. في المساء، جاءت إلينا ~~زوجته الصغيرة السن وأوضحت لنا السبب. لقد كان يشعر بالرضا ~~على نحو كبير. لقد كان يقول وهو في قمة سخطه بالعام الماضي ~~إن «أهل بلده لا «يفقهون شيئا»؛ فهم حمقى أغبياء»، ~~والآن، قد أصبحوا أناسا جيدين للغاية ولديهم «الكثير» من ~~الطعام، وجميع رفاهيات الحياة. جدف جيمي وزوجته مبتعدين ~~بقاربهم المحمل بالهدايا التي أعطيناها لهما، وهما في غاية ~~السعادة. وأغرب ما في الأمر، هو أن جيمي لم يستعد لغته ~~الأصلية، وإنما علم جميع أصدقائه بعض الإنجليزية. فقد ~~سمعنا من العديد منهم بعض العبارات بالإنجليزية مثل: «قارب ~~جيه بوتون» و«زوجة جيمي تأتي»، و«أعطني سكينا»، ~~وغيرها. # بعد ذلك، أبحرنا إلى الجزيرة الصغيرة البائسة الممتلئة ~~بالصراع. لقد وجدنا أن الجاوتشو قد قتلوا جميع من ~~استطاعوا الإمساك بهم من الإنجليز ونهبوهم، إضافة إلى بعض ~~أبناء بلدهم، وذلك بدعوى الثورة. إن الحالة الاقتصادية ~~في الوطن، تجعل التحركات الخارجية لإنجلترا، جديرة ~~بالازدراء. أي اختلاف نمثله عن إسبانيا القديمة؟! ها ~~نحن نحتفظ بأشياء لا نريدها لكي نمنع غيرنا من أخذها؛ إذ ~~نستولي على أي جزيرة ونترك علم الاتحاد ليحميها. لقد ~~قتل القائم عليها بالطبع، والآن، سنرسل نقيبا وأربعة ~~بحارة دون سلطة أو تعليمات. بالرغم من ذلك، فقد غامرت ~~سفينة حربية بترك جماعة من ضباط البحرية، ومن خلال ~~مساعدتهم وخيانة بعض أفراد الجانب الآخر ، تمكنا من القبض ~~على جميع القتلة، وقد صار الآن عدد السجناء يساوي عدد ~~السكان. لا بد أن هذه الجزيرة ستصبح ذات يوم محطة توقف ~~مهمة للغاية في أكثر بحار العالم اضطرابا. إنها تقع في ~~منتصف الطريق بين أستراليا وبحر الجنوب بالنسبة إلى ~~إنجلترا، وهي كذلك بين تشيلي وبيرو وغيرهما، وكذلك بين ريو بلاتا وريو دي جانيرو. إضافة إلى ذلك، يوجد بها مرافئ ~~جيدة والكثير من المياه العذبة ولحم بقري جيد. ولا شك ~~في ms236 أنها ستنتج أنواع الخضروات الصلبة، غير أنها مكان بائس ~~من نواح أخرى. منذ فترة قصيرة، انطلقت في جولة عبر ~~الجزيرة وعدت بعد أربعة أيام، وقد كنت أخطط لجولتي ~~أن تطول أكثر من ذلك، غير أن عاصفة من الرياح قد هبت، ~~ومعها الثلج والبرد. لا يوجد حطب لإشعال النار أكبر من ~~نباتات الخلنج، والبلد كله أشبه بمستنقع مطاطي. وقد كان ~~النوم بالخارج ليلا أمرا يصعب تحمله للغاية، حتى ولو ~~كان ذلك في سبيل جميع صخور أمريكا الجنوبية. # سنرحل عن مشهد الخطيئة هذا في غضون يومين أو ثلاثة ~~أيام، وسوف نذهب إلى ريو دي لا سانتا كروز. ومن أهدافنا في ~~ذلك فحص قاع السفينة؛ فقد اصطدمنا بشدة بصخرة مجهولة ~~بينما بالقرب من بورت ديزايار، وقد تلفت بعض الأجزاء ~~النحاسية بالسفينة. وبعد إصلاحها، فإن القبطان لديه خطة ~~رائعة: وهي الذهاب إلى منبع هذا النهر، وسيكون هذا باتجاه ~~الأنديز على الأرجح. المكان غير معروف على وجه التحديد، ~~ويخبرنا الهنود بأن اتساعه يبلغ مائتي ياردة أو ~~ثلاثمائة، ولا يمكن للخيول أن تخوضه على الإطلاق. لا ~~يمكنني أن أتخيل شيئا أكثر إثارة من هذا. خطتنا إذن هي أن ~~نذهب إلى فورت فامين، وهناك سنلتقي بسفينة «أدفنتشر» ~~المكلفة بإعداد خريطة جزر فوكلاند. سيكون ذلك في منتصف ~~الشتاء؛ لذا فإنني سأتمكن من رؤية تييرا ديل فويجو في ~~ردائها الأبيض. سنترك المضيق لكي ندخل المحيط الهادئ عبر ~~قناة باربرا، وهي قناة لا يعرفها الكثيرون، وتمر بالقرب من ~~سفح جبل سارمينتو (وهو أعلى جبل في الجنوب، فيما عدا جبل ~~داروين). بعد ذلك، سننطلق بسرعة إلى كونسيبسيون في تشيلي. ~~أعتقد أن السفينة سوف تتجه إلى الجنوب مرة أخرى، لكن إن ~~أمسك بي أي أحد هناك، فسوف أسمح له بأن يعلقني ~~كفزاعة لجميع علماء التاريخ الطبيعي في المستقبل. إنني ~~أتوق إلى العمل في السلسلة الجبلية العظيمة هنا؛ فالطبيعة ~~الجيولوجية في هذا الجانب، والتي أفهمها جيدا، وثيقة ~~الصلة بفترات العنف البركاني. إنني أرى المستقبل بالنسبة ~~لي مشرقا بالطبع، وأنت تقولين إن هذا الإشراق ms237 بالذات ~~هو ما يثير مخاوفك، لكنني حريص للغاية بالفعل، ويمكنني أن ~~أبرهن على ذلك بأنني لم أتعرض لحادثة واحدة أو حتى خدش ~~واحد في جميع الجولات التي قمت بها ... واصلي عادتك الجميلة ~~بكتابة الكثير من النميمة؛ فإنني أحب أن أعرف كل شيء عن ~~جميع الأمور. أبلغي أطيب تحياتي إلى عمي جوز، وإلى جميع آل ~~ويدجوود كذلك. وأخبري تشارلوت (أسماؤهن بعد الزواج تبدو ~~غريبة بالطبع) بأنني كنت أود الكتابة لها، وأن أخبرها كيف ~~أن كل شيء يسير على ما يرام، لكن ذلك لن يكون إلا ~~نسخا لهذا الخطاب، وأنا لدي مجموعة من الحيوانات تحيط ~~بي الآن وعلي أن أحنطها كلها وأن أرقمها. إنني لم ~~أنس تلك الراحة التي شعرت بها ذلك اليوم في مير، حين ~~كان عقلي يشبه بندولا متأرجحا. أبلغي أبي بخالص مودتي، ~~وأتمنى أن يغفر لي بذخي، لكن ليس كمسيحي؛ فحينها، أعتقد ~~أنه لن يرسل لي المزيد من النقود. # وداعا يا عزيزتي، وسلامي إلى جميع أخواتك ~~الطيبات. # أخوك المحب # تشاز داروين # خالص مودتي إلى نانسي [مربيته القديمة]، وأخبريها أنها إن رأتني ~~الآن بلحيتي الكبيرة، فسوف تظن أنني أشبه رجلا مهيبا مثل الملك ~~سليمان الذي قد جاء لبيع بعض الحلي الرخيصة. # من تشارلز داروين إلى سي ويتلي # بالبارايسو، 23 يوليو، 1834 # عزيزي ويتلي # لقد كنت أنوي الكتابة إليك منذ فترة طويلة، وذلك ~~لأذكرك بأن صائد الخنافس وطارق الصخور لا يزال ~~موجودا. لا أعرف لم لم أكتب إليك قبل ذلك، وإن نسيتني ~~تماما، فإنني أستحق ذلك. لم تصلني أخبار عن كامبريدج منذ ~~فترة طويلة، وكذلك لا أعرف أين تعيش أو ماذا تفعل. لقد ~~رأيت اسمك مذكورا كأحد الحماة الذين لا يكلون للفلاسفة ~~الألف وثمانمائة. وقد سررت حين رأيت ذلك؛ فحين غادرنا ~~كامبريدج في المرة الأخيرة، كنت في خصومة حزينة مع العلوم ~~المسكينة؛ وقد بدا أنك ترى أنها عاهرة تسعى إلى الشهرة. ~~وإذا كانت آراؤك لم تتغير عما كانت عليه في السابق، فسوف ~~تتفق مع القبطان فيتزروي بنحو رائع، والسبب في بغضه ms238 الخالص ~~للعلم، هو أحد مؤيدي حزب الأحرار من المشتغلين بالعلم. ~~ولأن قادة السفن الحربية هم أعظم الرجال، وهم أعظم بكثير ~~من الملوك ومديري المدارس، فعلي إخباره بكل شيء يكون في ~~صالحي. لقد أخبرته كثيرا أنه كان لدي صديق رائع للغاية ~~يؤيد حزب المحافظين تأييدا تاما، وقد تمكننا من التفاهم ~~جيدا فيما بيننا، لكنه يميل إلى الشك فيما إن كنت أتمتع ~~بالشرف على الإطلاق. لم نعد نعرف من أخبار السياسة إلا ~~قليلا في هذه الأيام، مما يجنبنا قدرا كبيرا من ~~المتاعب؛ إذ إننا نتمسك جميعنا بآرائنا السابقة بعناد أكثر ~~من ذي قبل، ولا يمكننا أن نقدم سوى عدد أقل من الأسباب ~~التي تفسر قيامنا بذلك. # إنني أتمنى أن تكتب إلي (ستجدني في «إتش إم إس ~~«البيجل»، محطة أمريكا الجنوبية»). سأحب كثيرا أن أسمع عن ~~أحوالك الجسدية والذهنية. من يدري (الله هو من يعرف إن ~~كان ذلك صحيحا؛ فالناس لا يعرفون إلا القليل بالفعل) إذا ~~لم تكن متزوجا، وربما ترعى، كما تقول الآنسة أوستن، ~~القليل من أغصان الزيتون، وبعض الوعود بتبادل العاطفة. ~~ويحي! ويحي! إن ذلك يذكرني بتصوراتي السابقة عن ~~المستقبل، والتي كنت أتخيل فيها أنني أرى التقاعد والأكواخ ~~الخضراء والبنات الغيد. إنني لا أعرف ماذا سيحل بي بعد ~~ذلك؛ إنني أشعر بأنني رجل محطم لا يعرف كيف ينتشل نفسه ولا ~~يهتم بذلك. إن المنطق يخبرني بأنه لا بد لهذه الرحلة من ~~نهاية، لكنني لا أستطيع أن أرى نهايتها. ومن المحال ألا ~~يأسف المرء بمرارة على الأصدقاء وغير ذلك من مصادر البهجة ~~التي تركها في إنجلترا، وبدلا منها يوجد الكثير من ~~المتعة الشديدة، بعضها في الوقت الحاضر، لكن الأكثر منها ~~في المستقبل، وذلك حين يمكن النظر إلى بعض الأفكار التي ~~توصلت إليها في الرحلة على أنها أفكار جديدة. إن ~~اهتمامي بالجيولوجيا لا ينضب؛ فهي كما قيل عنها من قبل، ~~تشكل أفكارا عامة عن هذا العالم، وذلك كما يفعل علم ~~الفلك مع الكون. لقد رأينا الكثير من المناظر الطبيعية ~~الجميلة، مثل تلك الخاصة ms239 بالغابات الاستوائية والتي تفوق ~~في تألقها وثرائها لغة هومبولت في الوصف. ربما لن يتمكن ~~من وصفها إلا كاتب فارسي، وإن نجح في ذلك، فسوف يطلق ~~عليه في لندن لقب «الأب الروحي لجميع الكاذبين». # إنني لم أر شيئا قد أدهشني تماما أكثر من رؤيتي ~~لهمجي لأول مرة. لقد كان همجيا عاريا من أهل فويجو، ~~وكان شعره الطويل يطير في الهواء، وقد لطخ وجهه بالطلاء. ~~إنني أعتقد أن في سيمائهم تعبيرا يبدو جامحا بنحو لا ~~يصدق لمن لم يروه من قبل. كان يقف على صخرة بينما يردد ~~بعض النغمات ويقوم ببعض الإيماءات، والتي أجد أن صرخات ~~الحيوانات الأليفة مفهومة أكثر منها بدرجة كبيرة. # حين أعود إلى إنجلترا، لا بد أن ترشدني فيما يتعلق ~~بالفنون. ما زلت أتذكر أنه كان هناك رجل يدعى رافايل ~~سانكتس. كم سيكون ممتعا أن نرى لوحة فينوس لتيتيان مرة ~~أخرى في متحف فيتسويليام. وكم سيكون رائعا للغاية أن نذهب ~~إلى حفلة موسيقية جيدة أو أوبرا راقية. إن هذه الذكريات ~~لن تجديني نفعا؛ فلن أتمكن غدا من إخراج أحشاء حيوان ~~صغير وليس لدي سوى نصف مقدار إقبالي المعتاد. أرجو أن ~~تخبرني ببعض الأخبار عن كاميرون وواتكينز وماريندين ~~وتومسوني ترينيتي ولو وهيفيسايد وماثيو. لقد سمعت من ~~هربرت. وكيف هي أحوال هنزلو؟ وجميع الأصدقاء الآخرين في ~~كامبريدج العزيزة؟ إنني أفكر كثيرا وكثيرا في هذه ~~الأوقات الماضية، والتي قد قضيت العديد منها معك. إن مثل ~~هذه الأوقات لا يمكن أن تعود، لكن ذكرياتها لا يمكن أن ~~تموت أيضا. # فليباركك الرب يا عزيزي ويتلي. # خالص المودة إليك من صديقك المخلص # تشاز داروين # من تشارلز داروين إلى الآنسة سي ~~داروين # بالبارايسو، 8 نوفمبر، 1834 # عزيزتي كاثرين # لقد كان خطابي الأخير كئيبا بعض الشيء؛ إذ إنني لم أكن ~~بخير حال حين كتبته. أما الآن، فكل شيء مشرق كالشمس. لقد ~~أصبحت بخير ثانية الآن بعد أن مرضت للمرة الثانية خلال ~~أسبوعين. لقد كان القبطان فيتزروي كريما معي للغاية؛ إذ ~~أخر السفينة عشرة أيام من أجلي، ولم ms240 يخبرني بالسبب ~~حينها. # لقد قمنا ببعض الإجراءات الغريبة على متن «البيجل»، ~~لكنها انتهت بنحو رائع لجميع الأطراف. إن القبطان فيتزروي ~~كان يعمل بكد «شديد» على مدى الشهرين الماضيين، وفي ~~الوقت نفسه، كان يتعرض باستمرار لمقاطعات مزعجة من ضباط ~~السفن الأخرى. لقد كان بيع المركب الشراعي ذي الصاريين ~~وعواقبه أمرا مزعجا للغاية؛ فقد كانت الطريقة الباردة ~~التي عامله بها ديوان البحرية (وأعتقد أن ذلك لكونه ~~مؤيدا لحزب المحافظين فحسب) وألفا آخرين، قد جعلته ~~نحيفا ومريضا للغاية. وقد صاحب ذلك اكتئاب مريع للروح ~~وفقدان القدرة على الحسم واتخاذ القرار ... وكل ما قاله ~~باينو [الجراح] - من أن هذا من تأثير ضعف الصحة ~~والإرهاق فحسب بعد مثل هذا المجهود - لم يكن كافيا؛ فقد ~~قرر التخلي عن القيادة وتولاها ويكهام. ووفقا للإرشادات، ~~يمكن فقط لويكهام أن يكمل مسح الجزء الجنوبي، وبعد ذلك، ~~سيكون عليه أن يعود مباشرة إلى إنجلترا. كان الأسى الذي ~~حل على «البيجل» بشأن قرار القبطان، شاملا وعميقا، ومن ~~أحد الأسباب الكبيرة في انزعاج القبطان، هو شعوره باستحالة ~~تنفيذ جميع التعليمات؛ ونظرا لحالته الذهنية، لم يخطر ~~بباله قط أن هذه التعليمات نفسها قد أمرته بمسح أكبر ~~جزء ممكن من الساحل الغربي «يسمح به وقته»، ثم المتابعة ~~عبر المحيط الهادئ. # أما ويكهام (متخليا عن ترقيته بعدم اكتراث شديد) ~~فقد حث على ذلك بكل قوة، وذكر أنه إذا تولى القيادة، فلن ~~يدفعه شيء إلى العودة إلى تييرا ديل فويجو مجددا، ثم ~~سأل القبطان: أي خير سنجنيه من استقالته؟ ولماذا لا ~~نقوم بالأمر الأكثر نفعا ونعود عبر المحيط الهادئ كما ~~أمرنا؟ وفي النهاية، وافق القبطان، وسحبت الاستقالة، ~~وهو ما أسعد الجميع. # مرحى! مرحى! لقد استقر الأمر على أن «البيجل» لن تبحر ~~ميلا واحدا جنوب كيب تريس مونتيس (200 ميل تقريبا جنوب ~~تشيلوي) وسوف تستغرق الرحلة من هذه النقطة إلى بالبارايسو ~~نحو خمسة أشهر. سوف ندرس أرخبيل تشونوس، المجهول تماما، ~~والبحر الداخلي العجيب الذي يقع خلف تشيلوي. وهذا أمر رائع ~~بالنسبة لي. إن كيب تريس مونتيس هي ms241 أبعد نقطة في الجنوب ~~لذا فهي تستدعي قدرا كبيرا من الاهتمام بطبيعتها ~~الجيولوجية؛ فهناك تنتهي الطبقات الحديثة. ويتحدث القبطان ~~بعد ذلك عن عبور المحيط الهادئ، لكنني أعتقد أننا سنقنعه ~~بإكمال ساحل بيرو، حيث الطقس رائع، وبالرغم من أن البلد ~~مجدب بدرجة مخيفة، فإنه يزخر بالعديد مما يثير اهتمام ~~الجيولوجيين. إن هذه أول مرة، منذ أن غادرت إنجلترا، ~~أرى فيها أملا واضحا وغير بعيد للغاية في العودة إليكم ~~جميعا: سوف نعبر المحيط الهادئ، ولن تستغرق الرحلة من ~~سيدني إلى الوطن وقتا طويلا. # حينما تنحى القبطان، قررت على الفور أن أغادر «البيجل»، ~~لكن تلك الثورة التي اندلعت بجميع مشاعري في خمس دقائق لم ~~تكن منطقية على الإطلاق. إنني أشعر منذ وقت طويل بالحزن ~~والأسف لطول مدة الرحلة (بالرغم من أنني لم أكن لأتخلى ~~عنها)، لكن حين تقرر إنهاؤها، لم أستطع أن أتخذ قراري ~~بالعودة. لم أستطع أن أتخلى عن تلك القلاع الجيولوجيا التي ~~ظللت أبنيها في الهواء على مدى العامين الماضيين. لقد ~~قضيت ليلة بأكملها وأنا أحاول أن أفكر في السرور الذي ~~سأشعر به عند رؤية شروزبيري مجددا، لكن سهول بيرو ~~القاحلة قد فازت. لقد صممت هذه الخطة (وأعرف أنكم ~~ستعنفونني عليها، وربما لو بدأت في تنفيذها، لأرسل أبي ~~في طلبي بنحو رسمي)، وهي المتمثلة في دراسة السلسلة ~~الجبلية في تشيلي خلال هذا الصيف، ثم الانتقال من ميناء ~~إلى آخر في الشتاء، على امتداد ساحل بيرو إلى ليما، ثم ~~العودة في مثل هذا الوقت من العام القادم إلى بالبارايسو، ~~وعبور السلسلة الجبلية إلى بوينس آيريس، فركوب السفينة إلى ~~إنجلترا. أما كانت تلك لتصبح رحلة جيدة، ولأصبحت معكم ~~جميعا في خلال ستة عشر شهرا؟ إن العودة لتييرا ديل ~~فويجو دون رؤية المحيط الهادئ كانت ستصبح أمرا بائسا ~~... # سأصعد على متن السفينة في الغد؛ فقد كنت في منزل كورفيلد ~~منذ ستة أسابيع. لا يمكنكم أن تتخيلوا كم وجدته صديقا ~~طيبا. إن الجميع يحبونه، ويحترمونه، سواء السكان ~~الأصليون أو الأجانب. والعديد من الآنسات التشيليات يتلهفن ms242 ~~بشدة على أن يصبحن ربات هذا البيت. أخبري والدي بأنني ~~صنت وعدي بشأن عدم الإسراف في تشيلي. لقد كتبت قسيمة ~~بمقدار 100 جنيه (لو أنه كان من الأفضل إرسالها إلى بنك ~~السيدين روبارتس وكيرتيس)؛ خمسون جنيها منها سيذهب إلى ~~القبطان للسنة المقبلة، وسآخذ ثلاثين جنيها منها معي في ~~البحر للموانئ الصغيرة؛ ومن ثم، فإنني لم أنفق بالفعل ~~180 جنيها على مدى الشهور الأربعة الأخيرة. أتمنى ألا ~~أكتب قسيمة أخرى في الشهور الستة المقبلة. إن جميع هذه ~~التفاصيل السابقة لم تحدد إلا أمس، وقد عادت علي ~~بالنفع أكثر مما قد يعود به تناول بعض الدواء، وكذلك لم ~~أشعر بهذا القدر من السعادة على مدى العام الماضي. لولا ~~مرضي، لكانت هذه الشهور الأربعة التي قضيتها في تشيلي ~~ممتعة جدا. لكن كان حظي سيئا فقط بحيث شهدت حدوث ~~زلزال واحد طفيف. لقد كنت مستلقيا في الفراش، بينما ~~كانت بالمنزل حفلة عشاء، وفجأة سمعت جلبة في غرفة ~~المائدة، ودون أن يتفوه أحد بأي كلمة، حاول كل منهم ~~الخروج أولا لينقذ حياته، وفي اللحظة نفسها، شعرت ~~باهتزاز «طفيف» في سريري في أحد الجوانب. كان الحضور في ~~الحفل من المسنين وقد سمعت تلك الضجة التي تسبق الصدمة ~~دائما؛ فلا أحد من المسنين يرى الزلزال من وجهة نظر ~~فلسفية ... # أودعكم جميعا؛ فلن تتلقوا خطابا مني إلا بعد ~~حين. # عزيزتي كاثرين # أخوك المحب # تشاز داروين # خالص مودتي إلى أبي وإليكم جميعا. أبلغي مودتي ~~إلى نانسي. # من تشارلز داروين إلى الآنسة إس ~~داروين # بالبارايسو، 23 أبريل، 1835 # عزيزتي سوزان # لقد تلقيت منذ بضعة أيام خطابك الذي أرسلته في نوفمبر؛ ~~والخطابات الثلاثة التي أشرت إليها من قبل ما تزال مفقودة، ~~لكنني لا أشك في أنها ستظهر. لقد عدت منذ أسبوع من رحلتي ~~عبر الأنديز وصولا إلى مندوزا. إنني لم أقم برحلة بهذا ~~النجاح منذ أن غادرت إنجلترا، لكنها كانت باهظة الثمن ~~جدا. إنني على يقين بأن أبي لن يكون نادما على قيامي ~~بها، لو أنه أدرك كم استمتعت بها؛ بل ms243 كان ذلك شيئا يفوق ~~الاستمتاع، فلا يمكنني التعبير عما شعرت به من سرور بهذه ~~الخاتمة الرائعة لعملي الجيولوجي بأكمله في أمريكا ~~الجنوبية. إنني لم أكن أستطيع النوم في الليل بالفعل بسبب ~~التفكير فيما أقوم به من عمل بالنهار. لقد كانت المناظر ~~جديدة للغاية وجليلة للغاية؛ فكل شيء يبدو بمنظور مختلف من ~~على ارتفاع 12 ألف قدم عما قد يبدو عليه من بلد منخفض. ~~لقد رأيت العديد من المناظر الطبيعية التي هي أجمل منها، ~~لكنها لم تكن قط بهذا الطابع المميز. وبالنسبة إلى ~~الجيولوجي، توجد أدلة واضحة على وجود عنف شديد؛ إذ إن ~~طبقات الأبراج الصخرية الأعلى تتحرك من جانب إلى جانب ~~كقاعدة فطيرة متشققة. # لقد مررت ببورتيلو باس، والذي قد يكون به بعض الخطر في ~~هذا الوقت من العام؛ ولهذا لم أستطع أن أتأخر هناك. وبعد ~~أن قضيت يوما في مدينة مندوزا الغبية، بدأت في العودة من ~~خلال أوسباليت، وقد تمهلت في ذلك كثيرا. لقد استغرقت ~~الرحلة كلها اثنين وعشرين يوما فقط. لقد كان السفر مريحا ~~في هذه الرحلة، وهو أمر غير معتاد بالنسبة لي؛ إذ إنني كنت ~~أحمل «سريري» معي! وقد كانت مجموعتي تتألف من عدد من ~~العمال بالأجر اليومي وعشرة بغال، كان اثنان منها يحملان ~~المتاع، أو الطعام بالأحرى، في حالة هطول الثلوج. بالرغم ~~من ذلك، كانت الأمور كلها مواتية لي؛ فلم تسقط على الطريق ~~ذرة ثلج واحدة. لا أعتقد أن أيا منكم سيكون مهتما ~~كثيرا بالتفاصيل الجيولوجية، لكنني سوف أذكر ما توصلت ~~إليه من نتائج أساسية فحسب: إضافة إلى اكتساب مقدار محدد ~~من الفهم لوصف القوة التي أدت إلى رفع هذا الخط الكبير من ~~الجبال وطريقتها في ذلك، يمكنني أن أبرهن بوضوح على أن ~~أحد جزأي الخط المزدوج يعود إلى زمن متأخر عن الزمن الذي ~~يعود له الجزء الآخر بفترة طويلة. وفي الخط الأقدم، وهو ~~الذي يمثل سلسلة جبال الأنديز الحقيقية، يمكنني أن أصف نوع ~~الصخور الذي يتكون منها وترتيبها. وأهم ما يميزها من ~~الصفات، هي أنها ms244 تضم طبقة من الجص يبلغ سمكها 2000 قدم ~~تقريبا، وأنا أعتقد أن وجود هذه المادة بهذه الكمية هو ~~شيء لا مثيل له في العالم. وأما الأمر ذو النتيجة الأهم، ~~فهو أنني قد وجدت حفريات لأصداف (من على ارتفاع 12 ألف ~~قدم). وأعتقد أن فحص هذه الحفريات سوف يمدنا بالعمر ~~التقريبي لهذه الجبال، مقارنة بطبقات أوروبا. وفي الخط ~~الآخر من السلسلة الجبلية، ثمة افتراض (يقين، في رأيي) ~~قوي أن هذه الكتلة الضخمة من الجبال، والتي تصل قممها ~~إلى ارتفاع 13 أو 14 ألف قدم، حديثة جدا؛ بحيث يمكن أن ~~تكون معاصرة مثل سهول باتاجونيا (أو الطبقات «العليا» من ~~جزيرة وايت). وإذا نظرنا إلى هذه النتيجة باعتبارها نتيجة ~~محققة [لقد حازت أهمية هذه النتائج على اهتمام علماء ~~الجيولوجيا وتقديرهم]، فسوف تكون تلك حقيقة مهمة في نظرية ~~تكون العالم؛ ذلك أنه إذا كانت هذه التغيرات المدهشة قد ~~حدثت في وقت قريب للغاية في قشرة الكرة الأرضية، فلا ~~يوجد سبب يدعونا إلى افتراض حدوث فترات سابقة من العنف ~~المفرط. وتتسم هذه الطبقات الحديثة بصفة مميزة للغاية وهي ~~أنها تحتوي على خطوط من العروق المعدنية من الفضة والذهب ~~والنحاس وغير ذلك، وهي التي ما زلنا ننظر إليها حتى الآن ~~على أنها تعود إلى تكوينات سابقة. وفي هذه الطبقات نفسها، ~~وبالقرب من أحد مناجم الذهب، وجدت مجموعة من الأشجار ~~المتحجرة تقف منتصبة، وقد ترسبت حولها طبقات من الحجر ~~الرملي الناعم؛ فتعطي انطباعا بأنها لحاؤها. وتغطي هذه ~~الأشجار أيضا طبقات أخرى من الحجر الرملي وتيارات من ~~الحمم البركانية، والتي يصل سمكها إلى عدة آلاف من ~~الأقدام. لقد ترسبت هذه الصخور تحت الماء، غير أنه من ~~الجلي أن البقعة التي نمت فيها الأشجار، قد كانت قبل ذلك ~~فوق مستوى سطح البحر بالطبع؛ ومن ثم، فمن المؤكد أن ~~الأرض قد انخفضت بمقدار عدة آلاف من الأقدام على الأقل ~~وذلك نظرا لسمك الترسبات الفوقية تحت المائية. غير أنه ~~يؤسفني أنكم ستخبرونني بأنني أضجركم بأوصافي ونظرياتي ~~الجيولوجية ... # لقد جعلني سردك لزيارة ms245 إيرازموس إلى كامبريدج أتوق إلى ~~العودة إلى هناك. ولا يمكنني أن أتخيل شيئا أكثر بهجة من ~~جولته التي يقوم بها يوم الأحد إلى كينجز وترينيتي، وإلى ~~هذين المتحدثين العملاقين؛ هيوويل وسيجويك. أتمنى أن ~~تظل مواهبك الموسيقية على الدرجة نفسها من القوة؛ فسوف ~~أكون نهما للغاية للاستماع إلى عزفك على البيانو ... # إنني لم أحدد بعد ما إن كنت سأبيت في نزل «لايون» ~~في أول ليلة أصل فيها عن طريق «واندر»، أم أزعجكم ~~جميعا في سكون الليل، أما فيما عدا ذلك، فكل شيء ~~مخطط تماما. إن كل شيء في شروزبيري يبدو في عقلي ~~أكبر وأجمل، وأنا على يقين أن أشجار السنط والزان ~~النحاسي قد أصبحت كبيرة، وسوف أعرف كل أجمة، وأزعجكن ~~أيتها الفتيات وأطلب منكن الاحتفاظ ببعض الأشجار حين تبدأ ~~كل منكن في قطعها. وأما بالنسبة إلى المنظر من خلف ~~المنزل، فإنني لم أر شيئا مثله. وينطبق الأمر نفسه على ~~شمال ويلز؛ سنودن يبدو في عقلي أعلى وأجمل بكثير من أي ~~قمة في السلسلة الجبلية الموجودة هنا. أعرف أنك ستقولين ~~إنه قد حان وقت الرجوع نظرا لما أصابني من وهن شديد، ~~والواقع أن ذلك صحيح وأنا أتوق لأن أكون معكم. وبغض ~~النظر عن الأشجار، فأنا أعرف الحال التي سأجدكم جميعا ~~عليها. لقد صرت أهذي بالكلام؛ فإلى اللقاء. خالص مودتي ~~إليكم جميعا، وأنا أرجو المعذرة من أبي. # أخوك المحب دائما # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى دابليو دي فوكس # ليما، يوليو، 1835 # عزيزي فوكس # لقد تلقيت اثنين من خطاباتك مؤخرا، أحدهما مرسل في ~~شهر يونيو والآخر في نوفمبر، من عام 1834 (بالرغم من ذلك، ~~فقد وصلا إلي بترتيب عكسي). لقد سررت للغاية بالاطلاع ~~على أحداث هذه السنة الأهم في حياتك. قبل ذلك، لم أعرف سوى ~~أنك قد تزوجت. إنك مسيحي صادق وترد الإساءة بالإحسان؛ ~~إذ أرسلت مثل هذين الخطابين لشخص سيئ في التواصل ~~مثلي. فليباركك الرب على الكتابة إلي بمثل هذا العطف ~~والود؛ لئن كنت أشعر بالسعادة لوجود أصدقاء لي في ~~إنجلترا، فإن ms246 هذه السعادة لتصبح مضاعفة إذ أدرك أن ~~هؤلاء الأصدقاء لم ينسوني بسبب الغياب. إن هذه الرحلة ~~طويلة للغاية، وأنا أرغب في العودة بشدة، غير أنني أهاب ~~المستقبل؛ إذ إنني لا أعرف ما الذي سيصبح عليه حالي. إن ~~وضعك الآن يفوق الحسد: إنني لا أجرؤ حتى على أن أتصور ~~مثل هذه الرؤى السعيدة. إن حياة رجل الدين - بالنسبة ~~للشخص الملائم - ستوفر له الاحترام والسعادة. إنك ~~لتغريني بالحديث عن مدفأتك، بالرغم من أنه منظر لا ~~ينبغي لي أن أفكر فيه أبدا. لقد رأيت سفينة تبحر إلى ~~إنجلترا قبل بضعة أيام، وقد كان خطرا أن أعرف مدى سهولة ~~أنني قد أصبح هاربا. وبالنسبة إلى السيدات الإنجليزيات، ~~فقد كدت أن أنسى سماتهن الملائكية الطيبة. أما نساء هذه ~~البلاد، فهن يرتدين القبعات والتنورات الداخلية، ~~وليس بينهن إلا قلة يتمتعن بجمال الوجه، وهذا كل شيء. ~~بالرغم من ذلك، إن لم تتحطم سفينتنا على حيد بحري تعس، ~~فسوف أجلس بجوار المدفأة نفسها في فيل كوتيدج، وأحكي بعض ~~القصص الرائعة، والتي يبدو أنك تنتظرها، والتي أعتقد أنك ~~لست مستعدا للغاية لتصديقها. الشكر لله أن انتظار مثل ~~هذه الأوقات صار أقرب من ذي قبل. # في غضون أسبوعين، سنبحر من «مدينة الملوك» الأكثر ~~بؤسا هذه، ثم نتجه إلى جواياكيل، وجالاباجوس وماركيساس ~~وجزر سوسايتي وغيرها. وأنا أتطلع إلى زيارة جالاباجوس ~~باهتمام أكبر من اهتمامي بأي جزء آخر في الرحلة؛ فهي ~~تزخر بالبراكين النشطة، ويفترض أنها تحتوي على طبقات ~~ثالثية، وهو ما أرجوه. إنني سعيد بسماعي أنك تفكر في ~~البدء في العمل بالجيولوجيا. أتمنى أن تفعل ذلك حقا؛ ~~فمجال التأمل بها أكبر كثيرا من أي فرع من فروع ~~التاريخ الطبيعي الأخرى. لقد أصبحت نصيرا متحمسا ~~لآراء السيد لايل الواردة في كتابه الجدير بالإعجاب. ~~ودراسة الطبيعة الجيولوجية في أمريكا الجنوبية تغريني بأن ~~أذهب بالأمور إلى أبعد مما ذهب هو. إن اختيار البدء ~~بالجيولوجيا هو اختيار ممتاز؛ فهو لا يتطلب شيئا سوى بعض ~~القراءة والتفكير والطرق على الصخور. لقد جمعت مجموعة ~~كبيرة من الملاحظات، ms247 غير أنني أشعر بالحيرة دائما بشأن ~~ما إن كانت قيمتها تستحق الوقت الذي بذلته لجمعها، أم ~~أن جمع الحيوانات كان ليعود بقيمة أكيدة أكبر. # سوف أكون سعيدا بالطبع لأن أراك مرة أخرى وأخبرك بمدى ~~امتناني لصداقتنا المستمرة. ليباركك الرب يا عزيزي الغالي ~~فوكس. # خالص مودتي إليك # صديقك المحب # تشاز داروين # من تشارلز داروين إلى جيه إس هنزلو # سيدني، يناير، 1836 # عزيزي هنزلو # هذه هي الفرصة الأخيرة للتواصل معك قبل ذلك اليوم السعيد ~~الذي أصل فيه إلى كامبريدج. ليس لدي سوى القليل جدا من ~~الكلام، غير أنه لا بد لي من الكتابة، ولو لم يكن ذلك لشيء ~~إلا للتعبير عن فرحتي بانتهاء السنة الماضية، وأن ~~الحالية، وهي التي ستعود فيها «البيجل»، تمضي إلى الأمام. ~~جميعنا هنا يشعر بخيبة الأمل؛ إذ إننا لم يصل إلينا خطاب ~~واحد؛ وقد وصلنا قبل موعدنا المنتظر بالفعل، وإلا فيمكنني ~~أن أقول بأنني كنت سأقرأ خطابا لك. لا بد لي أن أتصبر ~~بالمستقبل، وإنه لأمر غاية في السرور أن أشعر باليقين ~~بأنني سأكون مقيما مرة أخرى في هدوء في كامبريدج بعد ~~ثمانية شهور. إن حياة السفر بالتأكيد لا تناسبني؛ فأفكاري ~~تجول دوما إما في مشاهد الماضي أو المستقبل، ولا يمكنني ~~أن أستمتع بسعادة اللحظة الحالية لانتظار المستقبل، وهو ~~أمر في منتهى الغباء، كفعل الكلب الذي ترك عظمة حقيقية ~~من أجل ظلها. ~~... # في مسيرنا عبر المحيط الهادئ، لم نرس إلا عند تاهيتي ~~ونيوزيلاندا، ولم أحظ بفرصة كبيرة للعمل لا في هذين ~~المكانين، ولا في البحر كذلك. تاهيتي مكان ساحر للغاية، ~~وكل ما كتبه الملاحون السابقون عنها، حقيقي؛ «سايثيريا ~~جديدة قد خرجت من المحيط». إن مناظرها الطبيعية الجميلة ~~وطقسها وطباع أهلها، كل ذلك يتناغم معا. إضافة إلى ذلك، ~~فإنه لمن الرائع حقا أن ترى الأثر الذي خلفته البعثات ~~التبشيرية هناك وفي نيوزيلاندا كذلك. إنني أومن حقا ~~بأنهم رجال صالحون يعملون لأجل قضية خيرة. وأنا أكاد ~~أجزم بأن من أساءوا إلى البعثات التبشيرية أو سخروا ~~منهم، هم على الأرجح من ms248 هؤلاء الأشخاص الذين لا يهمهم أن ~~يجدوا السكان الأصليين يتمتعون بالأخلاق والذكاء. في ~~الفترة المتبقية من الرحلة، لن نزور من الأماكن إلا ما ~~يعرف منها بوجه عام بالتمدن، وسيكون معظمها تابعا ~~للعلم البريطاني. سوف تكون هذه الأماكن حقلا فقيرا ~~للتاريخ الطبيعي، وقد اكتشفت مؤخرا أنه بدون وجود ~~فرصة جيدة في مجال التاريخ الطبيعي، فإن الاستمتاع ~~برؤية الأماكن الجديدة لا يساوي شيئا. يجب أن أعود إلى ~~منهلي القديم وأفكر في المستقبل، ولكيلا أسهب أكثر من ذلك، ~~فسوف أقول وداعا إلى أن يأتي اليوم الذي أرى فيه أستاذي ~~في التاريخ الطبيعي وأستطيع أن أخبره بمدى امتناني لعطفه ~~وصداقته. # خالص مودتي إليك يا عزيزي هنزلو # المخلص لك دائما وأبدا # تشاز داروين # من تشارلز داروين إلى الآنسة إس داروين # باهيا، البرازيل، 4 أغسطس ~~[1836] # عزيزتي سوزان # سأكتب بضعة سطور فقط لأشرح السبب في تأريخ هذا الخطاب على ~~ساحل أمريكا الجنوبية. إن الاختلافات البسيطة في خطوط ~~الطول قد جعلت القبطان فيتزروي متلهفا لإكمال الدائرة ~~في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، ثم تتبع خطواتنا ثانية على ~~طريقنا الأول إلى إنجلترا. ومتابعة السير بهذا الأسلوب ~~المتعرج أمر خطير، وقد كان له أثر سيئ على نفسيتي. إنني ~~أمقت البحر وأبغضه هو وجميع السفن التي تبحر فيه، لكنني ما ~~زلت أعتقد أننا سنصل إلى إنجلترا في النصف الثاني من ~~أكتوبر. عندما كنت في أسينشان، تلقيت خطاب كاثرين المؤرخ ~~في أكتوبر وخطابك المؤرخ في نوفمبر، أما الخطاب الذي ~~تلقيته في كيب، فقد كان بتاريخ لاحق، لكن الخطابات بجميع ~~أنواعها هي كنز لا يقدر بثمن، وأنا أشكركما عليها. إن ~~صحراء أسينشان وصخورها البركانية وبحرها الهائج، اكتست ~~فجأة بهيئة جميلة فور أن عرفت بوصول أخبار من الأهل، ~~وأصبحت مستعدا لاستكمال عملي السابق في الجيولوجيا بكل ~~رضا. ستندهشين كثيرا إذا عرفت كيف أن الاستمتاع بمكان ~~جديد يتوقف كليا على الخطابات. لم نمكث في أسينشان سوى ~~أربعة أيام، ثم توجهنا إلى باهيا في رحلة رائعة ~~جدا. # لم أكن أظن بأنني سأخطو على ساحل أمريكا الجنوبية ~~مجددا. ms249 وقد كان اكتشافي لمقدار الحماس الذي تبخر في ~~هذه السنوات الأربع أمرا لا يخلو من الألم. يمكنني الآن ~~أن أسير بهدوء في الغابات البرازيلية، وذلك ليس لأنها غير ~~جميلة للغاية، وإنما أصبحت الآن، بدلا من أن أسعى وراء ~~عقد مقارنات مدهشة، أقارن بين أشجار المانجو المهيبة ~~وأشجار كستناء الحصان في إنجلترا. وبالرغم من أن الأسلوب ~~المتعرج هذا قد أضاع علينا أسبوعين على الأقل، فإنني سعيد ~~به من بعض الجوانب. أعتقد أنه سيمكنني من أن أحمل معي صورة ~~حيوية للمناظر الطبيعية داخل الغابات الاستوائية. سنذهب من ~~هنا إلى الرأس الأخضر، هذا إن سمحت لنا الرياح أو مناطق ~~الركود الاستوائي. ليس لدي سوى أمل ضعيف في وجود تيار ~~مستمر من الرياح القوية، مما قد يشجع القبطان على المتابعة ~~مباشرة إلى منطقة الأزور، وأنا أدعو بإخلاص لوقوع هذا ~~الحدث غير الملائم. # لقد كان خطاباكما يحملان الكثير من الأخبار الجيدة، ولا سيما العبارات التي تقولان إن البروفيسور سيجويك قد ~~استخدمها في الحديث عن العينات التي جمعتها. إنني أقر ~~بأنها مرضية للغاية - وأنا أثق أن جزءا واحدا على ~~الأقل سيكون صحيحا وأنني سأتصرف وفقا للطريقة التي أفكر ~~بها الآن - وهي أن أي شخص يجرؤ على إهدار ساعة من ~~وقته، هو شخص لم يعرف قيمة الحياة. إن مجرد ذكر ~~البروفيسور سيجويك لاسمي يمنحني الأمل في أن يساعدني ~~بتقديم النصيحة لي، والتي أنا في أشد الحاجة إليها في ~~مسائلي الجيولوجية. لا حاجة لي بأن أخبركم أنني أكتب وأنا ~~في سباق مع الزمن؛ إذ يتضح ذلك من هذه الكتابة السريعة ~~المخزية؛ ذلك أنني كنت بالخارج طوال فترة الصباح، والآن، ~~ثمة غرباء على متن السفينة، وعلي أن أذهب وأتحدث ~~إليهم بأدب وكياسة. وثمة أمر آخر كذلك، وهو أن هذا ~~الخطاب سيذهب في سفينة أجنبية؛ لذا، فليس من المؤكد إن ~~كان سيصل أم لا. وداعا يا عزيزتي الغالية سوزان، والوداع ~~إليكم جميعا. إلى اللقاء. # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه إس هنزلو # سانت هيلينا، 9 يوليو، 1836 # عزيزي هنزلو ms250 # سوف أطلب منك أن تسدي لي صنيعا. إنني متلهف للغاية ~~على الانضمام إلى الجمعية الجيولوجية، ولست أدري بشأن هذا ~~الأمر لكنني أعتقد أنه يلزم التقدم بطلب الانضمام قبل أن ~~يجري الاقتراع عليه؛ فإن كانت تلك هي الحال، فهلا تكرمت ~~بإجراء الخطوات التحضيرية المناسبة؟ لقد تكرم البروفيسور ~~سيجويك ووعدني بأنه سيقدم الطلب قبل أن يغادر إنجلترا، ~~إن كان في لندن. ويمكنني أن أقول إن الاحتمال لا يزال ~~قائما بأنه قد يفعل ذلك. # ليس لدي سوى القليل جدا لأكتبه؛ إذ إننا لم نر أو ~~نفعل أو نسمع شيئا مميزا منذ فترة طويلة مضت، أما ~~في الوقت الحاضر، فأعتقد أننا، إن رأينا أمامنا عجائب كوكب ~~آخر، سوف نصرخ جميعا في دهشة: يا له من وباء تام! لم ~~يحدث قط من قبل أن غنى أحد من الطلاب أغنية «البيت ~~الجميل» («دولاس دومام») التي تجمع بين الشجن والمرح، ~~بعاطفة أكثر توهجا مما نشعر جميعا بأننا نرغب في ~~غنائها بها. غير أن موضوع «البيت الجميل» برمته، ~~وسرور المرء برؤية أصدقائه، لهو أمر خطير للغاية؛ إذ إنه ~~ولا ريب يجعل المرء كثير الإسهاب أو كثير الصخب. أوه، كم ~~أتوق إلى الحياة الهادئة مرة أخرى، دون وجود شيء واحد ~~جديد بالقرب مني! لا يمكن لأحد أن يشعر بهذا إلى أن يدور ~~حول العالم مثلي على مدى خمسة أعوام بأكملها على متن ~~سفينة ثلاثية الصواري تحمل عشرة مدافع. إنني أعيش الآن ~~في منزل صغير (بين السحب) يقع في قلب الجزيرة، على مقربة ~~شديدة من مقبرة نابليون. تهب الآن عاصفة من الرياح والمطر ~~الغزير مع الصقيع. ولئن كان شبح نابليون يسكن محبسه ~~الكئيب، فإن هذه الليلة ستكون رائعة لمثل هذه الأشباح ~~الهائمة. أتمنى أن أتمكن من التعرف بعض الشيء على الطبيعة ~~الجيولوجية للجزيرة (والتي لم توصف في الغالب إلا بنحو ~~جزئي)، إذا سمح لي الطقس بذلك. وأنا أعتقد أن تركيبها ~~أكثر تعقيدا على العكس من معظم الجزر البركانية. ويبدو ~~غريبا أن تلك الرقعة الصغيرة التي تمثل مركز هذا ~~التكوين المميز ms251 من المفترض أن تحمل علامات الارتفاع ~~الحديثة، كما تؤكد النظرية. # ستتابع «البيجل» رحلتها من هذا المكان إلى أسينشان، ثم ~~إلى الرأس الأخضر (يا لها من مناطق بائسة!) ثم بعد ذلك، ~~ستتجه إلى الأزور، ثم إلى بليموث، ثم إلى الوطن. غير أن ~~اليوم الأكثر روعة في حياتي على الإطلاق لن يحل حتى منتصف ~~أكتوبر. وفي يوم من ذلك الشهر، سوف تراني في كامبريدج، حيث ~~سآتي إليك مباشرة أبلغك بحضوري، بصفتك قائد البحرية ~~بالنسبة لي. في رأس الرجاء الصالح، كنا نشعر جميعا بخيبة ~~أمل مريرة لافتقادنا خطابات تسعة أشهر والتي كانت ~~تلاحقنا بين أنحاء العالم. أعتقد أنه كان من بينها خطاب ~~منك؛ إنني لم أر خط يدك منذ وقت بعيد، لكنني سأراك بشخصك ~~قريبا، وذلك أفضل بكثير. ولأنني تلميذك، فواجبك أن تتولى ~~مهمة انتقادي وتوبيخي على جميع الأمور التي أسأت في فعلها، ~~والأمور التي لم أفعلها على الإطلاق، وهو ما سأحتاج إليه ~~كثيرا بكل أسف، لكنني آمل خيرا، وأنا على يقين من أن ~~لدي مشرفا جيدا، وإن لم يكن متساهلا بدرجة ~~كبيرة. # في رأس الرجاء الصالح، حالفني أنا وفيتزروي وافر الحظ ~~في أن ننول تلك الفرصة الرائعة المتمثلة في لقاء السير جيه ~~هيرشيل. لقد تناولنا العشاء في منزله ورأيناه بضع مرات ~~أخرى. وقد كان كريم الطباع للغاية، غير أن سلوكه قد بدا ~~لي مروعا بعض الشيء في بداية الأمر. إنه يعيش في منزل ~~ريفي مريح للغاية، وتحيط به أشجار التنوب والبلوط، وهي ~~كفيلة وحدها بأن تمنحني أجمل أجواء العزلة والراحة في ~~مثل هذا الريف الفسيح. يبدو على الرجل أنه يجد وقتا لكل ~~شيء؛ فقد أرانا حديقة جميلة تزخر بالنباتات البصلية التي ~~تنمو في هذا الإقليم، والتي قد جمعها هو بنفسه، وقد فهمت ~~بعد ذلك أن كل شيء من عمل يديه. إنني بليد للغاية وليس ~~لدي المزيد لأقوله؛ فالرياح تصفر بعوائها الحزين على ~~التلال الكئيبة، ولهذا فسوف أخلد إلى النوم وأحلم ~~بإنجلترا. # طابت ليلتك يا عزيزي هنزلو. # وإليك خالص الحب والامتنان # تشاز داروين ms252 # من تشارلز داروين إلى جيه إس هنزلو # شروزبيري، الخميس، 6 أكتوبر، ~~[1836] # عزيزي هنزلو # إنني واثق في أنك ستهنئني على سعادتي بعودتي إلى البيت ~~مجددا. لقد وصلت «البيجل» إلى فالموث في مساء الأحد، ~~ووصلت أنا إلى شروزبيري صباح الأمس. إنني متلهف لرؤيتك ~~للغاية؛ ونظرا لأنه يتحتم علي أن أعود إلى لندن في خلال ~~أربعة أيام أو خمسة لكي أحصل على أغراضي الشخصية من ~~«البيجل»، فإنني أعتقد أن الخطة الأنسب هي أن أمر ~~بكامبريدج. إنني أريد مشورتك في العديد من النقاط؛ فأنا ~~حائر للغاية بالفعل ولا أدري ماذا أفعل ولا في أي اتجاه ~~أسير. وأكثر ما يثير حيرتي هي العينات الجيولوجية: من ~~سيتطوع لمساعدتي في وصف طبيعة تركيبها المعدني؟ هلا تكرمت ~~بإرسال خطاب قصير لي «فور أن تتسلم الخطاب» تخبرني فيه بما ~~إذا كنت في كامبريدج أم لا. ما زلت غير متأكد مما إذا كان ~~يجب علي البدء في الرحلة قبل أن تصلني أخبار من القبطان ~~فيتزروي أم لا، لكنني أتمنى أن تسنح الفرصة لتنفيذ خطتي. ~~إنني أشتاق إلى رؤيتك جدا يا عزيزي هنزلو؛ لقد كنت لي ~~أفضل صديق يمكن للمرء أن يفوز به. لا يمكنني أن أكتب أكثر ~~من ذلك؛ فرأسي يميد بالفرحة والحيرة. # إلى لقاء قريب # خالص امتناني إليك # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى آر فيتزروي # شروزبيري، صباح الخميس، 6 أكتوبر، ~~[1836] # عزيزي فيتزروي # لقد وصلت إلى هنا صباح الأمس في وقت الإفطار، والشكر ~~للرب أنني قد وجدت أبي وجميع أخواتي العزيزات بخير. يبدو ~~أبي أكثر ابتهاجا وأكبر سنا قليلا عما تركته عليه. ~~وأخواتي يؤكدن لي أنه ما من اختلاف على الإطلاق قد طرأ على ~~هيئتي، ويمكنني أن أرد لهن المجاملة نفسها. لا شك ~~في أن إنجلترا بأكملها تبدو مختلفة، إلا مدينة شروزبيري ~~العزيزة الغالية وساكنيها، اللذين، رغم كل ما أستطيع ~~رؤيته، قد يظلان على حالهما الحالي إلى يوم الدينونة. إنني ~~أتمنى من كل قلبي لو أنني كنت أكتب إليك وأنت بين ~~أصدقائك، بدلا من بليموث البغيضة تلك، لكن قريبا ms253 سيأتي ~~اليوم الذي تشعر فيه بالسعادة التي أشعر بها الآن. أؤكد لك ~~أنني قد أصبحت رجلا رائعا في المنزل؛ فتلك السنوات ~~الخمس التي قضيتها في الرحلة قد جعلتني بالتأكيد ناضجا ~~تماما، ويؤسفني أن مثل هذا السلوك الرائع سيتأثر سلبا ~~لا ريب. # إنني أشعر بالخجل الشديد من نفسي بسبب تلك الحالة التي ~~انتابتني في الأيام القليلة الأخيرة على متن السفينة والتي ~~كنت فيها بين الحياة والموت، وعذري الوحيد هو أنني لم أكن ~~بخير. لقد كان اليوم الأول في عربة البريد مرهقا، لكن مع ~~اقترابي من شروزبيري، بدا كل شيء أجمل وأكثر بهجة. وفي ~~أثناء مروري بجلوسترشير ووسترشير، تمنيت كثيرا أن تستمع ~~بالحقول والغابات والبساتين. إن هؤلاء الركاب الحمقى في ~~العربة لم يبد عليهم أنهم يدركون أن الحقول أصبحت أكثر ~~اخضرارا من المعتاد، لكنني أثق بأننا كنا سنتفق تماما ~~على أنه ما من مشهد يبعث على السعادة في هذا العالم ~~الفسيح بأكمله أكثر من الأرض الخصبة المزروعة في ~~إنجلترا. # أتمنى ألا تنسى أن تبعث لي بخطاب تخبرني فيه بأحوالك. ~~وأتمنى حقا أن تكون كل أسباب قلقك ومتاعبك المتعلقة ~~برحلتنا، والتي نعلم الآن أنها «من المفترض» أن تنتهي قد ~~انتهت بالفعل. إذا لم تكن تشعر بقدر كبير من الرضا عن ~~كل هذه الطاقة الجسدية والذهنية التي بذلتها في خدمة ~~جلالة الملك، فسوف يكون من الصعب جدا أن تتعافى. لقد ~~أغضبت أخواتي المتطرفات بشأن بعض الإجراءات المتحفظة (كنت ~~سأقول الرديئة، إن لم يكن صادقات التأييد لحزب ~~الأحرار) التي تتخذها الحكومة. وبالمناسبة، ينبغي علي أن ~~أخبرك، لأجل شرف عائلتنا وإبائها، أن أبي يمتلك صورة ~~كبيرة للملك جورج الرابع يعلقها في غرفة الجلوس الخاصة ~~به . غير أنني لن أرتد عن آرائي، وحين نلتقي، سوف تكون ~~آرائي السياسية على القدر نفسه من الرسوخ والتأسيس ~~العقلاني كما كانت دائما. # لقد ظننت حين بدأت هذا الخطاب بأنني سوف أقنعك بأنني في ~~حالة ذهنية مستقرة ومتزنة، غير أنني أرى أنني لا أكتب سوى ~~محض هراء. أمس بدأ على الفور اثنان ms254 أو ثلاثة من ~~العاملين لدينا في الشراب وثملوا للغاية على شرف وصول ~~السيد تشارلز؛ فمن سينفي عندئذ إن كان السيد تشارلز نفسه ~~يختار أن يجعل من نفسه أضحوكة؟ ليباركك الرب! أتمنى أن ~~تكون سعيدا مثل فيلسوفك المخلص، غير الجدير بهذا اللقب، ~~لكن أكثر حكمة منه. # تشاز داروين # الفصل السابع # | لندن وكامبريدج # 1836-1842 ~~[تتضمن الفترة التي تمثلها هذه الخطابات، السنوات فيما بين ~~عودة والدي من رحلة «البيجل» واستقراره في داون. وهي تتسم ببدء ~~ظهور علامات اعتلال الصحة عليه، والذي أجبره في النهاية على ~~مغادرة لندن والإقامة في منزل ريفي هادئ حتى آخر أيام حياته. ~~في يونيو من عام 1841، كتب إلى لايل: «يبدو أن أبي لا يتوقع ~~أن أصبح قويا إلا بعد بضع سنوات، وقد كان هوانا مريرا لي ~~أن أدرك حقيقة أن «السباق للأقوى»، وأنني من المحتمل أن أضيف ~~قدرا ضئيلا إلى العلم في المستقبل، وسأكتفي بالإعجاب بما ~~يقطعه غيري من أشواط في مجال العلوم.» # لا يوجد دليل على نيته بالالتحاق بأي مهنة بعد عودته من ~~الرحلة، وفي بداية عام 1840، كتب إلى فيتزروي: «إنني لا أتمنى ~~شيئا سوى أن تتحسن صحتي لكي أتابع العمل على الموضوعات التي ~~قررت بسعادة أن أخصص حياتي لها.» # إن هذين الأمرين - اعتلال الصحة الدائم والشغف الخالص ~~بالعمل في مجال العلوم - شكلا حياته المستقبلية بأكملها، في ~~وقت مبكر من حياته العملية. لقد دفعتاه إلى أن يحيا حياة من ~~الانعزال والعمل الدءوب، مع بذل أقصى قدر من طاقته ~~الجسمانية، وهي حياة تنفي على نحو واضح ما كان يتنبأ به من ~~الكآبة. # شهدت نهاية الفصل السابق وصول أبي سالما إلى شروزبيري في ~~4 أكتوبر 1836، «بعد غياب خمسة أعوام ويومين». وقد كتب إلى ~~فوكس: «لا يمكنك أن تتخيل مدى الروعة والبهجة التي كانت عليها ~~زيارتي الأولى إلى المنزل؛ إنها تستحق هذا الاغتراب.» غير ~~أنها مسرة لم يستطع أن يستمتع بها لفترة طويلة؛ ففي آخر ~~أيام شهر أكتوبر، ذهب إلى جرينتش لإحضار عيناته من «البيجل». ~~وبالنسبة إلى وجهة مجموعات عيناته، نجد ms255 أنه يكتب إلى هنزلو ~~بشيء من الإحباط قائلا: # لم أحرز تقدما كبيرا مع رجال العلم العظام؛ فقد ~~وجدتهم، كما أخبرتني، منهمكين للغاية في أعمالهم ~~الخاصة. لقد تطوع السيد لايل وتكرم «للغاية» ~~بمساعدتي في جميع خططي، غير أنه يخبرني بالأمر نفسه، ~~وهو أنه ينبغي علي القيام بجميع العمل بنفسي. ~~ويبدو السيد أوين متحمسا لتشريح بعض الحيوانات؛ ~~وبخلاف هذين الرجلين، لم ألتق أحدا يبدي الرغبة ~~في العمل على أي من عيناتي. ولا بد لي أن أستثني هنا ~~الدكتور جرانت؛ فهو يرغب في فحص بعض المرجانيات. إنني ~~أرى أنه من غير المعقول أن آمل ولو للحظة في أن يتولى ~~رجل واحد مهمة فحص رتبة بأكملها. ومن الواضح أن ~~عدد الجامعين يفوق عدد علماء التاريخ الطبيعي بكثير؛ ~~لذا، ليس لديهم من وقت فراغ يبذلونه في سبيل فحص ~~عيناتي. # إنني أجد أن حتى أماكن عرض المجموعات لا ترغب في ~~استقبال العينات غير المسماة. إن متحف جمعية علم ~~الحيوان ممتلئ تقريبا، وما تزال هناك ألف عينة إضافية ~~لم تعرض بعد. أعتقد أن المتحف البريطاني سيستقبلها، ~~لكن، وفقا لما أسمعه، فإنني لا أكن احتراما ~~كبيرا لتلك المؤسسة بوضعها الحالي. لن تكون خطتك هي ~~الأفضل فحسب، بل أيضا هي الخطة الوحيدة: الذهاب إلى ~~كامبريدج وترتيب العائلات المختلفة وتجمعيها معا، ثم ~~انتظار بعض الأشخاص الذين يعملون بالفعل في فروع ~~مختلفة أن يرغبوا في الحصول على بعض هذه العينات. غير ~~أنه يبدو لي أن القيام بذلك سيتطلب الإقامة في لندن. ~~وأفضل خطة أراها حتى الآن هي أن أقضي عدة أشهر في ~~كامبريدج، وبعد أن تتضح لي الرؤية، بمساعدتك، أنتقل ~~إلى لندن حيث أتمكن من الانتهاء من عملي في مجال ~~الجيولوجيا، وإحراز تقدم أكبر في مجال علم الحيوان. ~~إنني أؤكد لك أنه يؤسفني أن أرى أن أمورا كثيرة ~~تجعلني أدرك ضرورة الإقامة في تلك المدينة القذرة ~~الكريهة المسماة لندن. فحتى في الجيولوجيا، أعتقد أن ~~الأمر سيتطلب قدرا كبيرا من المساعدة والتواصل في ~~هذا المكان: الحفريات العظمية، على سبيل المثال، لم ~~يفحص ms256 منها سوى أجزاء حفرية البهضم، وها أنا أرى بوضوح ~~أن ذلك ما كان ليحدث لولا وجودي هناك ... # ليتني كنت أعرف أن علماء النبات يولون اهتماما ~~كبيرا للعينات، بينما لا يوليها علماء الحيوان، سوى ~~القدر الضئيل؛ فقد كان ينبغي أن تتخذ النسبة بين أعداد ~~نوعي العينات، شكلا مختلفا. لقد نفد صبري مع علماء ~~الحيوان، وليس ذلك بسبب أعباء عملهم الزائدة، وإنما ~~بسبب طباعهم الخبيثة العدوانية. لقد ذهبت في مساء أحد ~~الأيام إلى جمعية علم الحيوان، ووجدت المتحدثين فيها ~~يتشاجرون بعضهم مع بعض بأسلوب هو بعيد كل البعد عن ~~خصال الأفاضل من الرجال. الشكر للرب أنه ما من خطر ~~بالخوض في مثل تلك المشاجرات الذميمة ما دمت في ~~كامبريدج، أما في لندن، فلست أرى طريقا لتجنبها. ~~بالنسبة إلى علماء التاريخ الطبيعي، فإن إف هوب خارج ~~لندن، ولم ألتق بويستوود؛ لذا، فإنني لا أعرف شيئا ~~عن مصير حشراتي. لقد التقيت بالسيد ياريل مرتين، لكن ~~من الواضح جدا أنه محمل بالكثير من أعباء العمل؛ ~~ولهذا فسوف تكون أنانية مني أن أبليه بمشاغلي. لقد ~~طلب مني حضور العشاء مع أعضاء الجمعية اللينية يوم ~~الثلاثاء، ومع أعضاء الجمعية الجيولوجية يوم الأربعاء؛ ~~كي أتمكن من رؤية جميع رجال العلم العظماء. وقد سمعت ~~أن السيد بيل منشغل للغاية؛ فما من فرصة في أن يرغب ~~في الحصول على بعض عينات الزواحف. لقد نسيت أن أذكر ~~السيد لانسدايل [الأمين المساعد للجمعية الجيولوجية]، ~~وهو الذي استقبلني استقبالا وديا للغاية، وحظيت معه ~~بمحادثة هي الأكثر إمتاعا. إن لم أكن أميل إلى ~~الجيولوجيا بدرجة أكبر كثيرا من ميلي إلى بقية فروع ~~التاريخ الطبيعي، فأنا أثق بأن عطف السيد لايل ~~والسيد لانسدايل كانا سيصبحان كفيلين بإصلاح ذلك ~~الأمر. لا يمكنك أن تتخيل أي شيء أكثر ودية من تلك ~~الطريقة التي أخلص بها السيد لانسدايل نفسه تماما في ~~أن يضع نفسه في مكاني للتفكير في أفضل خطوة يجب ~~القيام بها. لقد كان يرى في البداية أن الإقامة في ~~لندن أفضل من كامبريدج، لكنني قد جعلته ms257 يعتقد في ~~النهاية أن الإقامة في كامبريدج ستكون هي الأنسب ~~لي، وإن كان ذلك لبعض الوقت على الأقل. ما من شخص آخر ~~يمكنني أن أطلب منه أن يتحمل مشقة قراءة بعض الأوراق ~~التي تركتها معك ونقدها سواك. وقد كان رأي السيد لايل ~~أن كامبريدج هي المكان الأفضل لعلماء التاريخ ~~الطبيعي بعد لندن. أقسم لك إنني أشعر بالخجل من نفسي ~~لكتابة الكثير من التفاصيل التافهة؛ إن الشابات ~~الصغيرة حتى لا يصفن أولى الحفلات الراقصة التي ~~حضرنها بمثل هذا التفصيل. # بعد ذلك ببضعة أيام قليلة، يكتب بنبرة أكثر ابتهاجا ~~قائلا: «لقد تعرفت على السيد بيل [وهو تي بيل، زميل الجمعية ~~الملكية، والأستاذ السابق لعلم الحيوان بكلية كينجز كوليدج في ~~لندن، والذي شغل منصب أمين الجمعية الملكية لبعض الوقت، ووصف ~~بعد ذلك الزواحف في «دراسة حيوانات رحلة «البيجل»»]، وقد ~~أدهشني أنه عبر عن اهتمامه الكبير بعينات القشريات والزواحف ~~التي جمعتها، وهو يبدو راغبا في العمل عليها. وقد سمعت أيضا ~~أن السيد برودريب سيسره فحص أصداف أمريكا الجنوبية؛ وبهذا، ~~فإن أموري تسير على خير ما يرام.» # وأما بالنسبة إلى نباتاته، فهو يكتب عن جهله بها بصراحة ~~بارزة: «لقد جعلتني معروفا بين علماء النبات، لكنني شعرت ~~بأنني أحمق للغاية حين علق السيد دون على الشكل الجميل ~~لنبات ذي اسم طويل للغاية، وسألني عن موطنه الأصلي. وقد بدا ~~آخر مندهشا من أنني لا أعرف شيئا عن أحد أنواع السعادي الذي ~~أجهل موطنه. وفي نهاية الأمر، اضطررت إلى أن أقر بجهلي ~~الشديد وأنني لا أعلم عن النباتات التي جمعتها أكثر مما أعرف ~~عن الإنسان الموجود على القمر.» # وبالنسبة إلى جزء من مجموعته الجيولوجية، فقد تمكن بعد ذلك ~~بفترة قصيرة من أن يكتب: «لقد وزعت الجزء الأهم من مجموعتي ~~الجيولوجية؛ إذ أعطيت جميع الحفريات العظمية لكلية الجراحين، ~~وسوف توزع قوالبها وتنشر أوصافها. وهي حفريات غريبة ~~وقيمة: إن بها رأسا لأحد الحيوانات القارضة في حجم فرس ~~النهر! وهناك أخرى لأحد آكلي النمل في حجم الحصان!» # ويجدر بنا أن نذكر ms258 هنا أنه في ذلك الوقت لم يوصف من بقايا ~~الثدييات المنقرضة التي جرى إحضارها من أمريكا الجنوبية سوى ~~تلك الخاصة بحيوان الصناجة (ثلاثة أنواع) وحيوان البهضم. ولم ~~تكن بقايا أحافير الدرداوات المنقرضة التي كانت ضمن مجموعة ~~السير وودباين باريش قد وصفت. وتضمنت عينات والدي (إضافة ~~إلى التوكسدون والسليدوثيريوم السابق ذكرهما) بقايا المايلودون ~~والجلوسوثيريوم، وحيوانا آخر ضخما يشبه آكل النمل ~~والماكروكينيا. ولا يزال اكتشافه لهذه البقايا أمرا مثيرا ~~للاهتمام في حد ذاته، غير أن له أهمية خاصة في حياته؛ إذ ~~إن ذلك الانطباع القوي الذي تولد عن استخراجها بيديه هو ~~الذي شكل إحدى نقاط الانطلاق الأساسية لنظريته عن أصل ~~الأنواع. [لقد سمعته أكثر من مرة يتحدث عن يأسه الذي دفعه إلى ~~كسر الطرف البارز لعظمة كبيرة لم تستخرج بأكملها؛ إذ إن ~~القارب الذي كان ينتظره لم يكن لينتظر أكثر من ذلك.] ويتضح ~~ذلك في الفقرة التالية التي نجدها في مفكرة جيبه لذلك ~~العام (1837): «في يوليو، بدأت الكتابة عن تحول الأنواع الحية ~~لأول مرة. ومنذ شهر مارس الماضي تقريبا، وأنا أفكر كثيرا في ~~طبيعة أحافير أمريكا الجنوبية والأنواع الحية في أرخبيل ~~جالاباجوس. وهذه الحقائق (ولاسيما المتعلقة بالأخيرة) هي الأصل ~~الذي تفرعت عنه جميع آرائي».] ~~(1) 1836-1837 # من تشارلز داروين إلى دابليو دي فوكس # 43 شارع جريت مالبوره # السادس من نوفمبر ~~[1836] # عزيزي فوكس # لقد استغرق مني الرد على خطابك وقتا طويلا للغاية؛ ~~مما يدعوني إلى الخجل من نفسي، لكن أكثر أوقاتي ~~انشغالا في الرحلة يعد هو السكينة نفسها مقارنة ~~بهذا الشهر الأخير. بعد أن زرت هنزلو زيارة سعيدة ~~بالرغم من قصر مدتها، أتيت إلى المدينة انتظارا لوصول ~~«البيجل». وأخيرا، أخذت جميع أغراضي من فوق متن ~~السفينة، وأرسلت عينات التاريخ الطبيعي إلى كامبريدج، ~~وبهذا، فقد أصبحت الآن حرا. لم يحدث في زيارتي إلى ~~لندن الكثير فيما يتعلق بالتاريخ الطبيعي، لكنها كانت ~~فترة ممتعة ومثيرة من التفاعل مع سادة العلم. إن ~~جميع أحوالي على خير ما يرام بكل تأكيد؛ فقد وجدت ~~العديد من الأشخاص الذين سيتولون ms259 مهمة وصف قبائل ~~بأكملها من الحيوانات التي لا أعرف عنها شيئا. وبهذا، ~~فإنني آمل أن أبدأ في هذا اليوم من هذا الشهر في العمل ~~بأقصى جهدي في الجيولوجيا، والذي سوف أنشر نتائجه ~~بمفردها. # إنه لأمر غريب للغاية أن أشعر أن المدة التي ~~قضيتها منذ أن رسونا في فالموث طويلة للغاية. والحق ~~أنني قد تحدثت وضحكت بما يكفيني لسنوات لا أسابيع؛ لذا ~~فإن كل هذا الضجيج قد أربك ذاكرتي بعض الشيء. يسعدني ~~أن أعرف أنك قد تحولت إلى دراسة الجيولوجيا: حين أزور ~~جزيرة وايت، وأنا متأكد من المرور بها بطريقة ما، سوف ~~تكون أنت دليلا مهما ترشدني بشأن خط الخلع الشهير. ~~إنني أعتقد حقا أن بضعة أماكن في العالم تثير ~~اهتمام علماء الجيولوجيا أكثر من جزيرتك. من بين جميع ~~رجال العلم العظام، فإن لايل هو الأكثر طيبة وودا. ~~لقد التقيت به مرات عديدة، وأشعر أنني أكن له كثير ~~الإعجاب. لا يمكنك أن تتخيل كيف أنه قد ساعدني في جميع ~~خططي بكل كرم. إنني أتحدث الآن عن اللندنيين فحسب؛ ~~فقد كان هنزلو كسابق عهده تماما؛ ومن ثم، فقد كان ~~أكثر الأصدقاء إخلاصا وودا. حين تزور لندن، فسوف ~~أفتخر كثيرا باصطحابك إلى الجمعية الجيولوجية، ولتعرف ~~أنني كنت مرشحا لنيل لقب زميل الجمعية الجيولوجية يوم ~~الثلاثاء الماضي، غير أنه من المؤسف حقا أن مثل ~~هذا اللقب وكذلك الألقاب الأخرى، لا سيما لقب زميل ~~الجمعية الملكية، باهظة الثمن للغاية. # لن أتردد في أن أطلب منك أن تكتب لي خطابا في غضون ~~أسبوع وترسله إلى شروزبيري؛ فأنت كاتب جيد للخطابات، ~~وعلى الأشخاص الذين يتمتعون بشخصية جيدة أن يدفعوا ~~الثمن. # إلى اللقاء يا عزيزي فوكس # المخلص لك # سي دي ~~[ولما كانت أموره تسير هكذا على خير ما يرام حتى ذلك ~~الوقت، فقد تمكن من تنفيذ خطته بالإقامة في كامبريدج، التي ~~استقر بها في العاشر من ديسمبر عام 1836. في بداية إقامته، حل ~~ضيفا في منزل آل هنزلو المريح، لكنه انتقل بعد ذلك للإقامة في ~~غرفة بكليته، من أجل ms260 العمل دون مقاطعة. من ثم، في الثالث عشر ~~من مارس عام 1837، يكتب إلى فوكس من لندن: # لقد كانت إقامتي في كامبريدج أطول مما توقعت، وذلك ~~بسبب عمل كنت قد عزمت على إنهائه هناك: وهو فحص جميع ~~عيناتي الجيولوجية. لا تزال كامبريدج مكانا لطيفا ~~للغاية، لكنها لم تعد تتسم ولو بنصف البهجة التي كانت ~~عليها من قبل؛ فالسير في ساحات كلية كرايست بينما لا ~~أعرف أي شخص من ساكني الغرف هناك قد أشعرني بالكآبة ~~إلى حد ما. والمثلبة الوحيدة التي وجدتها في ~~كامبريدج هي أنها مبهجة للغاية؛ فثمة حفلة لطيفة ~~أو غيرها كل ليلة، ولا يمكن للمرء هناك أن يفلت من ~~حضور هذه الحفلات بقوله إنه منشغل في العمل مثلما يمكن ~~له أن يفعل في هذه المدينة العظيمة. # يوجد ذكر طفيف لإقامة والدي في كامبريدج في السجلات التي ~~تدون فيها الغرامات والرهانات، وهي توجد في غرفة الاستراحة ~~بكلية كرايست، وتعطينا السجلات الأقدم انطباعا غريبا عن ~~الحالة المزاجية للشباب في فترة ما بعد العشاء. لم يكن ~~يسمح بأن تكون الرهانات على المال، وإنما كانت على زجاجات ~~النبيذ، مثلها في ذلك مثل الغرامات. وأما الرهان الذي قدمه ~~أبي وخسره، فهو مسجل على النحو التالي: # 23 فبراير 1837، السيد داروين في مقابل السيد بينس: ~~قياس غرفة الاستراحة من السقف إلى الأرضية يساوي أكثر ~~من «س» قدم. # زجاجة واحدة تقدم في اليوم نفسه. # ملحوظة: # يمكن ~~للسيد داروين أن يأخذ القياس من أي جزء يرغب فيه في ~~الغرفة. # إضافة إلى ترتيب العينات المرتبطة بالجيولوجيا وعلم ~~المعادن، كان يعمل على عمله «يوميات الأبحاث»، وهو ما كان يشغل ~~أمسياته في كامبريدج. كما أنه قد قرأ ورقة بحثية قصيرة أمام ~~جمعية علم الحيوان، # 1 # وورقة بحثية أخرى أمام الجمعية ~~الجيولوجية # 2 # عن الارتفاع الحديث لساحل تشيلي. # في بداية ربيع عام 1837 (السادس من مارس)، انتقل من كامبريدج ~~إلى لندن، وبعد أسبوع، استقر في منزل يقع في 36 شارع جريت ~~مالبوره، وباستثناء «زيارة قصيرة قام بها إلى شروزبيري»، فقد ~~استمر في ms261 العمل حتى شهر سبتمبر، وكان يقضي كل وقته تقريبا في ~~العمل على عمله «يوميات الأبحاث». بالرغم من ذلك، فقد استطاع ~~أن يجد وقتا لتقديم ورقتين بحثيتين أمام الجمعية ~~الجيولوجية. # 3 # وهو يكتب عن عمله إلى فوكس (مارس 1837) قائلا: # في خطابك الأخير، كنت تحثني على إعداد «الكتاب». ها ~~أنا الآن أجتهد في العمل فيه، وقد تخليت عن كل شيء ~~آخر لأجله. وخطتنا هي كالتالي: سيكتب القبطان فيتزروي ~~مجلدين عن المواد التي جمعت خلال الرحلة السابقة إلى ~~تييرا ديل فويجو بقيادة كينج، وكذلك المواد التي جمعت ~~خلال رحلتنا. أما أنا، فسوف أكتب المجلد الثالث، ~~والذي أخطط لأن أجعله على هيئة مذكرات عالم في ~~التاريخ الطبيعي، دون اتباع ترتيب زمني على الدوام، بل ~~سأرتب الحديث حسب المكان. وسوف تشغل عادات الحيوانات ~~جزءا كبيرا منه، وسيكتمل هذا المزيج بعرض سريع ~~للطبيعة الجيولوجية للبلاد ووصف مظهرها مع تقديم بعض ~~التفاصيل الشخصية. بعد ذلك، سأكتب عن الجانب الجيولوجي ~~بالتفصيل، وأقوم بالإعداد لبعض الأوراق البحثية في علم ~~الحيوان؛ ومن ثم، يصبح لدي قدر كبير من العمل ~~أقوم به على مدى العام القادم أو العامين القادمين، ~~ولن أمنح نفسي أي عطلة حتى أنتهي منه. # وفي خطاب آخر إلى فوكس (يوليو)، يذكر التقدم الذي أحرزه في عمله: # لقد منحت نفسي عطلة وذهبت في زيارة إلى شروزبيري [في ~~يونيو] فقد انتهيت من كتابة عملي «يوميات الأبحاث» ~~وسوف أكون منشغلا للغاية في سد الفجوات الموجودة به ~~وإعداده ليكون جاهزا للطباعة بحلول الأول من أغسطس. ~~سوف أكن احتراما على الدوام لكل من ألف ~~كتابا، بصرف النظر عما يكون هذا الكتاب؛ إذ إنني لم ~~يكن لدي أدنى فكرة عما يمكن أن يلقاه المرء من مشقة ~~في الكتابة باللغة الإنجليزية الدارجة. ومن المؤسف ~~أنني لم أنته من الجزء الأسوأ بعد، وهو تصحيح ~~بروفات الطباعة. وفور أن أنتهي من ذلك تماما، يجب ~~علي أن أشحذ كل طاقتي وعزمي وأبدأ في العمل في ~~مجال الجيولوجيا. لقد قرأت بعض الأوراق البحثية ~~القصيرة أمام الجمعية الجيولوجية، وقد نالت ms262 استحسانا ~~كبيرا من جانب كبار المتخصصين، مما يمنحني ~~قدرا كبيرا من الثقة، وأرجو ألا يتولد لدي ~~قدر كبير من الخيلاء، رغم أنني أعترف بأنني كثيرا ~~ما أشعر وكأنني طاوس مزهو بذيله. إنني لم أكن ~~أتوقع قط أن إنتاجي في مجال الجيولوجيا سوف يحظى ~~بتقدير رجل مثل لايل، والذي أصبح بالنسبة لي صديقا ~~غاية في النشاط منذ عودتي. إن حياتي تمتلئ بالكثير ~~من الأعمال في الوقت الراهن، وأتمنى أن تظل على هذه ~~الحال دوما، رغم أن الله وحده يعلم ما لمثل هذه ~~الحياة من مثالب خطيرة، تلك التي أبرزها أن المرء ~~لا يستطيع رؤية أصدقائه الطيبين. لقد كنت أتوق بشدة ~~على مدى السنوات الثلاث الماضية بأكملها إلى العيش في ~~شروزبيري، والآن بعد كل هذا، فإنني لم أر أهلي ~~الأعزاء في شروزبيري إلا لأسبوع واحد بعد غياب عدة ~~شهور. غير أن سوزان وكاثرين كانتا تقيمان هنا مع أخي ~~لبضعة أسابيع، لكنهما عادتا إلى المنزل قبل ~~زيارتي. # إضافة إلى العمل الذي ذكرناه بالفعل، كان لديه الكثير مما ~~يشغله فيما يتعلق بالترتيب لنشر كتاب «دراسة حيوانات رحلة ~~«البيجل»». وتوضح الخطابات التالية هذا الموضوع.] # من تشارلز داروين إلى إل جينينز # 36 شارع جريت مالبوره # 10 أبريل، 1837 # عزيزي جينينز # في الأسبوع الماضي، راح العديد من علماء الحيوان في ~~هذا المكان يحثونني على دراسة احتمالية نشر كتاب ~~«دراسة حيوانات رحلة «البيجل»» وفقا لخطة نظامية ما. ~~وقد أثار الموضوع اهتمام السيد ماكلاي [ويليام شارب ~~ماكلاي] بدرجة كبيرة، وهو يرى أن مثل هذه الكتب تحظى ~~بالقبول؛ إذ إنها تجمع بين دفتيها مجموعة من الملاحظات ~~بشأن الحيوانات التي تقطن في الجزء نفسه من العالم، ~~وتتيح لأي مسافر في المستقبل أن يأخذها معه. إنني ~~متشكك للغاية فيما إن كان لتسهيل المرجعية هذه أي ~~أهمية على الإطلاق، لكن إن كان الأمر كذلك، فسوف أشعر ~~بقدر أكبر من الرضا عند رؤية ما جمعته بيدي، قد ~~جمع في عمل واحد، بعد أن تكون قد استوعبته عقول ~~علماء التاريخ الطبيعي الآخرين. في الوقت الحالي، ms263 لا تزال الخطة بأكملها أمرا يبدو في الأفق فحسب، لكنني ~~كنت مصرا على إخبارك لأنني أرغب كثيرا في معرفة ~~رأيك فيها، وكذلك معرفة ما إن كنت ستوافق على كتابة ~~أوصاف الأسماك في عمل كهذا، بدلا من كتابتها في ~~«ترانزاكشنز»، أم لا. إنني أدرك أن تضمين المادة ~~بأكملها لن يكون أمرا عمليا، دون مساعدة الحكومة في ~~طباعة الصور، ويؤسفني أن ذلك مجرد احتمال، لكنني ~~أعتقد أنه أمر يمكنني المطالبة به بقوة، ويمكنني ~~كذلك أن أحصل على قدر كبير من الدعم من علماء التاريخ ~~الطبيعي في هذا المكان، والذين يبدون جميعهم تقريبا ~~اهتماما كبيرا بعيناتي. إنني أخطط للقاء السيد ~~ياريل غدا، وإذا وافق، فسوف أبدأ باتخاذ المزيد من ~~الخطوات الفعلية؛ إذ إنني أسمع أنه الأكثر حصافة ~~وحكمة. قد لا يكون من المفيد على الإطلاق أن أطيل ~~التفكير والنظر في خطتي، لكنني فكرت في الحصول على ~~مساهمين ونشر العمل على أجزاء (ما دام التمويل ~~مستمرا؛ إذ إنني لن أخسر فيه أي نقود). وفي هذه ~~الحالة، يمكن لمن ينتهي من الجزء الخاص به فيما يتعلق ~~بأي رتبة أن ينشره منفصلا، وذلك كيلا يتسبب أحد في ~~تأخير شخص آخر. ستشبه الخطة «أطلس» روبل أو كتاب ~~«علم الحيوان» لهومبولت، وهو الذي كتب فيه ليتري ~~وكوفييه وآخرون، أجزاء مختلفة، غير أنها ستكون على ~~نطاق أكثر تواضعا. بالنسبة لي، فلن أشارك إلا ~~بكتابة جزء ضئيل، باستثناء - فيما يتعلق ببعض الرتب - ~~إضافة بعض العادات وتوزيع الأنواع وغير ذلك، وتقديم ~~وصف سريع للمواطن الجغرافية، وربما أضيف بعد ذلك بعض ~~الأوصاف للافقاريات ... # إنني أعمل على كتابي «يوميات الأبحاث»، وهو يتقدم ~~ببطء بالرغم من أنني لست متكاسلا. لقد ظننت أن ~~كامبريدج ليست بالمكان الجيد نظرا لوجود حفلات ~~العشاء الجيدة وغير ذلك من الإغراءات، لكنني لم أجد ~~لندن أفضل منها، بل يؤسفني القول إنها قد تصبح أسوأ. ~~لايل صديق رائع وأنا أراه كثيرا؛ وهي ميزة عظيمة ~~لي لمناقشة الطبيعة الجيولوجية لأمريكا الجنوبية. إنني ~~أفتقد للغاية الذهاب في جولة سير بالريف؛ فلندن ~~مكان كريه ms264 مليء بالدخان، يخسر فيه المرء قدرا ~~كبيرا من أفضل متع الحياة. غير أنني لا أرى أي ~~فرصة للهروب من هذا السجن ولو لأسبوع واحد؛ وذلك على ~~مدى فترة طويلة تالية. يؤسفني أننا لن نتمكن من ~~اللقاء إلا بعد فترة؛ إذ إنني أعتقد أنك لن تأتي إلى ~~هنا خلال الربيع، وأعتقد أنني لن أستطيع المجيء إليك ~~في كامبريدج. كم سأحب أن أحظى بجولة سير جيدة على طريق ~~نيوماركت غدا، لكن لا بد لي من الاكتفاء بالسير في ~~شارع أكسفورد. هلا أخبرت هنزلو بأن يكون حذرا مع ~~الفطريات «الصالحة للأكل» التي أحضرتها من تييرا ديل ~~فويجو؛ إذ إنني أرغب في بعض العينات من أجل السيد ~~براون الذي يبدو مهتما بها «على وجه الخصوص». أخبر ~~هنزلو أنني أعتقد أن الخشب المتحجر بالسليكا الذي ~~أحضرته، قد رقق من قلب السيد براون؛ إذ كان كريما معي ~~للغاية، وتحدث معي عن نباتات جالاباجوس، أما في ~~السابق، فلم يكن لينطق بكلمة واحدة. ها هي الساعة تدق ~~الثانية عشرة؛ لذا فإنني أتمنى لك ليلة هنيئة ~~للغاية. # عزيزي جينينز # صديقك المخلص # سي داروين ~~[بعد بضعة أسابيع، يبدو أن الفكرة كانت قد نضجت، وأنهم ~~تبنوا فكرة طلب المساعدة من الحكومة.] # من تشارلز داروين إلى جيه إس هنزلو # 36 شارع جريت مالبوره ~~[18 مايو، 1837] # عزيزي هنزلو # لقد سررت للغاية بتلقي خطابك؛ فقد كنت أرغب بشدة ~~في معرفة كيف تسير الأمور معك في أعمالك المتشعبة. ~~وأنا لا أتعجب بالطبع أنك قد بدأت تشعر بألم في ~~رأسك، بل إنني قد أتعجب من أنه ما زال لديك أي جزء ~~من رأسك على الإطلاق. لقد كان سردك للجولة الاستكشافية ~~في جاملينجاي مغريا بدرجة شديدة، لكنني لا أستطيع ~~مغادرة لندن على أي حال. لقد كنت أرغب في قضاء بضعة ~~أيام مع أهلي الأعزاء في شروزبيري، لكنني وجدت أنني ~~لا أستطيع أن أتدبر ذلك. في الوقت الحالي، أنتظر ~~توقيع دوق سومرست، بصفته رئيسا للجمعية اللينية، ~~وتوقيع اللورد ديربي وهيوويل، على بيان بقيمة ~~عيناتي، وفور أن أحصل على ms265 هذه التوقيعات، سوف أتقدم ~~إلى الحكومة بطلب المساعدة في طباعة الصور؛ ومن ثم ~~نشر كتاب «دراسة حيوانات رحلة البيجل» وفق خطة ~~نظامية. إنه لأمر سخيف كل هذا الوقت الذي تتطلبه ~~أي عملية يشترك فيها عدد كبير من الأشخاص ... # إنني أواظب على العمل بانتظام، غير أنني لم أنجز ~~سوى ثلثي جزئي في كتاب «يوميات الأبحاث» فحسب. إنني ~~أقضي عدد كبيرا من الساعات في العمل كل يوم، غير ~~أن التقدم الذي أحرزه بطيء للغاية؛ إن ذلك من ~~الأمور المريعة التي يقولها المرء لنفسه؛ إذ يمكن ~~لجميع الحمقى وجميع الرجال البارعين في إنجلترا أن ~~يلقوا بعدد كبير للغاية من التعليقات الخبيثة على ~~هذه الجملة التعيسة، إن هم اختاروا ذلك. ~~... ~~[في أغسطس، يكتب أبي إلى هنزلو لكي يخبره بنجاح خطة نشر ~~عمل «دراسة حيوانات رحلة «البيجل»»، وذلك من خلال وعد بالحصول ~~على منحة قدرها ألف جنيه من وزارة الخزانة: # لقد أجلت الكتابة إليك لكي أشكرك بكل صدق على ~~تدبيرك لأمري بفاعلية كبيرة. لقد انتظرت حتى ذهبت ~~إلى لقائي بوزير الخزانة [تي سبرينج رايس]. لقد حدد ~~موعدا للقائه في هذا الصباح، وقد خضت معه محادثة ~~طويلة، في حضور السيد بيكوك. لقد كان غاية في اللطف ~~والكرم؛ فلم يفرض أي قيود، واكتفى فقط بأن يخبرني ~~أن أضع النقود في أفضل استخدام لها، وهو ما أنوي ~~فعله بالطبع. # لقد كنت أتوقع لقاء مريعا للغاية، لكنني لم أختبر ~~في حياتي ما هو أفضل من ذلك. سوف يكون الخطأ خطئي إن ~~لم أقم بعمل جيد، غير أنه ينتابني ذعر شديد في بعض ~~الأحيان من أنني لا أمتلك المواد الكافية. وسوف يكون ~~من أسباب الرضا الغامر أن تكون جميع المواد قد وضعت ~~في أفضل استخدام لها في نهاية العامين. # في وقت لاحق في الخريف ، كتب إلى هنزلو: «صحتي ليست على ما ~~يرام في الآونة الأخيرة؛ فنبض القلب غير مريح، ويحثني أطبائي ~~«بشدة» على التوقف عن العمل تماما، والانتقال إلى العيش في ~~الريف لبضعة أسابيع.» وبناء على هذا، فقد أخذ عطلة ms266 لمدة شهر ~~تقريبا، قضاها في شروزبيري ومير، وكذلك زار فوكس في جزيرة ~~وايت. وأعتقد أنه خلال هذه الزيارة، وفي منزل السيد ويدجوود في ~~مير، قد لاحظ لأول مرة الأثر الناتج عن ديدان الأرض، وفي نهاية ~~الخريف، قرأ ورقة بحثية عن هذا الموضوع أمام الجمعية ~~الجيولوجية. # 4 # وخلال هذين الشهرين أيضا، كان منشغلا أيضا ~~بإعداد خطة عمله «دراسة حيوانات رحلة «البيجل»»، وكذلك ~~بالبدء في تجميع النتائج الجيولوجية المتعلقة بأسفاره. # يشير الخطاب التالي إلى العرض المتعلق بتوليه منصب أمين ~~الجمعية الجيولوجية.] # من تشارلز داروين إلى جيه إس هنزلو # الرابع عشر من أكتوبر، ~~[1837] # عزيزي هنزلو ~~... إنني في غاية الامتنان لخطابك بشأن تولي منصب ~~الأمين. وأنا متلهف للغاية على سماعك لرأيي في هذه ~~المسألة، وأرجو أن تتكرم بإخباري برأيك المحايد بعد ~~ذلك. لقد ظل الموضوع مستحوذا على تفكيري طوال الصيف. ~~وأنا لا أرغب في تولي المنصب للأسباب التالية: أولا، ~~جهلي التام بمجال الجيولوجيا في إنجلترا، وهو جانب ~~ضروري من المعرفة لاختصار العديد من الأوراق البحثية ~~قبل قراءتها أمام الجمعية، أو بالأحرى معرفة الأجزاء ~~التي يجب إسقاطها. ثم يأتي بعد ذلك جهلي التام بجميع ~~اللغات، وعدم معرفتي بكيفية قراءة كلمة «واحدة» ~~بالفرنسية، وهي لغة يستشهد بمصادرها على الدوام، ~~وسيكون عارا على الجمعية أن يكون أمينها لا يعرف كيف ~~يقرأ الفرنسية. ثانيا، ضياع الوقت: أرجو أن تأخذ في ~~الحسبان أنه سيكون علي متابعة الرسامين، وكذلك ~~الإشراف على المواد وتوفيرها للعمل الحكومي، الذي ~~سيأتي على هيئة أجزاء، ويجب أن يصدر بصفة دورية ~~منتظمة. إن جميع ملاحظاتي الجيولوجية لا تزال ~~مبدئية، ولم أعمل على أي من حفريات الأصداف التي ~~جمعتها، وكذلك لا يزال أمامي الكثير مما يجب قراءته. ~~لقد كنت آمل أنه، من خلال التخلي عن المناسبات ~~الاجتماعية، وعدم إهدار ساعة من الوقت ، يمكنني أن ~~أنتهي من عملي المتعلق بالجيولوجيا في عام ونصف، ~~وبحلول هذا الوقت، سيكون الآخرون قد انتهوا من إعداد ~~أوصاف الحيوانات الأعلى؛ وعندئذ، سيكون من الضروري أن ~~أخصص وقتي بأكمله لكي أكمل بنفسي أوصاف الحيوانات ms267 ~~اللافقارية. وإذا فشلت هذه الخطة، فسيتحتم تأخير نشر ~~الجزء المتعلق بالجيولوجيا لمدة ثلاث سنوات على الأقل ~~من هذا الوقت؛ إذ إن العمل الحكومي لا بد أن يستمر؛ ~~ونظرا لحالة العلم في الوقت الراهن، فإن جزءا ~~كبيرا من فائدة هذا القدر الضئيل الذي حققته سوف ~~يضيع، وسيضيع مني كل الحيوية والسرور. # إنني أعرف من واقع التجربة مقدار الوقت الذي يتطلبه ~~إعداد ملخصات للأوراق البحثية، حتى إن كانت ~~لأوراقي، من أجل الاجتماعات. فإذا توليت منصب الأمين، ~~وكان علي إعداد ملخصين لكل ورقة، مع دراسة هذه ~~الأوراق البحثية قبل القراءة والحضور، فإن ذلك ~~سيستغرق مني «على الأقل» ثلاثة أيام (أو أكثر في معظم ~~الأحيان)، وذلك كل أسبوعين. وهناك أيضا غير ذلك من ~~الأمور العرضية والطارئة التي تتسبب في ضياع الوقت؛ ~~فأنا أعلم أن الدكتور رويل قد وجد أن هذا المنصب ~~يستهلك الكثير من وقته. فقط إن تمكنت من توفير بعض ~~الوقت عن طريق التخلي عن جميع أوقاتي المخصصة ~~للترفيه، أو الاجتهاد في العمل بأكثر مما كنت أفعل، ~~فسأقبل بمنصب أمين الجمعية. لكن بالنظر إلى أسلوبي ~~البطيء في الكتابة، وعملي على كتابين في الوقت نفسه، ~~وكذلك حقيقة أنني إذا لم أتمكن من الانتهاء من الجزء ~~المتعلق بالجيولوجيا في فترة محددة، فسوف يتأخر ~~نشره لفترة طويلة للغاية، فإنني أتوسل إليك ~~للسؤال عما إذا كان يمكن لأي جمعية على الإطلاق أن ~~تحظى من وقتي بثلاثة أيام كل أسبوعين أقضيها في ~~القيام بعمل مزعج. إنني أعتقد أنه من واجبي، بصفتي ~~أحد المشتغلين بالعلم، ألا أؤجل العمل الذي ~~أكرس نفسي حاليا للانتهاء منه، لكي أتولى منصبا ~~يمكن لشخص آخر لديه من وقت الفراغ قدر أكبر من الذي ~~لدي في الوقت الراهن أن يتولاه. علاوة على ذلك، في ~~هذه المرحلة المبكرة للغاية من حياتي العلمية؛ حيث ما زال أمامي الكثير جدا لأتعلمه، سوف يكون المنصب ~~حملا جسيما للغاية، بالرغم من كونه بلا شك شرفا ~~عظيما وما إلى ذلك. سيظن السيد هيوويل، قياسا على ~~نفسه، (وأنا أدرك ذلك جيدا) أنني ms268 أبالغ في تقدير ~~الوقت الذي سيتطلبه تولي منصب الأمين، لكنني أعرف ~~تماما مقدار الوقت الذي تستهلكه مني أبسط مهام ~~الكتابة. إنني لا أرغب على الإطلاق في أن أبدو ~~أنانيا إذ أرفض طلب السيد هيوويل، لا سيما وأنه ~~دائما ما كان يبدي اهتمامه بأموري، وبألطف طريقة ~~ممكنة. غير أنني لا يمكنني أن أتطلع ولو بقدر ~~مقبول من الراحة، إلى تولي منصب دون الانخراط فيه ~~بكل كياني، وسيكون ذلك محالا مع العمل الحكومي ~~وكذلك الجزء المتعلق بالجيولوجيا الذي أعمل عليه في ~~الوقت الحالي. # وأما اعتراضي الأخير، فهو أنني لا أثق فيما إن كانت ~~صحتي ستتحمل قيامي بما علي أن أفعله الآن، دون ~~إضافة المزيد من العمل. إنني أكرر هنا - حتى لا ~~تعتقد أنني أتحدث من منطلق التكاسل - أنني حين ~~استشرت الدكتور كلارك في المدينة، كان يحثني في ~~البداية على التوقف عن جميع أنشطة الكتابة وحتى ~~تصويب بروفات الطباعة لبضعة أسابيع. لقد أصبح كل ما ~~يثير انفعالي مؤخرا، يؤذيني بالكامل بعدها، ويتسبب لي ~~في خفقان عنيف بالقلب. سيصبح منصب الأمين مصدرا ~~مستمرا للمتاعب المزعجة، وستكون هذه المتاعب أكثر ~~مما ألاقيه على مدى بقية الأسبوعين بأكملهما. في ~~الواقع، حتى أعود إلى المدينة وأرى كيف ستسير أموري، ~~إن كنت حقا أرغب في المنصب بشدة، فلا «يمكنني» أن ~~أقول إنني سأتولاه بكل تأكيد. أرجوك أن تعذرني على ~~هذا الإسهاب في الحديث عن نفسي، لكن الأمر مهم ~~للغاية؛ إذ لا يمكنني أن أتحمل أن ينظر إلي على ~~أنني أناني ونكد جدا، وكذلك لا أرى إمكانية أن أتولى ~~منصب الأمين دون التضحية بجميع خططي وقدر كبير من ~~راحتي. # هلا أخبرت هيوويل بفحوى هذا الخطاب إن التقيت به؟ ~~أو يمكنه أن يقرأه، إن تكرم بذلك. عزيزي هنزلو، إنني ~~ألجأ إليك لكونك «في مقام والدي ». أرجو منك أن تخبرني ~~برأيك، وأرجو ألا تصدر حكمك بناء على مستوى النشاط ~~الذهني الذي تتمتع به أنت وقلة غيرك؛ ففي هذه الحالة، ~~كلما زاد عدد المهام الصعبة التي يجرى العمل عليها، ~~زادت متعة العمل، ms269 لكن هذا ليس هو الوضع بالنسبة لي، ~~رغم أنني أتمنى أن أظل أعمل دائما. # عزيزي هنزلو # صديقك المخلص إلى الأبد # سي داروين ~~[في نهاية الأمر، قبل المنصب وظل فيه مدة ثلاثة أعوام؛ من 16 ~~فبراير 1838 إلى 19 فبراير 1841. # وبعد أن تأكد من الحصول على المنحة الحكومية لنشر عمله ~~«دراسة حيوانات رحلة «البيجل»»، أصبح لديه الكثير من الترتيبات ~~التي يجب أن يقوم بها فيما يتعلق بخطة النشر، وقد شغل ذلك وقته ~~على مدى جزء من أكتوبر ونوفمبر.] # من تشارلز داروين إلى جيه إس هنزلو ~~[4 نوفمبر، 1837] # عزيزي هنزلو ~~... أرجو منك أن تخبر ليونارد أن عملي مع الحكومة ~~يتقدم بسلاسة، وأتمنى أن يكتمل بنجاح. سوف يرى اسمه في ~~«النشرة التمهيدية» مرتبطا بالأسماك؛ فأنا أواظب على ~~العمل باجتهاد، شاعرا بتفاؤل كبير. وقد صرت أفضل ~~كثيرا مما كنت عليه في الشهر الماضي قبل زيارتي إلى ~~شروزبيري. يؤسفني أن الجزء المتعلق بالجيولوجيا ~~سيستغرق مني فترة طويلة من الوقت؛ فقد كنت أستعرض ~~مجموعة واحدة من الملاحظات، ووجدت أنه يجب علي ~~قراءة كمية مهولة من المواد المتعلقة بهذا المجال ~~فقط. إن عشت حتى أبلغ الثمانين عاما، فلن أكف عن ~~التعجب من أنني قد أصبحت مؤلفا؛ فلئن أخبرني ~~أحدهم، في الصيف الذي سبق بدايتي في التأليف، بأنني ~~سوف أصبح ملاكا بحلول هذا الوقت، لكنت قد رأيت أن ~~ذلك مستحيل بنفس درجة قيامي بالتأليف. وقد حدث هذا ~~التحول الرائع بفضلك. # يؤسفني أنني قد وجدت عددا كبيرا من الأخطاء ~~الكتابية في المجلد الخاص بي بعد طباعته. في أثناء ~~غيابي، وظف السيد كولبيرن شخصا مهملا للقيام ~~بالمراجعة، وقد ضاعف من عدد هفواتي بدلا من تقليصها. ~~بالرغم من كل ذلك، فمنظر ورق الطباعة الناعم والكتابة ~~الواضحة رائع للغاية، وقد جلست في ليلة سابقة ~~أحدق في صمت وإعجاب في الصفحة الأولى من المجلد ~~الذي ألفته من الكتاب، وذلك حين استلمته من ~~المطابع! # إلى اللقاء يا عزيزي هنزلو # سي داروين ~~(2) 1838 ~~[منذ بداية هذا العام وحتى نهاية شهر يونيو تقريبا، كان ~~منشغلا بالعمل ms270 على نتائج رحلته المتعلقة بعلم الحيوان ~~والجيولوجيا. ولم يقطع هذه الفترة المتواصلة من العمل سوى ~~زيارة إلى كامبريدج في مايو، مدتها ثلاثة أيام، وحتى هذه ~~العطلة القصيرة، لم يأخذها إلا بعد أن تدهورت صحته، كما ~~يمكننا أن نلاحظ من الإدخال التالي من دفتر يومياته: «الأول من ~~مايو، لست بخير»، وكذلك من خطاب إلى أخته (16 مايو 1838) والذي ~~كتب فيه: ~~«لقد كانت رحلتي إلى كامبريدج، والتي استمرت لثلاثة أيام ~~رائعة وعادت علي بالخير الكثير؛ فقد ملأت أطرافي بمرونة ~~كبيرة، وعلي أن أستفيد بجسمي في العمل قبل أن أحتاج للذهاب ~~في عطلة أخرى.» يبدو أنه قد استمتع بهذه العطلة للغاية؛ فقد ~~كتب إلى أخته: # والآن، سأحدثك عن كامبريدج: لقد أقمت في منزل هنزلو ~~واستمتعت بزيارتي للغاية. لقد رحب بي أصدقائي ترحيبا غاية في ~~الود، وفي واقع الأمر، كنت الضيف الأبرز هناك. لقد اضطرت ~~السيدة هنزلو للأسف إلى الذهاب في زيارة إلى الريف يوم الجمعة. ~~وفي هذا المساء، أقمنا حفلة رائعة في منزل هنزلو، حضرها جميع ~~عباقرة كامبريدج، وهم مجموعة من أبرز الرجال ولا شك. وفي يوم ~~السبت، ذهبت إلى منزل إل جينينز، وقضيت فترة الصباح معه. لقد ~~وجدته مبتهجا للغاية، لكنه كان يشكو بمرارة من عزلته. وفي ~~مساء السبت، تناولت العشاء في إحدى الكليات، ثم مارست لعبة ~~البولينج العشبي في ساحة كوليدج جرين بعد العشاء، وقد صم ~~غناء العنادل أذني. وفي يوم الأحد، تناولت العشاء في كلية ~~ترينيتي، وقد كان عشاء رائعا، وقد سعدت جدا بجلوسي بجوار ~~البروفيسور لي [وهو صامويل لي، البروفيسور بكلية كوينز، وأستاذ ~~اللغة العربية من 1819 إلى 1831، الذي قد شغل أحد الكراسي ~~الملكية للغة العبرية من 1831 إلى 1848] ... لقد وجدته شخصا ~~ممتعا للغاية في الحديث، وقد كان فرحا كصبي صغير، لعودته ~~مؤخرا من توليه لمنصب في رعاية كنيسة أو أبرشية في ~~سومرستشير، على مدى سبع سنوات، إلى المجتمع المتمدن ~~والمخطوطات الشرقية. لقد بدل بكنيسته كنيسة أخرى على بعد أربعة عشر ~~ميلا من كامبريدج، وقد بدا سعيدا بذلك للغاية. ms271 في المساء، ~~ذهبت إلى كنيسة ترينيتي، وسمعت ترنيمة «السموات تردد مجد ~~الرب»، بأسلوب بديع للغاية؛ لقد بدا أن المقطع المتكرر يهز ~~جدران الكلية. وبعد الكنيسة، أقمنا حفلة كبيرة في غرفة ~~سيجويك. يكفي هذا فيما يتعلق بمغامراتي هناك. # قرب نهاية شهر يونيو، بدأ في رحلته الاستكشافية إلى منطقة ~~جلين روي، وهي التي يكتب عنها لفوكس: «صحتي ليست جيدة في ~~الآونة الأخيرة، مما جعلني أصمم فجأة على مغادرة لندن في ~~وقت أبكر مما كنت أتوقع. سأذهب بالمركبة البخارية إلى إدنبرة، ~~وأذهب في جولة سير بمفردي على جروف سولزبيري كريجز، وأستدعي ~~ما كان لدي من ذكريات عن الماضي، ثم أذهب إلى جلاسكو ووادي ~~إنفرنيس العظيم، الذي أنوي التوقف بالقرب منه لمدة أسبوع ~~لدراسة الطبيعة الجيولوجية للطرق المتوازية في جلين روي، ومن ~~هناك سأذهب إلى شروزبيري، ثم مير ليوم واحد فقط، ثم إلى لندن ~~من أجل الدخان والمرض والعمل الشاق.» # لقد قضى «ثمانية أيام جيدة» في الطرق المتوازية. وقد كتب ~~مقاله عن هذا الموضوع خلال فصل الصيف نفسه، ونشرته الجمعية ~~الملكية. # 5 # لقد كتب في مفكرة الجيب الخاصة به: «6 سبتمبر ~~[1838]. انتهيت من كتابة الورقة البحثية الخاصة ب «جلين روي»، ~~وهي أحد أكثر المهام التي انخرطت فيها صعوبة وتثقيفا.» ومن ~~الجدير بالذكر أنه يذكر هذه الورقة البحثية في عمله «ذكريات» ~~على أنها ورقة بحثية فاشلة يخجل منها. # في الوقت الذي كتب فيه، كانت أحدث نظرية عن تكون الطرق ~~المتوازية هي تلك الخاصة بالسير لودر ديك والدكتور ميكاليك، ~~اللذين كانا يعتقدان أن البحيرات كانت توجد في جلين روي ~~منذ زمن قديم، بسبب وجود سدود من الصخور أو الرواسب. وفي ~~حجاجه ضد هذه النظرية، كان يرى أنه قد أثبت عدم إمكانية قبول ~~أي نظرية تقول بوجود بحيرات، لكنه كان مخطئا في هذه ~~النقطة. لقد كتب (في الورقة البحثية الخاصة بجلين روي ، صفحة ~~49) يقول: «إن النتيجة حتمية بعدم إمكانية قبول أي نظرية ~~تقوم على أساس افتراض وجود طبقة من الماء يحدها عدد من ~~«الحواجز»؛ أي بحيرة، باعتبارها ms272 حلا للمسألة الخلافية ~~المتعلقة بنشأة الطرق المتوازية في لوخابر.» # لقد كان السيد آرتشيبولد جيكي كريما معي للغاية؛ إذ سمح لي ~~بأن أستشهد بالفقرة التالية من خطاب كان قد أرسله إلي (19 ~~نوفمبر 1884) ردا على سؤالي عن رأيه بشأن عمل والدي المتعلق ~~بجلين روي: # إنني لا أحتاج إلى القول إن ورقة السيد داروين ~~البحثية عن «جلين روي» تتسم بجميع بما يتميز به من دقة ~~الملاحظة والتصميم على وضع جميع الاعتراضات الممكنة في ~~الحسبان. بالرغم من ذلك، فهي مثال دقيق على خطورة ~~التسويغ المنطقي في مجال العلوم الطبيعية باستخدام ~~أسلوب الاستبعاد. حين وجد السيد داروين أن المياه ~~التي كونت الشرفات في منطقة جلين روي لا يمكن أن ~~تكون قد حصرت في مكانها بفعل حواجز أو فتات صخرية، ~~لم ير بديلا سوى أن يقول بأنها تكونت بفعل البحر. ~~ولو كانت فكرة الحواجز العابرة التي تتكون من ثلج ~~الأنهار الجليدية قد خطرت له، لاستطاع أن يرى أن ~~المشكلات التي كان يجدها في نظرية البحيرة التي كان ~~يعارضها تختفي، ولما انساق بنحو غير واع إلى التقليل ~~من شأن الاعتراضات الهائلة التي يمكن أن تقدم على ~~الافتراض القائل بأن الشرفات قد تكونت بفعل ~~البحر. # ويمكننا أن نضيف أن فكرة تكون الحواجز بفعل الأنهار ~~الجليدية كان من الصعب أن تخطر له؛ نظرا لحالة المعرفة في ذلك ~~الوقت، وكذلك يجب ألا ننسى حاجته إلى أن يحظى بفرص لملاحظة ~~التأثير الجليدي على نطاق واسع. # لقد قضى النصف الثاني من يوليو في شروزبيري ومير. والجزء ~~الوحيد المثير للاهتمام من يومياته في هذه الفترة، هو الجزء ~~الذي يذكر فيه أنه «متكاسل للغاية في شروزبيري»، وأنه قد فتح ~~«دفترا متعلقا بالمسائل الميتافيزيقية». وفي أغسطس، يسجل ~~أنه قد قرأ «قدرا كبيرا من الكتب المختلفة الممتعة، وأعار ~~بعض الاهتمام إلى الموضوعات الميتافيزيقية». # ويتمثل العمل الذي أنجزه على مدى الجزء المتبقي من العام في ~~كتابه عن الشعاب المرجانية (الذي بدأه في أكتوبر)، وبعض ~~الأعمال عن ظاهرة الارتفاع في أمريكا الجنوبية.] # من تشارلز داروين إلى سي ms273 لايل # 36 شارع جريت مالبوره # 9 أغسطس [1838] # عزيزي لايل # لم أكتب إليك وأنا في نوريتش؛ إذ إنني كنت أظن أنه ~~سيكون لدي المزيد مما أقوله إذا انتظرت لبضعة أيام ~~أخر. شكرا جزيلا على هديتك لي المتمثلة في كتابك ~~«عناصر الجيولوجيا» والذي تسلمته مع خطابك، (والذي ~~أعتقد أنه «أول نسخة» توزع منه.) لقد قرأته كلمة ~~بكلمة، وأنا معجب به كل الإعجاب، ولأنني لم أعد أرى ~~أيا من علماء الجيولوجيا، فلا بد أن أتحدث عنه معك. ~~فما من متعة يجدها المرء في قراءة كتاب إن لم يخض ~~حديثا جيدا بشأنه، وأنا أكرر أنني معجب به كل ~~الإعجاب، وهذا واضح وضح النهار، والواقع أنني شعرت ~~ببعض الخزي عند قراءة العديد من الأجزاء؛ إذ رحت أفكر ~~فيما خاضه علماء الجيولوجيا من شقاء ومعاناة لإثبات ما ~~يبدو بوضوح أنه مرجح. لقد قرأت وصفك السريع ~~للترسبات الثانوية باهتمام كبير؛ فقد خططت لأن ~~تجعله «مشوقا»، كما كنا نقول عن القصص الجيدة، ونحن ~~أطفال صغار. وقد كان به أيضا قدر كبير من المعلومات ~~الجديدة علي، وسيكون علي أن أنسخ منه ما يقرب من ~~خمسين ملاحظة ومرجعا. لا بد أن هذا الكتاب سيكون ~~مفيدا، ويجب أن يستسلم من يعارضون الحس السليم ... ~~بالمناسبة، هل تتذكر إخباري لك بعدم حبي للطريقة التي ~~أشار بها ... إلى أعماله الأخرى، وكأن لسان حاله يقول: ~~«ينبغي عليكم أن تبتاعوا كل ما كتبته». بالنسبة لي، ~~فقد تفاديت أنت فعل هذا بطريقة أو بأخرى؛ فإشاراتك ~~إلى أعمالك السابقة لا يبدو أنك تقول بها سوى: «لا ~~يمكنني أن أذكر كل شيء في هذا العمل، ولولا ذلك ~~لفعلت؛ لذا، يجب عليكم الرجوع إلى كتاب «مبادئ»»، وأنا ~~أثق بأنك ستجعل العديد من القراء يرجعون إليه، ~~وستجعلهم مثلي عشاقا لعلم تكسير الصخور المبارك. سوف ~~تلاحظ أنني في فورة من الحماس، ولدي سبب وجيه ~~يجعلني كذلك بالطبع؛ إذ أجد أنك قد استفدت من يومياتي ~~أكثر مما كنت أتوقعه بكثير. لن أتحدث عن الكتاب ~~أكثر من ذلك؛ فليس لدي سوى الثناء عليه. بالرغم ms274 من ~~ذلك، لا بد أن أعبر عن إعجابي بتلك الأمانة الجلية ~~التي تتضح في استشهادك بكلمات جميع علماء ~~الجيولوجيا، الأموات منهم والأحياء. # إن رحلتي الاستكشافية في اسكتلندا كانت رائعة ~~للغاية؛ فقد كانت رحلتي في المركبة البخارية لطيفة ~~للغاية، وقد استمتعت - لوضاعتي - برؤية سيدتين وبعض ~~الأطفال الصغار وهم يعانون من دوار البحر؛ إذ كنت أنا ~~بخير. وعلاوة على ذلك، في طريق عودتي من جلاسجو إلى ~~ليفربول، حدث نفس الشيء ولكن مع مجموعة من الرجال ~~البالغين. قضيت يوما بأكمله في إدنبرة، أو في ~~سولزبيري كريجز لأكون أكثر دقة، وأنا أريد أن أسمع ~~رأيك ذات يوم بشأن تلك الأرض القديمة؛ لقد بدا ~~تركيبها جديدا علي، وغريبا بعض الشيء - هذا إن ~~كنت أفهم الأمر على وجهه الصحيح. لقد انتقلت من ~~إدنبرة إلى بحيرة لوخ ليفين في عربات ذات عجلتين، ~~وعربات ذات دولابين (والتي لم تكن على نوابض، وهو ما ~~لن أنساه أبدا). خاب أملي في المناظر الطبيعية، ووصلت ~~إلى جلين روي مساء السبت، أي، بعد أسبوع من مغادرة ~~شارع مالبوره. وقد استمتعت هناك بخمسة [؟] أيام كان ~~طقسها غاية في الجمال، وغروب شمسها في غاية الروعة، ~~وقد كانت الطبيعة كلها تبدو سعيدة بقدر السعادة التي ~~أشعر بها. تجولت فوق الجبال في كل الاتجاهات، وفحصت ~~أكثر منطقة استثنائية على الإطلاق. أعتقد أنني - وبدون ~~أي استثناءات - لم أشعر بهذا القدر الذي شعرت به ~~من الإثارة في هذا الأسبوع، ولا حتى عند زيارة أول ~~جزيرة بركانية، أو أول شاطئ مرتفع، أو حتى عند ~~عبور السلسلة الجبلية في أمريكا الجنوبية. إنها أكثر ~~المناطق التي فحصتها تميزا على الإطلاق. لقد ~~اقتنعت تماما (بعد بعض الشك في البداية) أن الرفوف ~~الصخرية، هي شواطئ بحرية، بالرغم من أنني لم أتمكن من ~~العثور على صدفة واحدة، وأعتقد أنه يمكنني تنفيذ معظم ~~الاعتراضات على ذلك، إن لم يكن كلها. لقد وجدت جزءا ~~من طريق في واد آخر، لم تكن قد سجلت عنه أي ~~ملاحظات حتى الآن، وهو أمر مهم للغاية، وكذلك لدي ~~بعض الحقائق ms275 الدقيقة عن الكتل الصخرية المنجرفة ~~بالأنهار الجليدية، والتي جثمت إحداها على ارتفاع 2200 ~~قدم فوق سطح البحر. أعمل الآن على كتابة ورقة بحثية عن ~~الموضوع، وأجده عملا ممتعا للغاية، فيما عدا أنني لا ~~أعرف كيف يمكنني تكثيفه ضمن الحدود المطلوبة. أرجو أن ~~أتحدث إليك في المستقبل بشأن بعض الاستنتاجات التي ~~قادني إليها فحصي لمنطقة جلين روي. ها أنا الآن قد ~~أفصحت عما بداخلي، وقد أصبحت أكثر راحة الآن؛ إذ ~~يمكنني أن أؤكد لك أن جلين روي قد أدهشتني. # إنني أعيش حياة هادئة للغاية؛ ولهذا فهي حياة ~~سارة، وأنا أحرز تقدما بطيئا في العمل، لكنه ~~ثابت. وقد توصلت إلى نتيجة واحدة، وهي التي أعتقد ~~أنك سترى أنها تثبت أنني رجل رشيد جدا؛ وهي أن ~~كل ما تقوله يثبت أنه صحيح، ولكي أبرهن على ذلك، ~~فقد أصبحت أتبع طريقتك في العمل لنحو ساعتين فقط ~~في فترة العمل الواحدة، ثم أخرج وأقضي شئوني، ثم أعود ~~إلى العمل مرة أخرى؛ ومن ثم، يصبح لدي يومان ~~منفصلان في اليوم الواحد. وتلك الخطة الجديدة تلبي ~~احتياجاتي بنحو رائع؛ فبعد انتهاء النصف الثاني من ~~اليوم، أذهب وأتناول العشاء في نادي الأثنيام كأحد ~~النبلاء، بل كأحد اللوردات؛ إذ إنني على يقين بأنني قد ~~شعرت وكأنني أحد الدوقات في المرة الأولى التي ~~جلست فيها على الأريكة بمفردي في غرفة الاستقبال ~~العظيمة هناك. إنني أمتلئ بالإعجاب تجاه هذا النادي؛ ~~إذ ألتقي هناك العديد من الرجال الذين أحب أن أراهم. ~~في المرة الأولى التي تناولت فيها العشاء هناك (أي ~~الأسبوع الماضي)، التقيت الدكتور فيتون على الباب. ~~[الدكتور فيتون هو دابليو إتش فيتون (1780-1861)، ~~الذي كان طبيبا وعالم جيولوجيا، والذي قد تولى رئاسة ~~الجمعية الجيولوجية لبعض الوقت. وقد أسس نظام نشر ~~«محاضر اجتماعات الجمعية» وهو الذي تبنته جمعيات ~~أخرى بعد ذلك.] وقد كان معه حشد مميز؛ روبرت براون ~~الذي ذهب إلى باريس وأوفيرن، وماكلاي [؟] والدكتور بوت ~~[وهو فرانسيس بوت (1792-1863) الذي اكتسب شهرته في علم ~~النبات من خلال عمله على جنس السعادي.] ms276 إن مساعدتك ~~لي في انضمامي إلى هذا النادي، لم تذهب سدى، وأنا ~~أستمتع به للغاية لأنني كنت أتوقع تماما أن ~~أمقته. # إنني أكتب إليك خطابا طويلا للغاية، لكنني سوف ~~أعطيه إلى أوين لكي يأخذه إلى نيوكاسل. وإذا أردت أن ~~تكون كريما للغاية، فاكتب لي من كينوردي [منزل والد ~~لايل] وأخبرني بأخبار نيوكاسل، وكذلك أخبرني بشأن ~~كريج، وأخبرني عن نفسك وعن السيدة لايل، وعن جميع ما ~~هنالك من أمور في العالم. سوف أرسل لك مع هول نسخة ~~من مجلة «إنتومولوجيكال ترانزاكشنز» التي استعرتها ~~لك، وسيخيب ظنك بشأن الأوراق البحثية الخاصة ب... هذا ~~إن كنت تعتقد أن صديقي العزيز لديه فكرة واحدة ~~واضحة عن أي موضوع. لقد أورد الحشرات الحديثة ~~وحفريات الحشرات في جدول واحد؛ لذا أعتقد أنك لن ~~تستفيد منه كثيرا للأسف، غير أنني أعتقد أن هذا ~~الموضوع كان ينبغي أن يرد في كتاب «مبادئ». سوف ~~تندهش من بعض الفقرات البارزة التافهة التي ستجدها في ~~هذه الأوراق، ولا شك بأنك ستشعر فيها بأنه يسخر منك ~~بشدة. لقد سمعت من أكثر من جهة أن العراك من ~~الأمور المتوقعة في نيوكاسل [في اجتماع الجمعية ~~البريطانية]، ويؤسفني سماع ذلك. لقد قابلت ... العزيز ~~هذا المساء في نادي الأثنيام، وقد تمتم بشيء عن ~~الكتابة إليك أو إلى شخص آخر عن الموضوع، غير أنني لا ~~أعرف عن ذلك شيئا على الإطلاق. بالرغم من ذلك، أعتقد ~~أن الأمور ستتضح لي؛ إذ إنني سأتناول العشاء معه ~~خلال بضعة أيام؛ فقد فشلت قدراتي في الابتكار على ~~الإتيان بأي عذر. صديق لي قد تناول العشاء معه في ~~يوم سابق، وقد كانوا جمعا من أربعة أشخاص، وقد ~~تناولوا عشر زجاجات من النبيذ؛ وهذه بادرة لطيفة لي، ~~غير أنني عازم على ألا أتذوق نبيذه على الإطلاق، ~~ويعود السبب في ذلك جزئيا إلى رغبتي في الاستمتاع ~~برؤية تقززه الشديد ودهشته ... # إنني أشعر بالشفقة عليك لابتلائك بمثل هذا الخطاب ~~الطويل للغاية. أرجو منك أن تبلغ تحياتي الحارة إلى ~~السيدة لايل حين تصل إلى كينوردي. لقد ms277 رأيت اسمها في ~~سجل مالك فندق إنفرورم. أخبر السيدة لايل أن تقرأ ~~السلسلة الثانية من «أقوال السيد سليك من سليكفيل» ... ~~إنه يكاد أن يتفوق على أمير الأبطال «ساميفل». طابت ~~ليلتك يا عزيزي لايل، سوف تعتقد أنني قد شربت شرابا ~~قويا، وهو الذي جعلني أكتب لك هذا القدر الكبير من ~~الهراء، لكنني لم أتذوق حتى زجاجة صغيرة من جعة ~~المينرفا اليوم. # المخلص إليك دوما # تشاز داروين # من تشارلز داروين إلى سي لايل # ليلة الجمعة، الثالث عشر من سبتمبر ~~[1838] # عزيزي لايل # لقد كنت مندهشا ومسرورا للغاية من خطابك الطويل ~~الرائع، وأنا أكن عظيم الامتنان إلى السيدة لايل؛ ~~إذ تكبدت عناء كتابة هذا القدر الكبير. [إذ كان ~~لايل يملي أغلب خطاباته.] وأنا أنوي أن أقضي ساعة ~~أستمتع فيها بالكتابة إليك؛ إذ إنك تتشارك معي في ~~الاهتمام بالجيولوجيا حتى إنني لا أهتم بمدى أنانيتي ~~في الكتابة إليك ... # لدي الكثير مما أقوله عن جميع أصناف الأمور التافهة، ~~حتى إنني لا أعرف بأي أمر أبدأ الحديث ... إنني لا أحتاج ~~إلى أن أخبرك بمدى سعادتي إذ عرفت أن [والدك] السيد ~~لايل قد أعجبه عملي «يوميات الأبحاث». إن سماعي لمثل ~~هذا الخبر الرائع لهو بمنزلة نوع من البعث؛ إذ إنني ~~أشعر وكأن طفلي الأول قد مات منذ فترة بعيدة، ودفن ~~وصار منسيا، لكن الماضي لا يهم بالنسبة لنا - نحن ~~علماء الجيولوجيا - والمستقبل هو كل ما يهم، وذلك ~~كما توضح أنت في شعارك الرائع في كتاب «عناصر ~~الجيولجيا». بالمناسبة، هل قرأت المقالة الواردة في ~~مجلة «ذي إدنبرة ريفيو»، التي عنوانها «مسار الفلسفة» ~~(أو شيء كهذا) لإم كونت؟ إنها مقالة رائعة؛ إذ ترد ~~بها بعض الجمل الجيدة عن أن جوهر العلم هو القدرة ~~على التنبؤ، وهو ما يذكرني بالعبارة القائلة ~~بأن «قانونه هو إحراز التقدم.» # والآن، سأبدأ بالحديث عن خطابك متناولا كل نقطة فيه ~~بالترتيب. يمكنني القول إن خطتك بوضع الفصل الذي ~~يتحدث عن إيلي دو بومون، منفصلا وفي البداية، لهي ~~خطة جيدة للغاية؛ فسوف يمثل هذا، على أي حال، ms278 ~~معارضة جريئة لما جاء في الطبعة الأولى، وهي التي ~~سوف تترجم إلى الفرنسية. وسوف يكون ذلك مثالا ~~مدهشا لعلماء الجيولوجيا في المستقبل على طول المدة ~~التي يمكن لعالم بارز مثلك أن يدعم فيها نظرية هشة ~~تماما، كنظرية دو بومون؛ أنت تقول إنك «بدأت تأمل في ~~أن تصمد المبادئ العظيمة التي أكدتها في عملك ~~عبر الزمن». «بدأت تأمل»: عحبا! إن «إمكانية» الشك ~~فيها لم تخطر بذهني على الإطلاق لفترة طويلة. ربما لا ~~يكون ذلك من الحكمة على الإطلاق، غير أن خلاصي ~~الجيولوجي مرهون به؛ فبعد أن عدت من جلين روي، ~~ورأيت كيف أن مبادئك تذلل الصعوبات تماما، ~~فإن حديثك عن «الأمل» يغضبني كثيرا. وبالنسبة إلى ~~سؤالك عن مدى التأثير الذي يمكن أن تحدثه نظريتي عن ~~الشعاب المرجانية على نظرية دو بومون، فأعتقد أنه ~~سيكون من الحكمة أن تستشهد بي بقدر كبير من ~~التحوط، إلى أن ينشر تفسيري بأكمله، وعندها يتسنى ~~لك (ولآخرين) أن تدلوا برأيكم في مدى إمكانية وجود ~~أساس لمثل هذا التعميم. ولتعلم أنني لا أشك في ~~صحتها، غير أنه يجب التحوط كثيرا عند قبول أي ~~رأي يمتد ليشمل مثل هذه المساحات الكبيرة، وذلك في ~~ضوء قدر قليل نسبيا من الحقائق. وأنا عن نفسي لا ~~أشك على الإطلاق أنه في غضون الفترة الحديثة (والتي ~~تسميها أنت «العصر البليوسيني الجديد» وهو ما ~~يزعجني كثيرا)، قد ارتفعت الأشرطة المتعرجة، وليس ~~كل الأشرطة الموازية لبعضها، وهبطت الأشرطة المقابلة ~~لها؛ بالرغم من ذلك، فقد ظلت بعض الأجزاء على ~~الأرجح، كما هي لفترة من الوقت، أو حتى هبطت. وأنا ~~أعتقد أنه لم يكن من الممكن أن يأتي أحدهم بنظرية ~~أشد خطأ من تلك التي تزعم وجود خطوط مستقيمة عظيمة ~~قد ظهرت فجأة. # وأما عن موعد نشر كتابي عن «البراكين والشعاب ~~المرجانية»، فهذا ما لا أعرفه، لكنه، مع الأسف، لن ~~يكون قبل أربعة شهور أو خمسة على الأقل، لكن لتعلم ~~أنني قد انتهيت من كتابة الجزء الأكبر منه. إنني أجد ~~أنني أهدر الكثير من الوقت في ms279 تصويب التفاصيل والتحقق ~~من دقتها. إن العمل الحكومي المتعلق بمجال علم ~~الحيوان عبء يثقل كاهلي، وقد أضاعت علي ورقتي ~~البحثية عن «جلين روي» ستة أسابيع. بالرغم من ذلك، فلن ~~أقول إنه وقت مهدر؛ فإذا استطعت أن أثبت للآخرين ~~ما أرى أنه هو الواقع فعلا، فأعتقد أن ذلك سيكون ~~أمرا هاما. لا يمكن أن أشك في أن المادة المنصهرة ~~الموجودة تحت القشرة الأرضية تتمتع بدرجة عالية من ~~الميوعة؛ فهي أشبه بالبحر تحت الجليد القطبي. ~~وبالمناسبة، أتمنى أن تمدني ببعض الأمثلة من السويد، ~~لكي أستشهد بها والمتعلقة ببقاء الأصداف على السطح، ~~وعدم وجودها في الطبقات المعاصرة من الحصى ... # إنني أتذكر ما سمعتك تقوله كثيرا وهو أن للريف ~~تأثيرا سيئا جدا على المفكرين؛ فالضباب الكثيف مع ~~الرذاذ الخفيف سيطفئ بعض التخمينات المهمة. لعلك ترى ~~أنني قد بدأت أشبه اللندنيين في حديثي، وأمقت أهل ~~الريف المساكين الذين يتنفسون الهواء النقي بدلا من ~~الدخان، ويرون الحقول الواسعة بدلا من المنازل ~~المصنوعة من الطوب في شارع مالبوره، وهو المنظر الذي ~~أعترف بأنني أبغضه. إنني سعيد لسماع تقريرك الإيجابي ~~عن اجتماع الجمعية البريطانية، ومما يزيد سعادتي أنني ~~كنت أخوض معاركه مع باسيل هول وستوكس وغيرهما الكثير، ~~وكنت قد توصلت إلى أنه كان اجتماعا ممتازا بلا شك، ~~وذلك من خلال قراءتي للتقرير في نادي الأنثيام. وقد ~~استمتعت كثيرا بما سمعته عن الخلاف بين دون رودريك ~~[موركيسون] وبابيدج. يا له من أمر مثير للشفقة أن ~~الأخير كان عنيدا للغاية ... إن هذا الخطاب مفكك ~~ومليء بالهراء، حتى إنني أتوقف للتنفس بعد كل ~~جملة، وستحتاج أنت أيضا إلى أن تفعل الأمر مثله حين ~~تقرؤه ... # إنني أتمنى من كل قلبي لو كان كتابي الجيولوجي قد ~~نشر. لدي كل الأسباب التي تحفزني على الاجتهاد في ~~العمل، واتباعا لخطاك سوف أواصل العمل بهذا القدر ~~نفسه من الاجتهاد لكي أحافظ على تحقيق تقدم جيد. ~~سأحب أن ينشر كتابي قبل صدور الطبعة الجديدة من ~~كتابك «مبادئ». وبالإضافة إلى تقديم نظرية الشعاب ~~المرجانية، أعتقد أن الفصول المتعلقة ms280 بالبراكين سوف ~~تتضمن حقائق جديدة. يؤسفني أنني قد أصبحت أميل إلى ~~التكاسل - عن العمل الجيولوجي الخالص في الفترة ~~الأخيرة؛ إذ يغريني هذا العدد الرائع من الآراء ~~الجديدة التي تصدر بغزارة وثبات عن تصنيف الحيوانات ~~والحشرات، وعن العلاقات بينها وكذلك عن غرائزها، والتي ~~تتعلق جميعها بمسألة الأنواع. لقد ملأت الدفتر تلو ~~الدفتر بالكثير من الحقائق عن هذه المسألة، والتي قد ~~بدأ تجتمع معا «بوضوح» تحت قوانين فرعية. # طابت ليلتك يا عزيزي لايل. لقد أطلت في خطابي، ~~واستمتعت بالحديث إليك بأقصى درجة ممكنة دون أن ~~ألتقي بك شخصيا. فلتضع في الحسبان ما للريف من ~~تأثير سيئ؛ لذا، طابت ليلتك مرة أخرى. # المخلص دوما # تشاز داروين # أرجو منك أن تخبر السيدة لايل بخالص شكري. ~~[إن ما دونه عما كتبه من أعمال خلال هذا العام لا يشير على ~~نحو واضح لأهم عمل كان لا يزال طور الإعداد، ألا وهو: وضع حجر ~~الأساس لما سيكون فيما بعد الإنجاز الأهم في حياته. ويتضح ذلك ~~في خطابه السابق إلى لايل، الذي يتحدث فيه عن كونه «متكاسلا»، ~~وكذلك تؤيد الفقرة التالية من أحد خطاباته إلى فوكس، وجهة ~~النظر تلك: # إنني سعيد لإدراك أنك شخص رائع للغاية؛ إذ إنك لم تنس ~~أسئلتي عن تلقيح الحيوانات. إنها هوايتي الأساسية، وأنا أعتقد ~~فعلا أنني سأتمكن ذات يوم من إضافة شيء في المجال المعقد ~~للغاية المتعلق بالأنواع الحية والضروب.] ~~(3) من 1839 إلى 1841 ~~[في شتاء عام 1839 (29 يناير)، تزوج أبي بابنة عمه، إيما ~~ويدجوود [ابنة جوزايا ويدجوود من مير، وحفيدة مؤسس مصنع ~~إتروريا بوتري ووركس، الذي كان يعمل في مجال الفخار.] كان ~~المنزل الذي شهد السنوات القليلة الأولى من حياتهما الزوجية، ~~وهو المنزل رقم 12 في شارع أبر جاور في لندن، منزلا عاديا، ~~وكان يضم غرفة استقبال في الأمام، وغرفة صغيرة في الخلف، وهي ~~التي كانا يعيشان فيها طلبا للهدوء. في السنوات اللاحقة، ~~اعتاد أبي أن يسخر من القبح الشديد للأثاث والسجاد وغير ~~ذلك في هذا المنزل. أما السمة الوحيدة التي ms281 كانت بمنزلة ~~تعويض لهما، فهي أن حديقة المنزل كانت أفضل من معظم المنازل ~~في لندن؛ فقد كانت رقعة بعرض المنزل نفسه، وكان يبلغ طولها ~~ثلاثين ياردة. إن هذه الرقعة الصغيرة من العشب الرث قد جعلت ~~منزل لندن مقبولا أكثر لقاطنيه اللذين نشآ في الريف. # وعن حياته في لندن، يكتب إلى فوكس (أكتوبر 1839): «إننا نحيا ~~حياة غاية في الهدوء؛ إن ديلامير نفسها، والتي تصفها أنت ~~بأنها مكان منعزل للغاية، تعد مكانا صاخبا مقارنة بشارع ~~جاور، وأنا أتحمل مسئولية قولي هذا. لقد توقفنا عن حضور جميع ~~الحفلات؛ إذ إنها لا تتوافق مع كلينا، وإذا كان المرء يتمتع ~~بالهدوء في لندن، فما من شيء يعادل هذا الهدوء؛ فثمة جلال ~~في ضبابها المختلط بالدخان، والأصوات البعيدة الخافتة ~~لمركباتها وعربات الأجرة. وربما تدرك أنني في طريقي إلى أن ~~أصبح لندنيا تماما، وأنا أبتهج جدا حين أفكر أنني سأظل ~~هنا على مدى الشهور الستة القادمة.» # يزداد عدد الإدخالات التي يذكر فيها المرض في مفكرته ~~اليومية، في هذه الفترة؛ ونتيجة لذلك، فقد زاد تواتر العطلات ~~وطالت مدتها؛ فقد قضى الفترة من 26 أبريل إلى 13 مايو من عام ~~1839 في مير وشروزبيري، ومرة أخرى، في الفترة ما بين 23 أغسطس ~~إلى 2 أكتوبر، سافر من لندن إلى مير، وشروزبيري، وبيرمينجهام ~~والتي حضر فيها اجتماع الجمعية البريطانية. # على سبيل المثال، نجد هذا الإدخال المؤرخ في أغسطس 1839: ~~«في أثناء زيارتي إلى مير، قرأت قليلا، وكنت مريضا للغاية، ~~وخاملا بدرجة فاضحة. لقد توصلت بكل تأكيد إلى أنه لا يوجد ~~شيء لا يطاق مثل الخمول.» # في نهاية عام 1839، ولد طفله الأول، وحينها بدأ ملاحظاته ~~التي نشرت في النهاية في كتاب «التعبير عن الانفعالات في ~~الإنسان والحيوان». ويوضح هذا الكتاب، وكذلك الورقة البحثية ~~القصيرة التي نشرت في دورية «مايند» [يوليو 1877] كيف أنه ~~كان يراقب ابنه عن قرب شديد. ويبدو أنه كان متفاجئا من ~~مشاعره تجاه الرضيع الصغير؛ فقد كتب إلى فوكس (يوليو 1840): ~~«إنه [أي، الرضيع] ساحر للغاية، حتى إنني لا أستطيع ادعاء ms282 ~~التواضع. لا يمكن لأي أحد أن يجاملنا بشأن مدح رضيعنا؛ ~~إذ لا يمكن لأحد أن يقول أي شيء في مديحه لسنا على وعي ~~تام به ... إنني لم أكن أتخيل على الإطلاق أنني قد أكن هذا ~~القدر الكبير من المشاعر لرضيع عمره خمسة شهور. سوف تدرك من ~~هذا أنني أتمتع بدرجة عالية من مشاعر الأبوة ~~المتوهجة.» # خلال هذه السنوات، كان يعمل بنحو متقطع على كتابه عن ~~«الشعاب المرجانية»؛ إذ كان يمنعه المرض باستمرار عن مواصلة ~~العمل. ولهذا، فهو يتحدث عن «إعادة البدء» في الكتابة فيه في ~~فبراير 1839، ثم في أكتوبر من العام نفسه، ومرة ثالثة في يوليو ~~1841، «بعد فترة انقطاع تزيد على ثلاثة عشر شهرا». وأما عن ~~أعماله العلمية الأخرى، فقد تمثلت في مساهمة له في الجمعية ~~الجيولوجية # 6 # عن الجلاميد الصخرية و«الحريث الجليدي» في أمريكا ~~الجنوبية، إضافة إلى عدد قليل من الأوراق البحثية الصغيرة عن ~~موضوعات جيولوجية. وقد انشغل أيضا في العمل على الجزء الخاص ~~بالطيور من كتاب «دراسة حيوانات «البيجل»»، الذي كان يتمثل في ~~الكتابة عن عادات الطيور التي وصفها جولد، وتوزيع ~~أنواعها.] # من تشارلز داروين إلى سي لايل # صباح الأربعاء [فبراير ~~1840] # عزيزي لايل # أشكرك شكرا جزيلا على خطابك الطيب. سوف أرسل ~~للحصول على نسخة من جريدة «ذا سكوتسمان». يعتقد ~~الدكتور هولاند أنه قد عرف ما بي من علة، وهو يأمل ~~الآن أن يتمكن من مساعدتي على استرداد عافيتي. أليس من ~~المخزي حقا أنه قد مرت الآن تسعة أسابيع منذ أن ~~تمكنت من إنجاز عمل يوم بأكمله، وأنه لم تتجاوز ~~فترة عملي أربعة أيام ونصف؟ لكنني سأكف عن التذمر، ~~رغم أنه من الصعب تجنب ذلك. منذ أن قرأت خطابك، رحت ~~أراجع الفصل الذي كتبته عن الشعاب المرجانية، وقد ~~وجدت أنني مستعد للدفاع عن كل ما جاء فيه تقريبا؛ ~~فهو مكتوب بحذر ودقة أكثر مما توقعت. لقد عزمت على ~~أن أنتهي من كتابي حول هذا الموضوع، قبل نشر الطبعة ~~الجديدة من عملك، وصدقني في أن ذلك ليس لكي تلاحظ ~~فيه ms283 أي شيء جديد (إذ ليس به من جديد سوى القليل ~~جدا بجانب التفاصيل)؛ فأنت الرجل الوحيد في أوروبا ~~الذي أتلهف دوما على أن أسمع منه الحقيقة بشأن ~~أي مسألة تتسم بالتعقيد. إن مخطوطتي تعم فيها ~~الفوضى، ولولا ذلك، فأنا أثق في أنك كنت لتلقي نظرة ~~على أي جزء تختاره منها، إذا كنت ترى أن ذلك ~~يستحق وقتك ... ~~... ~~[في خطاب إلى فوكس (يناير 1841) يوضح أن «عمله عن ~~الأنواع» لا يزال يشغل ذهنه: # إذا كان لا يزال لديك أي اهتمام بالتاريخ الطبيعي، فإنني ~~أرسل لك هذا التذييل تذكيرا لك بأنني أواصل جمع كل أنواع ~~الحقائق المتعلقة بموضوع «الضروب والأنواع» وذلك لأستخدمها في ~~عملي الذي سيظهر ذات يوم بهذا الاسم. وأنا أقبل حتى أصغر ~~الإسهامات وسأكون شاكرا عليها؛ أوصاف السلالات الناتجة عن ~~جميع أنواع التلقيح المتبادل بين جميع الطيور الداجنة ~~والحيوانات مثل الكلاب والقطط، وما إلى ذلك، ذات قيمة وفائدة ~~كبيرة للغاية. ولا تنس أنه حين تموت قطتك الأفريقية الهجينة، ~~فإنني سأكون ممتنا للغاية إذا أرسلت لي جثتها في سلة صغيرة ~~لأفحص هيكلها العظمي، وستكون هي أو غيرها من أي طيور هجينة ~~مثل الحمام أو الدواجن أو البط أو ما شابه، أفضل من أجود ~~فخاذ الغزلان أو السلاحف. # وفي فترة لاحقة من العام (سبتمبر)، يكتب إلى فوكس عن صحته، ~~ويشير أيضا إلى خطته بشأن الانتقال إلى الريف: # إنني أحقق تقدما ثابتا، وأعتقد حقا أنني سأسترد صحتي ~~بعض الشيء ذات يوم. إنني أكتب يوميا لبضع ساعات في كتابي عن ~~الشعاب المرجانية، وأقوم بجولة سير أو جولة ركوب قصيرة كل ~~يوم. إنني أصير مرهقا جدا في المساء، ولا أكون قادرا على ~~الخروج في ذلك الوقت، ولا حتى على استقبال أقرب أقاربي، غير ~~أن حياتي لم تعد عبئا مضنيا بعد أن صرت الآن قادرا على ~~العمل. إننا نخطط لمغادرة لندن، والعيش على بعد قرابة العشرين ~~ميلا منها على أحد خطوط السكة الحديدية.] ~~(4) 1842 ~~[يتضمن ما دونه عما كتبه من أعمال كتابه عن «الشعاب ~~المرجانية» # 7 # الذي ms284 قد أرسلت مخطوطته إلى المطابع أخيرا في ~~يناير من هذا العام، وصححت آخر بروفات الطباعة الخاصة به في ~~مايو. وهو يكتب عن هذا العمل في مفكرته اليومية ما يلي: # لقد بدأت هذا العمل قبل ثلاث سنوات وسبعة أشهر. وقد قضيت ~~من هذه المدة عشرين شهرا في العمل عليه (إضافة إلى الوقت ~~الذي استغرقته في العمل عليه خلال رحلة «البيجل»). وإلى جانب ~~هذا، جمعت في هذه المدة أيضا الجزء الخاص بالطيور في كتاب ~~«دراسة حيوانات رحلة «البيجل»»، وكتبت ملحقا ل «يوميات ~~الأبحاث»، وورقة بحثية عن الجلاميد الصخرية، وصوبت أوراقا ~~بحثية حول جلين روي والزلازل، بالإضافة إلى القراءة عن ~~الأنواع. أما بقية هذه المدة، فقد أضاعها علي ~~المرض. # قضى مايو ويونيو في شروزبيري ومير، ومن هناك، ذهب في جولة ~~صغيرة في ويلز، والتي تحدث عنها في عمله «ذكريات» ونشرت ~~نتائجها في ورقته البحثية «ملاحظات عن آثار الأنهار الجليدية ~~القديمة في كارنارفنشير وعن الجلاميد الصخرية التي نقلها ~~الجليد المنجرف». # 8 # ويقول السيد آرتشيبولد جيكي عن هذه الورقة إنها تأتي «في ~~مقدمة القائمة الطويلة للإسهامات الإنجليزية فيما يتعلق بالعصر ~~الجليدي». # 9 # أما الجزء اللاحق من هذه السنة، فهو يعود إلى الفترة التي ~~تتضمن استقراره في داون؛ ولهذا، فإننا سنتناولها في فصل ~~آخر.] # الفصل الثامن # | الدين # [إن سردنا لتاريخ هذا الجزء من حياة أبي يستحق أن يتضمن ~~ذكرا لبعض آرائه الدينية. وبالرغم من أنه يوضح أنه لم يكن ~~يفكر في المسائل الدينية بنحو منهجي ومستمر، فإننا نعرف من ~~كلماته أن الأمر كان يشغل ذهنه كثيرا في هذه الفترة ~~(1836-1839). # في أعماله المنشورة، كان متحفظا في الحديث عن مسألة الدين، ~~وما تركه عن هذا الموضوع لم يكن مكتوبا بنية النشر. (والاستثناء ~~الذي يمكن أن نذكره هو كلمات قليلة جاءت بالتزامن مع مقال الدكتور ~~أبوت «حقائق للعصور» والتي قد سمح أبي بنشرها في صحيفة «ذي ~~إندكس».) # وأعتقد أن تحفظه في الحديث عن الأمر كان نابعا من أسباب عدة، ~~ومنها أنه كان يرى أن معتقدات الفرد الدينية هي ms285 أمر خاص في ~~الأساس، ولا تخص أحدا غيره. ويتضح ذلك في الفقرة التالية المأخوذة ~~من أحد خطاباته في عام 1879: # 1 # إن ماهية آرائي هي مسألة لا تعني أحدا فيما سواي. أما ~~وإنك قد سألت، فيمكنني أن أقول إن حكمي كثيرا ما يتذبذب ~~... وفي أكثر حالات التذبذب تطرفا، لم أكن قط ملحدا ~~بمعنى إنكار وجود الإله. وبصفة عامة، (ولا سيما مع تقدمي ~~في السن أكثر وأكثر) لكن ليس دائما؛ فإنني أعتقد أن وصف ~~«اللاأدري» هو الأصوب لوصف موقفي العقلي فيما يتعلق ~~بالدين. # لقد كان يحجم تلقائيا عن جرح مشاعر الآخرين فيما يتعلق ~~بالأمور الدينية، وكان متأثرا أيضا باعتقاده بأنه ينبغي على ~~المرء ألا ينشر رأيه في موضوع لم يمنحه قدرا كبيرا من التفكير ~~المتأني والمستمر. ويتضح تطبيقه لهذا الحذر على نفسه فيما يتعلق ~~بمسألة الدين في خطاب إلى الدكتور إف إي أبوت، من كامبريدج، ~~الولايات المتحدة (6 سبتمبر 1871). فبعد أن يشرح أن ضعفه الناتج ~~عن المرض قد جعله يشعر بأنه ليس «أهلا للتفكير العميق في أعمق ~~الموضوعات التي يمكن أن تملأ ذهن المرء»، يضيف: «بخصوص خطاباتي ~~السابقة إليك، فقد نسيت محتواها تماما؛ إذ يتحتم علي كتابة ~~الكثير من الخطابات، ولا أستطيع التفكير فيما أكتبه إلا قليلا. ~~بالرغم من ذلك، فإنني أعتقد تماما أنني لم أكتب كلمة واحدة لم ~~أفكر فيها في ذلك الوقت، وآمل أيضا ألا أكون قد فعلت ذلك، لكنني ~~أعتقد أنك ستتفق معي في أن أي شيء يقدم إلى الجمهور يجب ~~التفكير فيه بترو وعرضه بعناية. ولم يخطر بذهني على الإطلاق أنك ~~قد ترغب في نشر أي مقتطف من خطاباتي، وإلا لكنت قد احتفظت ~~بنسخة منها. إنني أعلن صراحة عن «خصوصية المحتوى» في بعض ~~الخطابات، وهذا نسق لم أكتسبه حتى الآن إلا بنحو جزئي؛ وذلك بسبب ~~بعض الخطابات التي كتبتها على عجل وطبعت، ولم تكن تستحق أن ~~تطبع على الإطلاق، غير أنها مقبولة بخلاف ذلك. إنه لأمر سخيف ~~جدا أن أعتقد أن خطابي السابق إليك يستحق أن ترسله إلي ms286 مع ~~تحديد أي جزء منه ترغب في نشره، لكن إن كنت ترغب في القيام ~~بذلك، فسوف أخبرك على الفور بما إن كان لدي أي اعتراض أم لا. ~~إنني أشعر إلى حد ما بعدم الرغبة في الإفصاح للجمهور عن آرائي في ~~المسائل الدينية؛ إذ إنني أشعر بأنني لم أفكر في الأمر بعمق كاف ~~يبرر الإفصاح عن آرائي للجمهور.» # ويمكنني أيضا أن أستشهد بخطاب آخر إلى الدكتور أبوت (16 نوفمبر ~~1871) وفيه يوضح أبي بنحو أكثر تفصيلا أسبابه في شعوره بأنه ليس ~~مؤهلا للكتابة في الموضوعات الدينية والأخلاقية: # يمكنني أن أقول بكل صدق إن طلبك لي بأن أكون أحد ~~المساهمين في صحيفة «ذي إندكس» يشرفني كثيرا، وأنا ~~ممتن للغاية على المسودة. وأنا أيضا أكن كامل ~~التأييد للرأي القائل بأنه يجب على كل فرد أن ينشر ما ~~يعتقد أنه الحقيقة، وأنا أحترمك كثيرا لقيامك بذلك بقدر ~~كبير من الإخلاص والحماس. بالرغم من ذلك، لا يمكنني ~~الامتثال لطلبك للأسباب التي سيلي ذكرها، واعذرني إذ ~~أذكرها ببعض التفصيل؛ إذ إنه سيحزنني لو بدوت لك فظا. ~~إن صحتي ضعيفة للغاية: لا يحدث «أبدا» أن أقضي 24 ساعة ~~دون أن أعاني فيها من التعب لساعات طويلة لا أكون قادرا ~~فيها على القيام بأي شيء على الإطلاق. ونتيجة لذلك، ضاع ~~علي شهران كاملان متتاليان في هذا الفصل. وبسبب هذا ~~الضعف، وكذلك دوار رأسي، لا أستطيع إتقان الموضوعات ~~الجديدة التي تستلزم قدرا كبيرا من التفكير، ولا أتناول ~~إلا الموضوعات القديمة. إنني لم أكن قط مفكرا أو كاتبا ~~سريعا، وكل ما حققته من إنجازات في مجال العلوم ~~يعزى إلى التفكير الطويل والصبر والمثابرة. # حسنا، لم يسبق لي من قبل أن فكرت بنحو منهجي في ~~الدين وعلاقته بالعلم أو في الأخلاق وعلاقتها بالمجتمع، ~~وبدون أن أركز تفكيري على مثل هذه الموضوعات لفترة ~~«طويلة،» لن أكون قادرا حقا على كتابة أي شيء يستحق ~~النشر في صحيفتك. # لقد سئل عن آرائه بشأن الدين أكثر من مرة، ولم يكن يعترض عادة ~~على فعل ذلك في ms287 خطاب خاص؛ ومن ثم، فقد كتب الرد التالي إلى ~~طالب هولندي (2 أبريل 1873): # إنني أثق في أنك سوف تعذرني في الكتابة بعد فترة طويلة ~~حين أخبرك بأنني كنت مريضا منذ وقت طويل، وأنا الآن بعيد ~~عن بيتي للحصول على بعض الراحة. # ليس من الممكن أن أجيب عن سؤالك باختصار، ولست متأكدا ~~إن كنت أستطيع القيام بذلك أم لا، حتى إذا كتبت ببعض ~~الإسهاب. بالرغم من ذلك، يمكنني أن أقول إن عدم إمكانية ~~تصور أن هذا الكون العظيم المليء بالعجائب، وكذلك ~~ذواتنا الواعية، قد نشأ عن طريق الصدفة هو ما يبدو لي أنه ~~الحجة الأساسية لوجود إله؛ أما عما إذا كان لهذه الحجة ~~قيمة حقيقة أم لا، فهذا ما لم أتمكن قط من تحديده. إنني ~~أدرك أننا إذا سلمنا بوجود سبب أول، فإن العقل سيظل ~~يطالب بأن يعرف من أين أتى وكيف. وكذلك لا يمكنني أن أغفل ~~الصعوبة المرتبطة بوجود كل هذا القدر من المعاناة في ~~العالم. وأنا أميل أيضا إلى الانصياع بعض الشيء إلى حكم ~~العديد من الرجال البارعين الذين كانوا يؤمنون تماما ~~بالإله، غير أنني أيضا أدرك مدى ضعف هذه الحجة. ويبدو لي ~~أن النتيجة الأسلم هي أن هذا الموضوع بأكمله يتجاوز ~~نطاق العقل البشري، لكن يمكن للمرء أن يقوم بواجبه. # ومرة أخرى في عام 1879، بعث إليه طالب ألماني، يسأله بطريقة ~~مشابهة. وقد أجاب عن الخطاب أحد أفراد عائلة أبي، وقد كتب ما يلي: # يرجوني السيد داروين أن أقول إنه يتلقى عددا كبيرا ~~جدا من الخطابات، فلا يمكنه الإجابة عنها كلها. # وهو يرى أن نظرية التطور تتوافق تماما مع الإيمان ~~بوجود إله، لكنك يجب أن تتذكر أن الأشخاص يختلفون في ~~تعريفهم لما يقصدونه بكلمة إله. # غير أن ذلك لم يرض الشاب الألماني الذي كتب مرة أخرى إلى ~~أبي، وتلقى منه الرد التالي: # إنني منشغل للغاية، وأنا رجل عجوز ومريض ولا يمكنني أن ~~أبذل وقتي في الإجابة عن أسئلتك بنحو كامل، وهي أسئلة في ~~واقع الأمر لا يمكن الإجابة عنها. ms288 ليس للعلم أي علاقة ~~بالمسيح، باستثناء أن طابع البحث العلمي يجعل المرء ~~حذرا في الإقرار بصحة الأدلة. أما عن نفسي، فأنا لا ~~أعتقد أنه كان هناك أي وحي على الإطلاق. وأما عن ~~وجود حياة تالية، فيجب على كل امرئ أن يختار لنفسه من ~~بين الاحتمالات الغامضة المتعارضة. # والفقرات التالية هي مقتطفات، مختصرة بعض الشيء، من جزء من ~~السيرة الذاتية التي كتبها أبي عام 1876، وهو يوضح فيها تاريخ ~~آرائه الدينية: # على مدى هذين العامين [من أكتوبر 1836 إلى يناير ~~1839] اتجهت إلى التفكير كثيرا بشأن الدين. على متن ~~«البيجل»، كنت متدينا إلى حد ما، وأتذكر أن العديد ~~من الضباط كانوا يسخرون مني بشدة، (بالرغم من أنهم أنفسهم ~~كانوا متدينين)؛ ذلك أنني كنت أستشهد بالإنجيل بصفته ~~حجة دامغة في القضايا التي تتعلق بالأخلاق. أعتقد أن ~~حداثة النقاش هي ما كان يمتعهم. لكن بحلول هذا الوقت؛ ~~أي الفترة بين 1836 و1839، بدأت أرى تدريجيا أنه ~~لا يمكن تصديق العهد القديم أكثر مما يمكن تصديق الكتب ~~الهندوسية المقدسة. وقد ظلت هذه المسألة تشغل ذهني ولا ~~تبرحه: أيعقل أنه إذا كان الإله قد أنزل وحيا للهندوس، ~~أن يسمح له بأن يكون له علاقة بالإيمان بفينشو وسيفا ~~وغيرهما، مثلما أن المسيحية لها علاقة بالعهد القديم؟ ~~وقد بدا لي أن هذا الأمر لا يعقل على الإطلاق. # وبالمزيد من التفكير في أن البراهين الواضحة ستكون ~~ضرورية لأي شخص عاقل لكي يؤمن بالمعجزات التي تؤيد ~~المسيحية، وأنه كلما زادت معرفتنا بقوانين الطبيعة ~~الثابتة، بدت المعجزات أمرا لا يصدق بدرجة أكبر، ~~وأن الرجال في ذلك العصر كانوا جاهلين وسريعي التصديق ~~بدرجة نكاد ألا ندركها على الإطلاق، وأنه لا يمكن إثبات ~~أن الأناجيل لم تكتب بالتزامن مع الأحداث، وأنها تختلف ~~فيما بينها في العديد من التفاصيل المهمة، التي قد بدت لي ~~أنها مهمة للغاية بحيث لا يمكن أن نعزوها إلى الدرجة ~~المعتادة من عدم دقة شهود العيان؛ من خلال مثل هذه ~~الأفكار، والتي لا أذكرها على أساس أنها مبتكرة أو ~~قيمة وإنما ms289 لأنها قد أثرت في ، بدأت تدريجيا في ~~عدم الإيمان بالمسيحية بصفتها وحيا إلهيا. وقد كان ~~لحقيقة أن العديد من الأديان المزيفة قد انتشرت في ~~أجزاء كبيرة من الأرض كالنار في الهشيم، تأثير كبير ~~علي. # غير أنني كنت عازفا تماما عن التخلي عن إيماني، وأنا ~~واثق من هذا؛ إذ يمكنني أن أتذكر جيدا أنني كثيرا ما ~~كنت أتخيل أحلام يقظة عن خطابات قديمة بين الشخصيات ~~الرومانية البارزة، وعن مخطوطات تكتشف في بومبي أو غيرها، ~~وتؤكد بوضوح قاطع كل ما ورد في الأناجيل. بالرغم من ~~ذلك، فقد كنت أجد صعوبة أكبر، مع تحرير نطاق عقلي، في أن ~~أجد أدلة تكفي لإقناعي؛ ومن ثم، فقد تسلل إلي عدم ~~التصديق بالدين ببطء شديد، لكنه اكتمل في النهاية. وقد ~~كان تسلله بطيئا للغاية حتى إنني لم أشعر بأي ~~جزع. # وبالرغم من أنني لم أفكر كثيرا في وجود إله شخصي حتى ~~فترة متأخرة بدرجة كبيرة نسبيا من حياتي، فإنني سوف أذكر ~~هنا النتائج المبهمة التي توصلت إليها. إن الحجة ~~القديمة المتمثلة في مسألة التصميم الذكي، والتي قال بها ~~بيلي، وكنت أجد أنها حجة حاسمة فيما سبق، قد سقطت الآن ~~بعد اكتشاف قانون الانتقاء الطبيعي؛ فعلى سبيل المثال، لا ~~يمكننا أن نجادل الآن بأنه لا بد أن كائنا ذكيا هو ~~الذي صنع المفصلة الجميلة في ذوات الصدفتين، مثلما أن ~~الإنسان هو الذي يصنع مفصلة الباب. يبدو أن قابلية ~~الكائنات العضوية للتباين وفعل الانتقاء الطبيعي، لا ~~ينطويان على تصميم بأكثر مما تنطوي عليه الرياح في هبوبها. ~~غير أنني قد تناولت هذا الموضوع في نهاية كتابي «تباين ~~الحيوانات والنباتات تحت تأثير التدجين»، وأعتقد أن ~~الحجة الواردة هناك ليس لها تفنيد حتى الآن. # لكن مع غض الطرف عن أساليب التكيف الرائعة اللانهائية ~~التي نجدها في كل مكان، يمكن أن يطرح السؤال التالي: كيف ~~يمكن تفسير الترتيب الخير بوجه عام للعالم؟ إن بعض ~~الكتاب متأثرون بالفعل بشدة بحجم المعاناة في العالم، ~~حتى إنهم يشكون فيما إذا كنا سنجد سعادة أم شقاء ms290 أكبر إذا ~~نظرنا إلى جميع الكائنات الواعية في العالم، ومما إذا كان ~~العالم في مجمله جيدا أم سيئا. أما عن رأيي، فأنا ~~أعتقد أن السعادة هي التي تسود قطعا، غير أنه من الصعب ~~جدا إثبات ذلك. وإذا سلمنا بصحة هذه النتيجة، فإنها سوف ~~تتناغم تماما مع ما يمكن أن نتوقعه من آثار الانتقاء ~~الطبيعي. فإذا كان جميع أفراد أي نوع معين يعانون ~~عادة بأقصى درجة؛ فإنهم سوف يحجمون عن الإكثار من ~~نوعهم، وما من سبب لدينا يجعلنا نعتقد أن ذلك حدث على ~~الإطلاق، أو حتى كان يحدث غالبا على الأقل. وإضافة إلى ~~ذلك، فإن بعض الاعتبارات الأخرى تقودنا إلى الاعتقاد ~~أن جميع الكائنات الواعية، قد تشكلت لكي تستمتع، ~~بصفة عامة، بالسعادة. # إن جميع من يعتقدون مثلما أعتقد أن جميع الملكات ~~الجسدية والذهنية (باستثناء تلك التي لا تمثل ميزة ولا ~~عيبا لمالكها) في جميع الكائنات قد تطورت من خلال ~~الانتقاء الطبيعي أو من خلال البقاء للأصلح، سواء من خلال ~~الاستخدام أو العادة، سيتقبلون أن هذه الملكات قد ~~تشكلت حتى يتمكن مالكوها من النجاح في المنافسة مع ~~الكائنات الأخرى؛ ومن ثم، يزدادون عددا. والآن، قد ~~يتجه أحد الحيوانات إلى اتباع المسار الذي يكون الأكثر ~~نفعا للنوع؛ إما من خلال المعاناة، مثل الجوع والعطش ~~والخوف، أو من خلال المتعة، مثل الطعام والشراب وتكاثر ~~النوع وما إلى ذلك، أو من خلال الجمع بين الوسيلتين معا، ~~كما في البحث عن الغذاء. لكن إذا استمر الألم أو المعاناة ~~من أي نوع لفترة طويلة، فإن ذلك يتسبب في اكتئاب ~~الكائن ويقلل من قوة حركته، لكنه يجعل الكائن قادرا ~~على حماية نفسه ضد أي أخطار كبيرة أو مفاجئة. أما ~~المشاعر الممتعة، على الجانب الآخر، فيمكن أن تستمر لفترة ~~طويلة دون أن تولد أي مشاعر اكتئاب؛ فهي على العكس من ~~ذلك، تحفز النظام بأكمله لزيادة الحركة؛ ومن ثم، يتضح ~~من هذا أن تطورت معظم الكائنات الواعية أو كلها بهذه ~~الطريقة من خلال الانتقاء الطبيعي، والتي تكون مشاعر ~~المتعة فيها ms291 بمثابة أدلة التوجيه المعتادة لهذه ~~الكائنات. ونحن نرى هذا في المتعة التي نستمدها من ~~الإجهاد، وحتى أحيانا من الإجهاد الكبير للجسد أو الذهن، ~~وكذلك في المتعة التي نستمدها من وجباتنا اليومية، وعلى ~~وجه الخصوص في المتعة التي نستمدها من التواصل الاجتماعي ~~وكذلك من حب عائلاتنا. ومحصلة مثل هذه المشاعر الممتعة، ~~والتي تحدث عادة أو تتكرر باستمرار، توفر لمعظم ~~الكائنات الواعية، وأنا لا أشك في ذلك، سعادة يفوق ~~قدرها ما يجدونه من شقاء، بالرغم من أن بعضها يعاني ~~كثيرا في بعض الأحيان. وتتوافق هذه المعاناة مع الإيمان ~~بالانتقاء الطبيعي، والذي لا يكون مثاليا في فعله، غير ~~أنه يفيد في أن يجعل كل نوع من الأنواع ناجحا بأكبر ~~قدر ممكن في معركة الحياة مع الأنواع الأخرى، في ظل ~~مجموعة من الظروف المتغيرة والمعقدة بنحو مدهش. # إن أحدا لا ينكر وجود قدر كبير من المعاناة في ~~العالم. وقد حاول البعض أن يفسروا ذلك فيما يتعلق ~~بالإنسان بتصور أنها تساعد في تحسين وضعه الأخلاقي، ~~لكن عدد البشر لا يقارن على الإطلاق بعدد الكائنات ~~الواعية الأخرى، وهي التي كثيرا ما تعاني دون أي ~~تحسين أخلاقي. ويبدو لي أن هذه الحجة القديمة المتمثلة ~~في وجود المعاناة في مقابل وجود سبب أول ذكي هي ~~حجة قوية، غير أن وجود هذا القدر الكبير من المعاناة، ~~يتفق، كما أوضحنا، مع الرؤية القائلة بأن جميع الكائنات ~~العضوية قد تطورت من خلال التباين والانتقاء ~~الطبيعي. # في الوقت الحاضر، تستمد الحجة الأكثر شيوعا لوجود ~~إله ذكي من القناعات والمشاعر الداخلية العميقة التي ~~يختبرها معظم الأشخاص. # في وقت سابق، قادتني مثل هذه المشاعر التي أشرت إليها ~~للتو (بالرغم من أنني لا أعتقد أن الشعور الديني قد نما ~~بقوة لدي في أي يوم من الأيام) إلى الاعتقاد الراسخ ~~بوجود إله، وبخلود الروح. وفي يومياتي كتبت ما يلي بينما ~~أقف في قلب عظمة إحدى الغابات البرازيلية: «ليس من ~~الممكن أن أعطي فكرة مناسبة عن هذه المشاعر السامية ~~بالدهشة والإعجاب والتفاني، وهي التي تملأ العقل وتسمو ms292 ~~به.» وأنا أتذكر جيدا أنني كنت مقتنعا أن الإنسان ~~ينطوي على ما هو أكثر من النفس الذي يدخل إلى جسده ويخرج ~~منه. أما الآن، فأكثر المناظر عظمة لن تبث في عقلي مثل ~~هذه المشاعر والأفكار. وربما يصح القول بأنني قد أصبحت ~~مثل رجل أصيب بعمى الألوان؛ لذا، فإن الاعتقاد السائد ~~لدى البشر بوجود اللون الأحمر، ينفي أي قيمة لاستخدام ~~عدم قدرتي على تمييز اللون الأحمر كدليل. وستكون هذه ~~الحجة سليمة إذا كان كل البشر من جميع الأعراق لديهم هذا ~~الاعتناق الداخلي بوجود إله واحد، لكننا نعرف أن ذلك ~~بعيد كل البعد عن الواقع؛ ولهذا، لا يمكنني أن أرى ~~أي قيمة لاستخدام مثل هذه الاعتقادات والمشاعر ~~الداخلية كدليل على ما يوجد فعلا. إن تلك الحالة ~~الذهنية التي أثارتها في المناظر العظيمة قبل ذلك، وهي ~~التي ارتبطت بصورة وثيقة بالإيمان بالإله، لم تكن تختلف ~~بصورة جوهرية عما ندعوه عادة بالشعور بالتسامي، وبالرغم ~~مما قد يوجد من صعوبة في تفسير نشأة هذا الشعور، فلا يمكن ~~تقديمه على أنه حجة بوجود الإله، مثلما أنه لا يمكننا ~~تقديم ما يشبهه من المشاعر القوية الغامضة التي تثيرها ~~فينا الموسيقى على أنه حجة على ذلك. # وأما عن الفناء، فما من شيء يوضح لي [بوضوح ~~شديد] أنه اعتقاد قوي وشبه فطري، كالتفكير في وجهة ~~النظر التي يقول بها الآن معظم علماء الفيزياء، وهي أن ~~الشمس وجميع الكواكب، ستغدو باردة جدا بمرور الوقت؛ فلا ~~تصبح مناسبة لاستمرار الحياة، إلا أن يصطدم جسم كبير ~~للغاية بالشمس؛ فيمنحها حياة جديدة. ولما كنت أعتقد ~~أن الإنسان سيصير في المستقبل البعيد أكثر كمالا بدرجة ~~كبيرة مما هو عليه الآن، فإنني أجد أن التفكير بأن ~~مصيره وهو وجميع الكائنات الواعية الأخرى إلى الاندثار ~~التام، بعد مثل هذا التقدم البطيء المستمر على مدى ~~فترة طويلة، فكرة ليست معقولة. أما بالنسبة إلى الذين ~~يتقبلون تماما خلود الروح الإنسانية، فإن الهلاك ~~التام لعالمنا لن يبدو مروعا جدا. # وثمة سبب آخر، مرتبط بالعقل لا بالعاطفة، للاقتناع ~~بوجود إله، ms293 وأنا أرى أن له ثقلا أكبر كثيرا من غيره. ~~وهو ينبع من الصعوبة الشديدة، بل استحالة تصور أن هذا ~~الكون الضخم والرائع، بما في ذلك الإنسان وقدرته على النظر ~~في الماضي وكذلك المستقبل، هو نتيجة صدفة أو ضرورة. وحين ~~أفكر في هذا، أجد أنني مرغم على أن أتطلع إلى سبب أول ~~يتمتع بعقل ذكي يشبه عقل الإنسان بدرجة ما، وأنني أستحق ~~أن أدعى مؤمنا. لقد كانت هذه النتيجة حاضرة في ذهني ~~بقوة قرابة الوقت الذي كنت أكتب فيه «أصل الأنواع»، ومنذ ~~ذلك الوقت، أصبحت تضعف تدريجيا، مع تعرضي للعديد من ~~التقلبات. غير أن الشك يظهر مرة أخرى هنا؛ هل من ~~الممكن أن نثق في عقل كعقل الإنسان، الذي أعتقد أنه تطور ~~من عقل بسيط للغاية كعقول أدنى الحيوانات مرتبة، في ~~التوصل إلى مثل هذه الاستنتاجات الخطيرة؟ # لا يمكنني الزعم أنني قد ألقيت الضوء على هذه المعضلات ~~ولو بقدر ضئيل للغاية. إن لغز بداية الأشياء جميعها من ~~المشكلات التي لا يمكننا حلها، وأما بالنسبة لي، فإنني ~~راض بأن أظل لا أدريا. # إن الخطابات التالية تكرر إلى حد ما ما ورد في السيرة ~~الذاتية التي كتبها عن نفسه. ويشير الخطاب الأول إلى مقال «حدود ~~العلم: حوار» الذي نشر في مجلة «ماكملان ماجازين»، في عدد يوليو ~~1861.] # من تشارلز داروين إلى الآنسة جوليا ~~ويدجوود # 11 يوليو [1861] # لقد أرسل إلينا أحدهم مجلة «ماكملان ماجازين»، ولا بد ~~لي أن أخبرك بإعجابي الشديد بمقالك. بالرغم من ذلك، ~~فعلي أن أعترف بأنني لم أستطع أن أفهم مقصدك بوضوح في ~~بعض الأجزاء، والسبب الأساسي في ذلك على الأرجح هو أنني لم ~~آلف تسلسلات الأفكار الميتافيزيقية على الإطلاق. أعتقد ~~أنك تفهمين كتابي [أصل الأنواع] تمام الفهم، وهو أمر ~~يندر حدوثه مع نقادي. إن الأفكار الواردة في الصفحة ~~الأخيرة من المقال قد وردت على ذهني بنحو مبهم لمرات ~~عديدة. وبفضل العديد من مراسلي، اتجهت مؤخرا إلى ~~التفكير، أو بالأحرى إلى محاولة التفكير، في بعض النقاط ~~الأساسية التي تناولتها، غير أن النتيجة ms294 هي أنني دخلت ~~في متاهة ؛ الأمر يشبه التفكير في أصل الشر، وهو الأمر الذي ~~تشيرين إليه. إن العقل يأبى أن ينظر إلى هذا الكون، ~~بالحالة التي هو عليها، دون أن يفكر في أنه قد جرى ~~تصميمه. بالرغم من ذلك، ففي الجوانب التي يتوقع فيها المرء ~~تجلي التصميم بأكبر درجة، وأعني بذلك، في تركيب ~~الكائنات الواعية، كلما زاد تفكيري في الموضوع، قل ما ~~أستطيع أن أجده من دليل على التصميم. إن آسا جراي ~~وآخرين غيره يعتقدون أن كل تباين، أو على الأقل كل تباين ~~مفيد، (وهو ما يشبهه جراي بقطرات المطر التي لا تسقط في ~~البحر وإنما تسقط على الأرض لتخصبها) قد صمم لحكمة. ~~بالرغم من ذلك، حين أسأله عما إذا كان يعتقد أن كل تباين ~~في الحمام الجبلي، والتي توصل منها الإنسان من خلال ~~التراكم إلى الحمام النفاخ أو الهزاز، قد صمم لحكمة ~~إمتاع الإنسان أم لا، فإنه لا يعرف بم يجيب. وإذا تقبل ~~هو أو أي أحد غيره أن هذه التباينات عرضية، فيما ~~يتعلق بغرضها (لكن ليس بالطبع فيما يتعلق بالسبب فيها أو ~~أصلها)، فلا أرى أي سبب يجعله لا يصنف التباينات ~~المتراكمة، والتي شكلت نقار الخشب المتكيف بصورة رائعة، ~~على أنها قد صممت لحكمة؛ إذ سوف يكون من السهل تخيل ~~أن الحوصلة المتمددة للحمام النفاخ أو ذيل الحمام ~~الهزاز ذات فائدة لهذه الطيور في الطبيعة، لما لها من ~~عادات حياتية غريبة. تلك هي الأفكار التي تثير حيرتي ~~بشأن التصميم، غير أنني لا أدري إن كنت ستهتمين ~~لمعرفتها أم لا ... ~~... ~~[عن موضوع التصميم، كتب (في يوليو 1860) إلى الدكتور جراي: # كلمة أخرى عن «القوانين المصممة» و«النتائج غير ~~المصممة». إنني أرى طائرا أريده طعاما لي؛ فآخذ بندقيتي ~~وأقتله، وأنا أفعل ذلك «عن سابق تصميم مني». وثمة ~~رجل بريء وصالح يقف تحت شجرة وتقتله صاعقة من البرق. هل ~~تعتقد (وأنا أود حقا أن أعرف رأيك في ذلك) أن الإله قد ~~قتل هذا الرجل «عن سابق تصميم منه»؟ إن الكثير من ~~الأشخاص أو ms295 معظمهم يعتقدون ذلك، لكنني لا أعتقد ذلك ولا ~~أستطيع أن أفعل هذا. إن كنت تعتقد ذلك، فهل تعتقد حين ~~يلتهم طائر السنونو ناموسة أن الإله قد خطط مسبقا أن ~~يلتهم ذلك السنونو تلك الناموسة في تلك اللحظة المحددة؟ ~~إنني أعتقد أن الإنسان والناموسة في المأزق نفسه. إذا لم ~~يكن موت الإنسان ولا موت الناموسة عن سابق تصميم، فأنا لا ~~أجد أي سبب جيد للاعتقاد بأن «أول» مولد أو ~~إنتاج تم عن سابق تصميم بالضرورة.] # من تشارلز داروين إلى دابليو جراهام # داون، 3 يوليو، 1881 # سيدي العزيز # أتمنى ألا يزعجك مني شكري الصادق لك على ما وجدته من ~~متعة في قراءة كتابك الرائع «عقيدة العلم»، بالرغم من أنني ~~لم أنته من قراءته بعد؛ إذ إنني أصبحت أقرأ ببطء شديد ~~نظرا لكبر سني. لقد مر وقت طويل منذ أن أثار اهتمامي ~~أي كتاب آخر. لا بد أن العمل عليه قد استغرق منك ~~سنوات عديدة وقدرا كبيرا من العمل الشاق مع تخصيص وقت ~~فراغك بأكمله له. إنك لا تتوقع على الأرجح من أي شخص ~~أن يتفق معك تماما بشأن العديد من الموضوعات الإشكالية، ~~وثمة العديد من النقاط التي لا أستطيع أن أستسيغها في ~~كتابك. والنقطة الأساسية التي لا يمكنني أن أستسيغها هي ~~قولك بأن وجود ما يسمى بالقوانين الطبيعية يدل على ~~وجود الغاية، وأنا لا أستطيع أن أرى صحة ذلك. بالإضافة ~~إلى ذلك، إن العديد من الأشخاص يتوقعون أننا سنكتشف ~~ذات يوم أن القوانين العظيمة المتعددة تنبع بصورة ~~حتمية من قانون واحد. لكن حين أنظر إلى القوانين بالطريقة ~~التي نعرفها عليها الآن، وأنظر مثلا إلى القمر، الذي ما تزال قوانين الجاذبية - وحفظ الطاقة بالطبع - وكذلك قوانين ~~النظرية الذرية، سارية عليه، لا أستطيع أن أرى وجود أي ~~غاية بالضرورة. أستوجد غاية إن عاشت الكائنات الأدنى ~~مرتبة وحدها على القمر مجردة من الوعي؟ غير أنه ما من ~~خبرة لدي في التفكير المجرد، وربما أكون مخطئا ~~تماما. على أي حال، لقد عبرت عن اقتناعي الداخلي، ~~وإن ms296 كان بحيوية ووضوح أكبر كثيرا مما كان يمكنني فعله، ~~وهو أن «الكون» لم ينشأ نتيجة للصدفة. غير أن الشك ~~المروع ينتابني دائما عما إذا كانت المعتقدات التي ~~يتوصل إليها عقل الإنسان، والذي تطور من عقل حيوانات ~~أدنى منه مرتبة، ذات أي قيمة أو يمكن الوثوق بها على ~~الإطلاق. هل يمكن لأحد أن يثق في معتقدات عقل قرد، إن ~~كان لمثل هذا العقل أي معتقدات؟ ثانيا، أعتقد أنه ~~يمكنني تقديم بعض الأدلة التي تدحض هذا القدر الضخم ~~من الأهمية وهو الذي تعزوه إلى أعظم رجالنا؛ فقد اعتدت ~~على أن أنظر إلى الرجال من المرتبة الثانية والثالثة ~~والرابعة على أن لهم أهمية عظيمة، وذلك على الأقل في ~~حالة العلم. وأخيرا، يمكنني أن أقدم الكثير من الأدلة ~~على أن الانتقاء الطبيعي قد ساهم، ولا يزال يساهم، في ~~تقدم الحضارة بقدر أكبر كثيرا مما يبدو أنك مستعد ~~للإقرار به. تذكر قدر الخطر الذي تعرضت له البلاد ~~الأوروبية قبل قرون قليلة فيما يتعلق بإخضاعها من قبل ~~الأتراك، ومدى سخافة مثل هذه الفكرة في الوقت الحاضر! لقد ~~تغلبت الأعراق الأكثر تحضرا التي تسمى بالأعراق ~~القوقازية على الأتراك وهزمتهم هزيمة نكراء في معركة ~~الكفاح من أجل البقاء. وإذا نظرنا إلى العالم في عهد ليس ~~بالبعيد، فسنجد عددا مهولا من الأعراق الأقل تحضرا قد ~~أبادتها الأعراق الأكثر تحضرا في جميع أنحاء العالم. ~~غير أنني لن أكتب أكثر من هذا، ولن أذكر النقاط الكثيرة ~~التي أثارت اهتمامي في كتابك. لقد استلزم الأمر بالفعل ~~أن أعتذر عن إزعاجك بانطباعاتي، وعذري الوحيد هو تلك ~~الإثارة العقلية التي كان كتابك هو السبب فيها. # أستأذنك يا سيدي العزيز أن أظل # صديقك المخلص والممتن # تشارلز داروين ~~[لم يتحدث والدي كثيرا في هذه الموضوعات، وما من شيء يمكنني أن ~~أساهم به من ذكرياتي عن محادثاته يمكن أن يضيف شيئا إلى ~~الانطباعات التي ذكرناها هنا بشأن موقفه تجاه الدين. غير أنه ~~يمكننا أن نعرف المزيد عن أفكاره من التعليقات العابرة التي نجدها ~~في خطاباته. (في هذا ms297 الإطار، نشر الدكتور أفلينج سردا لحوار له ~~مع أبي. وأعتقد أن قراء هذه النشرة («آراء تشارلز داروين ~~الدينية»، فري ثوت بابليشينج كامباني، 1883) قد يتوهمون أن ~~التشابه بين آراء أبي وآراء الدكتور أفلينج، أكثر مما كان عليه ~~بالفعل، وأنا أقول ذلك بالرغم من اقتناعي بأن الدكتور أفلينج عرض ~~انطباعاته عن آراء أبي بدقة كبيرة. لقد حاول أفلينج أن يوضح ~~أن مصطلح «لا أدري» ومصطلح «ملحد» مترادفان تقريبا، وأن ~~الملحد هو من لا يؤمن بإله، دون أن ينكر وجوده؛ ذلك أنه لا ~~يقتنع بوجود إله. وقد كانت ردود أبي تدل على تفضيله للموقف غير ~~العدائي للأدرية. ويبدو أن الدكتور أفلينج يرى (الصفحة 5) أن ~~غياب العدائية في آراء والدي لا يجعلها تختلف عن آرائه بنحو ~~جوهري. بالرغم من ذلك، فإنني أرى أن الاختلافات من هذا النوع ~~تحديدا هي التي تميز والدي تماما عن فئة المفكرين التي ~~ينتمي إليها الدكتور أفلينج).] # الفصل التاسع # | الحياة في داون # 1842-1854 # تسير حياتي كالساعة، وإنني مستقر في المكان الذي سوف ~~تنتهي فيه. # من خطاب إلى القبطان فيتزروي، أكتوبر، ~~1846 ~~[مع نيتي في رواية قصة نشأة كتاب «أصل الأنواع» رواية متصلة في ~~الفصول التالية، فقد أخرجت أهم الخطابات المتعلقة بذلك الموضوع من ~~ترتيبها الزمني الصحيح هنا ووضعتها مع بقية المراسلات المتصلة ~~بنفس الموضوع؛ وهكذا لن نحصل في المجموعة الحالية من الخطابات إلا ~~على إشارات من حين لآخر عن نشأة رؤى أبي فيما يتعلق بهذا ~~الموضوع، ولنا أن نعتبر أننا نرى حياته هنا كما ربما رآها أولئك ~~الذين لم يكن لديهم علم بالنشوء الهادئ لنظريته عن التطور أثناء ~~هذه الفترة. # في 14 سبتمبر عام 1842، غادر أبي لندن مع أسرته واستقر في داون. ~~وقد ذكرت دوافعه لاتخاذ هذه الخطوة بالانتقال للريف في فصل السيرة ~~الذاتية باختصار. إنه يتحدث عن حضور اجتماعات الجمعيات العلمية ~~والواجبات الاجتماعية العادية قائلا إنها لا تناسب صحته «بالمرة ~~حتى إننا اعتزمنا العيش في الريف، وهو ما فضلناه ولم نندم عليه ~~قط.» وقد عبر عن نواياه لمواكبة الحياة ms298 العلمية في لندن في خطاب ~~إلى فوكس (ديسمبر، 1842)، قائلا : # أتمنى أن أحافظ على اتصالي برجال العلم وعلى حماسي ~~العلمي بالذهاب إلى لندن لليلة كل أسبوعين أو ثلاثة، ~~وذلك حتى لا أتحول تماما إلى كائن خامل. # وقد ظل محافظا على هذه الزيارات إلى لندن لسنوات عدة على حساب ~~بذل مجهود كبير من جانبه. وطالما سمعته يتحدث عن الرحلات ~~المضنية التي كان يقطع فيها عشرة أميال من كرويدن أو سيدنام أو ~~إليها - اللذين هما أقرب محطتين - مع بستاني عجوز يعمل كحوذي، ~~الذي كان يقود به بحذر وبطء بالغين في صعوده التلال العديدة ~~وهبوطه منها. لكن في السنوات اللاحقة، صار أي تواصل علمي منتظم ~~مع لندن ضربا من المستحيل، كما ذكر سلفا. # وكان اختيار داون ناتجا بالأحرى عن يأس لا عن تفضيل حقيقي؛ فقد ~~أعيا أبي وأمي البحث عن منزل، وهكذا، بدا لهم في النقاط الجاذبة في ~~المكان تعويضا إلى حد ما عن عيوبه الجلية بعض الشيء؛ فقد كان ~~على الأقل يلبي مبتغى ضروريا، ألا وهو الهدوء. لا شك أن العثور ~~على مكان أكثر عزلة وقريبا هكذا إلى لندن كان سيكون أمرا ~~عسيرا. في عام 1842 كان استقلال عربة لمسافة عشرين ميلا ~~تقريبا هو السبيل الوحيد للوصول إلى داون؛ وحتى الآن بعد أن صارت ~~السكك الحديدية أقرب لها، فإنها بمعزل عن العالم على نحو فريد، ~~وليس لديها ما يوحي بمجاورتها للندن إلا غيمة الدخان الغبشاء ~~التي تغشى السماء أحيانا. وتقع القرية في زاوية بين اثنين من ~~أكبر الطرق الرئيسية في الريف، اللذين يؤدي أحدهما إلى تونبريدج ~~والآخر إلى ويسترام وإدينبريدج. ويفصلها عن منطقة ويلد سلسلة من ~~التلال الطباشيرية المنحدرة في الجنوب، وتل شديد الانحدار، وهو ~~الذي صار الآن ممهدا عن طريق عمل نفق وجسر، لكن لا بد أنه ~~شكل في السابق عائقا أمام أي تقدم من ناحية لندن. في ظل ~~هذا الوضع، أمكن للقرية، التي لا تتصل بخطوط النقل الرئيسية إلا عن ~~طريق طرق حجرية ملتوية، أن تحافظ على شخصيتها المنعزلة. ولم يكن ms299 ~~من الصعب تصديق وجود مهربين وقوافل خيولهم المحملة وهم ~~يشقون طريقهم من قرى ويلد القديمة غير الخاضعة للقانون، وهي ~~التي كانت ذكراها ما زالت باقية حين استقر أبي في داون. وتقوم ~~القرية على أرض مرتفعة منزوية، على ارتفاع 500 إلى 600 قدم فوق ~~سطح البحر، وهي منطقة شحيحة من حيث جمال الطبيعة، لكنها تمتلك ~~سحرا خاصا مكمنه في الآجام، أو المساحات المتناثرة من ~~الغابات، التي تغطي الضفاف الطباشيرية وتطل على أراضي ~~الوديان الهادئة المحروثة. وتلك القرية، التي يأهلها 300 أو 400 من ~~السكان، تتألف من ثلاثة شوارع صغيرة من الأكواخ التي تلتقي لدى ~~الكنيسة الضئيلة المبنية من حجر الصوان. وهي مكان يندر فيه رؤية ~~وافدين جدد، والأسماء الواردة في الصفحات الأولى من السجلات ~~القديمة للكنيسة ما زالت معروفة في القرية. أما عن العباءات ~~الريفية، فهي لم تندثر تماما بعد، وإن كان يستخدمها في المقام ~~الأول «حملة التوابيت» في الجنازات كرداء رسمي، لكنني أتذكر تلك ~~العباءات، سواء الأرجواني منها أو الأخضر، وهي التي كان يرتديها ~~الرجال في الكنيسة حين كنت صبيا. # ويقع المنزل على بعد ربع ميل من القرية، وقد بني، شأن الكثير ~~من منازل القرن الماضي، قريبا قدر الإمكان من الطريق - الذي هو ~~عبارة عن مسار ضيق متعرج يؤدي إلى طريق ويسترام الرئيسي. وكان ~~المنزل في عام 1842 على قدر كبير من الكآبة وانعدام عناصر ~~الجاذبية؛ فقد كان مبنى مربعا من الطوب مكونا من ثلاثة ~~طوابق، مغطى بطلاء جيري أبيض وبلاط ناتئ من نوع رديء. أما ~~الحديقة فلم يكن بها أي من الشجيرات أو الأسوار التي تحيط بها ~~الآن، وكان يطل عليها من الطريق، وكانت مفتوحة ومقفرة وموحشة. ~~وكان من أولى المهام التي أقدم أبي عليها تخفيض الطريق بقدر ~~قدمين تقريبا، وبناء سور من حجر الصوان بامتداد ذلك الجزء ~~الذي يحد الحديقة منه. وقد استخدمت التربة التي استخرجت في ~~إنشاء هضاب ورواب حول المرج، والتي قد زرعت بنباتات دائمة ~~الخضرة، والتي تعطي الآن الحديقة طابعها المنعزل والمصون. # وقد جرى تعديل ms300 المنزل ليبدو أكثر أناقة وذلك بطلائه بالجص، لكن ~~التعديل الرئيسي الذي أدخل عليه كان بناء شرفة كبيرة ناتئة ممتدة ~~عبر الثلاثة طوابق. وقد صارت هذه الشرفة مغطاة بشبكة من النباتات ~~المتسلقة، وقد غيرت الجانب الجنوبي من المنزل تغييرا مبهجا. ~~أما غرفة الاستقبال بشرفتها المؤدية إلى الحديقة، وكذلك حجرة ~~المكتب التي كان أبي يعمل فيها خلال السنوات اللاحقة من حياته، فقد ~~أضيفتا في أوقات تالية. # بيع مع المنزل 18 فدانا من الأراضي، شكل 12 فدانا منها في ~~الناحية الجنوبية للمنزل حقلا جميلا، تفرقت فيه أشجار بلوط ~~ودردار كبيرة الحجم إلى حد ما. وقد اقتطعت مساحة من هذا الحقل ~~وحولت إلى حديقة للمطبخ، والتي أقيمت فيها قطعة الأرض المخصصة ~~للتجارب، وحيث أنشئت الصوبة الزراعية في نهاية الأمر. # الخطاب التالي الموجه إلى السيد فوكس (28 مارس، 1843) يوضح، من ~~بين أشياء أخرى، انطباعات أبي الأولى عن داون: # سأخبرك بكل ما يمكن أن يخطر على بالي من تفاصيل ~~تافهة تخصني. نحن الآن مشغولون بشدة باللبنة الأولى التي ~~وضعت أمس في الجزء الذي جرى إلحاقه بمنزلنا؛ وهكذا تجد ~~أيامي مشحونة بسبب هذا وبإقامة حديقة جديدة للمطبخ ~~ومشاريع أخرى متنوعة مزمعة. وأجد في كل هذا إضرارا ~~كبيرا بعملي الجيولوجي، لكنني أتقدم على مهل شديد في ~~كتابة عمل، أو بالأحرى كتيب، حول الجزر البركانية التي ~~زرناها: فلا أتدبر سوى ساعتين يوميا وذلك دون انتظام ~~حقيقي. إنها لمهمة عسيرة أن تكتب كتبا تتكلف مالا ~~لنشرها ولا يقرؤها حتى الجيولوجيون. لقد نسيت ما إن كنت ~~قد وصفت هذا المكان على الإطلاق: إنه منزل جيد، لكن قبيح ~~جدا، معه 18 فدانا، ويقع على أرض طباشيرية مسطحة، ~~على ارتفاع 560 قدما فوق سطح البحر. وتلوح مشاهد من ~~الريف البعيد والمنظر جميل إلى حد ما. إن ميزته ~~الرئيسية هي طابعه الريفي الشديد. أعتقد أنني لم أعهد من ~~قبل ريفا يفوقه في هدوئه الشديد. على بعد ثلاثة أميال ~~جنوبا يفصلنا جرف طباشيري كبير عن الأرض المنخفضة في ~~كنت، ولا تجد بيننا وبين الجرف قرية ms301 أو منزلا لأحد ~~السادة، وإنما فقط غابات شاسعة وحقول قابلة للزراعة ~~(الأخيرة بأعداد كبيرة لدرجة تثير الحزن)؛ ومن ثم، ~~فنحن قطعا نقف في أقصى حدود العالم. وتتقاطع أنحاء البلد ~~من خلال ممرات المشاة؛ لكن السطح الطباشيري طيني ودبق، ~~وهذه أسوأ سمات المنزل. كثيرا ما تذكرني الوديان ~~الحرجية والضفاف بكامبريدجشير وجولات السير معك إلى منطقة ~~تشيري هينتون، وغيرها من الأماكن، وإن كان المظهر العام ~~للمكان مختلفا للغاية. كنت أتفحص خزانتي المرتبة ~~(التي تضم البقايا الوحيدة التي حفظتها من كل حشراتي ~~الإنجليزية)، فأخذت أطالع بإعجاب خنفساء الصليب الأرضية؛ ~~من الغريب كيف تستدعي هذه الحشرة صورتك حية في ذهني، حين ~~قدمت إليك أول مرة، بينما كانت فان الصغيرة تهرول ~~وراءك. إن أيام العمل في مجال علم الحشرات تلك كانت سعيدة ~~جدا. إنني أقوى كثيرا بدنيا، لكنني لست أفضل حالا ~~بكثير في قدرتي على تحمل الإنهاك الذهني، أو بالأحرى ~~الإثارة، حتى إنني لا أقوى على تناول العشاء بالخارج أو ~~استقبال الزائرين، عدا الأقارب الذين أستطيع قضاء بعض ~~الوقت معهم بعد العشاء في صمت. # كنت أتمنى لو أستطيع هنا إعطاء فكرة عن المكانة التي شغلها أبي، ~~خلال هذه الفترة من حياته، بين رجال العلم وجمهور القراء عامة. ~~لكن المقالات النقدية المعاصرة لهذه الفترة قليلة ولا تفيد غرضي ~~بوجه خاص - الذي سيظل بالتالي غير متحقق - للأسف ~~الشديد. # إن كتابه «يوميات الأبحاث» كان الوحيد بين كتبه الذي أتيح له ~~فرصة أن يعرف بعض الشيء. لكن نشره مع سرد القبطانين كينج ~~وفيتزروي لرحلتيهما ربما حال دون اكتسابه لشهرة واسعة؛ ومن ~~ثم، فقد كتب له لايل عام 1838 («حياة لايل»، المجلد الثاني، ~~صفحة 43)، قائلا: «أؤكد لك أن أبي متحمس تماما بشأن يومياتك ... ~~وهو يوافقني الرأي أنها كانت ستباع بأعداد كبيرة لو كانت نشرت ~~بمفردها. وقد شعر بخيبة أمل حين سمع أن المجلدين الآخرين ~~سيعوقان شهرتها؛ فرغم أنه ما زال سيشتريها، فإنه خشي أن كثيرا ~~جدا من العامة سيحجمون عن ذلك.» ولم يرد في المقال النقدي الذي ~~جاء عن العمل ms302 في مجلة «ذي إدنبرة ريفيو» (يوليو، 1839) شيئا يجعل ~~القارئ يعتقد أنه سيجد اليوميات أكثر جذبا من المجلدين اللذين ~~صاحباها. وهي، في الواقع، لم تصبح معروفة على نطاق واسع حتى نشرت ~~وحدها في 1845. لكن يمكن الإشارة هنا إلى أن دورية «ذا كورترلي ~~ريفيو» (ديسمبر، 1839) في مقال نقدي لها عن العمل وجهت انتباه ~~قرائها إلى مزايا اليوميات بوصفها كتاب أسفار؛ حيث يتحدث كاتب ~~المقال عن «السحر الناشئ عن حيوية الروح المنطلقة في هذه الصفحات ~~البكر لمفكر رائع وملاحظ بصير وثاقب.» # تحدث مقال نقدي ظهر في العدد 12 من صحيفة «هايديلبيرج ياربوشير ~~دير ليتاتور»، عام 1847 - على نحو إيجابي عن الترجمة الألمانية ~~(1844) لليوميات - حيث يتحدث كاتبه عما يرسمه المؤلف «من لوحة ~~متنوعة الجوانب، يرسم عليها بألوان نابضة بالحياة العادات الغريبة ~~لتلك المناطق النائية بتفاصيلها الحيوانية والنباتية والجيولوجية ~~المميزة.» وقد كتب أبي في إشارة إلى الترجمة قائلا: «الدكتور ~~ديفينباخ ... ترجم كتابي إلى الألمانية، ولا بد أن أتباهى في ~~خيلاء شديدة بأن ذلك كان بتحفيز من ليبيخ وهومبولت.» # أما العمل الجيولوجي الذي يتحدث عنه في الخطاب الوارد أعلاه ~~إلى السيد فوكس، فقد انشغل به طوال عام 1843، ونشر في ربيع ~~العام التالي. وكان يحمل عنوان «ملاحظات جيولوجية حول الجزر ~~البركانية التي جرى زيارتها في رحلة سفينة جلالتها «البيجل» مع بعض ~~الملاحظات المختصرة حول الطبيعة الجيولوجية لأستراليا ورأس الرجاء ~~الصالح»، وقد شكل الجزء الثاني من سلسلة كتب ألفت حول ~~«جيولوجيا رحلة «البيجل»»، التي نشرت «بموافقة اللوردات ~~المفوضين عن وزارة الخزانة». إن الكتاب الذي يتناول «الشعاب المرجانية» يشكل الجزء الأول من السلسلة، ونشر، كما رأينا، في ~~عام 1842. ومن أجل القارئ غير المتخصص في الجيولوجيا أقتبس ~~كلمات البروفيسور جيكي # 1 # حول هذين الكتابين، اللذين كانا حتى هذا الوقت أهم ~~أعمال أبي الجيولوجية؛ حيث يتحدث عن عمل «الشعاب المرجانية» في ~~صفحة 17، قائلا: «هذه الأطروحة المشهورة، الأكثر أصالة بين كل ~~أبحاث كاتبها في علم الجيولوجيا، صارت إحدى كلاسيكيات الأدبيات ~~الجيولوجية. لقد أدى وجود تلك الحلقات البارزة من الصخور المرجانية ~~في وسط ms303 المحيط إلى تخمينات كثيرة، لكن لم يتوصل لحل مرض ~~للمسألة. وبعد زيارة المؤلف للعديد منها، وكذلك معاينة الشعاب ~~المرجانية الممتدة على أطراف بعض الجزر والقارات، تقدم بنظرية ~~تثير في كل قارئ الاندهاش من بساطتها وعظمتها. وإنه مما يبعث ~~على السرور، بعد انقضاء العديد من السنوات، أن يتذكر المرء البهجة ~~التي قرأ بها عمل «الشعاب المرجانية» أول مرة؛ وكيف شاهد الحقائق ~~وهي تنظم في أماكنها، دون تجاهل أي شيء أو التغاضي عنه ~~باستخفاف؛ وكيف انقاد، خطوة بخطوة، إلى الاستنتاج العظيم بشأن ~~وقوع هبوط محيطي واسع. لم يقدم للعالم من قبل نموذج لتطبيق ~~المنهج العلمي أجدر بالإعجاب من هذا، وحتى إن لم يكن داروين قد كتب ~~شيئا آخر، فالأطروحة وحدها كانت ستضعه في طليعة باحثي ~~الطبيعة.» # من المثير للاهتمام أن نرى في المقتطف التالي من أحد خطابات ~~لايل # 2 # تقبله لنظرية والدي بحماس وطيب خاطر. كذلك يتصادف ~~أن يعطي المقتطف أيضا فكرة عن النظرية نفسها. ~~«إنني مهتم جدا بنظرية داروين الجديدة عن الجزر المرجانية، ~~وقد ألححت على هيوويل حتى أجعله يقرؤها في اجتماعنا التالي. لا بد ~~أن أتخلى عن نظريتي عن الفوهات البركانية إلى الأبد، رغم ما ~~سيسببه لي ذلك من ألم في البداية؛ إذ إنها تفسر الكثير من ~~الأشياء؛ الشكل الحلقي، والبحيرة الشاطئية الوسطى، والارتفاع ~~المفاجئ لجبل معزول في بحر عميق؛ كل هذا كان مجاريا لفكرة ~~البراكين المغمورة والفوهية الشكل والمخروطية ... والحقيقة التي ~~مؤداها أننا في المحيط الهادئ الجنوبي بالكاد لدينا أي صخور ~~في مناطق الجزر المرجانية، عدا نوعين، البركانية والجيرية ~~المرجانية! إلا أن النظرية بأكملها قد أجهضت رغم كل ذلك، والشكل ~~الحلقي والبحيرة الشاطئية الوسطى لا علاقة لهما بالبراكين، ولا حتى ~~القاع فوهي الشكل. ربما أخبرك داروين حين كان في جزر الرأس الأخضر بما يعتبره السبب الحقيقي. إذا ما غمرت المياه أي جبل ~~تدريجيا، ونما المرجان في البحر الذي غرق فيه، فستكون هناك حلقة ~~من المرجان، وأخيرا لن يكون هناك سوى بحيرة شاطئية في الوسط. ~~لماذا؟ لنفس سبب نمو حاجز ms304 مرجاني من الشعاب بامتداد سواحل ~~معينة: أستراليا وغيرها. الجزر المرجانية هي آخر الجهود التي ~~بذلتها القارات الغارقة لترفع قممها فوق الماء. يمكن تتبع أثر ~~مناطق الارتفاع والهبوط في المحيط من خلال حالة الشعاب المرجانية.» ~~ليس هناك الكثير ليقال من ناحية النقد المعاصر المنشور؛ فالكتاب لم ~~يستعرض في دورية «ذا كورترلي ريفيو» حتى عام 1847، حين استقبل ~~على نحو إيجابي؛ إذ تحدث الكاتب عن شخصية العمل «الجسورة ~~والمبهرة»، لكن يبدو أنه كان يدرك حقيقة أن الآراء الواردة فيها ~~تلاقي قبولا بين الجيولوجيين عامة. في ذلك الوقت كانت عقول ~~الرجال أكثر استعدادا لتقبل هذا النوع من الأفكار الجيولوجية، ~~بل حتى قبل ذلك بعشرة أعوام، في عام 1837، يقول لايل: # 3 ~~«الناس الآن أكثر استعدادا بكثير لتصديق داروين حين ~~يقدم أدلة على ارتفاع جبال الأنديز ببطء، عما كانوا في عام ~~1830، حين صدمتهم بهذه الفكرة.» وتشير هذه الجملة للنظرية التي ~~جاءت بالتفصيل في ملاحظات أبي الجيولوجية عن أمريكا الجنوبية ~~(1846)، لكن لا بد أن التغير التدريجي في قدرة العقل الجيولوجي ~~على التقبل كان مؤاتيا لكل أعماله في مجال الجيولوجيا. غير أنه ~~يبدو أن لايل لم يتوقع في البداية على الإطلاق قبولا سريعا ~~لنظرية الشعاب المرجانية؛ وهكذا كتب إلى أبي خطابا عام 1837 قال ~~فيه: «ظللت لعدة أيام غير قادر على التفكير في أي شيء بخلاف ~~قمم القارات المغمورة، بعد كلمتك حول الشعاب المرجانية. إن كل ~~ما قلته صحيح، لكن لا تدع الزهو بنفسك يدفعك لتظن أنك ستلقى ~~تصديقا قبل أن يغزو الصلع رأسك مثلي، بالعمل الشاق والامتعاض ~~إزاء ارتياب العالم.» # الجزء الثاني من سلسلة الكتب التي تتناول «جيولوجيا رحلة ~~«البيجل»»؛ أي كتاب «الجزر البركانية»، الذي يعنينا بوجه خاص ~~الآن، لا يمكن وصفه بشيء أفضل من الاقتباس من كلام البروفيسور جيكي ~~مرة أخرى (صفحة 18): ~~«هذا العمل المليء بالملاحظات المفصلة لا يزال أفضل ~~مرجع فيما يتعلق بالتركيب الجيولوجي العام لأغلب المناطق ~~التي يصفها. في الزمن الذي كتب فيه كانت «نظرية فوهة ~~الارتفاع» مقبولة بوجه عام، في أوروبا على الأقل، ms305 رغم ~~معارضة كونستا بريفو وسكروب ولايل لها. فإن داروين لم ~~يستطع تقبلها باعتبارها تفسيرا سليما للواقع؛ ورغم أنه ~~لم يشارك معارضيها الرئيسيين في وجهة نظرهم، وأقدم على ~~تقديم نظرية خاصة به، فالملاحظات التي قام بها ووصفها ~~بحيادية في هذا الكتاب يجب النظر لها باعتبارها قد ساهمت ~~في الوصول لحل نهائي للمسألة.» ويكمل البروفيسور جيكي ~~كلامه قائلا (صفحة 21): «إنه أحد أوائل الكتاب الذين ~~أدركوا حجم التعرية التي تعرضت لها حتى التراكمات ~~الجيولوجية الحديثة. وأحد أروع الدروس المستخلصة من ~~بيانه عن الجزر البركانية هو الدرجة الهائلة التي تعرت ~~بها ... وقد مال إلى أن ينسب هذا إلى البحر أكثر مما قد يرى ~~أغلب الجيولوجيين الآن؛ لكنه عاش حتى عدل آراءه ~~الأصلية، وإن أقواله الأخيرة في هذا الموضوع مواكبة للعصر ~~تماما.» # ويعبر أبي عن تقديره لعمله في هذا الاقتباس من أحد خطاباته ~~إلى لايل؛ إذ يقول: «لقد أسعدتني كثيرا بقولك إنك تنوي الاطلاع ~~على كتابي «الجزر البركانية». لقد استغرق ثمانية عشر شهرا! وسمعت ~~أن قليلا جدا من قرءوه. وأنا الآن أشعر أنه مهما كان التأييد ~~قليلا (وهو قليل فعلا) للعمل القديم، أو الجديد، فسيترك جهدي ~~أثرا ولن يضيع.» # ويمكن هنا ذكر كتابه الثالث في الجيولوجيا، «ملاحظات جيولوجية ~~عن أمريكا الجنوبية»، رغم أنه لم ينشر حتى عام 1846. «في هذا ~~العمل، ضمن المؤلف كل المواد التي جمعها لشرح الطبيعة ~~الجيولوجية لأمريكا الجنوبية، ما عدا بعضا منها الذي نشر في ~~موضع آخر. إحدى أهم سمات الكتاب كان الدليل الذي تقدم به ~~لإثبات الارتفاع البطيء المتقطع لقارة أمريكا الجنوبية خلال فترة ~~جيولوجية حديثة.» # 4 # وقد كتب أبي إلى لايل متحدثا عن هذا الكتاب، فقال: «سيقع كتابي ~~في نحو 240 صفحة، وسيكون مملا لدرجة رهيبة، لكن مكثفا للغاية. ~~وأعتقد أنك، متى تسنى لك الوقت لتصفحه، فستجد أن مجموعة ~~الحقائق المتعلقة بارتفاع الأرض وتكون الشرفات جيدة إلى حد ~~ما.» # وقد علق البروفيسور جيكي على أعماله المتميزة في مجال ~~الجيولوجيا ككل، مع الإشارة إلى أنها لم تكن «مبشرة بعهد جديد ~~كأبحاثه ms306 البيولوجية»؛ فيقول إنه «أعطى دفعة قوية» للترحيب العام ~~بأفكار لايل «من خلال الطريقة التي جمع بها حقائق من شتى أجزاء ~~العالم لدعمها.» ~~(1) عمله في الفترة من 1842 إلى 1854 # يمكن تقسيم العمل الذي أنجز خلال هذه السنوات بوجه عام ~~إلى فترة خاصة بالجيولوجيا من 1842 حتى 1846، وأخرى خاصة بعلم ~~الحيوان من 1846 لما بعده. # أقتبس هنا من مذكراته ملاحظاته عن الوقت الذي قضاه في كتبه ~~في الجيولوجيا وكتابه «يوميات الأبحاث». ~~«الجزر البركانية». من صيف عام 1842 حتى يناير ~~1844. ~~«ملاحظات جيولوجية عن أمريكا الجنوبية». من ~~يوليو 1844 حتى أبريل 1845. # الطبعة الثانية من كتاب «يوميات الأبحاث». من ~~أكتوبر 1845 حتى أكتوبر 1846. # إن الوقت بين أكتوبر 1846 وأكتوبر، 1854، كرس تقريبا للعمل ~~على هدابيات الأرجل (البرنقيلات)؛ ونشرت جمعية راي النتائج ~~في مجلدين في عامي 1851 و1854. ونشرت جمعية علم الحفريات ~~التصويري مجلديه عن حفريات هدابيات الأرجل في عامي 1851 ~~و1854. # سترد بعض المعلومات عن هذه المجلدات لاحقا. # يمكن وضع الأعمال الصغيرة معا، بصرف النظر عن ~~الموضوع. ~~«ملاحظات حول تركيب، إلخ، جنس الدودة السهمية»، مجلة «أنالز ~~أوف ناتشورال هيستوري»، المجلد 13، عام 1844، الصفحات ~~1-6. ~~«وصف مختصر لعدة ديدان مسطحة أرضية، إلخ»، مجلة «أنالز أوف ~~ناتشورال هيستوري»، المجلد 14، عام 1844، الصفحات ~~241-251. ~~«بيان عن الغبار الذي يسقط عادة على السفن في المحيط ~~الأطلنطي»، دورية «جيولوجيكال سوسيتي جورنال»، المجلد الثاني، ~~عام 1846، الصفحات 26-30. (جدير بالذكر أن ثمة جملة مثيرة ~~للاهتمام في هذه الورقة البحثية تدل على إدراك المؤلف لأهمية ~~كل وسائل التوزيع: «الحقيقة التي مؤداها أن جسيمات بهذا الحجم ~~جلبت لمسافة 330 ميلا على الأقل من البر لهي أمر مثير ~~للاهتمام وذلك فيما يخص توزيع النباتات اللازهرية.») ~~«عن الطبيعة الجيولوجية لجزر فوكلاند»، دورية «جيولوجيكال ~~سوسيتي جورنال»، المجلد الثاني، عام 1846، الصفحات ~~267-274. ~~«حول نقل الجلاميد التي جرفتها الأنهار الجليدية، إلخ»، ~~دورية «جيولوجيكال سوسيتي جورنال»، المجلد الرابع، عام 1848، ~~الصفحات 315-323. # مقال «الجيولوجيا» في كتاب «دليل ديوان البحرية للاستقصاء ~~العلمي» (1849)، الصفحات 156-195. كتب هذا المقال في ربيع ~~1848. ~~«حول حفريات الليباديديات # Lepadidae # البريطانية»، ms307 دورية ~~«جيولوجيكال سوسيتي جورنال»، المجلد السادس، 1850، الصفحتان ~~439-440. ~~«مقارنة تركيب بعض الصخور البركانية مع تركيب الأنهار ~~الجليدية»، دورية «إدنبرة رويال سوسيتي بروسيدينجز»، المجلد ~~الثاني، عام 1851، الصفحات 17-18. # وقد تكرم البروفيسور جيكي بإعطائي انطباعاته (في خطاب بتاريخ ~~نوفمبر 1885) عن مقال أبي في «دليل ديوان البحرية للاستقصاء ~~العلمي»، حيث يذكر النقاط التالية باعتبارها السمات المميزة ~~للعمل: ~~(1) # سعة كبيرة في الرؤية. لا يمكن لشخص لم يدرس ~~المسائل التي نوقشت دراسة عملية أو يفكر فيها ~~تفكيرا عميقا أن يكتبه. ~~(2) # نفاذ البصيرة الواضح للغاية فيما يتعلق بكل ما ~~قدمه السيد داروين. الطريقة التي يعرض بها خطوط ~~الاستقصاء التي ستحل المشكلات الجيولوجية من ~~السمات المميزة له بدرجة كبيرة. بعض هذه الخطوط ~~لم يجر اتباعها على نحو ملائم قط؛ لذا فقد كان ~~سابقا لعصره بشأنها. ~~(3) # معالجة ممتعة ومثيرة للاهتمام؛ فالمؤلف يجعل ~~القراء في حالة من الانسجام معه في الحال؛ حيث ~~إنه يعطيهم معلومات كافية حتى يروا مدى بهجة ~~المجال الذي يدعوهم للانخراط فيه، وحجم ما قد ~~يحققونه في إطاره. ويوجد مخطط واسع للموضوع ~~يستطيع أي شخص اتباعه، وهناك تفاصيل كافية ~~لتوجيه أي مبتدئ وإرشاده ووضعه على المسار ~~الصحيح. # لقد تقدمت الجيولوجيا بالتأكيد بخطوات واسعة منذ عام ~~1849، وكان المقال، إن كتب الآن، فسيحتاج لإيلاء الاهتمام ~~لفروع أخرى من الاستقصاء، وتعديل الجمل التي لا تعد دقيقة ~~تماما الآن؛ إلا أن أغلب النصائح التي يقدمها السيد داروين ~~لا تزال ضرورية وقيمة الآن كما كانت حين قدمها. ومن ~~الغريب ملاحظة ما لديه من بديهة سديدة في تبني المبادئ التي ~~صمدت أمام تحدي الزمان. # قال أبي في خطاب إلى لايل (1853): «لقد كان هناك بحث قدمه ~~دكتور ساذرلاند، المتخصص في منطقة القطب الشمالي، حول فعل ~~الجليد، والذي قد قرأت ملخصه فقط، لكنني أعتقد أنه ذو ~~محتوى جيد جدا. وكان من دواعي سروري الشديد أن أعرف أنه ~~كتب بسبب كتاب «دليل ديوان البحرية للاستقصاء ~~العلمي».» # لإعطاء فكرة عن الحياة المنعزلة التي بدأها أبي في داون في ~~ذلك الحين، سأعرض من مذكراته الفترات القصيرة التي ms308 غاب خلالها ~~عن البيت بين خريف 1842، حين جاء إلى داون، ونهاية ~~1854. # 1843، يوليو: أسبوع في مير وشروزبيري. # 1843، أكتوبر: اثنا عشر يوما في شروزبيري. # 1844، أبريل: أسبوع في مير وشروزبيري. # 1844، يوليو: اثنا عشر يوما في شروزبيري. # 1845، 15 سبتمبر: ستة أسابيع، «شروزبيري، ~~ولينكنشير، ويورك، ورئيس كاتدرائية مانشستر، ~~والسيد ووترتون، وضيعة تشاتسوورث». # 1846، فبراير: أحد عشر يوما في ~~شروزبيري. # 1846، يوليو: عشرة أيام في شروزبيري. # 1846، سبتمبر: عشرة أيام في ساوثامبتون، إلخ، من أجل ~~الجمعية البريطانية. # 1847، فبراير: اثنا عشر يوما في ~~شروزبيري. # 1847، يونيو: عشرة أيام في أكسفورد، إلخ، من أجل ~~الجمعية البريطانية. # 1847، أكتوبر: أسبوعان في شروزبيري. # 1848، مايو: أسبوعان في شروزبيري. # 1848، يوليو: أسبوع في سوونيدج. # 1848، أكتوبر: أسبوعان في شروزبيري. # 1848، نوفمبر: أحد عشر يوما في شروزبيري. # 1849، من مارس إلى يونيو: ستة عشر أسبوعا في ~~مولفرن. # 1849، سبتمبر: أحد عشر يوما في برمينجهام من أجل ~~الجمعية البريطانية. # 1850، يونيو: أسبوع في مولفرن. # 1850، أغسطس: أسبوع في ليث هيل، في منزل أحد ~~الأقارب. # 1850، أكتوبر: أسبوع في منزل قريب آخر. # 1851، مارس: أسبوع في مولفرن. # 1851، أبريل: تسعة أيام في مولفرن. # 1851، يوليو: اثنا عشر يوما في لندن. # 1852، مارس: أسبوع في راجبي وشروزبيري. # 1852، سبتمبر: ستة أيام في منزل أحد الأقارب. # 1853، يوليو: ثلاثة أسابيع في إستبورن. # 1853، أغسطس: خمسة أيام في معسكر الجيش في ~~تشوبهام. # 1854، مارس: خمسة أيام في منزل أحد ~~الأقارب. # 1854، يوليو: ثلاثة أيام في منزل أحد الأقارب. # 1854، أكتوبر: ستة أيام في منزل أحد الأقارب. # سنلاحظ أنه غاب عن المنزل ستين أسبوعا خلال اثني عشر ~~عاما. لكن لا بد أن نتذكر أن كثيرا من الوقت المتبقي الذي ~~قضاه في داون ضاع بسبب اعتلال صحته.] ~~(2) الخطابات # من تشارلز داروين إلى آر فيتزروي # داون [31 مارس، ~~1843] # عزيزي فيتزروي # أمس قرأت، في دهشة وحماس شديد، خبر تعيينك ~~حاكما لنيوزيلاندا. لا أعلم إن كان علي أن أهنئك ~~على ذلك، لكن أعلم يقينا أنني لا بد أن أهنئ ~~المستعمرة، على فوزها بهمتك ونشاطك. إنني في غاية ~~التلهف لمعرفة ما إذا كان الخبر صحيحا؛ فلا يسعني ~~احتمال خواطر مغادرتك البلاد دون أن أراك ثانيا؛ ~~فكثيرا ما ms309 يراود الماضي ذاكرتي، وأشعر أنني أدين لك ~~بكثير من بهجتي الماضية، والمصير الذي آلت إليه حياتي ~~بالكامل، الذي كنت سأجد فيه غاية الرضا (لو كانت حالتي ~~الصحية أشد بأسا). وما من مرة ذهبت فيها إلى لندن ~~خلال الثلاثة الشهور الماضية إلا ولدي نية الزيارة على ~~أمل رؤية السيدة فيتزروي ورؤيتك؛ لكنني أجد، لسوء حظي ~~الشديد، أن الانفعال البسيط الناتج عن الخروج من نظام ~~حياتي بالغ الهدوء يصيبني بالإرهاق الشديد عامة، حتى ~~إنني بالكاد أستطيع فعل أي شيء حين أكون في لندن، بل ~~حتى إنني لم أستطع حضور أحد الاجتماعات المسائية ~~للجمعية الجيولوجية. بخلاف ذلك، أنا على خير ما يرام، وكذلك، حمدا لله، زوجتي والطفلان. إن العزلة ~~الشديدة التي تلف هذا المكان تناسبنا تماما، وإننا ~~مستمتعون بحياتنا الريفية للغاية. لكنني أكتب أمورا ~~تافهة عني، بينما لا بد أن ذهنك ووقتك مشغولان تماما. ~~ما أرمي إليه في كتابتي إليك هو أن أرجوك أنت أو ~~السيدة فيتزروي أن تتفضلا بإرسال خطاب قصير تقول لي ~~فيه ما إن كان الأمر صحيحا أم لا، وما إن كنت ستسافر ~~قريبا. سوف آتي الأسبوع القادم ليوم أو اثنين، فهل ~~يمكنك مقابلتي ولو حتى لخمس دقائق، إذا جئت مبكرا ~~صباح يوم الخميس؛ أي في التاسعة أو العاشرة، أو في ~~أي ساعة تكون قد أنهيت فيها فطورك (إن كنت ~~تبكر في الاستيقاظ كما كنت تفعل في أثناء قيادتك ~~للسفن)؟ أرجوك أن توصل أطيب تحياتي إلى السيدة ~~فيتزروي، التي أثق أنها تستطيع التطلع لرحلتها ~~الطويلة بشجاعة. # لك مني خالص الود يا عزيزي فيتزروي # الممتن لك بصدق دائما # تشارلز داروين ~~[قد يستحق اقتباس من خطاب آخر (1846) إلى فيتزروي أن أعرضه، ~~حيث يبرهن على حبه الشديد لقبطانه العجوز. ~~«وداعا يا عزيزي فيتزروي، كثيرا ما أفكر في الأفعال ~~الكثيرة التي تنم عن الكرم والطيبة التي أسديتها إلي، ~~وبخاصة تلك المرة، التي لا شك أنك نسيتها تماما، قبل الوصول ~~إلى ماديرا، حين جئت وأعددت أرجوحتي الشبكية بيديك، وهو ما ~~سمعت فيما بعد أنه أجرى ms310 الدموع في مقلتي أبي».] # من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس ~~[داون، 5 سبتمبر، ~~1843] # صباح الاثنين # عزيزي فوكس # حين أرسلت بحث الأنهار الجليدية، كنت في طريقي ~~للخارج، لذلك لم يكن لدي وقت للكتابة. أرجو أن ~~يستمتع صديقك بجولته بقدر ما استمتعت (وأتمنى لو ~~كنت ذاهبا معه إلى هناك)؛ فقد كانت بمنزلة رواية ~~جيولوجية. لكن لا بد أن يتحلى صديقك بالصبر؛ فهو لن ~~يحظى بالقدرة على ملاحظة الأنهار الجليدية قبل بضعة ~~أيام؛ فقد خاض موركيسون والكونت كايزرلينج شمال ويلز ~~مسرعين في الخريف نفسه ولم يستطيعا رؤية أي شيء ~~سوى آثار الأمطار المنسابة فوق الصخور! وقد ناقشت ~~موركيسون قليلا، فبدا لي واضحا أنه لم يمعن النظر في ~~أي شيء. لدي «يقين» إزاء تأثير الأنهار الجليدية في ~~شمال ويلز. إن استمر هذا الطقس، فلتشحذ طاقتك، واذهب ~~في جولة في ويلز؛ فإن مناظرها البديعة كفيلة أن تفيد ~~قلب المرء وجسده. ليتني كانت لدي الطاقة لآتي إلى ~~ديلامير وأذهب معك؛ لكن هذا في عداد المستحيل، كما ~~ترى. أعتقد أنني إذا ذهبت في رحلة فستكون إلى ~~اسكتلندا، بحثا عن المزيد من الطرق المتوازية؛ فقد ~~قضت أبحاث أجاسي عن فعل الجليد على نظريتي البحرية عن ~~هذه الطرق لبعض الوقت، لكنها عادت الآن للحياة مرة ~~أخرى ... # الوداع - لقد شارف العمل على الانتهاء - حيث رحل ~~جميع العمال تقريبا، والحصى مرصوص في الممرات. السلام ~~عليك يا مريم! يا للطريقة التي تتبدد بها النقود! ~~فإغراءات الترف التي في الريف تعادل ضعف تلك الموجودة ~~في لندن. إلى اللقاء. # المخلص # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون [1844؟] ~~... لقد قرأت أيضا كتاب «بقايا» [أي، كتاب «بقايا ~~التاريخ الطبيعي للخلق» والذي نشر بدون ذكر اسم مؤلفه ~~في عام 1844، وثمة اعتقاد جازم بأن مؤلفه كان ~~الراحل روبرت تشيمبيرز.] لكنني وجدت فيه متعة أقل مما ~~وجدت كما يبدو لي؛ فالكتابة والتنظيم جديران بالإعجاب ~~بالتأكيد، لكن أرى الجانب الجيولوجي سيئا، والجانب ~~الخاص بعلم الحيوان أسوأ كثيرا. سأكون في غاية ~~الامتنان، إذا استطعت في أي وقت ms311 فيما بعد أو متى ~~أتيح لك وقت فراغ أن تخبرني بما تستند إليه في ~~اعتقادك المريب بأن خيال الأم يؤثر على الابن. [هذه ~~إشارة إلى حالة إحدى قريبات السير جيه هوكر، التي ~~أصرت على أن الشامة التي ظهرت لدى أحد أطفالها، ~~كانت نتيجة الذعر الذي اعتراها، قبل ولادة الطفل، إثر ~~تلطيخها بحبر الحبار نسخة من كتاب تيرنر «كتاب ~~الدراسات»، التي أعيرت لها مع تشديدات على توخي ~~الحذر.] لقد أحطت بالأقوال المتعددة المتناثرة حول ~~هذا الموضوع، لكنني لا أعتقد أن الأمر يعدو مجرد ~~مصادفات عابرة. دبليو هانتر أخبر أبي، حين كان في أحد ~~مستشفيات الولادة، أنه قد سأل الأمهات في حالات ~~كثيرة، «قبل مخاضهن»، إن كان أي شيء قد أثر على ~~خيالهن، ودون الإجابات؛ ولم تصدق ولو حالة واحدة، ~~رغم أنه حين كان يظهر على الطفل أي شيء مميز، كن ~~فيما بعد يلوين عنق الحقيقة. يبدو أن التوالد تسيطر ~~عليه قوانين متشابهة في المملكة الحيوانية بأسرها، ~~حتى إنني آبى بشدة [أن أصدق] ... # من تشارلز داروين إلى جيه إم هربرت # داون [1844 أو ~~1845] # عزيزي هربرت # سرني للغاية أن أرى خطك وأسمع بعض الأخبار عنك. ~~ورغم أنك لا تستطيع أن تأتي إلى هنا هذا الخريف، فإنني ~~أرجو حقا أن تأتي أنت والسيدة هربرت في الشتاء، وسوف ~~نتبادل الكثير من الأحاديث عن الأيام الخوالي، ونستمع ~~إلى الكثير من موسيقى بيتهوفن. # لدي القليل أو بالأحرى لا شيء لأقوله عن نفسي؛ ~~فالحياة تسير بنا كالساعة، وبالطريقة التي قد يعتبرها ~~أغلب الناس في غاية الملل. مؤخرا كنت أكدح كدحا ~~شديدا في تأليف كتابي عن الملاحظات الجيولوجية الخاصة ~~بأمريكا الجنوبية، مسببا الاضطراب لجهازي الهضمي ~~البائس، والشكر للرب؛ فقد أنجزت ثلاثة أرباعه. ما ~~زالت الكتابة بلغة إنجليزية بسيطة تزداد عسرا علي، ~~ولا يمكنني التمكن منها قط. أما زعمك أنك ستقرأ ~~أوصافي الجيولوجية على ما فيها من ملل شديد، فدع عن ~~روحي هذا البلسم الخداع؛ فهو غير معقول. لقد اكتشفت ~~منذ زمن بعيد أن الجيولوجيين لا يقرءون أعمال بعضهم ~~البعض، ms312 وأن الهدف الوحيد من تأليف أي كتاب هو إعطاء ~~دليل على الجدية، وأنك لا تكون أفكارك بدون تكبد ~~مشقة من نوع ما. صارت الجيولوجيا شفهية للغاية في ~~الوقت الحاضر، وما أقوله صحيح تماما إلى حد كبير. ~~لكنني أدخلك في مناقشة طويلة كطول أحد فصول هذا ~~الكتاب الممل. # لقد زرت شروزبيري مؤخرا، ووجدت أبي في حالة من ~~الصحة والبشاشة لدرجة مدهشة. # لك مني كل الصدق يا صديقي العزيز ~~الغالي # المخلص لك دائما # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، الاثنين [10 فبراير، ~~1845] # عزيزي هوكر # إنني في غاية الامتنان على خطابك اللطيف جدا؛ كان ~~تصرفا في غاية الكرم أن تفكر في كتابة خطاب طويل ~~إلي، في خضم انشغالك العلمي والطبي. إنني مندهش مما ~~سمعته من أخبارك، ولا بد أن أحزن على رأيك «الحالي» ~~في منصب الأستاذية المعروض عليك [إذ كان مرشحا ~~لمنصب أستاذ علم النبات في جامعة إدنبرة]، وإنني ~~أستهجن الأمر بإخلاص شديد من جانبي. ثمة شيء ~~مخيف جدا في أن يفصل بيننا عدة مئات من الأميال، رغم ~~أننا لم نلتق كثيرا حين كنا أكثر قربا أحدنا من الآخر. لن ~~تصدق كم يعتريني من أسف بالغ على الفرصة الحالية ~~المعروضة عليك؛ فقد كنت أتطلع إلى أن نتقابل كثيرا ~~خلال حياتنا. يا لها من خيبة أمل كبيرة! ومن وجهة ~~نظر أنانية محضة؛ إذ إنك تساعدني في عملي، أجد ~~خسارتك لا تعوض حقا. لكن من ناحية أخرى، لا ~~يساورني شك أنك ترى هذه الفرصة بعين يائسة، بدلا من ~~أن تراها بنظرة مشرقة. بالطبع ثمة مزايا عظيمة، ~~مثلما هناك مساوئ؛ فالمنصب ذو مكانة رفيعة، ويبدو لي ~~حقا أن هناك الكثير جدا من الأساتذة غير ~~المبالين، والقليل جدا من الأساتذة المساعدين، حتى ~~إنها لميزة كبرى، من منظور علمي بحت، أن يشغل شخص ~~جيد منصبا يؤدي بالآخرين إلى الانتباه إلى عمله. ~~لقد نسيت ما إن كنت درست في جامعة إدنبرة طالبا، ~~لكن حين كنت هناك كان يوجد مجموعة من الرجال أبعد ما ~~يكونون عن ms313 المستمعين اللامبالين والبلداء الذين ~~تتوقعهم في جمهورك. تأمل أي سعادة وشرف أن تكون ~~عالم نبات بارزا؛ فبما لديك من استعداد ستكون ~~للجميع مثلما كان هنزلو لي ولآخرين في كامبريدج، أطيب ~~صديق وموجه. كذلك ستستمتع هناك بحديقة غناء، ~~ومكتبة عامة ثرية. حقا، إن فوربس دائم التحسر على ~~المزايا المتوفرة في العمل في إدنبرة، فلتفكر في ~~الميزة التي لا تقدر بثمن في أن تكون على بعد ~~مسافة قصيرة تقطع سيرا على الأقدام من تلك الصخور ~~والتلال والشطآن الرملية الرائعة القريبة من إدنبرة! ~~بالتأكيد، لا أستطيع أن أعبر عن حزني لسفرك أكثر ~~من ذلك، وإن كنت أرثي نفسي بشدة على فقدانك. بالطبع، ~~سيصير التدريس، خلال عام أو اثنين، بقدرتك «الجبارة» ~~على العمل (مهما داخلتك رغبة في أن تقول العكس) أمرا ~~سهلا، وسيتاح لك وقت معقول من أجل دراسة نباتات ~~القطب الجنوبي ونظرياتك العامة عن التوزيع. لو كنت ~~أعتقد أن اشتغالك أستاذا سيوقف عملك، لتمنيت أن يذهب ~~هو وكل عواقبه الدنيوية الطيبة إلى الجحيم. أعلم أنني ~~سأعيش حتى أراك المرجعية الأولى في أوروبا في هذا ~~المجال العظيم، الذي يكاد يكون حجر الأساس لقوانين ~~الخلق، ألا وهو التوزيع الجغرافي. حسنا، سيكون ~~ثمة عزاء واحد، وهو أنك ستكون في كيو، بلا شك، كل ~~عام، وهكذا سأنهي خطابي بالإعراب عن تهانئي القلبية ~~رغما عن رأيك. أشكرك على كل الأخبار التي نقلتها ~~إلي. يؤسفني ما سمعته عن تدهور حال هومبولت؛ لا ~~يسعني مغالبة الشعور، وإن كان بلا حق، بأن تلك النهاية ~~مهينة، حتى حين رأيته تكلم كلاما بعيدا كل البعد عن ~~المنطق. إن رأيته مرة أخرى، أرجوك أن تبلغه أسمى ~~وأرق تحياتي، وأخبره أنني لا أنسى مطلقا أن ~~المسار الذي أخذته حياتي كلها يرجع لقراءتي كتابه ~~«سرد شخصي» مرارا حين كنت شابا. كم هي صحيحة وسارة ~~كل ملحوظاتك حول لطفه؛ فلتتأمل كم فرصة ستسنح لك، ~~في مكانك الجديد، لتكون شخصا مثل هومبولت للآخرين. ~~فلتسأله حول النهر الذي في شمال شرق أوروبا، الذي ~~تختلف الحياة النباتية جدا على ضفتيه ms314 المتقابلتين. ~~لقد حصلت على نسخة كتاب ويلكس التي أرسلتها إلي ~~وقرأتها؛ يا له من كتاب ضعيف في المحتوى والأسلوب، ~~وكم قدم تقديما مبهرا! فلتكتب لي خطابا من ~~برلين. أشكرك أيضا على بروفات الطباعة، إلا أنني لم ~~أقصد ألواح بروفات الطباعة؛ فإنني أقدر قيمتها ~~لأنها توفر علي نسخ المقتطفات. الوداع يا عزيزي ~~هوكر، بقلب مثقل أتمنى لك السعادة في حياتك ~~المستقبلية. # صديقك المخلص # سي داروين ~~[اكتملت الطبعة الثانية من كتاب «يوميات الأبحاث» التي يشير ~~إليها الخطاب التالي، فيما بين 25 أبريل و25 أغسطس. ونشرها ~~السيد موراي في سلسلة «كولونيال أند هوم ليبراري»، وسرعان ما ~~بيعت بأعداد كبيرة في هذا الشكل الأكثر يسرا. # حتى وقت مفاوضاته الأولى مع السيد موراي لنشرها بهذا الشكل، ~~كان الأجر الوحيد الذي يتلقاه هو عدد كبير من نسخ أعماله، ~~ويبدو أنه كان سعيدا ببيع حق نشر الطبعة الثانية إلى السيد ~~مواري مقابل 150 جنيها. # إن نقاط الاختلاف بين هذه الطبعة والطبعة الأولى مثيرة ~~للاهتمام خاصة فيما يتعلق بنمو وجهات نظر المؤلف عن ~~التطور، وسوف تنظر فيما بعد.] # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون [يوليو، ~~1845] # عزيزي لايل # أرسل لك الجزء الأول من الطبعة الجديدة [من كتاب ~~«يوميات الأبحاث»]، التي أدين لك بها كاملة. سترى ~~أنني أقدمت على إهدائها إليك، وأعتقد أن هذا لا يمكن ~~أن يكون شيئا مزعجا. طالما تمنيت أن أعترف، على ~~نحو أكثر جلاء وليس بمجرد الإشارة، كم أدين لك في ~~مجال الجيولوجيا، ليس من أجلك بقدر ما هو لأجل ~~الأمانة العلمية. إلا أن من هم مثلك من المؤلفين، ~~الذين يثقفون عقول الناس وكذلك يعلمونهم حقائق ~~خاصة، لا يمكن أبدا، حسبما أعتقد، أن ينصفوا تماما ~~إلا بعد أجيال؛ فالعقل حين يرتقي هكذا بلا اكتراث ~~بالكاد يستطيع أن يدرك مدى ارتقائه لمستويات عليا. ~~كنت أنوي وضع هذا التقدير الراهن في الكتاب الثالث من ~~سلسلة كتبي عن الجيولوجيا في رحلة البيجل، لكن مبيعاته ~~قليلة للغاية حتى إنه ما كان سيمنحني رضا الاعتقاد ~~بأنني قد اعترفت بجميلك علي ms315 في حدود المتاح لي، حتى ~~إن كان ذلك بصورة ناقصة. أرجو ألا يأخذك الظن بأني من ~~الحماقة بحيث أفترض أن إهدائي قد يكافئك بأي طريقة، ~~إلا في حدود ما يداخلني من ثقة بأنك ستتلقاه بصفته ~~أصدق آيات العرفان والصداقة. أعتقد أنني حسنت هذه ~~الطبعة، خاصة الجزء الثاني، الذي انتهيت منه للتو. ~~لقد أضفت إضافة كبيرة عن أهل فويجو، وقللت النقاش ~~الممتد طويلا بلا هوادة حول المناخ والأنهار الجليدية ~~... إلخ، إلى النصف. لا أتذكر أنني أضفت للجزء الأول ~~أي شيء طويل طولا يستحق أن ألفت انتباهك إليه؛ ~~ثمة صفحة بها وصف لسلالة غريبة جدا من الثيران ~~في منطقة باندا أورينتال. أرجو أن تقرأ الصفحات ~~القليلة الأخيرة؛ حيث ثمة نقاش صغير حول ~~الانقراض، الذي قد لا تجده جديدا، رغم أنني وجدته ~~كذلك، وقد وضعت في ذهني كل الصعوبات المتعلقة بمسببات ~~الانقراض، في نفس الفئة مع الصعوبات الأخرى التي يغفل ~~عنها علماء التاريخ الطبيعي ويستخفون بها تماما في ~~العموم؛ إلا أنني كان لا بد أن أسترسل في نقاشي وأن ~~أبرهن بالحقائق، بأيسر طريقة ممكنة، كيف لا بد أن ~~أعداد كل الأنواع قد قلت باطراد. # لقد تلقيت أمس نسخة من كتابك «أسفار» [«أسفار في ~~أمريكا الشمالية» الذي يقع في مجلدين، وظهر في 1845.] ~~ويروق لي بشدة مظهره الخارجي ومحتواه؛ لم أقرأ سوى نحو ~~اثنتي عشرة صفحة ليلة أمس (حيث انتابني التعب من ~~إعداد الدريس)، لكنني رأيت ما يكفي لأدرك كم سيثير ~~اهتمامي «بدرجة كبيرة»، وعدد الفقرات التي سأخط ~~خطوطا تحتها. ويسعدني أنني وجدت لمحة جيدة عن ~~التاريخ الطبيعي؛ وسوف أدهش إن لم يبع بأعداد كبيرة ~~جدا ... # كم أشعر بالأسف حين يخطر لي أننا لن نراك هنا ثانية ~~لمدة طويلة؛ أرجو أن تسترخي قليلا قبل السفر، وتلتمس ~~يوما تنعم فيه بالنسيم العليل قبل أن تهب عليك نسمات ~~المحيط ... # صديقك للأبد # سي داروين # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، السبت [1 أغسطس، ~~1845] # عزيزي لايل # ظلت أمنية الكتابة إليك تراودني طوال الأسبوع ~~الماضي، لكنني استنفدت كل ما ms316 أوتيت من قوة في ~~الإعداد لنشر الجزء الثاني [من الطبعة الثانية من ~~«يوميات الأبحاث».] أسعدني خطابك كثيرا، بل أكثر مما ~~أسعدك إهدائي على ما أعتقد، وأشكرك شكرا جزيلا عليه. ~~لقد أثار عملك اهتمامي بشدة، وسأطلعك على انطباعاتي، ~~رغم أنني لم أكتب ملحوظات، ولا تجشمت عناء تذكر أي ~~انطباع معين عن ثلثي المجلد الأول؛ إذ لم يخطر لي ~~قط أنك قد تأبه لسماع ما يدور بخلدي بشأن الأجزاء ~~غير العلمية. أعتقد أن الانطباع الأول هو الأسف الذي ~~سيشاركني فيه الأغلبية (رغم أنني لم أر فعليا ~~مخلوقا منذ قراءته) لعدم عرض المزيد من [الأجزاء] ~~غير العلمية. أنا لست حكما جيدا؛ فأنا لم أقرأ ~~شيئا؛ أي شيئا غير علمي، عن أمريكا الشمالية، لكن ~~العمل ككل وجدته جديدا ومبتكرا وشائقا. لقد بدا ~~لذهني أن مناقشاتك تحمل الدليل الواضح على الفكر ~~الناضج، والاستنتاجات المستمدة من الحقائق التي ~~عاينتها بنفسك، وليس من آراء الأشخاص الذين قابلتهم؛ ~~وأعتقد أن هذا أمر نادر نسبيا. # أثار انزعاجي بشدة مناقشتك لمسألة العبيد؛ لكن حيث ~~إن اهتمامك برأيي في هذه النقطة يكاد يكون معدوما، ~~فلن أقول سوى أنها سببت لي ساعات من الأرق والضيق. ~~إن وصفك للحالة الدينية للولايات المتحدة على وجه ~~الخصوص أثار اهتمامي؛ فإنني في غاية الدهشة من جرأتك ~~الشديدة في مواجهة رجال الكهنوت. في فصل الجامعة، ~~تناولت رجال الكهنوت، بدلا من القائمين على ~~التعليم، بأقصى درجات القسوة والعدل، وأرى أن في هذا ~~جرأة شديدة؛ فأنا أحسب أنك ستكون في أمان أكثر إن ~~سحقت رأس أستاذ جامعي عجوز جامد الفكر عن أن تمس ~~إصبع أحد أفراد قطيع رجال الكهنوت. يا للنقيض الذي ~~تبدو عليه إنجلترا في مجال التعليم! وجدت دفاعك ~~(مستخدما المصطلح مثل المتدينين المتعصبين القدامى ~~الذين كانوا يقصدون أي شيء إلا الدفاع) عن المحاضرات ~~غاية في البراعة؛ لكن لو كانت لديك كل الحجج التي في ~~العالم إلى جانبك، فهي لن تساوي سلسلة واحدة من ~~محاضرات جيميسون في الجانب الآخر، التي حضرتها سابقا ~~بكل أسف. ورغم أنني قرأت عن ms317 «حقول الفحم في أمريكا ~~الشمالية»، فإنني حقا لم ألم قط ولو بالقليل ~~عن مساحتها، وسمكها وموقعها الملائم؛ لم يفاجئني في ~~كتابك شيء أكثر من هذا. # ثمة أجزاء قليلة وجدتها غير متجانسة، لكن لا ~~أعلم ما إذا كان ذلك ذا بال لدرجة ما أم لا. إلا أنني ~~افتقدت، لدرجة كبيرة، وجود بعض العناوين العامة ~~للفصول، كالمكانين أو الثلاثة الأماكن الرئيسية التي ~~قصدت على سبيل المثال. لا يحق لأحد أن يتوقع من ~~المؤلف أن يتبسط في كتاباته لمواكبة الجهل الجغرافي ~~المطبق لدى القارئ؛ لكنني لعدم معرفتي بأي من هذه ~~الأماكن، فقد عانيت من حين لآخر في تتبع مسارك. ~~أحيانا، في بداية أحد الفصول، وفي إحدى الفقرات، ~~تسلك مسارا عابرا كثيرا من الأماكن؛ أي شخص، ~~جاهل مثلي - إن كان هذا ممكنا - سيفضل أن يتجنب مثل ~~هذا الفصل المزعج. لقد نزعت خريطتك، ووجدت راحة ~~كبرى في ذلك؛ فإنني لم أستطع متابعة مسارك المنقوش. ~~أعتقد أن إضافة فراغات من سطر واحد هنا وهناك في ~~الطبعة الثانية، سيكون من قبيل التحسين. بالمناسبة، ~~أنسب لنفسي الفضل في التقليل من الطابع العلمي لكتابي ~~«يوميات الأبحاث» بكتابة كل أسماء الأنواع والأجناس ~~بالحروف الرومانية، كما أن الطباعة تبدو أفضل. تبدو لي ~~كل الصور رائعة، أما الخريطة فهي عمل جدير بالتقدير ~~في حد ذاته. إن كان كتابك «مبادئ» لم يحظ بما حظي به ~~من تقدير عام، كنت سأخشى أن المحتوى الجيولوجي في ~~هذا الكتاب سيكون كبيرا جدا بالنسبة للقارئ العادي؛ ~~وبالطبع تكفل الأسلوب الشديد الوضوح والسهولة بكل ~~ما كان يمكن فعله. من ناحيتي أرى أن الجانب الجيولوجي ~~كان ملخصا ممتازا ومختصرا على أكمل وجه ومبسطا ~~على نحو جيد لكل ما جرى في أمريكا الشمالية، وعلى ~~كل جيولوجي أن يدين لك بالامتنان. وقد بدا لي ملخص ~~الفصل الخاص بشلالات نياجرا الجزء الأروع، كذلك أثار ~~استعراضك لأصل تكوينات العصر السيلوري بالغ شغفي. لقد ~~ميزت عددا كبيرا جدا من الفقرات التي من شأنها ~~أن تفيدني فيما بعد. # بدت لي نظرية الفحم بأكملها جيدة جدا، ms318 لكن لا جدوى ~~من الاسترسال في التعديد على هذا المنوال. كنت أتمنى ~~لو كان هناك المزيد عن التاريخ الطبيعي؛ لكن راقت لي ~~«كل» الشذرات المتفرقة. ها قد أعطيتك الآن وصفا ~~دقيقا بخواطري، لكنها بالكاد ترقى لأن تقرأها ~~... # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، 25 أغسطس ~~[1845] # عزيزي لايل # هذا فعليا أول يوم يتاح لي فيه أي فراغ من ~~الوقت؛ وسوف أرفه عن نفسي بكتابة خطاب إليك ~~... # سررت بخطابك الذي تطرقت فيه إلى موضوع ~~العبودية؛ أتمنى لو كانت نفس المشاعر واضحة في نقاشك ~~المنشور. لكنني لن أكتب عن هذا الموضوع؛ فربما ~~أتسبب في تكديرك، وتكدير نفسي بكل تأكيد. لقد ~~نفست عن غضبي بفقرة أو اثنتين في كتابي «يوميات ~~الأبحاث» حول خطيئة العبودية في البرازيل. قد تعتقد أن ~~هذا رد عليك، لكن الأمر ليس كذلك. فلم أشر إلا لما ~~سمعته في ساحل أمريكا الجنوبية. إلا أن ما ذكرته من ~~جمل قليلة ما هو إلا فورة مشاعر؛ إذ كيف استطعت أن ~~تروي بهدوء شديد ذلك الشعور البغيض حيال فصل الأطفال ~~عن ذويهم [في الفقرة المقصودة، لم يكن لايل يعبر ~~عن وجهة نظره، وإنما وجهة نظر أحد المزارعين]، وفي ~~الصفحة التالية تتحدث عن شعورك بالأسى لعدم ازدهار ~~البيض؛ أؤكد لك أن التناقض حملني على الصراخ. ~~لكنني خالفت ما نويته، لذا سأكف عن هذا الموضوع ~~البغيض الممل. # ثمة مقال نقدي إيجابي عنك في دورية «ذا ~~جاردينرز كرونيكل»، لكنه ليس قويا بما يكفي. يؤسفني ~~أن أرى أن ليندلي يؤيد نظرية غاز حمض الكربونيك. ~~بالمناسبة، أسعدني للغاية اقتباس ليندلي لفقراتي ~~المتعلقة بالانقراض ووضعها دون اختصار. أعتقد أن وضع ~~الندرة النسبية لأنواع موجودة في نفس التصنيف مع ~~الانقراض قد أزاح عبئا كبيرا؛ ورغم أن هذا لا يفسر ~~أي شيء بالطبع، فهو يوضح أننا يجب ألا تعترينا أي ~~دهشة لعدم تفسير الانقراض إلى أن نستطيع تفسير الندرة ~~النسبية ... # سرني أيما سرور أن طلب منك عمل طبعة جديدة من ~~كتاب «مبادئ»؛ كم هي عظيمة الفائدة التي قدمها ذلك ~~العمل! أخشى ms319 أنك لن تكون بين الصخور القديمة هذه ~~المرة؛ كم يبهجني أن أعيش حتى أراك تنشر عن مرحلة ~~أخرى قبل مرحلة العصر السليوري وتكتشفها؛ ستكون أعظم ~~خطوة ممكنة، فيما أعتقد. إنني سعيد للغاية أيضا ~~لسماعي بالتقدم الذي أحرزه بانبري في علم الحفريات ~~النباتية؛ ثمة فجوة واضحة عليه أن يملأها في هذا ~~البلد. لا شك أنني سأزوره هذا الشتاء ... يمكنني أن ~~أصدق تماما كل ما تقوله عن مواهبه، من القليل ~~الذي رأيته منه. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # شروزبيري [1845؟] # عزيزي هوكر # تلقيت للتو خطابك الذي جعلني في دهشة شديدة، ~~وأثار بالغ حزني بحق. لم يساورني الشك للحظة واحدة ~~قط في نجاحك، وتصورت خاطئا أشد الخطأ أن تلك ~~الكفاءة كان مؤكدا أن يكتب لها النجاح. يخامرني ~~يقين راسخ أنه قريبا سيأتي اليوم حيث سيشعر بالخزي ~~أولئك الذين صوتوا ضدك [فيما يتعلق بكرسي أستاذية ~~علم النبات في جامعة إدنبرة]، إن كان بهم أي ذرة من ~~حياء أو ضمير، على السماح للسياسة بأن تعمي بصيرتهم ~~عن مؤهلاتك، تلك المؤهلات التي شهد بها هومبولت ~~وبراون! حسنا، لا بد أن يكون في تلك التزكيات عزاء ~~لك. يا للعار! تتناوبني مشاعر متعاقبة من الحنق ~~والنقمة. ولا أستطيع حتى أن أجد العزاء حين أفكر ~~أنني سوف أراك أكثر، وأنهل المزيد من المعرفة من ~~مخزونك المعرفي المنظم. أشعر بالسعادة حين يخطر لي ~~أنني، بعد قراءة القليل من خطاباتك، لم أشك مرة ~~واحدة في المكانة التي ستشغلها في النهاية بين علماء ~~النبات الأوروبيين. لا يمكنني التفكير في شيء آخر، ~~وإلا كنت سأريد أن أناقش معك كتاب «الكون». أرجو أن ~~تزورني أنا وزوجتي هذا الخريف في داون. سوف أكون في ~~داون في الرابع والعشرين من هذا الشهر، وحتى ذلك الحين ~~سأظل متنقلا من مكان لآخر. # عزيزي هوكر، فلتسمح لي أن أدعو نفسي # صديقك المخلص جدا # سي داروين # من تشارلز داروين إلى سي لايل # 8 أكتوبر [1845]، ~~شروزبيري ~~... كنت مؤخرا في جولة قصيرة لرؤية مزرعة ~~اشتريتها في لينكنشير، ثم ذهبت إلى يورك؛ ms320 حيث زرت ~~رئيس كاتدرائية مانشستر [المبجل دبليو هربرت]، صانع ~~الهجائن العظيم، الذي أعطاني معلومات مثيرة للاهتمام ~~للغاية. كذلك زرت ووترتون في ضيعة وولتن هول، ~~واستمتعت للغاية بزيارتي. إنه شخص مسل وغريب؛ ففي ~~عشائنا المبكر، تكونت صحبتنا من كاهنين ~~كاثوليكيين وسيدتين خلاسيتين! إنه يجاوز الستين ~~من العمر، ورغم ذلك ركض أمس حتى اصطاد أرنبا ~~صغيرا في حقل لفت. أما الضيعة، فهي عبارة عن منزل ~~قديم وفخم، وتعج البحيرة بالطيور المائية. بعد ذلك ~~رأيت تشاتسوورث، حيث فرحت بالصوبة الدافئة الكبيرة؛ ~~إنها تبدو تماما وكأنها جزء من غابة مدارية، حتى ~~إن رؤيتها جعلتني أفكر مسرورا في ذكريات ~~قديمة. أعطتني جولتي الصغيرة التي استغرقت عشرة أيام ~~شعورا رائعا بالقوة في حينها، لكن الآثار الطيبة لم ~~تستمر. ويؤسفني أن أقول إن زوجتي لا تستعد عافيتها، ~~أما الأطفال، فهم أمل الأسرة؛ فهم كلهم سعداء ~~وتملؤهم الحيوية وحب الحياة. لقد أثار اهتمامي بشدة ~~مقال سيجويك النقدي [المتعلق بكتاب «بقايا التاريخ ~~الطبيعي للخلق» الذي نشره في مجلة «ذي إدنبرة ريفيو»، ~~يوليو، 1845]؛ رغم أنني لم أجد له رواجا بين قرائنا ~~العلميين. أعتقد أن بعض فقراته يشي بالدوجماتية ~~المتصلة بالوعظ، بدلا من التناول الفلسفي اللازم ~~لمقعد الأستاذ الجامعي؛ ويبدو لي أن بعض سخريته جديرة ~~ب... في «ذا كورترلي ريفيو». رغم ذلك فهو عمل رائع من ~~المحاجة ضد قابلية الأنواع للتحول، وقد قرأته ~~خائفا مرتعدا، لكن أسعدني جدا أن أجد أنني لم ~~أغفل عن أي من الحجج الواردة فيه، رغم أنني ~~شرحتها لنفسي شرحا ركيكا. هل قرأت كتاب «الكون»؟ ~~إن الترجمة الإنجليزية رديئة، والأوصاف شبه ~~الميتافيزيقية السياسية في الجزء الأول بالكاد مفهومة؛ ~~لكن أعتقد أن النقاش الخاص بالبراكين جدير جدا ~~باهتمامك؛ فقد أدهشني بحيويته ومعلوماته. يؤسفني ما ~~وجدت من أن هومبولت عاشق لفون بوخ، بتصنيفه للبراكين، ~~وفوهات الارتفاع، إلخ؛ إلخ، والغلاف الجوي المتكون ~~من غاز حمض الكربونيك. إنه رجل غريب حقا. # أرجو أن أعود للديار خلال أسبوعين وأن أعكف على ~~كتابي الشاق عن جيولوجيا أمريكا الجنوبية حتى أنتهي ~~منه. سأكون في ms321 غاية اللهفة لسماع أخبارك من آل هورنر، ~~لكن لا تفكر في إضاعة وقتك بالكتابة إلي. لا شك ~~أننا سنفتقد زياراتك إلى داون، وسوف أشعر كأنني شخص ~~ضائع في لندن بدون «لقاءاتنا» الصباحية في شارع هارت ~~... # لك مني صادق ودائم الإخلاص يا عزيزي ~~لايل # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، فانبرا، كنت # الخميس، سبتمبر، 1846 # عزيزي هوكر # أرجو أن يلحق بك هذا الخطاب في كليفتون؛ فلم يحل ~~بيني وبين الكتابة إليك إلا أنني لم أكن على ما يرام، ~~وكذلك زيارة آل هورنر لي، وهو ما شغل وقتي بالكامل ~~بجانب بروفات الطباعة الكريهة. لا شك أنه قد مضى ~~وقت طويل منذ أن تبادلنا الخطابات، لكن اسمح لي أن ~~أخبرك أنني آخر من كتب، إلا أنني لا أستطيع أن ~~أتذكر عن ماذا، وإن كنت أعتقد أنه كان بعد قراءة ~~عملك الأخير [«نباتات القطب الجنوبي»]؛ حيث أرسلت ~~إليك خطاب مديح فريد من نوعه، مع الوضع في الاعتبار ~~أنه من رجل بالكاد يستطيع التفريق بين زهرة الأقحوان ~~وزهرة الهندباء البرية إلى عالم نباتات متمرس ~~... # لا أتذكر الأبحاث التي أعطتني هذا الانطباع، لكن ~~يرد على ذهني بثبات هذا البحث، الذي تقر بصحة ~~ما أقوله بشأنه، والذي يتعلق بالأهمية الصغيرة التي ~~يشكلها تركيب التربة الكيميائي بالنسبة للحياة ~~النباتية عليها. يا لها من حقيقة جازمة! تلك التي لفت ~~نظري إليها آر براون ذات مرة، عن كلسية نباتات معينة ~~هنا، وهي التي لا تكون كذلك في ظروف مناخية ملائمة ~~أكثر في القارة الأوروبية، أو العكس؛ فقد نسيت أيهما ~~صحيح، لكن لا شك أنك ستدرك ما الذي أشير إليه. ~~بالمناسبة، ثمة بعض الحالات المشابهة في بحث هربرت ~~في دورية «جورنال أوف ذا هورتيكالتشرال سوسايتي» ~~[1846]. هل قرأته؟ أراه في غاية الأصالة، ويرتبط ~~ارتباطا «مباشرا» بأبحاثك الحالية [المتعلقة بتعدد ~~الأشكال والتباين وغير ذلك.] بالنسبة لشخص «غير متخصص ~~في علم النبات»، تمثل الطبيعة الكلسية أكثر السمات ~~تميزا في أي حياة نباتية في إنجلترا. لماذا لا ~~تأتي هنا لتقوم بملاحظاتك؟ ms322 سوف «نذهب» إلى ساوثامبتون، ~~من أجل الجمعية البريطانية، إن لم تخذلني شجاعتي ~~ومعدتي. (ألا تعتبره من واجباتك أن تكون هناك؟) ولم ~~لا تأتي هنا بعد ذلك و«تعمل»؟ ... ~~(3) أفرودة هدابيات الأرجل، من أكتوبر 1846 إلى أكتوبر 1854 ~~[كتب أبي خطابا إلى السير جيه دي هوكر عام 1845، قائلا: ~~«أرجو أن أنهي في الصيف القادم كتابي «جيولوجيا أمريكا ~~الجنوبية»، ثم أنشر عملي الصغير المتعلق بعلم الحيوان ثم أعمل ~~في عمل عن الأنواع ...» توضح هذه الفقرة أنه لم يكن ينوي في ~~ذلك الوقت أن يضع دراسة مستفيضة عن هدابيات الأرجل. في ~~الواقع، يبدو أن نيته الأصلية كانت حل مشكلة معينة ~~فحسب؛ وذلك كما عرفت من السير جيه دي هوكر. وهذا يتفق تماما ~~مع الفقرة التالية من السيرة الذاتية التي كتبها: «حين زرت ~~ساحل تشيلي، وجدت نوعا غريبا للغاية يحفر في أصداف ~~حلزونيات أذن البحر التشيلي، وقد كان يختلف اختلافا كبيرا عن ~~جميع ما رأيته من هدابيات الأرجل، فاضطررت إلى أن أضعه في ~~رتبة فرعية جديدة له وحده ... وحتى أفهم تركيب هذا النوع الجديد ~~من هدابيات الأرجل، كان علي فحص كثير من الأشكال الشائعة ~~وتشريحها؛ وهذا أدى بي تدريجيا إلى دراسة المجموعة كلها.» ~~لكن يبدو أنه في السنوات اللاحقة قد انتابه بعض الشك بشأن ~~قيمة هذه السنوات الثماني من العمل؛ على سبيل المثال حين قال ~~في سيرته الذاتية: «كان العمل ذا فائدة كبيرة بالنسبة لي، حين ~~كان يتحتم علي مناقشة مبادئ التصنيف الطبيعي في كتاب «أصل ~~الأنواع». رغم ذلك يساورني شك فيما إن كان العمل يستحق ~~استغراق كل ذلك الوقت.» إلا أنني عرفت من السير جيه دي ~~هوكر أنه أدرك بحق في ذلك الوقت قيمته باعتباره تدريبا ~~تصنيفيا؛ فقد كتب السير جوزيف إلي قائلا: «أدرك أبوك ثلاث ~~مراحل في حياته المهنية بصفته عالم أحياء: مجرد جامع للأشياء ~~في كامبريدج؛ ثم جامع للأشياء وملاحظ لها في رحلة سفينة ~~«البيجل»، ولعدة سنوات بعد ذلك؛ ثم عالم التاريخ الطبيعي ~~المدرب فقط بعد دراسته عن هدابيات الأرجل. أما عن ms323 إن كان ~~مفكرا طيلة ذلك الوقت، فهو أمر صحيح جدا، وجزء كبير من ~~كتاباته السابقة لدراسة هدابيات الأرجل لا يملك أي عالم ~~مدرب في التاريخ الطبيعي إلا الاقتداء بها ... وكثيرا ما كان ~~يشير إلى هذا المجال باعتباره فرعا هاما من المعرفة، وكان ~~يضيف أنه حتى العمل «البغيض» المتعلق بالوصف والبحث عن ~~المترادفات، لم يحسن طرقه فحسب، وإنما أيضا فتح عينيه على ~~عيوب أعمال أقل علماء التصنيف براعة ومزاياها. وكان من ~~نتائج ذلك أنه لم يكن ليسمح قط بمرور أي ملحوظة انتقاص عن ~~أقل العاملين براعة في مجال العلم دون الاعتراض عليها، على ~~أن تكون أعمالهم أمينة وجيدة في فئتها. وطالما اعتبرت هذه ~~إحدى أفضل الخصال في شخصيته؛ هذا التقدير الكريم لبناة ~~العلم، ومجهوداتهم ... وكانت كتابة أفرودة هدابيات الأرجل هي ~~التي أدت إلى ذلك.» # سمح البروفيسور هكسلي لي باقتباس رأيه عن قيمة السنوات ~~الثماني التي خصصت لدراسة هدابيات الأرجل: # في رأيي، لم يفعل أبوك الفطن شيئا أكثر حكمة من ~~تكريس نفسه للعمل على كتابه عن هدابيات الأرجل الذي ~~كلفه سنوات من الكدح والصبر. # إنه، مثل بقيتنا، لم يتلق تدريبا لائقا في علم ~~الأحياء، وطالما اعتقدت أن رؤيته لضرورة إعطاء نفسه ~~ذلك التدريب مثال واضح على بصيرته العلمية وكذلك على ~~شجاعته؛ لأنه لم يتهرب من الجهد اللازم للحصول ~~عليه. # الخطر العظيم الذي يحدق بكل الرجال من ذوي ~~الملكة الجبارة على التخمين هو الإغراء المتمثل في ~~التعامل مع الحقائق المعترف بها في مجال العلوم ~~الطبيعية، كما لو كانت ليست صحيحة فحسب، وإنما جامعة ~~أيضا؛ كما لو كان يمكن التعامل معها بالاستنباط، ~~بنفس طريقة التعامل مع فرضيات إقليدس. في الواقع، ~~كل من هذه الحقائق، مهما كانت صحيحة، لا تعد صحيحة ~~إلا في ضوء وسائل ملاحظة أولئك الذين أعلنوا عنها ~~ووجهات نظرهم. وهي يمكن الاعتماد عليها حتى هذا ~~الحد فقط. أما ما إن كانت ستدعم كل الاستنتاجات ~~التخمينية التي قد تستخلص منها منطقيا، فهذه مسألة ~~مختلفة تماما. # كان أبوك يقيم بنية فوقية عريضة على الأسس ms324 التي ~~وضعتها حقائق العلوم الجيولوجية والبيولوجية ~~المعترف بها. لقد اكتسب تدريبا عمليا كبيرا في ~~الجغرافيا الطبيعية والجيولوجيا البحتة، والتوزيع ~~الجغرافي وعلم الحفريات أثناء رحلة «البيجل». وهكذا ~~توصل من المعرفة التي لديه لطريقة الحصول على ~~مواد خام هذه الفروع من العلم؛ ومن ثم، كان ~~يستطيع الحكم بكفاءة شديدة على ما يمكنه التخمين ~~بشأنها. وما كان يحتاجه بعد عودته إلى إنجلترا هو ~~الحصول على معرفة موازية بالتشريح والنمو، وعلاقتهما ~~بعلم التصنيف، وقد اكتسب هذا من خلال دراسته لهدابيات ~~الأرجل. # من ثم، لا تكمن قيمة أفرودة هدابيات الأرجل، من ~~وجهة نظري، في أنها وحسب عمل جدير جدا بالتقدير، ~~شكلت إضافة كبيرة للمعرفة الوضعية، ولكن أيضا ~~يكمن الجزء الأكبر من قيمتها في أنها كانت عملا ~~ناتجا عن انضباط نقدي، تجلت آثاره في كل ما ~~كتبه أبوك فيما بعد، ووفر عليه أخطاء لا نهاية ~~لها في التفاصيل. # لذا بعيدا عن أن هذا العمل كان مضيعة للوقت، ~~أعتقد أنه كان سيصبح جديرا بما أنفقه فيه لو كان ~~بالإمكان أن يكمله بدراسة خاصة في علم الأجنة ~~وعلم وظائف الأعضاء. بذلك كان سيصبح أشد تمرسا ~~حين أتى لكتابة فصول متنوعة من كتاب «أصل الأنواع». ~~لكن بالطبع كان عثوره على فرص للقيام بهذا شبه ~~مستحيل في تلك الأيام. # لا يمكن لأحد أن ينظر للمجلدين اللذين كتبهما والدي عن ~~هدابيات الأرجل الحديثة، اللذين بلغ عدد صفحاتهما 399 و684 ~~على التوالي (ناهيك عن المجلدين اللذين كتبهما عن الأنواع ~~المتحفرة منها) دون أن ينبهر بالكم الهائل من التفاصيل ~~المتضمنة. الأربعون لوحة، التي تحتوي بعضها على ثلاثين ~~شكلا، وصفحات الفهرس الأربع عشرة في المجلدين معا، تعطي ~~فكرة بسيطة عن المجهود الذي بذل في العمل. # 5 # كانت حالة المعرفة فيما يخص هدابيات الأرجل، غير ~~مرضية تماما في الوقت الذي بدأ أبي فيه دراستها. من الجدير ~~بالذكر، كمثال على هذه الحقيقة، أنه اضطر لإعادة ترتيب ~~مسميات المجموعة، أو على حد قوله «وجد أنه من الضروري ~~إعطاء أسماء لعدة صمامات، ولبعض الأجزاء الأكثر دقة في ~~هدابيات ms325 الأرجل.» # 6 # وإنه من المثير أن نعرف من مذكراته حجم الوقت ~~الذي أعطاه للأجناس المختلفة؛ فقد انشغل بجنس الخملوس # Chthamalus ~~، الذي يشغل وصفه ~~ستا وثلاثين صفحة، لمدة ستة وثلاثين يوما، بينما استغرق ~~جنس الكورونولا # Coronula # منه ~~تسعة عشر يوما، ووصف في سبع وعشرين صفحة. وقد تحدث في ~~خطاب إلى فيتزروي عن «العمل كادحا يوميا طوال نصف الشهر ~~الأخير في تشريح حيوان صغير في حجم قريب من رأس الدبوس، ~~من أرخبيل تشونوس، ويمكنني أن أقضي شهرا آخر، وأرى كل يوم ~~المزيد من التركيب الجميل.» # رغم أنه صار منهكا لدرجة مفرطة من العمل قبل نهاية ~~السنوات الثماني، فقد استمتع أيما استمتاع على مداها؛ لذا ~~فقد كتب إلى السير جيه دي هوكر (1847 (؟)) قائلا: «كما تقول، ~~ثمة سعادة غير عادية في الملاحظة المحضة؛ إلا أنني أشك ~~أن السعادة في هذه الحالة مستمدة من المقارنات التي تتكون ~~في الذهن بين تراكيب الأنواع القريبة. وبعد الانشغال طويلا ~~جدا في كتابة ملاحظاتي الجيولوجية، أجد سعادة في استخدام ~~عيني وأصابعي مرة أخرى.» كان ذلك، في الواقع، رجوعا للعمل ~~الذي شغل الكثير جدا من وقته حين كان في البحر أثناء ~~الرحلة. إن ملاحظاته الخاصة بعلم الحيوان في تلك الفترة تعكس ~~عملا دءوبا، يعرقله الجهل والحاجة لأدوات؛ ولا بد أن عمله ~~بلا كلل في تشريح الحيوانات البحرية، خاصة القشريات، قد ~~أفاده كتدريب من أجل عمله عن هدابيات الأرجل. كان أغلب عمله ~~يؤدى باستخدام مجهر التشريح البسيط - لكن الحاجة لقدرات ~~أكبر هي التي حثته على شراء مجهر مركب في عام 1846. لقد ~~كتب إلى هوكر قائلا: «بينما كنت أرسم مع إل، غمرتني سعادة ~~عارمة بسبب شكل الأشياء، لا سيما بمنظرها كما يبدو من خلال ~~العدسة الدقيقة لمجهر مركب جيد، حتى إنني سأطلب واحدا؛ ~~بالتأكيد، فكثيرا ما تكون لدي تراكيب لا يكون معها ~~التكبير بقدر 1 / 30 كافيا.» # خلال جزء من الوقت الذي يغطيه هذا الفصل، عانى أبي من ~~اعتلال صحته ربما أكثر من أي وقت آخر في حياته. وقد كابد ~~بشدة ms326 الآثار المكدرة التي خلفتها تلك السنوات الطوال ~~من المرض؛ حتى إنه مبكرا في عام 1840 كتب خطابا إلى فوكس ~~قال فيه: «لقد تغيرت عن حالي السابق وصرت مثل كلب عجوز ~~ممل خامل. أعتقد أن المرء يزداد غباء مع تقدمه في ~~العمر.» إن كتابته لهذا الكلام لا تدعو للدهشة، وإنما ما يثير ~~الدهشة هو أن روحه تحملت ذلك الجهد الهائل والمستمر. وفي ~~عام 1845 كتب إلى السير جيه دي هوكر يقول له: «كم أنت شديد ~~الفضل في سؤالك المستمر عن صحتي! ليس لدي شيء لأقوله عنها؛ ~~فأنا دائما على الحال نفسه إلى حد كبير؛ في بعض الأيام أفضل ~~حالا، وفي أيام أخرى أسوأ. أعتقد أنني لم أحظ بيوم كامل، ~~أو بالأحرى ليلة كاملة، دون أن تضطرب معدتي اضطرابا شديدا، ~~خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وفي أغلب الأيام تخور قواي بشدة: ~~شكرا على لطفك؛ فالعديد من أصدقائي، على ما أظن، يعتقدون أنني ~~مصاب بوسواس المرض.» # وفي عام 1849، قال مرة أخرى في يومياته: «من 1 يناير حتى 10 ~~مارس - حالتي الصحية سيئة للغاية؛ إذ يزيد المرض علي بشدة ~~وكثيرا ما تخور قواي. لكنني أعمل في كل الأيام التي أكون ~~فيها على ما يرام.» وقد كتب هذا مباشرة قبل زيارته الأولى ~~لمصحة العلاج المائي الخاصة بالدكتور جالي في مولفرن. وفي ~~أبريل من نفس العام، كتب قائلا: «أعتقد أنني على خير ما ~~يرام، لكنني برم بشدة من حياتي الراكدة الحالية؛ فللعلاج ~~المائي آثار استثنائية للغاية ينتج عنها الخمول وكسل الذهن؛ ~~لم أكن لأصدق أن هذا ممكن قبل أن أمر به. الآن وزني ~~يزداد، وأفلت من قبضة المرض طوال ثلاثين يوما.» وقد عاد ~~في يونيو، بعد غياب لمدة ستة عشر أسبوعا، وقد تحسنت صحته ~~كثيرا، واستأنف العلاج المائي في المنزل لبعض الوقت، كما ذكر ~~من قبل (في الفصل الثالث).] # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون [أكتوبر، 1846] # عزيزي هوكر # لم تصلني خطابات من سوليفان مؤخرا. حين كتب آخر ~~خطاب لي، حدد الفترة الزمنية من الثامن وحتى ms327 العاشر ~~كالوقت الأرجح لزيارته لي؛ لذا، بمجرد أن يصلني منه ~~خطاب، سأعرفك بالأمر في خطاب قصير، وذلك لترى إن ~~كان يمكنك الحضور أم لا. نسيت إن كنت تعرفه أم لا، ~~لكنني أفترض أنك تعرفه؛ إنه شخص طيب بحق. على أي ~~حال، إن لم تأت حينها، فسيسرني كثيرا أن تقترح ~~الحضور قريبا فيما بعد ... # سأبدأ بعض الأبحاث حول الحيوانات البحرية الدنيا، ~~سأستمر فيها بضعة أشهر، أو ربما عام. وبعد ذلك سوف ~~أبدأ في مطالعة ملاحظاتي عن الأنواع والضروب المتراكمة ~~طوال عشر سنوات، وهي التي أعتقد أنها ستستغرق مني خمس ~~سنوات في كتابتها، ويخيل إلي أنها حين تنشر ~~ستهبط مكانتي هبوطا ساحقا في نظر كل علماء ~~التاريخ الطبيعي الحصفاء - وهذا هو ما أتوقعه ~~للمستقبل. # هل تجيد ابتكار الأسماء؟ فلدي جنس جديد وغريب ~~تماما من البرنقيل، أريد تسميته، وإنني في حيرة ~~تامة بشأن ابتكار اسم له. # بالمناسبة، لم أخبرك بأي شيء عن ساوثامبتون. ~~لقد استمتعنا (أنا وزوجتي) بالأسبوع الذي قضيناه هناك ~~إلى أقصى درجة؛ كانت كل الأبحاث مملة، لكنني التقيت ~~العديد من الأصدقاء وكونت الكثير من المعارف ~~الجديدة (من علماء التاريخ الطبيعي الإيرلنديين على ~~وجه الخصوص)، وذهبت في العديد من الجولات الممتعة. ~~أتمنى لو كنت معنا هناك. في يوم الأحد ذهبنا في ~~رحلة ممتعة للغاية إلى وينتشستر مع فالكونر [هيو ~~فالكونر (1809-1865)، الذي عرف في المقام الأول بصفته ~~عالم حفريات، رغم أنه عمل كعالم نبات طوال حياته ~~المهنية في الهند؛ حيث كان أيضا طبيبا في شركة الهند ~~الشرقية] والكولونيل سابين [الراحل السير إدوارد ~~سابين، الرئيس السابق للجمعية الملكية، ومؤلف سلسلة ~~طويلة من الأبحاث حول المغناطيسية الأرضية] والدكتور ~~روبينسون [الراحل الدكتور توماس رومني روبينسون، من ~~مرصد آرما]، وآخرين. لم أستمتع في حياتي استمتاعي ~~بذلك اليوم. إلا أنني افتقدت رؤية إتش واطسون [الراحل ~~هيويت كوتريل واطسون، مؤلف «النباتات البريطانية ~~وعلاقتها الجغرافية»، الذي يعد من ضمن سلسلة كتب ~~مهمة للغاية عن طبوغرافيا الجزر البريطانية والتوزيع ~~الجغرافي لنباتاتها.] أعتقد أنك عرفت أنه التقى ~~فوربس وأخبره أن له ms328 مقالا قاسيا منشور عنه. ونما إلى ~~علمي أن فوربس أوضح له أنه ليس له مبرر للشكوى، ~~لكن حيث إن المقال طبع، فهو لن يسحبه، لكنه عرض على ~~فوربس أن يلحق به ملحوظات، وهو ما رفضه فوربس بطبيعة ~~الحال ... # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 7 أبريل ~~[1847؟] # عزيزي هوكر # كان لا بد أن أكتب إليك قبل الآن، لولا أنني كنت ~~مريضا على نحو شبه دائم طوال الفترة السابقة، حتى ~~إنني حاليا أعاني من أربع بثور وتورمات، وهي التي ~~تجعلني إحداها بالكاد قادرا على استخدام ساعدي ~~الأيمن، مما منعني عن العمل تماما، وأحبط حماسي ~~كلية. شعرت بخيبة أمل كبيرة لما فاتتني رحلتي ~~إلى كيو، ومما ضاعف من شعوري هذا أنني نسيت أنك ستكون ~~بعيدا طوال هذا الشهر؛ لكنني لم يكن لدي اختيار، ~~وقد لازمت الفراش تقريبا طوال يومي الجمعة والسبت. ~~أهنئك على تحسن فرصك في الهند [إذ غادر هوكر ~~إنجلترا في رحلة إلى الهيمالايا والتبت في 11 نوفمبر، ~~1847. كانت البعثة مدعمة بمنحة صغيرة من وزارة ~~الخزانة، وبذلك اكتسبت صفة المهمة الحكومية]، ولكنني ~~في الوقت نفسه يجب أن أحزن لذلك؛ فسوف أشعر بالضياع ~~تماما دونك؛ إذ سأفتقد مناقشتي لك فيما يتعلق بنقاط ~~عديدة، وتوضيحي لك (لسوء حظك) لصعوبات فرضياتي حول ~~الأنواع والاعتراضات عليها. سيكون من العار الشديد أن ~~يوقف المال بعثتك؛ لكن لا بد أن الحكومة سوف تساعدك ~~إلى حد ما ... رحلتك الحالية، مع آرائك الجديدة، وسط ~~البقايا النباتية الموجودة في طبقات تكون الفحم، ~~ستكون شائقة جدا. إذا أتيحت لك فسحة من الوقت؛ «فقط ~~في هذه الحالة»، فسيسرني أن أسمع بعض الأخبار عما ~~تحرزه من تقدم. ستصير رحلتك الحالية موفقة إذا ~~ذهبت إلى أي من مناطق استخراج الفحم في الهند. ألن ~~يكون هذا أمرا جيدا للتباهي به أمام الحكومة؛ إذ ~~سيقدر النفعيون هذا. بالمناسبة، سأطلب منك بعض ~~الأمور حول سلالات الحيوانات المستأنسة في الهند ~~... # من تشارلز داروين إلى إل جينينز ~~(بلومفيلد) # داون [1847] # عزيزي جينينز # إنني في غاية الامتنان على الروزنامة الصغيرة ms329 ~~الرائعة؛ فقد تصادف أنني كنت أتوق للحصول على واحدة ~~حتى أحتفظ بها في حقيبة أوراقي. [إن الروزنامة الصغيرة ~~المشار إليها هنا قد نشرت لأول مرة عام 1843، باسم ~~«روزنامة جيب علماء التاريخ الطبيعي» للسيد فان فورست، ~~وقد حررتها له. وكانت موجهة بنحو خاص لأولئك ~~المهتمين بالظواهر الدورية للحيوانات والنباتات، ~~وهي التي أدرجت قائمة مختارة منها تحت كل شهر من شهور ~~العام.] لم أر هذا النوع قط من قبل، وسوف أحصل ~~على واحدة بالتأكيد في المستقبل. أعتقد أنه من الممتع ~~للغاية أن تكون لديك قبالة عينيك قائمة بترتيب نمو ~~النباتات والحيوانات حولك؛ فهذا من شأنه إعطاء إثارة ~~جديدة لكل يوم طيب. لكن ثمة شيئا أود أن ~~يجرى له تحسين صغير؛ ألا وهو تصحيح الوقت ليكون على ~~فترات زمنية أقصر؛ فإنني أشك أن أغلب الناس الذين ~~لديهم مزاول مثلي سيرغبون في دقة تتعدى هامش ~~الدقائق الثلاث. إنني دائما ما أشتري الروزنامة التي ~~تكلفني شلنا من أجل ذلك «فقط». بالمناسبة، ~~«روزنامتك» - أقصد، روزنامة فان فورست - باهظة الثمن ~~جدا؛ لا بد، على الأقل، أن تعفى من رسوم البريد ~~مقابل الشلن ثمنها. ألا تعتقد أن وجود جدول (وليس ~~قواعد) للتحويل من المقاييس، وربما الأوزان، الفرنسية ~~إلى الإنجليزية، سيكون مفيدا فائدة كبرى؛ وكذلك من ~~الدرجات المئوية إلى الفهرنهايت، - قدرات العدسات على ~~التكبير وفقا للمسافات البؤرية؟ في الواقع قد تجعلها ~~هكذا أعظم منشورات العصر فائدة. إنني أعلم أكثر ما ~~سأرغب فيه على الإطلاق، وهو وجود ملحوظات جوية لكل ~~شهر، مع بيان تقريبي لمسار الرياح وتوقعات الطقس، ~~حسب حركات البارومتر. أعتقد أن الناس دائما ما ~~يستمتعون بمعرفة درجات الحرارة القصوى والمتوسطة في ~~الفترات الزمنية المقابلة في السنوات الأخرى. # أرجو أن تستمر في هذا الأمر لعام آخر. أشكرك شكرا ~~جزيلا يا عزيزي جينينز. # المخلص لك جدا # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، الأحد [18 أبريل، ~~1847] # عزيزي هوكر # أرد إليك مع وافر شكري خطاب واطسون، الذي ~~نسخته. إنه خطاب رائع، وإنني ممتن لك للغاية ~~لحصولك لي على ms330 تلك المعلومات القيمة. لا شك أنه قد ~~تعجل بقوله إن الضروب الوسيطة لا بد بالضرورة أن ~~تكون نادرة، وإلا فقد تعتبر أنماط أنواع؛ فهو يغفل ~~عن التواتر العددي كأحد العناصر. بالتأكيد إذا كان أ ~~وب وج ثلاثة ضروب، وإذا كان أ هو الأكثر انتشارا ~~بدرجة كبيرة (ومن ثم عرف أولا أيضا)، فسيعتبر ~~هو النمط، دون الالتفات إلى ما إذا كان ب وسيطا ~~تماما أم لا، أو ما إذا كان نادرا أم لا. يا ~~للمقالات الرائعة التي سيكتبها دبليو! لكنني أعتقد أنه ~~كتب الكثير في دورية «ذا فايتولوجيست». لا بد أن ~~تشجعه على النشر حول التباين؛ إنه من العار أن تظل ~~حقائق مثل تلك التي في خطابه دون نشر. يجب أن أجعلك ~~تعرفني إليه؛ هل سيكون رجلا لطيفا واجتماعيا ~~بحيث يذهب معنا إلى دروبمور؟ [إنه يقصد الرحلة التي ~~كانا يخططان لها أثناء أسبوع اجتماع الجمعية ~~البريطانية في أكسفورد عام 1847.] رغم أنه إذا جاء، ~~فيجب ألا يأتي فوربس (وأعتقد أنك تحدثت عن دعوة ~~فوربس)، وإلا فسنشهد معركة كبرى. سأود أن أرى يوما ~~ما مراسلات الحرب. هل لديك مجلدات دورية «ذا ~~فايتولوجيست»، وهل يمكنك الاستغناء عنها لبعض الوقت؟ ~~سوف أتصفحها سريعا ... لقد قرأت أعدادك الخمسة ~~الأخيرة [من عمله عن الجانب النباتي لرحلته إلى القطب ~~الجنوبي]، وكالعادة أثارت عدة نقاط اهتمامي الشديد، ~~خاصة مناقشاتك حول أشجار الزان والبطاطس. ورأيت أنك ~~قدمت عدة عبارات ضدنا نحن مؤيدي نظرية تحول ~~الأنواع. كذلك كنت أتصفح المجلدات الأخيرة من مجلة ~~«أنالز أوف ناتشورال هيستوري»، فقرأت بحثين يتسمان ~~بالعبارات الطنانة والافتقار للروح بقلم - وهما ~~يليقان تماما بمؤلف كتاب ... إن التناقض بين الأبحاث ~~التي في هذه المجلة وتلك التي في نظيرتها الفرنسية ~~مخز إلى حد ما؛ فهناك كثير من الأبحاث في ~~الأولى، بأوصاف قصيرة للأنواع، ودون كلمة واحدة حول ~~علاقاتها، أو تراكيبها الداخلية، أو توزيعها أو ~~عاداتها. أنا الآن أقرأ كتابا ل ... وهناك بعض الأشياء ~~التي أثارت اهتمامي فيه، لكنه يبدو لي مملا بعض ~~الشيء، وكل مفرداته الطبية والدوائية تذكرني ms331 بعيادة ~~الطبيب. سأظل للأبد كارها لذكر هذه المفردات، وهذا ~~الكره قد بدأ منذ حضوري لمحاضرات دانكان التي كانت ~~تعقد في الساعة الثامنة في صباح أيام الشتاء - فقد ~~كانت ساعة كاملة باردة دون إفطار حول خواص مواد ~~مثل الراوند! # أرجو أن تكون رحلتك مثمرة للغاية. إليك صادق مودتي ~~يا عزيزي هوكر. # صديقك إلى الأبد # سي داروين # ملحوظة: # أعتقد أنني لم ~~أكون سوى صداقة واحدة جديدة مؤخرا، وهي صداقة آر ~~تشيمبيرز؛ وقد تلقيت للتو نسخة من الطبعة السادسة لكتاب ~~«بقايا». وأشعر الآن باقتناع تام على نحو ما أنه هو المؤلف. ~~إنه في فرنسا، ويراسلني من هناك. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون [1847؟] ~~... يسرني ما سمعته عن اعتقاد برونيار أن السيجلاريا ~~نبات مائي، وأن بيني يعتبر الفحم نوعا من الخث ~~تحت المائي. أراهن بخمسة مقابل واحد أن هذا الأمر ~~سيصير معترفا به بوجه عام خلال عشرين عاما [وهي ~~نبوءة لم تتحقق]، ولا أكترث لأي صعوبات أو تعذرات ~~متعلقة بعلم النباتات في هذا الشأن. إن كان بإمكاني ~~إقناع نفسي أن السيجلاريا ومثيلاتها تمتعت بنطاق ~~كبير من العمق؛ بعبارة أخرى، كانت تستطيع العيش على ~~عمق يتراوح من خمس لمائة قامة تحت الماء، فستنكشف كل ~~الصعوبات بكل أنواعها تقريبا (استنادا للحقيقة ~~البسيطة التي مفادها أن البحر الضحل العادي الموحل ~~يدل على القرب من اليابسة). (ملحوظة: ينتابني ~~الضحك حين أتخيلك وأنت تتهكم بشأن هذا طوال ~~هذا الوقت.) وعدم وجود أصداف في الفحم ليس بالمشكلة ~~الكبيرة، إذا وضعنا في الاعتبار أن عمق الوحل لا ~~يناسب أغلب الرخويات، وأن الأصداف غالبا ستتآكل من ~~حمض الهيوميك، كما يبدو أنه حدث في الخث وفي العفن ~~«الأسود» (كما يخبرني لايل) الذي في نهر المسيسيبي. ~~وهكذا تكون مسألة الفحم قد حسمت - وهو المطلوب ~~إثباته. ولتتهكم بعيدا! # أشكرك شكرا جزيلا على خطاب الترحيب الذي أرسلته ~~من كامبريدج، وإنني مسرور أن جامعتي لاقت استحسانك، ~~وهي التي أحتقرها من أعماقي كمكان للتعليم، ولكن ~~أحبها للذكريات السعيدة الكثيرة التي لي هناك ~~... # شكرا على عرض إعارة ms332 «ذا فايتولوجيست»؛ سأكون ~~ممتنا للغاية لذلك؛ فلا أعتقد أنني قد أستطيع ~~اقتراضها من أي شخص آخر. لن أنخدع كثيرا بثنائك، ~~لكنني لا أعتقد أنني أضعت كتابا قط أو سهوت عن ~~إرجاعه لفترة طويلة من الزمن. إن كتاب «ويب» الخاص بك ~~غلف جيدا، وكتب عليه اسمك بحروف كبيرة «من ~~الخارج». # وصل مجهري الجديد («لعبة مذهلة» كما يدعوه المحنك ~~آر براون)، وإنني سعيد به؛ فهو حقا لعبة مذهلة. لقد ~~بقيت في لندن مدة ثلاثة أيام، ورأيت العديد من ~~أصدقائنا. كذلك أحزنني كثيرا سماعي خبرا غير طيب ~~عن السير ويليام. الوداع يا عزيزي هوكر، ولتكن فتى ~~مطيعا، وعد السيجلاريا من النباتات تحت ~~المائية. # صديقك إلى الأبد # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون [6 مايو، ~~1847] # عزيزي هوكر # لقد هاجمتني هجوما شرسا، ولا بد أن أحاول الدفاع ~~عن نفسي. لكن أولا اسمح لي أن أقول إنني لم أكتب إليك ~~قط إلا من أجل مسرتي الخاصة؛ والآن أخشى أن ترد علي ~~وأنت منشغل ودون رغبة (وإنني على يقين أنني ما كان ~~ليصير لدي أي رغبة في الكتابة إن كنت في ~~انشغالك). أرجوك لا تفعل ذلك، وإن خطر لي أن كتابتي ~~تستلزم منك ردا سواء شئت أم أبيت، فستتحطم كل ~~السعادة التي أشعر بها في الكتابة إليك. أولا، لم ~~أعتبر خطابي «استدلالا» أو حتى «افتراضا»، وإنما ~~ببساطة تمرد ذهني؛ فبينما كنت أرسل بحث بيني، ~~بحت لك بنتيجة قراءته. ثانيا، أنت على حق، ~~بالتأكيد، في اعتقادك أنني مجنون، إذا كنت تفترض ~~أنني قد أصنف أي سراخس كنباتات بحرية؛ لكن بالطبع ~~ثمة بون شاسع بين النباتات التي يعثر عليها ~~قائمة في طبقات الفحم وتلك التي ليست قائمة، والتي ~~ربما تكون قد انجرفت. أليس جائزا أن تكون نفس ~~الظروف التي حفظت الغطاء النباتي في موضعه الأصلي، ~~هي التي حفظت النباتات المنجرفة؟ أعلم أن نباتات ~~الكالاميت يعثر عليها قائمة؛ لكني أعتقد أن النباتات ~~القريبة الصلة بها مبهمة جدا؛ مثل السيجلاريا. ~~أما بالنسبة للنباتات الحرشفية، فقد نسيت وجودها، ms333 ~~كما يصير حين يتمرد الشخص، وأنا الآن لا أدري ما هي، ~~ولا إذا كانت قائمة أم لا. إن كانت هذه النباتات؛ أي ~~نباتات الكالاميت والنباتات الحرشفية، «قريبة الصلة ~~جدا» من الخضروات الأرضية، كما هو الحال مع ~~السراخس، ووجدت قائمة في موضعها الأصلي، فلا بد ~~بالطبع أن أتخلى عن رأيي. لكن السيجلاريا هي النبات ~~المنتصب الرئيسي بالتأكيد، وقد سمعتك تبالغ بشأن ~~قريباتها المبهمة. # ثالثا، لم يطرأ على بالي قط التقليل من قيمة ~~الدليل المتعلق بعلم النبات لحساب الدليل المتعلق بعلم ~~الحيوان؛ إلا في حدود اعتقادي أنه من المسلم به أن ~~التكوين النباتي قلما أعطى دليلا على قرابة أقرب ~~من تلك التي بين الفصائل، وهذا ليس دائما. أليس من ~~الخطر الحكم على العادات في النباتات، كما هو في ~~الحيوانات بالتأكيد، بدون وجود قرابة وثيقة جدا؟ ~~هل يستطيع عالم النبات أن يعرف من التكوين وحده أن ~~فصيلة المانجروف، هي الوحيدة تقريبا أو تماما من ~~النباتات ذوات الفلقتين، التي تستطيع العيش في البحر، ~~وكذلك الحال بالنسبة لفصيلة الزوستيرا من بين النباتات ~~ذوات الفلقة الوحدة؟ هل هي حجة سليمة أنه بما أن ~~الطحالب هي تقريبا النباتات البحرية الوحيدة ~~المغمورة، فإن المجموعات الأخرى المنقرضة لم يكن بها ~~أعضاء لها مثل هذه العادات؟ تلك الحجة لن تكون حاسمة ~~مع الحيوانات، وأستطيع إثبات ذلك بعدة أمثلة؛ لكنني ~~أشعر أنني بدأت الآن أسيء إلى نفسي؛ فأنا لا أريد ~~سوى الدفاع عن نفسي بعض الشيء، لا أن أجر على نفسي ~~الخسائر بالهجوم عليك. إن أساس خطابي، ورأيي المدروس، ~~رغم أنني أحسب أنك ستعتقد أنه غير معقول، هو أنني قد ~~أعتمد بالأحرى على الدليل الجيولوجي البحت، مع تساوي ~~الأدلة الأخرى، عن الدليل المتعلق بعلم الحيوان أو ~~علم النبات. ولا أعني أنني سأعتمد قريبا على الدليل ~~الجيولوجي «الضعيف» بدلا من الدليل الحيوي «الجيد». ~~أعتقد أن أساس الاستدلال الجيولوجي المحض (الذي يتعلق ~~في معظمه بتأثير الماء على قشرة الأرض، وحركاتها لأعلى ~~وأسفل) أبسط من الأساس المستخلص من الموضوع الصعب ~~المتعلق بالصلات والبنية وذلك ms334 فيما يتعلق بالعادات. ~~بالكاد أستطيع تحليل الحقائق التي بلغت بها هذا ~~الاستنتاج، لكن يمكنني التدليل عليه. إن رؤية بالاس ~~ستؤدي بأي شخص لافتراض أن الطبقات السيبيرية، ~~التي تجمدت بها هياكل الحيوانات، قد ترسبت ~~سريعا؛ ومن ثم فإن تلك الحيوانات كانت تعيش في ~~المناطق المجاورة؛ لكن معلوماتنا المستقاة من علم ~~الحيوان منذ ثلاثين عاما جعلت الجميع يرفضون على ~~نحو خاطئ هذا الاستنتاج. # لتخبرني أن السراخس القائمة في موضعها الأصلي توجد ~~مع نباتات السيجلاريا والاستجماريا، أو أن علاقات ~~القرابة بين نباتات الكالاميت والنباتات الحرشفية ~~(بافتراض أنهما يعثر عليهما في موضعهما الأصلي مع ~~نباتات السيجلاريا) «واضحة» جدا، حتى إنه من غير ~~الممكن أنهما كانتا بحريتين، كما هو الحال لكن بدرجة ~~أكبر مع المانجروف والأعشاب البحرية، وسوف أعتذر لك ~~ولكل علماء النبات بكل خنوع لسماحي لعقلي بأن ~~يجمح في موضوع لا علم لي به بالتأكيد. لكن حتى أسمع ~~هذا، سأظل محتفظا برأيي سرا بنفس التشبث وكما ~~ستعتقد، بنفس الروح الفلسفية التي يؤكد بها كينيج أن ~~آثار أقدام التشيروثيريوم طحالب فوكوس. # لا أعلم ما إن كان هذا الخطاب سيسقطني أكثر من ~~نظرك، أم سيصلح موقفي قليلا، لكنني أرجو الأخير. ~~على أي حال، لقد ثأرت لنفسي بإصابتك بالضجر بخطاب ~~طويل جدا. الوداع، ولتكن متسامحا معي. # صديقك للأبد # سي داروين # ملحوظة: # متى ستعود إلى ~~كيو؟ لقد نسيت أحد الأغراض الرئيسية من خطابي، وهو أن أشكرك ~~شكرا «جزيلا» على عرضك إعارتي دورية «جورنال أوف ذا ~~هورتيكالتشرال سوسايتي»، لكنني طلبت العددين. ~~[المقتطفان التاليان [1847] يشيران لاستمرار معركة الفحم ~~وحسمها. # بالمناسبة، حيث إن الفحم تحت المائي قد جعلك في غاية ~~السخط، فقد فكرت في اختبار الأمر مع فالكونر وبانبري [الراحل ~~السير سي بانبري، الذي اشتهر بصفته عالم حفريات نباتية] ~~معا، وهو ما جعلهما أكثر سخطا وشراسة؛ «لا بد لي أن أخرج ~~هذا الهراء الملعون من رأسي.» كان بانبري أكثر تهذيبا ~~واحتقارا. وهكذا صرت الآن أعلم كيف أثير سخط أي عالم ~~نبات وأختال عليه. أتساءل ما إذا كان هناك أمور يمكن أن ms335 تثير ~~سخط علماء الحيوان والجيولوجيين؛ ليتني أستطيع معرفة ~~ذلك. # لا أملك سوى شكرك على خطابك الشديد الرقة. أرجوك لا تعتقد ~~أنني انزعجت من خطابك؛ فقد أدركت أنك كنت تفكر ~~بانفعال، وبالتالي عبرت عن مكنونك بغلظة، وقد تفهمت هذا. ~~معاذ الله أن أكون رجلا يزن كل تعبير بحرص رجل اسكتلندي. ~~أتمنى لك من كل قلبي النجاح في معضلتك النبيلة، أما أنا، ~~فأتوق بشدة لإجراء بعض الحديث معك وسماع رؤيتك ~~النهائية.] # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر [وهو ~~عبارة عن أجزاء من خطابين ] # داون [أكتوبر، ~~1847] # أهنئك تهنئة حارة على اكتمال استعداداتك، مع ~~تمني مزيد من التوفيق في المستقبل. سوف تكون رحلة ~~ومهمة نبيلة، لكن أتمنى لو كانت قد انتهت؛ إذ سوف ~~أفتقدك على المستوى الشخصي وعلى كل المستويات لدرجة ~~فظيعة ... إنني في حيرة بالغة حيال السبيل للقائنا ... ~~أعي جيدا أنه لا بد أنك منشغل لدرجة فظيعة. إن كنت ~~«لا تستطيع» أن تأتي إلى هنا، فلا بد أن تسمح لي ~~بالمجيء إليك لليلة؛ فيجب أن تكون لي معك دردشة أخرى ~~وعراك آخر حول الفحم. # بالمناسبة، لقد حاولت أن أحث لايل (الذي ظل مقيما ~~هنا معي عدة أيام) على أن يقدم لي نظريته حول ~~الفحم؛ إن ما أتى به عن الكنباث «القائم» السرئي رهيب ~~بالنسبة لنظريتي عن النباتات التحت مائية. سأموت ~~مطمئنا أكثر إن وجد لي أحد حلا لمسألة الفحم. ~~يخطر لي أحيانا أنه لا يمكن أن يكون الفحم قد تكون ~~على الإطلاق. قال لي السير أنتوني كارلايل العزيز ذات ~~مرة بجدية، إنه يعتقد أن البهضم وما شابهه من ~~الحيوانات قد أرسلت من السماء لمعرفة ما إذا كانت ~~الأرض ستوفر لها سبل العيش؛ وإنني أعتقد أن الفحم ~~قد انهمر من السماء ليوقع البشر في حيرة. يجب أن ~~تبحث مسألة الفحم جيدا في الهند. # صديقك إلى الأبد # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر ~~[6 نوفمبر، 1847] # عزيزي هوكر # تلقيت للتو خطابك بحزن شديد؛ فلا حيلة لنا في ذلك. ~~سأظل دائما أرى نيتك ms336 المجيء إلى هنا، في ظل تلك ~~الظروف، باعتبارها أعظم برهان على الصداقة تلقيته ~~على الإطلاق من أحد البشر. كان ضميري سيؤنبني لعدم ~~ذهابي إليك يوم الخميس، لكنني لم أستطع؛ حيث لم أكن ~~قادرا بتاتا على ترك شروزبيري قبل ذلك اليوم، ولم ~~أرجع للبيت إلا ليلة أمس، وقد بلغ مني الإنهاك ~~مبلغه. إذا لم يصلني خطاب غدا منك (وهذا بالكاد ~~ممكن)، وإذا كنت على ما يرام، فسأستقل عربة إلى كيو ~~صباح الاثنين، فقط لأودعك. وسأمكث لساعة فقط ~~... # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر ~~[نوفمبر، 1847] # عزيزي هوكر # إنني متوعك جدا، وغير قادر على فعل أي شيء. ~~أرجو حقا ألا أكون قد ضايقتك. كنت في حال سيئ ~~جدا طوال أمس، حتى إنني سررت أنك لم تكن هنا؛ ~~فقد كنت سأشعر بمرارة شديدة لو كنت لدي هنا دون ~~أن تستمتع بيومك الأخير معي. والآن لن أراك. الوداع، ~~وليباركك الرب. # صديقك المحب # سي داروين # سوف أكتب إليك في الهند. # في عام 1847 ظهر مقال للسيد دي ميلن، [الذي يدعى الآن ~~السيد ميلن هوم] انتقد فيه عمل أبي بشأن جلين روي، وهذا هو ~~المشار إليه في الاقتباس المميز التالي من خطاب لأبي إلى ~~السير جيه هوكر: «كنت في حالة سيئة للغاية طوال الأيام ~~القليلة الماضية، لاضطراري إلى التفكير في جلين روي والكتابة ~~عنها كثيرا ... فقد هاجم السيد ميلن نظريتي، مما أزعجني لدرجة ~~مروعة.» لم أستطع العثور على أي رد منشور على كلام ~~السيد ميلن؛ لذا أعتقد أن «الكتابة» المذكورة اقتصرت على ~~خطابات. لم يكن بحث السيد ميلن هادما لبحث جلين روي، وهذا ما ~~يقر به أبي في الاقتباس التالي من خطاب إلى لايل (مارس، ~~1847). إن الإشارة إلى تشيمبيرز لها ما يفسرها، وهو أنه ~~اصطحب السيد ميلن في زيارته إلى جلين روي. «جعلت آر تشيمبيرز ~~يعطيني موجزا لآراء ميلن حول جلين روي، ثم أعدت قراءة بحثي، ~~والآن بعد سماعي ما لديه ليقوله، أنا حتى لم أندهش؛ فمن المثير ~~للسخط والإهانة أن تجد أن تشيمبيرز لم يقرأ ms337 بحثي حول هذا ~~الموضوع بأي اهتمام، أو حتى يطالع الخريطة الملونة، وبذلك ~~لم يبحث عن الرصيف الجديد الذي وصفته، ولم تعط الحجج أو ~~الحقائق المتعلقة بالتفاصيل التي قدمتها أقل قدر من ~~الاهتمام. لقد كنت مستسلما تماما، ومخلوع الفؤاد إلى حد ~~ما في الجمعية الجيولوجية، حتى طمأنتني وذكرتني بالحقائق ~~الرئيسية في القضية كلها.» # الخطابان التاليان إلى لايل، وإن كانا بتاريخ لاحق (يونيو، ~~1848)، يتعلقان بنفس الموضوع: # كنت في الاجتماع المسائي [للجمعية الجيولوجية]، ~~لكنني لم أكن على مقربة منك. كم جعل - من نفسه أحمق ~~(وإن كان لا بد أن أقول إنه أحمق مسل للغاية). لقد ~~جاء حديثك بعده منعشا للأذهان، وقد أحسن فوكس (ابن ~~عمي) وصفه في بضع كلمات بقوله: «يا له من تناقض!» لقد ~~بدا لي كلامك افتراضا ممتازا حول هبوط التكوينات ~~الويلدنية. لم أسمع ما انتهيت إليه في المجلس؛ فقد ~~كنت في إعياء وذهول تام. لقد وجدت أن سميث، الذي من ~~منطقة جوردان هيل، لديه رأي حتى أسوأ من رأيي بشأن ~~كتاب آر تشيمبيرز. لقد أغضبني تشيمبيرز قليلا؛ فهو ~~يقول إنني «أفترض» و«أجاهر باعتقادي» أن منطقة جلين ~~روي بحرية، وإن الفكرة قد قبلت لأن «قدرة اليابس على ~~الحركة كانت الفكرة السائدة في ذلك الوقت.» وهو يضيف ~~بعض الخطوط «الفوقية» الضعيفة جدا إلى جلين سبين ~~(التي رآها بالمناسبة أجاسي)، ويوضح أن ميلن وكيمب ~~على حق في أن ثمة علامات مائية أفقية (وهي التي ~~«ليست» على مستويات متطابقة مع تلك الخاصة بجلين روي) ~~في أجزاء أخرى من اسكتلندا على ارتفاعات شاهقة، ~~ويضيف حالات أخرى متعددة. هذا جل ما أضافه إلى ~~المعلومات الخاصة بهذا الأمر. وهو لا يستولي فحسب على ~~حجتي المتعلقة بالدعائم والشرفات التي أسفل الرصيف ~~السفلي وبعض الحجج الأخرى (دون إشارة إلى صاحبها)، ~~وإنما يسخر من كل سابقيه لعدم إدراكهم أهمية الأجزاء ~~القصيرة من الخطوط الواقعة بين الخطوط الرئيسية في ~~جلين روي؛ في حين أنني بدأت وصفها بقولي «لقد فحصتها ~~باهتمام شديد، لما أدركته من أهميتها»، وأسهبت في ~~الحديث عنها باستفاضة. وقد ms338 أخبرته على نحو غير مباشر ~~أنني لا أعتقد أن له ذريعة حقيقية لاعتبار نفسه ~~الوحيد (وهو ما يؤكده بطريقة مباشرة نوعا ما) الذي ~~حل مشكلة جلين روي. وبالنسبة للشرفات القائمة على ~~المستويات الأقل ارتفاعا والمتطابقة في الارتفاع في ~~جميع أنحاء اسكتلندا وإنجلترا، فإنني أميل للاعتقاد ~~أنه أعطى احتمالا قليلا لوجود بعض الشرفات الرئيسية ~~المتطابقة، لكن يلزم وجود دليل دقيق على ذلك. هل تجد ~~ذلك معقولا؟ إنه يفترض كتفسير محتمل لارتفاع بريطانيا ~~العظمى أنه في أحد المحيطات الكبرى سقط واحد على عشرين ~~من قاع السطح المائي كله (لا يقول أين ذلك) مسافة نصف ~~ميل، وهو ما نجم عنه ارتفاع ظاهر حسبه بمقدار مائة ~~وثلاثين قدما. # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون [يونيو، ~~1848] # عزيزي لايل # من باب إنصاف تشيمبيرز أنا مضطر لإزعاجك بهذا الخطاب ~~لأقول إنه، في حدود ما يخصني شخصيا في مسألة جلين ~~روي، قد اعتذر اعتذارا رسميا، ويقر بما اقترفه من ~~خطأ غير مقصود باستيلائه على اثنين من الحجج ~~والحقائق التي تخصني دون الاعتراف بذلك. وختم كلامه ~~بقوله إنه «بلغ نفس النقطة عن طريق سلك مسار بحثي ~~مستقل، مما يغفر إلى حد ما هذا السهو.» وينم خطابه ~~برمته عن نية طيبة جدا؛ إذ يقول إنه «مغتبط للغاية ~~بالثناء «الحذر» الذي أسبغته عليه، إلخ.» إنني سعيد ~~بحق أنني استطعت أن أقول بأمانة إنني اعتقدت أنه قد ~~أسدى خدمة جليلة باستدعاء المزيد من الاهتمام إلى ~~موضوع الشرفات. وهو يعترض قائلا إنه ليس من العدل ~~القول بأن نظرية سقوط البحر نظريته؛ فهو دائما ما ~~يتحدث بحذر عن وجود تغير في المستوى فقط، وهذا صحيح ~~تماما؛ لكن القسم الذي يوضح فيه كيف يتصور احتمال ~~سقوط البحر مثير جدا للدهشة، حتى إنني أعتقد أنه ~~سيبدو بالنسبة لي، كما هو الحال بالنسبة للآخرين، ~~متناقضا جدا مع حذره السابق. أرجو أن يجد كتابه ~~لديك استحسانا أكثر مما وجده لدي. # مع إخلاصي الشديد # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # 6 أكتوبر، 1848 ~~... كنت أحاول ms339 مؤخرا إثارة حملة (لكنني لن أنجح، ~~وقطعا أشك إن كان لدي الوقت والقوة لمواصلتها)، ضد ~~ما يفعله علماء التاريخ الطبيعي من إلحاق اسم «أول» ~~واصف لأي نوع باسم النوع للأبد. أرى هذا كمكافأة ~~فورية على عمل متسرع؛ على «التسمية» وليس «الوصف». ~~يجب أن يكون للنوع اسم معروف جيدا بحيث تكون معه ~~إضافة اسم الكاتب أمرا لا داعي له، و[نوعا] من ~~الغرور الأجوف. وليس من المقبول في الزمن الحاضر إعطاء ~~أسماء نوعية فحسب؛ لكن أعتقد أن علماء الحيوان ربما ~~يفتحون المجال لحذف هذه الأسماء، بالإشارة إلى كتاب ~~تصنيفيين أكفاء بدلا من الواصفين الأوائل. أعتقد ~~أن علم النبات لم يعان فيما يتعلق بالتسمية بقدر ~~معاناة علم الحيوان؛ فالشخصيات مغمورة أكثر، لحسن ~~الحظ. هل فكرت في هذه النقطة من قبل؟ لماذا يلحق ~~علماء التاريخ الطبيعي أسماءهم بأسماء الأنواع ~~الجديدة، في حين أن علماء المعادن والكيمياء لا يفعلون ~~هذا بالمواد الجديدة؟ أرجو أن تبلغ فالكونر مودتي عند ~~الكتابة إليه. إنني في أشد الأسف على ما سمعته من أنه ~~مريض. فليباركك الرب يا عزيزي هوكر، وأرجو لك ~~التوفيق. # صديقك المخلص # سي داروين # من تشارلز داروين إلى هيو ستريكلاند [هيو ~~إدوين ستريكلاند (1811-1853)، واضع النظام ~~الشهير الخاص بتسمية الكائنات في علم الحيوان، ~~الذي لا تزال مبادئه متبعة بوجه ~~عام] # داون، 29 يناير [1849] ~~... يا لها من مهمة التي اضطلعت بها! إنني «أجل» ~~بالفعل حماسك المتفاني في سبيل مجال علوم التاريخ ~~الطبيعي. هل لديك نسخة «إضافية» من قواعد التسمية ~~التي نشرت في «محاضر اجتماعات الجمعية البريطانية»؟ ~~إذا كانت لديك، وستعطيني إياها، فسوف أكون ممتنا ~~حقا؛ فإنني آبى شراء المجلد بالكامل من أجلها. لقد ~~وجدت القواعد مفيدة جدا؛ فمما يبعث على الاطمئنان ~~تماما أن يكون لديك شيء تستند إليه في بحر التسمية ~~المضطرب (ومن ثم، فإنني ممتن لك)، رغم أنني أجد أن ~~الالتزام بها دائما شديد الصعوبة. ولديك هنا حالة ~~(وأعتقد أنه كان يجب الالتفات إليها عند وضع القواعد)؛ ~~حيث إن أسماء الكورونولا والسينيراس # Cineras # والأوشن # Otion # استخدمها كوفييه ms340 ~~ولامارك وأوين، وتقريبا «كل» الكتاب المعروفين، ~~لكنني أجد أن أحد الألمان قد استبق تلك الأسماء ~~الثلاثة جميعا بأسماء أخرى؛ إذن أعتقد أنني إن كنت ~~سأتبع قاعدة الأسبقية الصارمة، فالضرر الذي سينجم عن ~~ذلك أكثر من النفع، ولا سيما أنني متأكد أن الأسماء ~~الجديدة المفترض استخدامها لن تستخدم. أعتقد أنني ~~أرفض تطبيق قاعدة الأسبقية في هذه الحالة؛ فهل تجد ~~غضاضة في أن ترسل إلي رأيك بهذا الشأن؟ لقد ~~جعلتني الظروف مؤخرا أفكر كثيرا في موضوع ~~التسمية، وقد وصلت إلى رأي راسخ بأن نهج إلحاق اسم ~~المكتشف الأول لأي نوع للأبد باسم هذا النوع، كان ~~أكبر لعنة حلت على علوم التاريخ الطبيعي. ومنذ بضعة ~~شهور، كتبت البحث الرديء المرفق، معتقدا أنني ربما ~~أثير الموضوع، لكن حماسي تلاشى، ولا أعتقد أنني ~~سأكرر هذا أبدا؛ وإنني أرسله إليك لعله يحظى ~~باهتمامك لمطالعة أفكاري. لقد أدهشني أن أجد أثناء ~~حديثي مع علماء التاريخ الطبيعي أن العديد منهم يرون ~~تقريبا ما أرى في هذه المسألة. وإنني واثق أنه ما دام يرضى غرور «تجار الأنواع» بأن يروا أسماءهم ~~تضاف للأنواع؛ لأنهم وصفوها على نحو بائس في سطرين ~~أو ثلاثة، فسيصير لدينا نفس الكم «الهائل» من العمل ~~السيئ الذي لدينا الآن، وهو ما يكفي ليثبط همة أي ~~رجل لديه استعداد لأن يهب أي فرع من العلم اهتمامه ~~ووقته. إنني أجد لكل جنس من هدابيات الأرجل ستة ~~أسماء، لكن لا يوجد وصف دقيق واحد لأي نوع في ~~أي من الأجناس. ولا أعتقد أن الحال كان سيصبح هكذا ~~لو كان كل رجل يدرك أن تخليد ذكرى اسمه يتوقف على ~~تأديته عملا على أكمل وجه، ولا يقتصر على إضافة ~~اسم إلى بضعة سطور هزيلة تشير إلى القليل من الصفات ~~الخارجية البارزة فحسب. لكنني لن أرهقك بالمزيد من ~~الخطابة المستفيضة. فلتقرأ بحثي أو لا تقرأه، فلتفعل ~~ما يحلو لك، وأرجعه متى أردت. # صديقك الوفي جدا # سي داروين # من هيو ستريكلاند إلى تشارلز داروين # ذا لودج، تيوكسبيري، 31 يناير، ~~1849 ~~... علي بعد ذلك ms341 تأمل اعتراضك الثاني - وهو أن ~~الاحتفاظ باسم المكتشف «الأول» للأبد مع اسم النوع، ~~هو مكافأة على عمل متسرع وغير متقن. هذه المسألة ~~مختلفة تماما عن مسألة قاعدة الأسبقية نفسها، ولم ~~يخطر على بالي قط، رغم أنه يبدو محتملا للغاية، أن ~~التطبيق العام لهذه القاعدة قد تنتج عنه تلك النتيجة. ~~لا بد أن نحاول مواجهة هذا الشر بطريقة أخرى. # ليس الهدف من إضافة اسم أحد الرجال لاسم أحد ~~الأنواع إشباع غرور هذا الرجل، وإنما تحديد النوع ~~بدقة أكثر. أحيانا يعطي رجلان، بالصدفة، نفس الاسم ~~(كل منهما على حدة) لنوعين من نفس الجنس. والأكثر ~~تواترا أن يخطئ كاتب لاحق في استخدام الاسم النوعي ~~لكاتب سابق له؛ ومن ثم فإن حلزون هيليكس بوتريس # Helix putris # الخاص بمونتاجو ليس هو حلزون هيليكس بوتريس الخاص ~~بلينيوس، رغم أن مونتاجو افترض أنه كذلك. في حالة ~~كهذه لا يمكننا الاكتفاء باسم هيليكس بوتريس فقط، ~~وإنما يجب إضافة اسم المؤلف الذي نقتبس كلامه. لكن ~~إن كان النوع لم يكن له سوى اسم واحد فقط (مثل غراب ~~القيظ)، ولم يحمل أي نوع من الغربان نفس الاسم، فمن ~~غير الضروري، بالتأكيد، أن نضيف اسم المؤلف. لكن ~~حتى في هذه الحالة أفضل إضافة اسم لينيوس لاسم ~~الطائر لأنه يذكرنا أنه أحد الأنواع القديمة، ~~المعروفة منذ زمن طويل، ويمكن العثور عليها في كتاب ~~«نظام الطبيعة» وغير ذلك؛ ولذلك أخشى أنه (على الأقل ~~إلى أن يصير نظام التسمية الخاص بنا أكثر استقرارا ~~على نحو تام) سيكون من المستحيل تحديد الأنواع بدقة ~~علمية، بدون إضافة اسم كاتبها الأول. يمكن بالتأكيد ~~أن تفعل هذا بالطريقة التي تقترحها، بأن تقول مثلا ~~«في كتاب لامارك عن اللافقاريات»، لكن عندئذ لن يكون ~~هذا متفقا مع قانون الأسبقية؛ إذ لا يمكن استخدام اسم ~~لامارك، ما دام قد خرق ذلك القانون. إلا أنه مما يساهم ~~في تحقيق درجة كبيرة من الدقة في التحديد أن تضيف ~~إلى الاسم النوعي (الأقدم) إشارة «واحدة» مناسبة إلى ~~عمل نموذجي، وحبذا إن كان إلى شخصية ms342 بارزة، مع مرادف ~~إذا لزم الأمر. قد تكون هذه الطريقة مرهقة، لكن ~~الإرهاق أقل شرا كثيرا من عدم اليقين. # كما أنه يبدو بالكاد ممكنا أن نطبق مبدأ ~~الأسبقية، دون المساعدة التاريخية التي تسديها إضافة ~~اسم الكاتب إلى الاسم النوعي. إذا أطلقت أنا، أحد ~~المنادين بقاعدة الأسبقية، على نوع ما اسم سي دي، ~~فهذا يوحي بأن سي دي هو أقدم اسم أعرفه؛ لكن حتى يمكن ~~لك ولآخرين الحكم على صلاحية الاسم، فيجب أن تعرف من ~~الذي صك الاسم أولا ومتى. أما إذا أضفت للاسم ~~النوعي سي دي الاسم إيه بي، اسم واصفه الأول ، ~~فسأمدك في الحال بدليل عن التواريخ التي أعطي ~~خلالها هذا الوصف، والكتاب التي ذكر فيه، وبهذا أساعدك ~~في تحديد ما إذا كان سي دي هو بحق الأقدم، ومن ثم ~~التسمية الصحيحة. # إلا أنني أقر بأن مبدأ الأسبقية (رغم جدارته)، ~~ينزع، عند إضافة اسم الكاتب، إلى التحريض على الغرور ~~والعمل غير المتقن. ورغم ذلك أعتقد أن ثمة الكثير ~~مما يمكن فعله لإحباط تلك التعريفات المبهمة وغير ~~المرضية التي شكوت منها عن وجه حق، عن طريق «التشهير» ~~بتلك الممارسة. لندع علماء التاريخ الطبيعي الأفضل ~~استعدادا يعترضون رسميا على كل التعريفات المبهمة ~~والمرسلة وغير الملائمة للأنواع الجديدة (المفترضة). ~~ولندع لجنة (تابعة للجمعية البريطانية مثلا) تعين ~~لإعداد قائمة بمختلف الأعمال الحديثة التي وصفت ~~فيها أنواع جديدة، مع ترتيبها وفقا للجدارة. وسيضم ~~المستوى الأدنى فيها أسوأ الأمثلة في هذا الشأن، وبهذا ~~سيتعرض مؤلفوها للخزي الذي يستحقونه، وسيشهر بهم ~~كرادع ليتعظ أولئك الذين قد يأتون بعدهم. # هكذا أكون قد أعربت عن آرائي بصراحة (وكما أرجو، ~~على نحو مفهوم) عما يبدو الحل الأفضل في الحالة ~~الانتقالية والخطيرة الحالية للتصنيف في علم الحيوان. ~~يتدافع نحو المجال عدد لا يحصى من العاملين، الذين ~~الكثير منهم غريبو النزعات وأنصاف متعلمين، وأعتقد ~~أن الجيل الحالي ملقى على عاتقه مسئولية ما إن كان ~~العلم سيئول للأجيال المستقبلية على هيئة كتلة ~~مشوشة أم تحكمه بعض القواعد والتنظيم. لو كان ~~باستطاعتنا تكوين ms343 مجلس نواب من الكيانات العملية ~~الرئيسية في أوروبا وأمريكا، لكان من الممكن فعل شيء، ~~لكن مما يبدو عليه الحال، أقر أنني لا أرى نفسي ~~قادرا على فعل شيء يتعدى محاولة متواضعة للقيام ~~بالخطوة الأولى في عملية الإصلاح. # صديقك إلى الأبد # إتش إي ستريكلاند # من تشارلز داروين إلى هيو ستريكلاند # داون، الأحد [4 فبراير، ~~1849] # عزيزي ستريكلاند # إنني حقا «شديد» الامتنان لك، على خطابك المستفيض ~~والشائق للغاية والواضح، وعلى التقرير أيضا. سوف أنظر ~~في حججك، ذات الأهمية الشديدة، لكن أقر مع ذلك أنني ~~لا أستطيع أن أحمل نفسي على رفض أسماء «معروفة» ~~جدا، ليس في بلد «واحد» فقط، ولكن حول العالم، ~~مقابل أسماء مجهولة؛ فقط لأنني لا أظن أن أحدا سيحذو ~~حذوي. أرجو أن تصدق أنني لن أخرق قانون الأسبقية ~~إلا في حالات نادرة. هلا قرأت المرفق (وأعدته لي)، ~~وأخبرني ما إذا كان لا يصيبك بالدهشة! (ملحوظة: ~~«أعدك» أنني لن أسبب لك المزيد من المتاعب.) أريد ~~إجابات بسيطة، وأرجو ألا تهدر وقتك في ذكر أسباب؛ ~~إنني متلهف لإجابتك بشأن حيوان بلوط البحر. لقد ~~طرحت مسألة الأوشين ... إلخ، على دابليو تومسون، ~~المتعصب لقانون الأسبقية، واستسلم بشأن هذه الأسماء ~~المعروفة. إنني في متاهة تامة من الشك حيال نظام ~~التسمية؛ فلا يوجد في جنس هدابيات الأرجل الكبير «أي» ~~نوع معرف تعريفا صحيحا؛ فالتعرف على أي نوع ~~هو مسألة تخمين محض (يسترشد فيه بالتوزع والشيوع ~~والعادات)؛ هكذا بالكاد أستطيع معرفة أي من هدابيات ~~الأرجل الجالسة البريطانية من الرسوم أو الأوصاف. لا ~~يمكنني تحمل إعطاء أسماء جديدة لكل الأنواع، لكنه ~~ربما سيكون من الخطأ أن أعطي أسماء قديمة بالتخمين ~~فحسب؛ في الوقت الحالي ليس لدي أدنى فكرة أي من ~~النوعين كان يقصد؟ كل الكتاب باسم أناتيفيرا ~~لافيس # Anatifera lævis ~~؛ لذلك فقد أعطيت ذلك الاسم ~~للنوع الأكثر شيوعا بعض الشيء. في واقع الأمر، لا ~~يوجد أي نوع موصوف وصفا دقيقا؛ فلم يتكبد أي ~~عالم تاريخ طبيعي مشقة أن يفتح صدفة أيا من ~~الأنواع ليصفها وصفا علميا، ورغم ذلك ms344 كل الأجناس ~~لديها نصف دزينة من الأسماء المرادفة. لنفترض «جدلا» ~~أنني أؤدي عملي بدقة تامة، لكن تصادف أن شخصا ~~أعطى أسماء للعينات الأصلية، لنقل مثلا شونو، الذي ~~رسم مئات الأنواع وأسماها، وهكذا فهو سيستطيع أن يلغي ~~كل أسمائي وفقا لقانون الأسبقية (فهو قد يؤكد أن ~~الأوصاف التي أعطاها كافية)؛ فهل تعتقد أنه من المفيد ~~للعلم أن يحدث هذا؟ أنا لا أعتقد ذلك، وأعتقد أن ~~الفائدة والجدارة (اللتين أذكرهما جدلا فحسب) كان لا بد أن يكون لهما دور. إن الموضوع يفطر القلب. # أرجو أن تقلب في رأسك من حين لآخر الحجة التي ~~سقتها عن الضرر الناتج عن إلحاق اسم المكتشف ~~بالأسماء النوعية؛ أستطيع أن أرى بوضوح شديد الضرر ~~«الشديد» الذي سببه ذلك، وقد وجدت بنفسي في علم ~~المعادن أنه لا يوجد ولع بإضافة المكتشفين أسماءهم ~~للمواد التي يكتشفونها؛ فلا يتولى أحد موضوعا دون أن ~~ينوي أن ينهيه على أكمل وجه؛ حيث يعلم أن سبيله ~~«الوحيد» للتميز يقوم فقط على قيامه بعمله بمهارة، ~~ولا علاقة له على الإطلاق ب «التسمية». لكنني أسلم ~~بإحدى النقاط، وأقر بأن الإشارة لاسم الواصف ~~الأول لا بد أن تحدث في كل الأعمال التصنيفية، ~~لكنني أعتقد أن ثمة فائدة ستجنى إذا ما ذكرت ~~الإشارة بدون إضافة اسم الكاتب فعليا كجزء من الاسم ~~الثنائي، وأعتقد أن الإشارة، على النحو الذي أقترحه، ~~إلا إذا كانت في الأعمال المنهجية، من شأنها أن تقمع ~~الغرور كثيرا. يخيل لي أن روحا فاسدة جدا تحوم ~~في جميع أنحاء علوم التاريخ الطبيعي، كأن التقدير لا ~~يستحقه الشخص إلا على تسمية أحد الأنواع وتعريفها؛ ~~وأنا أعتقد أنه يستحق القليل منه أو لا يستحقه على ~~الإطلاق. أما إذا درس أي نوع دراسة «دقيقة» ~~وتشريحية، أو درس مجموعة كاملة دراسة تصنيفية، ~~فالتقدير مستحق، لكنني أعتقد أن وصف أحد الأنواع ~~وحده لا يعد شيئا، وأنه لن يقع على من يقوم بذلك ~~«ظلم» إذا أغفلت الإشارة إليه، رغم ما يسببه ذلك ~~من مشاكل هائلة في علوم التاريخ الطبيعي. وأرى أن ms345 ~~أي شخص يصف أحد الأنواع لا يستحق تقديرا أكثر من ~~التقدير الذي يستحقه النجار على صنع صندوق. إنني ~~أتعامل بطيش وتشدد في مواجهة تجار الأنواع، أو ~~بالأحرى في مواجهة غرورهم؛ فعملهم عمل نافع وضروري لا بد أن ينجز؛ لكنهم يتصرفون كأنهم هم الذين صنعوا ~~الأنواع، وكأنها ملكيتهم الخاصة. # إنني أستخدم قائمة أسماء أجاسي؛ وعلى الأقل ثلثا ~~التواريخ المتعلقة بهدابيات الأرجل خاطئة خطأ ~~جسيما. # سوف أفعل ما بوسعي في مجال حفريات هدابيات الأرجل، ~~وسأكون ممتنا للغاية لتزويدي بالعينات، إلا أنني لا ~~أعتقد أن الأنواع (وبالكاد الأجناس) يمكن تعريفها ~~بالصمامات وحدها؛ فأشكالها تتباين كثيرا في كل ~~من الأنواع الحديثة التي فحصت، وإن وصف أحد ~~الأنواع بالصمامات فحسب، ليشبه وصف أحد سرطانات ~~البحر من خلال أجزاء «صغيرة» من درعه فقط، في حين أن ~~هذه الأجزاء متباينة لدرجة كبيرة، ولا تغطي ~~الأحشاء كما في القشريات. أقدم خالص اعتذاري على ~~المتاعب التي سببتها لك، لكنني بالتأكيد لن أسبب ~~لك المزيد منها. # صديقك الوفي # سي داروين # ملاحظة ~~: في مناقشاتي مع أوين وأندرو سميث، وجدتهما ميالين ~~كثيرا إلى التخلي عن عادة إلحاق أسماء الكتاب بالأنواع، ~~وأعتقد أنني إذا حركت حملة في هذا الشأن، فقد أحمل قطاعا ~~كبيرا على الانضمام إليها. اتفق دبليو تومسون معي على نحو ~~ما، لكنه لم يكن مستعدا للتوسع في الأمر بقدر ما ~~فعلت. # من تشارلز داروين إلى هيو ~~ستريكلاند # داون، 10 فبراير ~~[1849] # عزيزي ستريكلاند # مرة أخرى علي أن أشكرك شكرا حارا على خطابك. ~~ستؤتي ملاحظاتك ثمارها إلى حد ما، وسوف أحاول أن ~~أكون أكثر التزاما بقاعدة الأسبقية المتشددة؛ أما ~~بالنسبة لتسمية بلوط البحر باسم «ليباس» (وهو ما لم ~~يخطر لي)، فلا يمكنني فعله؛ فسيأبى قلمي كتابته - إنه ~~«مستحيل». وتحدوني آمال عريضة أن تتبدد بعض ~~الصعوبات التي أواجهها، والناتجة عن التواريخ الخاطئة ~~في كتاب أجاسي، واضطراري لدمج عدة أجناس في جنس ~~واحد؛ حيث إنني حتى الآن كنت ألجأ إلى المصادر ~~الأصلية، إلا في حالات قليلة. أما بالنسبة لتطبيق ~~أفكاري في كتابي عن هدابيات الأرجل، ms346 فلن أود فعل ~~ذلك دون أن أحصل على موافقة الآخرين، وبطريقة علنية ~~ما، ودون أن تكون مناسبة تماما بالطبع؛ فإنني لا ~~أستطيع مطلقا التعرف على نوع ما دون أن يكون لدي ~~العينة الأصلية، التي لحسن الحظ تتوفر لي في حالات ~~عدة في المتحف البريطاني. لكنني أنوي تطبيق قناعاتي، ~~في عدم إثبات ملكيتي أو وضع اسم «داروين» بعد اسم ~~أنواعي، أو تقديم أسماء أي كتاب على الإطلاق في ~~النص التشريحي؛ حيث إن الجزء التصنيفي سيفي بالغرض ~~لأولئك الذين يريدون معرفة تاريخ أحد الأنواع بالقدر ~~غير الكامل الذي أستطيع توضيحه. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر ~~[ذا لودج، مولفرن 28 مارس، ~~1849] # عزيزي هوكر # خطابك الذي بتاريخ 13 أكتوبر ظل بلا رد حتى هذا ~~اليوم! يا له من رد جاحد على خطاب أثار اهتمامي ~~للغاية، واحتوى على أشياء كثيرة ومعلومات مثيرة! ~~لكنني مررت بشتاء قاس. # في الثالث عشر من نوفمبر، توفي أبي العزيز المسكين، ~~ولا أحد ممن لم يعرفوه كان سيصدق أن رجلا تعدى ~~الثالثة والثمانين من العمر استطاع أن يحتفظ بطبيعة ~~مرهفة ومحبة للغاية، وبكل ما يتمتع به من بصيرة دون ~~أن تشوبها شائبة حتى النهاية. كنت أثناء ذلك معتلا ~~للغاية، حتى إنني لم أقو على السفر، مما زاد من ~~بؤسي. حقا كنت في حالة سيئة جدا طوال هذا الشتاء ~~... وبدأ جهازي العصبي يتأثر، حتى إن يدي كانتا ~~ترتعشان، وكان رأسي يدور كثيرا. ولم أكن أستطيع فعل ~~أي شيء لمدة يوم كل ثلاثة أيام، وكنت في يأس شديد ~~منعني من الكتابة إليك، أو فعل أي شيء إلا ما كنت ~~مضطرا إليه. وخال لي أن حياتي في طريقها للنهاية ~~سريعا. لكن حين سمعت بالصدفة، عن شخصين استفادا ~~كثيرا من العلاج المائي، حصلت على كتاب دكتور جالي ~~وقمت بالمزيد من الاستفسارات، وأخيرا انتقلت إلى هنا ~~مع زوجتي وأبنائي وكل خدمنا. فقد استأجرنا منزلا لمدة ~~شهرين، ونحن هنا منذ أسبوعين. لقد صرت أقوى قليلا ~~بالفعل. يساور الدكتور جالي يقين كبير أنه يستطيع أن ~~يعالجني، ms347 وهو ما لم يستطع فعله الأطباء العاديون بكل ~~تأكيد. إنني على ثقة أن العلاج المائي ليس ~~دجلا. # كم سأستمتع بالعودة إلى داون بصحة متجددة، إذا ~~أسعدني الحظ بذلك، واستكمال عملي العزيز عن ~~البرنقيلات. أرجو أن تسامحني على تقصيري بعدم الرد على ~~خطابك مبكرا. لقد أثار اهتمامي لدرجة غير عادية ~~الموجز الذي أعطيته عن رحلتك الاستكشافية الكبرى ~~المزمعة، التي أعتقد أنك سترجع منها سريعا. كم أرجو ~~صادقا أن يحالفها التوفيق في كل النواحي. ~~[حين كان أبي في مصحة العلاج المائي في مولفرن، حدث ~~له موقف مع موضوع الاستبصار، وهو ما يكتب عنه في ~~الاقتباس التالي من خطاب إلى فوكس ، بتاريخ سبتمبر، ~~1850. # إنك تتحدث عن المعالجة المثلية، وهو موضوع يثير غضبي، أكثر حتى من ~~الاستبصار. إن الاستبصار يتجاوز الإيمان، حتى إن قدرات المرء العادية ~~تنحى جانبا، لكن في المعالجة المثلية تدخل الملاحظة والإدراك السليم في ~~الاعتبار، وكلاهما لا بد أن يتنحيا جانبا، إذا كان للجرعات الصغيرة أن ~~يكون لها أي تأثير على الإطلاق. كم هي صحيحة الملحوظة التي رأيتها في ~~يوم سابق لكيتليه، فيما يتعلق بدليل الطرائق العلاجية؛ بعبارة أخرى، إنه ~~لا أحد يعلم فيما يتعلق بالمرض ما النتيجة المترتبة على عدم فعل شيء، ~~كمقياس للمقارنة مع المعالجة المثلية، وسائر الأشياء الأخرى المماثلة. لا ~~أملك سوى الاعتقاد أنه عيب مؤسف في عزيزي الدكتور جالي؛ أنه يؤمن بكل هذه ~~الأشياء. حين كانت الآنسة ... في غاية المرض، استعان بفتاة مستبصرة لتخبره ~~بالتغيرات الداخلية، ومنوم مغناطيسي ليجعلها تنام، وأحد المعالجين ~~المثليين، وهو الدكتور ... وعمل هو نفسه كمعالج مائي لها، والفتاة ~~تعافت. # يتبين في فقرة من خطاب سابق لهذا إلى فوكس (ديسمبر، ~~1844) أنه كان على نفس القدر من التشكك بشأن موضوع ~~التنويم المغناطيسي: «فيما يخص التنويم المغناطيسي، ~~فالبلد بأكمله تتردد فيه حقائق أو حكايات تثير الدهشة. ~~لقد سمعت للتو عن طفل، ذي ثلاثة أو أربعة أعوام (كنت ~~أعرفه هو وأبويه جيدا)، نومه أبوه مغناطيسيا، ~~وهي أولى الحقائق التي ذهلت لها. وإنني لن أصدق ~~الأمر تماما حتى ms348 أرى أدلة قوية أو أسمع بها عن ~~حيوانات (كما ذكر أنه ممكن) دخلت في سبات دون أن ~~تخدر؛ بالطبع استحالة ذلك لن تثبت أن التنويم ~~المغناطيسي لا أصل له؛ لكنها مجرد تجربة واضحة للحسم، ~~وإنني أتعجب لعدم اختبار الأمر بأسلوب منهجي. لو كان ~~التنويم المغناطيسي درس، كأنه علم، لما كان الأمر قد ~~ترك حتى الزمن الحاضر «ليتم على نحو مرض»؛ حيث ~~أعتقد أن أحدا لم يقم به. فلتأت ببعض القطط، واستعن ~~بمنوم مغناطيسي ليجري التجربة. أخبرني أحد الرجال ~~أنه قد نجح في التجربة، لكن تجاربه كانت مبهمة ~~للغاية، كما هو متوقع من شخص قال إن القطط يسهل ~~تنويمها أكثر من الحيوانات الأخرى؛ لأنها تحمل شحنات ~~كهربائية كثيرة!».] # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، 4 ديسمبر ~~[1849] # عزيزي لايل # لا يحتاج هذا الخطاب ردا، وإنني أكتبه منتشيا ~~بالزهو. لقد أرسل لي دانا تقريره عن «الجانب الجيولوجي ~~للبعثة الاستكشافية الخاصة بالولايات المتحدة»، وقد ~~قرأت لتوي الجزء الخاص بالمرجانيات. أقول، بكل ~~تواضع، «إنني مندهش من دقتي»! فإن كنت سأعيد الآن ~~تأليف كتابي عن المرجانيات، فبالكاد سأضطر لتغيير أي ~~جملة، ما عدا أنني كان لا بد أن أعزو للنشاط البركاني ~~الحديث أثرا أكبر في إعاقة نمو المرجانيات. ما دمت ~~قلت كل هذا، فيجب أن أضيف أن «تبعات» النظرية على ~~مناطق الهبوط قد جرت معالجتها في فصل مستقل لم أصل ~~إليه بعد، وأشك أننا سنختلف في ذلك أكثر. يتحدث دانا ~~عن اتفاقه مع نظريتي «في أغلب النقاط»؛ وأنا لا أستطيع ~~أن أجد نقطة يختلف فيها معي. وبالنظر إلى أنه رأى ~~شعابا مرجانية أكثر مما رأيت لدرجة هائلة، فهذا ~~الأمر يعطيني شعورا رائعا بالرضا. فهو يتعامل معي ~~بلطف شديد؛ ومن ثم، فإن كبريائي في حالة تامة من ~~الرضا. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # مولفرن، 9 أبريل، 1849 # عزيزي هوكر # في صباح اليوم التالي بعد أن أرسلت لك خطابي الأخير ~~(أعتقد في الثالث والعشرين من مارس)، تلقيت خطابيك ~~المثيرين الحافلين بالنميمة والجيولوجيا؛ وقد ~~تبادلت الأخير ms349 مع لايل مقابل خطابه بعد ذلك. سوف أكتب ~~بأسلوب عشوائي حسبما ترد الموضوعات. رأيت المقال ~~النقدي في دورية «ذا أثنيام»، ووجدت أنه كتب بنية ~~شريرة؛ لكن الداء بالكامل يكمن في القول بأنه لم يكن ~~ثمة جديد في ملاحظاتك بحيث تستحق النشر. لا أحد ~~يأبه هذه الأيام للمقالات النقدية. ولي أن أذكر أن ~~يومياتي تعرضت لبعض «القدح الشديد»، وجرى تناولها بنوع ~~من «الغطرسة» وما إلى ذلك، حتى انتهوا إلى القول بأن ~~العمل بدا «مكونا من قصاصات وترهات من يوميات ~~المؤلف». أقدر جدا بحق ما تقوله، وأصدقك تماما في ~~أن اهتمامك بالمقال محدود بما يتعلق بأبيك؛ وأن هذا ~~«وحده» ما يجعلك ترغب في رؤية أجزاء من خطاباتك تلقى ~~الانتباه اللائق في نفس الدورية. لقد تأملت بكل ما ~~أوتيت من قوة ما إن كان أي جزء من خطاباتك الحالية ~~مناسبا للنشر في دورية «ذا أثنيام» (التي ليس لي ~~اهتمام بها؛ فهؤلاء الأوغاد حتى لم «يعيروا أي ~~اهتمام» لأعمالي الجيولوجية الثلاثة التي أرسلتها ~~لهم)، وقد توصلت إلى نتيجة مفادها أنه من الأفضل ألا ~~ترسلها. يخالجني يقين، واضعا كل الظروف في الاعتبار، ~~أنه من الأفضل ألا ترسل أي شيء إلا إن كنت ستتجشم ~~العناء وتكتب «باهتمام» موجزا مكثفا وتاما ~~لإحدى السمات البارزة في أسفارك. كما أن هذين ~~الخطابين، بهما الكثير من المحتوى الجيولوجي بالنسبة ~~لدورية «ذا أثنيام»، ويكادان يحتاجان صورا مطبوعة من ~~قوالب خشبية. من ناحية أخرى، التفاصيل المتوفرة ليست ~~كافية بحيث يمكن عرضها أمام الجمعية الجيولوجية. لا ~~يساورني «أدنى شك» أن الحقائق التي لديك ذات أهمية ~~قصوى فيما يتعلق بالنشاط الجليدي في الهيمالايا؛ لكن ~~بدا لي أنا ولايل أن برهانك كان يجب أن يساق بوضوح ~~أكثر ... # لقد كتبت لك منذ وقت قريب جدا حتى إنني ليس ~~لدي شيء لأقوله عن نفسي؛ لقد منعتني حالتي الصحية عن ~~الاستمرار في حملة ضد إضافة العلماء أسماءهم لأسماء ~~الأنواع، وهو ما حذرتني من عواقبه. لقد عرضت بحثي ~~على ثلاثة أو أربعة علماء تاريخ طبيعي، واتفقوا ~~جميعا معي إلى ms350 حد ما: لو كنت متمتعا بصحتي ~~ونشاطي، لما كنت استسلمت، [و] أعتقد أنه بمساعدة نصف ~~دزينة من علماء التاريخ الطبيعي الأكفاء بحق، كان من ~~الممكن فعل شيء لمواجهة الولع البائس المخزي بتسمية ~~الأنواع. تتساءل في خطابك عن العلاقة بين «طيور الزينة ~~الداجنة» والبرنقيلات، لكن لا يغرك الاعتقاد أنني لن ~~أعيش حتى أفرغ من عملي عن الأخيرة، ثم أجعل نفسي أبدو ~~أحمق في موضوع الأنواع، الذي يكون في إطاره موضوع ~~طيور الزينة الداجنة شائقا جدا. # من تشارلز داروين إلى سي لايل # ذا لودج، مولفرن [يونيو، ~~1849] ~~... لقد وصلني كتابك [«زيارة ثانية إلى الولايات ~~المتحدة»]، وقرأت المجلد الأول كله وجزءا ~~صغيرا من المجلد الثاني (فالقراءة هي أصعب عمل ~~مسموح به هنا)، وقد أثار اهتمامي لدرجة بالغة. فهو ~~يجعلني تواقا لأكون أمريكيا. تريد إيما أن أقول ~~إنها «شعرت بارتياح خبيث» فيما يتعلق بصحة ملاحظاتك ~~حول التطور الديني ... أشعر بسعادة حين يخطر لي كم ~~ستثير استياء بعض المتعصبين والقائمين على التعليم ~~الجامعي. حتى الآن لم يكن به «الكثير» عن الجيولوجيا ~~أو التاريخ الطبيعي، وهو ما أرجو أن تكون خجلان ~~قليلا منه. تبدو لي ملاحظاتك حول كل الموضوعات ~~الاجتماعية لائقة بمؤلف كتاب «مبادئ»، إلا أنه لو ~~كنت أنا من كتبت «مبادئ» (أعلم أن هذا نوع من ~~التحيز والفخر)، لما كنت كتبت عن أي أسفار؛ لكني ~~أعتقد أنني أغار على مكانة كتاب «مبادئ» وعظمته أكثر ~~منك أنت نفسك. # من تشارلز داروين إلى سي لايل # 14 سبتمبر، 1849 ~~... إنني مستمر في جلساتي الخاصة بالعلاج المائي، وها ~~أنا أستعيد صحتي وقوتي بالتدريج ولكن ببطء. تحديت ~~كل التعليمات، وتناولت العشاء في تشيفنينج مع اللورد ~~ماهون، الذي شرفني كثيرا بزيارته لي، وإن كنت لا ~~أستطيع تخمين كيف سمع بي. وقد سحرتني الليدي ماهون، ~~وإن أي شخص ليتملكه الزهو أمام العبارات اللطيفة ~~التي جاءت من شفتيها الجميلتين عنك. أحب اللورد ~~ستانهوب العجوز كثيرا؛ رغم أنه أهان الجيولوجيا وعلم ~~الحيوان بشدة عندما قال: «الافتراض بأن الرب القدير ~~خلق العالم، ثم وجده عاطلا، فحطمه، ms351 ثم صنعه مرة ~~أخرى، ثم حطمه مرة أخرى، كما يقول الجيولوجيون، ما ~~هو إلا ترهات. إن وصف أنواع الطيور والأصداف ... إلخ، ~~ما هو إلا ترهات.» # إنني في سعادة غامرة أننا سوف نلتقي في بيرمينجهام؛ ~~إذ أثق من ذلك، إذا ظلت صحتي في تحسن. أعمل الآن ~~يوميا في أفرودة هدابيات الأرجل لمدة ساعتين ونصف، ~~وهكذا أتقدم فيها قليلا، لكن ببطء شديد. وأحيانا، ~~بعد العمل طوال أسبوع كامل وبعد وصف ربما نوعين ~~فقط، أجد نفسي متفقا فكريا مع اللورد ستانهوب أن ~~ذلك كله ترهات؛ إلا أنني قبل أيام وجدت حالة غريبة ~~لإحدى هدابيات الأرجل الوحيدة الجنس، وليس الخنثى؛ حيث ~~كان للأنثى السمات الشائعة لهدابيات الأرجل ، وكان ~~لديها في صمامي صدفتها جيبان صغيران، احتفظت في ~~«كل» منهما بذكر صغير؛ وليس لدي علم بأي ~~حالات أخرى حيث يكون للأنثى بنحو دائم زوجان. ما زال ~~لدي واقعة أغرب، وهي شائعة في عدة أنواع، وهي أنه ~~رغم أنها خنثى، فلديها ذكور صغيرة إضافية، أو ~~سأسميها، مكملة، وواحدة من العينات التي كانت خنثى، ~~كان لديها ما لا يقل عن سبعة، من هذه الذكور المكملة ~~ملتصقة بها. حقا إن حيل الطبيعة وعجائبها بلا حدود. ~~أعتذر عن إسهابي في الحديث عن هدابيات الأرجل كما فعلت ~~مع الجيولوجيا؛ يؤلمني الاعتقاد أنني قد لا يتاح لي ~~مرة أخرى الإحساس بالسعادة الشديدة المرتبط باستكشاف ~~منطقة جديدة، وبعث ضوء يبدد الظلمة والاضطراب ~~فيما يتعلق بإحدى المناطق المعروفة. هكذا لا بد أن ~~أبذل قصارى جهدي في بحثي عن هدابيات الأرجل. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 12 أكتوبر، 1849 ~~... بالمناسبة، كان من أمتع أجزاء اجتماع الجمعية ~~البريطانية رحلتي إلى بيرمينجهام مع السيدة سابين ~~والسيدة ريف والكولونيل؛ وكذلك الكولونيل سايكس ~~وبورتر. اتفقت أنا والسيدة سابين على نحو رائع حول ~~عدة نقاط، وأكثر ما كنا صادقين في اتفاقنا بشأنه هو ~~الأمور المتعلقة بك. تحدثنا عن خطاباتك من سفينة ~~إريبس؛ ووافقتني الرأي تماما أنك وصاحب وصف صيد ~~الماشية في جزر فوكلاند كان بإمكانكما تأليف كتاب ms352 ~~رائع معا! [كتب السير جيه هوكر الوصف المفعم بالحيوية ~~لصيد الماشية في كتاب السير جيه روس «رحلة استكشافية ~~في المناطق الجنوبية» 1847، المجلد الثاني، صفحة 245.] ~~إنها امرأة لطيفة للغاية، وكذلك أمها الحاذقة ~~الحكيمة. كانت بيرمينجهام غاية في الرتابة مقارنة ~~بأكسفورد، رغم أنني كنت مصطحبا زوجتي معي. وقد ~~التقينا كثيرا بآل لايل وهورنر وروبينسون (رئيس ~~الجمعية)؛ لكن المكان كان كئيبا، ومنعني سوء حالتي ~~من الذهاب إلى ووريك، رغم أن هذه الرحلة كانت، بكل ~~المقاييس، أدنى مرتبة كثيرا من تلك الخاصة ببلينيم، ~~ولا تقارن على الإطلاق باليوم الخلاب الذي قضيناه في ~~دروبمور. إن المرء ليعتريه الملل الشديد من كل هذا ~~الصراخ. # سألتني عن علاجي بالماء البارد؛ إنني مستمر فيه على ~~خير ما يرام، وحقا أشعر بتحسن طفيف في كل شهر، ~~وإن كنت أفضل حالا نهارا عن الليل. لقد بنيت منضحة، ~~وسوف أستحم باستخدامها طوال الشتاء، سواء كان هناك ~~صقيع أم لم. يشتمل علاجي الآن على التعرض لمصباح ~~كحولي خمس مرات أسبوعيا، والاستحمام في حوض ماء ~~ضحل لمدة خمس دقائق بعد ذلك؛ والتعرض للمنضحة لمدة ~~خمس دقائق والالتفاف بملاءة مبتلة يوميا. هذا ~~العلاج منشط على نحو رائع، وتعاقبت علي أيام هذا ~~الشهر وأنا في صحة أفضل من الشهور الماضية. أستطيع ~~الآن العمل ساعتين ونصف الساعة يوميا، وأجد هذا ~~أقصى ما في إمكاني؛ حيث إن العلاج بالماء البارد، مع ~~ثلاث جولات سير قصيرة، متعب لدرجة غريبة؛ حتى ~~إنني أجد نفسي «مجبرا» على الخلود للفراش في الساعة ~~الثامنة وأنا منهك تماما. وما زال وزني يزداد ~~باستمرار، وأتناول الطعام بكميات كبيرة، ولا أجبر ~~على الطعام مطلقا. لقد انتهى الانقباض اللاإرادي ~~لعضلاتي، وكل ما كان ينتابني من إغماءات وما شابه، ~~والبقع السوداء التي كانت تغشى عيني وما شابه. ~~يعتقد الدكتور جالي أنني سوف أشفى تماما خلال ستة أو ~~تسعة شهور أخرى. # أكثر ما يثير ضجري في العلاج المائي هو اضطراري ~~للامتناع عن أي قراءة، عدا قراءة الجرائد؛ فالعمل في ~~أفرودة البرنقيلات ساعتين ونصفا يوميا هو أقصى ما ~~يمكنني ms353 فعله من الأشياء التي تشغل ذهني؛ وبالتالي ~~فإنني متأخر لدرجة فظيعة في كل الكتب العلمية. اقتصر ~~عملي مؤخرا على وصف الأنواع فحسب، وهو أصعب كثيرا ~~مما توقعت، وبه من أنواع الإثارة ما للأحاجي لحد ~~كبير؛ لكن أعترف أنني كثيرا ما يصيبني العمل ~~بالإرهاق، وأحيانا لا أستطيع أن أكف عن سؤال نفسي ما ~~الجدوى من قضاء أسبوع أو أسبوعين في التأكد أن بعض ~~الاختلافات الملحوظة بالكاد تندمج معا لتشير إلى ~~ضروب لا أنواع. ما دمت أعمل في التشريح لا أجد نفسي ~~بتاتا في ذلك المزاج المقزز الفظيع المتسائل عن ~~الفائدة في القيام بالأشياء. مرة أخرى، يا له من عمل ~~بائس أن تبحث عن الأسماء ذات الأسبقية ! انتهيت للتو ~~من نوعين لهما سبعة أسماء أجناس وأربعة وعشرون اسما ~~نوعيا! إن أكثر ما أجد فيه الراحة هو الاعتقاد بأن ~~العمل لا بد أنه سيتم في وقت ما، وأنني قد أنجزه، ~~مثل أي شخص آخر. # لقد توقفت عن حملتي ضد إلحاق أسماء العلماء ~~بالأنواع، أما البحث الخاص بي، فهو طويل بما لا يسمح ~~لي أن أرسله لك، لذلك لا بد أن تراه، إن كنت تود ~~ذلك، حين ترجع. بالمناسبة، تقول في خطابك إنك تولي ~~عملي عن الأنواع اهتماما أكبر من عملي عن البرنقيلات؛ ~~هذا خطأ كبير من ناحيتك؛ فإنني أرى أن اهتمامك الشديد ~~ببحثي البسيط حول البرنقيلات مقارنة ببحثي النظري عن ~~الأنواع كان له أثر كبير جدا فيما قررته من ~~الاستمرار في الأول، وتأجيل بحثي عن الأنواع ... ~~[يشير الخطاب التالي إلى وفاة ابنته الصغيرة، وهو الأمر الذي ~~حدث في مولفرن في الرابع والعشرين من أبريل، 1851.] # من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس # داون، 29 أبريل ~~[1851] # عزيزي فوكس # لا أعتقد أنك قد سمعت بخسارتنا الأليمة والقاسية. ~~بينما كانت صغيرتنا العزيزة المسكينة آني في حالة ~~طيبة جدا في مولفرن، انتابتها نوبة قيء، وظننا في ~~البداية أنها ليست ذات أهمية، لكنها سريعا ما أخذت ~~شكل حمى مستمرة ومخيفة، وهي التي قضت عليها خلال ~~عشرة أيام. أحمد الله ms354 أنها لم تعان مطلقا، وأسلمت ~~الروح في وداعة مثل ملاك صغير. عزاؤنا الوحيد أنها ~~عاشت حياة سعيدة، وإن كانت قصيرة. لقد كانت طفلتي ~~المفضلة؛ فمشاعرها الودود وصراحتها وبهجتها المرحة ~~وعواطفها الجياشة جعلتها محبوبة للغاية. يا للروح ~~الصغيرة العزيزة المسكينة! إنني أشعر بها حولي في كل ~~مكان. # من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس # داون، 7 مارس ~~[1852] # عزيزي فوكس # لقد مضى حقا وقت طويل منذ أن جرى بيننا أي اتصال، ~~وكنت سعيدا للغاية لتلقي خطابك. لقد تذكرت الصمت ~~الذي طال أمده بيننا منذ عدة أسابيع، وفكرت حينذاك في ~~الكتابة إليك، لكنني كنت مريضا. أهنئك وأواسيك ~~في الوقت نفسه على طفلك «العاشر»؛ أرجو منك أن ترسل لي ~~مواساتك فقط حين أرزق بطفلي العاشر. لدينا الآن سبعة ~~أطفال، كلهم في خير حال، حمدا لله، وكذلك أمهم. إن ~~خمسة من هؤلاء من الأولاد، وقد اعتاد أبي أن يقول إنه ~~من المؤكد أن المتاعب التي يأتي بها الولد تساوي ~~متاعب ثلاث بنات؛ هكذا يصير لدينا سبعة عشر طفلا في ~~الواقع. ينتابني الغثيان كلما فكرت في المهن؛ ~~فجميعها تبدو سيئة لدرجة ميئوس منها، وحتى الآن لا ~~يمكنني أن أرى أي بصيص من الأمل بشأنها. أود ~~بشدة أن أتحدث عن هذا (بالمناسبة، مصادر قلقي ~~الثلاثة هي أولا اكتشاف الذهب في كاليفورنيا ~~وأستراليا؛ حيث إن هذا سيجعلني معدما بأن يجعل أموالي ~~المستثمرة في الرهونات بلا قيمة؛ وثانيا أن يأتي ~~الفرنسيون عبر طريقي ويسترام وسيفيناوكس، وهكذا ~~يطوقون داون؛ وثالثا، المهن التي سيعمل بها أبنائي)، ~~وأرغب في التحدث عن التعليم، الذي سألتني عما سنفعله ~~بشأنه. لا يمكن لأحد أن يحتقر بحق التعليم ~~الكلاسيكي النمطي الغبي أكثر مني؛ إلا أنني لم أتحل ~~بالشجاعة الكافية لعدم الالتحاق به؛ فبعد شكوك عديدة، ~~أرسلنا للتو ابننا الأكبر إلى راجبي؛ حيث وضع في ~~مكان مناسب جدا لسنه ... أكن لك الاحترام ~~والإعجاب وأحسدك على تعليم أبنائك في المنزل. ماذا ~~عسانا أن نفعل بأبنائنا؟ قبيل نهاية هذا الشهر سنذهب ~~لرؤية ويليام في راجبي، ومن هناك نتوجه إلى ms355 شروزبيري ~~لقضاء خمسة أو ستة أيام مع سوزان؛ بعد ذلك سأعود ~~للمنزل للعناية بالأطفال، وستذهب إيما إلى إف ويدجوود ~~في إتروريا لمدة أسبوع. أشكرك شكرا جزيلا على دعوتك ~~الشديدة الرقة والكرم للذهاب إلى ديلامير، لكن أخشى ~~أننا لا نستطيع تدبر ذلك؛ فأنا أتوجس من الذهاب ~~لأي مكان، بسبب تدهور معدتي بسرعة مع أي انفعال. ~~وأنا الآن نادرا ما أذهب إلى لندن؛ ليس لأنني أسوأ ~~حالا، بل قد أكون بالأحرى أفضل حالا، وأعيش حياة ~~مريحة جدا بثلاث ساعات من العمل اليومي، لكنها حياة ~~زاهد. تمر علي الليالي «دائما» صعبة، وذلك يحول دون ~~أن أصبح نشيطا. تسألني عن العلاج المائي. أنا أخضع كل ~~شهرين أو ثلاثة، لخمسة أو ستة أسابيع من العلاج ~~المكثف بعض الشيء، ودائما ما يأتي ذلك بنتائج طيبة. ~~إنني لأرجو وأتضرع إليك أن تأتي هنا متى استطعت أن ~~تجد الوقت لذلك؛ فلا تعلم كم سيجلب هذا لي ولإيما من ~~سعادة. لقد انتهيت من المجلد الأول لصالح جمعية راي ~~عن هدابيات الأرجل ذوات السويقات، الذي ستحصل عليه ~~قريبا، بصفتك عضوا في الجمعية كما أعتقد. اقرأ الوصف ~~الذي وضعته للنوع الجنسي فيما يتعلق بالإبلا # Ibla # والسكالبيلوم # Scalpellum ~~. أعمل ~~الآن في دراسة هدابيات الأرجل الجالسة، وأعياني ~~التعب من العمل؛ على الرجل أن يعمل ثماني ساعات ~~يوميا على الأقل حتى يكون عالم تاريخ طبيعي ~~منهجيا. كأنك أطلعت على ما بداخلي حين قلت إنني ~~لا بد أن أكون قد تمنيت رؤية آثار الكارثة التي حلت ~~بقرية هومفيرث؛ فمنذ أسبوع كنت أقول لإيما إنني لو ~~كنت على عهدي في الماضي، لكنت رحلت إلى هناك على ~~الفور. لقد سألتني عن إيرازموس؛ إنه على نفس الحال ~~إلى حد كبير؛ تقريبا في توعك مستمر. وسوزان أفضل ~~كثيرا، وفي عافية وسعادة غامرة. أما كاثرين فهي في ~~روما، وقد استمتعت بها لدرجة مدهشة تماما بالنسبة ~~لعظامي المسنة اليابسة. والآن أعتقد أنني أخبرتك ~~بما يكفي، وأكثر مما يكفي عن آل داروين؛ لذا علي أن ~~أودعك الآن يا صديقي العزيز الغالي. كم ms356 كانت سعيدة ~~الأوقات التي قضيناها في احتساء القهوة في غرفتك في ~~كلية كرايست، ونحن نفكر في خنفساء الصليب الأرضية. ~~أوه، في تلك الأيام لم يكن يشغلنا مهن الأبناء، ولا ~~نخشى عليهم من اعتلال صحتهم، ولا ذهب كاليفورنيا، ولا ~~غزو الفرنسيين. كم يصير للمستقبل أهمية قصوى عن ~~الحاضر حين يحيط بالمرء أطفاله! وما يثير ذعري هو ~~اعتلال الصحة الوراثي. حتى الموت يبدو أفضل ~~لهم. # خالص تحياتي عزيزي فوكس، صديقك ~~المخلص # سي داروين # ملحوظة: # كانت سوزان تعمل ~~مؤخرا بطريقة أراها بطولية بحق فيما يتعلق بالانتهاك ~~الفاضح لقانون مكافحة استخدام الأطفال في تنظيف المداخن. لقد ~~أقمنا جمعية صغيرة في شروزبيري لمقاضاة أولئك الذي يخرقون ~~القانون. وقد تكفلت سوزان بالأمر كله. وقد تلقت خطابات ~~لطيفة جدا من اللورد شافتسبري ودوق ساذرلاند، لكن إقطاعيي ~~شروبشير القساة في جمود الحجر. يبدو أن انتهاك القانون أكثر ~~شيوعا خارج لندن. إن المرء لتنتابه القشعريرة حين يتخيل أحد ~~أبنائه وهو في السابعة يجبر على صعود مدخنة لتنظيفها، ~~ناهيك عما يتبع ذلك من أمراض شديدة وأطراف متقرحة ومهانة ~~معنوية تامة. إذا كان هذا الموضوع يشغلك بشدة، فلتجر بعض ~~الاستفسارات، وأضف لأعمالك الطيبة الكثيرة هذا العمل، وحاول ~~إلهاب حماس القضاة. هناك أشخاص كثر يثيرون ضجة في أجزاء ~~مختلفة من إنجلترا بصدد هذا الموضوع. ليس مرجحا جدا أنك ~~قد ترغب في فعل ذلك، لكن يمكنني أن أرسل لك بعض المقالات ~~والمعلومات إذا أردت ذلك، سواء لتقرأها أو ~~لتوزعها. # من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس # داون [24 أكتوبر، ~~1852] # عزيزي فوكس # تلقيت هذا الصباح خطابك الطويل والعزيز جدا ~~علي، وسوف أجيب عليه هذا المساء؛ إذ سأكون مشغولا ~~للغاية مع أحد الرسامين، الذي سيرسم هدابيات الأرجل، ~~وسأظل مثقلا بالأعمال طوال الأسبوعين القادمين. ~~لكنك تستحق مني أولا توبيخا كبيرا - وأرجو أن تعتبر ~~نفسك قد وبخت على هذا النحو - للاعتقاد أو كتابة ~~أنني قد ينتابني الضجر من أي كم من التفاصيل ~~تخبرني به عنك أو عما يخصك؛ فهذا فقط ما أهوى سماعه؛ ~~صدقني أنني كثيرا ما ms357 أفكر في الأيام الخوالي ~~التي قضيتها معك، وأحيانا لا أستطيع أن أصدق كم ~~كان المرء مبتهجا وغير مبال في تلك الأيام. وكثيرا ~~ما تذكرني أمسيات الخريف الصافية بجولات الصيد التي ~~تنطلق من أوزموستون. يؤسفني بحق أننا نعيش بعيدا ~~جدا عن بعضنا، وأن تحركاتي قليلة جدا. كنت مؤخرا ~~في صحة طيبة على غير العادة (بدون علاج مائي)، لكن ~~لا أجد قدرتي على تحمل أي تغيير أفضل من ذي قبل ... فمنذ ~~أيام، ذهبت إلى لندن وعدت منها، فأعاد إلي ~~الإجهاد، وإن كان طفيفا، نوباتي السيئة من القيء. ~~يحز في نفسي ما سمعته عن توعك صدرك، وأرجو مخلصا ~~حقا أن يكون الألم ناتجا عن العضلات فحسب؛ كثيرا ~~ما يتعب صوت رجال الدين. أستطيع أن أتفهم جيدا ~~إحجامك عن الافتراق عن جماعتك الكبيرة السعيدة والذهاب ~~إلى الخارج؛ لكن حياتك ثمينة للغاية، لذلك يجب أن تكون ~~حذرا للغاية بشأنها قبل فوات الأوان. إنك تسأل عنا ~~جميعا؛ لدي الآن خمسة أولاد (آه من المهن! وآه من ~~الذهب! وآه من الفرنسيين! هذه الآهات الثلاثة ~~تشكل مصادر قلق مفزعة) وبنتان ... لكن هناك مصدر ~~آخر للقلق وهو الأسوأ وهو الضعف الوراثي. كل شقيقاتي ~~بخير ما عدا السيدة باركر، التي ساءت صحتها كثيرا. ~~أما عن إيرازموس، فهو في حالته الصحية الضعيفة ~~المعتادة: لقد انتقل مؤخرا إلى شارع كوين آن. سمعت ~~عن زواج شقيقتك فرانسيس المزمع. أعتقد أنني رأيتها قبل ~~ذلك، لكن ذاكرتي تأخذني للوراء نحو خمسة وعشرين عاما ~~مضت حين رأيتها وهي مريضة. أتذكر جيدا نظرة السرور ~~على محياها. أتمنى لها بإخلاص شديد السعادة ~~التامة. # أرى أنني لم أجب على نصف استفساراتك. يروق لنا ~~كثيرا ما رأيناه من مدرسة راجبي وما سمعناه عنها، ولم ~~نندم قط على إرسال [ويليام] إلى هناك. أعتقد أن ~~المدارس تحسنت كثيرا منذ زمننا؛ لكنني أكره ~~المدارس وكل جوانب النظام الذي ينتهك المشاعر الأسرية ~~بفصل الأولاد في مرحلة مبكرة جدا من حياتهم عن ~~أسرهم؛ لكنني لا أرى بدا من ذلك، ولا أجرؤ على ~~المجازفة بتعريض شاب ms358 لمغريات العالم دون أن يكون قد ~~خضع للمحنة الأقل وطأة بدخول إحدى المدارس ~~الكبرى. # أرى أنك تسأل حتى عن أشجار الإجاص التي لدينا. لدينا ~~الكثير من أشجار الإجاص من نوعية بير دي ألينبيري ~~ووينتر نيليس، وماري لوي، وغيرها من «أفضل أنواع أشجار ~~الإجاص»، لكن كلها غريبة؛ لقد حملت الأشجار القصيرة ~~القياسية ثمارا قليلة، لكن ليس لدي مساحة لمزيد من ~~الأشجار؛ لذا ستكون أسماؤها بلا جدوى لي. يجب حقا أن ~~تأخذ إجازة وتأتي لزيارتنا يوما ما؛ فلا يمكن أن تجد ~~ترحيبا أكثر حرارة في أي مكان آخر. أعمل الآن في ~~المجلد الثاني من عملي عن هدابيات الأرجل، التي ~~أرهقتني مخلوقاتها إرهاقا شديدا. إنني لأبغض ~~البرنقيل كما لم يبغضه أحد قط من قبل، حتى إن كان ~~بحارا على متن سفينة بطيئة الإبحار. لقد نشر ~~مجلدي الأول، والجزء الوحيد الذي يستحق المطالعة هو ~~الذي عن النوع الجنسي في الإبلا والسكالبيلوم. أرجو أن ~~أكون قد انتهيت من عملي المضجر بحلول الصيف القادم. ~~وداعا، فلتأت متى استطعت أن تتدبر ذلك. # لا أملك سوى الرجاء أن يأتي الدمل عليك بفائدة؛ فقد ~~سمعت عن أنواع كثيرة من الأمراض التي اختفت إثر ~~الإصابة بدمل. أعتقد أن الألم رهيب. أتفق معك تماما ~~بشدة أن مادة الكلوروفورم اختراع رائع. إن تفكير ~~المرء في أبنائه يزيد سعادته على نحو كبير. منذ بضعة ~~أيام خلعت خمسة ضروس (اثنان منهما بالمخلاع) في جلسة ~~واحدة تحت تأثير هذه المادة الرائعة، ولم أشعر بشيء ~~تقريبا. # خالص تحياتي صديقي العزيز الغالي، صديقك المحب ~~جدا # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس # داون، 29 يناير ~~[1853] # عزيزي فوكس # لم تكن أخبارك الأخيرة التي نقلتها لي منذ عدة شهور ~~مرضية حتى إنني لم أنفك أفكر فيك، وسأكون ~~ممتنا حقا إذا كتبت لي سطورا قليلة، وأخبرتني ~~فيها كيف صار حال صوتك وصدرك. أرجو صادقا أن تكون ~~أخبارك طيبة ... ثاني أبنائنا لديه ميول ميكانيكية ~~قوية، ونفكر في أن نجعله مهندسا. سوف أحاول أن ~~أجد له مدرسة أقل كلاسيكية، ربما ms359 بروس كاسل. أود ~~بالطبع أن أرى تنوعا في التعليم أكثر من الموجود في ~~أي مدرسة عادية - حيث لا يوجد استخدام لملكات ~~الملاحظة أو الاستدلال، أو اكتساب لمعلومات عامة - ~~أعتقد أنه نظام بائس. من ناحية أخرى، الفتى الذي ~~تعلم المثابرة في تعلم اللغة اللاتينية والتغلب ~~على صعوباتها، لا بد أن يكون قادرا على المثابرة في ~~أي مجال. سأكون دائما مسرورا بسماع أي شيء عن ~~المدارس أو التعليم منك. ما زلت أعمل في موضوعي ~~القديم الذي يبدو أنه بلا نهاية، لكنني متأكد أنني ~~سأذهب للمطبعة خلال شهور قليلة بمجلدي الثاني حول ~~هدابيات الأرجل. سرني كثيرا أن أجد أن أوين وقلة ~~آخرين اعتقدوا صحة بعض الحقائق الغريبة التي وردت في ~~مجلدي الأول، وهذا الرأي الطيب اعتبره نهائيا ... ~~فلتكتب لي في القريب العاجل، وأخبرني بكل ما تستطيع ~~عن نفسك وأسرتك؛ وأرجو أن تكون أخبارك عن نفسك أفضل ~~كثيرا من أخبارك الأخيرة. ~~... لم أزر لندن كثيرا مؤخرا، ولم أر لايل منذ ~~عودته من أمريكا؛ كم كان محظوظا حين استخرج بيديه ~~أجزاء من ثلاثة هياكل عظمية لزواحف من طبقات العصر ~~الكربوني، ومن داخل شجرة متحفرة، كانت مجوفة من ~~الداخل. # الوداع يا عزيزي فوكس، صديقك المحب # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس # 13 سي هاوسيز، إيستبورن ~~[15 (؟) يوليو، 1853] # عزيزي فوكس # إننا هنا في حالة شاملة من التبطل، وفي هذا ~~رفاهية لي. وأعتقد أننا جميعا كنا سنصبح في حالة من ~~السعادة الفائقة، لولا العواصف الباردة المقيتة ~~والأمطار الكثيرة، وهو ما يسبب دائما الكثير من ~~الضجر للأطفال وهم بعيدون عن ديارهم. تلقيت خطابك ~~الذي يحمل تاريخ الثالث عشر من يونيو، بينما كنت أكدح ~~بشدة مع السيد ساوربي في وضع الرسوم من أجل مجلدي ~~الثاني؛ ولذلك فقد أجلت الرد عليه حتى أجد ~~متسعا من الوقت. لقد سرني لأقصى درجة أن أتلقى ~~خطابك. كنت قد نويت منذ عدة شهور أن أرسل لك خطاب ~~توبيخ قاسيا أو مستعطفا لأعلم كيف كان حالك، حتى ~~التقيت بالسير بي إيجرتون، الذي أخبرني ms360 أنك بخير، ~~وكالعادة، أبدى إعجابه بأعمالك، خاصة في الزراعة، ~~وعدد الحيوانات، بما في ذلك الأطفال، التي تحتفظ بها ~~في أرضك. أحد عشر طفلا، السلام عليك يا مريم! أعتقد ~~أنهم يمثلون مصدر قلق هائل لك. في واقع الأمر، أنا ~~أنظر لأولادي الخمسة باعتبارهم هما فظيعا، وأكره ~~مجرد التفكير في المهن التي سيمتهنونها، إلخ. لو كان ~~بوسع المرء أن يضمن لهم صحة جيدة، فلن يهم ذلك ~~كثيرا، فأنا لا يسعني سوى أن أرجو أن يتحسن مستوى ~~المهن بعض الشيء، مع الهجرات الضخمة. لكن ما يثير ~~جزعي هو الضعف الوراثي. أود بوجه خاص سماع كل ~~ما يمكنك قوله عن التعليم، وإنك تستحق التوبيخ على ~~قولك إنك «لم تقصد «الإثقال علي» بقصة طويلة.» لقد ~~سألتني عن مدرسة راجبي. إنها تروق لي تماما، ~~استنادا إلى نفس المبدأ الذي يحب لأجله جاري، السير ~~جيه لاباك مدرسة إيتون، وهو أنها ليست أسوأ من أي ~~مدرسة أخرى. إن المصروفات، وجميع الأشياء الأخرى ~~المشابهة، بما في ذلك بعض الملابس، ومصروفات السفر، ~~إلخ، تتراوح بين 110 و120 جنيها إسترلينيا سنويا. ~~لا أعتقد أن المدارس سيئة كما كانت، كما أنها أكثر ~~اجتهادا بكثير. أعتقد أن الأولاد يعيشون في عزلة ~~شديدة في دراساتهم المنفصلة؛ وأشك أنهم سيختلطون ~~كثيرا بالآخرين كما اعتاد الأولاد قبل ذلك؛ وهذا، في ~~رأيي، ميزة كبيرة للمدارس الداخلية على المدارس ~~الصغيرة. وأعتقد أن ميزة المدارس الصغيرة الوحيدة على ~~المنزل هو الانتظام الإجباري للأولاد في عملهم، وهو ~~ربما ما يحصل عليه أبناؤك في منزلك، وما لا أعتقد أن ~~أبنائي سيحصلون عليه في منزلي. بخلاف ذلك، من المؤسف ~~تماما إرسال الأولاد بعيدا عن منزلهم في مرحلة ~~مبكرة جدا من حياتهم. ~~... دعنا نعد للحديث عن المدارس. اعتراضي الرئيسي ~~عليها بصفتها أماكن للتعليم، هو القدر الهائل من الوقت ~~الذي يقضى في دراسة الكلاسيكيات. يخيل لي (رغم أنه ~~قد يكون مجرد خيال) أنني أستطيع ملاحظة الأثر السيئ ~~والانكماشي على ذهن ابني الأكبر، من وقف اهتمامه ~~بأي شيء يلعب فيه الاستدلال والملاحظة دورا. يبدو ~~أن ms361 ملكة الحفظ والتذكر وحدها هي التي تستخدم. لا شك ~~أنني سوف أبحث عن مدرسة ذات دراسات أكثر تنوعا من ~~أجل أبنائي الأحدث سنا. كنت أتحدث مؤخرا إلى ~~رئيس كاتدرائية هيرفيرد، المؤمن إيمانا قويا جدا ~~بوجهة النظر هذه؛ حيث أخبرني أن إحدى المدارس في ~~هيرفيرد ستبدأ في هذه الخطة؛ وأن الدكتور كينيدي في ~~شروزبيري سيشرع متحمسا في تعديل تلك المدرسة ~~... # يسرني «للغاية» أن أسمع أنك استحسنت عملي عن ~~هدابيات الأرجل. لقد بذلت قدرا يكاد يكون غير ~~منطقي من الجهد في هذا الموضوع، ولا شك أنني ما كنت ~~لأعمل به لو كنت توقعت ما به من مشقة. أرجو أن ~~أنتهي من المجلد الثاني بحلول نهاية العام؛ فلتكتب ~~ثانية دون أن يمر زمن طويل جدا؛ إنه من دواعي ~~سعادتي الحقيقية أن أسمع أخبارك. الوداع، مع أطيب ~~تحيات زوجتي لك وللسيدة فوكس. # مع حبي يا صديقي العزيز الغالي # سي داروين # من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس # داون، 10 أغسطس ~~[1853] # عزيزي فوكس # أشكرك شكرا جزيلا على الكتابة إلي بهذه السرعة ~~بعد مصابك الفادح جدا. لشد ما تأثرت بخطابك! ~~وكلانا يعزيك بشدة حقا أنت والسيدة فوكس؛ فنحن ~~أيضا، كما قد تذكر، فقدنا منذ مدة ليست بعيدة ~~جدا، طفلة عزيزة للغاية، لا أملك حتى الآن التفكير ~~فيها ساكن النفس. بيد أن الزمن، كما لا بد أنك عرفت ~~من تجربتك الشديدة المرارة، يخفف آلام المرء ~~وأحزانه ويخمدها، على نحو عجيب حقا. لا شك أن ~~الأمر يكون صعبا في البداية. لكن لا يسعني سوى أن ~~أرجو العافية لك وللسيدة فوكس المسكينة، وأن يجلب ~~الدهر صروفه برفق، ويجمع شملكم جميعا معا، مرة ~~أخرى، كعهد الأسرة السعيدة التي كونتها مؤخرا، كما ~~أثق تماما. # مع حبي يا عزيزي فوكس، صديقك # تشارلز داروين ~~[يشير الخطاب التالي لميدالية الجمعية الملكية، التي منحت ~~له في نوفمبر 1853.] # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 5 نوفمبر ~~[1853] # عزيزي هوكر # من بين الخطابات التي تلقيتها هذا الصباح، كان أول ~~خطاب فتحته من الكولونيل سابين؛ وقد أدهشني ms362 المحتوى ~~كثيرا بلا شك، لكن رغم أن الخطاب كان «رقيقا جدا»، ~~فبطريقة ما، لم أهتم كثيرا بالإعلان الذي احتواه. ~~بعد ذلك فتحت خطابك، فكان له أثر الدفء والود واللطف ~~لأنه جاء من شخص عزيز، حتى إن الحقيقة نفسها، ~~بالطريقة التي قلتها بها، جعلت السعادة تغمرني حتى ~~ارتجف قلبي من الفرحة. صدقني عندما أقول إنني لن ~~أنسى سريعا السرور الذي بعثه في خطابك؛ فتلك ~~المشاركة الوجدانية المخلصة الحنونة أهم من كل ~~الميداليات التي تمنح أو ستمنح. أشكرك مرة أخرى يا ~~عزيزي هوكر. أرجو ألا يعرف ليندلي [جون ليندلي ~~(1799-1865)] أنه كان منافسا لي؛ فعدم حصوله على ~~الميدالية قبلي بفترة طويلة يعد أمرا «سخيفا» (أنت ~~بالطبع لن تخبر أحدا على الإطلاق بقولي هذا؛ فالآخرون ~~سيظنون أنه نوع من التصنع من جانبي، وإن كنت أعتقد ~~أنك لن تظن ذلك)؛ أنا «متأكد» أنك فعلت الصواب تماما ~~بترشيحه، ورغم ذلك كم كنت رفيقا طيبا وعزيزا ~~ورقيقا لابتهاجك بهذا الشرف الذي منح لي! # إن «السعادة» التي شعرت بها في هذه المناسبة أدين ~~بها كاملة لك. # الوداع يا عزيزي هوكر # صديقك المحب # سي داروين # ملحوظة: # لك أن تصدق كم ~~كان الأمر مفاجأة لي؛ حيث لم أسمع قط أن الميداليات يمكن أن ~~تمنح إلا للأبحاث المنشورة في «محاضر اجتماعات الجمعية». كل ~~هذا سيجعلني أعمل بحماس أكثر على إتمام المجلد الثاني. # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، 18 فبراير ~~[1854] # عزيزي لايل # كان لا بد أن أكتب لك قبل ذلك، لولا تأكدي من ~~ذهابك إلى تينيريف، أما الآن فإنني في غاية السرور ~~لسماعي أن إحرازك مزيدا من التقدم شيء أكيد؛ وليس ~~السبب أنني لدي الكثير من أي نوع لأقوله، كما قد ~~يخطر لك حين تسمع أنني لم أذهب إلى لندن سوى مرة ~~واحدة منذ سافرت. وقد سررت بوجه خاص، منذ يومين، ~~لرؤية خطابك إلى السيد هورنر، بما حمله من أخبار ~~جيولوجية؛ كم أنت سعيد الحظ لشفاء ركبتيك! إنني مذهول ~~لما تحكيه عن الجمال الذي هناك، رغم أنني أعتقد أنه ms363 ~~رائع. إن التفكير في تسلقك تلك الوديان المنحدرة ~~ونزولك منها يجعلني أحسدك بشدة حقا. ويا لها من ~~مجموعة جميلة التي تنتظرك عند رجوعك من رحلاتك ~~الاستكشافية! كثيرا ما أفكر في البهجة التي ~~اعترتني حين تفحصت الجزر البركانية، بل يمكنني حتى ~~تذكر صخور بعينها قمت بالدق عليها، ورائحة الجروف ~~الساخنة السوداء الجفائية؛ لكن يبدو أنك لم تنل ~~الكثير من تلك الروائح «الساخنة». إنني أحسدك حقا. ~~كم أود لو كنت معك، وأتأمل الوديان السحيقة ~~والضيقة. # كم هي فريدة جدا المعلومة التي ذكرتها عن أن ميل ~~الطبقات أكبر حول محيط الجزيرة عنه في منتصفها؛ هل ~~تفترض أن الارتفاع كان له شكل القبة المسطحة؟ أتذكر ~~أنني «كثيرا» ما كنت أندهش حين كنت في سلاسل جبال ~~أمريكا الجنوبية من انحدار طبقات الأرض بقدر أكبر ~~في السلاسل «المنخفضة المتطرفة جدا»، مقارنة ~~بالأغلبية العظمى للجبال الداخلية. أعتقد أنه كان ~~سيخطر لك أن تقيس بدقة عرض أي قواطع صخرية في ~~قمة أي جرف كبير وقاعه (وهو ما فعله السيد سيرل ~~[؟] في سانت هيلينا)؛ فطالما بدا لي أنه من «الغريب ~~جدا» عدم تلاشي التصدعات «أكثر» في المناطق ~~العليا. بالكاد أستطيع تذكر أي أخبار لأخبرك بها؛ ~~فلم أر أحدا منذ كنت في لندن، حين سررت برؤية ~~فوربس في أفضل حال، وكان ممتلئا ومتين البنية ~~تماما. ورأيت في المتحف بعضا من الذهب الخام الثمين ~~لدرجة مدهشة المجلوب من شمال ويلز. كذلك أخبرني رامزي ~~أنه نسب مؤخرا كمية كبيرة من الحجر الرملي الأحمر ~~الجديد وتيهيات الأسنان إلى العصر البرمي. لا شك أنك ~~تطالع الجرائد، وتعلم أن إي دو بومون صار سكرتيرا ~~دائما، وسيصبح أقوى نفوذا عن ذي قبل، حسبما أعتقد، ~~وقد أخذ لو فيريه مكان أراجو في المرصد الفلكي. كذلك ~~عقد مؤخرا اجتماع في الجمعية الجيولوجية، حيث طرح ~~بريستويتش (حسب ما أخبرني به آر جونز) نظريتك؛ أقصد ~~تلك القائلة بأن كل الطين الأحمر والحجر الصوان ~~المنتشرين بالقرب من الهضبة الطباشيرية هي رواسب ~~ناتجة عن التحلل البطيء للطباشير! # أما نحن، فليس هناك أخبار ms364 بشأننا، وكلنا على ما ~~يرام. منذ فترة، أقام معنا آل هوكر لمدة أسبوعين، ~~ومما أثار بهجتنا للغاية أن هنزلو قد جاء إلينا، وكان ~~في حالة تامة من الهدوء والراحة هنا؛ فإنه لمن بواعث ~~السعادة أن ترى وجها هادئا وطيبا وذكيا هكذا. ~~كانت المخاوف من وجود مشكلة بقلبه هائلة، لكنني، ~~أدعو الرب، ألا يكون لها أي أساس. لقد نشر كتاب ~~هوكر [«مذكرات الهيمالايا»]، وقد أعد على نحو «غاية ~~في الجمال». وقد أسدى إلي شرفا لا حد له بإهدائه ~~إلي! أما أنا، فقد وصلت للصفحة رقم 112 من عملي عن ~~البرنقيلات، وهذه هي قصتي مجملة. بالمناسبة، بما أنك ~~مهتم كثيرا بأمريكا الشمالية، فلي أن أذكر أنني ~~تلقيت خطابا من بحار زميل في أستراليا، يقول إن ~~المستعمرة تتحول إلى النظام الجمهوري حتما بسبب ~~تدفق الأمريكيين إليها، وإن كل المشروعات الرائعة ~~المبتكرة لاستخراج الذهب يضعها وينفذها هؤلاء ~~الرجال. يا لها من أمة سباقة! فلتبلغ الليدي لايل ~~والسيدة بانبري وبانبري أطيب تحياتي. أرجو من كل قلبي ~~أن يكون بجزر الكناري عشرة أضعاف ما في ماديرا من ~~إثارة، وأن تسير كل الأمور على خير حال مع مجموعتك ~~كلها. # الوداع يا عزيزي لايل # مع وافر إخلاصي وحبي لك # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 1 مارس ~~[1854] # عزيزي هوكر # انتهيت أمس مساء من قراءة المجلد الأول [من كتاب ~~«مذكرات الهيمالايا»]، وأهنئك بإخلاص شديد على إنتاج ~~«كتاب من الطراز الأول»؛ كتاب سيكتب له الخلود بلا ~~ريب. ولا يساورني شك أنه سيأخذ مكانه الصحيح ~~باعتباره معيارا، ليس فقط لأنه يحتوي على مادة قوية ~~بحق، لكن أيضا لأنه يعطي صورة للبلد بالكامل؛ فبإمكان ~~المرء أن يشعر أنه قد رآه (مثلما انتابني شعور غير ~~مريح للغاية عند القراءة عن بعض الجسور والمنحدرات ~~الشديدة)، وكذلك «يدرك» كل السمات الطبيعية الرائعة. ~~لديك بالفعل سبب للفخر؛ فلتتأمل كم هم قليلون ~~الرحالة الذين لديهم معرفة عميقة بمجال واحد، ~~واستطاعوا إلى جانب ذلك أن يضعوا خريطة (والتي هي ~~بالمناسبة إحدى أكثر الخرائط التي ms365 رأيتها تميزا، ~~ولهذا السبب أدعو لك بالبركة) وأن يدرسوا الجيولوجيا ~~والأرصاد الجوية! كنت أعتقد أنني أعرفك معرفة جيدة ~~جدا، لكن لم يكن لدي أدنى فكرة أن أسفارك كانت هي ~~هوايتك؛ لكنني سعيد بالكتاب بحق؛ فأنا على يقين أنه ~~لن يأتي عليك أنت والسيدة هوكر أبدا الوقت الذي لن ~~تشعرا فيه بالفخر حين تتذكران الجهد الذي بذل في ~~هذين المجلدين الرائعين. # إن خطابك، الذي تلقيته هذا الصباح، أثار اهتمامي ~~«لأقصى درجة»، وأشكرك بحق على إخباري بتطلعاتك ~~وأفكارك القديمة. وكل ما تقوله يزيد من شعوري العميق ~~بالسعادة من الإهداء، لكن هل تذكر، أيها الرجل ~~الشرير، أنك سألتني كيف سيكون شعور لايل حيال إهداء ~~العمل إليه في اعتقادي؟ أتذكر كيف أجبت بحزم، وأفترض ~~أنك أردت أن تعرف كيف سأشعر؛ من كان يتخيل أنك بهذا ~~المكر؟ إنني سعيد أنك أبديت القليل من الطموح حيال ~~كتابك؛ فلا بد أنك تذكر أنني طالما وبختك لعدم ~~إيلاء قدر أكبر من الاهتمام بالشهرة، رغم أنني يجب، ~~في نفس الوقت، أن أقر أنني كنت أحسدك وأبجلك ~~لكونك متحررا (متحررا للغاية، كما اعتقدت ~~دائما) من هذه العلة التي تعد «آخر رذيلة يتخلى ~~عنها ...» ولا تقل «ليس لدي سابقة قط في هذا الشأن؛ ~~كان الشبح موجودا دائما» لأنك سرعان ما ستجد أشباحا ~~أخرى ماثلة أمامك. كم أعرف هذا الشعور جيدا، بل ~~كانت معرفتي به في الماضي أكثر حيوية؛ لكن أعتقد أن ~~حالة معدتي قد أوهنت لحد كبير حماسي السابق ~~الصرف للعلم والمعرفة. # إنني أكتب خطابا طويلا لدرجة غير معقولة، لكن لا بد أن أعود إلى كتابك، الذي لم أقل عنه أي شيء ~~بالتفصيل. بادئ ذي بدء، تبدو لي الصور والخرائط ~~أفضل ما رأيت على الإطلاق؛ ويبدو لي الأسلوب واضحا ~~وضوحا مثاليا في كل الأجزاء (ويا لها من فضيلة ~~نادرة الوجود!) وبعض الفقرات بليغة حقا. كم هي ~~ممتازة الطريقة التي وصفت بها الوديان العلوية، وكم ~~هو بغيض طقسها! تملكني هلع شديد من تلك الليلة ~~المخيفة التي تساقطت فيها الثلوج والتي قضيتها على ms366 ~~منحدرات كينتشين. ولم أندهش لشيء قدر اندهاشي من ~~قوتك البدنية؛ وكل تلك الجسور المزعجة! حسنا، الحمد ~~لله! إنه ليس من المرجح «كثيرا» أنني قد أذهب إلى ~~الهيمالايا على الإطلاق! لقد أثار اهتمامي الكثير من ~~الجوانب العلمية، خاصة كل ما ورد عن تلك الركامات ~~الجليدية الرائعة. أعتقد بالطبع أنني أتخيل الوديان ~~بوضوح أكثر إلى حد ما، ربما لرؤية وديان تاهيتي. لا ~~يمكنني الشك أن الهيمالايا تدين فيما يتعلق بكل ~~معالمها للمياه الجارية، وأنها تعرضت لهذا النشاط ~~لمدة أطول من أي جبال (وصفت حتى الآن) في العالم. ~~يا له من تناقض مع جبال الأنديز! # ربما تود أن تسمع القليل جدا الذي يمكنني قوله ~~من نقد، وهذا ينطبق فقط على البداية؛ حيث لم تكن هناك ~~«انسيابية» كافية (وهو الأمر الذي فاجأني) حتى بلغت ~~مدينة ميرزابور على نهر الجانج (لكن الجزء الخاص ~~بقطاع الطريق الهنود كان مثيرا للاهتمام للغاية)، ~~حيث بدا أن التيار حملك على نحو أكثر رصانة لجمل ~~أطول وحقائق ومناقشات أكثر امتدادا، إلخ. أتساءل ما ~~إذا كان هذا الجزء لا يمكن تلخيصه في الطبعة الجديدة ~~(إنني مسرور لما سمعته عن أن موراي قد باع الطبعة ~~الأولى كلها). وإذا وضع الجزء الخاص بالطقس في حواش ~~سفلية، فإنني أعتقد أن هذا سيكون من قبيل التحسين ~~الجيد. إن رؤية الأسماء اللاتينية مكتوبة بخط مائل، ~~وكلها مختلطة بأسماء إنجليزية مكتوبة بخط عادي ~~تجعلني حزينا للغاية، رغم أن العالم بأسره يرى ~~بخلاف ذلك، لكن لا بد أن أتحمل هذا العبء، حيث يبدو أن ~~كل رجال العلم يعتقدون أن تأنيق اللغة اللاتينية ~~بكتابتها بخط عادي مثل اللغة الإنجليزية القديمة ~~المسكينة سيفسدها. حسنا، إنني فخور جدا ب «كتابي»؛ ~~لكن ثمة أمرا واحدا يضجرني، وهو أنني لا ~~أميل كثيرا إلى سؤال الناس إذا كانوا قد اطلعوا ~~عليه، وعن رأيهم فيه؛ فإنني أشعر أنني متماه معه ~~بشدة، حتى إن تلك الأسئلة تصير شخصية بعض الشيء؛ لذلك، ~~لا أستطيع أن أخبرك برأي الآخرين. لكنك سترى في دورية ~~«ذا أثانيام» مقالة نقدية جيدة ms367 عنه. # يا له من خبر رائع الذي ورد من تاسمانيا! إنه حقا ~~حدث هام ويستحق التقدير للمستعمرة. [إنه يشير إلى ~~منحة طوعية من الحكومة الاستعمارية لتغطية نفقات ~~كتاب السير جيه هوكر، «نباتات تاسمانيا».] إنني دائما ~~ما أشيد قصورا في الهواء بشأن الهجرة، وكانت ~~تاسمانيا مقرا لي مؤخرا؛ ومن ثم، أشعر بفخر ~~شديد ببلدي المختار؛ فذلك الحدث بحق فريد ومبهج ~~للغاية، لتناقضه مع ضعف تقدير العلم في بلدي القديم. ~~أشكرك من كل قلبي على خطابك هذا الصباح، وعلى كل ~~البهجة التي أعطاها لي إهداؤك، لكن لا أستطيع مقاومة ~~التفكير في كم سيزدريك ... لعدم إهداء الكتاب لأحد ~~الرجال العظام، وهو الذي كان سيأتي عليك وعلى الكتاب ~~ببعض الفائدة في نظر العالم. آه يا عزيزي هوكر، لقد ~~كنت شديد الحماقة في هذا الأمر، وبهذا تبرر ما أقوله ~~عن عدم اكتراثك لشهرتك بالقدر الكافي. أتمنى أن ~~أكون مستحقا لرأيك الطيب في من جميع النواحي. ~~الوداع. كم من السار أن تستريح أنت والسيدة هوكر من ~~أعبائكم الكثيرة! ... # الوداع مرة أخرى. لقد كتبت خطابا طويلا جدا. ~~أراك لاحقا، وليباركك الرب. # تحياتي لك هوكر، صديقك إلى الأبد # سي داروين # ملحوظة: # لقد ألقيت للتو ~~نظرة عاجلة على خطابي غير المترابط، وأرى أنني لم أبح ~~بإعجابي الشديد على الإطلاق بحجم الجهد العلمي الذي قمت به، في ~~فروع كثيرة جدا؛ فهو عظيم حقا. ولديك حق أن تلتمس بعض ~~الراحة، أو حتى أن تقول، إذا كان هذا يروق لك، إن «ساعة مجدي ~~قد ولت»، لكنني أشعر بثقة تامة أن فجر مجدك والاعتراف العام ~~بقيمتك قد بدأ يشرق للتو. ~~[في سبتمبر، من عام 1854، كان عمله عن هدابيات الأرجل قد ~~انتهى تقريبا، فكتب إلى الدكتور هوكر مخبرا إياه ~~بذلك: # لقد كنت أبدد وقتي خلال الأسابيع القليلة الماضي ~~بطريقة مضجرة؛ جزئيا في التكاسل، وأشياء متفرقة، وإرسال ~~عشرة آلاف من عينات البرنقيلات من المنزل لشتى أنحاء العالم. ~~لكنني سوف أشرع خلال يوم أو اثنين في الاطلاع على ملحوظاتي ~~القديمة حول الأنواع. كم سيكون لدي من ms368 أشياء لأناقشها معك، ~~ولا بد أن أبدو ذكيا حتى لا «أصير» واحدا من أكثر الأشخاص ~~إثارة للضجر في الحياة، بالنسبة للقليلين من أمثالك الذين ~~لديهم الكثير من المعرفة.] # الفصل العاشر # | تطور كتاب «أصل الأنواع» # [في القسم الذي يتناول أعمال أبي المنشورة في الفصل الثاني، وصف ~~تطور كتاب «أصل الأنواع» وصفا مختصرا بكلمات أبي. الخطابات ~~الواردة في الفصل الحالي والفصول التالية ستوضح ما جرى إيجازه ~~في هذا القسم وتسهب فيه. # من الجلي أنه لم يكن يشعر في المرحلة المبكرة من رحلة ~~«البيجل» أن التعبير عن نفسه بلغة تقليدية تماما فيما يتعلق ~~بنشأة الأنواع الجديدة يتعارض مع رؤيته؛ ومن ثم، فقد كتب # 1 # في عام 1834 في بالبارايسو قائلا: «لقد وجدت بالفعل ~~طبقات من أصداف حديثة ما زالت محتفظة بلونها على ارتفاع بلغ ~~1300 قدم، وبالأسفل ، الأرض المنبسطة مليئة بها. والفرضية التي ~~مفادها أن انعدام الحيوانات قد يكون راجعا إلى عدم خلق أي منها ~~منذ ارتفاع هذه المنطقة من قاع البحر تبدو لي غير مستبعدة ~~تماما.» # هذه الفقرة لا ترد في كتاب «يوميات الأبحاث» المنشور، الذي ~~انتهت آخر بروفة طباعة له في عام 1837؛ وهذه الحقيقة منسجمة مع ~~التغير الذي نعلم بأنه كان جاريا في آرائه. لكن في كتاب «يوميات ~~الأبحاث» المنشور نجد فقرات تعرض وجهة نظر متوافقة مع التاريخ ~~الطبيعي اللاهوتي التقليدي أكثر من توافقها مع آرائه اللاحقة؛ ~~هكذا، حين يتحدث عن الطيور التي من جنس سينالاكسيس # Synallaxis # وجنس سايتالابوس # Scytalopus ~~(الطبعة الأولى، ~~صفحة 353؛ والطبعة الثانية، صفحة، 289) يقول: «عند العثور، كما في ~~هذه الحالة، على أي حيوان يبدو أنه يلعب دورا ضئيلا جدا في ~~المسار العظيم للطبيعة، يميل المرء للتساؤل لماذا قد خلق ذلك النوع ~~المميز.» # إن المقارنة بين طبعتي كتاب «يوميات الأبحاث» مهمة، حيث تعطينا ~~فكرة عن نمو آرائه حول التطور. إنها لا تعطينا مؤشرا حقيقيا ~~عن حجم الفرضية التي كانت تتشكل في ذهنه، لكنها ترينا أنه كان ~~واثقا من صحة اعتقاده لدرجة كافية مما سمح بظهور لمحة أكبر عن ~~التطور ms369 في الطبعة الثانية. لقد ذكر في سيرته الذاتية (ارجع للفصل ~~الثاني) أنه لم تكن لديه رؤية واضحة عن مدى صحة فكرة الانتقاء ~~الطبيعي حتى قرأ كتاب مالثس. كان هذا في عام 1838، بعد عام من ~~انتهائه من الطبعة الأولى (التي لم تنشر حتى عام 1839)، وقبل ~~كتابة الطبعة الثانية بخمسة أعوام (1845). ومن ثم، حدثت نقطة ~~التحول في تكوين نظريته في الفترة بين كتابة الطبعتين. # سأعرض لكم أولا بضع فقرات تكاد تكون متطابقة في الطبعتين، ~~وبالتالي فهي مهمة للغاية لتوضيحها رؤيته في عام 1837. # لا بد أن حالة نوعي جنس المولثرس # Molothrus ~~(الطبعة الأولى، صفحة 61؛ والطبعة ~~الثانية، صفحة 53) إحدى أولى الحالات التي لاحظ بها وجود أنواع ~~نموذجية - وهي إحدى الظواهر التي نعلم أنها (انظر السيرة الذاتية ~~في الفصل الثاني) أدهشته بشدة. ويوضح النقاش حول الحيوانات ~~المستقدمة (الطبعة الأولى، صفحة 139؛ والطبعة الثانية ، صفحة ~~120) كم كان متأثرا بالاعتماد المتبادل المعقد بين سكان منطقة ~~معينة. # ترد وجهة نظر مشابهة في النقاش (الطبعة الأولى، صفحة 98؛ ~~والطبعة الثانية، صفحة 85) الخاص بالاعتقاد الخاطئ بأن الحيوانات ~~الكثيرة تحتاج، من أجل إعاشتها، غطاء نباتيا غزيرا؛ يستخدم ~~للتدليل على عدم صحة وجهة النظر هذه مقارنة بين الحيوانات في ~~جنوب أفريقيا وأمريكا الجنوبية، والغطاء النباتي في القارتين. ~~المثير في النقاش أنه يبين بوضوح جهلنا التام بظروف المعيشة ~~المناسبة لأي كائن. # ثمة فقرة اقتبست أكثر من مرة لارتباطها بنشأة آرائه. وهي ~~تناقش الاختلاف الصارخ بين أنواع الفئران في شرق وغرب الأنديز ~~(الطبعة الأولى، صفحة 399): «ما لم نفترض أن نفس النوع قد خلق في ~~بلدين مختلفين، فلا يمكننا أن نتوقع أن يفوق التشابه بين ~~الكائنات الحيوية على الجانبين المتقابلين للأنديز ذلك الموجود ~~بين الكائنات على ساحلين يفصل بينهما مضيق بحري عريض.» وفي ~~الطبعة الثانية، في صفحة 327، تكاد تأتي هذه الفقرة متطابقة ~~لفظيا، وتكاد تكون هي نفسها. # ثمة فقرات أخرى في الطبعة الثانية تحمل طابعا تطوريا على ~~نحو أكبر، لكنها بخلاف ذلك شبيهة بالفقرات المناظرة لها في ~~الطبعة الأولى. هكذا، عند وصف الحيوان القارض توكو توكو # Tuco-tuco ms370 # الأعمى (الطبعة ~~الأولى، صفحة 60؛ والطبعة الثانية، صفحة 52)، لا يشير في الطبعة ~~الأولى إلى ما كان لامارك سيعتقده بشأنه، ولا تستخدم الحالة ~~كمثال على التعديل، كما في طبعة عام 1845. # وفي الطبعة الثانية (صفحة 173) تأتي فقرة مثيرة للاهتمام حول ~~العلاقة بين «الدرداوات المنقرضة، وحيوانات الكسلان وآكل النمل ~~والمدرع الحية.» ~~«لا يساورني شك أن هذه العلاقة العجيبة بين الحيوانات ~~المنقرضة والحية في القارة نفسها، ستلقي مزيدا من الضوء من الآن ~~فصاعدا على ظهور كائنات حيوية على أرضنا، واختفائها منها، أكثر ~~من أي فئة أخرى من الحقائق.» # لا ترد هذه الجملة في الطبعة الأولى، لكنه كان على ما يبدو ~~متعجبا للغاية من اختفاء الأسلاف العملاقة للحيوانات الحالية. ~~والاختلاف بين المناقشات في الطبعتين يخبرنا بالكثير. في كلتا ~~الطبعتين، ثمة تأكيد على جهلنا بظروف المعيشة الخاصة ~~بالحيوانات، لكن في الطبعة الثانية، يصاغ النقاش بحيث يؤدي إلى ~~بيان واضح عن شدة الصراع من أجل البقاء. ثم يتلو ذلك مقارنة بين ~~الندرة والانقراض، مما يقدم فكرة أن بقاء الأنواع الموجودة ~~وسيادتها يتوقفان على درجة تأقلمها مع الظروف المحيطة. في ~~الطبعة الأولى، نجده فقط «ميالا للاعتقاد في كون علاقات بسيطة ~~مثل تغير المناخ والطعام، أو دخول أعداء، أو زيادة عدد الأنواع ~~الأخرى، سبب تعاقب الأجناس.» لكنه أخيرا (في الطبعة الأولى) ~~ينهي الفصل بمقارنة بين انقراض أحد الأنواع واستنزاف ضروب من ~~أشجار الفاكهة واختفائها؛ كما لو كان يعتقد أن كل نوع قد كتب ~~عليه الحياة لمدة غامضة عند خلقه. # يثير الاختلاف في تناول مسألة جالاباجوس بعض الاهتمام. في ~~الطبعة الأولى، جرت الإشارة إلى النمط الأمريكي للكائنات الموجودة ~~في الجزر، وكذلك حقيقة أن الجزر المختلفة لديها أشكال حيوية خاصة ~~بها، لكن أهمية المسألة كلها لا تطرح بقوة؛ هكذا، في الطبعة ~~الأولى، يقول فقط: # هذا التشابه في النمط بين القارات والجزر البعيدة، مع اختلاف ~~الأنواع في الوقت نفسه، بالكاد نال القدر الكافي من الملاحظة. قد ~~يفسر هذا الوضع، حسب وجهات نظر بعض المؤلفين، القول بأن ~~قوة الخلق قد عملت بالقانون نفسه على ms371 امتداد منطقة كبيرة. ~~(الطبعة الأولى، صفحة 474) # هذه الفقرة غير موجودة في الطبعة الثانية، والتعميمات حول ~~التوزيع الجغرافي أوسع وأكثر اكتمالا. وهكذا، فهو يتساءل: # لماذا كانت كائناتها الأصلية، متشابهة ... بنسب مختلفة في النوع ~~والعدد عن تلك التي في القارة، وبالتالي تؤثر على بعضها البعض ~~بأسلوب مختلف؛ لم خلقت على أنماط التكوين الأمريكي؟ (الطبعة ~~الثانية، صفحة 393) # يظهر الاختلاف نفسه في المعالجة في مكان آخر في هذا الفصل؛ حيث ~~يأتي وصف التدرج في شكل منقار الثلاثة عشر نوعا المتقاربة من ~~طائر الحسون دون تعليق في الطبعة الأولى (صفحة 461). أما في ~~الطبعة الثانية (صفحة 380)، فهو يخلص إلى الآتي: # قد يخيل إلى المرء من ندرة الطيور في هذا الأرخبيل، أن أحد ~~الأنواع قد أخذ وجرى تعديله من أجل غايات مختلفة. # بوجه عام يبدو لي عدم وجود قدر أكبر من الاختلاف بين ~~الطبعتين جديرا بالملاحظة؛ فهو دليل آخر على حذر المؤلف ~~وانضباطه في معالجة نظريته. بعد قراءة الطبعة الثانية من «يوميات ~~الأبحاث»، نجد بشعور حاد بالاندهاش مدى تطور آرائه في 1837. ~~ونستطيع تكوين رأي واضح حول هذه النقطة من دفاتر الملاحظات التي ~~كان يدون فيها أفكارا ورؤى مستقلة. وسوف أقتبس من دفتر ~~الملاحظات الأول، الذي انتهى منه بين يوليو 1837 وفبراير 1838، ~~وأكثر ما يجعل هذا مهما هو أنه يعطينا معرفة عميقة بالحالة التي ~~كانت عليها أفكاره قبل قراءة كتاب مالثس. لكن حيث إن الملاحظات ~~مكتوبة بأسلوبه الشديد التعجل، فسنجد أن كثيرا جدا من الكلمات ~~محذوفة، حتى إنه كثيرا ما يتعسر الوصول إلى معنى. سأعرض ~~الاقتباسات كما كانت مكتوبة مع استثناءات قليلة (تدل عليها ~~أقواس مربعة). غير أن علامات الترقيم قد غيرت، وصوبت الأخطاء ~~القليلة الواضحة حين بدا ذلك ضروريا. والاقتباسات ليست معروضة ~~بالترتيب، وإنما مصنفة على نحو ما. # يفسر الانحدار لماذا الحيوانات الحديثة من نمط الحيوانات ~~المنقرضة نفسه، وهو قانون شبه مثبت. # يمكننا أن نرى سبب شيوع بنية ما في بلاد معينة حين بالكاد ~~نستطيع تصديق ضرورتها، لكن ما دام ذلك كان ضروريا لواحد من ~~الأسلاف، فالنتيجة ms372 لا بد أن تصير إلى ما هي عليه؛ ومن ثم، نجد ~~الظباء في رأس الرجاء الصالح؛ والجرابيات في أستراليا. # أعظم الاختلافات تكون بين المناطق التي انفصلت منذ زمن طويل ~~- إذا كان الانفصال منذ عصور سحيقة، ربما يظهر نمطان متباينان، ~~لكن لكل منهما أشكاله النموذجية - كما في أستراليا. # هل سينطبق هذا على المملكة الحيوية بأسرها حين برد كوكبنا ~~في البداية؟ # يوضح الاقتباسان التاليان كيف طبق نظرية التطور على «المملكة ~~الحيوية بأسرها»، من النباتات حتى الإنسان. # إذا فضلنا أن نطلق العنان للفرضية، فقد نقول بأن ~~الحيوانات، التي تعد رفاقنا في الألم والمرض والموت والمعاناة ~~والجوع، والتي نستعبدها في أشق الأعمال، ونصاحبها في لحظات لهونا ~~- ربما تشاركنا النشأة من سلف مشترك؛ فربما ننصهر جميعا ~~معا. # الاختلاف في القدرات العقلية بين الإنسان والحيوانات ليس ~~كبيرا كالاختلاف بين الكائنات الحية التي ليست لديها ملكة التفكير ~~(النباتات)، والكائنات الحية التي تتمتع بملكة التفكير ~~(الحيوانات). # مرة أخرى تتعلق الاقتباسات التالية بوجهة نظر استدلالية حول ~~احتمال نشأة الأنواع عن طريق التناسل أو الانتشار (أو ما كان ~~يسميه «الانحدار»). # ربما يجب أن تسمى شجرة الحياة بالشعبة المرجانية للحياة، ~~التي منبت فروعها ميت؛ ومن ثم، لا يمكن رؤية ~~التحولات. # ربما لم يكن ثمة مرتبة تطور بين الخنزير والتابير قط، ~~إلا أنهما انحدرا من جد ما مشترك؛ هكذا إن كانت المراتب الوسيطة ~~أنتجت عددا لا نهائيا من الأنواع، فالأرجح أن السلسلة كانت ~~ستصبح أكثر كمالا. # ويتحدث في موضع آخر عن الأشكال الوسيطة، فيقول: # يعترض كوفييه على فكرة انحدار الأنواع بقوله: لماذا لم تكتشف ~~أشكال وسيطة بين الباليوثيريوم Palæotherium # والميجالونيكس # Megalonyx # والمستودون، والأنواع الموجودة ~~الآن؟ حسنا، وفقا لنظريتي (في أمريكا الجنوبية) قد يكون الأب لكل ~~حيوانات المدرع شقيقا للبهضم - العم الذي انقرض الآن. # وحين يتحدث في موضع آخر عن الأشكال الوسيطة، يقول ~~ملاحظا: # سيقول المعارضون: «أرنا إياها». وسأجيب أنا: حسنا، إذا ~~أريتموني كل درجة بين كلاب البولدوج والكلاب السلوقية. # هنا نرى أن حالة الحيوانات الداجنة كانت موجودة في ذهنه بالفعل ~~لارتباطها بإنتاج ms373 الأنواع الطبيعية. وبطبيعة الحال يؤدي اختفاء ~~الأشكال الوسيطة إلى موضوع الانقراض، وهو ما يبدأ به الاقتباس ~~التالي. # من الحقائق العجيبة أن تنقرض خيول وأفيال وحيوانات مستودون في ~~الوقت نفسه في مواقع مختلفة هكذا. # هل سيقول السيد لايل إن أحد [نفس؟] الظروف قتلها على رقعة ~~تمتد من إسبانيا إلى أمريكا الجنوبية؟ أبدا. # إنها تموت؛ لأنها لا تتغير، مثل تفاح جولدين بيبين؛ إنه «جيل من ~~الأنواع» مثل جيل «من الأفراد». # لماذا يموت الفرد؟ لتخليد خواص معينة (ومن ثم التأقلم)، ومحو ~~الضروب العارضة، وللتكيف مع التغيير (فإن التغيير، حتى في ~~الضروب، تكيف). وينطبق هذا على الأنواع. # إذا لم يستطع الفرد التناسل، فلن تكون لديه ذرية - كذلك ~~الأمر مع الأنواع. # إذا أنتج «نوع» «نوعا» آخر، فلن ينقطع نسبهما تماما؛ مثل تفاح ~~جولدين بيبين، الذي ينمو حين ينتج بالبذور - أو يموت كله. # الحصان المتحفر نتج عنه الحمار الوحشي، في جنوب أفريقيا - ~~واستمر - بينما انقرض في أمريكا. # كل حيوانات النوع الواحد مرتبطة معا تماما مثل براعم ~~النباتات، التي تموت في الوقت نفسه، رغم أنها نبتت في وقت سابق ~~أو لاحق، فلنثبت أن الحيوانات مثل النباتات - لنتعقب التدرج ~~بين الحيوانات المترابطة وغير المترابطة - وستصير القصة ~~مكتملة. # لدينا هنا وجهة النظر التي أشير إليها من قبل عن وجود مدة ~~حياة معينة مكتوبة على كل نوع. # لكن في الملحوظة التالية نجد الانقراض مرتبطا بالتباين غير ~~المواتي، وبهذا يعطى تلميح عن الانتقاء الطبيعي: # فيما يتعلق بالانقراض، يمكننا بسهولة أن نرى أن أحد ضروب النعام ~~(الريا الصغرى) قد يكون غير متأقلم على نحو جيد ولذا قد ينقرض؛ ~~أو، من ناحية أخرى، يمكن أن يتوالد الكثير من طائر الأورفيس [أحد ~~طيور جالاباجوس]، لأنه يتأقلم جيدا مع الظروف. وهذا يستدعي المبدأ ~~الذي يفيد بأن التباينات الدائمة الناتجة عن التكاثر المحدود ~~والظروف المتغيرة تستمر وتتوالد حسب التأقلم مع تلك الظروف، ولذا ~~فإن موت أحد الأنواع من عواقب عدم التأقلم مع الظروف (على عكس ~~ما يبدو من أمريكا). # يحمل الجزء الأول من الاقتباس التالي فكرة ms374 مشابهة. ونهاية ~~الفقرة مهمة للغاية، حيث تدل على أنه كان لديه في هذا التاريخ ~~المبكر رؤى للطابع الواسع النطاق لنظرية التطور: # إن الإيمان بتطافر الأنواع والتجميع الجغرافي يؤدي بنا ~~لمحاولة اكتشاف «مسببات» التغيير؛ وهكذا يصبح أسلوب عمل ~~التكيف (هل كان رغبة الآباء؟) والغريزة والبنية مفعما ~~بالتكهنات والملاحظات. يجب النظر لكل جيل على أنه اختزال ~~[أي، مختزل في عدد صغير من أفضل الأفراد تنظيما]؛ اختبار لأقصى ~~قدر مفهوم من التنظيم ... ستبعث نظريتي النشاط في التشريح ~~المقارن للحفريات والكائنات الحديثة: فهي سوف تؤدي لدراسة ~~الغرائز والوراثة ووراثة القدرات العقلية، والكثير مما وراء ~~الطبيعة. # إنها سوف تؤدي لدراسة أكثر دقة للتهجين والتوالد ~~ومسببات التغيير حتى نعلم مم نشأنا ولأين نتجه - ما الظروف ~~المواتية للتهجين وما التي تمنعه - وهذا والفحص المباشر للتحولات ~~المباشرة في بنية الأنواع، قد يؤدي للوصول لقوانين التغير، ~~وهو ما سيكون الموضوع الرئيسي للدراسة، التي سترشد ~~تخميناتنا. # الاقتباسان التاليان يثيران اهتماما مماثلا؛ الثاني مثير ~~للاهتمام على الخصوص، حيث يحتوي على بذرة الجملة الختامية لكتاب ~~«أصل الأنواع»: # ربما كان يقال قبل اكتشاف قوة الجاذبية إن تفسير حركة كل ~~[الكواكب] بقانون واحد صعب للغاية، مثل تفسير حركة كل واحد ~~منها على حدة؛ وهكذا ربما يعتقد أن القول بأن كل الثدييات ولدت ~~من أصل واحد، وتوزعت عن طريق وسائل يمكننا معرفتها، لا ~~يفسر شيئا. # ربما قال علماء الفلك فيما مضى إن الرب نظم مسبقا كل كوكب ~~ليتحرك في مساره الخاص. على الغرار نفسه قدر الرب لكل حيوان ~~أن يخلق بأشكال معينة في بلاد معينة، لكن كم ستكون قدرة ~~[الرب] أكثر بساطة وعظمة [إن] جعل الجاذبية تعمل وفقا لقانون ~~محدد، بحيث تكون تلك عواقب حتمية - وجعل الحيوانات تخلق وفقا ~~لقوانين توالد ثابتة بحيث تكون تلك هي خلفاءها. # وجعل قوانين النقل على ما هي عليه؛ وهكذا ستصير الأشكال في كل ~~بلد بالنسبة للأخرى - وجعل التغيرات الجيولوجية تسير بهذا ~~المعدل، بحيث يكون هذا هو عدد الأنواع وتوزيعها! # الاقتباسات الثلاثة التالية ذات فوائد متنوعة: # حين يرى أحدنا حلمة ms375 في صدر رجل، يرى أنها ليس لها أي استخدام، ~~لكنها كانت مستخدمة عندما لم يكن الجنس قد تحدد في الإنسان ~~البدائي - كذلك الأمر مع الأجنحة العديمة الفائدة أسفل أغمدة ~~الخنافس - التي ولدت من خنافس ذات أجنحة، وعدلت؛ فلو كانت ~~عملية الخلق بسيطة، لولدت دونها. # في التجمعات المتناقصة، نجد في أية لحظة عددا أقل من ~~الكائنات القريبة بعضها من بعض؛ فنجد القليل من أنواع الأجناس؛ وفي ~~النهاية نجد القليل من الأجناس (حيث تتقارب العلاقة سريعا)، ~~وأخيرا، ربما يصير هناك جنس واحد. ألا يفسر هذا وجود الأجناس ~~الغريبة ذات الأنواع القليلة الموجودة بين مجموعات كبيرة، التي ~~نضطر لاعتبارها متزايدة؟ # الاقتباس الأخير الذي سأعرضه يعطي بذرة نظريته عن العلاقة بين ~~النباتات الجبلية في أجزاء مختلفة من العالم، التي سبقه إي فوربس ~~في نشرها (انظر المجلد الأول، صفحة 72)؛ حيث قال، في دفتر ملاحظاته ~~لعام 1837، إن النباتات الجبلية «أنواع من أجناس تبدلت، أو ~~نباتات شمالية.» # حين نلتفت إلى ملخص نظريته، الذي كتبه في 1844 (ومن ثم، ~~قبل الانتهاء من الطبعة الثانية لكتاب «يوميات الأبحاث»)، نجده ~~أنجز تقدما هائلا في دفتر ملاحظات عام 1837. إن الملخص في ~~الواقع عبارة عن عرض مكتمل لدرجة مدهشة للحجة التي ألفناها بعد ~~ذلك في كتاب «أصل الأنواع». لكن بعض الغموض يكتنف تاريخ كتابة ~~الملخص القصير الذي شكل أساس مقال عام 1844؛ فنحن نعلم من ~~كلماته (المجلد الأول، الفصل الثاني) أنه كتب ملخصا قصيرا لآرائه ~~لأول مرة في يونيو 1842. يؤيد هذا التصريح الكثير من الشواهد ~~مما يؤكد استحالة أن نفترض احتواءه على خطأ في التاريخ. كما أنه ~~يتفق مع الاقتباس التالي من مذكراته: # 1842، 18 مايو؛ ذهبت إلى مير. # في 15 يونيو ذهبت إلى شروزبيري، وفي 18 يونيو ذهبت إلى كابل ~~كيريج. وخلال إقامتي في مير وشروزبيري، كتبت ملخصا بالقلم الرصاص ~~لنظرية الأنواع (وذلك بعد خمس سنوات من البدء في العمل ~~عليها). # ومرة أخرى في مقدمة كتاب «أصل الأنواع»، الصفحة الأولى، يكتب ~~قائلا: «بعد فترة استمرت خمس سنوات من العمل [من 1837؛ أي في ~~1842]، أتحت ms376 لنفسي تأمل الموضوع، ودونت بعض الملاحظات ~~القصيرة عنه.» # بيد أن الخطاب الذي يحمل توقيع السير سي لايل والسير جيه دي ~~هوكر، الذي كان مقدمة للبحث المشترك للسيدين سي داروين وإيه ~~والاس حول «ميل الأنواع لتكوين ضروب ... إلخ»، # 2 # يقول إن مقال عام 1844 (الذي تكون مقتطفات منه ~~جزءا من البحث) «كتب في عام 1839، ونسخ في عام 1844». من الواضح ~~أن هذه العبارة مكتوبة استنادا إلى ملحوظة بخط يد أبي موجودة ~~في صفحة جدول محتويات مقال 1844. وهي التي جاء بها التالي: ~~«كتب هذا في 1839، ونسخ كاملا، كما كتب هنا وقرأتموه، في ~~1844.» أعتقد أن هذه الملاحظة أضيفت في 1858، حين أرسل المخطوط ~~إلى السير جيه دي هوكر (انظر الخطاب الذي بتاريخ 29 يونيو، 1858، ~~الفصل الثالث عشر). كذلك يوجد المزيد من الأدلة عن هذا الجانب من ~~المسألة. كتب أبي إلى السيد والاس (25 يناير، 1859)، يقول: «كل ~~من رأيته رأى أن بحثك مكتوب بطريقة جيدة جدا وشائق. إنه جعل ~~أجزائي (المكتوبة في 1839؛ أي قبل عشرين عاما من الآن)، التي يجب ~~أن أقول معتذرا إنني لم أكتبها قط بهدف النشر، تتضاءل أمامه.» لقد ~~أشير كثيرا في ملاحظات متعلقة بسيرة أبي الذاتية، على مسئولية ~~دورية «جورنال أوف ذا بروسيدينجز أوف ذا لينيان سوسايتي» بلا شك، ~~إلى أن أول ملخص كتب في عام 1839، لكن أعتقد أنه يجب اعتبارها ~~مغلوطة. قد يكون الخطأ قد نشأ على النحو التالي؛ أعتقد أن أبي ربما ~~كان يقصد، حين كتب في صفحة جدول محتويات مخطوطة مقال 1844 أن ~~ملخصه أنجز في عام 1839، أن يوحي بأن الإطار العام للنظرية كان ~~قد تبلور لديه بوضوح في ذلك التاريخ. في سيرته الذاتية (ارجع للفصل ~~الثاني)، نجده يتحدث عن ذلك، فيقول «... عام 1839 تقريبا حين ~~توصلت إلى تصور واضح للنظرية ...» وهو ما يعني، دون شك، نهاية ~~عام 1838 وبداية 1839، حين أعطته قراءة عمل مالثس المفتاح لفكرة ~~الانتقاء الطبيعي. لكن هذا التفسير لا ينطبق على خطابه إلى السيد ~~والاس؛ وفيما يخص الفقرة التي في دورية «جورنال أوف ذا بروسيدينجز ms377 ~~أوف ذا لينيان سوسايتي»؛ فمن الصعب أن نفهم كيف سمح بأن تظل ~~باقية كما هي الآن، لتوحي بالانطباع، الذي من الواضح أنها توحي ~~به، أن عام 1839 كان تاريخ أول ملخصاته المكتوبة. # إن ملخص عام 1844 مكتوب بخط كاتب، في ملف من مائتين ~~وإحدى وثلاثين صفحة، حيث تتداخل الصفحات الخاوية مع صفحات المخطوطة ~~بقصد الاستفاضة. وقد روجع النص وصحح، وكتب أبي بنفسه تعديلات ~~بالقلم الرصاص في الهامش. وهو منقسم إلى جزأين: الأول هو «حول ~~تباين الكائنات الحية تحت تأثير التدجين وفي حالتها الطبيعية»، ~~والثاني هو «حول الأدلة المؤيدة والمعارضة لوجهة النظر القائلة بأن ~~الأنواع هي سلالات شكلت طبيعيا وانحدرت من أصول مشتركة.» ~~يحتوي الجزء الأول على الموضوع الرئيسي لكتاب «أصل الأنواع». وهو ~~يقوم، مثل حجة ذلك العمل، على دراسة الحيوانات الداجنة، ويبدأ ~~كل من الملخص وكتاب «أصل الأنواع» بفصل حول التباين تحت ~~تأثير التدجين وحول الانتقاء الاصطناعي. ويتبع هذا، في كلا ~~المقالين، مناقشات حول التباين في الطبيعة، وحول الانتقاء ~~الطبيعي، وحول الصراع من أجل الحياة. هنا، يتلاشى أي تشابه وثيق ~~بين المقالين من ناحية الترتيب. الفصل الثالث من الملخص الذي ~~يختم الجزء الأول، يتناول التباينات التي تلحق بغرائز الحيوانات ~~وعاداتها؛ ومن ثم فهو يقابل إلى حد ما الفصل السابع من كتاب ~~«أصل الأنواع» (الطبعة الأولى). وهو بذلك يشكل تتمة للفصول ~~التي تتناول التباين في البناء. ويبدو أنه وضع في مرحلة مبكرة ~~هكذا من المقال للحول دون الرفض المتعجل للنظرية بأسرها من أي ~~قارئ قد تبدو له فكرة تأثير الانتقاء الطبيعي على الغرائز مستحيلة. ~~هذا الاحتمال أرجح؛ حيث يشار بوجه خاص إلى الفصل الذي يدور حول ~~الغريزة في كتاب «أصل الأنواع» (المقدمة، صفحة 5) على أنه يتناول ~~واحدة «من أكثر الصعوبات التي أحاطت بالنظرية من حيث الوضوح ~~والأهمية.» علاوة على ذلك، ينتهي الفصل في الملخص بقسم عنوانه ~~«ما إن كان ثمة بنى جسدية بعينها ... خارقة بحيث تبرر رفض ~~نظريتنا من الوهلة الأولى.» يأتي تحت هذا العنوان مناقشة العين، ~~التي تجد محلها في ms378 كتاب «أصل الأنواع» في الفصل السادس تحت عنوان ~~«صعوبات النظرية». يبدو أن الجزء الثاني وضع ليتفق مع إيمانه بصحة ~~نظريته. وهذا ما صرح به في إيجاز في خطاب إلى الدكتور آسا جراي ~~بتاريخ الحادي عشر من نوفمبر، 1859: «لا يمكنني بأي حال تصديق ~~أن نظرية خاطئة قد تفسر فئات عديدة من الحقائق، مثلما تفعل ~~نظريتي بالتأكيد حسبما أعتقد. على هذه الأرض أنزل مرساتي، وأعتقد ~~أن الصعوبات ستزول بالتدريج.» بناء على هذا الأساس، وبعد أن عرض ~~النظرية في الجزء الأول، يسعى لتوضيح لأي درجة يمكن شرح سلسلة ~~عريضة متنوعة من الحقائق عن طريقها. # هكذا بالكاد يماثل الجزء الثاني من الملخص التسعة الفصول ~~الختامية من الطبعة الأولى لكتاب «أصل الأنواع». لكن يجب أن نستثني ~~الفصل السابع (من كتاب «أصل الأنواع») عن الغريزة الذي يشكل ~~فصلا في الجزء الأول من الملخص، والفصل الثامن (من كتاب «أصل ~~الأنواع») حول التهجين، وهو الموضوع الذي نوقش في الملخص مع ~~«التباين في الطبيعة» في الجزء الأول. # ستوضح القائمة التالية فصول الجزء الثاني من الملخص وما ~~يناظرها من الفصول الأخيرة من كتاب «أصل الأنواع». # الفصل الأول: ~~«حول النوع الضروري من الوساطة، وعدد تلك الأشكال ~~الوسيطة». # يشمل هذا الفصل نقاشا جيولوجيا، ويناظر أجزاء من الفصلين ~~السادس والتاسع من كتاب «أصل الأنواع». # الفصل الثاني: ~~«الظهور والاختفاء التدريجيان للكائنات الحية». ~~وهو يناظر الفصل العاشر في كتاب «أصل الأنواع». # الفصل الثالث: ~~«التوزيع الجغرافي». وهو يناظر الفصل الحادي عشر ~~والثاني عشر في كتاب «أصل الأنواع». # الفصل الرابع: ~~«علاقات قرابة الكائنات الحية وتصنيفها». # الفصل الخامس: ~~«وحدة النمط». # الفصل السادس: ~~«الأعضاء الأثرية». # تناظر هذه الفصول الثلاثة الفصل الثاني عشر من كتاب «أصل ~~الأنواع». # الفصل السابع: ~~«تلخيص وختام». تتشابه الجملة الأخيرة في الملخص، ~~التي رأيناها في شكلها الأول المبدئي في دفتر ملاحظات عام 1837، ~~تشابها كبيرا مع الجملة الأخيرة في كتاب «أصل الأنواع»، مع وجود ~~تطابق كبير بينهما. ولا ينقسم كتاب «أصل الأنواع» إلى «جزأين»، ~~لكننا نرى أن آثار ذلك التقسيم كان موجودا في ذهن الكاتب، في هذا ms379 ~~التشابه بين الجزء الثاني من الملخص والفصول الأخيرة من كتاب «أصل ~~الأنواع». وربما يرجع حديثه # 3 # عن الفصول التي عن التحول والغريزة والتهجين والسجل ~~الجيولوجي، باعتبارها تشكل مجموعة، إلى تقسيم مخطوطته الأولى ~~إلى جزأين. # يشير السيد هكسلي، الذي تفضل بقراءة الملخص بناء على طلبي، ~~إلى أنه رغم أن «خطوط النقاش الرئيسية» والتوضيحات المستخدمة واحدة ~~فيما بين العملين، فإن مقال عام 1844 «ينسب قدرا أكبر من ~~الأهمية لتأثير الظروف الخارجية في إحداث التباين، ولتوريث العادات ~~المكتسبة، مقارنة بكتاب «أصل الأنواع».» # من المثير للاهتمام للغاية أن نجد في الملخص أول ذكر ~~للمبادئ المألوفة لنا في كتاب «أصل الأنواع». ربما الأبرز بين هذه ~~مبدأ الانتقاء الجنسي، الذي عرض بوضوح. وكذلك عرض الشكل الهام ~~للانتقاء المعروف ب «الانتقاء غير المقصود». هنا أيضا يأتي بيان ~~بالقانون الذي يفيد بأن الخواص المميزة تجنح للظهور في النسل في ~~سن يطابق سن ظهورها في الوالدين. # وأخبرني البروفيسور نيوتن، الذي تكرم كثيرا بقراءة ملخص عام ~~1844 بإمعان، أن ملحوظات أبي حول هجرة الطيور، التي ترد عرضيا ~~في أكثر من فقرة، تفصح عن أنه قد استبق آراء بعض الكتاب ~~اللاحقين. # فيما يتعلق بالأسلوب العام للملخص، فلا يتوقع أن يكون به كل ~~خصائص كتاب «أصل الأنواع»، وإننا، في الواقع، لا نجد ذلك التوازن ~~والسيطرة، ولا ذلك التركيز والاستيعاب، التي نجدها بارزة للغاية ~~في عمل سنة 1859. # في السيرة الذاتية التي كتبها أبي عن نفسه (ارجع للفصل الثاني)، ~~صرح بما بدا له أنه العيب الرئيسي في ملخص عام 1844؛ فقد أغفل ~~«مشكلة مهمة للغاية»، وهي مشكلة تشعب الطابع. وقد جرت مناقشة هذه ~~النقطة في كتاب «أصل الأنواع»، لكن حيث إن الأمر قد لا يكون ~~مألوفا لكل القراء، فسأعطي وصفا موجزا للمشكلة وحلها. يبدأ أبي ~~بالقول بأن اختلاف الضروب فيما بينها أقل مقارنة بالأنواع، ثم ~~يتابع حديثه قائلا: «بيد أنه، حسب وجهة نظري، الضروب هي أنواع في ~~طور التكوين ... كيف إذن تتعاظم الاختلافات الأقل بين الضروب لتصبح ~~اختلافات أكبر بين الأنواع؟» # 4 # وهو يوضح كيف ms380 يحدث تشعب مماثل تحت تأثير التدجين ~~حيث انفصلت سلالة متجانسة في الأصل من الخيل إلى خيول سباق ~~وخيول جر عربات، إلخ، ثم يواصل ليشرح كيف ينطبق المبدأ نفسه ~~على الأنواع الطبيعية. «لمجرد أنه كلما كان المنحدرون من أي نوع ~~واحد أكثر تنوعا في البناء والتكوين والعادات، كانت قدرتهم على ~~اغتنام أماكن عديدة ومتنوعة تنوعا واسعا في نظام الطبيعة أفضل ~~كثيرا؛ ومن ثم يصيرون قادرين على زيادة أعدادهم.» # يتجلى المبدأ في حقيقة أنه إذا بذر ضرب واحد من القمح في قطعة ~~من الأرض، وبذر في أخرى خليط من الضروب، فسيكون المحصول في الحالة ~~الأخيرة أكبر. تمكن عدد كبير من الأفراد من العيش لأنهم لم يكونوا ~~جميعا من الضرب نفسه. يصير الكائن الحي أكثر كمالا وأكثر ملاءمة ~~للبقاء حين تؤدي الأعضاء المختلفة وظائف الحياة المختلفة، ~~بتقاسم الأعمال. على النحو ذاته يصير النوع أكثر كفاءة وأكثر قدرة ~~على البقاء على قيد الحياة حين تتمايز أجزاؤه المختلفة بحيث تقوم ~~بمهام مختلفة. # عند قراءة ملخص عام 1844، وجدت أنه من العسير اعتبار خلوه من ~~أي بيان واضح لمبدأ التشعب عيبا في المقال. يوحي الانحدار مع ~~التعديل بالتشعب، وقد أوضح المقال على نحو رائع فكرة الانحدار، ~~ومن ثم التشعب، حتى إننا لا نلحظ غياب الدليل على أن التشعب ~~في حد ذاته ميزة. وكما رأينا في فصل السيرة الذاتية، فإن أبي، ~~في عام 1876، قد وجد أن تجاهله للمشكلة وحلها غير معقول ~~بالمرة. # إن عرض الخطاب التالي هنا سيكون أفضل من عرضه حسب ترتيبه الزمني؛ ~~حيث يوضح كيف كان شعور أبي تجاه قيمة الملخص في الوقت الذي ~~انتهى منه فيه.] # من تشارلز داروين إلى السيدة داروين # داون، 5 يوليو، 1844 # لقد انتهيت للتو من ملخص نظريتي عن الأنواع. إن، كما ~~يخيل لي، لاقت نظريتي القبول في النهاية، حتى إذا كان ~~لدى متخصص واحد متمرس، فستكون تلك خطوة هامة في ~~العلم. # لذلك فإنني أكتب هذا في حالة وافتني المنية فجأة، ليكون ~~رجائي الأصدق والأخير، وهو ما أوقن أنك ستعتبرينه كأنه ms381 ~~أدرج في وصيتي قانونيا، أن تخصصي 400 جنيه إسترليني ~~لنشره، وكذلك، أن تتكبدي العناء، أنت أو هينزلي، للترويج ~~له. أتمنى أن يعطى ملخصي لشخص كفء، مع هذا المبلغ حتى ~~يحثه على بذل الجهد في تحسينه والتوسع فيه. سوف ~~أعطيه كل كتبي حول التاريخ الطبيعي، وهي إما مميز بها ~~بعض الفقرات المهمة أو توجد في آخرها قائمة بالصفحات ~~التي توجد بها هذه الفقرات، راجيا إياه مطالعة تلك ~~الفقرات والتمعن فيها باهتمام وتحديد ما إذا كانت ~~تتعلق بالفعل، أو يحتمل أنها تتعلق، بهذا الموضوع. أرجو ~~أن تعدي قائمة بكل تلك الكتب كنوع من التحفيز ~~للمحرر. كذلك أرجو أن تسلميه كل القصاصات ~~المجمعة في ثمانية أو عشرة ملفات ورقية بنية. ~~القصاصات، مع الاقتباسات المنقولة من أعمال متنوعة، هي ~~التي قد تساعد المحرر. كذلك أبتغي أن تساهمي أنت، أو ~~أحد النساخ، في فك شفرة أي من القصاصات التي قد يرى ~~المحرر أنها ربما تكون مفيدة. وأترك لحكم المحرر ما ~~إذا كان سيقحم هذه الحقائق في النص، أو على هيئة ~~ملحوظات، أو في ملاحق. وحيث إن مطالعة المراجع والقصاصات ~~سيكون عملا ممتدا، وحيث إن «تصحيح» ملخصي والتوسع ~~والتبديل فيه سيستغرق وقتا طويلا أيضا، فإنني أترك مبلغ ~~ال 400 جنيه إسترليني هذا كنوع من المكافأة، وكذلك أي ~~أرباح من العمل. أعتقد أن على المحرر من أجل هذا أن ~~يجعل الملخص ينشر سواء على مسئولية أحد الناشرين أو ~~مسئوليته. تحتوي كثير من القصاصات في الملفات على مجرد ~~اقتراحات مبدئية ووجهات نظر سابقة، وهي التي قد أصبحت ~~عديمة الفائدة الآن، وغالبا سيتبين أن كثيرا من الحقائق ~~ليس لها علاقة بنظريتي. # فيما يخص المحررين، سيكون السيد لايل الأفضل إذا تولى ~~الأمر؛ أعتقد أنه سيجد العمل ممتعا، وسيتعلم بعض الحقائق ~~الجديدة عليه. وحيث إن المحرر لا بد أن يكون عالم ~~جيولوجيا وكذلك عالم تاريخ طبيعي، فإن ثاني أفضل ~~محرر سيكون البروفيسور فوربس من لندن. يتلوه (والأفضل ~~تماما في عدة نواح) البروفيسور هنزلو. والدكتور هوكر ~~سيكون اختيارا جيدا «جدا». التالي هو ms382 السيد ستريكلاند. ~~إن لم يقبل أحد من هؤلاء تولي الأمر، فسألتمس منك ~~استشارة السيد لايل، أو رجل متمرس آخر، بشأن تزكية أحد ~~المحررين الذي يجمع بين كونه جيولوجيا وعالم تاريخ ~~طبيعي. إذا كانت مائة جنيه إسترليني أخرى هي التي سيتوقف ~~عليها الاستعانة بمحرر جيد، فإنني ألتمس منك رفع المبلغ ~~إلى 500 جنيه إسترليني. # يمكن إعطاء مجموعاتي المتبقية في مجال التاريخ الطبيعي ~~لأي أحد أو أي متحف يقبل عرضها. ~~[يبدو أن الملحوظة التالية قد شكلت جزءا من هذا الخطاب، لكن ~~ربما كانت بتاريخ لاحق: # لايل، بمعاونة هوكر على الخصوص (وأي مساعد جيد في مجال علم ~~الحيوان)، سيكون الاختيار الأفضل على الإطلاق. وما لم يتوفر ~~المحرر الذي سيتعهد بأن يكرس وقته للأمر، لن تكون ثمة ~~فائدة من دفع هذا المبلغ. # إذا كانت هناك صعوبة في الحصول على المحرر الذي سيدرس ~~الموضوع دراسة مستفيضة، ويفكر في علاقة الفقرات المميزة في الكتب ~~والمنقولة من قصاصات الورق، فلتدعي حينئذ ملخصي ينشر كما هو، مع ~~ذكر أنه أنجز منذ عدة سنوات مضت، ومن الذاكرة دون الرجوع لأي ~~أعمال، ودون نية نشره في شكله الحالي. # يبدو أن فكرة احتمال بقاء ملخص 1844، في حالة وفاته، التسجيل ~~الوحيد لعمله، ظلت في ذهنه طويلا؛ حيث إنه في أغسطس من عام 1854، ~~حين انتهى من دراسة هدابيات الأرجل، وكان يفكر في البدء في «عمله ~~عن الأنواع»، أضاف في ظهر الخطاب أعلاه، «إن هوكر إلى حد كبير هو ~~أفضل شخص لتحرير عملي حول الأنواع. أغسطس، 1854».] # الفصل الحادي عشر # | تطور كتاب «أصل الأنواع»: الخطابات، 1843-1856 # [يحكى تاريخ حياة أبي في مراسلاته مع السير جي دي هوكر على نحو ~~أكثر اكتمالا من أي سلسلة أخرى من الخطابات، وينطبق هذا بوجه ~~خاص على تاريخ تطور كتاب «أصل الأنواع»؛ ومن ثم، يبدو هذا ~~موضعا ملائما للملحوظات التالية، التي تفضل السير جوزيف هوكر ~~بإعطائي إياها؛ فهي، علاوة على ذلك، تعطي صورة مثيرة للاهتمام ~~لبداية صداقته مع أبي: ~~«كان أول لقاء لي مع السيد داروين في 1839، في ميدان ترفالجر. ms383 ~~كنت أسير مع ضابط كان رفيقه لفترة قصيرة على متن «البيجل» قبل ~~ذلك بسبع سنوات، لكنه لم يكن قد التقى به من وقتها، على ما أعتقد، ~~فعرفه بي؛ كان اللقاء موجزا بالطبع، لكن الصورة التي رسمتها له ~~في ذهني وما زلت محتفظا بها كانت لرجل طويل بعض الشيء وعريض ~~المنكبين قليلا، لديه انحناء بسيط في ظهره، وسمت محبب ~~ومفعم بالحياة حين يتحدث، وحاجبان كثيفان، وصوت عميق لكن عذب، ~~وإن ترحيبه بزميله القديم كان خليقا ببحار؛ أي ينم عن الصدق ~~والمودة على نحو مبهج. لقد راقبت شكله وانفعالاته جيدا؛ فقد كنت ~~على علم بإنجازاته وجهوده، من قراءتي عدة بروفات لكتابه «يوميات ~~الأبحاث» الذي لم يكن قد نشر بعد حينذاك؛ حيث كان السيد داروين ~~قد أرسلها إلى السيد (الذي صار بعد ذلك السير تشارلز) لايل، الذي ~~أرسلها بدوره إلى أبيه، حضرة السيد تشارلز لايل، مالك إقطاعية ~~كينوردي، الذي (لكونه صديقا قديما جدا لأبي، ولاهتمامه الكريم ~~بمهنتي المنتظرة كعالم تاريخ طبيعي) سمح لي بقراءتها بإمعان. في ~~ذلك الوقت كنت أسرع لإكمال دراستي، حتى أحصل على درجتي العلمية ~~قبل التطوع لمصاحبة السير جيمس روس في رحلة القطب الجنوبي ~~الاستكشافية، التي كان ديوان البحرية قد قررها للتو؛ وقد كان وقتي ~~ضيقا للغاية، حتى إنني اعتدت النوم وأوراق هذا الكتاب أسفل ~~وسادتي، حتى أقرأها بين الاستيقاظ والنهوض. وقد تأثرت بها ~~تأثرا عميقا، ربما لحد اليأس، نظرا لتنوع المهارات، الذهني منها ~~والجسماني، المطلوبة في عالم التاريخ الطبيعي، الذي يجب أن يكمل ~~ما بدأه داروين، وفي الوقت نفسه أشعلت في حماس الرغبة في السفر ~~والملاحظة. # كان من المصادر الدائمة للسعادة بالنسبة لي أنني عرفت الكثير عن ~~عمل السيد داروين العلمي عدة سنوات قبل أن تبدأ تلك الألفة التي ~~تطورت إلى مشاعر قريبة جدا من مشاعر التبجيل لحياته وأعماله ~~وشخصيته، بالقدر المنطقي والملائم. لا يبقى سوى أن أضيف لهذه ~~الواقعة الصغيرة أنني تلقيت نسخة كاملة من كتاب «يوميات ~~الأبحاث»، كهدية من السيد لايل، قبل مغادرة إنجلترا بأيام ~~قليلة. # بدأت ms384 مراسلتي للسيد داروين (ديسمبر، 1843) سريعا جدا بعد ~~الرجوع الرحلة الاستكشافية بأن أرسل لي خطابا طويلا، ليهنئني ~~بحرارة على رجوعي لأسرتي وأصدقائي، معبرا عن أمنيته سماع المزيد ~~عن نتائج الرحلة، التي استقى بعض المعلومات عنها من خطابات خاصة ~~بي (مكتوبة إلى السيد لايل أو نقلت عن طريقه). بعد ذلك، تحول ~~مباشرة للنقاش في مسائل علمية، ولفت انتباهي إلى أهمية الربط ~~بين الحياة النباتية في تييرا ديل فويجو وتلك التي في سلاسل جبال ~~أمريكا الجنوبية والتي في أوروبا، ودعاني لدراسة المجموعات ~~النباتية التي جمعها من جزر جالاباجوس، وكذلك نباتاته التي أحضرها ~~من باتاجونيا وتييرا ديل فويجو. # هذا جعلني أرسل له ملخصا للاستنتاجات التي استخلصتها ~~فيما يخص توزيع النباتات في المناطق الجنوبية، وضرورة افتراض ~~دمار مساحات كبيرة من اليابسة لتعليل علاقات الحياة النباتية لما ~~يسمى الجزر القطبية الجنوبية. أنا لا أفترض أن أيا من هذه ~~الأفكار كانت جديدة عليه، لكنها أدت إلى مراسلات مفعمة بالحيوية ~~وطويلة زاخرة بالمعرفة.» # فيما يلي الخطاب (1843) المرسل إلى جيه دي هوكر المشار إليه ~~أعلاه.] # سيدي العزيز # كنت أتمنى قبل هذا أن أسعد برؤيتك وتهنئتك على سلامة ~~رجوعك من رحلتك الطويلة والمجيدة. لكن نظرا لأنني قلما ~~أذهب إلى لندن، فقد لا نلتقي لبعض الوقت، إلا إن حملت ~~على حضور اجتماعات الجمعية الجيولوجية. # إنني متلهف لمعرفة ما تنوي فعله بكل ما لديك من مواد ~~- لقد سررت كثيرا بقراءة أجزاء من بعض خطاباتك، حتى ~~إنني سأشعر بأسف شديد، إذا لم تسنح لي، باعتباري واحدا ~~من العامة، فرصة قراءة المزيد. أفترض أنك الآن مشغول بشدة ~~ومفعم بالبهجة: كم أتذكر جيدا سعادتي في الشهور القليلة ~~الأولى لي في إنجلترا - فقد كانت تستحق كل المتاعب التي ~~يصادفها المرء في مواجهة العديد من العواصف! لكنني ~~ابتعدت عن الموضوع الذي جعلني أكتب إليك، وهو إبداء ~~سعادتي بأن هنزلو (كما أخبرني منذ عدة أيام في خطاب) قد ~~أرسل لك مجموعتي الصغيرة من النباتات. لا يمكن أن يخطر لك ~~حجم سعادتي لذلك؛ حيث إنني كنت أخشى أنها قد ms385 تضيع كلها، ~~وهي التي، على قلتها، صادفت متاعب جمة في جمعها. ثمة ~~ملحوظات قليلة جدا، التي أعتقد أن هنزلو قد تلقاها، ~~والتي تصف المواطن، إلخ، الخاصة بقليل من النباتات شديدة ~~التميز. وقد أوليت الزهور الجبلية لتييرا ديل فويجو ~~اهتماما خاصا، وأوقن أنني حصلت على كل النباتات ~~التي كانت مزهرة في باتاجونيا في المواسم التي مرت حين ~~كنا هناك. طالما اعتقدت أن أي موجز عام للحياة ~~النباتية على اليابسة الممتدة بعيدا حتى البحار الجنوبية، ~~سيكون مثيرا للفضول للغاية. فلتدل بملحوظات مقارنة حول ~~الأنواع القريبة من الأنواع الأوروبية، لصالح الجهلاء في ~~علم النباتات من أمثالي. طالما رأيت أن من النقاط المثيرة ~~للفضول اكتشاف ما إن كان هناك العديد من الأجناس الأوروبية ~~في تييرا ديل فويجو التي ليست موجودة على امتداد سلاسل ~~جبال أمريكا الجنوبية؛ إن المقارنة في هذه الحالة ستكون ~~هائلة، فلتذكر في أي موجز تضعه، أي الأجناس أمريكية ~~وأيها أوروبية، وكم هي كبيرة الاختلافات بين الأنواع، ~~حين تكون الأجناس أوروبية، من أجل الجهلاء من ~~أمثالي . # أرجو أن يرسل لك هنزلو نباتاتي التي أحضرتها من جزر ~~جالاباجوس (وهي التي أبدى هومبولت نفسه اهتماما كبيرا ~~بشأنها) - لقد تكبدت كثيرا من العناء في جمع كل ما ~~استطعت جمعه. أعتقد أن نباتات هذا الأرخبيل تمثل حالة ~~تكاد تكون موازية لتلك الخاصة بنباتات سانت هيلينا، التي ~~طالما أثارت الاهتمام. أرجو المعذرة على هذا الخطاب الطويل ~~غير المترابط، ولك مني كل الصدق يا سيدي العزيز. # مع إخلاصي الشديد # سي داروين # هلا تفضلت بإبلاغ السير دبليو هوكر احترامي وتحياتي؟ ~~[كتب أبي عام 1846 مشيرا إلى عمل السير جيه دي هوكر عن الحياة ~~النباتية في جالاباجوس قائلا: # لا أستطيع أن أخبرك بحجم سعادتي بنتائج دراستك واندهاشي منها؛ ~~فكم تؤيد لدرجة غريبة فرضيتي حول الاختلافات في حيوانات الجزر ~~المختلفة، التي طالما كانت مصدر قلق لي. # ثم كتب مرة أخرى (1849): # تلقيت أبحاثك حول جالاباجوس [التي نشرتها الجمعية اللينية ~~وتضمنت نتائج دراسة هوكر لنباتات جالاباجوس الخاصة بأبي] منذ عدة ~~أسابيع، وقد بدأت ms386 قراءتها بمجرد وصولها. حقا مهما قلت فلن ~~أستطيع أن أعبر عن إعجابي الشديد بالنقاش الجغرافي الذي جاء بها: ~~إنه في رأيي نموذج مثالي لما يجب أن يكون عليه نقاش كهذا؛ لقد ~~استغرقني قراءته والتمعن فيه أربعة أيام. كم تبدو الحياة ~~النباتية لجرز ساندويتش مثيرة للاهتمام! وكم أتمنى لو كانت لديك ~~مواد حتى تتناول حياتها النباتية كما فعلت فيما يتعلق ~~بجالاباجوس. في البحث التصنيفي، انتابني شيء من خيبة الأمل لعدم ~~العثور على ملحوظات عامة عن علاقات القرابة والبنيات، إلخ، مثل ~~التي غالبا ما تذكرها في الحوارات، ومثل التي قدمها دي كوندول ~~وسانت إيلير في كل أبحاثهما تقريبا، وهو ما يجعلها مثيرة ~~للاهتمام حتى لمن هو ليس بعالم نبات. ~~«بعد ذلك بفترة وجيزة [يستأنف السير جيه دي هوكر الحديث] في ~~خطاب بتاريخ يناير 1844، ذكر موضوع «أصل الأنواع»، وأعتقد أنني ~~كنت أول من يخبره بأفكاره التي كانت جديدة حينذاك حول الموضوع، ~~والتي أنقلها من خطابه هنا؛ لأهميتها باعتبارها مساهمة في تاريخ ~~نظرية التطور»]: # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر ~~[11 يناير، 1844] # بجانب اهتمامي العام بالأراضي الجنوبية، ما زلت منذ ~~رجوعي مستغرقا في عمل به كثير من الافتراض، ولا أعرف ~~شخصا لن يقول إنه سخيف للغاية. لقد اندهشت للغاية من ~~توزيع الكائنات، إلخ، إلخ، في جزر جالاباجوس، ومن طبيعة ~~الثدييات الأمريكية المتحفرة، إلخ، إلخ، حتى إنني عزمت أن ~~أجمع عشوائيا الحقائق من كل نوع، التي قد تكون ذات ~~علاقة بأي طريقة بماهية الأنواع. لقد قرأت أعدادا ~~كبيرة من كتب الزراعة والبستنة، ولم أتوقف قط عن جمع ~~الحقائق. وأخيرا بزغ بصيص من الضوء، وأكاد أكون مقتنعا ~~(على عكس الرأي الذي بدأت به تماما) أن الأنواع (هذا ~~يشبه الاعتراف بجريمة قتل) قابلة للتغير، فلتعذني ~~السماء من هراء لامارك عن «النزعة للتطور» و«حالات التكيف ~~الناتجة عن الإرادة البطيئة للحيوانات»، إلخ! لكن ~~الاستنتاجات التي توصلت إليها ليست مختلفة اختلافا ~~كبيرا عن استنتاجاته؛ رغم أن وسائل التغير مختلفة ~~كلية. أعتقد أنني اكتشفت (ها هو افتراض!) الطريقة ~~البسيطة التي ms387 تصير بها الأنواع متكيفة تكيفا بديعا ~~لغايات متنوعة. إنك الآن ستتبرم، وتقول في نفسك: «ما ~~هذا الرجل الذي أهدر وقتي في الكتابة إليه؟!» كنت أعتقد ~~هذا منذ خمسة أعوام. ~~[الخطاب التالي المكتوب في الثالث والعشرين من فبراير، ~~1844، يوضح أن معرفته بالسير جيه دي هوكر كانت تتطور ~~سريعا إلى صداقة آنذاك. ترجع أهمية الخطاب في المقام ~~الأول إلى أنه يبين نوع المشكلات التي كانت تشغل ذهن ~~أبي في ذلك الوقت]: # عزيزي هوكر # أرجو أن تعذرني على تحرري في أسلوب مخاطبتك، لكنني ~~أشعر أننا باعتبارنا شركاء في حب الترحال حول العالم ~~وزملاء عمل (وإن كنت ضعيفا جدا في هذا الشأن) يجوز لنا ~~أن ننحي جانبا بعضا من الرسميات التقليدية. انتهيت ~~للتو من كتاب صغير حول الجزر البركانية التي زرناها. لا ~~أعلم درجة اهتمامك بالموضوعات الجيولوجية المتخصصة، لكن ~~أرجو أن تسمح لي بإرسال نسخة منه لك. أظن أنني أستطيع ~~إرساله من لندن بالشحن عن طريق عربات البريد ~~العادية. ~~... سوف أطرح عليك «المزيد» من الأسئلة، رغم أنني أعتقد، ~~دون طرحها عليك، أنني سأرى إجابات عليها في عملك، حين ~~ينشر، وهو ما سيأتي في وقت مناسب تماما لغاياتي. أولا ~~بالنسبة لجالاباجوس، سترى في كتابي «يوميات الأبحاث»، أن ~~الطيور، رغم أنها أنواع خاصة بهذا المكان، لديها طابع ~~أمريكي جنوبي واضح؛ لقد تأكدت للتو أن الشيء نفسه ينطبق ~~على أصداف البحر. الأمر كذلك مع تلك النباتات المميزة لهذا ~~الأرخبيل؛ وأنت تذكر أن نسبها الرقمية قارية (أليست هذه ~~حقيقة غريبة جدا؟) لكن هل هي قريبة في الأشكال لأمريكا ~~الجنوبية؟ هل تعلم بحالة أي أرخبيل آخر، حيث تملك ~~الجزر المنفصلة أنواعا نموذجية محددة؟ طالما عزمت (لكنني ~~لم أفعل ذلك بعد) على أن أطالع عمل ويب وبيرتيلو حول جزر ~~الكناري من أجل هذا الهدف. حين حادثت السيد بينثام أخبرني ~~أن جزر أرخبيل ساندويتش المنفصلة احتوت على أنواع نموذجية ~~محددة من أجناس الشفويات نفسها. ألن يستحق هذا بحثك؟ وكيف ~~الحال بالنسبة لجزر الأزور؟ بالطبع قد تميل العواصف ~~الغربية العاتية لنشر الأنواع ms388 نفسها على تلك ~~المجموعة. # أرجو (وأعتقد أن رجائي غير ضروري على الإطلاق) أن تنتبه ~~لهذا النوع العام من القرابة في الجزر المنفصلة، رغم أنني ~~أفترض أن إدراك هذا النوع من العلاقات أصعب في النباتات ~~منه في الطيور أو ذوات الأربع؛ لأن مجموعاتها، كما يخيل ~~لي، أقل عددا بعض الشيء. هل يمكن تصنيف سانت هيلينا، وإن ~~كان ذلك مستبعدا، سواء مع أفريقيا أو أمريكا الجنوبية؟ ~~لقد حملت، من بعض الحقائق التي كنت قد جمعتها، على ~~استنتاج أن حيوانات الجبال «إما» متشابهة لدرجة ملحوظة ~~(أحيانا في وجود الأنواع نفسها وفي أحيان أخرى الأجناس ~~نفسها)، «أو» مختلفة لدرجة ملحوظة. وقد خطر لي أنه ربما ~~يمكن أن يعزى جزء من خصوصية الحياة النباتية في سانت ~~هيلينا وجالاباجوس إلى أن جزءا كبيرا من هاتين ~~الحياتين جبليتان. أخشى أن ملاحظاتي بالكاد تكفي لتمييز ~~الكثير من مواطن نباتات جالاباجوس، لكنها قد تكفي في بعض ~~الحالات. يأتي أغلب، إن لم يكن كل، النباتات الخضراء ~~المورقة من قمم الجزر، وتأتي النباتات الرفيعة البنية ~~العديمة الأوراق من الأجزاء القاحلة المنخفضة؛ هلا ~~تفضلت بوضع هذه الملحوظة في الاعتبار، حين تفحص ~~مجموعتي؟ # سأزعجك بسؤال واحد آخر فقط. في مناقشة مع السيد جولد ~~اكتشفت أن في أغلب أجناس الطيور الشائعة حول العالم أو في ~~جزء كبير منه، تنتشر الأنواع الفردية على نطاق أوسع؛ ومن ~~ثم فالبومة شائعة، والعديد من أنواعها منتشرة انتشارا ~~كبيرا جدا. كذلك الأمر كما أعتقد مع أصداف البر والمياه ~~العذبة - وأستطيع أن أورد حالات أخرى. لكن أليس الأمر ~~كذلك مع النباتات اللازهرية؛ ألا تنتشر أغلب الأنواع ~~انتشارا واسعا، في تلك الأجناس الشائعة؟ أنا لا أفترض أن ~~العكس صحيح؛ أي إنه حين يكون النوع منتشرا انتشارا ~~واسعا، فجنسه أيضا ينتشر انتشارا واسعا. هلا أسديتني ~~معروفا بالتفكير في هذا الأمر من حين لآخر؟ فسوف أتكبد ~~متاعب جمة لأحصل على قائمة بالأجناس الزهرية الشائعة ~~ثم أبحث عن درجة قابلية أنواع هذه الأجناس للانتشار في ~~بلادها المتعددة؛ لكن فلتضع هذا الأمر في اعتبارك فحسب ms389 من ~~وقت لآخر، خلال مساعيك، رغم أنه من المحتمل أن تكون هذه ~~المسألة قد خطرت لك أو لأحد من علماء النباتات منذ وقت ~~طويل. تسلط الجيولوجيا الضوء على حقائق مثيرة، تخص ~~توزع الأصداف؛ أعتقد أنه من المثبت لحد كبير أنه ما دام التوزيع الجغرافي لأحد الأنواع ممتدا، كذلك كان ~~بقاؤه واستمراره. أرجو ألا تشعر بالكثير من الامتعاض تجاه ~~خطاباتي، ولك مني أصدق تحياتي. # صديقك المخلص # سي داروين # ملحوظة: # إنني في غاية الامتنان ~~على تكرمك بإهدائي صورة لهومبولت؛ إنني أجله، وبعد أن حظيت ~~بمحادثته في لندن، تملكتني الرغبة في اقتناء صورة له. ~~[الاقتباس التالي مأخوذ من ملحوظات السير جيه هوكر. # يبدأ الفصل التالي من مسرحية علاقتنا بتواصل شخصي. بدأ هذا ~~بدعوة إلى الإفطار معه في منزل شقيقه (إيرازموس داروين) في شارع ~~بارك؛ تلاها بعد فترة قصيرة دعوة إلى داون للقاء بعض الرفاق من ~~علماء التاريخ الطبيعي. وفي الفترات القصيرة التي كانت تتحسن ~~فيها صحته بعد فترات طويلة من المرض الذي كان كثيرا ما يجعل ~~الحياة عبئا عليه، بين عامي 1844 و1847، تلقيت العديد من تلك ~~الدعوات، التي كانت مبهجة بالنسبة لي. ولا يمكن تخيل منزل ~~أكثر كرما ولا أكثر جاذبية من كل الاعتبارات من داون - كان ~~هناك من رفاق العمل في أغلب الأحيان الدكتور فالكونر وإدوارد ~~فوربس والبروفيسور بيل والسيد ووترهاوس - وكانت هناك جولات سير ~~طويلة وأوقات من اللهو الصاخب مع الأطفال زحفا على اليدين ~~والركبتين، وسماعا للموسيقى التي ما زالت تراودني حتى الآن. ~~أتذكر أيضا أسلوب داروين الحميم، وضحكته العميقة، واستمتاعه التام ~~بالحياة الأسرية مع الأصدقاء؛ وتنزهه معنا جميعا، وحواراته معنا ~~الواحد تلو الآخر في غرفة مكتبه، لمناقشة بعض المسائل في فرع ~~المعرفة البيولوجية أو الطبيعية الذي كنا ندرسه؛ وهي التي كنت على ~~أي حال دائما ما أغادرها شاعرا أنني لم أمنح شيئا ولكن ~~حملت أكثر مما كان يسعني حمله. لاحقا، حين زاد تدهور صحته، ~~كنت لأيام وأسابيع عديدة زائره الوحيد؛ فكنت أحضر عملي معي ~~وأستمتع بصحبته كيفما سنحت الفرصة. ms390 وكان من الأمور الثابتة أن ~~يستجوبني كل يوم، على حد تعبيره، لنصف ساعة أو نحو ذلك بعد ~~تناول الإفطار في مكتبه؛ حيث كان يأتي بكومة من الوريقات التي ~~تحمل أسئلة في علم النبات والجغرافيا، إلخ، حتى أجيب عليها، ثم ~~يختتم النقاش بأن يخبرني بالتطور الذي أنجزه في عمله، ويطلب ~~رأيي في نقاط متنوعة. ثم ما كنت أراه حتى وقت الظهيرة تقريبا، ~~حين كنت أسمع صوته العذب الرنان ينادي اسمي أسفل نافذتي - كان ذلك ~~حتى أنضم إليه في جولة سيره اليومية ساعة الضحى حول الممشى ~~الرملي. وحين كنت أنضم إليه، كنت أجده مرتديا معطف صيد رماديا ~~خشنا في الصيف، وعباءة ثقيلة على منكبيه في الشتاء، ويحمل عصا ~~غليظة في يده؛ وكنا نمشي متثاقلين في أنحاء الحديقة؛ حيث كانت ~~هناك دائما تجربة لنتوقف عندها، ثم نتجه نحو الممشى الرملي، الذي ~~كنا ندور حوله دورات ثابتة العدد، كان يجري خلالها حديثنا غالبا ~~حول الأراضي والبحار الأجنبية، والأصدقاء القدامى، والكتب القديمة، ~~وأشياء بعيدة عن العقل والعين. # بعد الظهر كان ثمة جولة سير أخرى مشابهة، التي كان ينسحب ~~مرة أخرى بعدها حتى العشاء إذا كان على ما يرام بما يكفي ~~للانضمام إلى الأسرة؛ وإذا لم يكن كذلك، كان يذهب بصعوبة إلى ~~غرفة الجلوس؛ حيث كان يستمتع بالموسيقى أو حديث أسرته، جالسا على ~~كرسيه العالي وواضعا قدميه المنتعلتين خفين كبيرين على ~~كرسي عال. # فيما يلي سلسلة من الخطابات توضح تطور آراء أبي، وطبيعة ~~عمله أثناء هذه الفترة.] # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون [1844] ~~... الاستنتاج الذي توصلت إليه هو أن أكثر المناطق التي ~~تنتشر فيها الأنواع هي التي قد تكرر انفصالها وانعزالها ~~عن المناطق الأخرى، ثم تجمعت معها وانفصلت عنها ~~ثانية؛ وهي العملية التي تدل على قدم العهد وبعض ~~التغيرات في الظروف الخارجية. سيبدو هذا الأمر ~~افتراضيا جدا على نحو مبرر. لا أستطيع أن أعطي أسبابي ~~بالتفصيل؛ لكن الاستنتاج الأعم، الذي يشير إليه التوزيع ~~الجغرافي لكل الكائنات الحية كما يبدو لي، هو أن الانعزال ~~هو ms391 الظرف الملازم أو المسبب الرئيسي لظهور أشكال «جديدة» ~~(أعلم جيدا أن ثمة بعض الاستثناءات الجلية). ثانيا، ~~من رؤيتي درجة انتشار النباتات والحيوانات في بلد ما، ~~حين تدخل إليه، ومن رؤية العدد الضخم للنباتات التي ~~ستعيش، في إنجلترا على سبيل المثال، إذا «حوفظ عليها من ~~الحشائش والنباتات المحلية»، حملت على الاعتقاد أن ~~انتشار الكائنات الحية في أي بلد وعددها يتوقفان على ~~سماتها الخارجية بدرجة أقل، من اعتمادهما على عدد ~~الأشكال، التي كانت هناك في الأصل، سواء خلقت أو أنتجت. ~~أشك كثيرا فيما إن كنت ستجد أنه من الممكن تفسير عدد ~~الأشكال بالاختلافات التناسبية للتعرض؛ ولا يمكنني الشك ~~فيما إن كان نصف الأنواع في أي بلد قد دمرت أم لم ~~تخلق، مع أن ذلك البلد يبدو لنا مأهولا بالكامل. فيما ~~يخص الخلق الأصلي أو إنتاج أشكال جديدة، لقد قلت إن ~~الانعزال يبدو هو العنصر الرئيسي؛ هكذا، فيما يتعلق ~~بالكائنات الأرضية، أتوقع أن تحتوي قطعة الأرض، التي ~~تكرر خلال الفترات الجيولوجية المتأخرة انفصالها ~~وتحولها إلى جزر، وعادت إلى التجمع، على أغلب ~~الأشكال. # لكن مثل هذه التخمينات إنما هي لتسلية صاحبها، وهي عديمة ~~الفائدة في هذه الحالة؛ إذ لا تدل على أي خط ملاحظة ~~مباشر؛ لو كنت رأيت كم هو افتراضي القليل الذي كتبته ~~على نحو مبهم، لما كنت أزعجتك بقراءته. لك تحياتي، غير ~~الافتراضية أخيرا. # مع إخلاصي الشديد # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 1844 ~~... لقد نسيت ما كان في خطابي السابق، لكن لا بد أنه كان ~~سخيفا جدا؛ حيث يبدو أنني أفصحت عن اعتقادي بتأثر ~~عدد الأنواع إلى حد كبير بدرجة انعزال وانفصال المنطقة ~~الموجودة بها؛ لا بد أنني كنت مخبولا حتى أكتب ذلك؛ فليس ~~لدي دليل، ولا شخص مستعد لقبول كل آرائي؛ لكن في أكثر ~~لحظاتي تفاؤلا، كل ما أتوقع هو أن أصير قادرا على أن ~~أبين حتى لعلماء التاريخ الطبيعي الحصفاء، أن ثمة ~~وجهين لمسألة عدم قابلية الأنواع للتغير؛ أن من ~~الممكن رؤية الحقائق وتجميعها في ms392 ظل الاعتقاد بأن الأنواع ~~القريبة من بعضها انحدرت من سلالات مشتركة. وفيما يتعلق ~~بالكتب التي تتحدث عن هذا الموضوع، فليس لدي علم بأي ~~كتب منهجية، سوى كتاب لامارك، والذي هو بحق حثالة؛ لكن ~~ثمة كتب كثيرة، مثل كتب لايل وبريتشارد، إلخ، حول ~~نظرية عدم قابلية الأنواع للتغير. وقد دفع أجاسي مؤخرا ~~بأقوى حجة في صالح عدم قابلية الأنواع للتغير. وكتب ~~إيزيدور جي سانت إيلير بعض المقالات الجيدة، التي تميل ~~لتأييد فكرة القابلية للتغير، في سلسلة «سوت آبوفون»، ~~تحت عنوان «علم الحيوان العام». أليس من الغريب أن يكتب ~~مؤلف كتاب «الحيوانات اللافقارية» قائلا إن الحشرات، ~~التي لا ترى بيضها قط، (وبالنسبة للنباتات، بذورها) لا بد ~~أنها «ترغب» في أن تكون بأشكال معينة حتى تلتصق بأشياء ~~معينة؟ الاعتقاد الشائع الآخر (الألماني بصفة خاصة) بالكاد ~~يقل عن السابق عبثية؛ فهو يرى أن الطقس والغذاء، إلخ، قد ~~يجعل القمل مهيأ لتسلق الشعر، أو نقار الخشب لتسلق ~~الأشجار. أعتقد أن كل هذه الآراء العبثية تنبع، على حد ~~علمي، من عدم تناول أي أحد للموضوع من زاوية التباين ~~تحت تأثير التدجين، أو دراسة كل ما هو معروف حول ~~التدجين. سررت للغاية بسماع نقدك بشأن الحياة ~~النباتية على الجزر وعدم انتشار النباتات؛ الموضوع طويل ~~جدا بحيث لا يمكن مناقشته في خطاب؛ يمكنني الدفاع عن ~~نفسي إلى حد كبير، لكنني أشك ما إن كان سيكون دفاعا ~~موفقا في عينيك، أم في عيني بالطبع. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون [يوليو، 1844] ~~... أقرأ الآن كتابا رائعا يضم حقائق عن التباين - كتاب ~~برون، «تاريخ الطبيعة». إنه مكتوب بلغة ألمانية صعبة، ~~وإنه يستبقني، بإمتاع أحيانا، وبقسوة أحيانا أخرى. من ~~الآن فصاعدا سيزداد فزعك مني عشرة أضعاف فزعك من إتش ~~واطسون. أكره الحجج المستمدة من نتائج، لكن فيما يتعلق ~~بآراء حول الانحدار، فالتاريخ الطبيعي في واقع الأمر يصبح ~~موضوعا عظيما يولد النتائج على نحو رفيع (ربما تسخر ~~مني الآن على زلة اللسان الغبية جدا هذه) ... لا بد أن ~~أترك هذا الخطاب ms393 حتى الغد؛ لأنني متعب، لكنني أستمتع بشدة ~~بالكتابة إليك، حتى إنني يجب أن أزعجك أكثر ~~قليلا. # هل لديك أي دليل قوي على غياب الحشرات في الجزر ~~الصغيرة؟ لقد وجدت ثلاثة عشر نوعا في جزر كيلينج ~~المرجانية. إن الذباب ملقحات جيدة، وقد رأيت حشرة تربس ~~مجهرية وذبابة من جنس السيسيدومايا # Cecidomyia # تطيران من زهرة في اتجاه ~~أخرى وملتصقا بهما حبوب لقاح. في بلاد القطب الشمالي يبدو ~~أن النحل يبتعد شمالا ليصل للزهور هناك. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # شروزبيري [سبتمبر، ~~1845] # عزيزي هوكر # أكتب إليك خطابا قصيرا لأقول لك إن كتاب «الكون» وصل ~~سليما تماما، وحتى أشكرك على خطابك اللطيف. لقد بدأت ~~للتو في المقدمة، وإنني أعاني بسبب الأسلوب، الذي يعد ~~نصف المعركة في تلك الأجزاء. كم هي صحيحة كثير من ~~الملحوظات (أقصد بقدر ما أستطيع أن أفهم من اللغة ~~الإنجليزية الرديئة هذه) التي حول مشهد الطبيعة؛ إنها ~~تعبير دقيق عن أفكار المرء. # ليتني كان لدي أي كتب لأعيرها لك مقابل الكتب ~~الكثيرة التي أعرتني إياها! # كل ما تقوله لطفا عن عملي حول الأنواع لا يغير ~~بمقدار ذرة وقاحتي التي طالما اعترفت بها في تجميع ~~الحقائق والتكهن بشأن موضوع التباين، دون أن أكون قد ~~أوليت مسألة الأنواع الجهد اللازم. لكن الآن بعد تسعة ~~أعوام أجد أنها كانت أكبر مصادر المتعة بالنسبة لي على ~~أي حال. # الوداع يا عزيزي هوكر، إنني لآسى أكثر مما قد تتخيل، ~~على احتمال أن تكون لقاءاتنا نادرة. # إنني لم ألحظ قط فيك سوى عيب واحد، وهو أنك متواضع ~~لدرجة خطيرة؛ فأنت استثناء من حكمة سيدني سميث، القائلة ~~بأن التميز والتواضع ليس بينهما صلة، سوى ابتدائهما ~~بالحرف نفسه. # الوداع # سي داروين # من تشارلز داروين إلى إل جينينز ~~(بلومفيلد) # داون، 12 أكتوبر ~~[1845] # عزيزي جينينز # شكرا على خطابك. يؤسفني أن أقول إنني لم أتوصل حتى ولو ~~إلى حقيقة بسيطة في علم الحيوان الإنجليزي حتى أوافيك بها. ~~لقد اكتشفت أنه حتى الملاحظات البسيطة تحتاج، في حالتي، ~~بعض الفراغ والطاقة، وهما ms394 العنصران اللذان لا أستطيع ~~التفريط فيهما؛ حيث إن كتابة عملي الجيولوجي تستنفدهما ~~تماما. طالما ظننت أنني سأحتفظ بدفتر يوميات وأدون ~~فيه كل شيء، لكنني بالطريقة التي أعيش بها الآن اكتشفت ~~أنني لا ألاحظ شيئا لأدونه؛ فالعناية بحديقتي ~~وأشجاري، والذهاب في جولة مشي صغيرة للغاية أحيانا بذهن ~~خال، تشغل فترة ما بعد الظهيرة كل يوم بالطريقة ~~نفسها. إنني مندهش أنك مع كل ما لديك من أعمال ~~أبرشيتك، كان لديك الوقت لتفعل كل ما قد فعلته. ~~سيسرني كثيرا أن أرى عملك الصغير [«ملاحظات حول التاريخ ~~الطبيعي»] (وكنت سأصبح فخورا لو كنت استطعت إضافة حقيقة ~~واحدة إليه). إن عملي حول مسألة الأنواع ترك لدي ~~انطباعا قويا جدا بأهمية كل الأعمال التي على ~~غرار عملك المنتظر، التي تحتوي على ما يحلو للناس عامة ~~أن يسموه حقائق تافهة؛ هذه هي الحقائق التي تجعل المرء ~~يفهم آلية عمل الطبيعة أو تنظيمها. ثمة موضوع، يثير ~~فضولي بشدة، وربما يمكنك أن تسلط عليه بعض الضوء، إذا ~~كنت قد أوليته بعض التفكير من قبل؛ وهو: ما هي الضوابط ~~وما هي فترات الحياة المتعلقة بتوقف زيادة أي نوع ~~معين؟ فلتحسب الزيادة في عدد أي طائر، إذا افترضت أن ~~نصف الصغار فقط هي التي تربى وهي التي تتوالد: في ظل ~~حياة الآباء «الطبيعية» (أي الخالية من العوارض) سيكون عدد ~~الأفراد هائلا، وقد اندهشت أيما اندهاش حين خطر لي مدى ~~ضخامة الدمار الذي «لا بد» أنه يلحق سنويا أو عرضا ~~بكل نوع، إلا أننا بالكاد ندرك وسائل هذا الدمار ~~وفتراته. # إنني أواظب على القراءة عن تباين الحيوانات والنباتات ~~الداجنة وماهية الأنواع وجمع الحقائق المتعلقة بهما. ~~ولدي كم هائل من الحقائق، وأعتقد أن بإمكاني التوصل ~~لبعض الاستنتاجات المنطقية. الاستنتاج العام الذي انسقت ~~إليه ببطء من قناعة معاكسة تماما هو أن الأنواع قابلة ~~للتغير، وأن الأنواع القريبة من بعضها شركاء في الانحدار ~~من سلالات مشتركة. أعلم كم ما أعرض نفسي له من ~~توبيخ على هذا الاستنتاج، لكنني على الأقل توصلت إليه ~~بأمانة وترو. لكنني ms395 لن أنشر شيئا عن هذا الموضوع قبل ~~عدة سنوات. في الوقت الحالي أعمل على كتاب «ملاحظات ~~جيولوجية عن أمريكا الجنوبية». أرجو أن أجد في كتابك بعض ~~الحقائق حول التباينات الطفيفة في بنية الحيوانات التي ~~درستها أو غرائزها. # المخلص لك دائما # سي داروين # من تشارلز داروين إلى إل جينينز # داون [1845؟] # عزيزي جينينز # إنني ممتن لك للغاية على ما تجشمته من عناء حتى ~~تكتب لي هذا الخطاب الطويل. إن السؤال حول مكان توقف ~~الزيادة في عدد نوع ما ووقته وكيفيته يبدو لي مثيرا ~~للاهتمام بنحو خاص، وإن استعصاء حله علينا يوضح كم ~~نحن جهلاء بحيوات أكثر ما نألفه من أنواعنا وعاداتها. ~~كنت مدركا للحقيقة المجردة التي مفادها أن الطيور العجوزة ~~تبعد صغارها، لكنني لم أفكر قط في التأثير الذي أشرت ~~إليه بوضوح شديد، والمتعلق بسد الفجوات المحلية في العدد ~~في الحال. لكن تبقى الصعوبة الأصلية: لو لم يقتل مزارعوك ~~عصافيرك وغربانك، كيف كان سيصير حال تلك التي تهاجر الآن ~~إلى أبرشيتك؟ في وسط إنجلترا يكون المرء بعيدا للغاية عن ~~الحدود الطبيعية للغربان والعصافير ليفترض أن الصغار ~~يطردون بعيدا هكذا من كامبريدجشير. لا بد أن توقف ~~الزيادة يحدث بقوة في وقت ما في حياة كل نوع؛ إذ لو ~~قدرنا أن نصف النسل فقط هو الذي يرعى ويتوالد، فكم ~~ستكون الزيادة مهولة! إلا أنه لا يحق لأحد الشعور بالدهشة ~~الشديدة من جهله، حين يعلم أنه من المستحيل أن يخمن مدة ~~الحياة ونسبة حالات الوفاة لحالات الميلاد في البشر من ~~دون إحصائيات. إذا كان من الممكن توضيح أن الطيور ~~المهاجرة، فيما يبدو، «التي تتوالد هنا» وتتزايد ترجع في ~~السنوات اللاحقة بالعدد نفسه تقريبا، في حين أن تلك التي ~~تأتي هنا لقضاء الشتاء وموسم عدم التناسل سنويا، تأتي ~~هنا بالعدد نفسه، لكن ترجع بأعداد منخفضة للغاية، فسنعرف ~~(كما يبدو مرجحا بالتأكيد) أن توقف الزيادة يحدث في ~~الأساس في الطيور المكتملة النمو في فصل الشتاء، وليس في ~~البيض والطيور الصغيرة جدا، وهي الفترة التي كثيرا ما ~~بدت ms396 لي الأرجح. إذا خطر على بالك أي ملحوظات حول هذا ~~الموضوع في أي وقت، فسأكون في غاية الامتنان لإفادتي ~~بها. # فيما يتعلق بعملي البعيد جدا حول الأنواع، فلا بد أنني ~~عبرت عن نفسي مفتقرا الدقة على نحو استثنائي إذا كنت ~~قد جعلتك تفترض أنني قصدت أن استنتاجاتي حتمية. لقد صارت ~~كذلك، بعد سنوات من التمعن في الألغاز، لي «وحدي»؛ ~~لكنني حتى في أكثر أحلام يقظتي جموحا لا أتوقع البتة ~~أكثر من أن أكون قادرا على أن أوضح أن ثمة جانبين ~~لمسألة عدم قابلية الأنواع للتغير؛ بعبارة أخرى، ما ~~إذا كانت الأنواع تخلق «مباشرة» أم بقوانين وسيطة (مثل ~~حياة الأفراد وموتهم). أنا لم أتناول الموضوع من ناحية ~~صعوبة تحديد ماهية الأنواع وماهية الضروب، وإنما (رغم ~~أنني لا أعرف لماذا أعرفك بتطور أعمالي) من ناحية ~~تلك الحقائق مثل العلاقة بين الثدييات الحية والمنقرضة في ~~أمريكا الجنوبية، وبين تلك التي تعيش في القارات والجزر ~~المجاورة، مثل جالاباجوس. وقد خطر لي أن مجموعة من كل ~~تلك الحقائق المتشابهة قد تنير الطريق إما لصالح أو ضد ~~وجهة النظر القائلة بأن الأنواع المتقاربة تتشارك في ~~الانحدار من أصل مشترك. ويحملني بحث طويل في كتب الزراعة ~~والبستنة والناس على الاعتقاد (أعلم جيدا كم لا بد أن ~~يبدو هذا من الوقاحة العبثية) بأنني أرى الطريقة التي تصير ~~بها الضروب الجديدة متكيفة على نحو رائع مع ظروف الحياة ~~الخارجية ومع الكائنات الأخرى المحيطة. إنني رجل جريء ~~بحيث قد أجعل نفسي عرضة لاعتقاد الآخرين بأنني أحمق ~~تماما، بل أحمق عن عمد. بناء على طبيعة الأسس التي ~~تجعلني أعتقد أن الأنواع قابلة للتغير في الشكل، أرى أن ~~هذه الأسس لا يمكن أن تقتصر على الأنواع الأكثر قربا من ~~بعضها؛ لكن لا أعرف لأي مدى قد تمتد؛ حيث إن أسبابي ~~تضعف بشدة، عند تطبيقها على الأنواع الأبعد والأبعد عن ~~بعضها. أرجو ألا تعتقد أنني لا أستطيع أن أرى أن بأفكاري ~~صعوبات كبيرة عديدة، لكنها تبدو لي أقل مما تبدو ~~للآخرين. لقد كتبت ms397 ملخصا باستنتاجاتي (من 200 صفحة) ~~وجعلته ينسخ؛ إذا تراءى لي ذات يوم في المستقبل أنك قد ~~تراه جديرا بالقراءة، فسأكون بالطبع في غاية الامتنان ~~لتلقي نقد من ناقد شديد التمكن مثلك. اعذرني على هذا ~~الخطاب الأناني، مفرط الطول، رديء الأسلوب، الذي ~~حملتني عليه بملحوظاتك. # مع صدقي وإخلاصي الشديد # سي داروين # من تشارلز داروين إلى إل جينينز # داون، 17 أكتوبر، 1846 # عزيزي جينينز # أعتذر أنني لم أعرب قبل ذلك بوقت طويل عن امتناني لك ~~على هديتك شديدة الكرم، وهو كتاب «ملاحظات حول التاريخ ~~الطبيعي». لكن تصادف أنني كان لدي عدة كتب أخرى أقرؤها، ~~ولم أنته من كتابك إلا منذ بضعة أيام. ولقد وجدت متعة ~~شديدة في قراءته، وأثار كثير من الحقائق التي أوردتها فيه ~~اهتمامي الشديد. وأعتقد أن ملحوظاتك حول بعض الحيوانات ~~الدنيا أثارت اهتمامي أكثر من تلك التي عن الحيوانات ~~العليا، وهو الشيء الغريب. بدت لي المقدمة جيدة جدا؛ ~~لكن هذا ما توقعته؛ إذ أتذكر جيدا استمتاعي الشديد ~~بالمقال التمهيدي المنشور في العدد الأول من مجلة «أنالز ~~أوف ناتشورال هيستوري». لكنني افتقدت مناقشة واحدة، ~~وأعتقد أنني خدعت؛ حيث أتذكر قولك إنك ستكتب بعض ~~الملحوظات حول الطقس والبارومتر لإرشاد الجهلاء بمسألة ~~التوقعات. كنت أرجو كذلك لو كنت قد وجدت بعض الملحوظات ~~حول كم التباين في أنواعنا الشائعة. أعلن أندرو سميث ~~ذات مرة أنه سوف يحضر مئات العينات من القنبرات ~~والعصافير من جميع أنحاء بريطانيا العظمى، ويرى ما إن كان ~~يستطيع أن يحدد، بأدق المقاييس، أي تباينات نسبية في ~~المناقير أو الأطراف، وغيرها. وما يجعل هذه النقطة تثير ~~اهتمامي أنني مؤخرا كنت أتصفح استنتاجي جلوجير وبريم ~~المتناقضين لحد غير معقول؛ ذلك الذي يرى أن هناك ستة ~~أنواع من كل طائر شائع، وذلك الذي يحول أنواعا ~~عديدة معروفة إلى نوع واحد. هل سبق لك أن فعلت شيئا من ~~هذا القبيل، أو هل درست من قبل أعمال جلوجير أو بريم؟ ~~وقد أثار اهتمامي وصفك لطيور الخطاف؛ حيث كنت قد أصابتني ~~حيرة تامة عند ملاحظة ms398 حدث كالذي تصفه تماما؛ فقد ~~أحصيت ذات يوم مؤخرا، سبعة طيور يزورون العش نفسه ~~ويدبقون الوحل على الجدار الملاصق. كذلك يحضرني أنني ~~ذات مرة رأيت بعض السناجب وهي منكبة على تمزيق تلك ~~العفصات الصغيرة الدائرية شبه الشفافة على ظهر أوراق ~~شجرة بلوط من أجل اليرقات التي بداخلها؛ من ثم، فهي آكلة ~~للحشرات. ذات مرة نفثت خنفساء من نوع سيكروس ~~روستراتوس # Cychrus rostratus # في عيني وسببت لي ألما ~~بالغا؛ ويجب أن أخبرك بما جرى لي على ضفاف نهر كام، في ~~أيامي الأولى في دراسة الحشرات؛ حيث وجدت خنفستين ~~أرضيتين (نسيت ماذا كانتا) أسفل قطعة من اللحاء، ~~فأمسكت كل واحدة منهما بيد، وإذ فجأة رأيت خنفساء ~~الصليب الأرضية الثمينة! لم أكن أستطيع أن أترك أيا من ~~الخنفستين الأرضيتين، ولم يكن من المقبول أن أفقد ~~خنفساء الصليب؛ هكذا أمسكت يائسا إحدى الخنفستين ~~الأرضيتين بين أسناني برفق، وإذ بالوحش الطائش الصغير يرش ~~حمضه في حلقي مسببا لي ألما وازدراء لا يوصفان، ~~وفقدت كلتا الخنفستين الأرضيتين وخنفساء الصليب! ~~اندهشت تماما لمعرفة أن هناك ديدان بلاناريا أرضية؛ فمنذ ~~عام أو اثنين وصفت عدة أنواع أرضية ذات ألوان جميلة ~~من نصف الكرة الجنوبي في مجلة «أنالز آند ماجازين أوف ~~ناتشورال هيستوري»، وكنت أعتقد أنها حقيقة جديدة تماما. ~~بالمناسبة، إنك تتحدث عن حالة أحد الخراف المكسور الساق ~~غير المصاب بالديدان الطفيلية المثقبة. لقد سمعت أبي يؤكد ~~أن الحمى أو أي «حادث خطير»، مثل الطرف المكسور، يخرج ~~كل الديدان المعوية من جسد الإنسان. أليس محتملا أن هذا ~~كان هو وضع الديدان المثقبة في حالتها الأولى؟ # أرجو أن تكون أفضل حالا بعد رحلتك إلى ساوثامبتون [حيث ~~كان اجتماع الجمعية البريطانية]؛ إذ أتمنى لو كنت تبدو ~~أكثر امتلاء بعض الشيء. لقد استمتعت بهذا الأسبوع ~~للغاية، وجعلني في حالة طيبة. افتقدتك في الأيام القليلة ~~الأخيرة، ولم يتمكن قط كل منا من رؤية الآخر كثيرا؛ ~~لكن كان هناك أناس كثيرون جدا، حتى إنني من ناحيتي لم ~~أكد أرى أحدا. مرة أخرى أشكرك شكرا ms399 خالصا على هديتك ~~الكريمة، والسعادة التي أدخلتها علي، ولك خالص ~~تحياتي. # صديقك المخلص للأبد # سي داروين # ملحوظة: # لقد نسيت تماما أن ~~أذكر كم أثارت مناقشتك حول إحصائيات الحيوانات اهتمامي لدرجة ~~كبيرة! متى سيبلغ التاريخ الطبيعي درجة الكمال التي تصير معها تلك ~~النقاط كالتي ناقشتها معروفة تماما عن أي حيوان؟ # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # مولفرن، 13 يونيو ~~[1849] ~~... أخيرا سوف أذهب إلى المطبعة بدراستي الصغيرة ~~المحيرة عن هدابيات الأرجل؛ بعبارة أخرى، هدابيات ~~الأرجل ذوات السويقات المتحفرة. لقد سألتني عن تأثير ~~دراستي للأنواع على نظرياتي حول التباين؛ لا أعتقد أنها ~~أثرت كثيرا - لقد شعرت بوجود صعوبات أكثر. من ناحية ~~أخرى، لقد لفت انتباهي (ربما لدرجة الانصراف دون وجه ~~حق عن الطائفة بالكامل) اختلاف كل جزء بدرجات طفيفة ~~لحد ما في كل نوع؛ فعند مقارنة العضو نفسه مقارنة ~~«دقيقة» في عدة أفراد، دائما ما أجد بعض الاختلاف الطفيف؛ ~~ومن ثم فإن توصيف الأنواع من خلال بعض الاختلافات ~~الدقيقة دائما خطير. كنت أعتقد أن الأجزاء نفسها في النوع ~~نفسه أشبه (أكثر من هدابيات الأرجل على أي حال) بأشياء ~~شكلت في القالب نفسه. كان العمل التصنيفي سيصير سهلا ~~لولا هذا التباين المحير، الذي أجده رغم ذلك ممتعا ~~بصفتي مخمنا، ولكن كريها بصفتي خبير تصنيف. تثير ~~اهتمامي الشديد ملحوظاتك (المزعجة جدا بالنسبة لي) حول ~~تميز توت الهيمالايا الشوكي وصفصافها، إلخ، مقارنة بتلك ~~الموجودة في أمريكا الشمالية، إلخ؛ وإن كان لملخصي ~~البسيط حول الأنواع أي نصيب «صغير» في توجيهك لهذه ~~الملاحظات، فسيكون قد أفاد وقدم خدمة كبيرة بالفعل، ~~ويمكنه هكذا أن يرقد في الأرض بسلام. لم أسمع قط شيئا في ~~غرابة تجاهل فالكونر لخطاباتك؛ إنني في غاية السعادة ~~لعودة الود بينكما، رغم أنه لا بد أنك بذلت جهدا كبيرا ~~في سبيل ذلك. إن فالكونر رجل جدير بأن يحب. أرجو لك ~~الرخاء في كل شيء يا عزيزي هوكر. # صديقك المحب # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، الأربعاء [سبتمبر، من دون ~~تاريخ] ~~... شكرا ms400 جزيلا على خطابك الذي تلقيته أمس، والذي ~~جعلني، كالعادة، أعمل الفكر. أضحكني هجومك على تضييقي على ~~فوربس في نظريته حول تغيرات المستوى، في حين كنت ~~متساهلا جدا مع نفسي في هذا الشأن؛ لكن لا بد أن أؤكد ~~أنني لم أر بارتفاع أو انخفاض سطح الأرض في أي مكان من ~~أجل تبرير أي ظاهرة، وأثق أنني نادرا جدا ما فعلت ذلك ~~دون دليل محدد؛ لذا ما زلت أعتقد أنها فكرة جريئة ~~(وربما تكون صحيحة تماما) أن تهبط إلى أعماق المحيط قطعة ~~كبيرة للغاية من السطح، خلال حياة الأنواع الموجودة. لكن ~~لا يوجد قدر أو حد من التغير في المستوى، لست على ~~أتم الاستعداد لأن أقر به، لكنني مضطر أن أقول إنني ~~أريد دليلا أفضل من وجود بضعة نباتات، وهي التي «ربما» ~~(ولا أقول غالبا) قد تكون نقلت إلى هناك بطريقة أخرى. ~~أشكرك شكرا خاصا على محاولتك أن تحضر لي نسخة من عمل ~~«النوع» [الذي ربما يكون مقال جوردون الذي نشر من قبل ~~أكاديمية نانسي في عام 1848-1849 والذي ظهر فيما بعد ~~ككتاب مستقل في عام 1859]، وأشكرك بالقدر نفسه تقريبا ~~على انتقاداتك لكاتبه؛ لقد ارتبت فيه بعض الشيء، ولم ~~تواتني رغبة عارمة في اعتبار ما ذكره من حقائق على أنها ~~مسلم بها. وأجد أن هذه من أكبر الصعوبات التي تلاقيني ~~مع المؤلفين الأجانب، ألا وهي الحكم على مصداقيتهم. كم ~~كانت ملحوظتك صحيحة على نحو مؤلم (بالنسبة لي)، التي ~~مفادها أنه ما من أحد لديه حق دراسة مسألة الأنواع ما ~~لم يصف العديد منها وصفا دقيقا. إلا أنني سررت حين ~~عرفت من أوين (المعارض بشدة لأي قول يرى بقابلية ~~الأنواع للتغير) أنه اعتقد أنه موضوع مقبول للغاية، وأن ~~الحقائق التي يجب طرحها فيما يخص المسألة كثيرة، لكنها لم ~~تجمع حتى الآن. عزائي الوحيد (بينما أنوي محاولة دراسة ~~هذا الموضوع)، أنني انخرطت في عدة فروع من التاريخ ~~الطبيعي، ورأيت متخصصين أكفاء يستكشفون أنواعي، وأن لدي ~~بعض المعرفة بالجيولوجيا (فهذا التزاوج المعرفي ضروري)، ~~ورغم أن ms401 ما سألقاه من التقريع سيفوق ما سأتلقاه من المديح، ~~فسوف أقدم على عملي، ما سمحت لي الحياة بذلك. أعتقد أن ~~لامارك هو الاستثناء الوحيد الذي أستطيع أن أفكر به؛ ~~حيث إنه واصف دقيق للأنواع على الأقل في مملكة ~~اللافقاريات، وساوره الشك في مسألة الأنواع الثابتة، لكنه ~~أضر بالموضوع في عمله المنافي للعقل رغم براعته، كما فعل ~~مؤلف كتاب «بقايا»، ومثلما فعل السيد داروين (وذلك كما قد ~~يقول بعض علماء التاريخ الطبيعي المتحررين في المستقبل ~~الذين سيدرسون التخمينات نفسها). # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 25 سبتمبر ~~[1853] # عزيزي هوكر # لقد قرأت بحثك بكثير من الاهتمام؛ إنه يبدو لي واضحا ~~غاية الوضوح، وسوف يكون مقدمة جديرة بالتقدير لكتاب ~~«نباتات نيوزيلاندا»، أو أي حياة نباتية في العالم. كم ~~قلة هم المعممون بين المصنفين! أشك حقا أن ~~ثمة أشياء متضاربة مع بعضها ومتعارضة تماما في ~~الإطارين الذهنيين اللازمين للتصنيف والاستدلال ~~استنادا إلى مجموعة كبيرة من الحقائق. تبدو لي كثير من ~~حججك محكمة الصياغة للغاية، وحسب خبرتي، تبدو الطريقة ~~المباشرة التي ناقشت بها الموضوع فريدة. سيكون العمل ~~بأكمله مفيدا جدا لي متى بدأت في مجلدي، رغم أن بعض ~~أجزائه تتعارض تماما مع آرائي؛ سيكون الأمر ممتعا تماما ~~لي ... حيث كنت قد عقدت العزم لبعض الوقت على أن أعرض حجج ~~«كلا» الطرفين (بقدر ما أستطيع)، بدلا من عرض حجج ~~الطرف المؤيد للقابلية للتغير فقط. # في عملي عن هدابيات الأرجل (بالمناسبة، شكرا على إطرائك ~~اللطيف لي؛ فهو يفيد الناس - أو يفيدني أنا على الأقل - ~~بقدر كبير جدا)، لم أدرك أن إنكار «ثبات» الأنواع قد ~~شكل اختلافا كبيرا بطريقة أو بأخرى؛ في بعض الحالات ~~القليلة (لو كنت أكتب صراحة عن فكرة عدم الثبات) «ما» ~~كان يجب أن أعطي أسماء، وفي بعض الحالات القليلة الأخرى ~~كان يجب أن أعطي أسماء لضروب مميزة. بالتأكيد شعرت ~~بالإهانة، عند المناقشة والشك، والفحص مرارا وتكرارا، ~~في حين أن الشك الوحيد الذي خطر لي هو ما إن كان الشكل ~~اختلف ms402 «اليوم» أم «في الماضي» (هذا على سبيل الصراحة، كما ~~تقول شخصية سناجزبي [في رواية «المنزل الكئيب» لديكنز]). ~~بعد وصف مجموعة من الأشكال على أنها أنواع محددة، ~~وتمزيق مخطوطتي وجعلها نوعا واحدا، ثم تمزيقها ثانية ~~وجعلها منفصلة، ثم جعلها نوعا واحدا مرة أخرى (هذا ما ~~حدث لي حقا)، صررت على أسناني، ولعنت الأنواع، ~~وتساءلت: ما الخطيئة التي ارتكبتها لأعاقب على هذا ~~النحو؟ لكن يجب أن أقر أنه ربما الشيء نفسه تقريبا كان ~~سيحدث لي في أي مجال عمل. # يسرني أيما سرور أن أسمع أن كتابك «مذكرات الهيمالايا» ~~تحسن كثيرا؛ فكم من الرائع أن ترفق به صور! إن «عالم ~~التاريخ الطبيعي الشرقي»، ذا الخيال الواسع والذي ليس له ~~اهتمام كبير بالحقائق، هو الرجل المناسب حقا لمناقشة ~~الأنواع! أعتقد أن عنوان «مذكرات عالم تاريخ طبيعي في ~~الشرق» الذي اخترته جيد جدا، لكنني لا أعرف ما إن كان ~~«في الهيمالايا» سيكون أفضل، حيث إن كلمة الشرق تبدو ~~مبهمة بعض الشيء. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر ~~[1853] # عزيزي هوكر # ليس لدي أي ملحوظات تستحق أن أرسلها لك على ~~الإطلاق، ولم يكن من الوارد بالتأكيد أن أفعل؛ نظرا لمدى ~~روعة المقال [المقال التمهيدي لكتاب جيه دي هوكر «نباتات ~~نيوزيلاندا»] واستفاضته. أما فيما يتعلق برأيي، فهذا أهم ~~نقاش نشر على الإطلاق حول الموضوع ذي الصلة. ولا يسعني أن ~~أقول أكثر من ذلك. إنني متفق معك في كل ما تقوله ~~تقريبا؛ لكنني أطالب بمزيد من الوقت لأستوعب مقالا بهذه ~~الجودة. لقد أوشك أن يوقع بي الحزن، من ناحية بسبب ~~الشعور بأنني لم أستطع الإجابة على بعض النقاط التي وددت ~~لو كانت مختلفة من الناحية النظرية، ومن ناحية أخرى لأن ~~ما رأيته مما فعلته «حتى الآن أفضل كثيرا» مما كان ~~«بإمكاني» فعله، فيما يتعلق بنقاشات حول بعض النقاط التي ~~كنت أنوي البدء في تناولها. # استمتعت كثيرا بالصفعات التي ناولتها لتجار الأنواع ~~المحدودي الرؤية. أتمنى لو كان باستطاعتي تقديم ولو أقل ~~قدر من العون. لقد أثار المقال برمته اهتمامي ms403 العميق؛ لذا ~~أهنئك على كتابة مقال أعتقد أنه سيصير جديرا ~~بالتذكر. لقد كنت مستغرقا فيه حين وصلني خطابك الشديد ~~اللطف، الذي ترجوني فيه ألا أتعجل. أشكر السيدة هوكر ~~وأشكرك بإخلاص شديد على رغبتكما في رؤيتي؛ فأنا لن أدع ~~صيفا آخر يمر دون أن أراك في كيو؛ فأنا بالتأكيد سأستمتع ~~بذلك للغاية. # إنك تفيض علي شرفا أكثر مما أستحق حقا، بوضعي بعد ~~لايل عند ذكر مسألة ارتفاع الأرض وهبوطها. وخلال عام أو ~~اثنين، حين أعمل في كتابي عن الأنواع (إذا سمحت صحتي ~~بذلك)، سوف أثور وأهاجمك لطرح الكثير من الحقائق ~~المتعارضة بأسلوب جيد لدرجة محيرة. # صديقك المحب للأبد # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 26 مارس [1854] # عزيزي هوكر # كنت أتمنى لو حظيت بفترة راحة قصيرة بعد العمل في ~~كتابك عن الهيمالايا، لكن يبدو أن هذا بعيد جدا عما حدث. ~~وإنني في غاية الامتنان (والندم بعض الشيء) على الخطاب ~~الطويل الذي تلقيته هذا الصباح، الدسم جدا بالأخبار ~~والمثير جدا بالنسبة لي من نواح عدة. إنني سعيد جدا ~~بالطبع لسماع أخبار عن التعديلات، وما إلى ذلك، في ~~الجمعية الملكية. أما فيما يخص النادي [النادي الفلسفي ~~للجمعية الملكية]، فيحدوني اهتمام بالغ بشأنه؛ فمنذ ~~يومين أو ثلاثة فقط، كنت أعبر لزوجتي عن ندمي على ما ~~سمحت به من هجري لجميع معارفي تقريبا وهجرهم لي، وأنني ~~سوف أحاول أن أكثر من الذهاب إلى لندن؛ لم أكن ساعتها ~~أفكر في النادي، الذي يعد أكثر الأمور التي ستلبي ~~غرضي في الحفاظ على المعارف القديمة واكتساب بعض المعارف ~~الجديدة؛ لذلك سوف آتي إلى لندن من أجل كل اجتماعات ~~النادي (إلا في حالات استثنائية نادرة)، وأعتقد أن حالتي ~~العقلية فيما بعد ستسمح لي بالذهاب في الغالب لأي ~~اجتماع آخر. لكن من المحزن أن أي تغيير صار كثيرا ~~ما يرهقني. علاوة على ذلك، سأتعهد، كما أخبرت لايل، ~~بأن أستقيل بعد عام، إن لم أداوم على الحضور، وذلك حتى لا ~~أعيق «في أسوأ الأحوال» مسيرة النادي إلا بنحو ms404 مؤقت. ~~وإذا استطعت أن تجعلني أنتخب، فسأكون في غاية السعادة ~~بلا شك. أشكرك شكرا وافرا وجزيلا على ردودك بشأن ~~الأنهار الجليدية. ويسرني كثيرا ما سمعته بشأن إصدار ~~الطبعة الثانية [من كتاب «مذكرات الهيمالايا»] بهذه السرعة ~~الشديدة؛ لكنني لست مندهشا؛ حيث سمعت أن أناسا عديدة، ~~في دائرتنا الصغيرة، قرءوه باستمتاع شديد جدا. وينتابني ~~الفضول لسماع ما سيقوله هومبولت بشأنه؛ أعتقد أنه سيسر ~~به، ويلقاه بمديح أكثر من أي كتاب أسفار آخر؛ فأنا لا ~~أستطيع أن أتذكر كتابا به العديد من المواضيع المشتركة ~~مع موضوعات أعماله. يا له من رفيق عجوز رائع! ... ~~بالمناسبة، أرجو، أن ترغم حين تذهب إلى هيتشام، قرب نهاية ~~مايو، على أن تنال قسطا من الراحة. يؤسفني أن أسمع أن ~~كل الأعراض السيئة لم تغادر هنزلو؛ إنه لأمر غريب ~~وجديد أن يراودنا قلق على صحته. إنني ممتن لك بوجه خاص ~~على إرسال خطاب آسا جراي؛ يا له من أسلوب ممتع للغاية ~~ذلك الذي يكتب به! إن رؤية تحفظك وتحفظه تجاه مسألة ~~الأنواع تجعل الارتباك والخزي يجتاحانني؛ فهذا يجعلني ~~حقا أشعر بانزعاج شديد ... سرني سماع كل ما يقوله عن ~~أجاسي: كم هو نادر أن يكتب رجل، بهذه «الدرجة الرفيعة» من ~~البراعة، وبهذه المعرفة «الواسعة» بالعديد من فروع التاريخ ~~الطبيعي، بالأسلوب الذي يكتب به! أخبرني لايل أنه كان ~~سعيدا للغاية بإحدى محاضراته (محاضرات أجاسي) حول ~~التطور التدريجي، إلخ، إلخ، حتى إنه ذهب إليه فيما بعد ~~وأخبره «أنها كانت ممتعة للغاية، حتى إنه ظل يتمنى طوال ~~الوقت أن تكون حقيقة.» نادرا ما أرى بحثا في علم الحيوان ~~من أمريكا الشمالية، دون ملاحظة بصمة أفكار أجاسي عليه ~~- وهو دليل آخر، بالمناسبة، على مدى عظمة هذا الرجل. ~~أسعدتني وأدهشتني رؤية ملحوظات إيه جراي حول تهجين ~~الضروب والقضاء عليها، وهو الشيء الذي ما أبرح أجمع عنه ~~الحقائق منذ اثني عشر عاما، كما تعلم. كم سأشعر بيأس ~~فظيع، إذا جمعت معا ملحوظاتي حول الأنواع، إلخ، إلخ، ثم ~~لم يسفر الموضوع عن شيء! لا تشق على نفسك ms405 كثيرا في ~~العمل. # صديقك الأوفى إلى الأبد # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 5 نوفمبر [1854] # عزيزي هوكر # سرني تلقي خطابك أمس. أهنئك من كل قلبي [من ~~أجل حصوله على ميدالية الجمعية الملكية]، وسواء كان ~~اكتراثك بالأمر كبيرا أو قليلا، يسعدني أن أرى اعتراف ~~أعلى مجلس علمي في بريطانيا العظمى بمكانتك. أرجو بحق أن ~~تكون السيدة هوكر مسرورة بالأمر، وترغب إيما أن أبلغكما ~~خصيصا خالص تهانيها ... من أعماق قلبي آسف على الخطبة التي ~~ستلقيها بعد العشاء، التي أخشى أنني لن أسمعها. لو لم تكن ~~تتمتع بطوية أعظم كثيرا من طويتي (وإنني أعتقد هذا ~~حقا)، فستجد في الميدالية حافزا صغيرا مبهجا؛ فحين ~~يتعسر الحال بالعمل، وتتأمل عبثية كل شيء، من السار ~~أن تجد دليلا ملموسا على أن الآخرين يرون شيئا بارزا ~~في مجهوداتك. # إلى اللقاء يا عزيزي هوكر، وأستطيع أن أؤكد [لك] أن ~~كلينا استمتع كثيرا حقا بزيارتك أنت والسيدة هوكر لنا ~~هنا. الوداع يا عزيزي هوكر. # صديقك المخلص # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # 7 مارس، [1855] ~~... انتهيت للتو من دراسة كتاب وولستن [توماس فيرنون ~~وولستن ]، «حشرات ماديرا»؛ إنه عمل «جدير بالتقدير». ~~ثمة نقطة غريبة جدا متعلقة بالنسبة المدهشة ~~لغمديات الأجنحة العديمة الأجنحة؛ وأعتقد أنني خمنت ~~السبب، وهو أن القدرة على الطيران ستكون مضرة للحشرات ~~التي تعيش في موقع محدود، وتعرضها لأن يعصف بها في ~~البحر؛ لاختبار هذا الأمر، أجد أن الحشرات التي تعيش في ~~جزيرة ديزيرت جراند، وهي جزيرة صغيرة للغاية، ستكون أكثر ~~تعرضا لهذا الخطر، وهنا نسبة الحشرات عديمة الأجنحة أعلى ~~كثيرا حتى من التي على أرخبيل جزر ماديرا. ويتحدث وولستن ~~عن ماديرا والأرخبيلات الأخرى على أنها «شهود ثابتة ~~ومؤكدة على قارة فوربس القديمة»، وبالطبع عالم دراسة ~~الحشرات ينتصر لهذا الرأي بصورة ضمنية. لكنني أرى من وجهة ~~نظري أن الحقائق المخالفة لهذا الرأي كثيرة جدا. إنه من ~~المقزز والمهين بحق أن ترى استنتاجات متناقضة تماما ~~مستمدة من الحقائق نفسها. # تبادلت بعض الخطابات مع ms406 وولستن حول هذا الموضوع ~~وموضوعات أخرى، واكتشفت أنه يفترض بثقة، (1) أن الحشرات ~~في الماضي كانت تتمتع بقدرات أكبر على الارتحال من الآن، ~~(2) وأن اليابسة القديمة كانت ثرية «بنحو خاص» في مراكز ~~الخلق، (3) وأن اليابسة المتصلة دمرت قبل أن يتاح الوقت ~~للكائنات الخاصة للانتشار، (4) وأن اليابسة قد تفككت ~~قبل أن يتاح الوقت لفصائل وأجناس معينة للوصول من ~~أوروبا أو أفريقيا إلى بقاع اليابسة محل النقاش. أليست هذه ~~الافتراضات كثيرة للغاية؟ ورغم ذلك سأظل أرى خلال الاثني ~~عشر أو العشرين عاما القادمة الاقتباس من كلام وولستن ~~كبرهان على ادعاء فوربس المسكين بالوجود السابق لقارة ~~أتلانتس. # أرجو ألا أكون قد أثقلت عليك، لكنني اعتقدت أنك سترغب ~~في أن تسمع أخبارا عن هذا الكتاب، الذي أراه «ممتازا» ~~فيما يضمه من حقائق، وأرى مؤلفه رجلا في غاية اللطف ~~والتواضع. # المخلص لك بشدة # سي داروين # من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس # داون، 19 مارس، [1855] # عزيزي فوكس # لقد مضى وقت طويل منذ آخر تواصل بيننا، وإنني أريد ~~حقا معرفة كيف حالك؛ لكن هدفي الحالي هو أن أطلب منك ~~رصد أمر ما من أجلي، ولأنني أعلم أنك الآن رجل مشغول ~~للغاية ولديك الكثير جدا لتفعله، فإن احتمال أن تفعل ما ~~أريد كبير؛ فلا جدوى أن تطلب شيئا من رجل متعطل تماما. ~~حيث إن لديك مجموعة متنوعة من الحيوانات، فلا بد أن لديك ~~حماما. (كم أتمنى أن يكون حماما هزازا إن أمكن!) ما ~~أريد معرفته الآن هو العمر الذي ينمو فيه ريش ذيل أفراخ ~~الحمام بالقدر الكافي بحيث يمكن عده. لا أعتقد أنني رأيت ~~حمامة صغيرة من قبل. إنني أعمل باجتهاد على ملحوظاتي، ~~أجمعها وأقارن بينها، حتى أكتب خلال عامين أو ثلاثة ~~كتابا يحتوي على كل الحقائق والحجج، التي يمكنني ~~جمعها، عن وجهي مسألة عدم قابلية الأنواع للتغير. أريد ~~الحصول على صغار سلالاتنا الداجنة، لأرى في أي سن صغيرة ~~تظهر التغييرات ولأي درجة. لا بد أن أربي بنفسي ~~الحمام (وهو ليس أمرا مسليا لي وإنما مضجر وبغيض) ~~أو ms407 أشتري صغاره؛ لكن قبل الذهاب إلى البائع، الذي سمعت ~~عنه من ياريل، أرغب حقا في معرفة شيء عن نموها، حتى لا ~~أكشف عن جهلي الشديد؛ ومن ثم، أصير معرضا بشدة للغش ~~والخداع. أما فيما يتعلق بنقطة ريش الذيل، فهي بالطبع ~~مرتبطة بالنمو الغريب لريش الذيل في الكبار من الحمام ~~الهزاز. إذا كانت لديك أي سلالة نقية من الدواجن، سأرجو ~~منك دجاجة بالسن التالية تحديدا؛ أسبوع أو أسبوعين ~~تقريبا. ولترسلها في صندوق بالبريد، إذا كنت لا تأبه لقتل ~~واحدة منها؛ ولتسمح لي بسداد رسوم البريد. لا شك أنه ~~سيسرني كثيرا أن يصلني فرخ حمام جبلي؛ فأنا أنوي ~~استخلاص الهياكل العظمية، وبدأت للتو بالفعل المقارنة بين ~~البط البري والداجن. وأعتقد أن النتائج غريبة بعض الشيء؛ ~~إذ عند وزن العظام المتعددة بعناية شديدة، بينما اختلفت ~~الأوزان التناسبية للاثنين كثيرا بعد تنظيفهما تماما، ~~كان وزن قدم البطة الداجنة أكبر كثيرا. كم أتمنى لو ~~أستطيع الحصول على بطة برية صغيرة في عمر أسبوع، لكن أعلم ~~أن هذا شبه مستحيل. # أما أخبارنا، فليس لدي الكثير لأقوله؛ منزلنا الآن ~~صاخب بالسعال الديكي لحد فظيع، لكن فيما عدا ذلك كل ~~شيء على ما يرام. أما أفضل خبر عني على الإطلاق، فهو ~~أنني انتهيت إلى حد كبير أخيرا من دراسة البرنقيلات ~~الأزلية. وفي نهاية العام مرض اثنان من فتياننا الصغار ~~مرضا شديدا بالحمى والتهاب الشعب الهوائية، وشتى أنواع ~~الأمراض؛ لذلك بدافع الترفيه من ناحية، وبدافع تغيير ~~المكان من ناحية أخرى، ذهبنا إلى لندن واستأجرنا منزلا ~~لمدة شهر، لكن حاق الفشل الذريع بالأمر؛ حيث حل ذلك الصقيع ~~المريع بمجرد أن ذهبنا، وساء الحال بجميع أطفالنا، وأصبت ~~أنا وإيما بالسعال والبرد والروماتيزم طوال الوقت ~~تقريبا. كان في مقدمة قائمة الأشياء التي نوينا أن نفعلها ~~الذهاب لرؤية السيدة فوكس، لكن بعد الانتظار لبعض الوقت ~~لنرى ما إذا كان الطقس سيتحسن، لم نحظ بيوم يستطيع كلانا ~~الخروج فيه. # أرجو بحق ألا يمضي وقت طويل جدا قبل أن تستطيع ~~زيارتنا. إن الزمن يداهمنا، والكهولة ms408 تلاحقنا. أرجو أن ~~تطمئنا على نفسك وأسرتك الكبيرة كلها. # أعلم أنك ستساعدني «إذا استطعت» بمعلومات عن صغار ~~الحمام؛ وفي كل الأحوال، فلتكتب لي في أقرب ~~فرصة. # تحياتي لك عزيزي فوكس، صديقك الغالي ~~المخلص # سي داروين # ملحوظة: # من بين جميع أنواع ~~الأشياء المتفرقة التي أتسلى بها، أقارن بين بذور ضروب النباتات. ~~كان لدي من قبل بعض بذور الكرنب البري التي أعطيتها شخصا ما، ~~هل كان هذا أنت؟ ثمة احتمال كبير للغاية أنها قد جرى التخلص ~~منها، فإذا لم يكن الأمر كذلك، فسيسرني كثيرا أن أحصل على القليل ~~منها. ~~[يشير الاقتباس التالي من خطاب إلى السيد فوكس (27 مارس، 1855) ~~إلى موضوع الخطاب السابق نفسه، ويعطي لمحة عن «عمله عن الأنواع»: ~~«الطريقة التي سأقتل بها الصغار ستكون بوضعها أسفل كوب زجاجي مع ~~ملعقة صغيرة من الإيثر أو الكلوروفورم، على أن يكون الكوب ضاغطا ~~على سطح مرن، وتركها لمدة ساعة أو اثنتين؛ فالصغار لديها قدرة ~~كبيرة على التمسك بالحياة. (لقد قتلت من قبل عثا وفراشات بهذه ~~الطريقة.) ستكون الطريقة المثلى أن ترسلها بمجرد أن تشتريها، في ~~صندوق من الورق المقوى بالبريد؛ حيث يمكنك الكتابة عليه وربطه ~~جيدا بحبل؛ وسوف تزيد من أسباب سعادتي حقا بأن تسمح لي بمعرفة ~~رسوم البريد، إلخ. أقسم إنني لا أكاد أصدق أنه قد يكون ثمة ~~«أحد» بهذا القدر من نقاء السريرة بحيث يتحمل هذه المشقة ويفعل ~~شيئا بغيضا للغاية مثل قتل صغار الطيور؛ وإنني على يقين شديد ~~أنني لا أعرف نفسا واحدة قد تفعل هذا، باستثنائك أنت. سوف أطلب ~~منك شيئا آخر؛ إذا ماتت لديك طيور إناث عجوزة من أي من الدواجن ~~المذكورة آنفا (عدا البط) أو كانت عجوزة لدرجة أصبحت معها ~~«عديمة الجدوى»، فأرجو أن ترسلها لي عن طريق السكك الحديدية، ~~موجهة إلى «سي داروين، عناية السيد أكتون، مكتب البريد، بروملي، ~~كنت». هلا احتفظت بهذا العنوان باعتباره أقصر طريقة لإرسال ~~الطرود؟ لكنني لا آبه كثيرا لهذا الأمر؛ حيث بإمكاني شراء الطيور ~~العجوزة نافقة من بايلي لاستخلاص هياكلها العظمية. ms409 كان لا بد أن ~~أكتب لك في الحال حتى لو لم يكن قد جاءني منك رد، حتى أرجوك ألا ~~تكلف نفسك مشقة كبيرة بشأن الحمام؛ حيث إن ياريل قد أقنعني بأن ~~أشرع في التربية، والآن أجهز مكانا، وقد كتبت إلى بايلي بشأن ~~الأسعار، إلخ، إلخ. أود كثيرا (حين يتحسن بك الحال) أن أسمع ~~«يوما ما» القليل عن «بطتك الصياحة الصغيرة»؛ لماذا سميت بهذا ~~الاسم؟ ومن أين حصلت عليها؟ وكيف تبدو؟ كنت في غاية الجهل؛ فلم ~~أعلم أن ثمة ثلاثة ضروب من دواجن دوركينج؛ ما أوجه ~~اختلافها؟ # نسيت ما إن كنت قد أخبرتك من قبل بهدف عملي الحالي؛ إنه النظر ~~في كل الحقائق التي يمكنني أن أجمعها (وا أسفاه؛ وا أسفاه، كم ~~أجد نفسي جاهلا!) في التاريخ الطبيعي (فيما يتعلق بالتوزيع ~~الجغرافي والحفريات والتصنيف والتهجين والحيوانات والنباتات ~~الداجنة، إلخ، إلخ، إلخ) لأرى لأي حد تؤيد أو تعارض فكرة أن ~~الأنواع البرية قابلة أو غير قابلة للتغير: أعتزم بأقصى ما ~~أوتيت من قوة أن أعطي كل الحجج والحقائق الخاصة بالطرفين. ~~ولدي «عدد» من الناس الذين يساعدونني بكل السبل، ويسدون لي ~~أفضل العون؛ لكن كثيرا ما يساورني الشك ما إن كان الموضوع سيفوق ~~قدراتي تماما أم لا. # يكفي هذا بالنسبة للجزء الخاص بالعمل من خطابي. يؤسفني جدا ~~سماع أخبار غير جيدة بالمرة عن صحتك: إن حياتك ثمينة جدا مع وجود ~~أسرتك الكبيرة، وإنني متأكد أنها لا بد أن تكون سعيدة مع كل ~~نشاطك وصلاحك، أو سعيدة بالقدر المعقول الذي يمكن توقعه في ظل ~~كل هموم المستقبل التي لدينا. # لا يمكن توقع أن يكون الحاضر مثل الأيام التي وجدنا فيها ~~خنفساء الصليب الأرضية أسفل جذوع الصفصاف الخلابة تلك، التي أعشق ~~ذكراها. والآن أجد فائدة كبيرة في القليل الذي أعرفه عن علم ~~الحشرات الذي أدين به لك كاملا. يسرني كثيرا أنك قد منحت نفسك ~~راحة من واجبات أيام الآحاد؛ فكم من الأسقام قد عانيت منها في ~~حياتك! الوداع يا عزيزي فوكس. أشدد على شكري لك ms410 بإخلاص على مد ~~يدك بالعون».] # من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس # داون، 7 مايو [1855] # عزيزي فوكس # لقد كلفتك مراسلتي قدرا كبيرا من المتاعب، إلا أن ~~هذا الخطاب لن يفعل ذلك. وجدت خطابك عند عودتي للمنزل يوم ~~السبت بعد أسبوع من العمل في لندن. حين كنت هناك، رأيت ~~ياريل، الذي أخبرني أنه تفحص بعناية كل النقاط المتعلقة ~~بالبطة الصياحة، ولم يساوره أي شك أنها متطابقة ~~تماما مع ضروب شائعة في حديقة سان جيمس بارك، وأنها ~~هجنت بكثرة معها؛ لذا سيسرني كثيرا الحصول على فرخ ~~بط في سن سبعة أيام وأحد الطيور العجوزة، في حال ماتت ~~إحداها ميتة طبيعية. أخبرني ياريل أن سابين قد جمع أربعين ~~ضربا من البط الشائع! حسنا، لنرجع للعمل؛ إنني متأكد أن ~~لا أحد يستطيع أن يحدد لي أفضل منك العمر المميز للدجاج ~~الصغير. فيما يتعلق بالهياكل العظمية، كنت أخشى أنه سيكون ~~من المستحيل أن أستخلصها، لكن أعتقد أنني سأتمكن من قياس ~~الأطراف، إلخ بتحسس المفاصل. ما تقوله عن الديوك العجوزة ~~يؤكد بالضبط ما خطر لي، وسوف أستخلص هياكل الديوك العجوزة. ~~إذا ما نفق ديك رومي بري عجوز لديك، فلتتذكرني رجاء ؛ ~~فإنني لا أريد فرخ ديك رومي، ولا كلب درواس. أشكرك ~~شكرا جزيلا على العرض. لدي جراء كلاب بولدوج وكلاب ~~سلوقية محفوظة في الملح، وكان لدي أمهار صغار لخيل ~~جر عربات وسباق أخذت قياسات أجزائها بعناية. يساورني ~~الشك فلا أعلم ما إن كنت سأقدم شيئا مفيدا بالمرة أم ~~لا؛ فالأمور تخرج عن حدود قدراتي. # مع إخلاصي الشديد # سي داروين ~~[قد يكون هنا المكان المناسب لهذا الاقتباس من خطاب إلى السيد ~~فوكس، رغم أنه بتاريخ لاحق، يوليو، 1855: # شكرا جزيلا على دجاجة دوركينج البيضاء ذات السبعة الأيام، وعلى ~~غيرها مما وعدت به. هكذا يصير لدي «حجرة رعب» بحق، وقد زاد ~~تقديري لكرمك أكثر حتى من ذي قبل؛ فقد ارتكبت الفعلة الآثمة وقتلت ~~حمامة هزازة ملائكية صغيرة وواحدة من الحمام النفاخ في عمر العشرة ~~الأيام. جربت مع الأولى الكلوروفورم والإيثر، ms411 ورغم أنها تبدو ~~ميتة سهلة تماما، فقد طال الأمر؛ ومع الثانية جربت وضع كتل ~~سيانيد البوتاسيوم في زجاجة رطبة كبيرة جدا، قبل وضع الحمامة ~~فيها بنصف ساعة، وهكذا كان غاز حمض البروسيك المنبعث سريع الفتك ~~للغاية. # في خطاب إلى السيد فوكس (23 مايو، 1855) يأتي أول ذكر لعمل أبي ~~الشاق فيما يتعلق بتربية الحمام: # أكتب الآن لأخبرك أنني كنت أتفحص بعضا من دجاجنا ~~المهجن، ولا بد أن أذكر أن تلك «البالغة من العمر أسبوعا» ~~ستفي جدا بالغرض. النقطة الرئيسية التي ظلت لسنوات، ولا ~~تزال، تثير فضولي بشدة، هي التأكد إن كان «صغار» سلالاتنا ~~الداجنة يختلف بعضها عن بعض كما يختلف آباؤها، وأنا لا أثق ~~في أي شيء لا يثبته القياس الدقيق والقواعد الرياضية. ~~أتمنى ألا أكون قد كلفت نفسي عناء كبيرا دون وجود ~~دافع جدير بالتقدير، وأعتقد أن الأمر كذلك بالفعل. لدي ~~طيور هزازة ونفاخة (طيور فاخرة، حسبما أرجو؛ فقد دفعت ~~عشرين شلنا مقابل كل زوج من بايلي) في قفص كبير وبرج ~~حمام، وإنها لمصدر تسلية مطلقة لي، وبهجة ~~لهنرييتا. # أثناء خوض أبي مغامرة تربية الحمام، تعرف بطبيعة الحال على ~~الكثير من المربين، وكان شغوفا بأن يحكي عن تجاربه بصفته عضوا ~~في نادي كولومبيريان ونادي فيلوبيريستيرا؛ حيث كان يلتقي بأشد ~~المتحمسين لتلك «الهواية»، ويتعلم كثيرا من أسرار عالمهم. وحين ~~كتب إلى السيد هكسلي بعد ذلك بعدة سنوات، اقتبس من كتاب حول ~~«الحمام» للسيد جيه إيتون، ما يوضح ما يجب أن يتميز به المربي ~~الجيد من «حرص شديد وقدرة على الملاحظة الحثيثة». ~~«في دراسته [دراسة السيد إيتون]، التي تتناول «فقط» الحمام ~~البهلواني اللوزي، وهو ضريب من الضرب القصير الوجه، الذي يشكل ~~ضربا من الحمام البهلواني، مثلما هو ضرب من الحمام الجبلي، يقول: ~~«ثمة بعض المربين الصغار البالغي الجشع، الذين يريدون الخمس ~~الخواص جميعا مرة واحدة [أي النقاط الخمس المميزة التي يكون ~~الاهتمام بها أساسا. تشارلز داروين]، وإنهم ينالون جزاءهم بعدم ~~الحصول على شيء منها.» باختصار، إن الانتباه إلى «كل» مزايا ~~الحمام البهلواني ms412 اللوزي يكاد يفوق العقل البشري! # حتى تكون مربيا جيدا، ولكي تنجح في تحسين أي سلالة، الحماس ~~ضروري أكثر من أي شيء. لقد ربح السيد إيتون الكثير من الجوائز، ~~فلتصغ لما يقول. # إذا أمكن للسادة النبلاء والأفاضل معرفة الكم الهائل من ~~السلوى والمتعة الذي يأتي من الحمام البهلواني اللوزي، حين يبدءون ~~في فهم خواصه، فأعتقد أنه سيكون من النادر أن تجد أحدهم دون ~~أماكن لتربيته.» # كان أبي يهوى اقتباس هذه الفقرة، ودائما ما كان ذلك بنبرة ~~تعاطف مع المؤلف، إلا أنه كان، بلا شك، قد نسي تعجبه حين كان ~~طفلا من أن «كل الرجال الأفاضل لم يصيروا من المختصين في علم ~~الطيور.» (ارجع للفصل الثاني). # كان أبي مدينا إلى السيد دبليو بي تيجيتماير، الكاتب المعروف في ~~مجال الدواجن، إلخ، بالنصح والتعاون الدائمين؛ إذ بدأ التراسل ~~بينهما في عام 1855، واستمر حتى 1881، حين كتب أبي إليه قائلا: ~~«أؤكد لك أنني كثيرا ما أتذكر في سعادة الأيام الخوالي حين كنت ~~أهتم بالحمام والطيور الداجنة، إلخ، وكنت تمدني بأفضل سبل ~~العون. وإنني كثيرا ما أشعر بالأسف لضعف صحتي التي جعلتني لم ~~أعد قادرا على الحفاظ على معارفي وأصدقائي القدامى.» تكاد تتكون ~~كل خطابات أبي إلى السيد تيجيتماير من سلاسل من الأسئلة ~~المتعلقة بالسلالات المختلفة من الطيور الداجنة والحمام، إلخ؛ ومن ~~ثم، فهي ليست شائقة. وعند التمعن في قراءة مجموعة الخطابات ~~هذه، تنتابك دهشة شديدة من اجتهاد الكاتب في بحثه عن الحقائق، ~~ويتضح أنه كان يثق تماما في معلومات السيد تيجيتماير وحكمه ~~ويقدرهما بشدة. وترد جمل متعددة، على غرار «ملحوظتك بمنزلة ~~منجم ذهب بالنسبة لي» لتعبر عن تقديره لمساعدة السيد ~~تيجيتماير، وهناك أيضا كلمات تعبر عن تقديره الصادق لحماسه ~~السخي وفضله، أو «حبه الخالص والمنزه عن الأغراض للعلم». كذلك ~~لاقت مساعدة السيد تيجيتماير في موضوع النحل وأقراص العسل تقدير ~~أبي، حيث كتب مفصحا: «كان بحثك حول «خلايا النحل»، الذي قرئ أمام ~~الجمعية البريطانية، مفيدا وملهما بشدة بالنسبة لي.» # من أجل حل مشكلات التوزيع الجغرافي للحيوانات والنباتات ms413 على ~~أسس تطورية، كان على أبي أن يدرس الوسائل التي يمكن من خلالها ~~نقل البذور والبيض، إلخ، عبر مسافات شاسعة من المحيط. كانت هذه ~~الحاجة هي التي جعلته يهتم بنوع التجارب التي تشير إليها ~~الخطابات التالية.] # من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس # داون، 17 مايو [1855] # عزيزي فوكس # ستكره مجرد رؤية خط يدي؛ لكن أعدك ألا أطلب منك المزيد ~~من الأشياء بعد هذه المرة، على الأقل لوقت طويل؛ حيث إنك ~~تعيش في مكان تربته رملية؛ فهل السحالي كثيرة لديك؟ إن ~~كان الأمر كذلك، فهل سترى أنه من السخيف أن تعرض بالنيابة ~~عني على الصبية في مدرستك جائزة في مقابل تجميع بيض ~~السحالي؛ شلن مقابل كل نصف دزينة، أو أكثر إذا كانت ~~نادرة، حتى تحصل على دزينتين أو ثلاث وترسلها لي؟ إذا جاء ~~بيض ثعابين بالخطأ، فسيكون مناسبا جدا، حيث أريده ~~كذلك؛ وليس لدينا سحالي أو ثعابين هنا. هدفي هو أن أرى ما ~~إن كان ذلك البيض سيطفو على ماء البحر، وما إن كان سيظل ~~حيا حين يطفو لمدة شهر أو اثنين على الماء في قبوي. ~~إنني أجري تجارب على نقل كل الكائنات الحية بقدر ما ~~أستطيع ؛ ولما كانت السحالي موجودة في كل الجزر، فإنني ~~متلهف للغاية لأرى ما إن كان بيضها يصمد في ماء البحر. ~~بالطبع هذا الخطاب ليس بحاجة لرد، إلا إن استطعت، عن ~~طريق صدفة غريبة ومواتية، أن ترد عليه يوما ما ~~بإرسال البيض. # صديقك الأكثر إزعاجا # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # 13 أبريل [1855] ~~... لقد بدأت تجربة منذ فترة قصيرة وما زالت مستمرة، ~~وأعتقد أنها ستكون مثيرة للاهتمام، وهي أنني أخذت بذورا ~~كنت قد وضعتها في الماء المالح وغمرتها لفترة طويلة في ~~وعاء كبير يحتوي على ماء تتراوح درجة حرارته بين 32 ~~و33 درجة مئوية مختلط بثلج. حين كتبت إليك آخر مرة، ~~كنت على وشك إعلان انتصاري عليك؛ ذلك أن تجربتي كانت قد ~~نجحت بقدر ضئيل؛ لكنني، بدناءة مطلقة، لم أخبرك ~~بهذا، على أمل ms414 أنك قد تقول إنك سوف تأكل كل النباتات ~~التي استطعت إنباتها بعد الغمر. من المزعج للغاية أنني ~~لا أستطيع بأي حال تذكر ما قلته سابقا والذي جعلني ~~أعتقد أنك استهزأت بشدة من التجارب؛ فالآن يبدو أنك ترى ~~التجربة كرجل صالح. لدي بذور رشاد وفجل وكرنب وخس وجزر ~~وكرفس وبصل - أربع فصائل كبيرة - في زجاجات صغيرة ~~بالخارج، معرضة لتغير درجات الحرارة. وقد نبتت كلها ~~بعد غمرها لأسبوع بالضبط، وهو ما لم أتوقعه مطلقا ~~(وتخيلت كيف ستسخر مني)؛ فماؤها كلها تقريبا، وذلك الذي ~~كان فيه بذور الرشاد خصوصا، كان كريه الرائحة للغاية، ~~وأفرزت بذور الرشاد كمية كبيرة من المخاط (كان كتاب ~~«بقايا» سيتوقع أن تتحول إلى أفراخ ضفادع)، حتى إنها ~~تلاصقت في كتلة، لكن هذه البذور نبتت ونمت على نحو ~~رائع. وقد تسارع إنباتها كلها (خاصة الرشاد والخس)، ما ~~عدا الكرنب الذي كان نموه مضطربا جدا، وماتت كمية ~~كبيرة منه، على ما أعتقد. خيل لي أن الكرنب، بسبب بيئته ~~الأصلية، كان سيصمد جيدا. ويبدو أن الفصيلة الخيمية ~~والبصل يتحملان الملح جيدا. إنني أغسل البذور قبل ~~زراعتها. لقد كتبت إلى دورية «ذا جاردينرز كرونيكل» ~~[طالبا بعض المعلومات]، رغم أنني ساورني الشك حول جدوى ~~ذلك. إن كان نجاحي يجعل الأمر يبدو ذا أهمية، فسأرسل ~~قائمة بالبذور، لأجعلك تميز بعض الطوائف المختلفة من ~~البذور. اليوم سأعيد زراعة البذور نفسها التي ذكرتها ~~أعلاه بعد أربعة عشر يوما من الغمر. وحيث إن كثيرا من ~~التيارات البحرية تسير بسرعة ميل في الساعة، فمن الممكن أن ~~تنقل لمسافة 168 ميلا خلال أسبوع؛ يقال إن تيار الخليج ~~يسير بسرعة تتراوح بين خمسين وستين ميلا يوميا. ثمة ~~الكثير والكثير في هذا الموضوع؛ لكنني دائما ما ~~أبالغ. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر ~~[14 أبريل، 1855] ~~... إنك لرجل نبيل لاعترافك بأنك توقعت أن الرشاد سيموت ~~خلال أسبوع؛ فهذا يعطيني انتصارا صغيرا مرضيا. كان ~~الأبناء في البداية يحدوهم حماس عارم، وظلوا يسألونني «ما ~~إن كنت سأهزم الدكتور هوكر!» لقد نما الرشاد والخس جيدا ms415 ~~بعد غمرهما لمدة واحد وعشرين يوما. لكنني لن أستمر في ~~الكتابة، وهذه فضيلة كبرى لدي؛ فإنني أجد متعة كبيرة ~~جدا في إخبارك بكل ما أفعله. ~~... إذا علمت ببعض التجارب (إذا جاز تسميتها بذلك) التي ~~أجريها، فسيكون لديك مطلق الحق للسخرية؛ فهي «غريبة ~~جدا» حتى في «رأيي» لدرجة أنني لا أجرؤ على إخبارك ~~بها. # أليس لدى بعض الرجال فكرة مضحكة عن إجراء التجارب؟ لقد ~~تلقيت خطابا يخبرني أنه «لا بد» أن البذور تتحلى ~~بقدرة «هائلة» على تحمل الماء المالح، وإلا فكيف ~~استطاعت أن تصل إلى الجزر؟ هذه هي الطريقة الصحيحة لحل ~~المشكلة! # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون [1855] # عزيزي هوكر # أعتقد أنك رجل رائع للغاية لتعبيرك عن بعض سعادتك ~~لكتابة خطابين لي؛ أرى أن هذا أفضل ما كان يمكنك أن تأتي ~~به؛ لكن فيما يتعلق بالإعراب عن سعادتك بدحض تجاربي، فإني ~~أؤكد لك أنني محتار تماما بما يكفي؛ فتلك البذور ~~البغيضة، كما تلاحظ بالضبط، إذا غاصت لا تطفو. # لقد كتبت إلى سكورسبي وتلقيت ردا جافا بعض الشيء، لكنه ~~مفيد للغاية، حيث لم يترك لي أملا في وجود أي قانون أجهله ~~قد يمنع هبوطها الدائم إلى أعماق المحيط السحيقة. ~~بالمناسبة، كان أمرا عجيبا جدا لكنني تحدثت إلى ~~الكولونيل سابين لمدة نصف ساعة حول الموضوع، ولم أستطع أن ~~أجعله يرى صعوبة مسألة الغوص فيما يتعلق بموضوع النقل! ما ~~يثير الضجر هو أنه إن كانت البذور اللعينة تغوص، فسأكون قد ~~تجشمت كل هذا العناء في تمليح هؤلاء الأوغاد الجاحدين ~~هباء. # كان التوفيق يجانبني في كل شيء مؤخرا؛ فقد التهم ~~السمك في جمعية علم الحيوان الكثير من البذور المنقوعة، ~~ويتراءى في مخيلتي أن طائر بلشون قد التقمها، هي ~~والسمك والأشياء كلها، وحملها لمسافة مائة ميل، وأفرغها ~~على ضفاف بحيرة أخرى ونبتت على نحو مبهر، وفجأة، لفظت ~~الأسماك «كل» البذور من أفواهها بشدة، وباشمئزاز يعادل ~~اشمئزازي. # لكنني لن أتخلى سريعا عن فكرة الطفو؛ في المقام الأول ~~لا بد أن أجرب بذورا حديثة، رغم أنه ms416 يبدو أكثر ترجيحا ~~بكثير أنها سوف تغرق؛ ثانيا، على سبيل المحاولة الأخيرة، ~~لا بد أن أعتقد أن القرن أو حتى النبتة أو الغصن بأكمله قد ~~ينجرف مع البحر؛ بسبب الفيضانات والانزلاقات والزلازل؛ لا بد أن هذا يحدث باستمرار، وأعتقد أن القرون، إلخ، إلخ إذا ~~ظلت مبتلة، فلن تفتح وتطرح بذورها. فلتجرب الأمر مع بذور ~~الميموزا في كيو. # كنت أنوي أن أسألك عما إذا كانت الميموزا المتسلقة ~~والبندق ~~القارح # Guilandina bonduc # ينموان في كيو، حتى أجري التجربة ~~على بذور حديثة. أخبرني آر براون أنه يعتقد أن ثمة ~~أربع بذور من غرب الهند قد انجرفت إلى شواطئ أوروبا. وتأكد ~~لي في جزيرة كيلينج أن انجراف البذور إلى الشاطئ ليس من ~~الأمور النادرة؛ إذن فلا بد أنها تطفو وسوف تطفو! يا له من ~~حديث طويل استغرقت فيه! # إذا كان لديك العديد من بذور جزر لوفودين، فلتنقع بعضا ~~منها في بعض الماء الفاتر، ولتزرعها بأقصى درجات العناية؛ ~~إنها من التجارب المهمة بالنسبة لي، والتي فرص عدم نجاحها ~~كبيرة للغاية. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 11 مايو [1855] # عزيزي هوكر # تلقيت خطابك للتو. إنني في غاية السرور بصدق ومن صميم ~~قلبي بالخبر الذي احتوته [تعيين السيد هوكر مساعد مدير ~~الحدائق الملكية في كيو]، وكذلك زوجتي. ورغم أن الراتب ~~هزيل، فمن المؤكد أنك والسيدة هوكر راضيان عنه، على ما ~~أرجو. وحيث إن المنصب لا بد أن يؤدي في السنوات القادمة ~~إلى منصب الرئاسة، فإنني أرجو أن تنظر إليه باعتباره فرصة ~~رائعة. أما من وجهة نظري أنا، فلا أستطيع تخيل منصب أفضل ~~من مدير هذا المكان النبيل الرائع؛ بل إنه أفضل، على ما ~~أعتقد، من شغل منصب أستاذ في بلدة كبيرة. وإنني كلما فكرت ~~في الأمر، زاد سروري. لكنني لن أزيد في الكلام في هذا ~~الشأن؛ غير أنني أرجو أن تكون السيدة هوكر سعيدة تماما ~~بهذا المنصب ... # بما أن دورية «ذا جاردينرز كرونيكل» نشرت سؤالي، وأولته ~~الاهتمام، أعتقد أنه يجب علي أن أرسل، وهو ما ms417 خطر لي ~~أن أفعله الأسبوع القادم، تقريري الأول إلى ليندلي لأعطيه ~~خيار نشره؛ لكنني أعتقد أنه من المحتمل أنه قد لا يراه ~~مناسبا لدورية متخصصة في مجال البستنة. حين تنتهي تجاربي ~~(إن بدت النتائج ذات شأن) وإن لم تعترض دورية «جورنال أوف ~~ذا بروسيدينجز أوف ذا لينيان سوسايتي» على النشر المبكر ~~لتقارير غير كاملة ومؤقتة، فسوف «يسرني» أن أنشر التقرير ~~النهائي هناك؛ فقد عانيت فيه أشد المعاناة، حتى إنني أعتقد ~~أن النتائج ربما كانت تستحق توثيقا أكثر دواما من مجرد ~~صحيفة، لكن أعتقد أن علي إرسالها إلى ليندلي ~~أولا. # بدأت أعتقد أن مسألة الطفو أهم من مسألة الإنبات؛ لذا ~~أبحث بكل ما بوسعي في الموضوع، وأرجو أن ألقي قليلا من ~~الضوء عليه. # أرجو أن تكون أدرت اجتماعا جيدا في النادي. لا بد أن ~~منصب أمين الخزانة مزعج بالنسبة لك، وأرجو ألا يدوم بك ~~الحال في هذا المنصب طويلا؛ أعلم أنني قد أتخلى سريعا عن ~~عضوية النادي على أن أكون أمين خزانته. # الوداع يا سيدي، مساعد المدير وصديقي ~~العزيز # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # 5 يونيو، 1855 ~~... أجري أنا والآنسة ثورلي [وهي سيدة ظلت تعمل كمربية ~~في العائلة لسنوات عديدة] «القليل من الأعمال النباتية» ~~على سبيل التسلية، وإنني لأجد أنه من المسلي جدا أن ~~نزرع تشكيلة من النباتات، في حقل ترك حتى صار مجدبا ~~لمدة خمسة عشر عاما، لكنه كان يزرع منذ وقت طويل؛ وأن ~~نزرع التشكيلة نفسها في حقل مجاور و«مشابه» لكن مزروع؛ ~~فقط لمتعة رؤية أي النباتات ستعيش وأيها ستذوي. من ~~الآن فصاعدا سوف نحتاج لقليل من العون في أحاجي التسمية. ~~كم هي صعبة لحد مخيف تسمية النباتات! # يا له من خطاب لطيف وكريم «للغاية» الذي أرسله لي ~~الدكتور إيه جراي ردا على أسئلتي المزعجة! لقد احتفظت ~~بنسختك من كتابه «دليل» حتى أتلقى منه ردا، وسوف ~~أعيدها إليك بعد الرد على خطابه. # أشكرك شكرا جزيلا على نبات السلة؛ أرجو حقا ألا ~~يكون غاليا جدا؛ حيث ms418 أحتاجه في غرض أحمق «للغاية» كما ~~أخبرتك. لقد قرأت في مكان ما أنه لا يوجد نبات يغلق ~~أوراقه بهذه السرعة في الظلام، وأنا أريد تغطيته يوميا، ~~لمدة نصف ساعة، وأرى إن كنت أستطيع تعليمه أن يغلق أوراقه ~~من تلقاء نفسه، أو على نحو أسهل مما يفعل في الظلام. لا ~~يمكنني أن أفهم السبب الذي يجعلك تفضل النقل القاري، ~~كما أعتقد، على النقل بالبحر. كنت أظن أنك مقتنع بأكبر ~~عدد ممكن من وسائل النقل. أما فيما يتعلق بأفكاري ~~النظرية المفضلة، فلا يهم البتة سواء كانت تنتقل بحرا ~~أم برا، ما دامت توجد طريقة محتملة لدرجة مقبولة. ~~لكنه مما يصدمني من الناحية الفكرية أن تخلق أرض، بدون ~~أدلة أخرى ومستقلة. سوف أفهم، حسبما أرى، بكلمات قليلة ~~جدا، آراءك بوضوح أكثر متى التقينا. # لقد تعرفت للتو على أول نوع من العشب، مرحى! مرحى! ~~لا بد أن أقر أن الحظ يقف إلى جانب الجسورين؛ فقد ~~كان، لحسن الحظ، عشب الربيع العطري البسيط؛ إلا أنه مع ذلك ~~اكتشاف رائع؛ لم أتوقع قط أن أتعرف على نوع من ~~العشب طوال حياتي؛ لذا مرحى! وقد كان للأمر أثر حميد ~~لدرجة مدهشة على معدتي. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 15 [يونيو ؟]، ~~[1855] # عزيزي هوكر # أكتب إليك هذا الخطاب القصير فقط لأخبرك أن نبات ~~السلة وصل «سليما تماما»، وأشكرك على ذلك. # لا يمكنك تخيل السعادة التي منحتني إياها بذكر ~~أسماء تلك الأعشاب الثلاث؛ فقط سأنتظر الورق حتى يجف ~~وأجمع كل الأعشاب. إن صادفت شخصا مبتدئا تماما ~~وأردت أن تعطيه نبذة عن علم النبات، فاطلب منه أن يعد ~~قائمة كاملة بمحتويات أحد الحقول أو الغابات الصغيرة؛ ~~إذ أتفق أنا والآنسة ثورلي على أنه مما يعطي إثارة غير ~~عادية للعمل، أن يكون لديك عالم صغير محدد لتدرسه، بدلا ~~من عالم النباتات البريطانية الهائل بأنواعه ~~المتنوعة. # الوداع. كنت صفيقا تماما حين أعربت عن رأيي بقولي ~~«خطوة للوراء». [يشير هذا إلى الاقتباس التالي من بحث أبي ~~حول «الماء المالح والبذور» المنشور ms419 في دورية «ذا جاردينرز ~~كرونيكل»، 26 مايو، 1855: «إن تخيل وقوع تلك التغيرات ~~الجيولوجية الهائلة خلال فترة حياة كائنات حية موجودة ~~الآن، دون الاستناد لشيء سوى محاولة تفسير توزيعها، يبدو ~~لي، في ظل حالتنا الراهنة من الجهل بوسائل النقل، أشبه ~~بخطوة للوراء في مجال العلم».] واستحققت على ذلك توبيخا ~~كبيرا، وبعد التفكير أجدني سعيدا جدا أنك لم ترد ~~علي في دورية «ذا جاردينرز كرونيكل». # أثار كتاب «نباتات» [كتاب جوردون «نباتات ميناء ~~جوفينال»] اهتمامي «بشدة». ~~[يذكر أبي في خطابه إلى السير جيه دي هوكر بتاريخ الخامس ~~من يونيو خطابا من الدكتور آسا جراي، عالم النبات ~~الأمريكي المعروف. وكان الخطاب المشار إليه ردا على ~~الخطاب التالي]: # من تشارلز داروين إلى آسا جراي # داون، 25 أبريل [1855] # سيدي العزيز # أرجو أن تتذكر أنني حظيت بشرف التعرف إليك في كيو. ~~وأود أن ألتمس منك خدمة كبيرة، أعلم جيدا أنني لا ~~أستطيع الاعتذار عنها. لكن الخدمة، حسبما أعتقد، لن ~~تسبب لك مشقة كبيرة، وستجعلني في غاية الامتنان. حيث ~~إنني لست عالم نبات، فسيبدو لك من العبثي للغاية أن أطرح ~~عليك أسئلة تتعلق بعلم النبات، لكن يمكنني تبرير هذا ~~بأنني ظللت لعدة سنوات أجمع حقائق حول «التباين»، وحين ~~أجد أن أيا من الملحوظات العامة تبدو صحيحة فيما يتعلق ~~بالحيوانات، أحاول أن أختبرها على النباتات. [يلي هذا ~~التماس معلومات حول النباتات الجبلية الأمريكية، ~~واقتراح بالنشر حول الموضوع.] أؤكد لك أنني أدرك مدى ~~وقاحتي؛ لكوني لست بعالم نبات، للإقدام على تقديم حتى ~~ولو اقتراح في غاية التفاهة لعالم نبات مثلك، لكن مما ~~رأيته وسمعته عنك من صديقنا العزيز الطيب هوكر، أرجو أن ~~تسامحني وأعتقد أنك ستفعل ذلك، ولك مني صادق احترامي يا ~~سيدي العزيز. # المخلص لك # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى آسا جراي # داون، 8 يونيو [1855] # سيدي العزيز # أشكرك من كل قلبي على خطابك الكريم جدا بتاريخ ~~الثاني والعشرين من الشهر الماضي، وعلى الطريقة اللطيفة ~~والكريمة للغاية التي تناولت بها أسئلتي المزعجة بعض ~~الشيء. لا يسعني أن أخبرك لأي ms420 حد أثارت قائمتك الخاصة ~~بالنباتات الجبلية اهتمامي، ويمكنني الآن إلى حد ما أن ~~أتصور نباتاتك الموجودة في قمم جبال الألب. أما صدور ~~الطبعة الجديدة من كتابك «دليل»، فهو خبر «رائع» بالنسبة ~~لي. علمت من مقدمتك كم كنت في حاجة ملحة للمساحة، لكن ~~إضافة (أور) إلى أي نبات أوروبي لن يأخذ حيزا، وكان هذا ~~سيفي بكل الأغراض، من وجهة نظري؛ فمن واقع خبرتي، حين كنت ~~أنظر إلى النباتات الإنجليزية في مراجعنا، كثيرا ما كان ~~يتراءى لي كم كان سيثير الاهتمام لو أعطيت فكرة ما عن ~~نطاق انتشارها؛ ومن ثم، لا يمكن أن يساورني شك أن ~~الباحثين والمبتدئين الأمريكيين سيودون كثيرا أن ~~يعرفوا أي نباتاتهم أمريكي وأيها أوروبي. ألن يكون من ~~المستحسن فيما يتعلق بالنباتات الجبلية أن تلحق بها ~~الإضافة نفسها التي أرسلتها لي الآن في المخطوطة؟ إلا ~~أنني هنا لا أتحدث بدافع الأنانية الناتجة عن كرمك، وإنما ~~فقط من أجل صالح الأمريكيين. أعتقد أنه سيكون من المرهق ~~للغاية أن تذكر في دليلك مواطن تلك النباتات الموجودة ~~غرب جبال روكي، وكذلك مواطن تلك الموجودة في شرق آسيا؛ ~~نظرا لوجود نهر ينيسي، الذي - إذا صح ما أتذكره، حسبما ~~قال جميلين - يشكل خط الفصل الرئيسي لسيبيريا. ربما ~~ثمة علاقة أكبر بين نباتات سيبيريا ونباتات الجزء ~~الشمالي من أمريكا الشمالية. يبدو لي نطاقا النباتات في ~~الشرق والغرب؛ أي ما إذا كانت توجد أغلبها في جرينلاند ~~وغرب أوروبا، أم في شرق آسيا، نقطة هامة جدا حيث تنزع ~~لتوضيح ما إن كانت الهجرة ناحية الشرق أم الغرب. أرجو أن ~~تصدق أنني مدرك تماما أن «الفائدة الوحيدة» من هذه ~~الملحوظات ليست سوى أن توضح لعالم نبات النقاط التي ~~تثير فضول من ليس بعالم نبات ليتعلمها؛ فإنني أعتقد أن ~~كل من يدرس أحد الموضوعات دراسة عميقة يصير غير واع ~~بالنقاط التي يحتاج الجاهل لمعلومات عنها. أشعر بسعادة ~~شديدة أنك تفكر في تحضير بعض الملحوظات حول توزيعك ~~الجغرافي؛ حيث تبدو لي المنطقة التي يتناولها كتاب «دليل» ~~في بعض النقاط أكثر ms421 ملاءمة للمقارنة مع أوروبا من أمريكا ~~الشمالية بأسرها. طلبت مني أن أذكر بالتحديد بعض النقاط ~~التي أرغب بشدة في الحصول على معلومات بشأنها، لكنني ~~بالكاد أستطيع فعل ذلك؛ فهي مبهمة للغاية؛ وأفضل أن ~~أنتظر النتائج التي ستأتي من المقارنات، على أن أحصل على ~~معلومات عن أمور محددة. أفترض أنك ستذكر، مثل علماء ~~النبات الآخرين، نسب الفصائل الرئيسية الكبرى كلها (مع ~~استبعاد النباتات الدخيلة) في منطقتك؛ هذه إحدى النقاط ~~التي كنت أنوي جدولتها من كتابك (وهو ما فعلته بصورة ~~تقريبية بالطبع)، لكنني لم أستطع فعل ذلك إلا على نحو ~~«منقوص تماما». كذلك كان لا بد، بالطبع، أن أتأكد من نسبة ~~النباتات الأوروبية، و«الفصائل الكبرى»، من النباتات كلها ~~(مع استبعاد الدخيلة منها)، حتى أتكهن بوسائل النقل. ~~بالمناسبة، اجترأت منذ عدة أيام على إرسال نسخة من ~~دورية «ذا جاردينرز كرونيكل» التي تتضمن تقريرا قصيرا لي ~~عن بعض التجارب البسيطة التي كنت أحاول إجراءها عن قدرة ~~البذور على تحمل ماء البحر. لا أعلم ما إذا كان الأمر قد ~~خطر لك، لكن خطر لي أنه سيكون من المستحسن أن يعطي علماء ~~النبات الأعداد النسبية للفصائل، باستخدام «أعداد صحيحة» ~~وكذلك كسور غير قابلة للاختزال؛ هكذا توصلت من دليلك إلى ~~أن نسبة الفصيلة الخيمية من النباتات «الأصلية» تساوي ~~36 / 1798 = 1 / 49؛ فدون العلم بالأعداد «الصحيحة»، لا ~~يمكن تحديد مدى قرب أعداد نباتات الفصيلة نفسها من بعضها ~~في بلدين بعيدين؛ لكن من المرجح جدا أنك قد ترى هذا ~~الأمر غير ضروري؛ وحيث إنني ذكرت هذه الأعداد النسبية، ~~فيمكنني أن أعطيك مثالا على نوعية النقاط، التي «أحاول» ~~استنباطها، وكم هي غامضة وعقيمة في كثير من الأحيان! إن ~~تأمل ملحوظة آر براون وهوكر، التي تفيد بأن القرب الشديد ~~في الأعداد النسبية للفصائل الكبرى في بلدين، قد يوضح ~~أنهما كانا متصلين تماما في وقت سابق جعلني أفكر في ~~حساب، مثلا، نسبة الفصيلة المركبة «الدخيلة» في ~~بريطانيا العظمى بالنسبة لكل النباتات الدخيلة، وكانت ~~النتيجة 10 / 92 = 1 / 9,2. تساوي النسبة في نباتاتنا ms422 ~~الأصلية أو المحلية 1 / 10؛ ووجدت في حالات كثيرة أخرى ~~تشابها بارزا بالمقدار نفسها. بعد ذلك أخذت دليلك ~~وتقصيت المسألة نفسها؛ وعندئذ وجدت في الفصيلة المركبة ~~تشابها بارزا بالمقدار نفسه تقريبا؛ أي 24 / 206 = ~~1 / 8 في النباتات الدخيلة، و223 / 1798 = 1 / 8 في ~~النباتات الأصلية؛ لكن حين انتقلت للفصائل الأخرى، وجدت ~~النسبة مختلفة تماما، مما يدل على أن التشابهات في ~~النباتات البريطانية ربما كانت عرضية! # أعتقد أنك سوف تذكر نسبة الأنواع للأجناس؛ بعبارة أخرى، ~~تعطي متوسط عدد الأنواع الموجود في كل جنس؛ رغم أنني ~~فعلت هذا لنفسي. # إن لم يكن في الأمر كثير من المشقة، ألا تعتقد أنه سيكون ~~مثيرا جدا، وكذلك سيعطي فكرة جيدة للغاية عن نباتاتك، ~~أن تقسم الأنواع إلى ثلاث مجموعات، وهي (أ) أنواع شائعة ~~في العالم القديم، محددا أعداد الأنواع الشائعة في أوروبا ~~وآسيا؛ و(ب) أنواع أصلية، لكن تنتمي لأجناس موجودة في ~~العالم القديم؛ و(ج) أنواع تنتمي لأجناس مقصورة على أمريكا ~~أو العالم الجديد؟ لبلوغ أقصى درجة من الكمال، أرى أنه ~~تجب الإشارة إلى ما إن كان ثمة حالات أخرى، مثل ~~الخلنج، لأجناس شائعة في أوروبا أو العالم القديم وغير ~~موجودة في منطقتك. لكنني صراحة أشعر أنه من السخيف ~~للغاية أن أطيل الكتابة لك هكذا حول الموضوع؛ لكن حيث ~~إنك طلبت مني هذا، فإنني أفعله ممتنا، وأكاتبك كما ~~أكاتب هوكر، الذي كثيرا ما يسخر مني دون شفقة، وأنني ~~متأكد أنك لديك سبب أقوى لتفعل هذا. # ثمة نقطة واحدة هي أكثر ما أتلهف للحصول على ~~معلومات عنها، وسأذكرها وأنا في غاية التردد، فقط ~~«لثقتي التامة» أنك ستصدق أن ليس لدي من الحماقة ~~والوقاحة ما يجعلني أرجو لثانية واحدة أن تمدني بها، ~~دون أن تكون قادرا على ذلك بأقل قدر من المشقة. في ~~الوقت الحالي قد لا تثير هذه النقطة اهتمام أحد سواي، وهو ~~ما يجعل الحالة مختلفة كلية عن التوزيع الجغرافي. ~~الطريقة الوحيدة، على ما أعتقد، التي يمكن أن تفعلها بها ~~بقليل من المشقة هو أن تضع ms423 طلبي في اعتبارك، أثناء تصويب ~~بروفات الطباعة الخاصة بكتابك، وأن تضع إشارة أو علامة ~~على الأنواع، وأن تسمح لي بالحصول على تلك البروفات ~~القديمة متى أرسلت طردا إلى هوكر. لكن هذا سيكلفك ~~مشقة أن تتذكر طلبي، وهو ما بالكاد أرجو أن تفعله أو ~~أتوقعه. لكنني سأذكر ما أريد فحسب؛ وهو أن تميز ~~«الأنواع القريبة من بعضها» في نباتات إحدى المناطق، ~~لتحدد ما إن كانت الأجناس نفسها لديها «أنواع قريبة من ~~بعضها» في نباتات المناطق «المختلفة» عند المقارنة بينها، ~~وهي مبهمة لدرجة استعصاء إحصائها لأغراض أخرى. حاولت، ~~بمساعدة هوكر، التأكد بطريقة مماثلة مما إن كانت ~~الأنواع المختلفة من الأجناس نفسها في أنحاء بعيدة من ~~المعمورة ضروبا موجودة أم مختلفة. التعريف الذي لا بد أن ~~أعطيه ل «النوع القريب» هو ما تعتقد أنه مميز بوجه خاص، ~~لكنه ما قد يعتقد عالم نبات آخر «جيد» أنه مجرد سلالة ~~أو ضرب كما قد تتصور؛ أو، مجددا، نوع صادفت مشقة في ~~تفرقته عن بعض الأنواع الأخرى، رغم توفر الفرص لك ~~لمعرفته جيدا. إن كان لديك رغبة لتجزل في الكرم وتفعل ~~هذا، واستطعت (وهو ما لا أتوقعه) أن تدخر وقتا، فكما ~~قلت، من شأن علامة فحسب على كل من هذه الأنواع في أي ~~من بروفات الطباعة العديمة الجدوى أن تعطيني المعلومات ~~المنشودة، وهي التي أعلم، إذا جاز لي الإضافة، أنها مبهمة ~~حتما. # كيف يسعني الاعتذار بما يكفي على كل من تجرئي وما ~~بلغه هذا الخطاب من طول بالغ؟ لكن ما أفصح عنه خطابك لي ~~من طبيعة طيبة وعظيمة كان السبب إلى حد ما في ذلك، ~~وهكذا، كما هو الحال كثيرا في هذا العالم، يلقى المرء ~~عقابا على أفعاله الطيبة. لك مني خالص الشكر ~~والصدق. # صديقك المخلص والممتن دائما # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 18 [يوليو، ~~1855] ~~... أعتقد أن لدي حالة بسيطة متعلقة ببذور الخردل ~~البري، لكن كما في مسألة التمليح، عليها اللعنة، لا أستطيع ~~أن أتذكر عدد السنوات التي ترى أن تلك ms424 البذور قد تعيشها في ~~الأرض. حين تكتب لي المرة القادمة، فلتتحل بالجسارة ~~وتذكر عدد السنوات التي ترى أن كل تلك البذور قد تموت ~~بعدها. منذ بضعة أيام أخبرني رجل بحالة أرى أنها ~~مذهلة، وقد كانت «مذهلة» حقا؛ حيث إنه وفقا للدليل ~~الذي لديه نبتت البذور حية من «قاع طمي لندن»! وقد أثرت ~~اشمئزازه بإخباره أن أشجار النخيل هي ما كان يجب أن ~~تنبت. # لقد سألتني لأي مدى وصلت في موضوع نسب الكائنات إلى ~~أصل مشترك، وسأجيبك بأنني لا أعلم؛ الطريقة التي أعتزم ~~معالجة الموضوع بها هي أن أعرض (بقدر ما أستطيع) الحقائق ~~والحجج المؤيدة والمعارضة لاشتراك أنواع الجنس نفسه في ~~الأصل نفسه، ثم أن أوضح لأي درجة تؤيد أو تدحض الحجج ~~نفسها انحدار الأشكال المختلفة على نحو أكبر فأكبر من ~~الأصل نفسه. وحين نصل إلى أشكال الرتب والطوائف المختلفة، ~~لا يبقى لدينا سوى بعض الحجج التي يمكن استنباطها من ~~التراكيب الأثرية المتشابهة، وبعد ذلك سرعان ما تختفي ~~الحجج. ~~[يتحدث الاقتباس التالي من خطاب إلى السيد فوكس، أكتوبر ~~1855، بإيجاز عن آخر اجتماع للجمعية البريطانية حضره ~~أبي: «ليس لدي أخبار حقا؛ الشيء الوحيد الذي فعلناه ~~منذ وقت طويل هو الذهاب إلى جلاسجو، لكن الإرهاق كان أكثر ~~مما يستحق الأمر، وأصيبت إيما بدور برد قاس. وعند ~~عودتنا بقينا يوما واحدا في شروزبيري، واستمتعنا برؤية ~~المكان القديم . التقيت لماما بالسير فيليب [جار السيد ~~هوكر] (الذي راقني كثيرا)، وقد سألني: «لماذا بحق ~~حرضتك لسرقة حظيرة دواجنه؟» كان الاجتماع جيدا، وتحدث ~~دوق آرجايل حديثا ممتازا».] # الفصل الثاني عشر # | الكتاب غير المكتمل # مايو 1856 إلى يونيو 1858 ~~[في فصل السيرة الذاتية، كتب أبي قائلا: «في بداية عام 1856، ~~نصحني لايل بأن أكتب آرائي بتفصيل كامل، وقد بدأت تنفيذ نصيحته ~~على الفور بنطاق يزيد ثلاثة أضعاف أو أربعة عن النطاق الذي كنت ~~أتبعه بعد ذلك في كتابة عملي «أصل الأنواع»، غير أنه لم يكن سوى ~~ملخص للمواد التي جمعتها.» تخص خطابات الفصل الحالي في أغلبها ~~الإعداد لهذا الكتاب غير ms425 المكتمل. # بدأ العمل في هذا الكتاب في 14 مايو، واستمر بوتيرة مطردة حتى ~~يونيو 1858، حين قاطعه وصول مخطوطة السيد والاس. خلال السنتين ~~اللتين نتطرق إليهما الآن كتب عشرة فصول (ما يساوي النصف ~~تقريبا) من الكتاب المرتقب. وكان يبقى أغلب الوقت في المنزل، ~~لكن تعددت زياراته لمصحة الدكتور لين للعلاج المائي في مور ~~بارك، التي زار خلال إحداها ضريح جيلبيرت وايت في سيلبورن.] ~~(1) الخطابات # من تشارلز داروين إلى سي لايل # 3 مايو [1856] ~~... أما عن اقتراحك بإعداد ملخص بآرائي، فإنني لا ~~أعرف ماذا أقول بشأنه، لكنني سأتأمل الأمر، رغم أنه ~~يخالف هواي. سيكون من المستحيل تماما إعطاء ملخص ~~بسيط؛ فكل فرضية تحتاج مجموعة هائلة من الحقائق؛ فإن ~~كنت سأفعل أي شيء، فقد يكون فقط الإشارة للعامل ~~الرئيسي في التغيير - الانتقاء - وربما أيضا القليل ~~جدا من الأمور الأساسية، التي تؤيد تلك الرؤية، ~~والقليل من الصعوبات الرئيسية. إلا أنني لا أعلم ماذا ~~أفعل؛ فأنا أبغض فكرة الكتابة من أجل الفوز ~~بالأسبقية، لكنني لا شك سأحزن إن نشر أي أحد ~~أفكاري قبلي. على أي حال، أشكرك حقا على تعاطفك. ~~سوف أكون في لندن الأسبوع القادم، وسوف أزورك صباح يوم ~~الخميس لمدة ساعة بالضبط، حتى لا أضيع الكثير من وقتك ~~ووقتي، لكن هلا سمحت لي بالمجيء مبكرا في التاسعة ~~هذه المرة؛ إذ لدي الكثير مما علي أن أفعله في ~~الصباح في الوقت الذي أكون فيه في أقصى درجات قوتي؟ ~~إلى اللقاء، يا مناصري الكبير. # صديقك # سي داروين # بالمناسبة، نبتت «ثلاث» زروع في التربة المندفنة تماما في ~~جذور الأشجار. ونبتت تسع وعشرون زرعة في ملء ملعقة طعام من ~~الطمي الذي أخذته من بركة صغيرة، وقد اندهش هوكر من هذا، ~~وانبهر به، حين أريته كم الطمي الذي كشطته من قدم بطة ~~واحدة. # إن نشرت فعلا ملخصا قصيرا، فأين يا ترى يمكنني أن ~~أنشره؟ # إن لم أتلق ردا، فسوف أدرك أن بإمكاني أن آتي من ~~التاسعة إلى العاشرة يوم الخميس. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # 9 مايو، ms426 [1856] ~~... إنني في أشد الحاجة إلى النصح والمشورة «الصادقة» ~~إذا استطعت منحهما. كان لي حديث طيب مع لايل حول ~~عملي عن الأنواع، وهو يحثني بشدة على أن أنشر ~~شيئا. وإنني مصر على رفض نشر أي ملخص في أي ~~دورية أو مجلة؛ حيث إنني بكل تأكيد «لن» أفصح عن ~~أفكاري لمحرر أو مجلس ليسمحوا بنشر شيء ربما ~~يعرضهم للأذى. إن نشرت شيئا، فلا بد أن يكون ~~كتابا رفيعا وصغيرا «جدا»، يعطي ملخصا بآرائي ~~والصعوبات التي أراها في الموضوع، لكنه مما ينافي ~~مبادئ العلم للغاية حقا أن أعطي ملخصا لعمل غير ~~منشور، من دون مراجع محددة. لكن بدا أن لايل يعتقد ~~أنني يجوز لي أن أفعل هذا، بناء على اقتراح بعض ~~الأصدقاء، وعلى أساس، يمكنني التصريح به، وهو أنني ~~ظللت أعمل على الموضوع طوال ثمانية عشر عاما، لكن ~~لم أستطع النشر لعدة سنوات، لا سيما أن بإمكاني ~~الإشارة إلى الصعوبات التي بدا لي أنها تحتاج بحثا ~~خاصا. ما رأيك إذن؟ سوف أكون في غاية الامتنان إن ~~قدمت لي مشورتك في هذا الأمر. فكرت في تخصيص عدة ~~شهور لكتابة ذلك الملخص، ومحاولة ألا أتخذ قراري ~~بنشره أو عدم نشره حتى أتمه. ببساطة سيكون من ~~المستحيل أن أعطي مراجع محددة، وأي شيء ذا أهمية سوف ~~أذكره سيكون على عهدة المؤلف بوجه عام، وبدلا من ~~إعطاء كل الحقائق التي أقمت عليها رأيي، يمكنني أن ~~أعطي واحدة أو اثنتين. وسوف أذكر في المقدمة أنه لا ~~يمكن اعتبار العمل علميا بالمعنى الدقيق، وإنما مجرد ~~ملخص أو موجز لعمل مستقبلي ستعطى فيه المراجع وغير ~~ذلك كاملة. ويحي! ويحي! أعتقد أنني كنت سأسخر من أي ~~شخص آخر يفعل هذا، وعزائي الوحيد هو أنني «حقا» لم ~~أحلم بفعل ذلك قط، حتى اقترحه لايل، وبدا بعد التمعن ~~فيه أنه اقتراح حكيم. # إنني في دوامة من المتاعب وأرجو منك حقا أن ~~تسامحني على إزعاجك. # المخلص لك # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # 11 مايو، [1856] ~~... سأنتقل الآن إلى «موضوع أهم»، وهو ms427 موضوع شخصي ~~خاص بي؛ إنني في غاية السرور لاستحسانك فكرة أن يكون ~~ثمة «مقال تمهيدي» مستقل (بعبارة أخرى، إن نشر ~~أي شيء على الإطلاق؛ فقد بدا لايل متشككا بعض الشيء ~~بشأن هذا الأمر)، لكنني لا أستطيع تحمل فكرة ~~«استجداء» محرر أو مجلس ما من أجل النشر، ثم ربما ~~الاضطرار إلى «الاعتذار» بصدق على المأزق الذي ~~أديت بهما إليه. إنني في هذا الصدد في الحالة التي ~~تعد، وفقا لمقولة حكيمة جدا لأبي، هي الوحيدة ~~المناسبة لطلب المشورة؛ إذ عندما يكون المرء حاسما في ~~قراره، يكون، كما اعتاد أبي أن يقول، من السهل جدا ~~قبول النصيحة «الجيدة»، ورفض النصيحة «السيئة». لكن ~~يعلم الرب أنني لست في هذا الحالة فيما يتعلق بنشر ~~أي مقال تمهيدي على الإطلاق. رغم ذلك أجد أنه من ~~المنافي تماما لمبادئ العلم أن أنشر نتائج من دون ~~التفاصيل الكاملة التي أدت إليها. # إنه لشيء يبعث على الحزن، وأرجو ألا يكون صحيحا ~~تماما، رأيك القائل بأن الحقائق يمكن أن تثبت أي ~~شيء؛ ومن ثم، فهي بلا فائدة! لكني أعتقد أنني ~~ضخمت من اعتقادك بعض الشيء. لا أخشى أن يرتبط اسمي ~~بالخطأ؛ بعبارة أخرى، أعلم جيدا أن لا بد أن أتخلى ~~عن أي شيء خطأ نشر في المقال التمهيدي في عملي ~~الأكبر، لكني أعتقد أنني هكذا ربما أقدم على مفسدة ~~بنشر الخطأ، وهو ما سمعتك كثيرا تقول إنه يسهل جدا ~~نشره عن تصحيحه. أقر أنني أميل بصفة متزايدة على ~~الأقل نحو الإقدام على المحاولة وكتابة ملخص ومحاولة ~~الاحتفاظ بقراري نشره من عدمه معلقا. لكنني دائما ~~ما أعود لاعتقادي الراسخ أن النشر بدون تفاصيل كاملة ~~يجافي مبادئ العلم لحد فظيع. وأعتقد بالطبع أن عملي ~~المستقبلي سيستفيد تماما من سماع رأي أصدقائي أو ~~النقاد (في حالة مراجعته) بشأن الملخص. # لا بد أن أعتذر لأي شخص عداك على هذا النقاش ~~الطويل لمسألة شخصية جدا؛ لكن أعتقد أن هذا سيكون ~~غير ضروري، وهو ما أثبته بلا شك بما كلفت نفسك من ~~عناء بسببي. # مع خالص ms428 امتناني # سي داروين # ملحوظة: # ما تقوله (فقد ~~أعدت قراءة خطابك للتو) عن أن المقال قد يسرق الأضواء من أي ~~كتاب مستقبلي أكبر ويسلب منه كل ما هو جديد وقيم صحيح ~~جدا؛ وهذا ما سيحزنني أكثر من أي شيء. لكنني من ناحية ~~أخرى (مرة أخرى بناء على نصيحة لايل الملحة)، كنت نشرت ~~ملخصا تمهيديا لنظرية الشعاب المرجانية، ولم يأت هذا بنفع ~~أو ضرر. بدأت أتمنى «بكل صدق» لو لم يضع لايل فكرة المقال في ~~رأسي قط. # من خطاب إلى السير سي لايل [يوليو، 1856] # يسرني أن أقول (بصدق مطلق) إن مقالي سينشر بناء على ~~اقتراحك، لكن أرجو ألا يحتاج لكثير جدا من الاعتذار ~~كما اعتقدت في البداية؛ إذ قررت أن أجعله وافيا حسبما ~~تتيح لي المواد المتوفرة لدي حاليا. لا يمكنني أن ~~أقحم كل ما اقترحته؛ إذ سوف يبدو ذلك غاية في ~~التكبر. # من خطاب إلى دبليو دي فوكس # داون، 14 يونيو ~~[1856] ~~... أظن أن ما تقوله حول مقالي صحيح جدا؛ وقد سبب لي ~~نوبة أخرى من القلق: أرجو أن أنجح في أن أجعله ~~بسيطا؛ فأحد أهدافي الأساسية هي الحصول على معلومات ~~حول النقاط العديدة التي يتناولها. لكنني أخشى بشدة، ~~وهو ما يجب ألا يحدث، لو سمحت بانقضاء ثلاثة أو ~~أربعة أعوام قبل نشر أي شيء ... ~~[الاقتباسان التاليان من خطابين إلى السيد فوكس يستحقان أن ~~نوردهما؛ فهما يبينان كم كان هائلا تراكم المواد التي كان يجب ~~تناولها حينذاك. # 14 يونيو [1856] # شكرا جزيلا على المعلومات الرائعة بشأن ~~القطط؛ أرى أنني أتخبط بشدة، لكني أعلم أنني أحتفظ بملحوظاتك ~~الأصلية في مكان ما، بيد أن ملحوظاتي التي جمعتها خلال تسعة ~~عشر عاما كثيرة للغاية حتى إن مراجعتها وتصنيفها سيستغرقان ~~مني عاما على الأقل. # نوفمبر، 1856 # أحيانا أخشى أن أنهار؛ فإن موضوعي يزداد ~~اتساعا بنهاية كل شهر من العمل.] # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، 16 [يونيو، ~~1856] # عزيزي لايل # سوف أقدم على قول أكثر الأشياء وقاحة في العالم. ~~لكني أستشيط غضبا من الفتوحات الكبيرة التي يقوم ms429 بها ~~كثير من أتباعك في مجال الجيولوجيا. # فها هو فوربس المسكين يفترض وجود قارة تمتد إلى ~~أمريكا الشمالية وأخرى (أو نفسها) حتى المنطقة التي ~~توجد بها أعشاب السرجس؛ ويفترض هوكر وجود واحدة تمتد ~~من نيوزيلاندا حتى أمريكا الجنوبية وحول العالم حتى ~~جزر كيرجلن. ويتحدث وولستن عن ماديرا وبورتو سانتو ~~باعتبارهما «الشاهدين المؤكدين على وجود قارة سابقة.» ~~ويكتب وودورد إلي قائلا: ما دامت تقر بوجود قارة ~~على عمق يزيد على 200 أو 300 ميل أسفل المحيط (كما لو ~~كان أمرا هينا)، فلم لا تمتد أي قارة لكل جزيرة في ~~المحيطين الهادئ والأطلنطي؟ وكل هذا أثناء حياة أنواع ~~حديثة! إن لم توقف هذا، وكان ثمة درك أسفل لعقاب ~~علماء الجيولوجيا، فأعتقد أنك، يا سيدي العظيم، ستذهب ~~لهناك. إن أتباعك يتفوقون على نحو بطيء ومتسلسل على ~~كل من ظهر من دعاة نظرية التغير بالكوارث. وسوف ~~يصل بك الحال لأن تصير كبير دعاة هذه ~~النظرية. # هكذا أكون قد استرحت كثيرا، ونفست بقوة عن ~~غضبي. # فلتسامحني يا سيدي، ولك مني خالص الصدق. # المخلص لك دائما # سي داروين # ملحوظة: # لا ترد على هذا ~~الخطاب؛ فقد أرسلته لأنفس عما يجيش بداخلي. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون 17 [يونيو]، ~~1856 ~~... أثار كتاب وولستن [«تباين الأنواع»، 1856] بالغ ~~اهتمامي الشديد، رغم أنني أختلف «كثيرا» مع العديد من ~~مبادئه. هل قرأت من قبل أي شيء، مع الوضع في الاعتبار ~~كم يتطرف وولستن كثيرا، بسخافة هجومه على أولئك الذين ~~يجاوزونه في الشطط: «خبيث للغاية»، «سخيف»، «غير ~~منطقي»؟ أعتقد أن المعتقدات الدينية وراء بعض من هذا. ~~وقد قلت له إنه أشبه بكالفين يحرق أحد الهراطقة. لكنه ~~كتاب قيم ورائع جدا في رأيي. من الجلي أنه قد قرأ ~~القليل جدا مما لا يتسق مع آرائه. وقد حثثته على ~~قراءة مقال نيوزيلاندا. كما أن معلوماته الجيولوجية، ~~كما أخبرته، منحصرة إلى حد ما في العصر الإيوسيني. ~~في الواقع لقد كاتبته بصراحة شديدة؛ أخشى أنها صراحة ~~مبالغ فيها؛ إنه يقول إنه على يقين أن ms430 الصراحة المفرطة ~~هي سمتي المميزة: لا أعلم إن كان يقصد استهزاء بهذا ~~أم لا؛ أرجو ألا يكون كذلك. على ذكر جيولوجيا العصر ~~الإيوسيني، انتابني غضب شديد بشأن زعم القارة ~~الأطلنطية، لا سيما جراء رسالة من وودورد (الذي نشر ~~كتابا رائعا حول الأصداف)، الذي يبدو أنه لا يساوره ~~شك في أن كل الجزر التي في المحيطين الهادئ والأطلنطي ~~هي بقايا لقارات، غرقت خلال فترة حياة أنواع حية ~~الآن، حتى إنني انفعلت بعض الشيء وكتبت إلى لايل ~~معترضا، وذكرت كل القارات التي افترض وجودها في ~~السنوات الأخيرة كل من فوربس (الآثم الرئيسي!) ~~و«أنت»، ووولستن، ووودورد، مكونين معا امتداد ~~صغيرا من اليابسة! إنني محتد بعض الشيء بسبب هذه ~~المسألة؛ ومن ثم، إن لم أكن مخطئا بالفعل، فإنني ~~متأكد تماما أنني سأصبح كذلك ... # لقد استمتعت كثيرا بخطابك. الوداع # سي داروين # ملحوظة: # 18 [يونيو]. لقد ~~كتب لايل خطابا «رائعا» بحقك، كان من المفترض أن يثير ~~استيائي التام، لكن لا أستطيع أن أقول إنه قد فعل ذلك ~~حقا. # إلا أنني لا بد أن أحاول ألا أحتد، بل أتوقف عن ذلك، وأحاول ~~أن أتواضع، وأسمح لكم جميعا بافتراض وجود قارات، بالسهولة ~~نفسها التي يعد بها الطاهي الفطائر. # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، 25 يونيو ~~[1856] # عزيزي لايل # سأجعل الخطاب الطويل التالي ينسخ لأجعل القراءة ~~أيسر، ولأنني أريد الاحتفاظ بنسخة منه. # لما قلت إنك تود معرفة أسباب رفضي الشديد تصديق ~~فكرة الامتدادات القارية التي قال بها كتاب محدثون، ~~فسأكتبها بكل سرور؛ حيث إنني سوف أذكرها مختصرة في ~~مقالي - ما لم أقتنع بخطئي - حين أناقش الخلق المفرد ~~والمتعدد؛ ومن ثم، سيسرني بنحو خاص أن أعرف رأيك ~~العام فيها. «من المحتمل جدا» أن أكون قد افترضت في ~~فورة غضبي أن ثمة المزيد لمناقشته فيها بخلاف ~~الواقع. إن كان ثمة أسباب أكثر للاعتراف بوجود ~~امتداد القاري في حالة أو حالتين (كما في ماديرا) من ~~حالات أخرى، فلن أشعر بأي صعوبة في الاعتراف بذلك ~~على الإطلاق. لكن إن كان الاعتقاد بضرورة ms431 ربط ماديرا ~~باليابسة راجعا للنباتات والأصداف البحرية الساحلية ~~الأوروبية، فإن هوكر مصيب تماما في ربط هولندا ~~الجديدة بنيوزيلاندا، وجزيرة أوكلاند (وجزيرة راءول ~~بالشمال الشرقي)، وهذه بأمريكا الجنوبية وجزر فوكلاند، ~~وهذه بجزر تريستان دا كونيا، وهذه بجزيرة كيرجولين؛ ~~لتشكل بهذا، سواء في الوقت نفسه تماما، أو في فترات ~~مختلفة، لكن خلال حياة كائنات حديثة العهد، نطاقا ~~حول قطبي من اليابس. وهكذا مرة أخرى يجب ربط جزر ~~جالاباجوس وخوان فرنانديز بأمريكا؛ وإن اعتمدنا على ~~الأصداف البحرية الساحلية، فلا بد أن جزر جالاباجوس ~~كانت متصلة بجزر المحيط الهادئ (التي على بعد 2400 ~~ميل) وكذلك بأمريكا، وكل جزر المحيط الهادئ كانت ~~متصلة في قارة هائلة كما يعتقد وودورد على ما يبدو؛ ~~كذلك كانت جزر جنوب المحيط الهندي متصلة في قارة ~~أخرى، مع مدغشقر وأفريقيا وربما الهند. في شمال المحيط ~~الأطلنطي، ستمتد أوروبا عبر المحيط حتى جزر الأزور، ~~وكذلك أقصى الشمال؛ باختصار، ربما يجب أن نفترض أن ~~نصف المحيط الحالي كان يابسة خلال حياة كائنات حية. ~~لا بد أن الكوكب كان له مظهر مختلف تماما خلال هذه ~~الفترة. إذن الطريقة الوحيدة، التي يمكنني تخيلها، ~~للتأكد من هذا، هو النظر فيما إن كانت القارات قد ~~مرت بتلك التحولات العجيبة خلال الفترة نفسها أم لا. ~~في كل من أمريكا الشمالية والجنوبية والوسطى، لدينا ~~أصداف من العصرين الحديث والمايوسيني (أو الإيوسيني)، ~~مختلفة تماما على الجوانب المتقابلة؛ ومن ثم فلا ~~يمكن أن يخالجني شك أن أمريكا بالأساس ظلت في ~~مكانها منذ العصر الإيوسيني على الأقل. في أفريقيا ~~تختلف كل الأصداف الحية تقريبا على الجهات المتقابلة ~~من المناطق الواقعة بين المدارين، وهي مسافة قصيرة ~~عند مقارنتها بمدى انتشار الرخويات البحرية، في البحار ~~المتصلة؛ بناء على ذلك، أستنبط أن أفريقيا قد وجدت ~~منذ خلق أنواعنا الحالية. حتى برزخ السويس وحوض بحري ~~آرال وقزوين عريقا القدم؛ هذا ما أتخيله فيما يتعلق ~~بالهند وذلك من رواسب العصر الجيولوجي الثالث. في ~~أستراليا تدل الحياة الحيوانية الهائلة للجرابيات ~~المنقرضة أن أستراليا كانت قارة مستقلة، قبل ms432 ظهور ~~الثدييات الحالية. ولا أشك للحظة أن أجزاء كبيرة ~~جدا من كل هذه القارات قد خضعت لتغيرات «كبرى» في ~~المستوى خلال هذه الفترة، إلا أنني أستنتج أنها كانت ~~في الأساس قائمة كحواجز في البحر، في المكان الذي ~~تقوم فيه الآن؛ بناء على هذا سوف يلزمني أقوى الأدلة ~~لتحملني على تصديق حدوث تلك التغيرات الهائلة في ~~محيطاتنا خلال حياة الكائنات الحية؛ حيث علاوة على ~~ذلك لا بد أن التغيرات كانت أشد من الناحية الرأسية، ~~بناء على الأعماق السحيقة. # ثانيا، إذا افترضنا غرق قاراتنا الحالية، تاركين ~~القليل من قمم الجبال كأنها الجزر، فكيف ستكون طبيعة ~~هذه الجزر؟ تذكر أن جبال البرانس وسييرا نيفادا ~~والأبينيني والألب والكاربات غير بركانية، وجبال إتنا ~~والقوقاز بركانية. في آسيا، جبال ألتاي والهيمالايا ~~غير بركانية على ما أعتقد. وفي شمال أفريقيا الجبال ~~غير البركانية هي جبال الحبشة والأطلس، حسبما أتخيل. ~~وفي جنوب أفريقيا، سلسلة جبال الثلج. وفي أستراليا، ~~جبال الألب الأسترالية غير بركانية. وفي أمريكا ~~الشمالية، الجبال البيضاء وأليجيني وروكي غير بركانية ~~- بعض جبال السلسلة الأخيرة فقط بركانية، على ما أظن. ~~في أمريكا الجنوبية شرقا، الجبال غير البركانية هي ~~سيلا دو كاراكاس، وإيتاكولومي في البرازيل، وفي أقصى ~~الجنوب سييرا فينتانا، وفي سلاسل الجبال الكثير من ~~الجبال بركانية لكن ليس كلها. والآن، فلتقارن هذه ~~القمم بالجزر المحيطية؛ في حدود المعلوم كلها بركانية، ~~ما عدا جزيرتي سان بول (وهي صخرة محيرة عجيبة)، وسيشل، ~~إذا جاز وصف الأخيرة بالمحيطية، بمحاذاة مدغشقر؛ وجزر ~~فوكلاند، على بعد 500 ميل فحسب، ليست سوى ضفة منخفضة؛ ~~ونيو كاليدونيا، وهي بالكاد محيطية، استثناء آخر. هذه ~~الحجة قوية جدا من وجهة نظري. فلنقارن على خرائط ~~جغرافية، بين الجزر التي «تتعدد» أسبابنا لافتراض أنها ~~كانت متصلة باليابسة، مثل سردينيا، وكم تبدو مختلفة. ~~ومع اعتقادي بأن القارات بصفتها قارات، والمحيطات ~~بصفتها محيطات، موغلة في القدم، فلا بد أن أقول إنه إن ~~كان للجزر المحيطية الحالية أي علاقة من أي نوع ~~بالقارات، فإنها تكون قارات؛ وبحلول الزمن الذي ~~تستطيع فيه ms433 تكوين قارات، ستعرى البراكين حتى لبها، ~~تاركة قمم من صخور الساينايت أو الدايورايت أو ~~البروفير. لكن ألا يوجد لدينا في أي مكان أي حطام أخير ~~لإحدى القارات في وسط المحيط؟ ربما صخرة سان بول، وتلك ~~الجزر البركانية القديمة الخربة، مثل سانت هيلينا؛ لكن ~~أعتقد أن بإمكاننا رؤية بعض المنطق في أن ما لدينا من ~~أدلة على قارات غارقة أقل من التي لدينا على قارات ~~صاعدة (إن كان في وجهة نظري في عملي عن المرجانيات أي ~~صحة: وهي أن الانفجارات البركانية تصاحب المناطق ~~المرتفعة)، حيث إنه أثناء الهبوط لن يكون ثمة عامل ~~تعويض، وفي المناطق الصاعدة سيكون ثمة عامل ~~«إضافي» من المواد البركانية المتدفقة. # ثالثا، واضعا في الاعتبار عمق المحيط، فقد كنت، ~~قبل تلقي خطابك، ميالا بشدة لإنكار الحجم الهائل ~~للهبوط، لكن يجب أن أعلن استسلامي. فيما يتعلق بالشعاب ~~المرجانية، فقد حرصت على تجنب الاستدلال على وجود قارة ~~بمجموعات من الجزر المرجانية. من الصعب تخمين، كما ~~يبدو لي، حجم الهبوط من الشعاب المرجانية؛ لكن في ~~المناطق الشاسعة مثل أرخبيل لو وأرخبيل مارشال ومجموعة ~~لاكاديف، سيكون هذا من الغريب، بناء على ارتفاع ~~الأرخبيلات المحيطية الحالية، إذا لم تكن قد اندثرت ~~قمم بارتفاع يتراوح بين 8 آلاف و10 آلاف قدم. وحتى بعد ~~خطابك شككت ما إن كان من الإنصاف المحاجة استنادا ~~إلى هبوط قارات في منتصف أكبر المحيطات؛ لكن بعد ~~إنعاش ذاكرتي بالحديث مع رامزي حول السمك المحتمل في ~~أحد خطوط تكوين العصر السيلوري والكربوني الرأسية، ~~فما يبدو أنه لا بد قد حدث هو هبوط بقدر 10 آلاف ~~قدم «على الأقل» خلال هذه التكوينات في أوروبا وأمريكا ~~الشمالية؛ ومن ثم خلال حياة مجموعة الكائنات الحية ~~نفسها تقريبا. لكن حتى 12 ألف قدم لن تكون كافية ~~بالنسبة لجزر الأزور، أو لقارة هوكر؛ لكن أعتقد أن ~~هوكر لا يستنتج وجود قارة متصلة، وإنما مجموعات ~~متقاربة من الجزر، من دون، إذا جاز لنا الاستنباط من ~~القارات الحالية، بحر «شديد» العمق بينها؛ لكن ~~الاحتجاج بالطبيعة البركانية لكل ms434 جزيرة محيطية ~~تقريبا يتعارض مع مجموعات الجزر المفترضة تلك؛ إذ ~~أعتقد أنه لا يفترض مجرد سلسلة من الجزر البركانية ~~تطوق نصف الكرة الجنوبي. # رابعا، لا يبدو لي أن الامتدادات القارية المفترضة ~~تفسر تماما كل ظواهر التوزيع على الجزر؛ مثل غياب ~~الثدييات والضفدعيات؛ وغياب مجموعات كبرى محددة من ~~الحشرات في ماديرا، والأكاسيا والبانكسيا، إلخ في ~~نيوزيلاندا؛ وندرة النباتات في بعض الحالات، إلخ. وليس ~~المقصود أن أولئك الذين يعتقدون في وجود وسائل توزيع ~~عرضية متعددة يستطيعون تفسير أغلب هذه الحالات؛ لكنهم ~~يستطيعون على الأقل أن يقولوا إن هذه الحقائق لا تبدو ~~متسقة مع وجود يابسة متصلة في عهود سابقة. # أخيرا، لهذه الأسباب المتعددة، وبوجه خاص باعتبار ~~أنه من المؤكد (وهو ما ستتفق معه) أننا في غاية الجهل ~~بوسائل التوزيع، لا أستطيع منع نفسي من الاعتقاد بأن ~~قارة «أتلانتس» التي افترضها فوربس قد ألحقت ضررا ~~كبيرا بالعلم، حيث تعرقل دراسة وسائل النشر دراسة ~~متأنية. سأكون ممتنا حقا لمعرفة، بإيجاز بقدر ما ~~تريد، ما إن كانت هذه الحجج لها أي وزن لديك، ~~واضعا نفسك في موقع الحكم النزيه. أخبرت هوكر أنني ~~سأكاتبك بشأن هذا الموضوع، وسأود أن يقرأ هذا؛ لكنني ~~لا زلت غير متأكد ما إن كنت أنت أو هو ستعتقدان أن ~~الأمر يستحق الوقت ورسوم البريد أم لا. # صديقك الوفي جدا # تشارلز داروين ~~[في الثامن من يوليو، كتب إلى السير تشارلز لايل، ~~قائلا: # يؤسفني أنك لا تستطيع إعطاء أي حكم حول مسألة الامتدادات ~~القارية؛ وأستنتج أنك تعتقد أن حجتي ليست ذات وزن في مقابل ~~حجة القائلين بوجود تلك الامتدادات. أتمنى حقا لو كنت ~~أستطيع الاعتقاد بصحة ذلك.] # من تشارلز داروين إلى آسا جراي # داون، 20 يوليو ~~[1856] ~~... رغم ما في ذلك من أنانية، أود أن أخبرك (إذ لا ~~«أعتقد» أنني قد فعلت ذلك) كيف أرى عملي. منذ تسعة عشر ~~عاما (!) خطر لي أثناء انشغالي بشيء مختلف في التاريخ ~~الطبيعي أنه ربما قد يكون من الجيد إن سجلت أي حقائق ~~متعلقة بمسألة أصل الأنواع، وهذا ms435 ما أخذت أفعله منذ ~~ذلك الوقت. إن الأنواع إما تكون قد خلقت على نحو ~~مستقل، وإما انحدرت من أنواع أخرى، مثل الضروب الخاصة ~~بنوع واحد. أعتقد أنه من الممكن أن نبرهن على إمكانية ~~حصول الإنسان على ضروبه الأكثر تميزا بالحفاظ على تلك ~~الأجدر بالإبقاء عليها والقضاء على الأخرى، لكن لا بد ~~أن أملأ كراسا إن استرسلت في هذا الشأن. على سبيل ~~الإيجاز، إنني أفترض أن الأنواع تنشأ مثل ضروبنا ~~الداجنة مع «الكثير» من الانقراض؛ بعد ذلك أختبر هذه ~~النظرية بالمقارنة مع أكبر عدد يمكنني أن أجده من ~~الفرضيات العامة الراسخة التي وضعت في التوزيع ~~الجغرافي والتاريخ الجيولوجي والقرابات، إلخ، إلخ. ~~ويبدو لي، مع «افتراض» أن تلك النظرية قد تفسر تلك ~~الفرضيات العامة، إننا لا بد، عملا بالأسلوب الشائع ~~في معالجة كل العلوم، أن نقر بها حتى يعثر على نظرية ~~أفضل. فمن وجهة نظري القول بأن الأنواع خلقت كيت وكيت ~~ليس تفسيرا علميا؛ إنما هي طريقة منمقة لقول إنها ~~كيت وكيت. لكنه من غير المعقول أن أحاول توضيح كيف ~~أسعى للمواصلة في الأمر في إطار خطاب. لكن للأمانة، لا بد أن أخبرك أنني توصلت لاستنتاج مخالف يرى أن الأنواع ~~لم تخلق على نحو مستقل - أن الأنواع ليست سوى ضروب ~~محددة للغاية. أعلم أن هذا سيجعلك تحتقرني. وأنا لا ~~أقلل من شأن الصعوبات «الهائلة» المتعددة التي تكتنف ~~وجهة النظر هذه، غير أنه يبدو لي أنها تفسر الكثير من ~~الأشياء غير القابلة للتفسير بطريقة أخرى بحيث يصعب أن ~~تكون خاطئة. وعلى سبيل الإشارة فقط إلى نقطة في خطابك ~~الأخير، ألا وهي أن الأنواع التي في الجنس نفسه «بوجه ~~عام» لها منطقة مشتركة أو متصلة؛ إن كانت بالفعل ~~منحدرة مباشرة من نوع واحد، فهكذا سيكون الحال ~~بالطبع؛ والاستثناءات الكثيرة جدا للأسف (بالنسبة ~~لي) لا بد من تفسيرها بالتغيرات المناخية والجيولوجية. ~~وبناء على هذه النظرية (لكن على الأسس نفسها تحديدا) ~~لا بد أن يكون لكل أفراد النوع نفسه توزيع متصل. لقد ~~ألفت فصلا في هذا ms436 الجزء الأخير من الموضوع، ~~وتفضل هوكر بقراءته. كنت أعتقد أن الاستثناءات ~~والصعوبات هائلة جدا في مجملها حتى إن كفتها ~~رجحت مقابل أفكاري، لكنني سررت جدا حين وجدت ~~أنها لاقت قبولا لدى هوكر، الذي قال إنه لم يصبه ~~ذلك القدر الكبير من الحيرة بشأن ديمومة الأنواع ~~قط. # لا بد أن أقول كلمة أخرى من قبيل التبرير (فأنا ~~متأكد أنك ستميل لاحتقاري أنا وأفكاري الغريبة)، وهي ~~أن كل أفكاري حول «كيفية» تغير الأنواع مستقاة من ~~دراسة طويلة متصلة لأعمال خبراء الزراعة والبستنة ~~(والتواصل معهم)؛ وأعتقد أنني أدرك بوضوح تام الطرق ~~التي تستخدمها الطبيعة لتغيير أنواعها وجعلها قادرة ~~على «التكيف» مع العوارض العجيبة والرائعة الجمال ~~التي يتعرض لها كل كائن حي. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 30 يوليو، 1856 # عزيزي هوكر # خطابك «عظيم» القيمة بالنسبة لي. لم أستطع الحصول ~~على إجابة محددة من لايل [بشأن نظرية الامتدادات ~~القارية التي قال بها فوربس وآخرون]، كما سترى في ~~الخطابات المرفقة، وإن كنت استنتجت أنه لا يقيم ~~وزنا لحججي. ولولا هذا الخطاب، لكنت استخدمت لهجة ~~شديدة جدا. أرجو أن تطمئن أنني سوف أعبر عن شكوكي ~~بطريقة مقبولة. لم يوضع أحد في مأزق كالذي وضعت ~~فيه قط؛ فإن الامتدادات القارية التي تفترضونها ستزيل ~~صعوبات هائلة تتعارض مع أفكاري، ورغم ذلك لا أستطيع ~~أن أقر بصحة النظرية؛ ولذلك يجب أن أعترف بهذا؛ فلا ~~يمكنني تجاهل حقيقة عدم العثور على حتى ولو كسرة من ~~صخرة من العصر الميزوزوي أو الباليوزي على أي جزيرة ~~على ارتفاع 500 أو 600 ميل من البر الرئيسي. وإنك ~~بالأحرى تسيء فهمي حين تعتقد أنني أشك في «احتمال» ~~حدوث هبوط بقدر 20 أو 30 ألف قدم؛ إنه مجرد احتمال، مع ~~وضع تلك الأدلة التي لدى كل منا عن التوزيع في ~~الاعتبار. لم أتبين بعد مسألة توزيع الثدييات، ~~«المتطابقة» والقريبة من بعضها، بكامل تفاصيلها، من ~~ناحية «عنصر عمق البحر»؛ لكن بقدر ما درست، كانت ~~النتائج متفقة لدرجة أثارت دهشتي مع اعتقادي ~~المزعج جدا ms437 بعدم وقوع تلك التغيرات الجغرافية ~~الكبرى التي تعتقد فيها؛ ومن ناحية الثدييات، ~~فبالتأكيد ما نعرفه عن وسائل توزيعها أكثر مما نعرفه ~~عن أي طائفة أخرى. لا شيء يثير سخطي مثل أن أجد ~~نفسي أتوصل دائما لاستنتاجات مختلفة عن ~~استنتاجات متخصصين أفضل مني، من الحقائق ~~نفسها. # أعتقد أنني قد أزلت مؤخرا العديد من الصعوبات ~~الكبرى (غير الجغرافية) التي تعترض سبيل أفكاري، لكن ~~يعلم الرب أنها قد تكون محض هلوسة. # أرجوك أن تعيد خطابات لايل. # يا له من خطاب رائع الذي كتبه لايل إليك، ويا له من ~~رجل رائع! أختلف معه كثيرا في ظنه أن أولئك الذين ~~يعتقدون أن الأنواع «ليست» ثابتة سيضاعفون عدد الأسماء ~~النوعية: في حالتي أنا، أعلم أن مصدر قلقي الأكثر ~~تواترا كان هو ما إن كان الآخرون لن يعتقدوا أن هذا ~~أو ذاك كان مثلا برنقيلا من خلق الرب، وبالتأكيد ~~استحق اسما. خلافا لذلك كان لا بد أن أفكر ~~فحسب فيما إن كان حجم الاختلاف والاستمرار كافيا ~~لتبرير الحاجة لاسم. كما أنني مندهش إزاء اعتقاده أنه ~~من غير الهام ما إن كانت الأنواع مخلوقة على نحو ~~مستقل أم لا؛ متى أثبت أن كل الأنواع تنشأ بالانحدار، ~~بقوانين التغيير، ستكون لدينا أدلة جيدة فيما يتعلق ~~بالفجوات التي في التكوينات. وكم سيختلف التاريخ ~~الطبيعي، وذلك بعد أن نكون في القبر، حين يعتقد أن كل ~~قوانين التغير أحد أهم أجزائه؟ # لا يمكنني تصور سبب اعتقاد لايل أن أفكارا مثل ~~التي لدي أو في كتاب «بقايا» سوف تبطل فكرة ~~المراكز المحددة. لكن لا بد ألا أستفيض في الأمر ~~وأضيع وقتك. أخشى أن مخطوطي لن ينسخ قبل أن تسافر ~~للخارج. لك خالص شكري. # صديقك دائما # سي داروين # ملحوظة: # بعد أن أسرد حجتي ~~فيما يتعلق بنظرية الامتدادات القارية بإيجاز شديد، سوف ألحق ~~جملة أقول فيها إن خبيرين أفضل مني قد نظرا في هذه الحجج بعين ~~الاعتبار، ولم يعطياها وزنا. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 5 أغسطس ~~[1856] ~~... أتفق تماما بشأن خطابات لايل ms438 إلي التي، رغم ~~أنها تثير اهتمامي، لم تقدم لي أي إيضاح جديد. ~~خطاباتك، من الناحية «الجيولوجية»، كانت أكثر أهمية ~~بالنسبة لي. لا يمكنك أن تتخيل كم أتمنى جديا لو كنت ~~أستطيع تقبل موضوع الامتداد القاري، لكنني لا ~~أستطيع؛ فكلما فكرت فيه (إذ لا أستطيع أن أخرجه من ~~رأسي)، وجدت أمر تقبله أصعب. لو كان الأمر ~~مقتصرا على نحو ست حالات فحسب، ما كنت سأشعر ~~بأي صعوبة في تقبله؛ لكن تعميم حقيقة أن كل الجزر ~~(ما عدا واحدة أو اثنتين) تشارك جزءا كبيرا من ~~حيواناتها ونباتاتها مع البر الرئيسي لقارة أو أكثر ~~يجعلني في حيرة شديدة. يا لها من حالة عجيبة حالة ~~فصيلة المؤنفات! إنه لمن المحزن، وكذلك المهين، للغاية ~~أنني لا أستطيع فهم الطريقة التي تعبر بها على نحو ~~لافت عن رؤيتك للموضوع، أو الاتفاق معها. إنني أرى ~~الحقائق الخاصة بك (عن الأوكالبتوس، إلخ) «معارضة» ~~بشدة للامتداد القاري، وربما معارضة بشدة للهجرة ~~أيضا، أو على الأقل «بالغة» الصعوبة. وإنني أرى أن ~~أساس اختلافنا (لا بد في الخطاب أن أضع نفسي على قدم ~~المساواة في المحاجة) يكمن في رأيي بأن المعروف عن ~~وسائل التوزيع يكاد يكون معدوما. أتفق تماما مع رأي ~~إيه دي كوندول (وأعتقد رأيك أنت أيضا) أن الإشارة إلى ~~طرق التوزيع «المحتملة» فقط لهو عمل هزيل؛ بيد أنني ~~لا أرى طريقة أخرى يمكن بها معالجة الموضوع؛ إذ أعتقد ~~أن حجة إيه دي كوندول المتمثلة في عدم دخول نباتات ~~إلى إنجلترا إلا بتدخل الإنسان، ليست ذات قيمة. لا ~~أملك سوى الاعتقاد أن نظرية الامتداد القاري لها بعض ~~الآثار السيئة حيث توقف البحث في وسائل الانتشار، وهو ~~ما يبدو لي، سواء كان «سلبيا» أو إيجابيا، ذا ~~أهمية؛ وعند دحضها سيضطر كل من يعتقد في المراكز ~~المفردة إلى أن يقر بصحة فكرة الامتدادات ~~القارية. ~~... أرى من ملحوظاتك أنك لا تفهم أفكاري (سواء كانت ~~مهمة أم لا) حول التعديل؛ إنني أعزو للعمل المباشر ~~للطقس، إلخ، القليل جدا من التأثير. أفترض أن ~~أهدافنا تختلف ms439 فيما يخص المراكز المحددة؛ فأنا سأدعو ~~حديقة المطبخ حيث أنتج الكرنب الأحمر، أو المزرعة ~~التي أنتج فيها بيكويل الماشية القصيرة القرون، ~~المركز المحدد لهذين «النوعين»! فهذه بالتأكيد ~~مركزية كافية! # أشكرك بشدة على كل ما أسديته من مساعدة؛ وسواء ~~إن كان كتابي فقيرا أم لا، فقد بذلت قصارى جهدك ~~لتجعله أقل فقرا. أحيانا تكون معنوياتي مرتفعة ~~للغاية وأحيانا أخرى تضعف بشدة. إن ذهني عاقد العزم ~~حول مسألة أصل الأنواع؛ لكن، يا إلهي، كم هي ضئيلة ~~قيمة ذلك! ~~[فيما يتعلق ب «المراكز المحددة»، ثمة فقرة من ~~خطاب بتاريخ 25 يوليو، 1856، من السير تشارلز لايل إلى ~~السير جيه دي هوكر (كتاب «قصة حياة السير تشارلز لايل ~~وخطاباته ويومياته»، المجلد الثاني، صفحة 216) جديرة ~~بالاهتمام: # أخشى كثيرا أنه إن كان داروين يجادل بأن الأنواع ~~أوهام، فسوف يضطر كذلك لأن يقر بأن مراكز الانتشار ~~المفردة أوهام هي الأخرى، وذلك سيسلب مني كثيرا من ~~الأهمية التي كنت أوليها للأقاليم الحالية للحيوانات ~~والنباتات، للبرهان على التغيرات التي جرت خلال ~~العصر الثالث والحديث في الجغرافيا الطبيعية. # لكن يبدو أنه قد أدرك أن قريبا سيتعين مواجهة مذهب ~~الأوهام؛ حيث كتب في الخطاب نفسه: «سواء أقنع داروين ~~كلينا بإنكار اعتقادنا بشأن الأنواع (عند وضع الحقب ~~الجيولوجية في الاعتبار) أم لا، فإنني أتوقع أن ~~كثيرين سيتحولون للمبدأ غير الواضح للقابلية ~~للتعديل.» # في الخريف كان أبي لا يزال يعمل في فصل التوزيع ~~الجغرافي، والتمس مرة أخرى معاونة السير جيه دي ~~هوكر.] # خطاب إلى السير جيه دي هوكر [سبتمبر، 1856] # خلال بضعة أسابيع، ستكون لديك، أيها المسكين التعيس الحظ، ~~مخطوطتي حول واحدة من النقاط المتعلقة بالتوزيع الجغرافي. إلا ~~أنني لن أطلب ذلك المعروف ثانية أبدا، لكن فيما يتعلق بهذه ~~المخطوطة تحديدا، فمن المهم بالنسبة لي أن تطلع عليها؛ فلم ~~أشعر قط في حياتي بتلك الصعوبة فيما يتعلق بما علي فعله، ~~وأتمنى بحق لو كنت أستطيع تناول الموضوع بأسره على نحو ~~سطحي. # في خطاب إلى السير جيه دي هوكر (يونيو، 1856) ترد الفقرة ~~التالية المميزة، لتنم، بلا ms440 ريب، عن نوع العمل الذي استلزمه ~~فصله حول التوزيع الجغرافي: # ثمة منطق خاطئ وغريب في عرضه [عرض إي فوربس] الشهير ~~والجدير بالإعجاب لمسألة التوزيع، كيفما يبدو لي، بما إنني قد ~~درستها حتى أضع العناوين الرئيسية في صفحة. لتثق أن مقولتي ~~التالية صحيحة، وهي أن جامع البيانات رجل «عظيم»، أما الرجل ~~المبدع، فهو رجل عادي. يستطيع أي أحمق أن يعمم ويفترض، ~~لكن، أوه، يا إلهي، يا له من عمل أن تدرس نباتات نيوزيلاندا ~~عن شخص آخر! # من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس # 3 أكتوبر، [1856] ~~... أتذكر أنك اعترضت على نصيحة لايل بكتابة ~~«ملخص» بمعتقداتي حول الأنواع. حسنا، حين بدأت، ~~وجدته عملا غير مرض حتى إنني كففت عنه، والآن أنا ~~أحضر عملي ليكون مثاليا بقدر ما تسمح المواد ~~التي جمعتها في تسعة عشر عاما، لكنني لا أنوي أن ~~أتوقف لإتمام أي مسار بحثي خارج نطاق العمل الحالي؛ ~~لهذا الحد وليس أبعد من هذا سوف أتبع نصيحة لايل ~~الملحة. إن لملاحظاتك أهمية كبيرة لدي. من المحزن ~~أن أرى أن العمل سيصير كتابا كبيرا للغاية. وقد ~~وجدت أن دراستي المتأنية للحمام لا تقدر بثمن ~~حقا؛ حيث بصرتني بعدة نقاط متعلقة بالتباين تحت ~~تأثير التدجين. كانت الأدبيات القديمة الكثيرة، التي ~~يمكن من خلالها تتبع التغيرات التدريجية في سلالات ~~الحمام، مفيدة لي فائدة استثنائية. لقد جاءني للتو ~~حمام وطيور داجنة «حية» من جامبيا! كما أنني أولي ~~الأرانب والبط اهتماما شديدا للغاية، لكن أقل من ~~الحمام. وإنني أجد اختلافات ملحوظة جدا في هياكل ~~الأرانب. هل سبق لك الاحتفاظ بسلالات غريبة من ~~الأرانب من قبل، وهل تستطيع إعطائي أي تفاصيل؟ ~~ثمة سؤال آخر: اعتدت الاحتفاظ بصقور؛ فهل تعرف ~~على الإطلاق متى تتقيأ كرات الفضلات بعد تناولها أحد ~~الطيور؟ # لا يثير أي موضوع بالنسبة لي قدر المتاعب والشك ~~والصعوبة الذي تثيره وسائل انتشار أنواع الكائنات ~~الأرضية نفسها على الجزر المحيطية. إن الرخويات ~~البرية تدفعني للجنون، ولا أستطيع الحصول على بيضها ~~بأي طريقة لاختبار قدرتها على الطفو وتحمل التأثير ~~الضار ms441 للماء المالح. لن أعتذر عن إفراطي الشديد في ~~الكتابة عن أنشطتي؛ لأنني أعتقد أنك سترغب في معرفتها. ~~أرجو أن تطلعني، في أي وقت، على ما أصبحت عليه ~~حالتك الصحية؛ و«إن أردت»، فلترسل لي بعض المعلومات ~~بشأن البط الصياح. # عزيزي فوكس، المخلص لك # سي داروين ~~[كذلك كتب عن كتابه إلى السير تشارلز لايل (بتاريخ العاشر من ~~نوفمبر) قائلا: # أعمل بمثابرة شديدة في كتابي الكبير؛ لقد وجدت أنه من ~~المستحيل تماما أن أنشر أي ملخص أو مقال تمهيدي؛ لكنني ~~أقدم عملا كاملا بقدر ما تتيح المواد التي لدي ~~حاليا دون الانتظار لتحسينها. وهذا التعجيل الشديد أدين لك ~~به.] # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، الأحد [أكتوبر، ~~1856] # عزيزي هوكر # لقد وصلت البذور جميعها سليمة تماما، وأشكرك ~~شكرا جزيلا عليها. إنني آسف جدا على المغادرة ~~مبكرا جدا وما فاتني من أي جزء من أمسيتي ~~الممتعة «للغاية». لقد غادرت في همجية شديدة دون أن ~~أودع السيدة هوكر، لكنني وصلت في آخر لحظة؛ حيث ~~وصل القطار بمجرد أن صعدت للرصيف. # أسعدتني بوجه خاص مناقشتنا بعد العشاء؛ فدائما ~~ما يصفي ذهني على نحو رائع الاشتباك معك في معركة. ~~أنا حزين لسماع أن إيه جراي يتفق معك بشأن حال ~~الجغرافيا النباتية. أعتقد أنك إن كنت بحاجة للبحث عن ~~ضوء في الجغرافيا الحيوانية، فإنك على النقيض كنت ~~ستعير مجالك احتراما أكثر كثيرا مما تفعل الآن. لقد ~~تصرفت الصقور على نحو رائع، واستفرغت كرات ~~فضلات بها الكثير من البذور؛ وقد تلقيت للتو طردا به ~~قدما طائر حجل مغطاتان تماما بالطين! الوداع . # صديقك المجنون والمخالف # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 4 نوفمبر ~~[1856] # عزيزي هوكر # أشكرك شكرا حارا أكثر مما تتخيل على خطابك. كان ~~حكمك [بشأن مخطوطة فصل التوزيع الجغرافي] مصدر راحة ~~كبيرة لي. أقسم بشرفي إنني لم أكن أدري إن كنت ستقول ~~إنه (وأعلم أنك كنت ستقولها برفق شديد) سيئ جدا، ~~حتى إنك سترجوني أن أحرقه كله. أرى من وجهة نظري أن ~~مخطوطتي أزالت ms442 عن كاهلي بعض الصعوبات، وبدا لي أن ~~الصعوبات قد عرضت بإنصاف إلى حد كبير، لكنني صرت ~~في حيرة شديدة وسط حقائق وأدلة وحجج وآراء ~~متضاربة؛ حتى إنني خالجني شعور عميق بأنني فقدت كل ~~ما لي من قدرة على الحكم. إن رأيك العام إيجابي أكثر ~~مما توقعت. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 23 نوفمبر ~~[1856] # عزيزي هوكر # أخشى أنني سوف أصيبك بالضجر بسبب الخطابات، لكن لا ~~ترد على هذا الخطاب؛ إذ إنني في الحقيقة ودون ~~تملق، أقدر خطاباتك كثيرا، حتى إنه بعد كم ~~الخطابات الكبير مؤخرا، أشعر أنني كنت مسرفا وصرفت ~~نقودا كثيرة جدا؛ ومن ثم، سيكون علي التقتير ~~في جانب آخر. # حين أرسلت مخطوطتي ساورني شعور قوي أنه كان يجب ~~إرسال بعض الأسئلة المبدئية حول مسببات التباين. إن ~~كوني مصيبا أم مخطئا في هذه النقاط إنما هي مسألة ~~منفصلة بالكامل، لكن الاستنتاج الذي توصلت إليه، ~~بمعزل تماما عن التوزيع الجغرافي، هو أن الظروف ~~الخارجية (التي كثيرا ما تستهوي علماء التاريخ ~~الطبيعي) لها أثر «قليل جدا» بمفردها. أما درجة ~~تأثيرها، فهي النقطة التي أشعر فيها بضعفي الشديد بين ~~كل النقاط الأخرى. إنني أحكم بناء على حقائق التباين ~~تحت تأثير التدجين، وربما سأحصل على مزيد من ~~المعلومات. لكن في الوقت الحالي، بعد كتابة مسودة ~~حول هذا الموضوع، يتمثل استنتاجي في أن تأثير الظروف ~~الخارجية ضئيل «للغاية»، عدا التسبب في مجرد ~~القابلية للتباين. إن تلك القابلية للتباين (التي تجعل ~~الطفل «غير» مشابه لوالده تشابها دقيقا) أراها ~~مختلفة «تماما» عن تكون ضرب مميز أو نوع جديد. ~~(لا شك أن القابلية للتباين تخضع لقوانين، والتي ~~أحاول على نحو معقد اكتشاف بعض منها.) أرى أن ~~تكون أحد الضروب أو الأنواع القوية يكاد يرجع بالكامل ~~لانتقاء ما قد يسمى خطأ تباينات أو قابلية تباين ~~«عرضية». يرتبط هذا الانتقاء على نحو مباشر بالزمن، ~~ولا يمكن أن يتم في الطبيعة إلا ببطء شديد. مرة ~~أخرى، الاختلافات الطفيفة المنتقاة، التي ينتج بها ~~أخيرا عرق أو نوع، ترتبط، كما ms443 يمكن إثباته حسبما ~~أعتقد (حتى مع النباتات، ومع الحيوانات كما هو جلي)، ~~في علاقة أهم كثيرا مع رفقائها أكثر من الظروف ~~الخارجية؛ لذلك، حسب مبادئي، سواء كانت صحيحة أو ~~خاطئة، لا يمكنني الاتفاق مع فرضيتك أن الزمن والظروف ~~المتبدلة والرفقاء المتبدلين «شروط القابلية ~~للتحويل»؛ فأنا أرى أن الأول والأخير أكثر «كثيرا» في ~~الأهمية؛ فالزمن ليس مهما إلا بقدر ما يتيح المجال ~~للانتقاء. يعلم الرب ما إن كنت ستدرك ما أقصده أم ~~لا. سوف يكون علي مناقشة الصعوبة التي تتحدث عنها ~~بشأن أشكال المنطقة المعتدلة ومنطقة جنوب القطب ~~الشمالي في نصف الكرة الأرضية الجنوبي والتفكير فيها ~~أكثر مما فعلت بالفعل. لكنني أميل للاعتقاد أنني ~~مصيب (إن كانت مبادئي العامة صحيحة) في أنه سيكون ~~ثمة نزوع ضئيل لتكوين نوع جديد، خلال فترة ~~الهجرة، سواء قصرت أو طالت، رغم أنه من المحتمل أن ~~قدرا كبيرا من القابلية للتباين قد يحدث. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # 24 ديسمبر [1856] ~~... كم أتمنى لو كنت أعيش قريبا منك لأناقش الأمور ~~معك. كنت أقارن لتوي بين تعريفات النوع، وأبين ~~بإيجاز كيف يستنبط علماء التاريخ الطبيعي المعنيون ~~بالتصنيف مواد بحثهم. كانت زهرة الحوض في كتاب ~~«نباتات الهند» مثالا ممتازا لي. إنه مما يدعو للضحك ~~حقا أن ترى مدى اختلاف الأفكار التي توجد في أذهان ~~العديد من علماء التاريخ الطبيعي، حين يتحدثون عن ~~«الأنواع»؛ فلدى البعض التشابه هو كل شيء والانحدار ~~قليل الشأن؛ ولدى البعض الآخر، يبدو أن التشابه ليس ~~مهما، والخلق هو الفكرة المهيمنة؛ ولدى آخرين، ~~الانحدار هو السر؛ ولدى آخرين، العقم اختبار لا يخطئ، ~~بينما يرى آخرون أنه عديم القيمة تماما. أعتقد أن كل ~~هذا ينبع من محاولة تعريف ما هو غير قابل للتعريف. ~~أظن أنك فقدت البذور السوداء الغريبة التي كانت في ~~زبل الطيور، التي نبتت. على أي حال، الأمر لا يستحق ~~الانزعاج بشأنه؛ فلدي نحو دزينة من البذور المستخرجة ~~من زبل طيور صغيرة. # الوداع يا عزيزي هوكر # صديقك إلى الأبد # سي داروين # من تشارلز ms444 داروين إلى آسا جراي # داون، 1 يناير ~~[1857؟] # عزيزي الدكتور جراي # لقد تلقيت الجزء الثاني من بحثك [«الإحصائيات ~~الخاصة بنباتات شمال الولايات الأمريكية»، «دورية ~~سيليمان»، 1857]، ورغم أنه ليس لدي شيء محدد ~~لأقوله، فلا بد أن أرسل شكري وصادق إعجابي. أرى أن ~~البحث بأسره يغطي الموضوع بحذافيره، وأنني أوهم ~~نفسي وأخدعها تماما أنني أدرك الآن طبيعة نبتاتك. يا ~~له من فرق الذي تحدثه ملحوظاتك في أوروبا بشأن ~~الأجناس! لقد أسعدني للغاية أن أرى استنتاجك فيما ~~يخص سعة نطاق أنواع الأجناس الكبيرة؛ فهو ينسجم ~~تماما في عدة نواح مع النتائج التي توصلت إليها. ~~إنه يحمل أهمية كبرى لأفكاري. بالمناسبة، لقد ~~أسديتني إطراء «عظيما»؛ إذ أعتبر مجرد ذكري في بحث ~~كهذا شرفا عظيما جدا. غير أن أحد استنتاجاتك ~~يحملني على التذمر، وهو أن خط اتصال النباتات ~~الجبلية يمر بجرينلاند. أود «بشدة» أن أرى أسبابك ~~منشورة بالتفصيل؛ لأن الأمر «يزعجني» (هذا تعبير ~~لائق، أليس كذلك؟) لدرجة فظيعة. أخبرني لايل أن ~~أجاسي لديه نظرية عن الزمن الذي خلقت فيه العظائيات ~~أول مرة، وعند سماع بعض الملاحظات المتروية ~~المخالفة لها، قال إنه لا يؤمن بها، «لأن الطبيعة لم ~~تكذب قط.» وإنني في هذا المأزق نفسه، وأقول لك إن ~~«الطبيعة لا تكذب أبدا» وبناء على ذلك فالمنظرون ~~دائما على صواب. # بما أنك منهك بشدة بسبب العمل، فأعتقد أنك ستقول ~~إنني كالوباء البغيض؛ لكن إليك مسألة أخرى على أي ~~حال. قادتني إحدى تخميناتي الجامحة لاستنتاج (رغم أن ~~الأمر ليس له علاقة بالتوزيع الجغرافي، لكنه مرتبط ~~بإحصائياتك) أن الأشجار تميل بشدة لأن تكون لديها زهور ~~ذات بنية ثنائية الجنس أو أحادية الجنس أو متعددة ~~الأجناس. لما رأيت أن هذا ما بدا عليه الأمر لدى ~~بيرسون، درست نباتاتنا البريطانية القليلة، مفرقا بين ~~الأشجار والشجيرات على مبدأ لودون، ووجدت أن النتيجة ~~كانت في الأنواع والأجناس والفصائل كما توقعت. هكذا ~~أرسلت أفكاري إلى هوكر لأطلب منه جدولة كتاب «نباتات ~~نيوزيلاندا» بما يتفق مع هذه النتيجة، وقد اعتقد أن ~~نتيجتي مثيرة للاهتمام بالقدر الكافي ms445 مما يبرر أن ~~يفعل ذلك؛ وإن التشابه مع بريطانيا ملحوظ للغاية، ~~ومما يؤكد ذلك أنه وضع ثلاث طوائف من الأشجار ~~والشجيرات والنباتات العشبية. (وقال إنه سوف يضع كتاب ~~«نباتات تاسمانيا» على المبدأ نفسه.) تشغل الشجيرات ~~موقعا وسطا بين الطائفتين الأخريين. تبدو لي ~~علاقة مثيرة للاهتمام في حد ذاتها، بل إنها كذلك ~~بالفعل على نحو كبير، إن كانت نظريتي وتفسيري ~~صحيحين. # 1 # مع خالص شكري، صديقك المزعج جدا # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 12 أبريل ~~[1857] # عزيزي هوكر # أسعدني خطابك أيما سعادة، ولا أستطيع أن أقصي عن ~~ذهني فكرة أنني أستغل كرمك؛ حيث آخذ فقط ولا أعطي ~~شيئا. يا له من كلام رائع ذلك الذي استطعت كتابته ~~حول موضوع التباين برمته! إن الحالات التي نوقشت في ~~خطابك الأخير هامة بالنسبة لي (وإن كانت بغيضة ~~وملعونة)؛ حيث إنها تكشف عن شدة جهلنا بمسببات ~~التباين. سأشير فقط لهذه الحالات، باعتبارها نوعا من ~~التقسيم الفرعي لتعدد الأشكال، الذي يعد أكثر ~~تحديدا قليلا، على ما أعتقد، من تباين التوت الشوكي، ~~على سبيل المثال، ويساويه أو يفوقه في إثارة ~~الحيرة. # كنت أجمع للتو ملحوظاتي حول التباينات التي «تبدو» ~~ناتجة عن التأثير الآني والمباشر للمسببات الخارجية؛ ~~وخرجت بنتيجة واحدة. يقر أكثر المؤيدين لفكرة ~~الخلق المستقل تشددا بأن فراء الحيوانات المنتمية ~~للنوع نفسه يكون أرق في جنوب نطاق انتشار هذا ~~النوع عن شماله، وأن الأصداف المنتمية للنوع نفسه تكون ~~أزهى لونا ناحية الجنوب من الشمال؛ وأنها أبهت لونا ~~في المياه العميقة، وأن الحشرات تكون أصغر وأدكن لونا ~~على الجبال، وأكثر شحوبا وأشبه بالصدف قرب البحر، وأن ~~النباتات تكون أصغر وأغزر شعرا وذات زهور أزهى لونا ~~على الجبال؛ إذن في كل هذه الحالات، وغيرها، تتبع ~~أنواع متمايزة القاعدة نفسها في المنطقتين، ويبدو لي ~~أن أبسط تفسير لهذا هو أن الأنواع ليست سوى ضروب ~~مميزة جدا؛ ومن ثم تتبع القوانين نفسها الخاصة ~~بالضروب المعروفة والمعترف بها. أذكر كل هذا بسبب ~~تباين النباتات عند ارتقائها الجبال؛ وقد ms446 سقت ~~الملحوظة السابقة على وجه العموم فحسب دون أمثلة، حيث ~~سأضيف أنه ثمة الكثير جدا من الشك والنزاع حول ~~ما يمكن أن نطلق عليه ضروبا؛ لكنني رغم ذلك صادفت ~~عدة ملاحظات عابرة حول «ضروب» النباتات الموجودة على ~~الجبال والتي من هذا النوع، حتى إنني أعتقد أن بهذه ~~الملحوظة بعض الحقيقة. ما رأيك في هذا؟ هل تعتقد أن ~~ثمة «أي» نزعة في «الضروب»، كما يطلق عليها ~~«بوجه عام»، الخاصة بالنباتات لتصير أغزر شعرا وذات ~~زهور أكبر حجما وأزهى لونا عند اعتلائها ~~الجبال؟ # إنني أولي اهتماما ب «حديقة الحشائش» الخاصة بي ~~التي مساحتها ثلاثة أقدام في قدمين؛ حيث أميز كل ~~شتلة بمجرد أن تظهر، وإنني مندهش من العدد الذي نبت، ~~وأكثر اندهاشا من العدد الذي قتلته البزاقات وغيرها. ~~لقد قتل 59 بالفعل هكذا؛ لقد توقعت عددا كبيرا، ~~لكنني كنت أعتقد أن هذا كان عائقا أقل قوة مما يبدو، ~~ونسبت دمار الشتلات برمته تقريبا للاختناق وحده. ~~يبدو أن شتلات الحشائش أقل كثيرا في معاناتها من ~~ثنائيات الفلقة. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # مور بارك، فارنام [(؟) أبريل ~~1857] # عزيزي هوكر # لقد أرسل خطابك إلي هنا، حيث أخضع للعلاج المائي ~~لمدة أسبوعين، وقد قضيت هنا أسبوعا، وصادفت بالفعل ~~تحسنا غير قابل للتصديق على الإطلاق بالنسبة لي ~~وغير قابل للتفسير بالمرة. أستطيع الآن السير ~~وتناول الطعام مثل أي رجل متمتع بالصحة، وحتى ~~الليالي تمر علي في سلام. لا أستطيع البتة أن أفهم ~~كيف يستطيع العلاج المائي أن يؤتي تأثيرا كما يفعل ~~معي. إنه يغشى العقل إلى درجة كبيرة؛ إذ لم أفكر في ~~أي نوع مهما كان منذ غادرت المنزل. لقد صدمني ~~خطابك؛ كنت أعتقد أن غزارة الشعر وغيرها كانت أمورا ~~مسلما بها عموما في «الأنواع» الجبلية؛ إنني واثق ~~أنني قد رأيت الإشارة إليها عدة مرات. كان فالكونر ~~يتحدث لي عنها منذ عدة أيام. أذكر أن ماين أو جاي، أو ~~شخصا مشابها (قد تحتقره)، وضع ملحوظة حول هذا الأمر ~~بشأن نباتات سلسلة جبال تشيلي. وكتب فيمر ms447 كتابا ~~صغيرا حول الموضوع نفسه، وعن اتصاف «الضروب» بهذا في ~~جبال الألب. لكني أقر أنه بعد الكتابة إليك أذهلني ~~أن أجد رجلا (موكين تاندون، على ما أعتقد) يقول إن ~~الزهور الجبلية تميل بشدة لأن تكون بيضاء، وأن أجد ~~لينيوس يقول إن البرد يجعل النباتات «عديمة البتلات»، ~~حتى إذا كانت من النوع نفسه! هل يغلب على نباتات القطب ~~الشمالي أن تكون عديمة البتلات؟ اعتقادي العام الذي ~~تأتى من عملي التجميعي هو الاتفاق تماما مع ما ~~تقوله حول التأثير الصغير المباشر للمناخ؛ وقد أشرت ~~للتو لكثافة شعر النباتات الجبلية باعتبارها ~~«استثناء». كانت قوة الرائحة ستصبح حالة مناسبة لي ~~لو كنت أعرف «ضروبا» أقوى رائحة في البيئات ~~الجافة. # أخشى أنني نظرت لكثافة شعر النباتات الجبلية بصفتها ~~شيئا معترفا به عامة للغاية حتى إنني لم أميز ~~الفقرات التي تقول بذلك في الكتب، حتى أرى الأدلة الذي ~~يقدمها المؤلفون على صحة كلامهم في هذا الشأن. لا بد أن أقر أنني حين سألت فالكونر إن كان يعلم ~~بحالات خاصة لنباتات تفقد شعرها أو تكتسبه حين ~~تنقل، لم يكن يعلم. لكن الآن «في هذه اللحظة» تسعفني ~~الذاكرة، وإنني متأكد أنني في مكان ما ميزت حالة ~~نباتات غزيرة الشعر في جبال البرانس فقدت شعرها عند ~~زراعتها في مونبلييه. هل ستعتقد أنني شديد الوقاحة إذا ~~أخبرتك أنني أعتقد أحيانا (بمنأى تماما عن الحالة ~~الراهنة) أنك شديد القسوة لحد ما مع الملاحظين غير ~~الجيدين؛ أن الملاحظة التي تصدر عن ملاحظ غير جيد ~~«لا يمكن» أن تكون صحيحة؛ وأي ملاحظ يستحق الإدانة سوف ~~تدينه تماما. أشعر باحترام تام لأي ملحوظة نابعة من ~~تفكيرك؛ لكن حين تكون ضد شخص مسكين، بطريقة ما دون ~~إرادتي لا يؤاتيني هذا الشعور، بيد أنني أظل حاملا ~~القدر نفسه من الاحترام لرأيك. لا أعلم على الإطلاق إن ~~كان ثمة صحة في انتقادي لك، لكني كثيرا ما ~~اعتقدت أنني سوف أخبرك به. # إنني في غاية الامتنان حقا على خطابك، ورغم أنني ~~كنت أنوي أن أضع جملة واحدة فقط ms448 وبذلك الإبهام، ~~فربما كان يجب أن أعبر عن مشاعري بقوة ~~بالغة. # المخلص لك دائما، يا عزيزي هوكر # سي داروين # ملحوظة: # هذا الخطاب، كما ~~ترى، ليس به أي شيء يستدعي ردا. # كان توزيع رخويات المياه العذبة كابوسا كبيرا بالنسبة لي، ~~لكن أعتقد أنني أعرف طريقي الآن؛ حين فقس بيضها في البداية ~~كانت نشيطة جدا، وكان لدي ثلاثون أو أربعون تزحف على قدم ~~بطة ميتة؛ ولا يمكن إبعادها، وبإمكانها العيش خارج الماء خمس ~~عشرة بل أربعا وعشرين ساعة. ~~[يشير الخطاب التالي إلى الرحلة الاستكشافية للفرقاطة ~~النمساوية «نوفارا»؛ إذ طلب لايل من أبي تقديم ~~اقتراحات.] # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، 11 فبراير ~~[1857] # عزيزي لايل # سعدت عندما علمت من الصحف بالرحلة الاستكشافية ~~النمساوية. ليس لدي شيء لأضيفه على صعيد الجيولوجيا ~~إلى ملاحظاتي في «دليل ديوان البحرية للاستقصاء ~~العلمي». لا أعلم ما إن كانت البعثة ملزمة بزيارة ~~أماكن محددة فقط أم لا. لكن إن كان بيد العلماء ~~خيار أو سلطة لتحديد الأماكن، فسيكون هذا رائعا ~~جدا. وإنني على اقتناع مدروس دراسة دقيقة أن لا ~~شيء سيفيد التاريخ الطبيعي أكثر من العناية في جمع «كل ~~كائنات» أكثر الجزر انعزالا، خاصة التي في النصف ~~الجنوبي من الكرة الأرضية، ودراستها. إن المعرفة بهذه ~~الجزر، فيما عدا جزر تريستان دا كونيا وجزيرة ~~كيرجولين، غير كاملة بالمرة؛ وحتى في جزيرة ~~كيرجولين، ما زال أمامنا الكثير للوقوف على طبيعة ~~طبقات الليجنيت، وما إن كانت هناك أدلة على نشاط ~~نهر جليدي قديم. إن كل حشرة ونبتة وصدفة بحرية من هذه ~~الأماكن لها أهمية. لا بد أن يكون بحوزة أحد الأشخاص ~~في البعثة مقال هوكر عن نيوزيلاندا. يا له من عمل ~~عظيم أن تستكشف جزيرة رودريجز بطيورها المتحفرة، ~~وكائناتها المتنوعة غير المعروفة على نطاق واسع! ~~وكذلك سيشل، التي نظرا لقرب جزيرة كوكوس الشديد منها، ~~لا بد أن تكون من بقايا أرض ما أكثر قدما. كذلك ~~المعروف عن جزيرة خوان فرنانديز الخارجية قليل. إن ~~بحث مجموعة من علماء التاريخ الطبيعي لهذه الأماكن ms449 ~~القليلة سيكون أمرا رائعا؛ سيكون استكشاف جزيرتي ~~سان بول وأمستردام مذهلا، على الصعيدين النباتي ~~والجيولوجي. هل بوسعك أن توصيهم بالحصول على كتابي ~~«يوميات» و«الجزر البركانية» من أجل جالاباجوس؟ إن ~~قدموا من الشمال، فسيكون من الخزي والجرم ألا يزوروا ~~جزيرة كوكوس، التي تعد إحدى جزر جالاباجوس. طالما ~~ساورني الندم على عدم التمكن من فحص الفوهات ~~الهائلة التي على جزيرة ألبيمارل، وهي إحدى جزر ~~جالاباجوس. في نيوزيلاندا، حثهم على البحث عن ~~جلاميد جرفتها الأنهار الجليدية وآثار أنهار ~~جليدية قديمة. # فلتحثهم على استخدام الجرافة في المناطق ~~المدارية؛ فمعرفتنا بحدود الحياة أسفل البحار الحارة ~~ضئيلة أو معدومة. # يجعلني عملي الحالي أدرك درجة تجاهل الحيوانات ~~المحلية الموجودة في البلدان النائية. # أعتقد أن جزيرة ريفياهيهايدو المواجهة للمكسيك، لم ~~تطأها قط قدم عالم تاريخ طبيعي. # إن اقتصرت الرحلة على أماكن مثل ريو ورأس الرجاء ~~الصالح وسيلان وأستراليا، إلخ، فلن تأتي بفائدة ~~كبيرة. # مع خالص وفائي لك على الدوام # سي داروين ~~[تأتي الفقرة التالية في خطاب إلى السيد فوكس، بتاريخ 22 ~~فبراير، 1857، وتتضمن إشارة إلى الكتاب الذي موضوعه التطور ~~الذي كان لا يزال يعمل فيه. أما بقية الخطاب، فيتضمن تفاصيل ~~ليست مهمة: # إنني أولي موضوعي بالغ اهتمامي، رغم أنني أتمنى لو كنت ~~أستطيع إعطاء قيمة أقل من التي أوليها للشهرة الفانية، ~~سواء في الوقت الحالي أو بعد وفاتي، وإن كان ذلك، حسبما ~~أعتقد، ليس لدرجة متطرفة. غير أنني، لو كنت حقا أعرف نفسي ~~جيدا، كنت سأعمل بالجد نفسه، وإن كان بحماس أقل، لو كنت ~~أعلم أن الكتاب سينشر بدون اسم المؤلف للأبد.] # من تشارلز داروين إلى إيه آر والاس # مور بارك، 1 مايو، 1857 # سيدي العزيز # إنني في غاية الامتنان على خطابك المرسل بتاريخ 10 ~~أكتوبر، من سيليبز، الذي تلقيته منذ بضعة أيام؛ إن ~~التعاطف حين تكون المهمة مضنية عظيم القيمة ودعم ~~حقيقي. أستطيع أن أرى بوضوح من خطابك، وأكثر منه بحثك ~~[«عن القانون المنظم لاستقدام أنواع جديدة» (1855)] ~~في مجلة «أنالز آند ماجازين أوف ناتشورال هيستوري»، ~~منذ عام ms450 أو أكثر، أننا قد فكرنا بالطريقة نفسها ~~لحد كبير، وتوصلنا لاستنتاجات متشابهة إلى حد ~~ما. فيما يخص هذا البحث، فإنني أرى أن كل كلمة ~~تقريبا جاءت فيه صحيحة؛ وأعتقد أنك ستوافقني الرأي ~~أنه من النادر جدا أن تجد نفسك متفقا لدرجة كبيرة ~~مع أي بحث نظري؛ إذ من المؤسف كيف يستخلص كل شخص ~~استنتاجات مختلفة من الحقائق نفسها. بحلول هذا الصيف ~~سيكون قد مضى عشرون عاما منذ فتحت أول دفتر ~~لملاحظاتي حول المسألة المتعلقة بكيفية اختلاف ~~الأنواع والضروب عن بعضها وسبل هذا الاختلاف. والآن ~~أنا أعد عملي من أجل النشر، لكنني أجد الموضوع كبيرا ~~جدا، حتى إنني، رغم كتابة عدة فصول، لا أعتقد أنني ~~سوف أطبعه قبل عامين. لم أعلم حتى الآن بالمدة التي ~~تنوي بقاءها في أرخبيل الملايو. أتمنى أن أستفيد من ~~نشر تفاصيل أسفارك هناك قبل ظهور كتابي؛ فلا شك أنك ~~سوف تحصل على كم هائل من الحقائق. لقد اتبعت ~~نصيحتك بالفعل في التفرقة بين الضروب الداجنة وتلك ~~التي في الطبيعة، لكنني شككت في الحكمة وراء هذا ~~أحيانا؛ لذلك يسعدني أن تدعمني برأيك. مع ذلك لا بد ~~أن أقر أنني أشك بالأحرى في صحة المعتقد السائد ~~جدا الآن الذي يذهب إلى أن كل حيواناتنا الداجنة قد ~~انحدرت من عدة سلالات برية؛ وإن كنت لا أشك أن ~~الأمر كذلك في بعض الحالات. أعتقد أن هناك دليلا أفضل ~~من ذلك الذي قلت به فيما يتعلق بعقم الحيوانات ~~المهجنة. وفيما يتعلق بالنباتات، فإن مجموعة الحقائق ~~التي دونها بترو كولروتير وجيرتنير (وهربرت) ~~«هائلة». أتفق معك تماما بشأن الآثار الضئيلة ل ~~«الظروف المناخية»، التي نراها يشار إليها لدرجة ~~تثير الملل في كل الكتب؛ أعتقد أن الأثر الذي يجب ~~نسبه لتلك المؤثرات لا بد أن يكون قليلا جدا، ~~لكنني أومن تماما أنها قليلة الأهمية جدا. من ~~«المستحيل» حقا أن أشرح وجهات نظري (في إطار خطاب) ~~بشأن أسباب التباين ووسائله في الطبيعة، لكنني ~~تبنيت على نحو تدريجي فكرة واضحة وواقعية، أما ~~إن كانت صحيحة أو ms451 خاطئة، فهذا ما يجب أن يحكم به ~~الآخرون؛ إذ يبدو أن إيمان المؤلف الراسخ بصحة مبدئه، ~~وإن بلغ أشده، للأسف، ليس ضمانا بصوابه على ~~الإطلاق! # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # مور بارك، السبت [2 مايو، ~~1857] # عزيزي هوكر # لقد أثبت خلو النباتات الجبلية من الشعر بنجاح ~~شديد. إن حالة نبات نفل الرمال «سترتبط» بحالة ~~نباتات جبال البرانس التي تصير جرداء في المستويات ~~المنخفضة. إن وجدت بحق أنني قد وسمت تلك الحقائق، ~~فسوف أضع الدليل بين يديك. أتساءل كيف قد يكون نشأ ~~هذا الاعتقاد؟! هل كان من خلال العلل الغائية لتنعم ~~النباتات بالدفء؟ ربط فالكونر في حديث له بين حقيقتي ~~النباتات والثدييات الجبلية المغطاة بالصوف. بأي ~~حياد وتواضع تقبلت تذمري من قسوتك إزاء العلماء ~~غير الجيدين؟ فبعد أن أرسلته، سألني صوت خفيض كريه ~~بداخلي، مرة أو مرتين، لأي حد كان دفاعي النبيل عن ~~الفقراء في الهمة والحقائق، راجعا إلى أنك كثيرا ما ~~قضيت على أفكار مفضلة لدي؟ وحتى بعد أن أسكت ~~في ازدراء هذا الصوت الخفيض الكريه، فقد أخذ يهمس لي ~~مرة بعد الأخرى. أحيانا أحتقر نفسي لكوني جامع ~~بيانات متواضعا بالشدة نفسها التي تتسنى لك، إلا ~~أنني «لا» أحتقر عملي بأسره؛ إذ أعتقد أن ثمة ~~قدرا كافيا من المعرفة لوضع أساس للنقاش حول أصل ~~الأنواع. لقد حملت على احتقار نفسي والاستهزاء بها ~~بصفتي جامعا للبيانات، لكتابة أن «النباتات الجبلية ~~لديها زهور كبيرة» والآن ربما أستبدل بهذه الكلمات ~~نفسها ما يلي: «النباتات الجبلية لديها زهور صغيرة أو ~~عديمة البتلات!» # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 16 [مايو]، ~~[1857] # عزيزي هوكر # قلت - أرجو أن تكون صادقا في قولك - إنك لم تكره ~~طرحي أسئلة عليك حول نقاط عامة، ولك بالطبع أن تجيب ~~أو لا، حسبما يسمح وقتك أو مزاجك. لاحظت في عالم ~~الحيوان أن أي جزء أو عضو ينمو نموا طبيعيا ~~(بعبارة أخرى، بلا تشوه) في أحد الأنواع بدرجة ~~«عالية» أو «غير معتادة»، مقارنة بالجزء نفسه أو ~~العضو في أنواع قريبة، ms452 يميل لأن يكون «متباينا ~~جدا». لا يمكن أن يساورني الشك في ذلك بناء على ما ~~لدي من كم من الحقائق المجمعة. على سبيل ~~المثال، إن هيئة المنقار لدى طيور القرزبيل شاذة جدا ~~مقارنة بطيور أخرى مشابهة في فصيلة الشرشوريات، ~~والمنقار «متباين بشدة». وطائر أبو المغازل، المميز ~~بسبب طول سيقانه العجيب، يتنوع طول سيقانه «بشدة». ~~أستطيع إعطاء «العديد» من الأمثلة المدهشة والمثيرة ~~للفضول في كل الطوائف؛ وهي متعددة جدا لدرجة أنني ~~أعتقد أن الأمر ليس مصادفة. لكن «ليس» لدي أي أمثلة ~~في عالم النبات، بسبب جهلي، على ما أعتقد. إن كان جنس ~~النابنط يحتوي على «نوع» أو نوعين في مجموعة ذات ~~أوراق تتحول إلى شكل جرة، فكان لا بد أن أتوقع أن ~~يكون متباينا جدا؛ لكنني لا أعتبر النابنط مثالا ~~هنا؛ فحين يكون جنس أو مجموعة بأسرها لديها عضو، ~~مهما كان شاذا، لا أتوقع أن يكون متباينا؛ فقط حين ~~يختلف نوع أو بضعة أنواع بدرجة كبيرة في جزء أو عضو ~~ما عن الأشكال قريبة الصلة جدا به في جميع الجوانب ~~الأخرى، أعتقد أن ذلك الجزء أو العضو يكون متباينا ~~بدرجة كبيرة. هل ستفكر في هذا الأمر مليا؟ إنه ~~قانون مهم وجلي بالنسبة لي. # صديقك إلى الأبد # سي داروين # ملحوظة: # لا أعلم مدى ~~اكتراثك بما سأخبرك به، لكنني وجدت أن موكين تاندون يتناول في ~~كتابه «عناصر التشوه الخلقي في النبات» تزغب النباتات، ويبدو ~~أنه ينسب الأمر للجفاف أكثر من الارتفاع؛ لكن يبدو أنه يعتقد ~~أن لا بد من الإقرار بأن النباتات الجبلية مزغبة، وأن هذا ~~التزغب لم تفسره إلا جزئيا ملحوظة دي كوندول، والتي ~~مفادها أن تقزم النباتات الجبلية يكثف الشعر؛ ومن ثم ~~يجعلها تبدو مزغبة أكثر. وهو يقتبس من كتاب سينيبير «فسيولوجيا ~~النباتات»، معتبرا إياه مرجعية؛ إنه المرجعية الأولى على ما ~~أعتقد فيما يتعلق بتزغب شعر النباتات الجبلية. # إن كنت أستطيع أن أبرهن تماما على أن الأنواع المتوطنة ~~كانت أكثر زغبا في المناطق الجافة، فسأنظر لافتراض أن الضروب ~~تكون أكثر زغبا ms453 في الأرض الجافة باعتباره حقيقة بالنسبة ~~لي. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 3 يونيو ~~[1857] # عزيزي هوكر # سوف أدخل البهجة إلى نفسي بكتابة خطاب إليك حول ~~الأمور الخاصة بي، وهذه متعة كبيرة لي لا تستطيع أن ~~تدركها؛ فقد ظللت طوال شهور دون أن أنبس بكلمة حول ~~التاريخ الطبيعي. إن خطابك عظيم القيمة لدي، كما ~~يثير دهشتي فيما يخص فرضيتي. أعتقد أن عدم وجود ~~حقائق فيما يتعلق بالنباتات تبرره جزئيا صعوبة ~~قياس التباينات الطفيفة. بالتأكيد، خطر لي هذا بعد ~~الكتابة؛ فلدي حشيشة صليب قوقازية ستبدأ في ~~الإزهار، ومن المفترض أن تصير المدقة متباينة جدا ~~في الطول، وعند التفكير في هذا، تساءلت في الحال كيف ~~يمكن للمرء أن يحكم ما إن كانت متباينة بدرجة كبيرة ~~أم لا. كم يختلف هذا، على سبيل المثال، عن منقار ~~الطائر! لكنني لست مكتفيا بهذا التبرير، وتحدوني ~~الدهشة. بيد أنني أعتقد أن ثمة شيئا في القانون؛ ~~إذ صادفت عدة حالات مثل التالية: كاتبت وولستن ~~وطلبت منه أن ينظر في خنافس ماديرا ويخبرني ما إن ~~كانت أي منها أبدت سمة شاذة جدا عن قريباتها، ~~فذكر لي حالة فريدة لرأس كبير لدى أنثى، ثم وجدت ~~أنه مذكور بالفعل في كتابه أن حجم الرأس كان متباينا ~~«لدرجة مدهشة». قد يعلل جزء من الاختلاف لدى ~~النباتات أنها صفات ذكورية أو أنثوية ثانوية في ~~العديد من حالاتي، لكن لدي حالات لافتة للنظر في ~~هدابيات الأرجل الخنثى. وتبدو لي الحالات متعددة ~~للغاية بحيث لا يمكن أن تكون حوادث عرضية، وهي ذات ~~قابلية كبيرة للتباين ونمو غير طبيعي. يخيل لي ~~أنك لن تعترض على أن أضع ملحوظة تقول إنك قد تأملت ~~المسألة، ورغم ما بدا من دعم حالة وحالتين ~~للفرضية، فقد بدا أن حالات بالعدد نفسه أو أكثر ~~مناقضة لها تماما. أكثر ما يثير دهشتي هي تلك الحاجة ~~إلى أدلة؛ إذ إنني بصفة عامة أجد أن اختبار أي ~~فرضية أسهل عن طريق عمل الملاحظات في الموضوعات ~~النباتية عن الموضوعات الحيوانية. لم أتخيل ms454 قط أنك ~~قد ظللت متذكرا الموضوع من الأساس. المسألة برمتها ~~هي واحدة أخرى من أحاجي «المريعة العديدة». ملاحظاتي ~~حول الصراع من أجل البقاء، رغم أنها على نطاق صغير ~~للغاية، بدأت تجعلني أرى بصورة أوضح قليلا كيف يسير ~~الصراع؛ فمن بين ستة عشر صنفا من البذور زرعت في ~~مرجي، خمس عشرة نبتت، لكنها الآن تذوي بوتيرة ~~تجعلني أشك ما إن كانت أكثر من واحدة ستزهر. ولدينا ~~هنا حالة اختناق جرت على نطاق واسع أيضا، مع ~~نباتات وليس شتلات، في جزء من حديقتي حيث تركت ~~لتنمو. على الجانب الآخر، على مساحة من الأرض، ~~مساحتها قدمين في ثلاثة أقدام، ظللت أميز يوميا ~~كل شتلة حشائش عند ظهورها خلال مارس وأبريل ومايو، ~~وقد نبتت 357، قتل من بينها بالفعل 277، في الغالب ~~بسبب البزاقات. على ذكر ذلك، رأيت في مور بارك مثالا ~~جيدا لتأثيرات الحيوانات على الغطاء النباتي؛ توجد ~~أراض مشاع شاسعة بها آجام من أشجار الصنوبر ~~الأسكتلندي القديمة على التلال، ومنذ نحو ثمانية أو ~~عشرة أعوام سيج بعض من هذه الأراضي، والآن تنمو ~~أشجار صغيرة جميلة حول الآجام بأعداد كبيرة، وتبدو ~~بالضبط كما لو كانت قد زرعت، والعديد منها بالعمر ~~نفسه. وفي أجزاء أخرى من تلك الأراضي، والتي لم تسيج ~~بعد، بحثت على مدى عدة أميال ولم أتمكن من رؤية شجرة ~~صغيرة «واحدة». ثم ذهبت لمنطقة قريبة (على بعد ربع ~~ميل من الآجام) وبحثت حثيثا في الأرض البور وهناك ~~وجدت عشرات الآلاف من أشجار الصنوبر الاسكتلندي ~~الصغيرة (ثلاثين في مساحة ياردة مربعة) انتزعت ~~أجزاءها العليا الماشية القليلة التي تهيم عبر هذه ~~الحشائش الفقيرة أحيانا. بدا من حلقات إحدى الأشجار ~~الصغيرة، التي يصل طولها إلى ثلاث بوصات، أن عمرها ~~ستة وعشرون عاما، وأنها ذات ساق قصيرة في سمك ~~أعواد شمع الأختام. يا لها من مسألة عجيبة، ويا له ~~من صراع للقوى، ذلك الذي يحدد نوع كل نبات ~~ونسبته في ياردة مربعة من الأرض! يبدو لي الأمر ~~عجيبا بحق! ورغم ذلك نسمح للدهشة أن تنتابنا حين ~~ينقرض ms455 أحد الحيوانات أو النباتات. # يؤسفني أنك لن تكون في النادي. أرى أن السيدة هوكر ~~ستذهب إلى يارموث؛ أرجو ألا تكون حالة أطفالكم الصحية ~~هي السبب. إلى اللقاء. # صديقك إلى الأبد # سي داروين # ملحوظة: # أعتقد أنك تخشى أن ~~ترسل لي قرنا ناضجا من أحد أجناس فصيلة البقوليات، خوفا من ~~أن أجعله يطفو من نيوزيلاندا إلى تشيلي! # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 5 يونيو ~~[1857] # عزيزي هوكر # أقدر اهتمامك الحثيث بشأن الميداليات [ميداليات ~~الجمعية الملكية]. الحمد لله! أنا لست سوى هاو ~~(لكنني هاو شديد الاهتمام) في المجال. # لدي اعتقاد قديم أن الخير في إعطاء الميداليات ~~لشباب في مرحلة مبكرة من حياتهم المهنية، أكثر من ~~تقديمها على سبيل المكافأة إلى رجال أشرفت حياتهم ~~العلمية على النهاية. أما مسألة ما إن كان في ~~الميداليات أي خير، فهي لا تعنينا، ما دامت ~~الميداليات موجودة. أكاد أميل للاعتقاد بأنه من الأحرى ~~خفض المعايير، وإعطاء الميداليات لعلماء شباب عن ~~إعطائها إلى علماء كبار دون استحقاقات «خاصة». ~~وفيما يتعلق بالاستحقاقات الخاصة، أعتقد أنه مما يستحق ~~اهتمامك أنه عند إقرار الاستحقاقات العامة، سيحدث ~~تراخ شديد في منح الميداليات؛ فلتفكر في حالة رجل ~~شديد الثراء، ساهم «فقط» بماله، لكن بدرجة كبيرة، أو ~~شخص نادر الوجود مثل أحد الوزراء الذي اهتم حقا ~~بالعلم. هل ستعطي هؤلاء الرجال ميداليات؟ ربما ليس ~~هناك أفضل من وهب الميداليات لهؤلاء الرجال «دون ~~غيرهم». لكن أقر أنني في الوقت الحالي أميل لمساندة ~~الاستحقاقات الخاصة التي يمكن إثباتها على ~~الورق. # إنني في غاية الحيرة بإيضاحك أنه لا توجد أمثلة ~~واضحة على قانوني (أو بالأحرى قانون ووترهاوس) عن ~~التباين الشديد لحالات النمو غير الطبيعي . أخذت ~~أفكر كثيرا في ملحوظتك حول صعوبة الحكم على ~~القابلية للتباين في النباتات أو مقارنته من خلال ~~القابلية للتباين الكبيرة العامة للأجزاء. سأعتبر أن ~~القانون دحض تماما إن بحثت في ذهنك قليلا عن ~~حالات لقابلية كبيرة للتباين لعضو ما، وأخبرتني ما ~~إن كان التعرف على تلك الحالات سهلا إلى حد ما؛ ~~«فإن ms456 كان يمكن ملاحظتها»، ورغم ذلك لا تتزامن مع نمو ~~كبير أو غير طبيعي، فسيدحض ذلك القانون تماما. يبدأ ~~الأمر في ذهنك من جانب القابلية للتباين بدلا من جانب ~~الشذوذ. «ربما» يجب استبعاد الحالات التي يكون فيها ~~جزء ما متباينا بشدة في كل أنواع المجموعة، ~~باعتبارها ربما شيئا مميزا، ومرتبطا بموضوع تعدد ~~الأشكال المحير. هلا أكملت مساعدتك لي بالتفكير، ~~لقليل من الوقت، في الموضوع بهذه الطريقة؟ # انشغلت بشدة هذا الصباح بمقارنة كل ملحوظاتي حول ~~التباين في أنواع جنس الفرس المتعددة ونتائج ~~تهجينها. واستنادا لأكثر الحقائق تشابها فيما يتعلق ~~بالحمام المبارك، أعتقد أنني أستطيع أن أحدد بوضوح ~~لون وخطوط جد الحمار والحصان والكواجا والأخدر ~~والحمار الوحشي، منذ ملايين الأجيال! لقد كنت سأسخر ~~من أي شخص يدلي بهذه الملحوظة لي منذ عدة سنوات ~~مضت؛ لكن يبدو لي دليلي جيدا جدا حتى إنني سوف أنشر ~~رأيي في نهاية نقاشي القصير حول هذا الجنس. # لقد أزعجتك مؤخرا بسيل أفكاري، يا أفضل الأصدقاء ~~والفلاسفة. # الوداع # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # مور بارك، فارنام، 25 يونيو ~~[1857] # عزيزي هوكر # هذا الخطاب ليس بحاجة لرد، لكنني سأطلب منك الرد ~~متى تقابلنا. تأمل شتلات الجولق المرفقة، خاصة ~~المنزوع رأسها. الأوراق التالية للفلقات لكونها أشبه ~~بالبرسيم في شكلها تبدو لي مماثلة تماثلا طفيفا ~~للتشابهات الجنينية في الحيوانات الصغيرة، كما في ~~الخطوط الموجودة على الأسد الصغير، على سبيل المثال. ~~سوف أسألك ما إن كان الأمر كذلك ... # 2 # الدكتور لين وزوجته وحماته، الليدي درايزديل، من ~~ألطف الناس الذين قابلتهم على الإطلاق. # سوف أعود للمنزل في الثلاثين من هذا الشهر. إلى ~~اللقاء يا عزيزي هوكر. # صديقك دائما # سي داروين ~~[إن المجموعة التالية من الخطابات، التي بتواريخ مختلفة، ~~تتعلق بمسألة تباين الأجناس الكبيرة.] # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # 11 مارس [1858] # قادني لكل هذا العمل ملحوظة لفريس، مفادها أن ~~الأنواع في الأجناس الكبيرة بعضها أكثر قربا من بعض عن ~~تلك التي في أجناس صغيرة؛ وإن كان الأمر كذلك؛ ونظرا ~~لأن ms457 الضروب والأنواع بالكاد يمكن تمييز بعضها عن بعض، فقد ~~استنتجت أنه لا بد أن أجد في الأجناس الكبيرة ضروبا ~~أكثر من الأجناس الصغيرة. أرجو أن تقرأ يوما نقاشي ~~القصير حول الموضوع برمته. لقد أسديت لي خدمة عظيمة، ~~أيا كان الرأي الذي سأنتهي إليه، بلفت انتباهي، على ~~الأقل، إلى إمكانية أو احتمال تسجيل علماء النبات ~~عددا أكبر من الضروب في الأجناس الكبيرة عن الأجناس ~~الصغيرة. سيكون العمل شاقا لي لأكون صريحا في بلوغ ~~استنتاجي. # مع إخلاصي الشديد على الدوام # سي داروين # ملحوظة: # سأقضي في مهمتي ~~الحالية عدة أسابيع. لقد جعلني العمل في حالة سيئة هذا ~~الصباح، وأنا حزين بشدة لذلك؛ أوه! كم أبغض الأنواع ~~والضروب. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # 14 يوليو [1857؟] ~~... أكتب إليك الآن لألتمس منك مستجديا معروفا، ألا ~~وهو إعارتي كتاب «بورو، «نباتات وسط فرنسا»؛ سواء ~~الطبعة الأولى أو الثانية منه»، ويفضل الثانية؛ ~~وكذلك «نباتات ريجينسبيرج» للدكتور فيرنآوار في ~~«طبوغرافيا التاريخ الطبيعي في ريجينسبيرج، 1839». إن ~~كنت تستطيع توفيرهما، فهلا أرسلتهما لي في الحال إلى ~~العنوان المرفق؟ إن لم يكونا لديك، فهلا أرسلت خطابا ~~قصيرا بذلك مع عودة البريد؛ فلا بد أن أرى إن كان ~~كيبيست يستطيع العثور عليهما بأية وسيلة، وهو ما أخشى ~~أن يكاد يكون مستحيلا في المكتبة اللينية؛ حيث أعلم ~~أنهما هناك. # كنت أجري بعض الحسابات حول الضروب، إلخ، وأتحدث مع ~~لاباك أمس، حيث أشار إلى أفدح خطأ ارتكبته فيما ~~يتعلق بمبدأ ما، وهو ما يتبعه ضياع عمل أسبوعين أو ~~ثلاثة؛ وسأظل في مأزق حتى أحصل على هذين الكتابين ~~للنظر فيهما مجددا، وأرى كيف ستكون نتيجة الحسابات ~~عملا بالمبدأ الصحيح. إنني أكثر الناس بؤسا وحيرة ~~وغباء في إنجلترا بأسرها، وعلى استعداد للبكاء ~~سخطا على عمى بصيرتي واختيالي. # صديقك للأبد، شديد البؤس # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جون لاباك # داون، 14 [يوليو] ~~[1857] # عزيزي لاباك # لقد أسديتني أكبر خدمة على الإطلاق بمساعدتي في ~~تصحيح أفكاري، فإن التبست علي كل الموضوعات كما هي ~~ملتبسة في النسب والاحتمالات، ms458 فكيف سيكون الكتاب الذي ~~سأخرج به؟! # لقد قسمت نباتات نيوزيلاندا كما اقترحت. ثمة ~~339 نوعا في الأجناس المكونة من أربعة أنواع أو ~~أكثر، و323 نوعا في تلك المكونة من ثلاثة أو ~~أقل. # من بين ال 339 نوعا 51 نوعا تضم ضربا واحدا أو ~~أكثر، ومن بين ال 323 نوعا، هناك 37 فقط هكذا. ~~تناسبيا (339 : 323 :: 51 : 48,5) لا بد أن يكون ~~هناك 48,5 نوعا تضم ضروبا. هكذا تمضي الحالة كما ~~أريد، لكنها ليست بالقوة الكافية؛ حيث إنها ليست عامة، ~~حتى أثق فيها كثيرا. إنني على اقتناع تام أن طريقتك ~~هي الطريقة الصحيحة؛ لقد فكرت فيها، لكنني لم أكن ~~لأستخدمها لولا أن أسعدني حظي بحديثي معك. # يروعني بشدة أن أجد أنني أقع في الحيرة بسهولة؛ ~~فقد أوليت الموضوع تفكيرا كثيرا من قبل، ووصلت ~~إلى أن طريقتي كانت صحيحة. لكنها خاطئة لحد ~~فظيع. # يا له من خطأ فظيع ذلك الذي أنقذتني منه! وهو ما ~~أشكرك عليه من كل قلبي. # صديقك دائما # سي داروين # ملحوظة: # يكفي هذا ليجعلني ~~أمزق مخطوطتي بالكامل وأستسلم يائسا. # ستستغرقني مراجعة كل ما لدي من مواد عدة أسابيع. ~~لكن، أوه، ليتك تعلم كم أنا ممتن لك! # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، أغسطس ~~[1857] # عزيزي هوكر # كم من المحزن لحد فظيع أنك لن تستطيع القدوم ~~قريبا، وإنني أؤنب نفسي على عدم الكتابة إليك قبل ~~ذلك. لا بد أنك في غاية الانشغال مع مجموعة علماء ~~النبات في كيو. تخيل الأمر؛ لقد تلقيت للتو خطابا من ~~هنزلو، يقول فيه إنه سيأتي إلى هنا بين الحادي عشر ~~والخامس عشر من هذا الشهر! أليس هذا خبرا رائعا؟ ~~أشكرك كثيرا على بحثك عن كتاب فيرنآوار. لا بد أن ~~ألتمس متضرعا من كيبيست البحث عنه؛ لقد تكرم غاية ~~الكرم بإرسال كتاب بورو لي. # أصبح لدي اهتمام بالغ بجدولة الأنواع التي لها ~~ضروب مميزة بحروف يونانية أو بطريقة أخرى، وذلك ~~وفقا لحجم الأجناس فحسب؛ تبدو لي النتيجة (للحد الذي ~~بلغته حتى الآن) إحدى أهم ms459 الحجج التي قابلتها حتى ~~الآن؛ وهي أن الضروب ليست إلا أنواعا صغيرة، أو أن ~~الأنواع ليست سوى ضروب مميزة بشدة. الموضوع بطرق ~~عديدة في غاية الأهمية بالنسبة لي؛ لذا أرجوك بشدة أن ~~تذكر لي أي أعمال متقنة عن النباتات الخاصة بإقليم ~~معين، بها من ألف لألفي نوع، ومميز بها الضروب. من ~~الجيد أن يكون لدينا علماء تصنيف يميلون إلى وضع ~~العديد من الأنواع وآخرون لوضع القليل منها. لقد ~~طالعت، أو ما زلت أطالع أعمال التالية أسماؤهم: # بابينجتون # نباتات بريطانيا # هنزلو ~~«كتالوج لندن». لإتش سي واطسون # بورو # فرنسا # ميكيل # هولندا # آسا جراي # شمال الولايات المتحدة # هوكر # نيوزيلاندا # أجزاء من نباتات الهند # وولستن # حشرات ماديرا # ألم ينشر كوخ كتابا جيدا عن النباتات الألمانية؟ ~~هل يميز فيه الضروب؟ هل تستطيع أن ترسله لي؟ ألا ~~يوجد عمل جيد عن النباتات الروسية، مميز فيه ~~الضروب؟ لا بد أن تكون تلك الأعمال معروفة. # يمكنني الانتظار عدة أسابيع. هلا قلبت الأمر في ~~رأسك إن أتيح لك فراغ من الوقت على الإطلاق؟ يحمل ~~الموضوع أهمية كبيرة لعملي، رغم أنني أرى «عدة» أسباب ~~للخطأ. # من تشارلز داروين إلى آسا جراي # داون، 21 فبراير ~~[1859] # عزيزي جراي # في خطابي الأخير لم ألتمس منك معروفا، لكني في هذا ~~سأفعل؛ إلا أن تلبيته ستكلفك القليل جدا من المشقة، ~~وسوف تكون خدمة «جليلة» جدا لي، والأمر متعلق ~~بملحوظة أبداها لي هوكر، وهي التي لا أستطيع تصديقها، ~~والتي قد أوحى له بها أحد خطاباتي. لقد اقترح أن ~~أسألك، وأنا أخبرته أنني لن أبوح بأدنى تلميح برأيه. ~~إنني بوجه عام أثق تماما في هوكر، لكنه أحيانا ~~يكون - على ما أظن، وهو يعترف بهذا - مبالغا في النقد ~~بعض الشيء، وتبدو لي براعته في اكتشاف الأخطاء جديرة ~~بالتقدير. ها هو سؤالي: «هل تعتقد أن علماء النبات ~~الأكفاء عند وضع أعمال عن النباتات المحلية؛ سواء ~~كانت كبيرة أو صغيرة، أو إنشاء ملخص تجميعي مثلما ~~فعل دي كوندول، سوف يتجهون بصورة شبه عامة، لكن دون ~~قصد أو دون وعي، إلى ms460 تسجيل الضروب (بعبارة أخرى، ~~تمييزها بالحروف اليونانية وإعطائها وصفا قصيرا) ~~الخاصة بالأجناس الكبيرة أم الخاصة بالصغيرة؟ أم سيكون ~~الاتجاه لتسجيل الضروب على نحو متكافئ في كل الأجناس ~~بغض النظر عن حجمها؟ هل ترى بعد التفكير في الأمر أنك ~~كنت تهتم بالضروب سواء في الأجناس الكبيرة أو ~~الصغيرة، أو الصغيرة جدا، وتسجلها باهتمام ~~كبير؟» # أعلم أن الضروب كثيرا ما تكون أشياء عابرة وتافهة؛ ~~لكن استفساري يتعلق بما اعتقد أنه جدير بالتمييز ~~والتسجيل. إن استطعت استقطاع وقت لترسل لي ردا ~~بالغ الإيجاز على هذا، قريبا جدا، فستكون قد أسديت ~~خدمة كبيرة لي. # مع بالغ امتناني وإخلاصي # سي داروين # ملحوظة: # هل تعلم ما إن كان ~~أي أحد قد نشر أي ملحوظات حول النطاق الجغرافي لانتشار ~~ضروب النباتات مقارنة بالأنواع التي يفترض انتماؤها إليها؟ ~~لقد حاولت دون جدوى الوصول ولو لفكرة مبهمة حول الأمر، لكنني ~~منيت بفشل ذريع، فيما عدا القليل من المعلومات التي أمدني ~~بها السيد واطسون في هذا الموضوع في بحث عن أصداف اليابسة في ~~الولايات المتحدة؛ لكن ربما سيكون من الصعب عليك أن تعطيني ولو ~~إجابة موجزة في هذا الموضوع؛ لذا إن كان الأمر كذلك، فإنني ~~أؤكد لك أنني لست من الحماقة حتى أتوقعها منك. # إن كنت ستكتب إلى إنجلترا قريبا، فيمكنك إرفاق خطابات أخرى ~~لي لأرسلها. # أرجو مراعاة أن السؤال ليس ما إن كان ثمة عدد أكبر أو ~~أقل من الضروب في الأجناس الكبيرة أو الصغيرة، لكن ما إن كان ~~الاتجاه في أذهان علماء النباتات لتسجيل تلك الخاصة بالأجناس ~~الكبيرة أم الصغيرة. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 6 مايو ~~[1858] ~~... أرسل لك مع هذا الخطاب مخطوطتي حول مسألة «شيوع» ~~الأنواع و«نطاق انتشارها» و«تباينها» في الأجناس ~~الكبيرة والصغيرة. لقد اضطلعت بمهمة شاقة حين تكرمت ~~بلطف شديد وعرضت علي قراءتها، وأنا أشكرك على هذا ~~بشدة. لقد صححت النسخة للتو، وشعرت بخيبة أمل حين ~~وجدت كم هي صعبة ومبهمة؛ لكنني لا أستطيع أن أجعلها ~~أوضح من ذلك، بل إنني في الوقت ms461 الحالي لا أطيق مجرد ~~رؤيتها. يحتاج الأسلوب إلى المزيد من التنقيح بالطبع، ~~وإن نشرتها، فيجب أن أحاول فعل ذلك، لكنني الآن لا ~~أعرف كيف أجعلها أوضح. # إن كان لديك الكثير لتقوله وتستطيع التحلي بالصبر ~~للنظر في الموضوع بأسره، فسوف ألقاك في لندن في ~~اجتماع النادي الفلسفي، حتى أوفر عليك عناء ~~الكتابة. بحق السماء، يا أيها الحكم والمتشكك ~~القاسي الرهيب، فلتتذكر أن استنتاجاتي قد تكون صحيحة، ~~رغم أن علماء النبات ربما سجلوا ضروبا أكثر في ~~الأجناس الكبيرة عن الصغيرة. يبدو لي الأمر مجرد ~~ترجيح لأحد الاحتمالات. مرة أخرى أتقدم إليك ~~بخالص الشكر، لكنني أخشى أنك ستجده عملا ~~مريعا. # صديقك إلى الأبد # سي داروين # ملحوظة: # كالعادة جعلني ~~العلاج المائي متمتعا بالعافية لوقت قصير؛ أرجو أن تتحسن صحة ~~السيدة هوكر كثيرا مع البحر. # من تشارلز داروين إلى إيه آر والاس # داون، 22 ديسمبر، 1857 # سيدي العزيز # شكرا على خطابك الذي بتاريخ 27 سبتمبر. إنني في ~~غاية السعادة لمعرفة أنك تدرس مسألة التوزيع بالاتساق ~~مع الأفكار النظرية. إنني على إيمان راسخ بأنه دون ~~التخمين لا تتأتى ملاحظة جيدة أو أصيلة. قليل هم ~~الرحالة الذين اهتموا بنقاط كالتي تعمل عليها الآن، ~~وبالطبع إننا متأخرون بشدة في موضوع توزيع الحيوانات ~~مقارنة بذلك الخاص بتوزيع النباتات. تقول إنك دهشت ~~بعض الشيء لعدم إعطاء بحثك في مجلة «أنالز آند ~~ماجازين أوف ناتشورال هيستوري» أي اهتمام. لا أستطيع ~~أن أقول إنني كذلك؛ فقليل جدا من علماء التاريخ ~~الطبيعي يهتمون بأي شيء خارج حدود وصف الأنواع. غير ~~أنك يجب ألا تفترض أنه لم يهتم أحد ببحثك؛ فقد لفت ~~انتباهي إليه اثنان من الرجال الأكفاء جدا، وهما ~~السير سي لايل والسيد إي بلايث من كلكتا. ورغم اتفاقي ~~معك في استنتاجاتك في هذا البحث، فأعتقد أنني ذهبت ~~لأبعد منك كثيرا؛ لكن الموضوع أطول كثيرا من أن ~~أضعه في حيز تخميناتي. لم أطلع بعد على بحثك حول ~~توزيع الحيوانات في جزر آرو. سوف أقرؤه بأقصى قدر من ~~الاهتمام؛ إذ أعتقد أنها أكثر الأماكن ms462 مدعاة ~~للاهتمام في الكرة الأرضية بأسرها فيما يتعلق ~~بالتوزيع، وطالما أقدمت على محاولات غير تامة بالمرة ~~لجمع بيانات عن أرخبيل الملايو. سوف أكون على ~~استعداد تام لتأييد نظريتك عن الهبوط؛ قطعا، بناء ~~على دليل الشعاب المرجانية المستقل تماما، لونت ~~خريطتي الأصلية لجزر آرو (في عملي عن الشعاب ~~المرجانية) باعتبارها منطقة هبوط، لكنني تراجعت ~~وتركتها دون تلوين. لكن أستطيع أن أرى أنك تنزع ~~للذهاب إلى ما هو أبعد في مسألة الاتصال السابق بين ~~الجزر المحيطية والقارات أكثر مني؛ فمنذ قول إي فوربس ~~المسكين بهذه النظرية وكثيرون يؤيدونها بحماس؛ ويناقش ~~هوكر باستفاضة الاتصال السابق بين كل جزر القطب ~~الجنوبي ونيوزيلاندا وأمريكا الجنوبية. منذ عام مضى ~~ناقشت هذا الموضوع كثيرا مع لايل وهوكر (فسأحتاج إلى ~~تناوله)، وكتبت ما لدي من حجج معارضة؛ لكن قد يسرك ~~أن تعرف أن لايل وهوكر كليهما لم يعتدا بحججي. ~~بيد أنني، للمرة الوحيدة في حياتي، تجاسرت على تحدي ~~فطنة لايل التي تكاد تكون خارقة للطبيعة. # لقد سألتني عن أصداف اليابسة التي على جزر بعيدة ~~جدا عن القارات؛ ماديرا بها قلة متشابهة مع تلك ~~التي في أوروبا، والدليل هنا قوي حقا؛ حيث إن ~~بعضها جزئي التحفر. في جزر المحيط الهادئ هناك ~~حالات من التطابق، وهي ما لا أستطيع في الوقت الحالي ~~إقناع نفسي بتفسير وجوده بالاستقدام عن طريق الإنسان؛ ~~وإن كان الدكتور أوجستس جولد قد بين بنحو قاطع أن ~~العديد من أصداف اليابسة قد انتشر في أنحاء جزر ~~المحيط الهادئ عن طريق الإنسان؛ حالات الاستقدام هذه ~~غاية في الإزعاج. ألم تجد الأمر كذلك في أرخبيل ~~الملايو؟ لقد بدا لي في قوائم ثدييات تيمور وجزر ~~أخرى، أن «العديد» منها على الأرجح قد توطن. # لقد سألتني ما إن كنت سأناقش مسألة «الإنسان». ~~أعتقد أنني سأتجنب الموضوع برمته، لما يحيط به من ~~تحيزات جمة؛ وإن كنت أقر تماما أنه أكبر ~~المشكلات التي يواجهها عالم التاريخ الطبيعي وأكثرها ~~إثارة لاهتمامه. إن كتابي، الذي ما زلت أعمل فيه ~~منذ ما يقرب من عشرين عاما، ms463 لن يصحح أو يحسم أي ~~شيء؛ لكن أرجو أن يساعد في تقديم مجموعة كبيرة من ~~الحقائق فيما يتعلق بغرض واحد محدد. إنني أتقدم على ~~مهل شديد، من ناحية بسبب سوء الحالة الصحية، ومن ~~ناحية أخرى لأنني أعمل على نحو بطيء جدا. لقد ~~كتبت نصفه تقريبا؛ لكن لا أعتقد أنني سأنشره قبل ~~بضعة أعوام؛ فما زلت منذ ثلاثة أشهر كاملة في فصل ~~واحد عن التهجين! # يدهشني أنك تتوقع البقاء بالخارج ثلاثة أو أربعة ~~أعوام أخرى. يا له من قدر رائع ذلك الذي ستراه، وكم هي ~~مناطق مثيرة للاهتمام، أرخبيل الملايو العظيم وأجزاء ~~أمريكا الجنوبية الأكثر ثراء! إنني أقدر وأجل ~~لأقصى درجة حماسك وشجاعتك في سبيل علوم التاريخ ~~الطبيعي؛ ولك مني أصدق وأعز أمنياتي الطيبة بالنجاح ~~في كل شيء، وأرجو أن تنجح كل نظرياتك، عدا التي عن ~~الجزر المحيطية؛ إذ إنه هو الموضوع الذي سأحاربه ~~بحق حتى الموت. # لك مني كل الصدق والإخلاص يا سيدي ~~العزيز # سي داروين # من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس # 8 فبراير [1858] ~~... أكد كثيرا في العمل في كتابي، ربما أكثر من ~~اللازم. سوف يكون كتابا كبيرا جدا، وأنا مهتم ~~بشدة بطريقة تصنيف الحقائق. إنني مثل الملك كريسس؛ ~~فقد استحوذت علي ثروتي من الحقائق، وأنوي أن أجعل ~~كتابي ممتازا بقدر ما أستطيع؛ لذا فلن أذهب به ~~للمطبعة قبل بضعة أعوام على أقل تقدير. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # 23 فبراير [1858] ~~... لم أنبهر كثيرا بباكل العظيم، كذلك راقت لي ~~الطريقة التي دافعت بها عن الاستنتاج والاستقراء. ~~إنني أقرأ كتابه [«تاريخ الحضارة»] وهو، بما به من ~~كثير من السفسطة، كما يبدو لي، «رائع» في حجته ~~وأصالته، ويضم معلومات مذهلة. # لاحظت إعجابك التام بأداء السيدة فارار لأغنية «في ~~هذا القبر المظلم» («إن كويستا تومبا أوسكيورا») ~~بألحان بيتهوفن؛ ثمة شيء مهيب في نبرات صوتها ~~العذب. # الوداع. لقد كتبت هذا الخطاب جزئيا لكي أتوقف عن ~~التفكير في خلايا النحل؛ فالموضوع يكاد يثير جنوني ~~وأنا أحاول فهم الخطوات البسيطة التي قد تنتج ms464 عنها كل ~~هذه الزوايا العجيبة. # سررت للغاية برؤية السيدة هوكر يوم الجمعة؛ كم ~~تبدو في حال طيب! # فلتسامحني صديقك المحب الذي لا يطاق # سي داروين # من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس # داون، 16 أبريل ~~[1858] # عزيزي فوكس # أريدك أن تعير اهتمامك لنقطة واحدة من أجلي، وهي ~~التي تثير اهتمامي لأقصى درجة، ولن تكلفك أي عناء ~~أكثر من الانتباه الشديد، وتلك عادة أعرف جيدا أنها ~~لديك. # أجد أن الخيول بألوانها المختلفة كثيرا ما يكون ~~لديها شريط أو خط بامتداد ظهرها وهو الذي يكون لونه ~~بدرجة مختلفة وأدكن من لون بقية الجسم؛ وفي حالات ~~نادرة توجد خطوط عرضية على القوائم، بوجه عام على ~~الجانب السفلي من القوائم الأمامية، وفي حالات أكثر ~~ندرة يوجد خط عرضي باهت جدا على المناكب مثل ~~الحمار. # هل ثمة أي سلالة أقزام خيل في غابة ~~ديلامير؟ لقد وجدت القليل عن أقزام الخيل في هذه ~~النواحي. أعتقد أن السير بي إيجرتون لديه بعض الخيول ~~الكستنائية الأصيلة تماما؛ هل لدى أي منها خط على ~~الظهر؟ كثيرا ما يكون لدى أقزام الخيل، أو بالأحرى ~~الخيول الصغيرة، ذات اللون الرمادي المائل للبني ~~خطوط على الظهر والقوائم؛ وهكذا الحال لدى الخيول ~~الصهباء (وبالصهباء أقصد لون القشدة المختلط باللون ~~البني أو الكميت أو الكستنائي). الخيول الكستنائية ~~أيضا لديها أحيانا، لكنني لم أصادف بعد في الخيول ~~الكستنائية أو خيول السباق أو الخيول الكبيرة الحجم ~~المستخدمة في جر العربات، حالة لديها خط على الظهر. ~~إن أي حقائق من هذه النوعية عن تلك الخطوط في ~~الخيول ستكون «بالغة» الفائدة لي. توجد حالة موازية ~~في قوائم الحمير، وقد جمعت بعض الحالات الغريبة لظهور ~~خطوط في عدة حيوانات خيلية مهجنة. لدي كذلك ~~كم كبير من الحقائق الموازية عن وجود خطوط في ~~الأجنحة في سلالات الحمام. «أعتقد» أن هذا الأمر ~~سيلقي الضوء على لون الخيول البدائية؛ لذا فلتعاونني ~~في هذا الأمر إذا سمحت لك الظروف. كانت حالتي الصحية ~~في تدهور شديد مؤخرا من الإجهاد الشديد في العمل، ~~وسوف أذهب يوم ms465 الثلاثاء من أجل العلاج المائي لمدة ~~أسبوعين. إن عملي لن ينتهي. الوداع. # عزيزي فوكس، أرجو أن تكون على ما ~~يرام # الوداع # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # مور بارك، فارنام [26 أبريل، ~~1858] ~~... لقد أدخل خطاب لايل السرور على سويداء قلبي للتو. ~~لقد قلت له (أو قال لي) إنني أعتقد من سمات نباتات ~~جزر الأزور أنه لا بد أن الجبال الجليدية قد انجرفت ~~إلى هناك؛ وإنني أتوقع العثور على جلاميد جرفتها ~~الأنهار الجليدية بين طبقات الحمم البركانية ~~المرتفعة؛ وجعلت لايل يكتب إلى هارتونج ليسأله عن ~~ذلك، ويقول هارتونج إن سؤالي يفسر ما كان يحيره، ~~ألا وهو وجود جلاميد كبيرة (بعضها مصقول) من الشيست ~~الميكائي والكوارتز والحجر الرملي، وغيرها، بعضها ~~مغروز، والبعض الآخر على ارتفاع من أربعين إلى خمسين ~~قدما فوق مستوى سطح البحر، حتى إنه كان قد استنتج ~~أنها لم ترد على هيئة صابورة السفن. أليس هذا شيئا ~~جميلا؟ # لقد تحسنت حالتي الصحية بعض الشيء مع العلاج ~~المائي، لكنني لست على حال يجعلني أزهو بنفسي اليوم؛ ~~لذا فإلى اللقاء. # مع خالص تحياتي يا صديقي العزيز # سي دي # من تشارلز داروين إلى سي لايل # مور بارك، فارنام، 26 أبريل ~~[1858] # عزيزي لايل # لقد أتيت هنا لقضاء أسبوعين للخضوع للعلاج ~~المائي؛ إذ بلغت معدتي حالا مريعا من العمل ~~المتواصل. إنني في غاية الامتنان لك لإرسالك خطاب ~~هارتونج المثير للاهتمام لي. إن الجلاميد التي جرفتها ~~الأنهار الجليدية مذهلة؛ إنها من الحالات الكبرى ~~للجليد العائم في مقابل الأنهار الجليدية. لقد كان ~~حريا به أن يقارن بين السواحل الشمالية والسواحل ~~الجنوبية للجزر. إن هذا الموضوع يثير اهتمامي لأقصى ~~درجة؛ فقد كتبت فصلا طويلا جدا حوله، جامعا ~~بإيجاز كل الأدلة الجيولوجية حول تأثير الأنهار ~~الجليدية في مناطق شتى من العالم، ثم ناقشت بإسهاب ~~(فيما يتعلق بنظرية تغير الأنواع) هجرة النباتات ~~والحيوانات وتعديلها، في البحر والبر، في جزء كبير من ~~العالم. سيلقي الأمر، من وجهة نظري، فيضا من الضوء ~~على موضوع التوزيع برمته، إذا اجتمع مع ms466 مسألة ~~تعديل الأنواع. في واقع الأمر، إنني أقدم على الحديث ~~في هذا الأمر ببعض الثقة؛ حيث إن هوكر، منذ عام ~~تقريبا، تفضل بقراءة فصلي بعناية، ورغم أنه اعترض ~~بشدة على الاستنتاج العام، فقد سررت بما بلغني من ~~أسبوع أو اثنين من أنه مال للاقتناع الشديد بآرائي ~~حول التوزيع والتغيير خلال العصر الجليدي. لقد تلقيت ~~خطابا من تومسون، من كلكتا، منذ بضعة أيام، والذي ~~فيه عون كبير لي، حيث إنه يبين فيه الحرارة التي ~~تستطيع نباتات المنطقة المعتدلة تحملها. لكن الموضوع ~~أطول كثيرا من أن يناقش في خطاب؛ وإنني لم أكتب إلا ~~لأن خطاب هارتونج قد أثار الموضوع برمته في ذهني مرة ~~أخرى. لكنني لن أكتب أكثر من ذلك؛ فغرضي هنا هو عدم ~~التفكير في شيء، والخضوع للاستحمام كثيرا، والسير ~~كثيرا، والأكل كثيرا، وقراءة الكثير من الروايات. ~~الوداع، وشكرا جزيلا، وأطيب تحياتي لليدي ~~لايل. # المخلص دائما # سي داروين # من تشارلز داروين إلى السيدة داروين # مور بارك، الأربعاء، أبريل ~~[1858] # الطقس رائع للغاية. أمس، بعد الكتابة إليك، سرت ~~لمدة ساعة ونصف متخطيا فسحة الغابة بقليل، واستمتعت ~~بشدة بكل شيء؛ فاللون الأخضر الزاهي رغم دكانته ~~لأشجار الصنوبر الاسكتلندي الهائلة، واللون البني ~~للسنبلات المتدلية لأشجار القضبان القديمة، بجذوعها ~~البيضاء، واللون الأخضر البعيد لأشجار اللاركس شكلت ~~جميعا منظرا بالغ الجمال. وفي النهاية، استغرقت في ~~سبات عميق على الحشائش، واستيقظت على جوقة من الطيور ~~تشدو حولي، وسناجب تجري صاعدة الأشجار، وبعض طيور ~~نقار الخشب تضحك، وكان المشهد من أكثر المشاهد الريفية ~~المبهجة التي رأيتها على الإطلاق، ولم أفكر ولو للحظة ~~كيف خلقت أي من هذه الحيوانات أو الطيور. جلست في ~~غرفة الاستقبال حتى بعد الساعة الثامنة، ثم ذهبت ~~وقرأت ملخص القاضي للقضية، ورأيت أن برنار مذنب. [لقد ~~حوكم سيمون برنار في أبريل 1858 بتهمة التواطؤ مع ~~أورسيني في محاولته اغتيال إمبراطور فرنسا. وكان الحكم ~~أنه «غير مذنب».] ثم قرأت قليلا من روايتي، التي كانت ~~ذات طابع أنثوي وتتحدث عن الفضيلة والتدين والخير ~~وما إلى ذلك، لكنها مملة ms467 بلا جدال. أقول إنها ذات ~~طابع أنثوي، لأن المؤلفة جاهلة بأمور المال، وليست ~~سيدة راقية بمعنى الكلمة - فهي تجعل رجال روايتها ~~يقولون: «سيدتي». تروق لي الآنسة كريك كثيرا، رغم ~~أننا انخرطنا في بعض المشاحنات، ونختلف في كل ~~الموضوعات. يروق لي كذلك السيد المجري؛ فهو رجل مهذب ~~للغاية، وكان ملحقا دبلوماسيا سابقا في باريس، ثم ~~عمل في سلاح الفرسان النمساوي، والآن يعيش في المنفى، ~~بعد صدور العفو عنه، في حالة صحية متدهورة. ويبدو أنه ~~لا يحب كوشوث، لكنه يقول إنه على يقين أنه شخص وطني ~~مخلص، وفي غاية النباهة والفصاحة، لكنه ضعيف، وبلا ~~عزيمة. # الفصل الثالث عشر # | كتابة كتاب «أصل الأنواع» # 18 يونيو 1858 إلى نوفمبر 1859 ~~[تحكي الخطابات الواردة في الفصل الحالي قصتها بوضوح واف، ولا ~~تحتاج سوى إلى كلمات قليلة على سبيل التفسير. إن مقال السيد ~~والاس، المشار إليه في الخطاب الأول، حمل العنوان الفرعي: «عن ~~ميل الضروب إلى الاختلاف كليا عن نمطها الأصلي»، ونشر في ~~دورية «جورنال أوف ذا بروسيدينجز أوف ذا لينيان سوسايتي» (1858، ~~المجلد الثالث، صفحة 53) كجزء من البحث المشترك ل «السيدين سي ~~داروين وإيه والاس» الذي كان عنوانه بالكامل: «عن ميل الأنواع ~~لتكوين الضروب؛ وعن ديمومة نشوء الضروب والأنواع عن طريق الانتقاء ~~الطبيعي». # تألف إسهام أبي في البحث من الآتي: مقتطفات من ملخص عام 1844؛ ~~وجزء من خطاب موجه للدكتور آسا جراي، بتاريخ 5 سبتمبر، 1857، ~~وهو يرد في الصفحة 120. وقد «أرسل» البحث للجمعية اللينية السير ~~تشارلز لايل والسير جوزيف هوكر، اللذان جاء في خطابهما التمهيدي ~~بيان توضيحي بظروف الحالة. # لقد كتبا في إشارة إلى مقال السيد والاس قائلين: # قدر بشدة السيد داروين الآراء المعروضة في هذا المقال، حتى ~~إنه اقترح، في خطاب إلى السير تشارلز لايل، الحصول على موافقة ~~السيد والاس للسماح بنشره المقال بأسرع وقت ممكن. وقد أيدنا ~~هذه الخطوة بدرجة كبيرة، على ألا يحجب السيد داروين عن العامة، ~~كما كان ميالا بشدة (لصالح السيد والاس)، الملخص الذي كتبه ~~بنفسه حول الموضوع نفسه، والذي قرأه أحدنا ms468 قراءة متمعنة عام ~~1844، كما ذكر من قبل، وكان كلانا مطلعين على محتوياته منذ عدة ~~سنوات. وحين اقترحنا هذا على السيد داروين، سمح لنا باستخدام ~~ملخصه، وغير ذلك، بالطريقة التي نراها مناسبة، وعند تبني ~~المسار الحالي، بتقديمه للجمعية اللينية، أوضحنا له أننا لا نضع في ~~اعتبارنا حقه وحق صديقه النسبيين في الأسبقية فحسب، وإنما مصلحة ~~العلم عامة.] ~~(1) الخطابات # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، 18 [يونيو ~~1858] # عزيزي لايل # منذ عام تقريبا نصحتني بقراءة بحث لوالاس كان قد ~~أثار اهتمامك في مجلة «أنالز آند ماجازين أوف ناتشورال ~~هيستوري»؛ وحيث إن هناك مراسلات فيما بيننا، كنت أعلم ~~أن هذا سيسعده كثيرا؛ لذا أخبرته به. لقد أرسل لي ~~اليوم المقال المرفق، وطلب مني أن أرسله إليك. وهو ~~يبدو لي جديرا جدا بالقراءة. لقد تحققت كلماتك ~~لدرجة كبيرة - بأنني سوف أسبق. لقد قلت هذا حين ~~شرحت لك هنا بإيجاز شديد آرائي عن «الانتقاء ~~الطبيعي» القائم على الصراع من أجل البقاء. لم أر ~~قط صدفة مدهشة كهذه؛ لو كان لدى والاس ملخص ~~مخطوطتي الذي كتبته عام 1842، ما كان سيستطيع وضع ~~ملخص قصير أفضل من هذا! حتى مصطلحاته تعد الآن ~~عناوين لفصولي. أرجوك أن تعيد لي المخطوطة، التي لم ~~يقل إن كان يريد أن أنشرها أم لا، لكنني بالطبع سوف ~~أكتب في الحال لأي دورية وأعرض إرسالها إليها. هكذا ~~سوف يدمر كل ما في عملي من أصالة، أيا كان قدره، ~~رغم أن كتابي، إن كان سيصبح له أي قيمة على الإطلاق، ~~لن يتأثر؛ إذ إن قوام العمل كله يتمثل في تطبيق ~~النظرية. # أرجو أن تستحسن ملخص والاس، حتى يتسنى لي أن ~~أخبره بما ستقوله. # عزيزي لايل، صديقك الوفي جدا # سي داروين # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، الجمعة [25 يونيو، ~~1858] # عزيزي لايل # آسف جدا على إزعاجك، مع كل انشغالك، في مسألة ~~شخصية محضة، لكنك إن أعطيتني رأيك المتروي، ~~فستسدي لي أجل خدمة قدمها أحد لي على الإطلاق؛ ~~فأنا لدي ثقة تامة في حكمك وأمانتك. # لا ms469 يوجد شيء في ملخص والاس لم يدون على نحو ~~أوفى في ملخصي، الذي نسخ عام 1844، وقرأه هوكر منذ ~~نحو اثني عشر عاما. ومنذ عام تقريبا أرسلت ملخصا ~~قصيرا، لدي نسخة منه، لآرائي (بسب التشابه في عدة ~~نقاط) لآسا جراي، بحيث أستطيع أن أقول وأثبت بكل حق ~~أنني لم آخذ شيئا من والاس. وسوف يسرني كثيرا أن ~~أنشر الآن ملخصا بآرائي العامة في اثنتي عشرة صفحة ~~أو نحو ذلك، لكنني لا أستطيع أن أقنع نفسي أن فعلي ~~هذا يعد فعلا شريفا. لم يقل والاس شيئا بشأن ~~النشر، وقد أرفقت خطابه. لكن حيث إنني لم أكن أنوي ~~نشر أي ملخص، فهل يعد هذا فعلا شريفا، وقد أرسل ~~لي والاس ملخصا بنظريته؟ أفضل أن أحرق كتابي ~~كاملا، على أن يعتقد هو أو أي شخص آخر أنني قد تصرفت ~~بخسة. ألا تعتقد أنه بإرسال هذا الملخص يقيدني؟ إن ~~استطعت النشر ولم يكن هذا فعلا خسيسا، فسأصرح بأنني ~~حملت على نشر ملخص الآن (وسيسرني كثيرا أن يسمح ~~لي القول بأن ذلك كان اتباعا لنصيحتك التي أسديتني ~~إياها منذ وقت طويل) بسبب ما كان من والاس من إرسال ~~الخطوط العريضة لاستنتاجاتي العامة لي. إن اختلافنا ~~الوحيد [هو] أن ما قادني لآرائي هو ما فعله الانتقاء ~~الاصطناعي بالحيوانات الداجنة. وسأرسل لوالاس نسخة من ~~خطابي إلى آسا جراي؛ لأثبت له أنني لم أسرق نظريته. ~~لكن لا أعرف ما إن كان نشره الآن سيكون تصرفا حقيرا ~~وخسيسا أم لا. كان هذا انطباعي الأول، وكنت ~~سأتصرف تبعا له دون شك لولا خطابك. # هذه مسألة تافهة لأزعجك بها، لكنك لا تعلم كم ~~سأكون ممتنا لنصيحتك. # بالمناسبة، هل تمانع في إرسال هذا وردك على هوكر ~~إلي؟ فحينئذ سيكون لدي رأي أفضل وأطيب صديقين ~~لي. هذا الخطاب مكتوب بأسلوب رديء، وإنني أكتبه الآن؛ ~~لأنني قد أقصي الموضوع برمته عن تفكيري لفترة؛ فقد ~~أنهكني التفكير فيه. # فلتسامحني يا صديقي العزيز؛ فهذا خطاب تافه، متأثر ~~بمشاعر تافهة. # مع إخلاصي الشديد # سي داروين # لن أزعجك أنت ms470 أو هوكر بهذا الموضوع ثانية أبدا. # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، 26 [يونيو، ~~1858] # عزيزي لايل # فلتغفر لي إضافة ملحوظة في ذيل الخطاب لأجعل موقفي ~~أضعف ما يكون. # قد يقول والاس: «إنك لم تكن تنوي نشر ملخص بآرائك ~~حتى تلقيت خطابي؛ فهل من العدل أن تستغل أنني قد بحت ~~لك بأفكاري دون تحفظ، وطواعية، وبهذا تمنعني من أن ~~أستبقك؟» الاستغلال الوحيد الذي قد أقدم عليه هو أن ~~ما حثني على النشر معرفتي بأن والاس لديه نظريتي ~~نفسها. يبدو عسيرا علي أن أجبر هكذا على خسارة ~~أسبقيتي التي وصلت إليها قبله بسنوات عديدة، لكنني ~~أشعر أن ما فعلته ليس من العدل؛ فالانطباعات الأولى ~~صحيحة بوجه عام، وكان اعتقادي في البداية أنه من ~~المجافي للشرف أن أنشر الآن. # صديقك الوفي # سي داروين # ملحوظة: # طالما اعتقدت أنك ~~ستكون وزيرا للعدل من الطراز الأول؛ وإنني أخاطبك الآن بصفتك ~~وزيرا للعدل. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، الثلاثاء [29 يونيو، ~~1858] ~~... تلقيت خطاباتك للتو. لا أستطيع التفكير في ~~الموضوع الآن [مباشرة بعد وفاة ابنه الرضيع بالحمى ~~القرمزية]، لكنني سأفعل قريبا. لكن بوسعي أن أرى أنك ~~تصرفت بكرم بالغ، وكذلك لايل، أكثر حتى مما كان ~~بإمكاني أن أتوقع منكما، وهذا لشدة كرمكما. # يمكنني بسهولة نسخ خطابي إلى آسا جراي، لكنه قصير ~~جدا. ~~... فليباركك الرب. سيصلك الرد قريبا، بمجرد أن ~~أقوى على التفكير. # لك خالص مودتي # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # الثلاثاء ليلا [29 يونيو، ~~1858] # عزيزي هوكر # قرأت خطابك للتو، وأرى أنك تريد الأبحاث في الحال. ~~إنني في حالة من الإعياء التام، ولا أستطيع فعل أي ~~شيء، لكنني سأرسل مخطوطة والاس، وخلاصة خطابي إلى آسا ~~جراي، التي تتناول على نحو سريع وسائل التغيير فحسب، ~~ولا تشير لأسباب الاعتقاد بأن الأنواع تتغير. أعتقد أن ~~هذا كله متأخر جدا، وأكاد لا أعيره اهتماما. ~~لكنك في غاية الكرم لبذل هذا الكم الكبير جدا من ~~وقتك وعطفك. إنه لكرم بالغ، ولطف هائل. سأرسل ملخصي ~~الذي ms471 كتبته عام 1844 فقط حتى ترى خط يدك وتوقن أنك ~~قرأته بالفعل. حقا إنني لا أطيق النظر فيه، فلا ~~تضيع فيه الكثير من وقتك. من المخزي أن آبه للأسبقية ~~من الأساس. # سيوضح لك جدول المحتويات كنهه. # سأكتب ملخصا مماثلا، لكن أقصر وأدق لدورية «جورنال ~~أوف ذا بروسيدينجز أوف ذا لينيان سوسايتي». سوف أفعل ~~أي شيء. # فليباركك الرب يا صديقي العزيز الطيب. لا أستطيع ~~الكتابة أكثر من ذلك. سأرسل خادمي بكل هذا إلى ~~كيو. # تحياتي # سي داروين ~~[الخطاب التالي هو ذلك الذي أشرت إليه من قبل بوصفه جزءا ~~من البحث المشترك المنشور في دورية «جورنال أوف ذا بروسيدينجز ~~أوف ذا لينيان سوسايتي»، عام 1858]: # من تشارلز داروين إلى آسا جراي # داون، 5 سبتمبر ~~[1857] # عزيزي جراي # لا أتذكر الكلمات التي استخدمتها بالتحديد في ~~خطابي السابق، لكن ربما قلت إنني أعتقد أنك ستحتقرني ~~تماما حين أخبرك بالاستنتاجات التي توصلت إليها، وقد ~~فعلت هذا لأنني اعتقدت أنه كان لزاما علي لكوني ~~رجلا أمينا. وإنني لأكون شخصا غريبا، في ضوء كل ~~ما أدين به لكرمك الفياض جدا، إن كنت أقصد بقولي ~~هذا أن أنسب إليك أي شعور بالمرارة؛ فلتسمح لي أن ~~أخبرك أن هوكر أراني العديد من خطاباتك (غير ~~الشخصية)، قبل أن أبدأ في مراسلتك، وقد بعثت في ~~أخلص مشاعر الاحترام لك؛ ولا بد أن أكون ناكرا ~~للجميل بلا شك إن لم تكن خطاباتك، وكل ما سمعته عنك، ~~قد رسخا بقوة هذا الشعور لدي. لكنني لم أكن ~~متأكدا على الإطلاق أنك، عندما تعرف الاتجاه الذي ~~كنت قاصده، ربما تعتقد أنني شديد الجموح والحماقة في ~~آرائي (يعلم الرب أنني بلغتها بتمهل كاف، وبضمير حي ~~كما أرجو) حتى إنك ستعتقد أنني لا أستحق المزيد من ~~الاهتمام أو المساعدة. إليك مثالا واحدا: في المرة ~~الأخيرة التي رأيت فيها صديقي القديم والعزيز ~~فالكونر، هاجمني هجوما شديد الضراوة، لكن بلطف تام، ~~وقال لي: «إن الأذى الذي ستتسبب فيه يفوق الخير الذي ~~سيقدمه عشرة من علماء التاريخ الطبيعي. أستطيع أن ~~أرى أنك ms472 بالفعل «ضللت» هوكر بل أوشكت أن ~~تفسده!» هكذا حين أرى شعورا بهذه القوة لدى أقدم ~~أصدقائي، لا يمكن أن تأخذك الدهشة عندما تجدني أتوقع ~~دائما أن تقابل آرائي باحتقار. لكن يكفي ما قلته ~~في هذا الأمر. # أتقدم إليك بأصدق آيات الشكر على ما في خطابك ~~الأخير من روح طيبة. وأتفق مع كل كلمة فيه، وأعتقد ~~أنني أرى الصعوبات الشديدة التي تعترض نظريتي مثل أي ~~أحد. أما فيما يتعلق بالمدى الذي وصلت إليه، فكل ~~الحجج التي تؤيد أفكاري تتناقص «بسرعة»، كلما زاد نطاق ~~الأشكال التي تجرى دارستها. لكن مع الحيوانات، ~~يؤدي بي علم الأجنة إلى مدى هائل ومخيف. إن حقائق ~~التكيف هي أكثر ما جعلني ملتزما بالمنهج العلمي ~~التقليدي لمدة طويلة - كتل حبوب اللقاح في جنس نباتات ~~الصقلاب؛ نبات الهدال، وحبوب لقاحه التي تحملها ~~الحشرات، وبذوره التي تحملها الطيور؛ نقار الخشب، ودور ~~قدميه وذيله، ومنقاره ولسانه، في مساعدته لتسلق ~~الأشجار والحصول على الحشرات. إن الحديث عن مسئولية ~~المناخ أو العادة اللاماركية عن حالات التكيف تلك في ~~كائنات حيوية أخرى لهو أمر عقيم. وأعتقد أنني تغلبت ~~على هذه الصعوبة. وبما أنك تبدو مهتما بهذا الموضوع، ~~وحيث إنه في الكتابة إليك ومعرفة ما يجول بخاطرك، ولو ~~حتى بإيجاز شديد، منفعة «كبرى» لي، فسوف أرفق أقصر ~~ملخص (منسوخ، حتى أوفر عليك العناء في القراءة) ~~لأفكاري حول الوسائل التي تنتج بها الطبيعة أنواعها. ~~يقوم اعتقادي بتغير الأنواع على حقائق عامة في ~~القرابات وعلم الأجنة والأعضاء الأثرية والتاريخ ~~الجيولوجي والتوزيع الجغرافي للكائنات الحية. وفيما ~~يتعلق بملخصي، فلا بد أن تطمئن لأقصى درجة أن كل فقرة ~~تشغل فصلا أو فصلين في كتابي. ربما ستعتقد أنها ~~تفاهة من ناحيتي أن أطلب منك ألا تتحدث عن نظريتي ~~لأحد؛ والسبب في ذلك أنه إذا سمع بها أحد، مثل مؤلف ~~كتاب «بقايا»، فقد يدرجها في عمله بسهولة، وعندئذ ~~سوف أضطر للاقتباس من عمل ربما يحتقره علماء التاريخ ~~الطبيعي، وهذا سيقضي إلى حد كبير على أي فرصة لأن ~~يستقبل آرائي أولئك الذين ms473 أقدر آراءهم دون غيرهم. ~~[يلي هذا نقاش حول «تباين الأجناس الكبيرة» الذي ليس ~~له علاقة مباشرة ببقية الخطاب.] ~~(1) # من المدهش ما يستطيع مبدأ الانتقاء عن ~~طريق الإنسان تحقيقه؛ أي اختيار أفراد ~~متمتعين بصفة مستحبة معينة، ~~واستيلادهم، ثم تطبيق عملية الاختيار هذه ~~عليهم مرة أخرى، بل حتى المربون ~~أنفسهم مندهشون من نتائج ما يقومون به في ~~هذا الإطار؛ فهم يستطيعون إنتاج اختلافات ~~لا تلاحظها العين الجاهلة. ولم يتبع ~~الانتقاء بأسلوب «منهجي» في أوروبا إلا ~~خلال نصف القرن الأخير فحسب. إلا أنه كان ~~يتبع أحيانا، وحتى بأسلوب منهجي إلى ~~حد ما، في عصور موغلة القدم. كذلك لا بد أنه كان ثمة انتقاء غير متعمد ~~منذ أقدم الأزمنة، تحديدا في الاحتفاظ ~~بالحيوانات (دون أي اعتبار لنسلها) الأكثر ~~نفعا لكل جنس من البشر في ظروفه الخاصة. ~~إن «الاجتثاث» وهو الاسم الذي يطلقه ~~أصحاب المشاتل أو العاملون فيها على تدمير ~~الضروب التي تحيد عن نمطها، لهو نوع من ~~الانتقاء. وإنني مقتنع أن الانتقاء ~~المقصود والعرضي كان العامل الرئيسي في ~~تكوين سلالتنا الداجنة. لكن مهما كان ~~تأثير هذا الأمر، فقدرته الكبيرة على ~~التعديل تجلت بلا جدال في العصور ~~الأخيرة. إن الانتقاء يعمل فقط عن طريق ~~تراكم تباينات طفيفة جدا أو كبرى، ~~سببتها ظروف خارجية، أو عن طريق حقيقة ~~عدم تشابه النسل مع الأصل تشابها ~~تاما في أحد الأجيال. والإنسان، بهذه ~~القدرة على تراكم التباينات، يكيف ~~الكائنات الحية وفقا لحاجاته؛ إذ «يمكن ~~القول» بأنه يجعل صوف بعض الخراف مناسبا ~~للأبسطة، وصوفا آخر مناسبا من أجل ~~الملابس، وهكذا. ~~(2) # لنفترض إذن أنه كان ثمة كيان، لم ~~يأخذ بالمظهر الخارجي وحده، وإنما استطاع ~~دراسة التكوين الداخلي كاملا - ولم يكن ~~متقلب الهوى - وظل ينتقي من أجل غاية ~~واحدة خلال ملايين الأجيال، فمن سيقول إنه ~~قد لا يحدث تأثيرا! لدينا في الطبيعة ~~تباينات «طفيفة»، أحيانا في كل النواحي؛ ~~وأعتقد أنه من الممكن إثبات أن التغير ~~في ظروف الوجود هو السبب الرئيسي في عدم ~~تشابه الطفل التام لوالديه؛ وفي ~~الطبيعة، ترينا الجيولوجيا التغيرات ms474 ~~التي حصلت، وما زالت تحصل. لدينا زمن لا ~~متناه تقريبا؛ لا يستطيع تقدير هذا ~~حق قدره غير عالم الجيولوجيا العملي، ~~لديك العصر الجليدي مثلا، الذي عاشت ~~خلاله كله أنواع الأصداف نفسها على ~~الأقل؛ لا بد أنه كان ثمة ملايين ~~الملايين من الأجيال خلال هذا ~~العصر. ~~(3) # أعتقد أنه من الممكن إثبات أنه ثمة ~~قوة مؤثرة لا تخطئ، أو «انتقاء ~~طبيعي» (الذي هو عنوان كتابي)، تنتقي لكل ~~كائن حي ما هو لصالحه فقط. كتب دي كوندول ~~ودبليو هربرت ولايل مدافعين بشدة عن ~~الصراع من أجل البقاء؛ لكن رغم ذلك لم تكن ~~كتاباتهم قوية بالقدر الكافي. تذكر أن ~~كل كائن (حتى الفيل) يتكاثر بمعدل معين ~~بحيث لن يظل على سطح الأرض، خلال سنوات ~~قليلة، أو بضعة قرون أو آلاف السنين على ~~الأكثر، أي نسل لأي نوع. لقد وجدت ~~صعوبة باستمرار في تذكر أن الزيادة في ~~كل نوع تتوقف خلال جزء من حياته، أو خلال ~~أحد الأجيال التي عادت للظهور لفترة ~~قصيرة. إن القليل فقط من الكائنات التي ~~تولد سنويا تستطيع العيش حتى تنشر ~~نوعها. يا له من اختلاف بسيط ذلك الذي ~~يحدد عادة أيها سيعيش وأيها ~~سينقرض! ~~(4) # فلتتأمل الآن حال بلد يمر ببعض ~~التغيير؛ هذا سيؤدي لجعل بعض سكناه ~~يتباينون تباينا طفيفا، إلا أنني أعتقد ~~أن أغلب الكائنات تتباين تباينا كافيا ~~طوال الوقت بما يسمح بحدوث الانتقاء؛ ~~فبعض سكانه سيبادون، وتتعرض البقية ~~للتأثير المتبادل لمجموعة مختلفة من ~~السكان، وهو ما أعتقد أنه أهم بالنسبة ~~لحياة كل كائن من مجرد المناخ؛ ونظرا ~~للطرق العديدة للغاية التي يكون على ~~الكائنات استخدامها للحصول على الغذاء ~~بالصراع مع كائنات أخرى، والهروب من ~~الخطر في مراحل مختلفة من حياتها، ونشر ~~بيضها أو بذورها، إلخ، إلخ؛ فلا يمكن أن ~~يساورني الشك أنه خلال ملايين من الأجيال ~~سيلد أحد الأنواع أفرادا ذات تباين طفيف ~~بما ينفع ناحية ما من حياتها؛ هؤلاء ~~سيكون لديهم فرصة أفضل للبقاء، وسينشرون ~~هذا التباين، الذي سيزيد ببطء مرة أخرى ~~عن طريق التأثير التراكمي للانتقاء ~~الطبيعي؛ ms475 والضرب الذي تكون بهذه الطريقة ~~إما سيتواجد مع نمطه الأصلي أو سيقضي ~~عليه وهو الأشيع؛ هكذا قد يصير كائن حي، ~~مثل نقار الخشب أو نبات الهدال، متكيفا ~~مع مجموعة من الحوادث العارضة؛ فالانتقاء ~~الطبيعي يراكم تلك التباينات الطفيفة في ~~جميع أجزاء تكوينه، التي تفيده بأي ~~شكل، خلال أي جزء من حياته. ~~(5) # ستطرأ صعوبات متعددة الأشكال لكل شخص ~~فيما يتعلق بهذه النظرية. وأعتقد أن ~~أغلبها يمكن الرد عليه بإجابات وافية. ~~وعبارة «لا قفزات في الطبيعة» تجيب على ~~بعض من أوضح تلك الصعوبات. وبطء ~~التغيير، وحقيقة أن الذي يخضع للتغيير ~~قلة قليلة فقط في أي من الفترات ~~الزمنية يجيب على صعوبات أخرى. كذلك ~~تجيب أوجه القصور البالغة في معرفتنا ~~الجيولوجية على صعوبات أخرى. ~~(6) # يؤدي مبدأ آخر، يمكن تسميته «مبدأ ~~التشعب»، دورا مهما في أصل الأنواع، ~~حسبما أعتقد. ستتوفر سبل أكثر للحياة ~~في منطقة ما إن شغلتها أشكال شديدة ~~التنوع؛ نرى هذا في الأشكال النوعية ~~المتعددة التي تعيش في ياردة مربعة من ~~الأرض المعشوشبة (فقد أحصيت عشرين نوعا ~~ينتمي لثمانية عشر جنسا)، أو في النباتات ~~والحشرات التي تعيش في أي جزيرة صغيرة ~~متسقة، والتي تنتمي لعدة أجناس وفصائل ~~كما تنتمي لعدة أنواع. يمكننا فهم هذا ~~من خلال الحيوانات العليا، التي نفهم ~~عاداتها بنحو أفضل. ونعلم أنه أثبت ~~بالتجارب أن أي قطعة أرض ستنتج ~~محصولا أكبر، إن زرعت بأنواع متعددة من ~~الحشائش، عن أن تزرع بنوعين أو ثلاثة. ~~هكذا، يمكن القول بأن كل كائن حي، ~~بالانتشار بسرعة، يبذل أقصى ما في وسعه ~~لزيادة أعداده. وهكذا سيكون الحال مع نسل ~~أي نوع بعد انقسامه إلى ضروب أو أنواع ~~فرعية أو أنواع حقيقية. ويستتبع هذا، ~~حسبما أعتقد، بناء على الحقائق الآنفة، ~~أن يحاول النسل المتغير لكل نوع الاستحواذ ~~على أماكن متعددة ومتنوعة بقدر ~~المستطاع في المنظومة الاقتصادية للطبيعة ~~(ولا يوفق في ذلك إلا القليل منه). ~~وبوجه عام، سيأخذ كل ضرب أو نوع جديد ~~حين يتكون مكان والده الأقل أهلية ومن ~~ثم، سيقضي عليه. أعتقد أن هذا ms476 هو أصل ~~تصنيف أو تنظيم كل الكائنات الحية في ~~جميع الأزمنة؛ فهي دائما «تبدو» كأنها ~~تتشعب لفروع وفروع تابعة مثل شجرة من جذع ~~مشترك؛ حيث تدمر الأغصان المزدهرة ~~الأخرى الأقل حيوية - وتمثل الفروع ~~الميتة والمفقودة الضروب والفصائل ~~المنقرضة. # هذا الملخص غير كامل «على الإطلاق»، لكنني لا ~~أستطيع أن أجعله أفضل من ذلك في تلك المساحة القصيرة ~~جدا. ولا بد لعقلك أن يملأ فراغات واسعة عديدة. ~~دون بعض التدبر، سيبدو كل هذا محض هراء؛ بل ربما ~~يبدو هكذا بعد التدبر. # سي دي # ملحوظة: # هذا الملخص الصغير ~~يتطرق بإيجاز فقط للقوة التراكمية للانتقاء الطبيعي، وهي التي ~~أراها حتى الآن أهم عامل في إنتاج أشكال جديدة. أما ~~القوانين التي تحكم التباين الأولي أو البدائي (وهو موضوع غير ~~مهم إلا بصفته الأساس الذي يؤثر فيه الانتقاء؛ ومن ثم ~~يكون في هذا الصدد شديد الأهمية)، فسوف أناقشها في موضوعات ~~متعددة، بيد أنني قد لا أبلغ حيالها سوى استنتاجات غاية في ~~الاجتزاء والقصور، كما قد تعتقد. ~~[قرئ البحث المشترك للسيد والاس وأبي أمام الجمعية اللينية ~~في مساء الأول من يوليو. وكان السير تشارلز لايل والسير جيه دي ~~هوكر موجودين، وكلاهما، على ما أظن، أدليا ببعض الملحوظات، في ~~المقام الأول بهدف التأكيد لأولئك الحاضرين على ضرورة إعارة ~~أقصى اهتمامهم لما سمعوه. إلا أنه لم يحدث أي نقاش. وقد كتب لي ~~السير جوزيف هوكر قائلا: «الاهتمام كان شديدا، لكن الموضوع ~~كان جديدا جدا وخطيرا جدا بحيث لا يمكن لأنصار الفكر ~~القديم الدخول في غمار جدال بشأنه قبل التسلح له. وبعد ~~الاجتماع نوقش الموضوع بقلق شديد؛ حيث ألقى التأييد من جانب ~~لايل، وربما من جانبي بدرجة صغيرة، بصفتي معاونا له في ~~المسألة، الرهبة في نفوس الزملاء، الذين لولا ذلك كانوا ~~سيهاجمون النظرية بقسوة. كذلك كان لدينا الأفضلية المتمثلة في ~~معرفتنا بالكاتبين وفكرتهما».] # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 5 يوليو ~~[1858] # عزيزي هوكر # لقد صرنا في سعادة أكبر وذعر أقل الآن بعد أن ~~أرسلنا كل الأطفال من المنزل، ms477 وسوف ننقل هنرييتا، ~~بمجرد أن تستطيع المشي. سقمت الممرضة الأولى بتقرح ~~الحلق وتقيح اللوزتين، والثانية مريضة الآن ~~بالحمى القرمزية، لكنها تتعافى، حمدا للرب. لك أن ~~تتخيل كم كنا وجلين. لقد كانا أسبوعين في غاية ~~الشقاء. أشكرك شكرا جزيلا على خطابك، الذي أخبرتني ~~فيه أن كل شيء جرى بنجاح في الجمعية اللينية. أرجو أن ~~تسمح لي مرة أخرى أن أخبرك بدرجة إحساسي بجزالة كرمك ~~وكرم لايل في هذا الموقف. لكنني، في الواقع، أشعر ~~بالخزي لأنكما اضطررتما لتضييع وقتكما بسبب مسألة ~~الأسبقية. سأكون متلهفا لرؤية بروفات الطباعة. وأنا ~~لا أدري مطلقا ما إن كان خطابي إلى آسا جراي سيطبع ~~أم لا؛ أعتقد أنه لن يطبع، وخطابك فقط هو الذي ~~سيطبع؛ لكنني لا أبالي مطلقا، وأترك لك أنت ولايل ~~كامل الحرية في هذا الشأن. # أستطيع بسهولة إعداد نبذة عن كامل عملي، لكن يشق ~~علي أن أرى طريقة لجعلها بأسلوب علمي بحيث يمكن ~~نشرها في دورية، دون إعطاء حقائق، وهو ما سيكون ~~مستحيلا. بالتأكيد، لا يمكن للنبذة أن تكون قصيرة ~~جدا، فهل تستطيع أن تعطيني أي فكرة عن عدد الصفحات ~~التي قد تتيحها الدورية لي في هذا الشأن؟ # بعد عودتي للمنزل مباشرة، سأبدأ في تقليص النبذة ~~لتناسب قدر المساحة المتاحة. إن رفضها الحكام ~~لعدم دقتها العلمية، فربما أستطيع نشرها على هيئة ~~كتيب. # فيما يتعلق بملخصي الكبير [الخاص بعام 1844]، هلا ~~أرسلته متى تيسر ذلك قبل أن تغادر إنجلترا، إلى ~~العنوان المرفق؟ إن لم تغادر قبل العاشر من أغسطس، ~~فسأفضل أن تظل معك. أرجو أن تكون سطرت مآخذك على ~~مخطوطتي حول الأجناس الكبيرة، إلخ، بما يضمن تذكرها؛ ~~إذ سأكون في غاية الأسف لو خسرتها. إنني لا أرى أملا ~~في لقائنا إن سافرت في الفترة المقبلة. ونشكرك بصدق ~~على دعوتك للانضمام إليك؛ فلا يسعني تخيل شيء أكثر ~~متعة من ذلك؛ إلا أن أطفالنا أضعف حالا من أن نتركهم ~~بمفردهم؛ لذا سأكون مجرد عبء بلا فائدة. # أخيرا، قلت إنك سوف تكتب إلى والاس؛ لا شك أنني ~~أود ذلك ms478 بشدة؛ حيث إن ذلك سيعفيني تماما من ~~الحرج: فإن بعثت إلي بخطابك، محكم الغلق، فسأرسله ~~مع خطابي، لمعرفتي بالعنوان، وما إلى ذلك. # هلا أرسلت لي متى تيسر ذلك ردا بآرائك حول طول ~~نبذتي؟ # إن رأيت لايل، فهلا أخبرته كم أنا ممتن حقا ~~لتكرمه بالاهتمام بموضوعي؟ لا بد أن تعلم أنني أراه ~~من الهام جدا لاستقبال نظرية عدم ثبات الأنواع أن ~~يبدي أعظم عالم جيولوجيا وعالم نبات في إنجلترا «أي ~~نوع من الاهتمام» بالموضوع: إنني على يقين أن هذا ~~سيساهم كثيرا في القضاء على الأحكام المسبقة. # المخلص لك # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # منزل الآنسة ويدجوود، هارتفيلد، تونبريدج ~~ويلز ~~[13 يوليو، 1858] # عزيزي هوكر # يبدو لي خطابك إلى والاس مثاليا وواضحا تماما ~~وغاية في اللباقة. ولا أعتقد أنه من الممكن تحسينه، ~~وقد أرسلته اليوم مع خطاب مني. طالما اعتقدت أنه من ~~المحتمل جدا أني قد أسبق، لكنني كنت أظن أنني ذو ~~نفس راقية بالقدر الكافي لأكترث لذلك، إلا أنني وجدت ~~نفسي مخطئا ومعاقبا، بيد أنني استسلمت تماما، ~~وكتبت نصف خطاب إلى والاس لأتنازل له عن الأسبقية ~~برمتها، وما كنت لأغير موقفي بالطبع لولا ما أبديته ~~من عطف استثنائي تماما أنت ولايل. أؤكد لك أنني ~~أقدره، ولن أنساه. إنني في «غاية» الرضا عما حدث في ~~الجمعية اللينية. كنت أعتقد أن خطابك وخطابي إلى آسا ~~جراي سيصيران مجرد ملحق في بحث والاس. # سوف نرحل من هنا إلى ساحل البحر خلال بضعة أيام، ~~غالبا إلى جزيرة وايت، وعند عودتي (بعد معركة مع ~~هياكل الحمام) سأشرع في إعداد النبذة، لكن كيف لي بأي ~~حال أن أعد نبذة ذات معنى في ثلاثين صفحة من أجل ~~الدورية، لا أدري، لكنني سأبذل قصارى جهدي. سوف أطلب ~~كتاب بينثام؛ أليس من المؤسف أن تضيع وقتك في جدولة ~~الضروب؟ بإمكاني أن أجعل مدير مدرسة داون يفعل ذلك عند ~~عودتي، وأستطيع إخبارك بكل النتائج . # لا بد أن أحاول لقاءك قبل رحلتك، لكن لا تظن أنني ~~أطلب منك على ms479 نحو غير مباشر أن تأتي إلى داون؛ فلن ~~يتاح لك الوقت لذلك. # لا يمكنك أن تتخيل مقدار سعادتي بأن فكرة الانتقاء ~~الطبيعي كان لها تأثير الدواء المعالج لما عانيته من ~~تعسر هضم لمسألة عدم قابلية الأنواع للتغير. ~~متى يستطيع علماء التاريخ الطبيعي رؤية أن تغير ~~الأنواع أمر مؤكد، فأي مجال رائع سينفتح - فيما ~~يتعلق بقوانين التباين كلها، وعلم أنساب كل الكائنات ~~الحية، ومسارات هجرتها، إلخ، إلخ. أرجوك أن تشكر ~~السيدة هوكر على خطابها القصير الشديد الرقة، وأرجوك ~~أن تخبرها كم أنا ممتن، بل أخجل في واقع الأمر حين ~~يحضرني أنها اضطرت لأن تتكبد عناء نسخ مخطوطتي ~~البغيضة. كان هذا كرما هائلا من ناحيتها. الوداع يا ~~صديقي العزيز الطيب. # المخلص لك # سي داروين # ملحوظة: # حظيت هنا ببعض ~~المتعة وأنا أشاهد نملة استعبادية؛ فلم يكن باستطاعتي مغالبة ~~الشك في القصص العجيبة التي تدور حول هذا، لكنني رأيت الآن ~~طرفا غازيا مهزوما، ورأيت نزوح النمل الاستعبادي من جحر ~~لآخر، حاملا عبيده (وهم من العبيد العاملين في «المنازل»، ~~وليسوا من العاملين في الحقول) في أفواهه! # أميل للاعتقاد بصحة التعميم، الذي مفاده أنه عند فرز العسل ~~في نقطة من دائرة تويج الزهرة، وانحناء المدقة، فهي تنحني ~~دائما إلى خط عابر إلى العسل. وزهرة العائق خير مثال على ~~ذلك، على عكس زهر الحوض - إن خطر لك الأمر، فلتنتبه لهذه ~~النقطة الصغيرة فحسب. # من تشارلز داروين إلى سي لايل # فندق كينجز هيد، سانداون، جزيرة ~~وايت # 18 يوليو [1858] ~~... سنستقر هنا لعشرة أيام، ثم نذهب إلى شانكلين، التي ~~تبدو أكثر إمتاعا لشخص لا يقوى على السير مثلي. نرجو ~~أن يكون للبحر أثر طيب على هنرييتا وليونارد. إن حدث ~~هذا، فستؤتي الرحلة ثمارها، وهذا كل ما في ~~الأمر. # لم أوفك قط ولو نصف حقك من الشكر على كل ما ~~أبديته لي من اهتمام وكرم استثنائيين في مسألة ~~والاس. لقد أخبرني هوكر بما أنجز في الجمعية اللينية، ~~وإنني راض تماما عن ذلك، ولا أعتقد أن والاس قد ~~يعتقد أن سماحي لك ms480 ولهوكر بفعل ما تريانه من الإنصاف ~~تصرف مجحف. بالطبع تكدرت قليلا لخسارتي الأسبقية ~~بالكامل، لكنني استسلمت لقدري. سوف أعد نبذة أطول؛ ~~لكن من المستحيل حقا أن أوفي الموضوع حقه، إلا ~~بإعطاء الحقائق التي يقوم عليها كل استنتاج، وذلك ~~سيكون مستحيلا تماما بالطبع. إنني متأكد أن ما بدا ~~من اهتمام، بأي طريقة ولو بأقل قدر، من شخصك وشخص ~~هوكر في عملي، له تأثير مهم في حمل الناس على النظر ~~للموضوع بعين الاعتبار من دون أحكام مسبقة. أرى أن ~~هذا الأمر في غاية الأهمية، حتى إنني أكاد أكون ~~سعيدا ببحث والاس لأنه أدى لهذا. # عزيزي لايل، الممتن لك للغاية # سي داروين ~~[يشير الخطاب التالي إلى بروفات طباعة بحث الجمعية ~~اللينية. ويقصد ب «المقدمة» الخطاب التمهيدي الذي وقعه ~~السير سي لايل والسير جيه دي هوكر.] # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # فندق كينجز هيد، سانداون، جزيرة ~~وايت # 21 يوليو [1858] # عزيزي هوكر # بالأمس فقط تلقيت بروفات الطباعة، والتي سأراجعها ~~الآن. أعتقد أن المقدمة الخاصة بكما ليست بحاجة ~~للتحسين. # يتملكني الاشمئزاز من أسلوبي السيئ في الكتابة. وليس ~~بإمكاني تحسينه، دون إعادة كتابة كل شيء، وهو ما لن ~~يكون عادلا أو جديرا بالعناء؛ إذ كنت قد بدأت في ~~إعداد نبذة أفضل من أجل الجمعية اللينية. عذري الوحيد ~~هو أنها لم يكن المراد بها النشر «قط». وقد أجريت ~~القليل من التصويبات في الأسلوب فقط، إلا أنني لا ~~أستطيع أن أجعله لائقا، لكن أرجو أن يكون واضحا ~~بدرجة معقولة. وأفترض أن شخصا ما سينقح بروفة ~~الطباعة المعدلة. (أليس لي أن أفترض هذا؟) # هل يمكنني الحصول على بروفة الطباعة بعد إدخال ~~التعديلات عليها لأرسلها إلى والاس؟ # لم أدرس ملحوظاتك حول الأجناس الكبيرة بالتروي التام ~~بعد (لكني «أقدر بشدة» قبولك العام للمهمة)، ولن ~~أستطيع ذلك قبل أن أعيد قراءة مخطوطتي، لكن لك أن تثق ~~أنك لن تبدي لي أي ملحوظة وتضيع بسبب «تجاهلي» لها. ~~يسرني بوجه خاص عدم اعتراضك على صياغتي لمآخذك على ~~نحو معدل؛ فإنني دائما ما أراها ms481 في غاية الأهمية، ~~وذات قيمة كبيرة، سواء فتكت بأفكاري أم لا؛ لذا ~~سأدرس كل ملحوظاتك بعناية. # لقد طلبت كتاب بينثام؛ حيث إنه، كما يقول ... سيكون ~~من الغريب جدا أن ترى كتابا عن النباتات ألفه شخص ~~لا يعرف شيئا عن النباتات البريطانية! # إنني سعيد جدا بما تقوله عن نبذتي، لكن لك أن تثق ~~أنني سأكثفها إلى أقصى درجة. كما أنني سأساهم في ~~أموال الطباعة إن طالت جدا. كم تعددت الطرق التي ~~ساعدتني بها! # مع حبي # سي داروين ~~[«النبذة» المذكورة في الجملة الأخيرة من الخطاب السابق كانت ~~في الواقع هي كتاب «أصل الأنواع»، الذي بدأ العمل فيه آنذاك. ~~وهو يتحدث في سيرته الذاتية (ارجع للفصل الثاني من هذا الكتاب) ~~عن بدء الكتابة فيها في سبتمبر، لكنه كتب في يومياته قائلا: ~~«من 20 يوليو حتى 12 أغسطس، في سانداون، بدأت كتابة نبذة كتاب ~~الأنواع.» «16 سبتمبر، استئناف العمل في النبذة.» عند بدء ~~الكتابة، كان الهدف هو أن تنشر الجمعية اللينية العمل باعتباره ~~بحثا، أو سلسلة أبحاث، ولم يتضح أنه لا بد أن يأخذ شكل كتاب ~~مستقل إلا في أواخر الخريف.] # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # نورفوك هاوس، شانكلين، جزيرة ~~وايت # الجمعة، 30 [يوليو] ~~[1858] # عزيزي هوكر # هلا أعطيت القصاصة المرفقة للسير ويليام تعبيرا ~~عن امتناني لكرمه؛ وهذا يعطيني عذرا لإدخال البهجة ~~على نفسي بأن أكتب لك خطابا، وهو الذي لا يحتاج إلى ~~رد. # هذا المكان خلاب جدا، وقد حصلنا على منزل مريح ~~للغاية. لكن، للأسف، لا أستطيع القول بأن حال هنرييتا ~~وليونارد تحسن كثيرا مع البحر. ولا تعافت معدتي من ~~كل متاعبها. لكنني مسرور جدا أننا غادرنا الديار؛ ~~إذ مات حتى الآن ستة أطفال من الحمى القرمزية في ~~داون. وسوف نعود في الرابع عشر من أغسطس. # لقد حصلت على كتاب بينثام [«النباتات ~~البريطانية»]، وإنني لمعجب به بشدة، وقد أخذ ويليام ~~(الذي ذهب للتو في رحلة بالخارج) يشير لي ببراعة إلى ~~أنواع شتى من النباتات الجديدة (بالنسبة لي). إن ~~المعلومات الصغيرة التي حصلت ms482 عليها في غاية الروعة. إن ~~الأسماء الإنجليزية في المفاتيح التحليلية تثير حنقنا: ~~فله أن يذكرها بالطبع، لكن لماذا حقا [لا] يجعلها ~~تابعة للأسماء اللاتينية؛ كم يثير هذا غضبي! إن ~~ويليام اقتحم الفصيلة المركبة والفصيلة الخيمية مثل ~~البطل، وألم بالعديد منها سريعا على نحو ~~رائع. # أقضي وقتي في العمل بضع ساعات يوميا في نبذتي، ~~وأجد في هذا متعة وتحسينا لصحتي. إنني الآن في غاية ~~الامتنان لك وللايل بحق لأنكما من أشارا علي بهذا؛ ~~إذ حين أنتهي منها، سأصير قادرا على إتمام عملي في ~~راحة بال وتأن أكثر. أقر أنني كرهت فكرة هذه ~~المهمة، والآن أجدها غير مرضية بالمرة لعدم قدرتي على ~~إعطاء أسبابي على كل استنتاج. # للأسف، سوف أطيل الحديث أكثر مما كنت أتوقع؛ إن ~~إعطاء نبذة عن التباين تحت تأثير التدجين وحده سيأخذ ~~خمسا وثلاثين صفحة من مخطوطتي؛ لكنني سأحاول ألا ~~أدرج شيئا لا يبدو لي على قدر من الأهمية، وكان ~~جديدا لي من قبل. إن إعطاء نبذة عن عمل غير منشور ~~يبدو شيئا غريبا؛ لكنني أكرر أنني في غاية سعادتي ~~أنني قد بدأت جديا فيها. # أرجو أن تحظى أنت والسيدة هوكر برحلة ممتعة للغاية. ~~الوداع يا عزيزي هوكر. # المخلص لك # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # نورفوك هاوس، شانكلين، جزيرة ~~وايت # الخميس [5 أغسطس، ~~1858] # عزيزي هوكر # أعتقد أن الملحوظة التي تلتمس العذر بشأن أسلوب ~~النبذة كانت ملحوظة ممتازة. لكنني أكتب إليك الآن ~~لأطلب منك أن ترسل إلي مع عودة البريد مخطوطة ~~الأجناس الكبيرة، حتى يتسنى لي إعداد نبذة من بضع ~~صفحات عنها. أعتقد أنك قد فرغت منها تماما، وإن لم ~~يكن الأمر كذلك، فأنا لا أريد استعادتها تحت أي ظرف. ~~إن ربطتها بحبل وأرسلتها كاتبا عليها أنها مخطوطة ~~للطباعة، فأعتقد أن ذلك لن يتكلف أكثر من أربعة بنسات. ~~أتمنى كثيرا أن تقول إنك قد قرأت هذه المخطوطة ~~وتؤيد ما جاء فيها؛ لكنك ستسمع ذلك، قبل أن أقرأها ~~أمام الجمعية . # ما أخبرتني به بعد حديثك مع باسك ms483 عن طول النبذة ~~جعلني أشعر بارتياح «كبير»؛ فعدم الحاجة إلى اختصار ~~كل موضوع بدرجة كبيرة سيجعل الجهد المبذول أقل ~~كثيرا؛ لكن سأحاول ألا أشتت ذهن الجمهور أكثر من ~~اللازم. أخشى أنها ستفسد أي اهتمام بكتابي، متى نشر. ~~سيكون من المناسب جدا تقسيم النبذة إلى عدة أجزاء؛ ~~فقد انتهيت للتو من جزء «التباين تحت تأثير التدجين» ~~في أربع وأربعين صفحة من المخطوطة، وتكفي أمسية ~~واحدة لقراءته، لكنني سآسف أشد الأسف إن لم يتيسر ~~نشرها كلها معا. # ما تقوله عن النبذة بخلاف ذلك يجعلني في سرور شديد، ~~لكنه يخيفني؛ إذ أخشى أنني لن أتمكن قط من جعلها ~~بالجودة الكافية. لكن كم أسهب في الحديث حول أموري ~~الشخصية معك! # أدهشني أن أرى بطاقة السير دبليو هوكر هنا منذ ~~يومين أو ثلاثة؛ للأسف كنت بالخارج أتمشى. كذلك كتب ~~إلي هنزلو، مقترحا أن يأتي إلى داون في التاسع من ~~هذا الشهر، لكنني للأسف لن أرجع حتى الثالث عشر منه، ~~ولن ترجع زوجتي إلا بعد ذلك بأسبوع؛ لذلك يؤسفني أيضا ~~أشد الأسف أن أعتقد أنني لن أراك؛ إذ لن أود مغادرة ~~المنزل بهذه السرعة. لقد فكرت في الذهاب إلى لندن ~~والمرور بكيو لقضاء ساعة أو ساعتين. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # نورفوك هاوس، شانكلين، جزيرة ~~وايت ~~[أغسطس] ~~[1858] # عزيزي هوكر # أكتب إليك فقط لأخبرك أن المخطوطة وصلت سليمة منذ ~~يومين أو ثلاثة. وإنني ممتن جدا لتنقيحك الأسلوب ~~فيها؛ فإنني أجد صعوبة لا توصف في الكتابة بأسلوب ~~واضح. حين نلتقي لا بد أن أحادثك حول بضع نقاط ~~تتعلق بهذا الموضوع. # لقد تحدثت عن الذهاب لمكان ما على الساحل؛ نعتقد أن ~~هذا هو أفضل الأماكن الساحلية التي رأيناها على ~~الإطلاق، وتروق لنا شانكلين أكثر من أماكن أخرى على ~~ساحل الجزيرة الجنوبي، رغم أن كثيرا منها جذابا ~~وأكثر جمالا؛ لذا، أقترح أن تفكر في هذا المكان. ~~إن منزلنا على الساحل نفسه، لكن تتباين الأذواق كثيرا ~~بشأن الأماكن. # إن ذهبت إلى برودستيرز ، وكانت هناك ريح قوية من ~~ساحل فرنسا ms484 وجو صحو وجاف ودافئ، فلتنتبه؛ فربما ~~ترى زغب نباتات شائكة ذرتها الريح عبر القناة. منذ ~~بضعة أيام رأيت واحدا ذرته الريح للبر، ثم في ~~غضون بضع ثوان رأيت واحدا آخر ثم ثالث، فحدثت نفسي ~~قائلا: يا إلهي، كم عدد النباتات الشائكة الموجودة في ~~فرنسا إذن؟ وكتبت إليك خطابا في مخيلتي. لكنني بعد ~~ذلك نظرت إلى السحب «المنخفضة»، ولاحظت أنها لم تكن ~~آتية للبر، فانتابني خوف أن يكون بي جنة، ثم ~~مشيت مجتازا اللسان فوجدت الريح موازية للساحل، ~~ووجدت على هذا اللسان نفسه مجموعة رائعة من النباتات ~~الشائكة، التي حملتها التيارات العتية بعيدا إلى ~~البحر، ثم أتت إلى الشاطئ مباشرة في زوايا قائمة! ~~وذات يوم جرف التيار عددا كبيرا من الحشرات، وأعدت ~~الحيوية لثلاثين نوعا من الخنافس غمدية الأجنحة، ~~لكنني لا أفترض أنها أتت من فرنسا. لكن هل تترقب من ~~أجلي ظهور زغب نباتات شائكة بينما تخطو وئيدا على ~~الساحل؟ # من تشارلز داروين إلى آسا جراي # 11 أغسطس [1858] # عزيزي جراي # وصلني للتو في جزيرة وايت خطابك الذي بتاريخ 27 ~~يوليو. إنها لسعادة حقيقية وكبيرة بالنسبة لي أن أكتب ~~إليك عن أفكاري، وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فسوف أكون ~~شخصا في غاية الجحود، بعد كل ما أسديته لي من عون ~~لا يقدر بثمن، لو لم أفعل أي شيء طلبته مني. # لقد ناقشت في مخطوطتي الطويلة التغيرات الحديثة ~~في المناخ وتأثيرها على الهجرة، وسأعطيك هنا «نبذة» عن ~~«النبذة» (الأخيرة هي نبذة عن كتابي كله أعدها من ~~أجل الجمعية اللينية). لا أستطيع إعطاءك حقائق، ولا بد ~~أن أكتب بطريقة افتراضية، رغم أن هذا ليس هو الوضع ~~فيما يتعلق بأي من النقاط. سأذكر فقط، حتى تصدق ~~أن لدي «بعض» الأساس لآرائي، أن هوكر قد قرأ ~~مخطوطتي، ورغم أنه اعترض في البداية على فكرتي ~~الأساسية، فقد أخبرني فيما بعد أن مزيدا من التمعن ~~ووجود حقائق جديدة جعلاه يغير رأيه. # في المرحلة القديمة، أو ربما الحديثة من العصر ~~البليوسيني (أي، «قبل » العصر الجليدي بقليل) كانت درجة ms485 ~~الحرارة أكثر ارتفاعا، ولا يمكن الشك في ذلك ولو ~~قليلا، وكانت اليابسة، «بدرجة كبيرة»، تتضمن كثيرا ~~من كائناتها الحالية؛ فكانت الأنواع إلى حد بعيد، ~~ارتكانا إلى الأصداف، كما هي الآن. في هذه المرحلة ~~حين كانت كل الحيوانات والنباتات تشغل مناطق أقرب ~~للدائرتين القطبيتين بعشر إلى خمس عشرة درجة، ~~أعتقد أن الجزء الشمالي من سيبيريا والجزء الشمالي من ~~أمريكا الشمالية - نظرا لأنهما يكادان يكونان ~~«متصلين» (من المحتمل جدا أن جانبي مضيق بيرينج ~~كانا متصلين جنوبا قليلا؛ نظرا للمياه الضحلة) - ~~كانا مأهولين بحيوانات ونباتات شبه واحدة، تماما ~~مثل مناطق القطب الشمالي الآن، ثم صار المناخ باردا ~~أكثر بالتدريج حتى صار كما هو الآن، بعد ذلك انفصلت ~~الأجزاء المعتدلة من أوروبا وأمريكا كما هي الآن، وذلك ~~فيما يختص بمسألة الهجرة. ثم جاء العصر الجليدي، ليدفع ~~كل الكائنات الحية لأقصى الجنوب، فكانت المناطق الوسطى ~~بل حتى الجنوبية من أوروبا مأهولة بكائنات من القطب ~~الشمالي، ومع رجوع الدفء، زحفت كائنات القطب الشمالي ~~ببطء لأعالي الجبال لما سلب منها الجليد؛ ونرى الآن ~~على قممها بقايا حياة نباتية وحيوانية كانت متصلة ~~فيما مضى. هذه نظرية إيه فوربس، لكن لي أن أضيف أنني ~~قد كتبتها قبل أن ينشرها بأربع سنوات. # لدي «اعتقاد» مبهم، دفعتني إليه بعض الحقائق، ~~بأنه كان ثمة عصر أدفأ «قليلا» بين العصر ~~الجليدي والعصر الحالي؛ وبناء على مبادئ التعديل ~~الخاصة بي، أرى أن العديد من أنواع أمريكا الشمالية ~~التي تشبه تلك التي في أوروبا تشابها «وثيقا»، قد ~~صارت معدلة منذ العصر البليوسيني، حين كان ثمة ~~اتصال شبه حر بين العالمين القديم والجديد في الجزء ~~الشمالي من الكرة الأرضية. لكن يوجد هنا اعتبار أهم؛ ~~فثمة مجموعة كبيرة من الأدلة الجيولوجية على أن ~~العالم بأسره كان أكثر برودة خلال العصر الجليد؛ لقد ~~استنتجت ذلك، منذ عدة سنوات، من ظاهرة الجلاميد التي ~~جرفتها الأنهار الجليدية التي لاحظتها باهتمام في ~~الساحلين الشرقي والغربي لأمريكا الجنوبية. هنا ~~أستطيع أن أعتقد بكل جرأة بأنه في أوج العصر ~~الجليدي، «وحين كانت كل ms486 الكائنات المدارية حتما في ~~معاناة كبيرة»، انتقلت عدة أشكال من المناطق المعتدلة ~~ببطء إلى قلب المناطق المدارية، بل بلغت نصف الكرة ~~الجنوبي؛ وتغلغلت قلة من أشكال المناطق الجنوبية في ~~اتجاه معاكس شمالا. (فمرتفعات جزيرة بورنيو بها ~~أشكال أسترالية، والحبشة بها أشكال من رأس الرجاء ~~الصالح.) وأينما كانت هناك أرض «مرتفعة» شبه متصلة، ~~كانت هذه الهجرة متيسرة لدرجة هائلة؛ ومن هنا جاءت ~~الطبيعة الأوروبية لنباتات أرخبيل تييرا ديل فويجو ~~وقمم سلاسل جبال أمريكا الجنوبية؛ والشيء نفسه على ~~جبال الهيمالايا. ومع ارتفاع درجة الحرارة، زحفت كل ~~الكائنات الدخيلة الخاصة بالمناطق المعتدلة لأعلى ~~الجبال؛ ومن هنا جاءت الأشكال الأوروبية التي على جبال ~~نيلجيري وسيلان وقمة جاوا وجبال أورجان في البرازيل. ~~لكن لما كانت تلك الكائنات الدخلية محاطة بأشكال ~~جديدة فقد كانت معرضة جدا للتحسين أو التعديل عن ~~طريق الانتقاء الطبيعي، لتتأقلم مع الأشكال الجديدة ~~التي كان عليها التنافس معها؛ ومن ثم، لا تتطابق ~~أغلب الأشكال التي على جبال المناطق المدارية، لكنها ~~أشكال «نموذجية» لنباتات المناطق المعتدلة ~~الشمالية. # وثمة مجموعات من الحقائق الشبيهة فيما يتعلق ~~بالكائنات البحرية. سيبدو كل هذا لك تهورا شديدا، ~~وقد يكون كذلك، لكنني متأكد أنه ليس بالتهور الذي قد ~~يبدو لك في البداية؛ لم يستسغه هوكر البتة كذلك في ~~البداية، لكنه غير قناعاته على نحو كبير. أعتقد، ~~استنادا إلى الثدييات والبحر الضحل، أن اليابان كانت ~~متصلة بالبر الرئيسي للصين خلال فترة ليست ببعيدة، ~~ثم تأثرت اليابان بالهجرة شمالا وجنوبا، قبل ~~وأثناء وبعد العصر الجليدي، كما حدث في المناطق ~~المناظرة في الصين والولايات المتحدة. # أود أكثر من أي شيء أن أعرف ما إن كانت لديك أي ~~كائنات جبلية من اليابان، وبم تتميز. لقد كان أسلوب ~~الكتابة سيئا في هذا الخطاب، لكن ربما سيكون كافيا ~~لتوضيح ما أراه فيما يتعلق بتغيرات درجات الحرارة ~~والهجرات الرئيسية الحديثة. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر ~~[داون] 6 أكتوبر، ~~1858 ~~... إن كان لديك متسع من الوقت أو باستطاعتك ~~تدبره، فسأود كثيرا أن أسمع أخبارك وأخبار ms487 السيدة ~~هوكر والأطفال. أين ذهبتم، وماذا فعلتم وتفعلون؟ أريد ~~بيانا شاملا. # لا يمكنك أن تدرك مقدار سعادتي بزيارتك القصيرة هنا؛ ~~فقد كان لها تأثير طيب جدا علي. إن كان هارفي ما زال برفقتك، فأرجو أن تبلغه أرق تحياتي. ~~... أعمل بدأب شديد لإنجاز نبذتي، إلا أنها وصلت ~~لطول غير معقول، لكنني حتى أجعل نظريتي واضحة تماما ~~(وحتى لا أعرض بإيجاز أكثر من حقيقة واحدة أو ~~اثنتين، وأمر بالصعوبات مرورا عابرا)، لا أستطيع ~~أن أجعلها أقصر من ذلك. وأعتقد أنها ستأخذ مني ثلاثة ~~أو أربعة أشهر؛ فإنني أعمل على مهل، رغم أنني لا أتوقف ~~عنه بتاتا. لا يمكنك تخيل كم خدمتني حين جعلتني ~~أكتب هذه النبذة؛ فرغم أنني كنت أعتقد أن الأمور كلها ~~جلية لدي، فإنها جعلتني أستوضح أفكاري كثيرا، بأن ~~جعلتني أزن الأهمية النسبية لعناصرها ~~المتعددة. # ما زلت أقرأ بشغف شديد مقالك الرائع (حسبما أراه) ~~عن آر براون في دورية «ذا جاردينرز كرونيكل». # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 12 أكتوبر، 1858 ~~... لقد أرسلت إلى والاس ثماني نسخ [من البحث المشترك ~~بينهما] بالبريد، وسأحتفظ بالنسخ الأخرى له؛ إذ لا ~~يجول بخاطري أي أحد لأرسل إليه أيا منها. # أرجوك ألا تعلن معارضتك الشديدة للانتقاء الطبيعي، ~~حتى تقرأ نبذتي؛ فرغم أنني أعتقد أنك ستلاحظ «العديد» ~~من الصعوبات التي لم تخطر لي قط، فإنك لا يمكن أن تكون ~~قد فكرت في الموضوع مليا كما فعلت. # أتوقع أن تصير نبذتي كتابا صغيرا، وهو الذي سيتعين ~~نشره على نحو منفصل. # يا له من عمل كبير ورائع ذلك الذي تقوم به! # صديقك للأبد # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 13 أكتوبر، 1858 ~~... لقد استأت من نفسي لما طلبته منك من «ألا تعلن ~~معارضتك الشديدة للانتقاء الطبيعي». آسف أنني قد ~~ضايقتك، رغم اهتمامي الشديد بالخطاب التي سترد به. ~~لقد كتبت العبارة بلا تفكير. لكن الحقيقة أنني قد ~~عودت نفسي، من ناحية بسبب استجوابي من قبل معارفي ~~الذين ليسوا من علماء التاريخ الطبيعي، ms488 على توقع ~~المعارضة بل الاحتقار، حتى إنني نسيت للحظة أنك الشخص ~~الوحيد الذي طالما لاقيت منه العطف باستمرار؛ ~~فلتصدقني أنني لم أنس للحظة كم من عون تلقيته منك. ~~إنك على حق تماما أنني لم يساورني أدنى شك قط أن ~~تخميناتي كانت بمثابة «شرك» لك؛ وبالتأكيد كنت أعتقد ~~حتى وقت قريب جدا أن مخطوطتي لم تترك أثرا عليك، ~~وكثيرا ما أدهشني هذا. ولم أكن أعلم أنك قد تحدثت ~~حديثا عاما حول عملي مع أصدقائنا، عدا الصديق ~~العزيز الغالي فالكونر، الذي أخبرني ذات مرة منذ عدة ~~سنوات أن الشر الذي سآتي به يفوق الخير الذي سيقدمه ~~عشرة من علماء التاريخ الطبيعي، وأنني كدت بالفعل أن ~~أفسدك! إن كل هذا أمور أنانية حماقة، وأنا أكتبه فقط ~~خوفا من أن تعتقد أنني جاحد لعدم تقديري لتعاطفك ~~وإدراكي له؛ وهو ما يعلم الرب أنه ليس صحيحا. إنها ~~لعنة أن يصير إنسان منهمكا للغاية في أي موضوع ~~كما هو الحال بالنسبة لي. # كنت في لندن أمس لعدة ساعات مع فالكونر، وقد ألقى ~~علي محاضرة رائعة حول عمر الإنسان. إننا لسنا حديثي ~~العهد؛ فبإمكاننا التفاخر بنسب يعود بعيدا إلى زمن ~~معاصر لأنواع منقرضة. وهو لديه دليل رائع عبارة عن ~~ضرس طاحن كبير استخرج من صخور تنتمي للعصر ~~الثالث. # إنني منهك القوى تماما، وسوف أذهب يوم الاثنين ~~القادم لاستعادة عافيتي بالعلاج المائي في مور ~~بارك. # عزيزي هوكر، صديقك المحب # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # نوفمبر، 1858 ~~... كنت قد تعهدت ألا أتحدث إليك عن نبذتي التي ~~يبدو أنها لن تنتهي مرة أخرى؛ إذ أدرك أنني ضايقتك ~~بشأنها أكثر مما ينبغي، لكن حيث إنك تشير إلى ضرورة ~~الإسراع بنشرها، فسأقول إن علي تلخيص الفصلين ~~اللذين عن الغريزة والتهجين، وهو ما قد يستغرق ~~أسبوعين لكل منهما. أما المواد التي لدي حول علم ~~الحفريات والتوزيع الجغرافي والقرابات، فأعتقد أن ~~إعداد كل منها سيستغرق مني ثلاثة أسابيع؛ لأنها أقل ~~اكتمالا؛ وبذلك لن أنتهي من العمل حتى أبريل على أقل ms489 ~~تقدير، وهكذا ستصير نبذتي في حجم كتاب صغير. إنني لا ~~أعطي قط أكثر من مثال أو مثالين، وأمر على كل ~~الصعوبات بإيجاز، ورغم ذلك لا أستطيع أن أجعل النبذة ~~أقصر من ذلك، حتى تكون مقبولة، ومع ذلك فأنا أجد أنها ~~ستطول حتى تخرج في شكل كتاب صغير. ~~[خلال هذا الوقت تقريبا، أحيا أبي معرفته القديمة ~~عن الخنافس بمساعدة أولاده في جمعها؛ فقد أرسل خطابا ~~قصيرا إلى صحيفة «ذا إنتومولوجيستس ويكلي ~~إنتيليجينسر»، بتاريخ 25 يونيو، 1859، معلنا عن ~~الإمساك بخنافس ليسينياس سيلفويدز # Licinus Silphoides # وكلايتوس ~~ميستيكوس # Clytus mysticus # وباناجيوس ~~كوادريبوستولاتوس Panagæus 4-pustulatus ~~. يبدأ الخطاب ~~بالكلمات التالية: «نحن ثلاثة جامعين صغار جدا، ~~جمعنا مؤخرا من أبرشية داون ...» وتحمل توقيع ثلاثة من ~~أبنائه، لكن كان واضحا أنهم لم يكتبوه. أتذكر جيدا ~~السرور الذي كان يتملكني وأنا أعطي أبي زجاجتي التي ~~بها خنافس ميتة ليذكر أسماءها، والإثارة التي كان ~~يشاركني إياها كلما اتضح أن إحداها غير شائعة. ~~الخطابان التاليان إلى السيد فوكس (13 نوفمبر، 1858)، ~~وإلى السير جون لاباك، يوضحان هذه النقطة]: # من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس # داون، 13 نوفمبر ~~[1858] ~~... يدرس ابني ويليام الآن في كلية كرايست، قاطنا ~~بالغرفة الذي تعلو غرفتك. اندهش خادمي القديم في ~~الكلية، إمبي، لمعرفة أنه ابني، وسأل بسذاجة شديدة، ~~قائلا: «لماذا؟ هل تزوج منذ فترة طويلة؟» يا لها من ~~ساعات هنيئة حين كنت آتيك وأحتسي معك القهوة يوميا! ~~تراودني ذكريات الأيام الخوالي لأن ابني الثالث بدأ ~~للتو في جمع الخنافس، والتقط منذ عدة أيام خنفساء ~~مدفعية # Brachinus crepitans ~~، فذكرتني بذكرى ويتلسي مير ~~التي لا تنسى. وقد شعرت بحماس شديد حين التقط ~~خنفساء ليسينياس - فهي جائزة غير معروفة لي. # من تشارلز داروين إلى جون لاباك # الخميس [قبل 1857] # عزيزي لاباك # لا أعلم إن كان لديك اهتمام بالخنافس، لكن تحسبا ~~لذلك أرسل إليك في زجاجة هذه الخنفساء التي لا أذكر ~~أنني رأيتها قط، إلا أنه في التحدث عن ذكريات منذ ~~خمسة وعشرين عاما بعض الحماقة. حينما نلتقي، يمكنك ~~إخباري ما إن كنت ms490 تعرفها أم لا. # حين أقرأ عن التقاط خنافس نادرة، أشعر كأنني جواد ~~حرب عجوز سمع صوت بوق الحرب - أليس هذا تشبيها ~~كريما لعالم حشرات متهالك؟ إنه يكاد يجعلني أتوق ~~حقا للجمع ثانية. الوداع. ~~«فليحي علم الحشرات»! إنه النخب الذي شربت من ~~أجله عدة كئوس من النبيذ في كامبريدج. «فليحي علم ~~الحشرات» مرة أخرى. ملحوظة: «لم» أعد أحتسي أي كئوس ~~مليئة بالنبيذ مؤخرا. # صديقك # سي دي # من تشارلز داروين إلى هربرت سبنسر # داون، 25 نوفمبر ~~[1858] # سيدي العزيز # أرجو أن تسمح لي بأن أشكرك شكرا جزيلا على هدية ~~مقالاتك الكريمة جدا. لقد قرأت بالفعل العديد منها ~~باهتمام بالغ. تبدو لي ملحوظاتك عن الحجة العامة لما ~~يسمى بنظرية التطور جديرة بالتقدير. وإنني حاليا ~~أعد نبذة عن عمل أكبر حول التغيرات التي تلحق ~~بالأنواع، لكنني أتناول الموضوع بصفتي عالم تاريخ ~~طبيعي فحسب، وليس من وجهة نظر عامة، فيما عدا ذلك، ~~أرى أنه لم يكن ثمة إمكانية لتحسين حجتك، وربما ~~كان لي أن أقتبس منك مستفيدا من ذلك استفادة كبرى. ~~كذلك أثار مقالك حول الموسيقى اهتمامي بشدة؛ فطالما ~~أوليت هذا الموضوع التفكير، وقد توصلت للاستنتاج ~~نفسه تقريبا، رغم أنني غير قادر على دعم الفكرة بأي ~~تفاصيل. علاوة على ذلك، في مصادفة غريبة، ظل التعبير ~~عن الانفعالات لسنوات من المواضيع الملحة قيد ~~التخمين الفضفاض، وأنا لا بد أن أتفق معك تماما أن ~~عملية التعبير برمتها تنطوي على جانب بيولوجي ما. ~~أرجو أن أستفيد من مقالك النقدي عن الأسلوب، وبأسمى ~~آيات الشكر، أرجوك يا سيدي العزيز، أن أظل. # الممتن لك حقا # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 24 ديسمبر ~~[1858] # عزيزي هوكر # إن خبر زيادة راتبك وإعفائك من إيجار المنزل لهو ~~خبر مفرح، وقرار محمود للحكومة. تكلفت حجرتي (التي ~~مساحتها 28 × 19)، مع حجرة مقسمة فوقها، مع «كل ~~التجهيزات» (والطلاء)، ومن دون أثاث، ومع الجص ~~الخارجي، 500 جنيه إسترليني تقريبا. إنني شديد ~~السعادة بهذا الخبر. # لا شك أن الحقائق التي لديك حول التوزيع لافتة جدا ms491 ~~للنظر. يحضرني جيدا أنه من بين الحقائق الكثيرة ~~المدهشة في أعمالك المتعددة، لم أتحير لسنوات من شيء ~~أكثر من القول بأن الهجرة كانت أغلبها من الشمال إلى ~~الجنوب، وليست في الاتجاه المعاكس. وأخيرا أقنعت ~~الآن «نفسي» (لكن هذا يختلف تماما عن إقناع الآخرين) ~~بهذا الأمر، لكنني سأحتاج إلى وضع كتاب صغير لأعرب ~~عما يدور بخلدي بالكامل في هذا الموضوع. ظللت لفترة ~~طويلة دون أن أرى علاقة أحد الاستنتاجات التي كنت قد ~~توصلت إليها بهذا الموضوع. إنه يتمثل في أن الأنواع ~~التي تعيش في منطقة كبيرة جدا؛ ومن ثم، توجد ~~بأعداد كبيرة، والتي تعرضت لأقسى منافسة مع أشكال ~~أخرى عديدة، ستصل، عن طريق الانتقاء الطبيعي، إلى ~~مرحلة أعلى من الكمال، من تلك التي تعيش في منطقة ~~صغيرة. وهكذا أفسر الكثير جدا من الحالات الشاذة، ~~أو ما يجوز تسميتها «الحفريات الحية» التي تعيش الآن ~~في المياه العذبة فقط، بعد أن تغلبت عليها أشكال ~~تطورت بصورة أكبر في البحر وأبادتها؛ ومن ثم، كل ~~أسماك الجانويد هي أسماك مياه عذبة، وكذلك سمكة ~~السمندل الحرشفي وخلد الماء، وغيرهما. أرى نباتات ~~أوروبا وآسيا، لما كانتا أكبر منطقتين، الأكثر ~~«تطورا»؛ ومن ثم فهي قادرة على الصمود أمام ~~النباتات الأسترالية الأقل كمالا؛ [في حين] أنها لم ~~تستطع الصمود أمام النباتات الهندية، فلتنظر كيف ~~تستسلم كل كائنات نيوزيلاندا أمام كائنات أوروبا. ~~أظن أنك ستقول إن كل هذا محض هراء، لكنني أعتقد أنه ~~حقيقة راسخة. # أظن أنك سوف تقر بأن ازدهار النباتات الأسترالية في ~~الهند ليس دليلا على أنها استطاعت الصمود أمام عشرة ~~آلاف طارئة طبيعية آتية من نباتات أخرى وحشرات ~~وحيوانات، إلخ، إلخ. أما مسألة جنوب غرب أستراليا ~~ورأس الرجاء الصالح، فسألوذ بالصمت حيالها، وسأكتفي ~~بصب اللعنات على المسألة برمتها. ~~... تقول إنك تود أن ترى مخطوطتي، لكنك قرأت فصلي ~~الطويل عن العصر الجليدي واستحسنته، كما أنني لم أكتب ~~بعد نبذتي حول موضوع التوزيع الجغرافي برمته، ولن ~~أبدأها قبل أسبوعين أو ثلاثة. لكن «سيسرني» أن أرسل ~~لك النبذة أو المخطوطة ms492 القديمة، خاصة فصل ~~النبذة. # لقد كتبت الآن 330 ورقة من نبذتي، وستحتاج إلى ~~150-200 [أخرى]؛ هكذا سيصير مجلدا مطبوعا من 400 ~~صفحة، ولا بد أن يطبع بصورة مستقلة، وهو ما أظنه ~~سيكون أفضل من عدة نواح؛ فالموضوع يبدو لي كبيرا ~~جدا حقا على أن يناقش في أي جمعية، وأعتقد أن ~~موضوع الدين سيطرحه رجال أعرفهم جيدا. # إنني أفكر في مجلد من قطع الاثني عشر، مثل ~~الطبعة الرابعة أو الخامسة من كتاب لايل، ~~«مبادئ». # لقد كتبت خطابا طويلا لدرجة مخجلة؛ لذا، الوداع ~~الآن يا عزيزي هوكر. # صديقك دائما # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 20 يناير، 1859 # عزيزي هوكر # أود كثيرا أن أستعير كتاب هير ذات يوم في ~~المستقبل؛ فأنا لا أريد حاليا قراءة أي شيء محير ~~حتى أنتهي من نبذتي. سيجعلني خطابك الأخير العظيم ~~الفوائد أنتبه بشدة إلى النقاط التي ناقشناها والتي ~~كان بها إفراط في التخمين. # حين تقول إنك لا تستطيع السيطرة على تسلسل الأفكار، ~~أدرك جيدا أنها مريبة ومبهمة لدرجة كبيرة يصعب ~~معها السيطرة عليها. كثيرا ما خالجني ما تسميه ~~الشعور بالخزي من الاستغراق أكثر فأكثر في الشك كلما ~~فكرت في الحقائق المتصلة بنقاط يحيط بها الشك ~~ومنطقها. لكنني كثيرا ما أعزي نفسي بالتفكير في ~~المستقبل، وبالإيمان المطلق أن المشكلات التي نتوغل ~~فيها الآن، ستحل ذات يوم؛ وإننا إن مهدنا الأرض ~~فحسب، فسنكون قد قدمنا خدمة، حتى إن لم نجن ~~حصادا. # أتفق معك تماما أن اختلافنا بشأن وسائل الانتشار ~~حول «الدرجة» فحسب، وأعتقد أننا متفقان لحد معقول. ~~إنك تعبر عن التحول الذي جرى لقاراتنا بأسلوب ~~مبهر جدا، وأنا أتفق معك تماما في كل ما قلته، ~~لكنني يساورني الشك فقط بشأن المحيطات. # كذلك أتفق معك تماما (فإنني في حالة مزاجية مستعدة ~~جدا للاتفاق) في «هجومك على شخصي»، بشأن علو ~~النباتات الأسترالية بناء على عدد أنواعها وأجناسها، ~~لكن ها هو يأتي أحد عناصر الشك الجبارة المزعجة، ألا ~~وهو تأثير الانعزال. # النقطة الوحيدة التي «أجرؤ» على الاعتراض ms493 عليها ~~قليلا تتعلق بحالة النباتات المستوطنة في أستراليا. ~~أعتقد أن مولر يتحدث عن انتشارها الكبير بعيدا عن ~~الأراضي المزروعة، وأجد صعوبة في تصديق أن نباتاتنا ~~الأوروبية قد تشغل أماكن قاحلة جدا لا تستطيع ~~النباتات الأصلية العيش فيها. سوف أحتاج الكثير من ~~الأدلة لتحملني على تصديق هذا. لقد كتبت هذا ~~الخطاب لأشكرك فحسب؛ ولذا، فهو لا يحتاج ردا كما ~~ترى. # لقد سمعت هذا الصباح من فيليبس ما أدهشني وهو أن ~~مجلس الجمعية الجيولوجية قد منحني ميدالية ~~وولستن! # صديقك للأبد # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 23 يناير، 1859 ~~... مرفق طيه خطابان من والاس، أحدهما لي والآخر ~~لك. تروق لي للغاية الروح التي كتبا بها. لم أكن ~~متأكدا البتة مما سيقوله. لا بد أنه رجل دمث ~~الخلق. أرجو أن تعيدهما لي؛ فيجب أن يعلم لايل كم هو ~~راض تماما. جعلني هذان الخطابان أرى بوضوح كم أدين ~~لك وللايل في تصرفكما الطيب والكريم جدا في هذه ~~المسألة بالكامل. ~~... كم سأكون مسرورا حين تكتمل النبذة؛ إذ حينها ~~يمكنني أن أستريح! # من تشارلز داروين إلى إيه آر والاس # داون، 25 يناير ~~[1859] # سيدي العزيز # إنني غاية في السعادة بتلقي خطابك لي وخطابك ~~للدكتور هوكر منذ ثلاثة أيام؛ فلتسمح لي أن أعرب عن ~~قدر إعجابي الصادق بالروح التي كتبا بها. ورغم أنني ~~ليس لي أي علاقة مطلقا بدفع لايل وهوكر للقيام بما ~~اعتقدا أنه تصرف عادل، فإنني بطبيعة الحال لم أستطع ~~التغلب على لهفتي لمعرفة كيف سيكون انطباعك. وإنني ~~أدين لك ولهما كثيرا بطريقة غير مباشرة؛ إذ يكاد ~~يغالبني اعتقاد أن رأي لايل سيثبت صحته، وأنني ما ~~كنت سأتم عملي الأكبر قط؛ فقد وجدت العمل في النبذة ~~شاقا بما يكفي في ظل اعتلال صحتي، لكنني الآن، ~~حمدا للرب، في الفصل قبل الأخير منها. ستأتي نبذتي في ~~مجلد صغير من 400 أو 500 صفحة. ومتى نشرت، سوف أرسل ~~لك نسخة بالطبع، وسترى حينئذ ما أقصده عن الدور الذي ~~أعتقد أن الانتقاء قام به مع ms494 الكائنات الداجنة. إنه ~~دور مختلف جدا، كما تفترض، عن ذلك الذي يقوم به ~~«الانتقاء الطبيعي». أرسلت على عنوان هذا الخطاب ~~نفسه، نسخة من دورية «جورنال أوف ذا بروسيدينجز أوف ذا ~~لينيان سوسايتي»، ثم أرسلت ما يقرب من ست نسخ من ~~البحث. ولدي عدة نسخ أخرى تحت أمرك. # يسرني معرفة أنك تهتم بمسألة بناء الطيور للأعشاش. ~~لقد فعلت هذا، لكن بهدف واحد دون غيره تقريبا، ألا ~~وهو إثبات أن الغرائز تتباين، وهكذا استطاع الانتقاء ~~التأثير فيها وتحسينها. ثمة غرائز أخرى قليلة، إن ~~جاز القول، يمكن حفظها في متحف. # أشكرك شكرا جزيلا على عرضك الانتباه لمسألة خطوط ~~الخيول. إن كان هناك أي حمير، فلتضفها للدراسة ~~رجاء. سررت لسماع أنك قد جمعت أقراص عسل؛ هذه من ~~هواياتي الخاصة، وأعتقد أن باستطاعتي إلقاء بعض الضوء ~~على الموضوع. إن استطعت جمع أشكال متكررة، دون أن ~~يكون المقابل باهظا جدا، فسيسرني الحصول على بعض ~~العينات مع بعض النحل من كل نوع. إن الأقراص الناشئة ~~التي في مرحلة النمو والشاذة وتلك التي لم يكن بها ~~شرانق، هي الأجدى من أجل القياسات والبحث. ولا بد أن ~~تكون حوافها محمية جيدا ضد الاحتكاك. # كل من رأيته رأى أن بحثك مكتوب بطريقة جيدة ~~جدا وشائق للغاية. إنه جعل أجزائي (المكتوبة في ~~1839؛ أي قبل عشرين عاما من الآن)، التي يجب أن أقول ~~معتذرا إنني لم أكتبها قط بهدف النشر، تتضاءل ~~أمامه. # لقد سألتني عن رأي لايل. أعتقد أنه محتار بعض ~~الشيء، لكنه لا يستسلم، ويتحدث في رعب، إلي في كثير ~~من الأحيان، عما سيكون، وما سيلحق بالطبعة التالية من ~~كتاب «مبادئ»، لو كان «مضللا». لكنه في غاية الصراحة ~~والأمانة، وأعتقد أنه سينتهي به الحال «مضللا». أما ~~الدكتور هوكر، فقد أوشك أن يصبح مخالفا للإجماع مثلك ~~أو مثلي، وإنني أراه «إلى حد كبير» أجدر حكم في ~~أوروبا. # من كل قلبي أتمنى لك الصحة والتوفيق التام في كل ~~مساعيك، ويعلم الرب، إن كان النجاح يتحقق بسبب العزم ~~والنشاط الشديدين، فأنت أكثر من تستحقه ms495 بشدة. أما ~~أنا فأرى حياتي المهنية شبه منتهية؛ فإن استطعت نشر ~~نبذتي وربما عملي الأكبر الذي يتناول الموضوع نفسه، ~~فسأرى أن مسيرتي قد انتهت. # لك مني كل الصدق والوفاء يا سيدي ~~العزيز # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 2 مارس ~~[1859] # عزيزي هوكر # إليك حقيقة غريبة، وإن كانت بسيطة جدا؛ أعتقد أنه ~~يكاد يتعذر أن نجد طائرا يبدو أن علاقته قد تكون ~~منعدمة بالتوزيع أكثر من طائر النوء. لقد شرح السير ~~دبليو ميلنير، من سانت كيلدا، بعض أفراخ النوء ~~الصغيرة، ووجد بذورا كبيرة وغريبة في حوصلاتها؛ أشك ~~أن آباءها التقطتها من تيار الخليج. يبدو أنه يولي ~~تلك البذور أهمية كبيرة. وقد طلبت منه (لكنني أشك ~~أنه سيفعل) أن يرسل بذرة إلى السير ويليام هوكر (لقد ~~ذكرت اللقب لأجل الأبهة) لأرى إن كان أي منكما ~~يستطيع التعرف على اسمها وبلدها الأصلي. هلا ذكرت ~~«رجاء» هذا الأمر للسير ويليام هوكر، وإن وصلت ~~البذرة بالفعل، فهلا تفضلت علي بإعادتها إلى ~~«البارونيت السير دبليو ميلنير، نانابلتون، تادكاستر» ~~في خطاب مسجل، وسوف أسدد أنا رسوم البريد. ولترفق ~~قصاصة الورق التي بها الاسم والبلد إن استطعت، وتخبرني ~~بالأمر بعد ذلك. وأرجو أن تسامحني على تكليفك بهذه ~~المشقة الكبيرة؛ فهي من الحقائق الصغيرة الغريبة التي ~~تستهويني. # فلننتقل الآن إلى موضوع آخر. لقد انتهيت من نبذة ~~الفصل الذي يتناول التوزيع الجغرافي؛ حيث إنه مرتبط ~~بموضوعي. أود كثيرا أن تقرأها؛ لكنني أقول هذا ~~معتقدا أنك لن تفعل، إن كنت، وهو الحال على ما ~~أعتقد، مشغولا جدا. أقسم بشرفي إنني لن أشعر ~~بإهانة، وأرجوك بحق ألا تقرأها، إن كان هذا سيزعجك. ~~وإنما أريد هذا لأنني أشعر بعدم أمان في هذا الموضوع ~~بوجه خاص، وقد تكون الأخطاء تسللت إليه. كما ~~أود كثيرا أن أعلم أكثر الأجزاء التي ستعترض عليها ~~«بشدة». أعلم أننا نختلف بدرجة كبيرة، ولا بد لنا من ~~ذلك، في عدة نقاط. وأخيرا، أود أن أعلم على الخصوص ~~ما إن كنت قد أخذت منك أي شيء، تود ms496 الاحتفاظ به حتى ~~تنشره بنفسك؛ لكن أعتقد أن أغلب ما اقتبسته كان من ~~أعمالك المنشورة، ورغم أنني اعترفت مرات عدة ~~بمعاونتك، في هذا الفصل ومواضع أخرى، فإنني مدرك أنه ~~ليس من الممكن لي أن أفعل هذا بالقدر الكافي في ~~النبذة. لكن فلتسمح لي أن أقول مرة أخرى إنه لا يجب ~~أن تعرض قراءته إن كان الأمر مضجرا جدا لك. إنه ~~طويل، وسيصير تسعين صفحة تقريبا، حين ينسخ بالكامل، ~~على ما أتوقع. # أرجو أن تكونوا جميعا بخير. لقد كان لمور بارك بعض ~~التأثير الطيب علي. # مع محبتي # سي داروين # ملحوظة: # فلتسامحني السماء، ~~إليك سؤالا آخر: لأي درجة أنا مصيب في افتراض أن أهم ~~السمات من أجل التقسيمات الرئيسية في النباتات هي السمات ~~الجنينية؟ أفترض أن البذرة نفسها لا يمكن اعتبارها كذلك، ولا ~~حتى سويداء البذور، إلخ. لكن أزعم أن الفلقات وموضعها، وموضع ~~الساق الجنينية والجذر الجنيني، وموضع الجنين بأكمله وشكله في ~~البذرة سمات جنينية، فلأي درجة تصل أهمية هذه السمات؟ أتمنى ~~أن أستشهد بالنباتات كمثال للأهمية الشديدة للسمات الجنينية ~~في التصنيف. أما عالم الحيوان، فلا يوجد شك في الأمر ~~بالطبع. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 5 مارس ~~[1859] # عزيزي هوكر # أشكرك كثيرا على البذرة ... من الغريب أن طيور النوء ~~في سانت كيلدا تتغذى فيما يبدو على بذور نمت في ~~الهند الغربية. لا بد من الإشارة إلى ما إن كانت من ~~البذور التي وردت إلى إنجلترا أم لا. إنني سعيد ~~«للغاية» أنك ستقرأ مخطوطتي الخاصة بالتوزيع الجغرافي؛ ~~إنها تنسخ الآن، وستستغرق (في اعتقادي) عشرة أيام أو ~~نحو ذلك حتى تتم، وسوف ترسل بمجرد الانتهاء ~~منها. # سيسرني كثيرا سماع أفكارك بشأن السمات الجنينية ~~للنباتات؛ ستدرك من الجملة التي أرسلتها إليك أنني ~~أريد ردا من جملة واحدة فقط؛ وهو إن كانت الحقائق ~~كما أفترض أم لا، وسوف أعرف هذا من خطابك، والذي ~~سأشكرك بشدة على إرساله. # كنت في حال متردية للغاية، في الأيام الثلاثة ~~الماضية، حتى إنني أشك أحيانا ما إن كنت ms497 سأنجز مجلدي ~~الصغير أم لا، رغم أنه أوشك جدا على ~~الانتهاء. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 15 مارس ~~[1859] # عزيزي هوكر # إنني «سعيد» بما تقوله عن فصلي؛ فإنك لم تهاجمه كما ~~خشيت أن تفعل. لا يبدو أنك اكتشفت «العديد» من ~~الأخطاء. لقد كتبته كله تقريبا من الذاكرة؛ ومن ~~ثم، كنت في خوف كبير. لقد كان من الأفضل لو كان ~~العمل قد كتب كاملا بإتقان أولا، ثم كتبت عنه ~~نبذة فيما بعد. أعتقد أنه لا بد أن يحتوي على أخطاء ~~كثيرة في بعض من آرائه العامة. سأمر سريعا فقط على ~~بعض النقاط التي في خطابك، لكن لا تكلف نفسك عناء ~~الرد إلا إن كان لديك شيء مهم لتقوله. ~~... أود أن أعلم ما إن كنت مندهشا من حالة توطن ~~الخفافيش في الجزر؛ إنني في اندهاش كبير منها؛ ربما ~~لدرجة مفرطة. # مع خالص شكري، صديقك دائما # سي داروين # ملحوظة: # لا يمكنك أن تدرك ~~كم أدخلت علي من راحة بقراءة هذا الفصل؛ إذ كنت منه في ~~شك عظيم. # سأنتهي غدا من فصلي الأخير (باستثناء التلخيص) حول القرابات ~~وتشابه النسق وعلم الأجنة، إلخ، وتبدو لي الحقائق مؤيدة ~~«جدا» لقابلية الأنواع للتغير. # كنت شغوفا جدا بإنجاز هذا الفصل. # والآن، سأبدأ، حمدا للرب، مراجعة الفصول الأولى السابقة من ~~أجل الطباعة. # غير أن صحتي الآن في تدهور شديد جدا، لدرجة أن حتى هذا ~~سيأخذ مني وقتا طويلا. # من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس # داون 24 [مارس] ~~[1859] # عزيزي فوكس # كان كرما شديدا منك أن تكتب إلي في خضم كل ~~متاعبك، رغم أنه يبدو أنك قد تجاوزت بعضا منها ~~بتعافي زوجتك وتحسن صحتك. لم أكن قد سمعت مؤخرا ~~شيئا عن صحة أمك، ويؤسفني ما سمعته عنها. لكن حيث ~~إنها لا تعاني كثيرا، فهذا أهم ما هنالك؛ إذ أعتقد أن ~~كبار السن لا يعيرون الحياة أهمية كبيرة. لا بد أنها ~~كانت فترة عسيرة عليك مع اضطرارك للسفر والعودة أكثر ~~من مرة. # كلنا جميعا على ما يرام، وصحة ابنتنا ms498 الكبرى في ~~تحسن. أما عملي، فقد أتممته، وأخيرا أنقح ~~فصولي من أجل الطباعة، وأرجو الحصول على بروفات ~~الطباعة خلال شهر أو ستة أسابيع. أشعر بسأم من ~~العمل. من الغريب جدا أنني لا أشعر أنني أضني ذهني ~~بالعمل، لكن تجبرني الحقائق على استخلاص أن ذهني لم ~~يخلق البتة ليفكر كثيرا. لقد عقدنا العزم على ~~الذهاب إلى إلكلي، أو مكان شبيه، لشهرين أو ثلاثة، ~~بعد أن أنتهي من العمل، لأرى إن كنت أستطيع استعادة ~~عافيتي بأي طريقة؛ فمن المؤكد أنها ضعفت مؤخرا، ~~وأعجزتني عن فعل أي شيء. إنك تجور علي باعتقادك ~~أنني أعمل من أجل الصيت؛ إنني أقدره إلى حد ما، ~~لكن إذا كنت أعرف نفسي، فإنني أعمل مدفوعا بغريزة ~~ما لمحاولة تبين الحقيقة. كم سأكون سعيدا إن ~~استطعت أن تأتي إلى داون يوما ما، لا سيما حين يتحسن ~~بي الحال قليلا؛ فما زلت أرجو هذا. لقد نصبنا طاولة ~~بلياردو، وأرى أن فيها فائدة عظيمة لي، وأنها تخرج ~~موضوع الأنواع الشنيع من رأسي. الوداع يا صديق العمر ~~العزيز. # مع حبي # سي داروين # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، 28 مارس ~~[1859] # عزيزي لايل # إن ظللت بحال جيد إلى حد مناسب، فأرجو أن أستطيع ~~طباعة مجلدي قريبا في مايو. لما كان الأمر كذلك، ~~أود بشدة أن ألتمس منك نصيحة صغيرة. بناء على ~~جملة جاءت في خطاب السيدة لايل، يخيل لي أنك قد ~~تحدثت إلى موراي. هل هذا صحيح؟ وهل هو على استعداد ~~لنشر نبذتي؟ إن أخبرتني ما إن كان أي شيء قد حدث، ~~وبما حدث، فسوف أكتب إليه حينذاك. هل يعلم بموضوع ~~الكتاب من الأساس؟ ثانيا، هل تستطيع نصحي ما إن كان ~~من الأفضل ذكر شروط النشر التي سوف أفضلها أم أطلب ~~منه أن يقترح هو شروطا أولا؟ وما قد تكون الشروط ~~المناسبة للنشر في اعتقادك؟ تقاسم الأرباح، أم ~~ماذا؟ # أخيرا، هلا تكرمت بالاطلاع على العنوان المرفق ~~طيه وإعطائي رأيك وأي اعتراضات؛ يجب أن تتذكر ~~أنني، إن ظللت في صحة جيدة وكان الأمر ms499 جديرا أن ~~أفعله، لدي كتاب كامل أكبر كثيرا قارب النهاية ~~حول الموضوع نفسه. # ستصير نبذتي في نحو خمسمائة صفحة في حجم الطبعة ~~الأولى من كتابك «عناصر الجيولوجيا». # أرجو أن تسامحني على إزعاجك بالاستفسارات السابقة؛ ~~فلن تلقى المزيد من الإزعاج حول هذا الموضوع. آمل أن ~~الحياة تسير معك على ما يرام، وأن تحقق النجاح في ~~أعمالك المختلفة. # إنني أكد جدا في العمل لدرجة لم أعتدها، ~~وأتوق لأن أنتهي منه وأكون حرا وأحاول استعادة بعض ~~من عافيتي. # عزيزي لايل، صديقك دائما # سي داروين # أتقدم إليك بخالص آيات الشكر على تسلمك ميدالية وولستن ~~بالنيابة عني. # ملحوظة: # هل تنصحني أن ~~أخبر موراي أن كتابي لا يحيد عن الفكر التقليدي إلا بقدر ما ~~يحتم الموضوع ذلك، وأنني لا أناقش أصل الإنسان، وأنني لا ~~أسوق أي نقاش عن سفر التكوين، إلخ، إلخ، وأنني لا أعطي إلا ~~حقائق وما أسفرت عنه من استنتاجات تبدو لي معقولة. # أم الأفضل ألا أقول لموراي «شيئا»، وأن أفترض أنه لا يمكنه ~~الاعتراض على هذا القدر من الابتداع، الذي لا يزيد في الواقع ~~عن أي دراسة جيولوجية تعارض سفر التكوين معارضة ~~مباشرة؟ # المرفق: # نبذة عن مقال # حول # أصل # الأنواع والضروب # عن طريق الانتقاء الطبيعي # بقلم # تشارلز داروين، ماجستير في الآداب # زميل الجمعية الجيولوجية والجمعية الملكية والجمعية ~~اللينية # لندن: # إلخ، إلخ، إلخ، إلخ. # 1859. # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، 30 مارس ~~[1859] # عزيزي لايل # كنت كريما لدرجة فاقت الحدود في كل ما فعلته؛ ~~فإنك لم توفر علي كثيرا من العناء وبعض القلق ~~فحسب، بل لقد فعلت أيضا الأمر كله على نحو أفضل مما ~~كنت سأستطيع أنا بمراحل. وإنني سعيد جدا بكل ما ~~قلته بشأن موراي. وسوف أكتب إليه اليوم أو غدا، ~~وبعدها بفترة قصيرة سأرسل إليه طردا كبيرا ~~بالمخطوطة، لكنني للأسف لن أستطيع فعل هذا قبل أسبوع؛ ~~حيث إن الفصول الثلاثة الأولى بين أيدي ~~النساخ. # يؤسفني اعتراض موراي على كلمة «نبذة»؛ إذ أراها ~~الاعتذار الوحيد الممكن على «عدم» إعطاء المراجع ~~والحقائق كاملة، لكنني ms500 سأذعن له ولك. إنني آسف كذلك ~~بشأن مصطلح «الانتقاء الطبيعي». وأرجو أن أحتفظ به مع ~~تفسير مثل هذا: ~~«عن طريق الانتقاء الطبيعي، أو حفظ السلالات ~~المفضلة.» # سبب حبي لهذا المصطلح هو أنه يستخدم باستمرار في ~~كل الأعمال التي عن الاستيلاد، حتى إنني مندهش أنه ليس ~~مألوفا لموراي، لكنني درست تلك الأعمال طويلا حتى ~~إنني لم أعد حكما كفؤا. # مرة أخرى أشكرك بكل صدق وحرارة على مساعدتك ~~الشديدة الأهمية بحق لي. # مع بالغ إخلاصي # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 2 أبريل ~~[1859] ~~... لقد كاتبته [السيد موراي] وأعطيته عناوين ~~الفصول، وأخبرته أنه لن يمكنه الحصول على المخطوطة ~~قبل عشرة أيام أو نحو ذلك؛ وهذا الصباح تلقيت ~~خطابا، عرض فيه شروطا رائعة، ووافق على النشر دون ~~رؤية المخطوطة! إذن فهو متحمس جدا؛ على أي حال أعتقد ~~أنني كان لا بد أن أتوخى الحذر، لكنني، بسبب خطابك، ~~أخبرته «بأقصى درجات الوضوح» أنني سأقبل عرضه بشرط ~~وحيد، وهو أن يكون له كل الحق في التراجع، بعد رؤية ~~المخطوطة كلها، أو جزء منها. ستعتقد أنني مغرور، لكنني ~~أعتقد أن كتابي سيحظى إلى حد ما بالشهرة (شهرة ~~كافية لتقيه الخسارة الفادحة) وسط العلماء وأشباههم؛ ~~أما سبب اعتقادي هذا، فهو أنني قد وجدت في حواراتي ~~مع هؤلاء الرجال، وبعض الرجال غير العلميين، ~~اهتماما كبيرا ومدهشا جدا بهذا الموضوع، كما أن ~~فصولي ليست كلها في جفاف وملل ذلك الذي قرأته عن ~~التوزيع الجغرافي. على أي حال، ينبغي أن يكون موراي ~~أفضل من يفصل في ذلك؛ فإن اختار أن ينشره، فأعتقد أنه ~~سيجوز لي إعفاء نفسي من أي مسئولية. وإنني مطمئن أن ~~صديقي؛ أي لايل وأنت، قد بلغ بهما الكرم مبلغه فيما ~~تكبداه في سبيل هذا الموضوع. # سيسرني أن أراك في اليوم السابق للجمعة الحزينة، ~~لكن سيكون ثمة منفعة لك في أي يوم آخر غيره - إذ ~~أعتقد أن أولادي سيأتون للمنزل في ذلك اليوم - وسيكون ~~شبه مستحيل أن أتمكن من إرسال العربة لك. وأعتقد أنه ~~سيكون ms501 لدينا بعض الأقارب في المنزل، لكن أرجو ألا ~~تبالي بذلك؛ حيث لا شك أنه سيتيسر لنا الحديث بقدر ~~ما يسمح ضعف حالي. ستسرني رؤيتك أيما سرور. ~~... إنني متعب؛ لذا لن أزيد عن ذلك. # لك مني كل المحبة يا عزيزي هوكر # سي داروين # ملحوظة: # أرجوك أن ترسل لي ~~مخطوطتي عن التوزيع الجغرافي، «مربوطة جيدا» بحبل متين، ~~قبيل النصف الثاني من الأسبوع القادم - أي في السابع أو ~~الثامن من هذا الشهر - حتى أرسلها مع غيرها إلى موراي، ~~وليساعده الرب إذا حاول قراءتها. ~~... لا أملك التغلب على شك ضئيل بأن لايل سيعاني كثيرا ~~حتى يحث موراي على نشر كتابي، لكن لم يكن هذا بناء على طلبي، ~~بل إنه بالأحرى يحز في كبريائي. # أعلم أن لايل كان كريما «لأقصى درجة» بشأن مسألتي، لكن ~~كتابتك كلمة «حث» مع وضع خط تحتها توحي بأن لايل قد حث ~~موراي دون وجه حق. # من تشارلز داروين إلى آسا جراي # 4 أبريل [1859] ~~... طلبت مني أن ترى أوراقي مطبوعة؛ أؤكد لك أن ~~القيام بذلك سيجعلني في «غاية» الرضا؛ إذ أرى هذا ~~الطلب إطراء رفيع المستوى. ولك أن تطمئن أنني لن أنسى ~~طلبا أراه معروفا. لكنني (ويا لها من «لكن» ثقيلة ~~علي) لن أطبع قبل مدة طويلة؛ ويمكنني أن أقول ~~بأمانة إنني لا أتبطل عن العمل «مطلقا»؛ بل إنني أعمل ~~عملا شاقا جدا بالنظر لصحتي المتدهورة للغاية؛ ~~رغم ذلك فإني لا أستطيع أن أعمل سوى ثلاث ساعات ~~يوميا، ولا أدري مطلقا متى سأنتهي من العمل. لقد ~~أنجزت أحد عشر فصلا طوالا، لكن لدي بعض الفصول ~~الأخرى الصعبة جدا، مثل فصول علم الحفريات ~~والتصنيفات وعلم الأجنة، إلخ؛ وعلي تصحيح كل التي ~~تمت وإضافة الكثير إليها. للأسف، أجد أن كل فصل يأخذ ~~مني ثلاثة شهور في المتوسط، فكم أنا بطيء! كذلك ليس ~~للاستطرادات الضرورية نهاية. لقد انتهيت للتو من فصل ~~حول الغريزة، حيث وجدت أن تناول موضوع مثل موضوع خلايا ~~النحل، ومقارنة كل ملحوظاتي التي جمعتها خلال عشرين ~~عاما، استغرقا فترة زمنية طويلة ms502 ومثيرة ~~للإحباط. # لكنني استفضت في الحديث عن نفسي بأسلوب غاية في ~~الأنانية. بيد أنه لا بد فقط أن أقول كم وجدت مرارا ~~وتكرارا أن خطاباتك، التي كنت أطالعها وأقتبس منها ~~مؤخرا، مفيدة! لكن لست بحاجة لأن تخشى أن أقتبس منها ~~أي شيء مما قد لا يروق لك؛ إذ أحاول توخي أشد الحذر في ~~هذا الصدد. أرجو من كل قلبي أن توفق في التخلص من ~~«كابوس» العمل القديم، وأن تصير رجلا حرا بعض ~~الشيء. # مرة أخرى اسمح لي أن أخبرك أنني أشعر حقا ~~بالامتنان لك. # من تشارلز داروين إلى جيه موراي # داون، 5 أبريل ~~[1859] # سيدي العزيز # أرسل مع هذا الخطاب العنوان (مع بعض الملحوظات في ~~صفحة مستقلة)، والفصول الثلاثة الأولى. إن كان لديك ~~الصبر لقراءة الفصل الأول بأكمله، فأعتقد حقا أنه ~~سيصير لديك فكرة معقولة عن موضوع الكتاب بالكامل. قد ~~يكون ذلك غرورا، لكنني أعتقد أن الموضوع سيثير ~~اهتمام العامة، (وإنني متأكد أن ما به من آراء أصلية.) ~~إن كنت ترى غير ذلك، فلا بد أن أكرر طلبي أن ترفض ~~عملي بحرية؛ ورغم أنني سأحبط قليلا، فلن أشعر ~~بإهانة بالمرة. # إن اخترت قراءة الفصلين الثاني والثالث، فستجد، في ~~رأيي، فصلا مملا وعويصا بعض الشيء، وآخر سهلا ~~ومسليا. # بمجرد أن تفرغ من المخطوطة، أرجوك أن ترسلها مع ~~«مرسال حذر»، و«توجهها توجيها واضحا» إلى الآنسة ~~جي توليت، 14، شارع كوين آن، ميدان كافينديش. # لما كانت هذه الآنسة خبيرة ممتازة في الأسلوب، فسوف ~~تنتبه للأخطاء من أجلي. # لا بد أن تأخذ وقتك في القراءة، لكن كلما سارعت في ~~إتمامها، سارعت هي، وسارعت أنا في الذهاب بعملية ~~للمطبعة، وهو ما أتمناه بشدة. # أفترض أنك سترغب في رؤية الفصل الرابع، حجر الزاوية ~~في بنائي، والفصلين العاشر والحادي عشر، لكن أرجوك أن ~~تبلغني بذلك. # مع إخلاصي يا سيدي العزيز # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 11 أبريل ~~[1859] ~~... أكتب إليك خطابا قصيرا لأقول إنني تلقيت خطابا ~~من موراي أمس، حيث يقول إنه قد قرأ أول ms503 ثلاثة فصول من ~~مخطوطتي (ويشمل هذا فصلا مملا جدا)، وما زال ~~ملتزما بعرضه. إذن فهو لا يريد المزيد من المخطوطات، ~~وبإمكانك إرسال فصل التوزيع الجغرافي متى تريد. ~~[يبدو أن جزءا من المخطوطة قد ضاع في طريق عودته ~~إلى أبي؛ فقد كتب (في 14 أبريل) إلى السير جيه دي هوكر ~~قائلا]: # لدي المخطوطة القديمة، ولولا هذا لكانت الخسارة ~~قد قتلتني! السيئ في الأمر الآن أن هذا سيسبب ~~تأخيرا في بلوغ العمل المطبعة، و«الأسوأ» هو خسارة ~~فائدة اطلاعك على فصلي، ما عدا الجزء الثالث الذي عاد. ~~يؤسفني بشدة أن السيدة هوكر تجشمت مشقة نسخ ~~الصفحتين. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر ~~[أبريل أو مايو، ~~1859] ~~... أرجو ألا تخبر أحدا أنني اعتقدت أن كتابي عن ~~الأنواع سيحظى بشهرة معقولة، ويحقق مبيعات مجزية بعض ~~الشيء (وهو ما كان أقصى طموحي)؛ إذ إن فشل فشلا ~~ذريعا، فسيجعلني ذلك أبدو أكثر حماقة. # أرفق إليك نقدا، عينة مما سيحدث مستقبلا: # خطاب المبجل إس هوتون أمام الجمعية الجيولوجية، ~~دبلين [9 فبراير، 1859]: # هذا التخمين الذي تقدم به السيدان داروين ووالاس ~~ما كان ليستحق الاهتمام لولا ثقل نفوذ الاسمين (أي، ~~اسمك واسم لايل)، اللذين طرح تحت رعايتهما. وإن كان ~~يعني ما ينطق به، فهو شيء بديهي؛ وإن كان يعني شيئا ~~أكثر من ذلك، فهو مناف للحقيقة. # وهو المطلوب إثباته. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 11 مايو ~~[1859] # عزيزي هوكر # أشكرك على إخباري بوجود غموض في الأسلوب. لكن لعمري ~~ما كان لعبد يقرع بالسوط أن يستطيع الاجتهاد في سبيل ~~الوضوح أكثر مما فعلت. إلا أن صعوبة القيام بذلك في حد ~~ذاتها تؤدي لاحتمالية فشلي فيه. رغم ذلك لم تجد الآنسة ~~التي قرأت مخطوطتي كلها سوى جملتين أو ثلاث غامضة، ~~لكن بما أن السيدة هوكر قد وجدتها غامضة كذلك، فهذا ~~كفيل بأن يجعلني أرتعد؛ لذا سوف أبذل قصارى جهدي في ~~البروفات. إنك رجل رائع للاهتمام بالكتابة عن هذا ~~الأمر. # فيما يتعلق بحالة الاختلاف التي بيننا، فلم يخطر لي ~~للحظة أن ms504 أحدنا لا يستطيع توضيح أفكاره للآخر بالحديث، ~~أو بالكتابة بإسهاب، إن أتيح لأي منا الوقت. # يخيل لي من بعض التعبيرات (لكن إن سألتني ما هي، ~~لن أستطيع الإجابة) أنك ترى القابلية للتباين ~~باعتبارها عارضا ضروريا بالنسبة للكائنات، بل إن ~~ثمة نزعة ضرورية في القابلية للتباين لأن تؤدي ~~للتشعب في الطابع أو الدرجة. «إن كان هذا هو ما ~~تراه»، فأنا أختلف معك. ومرة أخرى، أنا لا أرى ~~«الارتداد» (وهو نوع من الوراثة) مرتبطا ارتباطا ~~مباشرا بالتباين على الإطلاق، رغم ما للوراثة من ~~أهمية أساسية لنا بالطبع؛ إذ إن لم يورث تباين ما، ~~فلن يكون ذا اعتبار لنا. «خيل لي» أن ~~نقاط انطلاقنا ربما كانت مختلفة في نقاط مثل هذه. # أخشى أن كتابي لن يستحق على الإطلاق الأشياء الجميلة ~~التي تقولها عنه؛ يا إلهي، كم أتطلع بشدة لأن أنتهي ~~منه! # دعني الآن أنتقل لموضوع آخر. لقد تلقيت بحث إيه ~~جراي وقد «أثار اهتمامي بشدة». إنني سعيد بملحوظته عن ~~بحثي أنا ووالاس. إنه سيغير من آرائه؛ فليس من المجدي ~~أن يسقط أنواعا كثيرة جدا، ويتوقف عند أخرى ~~اعتباطيا. هذا ما قاله جدي عن التوحيدية بأنها «فراش ~~وثير لتلقف المسيحيين الزائغين عن الطريق ~~القويم.» # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 18 مايو ~~[1859] # عزيزي هوكر # لقد تدهورت صحتي تماما. وسأغادر غدا للحصول على ~~أسبوع من العلاج المائي. يؤسفني جدا حقا أن أقول ~~إنني لا أستطيع الاطلاع على أي بروفات [من المقال ~~التقديمي لعمل هوكر «نباتات أستراليا»] خلال هذا ~~الأسبوع؛ إذ إن هدفي هو إخراج الموضوع من رأسي. وسوف ~~أعود بعد أسبوع. يمكنك الاحتفاظ بالبروفات حتى عودتي ~~للمنزل، إن كان الأمر يستحق ذلك، لكنه على الأرجح لا ~~يستحق. # كتبت هذا في عجالة، صديقك إلى الأبد # سي داروين ~~[بعد عشرة أيام كتب إلى جيه دي هوكر قائلا: ~~... أكتب إليك خطابا قصيرا لأخبرك أنني سوف أعود يوم السبت، ~~وإن كان لديك أي بروفات طباعة لترسلها، فسيسرني أن أفعل ما في ~~وسعي لفحصها. # لقد كنت ... في إعياء ms505 ذهني وجسدي شديد، لكن الراحة التامة ~~والاستحمام بالمنضحة ورواية «آدم بيد»، معا جعلتني في حال ~~طيب للغاية.] # من تشارلز داروين إلى جيه موراي # داون، 14 يونيو [1859] # سيدي العزيز # سيفي الرسم بالغرض تماما، وسوف أرسله إلى السيد ويست قريبا لإجراء بعض ~~التعديلات البسيطة عليه. # يمضي بي العمل في البروفات بطيئا جدا. أتذكر أنني كتبت إليك أنني كنت ~~أعتقد أنه لن يكون ثمة الكثير من التصويب. لقد كتبت ما اعتقدته بكل ~~أمانة، لكنني كنت مخطئا بشدة. إنني أجد الأسلوب سيئا لدرجة لا تصدق، ~~ويصعب جدا جعله واضحا وسلسا. ويؤسفني للغاية أن أقول إن التصحيحات، من ~~ناحية التكلفة، وضياع الوقت بالنسبة لي، فادحة جدا، كأشد ما تكون ~~الفداحة. لكن بعد اختلاس بعض النظرات السريعة، ما زلت أرجو ألا تكون الفصول ~~التالية مكتوبة بالأسلوب الركيك نفسه. إنه غير معقول على الإطلاق أن تكون ~~الكتابة بهذه الدرجة من الرداءة، لكن أفترض أن هذا راجع لانصباب جل ~~اهتمامي على الخطوط العامة للموضوع، بدلا من التفاصيل. في النهاية، لا ~~يسعني سوى أن أقول إنني في غاية الأسف. # مع إخلاصي الشديد # سي داروين # ملحوظة: # لقد أخذت أطالع التصحيحات، ~~وأتمعن فيها. ويبدو لي أنني سوف أكلفك كلفة غير عادلة بالمرة. إن وافقت، ~~أود عقد اتفاق مثل الاتفاق التالي: حين يتم العمل، تحدد في الحساب ~~مقابلا كبيرا وعادلا للتصحيحات، وكل ما يزيد عنه، يخصم من أرباحي، أو ~~أسدده بنحو مباشر. # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، 21 يونيو ~~[1859] # رغم أنني أعمل بكد شديد، فإنني أتقدم ببطء؛ إذ أجد ~~تصويباتي كثيرة لحد رهيب، والعمل في غاية الصعوبة ~~علي. لقد صححت 130 صفحة، والمجلد سيقع في 500 صفحة. ~~وقد قمت بكل ما في وسعي لأجعله واضحا ومميزا، لكن ~~أخشى بشدة أن أكون قد فشلت في ذلك - فالعديد من ~~النقاشات محيرة جدا ولا بد أن تكون كذلك. لقد بذلت ~~قصارى جهدي. لو كان معك كل ما لدي من مواد، فلدي ~~يقين أنك كنت ستؤلف كتابا رائعا. أتلهف بشدة ~~للانتهاء منه؛ فإنني على ms506 شفا الإنهاك. # مع إخلاصي الشديد دائما لك يا عزيزي ~~لايل # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 22 [يونيو، ~~1859] # عزيزي هوكر # لم أرد على خطابك المبهج، بتاريخ 30 مايو، الذي ~~حمل كثيرا من الأخبار السعيدة لي لأنني كنت منتظرا ~~منك إرسال بروفات طباعة. لكن الآن، بما أنني ليس لدي ~~شيء على وجه الخصوص لأفعله، ها أنا أرسل خطابا، رغم ~~أن ليس لدي شيء معين لأقوله أو أطلبه. في الواقع، ~~كيف يمكن لرجل أن يكون لديه أي شيء ليقوله وهو يقضي كل ~~أيامه في تنقيح بروفات بغيضة؛ وبروفات كتلك! علي ~~بحق تسويدها بالحبر، وتثبيت قصاصات ورق عليها؛ فقد ~~وجدت الأسلوب بائسا جدا. قلت إنك قد حلمت بأن كتابي ~~كان «مسليا»؛ أوشك هذا الحلم أن يتلاشى بالنسبة لي، ~~وبدأت أخشى أن العامة سيجدونه جافا ومحيرا لدرجة لا ~~تحتمل. لكنني لن أنكر أبدا أنه كان بإمكان شخص أفضل ~~مني أن يعد كتابا رائعا من المواد التي لدي. ~~سرني سماع أخبار بحث بريستويتش. كنت أشك (وأرى أن ~~رايت قد عبر عن الشك نفسه في دورية «ذا أثانيام») ما ~~إن كانت قطع الصوان أدوات فعلا؛ حيث إن أعدادها ~~تجعلني أشك، وحين رأيت رسوم بوشيه دي بيرت، استنتجت ~~أنها كانت شظايا ذات زوايا حطمها النشاط ~~الجليدي. # هل جاءت تجربة تهجين أشجار الأكاسيا بأي نتائج ~~مثمرة؟ إنني في غاية الإجهاد من العمل، حتى إنني لا ~~أقوى على إجراء أي تجارب. لقد فرغت فقط من 150 صفحة ~~من البروفة الأولى. # وداعا، يا عزيزي هوكر، صديقك إلى ~~الأبد # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه موراي # داون، 25 يوليو ~~[1859] # سيدي العزيز # أكتب إليك لأخبرك أن خمس ورقات سترسل للمطبعة ~~لطباعتها، بينما ستحتاج ورقتان أخريان مراجعة فحسب؛ ~~هكذا أفترض أن عليك أن تقرر قريبا عدد النسخ التي ~~ستطبع. # إنني غير قادر على التوصل لرأي بالمرة. إذ أعتقد ~~أنني جعلت الأسلوب جيدا وواضحا «لحد معقول»، ~~بمعاناة شديدة. لكنني لا أستطيع حقا أن أخمن ما ~~إن كان الكتاب سيصبح ms507 ناجحا لدرجة ترضيك أم لا. لكنني ~~أرجو ذلك من كل قلبي. # مع إخلاصي الشديد يا سيدي العزيز # سي داروين # من تشارلز داروين إلى إيه آر والاس # داون، 9 أغسطس، 1859 # سيدي العزيز والاس # لقد تلقيت خطابك وبحثك [ربما كان هذا بحثه «عن ~~التوزيع الجغرافي للحيوانات في أرخبيل المالايو»] في ~~السابع من هذا الشهر، وسوف أرسل الأخير غدا إلى ~~الجمعية اللينية. لكن لتعلم أنه لن ينعقد اجتماع حتى ~~مستهل نوفمبر. يبدو لي بحثك «جديرا بالتقدير» من ~~ناحية الموضوع والأسلوب والاستدلال؛ وأشكرك على السماح ~~لي بقراءته. لو كنت قرأته منذ عدة أشهر، لكنت استفدت ~~منه في مجلدي القادم. لكن الفصلين اللذين تناولت فيهما ~~هذا الموضوع جاهزان للطباعة، ورغم أنهما لم ينقحا ~~بعد، فإنني منهك وخائر الصحة حتى إنني عزمت تماما ألا ~~أضيف لهما كلمة واحدة، وأن أقتصر على تحسين الأسلوب ~~فقط. سترى أن آرائي تكاد تكون مثل آرائك، ولك أن تثق ~~أنني لن أغير كلمة واحدة بسبب قراءتي لأفكارك. هل ~~تعلم أن السيد دبليو إيرل نشر منذ عدة سنوات عن توزيع ~~الحيوانات في أرخبيل الملايو، وعلاقته بعمق المياه بين ~~الجزر؟ لقد اندهشت كثيرا من هذا، وظللت أسجل كل ~~الحقائق المتعلقة بالتوزيع في ذلك الأرخبيل، وغيره، ~~فيما يتعلق بهذا الشأن. وتوصلت لاستنتاج مفاده حدوث ~~قدر كبير من الاستيطان في جزر الملايو المختلفة، وهو ~~ما قد يبرر إلى حد ما، في اعتقادي، الحالات الشاذة. ~~وكانت تيمور أكبر أسباب حيرتي؛ فما رأيك في حيوانات ~~السنور الغريبة هناك؟ أتمنى أن تكون قد زرت تيمور؛ فقد ~~تأكد العثور على حفرية لسن مستودون أو فيل (لا أذكر ~~أيهما) هناك، وهو ما سيشكل واقعة هامة. كنت أعلم أن ~~جزيرة سيليبز كانت مختلفة جدا؛ لكن العلاقة بأفريقيا ~~جديدة تماما بالنسبة لي، ومدهشة، وتكاد تستعصي على ~~التصديق. إنها في غرابة العلاقة بين «النباتات» في ~~جنوب غرب أستراليا ورأس الرجاء الصالح. أختلف معك ~~«كلية» في مسألة استيطان الجزر المحيطية، لكنك ستجد ~~«الجميع» في صفك. وأتفق تماما فيما يتعلق بكل الجزر ~~التي لا ms508 توجد بعيدا في المحيط. كذلك أتفق تماما ~~بشأن وقوع هجرات متبادلة صغيرة عابرة بين الأراضي ~~[الجزر؟] حين كانت عامرة بالكائنات، لكن لا أعتقد أن ~~هذا ينطبق على الجزر المرتفعة والقليلة الكائنات. هل ~~تدرك أن الطيور تأتي مع الرياح إلى ماديرا وجزر الأزور ~~(وإلى برمودا من أمريكا) «سنويا»؟ ليتني أعطيت ~~نبذة أكثر اكتمالا بأسبابي لعدم الإيمان بنظرية ~~فوربس عن الامتدادات القارية الكبرى؛ لكن فات الأوان، ~~فلن أغير أي شيء - إذ إنني منهك ويجب أن أنال قسطا من ~~الراحة. لا يساورني شك أن أوين سيعارضنا معارضة ~~مريرة. سينشر هوكر مقدمة عظيمة عن نباتات أستراليا، ~~وسيسهب في التفاصيل. وقد رأيت بروفات نصف الكتاب ~~تقريبا. لك مني أطيب الأمنيات. # مع كل الصدق والوفاء # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 1 سبتمبر ~~[1859] ~~... لست مندهشا أنك وجدت مقدمتك في غاية الصعوبة. لكن ~~لا تمتعض مما بذلته من جهد، ولا تقل إن «جهدك قد ضاع ~~سدى» وإنك «في مأزق شديد»؛ فلدي يقين أن النتيجة ~~ستكون مكافئة للجهد المبذول. إن كنت لست مغفلا، فلا بد أن أكون خبيرا إلى حد ما بقيمة مثل هذه المقالات ~~العامة، وإنني مقتنع تماما أن مقالاتك هي أهم ما نشر ~~على الإطلاق. # لقد نقحت كتابي كله ما عدا الفصلين الأخيرين، ~~وأرجو أن أنتهي من عمليات المراجعة وكل شيء خلال ثلاثة ~~أسابيع تقريبا، وبعدها سأسافر (أو نسافر جميعا) من ~~أجل بضعة شهور من جلسات العلاج المائي؛ لقد صارت صحتي ~~في حال سيئ جدا، وصرت ضعيفا كالطفل، وغير قادر على ~~فعل أي شيء مطلقا، ما عدا ساعات العمل الثلاثة ~~اليومية في بروفات الطباعة. يعلم الرب ما إن كنت ~~سأصبح قادرا على فعل أي شيء مرة أخرى. ربما تأتي ~~الراحة الطويلة والعلاج المائي بنتائج جيدة. # لم يصلني مقال إيه جراي بعد، ولا أشعر أنني قادر على ~~نقده، حتى إن واتتني الوقاحة والشجاعة لذلك؛ فلتصدقني ~~أنني أنطق بالحقيقة التامة حين أقول إن مقالك عن ~~أستراليا يثير اهتمامي «للغاية»، لدرجة أنني سأستمتع ~~بإعادة قراءته، ms509 وإن كنت تعتقد أن مؤاخذاتي ذات أي ~~أهمية لك، فأرجوك أن ترسل لي البروفات (إن كنت تستطيع ~~الانتظار حتى أصير أفضل حالا)؛ إلا أنني أفضل قراءة ~~المقال حين ينشر، إن لم أستطع أن أسدي إليك القليل ~~من المساعدة، مهما كانت قليلة. أرجو أن تدرك أنني سوف ~~أستاء «بحق» إن لم أقرأها لأجلك إن أردت ذلك. # لقد عانيت من نوبة مرض طويلة أمس، مما يجعلني ~~أرى العالم شديد الكآبة اليوم، وتحدوني رغبة عارمة ~~لحد الجنون للانتهاء من كتابي البغيض؛ فلم أر من ~~قبل قط تلك التصويبات التي احتاجتها كل صفحة. إنه ~~يبعث على الإعياء الشديد، ويستحوذ على فترة ما بعد ~~الظهيرة كلها، حيث لا أفعل شيئا مطلقا بعد الساعة ~~الثانية عشرة. لكنني لن أتذمر أكثر من ذلك. الوداع، ~~وأرجو أن نلتقي في الشتاء. # الوداع يا عزيزي هوكر # صديقك المحب # سي داروين # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، 2 سبتمبر ~~[1859] ~~... يسرني كثيرا أنك تود رؤية بروفات الطباعة بعد ~~الانتهاء من تنقيحها! كان يجب أن أعرضها عليك، لكن لم ~~أعلم ما إن كنت ستراها مملة أم لا؛ لقد أرسلت خطابا ~~في هذا الصباح لموراي حتى يرسلها. للأسف لم أصل لأكثر ~~جزء سيثير اهتمامك، حسبما أعتقد، وهو الذي يؤيد ~~النظرية بشدة؛ أي الجزء الخاص بالتعاقب الجيولوجي ~~والتوزيع الجغرافي، وبوجه خاص علم التشكل وعلم ~~الأجنة والأعضاء الأثرية. سأحرص على أن ترسل الصفحات ~~المتبقية إليك عند طباعتها. لكن هل تود أن أرسل ~~النسخ الأخيرة الخالية من الأخطاء بمجرد أن أصححها؟ إن ~~كنت تريد ذلك، فلترسل لي عنوانك في ظرف فارغ. أرجو أن ~~تقرأها كلها، سواء كانت مملة (خاصة الجزء الأخير من ~~الفصل الثاني) أم لا؛ فإنني مقتنع أنه لا يوجد جملة ~~إلا ومرتبطة بحجة العمل ككل. سوف تجد الفصل الرابع ~~محيرا ومبهما، دون مساعدة الرسم الغريب المرفق [الذي ~~يبين علاقة الانحدار بالتشعب]، الذي سأرسل منه بروفة ~~قديمة وعديمة الجدوى. لقد أكثرت جدا في التصحيح، ~~كما يقول موراي، حتى إنني أعدت كتابته تقريبا؛ ورغم ~~ذلك أخشى ms510 أن يكون مكتوبا على نحو سيئ؛ فالأجزاء ~~متشابكة؛ ولا أعتقد أنه حتى أنت تستطيع أن تجعلها ~~واضحة تماما. أرجوك ألا تتعجل التقيد (مثل كثير ~~جدا من علماء التاريخ الطبيعي) ببلوغ حد معين وعدم ~~تخطيه فيما يتعلق بقبول النظرية؛ فلدي قناعة راسخة ~~أنه من الضرورة الشديدة تخطي كل الحدود بقبول النظرية ~~بالكامل ، أو التمسك بفكرة الخلق المستقل لكل نوع؛ ~~أناقش هذه النقطة بإيجاز في الفصل الأخير. ولتتذكر أن ~~التأثير الذي سيحدثه حكمك غالبا ما سيفوق تأثير كتابي ~~في تحديد ما إن كانت وجهات النظر التي أتبناها ستقبل ~~أو ترفض في الوقت الحاضر؛ أما في المستقبل فلا يمكن ~~أن يساورني الشك في قبولها، وأن الأجيال القادمة ~~ستتعجب من الاعتقاد السائد كما نتعجب من الاعتقاد الذي ~~كان سائدا بأن الأصداف المتحجرة قد خلقت على الصورة ~~التي نراها عليها الآن. لكن فلتسامحني على الإسهاب في ~~الحديث عن الموضوع الذي يشغلني. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # داون، 11 [سبتمبر]، ~~[1859] # عزيزي هوكر # لقد صححت البروفة الأخيرة أمس، ولدي الآن النسخ ~~المنقحة والفهرس، إلخ، التي سأعمل فيها حتى قرب نهاية ~~الشهر. وهكذا سينتهي أصعب جزء من العمل، حمدا ~~للرب. # أكتب إليك الآن لأقول إن ضميري يؤنبني لترددي إزاء ~~الاطلاع على بروفاتك، لكنني كنت أشعر بتوعك وإرهاق ~~لحد فظيع حين كتبت إليك. أنا لا أعتقد أن بإمكاني أن ~~أكون مفيدا لك على الإطلاق، ولكن إن كان بإمكاني ذلك، ~~فأرجوك أن ترسل لي أي بروفات. سوف أكون (بل أخشى أنني ~~كنت) أجحد الرجال للتردد في فعل أي شيء بعد خمسة ~~عشر عاما أو أكثر من مساعدتك لي. # بمجرد أن أنتهي من العمل تماما، سأذهب إلى إلكلي، ~~أو أي مصحة أخرى للعلاج المائي. لكن ما زال أمامي بعض ~~الوقت؛ فقد صارت بروفاتي ملتبسة بالتصويبات، حتى إنه ~~علي التصحيح بكثرة في النسخ المنقحة. # اقترح موراي نشر الكتاب في الأسبوع الأول من نوفمبر. ~~أوه، يا إلهي، كم سيرتاح ذهني وجسدي حين أقصي الموضوع ~~برمته عن رأسي! # أدعو الرب ألا تراني ms511 فظا فيما يتعلق بمسألة ~~بروفاتك. # مع حبي، الوداع # سي داروين # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، 20 سبتمبر ~~[1859] # عزيزي لايل # كنت من قبل سببا في سعادتي الغامرة، أو بالأحرى ~~بهجتي، بسبب طريقة اهتمامك بأفكاري عن الشعاب ~~المرجانية، التي لم أكن أتوقعها قط، والآن أعطيتني ~~مرة أخرى سعادة مشابهة بالطريقة التي أشرت بها إلى ~~عملي حول الأنواع [وذلك في اجتماع الجمعية البريطانية ~~في أبردين عام 1859.] لا يمكن لشيء أن يجعلني أكثر ~~سعادة من ذلك، وإنني أشكرك على ما أسديته لي، بل ~~أشكرك أكثر لما قدمته الموضوع، حيث أعلم جيدا أن هذه ~~الكلمة ستجعل الكثيرين ينظرون للموضوع بإنصاف بدلا ~~من الاستهزاء به. ورغم أن ما ساورك من شكوك في السابق ~~بشأن عدم قابلية الأنواع للتغير، قد يكون له دور أكبر ~~في تغيير وجهة نظرك (إن كانت قد تغيرت) من كتابي؛ فإنه ~~لما كنت أرى أن حكمك أهم لدي، وأعتقد لدى العالم من ~~عدة رجال آخرين، فإنني بطبيعة الحال في لهفة شديدة ~~لسماعه؛ ومن ثم، أرجوك أن تظل منفتح الذهن حتى ~~تتلقى (ربما خلال أسبوعين) فصولي الأخيرة، التي تعد ~~الأهم من بين كل الفصول في الجانب المؤيد لقابلية ~~الأنواع للتغير. أعتقد أن الفصل الأخير، الذي يلخص ~~كل الحجج المؤيدة والمعارضة ويوازن بينها، سيكون ~~مفيدا لك. لن أستطيع التعبير عن اقتناعي الشديد بصحة ~~معتقداتي، ويعلم الرب أنني لم أتجاهل أي صعوبة قط. ~~أتلهف لحد الحماقة لسماع حكمك، ليس لأنني سأصاب ~~بإحباط إن لم تغير وجهة نظرك؛ إذ أتذكر السنوات الطوال ~~التي استغرقتها حتى أغير اتجاهي، لكنني سأكون في غاية ~~السرور إن غيرت رأيك، ولا سيما إن كان لي نصيب كبير ~~في هذا التحول، وسأشعر حينذاك أن مساري المهني قد ~~انتهى، ولن أهتم كثيرا ما إن كنت مفلحا في أي شيء ~~ثانية في هذه الحياة. # أشكرك شكرا جزيلا على السماح لي بذكر عبارة [في ~~كتابي] عن شكك العميق في هذا الشأن. والآن، كفى حديثا ~~عن نفسي. # لقد قرأت باهتمام بالغ البحث الذي قرئ في ms512 أبردين ~~بشأن الأدوات المصنوعة من الصوان؛ لقد جعلت المسألة ~~برمتها أوضح كثيرا لي؛ أفترض أنك لم تعتقد أن الدليل ~~كاف فيما يتعلق بالعصر الجليدي. # أشكرك مخلصا على إشارتك الرائعة إلى كتابي. # ولك مني كل الصدق يا عزيزي لايل، تلميذك ~~المحب. # تشارلز داروين # من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس # داون، 23 سبتمبر ~~[1859] # عزيزي فوكس # سرني جدا تلقي خطابك منذ بضعة أيام خلت. كنت ~~أود سماع أخبارك، لكنني كنت في حال من الانشغال ~~والخضوع والإنهاك في العمل حتى إنني لم تكن تواتيني ~~الرغبة في الكتابة إلى أي أحد أو فعل أي شيء خارج حدود ~~عملي اليومي إلا مجبرا. ورغم أنك قلت عن نفسك إنك في ~~تحسن، فإنني لا أستطيع أن أرى ذلك مرضيا على ~~الإطلاق، وأتمنى أن تذهب قريبا إلى مولفرن مرة أخرى. ~~اعتاد أبي الإيمان الشديد بمقولة قديمة مفادها أنه إذا ~~ازداد الرجل نحولا بين عمر الخمسين والستين، ففرصته ~~في الحياة المديدة ضعيفة، وعلى العكس من ذلك إذا ازداد ~~سمنة كانت تلك علامة مبشرة جدا؛ من ثم، أرى بدانتك ~~فألا حسنا جدا. أما أنا، فكانت صحتي متدهورة لأقصى ~~درجة طوال هذا الصيف؛ ولم أبق متماسكا إلا بالذهاب ~~إلى مور بارك لفترات قصيرة؛ لكنني تحسنت مؤخرا، ~~وأخيرا، شكرا للرب، كدت أنتهي من كتابي، حيث لم يتبق ~~سوى الفهرس واثنتين أو ثلاث نسخ منقحة لأقرأها. سينشر ~~الكتاب في الأسبوع الأول من نوفمبر، وسترسل نسخة منه ~~إليك؛ فلتتذكر أنه ليس سوى نبذة (لكنها استغرقت مني ~~أكثر من ثلاثة عشر شهرا في كتابتها)، وأن الحقائق ~~والمراجع ليست مذكورة بالكامل على الإطلاق. سيكون ~~لدي فضول لسماع رأيك بشأنه، لكنني لست من الحماقة ~~الشديدة لأتوقع أن أحملك على الارتداد عن معتقدك. لقد ~~قرأ لايل نصف المجلد من النسخ المنقحة، وهو يثني علي ~~«عظيم الثناء». إنه متردد كثيرا بشأن عدم قابلية ~~الأنواع للتغير، لدرجة أنني أتوقع أن يغير رأيه. أما ~~هوكر فقد تحول عن رأيه السابق، وسيعلن عن اعتقاده ~~نشرا قريبا. كفى كلاما عن مجلدي الكريه، الذي ms513 كبدني ~~مشقة هائلة حتى جعلني أكاد أبغضه. سوف أرحل إلى إلكلي ~~في الثالث من أكتوبر، لكن الرحلة ستستغرق ثلاثة أيام! ~~لقد فات الأوان على استئجار منزل؛ لكنني سأذهب وحدي ~~هناك لثلاثة أو أربعة أسابيع، ثم أعود للمنزل لمدة ~~أسبوع لأذهب بعد ذلك إلى مور بارك لثلاثة أو أربعة ~~أسابيع، وحينذاك سأحصل على جرعة معقولة من العلاج ~~المائي؛ كذلك أنوي، إن استطعت الالتزام بقراري، أن ~~أبقى بلا عمل هذا الشتاء. لكنني أخشى أن «الملل» سيكون ~~سيئا مثل اضطراب المعدة. # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، 25 سبتمبر ~~[1859] # عزيزي لايل # أرسل إليك مع هذا الخطاب أربع ورقات جرى تصحيحها. ~~لقد غيرت الجملة القائلة بهزيمة حيوانات عصر الإيوسيني ~~أمام حيوانات العصر الحديث، وأشكرك على ملحوظتك. لكنني ~~تخيلت أنه سيكون جليا أنني افترضت أن المناخ متماثل ~~لحد كبير؛ أعتقد أنك لا تشك أن مناخ العصرين ~~الإيوسيني والحديث في أجزاء «مختلفة» من العالم كان ~~متشابها. لكن هذا لا يعني أنني أعتقد أن المناخ ~~بالأهمية التي يراها أغلب علماء التاريخ الطبيعي؛ ففي ~~رأيي، إن هذا أخطر الأخطاء قاطبة. # سعدت كثيرا حين وجدت أن هوكر الذي قرأ فصولي عن ~~التوزيع الجغرافي، من المخطوطة، متفق تماما مع الرأي ~~القائل بالأهمية الكبرى للعلاقات الحيوية. أود أن ~~تتمعن في صفحة 77 وتتأمل حالة أي كائن وسط نطاق ~~انتشاره. # ينتابني الفضول من الآن لسماع رأيك بشأن التوزيع ~~خلال العصر الجليدي والعصور الدافئة التي سبقته. ~~يسرني كثيرا أنك لا ترى أن الفصل المتعلق بقصور ~~السجل الجيولوجي مبالغ فيه؛ فقد كنت متخوفا بشأن هذا ~~الفصل أكثر من أي جزء. # أعتقد أن تناول علم الأجنة في الفصل الثامن واحد من ~~أقوى نقاطي. لكن يجب ألا أضجرك بالإطالة في الحديث؛ ~~فذهني منشغل بهذا الموضوع لدرجة مزعجة جدا. # أشكرك حقا على إشادتك بي في أبردين؛ فقد كنت ~~منهكا ومتعبا للغاية مؤخرا حتى إنني ظللت شهورا ~~أتساءل ما إن كنت أبدد الوقت والمجهود سدى. لكنني ~~لا أكترث الآن لما يقوله العالم أجمع؛ فدائما ما ~~وجدتك على ms514 صواب، وبالتأكيد فيما يتعلق بهذا الموقف ~~فأنا لن أشك للمرة الأولى. وسواء تطرفت معي فيما ~~ذهبت فيه أنا والآخرون المؤمنون بما أؤمن به، أو ~~توقفت عند حد معين، فإنني مسرور لأن عملي لا يمكن ~~أن يكون بلا جدوى. ستضحك إن علمت كم مرة قرأت فقرتك، ~~وقد سعدت بها للغاية. # الوداع # سي داروين # من تشارلز داروين إلى سي لايل # داون، 30 سبتمبر ~~[1859] # عزيزي لايل # أرسلت اليوم الصفحات الأخيرة، لكن من دون الفهرس، ~~الذي لم يطبع. إنني أراك بمنزلة وزير العدل في مجال ~~العلوم الطبيعية، لذا ألتمس منك، بعد أن تفرغ من ~~العمل، «إعادة النظر» في نقاط جزء الخلاصة في الفصل ~~الأخير. سأكون في لهفة شديدة لسماع رأيك (إن تمكنت ~~من ذلك) بشأن التوازن في عرض الحجج المؤيدة والمعارضة ~~في مجلدي، والحجج المؤيدة والمعارضة الأخرى التي قد ~~تخطر لك. أرجو أن ترى أنني كنت منصفا في ذكر ~~الصعوبات. يخالجني يقين تام أنك إن كنت محتارا لحد ~~معقول الآن، فإنك ستغير رأيك شيئا فشيئا، كلما أطلت ~~التفكير في الموضوع. فإنني أتذكر جيدا كم من سنوات ~~طويلة مضت قبل أن أستطيع مواجهة بعض الصعوبات دون أن ~~يسيطر علي الشعور بالارتباك. ولقد استسلمت أمام ~~مسألة الحشرات المحايدة الجنس. # أعتقد أنني مفكر بطيء جدا؛ إذ ستندهش من عدد ~~السنوات التي استغرقتها حتى أرى بوضوح طبيعة بعض ~~المشكلات التي كان يجب أن تحل، مثل ضرورة مبدأ تشعب ~~الطابع، وانقراض ضروب وسيطة في منطقة متصلة، ذات ~~ظروف متدرجة، والمشكلة المزدوجة لهجائن الجيل الأول ~~العقيمة والهجائن العقيمة، إلخ، إلخ. # حين أتطلع إلى الماضي، أرى أن إدراك المشكلات كان ~~أصعب من حلها، والذي وفقت فيه إلى حد كبير، ويبدو ~~لي هذا غريبا بعض الشيء. حسنا، سواء كان عملي جيدا ~~أو سيئا، فقد تم، بحمد الله؛ وأستطيع أن أؤكد لك أنه ~~كان عملا شاقا، وكثير منه لم يؤت ثماره. تستطيع أن ~~ترى من الطريقة السريعة التي أكتب بها أنني أمضي ~~أمسية خاملة وممطرة. لم أستطع الذهاب إلى إلكلي ~~أمس حيث كنت ms515 متوعكا للغاية، لكن أتمنى أن أذهب إلى ~~هناك يوم الثلاثاء أو الأربعاء. أرجوك بشدة، بعد أن ~~تفرغ من قراءة كتابي والتأمل فيه قليلا، أن تسمح لي ~~بإرسال خطاب إلي برأيك. ولتوبخني ولا تكترث إن رأيت ~~أن الأمر يستدعي ذلك؛ يمكنك أن تذكر لي بعض المؤاخذات ~~بالتفصيل ذات يوم، في لندن ربما، إن كنت قد دونت على ~~عجالة أي ملحوظات في الهامش، في حال كانت هناك طبعة ~~ثانية. # لقد طبع موراي 1250 نسخة، وهو ما يبدو لي طبعة ~~كبيرة جدا، لكن أرجو ألا تلحق به الخسارة. # إنني قلق بشدة بشأن كتابي كما لو كان الأول لي؛ ~~فلتسامحني يا عزيزي لايل. # لك مني أصدق الإخلاص # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # إلكلي، يوركشاير، 15 أكتوبر ~~[1859] # عزيزي هوكر # فلتكن رجلا كريما وتستقطع بعض الوقت لتكتب لي ~~خطابا لتخبرني فيه القليل عن نفسك وأعمالك ~~وشئونك. # هل انتهيت من جزء معقول من مقدمتك؟ أعلم أنك ~~ستقلل من شأنها، لكن أعلم جيدا كم ستروق لي. إنني ~~هنا منذ أسبوعين تقريبا، وقد جعلني هذا في حال طيب ~~كثيرا، رغم أن كاحلي التوى يوم الأحد الماضي وهو ما ~~منعني من السير نهائيا. ستأتي أسرتي كلها إلى هنا ~~يوم الاثنين لتمكث ثلاثة أو أربعة أسابيع، بعد ذلك ~~سأعود إلى المصحة الكبرى وأبقى أسبوعين؛ بحيث إن ~~استطعت الحفاظ على معنوياتي، فسأبقى ثمانية أسابيع ~~هنا، وبهذا سأعطي العلاج المائي فرصة عادلة لإثبات ~~مدى جدواها. قبل أن آتي إلى هنا، كانت معدتي وقوتي ~~ومزاجي ومعنوياتي في حال فظيع. لقد انتهيت من كتابي ~~تماما منذ فترة قصيرة؛ وبمجرد أن تصبح النسخ جاهزة، ~~سترسل نسخة إليك بالطبع. أرجو أن تضع علامات في مواضع ~~الانتقادات في نسختك حتى يمكنني الاستفادة منها. كذلك ~~سيسرني سماع انطباعك العام عنه. يبدو لي من خطابات ~~لايل أنه يستحسنه، لكنه يبدو مذهولا من الحدود التي ~~أصل إليها. لكن عند التعمق بدرجة معقولة في مسار ~~الاعتراف بالتعديل، لا أستطيع رؤية أي وسيلة ممكنة ~~لوضع حد، والقول بأنك يجب ms516 عليك التوقف هنا. سيعيد ~~لايل قراءة كتابي، وما زلت أرجو أن يغير معتقداته أو ~~ينحرف كما يقول. وكان لايل في «غاية» الكرم حين كتب لي ~~ثلاثة خطابات شديدة الطول؛ إلا أنه لم يذكر شيئا عن ~~الانتشار خلال العصر الجليدي. وأنا أود معرفة ما يدور ~~بخلده بشأن هذا. ما زال لدي سؤال لأطرحه: هل سيكون ~~ثمة فائدة في إرسال نسخة من كتابي إلى دوكين؟ وهل ~~تعرف أي علماء نباتات مفكرين في القارة، يقرءون ~~باللغة الإنجليزية ولديهم اهتمام بهذا الموضوع؟ إن كان ~~الأمر كذلك، فلترسل لي عناوينهم. ماذا عن أندرسون في ~~السويد؟ لن تدرك كم هو رائع أن أقضي اليوم كله ~~متعطلا، دون التفكير مطلقا في كتابي الملعون الذي ~~أوشك أن يقضي علي. أتمنى كثيرا لو أسمعك تتحدث عن ~~حصولك على راحة حقيقة. أعلم كم أنت قوي ذهنيا، ~~لكنني لن أصدق أبدا أنك تستطيع الاستمرار في العمل ~~كما فعلت مؤخرا دون عواقب وخيمة. ذات يوم ستشتد على ~~نفسك أكثر من اللازم. الوداع يا صديقي العزيز الكريم ~~الطيب. # مع حبي # سي داروين # من تشارلز داروين إلى تي إتش هكسلي # إلكلي، أوتلي، يوركشاير، 15 أكتوبر ~~[1859] # عزيزي هكسلي # إنني هنا من أجل العلاج المائي وإنني أعود للحياة ~~مرة أخرى، بعد أن انتهيت من كتابي البغيض، الذي كان ~~سيجده أي شخص آخر عملا يسيرا، لكنه كاد أن يقضي ~~علي. لقد ظننت أنك قد تعطيني بعض المعلومات؛ إذ لا ~~أعلم من غيرك أطلبها منه؛ ألا وهي عناوين باراند وفون ~~سيبولد وكايزرلينج (أعتقد أن السير رودريك يعرف عنوان ~~الأخير). # هل تستطيع أن تعلمني بأي علماء أجانب أكفاء ~~ومهتمين ب «التخمين» ممن سيكون من المفيد أن أرسل ~~لهم نسخا من كتابي عن «أصل الأنواع»؟ أشك ما إن كان ~~الأمر يستحق أن أرسله إلى سيبولد. أود أن أرسل ~~نسخا قليلة، لكنني لن أعلم عدد النسخ التي أستطيع ~~تحمل تكلفتها قبل أن أعلم السعر الذي سيحدده ~~موراي. # لست بحاجة لقول إنني سأرسل واحدة إليك بالطبع، في ~~أول أسبوع من نوفمبر. أرجو ms517 أن أرسل نسخا إلى الخارج ~~في الحال. سيكون لدي فضول «كبير» لمعرفة التأثير ~~الذي سيتركه الكتاب فيك. أعلم أن فيه الكثير مما ~~ستعترض عليه، وأخطاء كثيرة بلا شك. إنني لا أتوقع على ~~الإطلاق إقناعك بالعديد من هرطقاتي، لكن إن اعتقدت ~~أنت واثنان أو ثلاثة آخرون أنني على الطريق الصحيح، ~~فلن آبه لما تعتقده جماعة علماء التاريخ الطبيعي. ورغم ~~أن الفصل قبل الأخير يحتوي على الحقيقة، فإنني أخشى ~~كثيرا أنه سيجعلك تنتقدني نقدا قاسيا. لكن لا تتصرف ~~مثل ماكلاي في هجومه على فليمينج وتقول: «إنني أكتب ~~بحمض النتريك حتى أنقش على النحاس.» # صديقك إلى الأبد # سي داروين # من تشارلز داروين إلى سي لايل # إلكلي، يوركشاير # 20 أكتوبر [1859] # عزيزي لايل # لقد أخذت أقرأ كل خطاباتك بصورة متتالية، ولا أشعر ~~أنني أوفيتك نصف حقك من الشكر على السعادة البالغة ~~التي منحتني إياها، وعلى فائدتها. إنني أرى فيها ~~دليلا على التذبذب في درجة المصداقية التي تعطيها ~~النظرية، وأنا لست مندهشا على الإطلاق من هذا؛ فقد ~~مررت بالعديد والعديد من حالات التذبذب هذه. # ثمة نقطة في خطابك لم أنتبه إليها، وهي عن ~~الحيوانات (والعديد من النباتات) التي توطنت في ~~أستراليا، والتي تعتقد أنها لم تستطع البقاء دون ~~مساعدة الإنسان. لا أستطيع أن أعي كيف يساعد الإنسان ~~الماشية البرية. لكن إن تغاضينا عن ذلك، فيبدو أنك ~~تعتقد أنها، بسبب معاناتها هلاكا هائلا خلال موجات ~~الجفاف، قد تفنى كلها. خلال «الجفاف الأكبر» في لا ~~بلاتا، ماتت الحيوانات الأصلية، مثل الغزال الأمريكي، ~~بالآلاف، ويبدو أنها عانت بقدر ما عانت الماشية. وفي ~~أجزاء من الهند، بعد إحدى موجات الجفاف، مضت عشر سنوات ~~أو أكثر قبل أن تصل الثدييات الأصلية إلى أعدادها ~~الكاملة مرة أخرى. أعتقد أن حجتك تنطبق على الحيوانات ~~الأصلية كما على البرية. # الحيوان أو النبات الذي يصير بريا في منطقة صغيرة ~~ما ربما يقضي المناخ عليه، لكنني بالكاد أستطيع تصديق ~~هذا بعد أن كان بريا في عدة مناطق كبيرة. مرة ~~أخرى، أميل لأن أصب لعناتي على المناخ؛ ms518 لا تعتقد أنني ~~وقح لانتقادك بشأن المناخ. لقد قلت إنك تشك ما إن ~~كان الإنسان قد استطاع العيش في ظل مناخ العصر ~~الإيوسيني، لكن يستطيع الإنسان الآن تحمل مناخ منطقة ~~الإسكيمو وغرب أفريقيا الاستوائية؛ وبالطبع لا يمكن أن ~~تعتقد أن مناخ العصر الإيوسيني اختلف عن مناخ اليوم في ~~جميع أنحاء أوروبا، كما تختلف المناطق القطبية ~~الشمالية عن أفريقيا الاستوائية. # أما فيما يتعلق بخلق الكائنات على النمط الأمريكي ~~في أمريكا، فأعتقد أنه يمكن القول بأنها خلقت هكذا ~~للحول دون أن تكون جيدة أكثر مما ينبغي، بحيث تتغلب ~~على الكائنات الأصلية، لكن تبدو لي هذه النظرية بشعة، ~~بعض الشيء. # لقد تأملت كثيرا ما قلته عن ضرورة التدخل المستمر ~~لقوة مبدعة. ولا أستطيع أن أرى هذه الضرورة؛ وأعتقد ~~أن الإقرار بها سيجعل نظرية الانتقاء الطبيعي بلا ~~قيمة؛ فلتمنح كائنا نموذجيا بسيطا، مثل سمك الطين ~~أو سمك السمندل الحرشفي، خمس حواس وبعض العقل، ~~وأعتقد أن الانتقاء الطبيعي سيفسر إنتاج كل الحيوانات ~~الفقارية. # الوداع؛ فلتسامحني على الإسهاب في هذا الخطاب، ولك ~~مني كل الصدق والشكر الشديد. # تلميذك المخلص لك إلى الأبد # سي داروين # ملحوظة: # حين تعيد القراءة، ~~إن فعلت، أرجوك أن تكتب في الهامش كلمة «استفض»، عند الإيجاز ~~الشديد، أو «ليس واضحا» أو «؟» هذه العلامات ستكلفك عناء ~~قليلا وأستطيع نسخها والتمعن فيها، وستكون عظيمة الفائدة ~~لي. # سوف يتوجب إعادة كتابة كتابي الأكبر كاملا، وليس التوسع ~~في المجلد الحالي فقط؛ من ثم أود أن أهدر أقل وقت ~~ممكن في هذا المجلد، في حالة استلزم طبعة أخرى، لكن أخشى أن ~~الموضوع سيكون مربكا جدا للعامة بالطريقة التي تناولته ~~بها. # من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر # إلكلي، يوركشاير # الأحد [23 أكتوبر، ~~1859] # عزيزي هوكر # أهنئك على الانتهاء فعليا من مقدمتك [المقال ~~التمهيدي لكتاب «نباتات أستراليا».] إنني متأكد مما ~~قرأته منها (ولدي رغبة عميقة في قراءتها للنهاية ~~دون توقف)، أنك لا بد قد بذلت في سبيلها قدرا ~~هائلا من العمل والتفكير. أود كثيرا أن أرى ~~النسخة التي ترجوني أن ms519 أطالعها. إنني الآن أعيش تماما ~~كأحد النبلاء، حتى إنني ألاقي أحيانا بعض الصعوبة في ~~العثور على شيء لأتسلى به طوال النهار، لكن كم من ~~الغريب أنني قضيت ثلاثة أسابيع بلا عمل! إن كان في ~~الأمر أي عزاء لك، فأرجوك أن تخدع نفسك بالقول بأنك ~~تنوي «الاستمرار في الوفاء للعلم المضجر». لكنني ~~أصدق هذا فقط بقدر ما أصدق أن أحد النباتات قد ~~يقول : «ظللت طوال حياتي أنمو، لكن أقسم أنني سأتوقف ~~عن النمو.» لكنك لا تستطيع مغالبة نفسك؛ فليس لديك ~~المهارة الكافية لتفعل ذلك. إنك حتى لا تستطيع حتى ~~البقاء دون عمل، كما فعلت أنا، لمدة ثلاثة أسابيع! ما ~~قلته عن لايل أسعدني سعادة بالغة؛ فلم أستنتج مطلقا ~~من خطاباته أنه قد غير آراءه كثيرا. أتذكر أنني ~~كنت أعتقد، منذ أكثر من عام مضى، أنني إن امتدت بي ~~الحياة حتى أراك أنت ولايل وهكسلي تغيرون آراءكم، ~~جزئيا بسبب كتابي، وجزئيا بسبب تأملاتكم، فسوف ~~أشعر أن الموضوع في أمان، وربما يهجو العالم بأسره ~~نظرية الانتقاء الطبيعي، لكنها في النهاية (وإن كانت، ~~بلا شك، ليست كاملة في حالتها الراهنة، وتضم أخطاء ~~عديدة) سوف تسود؛ فلن يقنعني شيء أبدا أن ثلاثة رجال ~~مثل هؤلاء، على قدر وافر من المعارف المتنوعة، ~~ومتمرسين جيدا في البحث عن الحقيقة، قد يرتكبون ~~خطأ فادحا. لقد تحدثت عنك هنا بصفتك شخصا أقنعته ~~بالنظرية؛ لكنني أعلم كم ساهم تأملك الذاتي بنصيب ~~أكبر كثيرا في هذا. يحدوني فضول شديد لمعرفة رأي ~~هكسلي في كتابي. أخشى أن نقاشي الطويل حول التصنيف ~~سيثير ازدراءه؛ فهو متعارض بشدة مع ما قاله لي ذات ~~مرة. # كم أطلت عليك في الحديث! الآن، رأيت كم أنا متعطل؛ ~~لكنني استمتعت كثيرا بخطابك؛ لذا لا بد أن تسامحني. ~~فيما يتعلق بالهجرة أثناء العصر الجليدي، أعتقد أن ~~لايل يعي الأمر تماما؛ إذ ذكر لي حقيقة تدعمه. لكنه ~~ربما يبغض النظرية دون وعي (أرجو ألا تخبره بهذا) ~~لأنها تصيبه قليلا بالحيرة بشأن نظريته المفضلة ~~التي تنسب كل تغيرات المناخ إلى تغيرات ms520 في الموضع ~~النسبي لليابسة والماء. # سوف أرسل نسخا من كتابي لكل الرجال الذين حددتهم ... ~~هلا تفضلت بإضافة ألقاب، مثل الدكتور أو البروفيسور ~~أو السيد أو النبيل والحروف الأولى من الاسم (عند ~~الحاجة) وتحديد عناوين الأسماء التي في القائمة ~~المرفقة، وترسلها لي «في أسرع وقت»؛ إذ قال موراي إنه ~~قرب نهاية هذا الأسبوع ستكون النسخ التي سترسل ~~للخارج جاهزة. إنني متلهف للتعريف بوجهة نظري على ~~نطاق واسع، لكن ليس من أجل الزهو الشخصي، على ما أرجو ~~وأعتقد. # من تشارلز داروين إلى سي لايل # إلكلي، يوركشاير، 25 أكتوبر ~~[1859] ~~... اختلافنا حول «مبدأ التحسين» و«قوة التأقلم» أعمق ~~من أن يناقش في خطاب. إن كنت مخطئا، فإنني لا أرى ~~على الإطلاق أي سبب لخطئي. وإن كنت على صواب، فسوف ~~نجتاز اختلافنا بأن تعيد قراءة فصولي الأربعة الأولى ~~بعناية وتتمعن فيها. أرجوك أن تقرأها مرة أخرى ~~بانتباه. ما يسمى التحسين فيما يتعلق بماشيتنا ~~القصيرة القرون وحمامنا وغيرهما لا يستلزم أو يتطلب أي ~~«مبدأ تحسين» أو «قوة تأقلم» أصلية؛ إنما يتطلب فقط ~~قابلية متنوعة للتباين وإنسانا لانتقاء التعديلات ~~المفيدة له أو الاستفادة منها؛ إذن في الطبيعة، أي ~~تعديل بسيط «يتصادف» حدوثه، ويكون مفيدا لأي كائن، ~~ينتقى ويبقى عليه في الصراع من أجل البقاء؛ وأي ~~تعديل ضار يفنى أو يرفض؛ وأي تعديل ليس مفيدا ولا ~~ضارا سيترك دون أن يقبل أو يرفض. وعند المقارنة ~~بين الانتقاء و«التحسين» الطبيعي، يبدو أنك دائما ما ~~تغفل (إذ لا أدري كيف تستطيع أن تنكر) أن كل خطوة في ~~الانتقاء الطبيعي لكل نوع تتضمن تحسينا في ذلك النوع ~~فيما يتعلق بظروف معيشته. ولا يمكن انتقاء تعديل دون ~~أن يكون فيه تحسين أو ميزة. وأفترض أن التحسين يعني أن ~~كل شكل يحصل على عدة أجزاء أو أعضاء، كلها متكيفة ~~تماما من أجل وظائفها؛ وحيث إن كل نوع يتحسن، وحيث إن ~~عدد الأشكال يزيد، فإن نظرنا على مدى الزمان كله، ~~فسنجد أن الحالة الحيوية للحياة للأشكال الأخرى ستصير ~~أكثر تعقيدا، وأنه ستكون ثمة ضرورة لأن ms521 تصير ~~الأشكال الأخرى محسنة، وإلا فستفنى؛ ولا أستطيع رؤية ~~حد لعملية التحسين هذه، دون تدخل من أي مبدأ ~~تحسين آخر ومباشر. يبدو لي كل هذا متسقا تماما مع ~~كون أشكال محددة متكيفة مع ظروف بسيطة، دون أن تتبدل ~~أو يدركها التدهور. # إن تسنى لي طبعة ثانية، فسوف أؤكد أكثر على ~~عملية «الانتقاء الطبيعي»، وبالتبعية العامة، عملية ~~«التحسين الطبيعي». # حين وصلت للدرجة التي أنت عليها فيما يتعلق ~~بالاقتناع بالنظرية، بدأ شعور قوي يساورني، قياسا على ~~نفسي، أنك ستذهب أبعد من ذلك كثيرا. فكم تمهل علماء ~~الجيولوجيا الأكبر سنا في الإقرار بوجهات نظرك ~~العظيمة حول الأسباب الجيولوجية السائدة حاليا ~~للتغير! # إن ارتأيت في أي وقت أنك تريد مني الإجابة على أي ~~سؤال، فسيسرني بحق أن أكتب إليك موضحا إياها. # مع حبي # سي داروين # من تشارلز داروين إلى جيه موراي # إلكلي، يوركشاير ~~[1859] # سيدي العزيز # لقد تلقيت خطابك الكريم والنسخة؛ وإنني سعيد وفخور ~~لأقصى درجة بمظهر عملي الوليد. # أوافق تماما على كل ما تقترحه بشأن السعر. لكنك ~~شديد الكرم بحق بشأن التصويبات الكثيرة لدرجة مخزية ~~بالنسبة لي. أليس في تصرفك هذا إجحافا في حق نفسك؟ ~~ألن يكون من الأفضل تقاسم الاثنين وسبعين جنيها ~~إسترلينيا والثمانية شلنات على الأقل؟ لا بد أن أكون ~~في حالة رضا تام؛ فلم يكن من شأني إرسال تلك المخطوطة ~~الرديئة الإعداد، وإن كان هذا دون قصد ودون توقع، ~~إلى المطبعة. # أشكرك على عرضك الكريم بتوزيع النسخ على أصدقائي ~~ومساعدي بأسرع ما يمكن. لا تشغل نفسك كثيرا ~~بالأجانب؛ فقد تفضل السيدان ويليامز ونورجيت وعرضا بذل ~~قصارى جهدهما في هذا الشأن، وهما لديهما خبرة في ~~إرسال الكتب لكل أنحاء العالم. # سوف أسدد ثمن نسخي متى أردت. إنني في غاية ~~السعادة أنك تفضلت وتوليت نشر كتابي. # لك مني كل الإخلاص يا سيدي العزيز # تشارلز داروين # ملحوظة: # أرجو ألا تنسى ~~تبليغي قبل توزيع النسخ بيومين تقريبا. # لا أعلم متى سأغادر هذا المكان، لكن من المؤكد أنه ليس قبل ~~عدة أسابيع. ومتى ذهبت إلى لندن، ms522 فسوف أزورك. # الفصل الرابع عشر # | بقلم البروفيسور هكسلي # حول استقبال كتاب «أصل الأنواع» # بالنسبة للجيل الحالي؛ أي الناس القلائل الذين أشرفوا على سن ~~الثلاثين أو تعدوه بقليل، يقف اسم تشارلز داروين على قدم ~~المساواة مع اسمي إسحاق نيوتن ومايكل فاراداي؛ وهو مثلهم، يعد ~~المثل الأعلى للباحث عن الحقيقة ومفسر الطبيعة. إنهم يرون أنه شخص ~~تحلى بمزيج نادر من العبقرية والمهارة والأمانة الشديدة، ونال عن ~~استحقاق مكانته بين أشهر رجال العصر بقدراته الفطرية وحدها، رغم ~~أنف عاصفة من التحامل العام، ودون تشجيع برضا أو تقدير من جانب ~~جهات التكريم الرسمية؛ إنهم يرونه شخصا، رغم حساسيته المفرطة ~~للمدح والذم، ورغم المضايقات التي قد تبرر أي انفعال، نأى بنفسه ~~بعيدا عن كل أشكال الحقد والكراهية والخبث، بل لم يتعامل إلا ~~بالحق والعدل مع التحيز والظلم اللذين انهالا عليه؛ وظل حتى آخر ~~أيامه مستعدا للإنصات بصبر واحترام إلى أقل معارضيه الموضوعيين ~~قدرا. # وفيما يتعلق بالنظرية الخاصة بأصل أشكال الحياة التي تسكن ~~كوكبنا، التي ارتبط بها اسم داروين ارتباطا وثيقا كما ارتبط اسم ~~نيوتن بنظرية الجاذبية، فلا يبدو شيء أبعد عن ذهن الجيل الحالي ~~من محاولة وأدها بالتهكم أو قمعها بالاستغراق في شجبها. لقد صار ~~«الصراع من أجل البقاء» و«الانتقاء الطبيعي» من الكلمات المألوفة ~~والمفاهيم العادية. ولم تعد صحة العمليات الطبيعية التي يقيم ~~عليها داروين استنتاجاته وأهميتها يرقى إليهما الشك أكثر من تلك ~~الخاصة بالنمو والتكاثر؛ وسواء أقر بكل الإمكانيات المنسوبة إلى ~~تلك العمليات أم لا، فلا يشك أحد في أهميتها الهائلة وتأثيرها ~~الكبير. وأينما درست العلوم البيولوجية، أضاء كتاب «أصل الأنواع» ~~طريق الباحث؛ وأينما درست، تسلل عبر جميع جوانب مسار التدريس. ~~كذلك، ليس تأثير الأفكار الداروينية أقل عمقا، خارج حدود العلوم ~~البيولوجية. إن فلسفة التطور، التي تعد الأقدم بين كل الفلسفات، ~~كانت مكبلة اليدين والقدمين وملقاة في ظلام دامس خلال ألفية من ~~الفلسفة المدرسية اللاهوتية. لكن داروين ضخ دماء جديدة في الإطار ~~الفكري القديم؛ فانكسرت القيود، وأثبت فكر اليونان القديمة الذي ~~بعث من جديد ms523 أنه تعبير مناسب أكثر عن النظام العام للأشياء من ~~أي من الأنظمة التي تقبلتها سذاجة سبعين جيلا تاليا من ~~البشر ورحبت بها خرافاتهم. # إن بزوغ فلسفة التطور، في موقف المطالب بعرش عالم الفكر، بعد ~~الخروج من سجن الأشياء المكروهة، وكما تمنى كثيرون، المنسية، لهو ~~لأي شخص يدرس أحداث الزمن، الحدث الأهم في القرن التاسع عشر. لكن ~~كان داروين من صنع أجدى أسلحة أبطال التطور المعاصرين؛ وجند ~~كتاب «أصل الأنواع» مجموعة رائعة من المقاتلين، المدربين في ~~المدرسة الصارمة للعلوم الطبيعية، الذين ربما ظلت آذانهم صماء ~~طويلا عن سماع تأملات الفلاسفة السابقين. # لا أعتقد أن ثمة شخصا أمينا أو مثقفا قد ينكر صحة ذلك ~~الذي ذكر للتو. ربما يكره مجرد ذكر نظرية التطور، وربما ينكر ~~مزاعمها بشدة كما أنكر أنصار جيمس الثاني مزاعم جورج الثاني. لكن ~~هذا هو واقع الحال - فلم تكن مكانته في رسوخ أسرة هانوفر الحاكمة ~~فقط، لكنه كذلك كان بعيدا لحسن الحظ عن سلطة البرلمان - وقد انتهى ~~أغبى المناهضين له لإدراك أن عليهم التعامل مع عدو لا تتهشم ~~عظامه بأي سيل من الكلمات الجارحة. # حتى علماء اللاهوت توقفوا تقريبا عن مقارعة المغزى الواضح لسفر ~~التكوين بمغزى الطبيعة الذي لا يقل عنه جلاء. إن ممثليهم الأكثر ~~صراحة، أو الأكثر حذرا، توقفوا عن التطرق للتطور كما لو كان ~~هرطقة ملعونة، ولجئوا لواحد من نهجين؛ فهم إما أن ينكروا أن ~~سفر التكوين كان يهدف لتقديم حقائق علمية، وبهذا يحافظون على صحة ~~المصدر على حساب مرجعيته العلمية؛ وإما يستنفدوا طاقاتهم في ~~تصوير البراعة الشديدة لمفسري النصوص التي يعذبونها دون جدوى على ~~رجاء جعلها تقر بمبادئ العلم. لكن حين تنتهي عملية التعذيب دون ~~جدوى، دائما ما يعود الصدق القديم للمعذب المبجل لتأكيد ~~نفسه. إن سفر التكوين صادق حتى النخاع، ولا يدعي أنه أكثر مما هو ~~عليه في الواقع؛ فهو مجموعة من التعاليم الجليلة المجهولة المصدر، ~~التي لا تزعم أي مرجعية علمية ولا تحوز أيا منها. # بينما ينتهي قلمي من هذه الفقرات، لا يسعني سوى ms524 التعجب عند ~~تأمل مدى فظاعة الضجة التي كانت ستثور (بل ثارت في الواقع) إزاء ~~أي تعبيرات مشابهة عن الرأي منذ ربع قرن مضى. في الواقع، إن ~~التناقض بين الحالة الراهنة للرأي العام بشأن المسألة الداروينية، ~~والتقدير الذي تلقاه آراء داروين في المجتمع العلمي، وإذعان علماء ~~اللاهوت من الطبقة الموقرة في الوقت الحالي لأفكاره، أو صمتهم ~~عنها على الأقل من جهة ، واندلاع العداء على كافة الأصعدة فيما بين ~~عامي 1858 و1859 من جهة أخرى حين صارت النظرية الجديدة المتعلقة ~~بأصل الأنواع معروفة لأول مرة لدى الجيل الأقدم، الذي أنتمي إليه، ~~لهو تناقض مدهش جدا حتى إنني، لولا الأدلة الوثائقية، كنت سأنزع ~~للاعتقاد بأن ذكرياتي في هذا الشأن أحلام. أنا نفسي أكن ~~احتراما كبيرا للجيل الأصغر (فهم يستطيعون كتابة قصص حياتنا، ~~واكتشاف كل حماقاتنا، إن اختاروا، يوما ما، تجشم هذا العناء)، ~~وسيسرني الاطمئنان إلى أن الشعور متبادل، لكنني أخشى أن قصة ~~مواجهاتنا مع داروين قد تصبح عائقا كبيرا أمام ذلك الإجلال ~~لحكمتنا التي أود أن يظهروه. ليس لدينا حتى عذر أن السيد داروين ~~كان منذ ثلاثين عاما عالما مبتدئا مجهولا، ليس لديه حق أن ~~ننتبه إليه. بل على النقيض، كانت أبحاثه المميزة في علم الحيوان ~~والجيولوجيا قد وضعته منذ زمن في مكانة ثابتة بين أبرز باحثي ~~العصر وأكثرهم أصالة؛ وفي الوقت نفسه، أكسبه عمله الساحر «يوميات ~~الأبحاث» عن جدارة صيتا واسعا بين العامة. أشك أن أي رجل ممن ~~عاشوا آنذاك كان لا يتوقع أن يلقى أي شيء قد يختار داروين قوله ~~حول مسألة مثل أصل الأنواع الإنصات باهتمام بالغ، والمناقشة ~~بتوقير؛ وبالتأكيد لم يكن ثمة رجل يمكن أن تمنحه طبيعته ~~الشخصية وقاية أفضل منه ضد محاولات الهجوم، المشبعة بالحقد ~~والممزوجة بالوقاحات المجردة من الحياء. # لكن ذلك كان قدر أحد أطيب وأصدق الرجال على الإطلاق الذين ~~أكرمني الحظ بمعرفتهم؛ وكان يجب أن تنقضي سنوات قبل أن يكف التحريف ~~والاستهزاء والتنديد عن كونها أبرز مكونات غالبية الانتقادات ~~الهائلة لعمله التي ظهرت بكثرة في الأعمال ms525 المطبوعة. إنني أعف عن ~~إخراج أي من هذه الفضائح القديمة من طي الكتمان الذي تستحقه، لكن ~~يجب أن أصحح بيانا قد يبدو مبالغا فيه للجيل الحالي، ولا ~~يوجد شيء أنسب لهذا الغرض، أو أكثر استحقاقا لهذا الخزي، من مقال ~~في دورية «ذا كورترلي ريفيو» في يوليو 1860. [لم أكن أعلم حين ~~كتبت هذه الفقرات أن اسم كاتب المقال قد صرح به على الملأ . غير ~~أن الاعتراف غير المصحوب بالندم لا يسوغ تخفيف الحكم، والطريقة ~~الدمثة التي يتحدث بها السيد داروين عن مهاجمه، الأسقف ويلبرفورس، ~~إنما هي مثال واضح على لطفه وتواضعه الفريدين، حتى إنها لتزيد ~~احتقارنا لادعاء ناقده.] منذ هاجم اللورد بروام الدكتور يانج، لم ~~يشهد العالم مثالا لتطاول مدع ضحل على خبير في العلوم مثل هذا ~~العمل الغريب، الذي تعرض فيه أحد أدق الملاحظين وأحرص المفكرين ~~وأصدق الشارحين، في هذا العصر أو أي عصر آخر، للتحقير باعتباره ~~شخصا «طائشا»، يحاول «غزل نسيج حزره وتخمينه المهلهل تماما» ~~والذي استهجن «أسلوب تناوله للطبيعة» باعتباره «شائنا تماما ~~للعلوم الطبيعية». وكل هذا الحديث المتغطرس، الذي كان ليصبح غير ~~لائق من شخص مساو للسيد داروين، جاء من كاتب يعوزه الذكاء أو ~~الضمير أو كلاهما لدرجة كبيرة، حتى إنه يسأل، على سبيل الاعتراض ~~على آراء السيد داروين، قائلا: «هل من المعقول أن كل ضروب اللفت ~~المفضلة في طريقها لتصير بشرا؟» وهو على جهل كبير بعلم ~~الحفريات، حتى إنه تسول له نفسه الحديث عن «زهور وثمار» نباتات ~~العصر الكربوني؛ وبالتشريح المقارن، حتى إنه يؤكد بقوة أن جهاز ~~السم في الثعابين السامة «منفصل كلية عن القوانين العادية لعالم ~~الحيوان، وخاص بالثعابين فقط»؛ وبالأعضاء الأثرية في علم وظائف ~~الأعضاء، حتى إنه يسأل: «بم يفيد الحياة أن يتغير شكل الكريات ~~التي يمكن أن يتبخر إليها الدم؟» ولا يتوانى الناقد عن تنكيه هذا ~~الفيض من الخلل المنافي للعقل بقليل من إثارة الكراهية الدينية. ~~وتؤدي به المعرفة السطحية بتاريخ الصراعات بين علوم الفلك ~~والجيولوجيا واللاهوت إلى الإبقاء على باب التراجع مفتوحا بقوله ms526 ~~إنه لن يستطيع «السماح باختبار صحة العلوم الطبيعية وفقا لكلمات ~~الوحي»؛ لكنه، رغم كل ذلك، يكرس صفحات ليبدي اقتناعه بأن نظرية ~~السيد داروين «تناقض العلاقة الموحى بها بين المخلوق وخالقه» وأنها ~~«غير متسقة مع تمام مجد الرب». # إن اقتصرت ذكريات استقبال كتاب «أصل الأنواع» على اثني عشر ~~شهرا، أو نحو ذلك، منذ وقت نشره، فلن أتذكر شيئا شديد الحماقة ~~والفظاظة مثل مقال «ذا كورترلي ريفيو»، ربما إلا إن دخل خطاب لأحد ~~الأساتذة الجامعيين الكهنة أمام جمعية دبلين الجيولوجية في ~~منافسة معه. لكن عددا كبيرا من منتقدي السيد داروين كانوا ~~مشابهين على نحو مؤسف لناقد دورية «ذا كورترلي ريفيو»، من حيث ~~انعدام الإرادة أو الفطنة لدراسة نظريته على الوجه الأكمل؛ وبالكاد ~~امتلك أي منهم المعرفة اللازمة لتتبعه في عالم العلوم البيولوجية ~~والجيولوجية المترامي الأطراف الذي أحاط به كتاب «أصل الأنواع»؛ ~~وفي الوقت نفسه، وعلى نحو شائع جدا، كانوا يتحاملون على المسألة ~~على أسس لاهوتية، واحتالوا على انعدام المنطق في حججهم بالإفراط ~~في القدح، وذلك كأمر محتوم على ما يبدو حين يحدث هذا. # لكنه سيكون أمتع وأكثر فائدة أن نتفكر في الانتقادات التي قال ~~بها كتاب ذوو مرجعية علمية، أو التي حملت أدلة على كفاءة كتابها، ~~سواء زادت أو قلت، وعلى حسن نيتهم في كثير من الحالات. إن اقتصار ~~تناولي على اثني عشر شهرا أو نحو ذلك، بعد نشر كتاب «أصل ~~الأنواع»، يجعلني أجد أن من بين هؤلاء المنتقدين لوي أجاسي؛ ~~وموراي، عالم الحشرات المتميز؛ وهارفي، عالم النباتات واسع الشهرة؛ ~~وكاتب مقال معاد بشدة لداروين في مجلة «ذي إدنبرة ريفيو». ويتطرق ~~بيكتيه، عالم الحفريات الجنيفي المعروف وواسع العلم، لعمل السيد ~~داروين باحترام مما يتناقض بشدة مع نبرة بعض من الكتاب السابقين، ~~لكنه يتفق معه بقدر قليل فقط. من ناحية أخرى، لايل، الذي كان حتى ~~ذلك الوقت من أهم مرجعيات مناهضي نظرية التطافر (الذين ظلوا ~~ينظرون إليه، فيما بعد، بالطريقة نفسها التي ربما نظرت بها أثينا ~~إلى ديانا، بعد علاقتها مع إنديميون)، أعلن ms527 أنه دارويني، وإن كان ~~لم يفعل ذلك دون وضع بعض الحدود. بيد أنه كان حصنا منيعا، وزاده ~~موقفه الشجاع من أجل الحق في مواجهة التوافق شرفا لا حد له. وفيما ~~يتعلق بأنصار نظرية التطور، دون أن أضيف المزيد من التفاصيل، لا ~~أتذكر بين علماء الأحياء أحدا سوى آسا جراي، الذي خاض المعركة على ~~نحو رائع في الولايات المتحدة؛ وهوكر الذي لم يكن أقل منه حماسا ~~هنا؛ والسير جون لاباك وأنا. أما والاس، فقد كان بعيدا في ~~أرخبيل الملايو، لكن بغض النظر عن إسهامه المباشر في الترويج ~~لنظرية الانتقاء الطبيعي، فلن يكتمل حصر العوامل المؤثرة في ~~الزمن الذي أتحدث عنه دون ذكر مقاله الرائع «عن القانون المنظم ~~لاستقدام أنواع جديدة» الذي نشر عام 1855. لقد انتابتني الدهشة ~~عند قراءته مجددا، حين تذكرت كم كان قليلا التأثير الذي ~~أحدثه! # أما في فرنسا، فقد أدى نفوذ إيلي دي بومون وفلورانس - يقال إن ~~الأول قد «جر على نفسه سمعة سيئة أزلية» بابتداع مسمى «العلم ~~الرغوي [أي التافه]» لمذهب التطور - ناهيك عن سوء نية أعضاء ~~آخرين من ذوي النفوذ في المعهد، للتعتيم على النظرية لفترة ~~طويلة؛ ومرت سنوات عدة قبل أن تكفر الأكاديمية عن خطئها بعدم ~~إدراج اسم داروين في قائمة أعضائها. غير أن أحد الكتاب البارعين، ~~البعيدين عن مجال المؤثرات الأكاديمية، وهو إم لاجال، كتب مقالا ~~رائعا ومعبرا عن التقدير عن كتاب «أصل الأنواع» في مجلة «ريفو دي ~~دو موند». واحتاجت ألمانيا بعض الوقت لتدبر الأمر؛ لقد أخرج برون ~~ترجمة حذفت أجزاء صغيرة منها لكتاب «أصل الأنواع»؛ وأوقفت مجلة ~~«كلاديراداتش» عباراتها الساخرة حول مسألة أن القرد هو أصل ~~الإنسان، لكنني لا أتذكر أن أيا من الشخصيات العلمية البارزة قد ~~أعلن عن موقفه على الملأ عام 1860 [فيما عدا كيه إي فون بار، ~~العالم الذي يأتي بعد داروين في تأثيره على علماء الأحياء ~~المعاصرين، الذي كاتبني في أغسطس 1860، معبرا عن اتفاقه العام مع ~~الآراء التطورية.] لم يتخيل أحد منا أن قوة «النظرية الداروينية»، ~~(وربما يجوز لي ms528 أن أضيف ضعفها) سيكون لها تجلياتها الشديدة ~~الانتشار والشديدة العبقرية في ألمانيا، أرض العلم، خلال سنوات ~~قليلة. وإن أقدم شخص أجنبي على تخمين سبب هذه الفترة الغريبة من ~~الصمت، فيخيل لي أنه يرجع إلى أن شطرا من علماء الأحياء ~~الألمان كان تقليديا مهما تكلف الأمر، بينما كان الشطر الآخر ~~مخالفا بالقدر نفسه بنحو ملحوظ. وكانت المجموعة الثانية من ~~أنصار نظرية التطور من قبل بالفعل، ولا بد أنهم شعروا بالاحتقار ~~الطبيعي الذي يتكون لدى الفلاسفة الاستنباطيين حين يعرض عليهم ~~أساس استقرائي وتجريبي لاعتقاد بلغوه عن طريق أقصر. لا شك أنها ~~محاولة إدراك أنه رغم أن استنتاجاتك قد تكون صحيحة تماما، فإن ~~أسبابك التي قادتك إليها خاطئة كلية، أو غير كافية على أي ~~حال. # بوجه عام، كان مؤيدو آراء السيد داروين آنذاك، عام 1860، قليلين ~~عدديا لأقصى حد. ولا شك على الإطلاق أنه لو كان عقد مجلس علمي ~~عام للكنيسة في ذلك الوقت، لكان أداننا بأغلبية كاسحة. ولا شك على ~~نحو مماثل أنه إن عقد الآن، فسيكون الحكم معاكسا تماما. لكنه ~~سيكون من غير المعقول، وكذلك من غير اللائق، أن ننسب لرجال ذلك ~~الجيل جدارة أو أمانة أقل مما لدى خلفائهم. إذن، ما الأسباب التي ~~أدت برجال عالمين ومنصفين في أحكامهم في ذلك الوقت للوصول إلى ~~حكم مختلف تماما عن ذلك الذي يبدو عادلا ومنصفا لأولئك الذين ~~جاءوا بعدهم؟ ذاك بحق واحد من أكثر الأسئلة إثارة للاهتمام بين ~~جميع الأسئلة المتعلقة بتاريخ العلم، وسوف أحاول الإجابة عليه. ~~أخشى أنه حتى أفعل هذا يجب أن أجازف بأن أبدو مغرورا. غير أنني إن ~~سأحكي قصتي، فذلك فقط لأن علمي بها أفضل من علمي بقصص ~~الآخرين. # أعتقد أنني لا بد أن أكون قد قرأت كتاب «بقايا» قبل أن أغادر ~~إنجلترا عام 1846؛ لكن إن كنت قد فعلت ذلك، فقد كان تأثري به ~~قليلا جدا، ولم أحتك بمسألة الأنواع جديا إلا بعد عام ~~1850. في ذلك الوقت، كنت قد نبذت منذ زمن بعيد المذهب الموسوي ~~الذي يفسر نشأة الكون ms529 وفقا لأسفار موسى الخمسة، الذي انطبع في ~~وعيي الطفولي باعتباره حقيقة ربانية، في ظل كل التوجيه من جانب ~~الوالدين والمعلمين، وهو ما كلفني صراعات كثيرة حتى أتحرر ~~منه. لكن عقلي لم يكن متحيزا لأي مذهب مطروح في هذا الشأن، ما دام يثبت أنه مبني على استدلال فلسفي وعلمي بحت. وكان يبدو لي ~~حينذاك (كما هو الحال الآن) أن «الخلق»، بالمعنى المألوف للكلمة، ~~يمكن تماما تصوره. وأنا لا أجد صعوبة في تخيل أنه، في عصر ~~ما سابق، لم يكن هذا الكون موجودا؛ وأنه ظهر في ستة أيام (أو على ~~الفور، إن كان هذا الرأي مفضلا)، نتيجة لإرادة كيان موجود ~~مسبقا. كان حينذاك، كما هو الآن، ما يدعى الحجج البديهية ضد ~~الألوهية وضد احتمالية وجود أفعال الخلق، مع وضع وجود إله في ~~الاعتبار، تبدو لي خالية من الأساس المنطقي. لم يكن لدي آنذاك، ~~وليس لدي الآن، أقل اعتراض مسبق على إثارة قصة خلق الحيوانات ~~والنباتات المذكورة في «الفردوس المفقود»، التي يجسد فيها ~~ميلتون تجسيدا حيا المعنى الطبيعي لسفر التكوين. لا يحق لي أن ~~أقول إنها غير صحيحة لأنها مستحيلة. إنما أقتصر على ما يجب ~~اعتباره طلبا متواضعا ومعقولا لبعض الدليل على أن أنواع ~~الحيوانات والنباتات الحالية نشأت بحق بتلك الطريقة، كشرط لإيماني ~~بمسألة تبدو لي غير محتملة للغاية. # كذلك، وحتى أكون منصفا تماما، كان لدي الرد نفسه لأنصار ~~التطور فيما بين عامي 1851 و1858. إنني لم ألتق بأحد من ~~علماء الأحياء، في ذلك الوقت، إلا الدكتور جرانت، من جامعة ~~يونيفرستي كوليدج، الذي كان يدعم التطور، ولم يقصد بمناصرته ~~الترويج للنظرية. الشخص الوحيد، خارج مجتمع علماء الأحياء، الذي ~~أعرفه والذي كانت معرفته وكفاءته تجبران على الاحترام، والذي ~~كان، في الوقت نفسه، مناصرا تماما للتطور، هو السيد هيربرت ~~سبنسر، الذي تعرفت عليه، حسبما أعتقد، عام 1852، ثم ربطتنا أواصر ~~الصداقة، التي يسعدني الاعتقاد بأنها لم تشهد أي انقطاع. لقد كانت ~~المعارك التي خضناها حول هذا الموضوع متعددة وممتدة. لكن حتى ~~مهارة صديقي في المجادلة وغزارة ms530 الأمثلة التوضيحية المناسبة لديه ~~لم يستطيعا أن يزحزحاني عن موقفي المتشكك. وكنت أستند في موقفي ~~إلى سببين: أولا: أنه حتى ذلك الوقت، كانت الأدلة الداعمة ~~للتطافر غير كافية على الإطلاق. ثانيا: أن أيا من الاقتراحات ~~المتعلقة بأسباب التطافر المفترض، التي طرحت، لم يكن مناسبا ~~بالمرة لشرح الظاهرة. وبالنظر لحالة المعرفة في ذلك الوقت، لا أرى ~~حقا أن أي استنتاج آخر كان من الممكن تبريره. # في تلك الأيام، لم أكن حتى قد سمعت قط بكتاب «علم الأحياء» ~~لتريفيرانوس. إلا أنني كنت قد درست آراء لامارك وقرأت كتاب ~~«بقايا» باهتمام؛ لكن لم يقدم لي أي منهما أي أسباب جيدة ~~لتغيير موقفي السلبي والناقد. أما كتاب «بقايا»، فأعترف أنه أثار ~~حفيظتي ببساطة بسبب الجهل الشديد وطبيعة التفكير غير العلمية ~~مطلقا اللذين أبداهما الكاتب. وإن كان له أي تأثير علي على ~~الإطلاق، فهو أنه جعلني ضد التطور؛ والمراجعة النقدية الوحيدة ~~التي أشعر نحوها بوخز الضمير، بسبب الهجوم الضاري غير الضروري، هي ~~التي كتبتها عن كتاب «بقايا» بينما كنت تحت ذلك التأثير. # أما فيما يتعلق بكتاب «فلسفة علم الحيوان»، فليس من قبيل ~~الهجوم على لامارك أن أقول إن مناقشة مسألة الأنواع فيه، أيا ما ~~كان يمكن أن يقال لدعمها في عام 1809، كانت أدنى لدرجة بائسة من ~~المستوى الذي وصلت إليه المعرفة بعد نصف قرن. في تلك الفترة ~~الزمنية، نتج عن معرفة بنية الحيوانات والنباتات الدنيا مفاهيم ~~جديدة تماما عن علاقاتها؛ وظهر علم الأنسجة وعلم الأجنة بمعناهما ~~الحديث؛ وأعيد بناء علم وظائف الأعضاء؛ وتضاعفت حقائق التوزيع، ~~الجيولوجي والجغرافي، وجرى تنظيمها. كانت نصف حجج لامارك لأي ~~عالم أحياء جعلته دراساته يتجاوز مسألة اكتشاف الأنواع فقط ~~ليضاف اسمه إليها في عام 1850 بالية، أما النصف الآخر، فكانت ~~خاطئة أو معيبة، بسبب إغفالها التطرق للفئات المتعددة من الأدلة ~~التي سلط عليها الضوء منذ عصره. علاوة على ذلك، كان اقتراحه عن ~~سبب التعديل التدريجي في الأنواع - العمل الذي أثاره تغير الظروف ~~- في ظاهره غير قابل للتطبيق على عالم النبات بالكامل. ms531 لا أعتقد ~~أن أي حكم محايد يقرأ كتاب «فلسفة علم الحيوان» الآن، ويقرأ فيما ~~بعد نقد لايل اللاذع والمؤثر (الذي نشر في عام 1830)، سيكون ~~ميالا لأن ينسب إلى لامارك دورا في تشكيل فكرة التطور البيولوجي ~~يزيد كثيرا عن ذلك الذي حدده بيكون لنفسه فيما يتعلق بالعلوم ~~الطبيعية بوجه عام؛ إنه بمنزلة «نافخ البوق» فقط. # لكن في إحدى مفارقات القدر الغريبة، التأثير نفسه الذي جعل ثقتي ~~في التخمينات الحديثة بشأن هذا الموضوع قليلة، كما هو الحال ~~بالنسبة للتعاليم الجليلة المدونة في أول إصحاحين من سفر التكوين، ~~كان أقدر من أي تأثير آخر في وجود نوع من الاقتناع التواق ~~بداخلي بأنه سيتضح في النهاية أن فكرة التطور صحيحة. أعدت ~~مؤخرا قراءة الطبعة الأولى من «مبادئ الجيولوجيا»؛ وحين أتأمل أن ~~هذا الكتاب المميز ظل بين يدي الجميع منذ ثلاثين عاما تقريبا، ~~وأنه أوضح لأي قارئ متوسط الذكاء مبدأ هاما وحقيقة هامة - ~~مبدأ أن الماضي لا بد أن يفسره الحاضر، إلا إن اتضح سبب وجيه ~~بما يفيد العكس؛ وحقيقة أنه على قدر معرفتنا بالتاريخ الماضي ~~لحياتنا على كوكبنا، لا يمكن لمثل هذا السبب أن يظهر - لا أملك سوى ~~الاعتقاد بأن لايل كان العامل الرئيسي، لي وللآخرين، في تمهيد ~~الطريق لأفكار داروين. إن مبدأ الاتساقية يفترض التطور في العالم ~~الحيوي كما في العالم غير الحيوي. ونشأة نوع جديد بأي شيء آخر ~~غير العوامل العادية ستكون «كارثة» أكبر كثيرا من تلك التي أقصاها ~~لايل بنجاح من التفكير الجيولوجي الرزين. # في الواقع، لم يكن أحد أكثر إدراكا لهذا من لايل نفسه. إن قرأ ~~أحد أيا من الطبعات الأولى من كتاب «مبادئ الجيولوجيا» بعناية ~~(لا سيما في ضوء سلسلة الخطابات المثيرة للاهتمام التي نشرها ~~مؤخرا كاتب سيرة السير تشارلز لايل الذاتية)، فسيرى بسهولة أن ~~لايل، مع كل معارضته النشطة للامارك، من ناحية، وفكر أجاسي فيما ~~يتعلق بالتطور الموجه، من ناحية أخرى، كان، في ذهنه، ميالا ~~بشدة لأن يرجع نشأة كل الأنواع السابقة والحالية من الكائنات ~~الحية لأسباب طبيعية. ms532 لكنه كان يفضل، في الوقت نفسه، أن يرجع ~~عملية الخلق لعملية طبيعية تخيل أنها مستعصية الفهم. # في خطاب موجه إلى مانتيل (بتاريخ 2 مارس، 1827)، يتحدث لايل عن ~~قراءته للامارك للتو، ويعبر عن سعادته بنظريات لامارك، وتحرره ~~الشخصي من أي اعتراض قائم على أسس لاهوتية. ورغم أنه منزعج ~~بوضوح من أن فكر لامارك يرى أن الإنسان ينحدر من أحد أشباه ~~القرود، فإنه يقول ملاحظا: # لكن، على أي حال ، ما التغيرات التي قد تخضع لها الأنواع ~~حقا؟ كم سيكون مستحيلا تمييز ووضع الخط الذي لم يجتزه قط بعض ~~مما يسمى الأنواع المنقرضة إلى الأنواع الحالية! # مرة أخرى، ترد الفقرة التالية الجديرة بالملاحظة في حاشية ~~خطاب موجه إلى السير جون هيرشيل عام 1836: ~~«فيما يتعلق بنشأة أنواع جديدة، يسرني جدا أن أعلم باعتقادك ~~أنه من المرجح استمرارها من خلال تدخل أسباب وسيطة. وقد تركت ~~هذا الأمر للاستنباط، معتقدا أنه ليس من المجدي إثارة سخط فئة ~~معينة من الأشخاص بوضع شيء لا يعدو كونه تخمينا في كلمات.» ويستمر ~~في حديثه مشيرا إلى الانتقادات التي وجهت ضده على أساس أنه إن ~~سمح للأنواع بأن تنشأ بمعجزة، يكون غير متسق مع مذهبه، مذهب ~~الاتساقية؛ ويترك الأمر ليفهم أنه لم يحدد رأيه، على أساس اعتراضه ~~العام على الجدل. # كان معاصرو لايل لديهم بعض المعرفة بمذهبه الخفي. وأيا كانت ~~القيمة الفلسفية لكتاب هيول «تاريخ العلوم الاستقرائية»، فهو ~~دائما يستحق القراءة ودائما مثير للاهتمام، إن كان فقط في إطار ~~أنه دليل على الحدود النظرية التي كان يجوز لعالم لاهوت رفيع ~~المستوى أن يتجول فيها إن أراد، في ذلك الوقت. وفي سياق مناقشته ~~مذهب الاتساقية، يقول هيول، عميد كلية ترينيتي الموسوعي، ~~ملاحظا: # لقد تحدث السيد لايل، بالطبع، عن الفرضية القائلة بأن «خلق ~~الأنواع المتتابع قد يشكل جزءا منتظما من منظومة الطبيعة»، ~~لكنه لم يصف في أي موضع، على ما أعتقد، هذه العملية حتى يبين ~~لنا في أي من أفرع العلوم نضع فرضيته. هل تخلق هذه الأنواع ~~الجديدة، على فترات طويلة، بإنتاج ms533 ذرية مختلفة في النوع عن ~~آبائها؟ أم هل تنتج الأنواع التي خلقت هكذا دون آباء؟ وهل تتطور ~~تدريجيا من مادة جنينية ما؟ أم تخرج من الأرض فجأة، كما هو ~~الحال في حالة الشاعر المبدع؟ # إن اختيار أحد أشكال الفرضية هذه، دون الأخرى، مع وجود برهان على ~~الاختيار، ضروري ليمنحنا حق وضعها من ضمن أسباب التغير المعروفة، ~~التي نتناولها في هذا الفصل. إن مجرد الاعتقاد بأن عملية خلق ~~الأنواع قد وقعت، سواء مرة أو عدة مرات، ما دام ذلك غير مرتبط ~~بعلومنا الحيوية، يجعلها تندرج تحت اللاهوت الطبيعي لا الفلسفة ~~الطبيعية. # 1 # يبدو الجزء الأول من هذا النقد منصفا وملائما تماما، لكن، من ~~الفقرة الختامية، يبدو واضحا أن هيول يتخيل أن لايل يقصد ب ~~«الخلق» تدخلا خارقا للطبيعة من الرب؛ بينما يكشف الخطاب إلى ~~هيرشيل أن لايل، في ذهنه، قصد سببية طبيعية؛ وأنا لا أرى سببا ~~للشك أنه إن كان السير تشارلز يستطيع تحاشي اللازمة الطبيعية ~~الحتمية للأصل القردي للإنسان - التي ظل حتى نهاية حياته يرفضها ~~بشدة - لكان أيد الأسباب الفاعلة الآن والتي تمخضت عنها حالة ~~العالم الحيوي، كما أيد بقوة ذلك المذهب فيما يتعلق بالطبيعة غير ~~الحيوية. # إن كون إحدى العيون الثاقبة قد رأت أن شكلا ما من أشكال التطافر كان حتميا، وذلك منذ الزمن الذي أعلن فيه ويليام ~~سميث حقيقة أن الطبقات المتعاقبة تمتاز بأنواع مختلفة من بقايا ~~الحفريات، قد جعل التطافر قانونا راسخا من قوانين الطبيعة. ولم ~~يعبر أحد عن العواقب التخمينية لهذا التعميم أفضل من مؤرخ ~~«العلوم الاستقرائية»: # لكن تكشف لنا دراسة الجيولوجيا عن مشهد يضم مجموعات عديدة من ~~الأنواع تعاقبت على فترات زمنية هائلة، على مدى تاريخ الأرض؛ إذ ~~تختفي مجموعة من الحيوانات والنباتات، كما يبدو، من على كوكبنا، ~~وتصير أخرى غيرها، والتي لم تكن موجودة من قبل، الساكن الوحيد ~~للأرض. وهكذا تكشف لنا المعضلة عن وجهها من جديد؛ فإما أن نتقبل ~~مذهب تطافر الأنواع، ويصير علينا افتراض تطافر الأنواع ~~المنظمة التابعة لأحد العصور الجيولوجية لأنواع ms534 عصر آخر عن طريق ~~تدخل مستمر لأسباب طبيعية، أو نؤمن بتعدد وتعاقب عمليات خلق ~~الأنواع وانقراضها، خارج مسار الطبيعة الشائع؛ وبناء على ذلك، ~~يجوز لنا أن نسمي هذه العمليات بحق معجزات. # 2 # يؤيد دكتور هيول الاستنتاج الثاني. ولو كان أي أحد ألح عليه ~~بالأسئلة الأربعة التي طرحها على لايل في الفقرة المذكورة آنفا، ~~فكل ما يمكن قوله الآن أنه كان بالطبع سيرفض الاستنتاج الأول. لكن ~~هل كان حقا لديه الشجاعة ليقول إن وحيد القرن الصوفي مثلا، «نتج ~~دون أبوين»: أو «تطور من مادة جنينية»؛ أو نشأ فجأة من الأرض ~~مثل أسد ميلتون «ضاربا بمخالبه ليحرر أجزاءه الخلفية.» أسمح ~~لنفسي بالشك فيما إن كانت حتى شجاعة عميد كلية ترينيتي المحنكة - ~~على المستوى المادي والفكري والأخلاقي - كانت مستعدة لهذه الخطوة. ~~لا شك أن اجتماع نصف طن من الجزيئات غير الحيوية في جسد وحيد ~~قرن حي فجأة من الأشياء التي يمكن تصورها؛ ومن ثم قد يكون ~~ممكنا. لكن هل يقع هذا الحدث في حدود الممكن بالقدر الكافي ~~ليبرر تصديق حدوثه بناء على أي دليل يجوز إدراكه أو بالطبع ~~تخيله؟ # وفيما يتعلق بالزعم (الذي ردد كثيرا في بداية معارضة داروين) ~~بأنه لم يضف شيئا إلى كلام لامارك، فسيكون من المثير جدا ~~للاهتمام أن نلاحظ أن احتمالية وجود بديل خامس، بالإضافة إلى ~~الأربعة التي جرى ذكرها، لم تخطر على بال الدكتور هيول. إن ~~الاقتراح القائل بأن أنواعا جديدة قد تنتج عن انتقاء ظروف ~~خارجية لتباينات عن النمط المحدد الذي يمثله الأفراد - وهو ما ~~نقول إنه فعل «تلقائي» لأننا نجهل سببه - لهو أمر مجهول تماما ~~لمؤرخ الأفكار العلمية كما كان للمتخصصين في علم الأحياء قبل عام ~~1858. لكن ذلك الاقتراح هو الفكرة المحورية في كتاب «أصل الأنواع» ~~ويمثل جوهر الداروينية. # لذا، عند النظر في الماضي، يبدو لي أن موقفي النقدي المترقب كان ~~عادلا ومنطقيا، وكان يجب أن يتخذه كثيرون آخرون، للأسباب نفسها. ~~حين أخبرني أجاسي أن أشكال الحياة التي سكنت الأرض على نحو متعاقب ~~كانت تجسيدات لأفكار ms535 الإله المتعاقبة، وأنه محا مجموعة من هذه ~~التجسيدات بكارثة جيولوجية مروعة بمجرد أن اتخذت أفكاره شكلا ~~أكثر تطورا، وجدت نفسي لست فقط غير قادر على أن أقر بدقة ~~استنتاجاته من حقائق علم الحفريات، التي قامت عليها هذه النظرية ~~العجيبة، ولكن كان يجب كذلك أن أقر بحاجتي لأي وسائل لاختبار صحة ~~تفسيره لها. وعلاوة على ذلك، كنت لا أستطيع إدراك ما الذي فسره ~~التفسير. كذلك لم يساعدني إخبار أحد علماء التشريح البارزين إياي ~~أن الأنواع تعاقبت الواحد تلو الآخر في الزمن، بسبب «قانون خلق ~~مستمر العمل». لم يبد هذا لي أكثر من القول بأن الأنواع تلت بعضها ~~الآخر، في شكل يسعى لإرضاء كل الأطراف؛ فهناك «قانون» لإرضاء رجل ~~العلم، و«خلق» لجذب المتشددين. هكذا لجأت إلى «التشكك ~~النشط»، الذي أحسن جوته تعريفه للغاية، وناقضت المبدأ الديني ~~القائل بضرورة السعي لإرضاء الجميع؛ فدأبت على الدفاع عن التمسك ~~بالمذاهب المسلم بها، حين كان يتوجب علي ذلك مع مناصري ~~التطافر، ودافعت عن إمكانية التطافر بين المتشددين؛ مما ~~عمق، لا ريب، الانطباع، الذي كان بالفعل سائدا، وإن لم يكن ~~مستحقا على الإطلاق، بعدوانيتي التي لا ضرورة لها. # أتذكر أنني، أثناء لقائي الأول مع السيد داروين، عبرت عن ~~إيماني بحدة الخطوط الفاصلة بين المجموعات الطبيعية وعدم وجود ~~أشكال انتقالية، بكل ما للشباب من ثقة ومعرفة غير مكتملة. لم ~~أكن مدركا حينذاك أنه قد ظل لسنوات عديدة مشغولا بالتفكير في ~~مسألة الأنواع، وقد ظلت ابتسامته المرحة التي رافقت رده الدمث، ~~بأن تلك لم تكن وجهة نظره البتة، تراودني وتحيرني طويلا. لكن ~~يبدو أن أربع أو خمس سنوات من العمل الشاق قد جعلتني قادرا على ~~فهم ما كانت ترمي إليه؛ إذ يقول لايل، # 3 # في خطابه إلى السير تشارلز بانبري (بتاريخ 30 أبريل، ~~1856): # حين كان هكسلي وهوكر ووولستن في منزل داروين الأسبوع الماضي، ~~أيد (الأربعة جميعهم) مسألة الأنواع، ذاهبين في ذلك إلى حد ~~ليسوا على استعداد له، حسبما أعتقد. # لا أذكر من هذا سوى مقابلة السيد وولستن؛ وبعيدا عن ms536 تأكيد ~~السير تشارلز الواضح بقوله «الأربعة جميعهم»، أعتقد أن «تجرئي» ~~كان ردا على تحفظ وولستن. أما هوكر، فقد كان بالفعل «على ~~استعداد لفعل أي شيء»، مثل حبقوق في وصف فولتير له، في سبيل ~~الترويج لنظرية التطور. # وكما قلت بالفعل، يخيل لي أن أغلب هؤلاء المعاصرين لي ~~الذين فكروا في المسألة بجدية، كانت لديهم الحالة الذهنية نفسها ~~إلى حد كبير - فهم يميلون لأن يقولوا لكل من مناصري الفكر ~~التقليدي ومناصري التطور : «عليكما اللعنة أنتما الاثنين!» ~~وينزعون للانصراف عن نقاش لا نهاية له ويبدو عقيما، ليعملوا في ~~الحقول الرحبة للحقائق التي يمكن التثبت منها. وبناء على ذلك، ~~يجوز لي أن أفترض أيضا أن نشر أبحاث داروين ووالاس عام 1858، ~~وكتاب «أصل الأنواع» عام 1859 بدرجة أكبر، قد أثر عليهم أثر ~~بصيص الضوء، الذي يكشف الطريق فجأة لمن ضل في ليل بهيم، والذي، ~~سواء أرشده لمنزله مباشرة أم لا، سيوجه خطاه بالتأكيد. إن ~~ما كنا نبحث عنه ولم نستطع العثور عليه، كان نظرية تتعلق بنشأة ~~أشكال حيوية معروفة، والتي لا تدعي تأثير أسباب غير التي يمكن ~~إثبات أنها عاملة بالفعل. نحن لم نكن نريد أن نركن إلى هذا التخمين ~~أو ذاك، وإنما أن نحصل على مفاهيم واضحة ومحددة يمكن مواجهتها ~~بالحقائق واختبار صحتها. وقد أمدنا كتاب «أصل الأنواع» بالنظرية ~~المقبولة التي كنا نبحث عنها. كما أنه قدم خدمة عظيمة بتحريرنا ~~للأبد من المعضلة التالية: فلترفض قبول نظرية الخلق، لكن ماذا لديك ~~لتطرحه يمكن أن يقبله أي مفكر حذر؟ في عام 1857، لم يكن لدي ~~رد جاهز، ولا أعتقد أنه كان لدى أي أحد. وبعد ذلك بعام، ~~وبخنا أنفسنا على بلادتنا لوقوعنا في حيرة إزاء هذا السؤال. ~~لقد كان انطباعي، حين أصبحت ملما لأول مرة بالفكرة المحورية ~~لكتاب «أصل الأنواع»، هو: «كم كنت شديد الغباء لعدم التفكير في ~~ذلك!» وأعتقد أن رفاق كولومبوس قالوا الشيء نفسه تقريبا حين جعل ~~البيضة تقف على طرفها. كانت حقائق القابلية للتباين والصراع من أجل ~~البقاء والتأقلم مع الظروف، ذات سمعة ms537 سيئة تماما، لكن لم يساور ~~أيا منا الشك أن الطريق للب مشكلة الأنواع يمر خلالها، إلى ~~أن بدد داروين ووالاس الظلام، وأرشدت منارة كتاب «أصل ~~الأنواع» من غيبهم الظلام والجهل. # ما إن كان الشكل المحدد الذي اتخذته نظرية التطور، فيما ~~يتعلق بالعالم الحيوي، على يد داروين، سيصبح نهائيا أم لا، لم ~~يكن من الأمور التي آبه لها. في انتقاداتي الأولى لكتاب «أصل ~~الأنواع»، أشرت إلى أن أساسه المنطقي كان متقلقلا ما دامت تجارب ~~الاستيلاد الانتقائي لم تنتج ضروبا عقيمة بنحو أو بآخر؛ ولا يزال ~~هذا التقلقل قائما حتى الوقت الحاضر. غير أنه، مع كل الشكوك ~~النقدية التي استطاعت مهارتي في التشكيك أن تطرحها، تظل النظرية ~~الداروينية أكثر ترجيحا على نحو لا يقارن من نظرية الخلق. وما دام لم يستطع أي منا أن يميز المغزى الأهم لبعض الحقائق ~~الطبيعية الأكثر وضوحا وشهرة، حتى وضعت أمامنا مباشرة، إن جاز ~~القول، فما القوة الباقية في المعضلة - الخلق أم لا شيء؟ كان ~~جليا أنه فيما بعد، سيصير احتمال أن روابط السببية الطبيعية ~~كانت مخفية عن أعيننا الضعيفة البصر أكبر كثيرا من احتمال أن ~~السببية الطبيعية لا بد أن يكون بها قصور لإنتاج كل ظواهر ~~الطبيعة. وكان المسار المنطقي الوحيد لأولئك الذين لم يكن لديهم ~~هدف سوى بلوغ الحقيقة، هو قبول «الداروينية» باعتبارها نظرية ~~مقبولة، ورؤية ما يمكن عمله بها. إنها إما أن تثبت قدرتها على ~~إبانة حقائق الحياة الحيوية، وإما أن تنهار تحت الضغط. لا شك أن ~~هذا كان ما يمليه المنطق؛ ولأول مرة انتصر المنطق. وكانت النتيجة ~~انقلاب عالم العلم بأسره «رأسا على عقب»، وهو ما لا بد أن يبدو ~~مدهشا جدا للجيل الحالي. أنا لا أقصد أن كل رواد علم الأحياء قد ~~أعلنوا أنهم داروينيون؛ غير أنني لا أعتقد أن ثمة عالم حيوان ~~أو نبات أو حفريات واحد، بين حشد العاملين بنشاط في هذا الجيل، ~~إلا وصار من أنصار التطور وتأثر تأثرا عميقا بآراء داروين. ~~ومهما يكن المصير النهائي للنظرية الخاصة التي ms538 طرحها داروين، ~~فسأجازف وأؤكد، على قدر معرفتي، أن كل مهارة وعلم النقاد ~~المعاندين لم تمكنهم من إثبات حقيقة واحدة، يمكن القول بأنها ~~متعارضة مع النظرية الداروينية. لكن في التنوع والتعقيد ~~الهائلين للطبيعة الحيوية يوجد الكثير من الظواهر التي لا يمكن ~~استخلاصها من التعميمات التي توصلنا إليها حتى الآن. لكن يمكن ~~قول الشيء نفسه عن كل فئات الأشياء الطبيعية الأخرى؛ إذ أعتقد أن ~~علماء الفلك لم يستطيعوا حتى الآن التوفيق تماما بين حركة القمر ~~ونظرية الجاذبية. # لن يكون من المناسب، حتى لو كان ممكنا، أن نناقش الصعوبات ~~والمشكلات العالقة التي قابلت أنصار التطور حتى الآن، والتي ربما ~~ستظل تحيرهم في الأجيال القادمة، في سياق هذا السرد التاريخي ~~الموجز عن استقبال عمل السيد داروين العظيم. لكن ثمة ~~اعتراضين أو ثلاثة ذات طبيعة عامة أكثر، أو يفترض أنها قائمة ~~على أسس فلسفية ولاهوتية، والتي عبر عنها بقوة في أوائل أيام ~~الجدل الدارويني، والتي رغم الرد عليها مرارا وتكرارا، ما زالت ~~تطل برأسها من حين لآخر حتى الوقت الحاضر. # الأغرب من بين كل هذه المغالطات، الأبدية ربما، التي ما زالت ~~باقية كأنها تيثونوس، في حين أن العقل والمنطق قد أعرضا عنها من ~~زمن بعيد، هي التي تتهم السيد داروين بمحاولة إعادة فكرة ربة ~~الحظ الوثنية القديمة [التي ينسب فيها كل ما يحدث للإنسان إلى ما ~~يصادفه من حظ جيد أو سيئ.] يقال إنه يفترض أن التباينات تحدث ~~ب «الصدفة»، وأن الأصلح ينجو من صدف الصراع من أجل البقاء، وهكذا ~~تحل «الصدفة» مكان التدبير الإلهي. # من الغريب أن يوجه مثل ذلك الاتهام إلى كاتب ظل مرارا ~~وتكرارا ينبه قراءه إلى أنه حين يستخدم كلمة «تلقائي»، لا يقصد ~~سوى أنه يجهل سبب الشيء الذي وصفه بها؛ والذي ستنهار نظريته ~~بالكامل إن أنكر اتساق السببية الطبيعية واطرادها على مدى ~~عصور ماضية لا متناهية. لكن ربما أفضل رد على أولئك الذين ~~يتحدثون عن الداروينية باعتبارها نظرية عن سيطرة «الصدفة»، أن ~~نسألهم عن مفهومهم عن «الصدفة». هل يعتقدون أن ms539 أي شيء في هذا الكون ~~يحدث دون سبب أو دون علة؟ هل يتصورون حقا أنه ليس لأي حدث من ~~الأحداث سبب، ولا يمكن لأي شخص لديه بصيرة كافية بنظام الطبيعة ~~أن يتنبأ به؟ إن كانوا كذلك، فهم ورثة الخرافات القديمة والجهل، ~~ولم يضئ عقولهم أي شعاع من التفكير العلمي قط. التصرف ~~الوحيد لإثبات جدية الإيمان عند اعتناق المذهب العلمي هو الإقرار ~~بشمولية النظام والصحة المطلقة لقانون السببية في كل الأزمان وفي ~~جميع الظروف. هذا الإقرار يثبت جدية الإيمان لأن صحة تلك ~~الافتراضات ليست، نظرا لطبيعة الحالة، قابلة للإثبات. غير أن هذا ~~الإيمان ليس أعمى، وإنما منطقي؛ لأنه يتأكد دائما بالتجربة، ~~ويشكل الأساس الوحيد الجدير بالثقة لكل الأفعال. # إن كان أحد هؤلاء الناس، الذين ما زالوا، على نحو غريب، باقين ~~على عبادة الصدفة مثل أسلافنا القدامى جدا، على مقربة من ~~البحر أثناء هبوب عاصفة عاتية، فلتدعه يتجه للشاطئ ويشاهد ~~المنظر. اجعله يدون التنوع اللانهائي في شكل الأمواج ~~المتلاطمة في البحر وحجمها؛ أو منحنيات تكسرها على الصخور المكلل ~~بالزبد؛ ودعه ينصت لهدير الحصى وصخبه وهو يلقى على الشاطئ ~~ويقتلع منه؛ أو ينظر إلى كتل الزبد وهي تترامى هنا وهناك أمام ~~الرياح؛ أو يلاحظ تنوع الألوان، الذي يحدث عند سقوط شعاع من ~~ضوء الشمس على آلاف الفقاعات. لا شك أنه سيقول في هذا الموقف على ~~وجه الخصوص، إن الصدفة عظيمة، ويركع كمن دخل في حرم ربه. لكن رجل ~~العلم يعلم أن النظام المثالي هو ما يتجلى هنا، كما في كل ~~مكان؛ وأنه ليس ثمة منحنى في الموجات، أو نغمة في النشيد ~~المدوي، أو ومضة قوس قزح في فقاعة، إلا وكانت نتيجة حتمية ~~للقوانين المحكمة للطبيعة؛ وأنه مع معرفة كافية بالظروف، يستطيع ~~من لديه إلمام بالرياضيات والفيزياء تفسير كل من هذه الأحداث ~~«العارضة»، والتنبؤ بها بالطبع. # هناك اعتراض ثان شائع جدا على آراء السيد داروين، وهو الذي ~~كان (ولا يزال) يقول إنها تلغي مبدأ الغائية، وتنتزع الحجة من ~~مسألة التصميم. مضى عشرون عاما تقريبا ms540 منذ أقدمت على تقديم بعض ~~الملحوظات حول هذا الموضوع، وبما أن حججي لم تلق تفنيدا حتى ~~الآن، أرجو المعذرة في إعادة نشرها. لاحظت أن «مذهب التطور هو ~~ألد أعداء كل أشكال مبدأ الغائية الأكثر انتشارا وابتذالا. ~~لكن ربما أبرز خدمة قدمها السيد داروين لفلسفة علم الأحياء هي ~~المواءمة بين مبدأ الغائية وعلم التشكل، وتفسير حقائق كل ~~منهما، الذي تقدمه آراؤه. لا شك أن الغائية التي تفترض أن ~~العين، مثل التي نراها لدى الإنسان، أو أحد الفقاريات العليا، قد ~~خلقت بالتكوين المحدد الذي تظهر به، من أجل تمكين الحيوان الذي ~~يملكها من الرؤية، قد تلقت الضربة القاضية. غير أنه من الضروري ~~تذكر أن ثمة تصورا أوسع للغائية لم يمسه مذهب التطور، بل ~~إنه في الواقع قائم على فرضية التطور الأساسية؛ هذه الفرضية هي ~~أن العالم بأسره، الحي وغير الحي، هو نتاج تفاعل متبادل، ~~وفقا لقوانين محددة، بين القوى الخاصة بالجزيئات التي تكون ~~منها السديم الأولي للكون. إن صح هذا، فمن المؤكد أن العالم ~~الحالي ربما يقبع في البخار الكوني، وأنه يمكن لعقل يمتلك قدرا ~~كافيا من الذكاء، لديه معرفة بخواص جزيئات هذا البخار، ~~التنبؤ مثلا بحال الحيوانات في بريطانيا عام 1869، بنفس اليقين ~~الذي يستطيع به أحدهم أن يقول ما سيحدث لبخار النفس في يوم شتوي ~~بارد. ~~... الرؤيتان الغائية والآلية للطبيعة ليستا متعارضتين بالضرورة، ~~بل على العكس، كلما كان المنظر مؤمنا تماما بالرؤية الآلية، ~~كان أكثر حسما في افتراض وجود تنظيم جزيئي أولي، تنبع منه ~~كل ظواهر الكون، وكان تماما تحت رحمة المؤمن بالرؤية الغائية، ~~الذي يمكنه دائما أن يتحداه لإنكار أن هذا التنظيم الجزيئي ~~الأولي لم يقصد به إنتاج ظواهر الكون.» # 4 # لم ير بيلي، مناصر الغائية الكبير، أي صعوبة في إقرار أن ~~«تكون الأشياء» قد يكون نتيجة سلاسل من التدابير الآلية التي ~~أعدت مسبقا باختيار ذكي وظلت تعمل بسبب قوة مركزية؛ # 5 # أي إنه مستشرفا المستقبل تبنى المذهب الحديث ~~للتطور؛ وربما يحسن خلفاؤه باتباعه في ذلك، أو على الأقل ~~بالانتباه ms541 إلى استدلالاته الهامة، قبل الاندفاع إلى عداء ليس له ~~أساس منطقي. # والآن وقد انتهينا من مغالطتي الإيمان بدور الصدفة وإنكار ~~التصميم، لعدم ارتباطهما بمذهب التطور على أي نحو، يمكننا أن ~~نترك الطعن الثالث في حق هذا المذهب؛ أي معارضته الإيمان بوجود ~~إله، ليدحض من تلقاء نفسه. لكن إصرار كثير من الناس على رفض ~~استنباط أوضح العواقب من الفرضيات التي يدعون قبولها يجعل من ~~المستحسن الإشارة إلى أن مذهب التطور ليس معارضا للألوهية ولا ~~مؤيدا لها. إن علاقته بالإيمان بوجود إله ببساطة لا تتعدى علاقة ~~كتاب إقليدس الأول به. من المؤكد تماما ألا تحتوي البيضة ~~العادية التي وضعتها دجاجة الآن على ديك أو دجاجة؛ كذلك من ~~المؤكد مثل أي فرضية في الفيزياء أو الأخلاق، أن يوجد فرخ ديك ~~أو دجاج بداخلها عند وضع تلك البيضة في ظروف مناسبة لمدة ثلاثة ~~أسابيع؛ من المؤكد تماما أيضا أنه لو كانت القشرة شفافة، لكنا ~~سنستطيع مشاهدة تكون الطير الصغير، يوما بعد يوم، من خلال ~~عملية تطور، بدءا من جنين خلوي مجهري حتى يبلغ حجمه الكامل ~~وتكوينه المعقد؛ ومن ثم، يجري التطور بالفعل، بمعناه ~~الدقيق، في هذه الحالة وملايين الملايين من الحالات المماثلة، متى ~~وجدت كائنات حية؛ بناء على ذلك، وباستعارة إحدى حجج باتلر، ~~مثلما يجب أن يتسق ما يحدث الآن مع سمات الرب، إن كان ذلك الكيان ~~موجودا، لا بد أن يتسق التطور مع هذه السمات. وإن كان الأمر ~~كذلك، فلا بد أن يكون تطور الكون، الذي يشبه تطور فرخ الطير في ~~قابليته للتفسير، متسقا معها. إذن، لا يمس مذهب التطور ~~الألوهية، باعتبارها مذهبا فلسفيا. أما ما يصطدم به بحق، ولا ~~يتسق معه بتاتا، فهو مفهوم الخلق، الذي وضعه منظرون لاهوتيون ~~على أساس التاريخ المروي في بداية سفر التكوين. # ثمة الكثير من النقاش وقدر غير ضئيل من الأسى على ما ~~يسمى بالصعوبات الدينية التي أحدثتها العلوم الطبيعية. لكنها، ~~في واقع الأمر، لم تحدث أية مشكلة في العلوم اللاهوتية؛ فلم تظهر ~~مشكلة واحدة للمؤمنين بالألوهية ms542 باعتبارها مذهبا فلسفيا، في ~~الزمن الحاضر، إلا وكانت موجودة منذ الزمن الذي بدأ فيه الفلاسفة ~~التفكير في الأسس والعواقب المنطقية للألوهية. إن كل الصعوبات، ~~سواء كانت حقيقية أو وهمية، التي تنبع من تصور الكون كنظام ~~آلي حتمي، موجودة بنفس القدر في افتراض وجود إله أبدي وقدير ~~وعليم. إن المكافئ اللاهوتي للتصور العلمي للنظام هو العناية ~~الإلهية؛ وكما ينتج مذهب الحتمية قطعا عن سمات المعرفة المسبقة ~~التي يفترضها عالم اللاهوت، ينتج أيضا عن شمولية السببية الطبيعية ~~التي يدعيها رجل العلم. إن الملائكة في «الفردوس المفقود» ما ~~كانت لتجد مهمة تعريف آدم بألغاز «القدر والمعرفة المسبقة ~~وحرية الإرادة» صعبة على الإطلاق، لو كان تلميذهم قد تعلم في ~~مدرسة ثانوية، وتدرب في معمل جامعة حديثة. وفيما يتعلق ~~بمشكلات الفلسفة الكبرى، فإن جيل ما بعد الداروينية، من ناحية، ~~يقف منها موقف أجيال ما قبل الداروينية نفسها بالضبط. إنها ما زالت ~~غير قابلة للحل. إلا أن الجيل الحالي لديه ميزة توفر وسائل ~~أفضل لتحرير نفسه من سلطان بعض الحلول الزائفة. # ما نعرفه محدود، وما نجهله لا محدود؛ فما زلنا على المستوى ~~الفكري واقفين على جزيرة وسط محيط لا متناه من الأشياء غير ~~القابلة للتفسير. ومهمتنا في كل جيل أن نستكشف القليل من ~~اليابسة، ليزيد اتساع أملاكنا ورسوخها. وتكفي نظرة خاطفة على ~~تاريخ العلوم البيولوجية خلال ربع القرن الأخير لتأكيد الزعم بأن ~~أقوى وسيلة توصل إليها البشر لتوسيع مجال المعرفة الطبيعية، منذ ~~نشر كتاب نيوتن «المبادئ الرياضية»، هي كتاب «أصل الأنواع» ~~لداروين. # لقد لاقى الكتاب استقبالا سيئا من الجيل الذي كان موجها له في ~~البداية، وإنه مما يبعث على الحزن التفكير فيما أسفر عنه من فيض ~~من الترهات الغاضبة. إلا أن الجيل الحالي ربما يتصرف على النحو ~~السيئ نفسه إن جاء داروين آخر، وطالبهم بأكثر ما يكرهه عموم البشر؛ ~~ألا وهو ضرورة مراجعة قناعاتهم. إذن فليترفقوا بنا، نحن ~~الجيل القديم؛ وإن لم يتعاملوا على نحو أفضل مما فعل رجال عصري ~~مع أي رجل مبدع جديد، فليتذكروا ms543 أن سخطنا لم يكن بالغا، ~~ونفس عن نفسه على نحو أساسي من خلال استخدام اللغة البذيئة في ~~توبيخ لا يخلو من ادعاء التقوى. وليقوموا بسرعة بمراجعة ذاتية ~~استراتيجية، ويتبعوا الحقيقة أينما تأخذهم. سيكتشف معارضو الحقيقة ~~الجديدة، كما يكتشف الآن معارضو داروين، أن النظريات لا تبدل ~~الوقائع، وأن الكون لا يتأثر حتى مع انهيار النصوص؛ أو، حيث إن ~~التاريخ يعيد نفسه، ربما يكتشفون أيضا بما حظوا به من براعة أن ~~النبيذ الجديد من غلة كرم النبيذ القديم نفسها، وأن الزجاجات ~~القديمة (عند النظر إليها بمنظار صحيح) ما هي إلا أشياء صنعت ~~فقط للاحتفاظ بها. # | ملاحظات # الفصل الأول: عائلة داروين # الفصل الثاني: سيرة ذاتية # الفصل الثالث: ذكريات من حياة والدي اليومية # الخطابات # الفصل الرابع: الحياة في كامبريدج # الفصل الخامس: تعيين أبي في رحلة «البيجل» # الفصل السادس: الرحلة # الفصل السابع: لندن وكامبريدج # الفصل الثامن: الدين # الفصل التاسع: الحياة في داون # الفصل العاشر: تطور كتاب «أصل الأنواع» # الفصل الثاني عشر: الكتاب غير المكتمل # الفصل الرابع عشر: بقلم البروفيسور هكسلي ms544