######OpenITI# #META# URI: 1450ZahraSami.FiZamanna.Hindawi85794209 #META# Tags: novels #META# ID: 85794209 #META# Title: في زمننا #META# AuthorID: 93724792 #META# Author: إرنست همينجواي #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 83840647 #META# Translator: الزهراء سامي #META# Related_books: 1381ErnestHemingway.InOurTime (TRANSL) #META#Header#End# # على رصيف ميناء سميرنا‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # المبعوث‏ # على رصيف ميناء سميرنا‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # المبعوث‏ # | في زمننا # | في زمننا # تأليف # إرنست همينجواي # ترجمة # الزهراء سامي # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # | على رصيف ميناء سميرنا # قال: إن الغريب في الأمر صراخهم كل ليلة في منتصف الليل. لست أدري ~~السبب في صراخهم في ذلك الوقت. كنا في الميناء وكانوا جميعا على ~~الرصيف، وعند منتصف الليل بدءوا في الصراخ. اعتدنا على توجيه ضوء ~~الكشاف عليهم لكي نهدئ من روعهم. كان ذلك يفي بالغرض دوما. كنا ~~نوجه الضوء باتجاههم صعودا وهبوطا مرتين أو ثلاث مرات وكانوا ~~يتوقفون عن الصراخ. في إحدى المرات، كنت أنا الضابط المسئول على رصيف ~~الميناء وجاءني ضابط تركي وقد بلغ به الغضب مبلغه؛ لأن أحد الملاحين قد ~~أهانه إهانة كبيرة. قلت له بأن الرجل سيرسل على سفينة وسيعاقب ~~عقابا شديدا. طلبت منه أن يشير إلى الرجل؛ فأشار إلى ضابط صغير ~~مسئول عن صيانة السفينة وأسلحتها، وهو شاب مسالم للغاية. قال وهو يتحدث ~~إلي من خلال مترجم: إن الشاب قد أساء إليه بشدة ولمرات عديدة. لم ~~أستطع أن أتخيل كيف تمكن هذا الضابط الصغير من معرفة اللغة التركية ~~بالقدر الذي يكفي لإهانة شخص ما. استدعيته وقلت له: «هل تحدثت إلى أي من الضباط الأتراك؟» ~~«لم أتحدث إلى أي منهم، يا سيدي.» # قلت: «أنا متأكد من هذا، لكن الأفضل أن تظل على متن السفينة ولا ~~تعود إلى الشاطئ ثانية بقية اليوم.» # بعد ذلك أخبرت الضابط التركي أن الرجل قد أرسل على متن السفينة ~~وسوف يحاسب حسابا عسيرا. كلا ms001 ، بل أخبرته أنه سيحاسب بصرامة ~~شديدة. سعد بشدة لذلك. لقد كنا صديقين رائعين. # قال إن الأمر الأسوأ على الإطلاق هو النساء وأطفالهن الموتى. لم ~~تكن لتستطيع أن تحمل النساء على التخلي عن أطفالهن الموتى. كان من ~~الممكن أن يبقين على الأطفال الموتى لستة أيام؛ فهن لن يتخلين عنهم. ~~ولم يكن هناك ما يمكن أن تفعله حيال ذلك. كان عليك أن تأخذهم منهن في ~~النهاية. ثم كانت هناك تلك المرأة العجوز، التي كانت حالة استثنائية ~~للغاية. لقد أخبرت طبيبا بأمرها وقال إنني أكذب. كنا نخليهن عن رصيف ~~الميناء، وكان علينا أن نتخلص من الموتى، وكانت تلك المرأة العجوز ترقد ~~على ما يشبه النقالة. قالوا: «هلا ألقيت نظرة عليها يا سيدي؟» ألقيت ~~نظرة عليها وعندها فقط ماتت وتصلبت تماما؛ توقفت ساقاها وتوقف ~~جسمها بداية من الخصر، وأصبحت متصلبة تماما. بدا الأمر كما لو أنها ~~قد ماتت أثناء الليل؛ لقد كانت ميتة ومتصلبة تماما. لقد أخبرت طبيبا ~~بهذا وقال إن ذلك أمر مستحيل. # كانوا جميعا هناك على رصيف الميناء، ولم يكن هناك من شيء كزلزال أو ~~أي شيء من هذا القبيل؛ إذ إنهم لم يعرفوا قط بشأن الأتراك. لم ~~يعرفوا ما كان سيفعله التركي العجوز. أتتذكر حين أمرونا بألا نأتي ~~لإخلاء المزيد؟ أصابتني حالة من التوتر الشديد حين أتينا في ذلك ~~الصباح. لقد كان لديه الكثير جدا من الأسلحة، وكان يمكن أن يفجرنا ~~تماما في المياه. كنا سندخل ونقترب من رصيف الميناء، ونحل المراسي ~~الأمامية والخلفية، ثم نقصف الجزء التركي من المدينة. كانوا سيفجروننا ~~في المياه، لكننا كنا ببساطة سنفجر المدينة ونحولها إلى جحيم. كانوا قد ~~أطلقوا علينا للتو بضع قذائف فارغة في أثناء دخولنا الميناء، ثم جاء ~~كمال وطرد القائد التركي؛ لأنه قد تجاوز سلطاته أو شيئا من هذا ~~القبيل. لقد أعطى لنفسه بعض الشيء حجما أكبر من حجمه الحقيقي. لولا ~~ذلك لتحول الأمر إلى فوضى عارمة. # أنت تتذكر الميناء. كان هناك الكثير من الأشياء الجميلة تطفو حوله. ~~كانت تلك هي المرة ms002 الوحيدة في حياتي التي أبلغ فيها هذه المرحلة حتى ~~إنني حلمت ببعض الأمور. أنت لم تكن مهتما بشأن النسوة اللائي كن يلدن ~~أطفالهن مثلما كنت منزعجا بشأن النسوة اللائي كن يحملن أطفالهن ~~الموتى. وقد ولد الأطفال بخير. من المدهش أنه لم يمت سوى القليل ~~منهم. إنك لم تفعل شيئا سوى أنك غطيتهن بشيء وتركتهن وشأنهن. كانت ~~النسوة يخترن البقعة الأكثر عتمة في عنبر التخزين في السفينة كي ~~يلدن. لم تمانع أي منهن في أي شيء فور خروجهن من رصيف ~~الميناء. # كان اليونانيون لطفاء أيضا؛ حين قاموا بالإخلاء أخذوا جميع ~~الحيوانات التي كانت تحمل أمتعتهم لكنهم عجزوا عن أخذها معهم، فكسروا ~~ساقيها الأماميتين، ورموها في المياه الضحلة. كل تلك البغال قد ~~دفعت إلى المياه الضحلة بعد أن كسروا ساقيها الأماميتين. لقد كان ~~ذلك كله أمرا مبهجا. أجل لعمري كان أمرا مبهجا للغاية. # | الفصل الأول # كان الجميع سكارى؛ السرية بأكملها كانت سكرى وهي تسير على الطريق ~~في الظلام. كنا في طريقنا إلى إقليم شامبين. ظل الملازم يقود حصانه في ~~الحقول ويقول له: «إنني ثمل يا صديقي، أؤكد لك. آه، إنني غارق في ~~السكر.» ظللنا نسير على الطريق طوال الليل في الظلام، ~~وظل الضابط المساعد يقود حصانه بجوار مطبخي وهو يقول: «لا بد أن تطفئ ناره. إن ذلك خطير للغاية. سوف يرى.» كنا على بعد خمسين كيلومترا ~~من الجبهة، لكن الضابط المساعد كان قلقا بشأن نار مطبخي. لقد كان ~~السير على هذا الطريق أمرا ممتعا. كان ذلك حين كنت عريف ~~مطبخ. # المخيم الهندي # كان هناك زورق تجديف آخر يقف على شاطئ البحيرة، ووقف اثنان من ~~الهنود ينتظران. # ركب نك ووالده في مؤخرة الزورق، ودفعه الهنديان ثم ركبه أحدهما ~~كي يجدف. جلس العم جورج في مؤخرة زورق المخيم، ودفع الهندي الشاب ~~الزورق، ثم ركب كي يجدف بالعم جورج. # بدأ الزورقان إبحارهما في الظلام. سمع نك صوت مسندي مجدافي ~~الزورق الآخر يأتي من مكان بعيد يسبقهم في الضباب. كان الهنديان ~~يجدفان بحركات سريعة متقطعة، وأراح ms003 نك ظهره للخلف تحوطه ذراع ~~أبيه. كان الجو باردا في المياه. وبالرغم من أن الهندي الذي كان ~~يجدف بهما كان يعمل بكد، فقد كان الزورق الآخر يتقدم زورقهما في ~~الضباب على الدوام. # سأل نك: «إلى أين نذهب يا أبي؟» ~~«إلى المخيم الهندي، ثمة سيدة هندية مريضة للغاية.» # فقال نك: «يا إلهي.» # على الجهة المقابلة من الخليج، وجدوا أن الزورق الآخر قد رسا ~~على الشاطئ. كان العم جورج يدخن سيجارا في الظلام، وسحب الهندي ~~الشاب الزورق إلى مكان بعيد على الشاطئ. وأعطى العم جورج كلا ~~الهنديين سيجارا. # ساروا من الشاطئ عبر مرج ينضح بالندى، متبعين الهندي الشاب ~~الذي كان يحمل قنديلا، ثم ساروا في الأحراج وتبعوا ممرا كان ~~يؤدي إلى طريق احتطاب كان منتهاه التلال من جديد. كان طريق ~~الاحتطاب أفضل إضاءة بكثير؛ إذ كانت الأشجار قد قطعت فيه على ~~الجانبين. توقف الهندي الشاب وأطفأ قنديله، وساروا جميعا على ~~الطريق. # مروا بمنعطف وخرج كلب ينبح. في الأمام، ظهرت أضواء الأكواخ ~~التي كان يعيش فيها الهنود الذين يعملون في تقشير اللحاء. اندفع ~~نحوهم المزيد من الكلاب، وأعادها الهنديان إلى الأكواخ. وفي ~~الكوخ الأقرب إلى الطريق، بدا ضوء في النافذة. وعلى المدخل، وقفت ~~سيدة عجوز تحمل مصباحا. # في الداخل، على سرير خشبي يتكون من طابقين، كانت ترقد سيدة ~~هندية شابة، كانت تحاول أن تلد طفلها منذ يومين، وكانت جميع ~~النسوة العجائز في المخيم يحاولن مساعدتها. أما الرجال فقد خرجوا ~~إلى الطريق كي يجلسوا في الظلام ويدخنوا بعيدا عما كانت تصدره ~~من ضوضاء. صرخت فور أن دخل نك ووالده والهنديان اللذان كانا يقودانهما والعم جورج إلى الكوخ. كانت ترقد بضخامتها في الطابق السفلي من ~~السرير تحت لحاف، بينما يتجه رأسها إلى أحد الجانبين. في الطابق ~~العلوي من السرير، كان يجلس زوجها. كان قد جرح قدمه جرحا خطيرا ~~بالفأس قبل ثلاثة أيام. وكان يدخن غليونا، وكانت رائحة الغرفة ~~سيئة للغاية. # أمر والد نك بوضع بعض المياه على الموقد، وبينما كانت تسخن، ~~راح يتحدث إلى نك ms004 قائلا: «هذه السيدة سوف تلد طفلا يا نك.» # أجاب نك: «أعرف.» # تابع والده الحديث قائلا: «إنك لا تعرف. استمع إلي! إن ما ~~تمر به الآن يسمى المخاض. إن الطفل يرغب في أن يولد، وهي ~~ترغب في ولادته. جميع عضلات جسمها تحاول أن تنجز عملية ولادة ~~الطفل. هذا ما يحدث عندما تصرخ.» # قال نك: «فهمت.» # وحينها على الفور، صرخت المرأة. # سأل نك والده: «أوه، يا أبي، ألا تستطيع أن تعطيها شيئا يجعلها ~~تكف عن الصراخ؟» # أجاب أبوه: «لا، ليس لدي أي مخدر، لكن صرخاتها لا تهم. إنني ~~لا أسمعها لأنها لا تهم.» # تقلب الزوج الذي كان يرقد في الطابق العلوي من السرير، ليواجه ~~الحائط. # المرأة الموجودة في المطبخ أشارت بحركة إلى الطبيب تفيد بأن ~~المياه قد أصبحت ساخنة. دخل والد نك إلى المطبخ وصب ما يقرب من ~~نصف المياه من القدر الكبيرة في أحد الأحواض، ووضع في المياه التي ~~تبقت في القدر عدة أشياء كان قد أخرجها من منديل. # تحدث قائلا: «هذه يجب أن تغلي.» ثم بدأ في دعك يديه في حوض ~~المياه الساخنة بقالب من الصابون كان قد أحضره من المخيم. شاهد نك ~~والده وهو يدعك بالصابون يديه إحداهما بالأخرى. وبينما كان والده يغسل ~~يديه جيدا وكليا، راح يتحدث. ~~«أنت تعلم يا نك أن الأطفال يولدون برءوسهم أولا، لكن ~~ذلك لا يحدث في بعض الأحيان. وحين لا يحدث هذا، تكون مشكلة للجميع. ~~قد أضطر إلى إجراء عملية جراحية لهذه السيدة. سوف نعرف بعد ~~قليل.» # وحين أصبح راضيا عن نظافة يديه، سار للداخل وتوجه إلى ~~العمل. # قال: «هلا رفعت هذا اللحاف يا جورج؟ يجب ألا ألمسه.» # حين بدأ في إجراء العملية الجراحية بعد ذلك، أمسك العم جورج ~~وثلاثة هنود آخرون بالمرأة كي تبقى ساكنة. عضت المرأة ذراع العم ~~جورج؛ فقال: «تبا أيتها المرأة الخبيثة!» وراح الهندي الشاب الذي ~~جدف بزورق العم جورج يضحك منه. أمسك نك بالحوض لأبيه. استغرق الأمر ~~بأكمله وقتا طويلا. أخرج أبوه الطفل وصفعه على ظهره كي يتنفس ms005 ثم ~~ناوله المرأة العجوز. # تحدث إلى نك قائلا: «انظر يا نك! إنه غلام. ما رأيك في مهمة ~~الطبيب المتدرب التي تؤديها؟» # أجاب نك: «لا بأس بها.» كان ينظر بعيدا كي لا يرى ما كان يفعله ~~أبوه. # تحدث والد نك بينما كان يضع شيئا في الحوض وقال: «حسنا! هذا ~~يكفي.» لم ينظر نك إلى ما وضعه. # وتابع أبوه قائلا: «سوف أخيط الآن بعض الغرز. يمكنك أن تشاهد ~~ذلك يا نك أو لا، افعل ما تريد. سوف أخيط الجرح الذي ~~فتحته.» # لم يرغب نك في مشاهدة ما كان يفعله والده؛ كان فضوله قد تلاشى ~~منذ فترة طويلة. # انتهى أبوه ونهض واقفا. وقف العم جورج والهنود الثلاثة، وذهب ~~نك بالحوض ووضعه في المطبخ. # نظر العم جورج إلى ذراعه، وابتسم الهندي الشاب وهو يتذكر ~~الأمر. # تحدث إليه الطبيب قائلا: «سوف أضع على هذا بعض البروكسيد يا ~~جورج.» وانحنى ناظرا إلى السيدة الهندية. كانت قد أصبحت الآن ~~هادئة، وأغمضت عينيها. بدت شاحبة للغاية، ولم تكن تعرف ما حل ~~بالطفل أو أي شيء آخر. # تحدث الطبيب وهو ينهض: «سأعود في الصباح، وسوف تحضر الممرضة من ~~سانت إيجناس بحلول الظهيرة، وستجلب كل ما نحتاج إليه.» # كان يشعر بالانتشاء والرغبة في الحديث مثلما يغدو لاعبو كرة ~~القدم في غرفة تغيير الملابس بعد المباريات. # قال: «إن ذلك جدير بالنشر في الدورية الطبية يا جورج. إجراء ~~عملية توليد قيصرية باستخدام سكين الجيب وخياطة الجرح بتسع أقدام ~~من خيوط الصيد المستدقة.» # كان العم جورج يقف مستندا إلى الجدار وهو ينظر إلى ~~ذراعه. # ثم قال: «أوه، إنك رجل عظيم بالطبع.» # قال الطبيب: «يجب أن ألقي نظرة على الأب الفخور. إن هؤلاء ~~الآباء عادة أكثر من يعانون في مثل هذه الشئون الصغيرة، لكنني ~~يجب أن أعترف أنه تحمل الأمر بهدوء.» # أزاح الغطاء عن رأس الهندي، وخرجت يده مبتلة. صعد على حافة ~~السرير السفلي بمصباح في يده ونظر. كان الهندي مستلقيا ووجهه في ~~اتجاه الجدار، وكان حلقه مقطوعا من الأذن إلى الأذن. تدفق الدم ms006 ~~إلى أن أصبح بركة تحت وطأة جسده المتثاقل في السرير. استند رأسه ~~على ذراعه اليسرى، وقبعت الموسى المفتوحة وحافتها متجهة إلى الأعلى ~~بين الأغطية. # قال الطبيب: «اصطحب نك إلى خارج الكوخ، يا جورج.» # لم يكن ثمة حاجة إلى ذلك؛ إذ كان نك الواقف على باب المطبخ يرى ~~السرير العلوي بوضوح حين أمال أبوه رأس الهندي إلى الخلف والمصباح ~~في يده. # كان الفجر قد بدأ يطلع للتو حين ساروا على طريق الاحتطاب باتجاه ~~العودة إلى البحيرة. # تحدث والد نك إليه وقد زالت عنه النشوة التي كان يشعر بها بعد ~~العملية الجراحية؛ فقال: «إنني في غاية الأسف لأنني أحضرتك يا ~~نيكي. لقد كانت تجربة مريعة تلك التي مررت بها.» # سأل نك: «هل تعاني النساء دوما بهذا القدر في ولادة ~~أطفالهن؟» ~~«كلا، لقد كان ذلك استثنائيا للغاية.» ~~«لماذا قتل نفسه يا أبي؟» ~~«لا أدري يا نك. أعتقد أنه لم يستطع أن يتحمل الأمور.» ~~«هل يقتل الكثير من الرجال أنفسهم يا أبي؟» ~~«ليس الكثير من الرجال يا نك.» ~~«هل يفعلها الكثير من النساء؟» ~~«نادرا.» ~~«ألا يفعلنها أبدا؟» ~~«أوه، بلى، يفعلنها في بعض الأحيان.» ~~«أبي؟» ~~«أجل.» ~~«أين ذهب العم جورج؟» ~~«سيعود قريبا.» ~~«هل الموت صعب يا أبي؟» ~~«كلا، أعتقد أنه سهل للغاية يا نك. إن الأمر كله يتوقف على ~~الظروف.» # كانا يجلسان في الزورق، نك في المؤخرة، ووالده يجدف. كانت ~~الشمس تشرق فوق التلال. قفزت سمكة قاروص فصنعت دائرة في المياه. ~~مرر نك يده في المياه فوجدها دافئة رغم برودة الصباح ~~الشديدة. # في الصباح الباكر وهو جالس في مؤخرة الزورق مع والده الذي يجدف ~~به في البحيرة، كان متأكدا من أنه لن يموت أبدا. # | الفصل الثاني # كانت المآذن تبرز شامخة في المطر عبر البيوت الطينية بمدينة ~~آدريانوبل. واصطفت العربات على مسافة ثلاثين ميلا على طريق ~~كاراجاتش. كانت الماشية وجاموس المياه تجر العربات في الطين. ما من ~~بداية ولا نهاية لصف العربات؛ فقط عربات محملة بكل ما كانوا يملكونه. ~~كان العجائز رجالا ونساء يسيرون وهم مبتلون ms007 تماما كي يحثوا ~~الماشية على الاستمرار في الحركة. كان يتدفق نهر ماريتسا أصفر اللون ~~وكاد يبلغ الجسر. اكتظ الجسر عن آخره بالعربات التي راحت الجمال تشق ~~طريقها فيما بينها. سار الخيالة اليونانيون بين الركب يحافظون على ~~نظامه وسيره. جثمت النساء والأطفال في العربات مع المفارش والمرايا ~~وآلات الخياطة والحزم. كانت هناك امرأة تلد طفلا وفتاة صغيرة تمسك ~~بغطاء تضعه عليها وتبكي. كان النظر إلى هذا المشهد مخيفا للغاية. وقد ~~ظل المطر يهطل طوال عملية الإجلاء. # الطبيب وزوجته # أتى دك بولتون من المخيم الهندي كي يقطع بعض جذوع الأشجار لوالد ~~نك، وأحضر معه ابنه إدي وهنديا آخر يدعى بيلي تابشو. جاءوا من ~~الأحراج عبر البوابة الخلفية. كان إدي يحمل منشار قطع عمودي طويلا ~~يتأرجح على كتفه ويصدر صوتا موسيقيا في أثناء سيره. أما بيلي ~~تابشو، فكان يحمل خطافي إمالة كبيرين. وحمل دك ثلاث فئوس تحت ~~ذراعه. # استدار دك وأغلق البوابة، بينما سبقه الاثنان الآخران وتوجها ~~إلى شاطئ البحيرة حيث كانت جذوع الأشجار مدفونة في الرمال. # كانت الجذوع قد شردت عن حواجز الأخشاب الكبيرة التي كانت الباخرة ~~«ماجيك» قد ربطتها من البحيرة إلى المنشرة. كانت قد انجرفت إلى ~~الشاطئ، وإذا لم يفعل شيء بشأنها، كان طاقم الباخرة «ماجيك» ~~سيأتي عاجلا أو آجلا في زورق تجديف إلى الشاطئ، ويعثر عليها، ~~ويدق فيها مسمارا حديديا ذا حلقة في طرف كل منها، ويثبتها في ~~البحيرة لبناء حاجز جديد. غير أن قطاع أخشاب الأشجار قد لا يأتون ~~على الإطلاق لقطع هذه الجذوع؛ إذ إن عددا صغيرا من الجذوع لم ~~يكن يستحق ثمن جمع الطاقم لها. وإذا لم يأت أحد لأخذها، فسوف ~~تترك لتتشرب المياه عن آخرها وتتعفن على الشاطئ. # افترض دوما والد نك أن هذا هو ما سيحدث، وطلب من الهنود أن ~~يأتوا من المخيم ويقطعوا الجذوع باستخدام منشار القطع العمودي ثم ~~يقسموها بخابور ليصنعوا منها شرائط وقطعا خشبية للمدفأة المفتوحة. ~~دار دك بولتون بالمكان ومر بالكوخ وصولا إلى البحيرة. كانت هناك ~~أربعة جذوع كبيرة من ms008 أشجار الزان تقبع مدفونة بأكملها تقريبا في ~~الرمال. علق إدي المنشار من أحد مقبضيه في جزء متشعب من إحدى ~~الأشجار. ووضع دك الفئوس الثلاث على الرصيف الصغير. كان دك ~~هجينا، وكان العديد من المزارعين الذين يقطنون حول البحيرة ~~يعتقدون أنه رجل أبيض في حقيقة الأمر. كان كسولا للغاية، لكنه كان ~~يؤدي العمل ببراعة حين يبدأ فيه. أخرج قالبا من التبغ من جيبه ~~وقضم منه قطعة راح يمضغها، وتحدث إلى إدي وبيلي تابشو بلغة ~~أوجيبواي. # غرزوا طرفي خطافي الإمالة في أحد الجذوع وراحوا يحركونه لكي ~~يتخلخل في الرمال. وألقوا بثقلهم على ذراعي الخطافين. تحرك ~~الجذع في الرمال، واستدار دك إلى والد نك، وقال: «حسنا يا دوك، إنها كمية جيدة من الخشب تلك التي سرقت.» # قال الطبيب: «لا تتكلم بهذه الطريقة يا دك. إنه خشب ~~منجرف.» # كان إدي وبيلي تابشو قد أخرجا الجذع من الرمال المبتلة ~~ودحرجاه باتجاه الماء. # صاح دك بولتون قائلا: «ضعاه بأكمله في المياه.» # سأل الطبيب: «لم تفعل هذا؟» # أجاب دك: «من أجل غسله وتنظيفه من الرمال التي علقت به حتى ~~ننشره. أريد أن أعرف صاحبه.» # كان الجذع تغمره مياه البحيرة في تلك اللحظة. انحنى إدي وبيلي ~~تابشو على خطافيهما وهما يتصببان عرقا في الشمس. وهبط دك على ~~ركبتيه في الرمال ونظر إلى علامة مطرقة قشر الخشب الموجودة في ~~نهاية الجذع. # قال: «إنه يعود إلى وايت وماكنالي.» ثم نهض وأخذ ينظف ركبتي ~~سرواله. # كان الطبيب منزعجا بشدة. # وتحدث بعد برهة قائلا: «من الأفضل إذن ألا تقطعه يا ~~دك.» # قال دك: «لا تنزعج يا دوك، لا تنزعج. إنني لا آبه ممن تسرق. ~~إن هذا ليس من شأني.» # قال الطبيب بوجه تعتليه الحمرة: «إذا كنت تظن أن الجذوع ~~مسروقة، فاتركها وخذ أدواتك وعد إلى المخيم.» # قال دك: «لا تتسرع يا دوك.» بصق عصير التبغ على الجذع، الذي ~~خف قوامه بعد أن انزلق في الماء. ثم تابع: «إنك تعلم أنها مسروقة ~~مثلما أعلم ذلك تماما، لكن ذلك لا يشكل أي فارق لدي ms009 .» ~~«حسنا، إذا كنت تظن أن الجذوع مسروقة، فخذ أدواتك واذهب من ~~هنا.» ~~«الآن، يا دوك ...» ~~«خذ أدواتك واذهب.» ~~«استمع إلي يا دوك.» ~~«إذا دعوتني بدوك ثانية، فسوف أجعلك تبتلع أسنانك بضربة ~~واحدة.» ~~«أوه، كلا، إنك لن تفعل هذا بالطبع، يا دوك.» # راح دك بولتون ينظر إلى الطبيب. كان دك رجلا ضخما، وكان ~~يدرك مدى ضخامته. كان يحب الشجار؛ لذا فقد كان سعيدا بذلك. ~~انحنى إدي وبيلي تابشو على خطافيهما ونظرا إلى الطبيب. قضم ~~الطبيب شعر لحيته الموجود على شفته السفلى ونظر إلى دك بولتون، ~~ثم استدار بعيدا وصعد التل متجها إلى الكوخ. كانوا يستطيعون أن ~~يروا من ظهره كم كان غاضبا. شاهدوه جميعا وهو يصعد التل ويدخل ~~الكوخ. # قال دك شيئا بلغة أوجيبواي. ضحك إدي، لكن بيلي تابشو بدا ~~جادا للغاية. لم يكن يفهم الإنجليزية لكنه ظل قلقا طوال الفترة ~~التي دام فيها الشجار. كان سمينا وليس له من شارب سوى شعرات ~~قليلة كرجل صيني. التقط خطافي الإمالة، وحمل دك الفئوس، وأخذ ~~إدي المنشار من الشجرة. انطلقوا وصعدوا إلى الأعلى حيث الكوخ ثم ~~خرجوا من البوابة الخلفية إلى الأحراج. ترك دك البوابة مفتوحة، ~~لكن بيلي تابشو عاد وأغلقها. وتواروا في الأحراج. # في الكوخ، كان الطبيب جالسا على السرير في غرفته ورأى كومة من ~~الدوريات الطبية على الأرض بجوار المكتب. كانت ما تزال مغلقة في ~~أغلفتها. أزعجه الأمر. # سألت زوجة الطبيب من الغرفة التي كانت تستلقي فيها والتي كانت ~~ستائرها منسدلة: «ألن تعود إلى العمل يا عزيزي؟» ~~«نعم!» ~~«أكان هناك من خطب؟» ~~«لقد تشاجرت مع دك بولتون.» # قالت الزوجة: «أوه، أرجو أنك لم تفقد أعصابك يا هنري.» # قال الطبيب: «كلا.» # قالت الزوجة: «تذكر أن «مالك روحه خير ممن يأخذ مدينة».» كانت ~~من أتباع كنيسة العلم المسيحي. وكانت تقبع على منضدتها الموجودة ~~بجوار السرير في الغرفة المعتمة نسخة من الإنجيل، ونسختها من ~~كتاب «العلم والصحة» ونسختها من مجلة «كوارترلي». # لم يرد عليها زوجها. صار الآن جالسا على السرير ينظف بندقية. ~~دفع مخزن ms010 البندقية الممتلئ بالقذائف الثقيلة الصفراء وأخرجها بسرعة ~~مرة أخرى؛ فتناثرت على السرير. # نادت زوجته قائلة: «هنري.» توقفت لحظة ثم قالت ثانية: ~~«هنري!» # قال الطبيب: «نعم.» ~~«لم تتحدث إلى بولتون بشيء يغضبه، أليس كذلك؟» # قال الطبيب: «نعم.» ~~«ما المشكلة التي تشاجرتما بشأنها يا عزيزي؟» ~~«أمر بسيط.» ~~«أخبرني يا هنري. أرجوك لا تحاول أن تخفي أي شيء عني. ما ~~المشكلة التي تشاجرتما بشأنها؟» ~~«حسنا، دك يدين لي بمبلغ كبير من المال لعلاج زوجته من ~~الالتهاب الرئوي وأعتقد أنه قد أراد الشجار كي يتخذ ذلك ذريعة ~~لئلا يرد لي هذا المبلغ بالعمل.» # صمتت زوجته. وراح هو يمسح بندقيته بحرص بقطعة من القماش. ودفع ~~القذائف في مكانها قبالة نابض المخزن. جلس والبندقية على ركبتيه. ~~كان شغوفا بها للغاية. سمع بعد ذلك صوت زوجته من الغرفة ~~المعتمة. ~~«عزيزي، أنا لا أعتقد، لا أعتقد حقا أن أحدا قد يفعل شيئا ~~كهذا.» # قال الطبيب: «حقا؟» ~~«كلا، أنا لا أصدق أن أي شخص قد يفعل شيئا مثل ذلك ~~عمدا.» # وقف الطبيب ووضع البندقية في الركن خلف منضدة الزينة. # قالت زوجته: «هل ستخرج يا عزيزي؟» # أجاب الطبيب: «أعتقد أنني سأخرج للتمشية.» # قالت زوجته: «عزيزي، إذا رأيت نك، فهلا أخبرته أن أمه تريد ~~رؤيته؟» # خرج الطبيب إلى الرواق، وصفع الباب الشبكي خلفه. سمع زوجته ~~تلتقط أنفاسها حين صفع الباب. # قال وهو يقف خارج نافذتها والستائر منسدلة: «آسف.» # ردت: «لا بأس يا عزيزي.» # سار في الجو الحار خارج البوابة، وتابع في الطريق المؤدي إلى ~~أحراج الشوكران. كان الجو منعشا في الأحراج حتى في مثل ذلك اليوم ~~الحار. وجد نك جالسا مستندا بظهره على شجرة يقرأ. # تحدث الطبيب إليه قائلا: «إن أمك ترغب في أن تذهب ~~لرؤيتها.» # قال نك: «أريد أن أذهب معك.» # نظر إليه أبوه. # وقال: «حسنا، لنذهب إذن. أعطني الكتاب لأضعه في جيبي.» # قال نك: «إنني أعرف مكان السناجب السوداء يا أبي.» # قال والده: «حسنا، لنذهب إلى هناك.» # | الفصل الثالث # كنا في حديقة في مدينة مونس. أتى باكلي الشاب مع ms011 دوريته من الجهة ~~المقابلة للنهر. كان أول ألماني أشاهده يتسلق جدار الحديقة. انتظرنا ~~إلى أن وضع ساقا على الجدار ثم أطلقنا عليه النار. كان يحمل الكثير من ~~المعدات وقد بدا مندهشا للغاية وسقط في الحديقة. ثم أتى ثلاثة آخرون ~~وتسلقوا الجدار على مسافة أبعد. أطلقنا عليهم النار. لقد جاءوا جميعا ~~بهذه الطريقة تماما. # نهاية شيء # في الأيام الخوالي كانت هورتونز باي مدينة مشهورة بنشر الأخشاب. ~~لم يكن أحد من سكانها بمنأى عن صوت المناشير الضخمة الموجودة في ~~المنشرة التي تقع بجوار البحيرة. وفي سنة من السنوات، لم يتبق ~~المزيد من الأخشاب التي يمكن نشرها. كانت المراكب الشراعية تصل إلى ~~الخليج وتحمل بجميع الأخشاب المقطعة المكدسة في ساحة المنشرة. ~~حملت جميع أكوام الأخشاب بعيدا، وأخلي مبنى المنشرة الكبير من ~~جميع المعدات التي يمكن نقلها، وحملها الرجال الذين كانوا يعملون ~~في المنشرة على متن أحد المراكب الشراعية. تحرك المركب الشراعي من ~~الخليج باتجاه البحيرة المفتوحة حاملا المنشارين الكبيرين، ~~والعربة المتحركة التي كانت تدفع بجذوع الأشجار إلى المناشير ~~الدائرية الدوارة، وكذلك جميع البكرات والعجلات والسيور ~~والحديد التي تكومت على حمولة الأخشاب التي كان ارتفاعها يعدل ~~ارتفاع هيكل المركب. وبعد تغطية عنبر المركب المفتوح بقماش القنب ~~وتثبيته جيدا، وبعد أن انتفخت أشرعة المركب بفعل الرياح، تحرك ~~المركب إلى البحيرة المفتوحة وهو يحمل على متنه كل ما جعل من ~~المنشرة منشرة، ومن هورتونز باي مدينة. # إن مساكن العمال البسيطة ذات الطابق الواحد، والمطعم، ومخزن ~~الشركة، ومكاتب المنشرة، والمنشرة الكبيرة نفسها قد وقفت مهجورة ~~وسط مساحات من نشارة الخشب التي كانت تغطي المرج المستنقعي ~~المجاور لشاطئ الخليج. # حين جدف نك ومارجوري بقاربهما بطول الشاطئ بعد عشر سنوات، وجدا ~~أنه لم يتبق من المنشرة سوى الحجارة الجيرية البيضاء المتكسرة ~~لأساساتها، التي كانت تبدو من بين الأشجار المستنقعية التي عادت ~~لتنمو هناك من جديد. كانا يصطادان على حافة ضفة القناة حيث ينخفض ~~القاع فجأة من مياه رملية ضحلة إلى مياه مظلمة بعمق اثنتي عشرة ~~قدما. كانا يصطادان بالطعم ms012 وهما في طريقهما إلى اللسان لنصب ~~صنارتين لاصطياد أسماك السلمون المرقطة القزحية ليلا. # قالت مارجوري: «ها هي أطلالنا القديمة يا نك.» # رمى نك ببصره إلى الحجارة البيضاء التي تبدو بين الأشجار ~~الخضراء بينما كان يجدف. # ثم قال: «ها هي أطلالنا.» # سألته مارجوري: «أتتذكر حين كانت منشرة؟» # أجاب نك: «لا أتذكر إلا قليلا.» # قالت مارجوري: «تبدو أشبه بقلعة.» # لم يقل نك شيئا. استمرا في التجديف مبتعدين عن المنشرة، وراحا ~~يتبعان الساحل، ثم عبر نك الخليج. # تحدث قائلا: «إنها لا تصيب الطعم.» # قالت مارجوري: «نعم.» كانت تركز بكل كيانها على الصنارة طوال ~~سيرهما، وحتى حين كانت تتحدث. لقد كانت تحب صيد الأسماك. كانت تحب ~~صيد الأسماك مع نك. # في مكان قريب بجوار القارب، ظهرت سمكة سلمون مرقطة كبيرة على ~~سطح المياه. ركز نك تجديفه على أحد المجدافين كي يستدير القارب ~~ويتجه الطعم الذي كان يدور بعيدا بالخلف إلى حيث كانت سمكة ~~السلمون تأكل. وحين بدا ظهر سمكة السلمون في المياه، راحت أسماك ~~المنوة تتقافز بجنون. تناثرت على السطح كأنها حفنة من المقذوفات ~~الصغيرة قد ألقي بها في المياه. ظهرت سمكة سلمون مرقطة أخرى على ~~سطح المياه وراحت تأكل على الجانب الآخر من القارب. # قالت مارجوري: «إنهما تأكلان.» # قال نك: «أجل، لكنهما لن تصيبا الطعم.» # استدار نك بالقارب لكي يبتعد عن كلتا السمكتين الآكلتين، ثم ~~وجهه إلى اللسان. ولم تسحب مارجوري الخيط إلى أن لامس القارب ~~الشاطئ. # سحبا القارب إلى الشاطئ، ورفع نك دلوا من أسماك الفرخ الحية. ~~كانت أسماك الفرخ تسبح في مياه الدلو. انتشل نك ثلاثا منها ~~بيديه وقطع رءوسها وسلخها، بينما راحت مارجوري تطارد الأسماك ~~بيدها في مياه الدلو حتى تمكنت أخيرا من الإمساك بواحدة وقطعت ~~رأسها وسلختها. ألقى نك نظرة على سمكتها. # قال: «يجب ألا تنزعي الزعنفة البطنية. صحيح أن السمكة ستظل ~~تصلح لأن تكون طعما إن نزعتها، لكنها ستشكل طعما أفضل ~~والزعنفة بها.» # شبك كلا من سمكتي الفرخ المسلوختين من الذيل. كانت كل ~~صنارة تحتوي على خطافين متصلين ms013 بوتر طعم. بعد ذلك، جدفت مارجوري ~~بالقارب إلى ضفة القناة، وهي تمسك بالخيط بين أسنانها وتتجه بنظرها ~~إلى نك الذي كان يقف على الشاطئ وهو يمسك بقصبة الصيد، بينما ~~ترك الخيط ينفلت من البكرة. # نادى عليها قائلا: «هذا مناسب تماما.» # أجابت مارجوري نداءه متسائلة وهي تمسك الخيط في يدها: «هل علي ~~أن أفلته؟» ~~«بالتأكيد. أفلتيه.» تركت مارجوري الخيط يتدلى من فوق ظهر القارب ~~وراحت تشاهد الطعم وهو ينزل في الماء. # دخلت مارجوري بالقارب، ورمت الخيط الثاني بالطريقة نفسها. وفي ~~كل مرة كان نك يضع قطعة ثقيلة من الخشب المنجرف على مؤخرة القصبة ~~لكي يثبتها، ويدعمها أيضا من الأسفل بقطعة خشب صغيرة لكي ~~يبقيها على زاوية محددة. سحب الخيط المتراخي بالبكرة حتى تدلى ~~الخيط مشدودا إلى حيث استقرت قطعة الطعم على قاع القناة الرملي، ~~ثم وضع المزلاج على البكرة. حين تبتلع سمكة سلمون مرقطة الطعم وهي ~~في القاع سوف تهرب به، مما سيؤدي إلى شد الخيط من البكرة بقوة؛ ~~فتصدر البكرة صوتا بسبب وضع المزلاج عليها. # جدفت مارجوري باتجاه اللسان قليلا كي لا تحرك الخيط من مكانه. ~~شدت المجدافين بقوة، وحطت بالقارب على الشاطئ، الذي أتت معه ~~أمواج صغيرة. خرجت مارجوري من القارب، وسحبه نك فوق ~~الشاطئ. # سألته مارجوري: «ما الخطب يا نك؟» # أجاب نك وهو يحضر الخشب لإشعال النار: «لا أعرف.» # أشعلا نارا بالخشب المنجرف، وذهبت مارجوري إلى القارب وأحضرت ~~بطانية. حمل نسيم المساء الدخان باتجاه اللسان؛ ففرشت مارجوري ~~البطانية بين النار والبحيرة. # جلست مارجوري على البطانية مولية ظهرها إلى النار وانتظرت نك. ~~أتى وجلس بجوارها على البطانية. كانت الأشجار الجديدة التي نمت على ~~اللسان بعد أن قطعت أسلافها تنتصب من خلفهما، وأمامهما يصب جدول ~~هورتونز في الخليج. لم يكن الظلام قد انسدل بالكامل بعد، وامتد ضوء ~~النار بعيدا إلى المياه. كان كلاهما يستطيعان رؤية القصبتين ~~المصنوعتين من الصلب تميلان بزاوية على المياه المعتمة. وألقت ~~النار بوهجها على البكرتين. # فتحت مارجوري سلة الغداء. # قال نك: «أنا لا أشعر برغبة في ms014 الأكل.» ~~«هيا، كل يا نك.» ~~«حسنا.» # تناولا الطعام دون أن يتحدثا، وراحا يشاهدان القصبتين وضوء ~~النار المنعكس على صفحة المياه. # قال نك: «ستكون تلك الليلة ليلة مقمرة.» ألقى ببصره على الجهة ~~المقابلة من الخليج حيث التلال التي كانت ملامحها قد بدأت تزداد ~~وضوحا على صفحة السماء. كان يعرف أن القمر سيطلع من وراء ~~التلال. # قالت مارجوري بسرور: «أعرف هذا.» # قال نك: «إنك تعرفين كل شيء.» ~~«أوه! أرجوك يا نك أن تكف عن هذا. أرجوك ألا تتصرف بهذه الطريقة ~~من فضلك!» # قال نك: «لا أستطيع! إنك تعرفين كل شيء بالفعل. تلك هي المشكلة. ~~وأنت تعلمين أنك تعرفين كل شيء.» # لم تقل مارجوري شيئا. ~~«لقد علمتك كل شيء. أنت تعرفين أن ما أقوله صحيح. ما الذي لا ~~تعرفينه على أية حال؟» # قالت مارجوري: «حسنا، اصمت الآن! ها هو قد طلع القمر.» # جلسا على البطانية دون أن يتلامسا، وراحا يشاهدان القمر وهو ~~يبزغ. # قالت مارجوري: «لا تكن سخيفا. ما الأمر حقا؟» ~~«لا أعرف.» ~~«أنت تعرف بالطبع.» ~~«كلا، لا أعرف.» ~~«هيا، هات ما عندك.» # راح نك ينظر إلى القمر وهو يبزغ فوق التلال. ~~«لم يعد في الأمر متعة.» # كان خائفا من أن ينظر إلى مارجوري، ثم نظر إليها. كانت تجلس ~~وظهرها إليه. نظر إلى ظهرها وقال: «لم يعد في الأمر متعة، لم يعد ~~فيه أي متعة على الإطلاق.» # لم تقل شيئا، وتابع هو الحديث قائلا: «إنني أشعر كما لو أن ~~كل شيء قد تداعى بداخلي وصار جحيما. لا أدري يا مارج. لا أدري ما ~~عساي أن أقول.» # ظل ينظر إلى ظهرها. # سألت مارجوري: «أليس في الحب أي متعة؟» # قال نك: «نعم.» وقفت مارجوري، وظل نك جالسا ورأسه بين ~~يديه. # قالت مارجوري: «سآخذ القارب. يمكنك أن تعود بالسير حول ~~اللسان.» # قال نك: «حسنا. سأدفع لك القارب في الماء.» # قالت: «لا داعي لذلك.» كانت تسير بالقارب في المياه وقد انعكس ~~عليه ضوء القمر. عاد نك إلى مكانه واستلقى بجوار النار ووجهه في ~~البطانية. كان يستطيع سماع ms015 صوت مارجوري وهي تجدف بالقارب في ~~المياه. # ظل مستلقيا هناك لفترة طويلة. وقد كان مستلقيا حين سمع بل ~~يشق طريقه عبر الأحراج ويدخل إلى الأرض الخالية من الأشجار. شعر ~~ببل وهو يقترب من النار، غير أن بل لم يلمسه أيضا. # سأله بل: «أذهبت وهي على ما يرام؟» # أجاب نك كاذبا ووجهه في البطانية: «أجل.» ~~«هل تشاجرتما؟» ~~«كلا، لم نتشاجر على الإطلاق.» ~~«كيف تشعر؟» ~~«أوه، ابتعد عني يا بل. ابتعد لبعض الوقت.» # انتقى بل شطيرة من سلة الغداء، وسار ليلقي نظرة على ~~الصنارتين. # | الفصل الرابع # كان يوما شديد القيظ. كنا قد أقمنا حاجزا مثاليا جدا على ~~الجسر. كان لا يقدر بثمن. حاجز شبكي كبير وقديم من الحديد المطاوع ~~كنا قد أخذناه من واجهة أحد المنازل. كان ثقيلا للغاية بحيث ما كان ~~لهم أن يرفعوه، وكنا نستطيع نحن أن نطلق النار من خلاله، وكان عليهم ~~تسلقه. لقد كان ممتازا للغاية. حاولوا تسلقه؛ فأطلقنا عليهم النار ~~من على بعد 40 ياردة. هاجموه بقوة وأتى بعض الضباط وعالجوا أمره. لقد ~~كان حاجزا مثاليا للغاية، وكان ضباطهم بارعين للغاية. انزعجنا بشدة ~~حين سمعنا بأن جناح جيشنا قد هزم، وأن علينا أن نتراجع. # عاصفة الأيام الثلاثة # توقف المطر حين انعطف نك إلى الطريق الذي كان يمتد عبر بستان ~~الفاكهة. كانت الثمار قد قطفت، وراحت رياح الخريف تهب بين ~~الأشجار العارية. توقف نك وتناول تفاحة من نوع واجنر من على ~~جانب الطريق كانت تلمع في العشب البني من أثر المطر. وضع ~~التفاحة في جيب معطفه الماكينو. # بعد الخروج من البستان، كان الطريق يمتد إلى أعلى التل. وهناك ~~كان الكوخ، والشرفة الخالية، والدخان المتصاعد من المدخنة. وفي ~~الخلف، كان هناك المرأب وحظيرة الدجاج والجيل الثاني من الأشجار ~~التي نمت كسياج على خلفية الأحراج التي تقبع خلفها. راحت الأشجار ~~الكبيرة تتمايل بعيدا في الرياح بينما وقف يشاهد. كانت تلك أولى ~~عواصف الخريف. # حين عبر نك الحقل المفتوح الذي يعلو البستان، فتح باب الكوخ ~~وظهر منه بل الذي وقف يتطلع ms016 إلى الخارج من الشرفة. # تحدث قائلا: «حسنا، ها أنت يا ويمدج.» # قال نك وهو يصعد الدرج: «مرحبا يا بل.» # وقفا معا يتطلعان إلى الريف الممتد أمامهما؛ إلى البستان ~~بالأسفل، وإلى ما يقع خلف الطريق، وإلى الحقول السفلية، وإلى أحراج ~~اللسان وحتى البحيرة. كانت الرياح تهب بقوة على البحيرة. كانا ~~يستطيعان رؤية الأمواج المتكسرة على امتداد لسان تن مايل. # قال نك: «إنها تهب.» # قال بل: «وستظل تهب هكذا على مدار ثلاثة أيام.» # سأل نك: «هل أبوك بالداخل؟» ~~«كلا، لقد خرج وأخذ البندقية معه. تفضل بالدخول.» # دخل نك الكوخ. كانت هناك نار كبيرة موقدة في المدفأة، وقد ~~جعلتها الرياح تزأر؛ فأوصد بل الباب. # تحدث قائلا: «أتتناول مشروبا؟» # ذهب إلى المطبخ وعاد بكأسين وإبريق مياه. تناول نك زجاجة ~~الويسكي من فوق الرف الموجود أعلى المدفأة. # وقال: «ما رأيك؟» # أجاب نك: «رائع.» # جلسا أمام المدفأة وراحا يشربان الويسكي الأيرلندي ~~والمياه. # قال نك: «إن له طعما مدخنا رائعا.» وراح ينظر إلى النار ~~عبر الكأس. # قال بل: «ذلك بسبب الخث.» # قال نك: «إن الخث لا يوجد في المشروبات الكحولية.» # قال بل: «إن ذلك لا يشكل فرقا.» # سأل نك: «هل رأيت الخث قبل ذلك؟» # أجاب بل: «كلا.» # قال نك: «ولا أنا رأيته.» # كان حذاء نك يرتكز على إفريز المدفأة؛ فبدأ البخار يتصاعد ~~منه. # قال بل: «من الأفضل أن تخلع حذاءك.» ~~«لم أرتد جوربا.» # قال بل: «اخلعه وجففه وسآتيك بأحد الجوارب.» ثم صعد الدرج إلى ~~الطابق العلوي، وكان نك يسمع وقع خطواته فوق رأسه. كان الطابق ~~العلوي مفتوحا تحت السقف، وفيه كان ينام بل وأبوه ونك أيضا في ~~بعض الأحيان. في الخلف، توجد غرفة للملابس. نقلوا الأسرة الخفيفة ~~النقالة بعيدا عن المطر وغطوها بأغطية مطاطية. # نزل بل ومعه جوربان صوفيان ثقيلان. # تحدث قائلا: «لقد تأخر الوقت كثيرا وينبغي ارتداء ~~جوربين.» # قال نك: «أكره أن أرتديهما ثانية.» ارتدى الجوربين وجلس ~~متراخيا على المقعد، مستندا بقدميه على الشبكة الموجودة أمام ~~المدفأة. # قال بل: «سوف تتسبب في انبعاج الشبكة.» أزاح نك ms017 قدميه إلى ~~جانب المدفأة. # ثم سأل: «ألديك أي شيء أقرؤه؟» ~~«الجريدة وحسب.» ~~«ما أخبار فريق كاردز للبيسبول؟» ~~«لقد خسر مباراتين متتاليتين لصالح فريق جاينتس.» ~~«إن ذلك سيسهل عليهم الأمر.» # قال بل: «إنها هدية. ما دام ماكجرو قادرا على شراء جميع لاعبي ~~الكرة الجيدين في الدوري، فسيكون الفوز حليفهم دائما.» # قال نك: «إنه لا يستطيع شراءهم جميعا.» # قال بل: «إنه يشتري جميع اللاعبين الذين يرغب في شرائهم، وإلا ~~فإنه يجعلهم يتذمرون إلى أن تضطر إدارات الفرق إلى بيعهم ~~له.» # صدق نك على كلامه قائلا: «مثلما فعل مع هايني زم.» ~~«سيحقق له هذا الأحمق الكثير من المكاسب.» # نهض بل واقفا. # قال نك: «إنه لاعب رائع.» كانت حرارة نار المدفأة تشوي ~~ساقيه. # قال بل: «وهو يتلقى الضربات ببراعة أيضا، لكنه يخسر ألعاب ~~الكرة.» # قال نك بنبرة اقتراح: «ربما هذا هو ما يريده ماكجرو من ~~أجله.» # قال بل مؤيدا كلامه: «ربما.» # قال نك: «إن الأمر دائما ما ينطوي على الكثير جدا من ~~الأشياء التي لا نعرفها.» ~~«بالتأكيد، غير أننا نعرف قدرا لا بأس به رغم كوننا بعيدين ~~للغاية عن المجال.» ~~«إن الأمر يشبه قدرة المرء على اختيار الحصان الفائز على ~~نحو أفضل بشرط عدم رؤية الأحصنة.» ~~«بالضبط.» # مد بل يده إلى زجاجة الويسكي. أمسكت يده الكبيرة بها من جميع ~~الجهات، وصب الويسكي في الكأس التي أمسك بها نك. ~~«ما كمية الماء التي تريدها؟» ~~«الكمية نفسها.» # جلس على الأرض بجوار مقعد نك. # قال نك: «أليس وقت هبوب عواصف الخريف بالوقت الجيد؟» ~~«إنه وقت رائع.» # قال نك: «إنه أفضل أوقات العام.» # قال بل: «ألم نكن سنشعر بالتعاسة لو كنا في المدينة في هذا ~~الوقت؟» # قال نك: «أود مشاهدة بطولة العالم.» # قال بل: «حسنا، إنها دائما ما تعقد الآن إما في نيويورك وإما في فيلادلفيا. وهذا لا يناسبنا على الإطلاق.» ~~«ترى هل سيفوز فريق كاردز بأية بطولة رياضية؟» # قال بل: «لن نشهد ذلك ما حيينا.» # قال نك: «يا إلهي! لا بد أنهم سيجنون إن حدث ذلك.» ~~«أتتذكر ms018 حين أبلوا بلاء حسنا في تلك المرة التي سبقت حادثة ~~تحطم القطار التي تعرضوا لها؟» # قال نك: «وكيف لا أذكر ذلك؟!» # مد بل يده إلى الطاولة الموجودة تحت النافذة لكي يصل إلى ~~الكتاب الموضوع منكفئا والذي قد وضعه هناك حين ذهب إلى الباب. ~~أمسك بالكأس في يد، وبالكتاب في اليد الأخرى، ومال بظهره على مقعد ~~نك. ~~«ماذا تقرأ؟» ~~«ريتشارد فيفريل.» ~~«لم يعجبني، فلم أستطع أن أقرأه.» # قال بل: «إنه كتاب لا بأس به. إنه ليس بالكتاب السيئ يا ~~ويمدج.» # سأل نك: «ماذا لديك غيره من كتب لم أقرأها؟» ~~«هل قرأت «عشاق الغابة»؟» ~~«أجل. إنه يحكي عن شخصين ينامان كل ليلة في سرير واحد ويضعان ~~سيفا مجردا من غمده بينهما.» ~~«إنه كتاب جيد يا ويمدج.» ~~«كتاب رائع، لكن الشيء الذي لم أستطع فهمه على الإطلاق هو جدوى ~~السيف؛ إذ يجب أن تظل حافته إلى الأعلى دائما لأنه إذا نام على ~~أحد جانبيه، فيمكنك أن تتدحرج عليه دون أن يصيبك بأي ~~أذى.» # قال بل: «إنه رمز.» # قال نك: «بالتأكيد، لكنه غير عملي.» ~~«هل قرأت «الجلد»؟» # قال نك: «ذلك كتاب جيد. إنه كتاب أصيل يحكي عن أب يلاحق ابنه ~~طوال الوقت. ألديك المزيد من كتب وولبول؟» # قال بل: «لدي «الغابة المظلمة». إنه يحكي عن روسيا.» # سأل نك: «وماذا يعرف هو عن روسيا؟» ~~«لا أعرف. لا يعرف المرء كثيرا عن هؤلاء الرجال. ربما عاش بها ~~في صباه؛ فهو يذكر في هذا الكتاب الكثير من المعلومات ~~عنها.» # قال نك: «أود أن ألتقي به.» # قال بل: «أود أن ألتقي بتشسترتون.» # قال نك: «أتمنى لو أنه كان هنا الآن. كنا سنأخذه لصيد الأسماك ~~غدا في شارلفوي.» # قال بل: «لا أدري هل كان سيرغب في الذهاب لصيد الأسماك أم ~~لا.» # قال نك: «بالتأكيد. لا بد أنه أفضل الرجال على الإطلاق. هل ~~تتذكر «النزل الطائر»؟» ~~«إن نزل إليك ملاك من السماء # وأعطاك شيئا آخر لتشربه؛ # فاشكره على نواياه الطيبة # ولتأخذه وتسكبه في الحوض.» # قال نك: «أجل، أعتقد أنه أفضل ms019 من وولبول.» # قال بل: «حسنا، إنه أفضل من وولبول بالتأكيد.» ~~«لكن وولبول ككاتب أفضل منه.» # قال نك: «لا أدري. إن تشسترتون كاتب من الطراز ~~الأول.» # قال بل بإصرار: «وولبول أيضا كاتب من الطراز الأول.» # قال نك: «أتمنى لو أن كليهما كانا هنا الآن، ولكنا إذن قد ~~اصطحبناهما غدا لصيد الأسماك في شارلفوي.» # قال بل: «فلنشرب حتى السكر.» # قال نك موافقا: «حسنا.» # قال بل: «إن أبي لن يمانع.» # سأله نك: «هل أنت متأكد؟» # قال بل: «أجل، متأكد.» # قال نك: «إنني ثمل الآن قليلا.» # قال بل: «إنك لست ثملا.» # نهض من الأرض وأمسك بزجاجة الويسكي. أمسك نك بالكأس. وظلت عيناه ~~مثبتتين عليها، بينما راح بل يصب الويسكي. # ملأ بل الكأس بالويسكي حتى منتصفها. # ثم قال: «أضف ما تشاء من الماء. لم يتبق سوى جرعة ~~واحدة.» # سأله نك: «ألديك المزيد؟» ~~«لدينا الكثير، لكن أبي يريدني ألا أشرب إلا مما هو ~~مفتوح.» # قال نك: «بالتأكيد.» # فسر بل كلامه قائلا: «إنه يقول إن فتح الزجاجات هو ما يصنع ~~السكيرين.» # قال نك وقد أعجبه القول: «هذا صحيح.» إن ذلك لم يخطر بباله من ~~قبل. لقد كان يظن دوما أن شرب المرء بمفرده هو ما يصنع منه ~~سكيرا. # سأل نك باحترام: «كيف حال والدك؟» # أجابه بل: «إنه بخير، غير أنه يخرج عن المألوف قليلا في بعض ~~الأحيان.» # قال نك: «إنه رجل رائع.» صب مياها من الإبريق في كأسه؛ فراحت ~~تختلط مع الويسكي ببطء. وكان الويسكي أكثر من المياه. # قال بل: «إنه كذلك بكل تأكيد.» # قال نك: «والدي لا بأس به أيضا.» # قال بل: «هذا صحيح بالطبع.» # تحدث نك كما لو كان يعلن حقيقة علمية: «إنه يزعم أنه لم ~~يتناول الخمر في حياته قط.» ~~«حسنا، إنه طبيب. أما أبي فهو رسام، شتان ما بين هذا ~~وذاك.» # تحدث نك بنبرة من الحزن قائلا: «لقد فاته الكثير.» # قال بل: «وما يدريك؟ لكل مهنة ما يميزها عن غيرها.» # اعترف نك: «هو نفسه يقول إنه قد فاته الكثير.» # قال بل: «أبي أيضا ms020 قد مر بأوقات عصيبة.» # قال نك: «الأمور تتعادل إذن.» # جلسا ينظران إلى النار ويفكران في هذه الحقيقة ~~العميقة. # قال نك: «سآتي بقطعة من الخشب من الشرفة الخلفية.» كان قد لاحظ ~~بينما كان ينظر إلى النار أنها قد بدأت تخبو. وقد كان يرغب أيضا ~~في أن يوضح أنه يستطيع أن يشرب الخمر ويظل مفيدا في الوقت ~~ذاته. حتى لو لم يكن أبوه قد شرب قطرة من الخمر في حياته، فلم يكن ~~بل سيسكره قبل أن يسكر هو. # قال بل: «أحضر قطعة من خشب الزان الكبير.» هو أيضا كان يتحرى ~~أن يكون مفيدا. # دخل نك بقطعة الخشب مارا بالمطبخ وقد أوقع في أثناء مروره ~~مقلاة من فوق طاولة المطبخ. وضع قطعة الخشب على الأرض، ورفع ~~المقلاة التي كانت تحتوي على مشمش مجفف منقوع في الماء. التقط ~~جميع حبات المشمش من الأرض بعناية، والتي كان بعضها قد دخل تحت ~~الموقد، ووضعها مرة أخرى في المقلاة. صب عليها مزيدا من الماء من ~~الدلو الموجود بجوار الطاولة. كان فخورا جدا بنفسه. فقد كان ~~مفيدا للغاية. # دخل حاملا قطعة الخشب ونهض بل من المقعد وساعده على وضعها ~~في نار المدفأة. # قال نك: «إنها قطعة خشب رائعة.» # قال بل: «لقد كنت أدخرها للطقس السيئ. إن مثل هذه القطعة ستظل ~~تحترق طوال الليل.» # قال نك: «وسيتبقى منها بعض الفحم لإشعال النار في ~~الصباح.» # صدق بل على كلامه قائلا: «هذا صحيح.» كان حديثهما يتخذ ~~مستوى أعمق. # قال نك: «لنتناول مشروبا آخر.» # قال بل: «أعتقد أن هناك زجاجة أخرى مفتوحة في ~~الخزانة.» # جثا في الزاوية التي تقع أمام الخزانة، وأخرج زجاجة واجهتها ~~مربعة. # تحدث قائلا: «إنه ويسكي اسكتلندي.» # قال نك: «سأحضر المزيد من الماء.» خرج متجها إلى المطبخ مرة ~~أخرى، وملأ الإبريق بمغرفة من ماء النبع البارد الموجود في الدلو. ~~وفي طريق عودته إلى غرفة المعيشة، مر بمرآة في غرفة المائدة ونظر ~~فيها. بدا وجهه غريبا. ابتسم إلى الوجه الظاهر في المرآة؛ فإذا به ~~يرد بالعبوس. غمز له بعينه وتابع ms021 طريقه . لم يكن وجهه، لكن ذلك لم ~~يشكل أي فارق. # كان بل قد صب المشروب في الكأسين. # قال نك: «يا لها من جرعة كبيرة من الخمر!» # قال بل: «ليس لأمثالنا، يا ويمدج.» # سأل نك وهو يمسك بالكأس: «نخب من سنشرب؟» # قال بل: «لنشرب نخب صيد الأسماك.» # قال نك: «حسنا! أيها السادة، نخب صيد الأسماك.» # قال بل: «صيد الأسماك بجميع أنواعه، وفي كل مكان.» # قال نك: «صيد الأسماك، هذا هو ما نشرب نخبه.» # قال بل: «هذا أفضل من أن نشرب نخب البيسبول.» # قال نك: «ما من وجه للمقارنة. كيف انتقلنا أصلا إلى الحديث عن ~~البيسبول؟» # قال بل: «لقد كان خطأ؛ فالبيسبول هي لعبة الحمقى.» # شربا كل ما كان في كأسيهما. ~~«لنشرب الآن نخب تشسترتون.» # تدخل نك قائلا: «وأيضا وولبول.» # صب نك الخمر، وصب بل الماء. ثم تبادلا النظر وشعرا بأنهما ~~في أفضل حال. # قال بل: «أيها السادة، نخب تشسترتون ووولبول.» # قال نك: «تماما أيها السادة.» # شربا، ثم ملأ بل الكأسين، وجلسا في المقعدين الكبيرين أمام ~~المدفأة. # قال بل: «لقد كنت حكيما للغاية يا ويمدج.» # سأله نك: «ماذا تقصد؟» # قال بل: «أعني إنهاء علاقتك مع مارج.» # قال نك: «أعتقد هذا.» ~~«لم يكن هناك من بديل آخر. إذا لم تكن قد فعلت ذلك، لكنت الآن في ~~بيتك تحاول جاهدا توفير نفقات الزواج.» # لم يقل نك شيئا. # تابع بل حديثه قائلا: «متى تزوج الرجل، فقد انتهى للأبد. ولا ~~يتبقى لديه أي شيء، لا شيء. لا شيء على الإطلاق. ينتهي أمره ~~تماما. لقد رأيت الرجال الذين يتزوجون.» # لم يقل نك شيئا. # قال بل: «يمكنك أن تميزهم. يمكنك أن ترى فيهم سمات ~~الترهل التي يكتسبها المتزوجون. إن أمرهم ينتهي تماما.» # قال نك: «هذا صحيح.» # قال بل: «لا بد أن إنهاء العلاقة كان أمرا صعبا، لكن سيكون ~~هناك دوما امرأة أخرى تحبها، وسيكون الأمر على ما يرام. يمكنك ~~أن تحب، لكن لا تدع هذا الحب يدمرك.» # تحدث نك قائلا: «أجل.» ~~«إن تزوجتها، فقد كنت ستضطر إلى الزواج ms022 من العائلة بأكملها. ~~تذكر أمها وذلك الرجل الذي تزوجته.» # أومأ نك برأسه. ~~«تخيل كيف أنهم كانوا سيزورون منزلك دوما، وكيف أنك كنت ستتناول ~~العشاء في منزلهم في عطلات الآحاد، وتدعوهم إلى العشاء بمنزلك ~~أيضا، وكيف أن حماتك كانت ستظل تملي على مارج طوال الوقت ما ~~يجب أن تفعله وكيف يجب أن تتصرف.» # جلس نك صامتا. # قال بل: «لقد خرجت من هذه العلاقة على أفضل نحو ممكن. يمكنها ~~الآن أن تتزوج شخصا يوافق طبيعتها وتستقر معه وتسعد. لا يمكنك أن ~~تمزج الزيت مع الماء، والأمر نفسه ينطبق على علاقتي مع آيدا التي ~~تعمل في ستراتونز. هي أيضا ستحب ذلك على الأرجح.» # لم يقل نك شيئا. كان تأثير الخمر قد زال عنه تماما، وتركه ~~وحيدا. لم يكن بل هناك. لم يكن هو من يجلس أمام نار المدفأة أو ~~من سيذهب إلى الصيد غدا مع بل ووالده أو أي شيء آخر. لم يكن ~~ثملا. كل ذلك قد ذهب. كل ما كان يعرفه هو أن مارجوري كانت له ~~ذات يوم، وأنه قد فقدها. لقد رحلت، وكان هو السبب في رحيلها عنه. ~~ذلك هو كل ما كان يشغل تفكيره. قد لا يراها مرة أخرى بعد الآن، ~~وذلك هو ما سيحدث على الأرجح. كل شيء قد تلاشى وانتهى. # قال نك: «لنتناول مشروبا آخر.» # صب بل الخمر وخففه نك بالقليل من الماء. # قال بل: «لو كنت قد سلكت هذا الطريق، لما كنا هنا ~~الآن.» # كان ذلك صحيحا؛ إذ كانت خطته الأصلية أن يعود إلى مدينته ويحصل ~~على وظيفة، ثم خطط لأن يقيم في شارلفوي طوال الشتاء حتى يتسنى له ~~أن يكون قريبا من مارج. والآن، لم يعد يدري ماذا سيفعل. # قال بل: «لم نكن حتى لنستطيع الذهاب إلى الصيد غدا على الأرجح. ~~حسنا، لقد اتخذت الحل المناسب.» # قال نك: «لم يكن باليد حيلة.» # قال بل: «أعلم. هذه هي الحال التي تئول إليها الأمور.» # قال نك: «فجأة انتهى كل شيء، ولست أعرف السبب في هذا. لم يكن ~~باليد ms023 حيلة . إن الأمر أشبه بعاصفة الأيام الثلاثة التي تحل الآن ~~وتنتزع جميع الأوراق من على الشجر.» # قال بل: «حسنا، لقد انتهى الأمر. هذا هو المهم.» # قال نك: «لقد كان خطئي.» # قال بل: «لا يهم إن كان خطأك أم لا.» # قال نك: «أعتقد أنك على حق.» # المهم أن مارجوري قد مضت في سبيلها، وأنه لن يراها على الأرجح ~~مرة أخرى. لقد كان يحدثها عن ذهابهما معا إلى إيطاليا، وعما ~~سيجدانه من متعة، وعن الأماكن التي كانا سيزورانها معا. وقد انتهى ~~كل ذلك الآن. # قال بل: «ما دام الأمر قد انتهى، فهذا هو كل ما يهم. أؤكد لك ~~يا ويمدج أنني كنت قلقا حين كانت العلاقة قائمة، لكنك فعلت ~~الصواب. يقال إن أمها حانقة للغاية. لقد أخبرت الكثير من الناس ~~أنكما كنتما مخطوبين.» # قال نك: «لم نكن مخطوبين.» ~~«لقد كان يشاع عنكما في كل مكان أنكما مخطوبان.» # قال نك: «لا دخل لي بهذا. لم نكن مخطوبين.» # قال بل: «ألم تكونا عازمين على الزواج؟» # قال نك: «بلى. لكننا لم نكن مخطوبين.» # سأله بل بنبرة انتقاد: «وما الفرق؟» ~~«لا أعرف. هناك فرق.» # قال بل: «أنا لا أراه.» # قال نك: «حسنا، لنسكر.» # قال بل: «حسنا، لنسكر حتى الثمالة.» # قال نك: «لنسكر ثم نذهب للسباحة.» # تجرع كأسه في شربة واحدة. # ثم قال: «إنني أشعر بالأسف الشديد نحوها، لكن ماذا كان عساي أن ~~أفعل؟ أنت تعرف كيف كانت طبيعة أمها!» # قال بل: «كانت مريعة.» # قال بل: «لقد انتهى الأمر على حين غرة. وما ينبغي لي أن ~~أتحدث عنه.» # قال بل: «إنك لا تتحدث عنه. أنا من تحدث عنه، وقد انتهيت ~~الآن. ولن نتحدث عن هذا الأمر أبدا بعد الآن. يجب ألا تفكر فيه؛ ~~فقد تعود إليه مرة أخرى.» # لم يخطر ذلك ببال نك. لقد بدا الأمر أكيدا للغاية بالنسبة ~~إليه، لكنها فكرة حقا. وقد جعلته يشعر بالتحسن. # تحدث قائلا: «بالتأكيد. إن هذا الخطر موجود دائما.» # شعر الآن بالسعادة. لم يكن هناك من شيء لا يمكن تغييره. ربما ms024 ~~يذهب إلى المدينة يوم السبت ليلا. كان اليوم هو الخميس. # تحدث قائلا: «هذا الاحتمال وارد على الدوام.» # قال بل: «سيكون عليك أن تحترس.» # رد قائلا: «سأحترس.» # شعر بالسعادة. لا شيء قد انتهى. لا شيء قد ضاع إلى الأبد. كان ~~سيذهب إلى المدينة يوم السبت. شعر بأنه قد تخفف من أعبائه مثلما ~~كان قبل أن يبدأ بل بالحديث عن الأمر. ثمة مخرج دائما من أي ~~مأزق. # تحدث نك قائلا: «لنأخذ البندقيتين ونذهب إلى اللسان لنبحث عن ~~والدك.» ~~«حسنا.» # أنزل بل البندقيتين من المسند الموجود على الجدار، وفتح أحد ~~صناديق القذائف. ارتدى نك معطفه الماكيناو وحذاءه الذي كان ما يزال ~~متصلبا من أثر التجفيف. كان ما يزال ثملا، لكن ذهنه كان ~~صافيا. # سأل نك: «كيف تشعر؟» ~~«بأفضل حال. لقد أفقت من السكر لتوي.» وراح يزرر أزرار ~~سترته. ~~«لا فائدة من السكر.» ~~«أجل. يجدر بنا الخروج.» # خرجا من الباب، وكانت الريح تعصف بشدة. # قال نك: «إن هذه الرياح ستجعل الطيور تختبئ بين ~~العشب.» # انطلقا متجهين إلى البستان. # تحدث بل قائلا: «لقد رأيت ديك غاب هذا الصباح.» # قال نك: «ربما سنداهمه.» # قال بل: «لا يمكنك أن تطلق النار في هذه الرياح.» # الآن بالخارج، لم يعد أمر مارج مأساويا للغاية، بل لم يعد حتى ~~مهما للغاية. لقد عصفت الرياح بكل شيء وحملته في أدراجها. # قال نك: «إنها تهب من جهة البحيرة الكبيرة.» # سمعا صوت إطلاق نار من بندقية وسط صفير الريح. # قال بل: «هذا أبي. إنه عند المستنقع.» # قال نك: «لنذهب من هنا.» # قال بل: «بل لنعبر المرج السفلي ونرى لعلنا نصادف ~~صيدا.» # قال نك: «حسنا.» # لم يعد الأمر مهما الآن. لقد عصفت به الريح وأخرجته من رأسه. ~~بالرغم من ذلك، كان ما يزال بوسعه أن يذهب إلى المدينة يوم السبت ~~ليلا. وقد كان ذلك خيارا جيدا متاحا بالنسبة إليه. # | الفصل الخامس # أطلقوا النار على الوزراء الستة في السادسة والنصف صباحا أمام جدار ~~أحد المستشفيات. كان بالساحة برك من الماء، وأوراق شجر ميتة ومبتلة ~~على ms025 رصيفها . كان المطر يهطل بشدة. أغلقت جميع مصاريع نوافذ المستشفى ~~بالمسامير. كان أحد الوزراء مصابا بالتيفود. حمله اثنان من الجنود إلى ~~الأسفل، ثم إلى الخارج في المطر. حاولا أن يسنداه إلى الجدار لكنه ~~جلس في بركة من الماء. وقف الخمسة الآخرون بهدوء شديد أمام الجدار. ~~وأخيرا، أخبر الضابط الجنديين بأنه ما من جدوى في حمله على الوقوف. ~~حين أطلقوا الوابل الأول من الرصاص، كان يجلس في المياه واضعا رأسه ~~على ركبتيه. # المصارع # نهض نك واقفا، وكان على ما يرام. راح ينظر إلى السكة الحديدية ~~على أضواء العربة الأخيرة من القطار وهي تتوارى عن الأنظار وتختفي ~~في المنعطف. كانت المياه تحف السكة الحديدية من كلا الجانبين، ~~ثم كان هناك مستنقع تاماراك. # تحسس ركبته. كان سرواله قد تمزق وكشط جلده، وكذلك خدشت يداه، ~~ودخلت الرمال والرماد تحت أظفاره. اتجه إلى حافة السكة الحديدية ~~حيث المنحدر الصغير المؤدي إلى المياه وغسل يديه؛ غسلهما بحرص ~~في المياه الباردة وأزال الوسخ من تحت أظفاره، ثم قرفص وغسل ~~ركبته. # يا لعامل المكابح، ذلك الرجل الحقير الكريه! إنه سينال منه ذات ~~يوم. سيراه ثانية ويتعرف عليه. كان ذلك هو التصرف المناسب. # لقد ناداه قائلا: «تعال إلى هنا يا بني. لدي شيء لك.» # وقد وقع في الشرك. لكم كان تصرفه صبيانيا سخيفا! لن يسمح ~~لهم بأن يخدعوه هكذا ثانية. ~~«تعال إلى هنا يا بني، لدي شيء لك.» وبعد دوي صدر فجأة، وجد ~~نفسه واقعا على يديه وركبتيه بجوار السكة الحديدية. # فرك نك عينه، ووجد بها تورما كبيرا. ستصير عينه سوداء، لا ~~محالة. إنها تؤلمه بالفعل. يا له من رجل حقير عامل المكابح ~~هذا! # تحسس الورم الموجود فوق عينه بأصابعه. أوه، حسنا، إنها مجرد عين ~~سوداء واحدة. هذا هو كل ما ناله. ثمن بخس! تمنى لو أنه يستطيع ~~أن يراها. نظر في المياه لعله يراها؛ فلم يفلح. كان الظلام قد ~~خيم، وكان هو في رقعة منعزلة بعيدة عن أي مكان يعرفه. مسح يديه ~~في سرواله ونهض واقفا، ثم تسلق ms026 الحافة متجها نحو السكة ~~الحديدية. # راح يسير على خط السكة الحديدية. وقد وجد السير عليه يسيرا؛ إذ ~~كان قد رصف رصفا جيدا، وقد تكدس الرمل والحصى بين العوارض؛ مما ~~جعله ممشى متينا. كانت الأرضية الملساء تمتد للأمام عبر ~~المستنقع كأنها طريق معبد، وسار نك عليها؛ إذ كان عليه أن يبلغ ~~مكانا ما. # تعلق نك بقطار الشحن حين أبطأ من سرعته قبل دخوله إلى ساحات ~~القطارات خارج والتون جانكشن. مر القطار بكالكاسكا وكان نك ما ~~يزال على متنه حين بدأ يحل الظلام. لا بد أنه قد أصبح الآن بالقرب ~~من مانسيلونا. لا يزال أمامه ثلاثة أميال أو أربعة من أراضي ~~المستنقع. راح يسير على السكة الحديدية وحافظ على السير بين عوارض ~~القضبان حيث المناطق المستوية المرصوفة، وبدا المستنقع كالشبح في ~~الضباب المتصاعد. كانت عينه تؤلمه وكان يشعر بالجوع. استمر في ~~السير مخلفا وراءه أميالا من السكة الحديدية. وظل المستنقع ~~كما هو يحف بالسكة الحديدية من كلا الجانبين. # رأى أمامه جسرا. عبره نك، وراح حديد الأرضية يصدر صوتا ~~أجوف تحت وقع خطواته. كانت المياه من تحته تبدو سوداء من بين ~~شقوق العوارض. ارتطمت قدم نك بمسمار ضخم مفكوك، فسقط في الماء. ~~كانت هناك تلال بعد الجسر. على جانبي السكة الحديدية، كان المكان ~~مظلما ومرتفعا. وفي الأمام بجانب السكة، أبصر نك نارا. # تقدم على القضبان متوجها بحرص إلى النار. كانت النار تميل إلى ~~أحد جانبي القضبان، أسفل حافة السكة الحديدية. لم ير منها سوى ~~نورها. هناك كان ينقطع امتداد القضبان، وإذ بريف يمتد بداية من ~~موضع النيران المشتعلة ويتناهى بعيدا إلى الأحراج. هبط نك بحذر ~~من على حافة السكة الحديدية، واتجه إلى الأحراج كي يتقدم إلى ~~النار من بين الأشجار. كانت غابة من أشجار الزان، وراحت قدماه ~~تخطوان بين الأشجار على الحواف الخشنة لثمار الزان المتساقطة. أصبحت النار ~~الآن أكثر توهجا عند حافة الأشجار بالضبط. كان هناك رجل يجلس ~~بجانبها. انتظر نك خلف الشجرة وراح يراقب الموقف. بدا أن الرجل ~~كان بمفرده. كان ms027 يجلس هناك ورأسه بين يديه بينما ينظر إلى النار. ~~تحرك نك من مكانه واتجه صوب ضوء النار. # كان الرجل جالسا هناك ينظر إلى النار. ولم يتحرك حتى حين وقف ~~نك على مقربة منه. # تحدث نك إليه قائلا: «مرحبا!» # رفع الرجل نظره إليه. # وقال: «من أين لك بهذه الكدمة في عينك؟» ~~«لكمني عامل مكابح.» ~~«وأنزلك من قطار الشحن؟» ~~«أجل.» # تحدث الرجل قائلا: «لقد رأيت هذا النذل. مر من هنا قبل ما ~~يقرب من ساعة ونصف الساعة. لقد كان يسير فوق العربات وهو يصفق ~~بذراعيه ويغني.» ~~«يا له من نذل!» # قال الرجل بجدية: «لا بد أنه قد ابتهج بعد أن لكمك.» ~~«سوف أضربه.» # نصحه الرجل قائلا: «اقذفه بالحجارة حين يمر بك يوما.» ~~«سأنال منه.» ~~«إنك شرس، أليس كذلك؟» # أجابه نك: «بلى.» ~~«الفتيان جميعهم شرسون.» # قال نك: «لا بد للمرء أن يكون شرسا.» ~~«هذا ما قلته.» # نظر الرجل إلى نك وابتسم. في ضوء النار، رأى نك أن وجهه كان ~~مشوها. كان أنفه غائرا، وكانت عيناه كشقين، وشفتاه غريبتي ~~الشكل. لم يلاحظ نك كل هذا على الفور؛ لقد لاحظ فقط أن وجه ~~الرجل كان غريب الشكل ومشوها. كان لونه يشبه المعجون. وبدا ~~كالأموات في ضوء النار. # سأله الرجل: «ألا يعجبك وجهي؟» # شعر نك بالحرج. # وأجابه: «طبعا.» # قال الرجل وهو يخلع قبعته: «انظر هنا!» # لم يكن لديه سوى أذن واحدة. وقد كانت غليظة ومشدودة على جانب ~~رأسه. وأما في الجانب الآخر حيث كان من المفترض أن توجد أذنه ~~الأخرى، فلم يكن هناك سوى جدعة. ~~«أرأيت مثل هذا من قبل؟» # أجابه نك وقد شعر بالغثيان قليلا مما رآه: «كلا.» # قال الرجل: «لقد احتملت هذا. ألا تظن أنني أستطيع أن أحتمل ذلك ~~يا فتى؟» ~~«ليس عندي شك في ذلك!» # تحدث الرجل الضئيل قائلا: «لقد اجتمعت أيديهم جميعا علي؛ فما ~~استطاعوا أن يؤذوني.» # نظر إلى نك. وقال: «اجلس. أتريد أن تأكل؟» # قال نك: «لا تزعج نفسك، فأنا ماض في طريقي إلى ~~المدينة.» # قال الرجل: «اسمع! نادني بآد.» ~~«حسنا!» ms028 # تحدث الرجل قائلا: «استمع إلي، أنا لست على ما يرام.» ~~«ما بك؟» ~~«إنني مجنون.» # ارتدى الرجل قبعته. شعر نك بأنه يرغب في الضحك. # وتحدث إليه قائلا: «إنك بخير.» ~~«كلا، لست كذلك. أنا مجنون. أصغ إلي، هل أصبت بالجنون من ~~قبل؟» # قال نك: «كلا. كيف أصابك الجنون؟» # قال آد: «لا أدري. إنك لا تدري بالأمر حين يصيبك. إنك تعرفني ~~أليس كذلك؟» ~~«كلا.» ~~«أنا آد فرانسيس.» ~~«حقا؟» ~~«ألا تصدق؟» ~~«بلى.» # عرف نك أن ذلك صحيح لا محالة. ~~«أتعرف كيف هزمتهم؟» # قال نك: «كلا.» ~~«قلبي بطيء. إنه لا ينبض سوى أربعين مرة في الدقيقة. جسه.» كان ~~نك مترددا. # أمسك الرجل بيده وقال: «هيا! أمسك برسغي. ضع أصابعك ~~هنا.» # كان رسغ الرجل الضئيل غليظا، وانتفخت عضلاته فوق العظام. أحس ~~نك بالنبض البطيء تحت أصابعه. ~~«ألديك ساعة؟» ~~«لا.» # قال آد: «ولا أنا. ما من فائدة إذا لم يكن لديك ساعة.» ترك نك ~~رسغ الرجل. # تحدث آد فرانسيس قائلا: «اسمع، أمسك برسغي ثانية. ستحسب أنت ~~النبض وأعد أنا حتى ستين.» # بدأ نك في العد؛ إذ شعر بالخفقان القوي البطيء تحت أصابعه. سمع ~~الرجل الضئيل وهو يعد ببطء وبصوت عال: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، ~~خمسة، إلى آخره. # انتهى آد من العد، وقال: «ستون. هذه دقيقة. إلى كم وصلت؟» # قال نك: «أربعين.» # قال آد مسرورا: «هذا صحيح. إنه لا يسرع أبدا.» # هبط رجل من على حافة السكة الحديدية وأتى من الأرض الخالية من ~~الأشجار متجها إلى النار. # قال آد: «مرحبا يا باجز!» # رد باجز على تحيته قائلا: «مرحبا!» كان صوت زنجي. لقد عرف ~~نك من مشيته أنه زنجي. وقف موليا ظهره إليهما، ونهض منتصبا بعد ~~انحنائه على النار. # قال آد: «هذا صديقي باجز. إنه مجنون أيضا.» # قال باجز: «يسرني لقاؤك. هلا أخبرتني من أي مكان أنت؟» # قال نك: «شيكاجو.» # قال الزنجي: «إنها مدينة جميلة. لم أعرف اسمك.» ~~«آدمز. نك آدمز.» # قال آد: «إنه يقول إنه لم يصب من قبل بالجنون يا ~~باجز.» # قال الزنجي: «ما يزال القدر يخبئ ms029 له الكثير.» كان يفتح علبة ~~بجوار النار. # سأل الملاكم المحترف: «متى سنأكل يا باجز؟» ~~«حالا.» ~~«هل أنت جائع يا نك؟» ~~«إنني أتضور جوعا.» ~~«أسمعت يا باجز؟» ~~«إنني أسمع معظم ما يحدث.» ~~«ليس هذا ما سألتك عنه.» ~~«أجل، سمعت ما قاله الفتى.» # كان يضع شرائح لحم الخنزير في مقلاة. وحين ازدادت سخونة المقلاة، ~~تناثر الدهن؛ فقلب باجز الذي كان يجثو على ساقيه الزنجيتين ~~الطويلتين بجوار النار شرائح اللحم وكسر البيض في المقلاة التي ~~راح يميلها من هذا الجانب أو ذاك كي يغطي البيض بالدهن ~~الساخن. # استدار باجز عن النار وتحدث إلى نك قائلا: «هلا قطعت بعضا ~~من الخبز الموجود في هذه الحقيبة يا سيد آدمز؟» ~~«بالتأكيد.» # مد نك يده داخل الحقيبة وأخرج منها رغيفا من الخبز. وقطع ست ~~شرائح. راح آد يشاهده وانحنى للأمام. # قال: «اسمح لي بأن آخذ سكينك يا نك.» # قال الزنجي: «كلا، لا تعطها إليه. احتفظ بسكينك يا سيد آدمز.» ~~اعتدل الملاكم المحترف في جلسته ثانية. # سأل باجز: «هلا أحضرت إلي الخبز يا سيد آدمز؟» أحضره نك ~~إليه. # سأله الزنجي: «هل تحب أن تغمس خبزك في دهن اللحم؟» ~~«بالتأكيد!» ~~«ربما يجدر بنا أن ننتظر إلى ما بعد ذلك. من الأفضل أن نفعل ذلك ~~في نهاية الأكل. تفضل.» # أخذ الزنجي شريحة لحم ووضعها على إحدى شرائح الخبز، ثم أنزل ~~بيضة فوقها. ~~«أغلق تلك الشطيرة من فضلك، وأعطها إلى السيد فرانسيس.» # أخذ آد الشطيرة وبدأ يأكل. # تحدث الزنجي إليه محذرا: «احترس من سيولة البيضة.» ثم وجه ~~حديثه إلى نك: «هذا لك يا سيد آدمز، والباقي لي.» # راح نك يقضم من الشطيرة. كان الزنجي يجلس قبالته بجوار آد. وكان ~~مذاق شرائح اللحم المقلية الساخنة مع البيض رائعا. # قال الزنجي: «إن السيد آدمز جائع للغاية.» الرجل الضئيل الذي ~~عرف نك من اسمه أنه كان بطلا سابقا في الملاكمة كان صامتا. ~~ولم يتفوه بأي شيء منذ أن تحدث الزنجي عن السكين. # قال باجز: «هل لي أن أقدم لك شريحة من الخبز المغموس في ms030 دهن ~~شرائح اللحم الساخن؟» ~~«شكرا جزيلا.» # نظر الرجل الأبيض الضئيل إلى نك. ~~«ألا ترغب في البعض يا سيد آدولف فرانسيس؟» هكذا تحدث إليه باجز ~~وهو يقدم له المقلاة. # لم يجب آد. كان ينظر إلى نك. # ناداه الزنجي بصوته الرقيق: «سيد فرانسيس؟» # لم يجب آد. كان ينظر إلى نك. # قال الزنجي برقة: «لقد تحدثت إليك يا سيد فرانسيس.» # ظل آد ينظر إلى نك. كان قد أنزل قبعته على عينيه. شعر نك ~~بالتوتر. # تحدث إلى نك من تحت قبعته بحدة: «كيف تجرؤ على هذا بحق ~~الجحيم؟» # وأضاف: «من تظن نفسك يا هذا؟ لست سوى نغل وقح. تأتي دونما دعوة ~~وتأكل طعامي وحين أطلب منك أن تعيرني سكينا، تعاملني ~~بوقاحة.» # كان ينظر إلى نك وهو يتقد غضبا. كان وجهه شاحبا وعيناه ~~مخفيتين بأكملهما تقريبا تحت القبعة. ~~«يا لك من شخص غريب! من ذا الذي دعاك يا هذا لتقحم نفسك بيننا ~~هنا؟» ~~«لا أحد.» ~~«لا أحد قد دعاك بالتأكيد. ولم يدعك أحد للبقاء أيضا، لكنك ~~تأتي وتسخر من وجهي، وتدخن سيجاري وتشرب خمري، ثم تتحدث إلي ~~بوقاحة. كيف تظن بحق الجحيم أنك ستفلت بهذا؟» لم يقل نك شيئا، ~~ووقف آد. ~~«سأخبرك أنا يا نغل شيكاجو الجبان. سوف أبرحك ضربا. أتفهم ~~هذا؟» # تراجع نك إلى الخلف، وتقدم الرجل الضئيل نحوه ببطء متثاقل ~~الخطوات. كانت قدمه اليسرى تتقدم إلى الأمام، وتزحف القدم اليمنى ~~لتلحق بها. # حرك رأسه وقال: «اضربني. هيا حاول أن تضربني.» ~~«أنا لا أريد أن أضربك.» ~~«كلا، لن تفلت بهذه الطريقة. سوف أضربك، أتفهم؟ والآن، تعال ~~واضربني.» # قال نك: «كف عن هذا.» ~~«حسنا إذن أيها النغل.» # نظر الرجل الضئيل إلى الأسفل حيث قدما نك. وبينما كان ينظر ~~إلى الأسفل، هيأ الزنجي نفسه وقد كان يسير خلفه حين ابتعد عن ~~النار، ثم ضربه بالهراوة أسفل الجمجمة. سقط الرجل إلى الأمام، ورمى ~~باجز الهراوة الملفوفة بالقماش على العشب. كان الرجل الضئيل ~~ملقى هناك ووجهه إلى العشب. رفعه الزنجي وحمله إلى جوار النار ~~ورأسه كانت متدلية. بدا ms031 شكل وجهه مخيفا وكانت عيناه مفتوحتين. ~~وضعه باجز على الأرض برفق. # تحدث إلى نك قائلا: «هلا أحضرت لي المياه الموجودة في الدلو ~~يا سيد آدمز؟ يؤسفني أنني قد قسوت عليه قليلا في الضربة.» # رش الزنجي الماء بيده على وجه الرجل، وراح يشد أذنيه برفق. ~~أغلقت العينان. # وقف الزنجي ثم تحدث قائلا: «إنه بخير. لا داعي للقلق. أنا آسف يا سيد ~~آدمز.» # قال نك وهو ينظر إلى الرجل الضئيل: «لا بأس.» رأى الهراوة على ~~العشب وتناولها بيده. كان لها مقبض مرن، وشعر بها لينة في ~~يده. كانت مصنوعة من الجلد الأسود المهترئ، ويلتف على طرفها ~~الثقيل منديل. # ابتسم الزنجي وقال: «إنه مقبض مصنوع من عظم الحوت. ما عادوا ~~يصنعون هذا النوع الآن. لم أكن أعرف قدرتك على الدفاع عن نفسك، ~~وعلى أي حال، لم أكن أريدك أن تؤذيه أو تشوهه أكثر من ~~ذلك.» # ابتسم الزنجي ثانية. ~~«لقد آذيته بنفسك.» ~~«أنا أعرف كيف أفعلها. لن يتذكر شيئا من هذا. إنني أضطر إلى ~~فعل هذا لكي أعيده إلى نفسه حين يتصرف بتلك الطريقة.» # كان نك ما يزال ينظر إلى الرجل الضئيل المستلقي بجوار النار ~~المغمض العينين. وضع باجز بعض الخشب في النار. ~~«لا تقلق بشأنه على الإطلاق يا سيد آدمز. لقد رأيته على هذه ~~الحال قبل ذلك مرارا وتكرارا.» # سأله نك: «ما الذي أصابه بالجنون؟» # أجاب الزنجي من مكانه عند النار: «أوه، الكثير من الأشياء. ألا ~~ترغب في فنجان من هذه القهوة يا سيد آدمز؟» # قدم الفنجان لنك، وراح يسوي المعطف الذي كان قد وضعه تحت ~~رأس الرجل الفاقد الوعي. ~~«أحد هذه الأشياء أنه تعرض للضرب مرات كثيرة.» رشف الزنجي بعضا ~~من القهوة ثم أكمل: «غير أن ذلك قد جعله ضعيف العقل بعض الشيء ~~فحسب. وبعد ذلك، كانت أخته هي مديرته، وقد كانت الجرائد تكتب ~~عنهما دوما كأخ وأخت، وكيف أنها كانت تحب أخاها، وكيف أنه كان يحب ~~أخته، ثم تزوجا في نيويورك، وقد خلق ذلك الكثير من ~~المشكلات.» ~~«أتذكر هذا.» ~~«هذا مؤكد. ms032 لم يكونا أخا وأختا بالطبع، غير أن الكثير من ~~الناس لم يرق لهم الأمر على أي حال، ثم بدأت الخلافات تنشب ~~بينهما، وقد رحلت ذات يوم ولم تعد قط.» # ارتشف القهوة ومسح شفتيه براحة يده الوردية اللون. ~~«لقد جن تماما. أترغب في المزيد من القهوة يا سيد ~~آدمز؟» ~~«شكرا.» # واصل الزنجي حديثه: «لقد رأيتها بضع مرات. كانت امرأة جميلة ~~للغاية. وقد كان الشبه بينهما كبيرا حتى إنها لتبدو كتوءمه. ما ~~كان ليصبح وجهه قبيحا لولا ما نال وجهه من لكمات.» # توقف عن الحديث. وبدا أن القصة قد انتهت. # قال الزنجي: «لقد التقيت به في السجن. راح يضرب الجميع طوال ~~الوقت بعد أن رحلت؛ فأودعوه السجن. أما أنا، فكنت في السجن لطعن ~~رجل بسكين.» # ابتسم ثم تابع بصوته الرقيق قائلا: «لقد أحببته على الفور، ~~وبحثت عنه حين خرجت. يعجبه أن يظن بي أنني مجنون وأنا لا ~~أمانع. إنني أحب أن أكون معه، وأحب رؤية الريف، ولست في حاجة إلى ~~ارتكاب أي جريمة سرقة لفعل هذا. إنني أحب أن أحيا كرجل ~~فاضل.» # سأله نك: «وماذا تفعلان لكسب العيش؟» ~~«أوه، لا شيء. نتنقل فحسب. إن معه بعض المال.» ~~«لا بد أنه قد جمع الكثير من المال.» ~~«بالتأكيد، لكنه قد أنفق جميع ماله. أو هم قد أخذوه منه. إنها ~~ترسل له مالا.» # راح يحرك النار بعصا كي يزيدها اشتعالا. # قال: «إنها سيدة رائعة للغاية، وهي تشبهه كثيرا حتى إنها ~~لتبدو كتوءمه.» # تطلع الزنجي ببصره إلى الرجل الضئيل المستلقي الذي كان يتنفس ~~بصعوبة. تدلى شعره الأشقر على جبينه، وبدا وجهه المشوه طفوليا ~~وهو ساكن. ~~«يمكنني أن أوقظه الآن في أي وقت يا سيد آدمز. أرجو أن ترحل، إذا ~~لم يكن هذا سيضايقك. لا أريد أن أبدو غير مضياف، لكن حالته قد ~~تسوء مرة أخرى عند رؤيتك. أكره أن أضطر إلى ضربه ثانية، وهو ~~الشيء الوحيد الذي يمكنني فعله حين تتلبسه هذه الحالة. إنني ~~أضطر إلى إبعاده عن الناس بعض الشيء. إنك لا تمانع يا سيد ms033 آدمز ، ~~أليس كذلك؟ كلا، لا تشكرني يا سيد آدمز. كنت سأحذرك بشأنه، لكنه ~~قد بدا مستمتعا بوجودك، وقد ظننت أن الأمور ستكون على ما يرام. ~~سوف تصل إلى مدينة على ميلين تقريبا من السكة الحديدية. إنهم ~~يسمونها مانسيلونا. إلى اللقاء. أتمنى لو كنا نستطيع دعوتك إلى ~~قضاء الليلة، غير أن هذا أمر محال. أترغب في أخذ بعض من هذا ~~اللحم والخبز معك؟ كلا؟ من الأفضل أن تأخذ معك شطيرة.» قال كل ذلك ~~بصوته الزنجي المهذب الرقيق الخفيض. ~~«حسنا، إلى اللقاء يا سيد آدمز. إلى اللقاء وحظ طيب!» # سار نك مبتعدا عن النار عبر الأرض الخالية من الأشجار، واتجه ~~إلى خط السكة الحديدية. بعد أن ابتعد عن حيز النار، سمع صوت الزنجي ~~الرقيق الخفيض وهو يتحدث. لم يستطع نك أن يسمع الكلمات، لكنه قد ~~سمع صوت الرجل الضئيل بعد ذلك وهو يقول: «أشعر بصداع فظيع يا ~~باجز.» # سمع صوت الزنجي يهدئه قائلا: «ستشعر بتحسن يا سيد فرانسيس. ما ~~عليك إلا أن تحتسي فنجانا من هذه القهوة الساخنة.» # تسلق نك حافة السكة الحديدة وراح يسير على خط السكة الحديدية. ~~وجد أنه يمسك بشطيرة من شرائح اللحم في يده؛ فوضعها في جيبه. وحين ~~نظر إلى الخلف من المنحدر الصاعد قبل أن تنعطف السكة الحديدية إلى ~~التلال، كان يستطيع أن يرى ضوء النار في المنطقة الخالية من ~~الأشجار. # | الفصل السادس # جلس نك مستندا إلى حائط الكنيسة حيث كانوا قد جروه كي يبتعد عن ~~الطلقات النارية التي تندفع من المدفع الرشاش في الشارع. كانت كلتا ~~ساقيه تتجهان إلى الخارج بطريقة بشعة. كان قد أصيب في العمود الفقري. ~~كان وجهه متعرقا ومتسخا. وقد سطعت الشمس عليه. كان يوما شديد ~~الحرارة. استلقى رينالدي، العريض المنكبين، والذي كانت معداته تتمدد ~~هي أيضا، مستندا على الجدار ووجهه ناظر إلى الأسفل. نظر نك إلى ~~الأمام مبتهجا. كان الجدار الوردي للمنزل المقابل قد سقط منفصلا عن ~~السطح، وتدلى هيكل سرير حديدي ملتويا باتجاه الشارع. كان هناك ~~نمساويان ميتان بين الأنقاض في ms034 ظل المنزل. وعلى امتداد الشارع، كان ~~هناك موتى آخرون. كانت الأمور تتقدم في المدينة. كانت تسير على ما ~~يرام. كان سيأتي حاملو النقالات في أي وقت الآن. أدار نك رأسه بحرص ~~ونظر إلى رينالدي. «اسمع يا رينالدي. اسمع. لقد عقدنا أنا وأنت معاهدة ~~سلام منفصلة.» استلقى رينالدي ساكنا في الشمس وهو يتنفس بصعوبة. «لسنا ~~وطنيين.» أدار نك رأسه بعيدا بحرص، وهو يبتسم متعرقا. لقد كان ~~رينالدي جمهورا مخيبا للآمال. # قصة قصيرة جدا # في أمسية حارة في بادوفا، حملوه إلى الأعلى على السطح؛ فتمكن من ~~مشاهدة المدينة من أعلى. كانت طيور سمامة المداخن تحلق في ~~السماء. وبعد برهة، حل الظلام وأضيئت الكشافات. نزل الآخرون ~~وأخذوا الزجاجات معهم. كان يستطيع هو ولوز أن يسمعاهم وهم بالأسفل ~~في الشرفة. جلست لوز على السرير. كانت ندية ونضرة في الليل ~~الحار. # ظلت لوز تعمل في دورية الليل على مدار ثلاثة أشهر. وقد سرهم أن ~~يسمحوا لها بالعمل ليلا. حين أجروا له العملية الجراحية، أعدته هي ~~لطاولة الجراحة، بينما أخذوا هم يقولون مزحة عن الأصدقاء والحقن ~~الشرجية (حيث إن كلمة حقنة شرجية بالإنجليزية قريبة في هجائها من ~~كلمة عدو بالإنجليزية). وقع تحت تأثير المخدر وحاول أن يكبح جماح ~~نفسه لئلا يثرثر بأي شيء خلال ذلك الوقت السخيف الذي يكثر فيه ~~الكلام. وبعد أن صار يسير على عكازين، اعتاد أن يقيس درجات ~~الحرارة كي لا تضطر لوز إلى النهوض من السرير. لم يكن هناك سوى ~~عدد قليل من المرضى، وقد كانوا جميعا على علم بعلاقتهما. وكانوا ~~جميعا يحبون لوز. وبينما كان يسير عائدا بين القاعات، كان يتخيل ~~لوز في سريره. # قبل أن يعود ثانية إلى الجبهة، زارا كاتدرائية ميلانو وصليا ~~هناك. كانت الأجواء هادئة والضوء خافتا، وكان هناك أشخاص آخرون ~~يصلون. أرادا أن يتزوجا، لكن الوقت لم يكن كافيا لإعلان ~~الزواج، ولم يكن لدى أي منهما شهادة ميلاد. كانا يشعران كما لو ~~أنهما متزوجان، لكنهما أرادا أن يعرف الجميع بالأمر، وأن يوثقاه ~~كي لا يخسراه. # كتبت له ms035 لوز الكثير من الخطابات التي لم تصله إلا بعد الهدنة. ~~وصل خمسة عشر منها دفعة واحدة إلى الجبهة، وقد رتبها وفقا للتاريخ ~~وقرأها جميعا على الفور بالترتيب. كانت جميعها تحكي عن المستشفى ~~وعن حبها الكبير له وعن استحالة الحياة بدونه وعن قسوة الاشتياق له ~~في الليل. # بعد الهدنة، اتفقا على أنه يجب أن يعود إلى الوطن ويحصل على ~~وظيفة حتى يتسنى لهما الزواج. لم تكن لوز لتعود إلى الوطن إلى أن ~~يحصل على وظيفة ويمكنه الذهاب إلى نيويورك للقائها. كان من ~~الواضح أنه لن يشرب الخمر، ولن يرغب في أن يرى أصدقاءه أو أي شخص ~~في أمريكا. لم يكن يريد سوى أن يحصل على وظيفة ويتزوج. وفي رحلة ~~القطار من بادوفا إلى ميلانو، تشاجرا بشأن عدم رغبتها في أن تعود ~~إلى الوطن على الفور. وحين أتى وقت الوداع في محطة قطار ميلانو، ~~تبادلا قبلة الوداع لكن شجارهما لم يكن قد انتهى. وقد كان ~~مغتما لوداعهما بهذه الطريقة. # واصل طريقه إلى أمريكا على متن سفينة من جنوا. وعادت لوز إلى ~~بوردينوني كي تفتح مستشفى. كان الجو موحشا ومطيرا هناك، وكانت ~~هناك كتيبة من قوات المغاوير التابعة للجيش الإيطالي تعسكر في ~~المدينة. إن رائد الكتيبة الذي كان يعيش في تلك المدينة المطيرة ~~الموحلة في الشتاء، كان يطارح لوز الغرام، ولم تكن هي قد عرفت ~~أي إيطاليين من قبل، وفي النهاية، بعثت إلى حبيبها بخطاب في ~~الولايات المتحدة تقول فيه إن علاقتهما لم تكن سوى غرام صبياني. ~~كانت تشعر بالأسف وتعرف أنه لن يتفهم الأمر على الأرجح، لكنه قد ~~يسامحها ذات يوم، ويكن لها مشاعر الامتنان، وقد كانت ~~تتوقع، على نحو مفاجئ تماما، أن تتزوج في الربيع. كانت تحبه ~~مثلما كانت تحبه دوما، لكنها أدركت الآن أن حبهما لم يكن سوى ~~غرام صبياني. تمنت له أن يحقق نجاحا رائعا في حياته ~~المهنية، وكانت تؤمن به تماما. كانت تعرف أن ذلك في ~~صالحهما. # لم يتزوج الرائد من لوز لا في الربيع ولا في أي ms036 وقت آخر. ولم ~~تتلق لوز قط أي رد على خطابها الذي أرسلته إلى شيكاجو بشأن ~~الأمر. بعد ذلك بوقت قصير، أصيب هو بعدوى مرض السيلان من موظفة ~~مبيعات في مركز تجاري في شيكاجو، بينما كانا يستقلان سيارة أجرة في ~~منطقة لينكولن بارك. # | الفصل السابع # بينما كان القصف يدك الخندق في فوسالتا، استلقى متمددا وهو ~~يتعرق ويتضرع إلى يسوع المسيح قائلا: يا يسوع المسيح، أخرجني من ~~هنا. يا يسوع العزيز، أرجوك أن تخرجني. أرجوك أيها المسيح، أرجوك، ~~أرجوك أيها المسيح. فقط إذا نجيتني من القتل فقط، فسوف أفعل أي شيء ~~تأمر به. إنني أومن بك، وسوف أخبر كل من في العالم بأنك وحدك من ~~يهم. أرجوك، أرجوك يا يسوع العزيز. انتقل القصف إلى نقطة أبعد على ~~خط النار. عدنا إلى العمل في الخندق، وأشرقت الشمس في الصباح، وكان ~~اليوم حارا ورطبا ومبهجا وهادئا. وفي الليلة التالية عند العودة ~~إلى ميستري، لم يخبر الفتاة التي صعد معها إلى الطابق العلوي في فيلا ~~روسا عن يسوع. ولم يخبر أحدا قط. # وطن جندي # ذهب كريبس إلى الحرب من كلية ميثودية في كانساس. ثمة صورة يظهر ~~فيها بين أصدقائه في الأخوية، وقد كانوا جميعا يرتدون ياقة لها ~~نفس الشكل والطول. انضم إلى قوات المارينز عام 1917، ولم يعد إلى ~~الولايات المتحدة حتى عادت الفرقة الثانية من نهر الراين في صيف ~~العام 1919. # ثمة صورة يظهر فيها على نهر الراين مع فتاتين ألمانيتين وعريف ~~آخر. بدا كريبس والعريف أضخم من الزي العسكري الذي كانا يرتديانه. ~~الفتاتان الألمانيتان ليستا جميلتين. ونهر الراين لا يظهر في ~~الصورة. # حين عاد كريبس إلى مدينته الأم في أوكلاهوما، كان استقبال ~~الأبطال قد انتهى. لقد عاد متأخرا للغاية. كان جميع رجال المدينة ~~الذين أرسلوا إلى الحرب قد قوبلوا بالترحاب الشديد لدى عودتهم. ~~لقد كان هناك قدر كبير من الانفعال العاطفي. الآن قد هدأ رد ~~الفعل. وبدا أنهم كانوا يظنون أنه من السخيف أن يعود كريبس في ~~هذا الوقت المتأخر للغاية، بعد انتهاء الحرب بسنوات. ms037 # في بادئ الأمر، لم يرغب كريبس الذي شهد معارك بيلو وود وسواسون ~~وشامبين وسان مييل وأرجون، في الحديث عن الحرب إطلاقا. بعد ذلك ~~شعر بالحاجة إلى الحديث، لكن أحدا لم يرغب في سماع شيء عنها. ~~لقد سمع أهل مدينته الكثير والكثير من قصص الحرب الوحشية؛ فما كان ~~من الممكن أن تثيرهم الحقائق. وجد كريبس أن عليه أن يكذب كي يجد ~~آذانا تستمع إليه أصلا، وبعد أن فعل ذلك مرتين، وجد أنه، هو ~~أيضا، لديه رد فعل معاد للحرب ومعاد للحديث عنها. كره كل ما ~~حدث له في إطار الحرب بسبب الأكاذيب التي رواها. كل المرات التي ~~كانت قادرة على منحه الشعور بالهدوء والصفاء من داخله حين كان ~~يفكر فيها - المرات البعيدة التي كان قد فعل فيها بسهولة ~~وتلقائية، الشيء الوحيد؛ الشيء الوحيد الذي كان يمكن لرجل أن يفعله ~~حين كان من الممكن أن يفعل شيئا آخر - قد فقدت الآن روعتها وقيمتها ~~الثمينة، ثم فقدت هي نفسها بعد ذلك. # كانت أكاذيبه هينة إلى حد كبير، وقد تمثلت في أنه كان يعزو ~~لنفسه فعل أشياء قد رآها آخرون أو فعلوها أو سمعوا بها، وأنه كان ~~يذكر أحداثا مألوفة لجميع الجنود على أنها حقائق رغم أنها كان ~~يشك في صحتها. حتى أكاذيبه لم تكن مثيرة في قاعة البلياردو. ~~إن معارفه الذين سمعوا حكايات مفصلة عن نساء ألمانيات كان ~~يعثر عليهن مقيدات في المدافع الرشاشة في غابة أرجون، والذين ~~لم يستطيعوا فهم إمكانية وجود رماة ألمان غير مقيدين في ~~مدافعهم الرشاشة، أو منعهم حسهم الوطني من أن يهتموا بأمرهم؛ لم ~~تشوقهم قصصه. # صار كريبس يشعر بالتقزز تجاه التجارب التي تنتج عن الكذب أو ~~المبالغة، وحين كان يلتقي في بعض الأحيان برجل آخر كان جنديا ~~بالفعل ويتحدثان لبضع دقائق في غرفة الملابس بإحدى حفلات الرقص، ~~كان يتخذ مرة أخرى الوضعية البسيطة للجندي القديم بين الجنود ~~الآخرين؛ وهي أنه يكون مرتعبا للغاية وبشكل مثير للغثيان طوال ~~الوقت. وبهذه الحال، فقد كل شيء. # خلال هذا الوقت، كان ms038 الصيف في أواخره، وكان هو ينام في سريره حتى ~~وقت متأخر، ثم يستيقظ ليذهب إلى وسط المدينة حيث المكتبة ليحضر ~~كتابا، ويتناول الغداء في المنزل، ثم يقرأ في الشرفة الأمامية ~~إلى أن يمل ثم يسير عبر المدينة كي يقضي الساعات الأشد حرارة من ~~اليوم في الظلام البارد في قاعة البلياردو. كان يحب لعب ~~البلياردو. # في المساء، كان يمارس العزف على آلة الكلارينت الخاصة به، ويتمشى في ~~وسط المدينة، ثم يقرأ ويذهب إلى النوم. كان ما يزال بطلا في عيون ~~أختيه الصغيرتين. وكانت أمه تقدم له الإفطار في السرير لو أنه ~~أراد ذلك. وكانت تأتي إليه كثيرا وهو في السرير وتطلب منه أن ~~يحدثها عن الحرب، لكن انتباهها كان يتشتت دائما. أما والده، ~~فكان لا يبالي بشيء. # قبل أن يرحل كريبس إلى الحرب، لم يكن يسمح له إطلاقا بقيادة ~~سيارة الأسرة. كان والده يعمل في مجال العقارات، وكان يرغب في أن ~~تكون السيارة متاحة له دائما حين يحتاج إليها ليصطحب الزبائن إلى ~~الريف كي يعرض عليهم إحدى المزارع. كانت السيارة تقف دائما خارج ~~مبنى فيرست ناشونال بانك، حيث كان والده يمتلك مكتبا في الطابق ~~الثاني. والآن، بعد الحرب، كانت هي السيارة ذاتها. # لم يتغير شيء في المدينة سوى أن الفتيات الصغيرات قد كبرن. ~~غير أنهن كن يعشن في ذلك العالم المعقد من الصداقات المحددة ~~بالفعل والعداوات المتغيرة، والذي لم يكن كريبس يمتلك الطاقة ولا ~~الشجاعة لاقتحامه. كان يحب النظر إليهن بالرغم من ذلك. كان هناك ~~الكثير جدا من الشابات الجميلات. وكانت الغالبية العظمى منهن ~~قصيرات الشعر. حين رحل، كانت الفتيات الصغيرات أو المتمردات ~~فقط هن اللائي يصففن شعورهن بتلك الطريقة. كن جميعا يرتدين ~~السترات والقمصان النسائية ذات الياقات المستديرة الكبيرة. لقد ~~كان ذلك نمطا سائدا. كان يحب النظر إليهن من الشرفة الأمامية ~~وهن يمشين على الجانب الآخر من الشارع. كان يحب النظر إليهن وهن ~~يسرن تحت ظلال الأشجار. كان يحب الياقات المستديرة فوق ستراتهن. ~~كان يحب جواربهن الحريرية وأحذيتهن المسطحة. كان ms039 يحب شعورهن ~~القصيرة، وطريقة مشيتهن. # حين كان في المدينة لم يكن إعجابه بهن قويا للغاية. لم يعجب ~~بهن حين رآهن في المتجر اليوناني للآيس كريم. لم يكن يرغب فيهن ~~في حقيقة الأمر. كن معقدات للغاية. كان ثمة شيء آخر. فعلى ~~نحو غامض، كان يرغب في أن يصاحب فتاة، لكنه لم يكن يرغب في أن ~~يضطر إلى السعي ليفوز بها. كان يحب أن تكون له فتاة، لكنه لم يكن ~~يرغب في قضاء وقت طويل للحصول عليها. لم يكن يرغب في أن يدخل في ~~مناورات ومؤامرات حتى يفوز بها. لم يكن يرغب في أن يضطر إلى ~~مغازلتها على الإطلاق. لم يكن يرغب في ترديد المزيد من الأكاذيب. ~~لم يكن الأمر يستحق. # لم يكن يرغب في أية عواقب. لم يكن يرغب في أية عواقب بعد ذلك على ~~الإطلاق. كان يرغب في أن يعيش دون عواقب، ثم إنه لم يكن يحتاج إلى ~~فتاة في حقيقة الأمر. لقد علمه الجيش ذلك. لم يكن هناك من بأس في ~~أن تتظاهر بأنك تحتاج فعلا إلى أن تكون لديك فتاة. كان الجميع ~~تقريبا يفعلون ذلك، لكنه لم يكن صحيحا. إن المرء لا يحتاج إلى ~~فتاة. إن ذلك هو الأمر الطريف. في البداية، يتباهى أحدهم بأن ~~الفتيات لا يعنين أي شيء له على الإطلاق، وبأنه لم يفكر فيهن ~~قط، وبأنهن لا يستطعن لمسه. وبعد ذلك، يتباهى بأنه لا يستطيع ~~العيش دون الفتيات، وبأنه لا بد أن تكون له فتاة على الدوام، وبأنه ~~لا يستطيع أن يخلد إلى النوم دون فتاة. # كل ذلك كذب. إنه كذب في الحالتين. إنك لا تحتاج إلى فتاة ما لم ~~تفكر في الفتيات. لقد تعلم ذلك في الجيش. وعاجلا أم آجلا، ~~سيكون لديك فتاة. وحين تكون مستعدا بالفعل لأن يكون لديك فتاة، ~~ستعثر دائما على واحدة. أنت لا تحتاج إلى أن تفكر في الأمر. ~~وعاجلا أو آجلا، سيتحقق الأمر. كان قد تعلم ذلك في الجيش. # الآن، كانت ستعجبه أي فتاة إن أتت هي إليه ولم ms040 ترغب في الحديث، ~~لكن هنا في الوطن، كان الأمر كله معقدا للغاية. كان يعرف أنه لن ~~يستطيع أن يخوض التجربة كلها مرة أخرى. لم يكن الأمر يستحق ~~العناء. كانت تلك هي ميزة الفتيات الفرنسيات والألمانيات. لم يكن ~~هناك كل هذا الكلام. لم تكن تستطيع أن تتكلم كثيرا ولم تكن ~~تحتاج إلى الحديث. سوف تصبحان صديقين بمنتهى البساطة. راح يفكر ~~في فرنسا، ثم بدأ يفكر في ألمانيا. وعلى وجه العموم، كانت ~~تعجبه ألمانيا أكثر. لم يكن يرغب في أن يغادر ألمانيا. لم يكن ~~يرغب في العودة إلى الوطن. بالرغم من ذلك، فقد عاد إلى الوطن. كان ~~يجلس في الشرفة الأمامية. # أعجبته الفتيات اللائي كن يسرن على الجانب الآخر من الشارع. ~~أعجبه شكلهن بدرجة أكبر كثيرا من إعجابه بشكل الفرنسيات أو ~~الألمانيات. غير أن العالم اللائي كن يعشن فيه، لم يكن هو ~~العالم الذي كان يعيش فيه. كان ليرغب في أن يصاحب فتاة منهن، ~~لكن الأمر لم يكن يستحق. لقد كن يمثلن نمطا جميلا. أعجبه ~~النمط. كان مثيرا، لكنه لم يكن ليخوض كل هذا الحديث. لم يكن يحتاج ~~إلى فتاة بالدرجة التي تدفعه إلى ذلك. غير أنه كان يحب أن ينظر ~~إليهن جميعا. لم يكن الأمر يستحق. ليس الآن وقد بدأت الأمور ~~تتحسن ثانية. # جلس هناك في الشرفة يقرأ كتابا عن الحرب. كان كتابا في التاريخ ~~وكان يقرأ عن جميع الاشتباكات التي اشترك فيها. كانت تلك تجربة ~~القراءة الأكثر إثارة بالنسبة إليه على الإطلاق. وتمنى لو أنه كان ~~هناك المزيد من الخرائط. كان يتطلع بشدة لقراءة جميع كتب التاريخ ~~الجيدة حين تتوفر بها خرائط مفصلة رائعة. الآن، كان يتعرف على ~~حقائق الحرب حقا. فقد كان جنديا جيدا. وقد شكل ذلك ~~فرقا. # ذات صباح بعد شهر من عودته إلى البيت، دخلت أمه إلى غرفة نومه ~~وجلست على السرير. ثم سوت مئزرها. # وقالت: «لقد تحدثت مع أبيك الليلة الماضية يا هارولد، وهو يوافق ~~على أن تخرج بالسيارة في المساء.» # قال كريبس الذي لم يكن ms041 قد استفاق بالكامل بعد: «حقا؟ أخرج ~~بالسيارة؟ حقا؟» ~~«أجل. يرى أبوك منذ فترة أنه ينبغي لك أن تتمكن من الخروج ~~بالسيارة في المساء متى رغبت، لكننا لم نتحدث في الأمر سوى الليلة ~~الماضية.» # قال كريبس: «أراهن أنك قد دفعته إلى ذلك.» ~~«كلا، لقد كان أبوك هو من اقترح أن نتحدث في الأمر.» # جلس كريبس في السرير وقال: «أجل، أراهن أنك قد دفعته إلى ~~ذلك.» # سألت أمه: «هل ستنزل لتناول الإفطار يا هارولد؟» # قال كريبس: «حالما أرتدي ملابسي.» # خرجت أمه من الغرفة وكان بإمكانه أن يسمع أنها كانت تقلي شيئا ~~في الطابق السفلي، بينما اغتسل هو وحلق وارتدى ملابسه لكي ينزل إلى ~~غرفة الطعام لتناول الإفطار. وبينما كان يأكل، أحضرت أخته ~~البريد. # تحدثت إليه قائلة: «حسنا يا هير. أيها الناعس العجوز. لم ~~تستيقظ أصلا؟» # نظر كريبس إليها. كان يحبها. لقد كانت أخته الأقرب إليه. # سألها: «هل أحضرت الجريدة؟» # أعطته جريدة «ذا كانساس سيتي ستار»، ونزع هو عنها الغلاف البني ~~وفتحها على صفحة الرياضة. طوى الجريدة وهي مفتوحة وأسندها إلى ~~إبريق الماء، ثم ثبتها بطبق حبوب الإفطار حتى يستطيع أن يقرأ وهو ~~يتناول الطعام. # تحدثت إليه أمه وهي تقف على عتبة المطبخ: «هارولد، من فضلك يا ~~هارولد لا تفسد ترتيب الجريدة. إن والدك لا يستطيع أن يقرأ ~~الجريدة إن لم تكن مرتبة.» # قال كريبس: «حسنا، لن أفسد ترتيبها.» # جلست أخته على الطاولة وراحت تشاهده وهو يقرأ. # تحدثت قائلة: «سوف نلعب البيسبول في المدرسة هذا العصر. وأنا سوف ~~أرمي الكرة.» # قال كريبس: «حسنا، كيف حال الجناح القديم؟» ~~«إنني أستطيع الرمي أفضل من معظم الصبيان. إنني أخبرهم جميعا ~~أنك علمتني. الفتيات الأخريات لسن بارعات مثلي.» # قال كريبس: «حقا؟» ~~«إنني أخبرهم جميعا أنك حبيبي. ألست حبيبي، يا هير؟» ~~«بالتأكيد.» ~~«ألا يمكن أن يكون أخي هو حبيبي أيضا فقط لأنه أخي؟» ~~«لا أعرف.» ~~«أنت بالطبع تعرف. ألا يمكن أن تكون حبيبي يا هير إذا كنت كبيرة ~~بما يكفي، وإذا رغبت أنت؟» ~~«بالتأكيد. أنت فتاتي الآن.» ~~«هل ms042 أنا فتاتك حقا؟» ~~«بالتأكيد.» ~~«أتحبني؟» ~~«أجل.» ~~«هل ستحبني دوما؟» ~~«بالتأكيد.» ~~«أتأتي لكي تشاهدني وأنا ألعب البيسبول؟» ~~«ربما.» ~~«أف يا هير. إنك لا تحبني. إذا كنت تحبني حقا، كنت سترغب في ~~أن تأتي لكي تشاهدني وأنا ألعب البيسبول.» # أتت والدة كريبس إلى غرفة الطعام من المطبخ. كانت تحمل طبقا به ~~بيضتان مقليتان وبعض اللحم المقدد المقرمش، وطبقا به بعض الكعك ~~المصنوع من الحنطة السوداء. # قالت: «اذهبي أنت الآن يا هيلين. أريد أن أتحدث إلى ~~هارولد.» # وضعت طبق البيض واللحم المقدد أمامه، وأحضرت إبريقا من شراب ~~القيقب من أجل كعك الحنطة السوداء، ثم جلست على الطاولة أمام ~~كريبس. # قالت: «أرجو أن تترك الجريدة لدقيقة يا هارولد.» # أنزل هارولد الجريدة وطواها. # سألته أمه وهي تخلع نظارتها: «هل قررت ماذا ستفعل بعد ذلك يا ~~هارولد؟» # أجاب كريبس: «كلا.» ~~«ألا تظن أن الوقت قد حان لذلك؟» لم تقل أمه ذلك بطريقة خبيثة، ~~بل بدت قلقة. # قال كريبس: «لم أفكر في الأمر.» # قالت أمه: «إن الرب يخصص لكل فرد عملا. ما من يد عاطلة في ~~ملكه.» # قال كريبس: «لست في ملكه.» ~~«إننا جميعا في ملكه.» # شعر كريبس بالحرج والحنق مثلما يشعر على الدوام. # تابعت أمه حديثها: «لقد كنت أشعر ببالغ القلق عليك يا هارولد. ~~أعرف الإغراءات التي لا بد أنك قد تعرضت لها. وأعرف مدى ضعف ~~الرجال. أعرف ما قاله جدك العزيز، والدي، عن الحرب الأهلية، وقد ~~كنت أصلي لأجلك. إنني أصلي لأجلك طوال اليوم يا هارولد.» # نظر كريبس إلى دهن اللحم المقدد المتصلب على طبقه. # تابعت أمه حديثها: «إن أباك قلق أيضا. إنه يظن أنك قد فقدت ~~طموحك، وأنه لم يعد لك هدف محدد في الحياة. تشارلي سيمونز الذي ~~يضاهيك سنا لديه وظيفة جيدة وسوف يتزوج. لقد استقر جميع ~~الفتيان، وخططوا لتحقيق هدف معين، يمكن للمرء أن يرى أن ~~شبابا مثل تشارلي سيمونز في طريقهم لأن يكونوا حقا فخرا ~~للمجتمع.» # لم يقل كريبس شيئا. # قالت أمه: «لا تنظر تلك النظرة يا هارولد. إنك تعرف أننا ms043 ~~نحبك وأنا أريد أن أخبرك بحقيقة الوضع لصالحك. لا يريد أبوك أن ~~يقيد حريتك. هو يرى أنه يجب السماح لك بقيادة السيارة. إذا كنت ~~ترغب في أن تصطحب فيها بعض الفتيات الجميلات، فسوف يسرنا ذلك ~~للغاية. إننا نريدك أن تستمتع بوقتك، لكن ينبغي عليك أن تستقر في ~~عمل يا هارولد. أبوك لا يهتم من أي درجة تبدأ. العمل كله شريف ~~مثلما يقول، لكن عليك أن تبدأ في عمل ما. لقد طلب مني أن أحدثك ~~هذا الصباح، ويمكنك بعد ذلك أن تمر عليه في المكتب ~~للقائه.» # قال كريبس: «أذلك كل شيء؟» ~~«أجل. ألا تحب أمك يا ولدي العزيز؟» # قال كريبس: «لا.» # نظرت أمه إليه عبر الطاولة. كانت عيناها تلتمعان. وقد بدأت في ~~البكاء. # قال كريبس: «أنا لا أحب أحدا.» # لم يكن هناك من فائدة. لم يستطع أن يخبرها، ولم يستطع أن ~~يجعلها تفهم. لقد كان من السخف أن يقول ذلك. لم يفعل شيئا سوى ~~أنه جرحها. ذهب إليها وأمسك بذراعها. كانت تبكي وهي تدفن رأسها في ~~يديها. # تحدث إليها قائلا: «لم أكن أعني ذلك. كنت غاضبا فقط من شيء ما. ~~لم أعن أنني لا أحبك.» # استمرت أمه في البكاء. وضع كريبس يده على كتفها. # وقال: «ألا تصدقينني يا أمي؟» # هزت أمه رأسها. ~~«أرجوك، أرجوك يا أمي. أرجوك أن تصدقيني.» # تحدثت أمه بصوت مختنق: «حسنا.» تطلعت إليه بوجهها وقالت: ~~«أصدقك يا هارولد.» # طبع كريبس قبلة على شعرها. ورفعت هي وجهها إليه. # تحدثت إليه قائلة: «إنني أمك. لقد حملتك بجوار قلبي وأنت طفل ~~صغير للغاية.» # شعر كريبس بالاشمئزاز والغثيان على نحو غامض. # قال: «أعرف يا أمي. سأحاول أن أكون ولدا صالحا من ~~أجلك.» # سألته أمه: «هلا ركعت وصليت معي يا هارولد؟» # ركعا بجوار طاولة غرفة الطعام، وصلت أم كريبس. # قالت: «والآن، فلتصل أنت يا هارولد.» # قال كريبس: «لا أستطيع.» ~~«حاول يا هارولد.» ~~«لا أستطيع.» ~~«أتريدني أن أصلي من أجلك؟» ~~«أجل.» # صلت أمه من أجله، ثم وقفا وقبل كريبس أمه وخرج من المنزل. ~~لقد ms044 حاول بقوة أن يبقي حياته خالية من التعقيد. وحتى الآن، لم ~~يمسه شيء منه. لقد شعر بالأسى تجاه أمه وقد دفعته إلى الكذب. ~~كان سيذهب إلى مدينة كانساس ويحصل على وظيفة، وستكون هي راضية عن ~~ذلك. كانت ستحدث جلبة أخرى على الأرجح قبل أن يرحل. لن يذهب إلى ~~مكتب أبيه. سيتجاهل الأمر هذه المرة. كان يريد لحياته أن تسير ~~بسلاسة. وكانت قد بدأت للتو تسير بتلك السلاسة. حسنا، كان ~~كل ذلك قد انتهى الآن على أية حال. كان سيذهب إلى فناء المدرسة ~~ويشاهد هيلين وهي تلعب البيسبول. # | الفصل الثامن # في الساعة الثانية صباحا، اقتحم شخصان مجريان متجر سيجار عند تقاطع ~~شارعي فيفتينث وجراند أفنيو. انطلق دريفيتس وبويل من مركز شرطة شارع ~~فيفتينث في سيارة من طراز فورد. كان المجريان يعودان إلى الوراء ~~بعربتهما للخروج من زقاق. أطلق بويل النار على من كان على مقعد العربة، ~~ثم على الآخر الذي كان في هيكلها. أصاب دريفيتس الرعب حين وجد أن ~~كليهما قد مات. تحدث قائلا: «اللعنة يا جيمي. ما كان لك أن تفعل ~~هذا. إن هذا سيفتح على الأرجح علينا جحيما من المتاعب.» # قال بويل: «إنهما مجرمان، أليسا كذلك؟ إنهما إيطاليان لعينان، أليسا ~~كذلك؟ من ذا الذي سيثير أية مشكلات بحق الجحيم؟» # قال ديفيرتيس: «ربما يمر الأمر بسلام في هذه المرة، لكن كيف عرفت ~~أنهما إيطاليان حين أطلقت عليهما النار؟» # قال بويل: «إنهما إيطاليان لعينان. إنني أستطيع أن أميز الإيطاليين ~~الملاعين من على بعد ميل.» # الثوري # في العام 1919، كان يسافر من قطار لآخر في إيطاليا، حاملا من ~~مقر الحزب قطعة مربعة من المشمع مكتوب عليها بالقلم الرصاص الذي ~~لا يمحى ما يخط به ما يفيد أنه رفيق قد عانى كثيرا تحت وطأة ~~حكم البيض في بودابست، وأنه يطلب من الرفاق أن يقدموا له ~~المساعدة بأي طريقة من الطرق. لقد استخدم هذه القطعة كبديل عن ~~التذكرة. لقد كان خجولا للغاية وحديث السن بعض الشيء، وكان ~~رجال القطار يسلمونه من طاقم إلى آخر. لم ms045 يكن يمتلك نقودا، ~~وكانوا يطعمونه في مطاعم السكة الحديدية في منطقة ~~العاملين. # لقد أعجبته إيطاليا. قال إنها بلد جميل، وجميع أناسها طيبون. ~~لقد زار مدنا عديدة، وسار فيها كثيرا، ورأى الكثير من الرسومات. ~~ابتاع نسخا من أعمال جوتو ومازاتشو وبييرو ديلا فرانتشيسكا، وكان ~~يحملها مغلفة في نسخة من جريدة «أفانتي». أما مانتينيا، فلم ~~يعجبه. # ذهب إلى بولونيا، وقد أخذته معي إلى منطقة رومانيا حيث كان علي ~~أن أذهب كي أقابل شخصا ما. كانت رحلتنا معا جيدة. كان الوقت في ~~بداية سبتمبر، وكان الريف جميلا. كان مجريا، وكان شابا ~~لطيفا للغاية وخجولا جدا. لقد أساء إليه رجال هورتي، وهو الأمر ~~الذي تحدث عنه قليلا. وبصرف النظر عما حدث في المجر، فقد كان يؤمن ~~تماما بالثورة العالمية. # سأل: «وكيف حال الحركة في إيطاليا؟» # أجبت: «سيئة للغاية.» # قال: «لكنها سوف تتحسن. لديكم كل شيء هنا. إنه البلد الوحيد الذي ~~يثق به الكل. سيكون نقطة الانطلاق لكل شيء.» لم أقل شيئا. # في بولونيا، ودعنا كي يستقل القطار إلى ميلانو، ثم إلى أوستا لكي ~~يعبر الممر إلى سويسرا. حدثته عن أعمال مانتينيا في ميلانو. ~~وقال بخجل شديد: «كلا.» فقد كان مانتينيا لا يعجبه. كتبت إليه ~~أسماء الأماكن التي يمكن أن يأكل فيها في ميلانو، وعناوين الرفاق. ~~شكرني جزيل الشكر، لكن عقله كان يتطلع بالفعل إلى عبور الممر. ~~كان متلهفا للغاية لعبور ذلك الممر بينما لا يزال الطقس جيدا. ~~كان يحب الجبال في الخريف. وقد كان آخر ما سمعته عنه أن ~~السويسريين قد وضعوه في السجن بالقرب من سيون. # | الفصل التاسع # طعن الثور بقرنه يد البيكادور الأول التي كانت تمسك بمقبض السيف، ~~وراح الحشد المتجمهر ينعق به ازدراء. زلت قدما البيكادور الثاني ~~وخرق الثور بطنه بقرنه، فتمسك بالقرن بيد، وثبت يده الأخرى جيدا ~~على مكان الجرح، فدفعه الثور بعنف إلى الجدار وتحرر القرن، ورقد هو ~~في الرمال، ثم نهض كسكير مجنون، وحاول أن يلكم الرجال الذين كانوا ~~يحملونه بعيدا، وصرخ طالبا سيفه، لكنه فقد الوعي. جاء ms046 الفتى وكان ~~عليه أن يقتل الثيران الخمسة؛ إذ لا يمكن أن يكون هناك أكثر من ثلاثة ~~بيكادورات في مباراة مصارعة الثيران، وحين وصل إلى الثور الخامس كان ~~متعبا للغاية حتى إنه لم يستطع أن يغمد السيف فيه. لم يكن يقدر على ~~رفع ذراعه إلا بصعوبة كبيرة. حاول خمس مرات وكان الجمهور هادئا؛ إذ ~~كان ثورا جيدا وبدا الأمر أنه إما هو وإما الثور، ثم نجح أخيرا. جلس ~~في الرمال وراح يتقيأ، ووضعوا عليه رداء بينما راح الجمهور يصيح ~~ويرمي بأشياء إلى حلقة المصارعة. # السيد إليوت وزوجته # حاول السيد إليوت وزوجته جاهدين أن ينجبا طفلا. لقد حاولا مرات ~~عديدة بقدر ما كانت السيدة إليوت تطيق؛ حاولا في بوسطن بعد أن ~~تزوجا وحاولا وهما مسافران بالسفينة. لم يحاولا كثيرا على متن ~~السفينة؛ إذ كانت السيدة إليوت مريضة جدا. لقد مرضت، وعندما كان ~~هذا يحدث، كانت تمرض مثلما تمرض النساء الجنوبيات؛ أي النساء ~~اللائي ينتمين إلى الجزء الجنوبي من الولايات المتحدة. فكما هو ~~الحال بالنسبة لجميع النساء الجنوبيات، تدهورت حالة السيدة إليوت ~~بسرعة شديدة تحت وطأة دوار البحر، مع السفر ليلا والاستيقاظ في ~~وقت مبكر للغاية في الصباح. ظن العديد من الأشخاص الموجودين على ~~متن السفينة أنها والدة إليوت. وأما الآخرون الذين كانوا يعرفون ~~أنها زوجته، فقد اعتقدوا أنها حامل. لقد كانت تبلغ من العمر أربعين ~~عاما في حقيقة الأمر، وقد تسارعت سنوات عمرها فجأة حين بدأت في ~~السفر. # لقد كانت تبدو أصغر سنا من ذلك بكثير، بل الحق أنها لم تكن ~~تبدو في سنها الحقيقية على الإطلاق حين تزوجها إليوت بعد أسابيع ~~عديدة من الوقوع في حبها، بعد أن عرفها لوقت طويل في متجر الشاي ~~الذي تملكه قبل أن يقبلها ذات مساء. # كان هيوبرت إليوت يجري بعض الدراسات العليا في القانون بجامعة ~~هارفارد حين تزوج. كان شاعرا يبلغ دخله عشرة آلاف دولار في العام ~~تقريبا. كان يكتب قصائد طويلة للغاية بسرعة كبيرة جدا. كان ~~يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما ولم يكن ms047 قد ضاجع امرأة قط إلى أن ~~تزوج السيدة إليوت. أراد أن يحتفظ بنفسه نقيا كي يحفظ لزوجته ما ~~كان يتوقعه منها من نقاء الذهن والجسد. كان يسمي ذلك ~~بالاستقامة في العيش. لقد أحب العديد من الفتيات قبل أن يقبل ~~السيدة إليوت، وكان يخبرهن في وقت ما، سواء تقدم أو تأخر، بأنه عاش ~~حياة نقية. وهذا ما جعل كل الفتيات تقريبا يفقدن الاهتمام به. ~~لقد كان مصدوما ومرتعبا من حقيقة أن الفتيات يخطبن إلى رجال ~~ويتزوجن منهم، وهن يعرفن بأنهم قد جروا أنفسهم إلى الوحل. لقد ~~حاول ذات مرة أن يحذر فتاة من رجل كان يعرف يقينا أنه كان ~~خسيسا في الكلية، وقد نتج عن ذلك حادثة فظيعة للغاية. # كانت السيدة إليوت تدعى كورنيليا. علمته أن يدعوها باسم ~~كالوتينا، الذي كان لقب عائلتها في الجنوب. بكت أمه حين أحضر ~~كورنيليا إلى المنزل بعد زواجهما، لكنها ابتهجت كثيرا حين عرفت ~~أنهما سيعيشان خارج البلاد. # حين أخبر كورنيليا كيف أنه قد حافظ على نقائه من أجلها، قالت: ~~«فتاي العزيز الرقيق!» وقربته إليها أكثر من أي وقت سابق. كانت ~~كورنيليا نقية هي أيضا. قالت: «قبلني هكذا ثانية.» # شرح لها هيوبرت أنه تعلم تلك الطريقة في التقبيل من قصة قد سمع ~~رجلا يرويها. كان مسرورا بتجربته، وقد تماديا فيها إلى أبعد حد ~~ممكن. أحيانا بعد أن يكونا قد قضيا وقتا طويلا في التقبيل، ~~كانت كورنيليا تطلب منه أن يخبرها كيف أنه حافظ على نفسه نقيا ~~من أجلها. ودائما ما كان هذا التصريح يثيرها ثانية. # في البداية، لم يكن هيوبرت ينتوي الزواج من كورنيليا على ~~الإطلاق. لم يسبق له أن فكر فيها بتلك الطريقة. لقد كانت صديقة ~~عزيزة له، وذات يوم في الغرفة الخلفية الصغيرة في متجرها، كانا ~~يرقصان على موسيقى إحدى أسطوانات الجراموفون بينما كانت صديقتها في ~~مقدمة المتجر، وقد نظرت في عينيه وقبلها. لم يستطع أن يتذكر ~~قط متى كان قرار زواجهما، لكنهما تزوجا على أي حال. # قضيا ليلة يوم زواجهما في غرفة بأحد ms048 فنادق بوسطن. شعر كلاهما ~~بخيبة الأمل، لكن كورنيليا قد تمكنت أخيرا من الخلود إلى ~~النوم. لم يستطع هيوبرت النوم وخرج عدة مرات وراح يقطع ردهة الفندق ~~ذهابا وإيابا مرتديا برنس الحمام الجديد الذي ابتاعه لرحلة ~~زفافه من العلامة التجارية ياجر. بينما كان يسير في الردهة، رأى ~~جميع أزواج الأحذية، سواء الصغيرة أو الكبيرة منها، موجودة خارج ~~أبواب غرف الفندق. دفع ذلك قلبه إلى الخفقان بشدة، فأسرع عائدا ~~إلى غرفته، لكن كورنيليا كانت نائمة. لم يحب أن يوقظها، ~~وسرعان ما أصبح كل شيء على ما يرام، ونام بسلام. # في اليوم التالي زارا أمه، وفي اليوم الذي يليه أبحرا إلى ~~أوروبا. كان من الممكن أن يحاولا إنجاب طفل، لكن كورنيليا لم ~~تكن تقدر على المحاولة كثيرا بالرغم من أنهما كانا يرغبان في طفل ~~أكثر من أي شيء آخر في العالم. رست سفينتهما في شيربورج، ثم ذهبا ~~إلى باريس. حاولا إنجاب طفل في باريس. بعد ذلك قررا أن يذهبا إلى ~~ديجون حيث كانت هناك مدرسة صيفية، وحيث ذهب عدد ممن كانوا ~~معهما على متن السفينة. وجدا أنه ما من شيء يمكن القيام به في ~~ديجون، غير أن هيوبرت كان يكتب عددا كبيرا من القصائد وكتبتها ~~له كورنيليا على الآلة الكاتبة. كانت القصائد كلها طويلة للغاية، ~~وكان هو صارما بشأن الأخطاء وكان يجعلها تعيد كتابة صفحة بأكملها ~~إذا كان بها خطأ واحد. بكت كثيرا وحاولا مرات عديدة أن ينجبا ~~طفلا قبل مغادرة ديجون. # عادا إلى باريس، ورجع إليها معظم أصدقائهما من السفينة أيضا. ~~لقد ضجروا من ديجون، وكانوا سيستطيعون القول على أية حال إنهم، ~~بعد مغادرتهم هارفارد أو كولومبيا أو واباش، قد درسوا في جامعة ~~ديجون بإقليم كوت دور. كان العديد منهم سيفضلون الذهاب إلى ~~لانجيدوك أو مونبلييه أو برينيان إن كانت بها أي جامعات. غير ~~أن هذه الأماكن بعيدة للغاية. أما ديجون، فهي لا تبعد سوى أربع ~~ساعات ونصف الساعة عن باريس، ويوجد مطعم في القطار. # ولهذا، فقد تجمعوا كلهم حول مقهى كافيه ms049 دو دوم، متجنبين مقهى ~~روتوند الموجود على الجهة المقابلة من الشارع؛ إذ إنه كان يعج ~~بالأجانب على الدوام، وذلك لبضعة أيام ثم استأجر الزوجان إليوت ~~بيتا ريفيا كبيرا يقع في تورين من خلال إعلان في جريدة «ذا ~~نيويورك هيرالد». بحلول ذلك الوقت، أصبح لإليوت عدد من الأصدقاء ~~المعجبين بشعره، ونجحت السيدة إليوت في إقناعه بدعوة صديقتها التي ~~كانت تعمل في متجر الشاي لزيارتهما. أصبحت السيدة إليوت أسعد ~~كثيرا بعد أن جاءت صديقتها، وقد بكيا معا كثيرا لمرات عديدة. ~~كانت الصديقة أكبر من كورنيليا بعدة سنوات وكانت تدعوها باسم هني. ~~لقد كانت تنحدر هي أيضا من عائلة جنوبية عتيقة للغاية. # ذهب ثلاثتهم، مع عدد من أصدقاء إليوت الذين كانوا يدعونه باسم ~~هوبي، إلى البيت الريفي في تورين. وجدوا تورين بلدة حارة مستوية ~~للغاية تشبه كانساس كثيرا. أصبح لدى إليوت الآن عدد كبير من ~~القصائد يكفي لتجميعها في كتاب. كان ينوي نشره في بوسطن، وقد أرسل ~~فعلا شيكا خاصا بذلك إلى ناشر بعد أن اتفق معه. # في غضون وقت قصير، بدأ الأصدقاء يعودون ثانية إلى باريس. لم ~~تعد تورين كما كانت تبدو في أول الأمر، وسرعان ما غادر جميع ~~الأصدقاء مع شاعر شاب ثري وأعزب إلى منتجع بجانب البحر بالقرب من ~~تروفيل. وهناك، شعروا جميعا بسعادة بالغة. # استمر إليوت في الإقامة بالبيت الريفي في تورين؛ إذ كان قد ~~استأجره لفترة الصيف بأكملها. حاول هو والسيدة إليوت كثيرا في ~~غرفة النوم الحارة الكبيرة على السرير الصلب الضخم إنجاب طفل. ~~بدأت السيدة إليوت في تعلم نظام الكتابة على الآلة الكاتبة دون ~~النظر إلى لوحة مفاتيحها، لكنها وجدت أنه يزيد من الأخطاء بالرغم ~~من زيادة السرعة. كانت الصديقة الآن تكتب بالفعل جميع النسخ. لقد ~~كانت منظمة وماهرة للغاية، وبدا أنها كانت تستمتع بالعمل. # صار إليوت معتادا على شرب النبيذ الأبيض، وعاش منعزلا في ~~غرفته. كان يكتب الكثير من القصائد في الليل، ويبدو منهكا جدا ~~في الصباح. أصبحت السيدة إليوت والصديقة تنامان الآن معا في ~~السرير ms050 الكبير المصمم على طراز العصور الوسطى. وقد بكيا معا ~~مرات عديدة. في المساء، كانوا يجلسون معا على العشاء في الحديقة ~~أسفل إحدى أشجار الدلب، بينما تهب ريح المساء الحارة ويشرب إليوت ~~النبيذ الأبيض، وتتبادل السيدة إليوت والصديقة أطراف الحديث، وقد ~~كانوا جميعا سعداء إلى حد كبير. # | الفصل العاشر # ضربوا الحصان الأبيض على سيقانه، حتى استند على ركبتيه ونهض. أدار ~~البيكادور ركاب الحصان وجذبه وتسلق إلى السرج. تدلت أحشاء الحصان في ~~كتلة زرقاء وراحت تتأرجح إلى الأمام والخلف عندما بدأ الحصان في الخبب، ~~وراح مساعدو البيكادور يضربونه على الجانب الخلفي من سيقانه بالعصي. ~~راح يخبب مرتعشا على طول الحاجز الخشبي لحلقة مصارعة الثيران. توقف ~~متصلبا فأمسك أحد مساعدي البيكادور بلجامه وسار به إلى الأمام. ضربه ~~البيكادور بمهمازيه، ومال إلى الأمام ووجه رمحه إلى الثور. راح الدم ~~يندفع بانتظام من بين ساقي الحصان الأماميتين. كان يرتجف بعصبية. لم ~~يستطع الثور أن يتخذ قراره بالهجوم من عدمه. # قطة تحت المطر # لم يكن هناك سوى أمريكيين يقيمان بالفندق. لم يعرفا أيا من ~~الأشخاص الذين مرا بهما على الدرج في طريق ذهابهما من غرفتهما ~~وإليها. كانت غرفتهما بالطابق الثاني وتطل على البحر. وكانت ~~تطل أيضا على الحديقة العامة والنصب التذكاري للحرب. كان ~~بالحديقة العامة أشجار نخيل كبيرة ومقاعد خضراء. في الطقس ~~الجيد، كان يوجد هناك دائما فنان ومعه مسند لوحاته. أحب الفنانون ~~طريقة نمو النخيل، وكذلك الألوان الزاهية للفنادق المواجهة للحدائق ~~والبحر. كان الإيطاليون يأتون من مناطق بعيدة كي يتطلعوا إلى النصب ~~التذكاري للحرب. كان مصنوعا من البرونز، وكان يتلألأ في المطر. ~~كانت تمطر. كان المطر يتساقط من أشجار النخيل. وتجمعت المياه في ~~برك على ممرات من الحصى. تولدت من البحر موجة طويلة في المطر، ثم ~~انحسرت عن الشاطئ لتتولد مرة أخرى موجة طويلة في المطر. كانت ~~السيارات قد اختفت من الميدان المجاور للنصب التذكاري للحرب. وعلى ~~الجهة المقابلة من الميدان عند مدخل المقهى، وقف نادل وأخذ يتطلع ~~إلى الميدان الفارغ. # وقفت الزوجة الأمريكية في ms051 النافذة تنظر منها إلى الخارج. وفي ~~الخارج تحت نافذتهما تماما، ربضت قطة تحت إحدى الطاولات الخضراء ~~التي يقطر منها الماء. كانت القطة تحاول أن تنكمش بأكبر درجة ~~ممكنة كي لا يصيبها ماء المطر. # قالت الزوجة الأمريكية: «سأنزل وأحضر تلك القطة ~~الصغيرة.» # عرض الزوج من مكانه على السرير المساعدة قائلا: «سأقوم أنا ~~بذلك.» ~~«كلا، سأحضرها أنا. القطة المسكينة تحاول أن تحتمي من الماء ~~تحت طاولة.» # تابع الزوج القراءة وهو يستلقي مستندا على الوسادتين ~~الموضوعتين على الطرف السفلي من السرير. # تحدث قائلا: «لا تبللي نفسك.» # نزلت الزوجة إلى الطابق السفلي ونهض مالك الفندق وانحنى لها ~~عندما مرت بمكتبه. كان مكتبه يقع في أقصى طرف من الغرفة. كان رجلا ~~عجوزا وطويلا للغاية. # قالت الزوجة بالإيطالية: «إنها تمطر.» كانت تكن الإعجاب ~~لمالك الفندق. # هو أيضا علق على حديثها بالإيطالية قائلا: «أجل، أجل، يا ~~سيدتي. الطقس سيئ.» ثم تابع: «الطقس سيئ للغاية.» # وقف خلف مكتبه في أقصى طرف من الغرفة المعتمة. كانت الزوجة تكن ~~له الإعجاب. كانت تعجبها جديته البالغة عند تلقي أية شكاوى. كان ~~يعجبها وقاره. كانت تعجبها رغبته في خدمتها. كان يعجبها شغفه ~~بعمله. كان يعجبها وجهه الجاد العجوز ويداه الكبيرتان. # فتحت الباب وتطلعت إلى الخارج وهي لا تزال تكن له الإعجاب. ~~كان المطر قد اشتد. وكان هناك رجل يرتدي رداء من المطاط يعبر ~~الميدان الخالي متجها إلى المقهى. ستكون القطة إلى جهة اليمين. ~~ربما ستستطيع أن تسير تحت الأفاريز. وبينما كانت تقف على عتبة ~~الباب، فتحت مظلة من خلفها. لقد كانت الخادمة التي تعتني ~~بغرفتهما. # ابتسمت وقالت بالإيطالية: «لا ينبغي أن تبتلي.» لقد أرسلها ~~مالك الفندق بالطبع. # وبينما كانت الخادمة تمسك بالمظلة فوق رأسها، سارت على ممر ~~الحصى إلى أن وصلت تحت نافذتهما. كانت الطاولة موجودة، وقد غسلها ~~المطر فبدت خضراء لامعة، لكن القطة قد اختفت. أصابها الإحباط ~~فجأة. تطلعت إليها الخادمة. # وقالت بالإيطالية: «أفقدت شيئا يا سيدتي؟» # قالت الفتاة الأمريكية: «كانت هنا قطة.» ~~«قطة؟» # أجابتها بالإيطالية: «أجل، قطة.» # ضحكت الخادمة وقالت: ms052 «قطة ؟ قطة تحت المطر؟» # أجابت قائلة: «أجل، تحت الطاولة.» ثم تابعت: «أوه، كم كنت ~~أريدها! كنت أريد قطة صغيرة.» # حين تحدثت بالإنجليزية، انقبض وجه الخادمة. # تحدثت قائلة: «هيا يا سيدتي، يجب أن نعود إلى الداخل. سيبللك ~~المطر.» # قالت الفتاة الأمريكية: «أظن ذلك.» # عادا سائرين على ممر الحصى، ومرا من الباب. ظلت الخادمة ~~بالخارج لكي تغلق المظلة. وبينما مرت الفتاة الأمريكية بغرفة ~~المكتب، انحنى مالك الفندق من مكتبه. شعرت الفتاة بشيء صغير للغاية ~~ينقبض بداخلها. لقد أشعرها مالك الفندق بأنها صغيرة للغاية، ومهمة ~~للغاية في الوقت ذاته. انتابها شعور لحظي بالأهمية الفائقة. صعدت ~~على الدرج لأعلى. فتحت باب الغرفة. كان جورج يقرأ على ~~السرير. # سألها وهو يضع الكتاب من يده: «هل أحضرت القطة؟» ~~«وجدتها قد ذهبت.» # تحدث وهو يريح عينيه من القراءة قائلا: «عجبا! أين عساها أن ~~تكون قد ذهبت؟» # جلست على السرير. # ثم قالت: «لقد كنت أريدها بشدة. إنني لا أدري ما السبب في أنني ~~كنت أرغب فيها بهذا القدر. كنت أريد تلك القطة الصغيرة المسكينة. ~~ليس من الجيد أبدا أن تكون مثل هذه القطة المسكينة في الخارج تحت ~~المطر.» استأنف جورج القراءة. # نهضت عن السرير وجلست أمام مرآة طاولة الزينة، وراحت تنظر إلى ~~نفسها في مرآة اليد. فحصت منظرها الجانبي، جانبا ثم الآخر. بعد ~~ذلك فحصت خلف رأسها ورقبتها. # سألت وهي تعيد النظر إلى منظرها الجانبي: «ألا تعتقد أنها ستكون ~~فكرة جيدة إذا تركت شعري ينمو كي يصير طويلا؟» # تطلع جورج إليها ببصره ورأى ظهر رقبتها وكان شعرها مقصوصا كشعر ~~صبي. ~~«إنه يعجبني على هذه الحال.» # قالت: «لقد مللت منه بشدة. لقد مللت من أن أبدو كصبي.» # غير جورج وضعيته على السرير. لم يكن قد حول نظره عنها منذ ~~أن بدأت في الحديث. # تحدث قائلا: «إنك تبدين جميلة للغاية.» # وضعت المرآة على منضدة الزينة وسارت إلى النافذة وأطلت منها. كان ~~الظلام قد بدأ في الحلول. # قالت: «أريد أن أضم شعري إلى الخلف مستويا ومحكما في ربطة ~~كبيرة أشعر بها ms053 على ظهري. أريد أن يكون لي قطة صغيرة تجلس على حجري ~~وتموء حين أملس فراءها.» # تحدث جورج من السرير قائلا: «حقا؟» ~~«وأريد أن آكل على طاولة عليها أدواتي الفضية وأريد شموعا. ~~وأريد أن يحل الربيع وأريد أن أصفف شعري بالفرشاة أمام المرآة ~~وأريد قطة صغيرة وأريد ثيابا جديدة.» # قال جورج: «يا إلهي! توقفي عن الحديث وابحثي عن شيء تقرئينه.» ~~وعاد للقراءة ثانية. # كانت زوجته تطل من النافذة. كان الظلام قد حل بالفعل وكان المطر ~~لا يزال يتساقط على أشجار النخيل. # تحدثت قائلة: «على أية حال، أنا أريد قطة. أريد قطة. أريد قطة ~~الآن. إذا لم يكن باستطاعتي أن أحظى بشعر طويل أو بأي متعة، ~~فيمكنني أن أحظى بقطة.» # لم يكن جورج يستمع إليها. كان يقرأ كتابه. نظرت زوجته من ~~النافذة حيث أضاءت الأنوار في الميدان. # طرق شخص على الباب. # قال جورج بالإيطالية: «ادخل.» ورفع بصره من الكتاب. # على عتبة الغرفة، وقفت الخادمة. كانت تحمل قطة كبيرة مرقشا ~~فراؤها بلون درع السلحفاة. كانت تضمها إليها وقد تدلت أمام ~~جسدها. # قالت: «معذرة، لقد طلب مني مالك الفندق أن أحضر هذه القطة إليك ~~سيدتي.» # | الفصل الحادي عشر # كان الجمهور يصيح طوال الوقت ويرمي قطعا من الخبز في الحلقة، ثم ~~بدأ في رمي الوسائد وزجاجات النبيذ الجلدية، مع الاستمرار في الصفير ~~والصراخ. وأخيرا أصبح الثور متعبا جدا من كثرة ما نخزوه بقسوة، ~~فثنى ركبتيه واستلقى على الأرض، ومال أحد مساعدي البيكادور إلى ~~الأمام على رقبته وقتله بالخنجر. قفز الجمهور فوق الحاجز وأحاطوا ~~بالبيكادور وجذبه رجلان وأوقفاه، وقطع رجل خصلة شعره المتدلية من الخلف ~~وراح يلوح بها، واختطفها منه طفل وجرى بعيدا بها. بعد ذلك، رأيت ~~البيكادور في المقهى. كان قصيرا للغاية وله وجه بني وكان ثملا وقال ~~إن ما حدث قد وقع من قبل بالطريقة نفسها. أنا لست بمصارع ثيران جيد في ~~حقيقة الأمر. # في غير أوانه # بالليرات الأربع التي جناها بيدوتسي من العمل في حديقة الفندق، ~~شرب خمرا حتى أصبح في حالة سكر ms054 تام . رأى الشاب يسير هابطا على ~~الممر وتحدث إليه بطريقة غامضة. قال الشاب إنه لم يأكل بعد، لكنه ~~سيكون مستعدا للذهاب فور أن يفرغ من الغداء، بعد أربعين دقيقة ~~أو ساعة. # في الحانة القريبة من الجسر، سمحوا له بتناول ثلاث كئوس أخرى من ~~براندي العنب؛ لأنه كان واثقا ومتكتما للغاية بشأن العمل الذي ~~سيقوم به في فترة العصر. كان يوما عاصفا تبزغ فيه الشمس من وراء ~~الغيوم، ثم تختفي تحت رذاذ المطر. كان هذا يوما رائعا لصيد سمك ~~السلمون المرقط. # خرج الشاب من الفندق وسأله عن الصنارتين، وما إذا كان يجب أن ~~تتبعهما زوجته بهما. أجاب بيدوتسي: «أجل، لتتبعنا.» عاد الشاب إلى ~~الفندق وتحدث إلى زوجته. بدأ هو وبيدوتسي في السير على الطريق. كان ~~الشاب يحمل حقيبة صغيرة على كتفه. رأى بيدوتسي الزوجة، والتي بدت ~~شابة مثل زوجها وكانت ترتدي حذاء مخصصا للجبال وبيريه أزرق، ~~وقد بدأت في اتباعهما على الطريق وهي تحمل صنارتي الصيد، ~~مفككتين، كل منهما في يد. لم يحب بيدوتسي أن تسير خلفهما ~~بعيدا. ناداها غامزا بعينه إلى الشاب قائلا: «سيدتي، تعالي ~~وسيري معنا. سيدتي، هيا تعالي. ولنسر كلنا معا.» أراد بيدوتسي أن ~~يسير ثلاثتهم معا في شارع كورتينا. # ظلت الزوجة بالخلف تتبعهما متباطئة ومتجهمة الوجه بعض الشيء. ~~ناداها بيدوتسي برقة: «سيدتي، هيا فلتلحقي بنا وتسيري هنا معنا.» ~~نظر الشاب إلى الخلف وصرخ فيها بشيء ما. توقفت الزوجة عن التباطؤ ~~ولحقت بهما. # جميع من مروا بهم وهم يسيرون في الشارع الرئيسي للمدينة قد ~~حياهم بيدوتسي باهتمام. قال لأحدهم بالإيطالية وهو يرفع طرف ~~قبعته: «صباح الخير يا أرتورو!» حدق موظف البنك فيه من باب مقهى ~~فاشيست. وراحت مجموعات من ثلاثة أو أربعة أفراد تقف أمام المتاجر ~~تحدق في ثلاثتهم. حتى العمال الذين كانوا يعملون على أساسات ~~الفندق الجديد بستراتهم التي تناثر عليها مسحوق الحجارة تطلعوا ~~إليهم حين مروا. لم يتحدث إليهم أحد أو يحيهم بإشارة سوى شحاذ ~~المدينة الذي كان نحيفا وعجوزا بلحية قد زاد من سمكها ~~باللعاب، ms055 وقد رفع قبعته حين مروا. # توقف بيدوتسي أمام متجر تمتلئ نافذته بالزجاجات وأخرج زجاجة ~~براندي العنب الفارغة الخاصة به من جيب داخلي في معطفه العسكري القديم. ~~تحدث وهو يشير بالزجاجة قائلا: «القليل من الشراب، بعض من نبيذ ~~المارسالا للسينيورا، شيء، شيء للشراب.» كان يوما رائعا. «نبيذ ~~المارسالا، أتحبين المارسالا، سينيورينا؟ القليل من ~~المارسالا؟» # وقفت الزوجة متجهمة. تحدثت قائلة: «سيكون عليك أن تتصرف مع ~~هذا. لا أستطيع فهم كلمة واحدة مما يقول. إنه سكران، أليس ~~كذلك؟» # بدا أن الشاب لم يسمع ما قاله بيدوتسي. كان يتساءل في نفسه ~~أي شيء بحق الجحيم قد دفعه لأن يقول مارسالا. هذا هو ما يشربه ~~ماكس بيربوم. # تحدث بيدوتسي أخيرا وهو يمسك بكم الشاب وقال بالألمانية: ~~«النقود، الليرات.» ابتسم ولم يكن راغبا في الإلحاح على هذا ~~الأمر، لكنه كان يحتاج إلى أن يدفع الشاب إلى التصرف. # أخرج الشاب المحفظة من جيبه وأعطاه ورقة نقدية من فئة عشر ليرات. ~~صعد بيدوتسي الدرج إلى باب المتجر المتخصص في بيع أنواع النبيذ ~~المحلية والأجنبية. لكن كان الباب مغلقا. # تحدث إليه أحد المارة في الشارع وقال بحنق: «إنه يظل مغلقا حتى ~~الثانية.» نزل بيدوتسي الدرج. وشعر بأنه قد أهين. تحدث قائلا: ~~«لا يهم. يمكننا إحضاره من متجر كونكورديا.» # سار ثلاثتهم جنبا إلى جنب على الطريق المؤدي إلى متجر كونكورديا. في المدخل المسقوف لمتجر كونكورديا، حيث تكدست الزلاجات ~~الجماعية الصدئة، سأله الشاب بالألمانية: «ماذا تريد؟» أعطاه ورقة ~~العشر ليرات وقد طواها مرة بعد المرة. أجاب قائلا: «لا شيء، أي ~~شيء.» كان يشعر بالإحراج. «ربما نبيذ المارسالا. لا أدري. ~~المارسالا؟» # أغلق باب متجر كونكورديا على الشاب والزوجة. تحدث الشاب إلى ~~الفتاة الواقفة خلف نضد المعجنات قائلا: «ثلاث كئوس من نبيذ ~~المارسالا.» سألته قائلة: «تعني اثنتين؟» أجابها: «كلا. الثالث ~~لعذول.» قالت: «أوه، عذول!» وضحكت وهي تنزل الزجاجة. صبت ثلاث ~~كئوس من مشروب عكر له لون الوحل. كانت الزوجة تجلس على طاولة تحت ~~صف الجرائد المعروضة على أرفف. وضع الشاب الكأس أمامها وقال: ms056 «ربما ~~يجدر بك أن تشربيها. ربما تشعرك بتحسن.» جلست وراحت تنظر إلى ~~الكأس. خرج الشاب من الباب بكأس لبيدوتسي لكنه لم يره. # قال وقد عاد إلى غرفة المعجنات حاملا الكأس: «لا أعرف أين ~~ذهب.» # قالت الزوجة: «لقد كان يريد ربع لتر منه.» # سأل السيد الشاب الفتاة: «ما سعر ربع اللتر منه؟» ~~«من النبيذ الأبيض؟ ليرة واحدة.» # تحدث إليها قائلا: «كلا، من المارسالا. ضعي هاتين الكأسين ~~أيضا مع تلك الكمية.» وأعطاها كأسه وكأس بيدوتسي. ملأت مكيال ربع ~~اللتر من النبيذ باستخدام قمع. قال السيد الشاب: «وأريد أيضا ~~زجاجة لكي يوضع كل هذا فيها.» # ذهبت للبحث عن زجاجة. كان الأمر كله مسليا لها. # تحدث قائلا: «أنا آسف لأنك تشعرين بهذا البؤس يا تايني. آسف ~~لأنني تحدثت إليك بهذه الطريقة على الغداء. لقد كان كلانا يشير ~~إلى الأمر نفسه لكن من زاوية مختلفة.» # قالت: «لا يهم. لا شيء في الأمر يهم على الإطلاق.» # سألها: «أتشعرين بالبرد الشديد؟ ليتك ارتديت سترة ~~إضافية.» ~~«إنني أرتدي ثلاث سترات.» # أتت الفتاة بزجاجة بنية رفيعة للغاية وصبت المارسالا بداخلها. ~~دفع السيد الشاب خمس ليرات إضافية. خرجا من الباب. كانت الفتاة ~~مستمتعة. كان بيدوتسي يسير ذهابا وإيابا على الطرف الآخر من ~~الطريق بعيدا عن الرياح حاملا الصنارتين. # تحدث قائلا: «هيا بنا. سأحمل الصنارتين. ما أهمية أن يراهما أي ~~شخص؟ لن يضايقنا أحد. لن يضايقني أحد في كورتينا. إنني أعرفهم في ~~المجلس المحلي. لقد كنت جنديا. جميع من في هذه المدينة ~~يحبونني. إنني أبيع الضفادع. ماذا سيحدث إذا كان صيد الأسماك ~~ممنوعا؟ لا شيء. لا شيء على الإطلاق. لا مشكلة. هناك أسماك كبيرة ~~من السلمون المرقط، أؤكد لكما. هناك الكثير منها.» # كانوا يسيرون هابطين التل باتجاه النهر. كانت المدينة خلفهم. ~~اختفت الشمس بين الغيوم وتناثر رذاذ المطر. تحدث بيدوتسي مشيرا ~~إلى فتاة تقف بعتبة منزل مروا به قائلا: «انظرا، إنها ~~ابنتي.» # قالت الزوجة: «طبيبه؟ أعليه أن يرينا طبيبه؟» # قال الشاب: «لقد قال ابنته.» # دخلت الفتاة إلى المنزل كما أشار إليها ms057 بيدوتسي . # ساروا هابطين من التل إزاء الحقول ثم استداروا ليتبعوا ضفة ~~النهر. كان بيدوتسي يتحدث بسرعة، مع الكثير من الغمز بالعين وإبراز ~~درايته بما يفعل. وبينما كان ثلاثتهم يسيرون جنبا إلى جنب، ~~اشتمت الزوجة رائحة نفسه ذات مرة مع الريح. ومرة، نكزها هو في ~~الضلوع. وكان يتحدث أحيانا بلهجة دامبيزو الإيطالية، وأحيانا ~~أخرى بلهجة تايرولر الألمانية. لم يستطع أن يحدد أيهما يستطيع فهمه على النحو الأفضل؛ السيد الشاب أو زوجته؛ لذا كان يتحدث ~~باللغتين. لكن حين قال الشاب: «أجل، أجل.» بالألمانية، قرر بيدوتسي ~~أن يكون حديثه كله بلهجة تايرولر، لكن الشاب والزوجة لم يفهما ~~شيئا. ~~«لقد رآنا جميع من في المدينة ونحن نسير بهاتين الصنارتين. ~~إن شرطة الصيد تتبعنا الآن على الأرجح. أتمنى لو أننا لم نقم ~~بهذا الأمر اللعين. وهذا الأحمق العجوز اللعين سكران للغاية ~~أيضا.» # قالت الزوجة: «وأنت طبعا لا تملك الشجاعة للتراجع. إن عليك ~~بالطبع أن تواصل المسير.» ~~«لم لا تعودين؟ هيا عودي يا تايني.» ~~«سأبقى معك. إذا كان عليك أن تذهب للسجن، فيجب أن أذهب معك ~~أيضا.» # أخذوا منعطفا حادا باتجاه الضفة، ووقف بيدوتسي ومعطفه يتطاير ~~بسبب الريح، يشير إلى النهر الذي كان بنيا وموحلا. وفي الخارج ~~إلى اليمين، كانت هناك كومة من القمامة. # قال السيد الشاب: «حدثني بالإيطالية.» ~~«أون ميتسورا. بيو دون ميتسورا.» ~~«يقول إن أمامنا نصف الساعة على الأقل. هيا، عودي يا تايني. ~~إنك تشعرين بالبرد في هذه الرياح على أية حال. إنه يوم سيئ ولن ~~نحصل على أي متعة، على أية حال.» # قالت: «حسنا.» وتسلقت صاعدة الضفة المعشوشبة. # كان بيدوتسي بالأسفل عند النهر ولم يلاحظها إلا بعد أن كادت ~~تختفي عن الأنظار على القمة. صاح مناديا: «فراو! فراو! فرولاين! ~~لا تذهبي.» # وصلت إلى قمة التل. # قال بيدوتسي: «لقد ذهبت!» صدمه الأمر. # نزع الأشرطة المطاطية التي كانت تمسك بأجزاء الصنارة معا وبدأ ~~في تجميع أجزاء إحدى الصنارتين. ~~«لكنك قلت أمامنا نصف الساعة.» ~~«أوه، أجل. المكان جيد على مسافة نصف الساعة من السير. وهنا ~~المكان ms058 جيد أيضا.» ~~«حقا؟» ~~«بالتأكيد. هنا جيد، وهناك جيد أيضا.» # جلس السيد الشاب على الضفة وراح يركب إحدى الصنارتين، فوضع ~~البكرة، وأدخل الخيط في الحلقات. كان يشعر بعدم الارتياح، وكان ~~يخشى أن يمر بهما حارس صيد في أي لحظة، أو أن يأتي من المدينة ~~إلى الضفة مجموعة من معاوني الشرطة من المدنيين. كان يستطيع رؤية ~~منازل المدينة وبرج الجرس على حافة التل. فتح صندوق أوتار الطعم ~~الخاص به. انحنى بيدوتسي وأدخل فيه إبهامه المستوي الصلب وسبابته ~~أيضا وشبك وتري الطعم المبللين. ~~«ألديك بعض الرصاص؟» ~~«كلا.» ~~«لا بد أن يكون معك رصاص.» كان بيدوتسي منفعلا. «لا بد أن يكون ~~معك بيومبو (رصاص). بيومبو. قطعة بيومبو صغيرة. إنها ستوضع هنا. ~~هنا فوق الخطاف وإلا فسوف يطفو الطعم على المياه. لا بد أن تكون ~~معك. فقط قطعة بيومبو صغيرة.» ~~«ألديك منه؟» ~~«كلا.» راح يفتش في جيوبه بيأس، ويغربل القماش المتسخ في ~~بطانات جيوب معطفه العسكري الداخلية. «ليس معي أي منه. لا بد أن ~~يكون معنا بيومبو.» # تحدث السيد الشاب قائلا: «لن نستطيع الصيد إذن.» وراح يفك أجزاء ~~الصنارة، فلف الخيط ثانية على البكرة عبر الحلقات. «سنحضر بعض ~~البيومبو ونصطاد غدا.» ~~«لكن أصغ إلي كارو [وتعني بالإيطالية، يا عزيزي]، لا بد أن ~~يكون معك بيومبو. سيطفو الخيط مستويا على المياه.» كان يوم ~~بيدوتسي ينهار أمام عينيه. «لا بد أن يكون معك بيومبو. القليل منه ~~فقط يكفي. أدواتك كلها نظيفة وجديدة لكن ليس معك رصاص. كنت سأحضر ~~بعضا منه، لكنك قلت إن لديك كل شيء.» # نظر الشاب إلى الجدول وقد تغير لونه بفعل الثلج الذائب. تحدث ~~قائلا: «أعرف. سنحضر بعض البيومبو ونصطاد غدا.» ~~«في أي ساعة من الصباح؟ أخبرني.» ~~«في السابعة.» # أشرقت الشمس. كانت دافئة ولطيفة. شعر الشاب بالارتياح. ما عاد ~~الآن خارجا على القانون. أخرج زجاجة المارسالا من جيبه وهو جالس ~~على الضفة ومررها إلى بيدوتسي. مررها بيدوتسي إليه مجددا. أخذ ~~الشاب رشفة منها ومررها إلى بيدوتسي مجددا. مررها بيدوتسي مجددا ~~إليه. تحدث قائلا: «اشرب، ms059 اشرب . إنها المارسالا الخاصة بك.» وبعد ~~رشفة أخرى قصيرة، مرر الشاب الزجاجة إليه. كان بيدوتسي ~~يراقبها عن كثب. أخذ الزجاجة بسرعة كبيرة وأمالها. الشعر الرمادي ~~الموجود على ثنايا رقبته، راح يهتز بينما كان يشرب، وركزت عيناه ~~على نهاية الزجاجة البنية الضيقة. لقد شربها بأكملها. سطعت الشمس ~~بينما كان يشرب. كانت رائعة. لقد كان يوما جيدا برغم كل شيء. لقد ~~كان يوما رائعا بالفعل. ~~«اسمع كارو! في السابعة صباحا.» كان قد نادى الشاب ب «كارو» عدة ~~مرات ولم يحدث شيء. لقد كان نبيذ مارسالا جيدا. التمعت عيناه. ~~أيام كهذا اليوم كانت بانتظاره. كان سيبدأ أحدها في السابعة صباح ~~الغد. # بدآ في صعود التل باتجاه المدينة. وكانت خطوات الشاب أسبق. كان ~~قد وصل إلى مكان عال من التل. نادى عليه بيدوتسي. ~~«اسمع كارو! أيمكن أن تتكرم وتعطيني خمس ليرات؟» # سأله الشاب مقطبا: «لقاء رحلة اليوم؟» ~~«كلا، ليس عن اليوم. أعطها لي اليوم لقاء رحلة الغد. سوف أحضر كل ~~شيء غدا. [ثم أضاف بالإيطالية] خبز وشرائح سلامي وجبن؛ سأحضر ~~أشياء جيدة لنا جميعا؛ لك ولي ولزوجتك. سأحضر طعما للصيد، سمك ~~المنوة، وليس ديدانا فحسب. وربما أتمكن من إحضار بعض من ~~المارسالا أيضا. كل ذلك مقابل خمس ليرات. خمس ليرات مقابل خدمة ~~كهذه.» # فتش الشاب في محفظته وأخرج ورقة نقدية من فئة الليرتين ~~وورقتين، كل منهما من فئة الليرة الواحدة. # تحدث بيدوتسي قائلا: «شكرا لك كارو. شكرا لك.» قالها بنبرة ~~أحد أعضاء نادي كارلتون وهو يتلقى جريدة «ذا مورنينج بوست» من عضو ~~آخر. هذا هو العيش. انتهى من أمر حديقة الفندق، فقد كسر السماد ~~العضوي المتجمد بشوكة الروث. كانت الحياة تتفتح أمامه. # تحدث قائلا: «إلى السابعة صباحا إذن كارو.» وربت على ظهر الشاب ~~ثم تابع قائلا: «في السابعة تماما.» # قال الشاب وهو يضع المحفظة في جيبه ثانية: «من المحتمل ألا ~~آتي.» # قال بيدوتسي: «ماذا؟ سوف أحضر سمك المنوة يا سيدي. وشرائح ~~السلامي وكل شيء؛ لي ولك ولزوجتك أيضا. لنا نحن الثلاثة.» # قال الشاب: «قد ms060 لا آتي. من المرجح جدا ألا آتي. سوف أترك لك ~~خبرا مع مالك الفندق في مكتبه.» # | الفصل الثاني عشر # لو حدث ذلك أمامك وعلى مقربة شديدة منك، لاستطعت أن ترى فيلالتا ~~يزمجر في وجه الثور ويلعنه، وحين هجم الثور وثب إلى الوراء بثبات مثلما ~~تفعل شجرة بلوط حين تهب عليها الرياح؛ ساقاه مضمومتان معا، والقماش ~~الأحمر يجرجر على الأرض والسيف يتبع المنحنى الذي يخلفه. بعد ذلك، ~~سب الثور وحرك القماش أمامه، ثم وثب متفاديا الهجمة ورجلاه ~~ثابتتان، وراح القماش ينحني ومع كل وثبة كان الجمهور يزأر. # حين بدأ في قتله، كان ذلك بالسرعة نفسها. راح الثور ينظر إليه ~~مباشرة في عينيه بكراهية. سحب السيف من ثنايا القماش الأحمر ووجهه ~~إليه بحركة واحدة ونادى على الثور: «تورو! تورو! [تعال، تعال أيها ~~الثور]» وهاجم الثور وهاجم فيلالتا وللحظة واحدة صارا كيانا واحدا. ~~أصبح فيلالتا كيانا واحدا مع الثور ثم انتهى الأمر. فيلالتا يقف ~~منتصبا ومقبض السيف الأحمر يبرز بخفوت من بين كتفي الثور. فيلالتا ~~يرفع يده إلى الجمهور والثور يزأر دما، وينظر مباشرة إلى فيلالتا ~~بينما تستسلم ساقاه ويتهاوى. # تزلج عبر الريف # ارتجت عربة القطار المعلق مرة أخرى ثم توقفت. لم يمكنها ~~المضي قدما؛ إذ كان الثلج قد تكوم بغزارة على السكة الحديدية. ~~إن الرياح العاصفة التي تصقل السطح الظاهر من الجبل كانت قد جرفت ~~سطح الثلج فتكونت على الثلج قشرة ثلجية صلبة. نك الذي كان يجهز ~~زلاجتيه باستخدام الشمع في عربة الأمتعة، دفع فردتي حذائه في ~~واقيتي الأصابع الحديدية وأغلق الإبزيم بإحكام. قفز من العربة ~~بشكل جانبي على القشرة الثلجية الصلبة واستدار بقفزة، ثم جثا ~~وانزلق بسرعة عبر المنحدر، وهو يجرجر عصوي التزلج خلفه. # على الثلج الأبيض في الأسفل، هبط جورج وارتفع حتى اختفى عن ~~الأنظار. الاندفاع والانزلاق المفاجئ عند سقوطه في تموج منحدر ~~على جانب الجبل، قد سلبا لب نك ولم يتركا له سوى ذلك الإحساس ~~الرائع بالطيران والسقوط. ارتفع لكي يصعد قليلا ثم بدا أن الثلج ~~ينزلق من تحته ms061 بينما راح يهبط باندفاع إلى الأسفل أكثر فأكثر، ~~وأسرع فأسرع إلى المنحدر الطويل الشديد الانحدار الأخير. وبينما كان ~~يجثو حتى كاد أن يصل إلى وضع الجلوس على زلاجتيه، محاولا الحفاظ ~~على انخفاض مركز الجاذبية، وكان الثلج يتطاير كعاصفة رملية، كان ~~يعرف أن الوتيرة التي كان يسير بها سريعة للغاية. غير أنه قد ~~حافظ عليها. لم يستسلم ويسقط. ثم جاءت رقعة من الثلج الناعم كانت ~~الرياح قد جمعتها في منخفض؛ فأسقطته وراح يتدحرج ويتدحرج مع اصطدام ~~الزلاجتين بعضهما ببعض، وشعر حينها وكأنه أرنب جريح قد أطلق ~~النار عليه، ثم علق في مكانه؛ فتصالبت ساقاه وبرزت زلاجتاه إلى ~~الأعلى وامتلأت أذناه وأنفه بالثلج. # كان جورج يقف أبعد قليلا أسفل المنحدر ينفض الثلج عن معطفه ~~الواقي من الرياح بضربات كبيرة من يده. # نادى نك قائلا: «لقد كنت رائعا يا مايك. ذلك ثلج ناعم لعين. ~~لقد نال مني بالطريقة نفسها.» ~~«كيف حال التزلج على الوادي الضيق؟» ركل نك زلاجتيه إلى ~~جانبيه وهو راقد على ظهره ونهض واقفا. ~~«عليك أن تبقى على اليسار. إن الهبوط سريع ورائع مع ضرورة اتخاذ ~~وضعية كريستي في القاع بسبب وجود سياج.» ~~«انتظر لحظة ولنقم بها معا.» ~~«كلا، فلتبدأ أنت أولا. أرغب في رؤيتك وأنت تتزلج على الوديان ~~الضيقة.» # تقدم نك آدمز أمام جورج، وقد كان ظهره الضخم ورأسه الأشقر لا ~~يزالان معفرين قليلا بالثلج، ثم بدأت زلاجتاه في الانزلاق على ~~الحافة، وانزلق للأسفل وقد صدر عن حركته في مسحوق الثلج البلوري ~~صفير، وبدا في صعوده وهبوطه على الوديان العميقة المتموجة وكأنه ~~يطفو ويغرق. ظل نك على اليسار، وفي النهاية بينما راح يندفع نحو ~~السياج وهو يبقي على ركبتيه مضمومتين عن قرب معا ويستدير ~~بجسده وكأنه يثبت مسمارا ملولبا، أدار زلاجتيه بحدة إلى ~~اليمين مثيرا سحابة من الثلج وراح يتباطأ إلى أن توقف تماما ~~بمحاذاة جانب التل والسياج السلكي. # نظر إلى أعلى التل. كان جورج يهبط متخذا وضعية تلمارك جاثيا؛ ~~فكانت إحدى ساقيه ممددة إلى الأمام ومحنية، وثنى الأخرى إلى ms062 ~~الخلف بينما عصواه كانتا تتدليان كساقي حشرة رفيعتين وتركلان ~~هبات من الثلج إذ تلمسان السطح، وأخيرا استدارت الهيئة الجاثية ~~الزاحفة بأكملها في منحنى جميل إلى جهة اليمين، ساق تمتد إلى ~~الأمام والأخرى إلى الخلف، الجسم كله يميل عكس اتجاه الحركة، ~~العصوان تحددان المنحنى كنقاط من الضوء، كل ذلك في غيمة جامحة من ~~الثلج. # تحدث جورج قائلا: «كنت خائفا من القيام بوضعية كريستي. كان ~~الثلج عميقا للغاية. لقد قمت بحركة رائعة.» # قال نك: «لا أستطيع تنفيذ وضعية تلمارك بساقي.» # أخفض نك الجديلة العلوية من السياج بزلاجته، وانزلق جورج من ~~فوقه. تبعه نك إلى الطريق. اندفعا محنيي الركب على الطريق ~~المؤدي إلى غابة صنوبرية. أصبح الطريق جليدا مصقولا، ملطخا ~~باللون البرتقالي واللون الأصفر الشبيه بلون التبغ بسبب الحيوانات ~~التي تنقل جذوع الأشجار. حافظ المتزلجان على مسارهما على جانب ~~الطريق الثلجي. كان الطريق ينحدر بحدة إلى جدول، ثم يمتد مباشرة ~~إلى أعلى التل. عبر الأحراج، استطاعا أن يريا مبنى طويلا منخفض ~~الأفاريز قد أبلاه الطقس. عبر الأشجار، بدا أصفر باهتا. ومن نقطة ~~أقرب، بدت أطر النوافذ مطلية باللون الأخضر. كان الطلاء ~~يتقشر. أرخى نك الأبازيم بإحدى عصوي التزلج وخلع ~~الزلاجتين. # تحدث قائلا: «ربما من الأحرى أن نحملها لأعلى من هنا.» # تسلق الطريق المنحدر وهو يحمل الزلاجتين على كتفيه، ويضرب ~~بمسامير كعبي حذائه في الممشى الجليدي. سمع جورج وهو يتنفس ~~ويضرب بحذائه خلفه تماما. رصا الزلاجات على جانب النزل ونفضا ~~الثلج عن سرواليهما، ودقا بحذاءيهما على الأرض لتنظيفهما، ~~ودخلا. # في الداخل كان الجو معتما بعض الشيء. أضاءت في ركن الغرفة ~~مدفأة كبيرة من البورسلين. كان السقف منخفضا. واصطفت على ~~جانبي الغرفة مقاعد ملساء أمامها طاولات داكنة اللون ومبقعة ~~بالنبيذ. كان هناك سويسريان يدخنان الغليون، وكان توجد زجاجتان من ~~النبيذ الجديد العكر بجوار المدفأة. خلع الفتيان سترتيهما وجلسا ~~أمام الحائط في الجانب الآخر من المدفأة. توقف صوت في الغرفة ~~المجاورة عن الغناء، ودخلت من الباب فتاة ترتدي مئزرا أزرق لترى ~~ما يرغبان في شربه. # قال ms063 نك : «زجاجة من نبيذ سيون.» ثم تابع: «أهذا يناسبك يا ~~جيدج؟» # قال جورج: «بالتأكيد. إنك تعرف عن النبيذ أكثر مما أعرف. إنني ~~أحب جميع أنواعه.» # خرجت الفتاة. # تحدث نك قائلا: «لا شيء يمكن أن يضاهي التزلج على الإطلاق، ~~أليس كذلك؟ ذلك الشعور الذي يغمرك حين تنزلق في البداية على منحدر ~~طويل.» # قال جورج: «أوه، إن الحديث يعجز عن وصف روعته.» # أحضرت الفتاة النبيذ، وقد واجها مشكلة مع الفلينة. فتحها نك ~~أخيرا. خرجت الفتاة وسمعاها تغني بالألمانية في الغرفة ~~المجاورة. # قال نك: «إن فتات الفلين الموجود بداخلها هذا لا يمثل ~~مشكلة.» ~~«أتساءل إن كان لديها أي كعك.» ~~«فلنسأل ونر.» # دخلت الفتاة ولاحظ نك أن المئزر يخفي حملها ببراعة. قال في ~~نفسه: لماذا لم ألاحظ هذا حين أتت أول مرة؟ # سألها: «ماذا كنت تغنين؟» ~~«مقطوعة أوبرالية، مقطوعة أوبرالية ألمانية.» لم تبد راغبة في ~~مناقشة الموضوع. «لدينا بعض ستردل التفاح إن كنتما ~~تريدانه.» # قال جورج: «إنها ليست ودودة، أليس كذلك؟» ~~«حسنا، إنها لا تعرفنا وربما ظنت أننا سنسخر من غنائها. إنها من ~~هناك حيث يتحدثون الألمانية على الأرجح وهي شديدة الحساسية لكونها ~~هنا، ثم إن لديها ذلك الطفل الذي سيأتي وهي ليست متزوجة؛ لذا فهي ~~شديدة الحساسية.» ~~«ما يدريك أنها غير متزوجة؟» ~~«إنها لا ترتدي خاتما. اللعنة! إن الفتيات في هذه الأنحاء لا ~~يتزوجن إلا بعد أن يحملن.» # فتح الباب ودخلت منه مجموعة من قطاع الخشب من على الطريق، الذين ~~راحوا يدقون بأحذيتهم على الأرض لتنظيفها، ودخلوا إلى الغرفة ~~بوتيرة منتظمة سريعة. أتت النادلة بثلاثة لترات من النبيذ الجديد ~~للمجموعة، وجلسوا هم على طاولتين يدخنون هادئين وقد خلعوا ~~قبعاتهم، واستندوا إلى الخلف على الجدار أو إلى الأمام على ~~الطاولة. وفي الخارج كانت الجياد في عربات الجليد الخشبية تصدر ~~في بعض الأحيان صوت رنين أجراس حادا، حين كانت تهز ~~رءوسها. # كان جورج ونك يشعران بالسعادة. كانا يحبان بعضهما. كانا ~~يعلمان أن عليهما العودة إلى بلدهما. # سأل نك: «متى سيكون عليك العودة إلى المدرسة؟» # أجاب ms064 جورج : «الليلة. علي أن آخذ قطار العاشرة وأربعين دقيقة ~~من مونترو.» ~~«ليتك تستطيع البقاء حتى يتسنى لنا التزلج على جبل دنت دي ليس ~~غدا.» # قال جورج: «علي أن أتلقى تعليمي. أوه، ألا تتمنى يا مايك لو ~~أننا فقط نتسكع معا؟ نأخذ زلاجتينا ونركب القطار إلى حيث المكان ~~المناسب للتزلج ثم نذهب ونقضي بعض الوقت في الحانات ونتزلج في ~~أوبرلاند ومنطقة فاليه وأنحاء وادي إنجادين ولا نأخذ معنا في ~~حقيبتي الظهر سوى عدة التصليح وبعض السترات وملابس النوم ~~الإضافية ولا نعبأ بالمدرسة أو أي شيء غيرها.» ~~«أجل، ونعبر الغابة السوداء بالطريقة نفسها. كم فيها من أماكن ~~رائعة!» ~~«لقد ذهبت إلى صيد الأسماك فيها بالصيف الماضي، أليس ~~كذلك؟» ~~«بلى.» # أكلا الستردل وشربا ما تبقى من النبيذ. # مال جورج بظهره على الحائط وأغمض عينيه. # تحدث قائلا: «النبيذ يجعلني أشعر بهذا دوما.» # سأل نك: «أهو شعور سيئ؟» ~~«كلا، أنا بخير، لكنه شعور طريف.» # قال نك: «أعرف.» # قال جورج: «بالتأكيد.» # سأل نك: «أنحضر زجاجة أخرى؟» # قال جورج: «ليس لي.» # جلسا هناك، نك يميل بمرفقيه على الطاولة، وجورج يسترخي بظهره ~~على الحائط. # قال نك وهو يتوجه بجسمه من الجدار إلى الطاولة: «أستنجب هيلين ~~طفلا؟» ~~«أجل.» ~~«متى؟» ~~«في أواخر الصيف القادم.» ~~«هل أنت سعيد بهذا؟» ~~«أجل. الآن.» ~~«هل ستعودان إلى الولايات المتحدة؟» ~~«أعتقد هذا.» ~~«أترغب في ذلك؟» ~~«كلا.» ~~«أترغب هيلين في ذلك؟» ~~«كلا.» # جلس جورج صامتا. نظر إلى الزجاجة الفارغة والكأسين ~~الفارغتين. # تحدث قائلا: «إنها الجحيم، أليس كذلك؟» # قال نك: «كلا. ليس إلى هذه الدرجة.» ~~«ولم لا؟» # قال نك: «لا أدري.» # قال جورج: «هل ستذهبان يوما للتزلج في الولايات ~~المتحدة؟» # قال نك: «لا أدري.» # قال جورج: «الجبال ليست كثيرة.» # قال نك: «كلا. إنها صخرية بشدة. ويوجد بها الكثير من الأخشاب ~~وهي بعيدة للغاية.» # قال جورج: «أجل، تلك هي الحال في كاليفورنيا.» # قال نك: «أجل، تلك هي الحال في كل مكان ذهبت إليه.» # قال جورج: «أجل، تلك هي الحال.» # نهض الرجلان السويسريان ودفعا حسابهما وغادرا المكان. # قال جورج: ms065 «أتمنى لو أننا كنا سويسريين.» # قال نك: «إن جميعهم مصابون بتضخم في الغدة الدرقية.» # قال جورج: «لا أصدق هذا.» # قال نك: «ولا أنا.» # ضحكا. # قال جورج: «ربما لن نذهب للتزلج معا مرة أخرى يا نك.» # قال نك: «لا بد أن نذهب. إن الأمر لا يستحق إذا لم تتزلج ~~معي.» # قال جورج: «حسنا، سنذهب.» # صدق نك على كلامه قائلا: «لا بد لنا من ذلك.» # قال جورج: «أتمنى لو أننا نقطع وعدا على ذلك.» # نهض نك. زرر سترته الواقية من الرياح بإحكام. انحنى من فوق ~~جورج ورفع عصوي التزلج من مكانهما على الحائط. غرس إحدى ~~العصوين في الأرض. # تحدث قائلا: «ما من جدوى في قطع الوعود.» # فتحا الباب وخرجا. كان الجو شديد البرودة. أصبحت القشرة الثلجية ~~صلبة للغاية. كان الطريق يمتد إلى أعلى التل ثم إلى أشجار ~~الصنوبر. # أخذا الزلاجات من حيث كانت تستند على جدار النزل. ارتدى نك ~~قفازيه. كان جورج قد بدأ التحرك صاعدا على الطريق بالفعل، واضعا ~~زلاجتيه على كتفه. الآن، سيشرعان في رحلة التزلج إلى البيت ~~معا. # | الفصل الثالث عشر # سمعت صوت الطبول وهي تتقدم في الشارع، ثم جاء صوت النايات والمزامير ~~ثم انعطفوا عند الزاوية، وهم جميعا يرقصون. امتلأ الشارع بهم. رآه ~~مايرا ثم رأيته أنا. حين أوقفوا الموسيقى من أجل الراحة، جثا في الشارع ~~معهم جميعا، وحين بدءوها مجددا قفز لأعلى وراح يرقص في الشارع معهم. ~~بالتأكيد كان ثملا. # قال مايرا: الحق أنت به؛ فهو يكرهني. # لذا ذهبت ولحقت به وأمسكت به بينما كان جاثيا ينتظر انطلاق الموسيقى ~~وقلت: هيا يا لويس. ويحك لديك جولة مصارعة ثيران هذا العصر. لم يستمع ~~إلي، بل كان يتطلع بشدة لبدء الموسيقى. # قلت: لا تكن أحمق لعينا يا لويس. هيا لنعد أدراجنا إلى ~~الفندق. # بعد ذلك بدأت الموسيقى مجددا وقفز هو إلى الأعلى والتف مبتعدا ~~عني وبدأ في الرقص. أمسكت بذراعه لكنه أفلت مني وقال: دعني وشأني. أنت ~~لست بأبي. # عدت إلى الفندق وكان مايرا ينظر من الشرفة كي يرى ms066 إذا كنت سأعيده أم ~~لا. عاد إلى الداخل حين رآني، ونزل إلى الطابق السفلي وعلى وجهه علامات ~~الاشمئزاز. # قلت: حسنا، ما هو إلا مكسيكي همجي جاهل على أية حال. # قال مايرا: أجل، ومن سيقتل ثيرانه بعد أن يطيحوا به؟ # قلت: نحن على ما أعتقد. # قال مايرا: أجل، نحن. نحن من يقتل ثيران الهمج، وثيران السكيرين، ~~وثيران راقصي رقصة ريو-ريو. أجل، نحن من يقتلها. نحن من يقتلها ~~بالتأكيد. أجل. أجل. أجل. # أبي # حين أنظر إلى الأمر الآن، أعتقد أن أبي كان مقدرا له أن ~~يصبح رجلا بدينا؛ واحدا من هؤلاء الرجال البدناء القصار ~~المعتادين الذين تراهم دائما، لكنه لم يصبح كذلك قط إلا في ~~فترة قصيرة في أواخر حياته، ثم إن ذلك لم يكن خطأه؛ فقد كان يقفز ~~بالخيل فوق الحواجز فقط، وكان يستطيع أن يزداد وزنا في ذلك الوقت. ~~إنني أتذكر كيف كان يرتدي قميصا مطاطيا فوق قميصين رياضيين ~~وفوق ذلك كنزة ضخمة، ويأخذني كي أركض معه في شمس الضحى الحارة. كان ~~يقوم أحيانا بجولة تجريبية بإحدى خيول راتسو في الصباح الباكر بعد ~~العودة من تورينو في الرابعة صباحا، ثم يعود بها مسرعا إلى ~~الإسطبلات في عربة أجرة، وبعدها حين يكون الندى قد غطى كل شيء، ~~والشمس تبدأ لتوها في السطوع، كنت أساعده على خلع حذائه العالي ~~الرقبة، ويرتدي هو حذاء رياضيا، وكل هذه الملابس، ثم ~~ننطلق. # كان يقول وهو يقفز على أطراف أصابع قدميه إلى الأعلى والأسفل ~~أمام غرفة تبديل الملابس الخاصة بفرسان السباق: «هيا يا فتى! ~~لنتحرك.» # بعد ذلك، كنا نبدأ الجري ببطء حول الساحة الداخلية مرة تقريبا ~~يكون هو فيها متقدما ويجري بسلاسة، ثم كنا نخرج من البوابة إلى ~~أحد تلك الطرق التي تتفرع من سان سيرو التي تصطف فيها الأشجار ~~على الجانبين. كنت أسبقه حين نصبح على الطريق، وكنت أتمكن من ~~الجري جيدا وأنظر حولي فأراه يهرول بسلاسة خلفي تماما، وبعد برهة ~~أخرى عندما أنظر مجددا يكون قد بدأ في التعرق. كان يتعرق بغزارة، ~~غير أنه ms067 لم يكن يفتأ يثابر مثبتا عينيه على ظهري، لكن حين يراني ~~أنظر إليه كان يبتسم ابتسامة عريضة ويقول: «هل أتعرق بغزارة؟» وحين ~~كان أبي يبتسم هكذا، لم يكن بوسع أحد أن يفعل شيئا سوى أن يبتسم ~~مثله. كنا نواصل الركض باتجاه الجبال ثم يصيح أبي: «جو! تعال!» ~~وكنت أنظر خلفي فأراه يجلس تحت شجرة بمنشفة كان يحملها على خصره ~~وقد لفها حينئذ على رقبته. # كنت أعود وأجلس إلى جانبه، وكان هو يخرج حبلا من جيبه ويبدأ ~~في الوثب فوقه في الشمس بينما يسيل العرق على وجهه، وكان الحبل يثب ~~في الغبار الأبيض بينما يطقطق: طق، طق، طق، وتزداد الشمس سخونة، ~~ويزداد هو جدية في الوثب ذاهبا آيبا فوق رقعة من الطريق. لكم ~~كان من الممتع أن أرى أبي وهو يثب فوق الحبل! كان يستطيع أن يدير ~~الحبل بسرعة أو يثب فوقه ببطء ومهارة. يا إلهي، كان يجب أن ترى ~~الإيطاليين وهم ينظرون إلينا أحيانا حين كانوا يمرون بنا؛ إذ ~~يسيرون إلى المدينة إلى جانب ثيران بيضاء ضخمة تجر عرباتهم. لقد ~~كانوا بالتأكيد ينظرون إلينا كما لو أن أبي كان مخبولا. كان ~~يبدأ في الوثب بسرعة إلى أن يتوقفوا تماما ويشاهدوه، ثم يدفعون ~~الثيران إلى الحركة بالصراخ فيها ونخزها بالمهاميز ويتحركون ~~ثانية. # حين كنت أجلس أشاهده وهو يتمرن في الشمس الحارة، كنت أشعر ~~بالتأكيد أنني شديد الولع به. لقد كان مرحا بلا شك، وكان يؤدي ~~تمرينه بجد شديد وينهي بالوثب فوق الحبل بانتظام وسرعة مما ~~يجعل العرق يجري على وجهه كالمياه، ثم يعلق الحبل على الشجرة ~~ويأتي ليجلس بجواري ويميل مستندا على الشجرة، والكنزة والمنشفة ~~ملفوفتان حول رقبته. # كان يقول: «لا شك أن الحفاظ على الوزن أمر صعب للغاية يا جو.» ~~ثم يستند بظهره ثانية ويغمض عينيه ويأخذ أنفاسا طويلة وعميقة، ~~ويتابع قائلا: «ليس الأمر كما كنت شابا.» كان ينهض بعد ذلك ~~وقبل أن يبرد، كنا نجري عائدين إلى الإسطبلات. كانت تلك هي طريقته ~~في الحفاظ على وزنه. كان قلقا طوال ms068 الوقت. معظم فرسان السباق ~~يستطيعون أن يخسروا ما يريدونه من وزن بركوب الخيل. يخسر الفارس ~~قرابة الكيلوجرام من وزنه في كل مرة يركب فيها الخيل، لكن أبي ~~كان ضخما بعض الشيء ولم يكن بمقدوره أن يفقد ما يريده من وزن ~~دون كل ذلك الركض. # أتذكر ذات مرة في سان سيرو أن ريجولي، وهو إيطالي شاب، الذي ~~كان يعمل فارس سباق لحساب بوزوني قد خرج من ساحة تدريب الخيل ~~قاصدا الحانة ليشرب شيئا باردا، وكان ينقر حذاءه بسوطه بعد أن ~~وزن نفسه للتو، وكان أبي قد وزن نفسه للتو أيضا وخرج حاملا السرج ~~تحت ذراعه، وقد بدا محمر الوجه ومتعبا، وأضخم من الملابس التي ~~يرتديها، ووقف هناك ينظر إلى ريجولي الشاب وهو يقف على الباب ~~الخارجي للحانة هادئا ونشيطا. تحدثت إليه قائلا: «ما الخطب يا ~~أبي؟» ذلك أنني قد ظننت أن ريجولي ربما قد اصطدم به أو شيئا من ~~هذا القبيل، لكنه لم يفعل شيئا سوى أن راح ينظر إلى ريجولي وقال: ~~«أوه، اللعنة على ذلك.» وتوجه إلى غرفة تغيير الملابس. # حسنا، ربما كان سيصبح الأمر على ما يرام إن كنا قد أقمنا في ~~ميلانو وشاركنا في سباقات الخيل في ميلانو وتورينو؛ ذلك أنه إذا ~~كان هناك أية مضامير يسهل التسابق فيها، فهي في هذين المكانين. ~~«تماما كالعزف على البيانولا يا جو.» كان هذا هو ما قاله أبي حين ~~نزل عن فرسه في حجيرة الفوز بعد سباق الحواجز الذي رأى الإيطاليون ~~أنه سباق رائع. سألته ذات مرة، فقال: «التسابق في هذا المضمار سهل ~~للغاية. أهم ما في الأمر هو الوتيرة التي تسير بها، ذلك هو ما يجعل ~~قفز الحواجز خطيرا يا جو. إننا لن نسير بأي وتيرة سريعة هنا، كما ~~أن الحواجز ليست بالحواجز الخطيرة أيضا. غير أن الوتيرة هي ما ~~يسبب المتاعب دوما، لا الحواجز.» # كان مضمار سان سيرو هو أروع مضمار رأيته، لكن أبي كان يقول ~~إن حياتنا مملة للغاية؛ إذ كنا نتردد ذهابا وإيابا بين ~~ميرافيوري وسان سيرو ms069 ونركب الخيل كل يوم تقريبا ونركب القطار كل ~~ليلتين. # كنت مهووسا بالخيول أيضا. ثمة شيء مميز فيها حين تخرج وتتجه ~~إلى مواقعها في المضمار. إنها تبدو رشيقة تتراقص بينما يمسك ~~الفرسان بزمامها بإحكام أو ربما يرخونه قليلا ليسمحوا لها بالجري ~~بعض الشيء وهي تتجه إلى مواقعها. وحين تصبح عند الحاجز، كان ذلك ~~هو أكثر ما يأسرني. لا سيما في سان سيرو حيث الميدان الأخضر ~~الكبير والجبال البعيدة وذلك الإيطالي البدين الذي يصدر إشارة ~~البدء وهو يحمل سوطه الكبير والفرسان يتحركون بها قليلا، ثم ينفتح ~~الحاجز ويدق الجرس، وتنطلق جميعها معا، ثم تبدأ في التباعد بعضها ~~عن بعض. أنت تعرف كيف تنطلق مجموعة من الخيول. إذا كنت في منصة ~~المتفرجين تراقب الأمر بمنظارك، فكل ما تراه هو اندفاعها بسرعة ~~ثم ينطلق ذلك الجرس ويبدو الأمر كما لو أنه يدق لألف عام، ثم ~~تستدير حول المنعطف. لم أر شيئا كهذا على الإطلاق. # غير أن أبي قال ذات يوم في غرفة تغيير الملابس بينما كان يرتدي ~~ملابسه العادية: «ليست هذه بخيول يا جو. إن مثل هذه الأحصنة ~~الهرمة كانت لتقتل في باريس لجلودها وحوافرها.» كان ذلك هو اليوم ~~الذي فاز فيه بجائزة بريميو كوميرتشو إذ دفع بفرسته لانتورنا في ~~آخر مائة متر إلى خارج الميدان مثلما تندفع الفلينة من ~~الزجاجة. # بعد بريميو كوميرتشو مباشرة، توقفنا عن المشاركة في أي نشاط ~~وغادرنا إيطاليا. كان أبي وهوربروك وإيطالي بدين، كان يرتدي ~~قبعة من القش وظل يمسح وجهه بمنديل، يتجادلون في مقهى ~~بالجاليريا. كانوا جميعا يتحدثون بالفرنسية، وكان الرجلان يريدان ~~شيئا من أبي. وفي النهاية توقف أبي عن الكلام وجلس هناك ينظر إلى ~~هولبروك، وظل الاثنان يحاصرانه بالكلام، يتكلم أحدهما أولا ثم ~~يتكلم الآخر، وكان الإيطالي البدين يقاطع هولبروك دائما. # تحدث أبي قائلا: «هلا خرجت وابتعت لي نسخة من جريدة «ذا ~~سبورتسمان» يا جو؟» وأعطاني عملتي سولدو دون أن يحول نظره عن ~~هولبروك. # وهكذا خرجت من الجاليريا وسرت إلى أن وصلت أمام دار أوبرا سكالا ~~وابتعت ms070 الجريدة، وعدت ووقفت بعيدا بعض الشيء؛ لأنني لم أشأ أن ~~أقاطعهم. كان أبي يجلس مسندا ظهره في مقعده ينظر إلى قهوته في ~~الأسفل ويعبث بملعقة، وكان هولبروك والإيطالي البدين واقفين، وكان ~~الإيطالي البدين يمسح وجهه ويهز رأسه. دخلت وتصرف أبي وكأن ~~الرجلين لا يقفان هناك وقال: «أتريد آيس كريم، يا جو؟» نظر ~~هولبروك إلى أبي وقال ببطء وتمعن: «يا حقير!» وخرج هو والإيطالي ~~البدين من بين الطاولات. # جلس أبي هناك وابتسم لي بعض الشيء، لكن وجهه كان شاحبا، وبدا ~~سقيما للغاية، وكنت أنا خائفا وشعرت بالغثيان بداخلي؛ لأنني ~~كنت أعرف أن شيئا ما قد حدث، ولم أتخيل أن أحدا قد يصف أبي ~~بأنه حقير وينجو بفعلته. فتح أبي جريدة «ذا سبورتسمان»، وراح ~~يقرأ عن سباقات الخيل لبعض الوقت ثم قال: «عليك أن تتحمل الكثير من ~~الأمور في هذا العالم يا جو.» وبعد ذلك بثلاثة أيام، غادرنا ميلانو ~~إلى الأبد في قطار تورينو المتجه إلى باريس، بعد إقامة مزاد أمام ~~إسطبلات تيرنر بعنا فيه كل ما لم نستطع حمله في صندوق ~~وحقيبة. # وصلنا إلى باريس في الصباح الباكر في محطة طويلة وقذرة، أخبرني ~~أبي بأنها محطة ليون. كانت باريس مدينة كبيرة للغاية مقارنة ~~بميلانو. في ميلانو، يبدو لك أن كل فرد يتجه إلى مكان ما وأن ~~عربات الترام تذهب إلى وجهة ما، وليس هناك أي نوع من أنواع ~~التخبط، أما باريس فتعمها الفوضى وهم لا ينهونها أبدا. غير ~~أنني قد أحببتها، أحببت جزءا منها على أية حال؛ ذلك أن بها ~~أفضل مضامير السباقات في العالم. يبدو أنها كانت هي ما يملأ ~~المدينة بالحيوية والحركة، والشيء الوحيد الذي يمكنك أن تعول ~~عليه هو أن الحافلات تسير كل يوم على خطها المقرر، مارة بكل ~~الأماكن التي يجب أن تذهب إليها في مسارها. لم أتمكن قط من معرفة ~~باريس جيدا؛ إذ إنني كنت آتي إليها من ميزون مع أبي تقريبا مرة ~~في الأسبوع أو مرتين، وكان هو دائما يجلس على مقهى كافيه دي لا ms071 ~~بيه على جانب الأوبرا مع مجموعة من أصدقائه من ميزون، وأعتقد أن ~~تلك المنطقة من أكثر مناطق المدينة ازدحاما. بالرغم من ذلك، فلا ~~بد لي من القول إنه من الغريب أن مدينة كبيرة مثل باريس لا يوجد ~~بها مركز تجاري مثل الجاليريا، أليس كذلك؟ # حسنا، لقد ذهبنا لنعيش في ميزون-لافيت، حيث كان يعيش جميع ~~أصدقائنا ما عدا المجموعة التي كانت تعيش في شانتيي، وقد كنا ~~نعيش مع امرأة تدعى السيدة مايرز وكانت تدير نزلا. تكاد تكون ~~ميزون هي أروع مكان للعيش رأيته في حياتي. ليست المدينة بالشيء ~~الكثير، لكن بها بحيرة وغابة رائعة كنا نتسكع فيها طوال اليوم، أنا ~~وبعض الفتيان، وقد صنع لي أبي مقلاعا أصبنا به العديد من ~~الأشياء، لكن أفضلها كان طائر عقعق. وفي أحد الأيام، أصاب به ~~دك أتكينسون الصغير أرنبا ووضعناه تحت شجرة وكنا جميعا نجلس ~~حوله، وكان لدى دك بعض السجائر، وفجأة قفز الأرنب وأسرع إلى ~~الأجمات وطاردناه، لكننا لم نتمكن من العثور عليه. لكم حظينا ~~بالمرح في ميزون. كانت السيدة مايرز تعطيني الغداء في الصباح وكنت ~~أقضي طوال النهار خارج المنزل. تعلمت أن أتحدث الفرنسية بسرعة. ~~إنها لغة سهلة. # فور أن وصلنا إلى ميزون، كتب أبي إلى ميلانو للحصول على رخصته، ~~وظل يشعر بقلق بالغ إلى أن حصل عليها. كان يجلس مع مجموعة أصدقائه ~~على مقهى كافيه دي باري في ميزون، وكان هناك الكثير من الرجال ~~الذين تعرف إليهم حين كان يشترك في سباقات الخيل في باريس قبل ~~الحرب، يعيشون في ميزون، وكان هناك الكثير من الوقت للجلوس؛ إذ ~~إن عمل فارسي السباق في إسطبلات السباق ينتهي كله في التاسعة ~~صباحا؛ فهم يأخذون المجموعة الأولى من الخيول لكي يعدوا بها في ~~الخامسة والنصف صباحا، ثم يأخذون المجموعة الثانية في الثامنة ~~صباحا. وهذا يعني الاستيقاظ في موعد مبكر للغاية والنوم مبكرا ~~أيضا. وإذا كان أحد فارسي السباق يتسابق لحساب شخص آخر، فهو لا ~~يستطيع الإسراف في شرب الخمر لأن المدرب يراقبه دوما إذا كان ms072 ~~صغيرا، وإن لم يكن صغيرا، فعليه أن يراقب نفسه دوما؛ لذا فحين ~~لا يكون لدى فارس السباق من عمل يؤديه يجلس في معظم الأحيان على ~~مقهى كافيه دي باري مع أصدقائه، ويقضون معا نحو ساعتين أو ثلاث ~~يحتسون مشروبا كنبيذ فيرموث مع ماء الصودا ويتحدثون ويقصون ~~الحكايات ويلعبون البلياردو ويبدو الأمر وكأنهم في ناد أو في ~~الجاليريا في ميلانو. غير أن ذلك لا يشبه الجاليريا حقا؛ ~~لأن هناك الجميع يتجولون طوال الوقت، والجميع يجلسون حول ~~الطاولات أيضا. # حسنا، حصل أبي على رخصته بالفعل. لقد أرسلوها إليه دون عناء، ~~واشترك في بضعة سباقات. كان ذلك في مدينة أميان في شمال البلاد وما ~~إلى ذلك، لكنه لم يحصل على عمل ثابت. كان الجميع يحبونه، وكنت ~~كلما أتيت إلى المقهى في وقت الضحى وجدت شخصا يشاركه الشراب ~~لأن أبي لم يكن صارما كمعظم فرسان السباق الذين جنوا أول ~~دولار لهم من المشاركة في سباقات الفروسية في المعرض العالمي في ~~سانت لويس في عام 1904. هذا ما كان أبي يقوله حين يمازح جورج ~~بيرنز. بالرغم من ذلك، يبدو أن الجميع قد تجنبوا إشراك أبي في ~~أي من السباقات. # كنا نذهب كل يوم بالسيارة من ميزون إلى حيث يذهبون، وقد كان ذلك ~~هو الجانب الأكثر إمتاعا على الإطلاق. كنت سعيدا بعودة الخيول من ~~دوفيل وكنت سعيدا بالصيف أيضا، بالرغم من أن ذلك كان يعني ~~التوقف عن التسكع في الغابة؛ إذ إننا كنا سنركب إلى أونجن أو ~~ترومبلي أو سان كلو ونشاهدها من منصة المدربين وفرسان السباق. ~~لقد تعلمت الكثير عن سباقات الخيول بالفعل من الذهاب مع تلك ~~المجموعة من الأصدقاء، وأمتع ما في الأمر أننا كنا نخرج كل ~~يوم. # أتذكر إحدى المرات التي كنا فيها في سان كلو. كان سباقا ~~كبيرا بقيمة مائتي ألف فرنك وسبع خيول كان المتوقع فوزه منها ~~هو كزار. ذهبت إلى ساحات التدريب كي أرى الخيول مع أبي، وقد كانت ~~خيولا لم ير مثلها. كان كزار هذا فرسا ضخما رائعا أصفر اللون ms073 ~~وكان يبدو وكأنه قد ولد للسباق فحسب. لم أر فرسا مثله قط. كان ~~يقاد فيما بين ساحات التدريب ورأسه للأسفل وحين مر بي اهتزت له ~~روحي؛ إذ كان جميلا للغاية. لم يوجد من قبل فرس بهذه الروعة ~~والرشاقة وتلك البنية المثالية للسباق. وقد سار في ساحة التدريب ~~يخطو بقدميه بهدوء وحرص، ويتحرك بسلاسة كأنه يعرف ما عليه أن ~~يفعله تماما؛ فلم يكن يتحرك باندفاع أو يقف على ساقيه بعينين ~~جامحتين مثلما تفعل تلك الخيول الرديئة المحقونة بالمواد المخدرة. ~~كان الجمهور غفيرا حتى إنني لم أتمكن من رؤيته ثانية فيما عدا ~~سيقانه وهو يركض وأجزاء من جسده الأصفر. شق أبي طريقه من بين الحشد ~~وتبعته إلى غرفة تغيير الملابس لفرسان السباق في الخلف بين ~~الأشجار، وقد كان هناك حشد كبير أيضا، لكن الرجل الذي كان ~~يرتدي قبعة مستديرة ويقف على الباب أومأ برأسه تحية إلى أبي وسمح ~~لنا بالدخول، وكان الجميع هناك يرتدون ملابسهم ويدخلون القمصان من ~~فوق رءوسهم ويرتدون الأحذية العالية الرقبة وكان الجو حارا ~~وتنتشر فيه رائحة العرق وزيوت التدليك، وكان الجمهور يراقب ما ~~يحدث. # سار أبي وجلس بجوار جورج جاردنر الذي كان يرتدي سرواله وقال: «ما ~~النبأ يا جورج؟» قال ذلك بنبرة عادية تماما؛ إذ إنه ما من فائدة ~~في ترقب الأجواء؛ فإما أن جورج يستطيع أن يخبره، وإما أنه لا ~~يستطيع. # تحدث جورج بصوت خفيض للغاية وقد انحنى يزرر الجزء السفلي من ~~سروال الركوب، وقال: «لن يفوز.» # تحدث أبي وهو يميل بالقرب منه كي لا يسمعه أحد وقال: «ومن ~~سيفوز؟» # قال جورج: «كيركابن، وإذا فاز، فلتحتفظ لي ببعض التذاكر.» # قال أبي لجورج شيئا بصوته المعتاد، وقال جورج بنبرة تنم عن ~~المزاح: «لا تراهن أبدا على أي شيء أخبرك به.» وانطلقنا إلى ~~الخارج مرورا بالجمهور الذي كان يراقب ما يحدث واتجهنا إلى آلة ~~تسجيل المراهنات من فئة 100 فرنك. غير أنني كنت أعرف أن شيئا ~~كبيرا سيحدث إذ إن جورج هو الذي سيتسابق بكزار. توقف أبي في ~~الطريق ms074 وحصل على واحدة من نشرات الرهان الصفراء التي كان مدونا ~~فيها النسب الأولية للرهان وكان كزار بنسبة 5 إلى 10 فحسب، وكان ~~يليه في ذلك سيفيسيدوت بنسبة 3 إلى 1، وكان الخامس في القائمة هو ~~كيركابن بنسبة 8 إلى 1. راهن أبي بخمسة آلاف على فوز كيركابن وأضاف ~~ألفا على الترتيب، وسرنا حول المدرج المسقوف من الخلف لكي نصعد ~~الدرج ونتخذ مكانا لمشاهدة السباق. # كان المكان مكتظا للغاية، وفي البداية تقدم رجل يرتدي ~~معطفا طويلا وقبعة رمادية عالية ويحمل سوطا مثنيا في يده، ~~ثم خرجت الخيول واحدة بعد الأخرى وعلى ظهر كل منها فارس وصبي من ~~صبيان الإسطبل على كل جانب من جانبيها يمسك بلجام كل منها ويسير ~~معها، وهذه المجموعة بأكملها كانت تتبع الرجل العجوز. ظهر الحصان ~~الأصفر الضخم كزار أولا. لم يكن يبدو ضخما جدا حين تنظر إليه ~~في البداية حتى ترى طول سيقانه وبنيته بأكملها وكذلك الطريقة ~~التي يتحرك بها. يا إلهي! لم أر حصانا مثله من قبل. كان جورج ~~جاردنر يمتطيه، وراحا يتحركان ببطء خلف الرجل العجوز الذي كان ~~يرتدي قبعة رمادية عالية ويسير وكأنه مدير حلبة في السيرك. خلف ~~كزار الذي كان يسير الهوينا بصفرته في الشمس، كان هناك حصان أسود ~~جيد البنية له رأس جميل يركبه تومي آرتشيبولد، وبعد الحصان ~~الأسود كانت هناك مجموعة من خمس خيول تتحرك جميعها ببطء في ~~تتابع وتمر بالمدرج المسقوف ومنطقة الوزن. قال أبي إن الحصان ~~الأسود هو كيركابن فدققت النظر فيه، وقد كان جميلا بالفعل، لكنه ~~لم يكن يقارن بكزار على الإطلاق. # هلل الجميع لكزار حين مر، وقد كان فرسا في غاية الروعة بكل ~~تأكيد. سارت مجموعة الخيول حول المرج ثم عادت تقترب من نهاية ~~مضمار السباق، وطلب رئيس السيرك من صبيان الإسطبل أن يتركوا ~~الخيول واحدة بعد الأخرى كي تتمكن من العدو بجوار المدرج في ~~طريقها لمكان الانطلاق ويتمكن الجميع من رؤيتها جيدا. لم يكد ~~يمر أي وقت على الإطلاق بعد أن وصلت إلى مكان الانطلاق حتى دق ~~الناقوس ms075 وكانت الخيول قد انطلقت من مواقعها، وكان يمكنك أن تراها ~~بعيدا عبر المضمار تبدأ في الجري معا عند الدوران الأول كمجموعة ~~من الخيول الخشبية الصغيرة. كنت أراقبها بالمنظار وكان كزار ~~متأخرا بعض الشيء، بينما كان يتقدم السباق إحدى الخيول ذات اللون ~~البني المحمر. راحت الخيول تندفع وتستدير وعادت وهي تدق الأرض ~~دقا وكان كزار متأخرا للغاية حين مرت الخيول بنا، بينما كان ~~كيركابن هذا في المقدمة يجري بسلاسة. يا إلهي! إنه لأمر مهيب حين ~~تمر بك ثم يكون عليك أن تشاهدها وهي تبتعد وتغدو أصغر فأصغر ثم ~~تتجمع عند المنعطفات ثم تستدير باتجاه آخر جزء مستقيم من المضمار ~~وأنت تشعر أنك تريد أن تسب وتلعن وتزداد رغبتك في ذلك أكثر فأكثر. ~~وأخيرا، عبرت المنعطف الأخير ووصلت إلى الجزء المستقيم وكان ~~كيركابن يسبق بعيدا في المقدمة. بدا الجميع في هيئة غريبة وكانوا ~~جميعا يرددون: «كزار» بشيء من الاستهجان، ثم اقتربت الخيول وهي ~~تدق الأرض بالقرب من الجزء المستقيم الأخير، ثم برز شيء من بين ~~المجموعة في منظاري، جزء من حصان أصفر الرأس وبدأ الجميع يصيحون: ~~«كزار» وكأنهم مجانين. أتى كزار أسرع من أي شيء رأيته في حياتي، ~~واقترب من كيركابن الذي كان يجري بأقصى سرعة قد يجري بها حصان أسود ~~مع ضرب الفارس له بالمنخاس ضربا مبرحا، وقد كادا أن يكونا ~~متحاذيين للحظة ثم بدا كزار وكأنه يجري بضعف السرعة بتلك ~~القفزات الكبيرة وذلك الرأس المرفوع، لكن حين صارا ندين كانا ~~قد عبرا خط النهاية وحين ظهرت الأرقام في أماكنها كان الحصان رقم ~~2 في المركز الأول مما كان يعني أن كيركابن قد فاز. # راح جسمي كله يرتجف وشعرت بشيء من الإعياء، ثم حشرنا جميعا مع ~~الناس عند نزول الدرج للوقوف أمام اللوحة حيث كانوا سيعرضون ما ~~حققه كيركابن. والحق أنني كنت قد نسيت في أثناء مشاهدة السباق ~~ذلك المال الكثير الذي راهن به أبي على كيركابن. كنت أرغب بشدة في ~~فوز كزار. أما الآن وقد انتهى كل شيء، فقد كان ms076 من الرائع أن أعرف ~~أننا قد حظينا بالفائز. # قلت لأبي: «كان سباقا رائعا يا أبي، أليس كذلك؟» # نظر إلي بتعبير طريف بعض الشيء وقبعته المستديرة على ظهر رأسه، ~~وقال: «جورج جاردنر فارس سباق رائع بالتأكيد. من المؤكد أن ~~منع ذلك الحصان كزار من الفوز كان يستلزم فارسا بارعا.» # لقد كنت أعرف أن في الأمر شيئا غريبا طوال الوقت، لكن قول ~~أبي لذلك صراحة بهذا اليقين قد سلب مني كل متعة ولم أشعر بتلك ~~المتعة الحقيقية بعد ذلك قط، حتى حينما عرضوا الأرقام على ~~اللوحة ورن الجرس ورأينا أن أرباح كيركابن كانت 67,50 لكل 10. ~~كان جميع المحيطين يقولون: «مسكين كزار! مسكين كزار!» أما أنا فقد ~~كنت أتمنى لو أنني كنت فارس سباق وسابقت بكزار بدلا من ذلك ~~الحقير. وقد كان من الغريب أن أفكر في جورج جاردنر على أنه ~~حقير؛ إذ إنني كنت أحبه، ثم إنه قد أخبرنا بالفائز، لكنني أعتقد ~~أن تلك هي حقيقته على أية حال. # جنى أبي الكثير من المال من وراء ذلك السباق وصار يزور باريس ~~كثيرا. حين كانوا يتسابقون في ترومبلي، كان يطلب منهم أن يوصلوه ~~إلى باريس في طريق عودتهم إلى ميزون وكنا نجلس أنا وهو في الخارج ~~على مقهى كافيه دي لا بيه ونشاهد الناس وهم يمرون. الجلوس هناك ~~أمر مسل؛ فهناك تمر حشود من الناس ويأتي إليك أنواع شتى من ~~الناس يحاولون أن يبيعوا لك بعض الأغراض، وقد كنت أحب الجلوس هناك ~~مع أبي. كان ذلك هو أكثر وقت نستمتع فيه. كان يمر بنا رجال يبيعون ~~أرانب مضحكة تقفز حين تضغط أنت على زر، وكانوا يأتون إلينا ~~ويمازحهم أبي. كان أبي يتقن الفرنسية إتقانه للإنجليزية وكان ~~جميع هؤلاء الرجال يعرفونه؛ فمن السهل دوما تمييز فارس السباق، ~~ثم إننا كنا نجلس على الطاولة نفسها دوما، وقد اعتادوا على ~~رؤيتنا هناك. كان هناك رجال يبيعون صحف الزواج وفتيات يبعن بيضا ~~مطاطيا، كنت إذا ضغطت على الواحدة منها يخرج منها ديك، وكان هناك ~~رجل هزيل جدا ms077 يبيع بطاقات بريدية لباريس ويعرضها على الجميع، ~~ولم يكن أحد يشتري أيا منها بالطبع، ثم كان يعود ويريهم الجانب ~~السفلي من البطاقات فيتضح أنها بطاقات بذيئة، وكان الكثير من ~~الأشخاص يقبلون على شرائها. # يا إلهي! إنني أتذكر الأشخاص المرحين الذين كانوا يمرون بنا. كان ~~هناك فتيات يأتين في وقت العشاء بحثا عن رجل يرافقهن ويدعوهن إلى ~~الطعام، وكن يتحدثن إلى أبي الذي كان يمازحهن بالفرنسية وكن ~~يربتن على رأسي ثم يمضين. وذات مرة، كانت هناك سيدة أمريكية تجلس ~~مع ابنتها على الطاولة المجاورة لنا وتأكلان الآيس كريم، وقد ظللت ~~أنظر إلى الفتاة وقد كانت رائعة الجمال وابتسمت إليها وابتسمت ~~إلي لكن ذلك هو كل ما آل إليه الأمر؛ إذ إنني ظللت أترقبها ~~هي وأمها كل يوم، وخططت لكي أتحدث إليها، ورحت أفكر فيما إذا ~~كانت أمها ستسمح لي باصطحابها إلى أوتوي أو ترومبلي بعد أن أتعرف ~~عليها، لكنني لم أر أيا منهما مجددا. حسنا، أعتقد أن الأمر ~~ما كان ليفلح على أية حال؛ إذ إنني حين أفكر في الأمر الآن ~~أتذكر أن الطريقة التي ظننت أنها الأفضل في الحديث إليها هي أن ~~أقول لها: «اعذريني، لكن هل لي أن أقدم لك رهانا رابحا في ~~أونجن اليوم؟» وبالرغم من كل شيء ربما كانت لتحسبني بائعا لتذاكر ~~الرهان، فليس هناك من أحد يحاول حقا أن يقدم لها رهانا ~~رابحا. # كنا نجلس في كافيه دي لا بيه، أنا وأبي، وكان لنا تأثير كبير ~~على النادل؛ إذ كان أبي يشرب الويسكي الذي كان ثمن الكأس منه خمسة ~~فرنكات مما كان يعني إكرامية جيدة عند حساب عدد الكئوس. كان أبي ~~يشرب أكثر مما رأيته قبل ذلك على الإطلاق، لكنه لم يكن يمتطي ~~خيولا على الإطلاق آنذاك، ثم إنه قال إن الويسكي يساعده على ~~إنقاص وزنه. غير أنني قد لاحظت أن وزنه كان يزداد في حقيقة ~~الأمر. كان قد ابتعد عن أصدقائه القدامى في ميزون، وبدا أنه يستمتع ~~بالجلوس فحسب في الشارع معي. بالرغم من ذلك، ms078 فقد كان ينفق الكثير ~~من المال في السباق كل يوم. كان يبدو عليه الحزن بعض الشيء بعد آخر ~~سباق إذ كان قد خسر في ذلك اليوم، إلى أن نصل إلى طاولتنا ثم ~~يتناول أول مشروب له من الويسكي ثم يصبح على ما يرام. # كان يقرأ جريدة «باري سبور» ثم ينظر إلي قائلا: «أين فتاتك يا ~~جو؟» ليمازحني بشأن ما قلته له عن الفتاة التي كانت تجلس في ذلك ~~اليوم على الطاولة المجاورة. وكان ذلك يجعل وجهي يحمر خجلا، ~~لكنني كنت أحب أن يمازحني بشأنها. كان ذلك يمنحني شعورا جيدا. ~~كان يقول: «استمر في البحث عنها يا جو؛ فهي سوف تعود.» # كان يسألني بعض الأسئلة عن بعض الأشياء، وكان يضحك لبعض الأشياء ~~التي أخبره بها. بعد ذلك، كان يبدأ هو في الحديث. كان يتحدث عن ~~ركوب الخيل في مصر أو في سان موريتس على الجليد قبل أن تفارق أمي ~~الحياة، وعن وقت الحرب حين كانوا يعقدون سباقات منتظمة في جنوب ~~فرنسا دون نقود ولا رهان ولا جمهور ولا أي شيء؛ للحفاظ على مستوى ~~الخيول فحسب. وكان يتحدث عن سباقات منتظمة يرهق فيها فرسان ~~السباق خيولهم بشدة. يا إلهي! كان يمكن أن أظل أستمع إلى أبي وهو ~~يتحدث لساعات، لا سيما حين يكون قد تناول كأسين أو نحو ذلك من ~~الويسكي. كان يخبرني عن طفولته في كنتاكي والذهاب لصيد الراكون، ~~وعن الأيام الخوالي في الولايات المتحدة قبل أن يفسد كل شيء هناك. ~~وكان يقول: «حين يصبح معنا مبلغ جيد من المال يا جو، ستعود إلى ~~الولايات المتحدة وتتلقى تعليمك.» # وكنت أسأله: «ولماذا أعود إلى هناك لأتلقى التعليم إذا كان كل ~~شيء فاسدا هناك؟» # وكان يجيب: «الأمر مختلف الآن.» ثم يدعو النادل كي يدفع ثمن ما ~~تناوله من الويسكي، ثم نركب سيارة أجرة إلى محطة سان لازار ونركب ~~القطار المتجه إلى ميزون. # ذات يوم في أوتوي بعد حضور سباق حواجز، ابتاع أبي الحصان الفائز ~~مقابل 30 ألف فرنك. كان عليه أن يزايد قليلا ms079 للحصول عليه، لكن ~~الإسطبل باعه له أخيرا وحصل أبي على رخصته واللباس الذي يمثل ~~به في غضون أسبوع. كم كنت فخورا بأبي حين أصبح مالكا لحصان. ~~رتب له أبي مكانا في الإسطبل الخاص بتشارلز دريك، وانقطع أبي عن ~~زيارة باريس، وبدأ جريه وتعرقه مجددا، وكنت أنا وهو فريق الإسطبل ~~بكامله. كان اسم حصاننا جيلفورد، وكان حصان قفز جميلا ورقيقا من ~~سلالة أيرلندية. تولى أبي تدريبه بنفسه وركوبه بنفسه أيضا، ~~معتقدا أن هذا كان استثمارا جيدا. كنت فخورا بكل شيء وكنت ~~أرى أن جيلفورد على القدر نفسه من البراعة التي كان يتمتع بها ~~كزار. كان حصانا جيدا بارعا في القفز، لونه بني محمر، يجري ~~بسرعة على الأرض المنبسطة إذا طلبت منه ذلك، وقد كان جميل الشكل ~~أيضا. # لكم كنت مولعا به! المرة الأولى التي سابق به فيها أبي، جاء في ~~المرتبة الثالثة في سباق حواجز لمسافة 2500 متر، وحين نزل عنه أبي ~~في مربط الخيل متعرقا وسعيدا، وذهب للوزن، كنت فخورا به كما لو ~~أنه كان أول سباق يشترك فيه على الإطلاق. القضية أنه حين يتوقف ~~رجل عن ركوب الخيل لفترة طويلة، فأنت لا تستطيع أن تصدق فعلا ~~أنه قد ركبها من قبل. أصبح الأمر كله مختلفا الآن؛ إذ إنه في ~~ميلانو، حتى السباقات الكبيرة لم يبد أنها كانت تشكل أي فرق ~~لدى أبي؛ فلم يكن يتحمس على الإطلاق إذا فاز، أما الآن فالوضع ~~مختلف حتى إنني لم أكن أخلد إلى النوم إلا قليلا في الليلة ~~السابقة على السباق، وكنت أعرف أن أبي متحمس أيضا، حتى وإن لم ~~يظهر ذلك. إن دخول السباق بنفسك وعلى حصان تملكه يشكل فرقا ~~هائلا. # المرة الثانية التي سابق فيها أبي وجيلفورد، كان يوم أحد مطيرا ~~في أوتوي، في سباق بري دي مارا، وهو سباق حواجز لمسافة 4500 متر. ~~فور أن انطلق، سارعت إلى المدرج بمنظاري الجديد الذي اشتراه لي ~~أبي كي أشاهدهما به. انطلقا من الطرف البعيد للمضمار، وقد كان ~~هناك مشكلة عند الحاجز؛ فثمة ms080 فرس كان يرتدي الغمامة الواقية قد ~~أحدث جلبة كبيرة وراح يشب فيما حوله، واصطدم بالحاجز مرة واحدة، ~~غير أنني استطعت أن أرى أبي في سترته السوداء وصليب أبيض وقلنسوة ~~سوداء يجلس بظهر منتصب على جيلفورد ويربت عليه بيده. بعد ذلك ~~اندفعوا قافزين ثم اختفوا من مجال البصر خلف الأشجار وكان ~~الناقوس يقرع بشدة وتقعقع نوافذ أكشاك الرهان وهي تغلق. يا ~~إلهي! لكم أثارني ذلك، وكنت خائفا من النظر إلى الخيول، لكنني ~~ثبت المنظار حيث كانت ستخرج من خلف الأشجار، وقد خرجت بعد ذلك ~~وظهرت السترة السوداء القديمة في المرتبة الثالثة، وكانت تقفز ~~جميعا فوق الحاجز وكأنها طيور. اختفت الخيول عن النظر ثانية بعد ~~ذلك، ثم جاءت تدق الأرض وهي تنزل من المنحدر، وقد كانت تسير ~~جميعها بسلاسة ونعومة، ثم اجتازت بسهولة السياج وأخذت تبتعد عنا ~~وقد تكدست معا وكأنها وحدة واحدة. كانت تبدو وكأنك تستطيع السير ~~على ظهورها؛ إذ كانت تسير متكتلة في مجموعة واحدة وبسلاسة شديدة. ~~قفزت بعد ذلك الحاجز الضخم المزدوج وسقط شيء. لم أستطع أن أرى من ~~سقط، لكن بعد لحظة واحدة نهض الفرس وراح يعدو حرا، أما البقية ~~فقد كانت لا تزال متكتلة معا وراحت تستدير مع المنعطف الأيسر ~~الطويل متجهة إلى المضمار المستقيم. قفزت الجدار الحجري ونزلت ~~عنه متكدسة إلى المضمار باتجاه الحاجز المائي الكبير أمام ~~المنصات. رأيتها تقترب وصحت إلى أبي وهو يمر، وقد كان يسبق بفرسه ~~في المقدمة ويتقدم عن الباقين بمسافة تعادل طول حصان، وينطلق ~~بخفة قرد وكان الجميع يتسابقون نحو الحاجز المائي. انطلقت الخيول ~~فوق سياج الحاجز المائي الكبير معا، ثم حدث تصادم وابتعد اثنان من ~~الخيول إلى الجانب واستمرا في العدو، وتكدست ثلاث خيول أخرى ~~فوق بعضها. لم أتمكن من رؤية أبي في أي مكان. استندت إحدى الخيول على ~~ركبتيها ونهضت بينما تمسك الفارس باللجام وركب عليها واندفع سعيا ~~للفوز بمركز جيد. كان الحصان الآخر يقف بمفرده بعيدا وهو يهز رأسه ~~بعنف ويعدو، بينما يتدلى منه زمام اللجام، وأخذ الفارس ms081 يترنح ~~إلى أحد جانبي المضمار أمام السياج. بعد ذلك ، تدحرج جيلفورد إلى ~~الجانب ونهض عن أبي وبدأ يجري على ثلاثة سيقان بينما كان حافره ~~الأمامي المخلوع يتدلى، ورقد أبي هناك على العشب مستلقيا ووجهه ~~إلى الأعلى والدم يغطي جانب رأسه. هبطت من المنصة جريا ~~واصطدمت بمجموعة من الناس ووصلت إلى السور وأمسك بي شرطي، واتجه ~~رجلان ضخمان من حاملي النقالات إلى أبي، وعلى الجانب الثاني من ~~المضمار رأيت ثلاث خيول تفصل بينها مسافة كبيرة، تظهر من خلف ~~الأشجار وتقفز من فوق الحاجز. # كان أبي ميتا حين أحضروه إلى الداخل، وبينما كان الطبيب يستمع ~~إلى ضربات قلبه بشيء يضعه في أذنيه، سمعت صوت طلقة أتى من ~~المضمار، وذلك كان يعني أنهم قد قتلوا جيلفورد. تمددت بجوار والدي ~~حين حملوا النقالة إلى غرفة المستشفى، وتمسكت بالنقالة ورحت أبكي ~~وأبكي، وكان هو يبدو شاحبا جدا ومغيبا وميتا بشكل بشع ~~للغاية، ولم أستطع أن أقاوم شعوري بأنه ربما ما كان عليهم أن ~~يطلقوا الرصاص على جيلفورد إذا كان أبي قد مات. ربما كان حافره ~~سيتحسن. لا أدري. لقد كنت أحب أبي حبا جما. # بعد ذلك جاء رجلان وربت أحدهما على ظهري ثم ذهب وألقى نظرة على ~~أبي، وسحب ملاءة من فوق السرير المتنقل وغطاه بها، بينما كان ~~الآخر يتحدث في الهاتف بالفرنسية ليطلب سيارة إسعاف تنقله إلى ~~ميزون. لم أستطع أن أتوقف عن البكاء؛ فقد أخذت أبكي، وأبكي، وأختنق ~~بالبكاء بعض الشيء، ودخل جورج جاردنر وجلس بجانبي على الأرض ووضع ~~ذراعه حولي وقال: «هيا يا جو. إنك فتى كبير. انهض وسوف نخرج ~~وننتظر سيارة الإسعاف.» # خرجت أنا وجورج إلى البوابة وكنت أحاول التوقف عن النحيب، ومسح ~~جورج وجهي بمنديله، ووقفنا إلى الخلف على مبعدة بعض الشيء بينما ~~كان الجمهور يخرج من البوابة، وتوقف رجلان بالقرب منا ونحن ننتظر ~~خروج الجمهور من البوابة وكان أحدهما يعد مجموعة من تذاكر المراهنة ~~وقال: «حسنا، لقد نال بتلر ما يستحقه بالفعل.» # تحدث الرجل الآخر قائلا: «أنا لا يهمني ms082 على الإطلاق ما حدث ~~لهذا النصاب. لقد جنى على نفسه بما كان يفعله.» # قال الرجل الآخر وهو يمزق مجموعة التذاكر إلى نصفين: «أعتقد ~~أن ذلك صحيح.» # ونظر إلي جورج جاردنر ليرى إذا كنت قد سمعت هذا أم لا، وكنت قد ~~سمعته بالفعل؛ فقال: «لا تستمع إلى هذين الأحمقين يا جو. لقد كان ~~أبوك رجلا رائعا.» # لكنني لا أدري. يبدو أن هؤلاء عندما ينخرطون في الكلام عن أحد، ~~لا يتركون شيئا فيه إلا ونالوا منه. # | الفصل الرابع عشر # رقد ماييرا ساكنا ورأسه بين ذراعيه، ووجهه في الرمال. شعر بالدفء ~~واللزوجة من النزيف. وكان يشعر بقرن الثور وهو يضربه في كل مرة. ~~أحيانا كان الثور يضربه برأسه فقط. وذات مرة اخترقه القرن تماما وقد ~~شعر به ينغرس في الرمال. أمسك أحدهم بالثور من ذيله. كانوا جميعا ~~يسبونه ويلعنونه ويلوحون بالرداء الأحمر في وجهه حتى ابتعد. حمل بعض ~~الرجال ماييرا وراحوا يجرون به باتجاه الحواجز وخرجوا به من البوابة ~~عبر الممر المحيط بالمدرج المسقوف من الأسفل واتجهوا به إلى المستشفى. ~~وضعوا ماييرا على سرير، وخرج أحد الرجال في طلب الطبيب، ووقف الآخرون ~~في أماكنهم. أتى الطبيب جريا من الإسطبل حيث كان يخيط جروح خيول ~~البيكادورات. اضطر إلى التوقف كي يغسل يديه. كان هناك صياح عظيم في ~~المدرج المسقوف بالأعلى. شعر ماييرا بأن كل شيء يصبح أكبر فأكبر، ثم ~~أصغر فأصغر. بعد ذلك، غدا كل شيء أكبر فأكبر، ثم أصغر فأصغر. بعد ذلك، ~~بدأ كل شيء يجري أسرع فأسرع، مثلما يكون الحال حين يسرعون وتيرة ~~شريط فيلم سينمائي. وبعد ذلك فارق الحياة. # نهر كبير ذو قلبين # الجزء الأول # مضى القطار على خط السكة الحديدية حتى توارى بعيدا عن مجال ~~البصر، مستديرا حول أحد التلال التي احترقت أشجارها. جلس نك على ~~حزمة قماش القنب والأغطية التي ألقاها عامل الأمتعة من باب عربة ~~الأمتعة. كانت البلدة قد اختفت كل معالمها، ولم يتبق منها سوى ~~السكة الحديدية والريف المحترق. الحانات الثلاث عشرة التي كانت ~~تصطف على الشارع ms083 الوحيد في سيني لم يتبق لها أثر. وبرزت أساسات ~~فندق مانشن هاوس من فوق الأرض. كانت الحجارة قد تكسرت وتشققت بفعل ~~النيران. كان ذلك هو كل ما تبقى من بلدة سيني. وحتى سطح الأرض كان ~~محترقا. # تطلع نك إلى الطريق المحترق على جانب التل حيث كان يتوقع أن يرى ~~منازل البلدة المتناثرة، ثم سار على قضبان السكة الحديدية إلى ~~الجسر الذي يمر فوق النهر. كان النهر هناك. وقد كانت تتشكل دوامات ~~حول دعائم الجسر المصنوعة من جذوع الأشجار. نظر نك في المياه ~~الصافية التي انعكس عليها لون القاع البني المغطى بالحصى، وشاهد ~~أسماك السلمون المرقطة تحافظ على ثباتها في التيار بخفقان زعانفها. ~~وبينما كان يشاهدها، راحت تغير مواقعها بزوايا سريعة وقد كان ~~ذلك لكي تحافظ على ثباتها في المياه السريعة من جديد. أخذ نك ~~يراقبها لفترة طويلة. # راقبها وهي تحافظ على ثباتها وأنوفها في التيار، ورأى الكثير ~~منها في المياه العميقة سريعة الحركة، وقد بدت مشوهة بعض ~~الشيء؛ إذ كان ينظر بعيدا إلى القاع عبر السطح البلوري المحدب ~~للمياه، السطح الذي راح يندفع وينتفخ بسلاسة في وجه أكوام الجذوع ~~الخاصة بالجسر. في قاع النهر، كانت هناك أسماك السلمون المرقطة ~~الكبيرة. لم يرها نك في البداية. رآها بعد ذلك في قاع النهر، ~~أسماك كبيرة تحافظ على ثباتها على القاع الحصوي في غشاوة ~~متحركة من الرمال والحصى، يثيرها التيار على دفقات ~~متقطعة. # نظر نك إلى النهر في الأسفل من فوق الجسر. كان يوما حارا. ~~طار أحد طيور الرفراف أعلى التيار. مضى وقت طويل منذ أن نظر نك ~~إلى مجرى نهر ورأى أسماك السلمون المرقطة. كانت رؤيتها تمنحه شعورا ~~كبيرا بالرضا. وبينما راح ظل طائر الرفراف يتحرك أعلى النهر، ~~اندفعت سمكة سلمون كبيرة إلى أعلى التيار في زاوية طويلة، ولم يكن ~~سوى ظلها هو الذي يحدد الزاوية، ثم تلاشى ظلها حين وصلت ~~إلى سطح المياه وسقطت عليها الشمس، وحين عادت إلى التيار تحت ~~السطح، بدا أن ظلها يطفو في النهر مع التيار، واتجهت ms084 دون ~~مقاومة لموقعها تحت الجسر حيث صمدت في مواجهة التيار. # خفق قلب نك حين تحركت سمكة السلمون. عاوده ذلك الشعور ~~القديم كاملا. # التفت ونظر إلى مجرى النهر. كان يمتد بعيدا، يغطي قاعه ~~الحصى وبه مناطق من المياه الضحلة وجلاميد صخرية كبيرة، وحوض ~~عميق حيث كان ينعطف حول سفح جرف. # سار نك عائدا إلى عوارض الربط حيث كانت حقيبته ترقد بين الرماد ~~بجوار قضبان السكة الحديدية. كان سعيدا. عدل وضع أحزمة الحقيبة ~~حول حزمة الأمتعة، وأحكم شد الأربطة، وعلق الحقيبة على ظهره ~~ثم مرر ذراعيه عبر حزامي الكتفين وخفف من عبء الحمل على ~~كتفيه بعض الشيء بأن مال بجبينه للأمام وشد الحزام العريض ~~للحقيبة إلى رأسه. بالرغم من ذلك، كانت لا تزال ثقيلة. كانت ثقيلة ~~للغاية. كان يمسك بحقيبة الصنارة الجلدية في يده ويميل إلى ~~الأمام كي يظل حمل الحقيبة على أعلى كتفيه، وسار على الطريق ~~الموازي لقضبان السكة الحديدية مخلفا وراءه المدينة المحترقة ~~في الحر، ثم انعطف حول تل، على جانبيه تلان عاليان قد شوهتهما ~~النيران، متجها إلى طريق كان يؤدي إلى الريف. سار على الطريق ~~وهو يشعر بالألم من حمل الحقيبة الثقيلة. كان الطريق يتجه إلى أعلى ~~بوتيرة ثابتة. كان صعود التل شاقا. كانت عضلاته تؤلمه وكان ~~اليوم حارا، لكن نك كان سعيدا. شعر بأنه قد ترك كل شيء ~~خلفه؛ الحاجة إلى التفكير، والحاجة إلى الكتابة، واحتياجات أخرى. ~~كلها كانت خلفه. # منذ أن نزل من القطار وألقى عامل الأمتعة حقيبته من باب العربة ~~المفتوح، اختلفت الأمور. كانت سيني محترقة والريف قد احترق ~~وتغير، لكن ذلك لم يكن مهما. لا يمكن أن يكون قد احترق كل ~~شيء. كان يعرف ذلك. راح يسير على الطريق وهو يتعرق في الشمس ويتسلق ~~كي يعبر سلسلة التلال التي كانت تفصل السكة الحديدية عن سهول ~~الصنوبر. # امتد الطريق، منخفضا في بعض الأحيان، لكنه كان صاعدا إلى أعلى ~~على وجه العموم. استمر نك في الصعود. وأخيرا بلغ الطريق ~~قمته بعد أن ظل موازيا لجانب التل المحترق. ms085 استند نك بظهره ~~على أرومة وحرر نفسه من أحزمة الحقيبة. أمامه على المسافة التي ~~يستطيع أن يصلها ببصره، كان سهل الصنوبر. انتهى الريف المحترق على ~~اليسار عند سلسلة التلال. وفي الأمام برزت من السهل جزر من أشجار ~~الصنوبر الداكنة. وبعيدا على اليسار كان هناك خط النهر. تبعه ~~نك بعينيه ورأى المياه تومض في الشمس. # لم يكن أمامه سوى سهل الصنوبر، وصولا إلى التلال البعيدة ~~الزرقاء التي كانت تحدد حدود بحيرة سوبيريور. لم يكن يراها إلا ~~بالكاد؛ إذ كانت باهتة وبعيدة للغاية في ضوء الشمس الحارة فوق ~~السهل. إذا ظل ينظر إليها بثبات، كانت تختفي. أما إذا أغلق ~~عينيه بعض الشيء، كان يراها؛ تلك التلال البعيدة التي كانت ~~تحدد حدود البحيرة. # جلس نك مستندا على الأرومة المتفحمة وراح يدخن سيجارة. ~~كانت حقيبته متزنة على قمة الأرومة وكانت أحزمتها مربوطة وقد ~~تشكلت فيها فجوة من ظهر نك. جلس نك يدخن متطلعا ببصره إلى ~~الريف. لم يكن يحتاج إلى إخراج خريطته. كان يعرف موقعه من موقع ~~النهر. # بينما كان يدخن، مادا ساقيه أمامه، رأى جندبا يسير على ~~الأرض ثم على جوربه الصوفي. كان الجندب أسود اللون. بينما كان نك ~~يسير على الطريق، أفزع من التراب العديد من الجنادب. كانت كلها ~~سوداء. لم تكن بالجنادب الكبيرة ذات الأجنحة التي يجتمع فيها ~~اللونان الأصفر والأسود أو الأحمر والأسود والتي تحدث أغمدة ~~أجنحتها السوداء طنينا عند طيرانها. كانت جنادب عادية فحسب، غير ~~أنها كانت جميعها سوداء بلون السخام. جالت بخاطر نك بينما كان ~~يسير، لكنه لم يفكر بشأنها في حقيقة الأمر. والآن، بينما راح ~~يشاهد الجندب الأسود الذي كان يعضض صوف جوربه بشفته ~~الرباعية، أدرك أنها قد تحولت جميعا إلى اللون الأسود من العيش ~~في الأرض المحترقة. أدرك أن الحريق قد حدث في العام السابق ~~بالتأكيد، لكن الجنادب قد أصبحت كلها سوداء اللون الآن. ~~تساءل في نفسه كم من الوقت ستظل على تلك الحال. # مد يده إلى الأسفل بحرص وأمسك بالجندب من جناحيه. قلبه على ~~ظهره ms086 حيث أصبحت أرجله تتحرك في الهواء، ونظر إلى بطنه المفصلي. ~~أجل، لقد كانت سوداء اللون هي أيضا، ومتقزحة بينما كان ظهره ~~ورأسه مغبرين بالتراب. # تحدث نك بصوت عال للمرة الأولى قائلا: «هيا أيها الجندب، ~~طر بعيدا.» # ألقى الجندب إلى الهواء وشاهده وهو يطير بعيدا إلى أرومة متفحمة ~~على الجانب الآخر من الطريق. # وقف نك. أسند ظهره إلى حقيبته التي استقرت في وضع عمودي على ~~الأرومة وأدخل ذراعيه عبر أحزمة الكتفين. وقف وحقيبته على ظهره ~~أعلى التل وراح يتطلع إلى الريف باتجاه النهر البعيد، ثم هبط على ~~جانب التل بعيدا عن الطريق. تحت السفح، كان الطريق مناسبا للسير. ~~على بعد مائتي ياردة من سفح التل، توقف خط الحريق. وامتد بعده ~~السرخس الحلو في ارتفاع الكاهل، وكان السير خلاله سهلا، كما امتدت ~~كتل من أشجار صنوبر جاك؛ ريف طويل متموج به العديد من المرتفعات ~~والمنخفضات، والأرضية الرملية الممتدة، وقد عاد الريف حيا من ~~جديد. # حافظ نك على اتجاه سيره مع اتجاه الشمس. كان يعرف الموقع الذي ~~يريد أن يصل فيه إلى النهر وواصل السير عبر سهل الصنوبر، صاعدا ~~مرتفعات صغيرة ليرى مرتفعات أخرى لا تزال أمامه، وأحيانا كانت ~~تبدو من فوق أحد المرتفعات جزيرة كبيرة مصمتة من أشجار الصنوبر ~~إلى يمينه أو يساره. كسر بعض أعواد السرخس الحلو المرقط ووضعها ~~تحت أحزمة حقيبته. سحقها الاحتكاك واشتم رائحتها وهو ~~يسير. # كان مرهقا ومحترا للغاية من السير على سهل الصنوبر غير المستوي المنعدم الظلال. كان يعرف أنه يستطيع أن يصل إلى النهر في أي ~~لحظة بالانعطاف إلى يساره. لم تكن المسافة لتزيد عن ميل. غير أنه ~~قد واصل السير باتجاه الشمال ليصل إلى أقرب نقطة من منبع النهر ~~يستطيع أن يبلغها في مسيرة يوم واحد. # بعد مرور بعض الوقت وبينما كان نك يسير، رأى إحدى الجزر ~~الصنوبرية الكبيرة التي تبرز فوق الأرض العالية المتموجة التي كان ~~يعبرها. سار مع الأرض المنخفضة ثم صعد على مهل إلى قمة الجسر ~~وانعطف نحو أشجار الصنوبر. # لم يكن ms087 هناك نباتات تحت شجرية في جزيرة أشجار الصنوبر. كانت ~~جذوع الأشجار تمتد مستقيمة إلى الأعلى أو يميل بعضها على بعض. ~~وكانت الجذوع مستقيمة وبنية دون أغصان. وكانت الأغصان في الأعلى. ~~تشابك بعضها وشكلت ظلا مصمتا على أرض الغابة البنية. حول ~~تلك الأيكة من الأشجار كانت هناك منطقة عارية. كانت بنية وشعر بها ~~نك ناعمة تحت قدميه إذ مشى عليها. كانت الأرضية مغطاة بإبر ~~الصنوبر المتشابكة، وتمتد على مسافة أعرض من الأغصان العالية. ~~كانت الأشجار قد نمت وتحركت الأغصان إلى الأعلى تاركة خلفها ~~للشمس تلك المساحة العارية التي كانت تغطيها من قبل بالظلال. ~~وعلى حافة هذه القطعة الممتدة من أرضية الغابة بالضبط، بدأ امتداد ~~السرخس الحلو. # تحرر نك من حقيبته واستلقى في الظل. استلقى على ظهره وتطلع ~~إلى الأعلى إلى أشجار الصنوبر. استراحت رقبته وظهره والجزء السفلي ~~من ظهره إذ تمدد. أراحه استناد ظهره على الأرض. تطلع ببصره إلى ~~السماء من بين الأغصان، ثم أغمض عينيه. فتحهما ونظر إلى الأعلى ~~مجددا. كانت الرياح تحرك الأغصان في الأعلى. أغمض عينيه ~~مجددا وخلد إلى النوم. # استيقظ نك متصلبا ومتشنجا. كانت الشمس قد أوشكت على ~~الغروب. كانت حقيبته ثقيلة، وآلمته الأحزمة حين حملها. مال إلى ~~الأمام بالحقيبة والتقط حقيبة الصنارة الجلدية وانطلق من بين ~~أشجار الصنوبر عبر منخفض السرخس الحلو باتجاه النهر. كان يعرف أن ~~المسافة لا يمكن أن تزيد عن ميل. # هبط من تل مغطى بأروم الشجر إلى مرج. على حافة المرج تدفق ~~النهر. كان نك سعيدا لوصوله إلى النهر. سار عبر المرج متجها إلى ~~أعلى النهر. تشبع سرواله بالندى بينما كان يسير. بعد اليوم ~~الحار، هبط الندى بسرعة وغزارة. لم يصدر عن النهر أي صوت. كان ~~سريعا وناعما للغاية. على حافة المرج، قبل أن يرقى إلى قطعة ~~مرتفعة من الأرض ليخيم عليها، نظر نك إلى أسماك السلمون ~~المرقطة وهي تقفز. كانت تقفز لتحصل على الحشرات الآتية من ~~المستنقع على الجانب الآخر من النهر عند غروب الشمس. قفزت أسماك ~~السلمون المرقطة من المياه ms088 كي تنالها. بينما كان نك يسير على ~~امتداد المرج الصغير بمحاذاة النهر، قفزت الأسماك عاليا خارج ~~المياه. الآن بينما كان ينظر في النهر، لا بد أن الحشرات كانت ~~مستقرة على سطح المياه؛ إذ كانت الأسماك تأكل بوتيرة مستمرة على ~~امتداد النهر بأكمله. وعلى امتداد البصر من مكانه على المرج، كانت ~~الأسماك ترتفع من المياه؛ فتتشكل دوائر على السطح كله، كما لو ~~أن المطر يبدأ في الهطول. # ارتفعت الأرض وكانت حراجية ورملية، لتطل على المرج والنهر ~~والمستنقع. أنزل نك حقيبته وحقيبة الصنارة وبحث عن قطعة مستوية ~~من الأرض. كان يتضور جوعا وكان يريد أن ينصب خيمته قبل أن يطهو. ~~وبين اثنتين من أشجار صنوبر جاك، كانت الأرض مستوية إلى حد ~~كبير. أخرج الفأس من حقيبته وقطع جذرين ناتئين؛ فسوى ذلك قطعة ~~كبيرة من الأرض تكفي لأن ينام عليها. سوى الأرض الرملية بيده ~~واقتلع كل نباتات السرخس الحلو من جذورها. فاحت يداه برائحة طيبة ~~من السرخس الحلو. سوى الأرض التي اقتلع منها الجذور. لم يكن ~~يريد أي كتل تحت الأغطية. حين أصبحت الأرض مستوية، فرد ~~أغطيته الثلاثة. طوى أحدها طيتين ووضعه على الأرض مباشرة، ثم ~~فرد الاثنين الآخرين فوقه. # باستخدام الفأس، شق قطعة سميكة لامعة من أرومة شجرة صنوبر، ~~وقسمها ليصنع منها أوتادا للخيمة. كان يريد أوتادا طويلة ومتينة ~~كي تستقر في الأرض. وبعد أن أخرجت الخيمة وفرشت على الأرض، ~~بدت الحقيبة، وهي تميل على إحدى أشجار الصنوبر، أصغر كثيرا. ربط ~~نك الحبل الذي كان بمثابة الدعامة الأفقية للخيمة بجذع إحدى أشجار ~~الصنوبر ورفع الخيمة من فوق الأرض من الطرف الآخر للحبل وربطه ~~بشجرة الصنوبر الأخرى. تدلت الخيمة على الحبل كأنها غطاء من ~~القنب يتدلى على حبل الغسيل. أدخل نك عمودا كان قطعه من قبل تحت ~~القمة الخلفية للخيمة وربط الجوانب بالأوتاد. شد الجوانب إلى ~~الخارج بإحكام وغرس الأوتاد في الأرض بعمق، ودق عليها بالجانب ~~المسطح من الفأس حتى اختفت ربطات الحبل في الأرض، وانسدل قماش ~~الخيمة مشدودا بإحكام. # على مدخل الخيمة ms089 المفتوح ثبت نك قطعة من الشاش الرقيق لكي ~~تحول دون دخول البعوض. زحف نك إلى الداخل من تحت حاجز البعوض ~~حاملا العديد من الأغراض من الحقيبة كي يضعها على رأس السرير تحت ~~الجزء المائل من الخيمة. وصل النور إلى داخل الخيمة عبر القنب ~~البني الذي كانت تفوح منه رائحة طيبة. كانت الأجواء تجمع بين ~~الغموض وألفة البيت. شعر نك بالسعادة حين زحف إلى داخل الخيمة. ~~لم يشعر بالتعاسة طوال اليوم. غير أن شعوره الآن كان مختلفا. ~~الآن، قد فرغ مما كان عليه فعله. كان عليه أن يفعل هذا. والآن قد ~~فعله. كانت رحلة شاقة. وكان متعبا للغاية. والآن قد انتهى ذلك. ~~كان قد صنع مخيمه. ولقد استقر فيه. لا يمكن لشيء أن يمسه الآن. ~~كانت خيمته في مكان جيد. وكان هناك في هذا المكان الجيد. كان في ~~بيته في المكان الذي صنعه فيه. والآن كان يشعر بالجوع. # خرج زاحفا من تحت حاجز الشاش. كان المكان مظلما إلى حد كبير ~~في الخارج، وقد كان داخل الخيمة أكثر إضاءة. # ذهب نك إلى حيث حقيبته وتحسس بأصابعه داخلها حتى وجد في قعرها ~~مسمارا طويلا في كيس ورقي للمسامير. وضعه في شجرة الصنوبر ~~وأمسكه جيدا وأخذ يدق عليه بلطف بالجزء المسطح من فأسه. علق ~~الحقيبة على المسمار. كانت أشياؤه كلها فيها. والآن قد أصبحت ~~بعيدة عن الأرض في مكان محمي. # كان نك يشعر بالجوع. كان يعتقد أنه لم يشعر بمثل هذا الجوع من ~~قبل. فتح علبة من لحم الخنزير والفاصوليا وعلبة من مكرونة ~~الإسباجيتي وأفرغهما في مقلاة. تحدث نك قائلا: «يحق لي أن آكل ~~مثل هذا الطعام، ما دمت قد حملته معي.» بدا صوته غريبا في ~~الأحراج التي بدأ يحل عليها الظلام. ولم يتحدث مجددا. # أشعل نارا ببعض قطع الأخشاب التي قطعها بفأسه من أرومة. وضع على ~~النار شواية من السلك، وثبت أرجلها الأربعة في الأرض بحذائه. ~~وضع نك المقلاة على الشواية في اللهب. كان جوعه قد اشتد أكثر. ~~غدت المكرونة والفاصوليا دافئة، فقلبهما ms090 نك ومزجهما معا. بدأ ~~الطعام في البقبقة وتكونت فيه فقاقيع صغيرة كانت تصعد إلى السطح ~~بصعوبة. فاحت منه رائحة طيبة. أخرج نك زجاجة من صلصة الطماطم وقطع ~~أربع شرائح من الخبز. كانت الفقاقيع تصعد الآن بسرعة أكبر. جلس نك ~~بجوار النار ورفع المقلاة عنها. صب نصف الطعام تقريبا في طبق من ~~الصفيح. راح ينتشر ببطء على الطبق. كان نك يعرف أنه ساخن للغاية. ~~صب بعضا من صلصة الطماطم. كان يعرف أن مزيج الفاصوليا ~~والمكرونة لا يزال ساخنا للغاية. نظر إلى النار، ثم إلى الخيمة، ~~ولم يكن ينتوي أن يفسد الأمر بحرق لسانه. إنه لم يستمتع بحلوى ~~الموز المقلي لسنوات لأنه لم يكن يستطيع الانتظار حتى تبرد. كان ~~لسانه حساسا للغاية. وكان يتضور جوعا. على الجانب المقابل من ~~النهر في المستنقع، في الظلام شبه الدامس، رأى الضباب يتصاعد. ألقى ~~نظرة أخرى على الخيمة. كل شيء على ما يرام. أخذ ملء ملعقة من ~~الطبق. # قال نك: «يا يسوع!» ثم أضاف بسعادة: «يا يسوع المسيح!» # أكل ما في الطبق كله قبل أن يتذكر الخبز. أنهى نك الطبق ~~الثاني بالخبز وقد مسحه به إلى أن صار لامعا. لم يكن قد أكل منذ ~~أن تناول كوبا من القهوة وشطيرة من شرائح لحم الخنزير في مطعم ~~محطة قطار سانت إيجناس. لقد كانت تجربة جيدة للغاية. شعر بمثل ذلك ~~الجوع من قبل، لكنه لم يتمكن من إشباع جوعه حينها. كان بمقدوره ~~قبل ساعات أن ينصب خيمته إذا أراد؛ فقد كان هناك الكثير من الأماكن ~~الجيدة للتخييم على النهر. غير أن هذا المكان جيد. # وضع نك قطعتين رقيقتين كبيرتين من خشب الصنوبر تحت الشواية. ~~وتوهجت النار. كان قد نسي أن يحضر ماء للقهوة. أخرج من حقيبته ~~دلوا قابلا للطي مصنوعا من القنب، وسار هابطا من التل، عبر ~~حافة المرج، متجها إلى النهر. كانت الضفة الأخرى مغطاة بالضباب ~~الأبيض. شعر بالعشب رطبا وباردا حين انحنى بركبتيه على الضفة ~~وأنزل الدلو المصنوع من القنب في النهر. انتفخ الدلو وانجذب بقوة ms091 ~~التيار. كانت المياه باردة كالثلج. أخرج نك الدلو من المياه ~~وحمله ممتلئا إلى المخيم. لم يكن الجو باردا للغاية هكذا بعيدا ~~عن النهر. # ثبت نك مسمارا آخر كبيرا وعلق فيه الدلو الممتلئ بالمياه. ~~غمس فيه إناء القهوة وملأه حتى المنتصف، ووضع المزيد من رقائق ~~الصنوبر على النار تحت الشواية ووضع الإناء عليها. لم يستطع أن ~~يتذكر كيف كان يصنع القهوة. كان يتذكر جدالا بشأنها مع هوبكينز، ~~لكنه لم يتذكر الطريقة التي كان يؤيدها. قرر أن يغليها. تذكر ~~الآن أن تلك كانت طريقة هوبكينز. كان يتناقش في كل شيء مع ~~هوبكينز. وبينما كان ينتظر غليان القهوة، فتح علبة صغيرة من ~~المشمش. كان يحب فتح العلب. أفرغ علبة المشمش في كوب من الصفيح. ~~وبينما كان يراقب القهوة على النار، شرب العصير الموجود مع ~~المشمش. كان يشرب بحرص في البداية لكي يتجنب سكبه، ثم راح يمتص ~~قطع المشمش نفسها ويبتلعها ببطء. لقد كانت أفضل من المشمش ~~الطازج. # غلت القهوة بينما كان يراقبها. ارتفع الغطاء إلى أعلى وسالت ~~القهوة وثفلها على جانب الإناء. رفعه نك من على الشواية. كان ذلك ~~نصرا لهوبكينز. وضع السكر في كوب المشمش الفارغ وصب فيه بعض ~~القهوة لكي تبرد. كانت ساخنة للغاية بما لا يسمح بصبها وقد ~~استخدم قبعته لكي يمسك بمقبض الإناء. لم يكن سيتركها تنقع في ~~الإناء على الإطلاق. لن يفعل ذلك في الكوب الأول. يجب أن يتبع ~~طريقة هوبكينز تماما. كان هوب يستحق ذلك. كان يكن لشرب القهوة ~~جدية كبيرة. كان أكثر من عرفهم نك جدية. لم يكن صارما، بل ~~جادا فقط. مضى على ذلك وقت طويل. كان هوبكينز يتكلم دون أن يحرك ~~شفتيه. كان يلعب البولو. جنى ملايين الدولارات في تكساس. كان قد ~~اقترض أجرة السفر لكي يذهب إلى شيكاجو، حين جاءته البرقية بأن ~~بئر البترول الأولى الكبيرة الخاصة به قد بدأت في الإنتاج. كان يمكن ~~أن يرسل برقية طلبا للنقود، غير أن ذلك كان سيستغرق وقتا ~~طويلا. كانوا يسمون فتاة هوب «فينوس الشقراء». لم ms092 يكن هوب ~~يمانع لأنها لم تكن فتاته الحقيقية. أخبرهم هوبكينز بكل ثقة ~~أن أحدا منهم لن يسخر من فتاته الحقيقية. وقد كان على حق. رحل ~~هوبكينز حين أتت البرقية. كان ذلك على ضفة النهر الأسود. استغرق ~~الأمر ثمانية أيام كي تصله البرقية. أعطى هوبكينز مسدسه الآلي ~~من طراز كولت عيار 0,22 إلى نك. وأعطى آلة تصويره إلى بل. كان ~~ذلك ليتذكراه بهما دوما. كانوا سيذهبون جميعا لصيد السمك مرة ~~أخرى في الصيف التالي. أصبح هوب ثريا. كان سيشتري يختا وسيذهبون ~~جميعا في رحلة بحرية على الساحل الشمالي إلى بحيرة سوبيريور. كان ~~متحمسا لكنه كان جادا. ودع كل منهم الآخر وكانوا جميعا ~~يشعرون بالحزن. ألغى تلك الرحلة. لم يريا هوبكينز بعد ذلك قط. ~~كان ذلك منذ وقت بعيد على ضفة النهر الأسود. # شرب نك القهوة، القهوة التي كانت على طريقة هوبكينز. كانت ~~القهوة مرة. ضحك نك. كانت نهاية جيدة للقصة. كان ذهنه قد بدأ ~~يعمل. كان يعرف أنه يستطيع أن يوقفه؛ إذ كان متعبا بما فيه ~~الكفاية. سكب القهوة من الإناء وألقى ثفلها في النار. أشعل سيجارة ~~ودخل إلى الخيمة. خلع حذاءه وسرواله، وحين جلس على الأغطية، لف ~~الحذاء في السروال لكي يصنع منهما وسادة ودخل بين الأغطية. # في الخارج أمام الخيمة، راح يراقب وهج النار إذ هبت عليها ~~رياح الليل. كانت ليلة هادئة. كان المستنقع هادئا تماما. تمدد ~~نك تحت الغطاء بارتياح. كانت هناك بعوضة تطن بالقرب من أذنه. ~~جلس نك وأشعل عود ثقاب. كانت البعوضة على قماش الخيمة فوق رأسه. ~~حرك نك عود الثقاب باتجاهها سريعا. أصدرت البعوضة في اللهب هسيسا ~~أشعره بالارتياح. خبا عود الثقاب. استلقى نك مجددا تحت الغطاء. ~~استدار على جانبه وأغمض عينيه. كان يشعر بالنعاس. شعر بالنوم ~~يأتي. انثنى تحت الغطاء وخلد إلى النوم. # | الفصل الخامس عشر # شنقوا سام كاردينلا في السادسة صباحا في دهليز سجن المقاطعة. كان ~~الدهليز عاليا وضيقا وبه صفوف من الزنازين على الجانبين. كانت ~~جميع الزنازين مأهولة. كان الرجال قد أحضروا ms093 للشنق. خمسة من الرجال ~~الذين حكم عليهم بالشنق كانوا في الزنازين الخمس العليا. ثلاثة من ~~هؤلاء الرجال كانوا من الزنوج. وقد أصابهم الرعب الشديد. جلس أحد ~~الرجلين الأبيضين المتبقيين على سريره واضعا رأسه بين يديه. أما ~~الآخر فقد استلقى على سريره وقد لف غطاء حول رأسه. # وصلوا إلى منصة الشنق عبر باب في الجدار. كانوا سبعة من بينهم ~~كاهنان. كانوا يحملون سام كاردينلا. لقد كان على هذه الحال تقريبا ~~منذ الرابعة صباحا. # بينما كانوا يربطون رجليه معا، رفعه حارسان إلى أعلى، وراح ~~الكاهنان يهمسان له بشيء. قال أحدهما: «فلتكن رجلا يا بني!» حين ~~اقتربوا منه بالغطاء الذي سيغطي رأسه، فقد سام كاردينلا التحكم في ~~عضله الشرجي. أسقطه كلا الحارسين اللذين كانا يحملانه؛ إذ تقززا. ~~سأل أحد الحارسين قائلا: «ما رأيك في أن نحضر كرسيا يا ول؟» قال ~~رجل يرتدي قبعة مستديرة: «من الأفضل أن تحضر واحدا.» # حين خطوا جميعا إلى الوراء خلف فتحة المشنقة، التي كانت ثقيلة ~~للغاية ومصنوعة من خشب البلوط والصلب وتعتمد على محامل كروية، كان ~~سام كاردينلا يجلس هناك مربوطا بإحكام، وكان الكاهن الأصغر يركع ~~بجوار الكرسي. أسرع الكاهن بالرجوع إلى الخلف قبل أن تفتح الفتحة ~~بلحظات. # نهر كبير ذو قلبين # الجزء الثاني # في الصباح سطعت الشمس وبدأت درجة حرارة الخيمة في الارتفاع. زحف ~~نك إلى خارج الخيمة من تحت حاجز البعوض الذي كان يمتد على مدخل ~~الخيمة كي يشهد الصباح. شعر بالعشب مبتلا في يديه بينما كان ~~يخرج. حمل سرواله وحذاءه في يديه. كانت الشمس قد علت لتوها فوق ~~التل. كان هناك المرج والنهر والمستنقع. وعلى الجزء الأخضر من ~~المستنقع على الجانب الآخر من النهر، وقفت أشجار بتولا. # كان النهر صافيا ينساب بسرعة وسلاسة في الصباح الباكر. وفي ~~الأسفل على بعد مائتي ياردة تقريبا، كانت هناك ثلاثة من جذوع ~~الأشجار تقطع مجرى النهر، وقد جعلت المياه فوقها سريعة وعميقة. ~~بينما كان نك يشاهد المنظر، عبر أحد حيوانات المنك النهر ~~على الجذوع ودخل المستنقع. كان نك متحمسا. ms094 أثار الصباح الباكر ~~والنهر حماسه. كان في عجلة كبيرة بالفعل حتى إنه لم يرغب في تناول ~~إفطاره، لكنه كان يعرف أن عليه أن يتناوله. أشعل نارا صغيرة ~~ووضع عليها إناء القهوة. # بينما كانت المياه تسخن في الإناء، أخذ زجاجة فارغة وسار على ~~حافة الأرض المرتفعة متجها إلى المرج. كان المرج مبتلا بالندى ~~وقد أراد نك أن يمسك ببعض الجنادب كي يستخدمها طعما قبل أن ~~تجفف الشمس العشب. وجد العديد من الجنادب الجيدة. كانت تقبع ~~أسفل سيقان العشب. وأحيانا كانت تتعلق بهذه السيقان. كانت باردة ~~ومبتلة بالندى ولم تكن تستطيع القفز إلى أن تدفئها الشمس. ~~تناولها نك وأخذ منها فقط الجنادب البنية المتوسطة الحجم، ~~ووضعها في الزجاجة. قلب نك جذع شجرة ووجد تحت طرفه ملجأ ~~للمئات من الجنادب. لقد كان مسكنا للجنادب. وضع نك في الزجاجة ما ~~يقرب من الخمسين من الجنادب البنية المتوسطة الحجم. وبينما كان ~~ينتقي الجنادب، استدفأت الجنادب الأخرى في الشمس وبدأت في القفز. ~~وحين بدأت في القفز طارت. طارت في البداية لمسافة قصيرة ثم وقفت ~~متجمدة حين هبطت، وكأنها ميتة. # كان نك يعرف أنه فور يفرغ من طعام الإفطار، ستكون الجنادب في ~~كامل حيويتها. فبدون الندى على العشب، كان سيقضي النهار بأكمله لكي ~~يمسك بعدد كاف من الجنادب الجيدة وسيكون عليه أن يسحق العديد ~~منها بضربها بقبعته. غسل يديه في النهر. شعر بالحماس لقربه منه. ~~بعد ذلك سار إلى الخيمة. كانت الجنادب تقفز وهي متصلبة في العشب. ~~وفي الزجاجة، كانت تقفز أيضا ككتلة واحدة بعد أن شعرت بالدفء ~~بفعل حرارة الشمس. استخدم نك قطعة رفيعة من خشب الصنوبر لتكون ~~سدادة للزجاجة. سدت القطعة جزءا كافيا من فوهة الزجاجة لئلا ~~تخرج الجنادب منها، وتركت جزءا كافيا لمرور قدر كبير من ~~الهواء. # دحرج الجذع إلى مكانه مرة أخرى، وعرف أنه يستطيع أن يحصل على ~~الجنادب من هناك كل صباح. # أسند نك الزجاجة الممتلئة بالجنادب المتقافزة إلى جذع شجرة ~~صنوبر. وبسرعة خلط بعضا من دقيق الحنطة السوداء بالماء وحرك ~~الخليط ms095 برفق؛ لقد استخدم كوبا من الماء مع كوب من الدقيق . وضع ~~بعضا من القهوة في الإناء وأخرج قطعة من الدهن من علبة، ومررها ~~على المقلاة الساخنة، فراحت تبقبق وتنثر الرذاذ. على المقلاة ~~التي يتصاعد منها الدخان سكب خليط الحنطة بهدوء في المقلاة التي ~~يتصاعد منها الدخان. تمدد الخليط كالحمم البركانية وراح الدهن ينثر ~~الرذاذ بحدة. بدأت كعكعة الحنطة تتماسك عند الأطراف ثم تحولت ~~إلى اللون البني ثم أصبحت مقرمشة. كان السطح يبقبق بهدوء حتى ~~اتخذ شكلا مساميا. دفع نك برقاقة من خشب الصنوبر تحت السطح ~~البني. هز المقلاة إلى الجانب وتحركت الكعكة على السطح. فكر بينه ~~وبين نفسه أنه لن يحاول أن يقلبها. أدخل رقاقة الخشب النظيفة تحت ~~الكعكة بكاملها، ثم قلبها على وجهها. وتناثر منها الرذاذ في ~~المقلاة. # حين نضجت أعاد نك وضع دهن مرة أخرى في المقلاة. استخدم ما ~~تبقى من الخليط. وصنع منه كعكة كبيرة وأخرى أصغر منها. # أكل نك كعكة الحنطة الكبيرة والكعكة الأصغر مع تغطيتهما بزبدة ~~التفاح. وضع زبدة التفاح على الكعكة الثالثة وطواها مرتين، ~~ولفها في ورق مزيت ووضعها في جيب قميصه. وضع وعاء زبدة التفاح ~~في الحقيبة وقطع خبزا يكفي لشطيرتين. # وجد في الحقيبة بصلة كبيرة. قطعها إلى نصفين ونزع عنها القشرة ~~الخارجية الناعمة، ثم قطع أحد النصفين إلى شرائح، وصنع ~~ساندوتشي بصل. لف الساندوتشين في ورق مزيت، ووضعهما في الجيب ~~الآخر لقميصه الكاكي. نكس المقلاة على الشواية، وشرب القهوة ~~محلاة وقد اصطبغت بلون أصفر بني إذ كان قد وضع فيها بعض ~~الحليب المكثف، ثم رتب المخيم. لقد كان مخيما جيدا. # أخرج نك صنارته المخصصة للصيد بالحشرات الطائرة من حقيبتها ~~الجلدية، وركبها ودفع بالحقيبة مرة أخرى إلى الخيمة. وضع البكرة ~~وأدخل الخيط من الحلقات. كان عليه أن يمسكه من يد إلى الأخرى ~~وهو يدخله في الحلقات وإلا فقد كان سينزلق للخلف بفعل وزنه. لقد ~~كان خيطا ثقيلا مستدق الطرفين من النوع المخصص للصيد ~~بالحشرات الطائرة. كان نك قد ابتاعه بثمانية دولارات منذ زمن ms096 ~~بعيد. لقد صنع ثقيلا لكي يرفع إلى الخلف في الهواء ويهبط إلى ~~الأمام مستويا وثقيلا ومستقيما؛ لكي يتيح إلقاء طعم صناعي لا ~~يكاد يزن شيئا. فتح نك علبة أوتار الطعم المصنوعة من ~~الألومنيوم. كانت أوتار الطعم ملتفة بين البطانات الرطبة ~~المصنوعة من الفانيلا. كان نك قد بلل البطانات من مبرد ~~المياه في القطار في الطريق إلى سانت إيجناس. في البطانات الرطبة ~~صارت أوتار الطعم أكثر مرونة وفك نك أحدها وربطه بعقدة في ~~نهاية الخيط الثقيل. ثبت خطافا على طرف الوتر. لقد كان ~~خطافا صغيرا؛ رفيعا للغاية ومرنا. # كان نك قد أخذه من حافظة الخطافات، وجلس والصنارة على حجره. ~~اختبر العقدة ونابض الصنارة من خلال شد الخيط. شعر بالسعادة وقد ~~كان حريصا ألا يدع الخطاف يمسك بإصبعه. # بدأ يهبط إلى النهر، وهو يمسك بصنارته وزجاجة الجنادب تتدلى ~~من رقبته من خلال سير جلدي مربوط بنصف عقدة حول عنق الزجاجة. ~~وكانت شبكة الصيد تتدلى من كلاب مثبت في حزامه. وعلى كتفه، ~~كان يوجد جوال دقيق كبير معقود كل جانب منه على هيئة أذن. كان ~~الحبل على كتفه، والجوال يخبط رجليه. # شعر نك بالارتباك والسعادة المهنية، كانت جميع معداته تتدلى ~~منه. فقد كانت تتأرجح زجاجة الجنادب على صدره. وانتفخ جيبا القميص؛ ~~إذ كانا يحتويان على الغداء وحافظة الطعوم الصناعية. # خطا في النهر. كانت صدمة. التصق سرواله بساقيه. شعر بالحصى ~~تحت حذائه. كانت المياه صدمة باردة متصاعدة. # راح التيار المتسارع يندفع أمام ساقيه. كانت المياه تصل إلى ما ~~فوق ركبتيه في المكان الذي وقف فيه. خاض في الماء مع التيار. ~~وانزلق الحصى تحت حذائه. نظر إلى دوامتي المياه اللتين تدوران ~~تحت كلا ساقيه وأمال الزجاجة ليخرج أحد الجنادب. # قفز الجندب الأول عبر عنق الزجاجة وسقط في الماء. سحبته الدوامة ~~الموجودة عند ساق نك اليمنى، ثم ظهر على السطح بعد مسافة قصيرة ~~أسفل التيار. طفا بسرعة وهو يركل. وفي دائرة سريعة اخترقت سطح ~~المياه الأملس، اختفى. أخذته إحدى أسماك السلمون المرقطة. # مد جندب آخر رأسه ms097 من الزجاجة. ارتعش قرنا الاستشعار لديه. ~~كان يخرج ساقيه الأماميتين من الزجاجة كي يقفز. أخذه نك من ~~رأسه وأمسك به بينما راح يدخل الخطاف الرفيع تحت رقبته، ثم إلى ~~الأسفل عبر قفصه الصدري إلى آخر جزء من بطنه. أمسك الجندب بالخطاف ~~بمجسه الأمامي، وراح يبصق عليه سائلا كعصارة التبغ. أنزله نك ~~في المياه. # وهو يمسك بالصنارة في يده اليمنى، أطلق نك الخيط ليجرفه الجندب ~~معه في التيار. فك جزءا من الخيط من البكرة وأطلقه حرا. كان ~~بإمكانه رؤية الجندب في أمواج التيار الصغيرة. وبعد ذلك ~~اختفى. # شعر نك بقوة شد على الخيط. راح نك يسحب الخيط المشدود. لقد ~~كان صيده الأول. سحب الخيط بيده اليسرى بينما كان يمسك بالصنارة ~~التي أصبحت الآن متحركة في التيار. انحنت الصنارة في حركات سريعة؛ ~~إذ راحت السمكة تتحرك صعودا وهبوطا في التيار. كان نك يعرف أنها ~~سمكة صغيرة. رفع الصنارة مباشرة في الهواء، وقد انحنت مع ~~سحبها. # رأى سمكة السلمون المرقطة تندفع برأسها وجسمها في عكس اتجاه الخيط ~~في النهر. # أخذ نك الخيط في يده اليسرى، وسحب إلى السطح سمكة السلمون التي ~~كانت تضرب بتعب على التيار. كان ظهرها مرقطا بلون الحصى في ~~المياه الصافية، وكان جانبها يلمع في الشمس. بينما كانت قصبة ~~الصيد تحت ذراعه الأيمن، انحنى نك وغمس يده اليمنى في المياه. ~~أمسك بسمكة السلمون التي لم تسكن قط بيده اليمنى المبتلة بينما ~~كان يحل الخطاف عن فمها، ثم أطلقها ثانية في النهر. # تدلت السمكة في التيار في غير ثبات، ثم استقرت في القاع ~~بجوار أحد الأحجار. أنزل نك يده في المياه ليلمسها، فأصبح الجزء ~~السفلي من ذراعه حتى المرفق تحت المياه. كانت سمكة السلمون ~~ثابتة في التيار المتحرك، تستريح على الحصى بجوار حجر. حين لمستها ~~أصابع نك، وأحست بنعومتها وبرودتها تحت المياه، اختفت السمكة؛ ~~اختفت في ظل عبر قاع النهر. # اعتقد نك بينه وبين نفسه أنها بخير. لقد كانت متعبة ~~فحسب. # كان قد بلل يده قبل أن يلمس سمكة السلمون، لئلا ms098 يؤذي المخاط ~~الرقيق الذي يغطيها. إذا لمست أسماك السلمون المرقطة يد ~~جافة، فسوف يهاجم البقعة غير المحمية فطر أبيض. قبل سنوات حين ~~كان نك يصيد الأسماك في الأنهار المكتظة، والصيادون من أمامه ومن ~~خلفه، كثيرا ما كان يجد أسماك سلمون مرقطة ميتة يغطيها زغب ~~الفطر الأبيض وقد انجرفت على صخرة أو طفت وبطنها إلى الأعلى في ~~حوض ما. لم يكن نك يحب أن يصيد الأسماك في وجود رجال آخرين على ~~النهر؛ فهم سيفسدون الأمر إلا أن يكونوا من أصدقائك. # راح يتقدم في النهر والتيار يصل إلى أعلى ركبتيه عبر المياه ~~الضحلة التي تمتد إلى خمسين ياردة، والتي تعلو كومة الجذوع التي ~~تقطع النهر. لم يضع الطعم في خطافه من جديد وأمسك به في يده ~~بينما كان يخوض في المياه. كان متيقنا من أنه يستطيع صيد سمك ~~السلمون المرقط الصغير في منطقة المياه الضحلة، لكنه لم يكن ~~يريدها. لن يكون هناك سمك سلمون مرقط كبير في المياه الضحلة في ~~هذا الوقت من اليوم. # الآن صارت المياه أعمق وبلغت أعلى فخذيه حادة وباردة. كان ~~أمامه فيض المياه الهادئ المحجوز خلف الجذوع. كانت المياه هادئة ~~وداكنة، يحدها من جهة اليسار الحافة السفلية من المرج، ويحدها ~~المستنقع من جهة اليمين. # مال نك بظهره عكس التيار وأخرج جندبا من الزجاجة. ربط الجندب ~~في الخطاف وبصق عليه؛ تمنيا لحسن الحظ. بعد ذلك سحب من البكرة ~~عدة ياردات من الخيط وألقى بالجندب إلى الأمام في المياه السريعة ~~الداكنة. طفا إلى الأسفل باتجاه الجذوع، وبعد ذلك سحب وزن الخيط ~~الطعم تحت السطح. أمسك نك الصنارة بيده اليمنى وقد ترك الخيط ~~يجري من بين أصابعه. # كان ثمة سحبة طويلة. شد نك القصبة، وخرجت الصنارة متحركة ~~وخطيرة؛ إذ انحنت بضعف الدرجة، وصار الخيط مشدودا للغاية، وراح ~~يخرجه من المياه وهو مشدود للغاية، وكل ذلك في سحبة ثقيلة خطيرة ~~ثابتة. شعر نك باللحظة التي كان سينكسر فيها وتر الطعم إذا ~~ازداد شده، وأفلت الخيط. # دارت البكرة مصدرة صريرا ميكانيكيا إذ انفلت ms099 الخيط بسرعة ~~كبيرة. حدث ذلك بسرعة كبيرة للغاية. لم يتمكن نك من فحص الأمر ~~حين اندفع الخيط بسرعة، وأصدرت البكرة صريرها حين انطلق ~~الخيط. # حين ظهر قلب البكرة كاد يتوقف نبض قلبه من الإثارة، فمال بظهره عكس ~~التيار الذي بلغ فخذيه، وأشاع فيهما برودة شديدة، وأوقف البكرة ~~بقوة بإبهامه الأيسر. وقد كان من الصعب إدخال إبهامه في إطار ~~البكرة. # حين أخذ يضغط، صار الخيط مشدودا للغاية بصلابة مفاجئة، وظهرت من ~~وراء الجذوع سمكة سلمون مرقطة كبيرة قد خرجت عاليا من المياه. ~~وبينما راحت تقفز، أنزل نك طرف الصنارة بعض الشيء. بالرغم من ~~ذلك فقد شعر وهو ينزل القصبة ليخفف الضغط، باللحظة التي سيكون ~~فيها الضغط شديدا للغاية والصلابة كبيرة. لقد انكسر وتر الطعم ~~بالتأكيد. ولم يكن هناك من شك في شعوره بانفلات النابض بأكمله من ~~الخيط وأصبح جافا وصلبا. بعد ذلك، صار مرتخيا. # بفم جاف وقلب سقيم، سحب نك الخيط بلف البكرة. لم يكن قد رأى ~~سمكة سلمون مرقطة بهذه الضخامة من قبل. لقد كانت ثقيلة، وتتمتع ~~بقوة لا يمكن تحجيمها، ثم إنها بدت ضخمة للغاية حين قفزت. لقد ~~كان عرضها كعرض أسماك السلمون العادية. # كانت يد نك ترتجف. راح يلف الخيط ببطء. كانت الإثارة كبيرة ~~للغاية. لسبب غامض، شعر بالإعياء بعض الشيء حتى إنه رأى أن ~~الجلوس سيكون أفضل له. # لقد قطع وتر الطعم حيث كان الخطاف مربوطا به. أخذه نك في ~~يده. راح يتخيل سمكة السلمون المرقطة في مكان ما في القاع، ~~تحافظ على ثباتها فوق الحصى بعيدا في الأسفل تحت مستوى الضوء ~~وتحت الجذوع، والخطاف في فكها. كان نك يعرف أن أسنان السمكة ~~ستقطع وتر الطعم. كان يتوقع أن ينغرس الخطاف في فكها. كان ~~متيقنا من أن السمكة غاضبة. أي شيء بذلك الحجم سيكون غاضبا. ~~وقد كانت تلك سمكة سلمون مرقطة قد علق فيها الخطاف بثبات؛ علق ~~فيها ثابتا كصخرة. هو أيضا كان يشعر بأنها صخرة قبل أن يبدأ في ~~سحبها. يا إلهي! لقد كانت سمكة سلمون ms100 مرقطة كبيرة. لعمري إنها أكبر ~~سمكة قد سمعت بها من هذا النوع. # تسلق نك إلى الخارج حيث المرج ووقف والمياه تتدفق من سرواله ~~وتخرج من حذائه الذي كان يبقبق. ذهب وجلس على الجذوع. لم يكن يرغب ~~في أن يتعجل أحاسيسه البتة. # راح يحرك أصابع قدميه في الماء وهي في حذائه، وأخرج سيجارة ~~من جيب قميصه، أشعلها وألقى بعود الثقاب في المياه السريعة أسفل ~~الجذوع. ظهرت سمكة سلمون مرقطة صغيرة عند عود الثقاب إذ راح يتأرجح ~~في التيار السريع. ضحك نك، وكان ينوي أن ينهي سيجارته. # جلس على الجذوع يدخن ويتجفف في الشمس. كان يشعر بدفء الشمس على ظهره، والنهر يمتد من أمامه ضحلا ويتجه إلى الأحراج منحنيا إلى ~~داخلها. وها هي المياه الضحلة، والضوء المتلألئ، وصخور المياه ~~الناعمة الضخمة، وأشجار الأرز وأشجار البتولا البيضاء التي تمتد ~~على الضفة، وها هي الجذوع دافئة في الشمس وناعمة في الجلوس عليها ودون ~~لحاء ويوحي شكلها بملمس رمادي؛ وفي خضم كل هذا راح الشعور ~~بالإحباط ينحسر عنه ببطء. انحسر عنه ببطء ذلك الشعور بالإحباط ~~الذي انتابه بحدة بعد المغامرة التي آلمت كتفيه. أصبحت الأمور ~~الآن على ما يرام. بينما كانت الصنارة ترقد على الجذوع، ربط نك ~~خطافا جديدا في وتر الطعم وشد الخيط بإحكام إلى أن انعقد إلى ~~عقدة متينة. # وضع الطعم في الخطاف ثم حمل الصنارة وسار إلى الطرف الأقصى من ~~الجذوع لكي يدخل في الماء حيث لا يكون عميقا للغاية. تحت الجذوع ~~وفيما وراءها، كان ثمة حوض عميق. سار نك حول النتوءات الصخرية ~~السطحية الموجودة بالقرب من شاطئ المستنقع إلى أن وصل إلى المنطقة ~~الضحلة من قاع النهر. # على اليسار حيث ينتهي المرج وتبدأ الأحراج، كانت هناك شجرة ~~دردار ضخمة قد اقتلعت من جذورها. لقد تحطمت في عاصفة وسقطت ~~إلى الداخل في الأحراج، وقد تكتل التراب على جذورها ونما العشب ~~فيما بينها، فتشكلت منها ضفة صلبة بجوار النهر. كان النهر ينعطف ~~إلى حافة الشجرة المجتثة. من المكان الذي وقف فيه نك، كان ms101 يرى ~~القنوات العميقة كالأخاديد، وقد شكلها تدفق التيار في المنطقة ~~الضحلة من قاع النهر. كان المكان الذي يقف فيه من قاع النهر مغطى ~~بالحصى، وكانت المسافة التي تمتد بعده مغطاة بالحصى وبها الكثير من ~~الجلاميد، وحيث كان النهر ينعطف بالقرب من جذور الشجرة، كان القاع ~~يتكون من الطين الجيري، وبين أخاديد المياه العميقة راحت أوراق ~~الأعشاب الخضراء تتمايل في التيار. # أمال نك الصنارة على كتفه ثم وجهها إلى الأمام، وانحنى الخيط ~~إلى الأمام ملقيا بالجندب إلى الأسفل على إحدى القنوات العميقة ~~بين الأعشاب. أصابت إحدى سمكات السلمون المرقطة الطعم، وأمسك بها ~~نك في الخطاف. # بينما كان نك يمسك بالصنارة بعيدا إلى الخارج باتجاه الشجرة ~~المجتثة، راح يتقهقر في التيار وكان يحاول إخراج سمكة السلمون ~~المرقطة من خطر الأعشاب إلى النهر المفتوح وكانت السمكة تغوص في ~~المياه فتنحني الصنارة معها. كان نك يمسك بالصنارة التي كانت ~~تصطدم بالتيار، حتى بدأت السمكة تنجذب نحوه. راحت السمكة تتحرك ~~باندفاع هاربة لكنها ظلت تقترب منه، وراح نابض الصنارة يخضع ~~لاندفاعها ويهتز أحيانا في الماء، لكنه كان ما يزال يجلبها نحوه. ~~تمهل نك أسفل النهر مع اندفاع السمكة. وبينما كانت الصنارة فوق ~~رأسه وجه السمكة إلى الشبكة ثم رفع الشبكة. # تدلت السمكة ثقيلة في الشبكة بظهرها المبرقش وبدا جانباها ~~الفضيان من خلال فتحات الشبكة. فكها نك من الخطاف. كانت ~~تتمتع بجانبين ثقيلين يحسن حملهما وفك سفلي كبير وبارز. ~~تركها نك تنزلق وهي تمور وتتزحلق بعنف إلى الجوال الطويل الذي ~~كان يتدلى من كتفيه إلى الماء. # فتح نك الجوال عكس اتجاه التيار وتركه يمتلئ بالماء ثم رفعه ~~إلى أعلى فراحت المياه تنسكب من جوانبه. وفي القعر بالداخل، كانت ~~سمكة السلمون المرقطة الكبيرة حية في الماء. # تحرك نك في اتجاه التيار. وكان الجوال الذي كان يتدلى من كتفيه ~~يغوص أمامه في المياه. # كان الجو يزداد حرارة، وكانت الشمس حارة على مؤخرة عنقه. # اصطاد نك سمكة سلمون مرقطة جيدة. لم يكن مهتما بصيد الكثير ~~منها. الآن أصبح النهر ms102 ضحلا وواسعا. كانت هناك أشجار على طول ~~الضفتين. ألقت أشجار الضفة اليسرى بظلال قصيرة على التيار في شمس ~~الضحى. كان نك يعرف أن أسماك السلمون المرقطة ستكون موجودة في ~~هذه الظلال. وبعد الظهيرة، بعد أن تكون الشمس قد عبرت باتجاه ~~التلال، ستكون أسماك السلمون المرقطة في الظلال الباردة على الجانب ~~الآخر من النهر. # ستقبع الأسماك الكبرى على الإطلاق بالقرب من الضفة. وكان يمكن ~~اصطيادها دوما هناك في النهر الأسود؛ فحين تنخفض الشمس، تخرج جميع ~~الأسماك إلى التيار. وحين تسطع الشمس على المياه في الوهج الأخير ~~قبل الغروب، يمكنك أن تمسك سمكة سلمون مرقطة كبيرة في أي مكان ~~في التيار. من المحال أن تصطاد في ذلك الوقت؛ إذ يصبح سطح المياه ~~ساطعا في الشمس كمرآة. يمكنك أن تصطاد بالطبع أعلى النهر، لكن ~~في نهر كهذا أو النهر الأسود، عليك أن تخوض عكس التيار وفي مكان ~~عميق، حيث تتكدس المياه حولك. لم يكن الصيد أعلى النهر ممتعا مع ~~هذا القدر الكبير من التيار. # راح نك يتحرك في المنطقة الضحلة وهو يشاهد الضفتين بحثا عن ~~حفر عميقة. رأى شجرة زان تنمو بالقرب من النهر حتى إن أغصانها قد ~~تدلت في المياه. كان التيار يرتد تحت الأوراق. دائما ما يكون ~~هناك أسماك سلمون مرقطة في مكان كهذا. # لم يكن نك يرغب في الصيد في تلك الحفرة. كان متيقنا من أنه ~~سيعلق في الأغصان. # بالرغم من ذلك، فقد بدت عميقة. ألقى بالجندب فحمله التيار تحت ~~المياه، وتحت الغصن المتدلي من الخلف. سحب الخيط بقوة وشد نك ~~القصبة. راحت سمكة السلمون المرقطة تهتز بعنف وقد برز نصفها خارج ~~المياه بين الأوراق والأغصان. كان الخيط قد علق. سحب نك الخيط ~~بقوة، وهربت السمكة. لف الخيط على البكرة، وسار في النهر ممسكا ~~بالخطاف في يده. # في الأمام بالقرب من الضفة اليسرى، كان ثمة جذع كبير. رأى نك ~~أنه كان مجوفا، وكان يشير لأعلى النهر فدخله التيار بهدوء، ولم ~~تتشكل سوى موجة صغيرة على كل من جانبي الجذع. كانت ms103 المياه تزداد ~~عمقا. الجزء العلوي من الجذع المجوف كان رماديا وجافا، وكان ~~الظل يغطي جزءا منه. # خلع نك الغطاء عن زجاجة الجنادب، وقد علق أحدها به. أخذ نك ~~الجندب ووضعه في الخطاف وألقاه في المياه. حمل الصنارة بعيدا إلى ~~الخارج كي يتحرك الجندب على المياه باتجاه التيار المتدفق إلى ~~الجذع المجوف. أنزل نك القصبة بعض الشيء وطفا الجندب. شعر نك ~~بشدة عنيفة. سحب نك الصنارة في الاتجاه المعاكس للشد. بدا ~~الأمر وكأن الخطاف قد علق بالجذع نفسه، غير أن نك قد شعر ~~بشيء يتحرك. # حاول أن يخرج السمكة إلى التيار. وخرجت بصعوبة. # ارتخى الخيط وظن نك أن السمكة قد هربت، ثم رآها بعد ذلك في ~~مكان قريب جدا في التيار تهز رأسها وتحاول خلع الخطاف عنها. كان ~~فمها مغلقا بإحكام. كانت تحارب الخطاف في التيار الصافي ~~المتدفق. # راح نك يلف الخيط بيده اليسرى على هيئة أنشوطة ويحرك الصنارة ~~كي يجعل الخيط مشدودا، وحاول أن يوجه سمكة السلمون المرقطة إلى ~~الشبكة، لكنها ابتعدت واختفت عن بصره، وراح الخيط يتحرك صعودا ~~وهبوطا. صارع نك السمكة في الاتجاه المعاكس للتيار، وتركها تضرب ~~في المياه على نابض الصنارة. نقل الصنارة إلى يده اليسرى، وجلب ~~السمكة عكس اتجاه التيار بينما ظلت هي تحافظ على اتزانها وتحارب ~~صنارة الصيد، ثم أدخلها في الشبكة. رفع نك السمكة من المياه، وقد ~~شكلت نصف دائرة ثقيلة في الشبكة التي كانت المياه تتساقط منها، ~~ونزع الخطاف منها ووضعها في الجوال. # فتح نك الجوال ونظر بداخله إلى سمكتي السلمون المرقطتين ~~الكبيرتين الحيتين في المياه. # خاض نك في المياه العميقة متجها إلى الجذع الأجوف. خلع عنه ~~الجوال من فوق رأسه، وبينما كان الجوال يخرج من المياه، راحت ~~السمكتان تتخبطان، ودلى نك الجوال حتى تصبح السمكتان ~~مغمورتين في المياه. بعد ذلك خرج إلى الجذع وجلس عليه، وراحت ~~المياه تنساب من سرواله وحذائه وتتدفق إلى التيار. وضع الصنارة ~~بجواره وتزحزح إلى الطرف الظليل من الجذع وأخرج الشطيرتين من ~~جيبه. غمسهما في الماء البارد، وحمل ms104 التيار الفتات بعيدا. أكل ~~الشطيرتين وغمس قبعته في الماء ليملأها ويشرب منها، وراحت المياه ~~تتدفق من القبعة قبل أن يشرب. # كان الجو منعشا في الظل الذي كان نك يجلس فيه على جذع الشجرة. ~~أخذ سيجارة وأخرج عود ثقاب ليشعلها. غاص عود الثقاب في الغابة ~~الرمادية وقد صنع فيها فجوة ضئيلة. مال نك على جانب الجذع، ووجد ~~مكانا صلبا وأشعل عود الثقاب. جلس يدخن ويشاهد النهر. # في الأمام، كان النهر يضيق ويتجه إلى المستنقع. أصبح النهر ~~سلسا وعميقا وبدا المستنقع ممتلئا بأشجار الأرز التي كانت ~~جذوعها قريبة بعضها من بعض وأغصانها مصمتة. لم يكن بالإمكان ~~السير عبر مستنقع كهذا. كانت الأغصان منخفضة للغاية؛ حتى إنه ~~ستيعين عليك أن تظل في مستوى الأرض تقريبا كي تتمكن من القيام ~~بأي حركة. لن يكون باستطاعتك السير عبر الأغصان. فكر أن هذا قد ~~يكون هو السبب في أن الحيوانات التي كانت تعيش في المستنقع كانت ~~بتلك البنية التي كانت عليها. # تمنى لو أنه قد أحضر شيئا يقرؤه. كان يشعر بالرغبة في القراءة. ~~لم يشعر بالرغبة في دخول المستنقع. راح ينظر إلى النهر. كانت هناك ~~شجرة أرز تميل بالكامل على عرض النهر. وفيما وراء ذلك كان النهر ~~يتجه إلى المستنقع. # لم يكن نك يرغب في دخوله الآن. شعر بنفور من الخوض في الأعماق ~~بينما يصل عمق المياه إلى إبطيه، وذلك لاصطياد أسماك سلمون مرقطة ~~كبيرة في أماكن يستحيل أن يخرجها منها. في المستنقع كانت ~~الضفتان خاليتين، وكانت أشجار الأرز الضخمة تتشابك معا فوقها، ~~ولم يكن ضوء الشمس يمر منها إلا في بعض المناطق؛ وفي المياه ~~السريعة العميقة ومع الضوء القليل، سيكون الصيد مأساويا. في ~~المستنقع، كان الصيد مغامرة مأساوية. لم يكن نك يريدها. لم يكن ~~يرغب في نزول النهر اليوم مجددا. # أخرج سكينه وفتحها وغرسها في الجذع، ثم سحب الجوال ومد يده ~~بداخله وأخرج منه إحدى السمكتين. أمسك بها بالقرب من ذيلها، وقد ~~كان من الصعب حملها وهي حية في يده. ضربها على الجذع. ارتعشت ~~السمكة ms105 ثم تصلبت. وضعها نك على الجذع في الظل وكسر رقبة السمكة ~~الأخرى بالطريقة نفسها. وضعهما على الجذع جنبا إلى جنب. لقد كانتا ~~سمكتين جيدتين. # نظفهما نك وشقهما من فتحة الإخراج إلى حافة الفك. خرجت ~~الأحشاء والخياشيم واللسان كلها كقطعة واحدة. كان كلاهما ذكرين؛ ~~فقد كان بهما شرائط طويلة من أعضاء التلقيح ذات اللون الرمادي ~~المائل إلى الأبيض، والتي كانت ملساء ونظيفة. كانت الأحشاء كلها ~~نظيفة ومتكتلة فخرجت كلها معا. ألقى نك بالفضلات على الشاطئ ~~كي تجدها حيوانات المنك. # غسل نك السمكتين في النهر. حين رفعهما عن المياه، بدتا ~~كالأسماك الحية. لم يكن لونهما قد خبا بعد. غسل يديه وجففهما ~~على جذع الشجرة، ثم وضع السمكتين في الجوال الذي كان ممدا على ~~الجذع، ولفهما فيه، وربط الحزمة ووضعها في شبكة الصيد. كانت ~~سكينه لا تزال واقفة ونصلها مغروسا في الجذع. نظفها على الخشب ~~ووضعها في جيبه. # وقف نك على جذع الشجرة ممسكا بالصنارة وهو يحمل شبكة الصيد ~~التي تدلت ثقيلة، ثم خطا في المياه وسار وهو يثير رذاذا من ~~المياه نحو الشاطئ. تسلق الضفة وانعطف إلى الأحراج باتجاه الأرض ~~المرتفعة. كان عائدا إلى المخيم. نظر إلى الخلف. لم يكن النهر ~~يبدو إلا من بين الأشجار. كان أمامه الكثير من الأيام التي يمكن ~~أن يصيد فيها من المستنقع. # | المبعوث # كان الملك يعمل في الحديقة. بدا مسرورا للغاية لرؤيتي. تجولنا ~~في الحديقة معا، ثم قال: أقدم إليك الملكة. كانت تقلم ~~شجيرة ورد. ردت قائلة: شرفت بلقائك. جلسنا على طاولة تحت شجرة ~~كبيرة وطلب الملك الويسكي والصودا. قال: لدينا نوع جيد من الويسكي ~~على أية حال. أخبرني أن اللجنة الثورية لن تسمح له بالخروج عن ~~حدود القصر. قال: أعتقد أن بلستيراس رجل رائع جدا، غير أنه صعب ~~المراس للغاية. أعتقد أنه قد فعل صوابا بقتل هؤلاء الرجال. لو أن ~~كيرينسكي كان قد قتل بعض الرجال، لربما اختلف الوضع تماما. لا شك ~~في أن الأمر الأهم في مثل هذا الشأن ألا تقتل أنت! # كان اللقاء ms106 ظريفا للغاية. تحدثنا لوقت طويل. ومثل جميع ~~اليونانيين، كان يرغب في الذهاب إلى أمريكا. ms107