######OpenITI# #META# URI: 1450ZiyadIbrahim.MaHiyaSinima.Hindawi16426037 #META# Tags: arts :: social.sciences #META# ID: 16426037 #META# Title: ما هي السينما!: من منظور أندريه بازان #META# AuthorID: 60839150 #META# Author: دادلي أندرو #META# EditorID: 92060751 #META# Editor: جلال الدين عز الدين علي #META# TranslatorID: 97286059 #META# Translator: زياد إبراهيم #META# Related_books: 1450DudleyAndrew.WhatCinemaIs (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - بحث الكاميرا في العالم‏ # 2 - استكشاف المحرر للشكل‏ # 3 - آلة العرض بوصفها مصباحا للمشاهد‏ # 4 - تطور موضوعات السينما‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - بحث الكاميرا في العالم‏ # 2 - استكشاف المحرر للشكل‏ # 3 - آلة العرض بوصفها مصباحا للمشاهد‏ # 4 - تطور موضوعات السينما‏ # | ما هي السينما! # | ما هي السينما! # | من منظور أندريه بازان # تأليف # دادلي أندرو # ترجمة # زياد إبراهيم # مراجعة # جلال الدين عز الدين علي # إلى ديفيد بروموفيتش وفرانشيسكو كاسيتي. # | شكر وتقدير # جاء هذا الكتاب ثمرة الحلقات النقاشية التي قدمتها ضمن برنامج الدكتوراه في دراسات ~~السينما في جامعة ييل. يعرف المشاركون في هذا البرنامج، على مدار السنوات الخمس الماضية، ~~مقدار ما شاركوا به في تصميمه، وفي نقاشه، سواء أأعجبهم هذا أم لم يعجبهم. خضنا نقاشات ~~حماسية حول ما كانت عليه السينما، وما يمكن أن تصبح عليه في حياتهم. أعرف أنهم استفادوا - ~~وإن لم يكن بما يداني استفادتي - من قراءة أعمال كل من: جاريت ستيورات وماري آن دون ~~وديفيد رودوفيك وفيفيان سوبشاك وديفيد بوردويل وفريدريك جيمسون ويوري تزيفيان وجيمس لاسترا ~~وفيل روزين وروبرت راي وكريستيان كيثلي وتوم جاننج وإدوارد برانيجان، ومن مقابلتهم. كما ~~استفادوا بقدر أكبر من زملائي الذين جعلوا برنامج ييل الناشئ نابضا بالحياة والنشاط. كما ~~صقلت أفكاري بفضل المحادثات المستفيضة مع كثير من هؤلاء، وخصوصا: فرانشيسكو كاسيتي ~~ونوا ستايماتسكي وجون ماكاي وتشارلز ماسر وبريدجيت بوكر وديفيد جوسليت. كانت مدينة تورونتو ~~الموطن الثاني الذي ترعرعت فيه أفكار هذا الكتاب؛ إذ تبلور هذا الكتاب عام 2004 في مركز ~~الدراسات الإنسانية في جامعة تورونتو؛ حيث نظم تشارلي كيل حلقة نقاشية مكثفة بحضور ستة ~~طلاب موهوبين. وانتهى الكتاب عام 2009 في جامعة يورك؛ حيث دعتني تيمينوجا تريفونوفا ~~لاختبار الفصول التي كتبتها، في مناخ فكري مثالي. وخلال تحضيري لكل هذه الحلقات النقاشية، ~~نشأت أهم الأفكار التي عنت لي في حوار مثير مع أنجيلا دالي فاتشي، ومن محادثات مستمرة ~~مع جيمس تويدي وناتاشا دوروفيكوفا ودانيل مورجان وبراكاش يانجر ولويس شوارتس. ثم يأتي دور ~~توماس ms001 إلسيسر الذي كان دائما صاحب إدراك حاد، وذكاء بلا حد ، في ييل وعبر العالم. ~~وينبغي أن يكون التبادل الأكاديمي دائما غزيرا ومفيدا هكذا. # علمني كثير من الباحثين الفرنسيين، بالمثال كما بالنقاش، أهمية وجود أكثر من توجه ~~لنظرية الفيلم، ومن هؤلاء: ريموند بيلور وروجيه أودان وجاك أومو وميشيل لاني ومارك فرنيه ~~وميشيل ماري وفيليب دوبوا. منذ سنوات مضت، شجعني جون ناربوني، وكذلك أندريه لابارت، فيما ~~كتبته عن الناقد الفرنسي أندريه بازان، وكان رائعا البقاء على تواصل معهم. ذكرني ~~حضورهم بغياب جانين بازان التي كانت صديقة عزيزة. يحزنني ألا أستطيع أن أرسل إليها ما ~~كتبته. أود شكر كل من في دورية «كاييه دو سينما» التي زرتها مرارا كي أستحضر عبق ~~تقاليدها، وأتحدث مع كلودين باكو وإيمانويل بوردو وجون ميشيل فرودون، الذين واصلوا ذلك ~~التقليد على نحو مبهر ووسعوه، حتى حينما كانت ملكية الصحيفة تتبدل. ولعلها تصمد ~~وتستمر في الإسهام في ثقافة فرنسا السينمائية الفريدة. ولسعادتي، قابلت جون ميشيل في أنحاء ~~مختلفة من العالم، وخصوصا في نيو هيفن؛ حيث كان برفقته أكثر من مرة - بفضل دلفين سيل ~~وساندرين بوتو، العاملتين في مكتب الخدمات الثقافية الفرنسية في نيويورك - أرنو ديبليشان ~~الذي أصبحت أكثر إعجابا بأفلامه بعد أن سمعته يتحدث باعتزاز شديد عن بازان وتروفو ~~وداني. لكن الفضل الأكبر أدين به لهيرفي جوبير-لورينسان؛ لمساهمته فيما نعرفه عن بازان، ~~والطريقة التي سنفكر بها فيه في المستقبل. لا أدين له فقط بكثير من الأفكار المكونة لجوهر ~~هذا الكتاب، ولكن أيضا بالطموح للبحث عن جانب من فكر بازان أكثر مدعاة للحيرة، ثم قراءة ~~أعماله في ضوء معايير الماضي المحافظة، وبكامل عطائه. أخذني هذا المسعى إلى أماكن كثيرة، ~~وأفلام كثيرة، وظل يفعل ذلك سنوات كثيرة - وإن لم يكن هذا كافيا بعد - بصحبة ~~ستيفاني. # دعيت لاختبار بعض من هذه الأفكار بصورة مبدئية في معاهد عدة. دعوني أخص بالذكر بعض ~~المحادثات التي لا تنسى في جامعة بيتسبرج مع كولين ماكيب، وفي جامعة ستانفورد مع سكوت ~~بوكاتمان وبافلي ليوي، وفي جامعة كونكورديا ms002 مع مارتن لوفيفر، وفي جامعة فاندربيلت مع سام ~~جرجس ، وفي جامعة كامبريدج مع ديفيد تروتر. # طبعت أقسام مختلفة من هذا الكتاب في مطبوعات مثل: «فيلم كوارترلي» المجلد 57 (العدد 3) ~~والمجلد 61 (العدد 4)، و«سينماز» المجلد 17 (العدد 2)، وكتاب «عتبات السينما» (شيكاجو: ~~أودين، 2007). # أما غلاف النسخة الإنجليزية من الكتاب والمأخوذ من كتاب «جمهورية الصور» لآلان وليامز، ~~فهو مهدى من دار نشر جامعة هارفرد؛ وجميع حقوق الطبع محفوظة للرئيس وللزملاء في هارفرد ~~كوليدج. وأعيدت طباعة غلاف كتاب «السينما الفرنسية: من بداياتها حتى الآن» لريمي فورنييه ~~لانزوني بإذن من مؤسسة كونتنيووام؛ وحقوق الطبع محفوظة لكونتنيووام إنترناشونال بابليشينج ~~جروب، 2004. # دادلي أندرو # | مقدمة # | هدف دراسات السينما # لا يظهر جوهر أي شيء في البداية، ولكن في منتصف الطريق، أثناء تطوره، حينما تتأكد ~~قوته. # جيل دولوز، «السينما 1» # 1 # ما هي السينما؟ دعوني أريكم! # هذه هي المهمة السامية لهذا «البيان»، وهي مهمة أود إنجازها بالاستعانة بأمثلة ~~كثيرة؛ ففي نهاية المطاف، تجسد سعي بازان في 2600 مقال «راجعت»، بكل ما تعنيه ~~الكلمة، عددا ضخما من الأفلام من جميع الأنواع. لكن لهذا الكتاب مهمة أخرى؛ فحتى لو ~~كانت هناك مساحة كافية، فلن أذكر الكثير من الأفلام؛ لأنه ليس أي عنوان ننتزعه من ~~آلاف العناوين التي تتدفق كل عام عبر أجهزة العرض يفي بالغرض؛ وليست كل لفة من ~~أشرطة السيليولويد المصورة تنتمي إلى صنف «السينما» وفق فهمي لتعريفها. # بالطبع، يتعلق الأمر بالتعريف. لذا، دعوني أتحدث بطريقة مباشرة: أخذت السينما شكلها ~~المحدد عام 1910 تقريبا، وبدأت تتشكك في تكوينها في وقت ما في أواخر ثمانينيات ~~القرن العشرين. لست أول من أصدر هذا الإعلان المتأخر عن ميلادها؛ فقد فعل ذلك إدجار ~~موران عام 1956 في كتابه «السينما أو الإنسان الخيالي»؛ إذ عنون أحد ~~فصوله «تحول السينماتوغراف إلى سينما». # 2 # والواقع أن موران كان يذكر بتوسع فكرة طرحها أندريه مالرو في مقاله في ~~عام 1940 بعنوان «مخطط لسيكولوجية السينما» الذي ميز بفعالية بين العروض «التقديمية» ~~الجذابة التي أنتجها اختراع الأخوين لوميير وبين «التمثيلات» المكونة من ms003 تجميع لقطات ~~تستغرق المشاهد، لكنها تبدو مستقلة عنه. # 3 # وقد برر جيل دولوز في عام 1983 رفض هنري برجسون في عام 1908 للآلة، ~~بالإصرار على أن الفيلسوف لم يأخذ في اعتباره إلا آلة «السينماتوغراف»، ولم يكن قد شعر ~~بعد بالفرق الذي تمثله السينما التي انبثقت بعد ذلك بفترة قصيرة بوصفها طفرة ~~كاملة. # 4 # صمم دولوز مصنفه المذهل لأنواع الأفلام، مصرحا بمزاعم كبرى عن ~~براعة هذا الفن، مع بدء إدخال العمليات الرقمية في أساليب الإنتاج في الاستوديو، وحينما ~~كانت شرائط الفيديو قد بدأت في تغيير ملامح التوزيع والعرض. بعد دولوز، ظهرت طفرة جديدة ~~سميت إجمالا «الوسائط الجديدة»، وهي التي وضعت هيمنة السينما المتفاخر بها موضع ~~الشك، على أقل تقدير. # والواقع أن دراسات السينما التقليدية تمر بحالة دفاعية؛ لأن «فكرة السينما» آخذة ~~في التغير من حولنا. يجمع الدارسون الشباب، وهم يراهنون على المستقبل، ببلوجرافيات ~~تتحدث عن «اضمحلال السينما وموتها»؛ ويستخلصون دروسا من كتاب سيجفريد زيلينسكي ~~المعنون بجرأة ب «رؤى سمعية: السينما والتليفزيون بوصفهما محطتين في ~~التاريخ». # 5 # هل مرت السينما بالفعل بتحول لا علاج له؛ لكونها حساسة جدا للتغيرات في ~~التكنولوجيا والثقافة (أكثر حساسية من الرواية على سبيل المثال؟) حتى لو كان هذا ~~صحيحا، فأنا أعتبر أن السينما مميزة داخل نطاق الظواهر السمع-مرئية. يهدف هذا ~~التمهيد إلى فك بعض الخلط في الأفكار المتبقية عقب موجة المد الرقمي. بعد ذلك، يمكنني ~~رسم مخطط جمالي للسينما لا يدين بأي شيء لما هو رقمي، وإن كان من الممكن أن يتعايش مع ~~التكنولوجيات الجديدة ويستفيد منها. في حقيقة الأمر، ليس المد الرقمي موضع نقاش في هذا ~~الكتاب بقدر «خطاب المد الرقمي» الذي قد يقلل بعضه بتكبر من مركزية السينما نفسها ~~أو يتجاوزها. # لا أقصد هنا تنفير المخلصين لمقولات ما بعد الفيلم أو ما قبل السينما بالقول إننا ~~ندرك ما الذي كانت السينما تظنه عن نفسها حينما كانت تتقدم دون أن يتساءل أحد عن ~~هويتها وقدرتها، وحينما حققت إدراكا مكتملا لمكانتها وإمكانياتها، وزادته ~~تفصيلا. يستطيع المرء أن ms004 يشير إلى التنوع الكبير في الصيغ التي تندرج تحت أسماء مثل ~~«بدايات السينما» و«الوسائط الجديدة» ويتمتع بتميزها؛ ويركز في الوقت نفسه مع ذلك ~~على ما أصبحت عليه السينما في أيام مجدها وما لم تزل عليه، كما سأوضح. لذا، دعونا نضع ~~المعيار العام نصب أعيننا، ونركز على الهدف دون أن نبدي حنينا إلى الماضي أو ~~نكوصا. فالأفلام التي طورت شكلا متماسكا بعد الحرب العالمية الأولى، واستمرت فوق ~~القمة سبعين عاما، بوصفها الشكل الفني الأشهر والأكثر حيوية، تبرز بقوة للمشاهدة ~~والمراجعة. ما هو المرشح الآخر الذي يمكن أن يعرفه زيلينسكي بأنه «محطة في ~~التاريخ»، باستثناء الفيلم الروائي الطويل القوي الذي يرى أنه سد الباب لفترة أطول ~~مما ينبغي، مانعا دخول أي وسائط أخرى؟ ماذا أيضا في أذهان النقاد حينما يقولون إن ~~السينما في اضمحلال فيما عدا الأفلام الروائية الطويلة كما عرفناها ودرسناها؟ # بالطبع، طالما كانت هناك أنواع أخرى من الأفلام التي تمثل «أفكارا عن السينما» ~~مختلفة عن هذا النوع السائد. ماذا سنسمي منتجات العقد الأول من عمر وسيط السينما، ~~حينما لم تكن كلمة «مبتكر» تنطبق فقط على من يطلبون براءات الاختراع، ولكن أيضا على ~~الحرفيين الذين صنعوا الأفلام، ورواد الأعمال الذين مولوها، ووجدوا ~~جماهير (أو كونوها)؟ أيا ما كان الاسم الذي أطلق ~~على هذا الوسيط، فقد تطور مرتبطا بالممارسات الصحفية والترفيهية والعلمية، وحتى ~~الروحية، التي أثر كل منها في صناعة الأفلام الوليدة وفي مشاهدتها، كل بطريقته. ~~يحدد اسم «سينما العروض الجذابة» فكرة ما عن السينما، كانت منتشرة في تلك الفترة. ~~ويتضمن وينظم استخدامات معينة للتكنولوجيا، وممارسات معينة لصناع الأفلام ~~والعارضين، فضلا عن عادات المتفرجين ورغباتهم التي تتجلى في شهادات كتبها صحفيون ~~ومعلقون ثقافيون؛ بل إنه يتضمن بالفعل، وعلى نحو خاص، البروتوكولات والقوانين التي ~~أرسيت لتنظيم هذه الظاهرة الجديدة. # أصبحت «سينما العروض الجذابة» منذ تطويرها في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين، ~~فكرة قوية ومميزة عن السينما. وبغض النظر عن النتيجة، فإن التنوع الرائع الذي ~~ضمته هذه الفكرة المتميزة، حل محله تدريجيا نمط قصصي ms005 منظم، أو حول إلى هذا ~~النمط، ثم أصبح بعد ذلك ما سمي «النظام الكلاسيكي»، أو «نظام الاستوديو». ولا تنطبق ~~هذه الفكرة فقط على صناعة ترفيه متكاملة، ولكن على تصور لناتج هذه الصناعة البراق، ~~وهو الفيلم الروائي الطويل. وسواء أصدر هذا الفيلم من أحد استوديوهات هوليوود ~~الثمانية، أم أنتج في أي مكان في العالم، في صورة «الأفلام الاعتيادية»، فإن ~~السينما الكلاسيكية سيطرت على فترة ما بين الحربين العالميتين؛ وبالفعل، مثلت ~~النمط السائد بعد ذلك بفترة طويلة (ولم تزل تعرض، ~~وتستحوذ على نصيب كبير من الشاشات في مجمعاتنا السينمائية اليوم). لكن بحلول عام 1965، ~~أدرك أي شخص له اهتمام عميق بالسينما قيود المفهوم الكلاسيكي. حتى في عقدي ~~الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، تنافس كثير من الأفلام «غير الاعتيادية» ~~مع الأنواع السائدة، وعادة ما كانت تدعمها الأفكار السياسية أو الجمالية للمنتجين ~~المستقلين أو مؤسسات الدولة. وبمزيد من الإلحاح، سألوا: كيف ينبغي أن تعمل الأفلام في ~~المجتمع؟ وكيف ينبغي أن تصنع وتشاهد؟ وكيف ينبغي أن يكون شكلها وصوتها؟ منذ عشرينيات ~~القرن العشرين حتى ظهور «الموجة الجديدة». كانت هذه الأسئلة يجاب عنها ببدائل جريئة ~~ومتحفظة في آن واحد، حادت بعيدا عن العرف السائد الذي كان هناك إحساس مع ذلك بأنه ~~مهيمن، إن لم يكن حتميا. # وخلال العصر الذهبي لنظام الاستوديو، بقيت أقوى الأفكار البديلة عن السينما، باستثناء ~~الرسوم المتحركة، حية في أنماط غير روائية؛ مثل: الوثائقيات والأفلام التجريبية ~~والأفلام القصيرة، وكذلك في الأفلام التعليمية والصناعية وأفلام الهواة. كل تلك ~~الأنواع، وكذلك الأفكار المستفيضة المتعلقة باستخدامات السينما وقدراتها التي وضعت ~~موضع التطبيق، تجبرنا على النظر إلى الوسيط السينمائي نظرة شاملة وواسعة؛ حيث تحتفظ ~~بمساحة يمكننا رسم مخطط لها على هيئة دوائر متحدة المركز، تقع على مسافات مختلفة من ~~الهدف المركزي، وهو الفيلم الروائي الطويل. هنا، نتبع خطى أندريه بازان الذي ربما ~~أعجبته «عبقرية النظام»، وكتب بكثرة عن تشارلي تشابلن وبريستون ستورجس ووليام وايلر، ~~فضلا عن أفلام الغرب، لكنه شعر بأنه يجب عليه بالقدر نفسه الاحتفاء بالرسوم المتحركة ms006 ~~(مثل أعمال نورمان ماكلارين) والمجموعات الأرشيفية (باريس 1900)، وأفلام جون بانلوفي ~~العلمية الغريبة القصيرة. مع ذلك، فإن التركة النقدية - التي منحت طابعا مؤسسيا - ~~المحيطة بالأفلام الروائية الطويلة، تسببت في أكثر النقاشات حدة وقوة في نظرية ~~الفيلم، وهذا بلا شك بسبب التبعات الاجتماعية لشيوع هذ الأفلام، وتداخلها السهل مع ~~جماليات الرواية والمسرح، وكذلك ارتباطها بسوق الترفيه في العالم كله. # مثل هذه النقاشات، سواء أكانت بسبب أفكار آتية من داخل عالم الفيلم الروائي ~~التخيلي، أم بفعل تحدي النماذج التي تحيط به من الخارج، جعلت دراسات السينما أحد ~~أكثر المجالات المفعمة بالنشاط في العلوم الإنسانية على مدار العقود الخمسة الماضية. ~~واحتمال اضمحلال هذه النقاشات هو أدعى للقلق من التحول المحتمل لموضوعها؛ ذلك لأن ~~فهمنا المتزايد النضج للطريقة التي عملت بها الأفلام، وكيف أصبحت تعمل بهذه الطريقة، ~~يمكن أن يرشد دراسة أي «سمع مرئيات» تجذب انتباهنا، سواء تلك التي كانت موجودة ~~قبل ظهور الأفلام أو تلك التي ظهرت في هذا القرن الجديد. ومثل عامة الجمهور، انجذب ~~الدارسون والمفكرون نحو السينما الروائية بسبب حجمها الكمي المجرد، وبسبب آثارها ~~النفسية الاجتماعية، وبسبب الجهود الإبداعية الذي بذلها أولئك الذين سعوا لتغيير ~~مسيرتها من داخل الوسيط أو من خارجه. انحرف كثير من أفضل العقول في العلوم الإنسانية ~~عن مساعيهم الأدبية أو الفلسفية أو الثقافية الاجتماعية أو التاريخية لتفسير طبيعة أكثر ~~وسائط القرن العشرين مهابة. لقد أنتجوا في ~~الكثير من الأحيان مقولات ومواقف معقدة وإبداعية وحماسية، كما أنتجوا طريقة في التفكير، ~~ونموا غريزة للنظر والاستماع. وحتى إذا كان معظم ما كتب يمكن تجاهله بلا خسارة ~~حقيقية، فإن هذا الخطاب - هذا الدفع لفهم كيفية عمل الفيلم الروائي - قيم. وسيكون ~~معنى إدراج هذا داخل فكرة أشمل عن تاريخ السمع مرئيات، أو تبديده في مجال الدراسات ~~الثقافية المثير للارتباك، أو أن يصبح - على سبيل المثال - مساحة اختبار أخرى لدراسات ~~الاتصال، هو فقدان شيء كانت قيمته مستمدة دائما من الكثافة والتركيز اللذين ~~تستدعيهما الأفلام وتستلزمهما أحيانا. # شجع ظهور التكنولوجيا الرقمية زيلينسكي وآخرين على رفع ms007 أبصارهم عن السينما التقليدية ~~بوصفها الهدف الرئيسي لما أخذ اسم دراسات السينما. وبالفعل، يبدو العمل الأكاديمي ~~مشتتا، على الأقل لحظيا ؛ حيث حيدت مسائل الوسائط الجديدة والعمليات الرقمية ~~الموضوعات النظرية الأخرى في المنشورات والمؤتمرات أو احتلت موقعها. ظهرت مجموعة أخرى ~~من التصورات في كل مستوى، من الإنتاج إلى المشاهدة. وبدلا من تأييد التصريحات التي ~~ظهرت في الألفية الجديدة بشأن التحول الكامل لنطاق الوسائط الإعلامية أو شجبها، دعونا ~~نستغل فرصة الانعطاف الرقمي للسينما الذي لا يمكن إنكاره، لإعادة التفكير في ماضي الفن ~~السينمائي وقدرته الكامنة. # تفترض جماهير اليوم أن صناع الأفلام يصنعون تجارب سمع مرئية بالكامل، مشجعين ~~فكرة أن الأفلام لم تكن دائما إلا مجموعة من المؤثرات الخاصة، أو ما يسمى «أثر ~~السينما»، كما عنون شون كيوبيت كتابه الطموح. # 6 # هذه هي الرؤية التي يقترحها ليف مانوفيتش بطريقة مباشرة؛ فالأفلام من وجهة ~~نظره أدوات تخدم هدفين؛ وهما: «الكذب، والتمثيل». # 7 # وبتقديمها بهذا الشكل، تتوافق السينما على نحو مثالي مع التاريخ السياسي ~~والاجتماعي، بينما تنشر الأفلام، بوصفها «آلات عرض الأشياء المرئية»، # 8 # إما لبناء تمثيلات مصممة سلفا، مضللة لا محالة (أو «متحيزة»، ~~بتعبيرنا)، وإما لاستخراج رد فعل مباشر ومحسوب من المشاهد. # أقصد هنا تقديم فكرة جد مختلفة عن السينما، وهي فكرة لا تتوافق مع أي من عنوان ~~كيوبيت أو نصوص مانوفيتش: فالسينما ليست - أو لم تكن دائما - وسيطا يتعلق بالمؤثرات ~~الخاصة في المقام الأول. الأفلام، التي يهتم بها بعضنا أكبر اهتمام، ويعتبرونها محورية ~~لمشروع السينما كله، لها مهمة أخرى مختلفة تماما عن الكذب أو الإثارة؛ تهدف للاكتشاف ~~والالتقاء والمواجهة والإفشاء. إذا كان هناك شيء يتعرض للخطر بسبب الثقافة السمع-مرئية ~~الرقمية الجديدة، فإنه الشهية لهذه اللقاءات التي يمكن أن تنتجها هذه الرحلات ~~الاستكشافية. من الواضح أن كثيرا من الناس يشعرون أن العالم، والبشر الذين يسكنونه، ~~تم استكشافهم بما يكفي، ولم يعد هناك ما ينتظر إعلانه، على الأقل في وسيط يهيمن ~~عليه الترفيه والإعلان. # من قبيل المفارقة أن عددا من رحلات الاستكشاف السينمائي العظيمة الأولى ms008 انطلقت في ~~خدمة الدعاية والإعلان. فقد مولت إحدى شركات تجارة الفراء فيلم «نانوك ابن الشمال» ~~(«نانوك أوف ذا نورث»؛ روبرت فلارتي، 1922)؛ ومولت شركة ستروين فيلم «الرحلة السوداء» ~~(«بلاك جورني»، «لا كروازيير نوار»؛ ليون بوارييه، عام 1924). وكما هو الحال مع صناع ~~الأفلام، تحكم فلارتي وبوارييه فيما لديهما من مواد، وتلاعبا بها ببراعة من أجل ~~التأثير، لكنهما قاما بهذا بقدر من الصعوبة الواضحة؛ حيث تضمنت الصور والأصوات ~~المسجلة نوعا من المقاومة، محدثة اضطرابا معبرا ومهما، أعتزم إبرازه في هذا ~~الكتاب. أصر إدجار موران على ما يأتي تحديدا: أنه بينما تعكس كل الفنون أحلامنا ~~ورغباتنا، تفعل السينما هذا بشكل فريد من خلال العالم المادي نفسه، أو - بمزيد من ~~الدقة - من خلال مضاعفة هذا العالم. لذا فإن كل الأفلام هي عمليات استحضار خارقة تنتمي ~~لنا جزئيا، وجزئيا فقط. هذا الشد والجذب بين ما هو بشري وبين ما هو غريب، بين ما هو ~~شخصي وبين ما هو دخيل، الذي استغل في كل الفترات، وفي نماذج وأنواع لا حصر لها، ~~تزايدت أهميته خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، حتى ظهور «الموجات الجديدة» ~~العديدة في ستينيات القرن العشرين، التي يتجلى فيها بقوة. # يشجعني جاك أومو على حصر نطاق بحثي في: «الفترة من عام 1945 حتى عام 1960 التي هي ~~بلا نزاع أغنى الفترات، من وجهة نظر تاريخ الأفكار، بشأن الفن ~~السينماتوغرافي.» # 9 # في الحقيقة، أخطط لاستكشاف ما قبل هذه الفترة، وبكل تأكيد، سأستكمل ~~استكشاف تبعات هذه الفترة وصولا إلى وقتنا الحالي. لكن أومو على حق؛ ففترة ما بعد ~~الحرب هذه، التي كان أندريه بازان يمارس فيها هيمنته المعطاءة، ساعدت في تعميق وجدان ~~السينما ووعيها الذاتي، وفي الوقت نفسه، وسعت سلطانها الثقافي حتى أصبحت تقف بفخر ~~بجانب الفنون الأخرى بوصفها مصدرا للفلاسفة والمنظرين وعلماء الاجتماع، وأي شخص مهتم ~~بالموقف الإنساني في الحداثة. # تنطبق فكرة السينما التي عبر عنها بازان بأفضل طريقة على كل الأفلام والأصناف ~~والأنواع، في كل الفترات. إلا أن أبرز الأمثلة التي تظهر هذه الفكرة على نحو ms009 واع ~~تخطر على البال؛ مثل «نانوك ابن الشمال»، و«الأربعمائة ضربة» («ذا فور هندرد بلوز»، ~~«ليه كاتر سون كوب»، 1959) المهدى إلى بازان. وإذ يخطو خارج نظام الاستوديو، بل يخطو ~~حقا خارج الاستوديو؛ فإن فيلم «الأربعمائة ضربة» وكذلك بطله الصغير، يبحثان عن ~~الاكتشاف في حد ذاته. في أحد المشاهد الرمزية، يتجول أنطوان دوانيل، أثناء تغيبه عن ~~المدرسة مع «زميله في الفصل»، في حديقة ملاه؛ حيث يدخل آلة طرد مركزي بشرية. يجسد ~~الممثل الصبي جون بيير لو شخصية دوانيل بطبيعته على أرض الواقع، ويجلس في وضع مستو ~~على جانب الجهاز الدوار من الداخل. يبدو هذا الصبي - الذي لم يكن ممثلا بعد - ~~الممدد في وضع النسر كمشهد أمام أعيننا، متسمرا وعاجزا، لكنه يظهر شعورا نقيا ~~على مركبة تدور كالمنظار المحيائي، وهي تحركه. تعرض لقطة عكسية العالم كما يراه ~~دوانيل، انقلبت الكاميرا المعانقة للحائط رأسا على عقب، ودارت بمعدل رهيب. يترنح ~~لو الدائخ خارجا من باب الجهاز الأسطواني، يتبعه فرانسوا تروفو، الذي نلمحه في الخلفية ~~زميل الصبي أو أخاه الأكبر، أكثر من كونه المخرج. في النهاية، سيخرج لو - هذا الصبي ~~المجهول الذي اختير من بين مجموعة من الصبية في صيف عام 1958 - في وضع دوراني إلى نهاية ~~الأرض، حيث يلتفت ليحدق في تروفو والمشاهد في لقطة ثابتة نهائية. ينتهي الفيلم ~~بالخفوت التدريجي على لقطة مقربة لصبي تلقى تعليمه في الشوارع بمواجهة العالم ~~ومواجهتنا. لن يتعرض لتلاعب «المخرج» بشكل كامل، ولن نعرفه نحن تماما. # المشاعر النقية لصبي. «الأربعمائة ضربة». # وجه لو ذو الأربعة عشر عاما، بمنزلة أيقونة لغموض السينما، وسجل للقائنا المبهم ~~مع صبي حقيقي يؤدي دورا في قصة مسقطة على مدينة باريس منذ 50 عاما. اللقطة الثابتة، ~~والتقطع الميكانيكي للأسطوانة، وظهور المخرج الخاطف؛ كل هذا يرفع فيلم «الأربعمائة ~~ضربة» لمستوى تجريدي يخالف واقعية صوره (الصبي والمدينة) والقصة التي يعرضها. هذا ~~فيلم عن تطلعات السينما بقدر ما هو عن تطلعات جون بيير لو الذي لن تعود حياته كما ~~كانت أبدا. إنه تسجيل لمصاعب صناعة الأفلام ومتعها، ms010 وكذلك مصاعب المراهقة ومتعها، ~~واللحظة التي ينفصل فيها الصبي اليافع عن والديه. في صدفة رمزية ومؤثرة، توفي بازان ~~في 11 نوفمبر 1958، وهو اليوم الذي بدأ فيه تصوير «الأربعمائة ضربة». سارع تروفو ليكون ~~بجانب معلمه ومربيه في لحظاته الأخيرة. الفيلم الذي طالما قرئ على أنه سيرة ذاتية هو ~~أيضا فيلم عن فكرة السينما التي دعمها بازان ونقلها للابن. # في لحظة وعي ذاتي أخرى، يذهب لو ~~وصديقه ليختبئا في السينما ثم يعودان لاحقا إلى دار العرض، وينزعان صورة للممثلة ~~الفاتنة هارييت أندرسون التي تؤدي دور مونيكا في فيلم «صيف مع مونيكا» ~~(«سمر ويذ مونيكا»، «سومارن مد مونيكا»، 1953). من وجهة نظر تروفو وكل النقاد ~~المتجمعين من حول «كاييه دو سينما» في سنواتها الأولى، كانت مونيكا أيقونة للنزعة ~~الجنسية المتحررة، وكان برجمان رمزا لصناعة الأفلام المتحررة. بانجذابه للفيلم ~~نفسه، قال جودار إن بازان علمه كيف ينتبه ويفهم العلاقة المبهرة بين الممثلة ~~والمشاهد غير المتاحة في السينما الكلاسيكية. تومئ هارييت أندرسون لنا برأسها بخبث، ~~مثلما تفعل جولييتا مازينا في نهاية فيلم «ليالي كابيريا» («ذا نايتس أوف كابيريا»، «لي ~~نوتي دي كابيريا»؛ فيليني، 1957)، ودعوني أضف: مثل جون بول بلموندو في بداياته في ~~فيلم «منقطع الأنفاس» («بريثلس»، «آ بو دو سوفل»؛ جودار، 1960). # ممثلة تخرج من تقمص الدور. «ليالي كابيريا». # من الواضح أن بازان أقر الخيال المراهق لممثلة تخرج من الدور، وتكاد تغادر ~~الشاشة، لتتفاعل مباشرة مع المشاهد المتيم. لكن دعونا لا نتسرع في ذم المراهقة، ~~وهي فترة التساؤل والوعي بالذات. أدرك بازان وجودار أن الممثل شخص وشخصية في الوقت ~~نفسه، ليس حيا فقط داخل العالم التخيلي، ولكنه، بوصفه إنسانا، حاضر لدى المشاهد ~~أيضا. لا ينتقص الوعي بالذات من الخيال (بالضرورة على الأقل) لكنه يسمح لنا برؤية ~~الشرارة التي تقفز من العالم إلى داخل العمل. «لإعادة اختراع السينما» أو «لصنع فيلم ~~وكأنه للمرة الأولى»؛ مثل هذه المقولات يمكن أن يعيد اقتباسها فقط من عرفوا تاريخ ~~السينما عن ظهر قلب، ومخرجي «الموجة الجديدة» الذين درسوا في المعهد السينمائي ~~الفرنسي، ms011 الذين اعتبروا أنفسهم بفخر أول جيل يمتلك مثل هذه المعرفة. كان الوعي الذاتي ~~يفهم بشكل متناقض بوصفه شرطا لإعادة السحر للسينما. # سينما باحثة. # تقلب مزاج لو وبراعته الوقحة يمثلان جنون السينما النابض في دورية «كاييه دو ~~سينما». هذا التوجه، أو دعونا نسميه «خلقا»، كان يرى أنه يسم السينما الفرنسية ~~بأسرها بدرجة كبيرة، حتى إن لقطة «الأربعمائة ضربة» الثابتة الشهيرة تحدق للخارج من ~~غلاف كتاب التأريخ النموذجي لهذه السينما القومية. # 10 # وكما رأى آلان وليامز، مؤلف هذا التأريخ، بوضوح؛ فالمراهقة فترة نضوج ~~وتمرد وشهوانية أيضا. توضح غزارة الموجة الجديدة النمو المفاجئ الذي مر به الوسيط ~~السينمائي في مفهومه الذاتي الموسع بعد الحرب العالمية الثانية؛ ذلك أن الكاميرا ~~أخذت تحيد عن المنطقة المألوفة، وتواجه عالما صادما في أغلب الأحيان؛ حادت، كما ~~يفعل المراهقون حينما يحيدون عن الأعراف، عن «سينما الأب» التي حجبت الشباب الفرنسي ~~عن الجنس الحقيقي، والموت الحقيقي، والتاريخ الحقيقي. ربما تبدو مواجهة نظرة مونيكا في ~~دار العرض ثم سرقة صورتها بجرأة واصطحابها إلى المنزل لتصبح «فيتيشا» إشارة صبيانية؛ ~~لكنها إشارة إلى لقاء يمكن أن تؤدي قيمته إلى اكتشاف ما، وأحيانا إلى مواجهة. هذه ~~هي القيمة التي يحدد مسار تحليقها مدار هذا الكتاب. # سينما مغرية. ~~••• # بينما يهدف هذا المدار أن يشمل السينما في كل الأزمان والأماكن، فأنا أجعل غالبيته، ~~لأغراض الملاءمة والوضوح، تمر فوق فرنسا، أكثر الملتقيات صخبا بنقاشات الأفكار ~~السينمائية المتنافسة، وأكثر الدول مجلات سينمائية، وأوسعها تنوعا في الأفلام ~~المعروضة، وكما يزعم، أعمقها تغلغلا للفن في الثقافة عموما. ومن أجل الملاءمة ~~والوضوح كذلك، أستعين بأمثلة ناضجة، من قبيل فيلم «المصير الخرافي لأميلي بولان» («لو ~~فابيلو دستان داميلي بولان»؛ جونيه، 2001) الذي أستشهد به مرارا. كيف يمكنني أن ~~أتجنب أميلي التي يزين وجهها المبهج غلاف دراسة مسحية حديثة عن السينما ~~الفرنسية، # 11 # تتنافس مع كتاب آلان وليامز في مبارزة للصور الأيقونية. يفتخر مخرج فيلم ~~«أميلي»، جون بيير جونيه، بتقديم فكرة محدثة عن السينما، ترفض بوضوح فكرة «الموجة ~~الجديدة»، وتتعرض لانتقادات مجلة «كاييه» ms012 خلال ذلك. وبينما اكتشف تروفو لو في تجربة ~~أداء لكثير من صبية الشوارع الفقراء، فإن جونيه، مثل آلاف آخرين، أطال النظر إلى أودري ~~تاتو على لوحة إعلانات فوق ميدان بلاس كليشي. # 12 # هذا التعارض البسيط، على الرغم من دلالته، سيؤدي إلى تعارضات أخرى لا حصر ~~لها، لا تسفر فقط عن فيلمين مختلفين، ولكن عن فكرتين متنافستين عن السينما تتواجهان ~~اليوم في باريس وجميع أنحاء العالم. # أعني بكلمة «فكرة» تصورا مهيمنا يمكن الإحساس به في كل مستوى من مستويات ظاهرة ~~السينما. دائما ما تمتلك القرارات التي يصنعها المنتجون بعض التصورات الضمنية في ~~جوهرها. وعادة ما يتوافق هذا مع ما يفهمه الجمهور عن تجربتهم أو ما ينبغي أن تكون ~~عليه. تدعم الأنماط (الروائي والوثائقي والحركي) والأنواع السينمائية (الخيال العلمي ~~والدرامي الوثائقي والرسوم المتحركة) فكرة ما عن السينما. وهذا ما يفعله كذلك النقاد، ~~والمدونات، والمحادثات العابرة بين الأصدقاء وهم يناقشون ما شاهدوه؛ إذ يستدعون، بل ~~ويوضحون، القيم التي هي على المحك. أوضح جيمس لاسترا كيف أنه في وقت ميلاد الصور ~~المتحركة، ومرة أخرى في الانتقال إلى السينما الناطقة، كان المخترعون والمنتجون ~~والنقاد يحملون أفكارا لم تتوافق تماما. # 13 # والأمر نفسه يصدق بلا شك على انتقالنا إلى التقنية الرقمية. على الرغم من ~~ذلك، وخلال هذه الانتقالات، وعلى مدار تاريخ وجود الوسيط السينمائي، أثارت السينما ~~(وأكدت أحيانا) ادعاء بشأن الواقعية لم يقدر أي نوع من الفنون قبلها على ~~إثارته. وكان بازان، من بين كل من تفكروا في هذا الادعاء بتعمق، هو الأفضل ~~إدراكا للطريقة التي أزاحت بها السينما، أو يمكن أن تزيح بها، سيطرة الإنسان على ~~العالم الطبيعي والاجتماعي الذي نسكنه، العالم الذي نراه في الأفلام. لا تستنفد ~~الاستراتيجيات التي اشتهر بدعمها، مثل اللقطات الطويلة، والتصوير بالعزل العميق، ~~والقيم الموعودة من مثل هذه التقنيات والأساليب (كشف المتغاضى عنه، والغموض، والغريب) ~~ما تتيحه هذه الفكرة. تجد كل فترة سينماها عالقة بالفعل في شبكة معينة من التكنولوجيات ~~والأساليب والأذواق والأنواع السينمائية؛ وتنطبق فكرة بازان عن السينما فيما ms013 وراء شبكة ~~ما بعد الحرب العالمية. وأنا آخذ على محمل الجد واحدة من أكثر مقولات بازان اقتباسا، ~~وهي: «باختصار، فإن السينما لم تخترع بعد.» كان «سعي» بازان لتتبع الطريقة التي يفضي ~~بها ماضي السينما إلى مستقبلها مركزا في ~~سؤال «ما هي السينما؟» وأنا أعتبر هذه ~~«مهمة» لا ينبغي التخلي عنها في فترة تختلف عن فترة عام 1958، حينما شرع فيها بازان. ~~حتى لو كان «وجود السينما يسبق جوهرها»، بحيث لم يكن بازان ليقيم وزنا لأي إجابة عن ~~سؤاله، ولا ليقبل عنوان كتابي المستفز عن عمد، فربما ما زال يمكننا قول شيء جوهري ~~بشأنها. لذا دعونا نقل هذا: إن السينما الحقيقية، مهما يكن مظهرها أو زمنها، لها ~~علاقة بما هو حقيقي. ~~••• # لكي نكتشف هذه الفكرة القوية عن السينما ثم نواجهها، أقترح أن نقوم برحلة قصيرة في ~~مجال خضع بالفعل لسيطرة نظرية الفيلم التقليدية، ولرعايتها على وجه الخصوص. وبينما ~~يمكن تقسيم النقد الأدبي إلى أفكار متعلقة بالنصوص وأفكار متعلقة بالقراءة، مالت نظرية ~~الفيلم للانقسام إلى ثلاثة ميادين من البحث، تتطابق مع مراحل أو لحظات التشكل الثلاث ~~التي يمر بها أي فيلم وهي: التسجيل، والتركيب، والعرض. ويمكن ربط كل مرحلة بجهازها ~~الأساسي المخصص لها: الكاميرا، والموفيولا (آلة التحرير)، وجهاز العرض. يمكن الإلقاء ~~باللوم في محنة نظرية الفيلم، إن لم تكن محنة السينما نفسها، على التعديل والتحديث أو ~~التوقف عن الاستخدام لكل واحدة من تلك الآلات بعد أن حلت تقنية القرن الواحد والعشرين ~~الرقمية محل آلات ترجع بالفعل إلى القرن التاسع عشر. يعتقد أن التقنية الرقمية ~~تتقن أي عمليات كان سلفاها التناظري أو اليدوي معدين لأدائها. تحسن التقنية ~~الرقمية تلك العمليات وتوسعها وتبدلها، مؤدية إلى تحقق السيطرة الكاملة. ~~وتدفعنا مثل هذه الثورة التقنية للعودة إلى العمليات الأساسية للسينما، مرحلة تلو ~~أخرى، لرؤية ما تبقى من ظاهرة السينما بعد التغييرات الكاسحة التي حدثت على مدار ~~العقدين الماضيين. # هذه العمليات هي واجهات تفاعلية بين البشر وعالمهم الخارجي. كل واحدة من تلك الواجهات ~~التفاعلية المسماة بناء على الجهاز ms014 السينمائي المناسب لها، تستحق فصلا كاملا من ~~النقاش، في ظل وجود ضغط ناجم عن ظهور التقنية الرقمية على الأفكار التي نضجت في منتصف ~~القرن العشرين. ويفرض فصل إضافي نفسه، وهو مخصص لأولوية «الموضوع» والمكان الخاص الذي ~~يشغله في نظرية الفيلم وفي النقد؛ لأنه إذا كان بازان على صواب، فإن السينما حققت ~~ذاتها - وتستمر في التطور كما هي - من خلال عمليات مواجهتها وتكيفها مع العالم الذي ~~صنعت من أجله. تشكل الموضوعات الرئيسية للفصل الأخير، أي افتقار السينما المتأصل ~~للنقاء وميلها للتكيف، الاتجاه العام لمهمة هذا الكتاب المتناقضة: تحديد السمات ~~الدائمة لظاهرة لا توجد إلا مرتبطة بشيء متجاوز لها. # | هوامش # الفصل الأول # | بحث الكاميرا في العالم # صناع الأفلام السيئون لا يمتلكون أي أفكار، بينما يمتلك صناع الأفلام الجيدون أفكارا ~~أكثر مما ينبغي، وأما أعظم صناع الأفلام فيمتلكون فكرة واحدة فقط. وهذه الفكرة الراسخة ~~تتيح لهم الثبات على الطريق وهم يجتازون مفازة دائمة التغير وجذابة دائما. وثمن هذا ~~معروف: عزلة من نوع خاص. وماذا عن النقاد؟ ينطبق الأمر نفسه عليهم [لكن لا قيمة ~~لأي منهم] كلهم إلا واحدا. بين عامي 1943 و1958 كان أندريه بازان هذا الواحد ... في ~~العالم الفرنسي ما بعد الحرب، أصبح بازان على الفور وريثا وسلفا في آن واحد. رمزا ~~للريادة والممارسة. ~~(سيرج داني، «كاييه دو سينما»، أغسطس 1983) # هل الكاميرا ضرورية؟ # بلا أي آلة تسجيل من أي نوع، عرض إيميل رينو صورا متحركة في مسرحه عام 1889. بالرسم ~~والتلوين مباشرة على ألواح زجاجية، صنع رينو مشاهد قصيرة احتاج كل منها اثني عشر ~~لوحا. في النهاية، توصل إلى طريقة يمكنه بها تدوير الزجاج على بكرات، وصنع ثلاثة ~~مشاهد، يتكون كل واحد منها من 500 لوح زجاجي. تعد هذه الألواح بألوانها الزاهية ~~أعمالا مبكرة ثمينة في فن التحريك. حتى بعد عام 1895، تجنب بعض «صناع الأفلام» ~~الجريئون الكاميرا تماما. في عشرينيات القرن العشرين، عرض مان راي وطور ورق تصوير، ~~ورتب عليه مصفوفة من الأجسام. وعرضت مخططاته الرايوجرافية عموما في المتاحف بجانب ~~الصور التقليدية، وكأنهما ms015 صنعا بالأسلوب نفسه. استخدم طريقة مان راي عدد من فناني ~~الأفلام التجريبيين، أشهرهم ستان براكيج الذي لصق أجنحة فراشات وأشياء أخرى على شريط ~~فيلم خام، ثم طبعها من أجل فيلمه الرائع «ضوء الفراشة» («موثلايت »، 1963). # مثل هذه الأمثلة الرائعة لفن السينما تبرز بوضوح لأنها مبتكرة ونادرة. وهي تنتمي ~~لما يسمى بجدارة النموذج التجريبي بسبب أنها تختبر تعريف الوسيط السينمائي وهويته ~~الدقيقين. لكنها كذلك تعتمد على التعريف النموذجي للسينما في جزء من تأثيرها. ما الذي ~~سيحدث للسينما لو استغنت أفلام كثيرة أو كل الأفلام عن الكاميرات؟ # 1 # في واحد من أكثر أفلام القرن الحادي والعشرين المتقدمة تقنيا، وهو ~~«بيوولف» (2007)، تلعب الكاميرا دورا مساندا فقط. فالشاشة نادرا ما تعكس المعلومات ~~المرئية التي حملها الضوء في الأساس خلال عدسة الكاميرا، بدلا من ذلك، فما نراه هو ~~صنيعة إعادات ترتيب كمبيوترية لعدد من العناصر البصرية المساهمة، وبعضها فقط منتج ~~بالتصوير السينمائي. يضع الكمبيوتر صورة شاملة ربما تفصل بقدر أكبر بالتصوير ~~الافتراضي؛ لهذا فإن لقطة واحدة طويلة (لم تصور قط بكاميرا في الواقع) تصبح لقطة ~~رئيسية توجه لقطات متتالية مستمدة منها عبر عمليات إعادة ترتيب هندسية. يمكن النظر ~~إلى «المشهد» وكأن كاميرا تحركت من أجل التقاط صور مقربة، أو انتقلت لالتقاط صورة ~~بزاوية 90 درجة، أو ارتفعت ثم دارت في حركة حلزونية؛ لكن كل هذا بلا كاميرا. تستخدم ~~أجهزة الواقع الافتراضي التي نقابلها في المتاحف أو حدائق الملاهي - وكذلك معظم ألعاب ~~الفيديو - الكاميرات بوصفها وسائل مساعدة من حيث الأساس في المرحلة الأولى من إنتاجها. ~~وفي مجال الترفيه السمع-مرئي، تكون الكاميرات في أفضل الحالات غير ضرورية مع تطور ~~تكنولوجيا الكمبيوتر. # على أي حال، فإن تحريك شرائط السيليولويد كان دائما يعني صنع سينما أقل اعتمادا ~~على الكاميرا. بعد تصميم آلاف الصور على أسطح ذات بعدين، تخضع هذه الصور للتلاعب ~~والتتابع لتظهر حية ومتحركة في فراغ ثلاثي الأبعاد حينما تعرض بأكبر سرعة ممكنة ~~على الشاشة. هذا هو أحد الأسباب، وإن لم يكن الأهم، لإعلان شون كيوبيت أن السينما كلها ms016 ~~من حيث الأساس نوع من التحريك، وليس العكس. # 2 # وإذا كانت هناك حتى الآن ضرورة للكاميرات لصنع الصور المتحركة والأفلام ~~التقليدية كذلك؛ فالسبب الوحيد وراء هذا هو تحويل ما صنعه الفنان على شريط السيليولويد ~~بطريقة ملائمة ليخرج من جهاز العرض. واليوم، تعرض الشاشات الصور المتحركة التي ~~صممت على الكمبيوتر مباشرة، مستغنية عن الكاميرات. ترى هل يمكن أن تتبع السينما ~~كلها هذه الطريقة يوما ما؟ يعتبر تصريح كيوبيت أحد أذكى التصريحات المستفزة التي ~~أثارتها التقنية الرقمية المقصود منها تغيير المشهد النظري تماما. # وبالفعل فإن المنظرين التقليديين؛ إذ أدركوا أن الصور المتحركة ربما تنتج بلا ~~تدخل مادي، تحول هاجسهم إلى ذعر. ألا تتطلب السينما مصدرا أو مرجعا في العالم؟ ~~وحتى لو التقطت الصور المتحركة بالكاميرا (الرقمية)، فهي تخضع للتلاعب بها متى أريد ~~هذا، كما يحدث في الرسوم المتحركة. مع ذلك، فإن الأفلام الوثائقية لم تكن في صدارة ~~النقاش كما هي الآن، حيث عادت الأسئلة عن الأثر، والذاكرة البصرية، والأصالة - ملمحة ~~في الغالب إلى أندريه بازان - للمثول بقوة. قلل فيليب روزن وتوماس إلسيسر، على سبيل ~~المثال، من شأن الحديث المنذر بنهاية السينما الذي واكب ظهور الكاميرات الرقمية ~~الأولى، قائلين إنها في الأساس تؤدي الوظيفة نفسها التي كانت تؤديها أسلافها ~~التناظرية وهي تسجيل العالم الظاهر أمامها. # 3 # وكما فعلت في الماضي عموما، فإن الإشارات الضمنية أو الضمانات غير ~~النصية بشأن مصدر صورها، تصحب معظم الوثائقيات المصورة رقميا، منبهة الجمهور ~~لموثوقيتها. ويعتمد النوع المنشق المسمى بالوثائقيات الساخرة على القاعدة التي ~~تتباهى بها. # ذلك أن الجمهور استعاد ثقته بالصور المتحركة عموما. ولم لا؟ يشتري عدد لا حصر له ~~من الآباء الكاميرات لتوثيق ميلاد أطفالهم، أو أعياد ميلادهم في أفلام منزلية يختلف ~~نمطها تماما عن الصور المتحركة. ليست الكاميرا لازمة للحياة العائلية فقط، ولكن ~~للوله الشديد بالهوية العائلية والتماسك العائلي. يعد تليفزيون الواقع هوسا ~~بالترفيه يعتمد بالقدر نفسه على الكاميرا. تراقب مدن العصر الحالي بالكاميرات أكثر ~~مما كانت تراقب في أيام شريط السيليولويد. وكما أحيت الكاميرا واقعة ms017 الاعتداء على رودني ~~كينج، فإن مجال الكاميرا اتسع؛ لأن نشر الديمقراطية يجعل كل سكان العالم مراسلين ~~محتملين. تبث الأخبار العاجلة صورا لوجه سارق بقليل أو كثير من الوضوح، التقطتها ~~كاميرا مخبأة فكرت وكالة ما في تركيبها. اضطرت محاكم القانون إلى إعادة تقييم حالة ~~الدليل السمع-مرئي بسبب هذه الزيادة في مصادر الأدلة المرئية، ولأنه محل للشك بسبب ~~سهولة التلاعب به. # 4 # يبدو أن الكاميرا أصبحت اليوم أكثر من مجرد بقايا ثقافة سينمائية آخذة في ~~التلاشي. # فهم صناع الأفلام الروائية سريعا قوة الكاميرا الرقمية واستغلوها. يضمن فيلم ~~فيرنر هيرتزوج «الرجل الأشيب» («جريزلي مان»، 2005) بطريقة فعالة سجلا رقميا كمادة ~~أولية في أعماق بحثه السيليولويدي في حياة موضوعه، وهو نصير للطبيعة مهووس، ومصور ~~هاو التهمه دب كان يحب تصويره. # 5 # وفي الفيلم الياباني «الحلقة» («رينج»، «رينجو»، 1998)، يسبب شريط فيديو ~~الموت لمن يشاهدونه. في هذه الأمثلة وكثير غيرها، تتنافس صور من كاميرات هواة مع تلك ~~التي صورت بشكل احترافي، مقدمة مستويين وجوديين مختلفين. ومما يثر الدهشة أن ~~الصورة الإلكترونية تشير ضمنيا في جميع الأحيان تقريبا إلى مستوى بدائي من الواقعية ~~يجب أن يتأقلم معه شريط السينما الروائية. نعم، «وجودية الصور الفوتوغرافية» أصبحت ~~مركز النقاش مرة أخرى؛ حيث تصبح أهمية هذا الوجود والأسئلة المتعلقة بمرحلة التسجيل في ~~صناعة السينما متزايدة القوة. # مسلمة «كاييه» # دعونا نرسم خطا عند مرحلة التحريك من غير كاميرا. بالأحرى، دعونا نرسم الخط الذي ~~يفصل تصورا للسينما عن آخر. يرقى ما أسميه «نهج كاييه» إلى مكانة دراسة لنسب ~~«فكرة عن السينما»، سبقت فكرة السينما بوصفها قصة مصورة، وتتعايش الآن جنبا إلى جنب ~~مع فكرة «السينما بوصفها قصة مصورة متحركة»، وهو ما يمكن أن أصف به معظم الترفيه ~~السمع-مرئي الحالي. انطلاقا من مؤسس الدورية، أندريه بازان، مررت مجموعة نقاد ~~«كاييه دو سينما» المرموقين (تروفو، وروفيت، ورومير، وشابرول، وجودار) الفكرة إلى سيرج ~~داني، أبرز خليفة لبازان، حتى وصلت إلى جان ميشيل فرودون، محرر الدورية في وقت كتابة ~~هذا الكتاب. إنها فكرة مجسدة في أفلام المخرج ms018 الإيطالي روبرتو روسيليني، ومن خلاله ~~تنتقل إلى مخرجي «الموجة الجديدة» الأصلاء الذين ما زال أربعة منهم يعملون؛ وتستمر في ~~إلهام مخرجين (أمثال أرنو ديبليشان، وأولفييه أساياس، وخو شياو شيان، وعباس ~~كيارستامي، ولارس فون ترير، وجيا تشانج-كه ، وكثيرين غيرهم في أنحاء العالم). زعم داني ~~ذات مرة أن هذه الفكرة قائمة على مسلمة؛ لذا دعونا نبدأ بهذه المسلمة: «مسلمة ~~«كاييه» هي أن للسينما صلة جوهرية بما هو واقعي، وأن الواقعي ليس ما هو ممثل - وهذا ~~أمر نهائي.» # 6 # ألقى داني بهذه المسلمة في وجه ما يسمى «سينما المظهر» التي ظهرت في ~~ثمانينيات القرن العشرين، تلك التوليفات الساحرة، من «المغنية» («ديفا»، 1981)، و«مترو ~~الأنفاق» («صبواي»، 1985) التي أتت من صناعة الإعلانات، وكان من شأنها أن تفضي في ~~النهاية إلى ظهور «أميلي» (المصير الخرافي لأميلي بولان، 2001). وأنا ألقي بها في ~~مواجهة خطاب مفرط في الثقة عن التقنية الرقمية. # دفع القلق الناتج من احتمالية حدوث تحكم إخراجي كامل في الصورة والمشاهد مناصري ~~الواقعية مثل أنيت كون وجون-بيير جيون، وكذلك صناع أفلام «دوجما 95»، إلى نشر مفاهيم ~~بازان، في فعل دفاعي للحفاظ على الخط الآخذ في التلاشي ضد هجوم سينما ما بعد فيلمية ~~متبجحة، تتفاخر بتلفيق الصور والتلاعب بها وبالجماهير كما تشاء. وبمواجهة الكمبيوتر ~~القوي، يتمسك التقليديون بأن الكاميرا أداة فريدة تلتقط التكوين البصري للحظة ما، ~~بما قد يكشف حقيقتها. هذه هي النظرة الكاشفة إلى السينما التي كان بازان متعلقا بها ~~على الدوام، وإن لم يكن هذا دقيقا تماما. # وربما كان جيون أشد المؤيدين اليوم للاحتفاظ بهذه النظرة؛ إذ يستنكر الطريقة ~~التي حولت بها التقنية الرقمية الانتباه من التصوير إلى المونتاج. # 7 # حينما كان صانع أفلام كلاسيكي يصرخ: «هدوء في الموقع!» كان يتخلص من كل ~~ما هو غير ضروري، حتى يعزل المكان المقدس، ولحظة الإبداع المقدسة؛ لتثبيتهما على نحو ~~دائم على شريط السيليولويد. كان الممثلون يبذلون أقصى جهدهم، ويعيدون المشهد مرة تلو ~~أخرى أحيانا حتى يخرج المشهد بطريقة جيدة، بينما تتحرك الكاميرا وطاقم الصوت في صمت ~~وفق مسارات متقنة ms019 ليجعلوا المناخ في موقع التصوير (سواء في استوديو أو في موقع خارجي) ~~يشبع الصورة أثناء تسجيل أدق انثناءات الممثلين؛ اللحظة المهمة التي تغدو فيها ~~ابتسامة ما مرتبكة، أو يرتعش فيها جفن، سواء عن قصد أو عفويا . أما اليوم، فمواقع ~~التصوير صاخبة، ويمكن أن يصبح مشهد فردي مهلهل أساسا للمشهد النهائي بعد تصحيحه، ~~سواء بالتحرير داخل الإطارات نفسها (بإبدال إيماءة خاطئة أو إزالة شائبة ما) أو بتكوين ~~المشهد كله من أجزاء المشاهد للوصول إلى شيء لم يحدث قط في الواقع. في أكثر إنتاجات ~~اليوم تكلفة، غالبا ما يحل تصوير الممثلين أمام شاشات خضراء محل تفاعلهم وجها ~~لوجه واستجاباتهم البدنية لتصميم المشهد. ما زال سحر السينما موجودا - فهذا ما يجذب ~~الملايين إلى دور العرض - لكن مصدره لم يعد في موقع التصوير، ولا في اللحظة التي ~~سجلت فيها الكاميرا شيئا لا يتكرر. فقد انتقل السحر إلى الكمبيوتر، حيث تكون ~~الموسيقى التصويرية تلفيقات إضافية مصنوعة من عشرات المسارات الصوتية، وتكون الصورة ~~مركبة من عناصر عدة، وليست وحدة متكاملة. # قدمت الحجة المؤيدة للسينما التقليدية الفوتوغرافية بالفعل في مشهد فيلمي في قلب ~~فيلم ريتشارد لينكليتر «حياة يقظة» («ويكينج لايف»، 2001)، وهو العمل الذي يصنف، ~~للمفارقة، بأنه فيلم صور متحركة. من منظور الطائرة المروحية، تهبط «الكاميرا» ~~للأسفل لتقدم الشخصية الرئيسية في الفيلم التي تقترب من دار عرض تعلن ظلتها اسم ~~المشهد: «اللحظة المقدسة». وحالما تتطلع الشخصية من أحد مقاعد دار العرض، يسهب مفكر ~~(يقدم صوته ونص كلمته كافح زاهدي) يظهر على الشاشة داخل الشاشة في الحديث عن رؤية ~~أندريه بازان الغامضة للعالم. يشير زاهدي إلى أن الكاميرا فقط هي التي تستطيع أن ~~تعيدنا إلى الواقع الكامل الذي يحيطنا لكننا نتجاهله عموما؛ إذ ننغمس في مشاريعنا ~~الشخصية الصغيرة. تستطيع الكاميرا أن تصلنا بعالم المظاهر اليومية، وبآنية لحظات ~~فردية غنية لدرجة أنها تسخر من الإيقاع المحموم الذي تتطلبه خططنا منا. يشكل هذا ~~رؤية عامة بقدر كاف لأفكار بازان، أو نزعة «بازانية» مبسطة، # 8 # ولا بد أن لينكليتر يعلمها؛ لأنه يضعف ms020 من هذه العبارات المبتذلة بالتصريح ~~بها خلال مونولوج سريع لشخص مفرط النشاط، ظاهر الاعتداد بالذات، ولا يفصح عما بداخله ~~بسهولة. ثانيا: لا يكاد زاهدي يمثل شخصية على الإطلاق، لكنه صوت مرتبط بمجموعة من ~~الخطوط النابضة المتموجة التي تتخذ شكلا بشريا؛ لأن فيلم «حياة يقظة» مصنوع بتقنية ~~الروتوسكوب من بدايته لنهايته. وعلى الرغم من أن هذا النوع من الصور المتحركة ربما ~~يكون قائما على التصوير السينمائي، فهو يعطي الانطباع بأنه خاضع للتلاعب، حتى وزاهدي ~~يعظ بجمالية قائمة على تجنب التلاعب. # بدلا من نسب آراء زاهدي إلى بازان، ربما يكون من الأفضل نسبها إلى إريك رومير الذي ~~كانت السينما برأيه دائما فن «الإظهار». تشيد مقالات رومير المبكرة مثل «العصر ~~الكلاسيكي» بالسينما وتعلي من شأنها على الأدب؛ لأنها لا تقدم لنا دلالة فعل ما ولكن ~~رؤية الفعل. نرى شخصية ما (ممثلا) وهو يؤدي شيئا ما، ونرى فورا ملاءمة هذا الفعل ~~أو خطأه. # 9 # لم يستغل أي مخرج «التجلي»، بالمعنى الذي قصده جويس، أكثر مما فعل رومير، ~~سواء أكان هذا كشفا لحقيقة من حقائق الطبيعة - مثل الصمت الذي يسبق الفجر في فيلم ~~«المغامرات الأربع لرينيت وميرابل» («فور أدفنتشرز أوف رينيت آند ~~ميرابل»، «4 أدفنتور دي رينيت إي دي ميرابل»، 1987)؛ ~~أو لون الشمس الغاربة في فيلم «الشعاع الأخضر» («ذا جرين راي»، «لو رايون فير»، 1986) - ~~أم حقيقة موقف اجتماعي ظنت الشخصية أنها فهمته (كل أفلام الحكايات الأخلاقية الست). ~~لا يعرض رومير فقط دراما بين شخصيات، ولكن دراما بين لغة محملة بالإشارات بكثافة، ~~وصور رائقة، مثلما يحدث في اللحظة الرئيسية في فيلم «ركبة كلير» («كليرز ني»، «لو ~~جينو دو كلير»، 1970)، حينما يصف برنارد فعلا بسيطا شهدته الكاميرا، وهو لمسه ركبة ~~فتاة وهما يحتميان من عاصفة مطيرة مفاجئة، ويحاول تقييم أهميته. بشكل عرضي، تنتهي ~~مجموعة أعمال رومير النقدية المعنونة «ذائقة الجمال» بقسم طويل عن جون رينوار الذي ~~يعتبر أستاذ رومير بلا منازع، رغم تعارض مزاجيهما. تعلم رومير جنبا إلى جنب هو ~~وبازان إكبار الجودة الحسية في لقطات رينوار، ms021 وجرس الأصوات - المسجلة مباشرة دائما - ~~ومفارقة قصر نظر الشخصية في عالم غني ومتسع. # الحقيقة والمظهر. «قواعد اللعبة». # لكن رؤية رومير لرينوار هي نفسها رؤية قاصرة، مثل رؤيته لبازان. فيما يخص رينوار، ~~عالم المظاهر يخدع في أغلب الأحيان، ولا يرقى إلى الحقيقة في أي حال. انظر لخطأ ~~كريستين أثناء تجسسها على زوجها وعشيقته السابقة بعد رحلة الصيد في فيلم «قواعد ~~اللعبة» («ذا رولز أوف ذا جيم»، «لا رجل دو جو» 1939). على الرغم من منظارها المكبر ~~- بل بسبب هذا الجهاز الذي يرمز للكاميرا - تسيء فهم ما تراه، فتجلب التعاسة للجميع. ~~يتمسك بازان بالرؤية نفسها حينما يكتب في مقال «أنطولوجيا الصورة الفوتوغرافية»: «يستمر ~~النقاش بين أنواع الواقعية في الفن بسوء فهم، وخلط بين الجماليات وعلم النفس، بين ~~واقعية حقيقية - هي الحاجة لإعطاء تعبير دال للعالم بجوهره وماديته - وبين واقعية ~~زائفة للخداع، تهدف إلى خداع العين (أو العقل في هذه الحالة)؛ محتوى واقعية زائفة ~~بتعبير آخر بمظاهر وهمية.» لو أمكن أن تكون المظاهر واقعية زائفة لدى بازان ورينوار ~~(ورومير كذلك)، فما الذي حدث لتجلي العالم الطبيعي الذي صنعته الكاميرا؟ هذا سبب وجيه ~~لكون أفلام رومير تتسم بالثرثرة. # لا شك أن بازان عبر عن نظرة إيجابية للصورة السينمائية المجردة. تستطيعون رؤية هذا ~~من خلال كثير من مقالاته، ومع ذلك فهو ينحاز إلى المخرجين الذين لا «يؤمنون» بالصورة ~~ولكن بالواقع. # 10 # وهو يثبت مرة تلو أخرى أن الواقع الذي يحرزه أي فيلم هو بالضبط ما ليس ~~ظاهرا في صوره. هذا هو بازان الذي تمثل الشاشة من وجهة نظره السالب الفوتوغرافي ~~للواقع، شيئا أساسيا، ولكنه تمهيدي للواقع الذي يسعى المخرج لتقديمه. «بازان ~~الغامض»، دعونا نسميه هكذا، عاد إلى النقاش الجاد عن السينما بفضل جيل دولوز وسيرج ~~داني، اللذين أدركا كلاهما ولع بازان بفلسفة تتعلق بالافتراضي، أصبحت مهيمنة. لم ~~يخف دولوز أبدا ما يدين به نهج «كاييه» ولبازان صراحة، حينما توصل إلى نظرية ~~للصورة الافتراضية في كتابه «الصورة-الزمن». وعاد داني ليعتنق أفكار بازان مرة أخرى في ~~الثمانينيات من ms022 القرن العشرين، بعد أن ترك «كاييه» وبدأ في تقييم المجتمع التليفزيوني ~~الذي كان يعلق عليه لجريدة «ليبراسيون». كتب داني قائلا: «رؤية بازان للسينما - ~~المرتبطة بشكل وثيق بفكرة السينما بوصفها «فن التقاط الصورة» - تواجه اليوم بحالة ~~للسينما لا تلتقط فيها الصورة بالضرورة من العالم الواقعي. تتجاهل الصورة الإلكترونية ~~ما تعكسه مرآة الواقع. وللمفارقة، فبسبب هذا تظل أفكار بازان جوهرية.» # 11 # لذا، دعونا نرجع إلى مسلمة «كاييه» تلك: «أن للسينما صلة بما هو واقعي، ومع ذلك، ~~فالواقعي ليس ما هو ممثل.» الواقع أن داني تبنى هذه القاعدة من رومير الذي أقر ~~رثاؤه لبازان في عدد «كاييه» لشهر يناير 1959 بصراحة بأن «كل مقال، وكذلك مجمل أعماله، ~~يمتلك قوة برهان رياضي حقيقي. فكل عمل بازان يتمحور حول فكرة واحدة، هي تأكيد ~~«الموضوعية» السينمائية، بالطريقة نفسها التي تتمحور بها الهندسة حول خصائص الخط ~~المستقيم.» ويذهب داني لما وراء رؤية رومير الإقليدية حينما يلمح بأن فهم بازان ~~للسينما ربما يكون أقرب لعلم التفاضل والتكامل، حيث تصبح الأعداد السلبية والتخيلية ~~فاعلة، وحيث يصبح الخط المقارب هو أقرب ما يمكن من الموضوعية. كان داني من أوائل من ~~أدركوا أن بازان، إلى حد كبير على الأقل، هو منظر الغياب، وكانت التصنيفات ~~السارترية الواضحة عن الوجود والعدم تفسح المجال لديه لمفاهيم وسيطة بأسماء مثل «الأثر» ~~و«الانشقاق» و«الإرجاء». ولنتذكر أن بازان زعم أن صور الأشخاص الفوتوغرافية لا تمثل ~~موضوعاتها؛ ولكنها «ظلال رمادية أو بنية، تشبه الأشباح ... يسكن فيها الوجود المربك ~~للحيوات في لحظة محددة في زمن امتدادها.» # 12 # تواجهنا السينما بشيء صامد، بالتأكيد، ولكن ليس بالجسد الصلب للعالم ~~بالضرورة. من خلال السينما «يظهر» العالم؛ أي أنه يتخذ الصفات والمكانة التي تميز ~~«شبحا». # الأشباح هي بالضبط ما يتحدث بازان عنه في مقاله «أنطولوجيا الصورة الفوتوغرافية» الذي ~~يعتبره بعض الكتاب أكثر المقالات التي كتبت عن السينما تأثيرا، وهي كلمة نادرا ما ~~تذكر. تخيلوا تأسيس نظرية فيلم لا تعتمد فقط على الصورة، ولكن على ما هو طيفي ~~أيضا! يتكرر ظهور الطيفي في مجمل ms023 عمل بازان، حتى في المراجعات السريعة للأفلام ~~الأقل أهمية. في مراجعة خاطفة لعنوانين غير مهمين، وضع إصبعه على قيمة غير ملموسة ~~شعر بها فيهما؛ حيث وجد أن بعض الأفلام «مثل مدفع جوفه محاط بالبرونز» تعرف بالفراغ ~~في مركزها. في الفرنسية ، يسمى جوف المدفع «روحه»؛ لذا، وبالقياس، يمكن تعريف جوهر ~~أفلام معينة بأفضل ما يكون بالمادة المحيطة به، ما هو واضح على الشاشة معلنا عن روح ~~خفية. # 13 # من وجهة نظر بازان، المركز الفارغ لأي تمثيل بصري هو الروح الخاوية ~~للمومياء، وهو المثال الذي يبدأ به بازان مقاله الرائع: «تكمن في أصل الرسم والنحت عقدة ~~مومياء ...» تقبع المومياء مغطاة بالضمادات الملفوفة حولها مثل أمتار من شريط ~~فيلم # 14 # على عمق كبير داخل هرم مجوف، تحميها متاهة (دعونا نسميها خطوط الحبكة) من ~~سارقي القبور (دعونا نسميهم النقاد). لسنوات، قيل: إن واقعية بازان الساذجة اعتبرت أن ~~المرئي هو الواقعي، الصورة الكاشفة التي نصل إليها بعد حل متاهة السرد أو تبديدها؛ في ~~حين كانت دائما روح المومياء هي ما كان يبحث عنه عبر ما يظهر على الشاشة. ولا عجب أن ~~بازان أصبح أشد المدافعين عن فيلم روسيليني «رحلة إلى إيطاليا» («فوييدج تو إيتالي»، ~~«فوياجيو إن إيتاليا»، 1953). في مشهد ذروة الفيلم، يظهر قالبان من الجبس لجثتين يتم ~~استخراجهما بالتدريج في مدينة بومبي الرومانية ليخاطبا (ويتهما) بطلي الفيلم ~~إنجريد برجمان وجورج ساندرز. وهكذا فإن الفراغ في قلب السينما يستجلب امتلاء العالم ~~الأخلاقي الذي يخاطبنا. # كشف القلب الفارغ. «رحلة إلى إيطاليا». # يعد مقال بازان عن «الأنطولوجيا» المكون من إحدى عشرة صفحة الأهم من بين أربعين ~~مقالا كتبها أثناء الاحتلال النازي لفرنسا. وبجانب المنشورات التي يحفل بها نادي ~~السينما، والمراجعات المنشورة في الصحف التي كانت هجومية حقا، كان مقال «الأنطولوجيا» ~~مختلفا تماما؛ حيث أعد بعناية شديدة من أجل نسخة خاصة من مجلة «كونفليونس» المرموقة ~~بعنوان «مشكلات التصوير». وبدلا من الطاقة الشبابية التي كانت تميز معظم كتاباته ~~المبكرة - وهو المتوقع من متحمس للسينما في الخامسة والعشرين من عمره - يجد ms024 القارئ ~~نوعا من السوداوية في المقال عن التصوير. والواقع أن نشر هذا المقال تضمن الموت ~~والتأجيل؛ حيث اجتاحت المليشيا الفرنسية المطبعة في مدينة ليون التي كان من المفترض ~~أن تخرجه في مايو عام 1944؛ وأعدموا الناشر، وتسببوا في تأخير ظهور المقال لما يزيد ~~على العام. # 15 # وأنا أرجع تاريخ تصور فرضية المقال الرئيسية بشأن الأثر الفوتوغرافي ~~إلى أوائل عام 1944؛ لأنه يظهر نقلة مذهلة حينما يقارن بمقاله الأكاديمي بعض الشيء، ~~الذي نشر في نوفمبر عام 1943 بعنوان «من أجل جمالية واقعية». ربما كان مناخ الاحتلال ~~بدأ في التأثير فيه، بإضفائه قناعا خادعا من الهدوء، وهمساته، وشفراته السرية، ~~ومقاومته، وتخفياته. أثناء القبوع في غرف باردة بعد بدء حظر التجوال، كتب مقال ~~«الأنطولوجيا» متمرد فقير، أكاديمي فاشل، مبهور بالظواهر الوجودية. لكن دعونا نترك ~~جانبا سيرة الحياة من أجل الفيلولوجيا، لنوضح بالتفصيل (بالمعنى الفوتوغرافي) أساس ~~هذا المقال، الذي يقبع في أساس الحداثة السينمائية. # اقتفاء أثر بازان # داخل نادي السينما الذي كان يديره في متحف «ميزون دي ليتر» بالقرب من جامعة ~~السوربون، كان بازان متحمسا من آن لآخر لرؤية جون بول سارتر حينما يحضر. هل تواصل ~~هو وسارتر؟ بعد مرور بضع سنوات سيتجادلان بشأن فيلم «المواطن كين» («سيتيزن كين»، ~~1941)، وينشر سارتر عن طيب خاطر توبيخ بازان له في مجلة «لو توم مودرن». # 16 # لكن في عام 1943، لا بد أن بازان الشاب كان سعيدا لمجرد أن يمنح وجود ~~سارتر الهيبة لناديه الناشئ. كان ذلك العام الذي ظهر فيه كتاب سارتر «الوجود والعدم: ~~مقال عن علم الوجود الظاهراتي». لكن عمل سارتر السابق، أي مقاله الممتاز عن فوكنر، ~~وكتاب «التخيل» # 17 # الذي نشر في عام 1940، هو ما يمكننا أن نشعر به في مقال بازان المتشكل ~~بتمهل؛ حيث يناقش علم ظواهر الصور الناشئة عن اللوحات والتصوير. ويمكن الشعور بتأثير ~~كتاب «التخيل» على امتداد مقال «الأنطولوجيا». وكان للكتاب أن يساعد أيضا رولان بارت ~~في تأليف «الكاميرا لوسيدا» وهو كتاب مكرس بوضوح لكتاب «التخيل». وبالفعل، فإن مقال ~~بازان «الأنطولوجيا» يتوسط ما بين ms025 سارتر وبارت. يستشهد به بارت - الذي كان دائما ~~بخيلا في ذكر مراجعه - مرة واحدة، ورغم ذلك فهو في قلب كتاب «الكاميرا لوسيدا». نشعر ~~بفكر سارتر في كتابات بازان، وبفكر بازان في كتابات بارت. وهكذا تنتقل الحياة الآخرة ~~ذات الطابع الشبحي الكامنة في الحضور النصي. # 18 # ظهر لي ذلك الشبح وأنا أعد مقدمتي النسختين المعاد إصدارهما من جزأي ~~كتاب «ما هي السينما؟» فحصت عن قرب نسخة بازان ~~الشخصية من كتاب «التخيل» التي منحتني إياها أرملته تذكارا. وبفحص الكتاب صفحة صحفة ~~(باستثناء الصفحات - المهمة للغاية - التي لم يقرأها؛ وأعلم هذا لأنها لم تفتح ~~بالسكين) وجدت تخطيطاته تحت الكلمات بالقلم الرصاص، وبعض تعليقاته في الهوامش. يبدو أن ~~بازان اشترى هذا الكتاب مباشرة في أول عام لصدوره، وهو عام 1940. ويبرز بعض جمله ~~وأمثلته في مقال «الأنطولوجيا». زعم بازان الجريء بأن «التصوير بطبيعته الخالصة ينبع ~~من وجود الشخص المصور؛ إنه هو الشخص المصور» # 19 # يردد صدى ما ذكره سارتر الذي يبدأ قسما من كتابه بهذه الطريقة: «من خلال ~~صورة بيير أتخيل بيير ... تظهر [الصورة] لنا في أغلب الأحوال كأنها بيير شخصيا. أقول: ~~«هذه صورة لبيير»، أو باختصار أكثر: «هذا هو بيير».» # 20 ~~(وضع بازان خطوطا تحت هذا القسم بأكمله.) # في الفقرة الثانية من مقال «الأنطولوجيا»، يمكن للمرء الشعور بروح سارتر ترفرف عن ~~قرب. يكتب بازان عن «الدب الطيني المخترق بسهم، الذي يفترض العثور عليه في كهوف ما ~~قبل التاريخ، وهو بديل للحيوان الحي الذي سيضمن صيدا ناجحا.» # 21 # استخدم سارتر الصورة نفسها، «تمثال الشمع المثقوب بدبوس، وثيران البيسون ~~المقدسة المرسومة على الجدران لجعل الصيد وفيرا.» # 22 # وضع بازان خطوطا تحت هذه الجملة، ووضع الفقرة كلها بين قوسين، ثم غيرها ~~ليخدم غرضه المختلف. أعلم أن بازان اشتبك مع هذا الكتاب لأنه في نسخته من «التخيل» ~~المطوية بعناية عند صفحة 38، وجدت موميائي؛ ورقة من الملاحظات كتبها بازان بعناية ~~وعنونها: «التصوير الفوتوغرافي؛ «الممثل التناظري»؛ «النظير» (سارتر)». يبدأ بازان ~~ملاحظاته بقبول تفرقة سارتر بين الصورة بصفتها ~~«لا شيء» شفاف، ms026 أو أداة تحيل نظير موضوعها مباشرة إلى الوعي، وبين فكرة الصورة بوصفها ~~«شيئا ما» أبيض وأسود تتسبب خواصه المادية (علامات الإضاءة والظل) في رؤيتنا له بشكل ~~لحظي في هيئة جسم؛ مثل أي جسم آخر، مثل بساط أو قطعة من ورق الحائط. لا يهتم بازان ~~ولا سارتر بالصورة بصفتها جسما؛ لكن النظير هو ما يثير اهتمامهما كليهما، لكن النظير ~~يشير إلى اتجاهين مختلفين، ويختلف هذان الرجلان في كيفية مناقشته. يرفعه سارتر مباشرة ~~نحو التخيل حيث يثير هذا ارتباطات بطريقة متميزة من الأنواع الأخرى من الوعي ~~بالصورة. أما بازان فيذهب في الاتجاه الآخر نحو مصدر الصورة، موضحا كيف أن نظير ~~الصورة يهبط بنا مرة أخرى إلى العالم الذي انتزعت منه. برأي سارتر، تخفت الصورة ~~بسرعة إلى العدم للدرجة التي تنجح فيها في جعلنا ننتبه إلى النظير الذي يستهلكه بدوره ~~التخيل الحر حيث تفعل الذاكرة والعاطفة والصور الأخرى فعلها. أما بازان الأقل ~~اهتماما بحرية الخيال فيركز على قوة الصورة في تضخيم إدراكنا أو ملاحظتنا، وهو ما ~~«يعلمنا» ما لم تكن أعيننا لتلحظه وحدها. يوسع التصوير نطاق ما يسميه سارتر ~~«التدرب على الرؤية»، وهو أمر نفاه عن الصورة العقلية. يقول بازان إن تخيلاتنا ~~يمكنها استيعاب الواقع الذي تلمح إليه الصورة. خذوا، على سبيل المثال، الصور غير ~~الاحترافية التي تؤخذ في لحظة وقوع كارثة أو خطر. في مثل هذه الحالات، ربما تبدي لنا ~~الصورة القليل جدا لكنها تؤدي الوظيفة نفسها تماما التي تؤديها «النسخة السالبة» من ~~«المغامرة المحفورة بعمق». # 23 # لا شيء أكثر من ذلك يمكن للمصور أن يصنع له فيلما من حدث نشعر بأن ~~تأثيره أشد بسبب الصورة المهتزة والحذف. تعلمت أفلام الرعب أن تنتج أثر مثل هذه ~~الصور المشوشة. # تتيح صفحة ملحوظات بازان مثالا مختارا بذكاء لصورة، وهي فرن لاندرو؛ المعروف باسم ~~اللحية الزرقاء. هذا الجسم سيئ السمعة، نقلته الشرطة من مكانه الحقيقي في عام 1921، ~~وهو قبو لاندرو، ليوضع في قاعة المحكمة؛ حيث استخدم لتأييد الادعاء. والآن، بعد مرور ~~عقدين، أصبحت الصورة التي ms027 تبرز هذا الشيء وثيقة الصلة بقضية أخرى؛ قضية فلسفية. هكذا ~~انتزع الفرن مرتين من السياق الذي اختير من أجل استحضاره (تلك الأوقات في القبو - وهي ~~عشر مرات لتوخي الدقة - التي كان يشعل فيها، كما يقال، للتخلص من الضحايا النساء). ~~يصف بازان الصورة بأنها «وثيقة»، تدخل من مكان آخر يعلن عن الحاضر، واضعا حرية ~~التخيل في موضعها الصحيح. بازان هنا أقرب كثيرا إلى برتون، ودالي، وباتاي، وبنيامين، ~~منه إلى سارتر. في عام 1943، أطلق أصدقاء بازان عليه لقب سريالي ممارس، # 24 # ونشر جورج باتاي مقال بازان المعنون «أسطورة السينما الشاملة» في عام ~~1946. # 25 # أما عن بنيامين، فإن بازان لا يذكره بالمرة، لكن لا بد أنه اجتذبته ~~حاشية كتبها مالرو عن بنيامين في مقال «مخطط لسيكولوجية السينما» # 26 # الذي صدر عام 1940، وهو مقال حفظه بازان عن ظهر قلب، ويستشهد به في بداية ~~مقاله المعنون «الأنطولوجيا». وبالفعل فإن الحاشية النهائية التي كتبها بازان في النسخة ~~الأصلية من المقال التي صدرت عام 1945 تفصل أفكار بنيامين الشهيرة (دون ذكره) حول ~~تجاوز اللوحات بفعل نسخها المصورة. درس كلا الرجلين بمثابرة أعمال بودلير الذي بشر ~~بالوعي بالذات الاغترابي الحديث. أشاد كلاهما بما كان بودلير يخشاه، وهو اضمحلال أهمية ~~العبقرية الفنية أمام شلال المجتمع الجماهيري التكنولوجي. على سبيل المثال، عبر كلا ~~الرجلين عن الصدمة التي يمكن أن تحدثها صور من الماضي للحاضر. # 27 # ومثلما كان بازان يبحث عن أفلام تأتي إلى الشاشة بظواهر عجز الفن عن ~~الاستيعاب الكامل لها، فإن بنيامين انتقى الوثائق المهملة وغيرها من فتات الحضارة ~~ليتحدى «القصص الرسمية» الناعمة التي ينسجها الروائيون، والمؤرخون، والسياسيون بالطبع. ~~بشعوره بأنه غريب، كان بنيامين منجذبا إلى تكنولوجيات من قبيل السينما، وإلى الحركات ~~التقدمية مثل السريالية؛ لأنها تجاهلت الثقافة الكلاسيكية أو قوضتها. واعتبر أن ~~رواية برتون «نادية» مهمة؛ لأنها كانت تعتمد على الصدفة لتسلط الضوء على أماكن وأشياء ~~مهملة أو منسية أو خفية. # 28 # وضع برتون صورا في نص الرواية، وكانت صورا غريبة عن أشياء مثيرة ~~للإزعاج، تفسر فجأة بلا ms028 مقدمات كلامه ورؤيته. # صورة فرن لاندرو من الصور التي يمكن لقوتها الكهربية التي تراكمت داخل الموقف الذي ~~شحنها في البداية أن تشتعل بالشرر لتصعق المشاهد بقوة غير إنسانية. # 29 # توضح الصفحة الأخير من مقال «الأنطولوجيا» ولاء بازان: «من وجهة نظر ~~السريالي، أنهيت التفرقة المنطقية بين التخيلي والواقعي. ينبغي الإحساس بكل صورة ~~وكأنها جسم، وبكل جسم وكأنه صورة. لهذا فإن التصوير الفوتوغرافي تقنية مميزة ~~للممارسة السريالية؛ لأنها تنتج صورة تسهم في وجود الطبيعة؛ صورة هي هلوسة موجودة ~~بالفعل.» # 30 # يفند بازان هنا بوضوح، باتباعه السرياليين، تصنيفات سارتر الأساسية ~~للحضور والغياب باستخدام أثر هلوسة؛ وبرأيه، فهذه هي الحالة الاعتيادية للتصوير ~~الفوتوغرافي. سيستهدف سارتر لاحقا السريالية ببعض من أشرس هجماته بعد الحرب العالمية ~~الثانية مباشرة. كان بإمكان فيلسوف كلاسيكي مثل سارتر أن يرجع الأمور في عام 1943 ~~لتصنيفين وهما «الوجود والعدم»، لكن، كما رد بازان ~~بعد سنوات، «من وجهة نظر رجل الشارع ... يمكن أن تكون كلمة «الحضور» اليوم ملتبسة ... لم ~~تعد كلمة مؤكدة كما كانت لأنه لا توجد مرحلة متوسطة بين الحضور والغياب ... من الخطأ قول ~~إن الشاشة عاجزة عن وضعنا «في حضرة» الممثل. إنها تفعل هذا كما تفعله مرآة - يجب ~~الاعتراف بأن المرآة تعيد حضور الشخص المنعكس فيها - لكنها مرآة بانعكاس متأخر، أو ~~ورق الألومنيوم الذي يحفظ الصورة.» # 31 # يعتبر لويس-جورج شفارتس هذه المقولة نبوءة واضحة بفلسفة دريدا عن الأثر ~~والإرجاء. # 32 # لا يتوقف بازان عند الصورة، وهي وسيط لم يناقشه مرة أخرى بشكل مباشر. في صفحة ~~الملحوظات تلك، انتقل مباشرة للوثائقيات التي كتب أنها «تكمل» الوثيقة بوضعها في محيطها ~~الزماني والمكاني. كان بإمكان الصورة أن تساعد السرياليين جيدا؛ لأنها تنتزع من ~~السياق بالكامل. تكتسب صورة بوافار الشهيرة المقربة لإصبع قدم مفصول عن الجسد التي ~~نشرتها مجلة باتاي «دوكيمون» قوة شاذة. علاوة على ذلك، فإن الصور جاهزة للانتقال ~~لسياقات أخرى كما يحدث في مونتاج الصور. لكن كل إطار من فيلم وثائقي مصور بكاميرا 35 ~~مليمترا يرتبط بالإطار المجاور له، وكل لقطة تشي ms029 بوجود علاقات تماس تصف عالما ~~حقيقيا مترابطا. يجعلنا بازان نتأمل لقطة شاملة في قبو لاندرو؛ حيث يمكن أن يحتل ~~هذا الفرن مكانه بين أشياء أخرى كان «اللحية الزرقاء» الغامض يجمعها أو يستخدمها. وقد ~~يتبع ذلك لقطات له في بيته، ثم المبنى والحي الذي كان يقيم فيه. هذا النوع من التوثيق ~~الكلاسيكي يثبت موضوعه في المكان، رغم أنه غائب عنا في الزمن. تقول الفيلسوفة ~~الفرنسية ماري جوزيه موندزان إن الفيلم الوثائقي يتصور موضوعه بدلا من أن يتضمنه، ~~ويحيط غيابه بالضوء والظل. # 33 # الصورة والفيلم - الوثيقة والوثائقي - كلاهما يفصلان بالتساوي عن موضوعاتهما من حيث ~~الزمن. فمن خلال التصوير في يوم، والتحميض لاحقا، لا مفر من الشعور بهما على مسافة ~~زمنية. وكلما زادت هذه المسافة زاد سحر الصورة في أغلب الأحيان؛ حيث تبدو روح الشخص ~~الذي تصوره وقد التقطها الضوء والظل اللذان التقطتهما الكاميرا هما أيضا في لحظة ~~معينة صارت بعيدة. يغير التليفزيون كل هذا، كما يشير بازان في الجملة الأخيرة ~~المفاجئة في صفحة ملحوظاته؛ لأنه إذا ما عرض في التليفزيون «يصبح الوثائقي معاصرا ~~للمشاهد» الذي «يدفع للمشاركة في حدث» يحدث مباشرة أمام الكاميرا. يعمل التليفزيون ~~بشكل أساسي على عرض ما سجل في وقت سابق، لكن أهميته النظرية من وجهة نظر بازان تكمن في ~~قدرته على عرض التواقت، وهو ما لم يزل يستغل في الأحداث الرياضية، وحفلات توزيع جوائز ~~الأوسكار، والأخبار القصيرة خلال الكوارث، وهكذا. في آخر حياته القصيرة خاصة، حينما كان ~~يضطر مرارا إلى لزوم الفراش، كان لدى بازان الكثير ليقوله عن التليفزيون، شأنه شأن ~~سيرج داني الذي ترك مجلة «كاييه دو سينما» ليبدأ في النقد التليفزيوني. برأي الرجلين، ~~فإن مشهد السينما المتأخر متأصل في طبيعتها التأملية بالأساس. تعود الصورة لنا ~~بعد فترة، مرددة صدى من الماضي، وسامحة للمشاهد بأن يتأمله بدوره أكثر من أن ~~«يشارك فيه» كما نفعل مع التليفزيون الحي. التليفزيون حاضر أمامنا، ومذيع الأخبار ~~يتحدث إلينا في بيوتنا في هذه اللحظة عينها؛ بينما نتوجه إلى دار السينما حينما ~~نريد، ms030 وننقل حينئذ إلى زمن آخر «يعاد تقديمه»، ولا «يقدم» مباشرة على شاشة ~~عاكسة. # تستغل السينما الحديثة، من الواقعية الجديدة، مرورا ب «الموجة الجديدة»، وحتى ~~يومنا، هذا الفرق في التركيب الزمني للصورة المرئية مرارا. وبينما يذكر فيلم ~~«الأربعمائة ضربة» بسبب صورته النهائية ~~الثابتة - الخاتمة الفوتوغرافية للفيلم - ~~فإنه يحوي أيضا المشهد المميز الذي يظهر فيه أنطوان دوانيل يرد على عالم نفس ~~اجتماعي. يحاكي الحوار المرتجل، والقفزات في الصورة التي تدل على الحذوفات في لقطة ~~فردية طويلة، الطبيعة المباشرة للتليفزيون الحي، ويساعدان على ترسيخ حساسية تروفو ~~الخاصة تجاه التعايش ما بين التلقائية والرثاء؛ ما بين الحياة والاعتراف بمرورها. ~~هناك مجموعات أخرى لا تحصى من التضاد بين الصور يمكنها التنافس على شاشة ~~السينما. # 34 # تنافس الصور في العصر الحالي # على الرغم مما كان يظن حتى الآن، فإن الخط الجمالي الذي قدمته نظرية بازان، وفصله ~~سيرج داني بعد ظهور الموجة الجديدة يبرز الأثر والتأخر، لا المشهد والحضور. يعمل ما ~~أسميته «نهج كاييه» عمل ممر رئيسي إلى هذا المبدأ الجمالي، مع أنه يكاد يكون طريقا ~~مفردا. يمكنكم أن تروه في ميول تلك الدورية؛ حيث ناصرت في الثمانينيات والتسعينيات، ~~على سبيل المثال، أفلام عباس كيارستامي ذات النزعة الاختزالية، بينما كانت «سينما ~~المظهر» الرائجة محل ارتياب على الفور. قاد داني اتجاها مضادا لهذه السينما في ~~مراجعات لاذعة استهدفت صور جان جاك بينيكس، وجون-جاك أنو، ولوك بوسون. تغمر نرجسية ~~عميقة فيلم «الأزرق الكبير» («ذا بيج بلو»، «لو جراند بلو»؛ بوسون، 1988) حيث يعرض ~~الفيلم حلما أنويا بعدسة مقياس 70 مليمترا، ينغمر فيه المشاهد المتصلب لساعات ~~في المعادل السينمائي للسائل السلوي المحيط بالجنين، لكنه لا يواجه شيئا. أما فيلم ~~«الدب» («ذا بير»، «لور»؛ أنو، 1988) فهو يطرد التفاعل البشري تماما، متجنبا أي ~~«مكافأة للوعي» من جانب صانع الفيلم أو المشاهد. تمتع «سينما المظهر» مشاهدها بصورة ~~مليئة عن آخرها بالمتعة الذاتية. # تفجر عداء داني في مراجعة لفيلم أنو «الحبيب» («ذا لفر»، «لامو»، 1992، المقتبس ~~من رواية مارجريت دوراس). قدمته هذه الإدانة البارعة في وقت ms031 متأخر لقراء ~~الإنجليزية؛ حيث نشرت ترجمتها في مجلة «سايت أند ساوند» عقب موته. # 35 # أشار داني إلى أن «الحبيب» تلفيق بصري، وتقديم توكيدي للذات لرؤى وأجسام ~~يمكن إدراكها (السلع التي يعرضها الفيلم ويتحول إليها في حقيقة الأمر). بدلا من ~~ذلك، ينبغي أن تستخدم السينما الغياب الخلاق في قلب الصورة لسبر أغوار الرواية ~~والواقع. السينما التي يهتم لأمرها تحث المشاهد ليضع نفسه خلف الصورة، ويتخذ موقفا ~~تجاه الواقع الذي تستحضره الصورة لكنه لا يتحقق أبدا. «الحبيب» فيلم عن المؤثر ~~المرئي. كل لقطة تخطو قدما بمفردها، مقدمة نفسها مثل سلعة استهلاكية على لوحة ~~إعلانات. يسأل داني: كيف يمكن لمثل هذه الأفلام أن تتصل باللقطات المجاورة، أو توحي ~~بها، وهي تعرض وكأنها مكتفية بذاتها؟ هذه سينما بلا نوافذ؛ حيث يكون كل شيء يظهر هو ~~ما نريد رؤيته (أو رأيناه بالفعل)؛ نسخة تليفزيونية من السينما، نهنئ فيها أنفسنا ~~بإدراك ما هو مألوف بالفعل، العالم المرئي الذي يحيطنا ويطمئننا. يلحظ داني ببديهة ~~رائعة اضمحلال دور الشخصيات الثانوية في السينما الفرنسية منذ ظهور «الموجة الجديدة». ~~مثل هذه الشخصيات كانت تستخدم للطفو كالسحاب على الشاشة كما ذكر. حتى حينما كانت ~~أعيننا مثبتة على النجوم، كنا نستطيع رؤية الحركة المستقلة للشخصيات الثانوية ~~وهي تدخل إطار رؤيتنا ثم تخرج من الصورة. أما اليوم فإن ظهرت هذه الشخصيات تكن مقيدة ~~بأداء وظيفة ما. # مات داني في وقت أبكر مما كان يمكن أن يجعله يخوض الجدل عن فيلم «أميلي»، لكن ~~يمكننا التأكد من أنه لو كان حيا لأشار إلى التوزيع الصارم لكل شخصية، سواء أكانت ~~رئيسية أم ثانوية، وكذلك السحب المثبتة حرفيا لكي تأخذ الأشكال الجديرة بالمعانقة ~~والاحتضان من أجل إمتاعنا. في «أميلي»، نظام العالم بأكمله - الإنسان، والحيوان، ~~والطبيعة - نظم من أجل راحتنا. وبقدر ما يمكن أن يكون ممتعا، حافلا بتاريخ الفن، ~~والرموز السينمائية التخيلية، صنع «أميلي» لتملقنا. في مقدمة الفيلم، تتودد لنا ~~أميلي واصفة نفسها بأنها مشاهدة أفلام ثاقبة النظر، وهي تهمس من مقعدها في دار عرض ~~سينمائي: «أحب أن ms032 ألحظ التفاصيل التي لا يلحظها أي شخص آخر.» ولإثبات هذا، تحدد ~~مصادفة حدثت في لقطة شهيرة من فيلم تروفو «جول وجيم» (1962)؛ حشرة ظهرت أمام الكاميرا ~~بشكل ما وهي تزحف على زجاج في المستوى الخلفي للقطة، متجهة مباشرة تجاه فم جين مورو ~~المثير المفتوح ليتلقى قبلة جيم الحانية. فاجأ تروفو الحشرة، أو للدقة فإن الحشرة هي ~~التي فاجأت تروفو. سألت المصور السينمائي للفيلم، راءول كوتار، حول هذه «الغلطة»، فزعم ~~أنها نتيجة عرضية لمعجزة اتحدت فيها الطبيعة (ضوء صبح جميل ورائع وغير متوقع) مع ~~الخيال. # 36 # وأثناء عمله بسرعة قبل خفوت الضوء، صور كوتار العاشقين في صورة مظللة، ~~لتدخل الحشرة اللقطة بشكل غير مخطط له. كانت اللقطة معبرة لدرجة جعلت تروفو لا ~~يفكر في إعادتها. هذا هو نوع الصدف التي حلم بها السرياليون. # مثل أميلي، اعتاد السرياليون مسح الشاشة بأعينهم للبحث عن تفاصيل غير مرئية حتى ~~للمخرج، ممارسين ما سماه كريستيان كيثلي «الإدراك البانورامي». # 37 # بتصوير الفيلم بأبعاد الشاشة العريضة (1 :2,35 ) لتعزيز هذا النوع من ~~الإدراك بعينه، ولتشجيع حدوث هذه الصدف الإعجازية، يتجنب تروفو التخطيط المسبق ~~المفرط التي يمثله جونيه. وإذ يرغب جونيه في كسر سيطرة «الموجة الجديدة» التي ~~اشتهر بذمه لها، فإنه لا يشوه فقط فيلم «جول وجيم» لكنه ينقل ممثلة من فيلم ~~تروفو إلى فيلمه هو؛ كلير مورييه، التي أدت دور والدة أنطوان دوانيل الساخطة في فيلم ~~«الأربعمائة ضربة» تؤدي دور رئيسة أميلي، صاحبة المقهى العالمي. ولعل موقع المقهى في ~~شارع لوبيك مناسب تماما، بالقرب من المكان الذي تجسس فيه أنطوان دوانيل على والدته - ~~كلير مورييه هذه نفسها - وهي تقبل عشيقها (ناقد «كاييه»، جون دوشيه). ولعل أميلي ~~أيضا، لهذا الأمر، تعيش في مبنى مجاور للشقة الحقيرة التي يعيش فيها دوانيل في حي ~~كليشي. بعد بداية مسيرته في الإعلان وأفلام الاستوديو ذات الأسلوب الرفيع، مثل فيلم ~~«داليكاتسن» (1991)، احتفى جونيه بعمله الأول «في الهواء» الطلق بتوثيق انهيار «الموجة ~~الجديدة» على شوارع باريس. # لكن باريس جونيه لا تبدو مثل باريس تروفو أو ms033 رومير أو جودار. لقد رتبت، ولا يرجع ~~الفضل في ذلك فقط لجهود أندريه مالرو في تنظيف المدينة في ستينيات القرن العشرين. تخلص ~~جونيه رقميا من أي عنصر قبيح أو غير لائق، إطارا تلو الآخر. ولم تكن الحشرة التي ~~فرحت أميلي برؤيتها في فيلم «جول وجيم» لتنجو من تنظيف جونيه للصور. تتفاخر المراجعة ~~المنشورة في مجلة «سايت آند ساوند»: «الصور الجميلة للشوارع المرصوفة، والسلالم ~~الباريسية المنحدرة، والمخابز على النواصي، والأسواق المنتشرة في الشوارع؛ بجانب ~~المناظر المشهورة في البطاقات البريدية لكاتدرائية العذراء، وكنيسة القلب المقدس، وجسر ~~الفنون، ومناظر الأسقف الباريسية، والمقاهي الأليفة، ومحطات المترو المصممة على طراز ~~الفن الحديث ... يسكن هذه الأماكن «بسطاء» باريس.» # 38 # ربما يشعر المشاهدون بفيلم «أميلي» يمارس سحره عليهم، لكن لم يكن هناك أي شيء ~~سحري في إنتاجه. بتحكمه في كل عنصر من عناصر الصوت والصورة، بنى جونيه فكرته الخيالية ~~بدقة صانع الساعات، حيث نعمت كل لقطة لتتخذ موقعها، بحيث ترتبط باللقطة التالية ~~لها بلا حكاك. على العكس، كان تروفو يبحث عن هذا الحكاك في كل مرحلة من مراحل ~~الإنتاج. # 39 # وجد أن سيناريو كل فيلم من أفلامه الثلاثة الأولى أسهل مما يمكنه أن ~~يقبله؛ ولذا كان يعمل خلال التصوير ضد الاتجاه العام لما سبق أن كتبه. شخصية كاثرين ~~التي مثلتها جين مورو في «جول وجيم»، التي كانت محبوبة للغاية على الورق، جعلها صعبة ~~الاحتمال قرب نهاية فيلم. وأبطأ تروفو كذلك من إيقاع ذلك الفيلم لوضع مقدمة الفيلم ~~الجذلة في موضعها الصحيح، وليضيف إلى الغموض الجاذبية. لا الجاذبية ولا الغموض يميز ~~شخصية أودري توتو، ولا فيلم جونيه، ما عدا مقاطع الفيديو المصورة بالأبيض والأسود ~~التي ترسلها أميلي للرسام المنعزل، دوفايال، وتظهر أطفالا يسبحون بالحركة ~~البطيئة، ومغني أغنيات حزينة، زنجيا بساق صناعية يؤدي رقص النقر بالقدم. هل قدم ~~جونيه هذه المقاطع الجرثومية لتلويث الرضا الذاتي المميز لصوره السيليولويدية ~~المصففة بعناية؟ باضطرابه بسبب هذه الرسائل من عالم خارج مرسمه، يعود دوفايل بإلهام ~~متجدد لنسخته من لوحة رينوار «جماعة القارب» («لو ms034 دوجونيه دي كانوتييه»، «ذا بوتينج ~~بارتي»، 1871)، معتزما فهم غموض إحدى الشخصيات، «الفتاة حاملة الكأس» التي يراوغه ~~عمقها. أثناء ذلك، تقف أميلي في خلفية المشهد ممسكة بكأس. وحيثما تخفق لوحات دوفايال، ~~ستحل سينما جونيه اللغز في النهاية. # محاكاة مضحكة لرينوار الأب. «أميلي». # يستعين جونيه هنا ببيير-أوجست رينوار لمباركة «أميلي»، وربما لاستنساخ تعاطفه ~~الكبير، وجمال نظرته، وشفافية صوره. ينضم إلى أولئك الذين اعتبروا رينوار دائما ~~رجلا محبا للحياة، ومفتونا بالطريقة التي يبدو عليها الرجال والنساء بالدرجة ~~الأولى، وجمال الزهور والمناظر الطبيعية، وبلاغة الإشارات ... وباختصار، بالمظهر ~~المتألق للعالم. لكن رينوار، طبقا لما يقوله ابنه، كان يسعى وراء شيء أعمق. إذا كان ~~هناك أي صانع أفلام نسخ رينوار فهو ابنه؛ بالطريقة التي استخدم ~~فيها - مثلما فعل والده - التعاطف والجمال ~~أسلوبا للتنقيب فيما كان يصوره وخلاله. في أولى صفحات سيرة حياته، بعنوان «رينوار ~~أبي»، يكتب جون: «أحببت لوحات أبي بشدة، لكنه كان نوعا من الحب الأعمى. والحق أقول ~~إنني كنت جاهلا تماما بماهية الرسم. كنت لا أكاد أعرف ما الذي يدور حوله الفن ~~عموما. كل ما استطعت إدراكه من العالم نفسه هو المظاهر الخارجية. الشباب مادي. الآن ~~أدرك أن الرجال العظماء ليس لهم وظيفة في الحياة إلا مساعدتنا في رؤية ما وراء المظاهر: ~~إراحتنا من بعض من عبء المادة - «تخفيف العبء» عن أنفسنا كما يقول الهندوس.» # 40 # هل تعلم رينوار هذه الفكرة من مقالات بازان العظيمة حول أفلامه، خصوصا فيلمه ~~«الهندي» بعنوان «النهر» («ذا ريفر»، «لو فلوف» 1951)؟ قبل عقد من كتابة جون عن والده، ~~كتب بازان عن الابن قائلا: «رينوار يفهم أن الشاشة ليست مستطيلا بسيطا ولكنها سطح ~~مماثل لشباك الرؤية في كاميراه. إنها المضاد الكامل للإطار. الشاشة قناع لا تقل ~~وظيفته في إخفاء الواقع عنها في كشفه. أهمية ما تكشفه متناسبة مع ما تتركه مخفيا. هذا ~~الشاهد الخفي مصنوع حتما ليرتدي غمامة.» # 41 # تلك الغمامة هي بالضبط ما يستخدمه رينوار في مشهد المنظار المقرب الذي ~~ذكرناه من فيلم «قواعد اللعبة». تستخدم كريستين «كاميراه» للنظر ms035 إلى الطيور، ثم ترى ~~زوجها مصادفة وهو «يبدو» وكأنه يحتضن خليلة له. يقف رينوار الذي يؤدي دور أوكتاف ~~وراءها، وكهذا يبدو أنه يشجع خطأها؛ لأنها ترتكب خطأ؛ فالزوج في الحقيقة ينفصل عن ~~عشيقته للأبد ليخلص لكريستين. هذه هي نقطة التحول في المأساة؛ حيث إن كريستين التي ~~تصدق بسبب الدليل المادي أن زوجها يخونها، ستتخلى عن وفائها الساذج، وتدخل دوامة ~~الإثارة الجنسية الطليقة التي تؤدي للموت والتشتت. مع ذلك، فالصورة ليست زائفة ~~بالكامل؛ بسبب أن الزوج كان بالفعل على علاقة بجنيفييف. والكاميرا تقدم أثرا زائفا ~~لهذه الحقيقة. # عكس تروفو، وعكس دوفايال، جونيه ليس فنانا معذبا؛ ففي عالمه كل شيء يمكن تصويره، ~~وكل سر غامض يمكن كشفه. بالفعل، تكون آلية الاستكشاف المتعة الرئيسية لجمالياته، ~~وتشبه بعض الشيء مقالب أميلي العملية. تستدعي بريتودو إلى كابينة الهاتف لمحادثة ~~تذكره بطفولته، وتشاهد ما يحدث من بين الأعمدة؛ كما تقاطع مذيع مباراة كرة قدم؛ ~~وتنبش عن حب بين زوجين باختلاق رسالة ضائعة عمرها 20 عاما، ثم نشرها. حتى السر ~~العميق الوحيد في الفيلم، وهو سر الشكل الشبحي في كشك التصوير، فسر في لحظة في ~~النهاية، لكن بعد أن ترتب أميلي بالتفصيل مكيدة لتجبر نينو على مواجهة مصدر الصور ~~التي تطارده. لا يكتشف نينو طيفا ولكن ساحر أوز - سيد الجهاز - وهو العامل في كشك ~~التصوير. # أفهم أن رجل كشك التصوير هو جونيه نفسه، صانع أفلام يلصق جنبا إلى جنب صورا ~~متسلسلة لممثلين في أوضاع مختلفة أمام الكاميرا (24 وضعا للدقة) إلى أن يبدو أنهم ~~يتحركون. أما الألبوم الذي يحتفظ بهذه الصور - وهو الألبوم الذي يؤدي ضياعه ثم ~~استعادته إلى قصة الحب - فهو بداية الفيلم ونهايته. ولكونه لوحة مشاهد وملفا لوكيل ~~اختيار الممثلين، فإن هذا الألبوم يعود في شارة نهاية الفيلم مؤكدا في النهاية سلامة ~~الفكرة الأصلية. إجمالا، فإن فيلم «المصير الخرافي لأميلي بولان» مشمول في الألبوم من ~~البداية للنهاية. ذكرت مقالة افتتاحية في دورية «كاييه دو سينما» بخبث أن كل لقطة ~~محرومة من أدنى تناقض. # 42 # بطريقة ms036 ما، تحرك سينما جونيه صور الدعاية الثابتة التي تكون لوحة ~~مشاهده. # 43 # مثل الأب توليب في فيلم «المليون» («لو مليون»، 1931)، أو مثل جودوشو في فيلم ~~«المغنية»، دوفايال قوي وخير ومراقب ذو عين ثاقبة، وقادر على وضع الأمور في موضعها ~~الصحيح. تختبر أفلام ثلاثة براعة مخرجيها في مشاهد رئيسية تتضمن فعل الهروب. في ~~«المليون»، يرتب رينيه كلير مأساة صراع على مسرح الأوبرا من أجل معطف يحتوي على تذكرة ~~يانصيب. أما في «المغنية»، فإن بينيكس يقدم جولة بالدراجة النارية بأقصى سرعة خلال ~~شوارع باريس ثم تحت سطح المدينة في أنفاق المترو. وأما أميلي فتتسلق سيارة على قضبان ~~في حديقة ملاهي حيث يعمل نينو في الكواليس. هذه اللعبة الجذابة رمز لأساليب السينما ~~ومباهجها. تنقل أميلي، المشاهدة التي دفعت ثمن التذكرة، إلى عالم مصنوع من أجل ~~تسليتها وإثارة خوفها ودهشتها. يدفع سرد بسيط حرفيا التماثيل البلاستيكية أو الشمعية ~~التي تقابلها أميلي في كل منعطف؛ تمد أيديها نحوها مهددة إياها في تتابع للمؤثرات ~~الخاصة مؤقت بدقة. ثم يقفز نينو الحقيقي على مؤخرة سيارتها ليمنحها ما يعتبر أكثر ~~المواقف إثارة في حياتها. في نهاية الفيلم، يجلس نينو في مقعد القائد على دراجته ~~النارية، بينما تبتسم أميلي، سعيدة بأنها وضعت أخيرا في قصة شخص آخر، متجولة في ~~باريس مليئة بأقدار أخرى رائعة. # ومثل الحجر الذي ترميه أميلي ليقفز على سطح مياه قناة سان مارتان، فإنها تقفز في خفة ~~فوق سطح باريس. على العكس من ذلك، وكما تشير آن جيليان بذكاء، كان من شأن أنطوان دوانيل ~~في «الأربعمائة ضربة» أن يدخل في جسم باريس المظلم، والدته الحقيقية، حينما يدفع زجاجة ~~الحليب الفارغة التي سرقها داخل مجرور، ويستمع إليها وهي تتحطم تحت الشوارع في أحشاء ~~المدينة أو رحمها. # 44 # صورة باريس البطاقات البريدية عند أميلي هي بالضبط الصورة التي سخر منها ~~جاك تاتي بذلك الغموض الكوميدي في فيلم «وقت اللعب» («بلاي تايم»، 1967): كنيسة القلب ~~المقدس التي تسيطر على فيلم جونيه تلمح فقط في فيلم تاتي حينما تنعكس صورتها ~~للحظة ms037 على نوافذ المباني الإدارية في الضواحي التي أصبحت المركز الجديد للعاصمة. حي لا ~~دفنس (وهو هدف تاتي الحقيقي) محجوب إلى جهة الغرب من كاميرا أميلي، ولم يكن أحد ليشك أن ~~مشاريع الإسكان الكئيبة، مأوى المهاجرين من حيث الأساس، تقبع مباشرة خلف حي مونمارتر ~~(انظر الصورة العلوية في الجزء الخاص بالتعليق على فيلم «4 أشهر و3 أسابيع ويومان»). ~~الممثل المغربي الكوميدي جمال دبوز الذي يؤدي دور لوسيان المتلعثم ليس تهديدا ~~مطلقا؛ فهو يعشق أميلي، مثل نينو، الذي يؤدي دوره ماثيو كاسوفيتس الذي أخرج فيلم ~~«الكراهية» («هيت»، «لا هاين») في تلك المشروعات عام 1995. # أثار التبييض العرقي للفيلم نقاشا حادا في فرنسا، انضمت إليه «كاييه» بأسلوبها، ~~بتجريد فيلم أميلي من جماليات «الشكل». دائما ما ربطت «كاييه» بين المبادئ الأخلاقية ~~والجماليات، ربما إلى درجة غمر الأولى بعمق في الثانية. في مارس 1959، أعلن لوك موليه ~~على صفحاتها أن «الفضيلة هي لقطة تتبعية» وهو ما تسبب في صدمة الشاب سيرج داني بإدراك ~~مسئوليات السينما. # 45 # الواقع أن سيرة حياة داني بعنوان «بطاقات بريدية من السينما» تبدأ بفصل ~~بعنوان «اللقطة التتبعية في كابو» حيث ينتقد مخرج الفيلم جيلو بونتيكورفو بشراسة؛ لأنه ~~أعطى الهولوكوست شكلا جماليا باللجوء إلى بناء درامي يصور بإتقان هيئة امرأة صعقت ~~بالكهرباء على سور الأسلاك الشائكة المحيط بمعسكر الاعتقال. # 46 # الجماليات ليست فلسفة، لكنها فلسفة الفن، وفي عصرنا الحالي، وخصوصا في ~~السينما، يتضمن الفن كل ما هو بشع المنظر. استخدم جونيه مسكرة لتحسين منظر المدينة ~~المدنسة، وبدل مكياج فيلمه، متضمنا، كما أشار الكثيرون، المكياج العرقي ~~لفرنسا. # دائما ما كانت السينما الفرنسية أكثر فتنة وتعقيدا حينما وضعت، مثل كاثرين في «جول ~~وجيم»، مكياجها وحينما أزالته. تشير اللطخات إلى صدع بين الوجه والروح، تتبعته ~~دائما منذ ظهور «الموجة الجديدة» أفلام من قبيل «عاطفة» («باشون»؛ جودار، 1982)، ~~و«أصدقاء وصديقات» («بويفريندز آند جيرلفريندز»، «لا مي دو مون امي»؛ رومير، 1987)، ~~و«نخب أحبائنا» («آنوزامور»؛ بيالا، 1983)، و«المتشردة» («فاجابوند»، «سان توا ني ~~لوي»؛ فاردا، 1985). وبينما «أميلي» (الفيلم وبطلته) وجه صاف، أو ملصق جميل ms038 بلا عمق، ~~فإن تلك الأفلام تلتزم بفكرة السينما بوصفها تتابع صور ينفتح على واقع أكبر له مستقبل ~~سياسي محل نزاع، وهو مستقبل يمكن للمشاهدين الذين ينظر بعضهم إلى بعض أثناء خروجهم من ~~دار العرض أن يتخيلوه على نحو أفضل. # تنطبق هذه الفكرة على السينما في كل مكان، حتى لو كان من المناسب لي أن أبرزها من ~~خلال السينما الفرنسية. الامتلاء الذي توفره الأفلام (شيء مميز لمشاهدته) لا ~~يشبع في النهاية بالمظهر ولا بالصورة المزخرفة فنيا، ولكن بالإحساس وعملية ~~الاستكشاف التي تحدث عبر الشاشة وخلالها. فكرة بازان هي إبقاء موضوع الفيلم دائما في ~~مجال الرؤية، حتى وهذا الموضوع يقاوم تقديمه في هيئة صورة. لا يأتي الإعجاب من خلال ~~الحضور المبهر، ولكن من خلال الغياب المتكرر؛ حيث تقودنا الآثار المسجلة لموضوع ~~ما إلى البحث عنه. حركة المشاهد هذه وعلاقتها بما ينظر إليه تستغرق وقتا؛ حيث ~~تتحول الصور المسجلة إلى حدث موجه بدرجة أو أخرى ... دعوني أسمه الحدث السينمائي. ~~ما الذي كان بازان وأنصاره يظنون أنه ضروري لإعداد مثل هذا الحدث، وتجميعه، وتركيبه؟ ~~تستلزم إجابة هذا السؤال أن ننتقل من الصورة السينمائية إلى الفيلم المحرر. # | هوامش # الفصل الثاني # | استكشاف المحرر للشكل # حتى حينما تلتقط المشاهد الخام من قبل مبتدئ، أو بالصدفة، يمكن أن تكون فاتنة ~~بطبيعتها على نحو يختلف عن التحريك الخالص؛ لأنها قائمة على التصوير. بطبيعة الحال، فإن ~~رسومات أي فنان تحريك موهوب تمارس سحرها الخاص، لكنها من نوع مختلف. وكما قال بازان، فإن ~~«أكثر الرسومات أمانة يمكنها أن تعطينا معلومات عن الموديل، لكنها لن ... تمتلك أبدا قوة ~~التصوير اللاعقلانية التي نؤمن بها بلا تحفظ.» # 1 # بعد مرور عقد على صدور مقال بازان - وبالاقتباس منه - فصل إدجار موران ~~الدوافع النفسية العميقة التي ينجذب لها التصوير، وخصوصا التصوير السينمائي. في كتاب ~~«السينما: أو الإنسان الخيالي» (1956)، وهو كتاب أطراه بازان بوصفه أفضل ما كتب عن الوسيط ~~السينمائي بعد الحرب العالمية الثانية، ربط موران هذا الانجذاب بالأثر العجيب السحري «الذي ~~يتضاعف» مثلما أثرت الظلال والانعكاسات ms039 دائما في البشر، بما أن الصور، خلافا للرسومات ~~والمنحوتات، تأتي، على ما يبدو، مما وراء عالم الإنسان. # 2 # وإذ تنبثق الصور المتحركة من الكيمياء الضوئية، وعلم البصريات، والتقطيع ~~الميكانيكي، فهي تنتمي من البداية إلى صنف مختلف تماما عن الفنون البصرية. من أجل التغلب ~~على هذا الاختلاف كرست نظرية الفيلم الكلاسيكية معظم جهدها. كيف استطاعت السينما أن تسمو ~~فوق عملية التسجيل الأوتوماتيكي؟ كيف أمكنها أن تصبح فنا معبرا عن الروح الإنسانية وعن ~~الأفكار؟ بازان - كما رأينا - منظر حداثي وليس كلاسيكيا؛ لأنه يقبل قيمة التسجيل ~~المجرد، ويستمتع بتعبيرية العالم غير الإنساني الذي تسجله العملية التصويرية، وغموضه ~~أيضا. # تحتوي المشاهد الخام بصورة كامنة على «لحظة سحرية» (يستخدم موران هذه التسمية القديمة ~~لإحدى طرق التصوير كتعويذة) لا يمكن مضاهاتها بالعبقرية البشرية التي نتوقعها في الرسم ~~والمسرح والنثر. ومع ذلك، فإن المشاهد الخام وجدت للمعالجة والتحضير والتنقية؛ لتتحول ~~إلى المنتج الذي نسميه الأفلام. يذكر بازان في مناسبات مختلفة دهشته من لقطة معينة في ~~فيلم وثائقي ما تعثر فيها كأنها صخرة في الطريق، # 3 # لكنه كان مهتما في معظم الأحيان بالأفلام، لا بالمشاهد الخام. ما عني به في ~~المقام الأول هو كيف تتعامل الأفلام مع المشاهد الخام، وكيف تكسب الكاميرا أهمية لما ~~التقطته من الواقع، وهذا ما سأسميه «بناء الفيلم». توضح الأفلام توترا بين ما هو بشري ~~(مثل الخيال والنية) وبين الأجزاء العصية من الواقع المسجل؛ ويحدد نمط هذا التوتر أو ~~طبيعته الأساليب والأنواع والفترات في تاريخ السينما. على سبيل المثال، يقول بازان إنه ~~«بسبب نسيان السينما السوفييتية المفرط لهذا [التوتر]، انزلقت، خلال عشرين عاما، من ~~القمة إلى القاع بين أعظم الأمم المنتجة للأفلام.» # 4 # واعتقد بازان أنها كانت في القمة لأن «علم جماليات» آيزنشتاين عمل على نحو ~~مبتكر في سياقات مأهولة بجموع مجهولة. ماذا عن السينما الروسية اليوم؟ أو أي سينما؟ ~~لنتتبع خطة بازان «للنظر عن قرب إلى موضع السينما اليوم»، آخذين في الاعتبار أن هذا التوتر ~~بين ما هو خام وما هو معد، وهو ms040 التوتر الذي من خلاله «يمكننا تحديد تصنيفات، إن لم يكن ~~تراتبيات، لأسلوب السينما.» # 5 # يعد تحريك الصور صنفا متفوقا يضعه بعض النقاد على قمة تراتب الأساليب الفيلمية ~~اليوم. وكما وضح لي منذ فترة قصيرة فإن «التحريك هو السينما في أنقى أشكالها»؛ # 6 # ويرجع هذا إلى أن الصور المتحركة الحرة تتجاوز اللقطات المنتجة ~~فوتوغرافيا التي يحد من حريتها قيد المكان والزمان الاعتياديين. وطبقا لهذا النظام ~~الجديد، فإن كل الأفلام، وليست الأفلام المتحركة فقط، يجب مشاهدتها وتقييمها بوصفها ~~جهودا للاستجابة للخيال، متحررة من القيود الطبيعية. فكرة بازان مضادة لفكرة «السينما في ~~أنقى أشكالها». فنظريته عن «السينما المشوبة» تتوسط بين الإنسان والطبيعة، بين التخيلي ~~والواقعي. # أسلاف بازان # كما سنرى، هذا التوجه مفعم بالحيوية اليوم؛ لكن قبل النظر في أمثلة من القرن ~~الواحد والعشرين، دعونا نرجع إلى الألفاظ التي ورثها بازان، والأفلام التي أبقاها نصب ~~عينيه أثناء رسم نمط التفكير الذي نتتبعه. أصبح بازان المولود في عام 1918، مشاهدا ~~نهما في الوقت الذي جعل فيه ظهور السينما الناطقة الجميع حديثي الانتباه للتوتر ~~بين الطبيعة الخام للتسجيل وشطحات الفن. كان روجيه لينارت وأندريه مالرو كلاهما، كما ~~اعترف بازان بصراحة؛ هما الصوتان الوحيدان اللذان يستحقان الاستماع إليهما فيما يخص ~~السينما الناطقة؛ لأن كليهما ظهرا على الساحة بعد عام 1930. كان بازان طالبا في ~~المرحلة الثانوية حينما فاز مالرو بجائزة جونكور عن روايته «قدر الإنسان»، وكان في ~~الجامعة حينما نشرت رواية «أمل الإنسان»، وعرض الفيلم المقتبس منها في السينما (قبل ~~حظره). وإذ أبهره تماما هذا الفنان والبطل الثوري، انضم بازان لمجموعة دراسية أسسها ~~مالرو عام 1942 في «دار الثقافة»؛ حيث كان يدير ناديه السينمائي. لهذا السبب يمكننا ~~التأكد من أنه التهم مقال مالرو «مخطط لسيكولوجية السينما» وقت صدوره في عام 1940، ~~وهو مقال أوفاه بازان حقه من الذكر في حاشية مقاله عن «الأنطولوجيا». لكن بينما اعتمد ~~بازان إجمالا على تطوير مالرو للأشكال الفنية، خاصة نظرته إلى أزمة فن الباروك، فإنه ~~لم يكن ليقبل في النهاية الطريقة التي عامل بها مالرو ms041 السينما بالتصنيفات الفنية ~~التقليدية. # لا بد أن بازان كان يأمل أن يكون مالرو مجددا، لكن، حتى بعد أن صنع مالرو ~~فيلمه الثوري، لم يعزز «مخططه» إلا النظرة السائدة إلى جماليات السينما الصامتة، ~~وحدث «ميلاد السينما بوصفها وسيلة للتعبير (لا للنسخ)» في زمن جريفيث، «حينما أصبح ~~المصور والمخرج مستقلين عن المشهد»؛ وبذلك استطاعا معالجته بطريقة إبداعية. استهجن ~~مالرو اختراع لوميير (الكاميرا) الذي شبهه بالفونوغراف؛ لأنه ببساطة كان يقدم على ~~الشاشة ما سبق أن صوره على فيلم (عرض استعراضات، أو مناظر جغرافية، أو مشاهد تاريخية ~~منشأة مجددا، أو مسرحيات، أو مباريات ملاكمة). لم تظهر «السينما» بشكل مناسب إلا بعد ~~عام 1910، حينما بدأت بشكل منتظم في «تمثيل» مواقف، وأحداث، وقصص، من خلال الدمج بين ~~وجهات نظر متعددة. في حالة «السينماتوغراف» (كاميرا الصور المتحركة)، يقف المشاهد ~~في مكان مشغل الجهاز، أما في السينما، فهو يكتسب منظور المخرج الذي يرتب سلسلة ~~من لقطات الكاميرا. يصرح مالرو بأن السينما اكتسبت شهرتها حينما خرج الإطار المقيد ~~المبني على مسرح الحدث في النهاية إلى مجال واسع حيث يكون الحدث الحقيقي هو حدث الفنان ~~(المصور/المخرج) الذي يتحرك هنا وهناك، ويختار ما ينظر إليه. يرتب المخرج ~~اللقطات طبقا لرؤية تتجاوزها، سواء أكانت قصة، أم نقاشا، أم إحساسا؛ وباختصار، تقدم ~~السينما وجهة نظر وليس مجرد منظر. ويمكن أن يحدث هذا فقط حينما يصبح المشاهد، مثل ~~محب السينما، منفصلا بقدر كاف عن المشهد المعروض أمامه من خلال عمل الكاميرا التي ~~تتحرك بشكل مستقل عن المشهد الذي تصوره، أو من خلال عملية تغيير اللقطة التي تعوق ~~أي رؤية واحدة. # كتب مالرو «مخططه» وهو واقع بشدة تحت تأثير سيرجي آيزنشتاين، حيث كان فيلمه ~~«بوتمكين» أقوى فيلم شاهده مالرو، وسبق له أن قابل مخرجه للتخطيط لفيلم مقتبس من ~~رواية «قدر الإنسان». لكن عند النظر لفكرة «المونتاج»، لم يكن في ذهن مالرو ما يقوم به ~~آيزنشتاين من تجميع (أو تصادم) لعناصر مختلفة، ولكن تتابع ذروات درامية مختارة من ~~«مادة خام» ممتدة (كما يسميها). وعكس السينما الصامتة ms042 التي تقطع أحداثها فواصل داخلية ~~معنونة، محركة المشاهد، وسامحة بالانتقال السلس إلى تسلسلات الأحلام، أو المشاهد ~~المستعادة من الماضي، ومساعدة على تنزيل النص بطريقة ملائمة إلى المشاهد والفصول كما ~~يحدث على خشبة المسرح، فإن الفيلم الناطق لا تناسبه الفجوات؛ فهو يؤكد، بطبيعته، ~~الاستمرارية المتصلة للقصة عبر مسار الصورة. هذه «الاستمرارية» المفترضة تمثل أكثر ~~المشكلات تعقيدا فيما يخص «القواطع» (الديكوبور)، وهو المصطلح الفرنسي الذي سيستنكره ~~بازان، ويجعل (هذا المصطلح) السينما أقرب إلى الرواية منها إلى المسرح. # 7 # كان لدى بازان تسامح أكثر مما يظن ~~تجاه الأسلوب السوفييتي في مونتاج الأفلام الصامتة. لكنه، بوصفه مهندس نظرية عن الفيلم ~~الناطق، وجده غير مناسب عموما. على سبيل المثال، سخر بازان من الطريقة الصبيانية، حسب ~~تعبيره، التي توجه بها سلسلة أفلام كابرا بعنوان «لماذا نقاتل» (واي وي فايت) ~~المشاهد كما يفعل محاضر يستخدم عرضا لصور ثابتة للإيضاح، بدلا من أن يدع تلك الصور ~~ترينا ما بها (أي أن تخفي أكثر مما تظهر، كما في نصه الفرنسي). # 8 # يشيد بازان بالفعل بالمونتاج السوفييتي على حساب مونتاج كابرا، وتثبت ذلك ~~مراجعته الحماسية لفيلم «باريس 1900» (فدريه، 1947)، فهو لم يكن رافضا من حيث المبدأ ~~لتوليفات الأفلام الإخبارية. ما كان يهمه في هذا الجهد هو «البراعة والذكاء في ~~المونتاج»، الذي - على خلاف أسلوب براوست - «أحال المفارقة المتعلقة بماض موضوعي، ~~وبذكرى خارج وعينا، إلى كون السينما آلة لاسترجاع الزمن، وأوفق لخسارته». # 9 # باختصار، يمكن أن يقودنا المونتاج، بالمعنى القوي، إلى النظر بمزيد من ~~العمق إما داخل الصور، وإما بعيدا عنها تجاه معنى ما، اختيرت لتوضحه. وبعكس كابرا، ~~الذي ضخم شذرات ومقاطع فيلمية حتى صارت مناسبة لمقولته، فإن نيكول فدريه نظمت مشاهدها ~~الأرشيفية بحيث يكون لكل منها صدى أعمق مما لو عرض بذاته. مكن المونتاج في هذه ~~الحالة، وبشكل متناقض، اللحظة السحرية؛ لذا ينهي بازان مراجعته المؤثرة بالإشادة بحصافة ~~فدريه في إدراك أن «الصدفة والواقع يظهران موهبة أكبر مما يظهره كل صناع الأفلام في ~~العالم.» # بشكل عام، فإن المونتاج بالمعنى القوي انحسر ms043 في الأفلام الروائية حينما دخل الصوت ~~الصورة. كان جودار الذي وبخ بازان عام 1956 في مقاله «المونتاج: همي الجميل» يبذل ~~كل ما يستطيع لاسترجاعه، وخصوصا بعد عام 1965. لكن جودار، كما يشير تيموثي برنار في ~~ملحوظاته عن بازان، كان هو أيضا نصيرا قويا للتفكير في الفيلم أو السينما بمعايير ~~«الديكوباج»، # 10 # وهو أمر تعلمه من بازان الذي أخذ مقاله الشهير «تطور لغة السينما» من حيث ~~الأساس من مقال مفهرس طويل، عنونه ببساطة بكلمة «ديكوباج». # 11 # التفرقة بين مصطلحي «المونتاج» و«الديكوباج» (إلى جانب المصطلح العام ~~«التحرير») محورية. وكما قال مالرو، فإن «الديكوباج » هو نتاج قرار صناع الأفلام مقدما ~~بشأن كيفية تحليل عمل روائي فيما يخص أثره الدرامي (المنطقي)، وتصميمه المكاني الزماني. ~~يرتبط بقوة بهذا المفهوم الأولوية التي يتمتع بها مكان وزمان مستمران تتم في نطاقهما ~~الانتقاءات، ويرتب العمل الروائي. عند التفكير من الناحية المكانية بشأن سياق معين ~~أو جزء درامي، تظهر سمات معينة من تصميم المشهد، ويدخل «الديكوباج» بوصفه التصور ~~الزماني بشأن الطريقة التي يمكن أن يتكشف بها العمل الروائي منظرا تلو الآخر. سبقت ~~هذه المصطلحات ظهور مفهوم «العالم السردي» النظري، # 12 # أو مهدت له، وهو ليس سوى المخطط الكامل للاحتماليات المكانية-الزمانية ~~للعمل الروائي، الذي يقدم منه تصميم المشهد الفعلي و«الديكوباج» سلسلة من الاختيارات ~~الفنية المدروسة أو البدهية. # في مقاله «مدرسة المشاهد الصغيرة» المنشور عام 1936، أراد روجيه لينارت إطلاع ~~العامة، ومنهم بازان - أحد قراء مجلة «إسبري» التي صدر منها المقال - على الطريقة التي ~~كانت تصنع بها الأفلام؛ لذا «عرف المونتاج بأنه يمارس في وقت لاحق على شريط الفيلم ~~المكشوف، بينما عرف الديكوباج بأنه يمارس في وقت سابق في عقل صانع الفيلم على الشيء ~~المفترض تصويره سينمائيا.» # 13 # يشيد لينارت بصناع الأفلام الذين يسبرون العنصر الزمني في مادتهم أثناء ~~بزوغه إزاء كل آخذ في التطور يسهم فيه هذا العنصر. إنهم «يستكشفون» الإيقاع، بدلا من ~~فرضه، في التفاعل المتبادل بين الجزء والكل. ويثبت سلامة هذا الاكتشاف كل مشاهد ~~يختبر ملاءمة القطع. ينظم المحرر تجربة ms044 فردية بأن يدع كل لحظة تبقى على الشاشة ~~المدة المناسبة لها قبل أن تفسح المجال للحظة التالية. يذكرنا لينارت قائلا: ~~«بالإنجليزية، يطلق على «الديكوباج» الاستمرارية»، وتحس الاستمرارية بوصفها الإيقاع، ~~«التحكم الذي يمارسه العقل على المادة التي صورت أو المراد تصويرها.» هذه الفكرة ~~الجمالية، المنبثقة منذ زمن القديس أوغسطينوس وحتى الفيلسوف هنري برجسون في القرن ~~العشرين، تربط المادة بالذاكرة، متيحة للعقل أن يحلل العالم ليستخلص دلالته. # ولأن الاستمرارية تشغل الفراغ بين اللقطات، بالطريقة نفسها التي ينبثق بها الإيقاع ~~من التوقفات بين النغمات الموسيقية، فإن لينارت يمضي إلى إعلان أن «جوهر السينما هو ~~الحذف.» # 14 # يصنع المحررون وهم الأهمية والحضور من خلال الفراغ الذي يتخلل ~~المادة المصورة ويحيطها. من بين كل مؤثرات السينما، يعتبر هذا هو أكثر المؤثرات ~~«خصوصية» وتحديدا. ربما يكون الحذف عنصرا واحدا من مجموعة الأدوات الأدبية المجازية ~~الاختيارية، لكنه «يعمل عمل حديد التسليح في بناء أي فيلم.» يتعامل المحرر مع قطع ~~من المادة المصورة؛ وإما أن يقطعها للوصول إلى جوهرها (وهذا نموذج روبرت فلارتي)، ~~أو - وهذا هو الأغلب - أن ينظم علاقتها بفكرة أو ظاهرة أو حدث يشي به الفراغ وسط ما ~~يعرض، ومن حوله. وبينما كان الانطباعيون الفرنسيون في فترة السينما الصامتة ينعمون ~~بغنى الصورة الرائقة، وبينما كان آيزنشتاين يؤكد أولوية المجاز القوي الذي يتوصل ~~إليه بالقفزات التخيلية عبر التضادات الصارخة للصور، فإن لينارت يشير بتواضع إلى ~~الأعمال اليومية للسينما من خلال الكناية والحذف. # اعترف لينارت لاحقا أنه «بصرف النظر ~~عن بساطتها الواضحة، فإن مقالة «مدرسة المشاهد الصغيرة» كانت مشروعا طموحا جدا، ~~وهو المخطط لأسلوب جمالي جديد كليا بالنسبة إلى السينما.» # 15 # ولهذا أطلقت طريقة تفكير جديدة سرعان ما تبناها بازان الذي كان قارئا ~~نهما لكتابات لينارت، وصديقا مقربا له. قليلون من يعرفون اليوم أن لينارت كان ~~محل إعجاب عميق من جون روش على سبيل المثال، الذي كان يحييه بلقب «جدي، جدي»، ~~وهو تعبير أفريقي ودود ينم عن الاحترام والتوقير. # 16 # كما كان نقاد «كاييه» يعدونه بمنزلة العم، وكانوا ms045 يعرفون كم كان يعني ~~لبازان. # 17 # حقا، لم يكن لينارت ليصوغ رؤاه خلال فترة السينما الصامتة. يقلل الصوت من ~~سمو الصورة. يلح على المصدر المادي لمادة صانع الأفلام بدلا من شاعرية أثرها. ~~ووفقا لتعبير لينارت: لا يجب أن نتعامل مع «الصورة» ولكن مع «اللقطة»، كما أن الصوت ~~يقيد الصورة بمصدر زماني-مكاني محدد. # 18 # يقول لينارت: «على العكس من «أثر الصورة» الذي يجذب الانتباه لنفسه، أريد ~~[من المشاهد] أن يكون حساسا لسمات التصوير السينمائي الجيد حقا، محايدا قليلا ~~في مظهره، خادما متجردا يفهم روح السينما.» # 19 # يبث لينارت شكواه لمصوره المستقبلي، فيليب أجوستيني، بشأن نسب الصور ~~للمصور في الأفلام، بقوله: «الصورة ل...»، ووافقه أجوستيني الرأي قائلا: ««الصور ~~لأجوستيني» ... هذا رائع! لو قدر لك أن تصنع فيلما، فسأكون سعيدا بالعمل معك دون ~~أن أحاول صنع صورة تعبر عني.» # 20 # هذا الأسلوب الجمالي المباشر المجرد يعود للهيبة التي اكتسبتها الصحافة خلال ~~الحرب العالمية الأولى وبعدها، نوع قاس من الصحافة، لا تأول فيه الحقائق، ولكنها ~~تعرض، ثم توضع، بعضها إلى جانب بعض؛ لتحقيق التجاوب والإيقاع. ساعد النبض ~~الصحفي على نضج الفيلم حالما أتاحت إضافة الصوت للضوضاء المحيطية وللحوار أن يملآ ~~المشاهد التي كانت فيما مضى تكتسب قوتها من الزوايا المعبرة، والإضاءة، والستائر، ~~والأدوات القيمة الأخرى. وحتى من دون إدخال الصوت، بدأ كثير من أفلام العشرينيات في ~~القرن العشرين يصبح مستساغا على نحو يفوق أسلافها بسبب الانتقال من استخدام شريط ~~الفيلم الأورثوكروماتي إلى شريط بانكروماتي، وما أتاحه هذا من إضاءة أقرب إلى ~~الطبيعية. # 21 # أصبح الجسم المصور، كما قال لينارت، في بؤرة تركيز واضحة بكل «كثافته»، ~~وكانت الوحدة الأساسية المكونة للفيلم بلا نقاش هي «اللقطة» التي انتزعت من جسد ~~العالم، وليست «الصورة الرائقة» التي صنعها المصور. # تدين هذه الجماليات بقدر كبير لميل لينارت إلى الأسلوب المباشر لكل من هيمنجواي، ~~وهاميت، ودوس باسوس، وجيمس كين الذين سبق أن صاروا كتابا رائجين في باريس؛ لكنه ~~يدين بفضل أكبر لمهنته: محرر أفلام إخبارية في «إكلير جورنال». كان يستخلص ms046 الأحداث ~~الهامة يوميا من مئات الأمتار من شرائط السيليولويد الملقاة على طاولة تحريره. وكان ~~يحتاج يوميا للعثور على طرق من أجل تقديم - أو اقتراح - موضوعات وأحداث أكبر حجما ~~أو أقل تحديدا مما ينبغي لعرض موجز. # 22 # كان الحذف هو ما يجيده، والأسلوب الرئيسي الضروري لجوهر عملية صنع الفيلم ~~الوثائقي، وهو النمط الذي أتقنه في نهايات ثلاثينيات القرن العشرين. دعاه بازان لعرض ~~أفلامه الوثائقية في نادي السينما بالسوربون في عام 1943، حيث خاضا نقاشات مطولة. ~~يمكنكم الشعور ببازان في استحضار لينارت ل «الواقعية الأولية» للسينما. يذهب لينارت ~~بعد ذلك لأبعد مما قام به بازان في توضيح عمله بوصفه محررا: «ليس في المادة ~~السينمائية يسكن الفن ... ولكن فقط في التجميع والتوفيق والحذف.» # 23 # من المرجح أن لينارت تعلم هذه المصطلحات من القراءة لنقاد الأدب في عصره. ومثل ~~كثيرين غيره ممن عاشوا في ثلاثينيات القرن العشرين، كان لينارت مناصرا لأندريه ~~مالرو الجريء، أكثر كتاب فرنسا الصحفيين حداثة. تجسد رواية «قدر الإنسان» ~~الجماليات الناشئة للسرعة والدقة، كما أن مالرو كان يساند كتابا آخرين ذوي ~~ارتباطات سياسية، مثل المثيرة للجدل أندريه فيولي. في «المقدمة» التي كتبها مالرو ~~لتقاريرها الميدانية القاسية المناهضة للاحتلال بعنوان «استغاثة من الهند ~~الصينية»، # 24 # ابتدع مالرو مصطلحات استخدمها لينارت في صراعه ضد النظرية الجمالية التي ~~ظلت متبقية من عصر السينما الصامتة: # حدد مالرو أسلوبا جماليا أدبيا جديدا يعتمد على الحذف، على العكس من ~~فن المجاز القديم. هذا الأسلوب الجمالي هو جماليات السينما؛ فهو يتناسب ~~ودرجة الدقة التي بلغتها المعلومات البشرية - وما التصوير إلا أحد أشكالها - ~~كما يناسب الميل لحقائق الواقع وللوثيقة الذي يميز العصر الحديث ... وهو ~~يكشف في النهاية عن طريقة جديدة في قراءة العالم والتعبير عنه ... ليس بحثا ~~مدروسا عن «المعنى» من خلال التمثيل أو الديكور، ولكن عمل بسيط من «الترجمة». ~~ليس ممارسة فنية في التعبير، ولكنه جهد تقني في الوصف. # 25 # يحدث هذا «الجهد في ~~الوصف» حينما يشي الحذف بملامح شيء ما بحذف لحظات وأجزاء في متسع زمني- مكاني. من ~~خلال ms047 الاختزال، أي شيء يعرض على الشاشة لا بد أن يدعم بكل ما هو غائب؛ ويمكن أن ~~يحمل هذا ارتباطات موازية كثيرة (تقاربات). كان من شأن بازان أن يتوصل إلى رؤية ~~أخرى للحذف، # 26 # لكنه يقف إلى جانب لينارت في إدراك أولوية ما لا يقدم على الشاشة. ~~بالفعل كان من شأنه أن يذهب لما هو أبعد من هذا، كما هو مذكور في الفصل الأخير، ~~معتبرا السينما أثرا أو «النسخة السالبة» من الواقع. وكان جودار يسعى دائما وراء ~~النقطة نفسها. في فيلمه «بييرو المجنون» («بييرو لو فو»، 1965)، يجعل جودار الممثل جون ~~بول بلموندو يقرأ من تاريخ الفن الذي كتبه إيلي فور: «بعد الخمسين ، أراد فيلاسكويز أن ~~يدهن الفراغات بين الأجسام.» كان بازان يشعر بالإحساس نفسه تجاه السينما؛ بعد بلوغ نصف ~~قرن من العمر، نضج وسيط المرئيات المبجل هذا، ووجد نفسه في واقع الأمر هو الفن الذي ~~يتجر بالغياب، وغالبا «غيابيا». # 27 # وثائقيات في مرجل التاريخ # درب لينارت ومالرو عيني بازان على ملاحظة نمو الجماليات الحذفية فيما سمته ~~زميلته في مجلة «إسبيري» كلود إدموند مانيي «عصر الرواية الأمريكية». وأكدت أفكاره ~~عن التحرير الأعمال الوثائقية المؤثرة التي كانت تصدر كل شهر استجابة للحرب ~~العالمية الثانية وما أعقبها. ولعل بازان، مثل معظم النقاد، كان مهتما من حيث ~~الأساس بالسينما الروائية، لكنه كان قادرا على الشعور بتعرض الكيان بكامله لتحدي ~~الوثائقيات الحديثة بقدر كبير لدرجة جعلتها هي المحرك لنظريته. # 28 # كان بازان أول من حدس بأن الحرب العالمية الثانية أخرجت للوجود سينما ~~حديثة، # 29 # سريعة الاستجابة ومسئولة عن مهمة توصيفية عجز الأسلوب المعتاد (الكلاسيكي) ~~عن القيام بها. أصبح العالم المراد تمثيله أوسع وأسرع وأكثر تعقيدا وعنفا مما ~~يحتمله التمثيل السينمائي السائد. بالاندفاع خارج الاستوديو، صارت السينما تكافح ~~لاستيعاب واقع محير بالكاميرات المحمولة، والعدسات الخاصة، وآلات التسجيل، وشرائط ~~الأفلام الحساسة، والألوان، وحتى الأشعة تحت الحمراء. هذه الابتكارات والتحسينات ~~مهدت الطريق لأساليب التصوير الجوي، والتصوير ليلا، والتنقل المرتجل، وتسجيل الصوت ~~في الموقع؛ حيث تعلمت السينما السيطرة على امتدادات ms048 شاسعة، وعرض ظواهر وأحداث كانت ~~بعيدة عن متناولها. # كانت الطريقة التي تلاعبت بها الوثائقيات ~~بالبعد الزمني للصورة أقل وضوحا، لكني أعتقد بأنها أكثر أهمية. بفضل الخبرات التي ~~أتاحتها وثائقيات زمن الحرب؛ فإن الأفلام الروائية الطويلة كان بإمكانها أن تحاول ~~تشكيل القصص طبقا لأبعاد زمانية مختلفة عن تلك التي كان ينتجها نظام «الديكوباج». ~~تحدى بازان صناع الأفلام والمشاهدين أن ينفتحوا على عوالم خبرة أبعادها الزمنية ~~متغيرة على نحو مربك وكاشف. وبأكثر الأشكال وضوحا، استلزمت الحرب أن تلتقط ~~السينما حالة عاجلة، أساسية بقدر أكثر مما يمكن أن تنتجه صناعة الأفلام الكلاسيكية. ~~في مقاله البارع «مدرسة التحرر الإيطالية»، نسب بازان القوة الفورية التي تمتعت بها ~~«أفلام المقاومة » إلى تصوير سينمائي أظهر مميزات «كاميرا بيل وهاول للأفلام ~~الإخبارية، وعرض متحرك لليد والعين، كأنها عضو حي من مشغل الكاميرا، متناغم ~~تناغما فوريا مع وعيه.» # 30 # تنتج قيود جودة الصورة بحد ذاتها مزيدا من الواقعية في المواقف الميدانية، ~~أشبه نوعا ما برسم تخطيطي لفنان منها بلوحة زيتية. يكمل تحليل بازان لأسلوب ~~مالرو الحذفي الحجج التي كان يصوغها بالفعل ضد سيطرة «الديكوباج» الهوليوودي ~~الكلاسيكي، مشيرا إلى أن تقطيعات مالرو «غير القابلة للفهم» تقريبا تجبر المشاهد ~~على الدخول في حالة فعالة من التيقظ، كما لو كان في حالة طوارئ. أفلام مثل «الأمل» ~~(«ليسبوار»)، و«معركة السكك الحديدية» («باتل أوف ذا ريلز»، «باتاي دي ريل»؛ كليمو، ~~1946)، و«بايزا» (روسيليني، 1946) كسرت الإيقاع الدرامي المعتاد، مجبرة المشاهد ~~على اللحاق بالأحداث التي تتجلى أو تحدث أمامه بمعدل لا يمكن توقعه. يحدث كل ~~من تلك الأفلام في الزمن المتقطع لفعل حروب العصابات وردود الفعل إزاءها على أرض ~~متنازع عليها. ويمكن اختصار إطارها الزمني لأقل ما يمكن تخيله؛ رجل ينظر إلى ~~عنكبوت على الحائط في لحظة إعدامه (كليمو)، أو رصاصة طائشة تصيب عضوا حزبيا في ~~فلورنسا، وإدراك الأحوال الاجتماعية المفاجئ من قبل جندي أسود في روما (روسيليني). ~~تجبر هذه الأفلام المشاهد على الانتباه لأحداث أسبابها خفية أو ضئيلة أو مبهمة ~~بقدر يمنع المشاهد من ملاحظتها. مثل ms049 هذه الأفلام يجب استيعابها في عجالة. # تبرز الحذوفات الصارخة سرعة الحياة وعنف سيرها كما عاشها الناس وكما تخيلوها ~~بعد الحرب العالمية الثانية، رغم أنها تستغني عن السياق المرئي (ومنه المساحة ~~البانورامية)، وعن السيكولوجية، وتفاعل الشخصيات. كل هذا يضع المشاهد في علاقة ~~بالموضوع الذي يمكن أن يوصف بأنه واقعي من وجهة نظر نفسية. أما عن «الواقعية الكلية»، ~~أو استحالتها بالأحرى، فقد ربط بازان الموقف بالقصور الجسدي: الخلايا المخروطية ~~والعصوية للجهاز البصري حساسة لنطاقات مرئية مختلفة؛ فالحيوانات التي وهبت رؤية ~~ليلية قوية ترى الصورة بيضاء وسوداء فقط، مفتقدة المعلومات التي يوفرها ~~اللون. # 31 # أراد بازان تحديد الموقع المختار لكل فيلم في نطاق الواقعية لمشاهدته ~~وفق شروطه . # في الطرف الآخر من ذلك النطاق كان هناك فيلم جورج روكييه «فاروبيك» (1945) الذي حصل ~~على جائزة النقاد الدولية في أول دورة لمهرجان كان. يعمل الحذف بطريقة مختلفة تماما ~~هنا. لا وجود لأي مصادفة أو حدث عارض يؤثر على وصفه الدقيق لبيت في مزرعة في وسط ~~فرنسا. وبعكس الفيلم الحربي، إطاره الزمني ليس إطار الحدث العاجل الآني، ولكن إطار سنة ~~التقويم الكاملة، وضمنيا، الزمن الأرضي نفسه، وهو الزمن الذي أفقدنا الانتقال لعصر ~~التصنيع الإحساس به. أراد روكييه ألا «يؤرخ» شيء فيلمه، # 32 # وأعطاه عنوانا فرعيا «المواسم الأربعة» («لي كواتر سيزون») في تضاد مع ~~عناوين أفلام روسيليني مثل «جرمانيا: السنة صفر» («جرمانيا آنو زيرو»)، أو «أوروبا 51»، ~~لكنه يظل تاريخيا رغم كل هذا. # 33 # أراد روكييه بإبطاء الإيقاع أن تدرك الأرض بالمعنى الحرفي للكلمة، بما ~~تشمله من برك الطين، والرجال والنساء العاديين، والحيوانات وروثها ... أيا ما كان ~~ما تجاوزته السينما التقليدية أو أهملته من باب الذوق في إطار اهتمامها بالدراما ~~والفن. قال بازان: «فهم روكييه أن الاحتمالية حلت ببطء محل الحقيقة، وأن الواقع ~~تحلل ببطء داخل الواقعية؛ لذا شرع في مهمة صعبة لإعادة اكتشاف الواقع، وإعادته إلى ~~ضوء النهار، وإفاقته عاريا من بركة غرق الفنون.» # 34 # بازان ليس ساذجا. حتى لو كان فيلم «فاروبيك» قد تخلص من المجازات المعيية ms050 ~~و«الجمالية الطفيلية» اللتين استنكرهما بازان، فإنه لم يكن ليصور ما هو واقعي ~~مباشرة. يقول بازان في واحدة من صيغه المميزة: «لهذا فإن أكثر الفنون واقعية تتشارك ~~الكثير الشائع، ولا يمكنها الاستحواذ بالكامل على الواقع؛ بسبب أن الواقع يجب أن ~~يتملص منها حتما في وقت ما. ولا شك أنه قد يمكن لأسلوب محسن ومطبق بمهارة ~~تضييق ثقوب الشبكة لكن الفرد يكون مجبرا على الاختيار بين نوع من الواقعية ونوع ~~آخر.» # 35 # وفي مقالاته عن الواقعية الجديدة، تصف الشبكة أو المصفاة العلاقة بين ~~صانع الفيلم وموضوعه. في كل فيلم، يصلنا قسم ونوع معين من المعلومات من بين تدفق ~~زائد عن الحد من البث المرئي؛ أو بمعنى آخر، ما يعرض على الشاشة، أيا ما يكن، ~~يمكن القول إنه صنع الشاشة من خلال مصفاة العدسة. وكما هو الحال مع مرشح الأشعة تحت ~~الحمراء، يمكن للاختزال إظهار بنية الموضوع، وتسليط الضوء على تفاصيل يصعب تمييزها ~~بأي شكل آخر. # 36 # ربما تكون هذه المصفاة هي المعادل المكاني للحذف الزمني؛ حيث إنهما كليهما يختصران ~~المعلومات لخدمة الوضوح والاتساق والأثر، وأصبح بازان يفضلها بوصفها كناية عن ~~السينما. في النهاية، يعتمد الحذف على قرار المحرر بخصوص ما هو مهم دراميا. ~~وبينما يستخدم لينارت كلمة «مونتير» للإشارة إلى تحرير اللقطات الخام الملتقطة ~~سابقا أو من قبل شخص آخر، يستخدم مالرو كلمة «قاطع» للإشارة إلى «التحرير الذهني» ~~الذي يخوضه صانع الفيلم أثناء تحضيره للسيناريو، لكنهما يشيران إلى فرض نظام ما على ~~الزمان والمكان الأوليين. لم يكن بازان مستعدا للتخلي عن القوة الكامنة في هذه ~~الأولية. لو كان المخرج الإيطالي فيتوريو دي سيكا قام بتقطيع مشاهد فيلمه «أمبرتو ~~دي» (1952) طبقا لمبادئ الحذف، لاختزل أشهر مشاهد الفيلم، الخادمة الحبلى تطحن ~~القهوة في الصباح، إلى ثوان معدودات. لكن دي سيكا ترك الكاميرا تدور وتشمل أحداثا ~~عشوائية؛ مثل رشها الماء على حشرات على المنضدة، وإغلاق الباب بقدمها. ورغم أن هذه ~~التفاصيل غير مهمة، فهي تملأ الفيلم، وشغلت نقد الفيلم منذ ذلك الحين. # 37 # في أهم ms051 تطبيقاته السينمائية الأساسية، يسمح الحذف لعقولنا بإدراك شيء ممتد في ~~الزمان والمكان بقدر أكثر مما ينبغي لتقديمه بشكل مناسب كاملا أمام أعيننا. إذا كان ~~فيجو حرر فيلمه الصامت «عن نيس» («أه بروبو دو نيس»، 1930) باستخدام الحذوفات ~~المبتكرة، فقد كان هذا في المقام الأول بسبب أن المدينة ومهرجانها لا يمكن تصويرهما ~~بلقطة فردية. وعلى الرغم من أنه لا يرينا شيئا خارج حدود المدينة، فإن لقطات فيجو ~~تعادل وجهة نظر ... مدينة نيس المصفاة من خلال وعيه. # 38 # تعمل هذه المصفاة بصريا في مرحلة التسجيل، حين تنظم عدسة ما، أو ~~شريط فيلم، أو مصفاة حقيقية نوع الضوء الذي تلتقطه الكاميرا ومقداره، وحين يختار صانع ~~الفيلم زوايا معينة، وأطوالا بؤرية، ومسافات. هناك نوع آخر من المصافي يعمل على ~~طاولة التحرير، حينما يتابع موضوع معين، بينما تسقط موضوعات أخرى؛ لذا حينما تختار ~~مجموعات من اللقطات المصفاة بالفعل لضمها في مشاهد، فإن نسبة 90 بالمائة من المادة ~~الخام و50 بالمائة من اللقطات المنتقاة غالبا ما تمر من خلال الموفيولا لتسقط على ~~الأرض؛ لتكنس وترمى بعيدا. يكرر بازان قوله إن الفيلم النهائي يضعنا في تواصل ~~مع الواقع من خلال ما تراه أعيننا مركزا على الشاشة. كان بازان أكثر استعدادا من ~~لينارت ومالرو لجعل صدف الطبيعة تقرر الفيلم النهائي أكثر مما يقرره فن ~~المحرر. # لذا، دعونا لا نخدع أبدا بالوجود الكشفي المفترض من جانب بازان، تماما كما ~~ينصح هو بألا ننخدع بالمظاهر. ما هو على الشاشة ليس الواقع، ولكنه تتبع الواقع، ~~وبقاياه التي قد تسمح لنا، مثل المومياء، باستدعاء حضور شيء أكثر اكتمالا، وهو شبح ~~ذلك الواقع الأكثر صلابة على نحو متناقض، الذي يحوم على نحو طيفي حول الشاشة أو ~~وراءها أو أمامها. هذا إخلاص للمظاهر بالفعل، لكنه يحدث من أجل اجتيازها إلى روح ~~شيء أكثر وأقل أهمية في آن واحد ... روح حدث درامي، أو مصير شخص، أو روح ~~رواية. # 39 # نهج كاييه # تقف «جمالية الاستكشاف» هذه على ~~النقيض من سينما التلاعب التي تتضمن معظم أفلام التحريك والإبداع ms052 الرقمي الخالص؛ وهي ~~تطلب منا تهيئة رؤيتنا لظروف الجلاء التي يتيحها العالم بدلا من إعادة صنع العالم - ~~مثلما تفعل وسائل الإعلام الحديثة - إلى أن يناسب ظروف مشاهدتنا، بل راحتنا ومتعتنا ~~أيضا. يستهدف «الأثر السينمائي» مباشرة التركيب العصبي للمشاهد، بينما يتجه نهج تفكير ~~بازان إلى عالم (مادي، أخلاقي، فني، افتراضي) بعيد عن الشاشة. يمكن العثور على ~~مفهومه للتركيب السينمائي الآخذ في التطور في الحوار مع سينما رينوار وويلز ومالرو ~~الجديدة، في جملة وحيدة كتبها في نسخة عام 1945 من مقال «الأنطولوجيا» ثم نقحها، ~~وخففها لاحقا في كتابه «ما هي السينما؟»: «تبدو ~~السينما مثل تحقيق صورة مقربة في زمن الشيء.» # 40 # تشير هذه الصيغة الملغزة - التي تقارب أحجيات التمارين الذهنية ~~البوذية - إلى الاختلاف المحتوم للأساس الفوتوغرافي للسينما بنقل الانتباه من الزمن ~~البشري إلى «زمن الشيء»؛ ومن ثم من الصورة إلى اللقطة. يعتمد نهج «كاييه» كله على ~~إعادة التعريف هذه للتكوين الأساسي للسينما. يقول داني بطريقة مباشرة: «السينما ليست ~~مصنوعة من صور، ولكن من لقطات، واللقطة هي كتلة الصورة والزمن غير القابلة ~~للانقسام.» # 41 # في عام 1945، استوعب بازان على نحو ما هذه الفكرة الجذرية. وبينما تقف ~~الوثيقة الفوتوغرافية ثابتة، يقدم العمل الوثائقي الأشياء وهي تتحرك في زمنها، ~~معلقة داخل حقل من المحددات العديدة؛ وحالما يعرض الفيلم، يمكن التشكيك في تكامل ~~أي شيء أو هويته. يزيد الغموض من ثقل ما يشار إليه حيث تحول الكثير من العلاقات التي ~~تربط الشيء بموقفه دون «تثبيته» تماما. # يترك نهج «كاييه» آثاره على نوعية معينة من الأفلام الروائية التي تشكل ما يشبه ~~عمودا فقريا تحمل فقراته أسماء كبار صناع الأفلام. وكان هناك ثلاثة، خصوصا، على ~~تواصل مع بازان ومتبعيه الشباب في حدود عام 1950: روسيليني، ورينيه، وبريسون. كان ~~يقال إن روسيليني جسد الواقع الأخلاقي للفهم العابر للثقافات في أجزاء فيلم «بايسا» ~~الستة عن المقاومة، التي تمثل مراحل قصة موجزة لتحرير إيطاليا. بعد ذلك بفترة قصيرة، ~~صور روسيليني جمالا من عالم آخر في فيلم «زهور القديس فرانسيس» («فلاورز أوف سانت ms053 ~~فرانسيس»، «فرانشيسكو، جولارى دي ديو»، 1950) الذي صور فيه جماعة حقيقية من الرهبان ~~الفرانسيسكان يعيدون تجسيد حياة مؤسس الجماعة - وهم يحاكونها بالطريقة الواجبة - في ~~أحد عشر مقطعا أو «زهرة». فرق بازان بين بناء روسيليني الاختزالي وبين السرد ~~الكلاسيكي بتحديد التوتر بين دافع روسيليني الفني أو الأخلاقي الشامل، وبين المواقف ~~المحددة التي صورت، وهي مواقف تمتلك خواص متفردة تقدمها السينما وتحميها ~~بشكل آلي. كل مقطع من «بايسا» وكل زهرة من زهور فرانسيس الإحدى عشرة (وكل مشهد من هذه ~~الأجزاء السبعة عشر) له تفرد صخرة وصلابتها في نهر الفيلم قبل أن تكون بمنزلة مخاضة ~~سردية يدعونا روسيليني لعبورها. يشكل أنصار الواقعية الأدبية التقليدية المشاهد ~~لتناسب السرد. يمكن لهوليوود ادعاء نسخة من الواقعية في كثير من الأنواع السينمائية ~~التي تقدمها ؛ لكن هوليوود، كما يقول بازان، تقولب كل اللقطات وتشذبها لتصبح ~~أحجارا على شاكلة واحدة، أو لبنات مضمومة بسلاسة إلى جاراتها لبناء جسور قصصها. في ~~إنتاجات هوليوود الكلاسيكية، يعبر المشاهد دون التعرض لخطر سوء فهم أو انحراف، من ~~شارة البداية حتى شارة النهاية. لكن في فيلم «بايسا»، يجب أن تنتبهوا لخطواتكم، بتفحص ~~شكل كل حجر ومكانه في الفيلم قبل أن تقفزوا من حجر إلى آخر. ربما تنزلق أقدامكم من ~~آن لآخر، أو تبتل على الأقل. مخاضة مقابل جسر. ما هو حقيقي بنظر روسيليني حقيقي بنظر ~~بازان. كل قطعة مهمة بطريقتها لكنها تشير إلى شيء يتجاوزها: # البناء الذي صنعه روسيليني لا يسمح للمشاهد إلا برؤية «الحدث» نفسه. ومثلما ~~يمكن أن توجد بعض الأجسام، سواء أكانت بلا ملامح أم متبلورة، فإن فن ~~روسيليني يشمل المعرفة بما يجب فعله لمنح تلك الحقائق ما هو أكثرها جوهرية، ~~وأروعها شكلا في الوقت نفسه - ليس الأجمل، ولكن الأوضح إطارا، والأكثر ~~مباشرة، والأكثر لذوعة ... لا يعني أخذ الواقع في الاعتبار مراكمة المظاهر. ~~بالعكس، يعني تجريد المظاهر من كل ما لا يلزم، من أجل الوصول إلى الكلية في ~~بساطتها. فن روسيليني خطي ومتناغم ... [كما في] رسم تخطيطي، يتضمن في خطه ~~أكثر مما يصفه ms054 بالفعل. # 42 # في عام 1954، ظهر فيلم روسيليني «رحلة إلى إيطاليا»، وهو أول فيلم حداثي بمعنى ~~الكلمة، كما صرح جاك ريفيت في «كاييه»، يمكن قياس كل الأفلام عليه. هذه «الرحلة» ~~الموجزة للحد الأقصى تظهر لنا في لقاءات إنجريد برجمان المتتالية مع الحياة الزاخرة ~~في نابولي (نساء حبلى وأطفال رضع في كل مكان) والموت الأكثر انتشارا (جنازات، ~~وحوادث نبش قبور، وسراديب موتى) الذي تراه في البداية وهي محتمية بزجاج سيارتها ~~وبالمرشدين المحليين، لكنها في النهاية لا يمكنها تفادي مواجهته مباشرة. في جملة ~~شهيرة جدا، قال بازان إن سينما روسيليني ليست مكونة من صور ولا لقطات، ولكن من ~~«حقائق». # 43 # تخيل مقطوعة موسيقية مكتوبة لا تتكون من سلسلة من النوتات ولكن من حقائق. ~~هكذا يتباهى جاك ريفيت بفيلم «رحلة إلى إيطاليا »، معتبرا إياه أول فيلم حداثي ~~بالفعل. # 44 # في ذلك المشهد الرمزي الذي استحضر بالفعل، يجبر جورج ساندرز وإنجريد ~~برجمان على النظر في نفسيهما وهما يشاهدان عملية حفر لاستخراج الآثار في مدينة بومبي. ~~الجثتان البشريتان، اللتان فاجأهما الموت منذ ألفي سنة، يأخذان في الظهور، صادمتين ~~الزوجين المشاهدين لهما في الرواية بمعرفة نفسيهما. نظرا مليا في الحقائق، ولا ~~يستطيعان صرف نظريهما بعيدا. من خلال الحذف والمقاربة، يفرغ تحرير روسيليني مساحة ~~للظهور التدريجي أو المفاجئ لحقيقة ما. واشتهر بقوله: # 45 ~~«الأشياء موجودة، فلماذا نتلاعب بها؟» لكن الوصول إلى هذه الأشياء أمر ~~مختلف. وكان له أن يورث «الموجة الجديدة» خلق التنقيب هذا تحت الأنماط الشائعة من ~~الحبكة، والشخصية، والحدث. بعد أن أذهله فيلم «رحلة إلى إيطاليا»، عرض تروفو خدماته على ~~روسيليني الذي قابله في منزل بازان. كما عمل جودار معه في منتصف الخمسينيات في القرن ~~العشرين. # ثم جاء بريسون؛ ورغم أنه كان منطويا وغير اجتماعي، فقد انضم لبازان وجون كوكتو في ~~عام 1948 لإنشاء نادي السينما في شارع الشانزلزيه، حينما كان يخطط لصنع فيلم «يوميات قس ~~في الأرياف» («ديري أوف آ كانتري بريست»، «جورنال دن كوري دو كامباني»، 1951). رد ~~بازان روعة هذا العمل الرائع إلى الطريقة ms055 التي صفى بها بريسون ما قدمه برنانوس ~~بالفعل في الصيغة الموجزة من اليوميات. القس، ونحن معه، نحس بالمنظر الريفي من خلال ~~المصفاة الدائمة لنظرته الأخلاقية التي تصبح هي الموضوع الحقيقي للفيلم، جوهر القس ~~المتفرد، المرسوم بثبات. كان لبريسون تأثير هائل في «كاييه»، ويتجلى هذا في مقابلة ~~جودار معه عقب العرض الأول لفيلم «بالتازار بالصدفة» («أو هازارد بالتازار»، 1966)، وهو ~~فيلم آخر يتكون من مقاطع، لكن إيقاعه محدد هذه المرة، بطريقة غير بشرية مربكة للغاية، ~~بمعاناة حيوان. وكما يقول سيرج داني، كنا في «كاييه» منجذبين لأفلام ترد على نظرتكم ~~إليها - كما تفعل الحيوانات - بنظرة نابعة من غيريتها. # كان فيلم آلان رينيه «هيروشيما حبي» («هيروشيما مون امور»، 1959) أول فيلم يذكره داني ~~كما لو كان الفيلم يحدق فيه، محولا إياه من مجرد متفرج إلى مشاهد لا يهدأ، أو ما ~~سماه «ابن السينما» (وليس «المولع بالسينما»). كان داني الذي سيصبح بسهولة أكثر ~~النقاد أهمية بعد بازان في فرنسا يبلغ من العمر 13 عاما حينما صعق هو ووالدته بما ~~شاهداه - وما لم يشاهداه كذلك - في «هيروشيما حبي». من خلال نوع من التلاقي النفسي ~~المتواصل بين حبيبين لا يذكر اسماهما، ينشأ واقع غير بشري لا نستطيع أن نواجهه - ~~أو لن نواجهه - بطريقة عادية. # جعلت «كاييه» من فيلم رينيه الموضوع المحوري لحلقة نقاشية شهيرة دفعت داني للقيام ~~بمهمته المتنقلة: «إذا كانت السينما قادرة على هذا ... كان عندي رد على السؤال ~~الصعب: «ما الذي ستفعله بحياتك؟»» نعرف ما فعله بحياته بالغة القصر. تولى تحرير ~~«كاييه»، وصاغ القول الفصل الذي استحضره رينيه، وأكرره هنا: «السينما مرتبطة ~~بالواقع، ولا علاقة للواقع بالتمثيل.» يستحضر فيلم «ليل وضباب» («نايت اند فوج»، «نوي ~~إ برويار»، 1955) - وهو المثال الأفضل هنا - الهولوكوست، ولكنه لا يتظاهر بأنه يمثلها. ~~ينقب رينيه تحت مناظر أوشفيتز الطبيعية الملونة الهادئة، كاشفا طبقة من الماضي - لا ~~يمكننا تسميتها تاريخا تماما - ومن رعب لا يمكن تمثيله حرفيا. تنزل لقطات رينيه ~~المميزة داخل حفرة سوداء من الشناعة. لم يستفد شخص منذ سيرجي آيزنشتاين من ms056 المونتاج ~~بهذا القدر؛ لكن بينما كان المخرج الروسي يضع الصورة بجوار الأخرى، يرفض رينيه «الصور ~~الملتقطة» بالألوان، لصالح «الحقائق المعطاة» بالأبيض والأسود. المشاهد الأولية ~~بالأبيض والأسود مصنوعة من «اللاصور» كما كان من شأن داني أن يسميها. # 46 # كون أي حدث لا يمكن تخيله «معطى» يخرج الكاميرا التي تصوره عن مسارها، ~~ويغرقها أسفل السطح الأخضر إلى ما تبقى («أطلال» المعسكرات). ماذا نفعل بها الآن؟ ~~بالفعل، يسأل الفيلم في خاتمته: «ماذا نفعل؟» تنطبق ملحوظة بازان بخصوص «رحلة إلى ~~إيطاليا» بملاءمة أكثر على «ليل وضباب»: «الحقائق حقائق، يستفيد منها خيالنا، لكنها لا ~~توجد في الأساس لهذا الغرض.» # 47 # يفصل فيلم «كل ذاكرة العالم» («تو لا ميموار دي موند») الذي صنع بعد بضعة أشهر ~~المعضلة الوجودية التي تضاعف الصدمة التي تتسبب فيها صور «ليل وضباب»: كيف يمكن ~~للحاضر أن يسهم في الماضي؛ وكيف يمكنه تجنب الماضي مع ذلك؟ تمثل المكتبة الوطنية ~~دليلا على هذا التناقض. هنا لا تقع حقائق التاريخ الإنساني الصلبة تحت حقل مجهول؛ ~~فهي مركزة في حصن للذاكرة. ومثل موظفي المكتبة الدقيقين، يعامل رينيه كل كتاب أو ~~أثر - سواء أكان دورية مجهولة أم مخطوطا شهيرا - على أنه حقيقة في لغز غير قابل ~~للحل. الحقائق تغلبنا حتى حينما تدار وتنظم وتفهرس بعناية بالغة. وكما قال روجر ~~أودين، فالفيلم مركب من تضاد بين الفضاء الفعلي والفضاء المجازي، بين الأشياء ~~والخيال. ثقل الماضي المتراكم، المستعصي على زحزحته، تثيره الحركة المتواصلة للحاجات ~~والرغبات الإنسانية، التي تلتقطها الكاميرا وهي تتتبع الرفوف المتراصة المعقدة ~~كالمتاهة. # 48 # وكما في «ليل وضباب»، هناك ترتيبان زمنيان مدفوعان معا، وهما الحقيقة ~~والرغبة. في المشهد الوحيد الدرامي في عمل توصيفي بالكامل باستثناء هذا المشهد، يطلب ~~كتاب، ويحضر، ويستخرج من ضريحه إلى المجال العام المحروس. يشير رينيه إلى ~~الانتقال من زمن إلى آخر؛ إذ تقترب عربة كتب من مكتب الإعارات. وبعد ذلك، حينما يجتاز ~~قاعة القراءة، ترتقي المناجاة في الغنائية: # والآن يسافر الكتاب تجاه خط مثالي؛ فاصل وهمي أكثر تقريرا لوجوده من ~~المرور عبر ms057 مرآة. لم يعد الكتاب نفسه. منذ لحظة مضت، كان جزءا من ذاكرة ~~كونية، مجردا، محايدا ... لكن هذا الشيء الآن انتقي وميز وأصبح لا غنى ~~عنه لقارئه. # تتلقى الكتاب يدان متلهفتان لإنسان (مشتغل بالفكر) يتيح ~~اهتمامه للكتاب أن يتنفس ساعة قبل أن يعاد إلى بنك الذاكرة السرمدي الذي يشكل ~~فيه وحدة مفردة. ومن مسافة محسوبة بإتقان، ينظر رينيه للأسفل على غرفة القراءة، ~~مراقبا البحث عن «السعادة» الذي يشغل جماهير محبي القراءة (الذين يوصفون بديدان ~~الكتب أو بالنحل)؛ حيث ينقب كل منهم في نصه المنفصل. جديتهم واستغراقهم - في ~~طلب الكتب، وتدوين الملاحظات في صمت، وحك رءوسهم - يجعلانهم يبدون غير واعين، مثل ~~الكتب التي يلتهمونها بشغف في بحثهم. # يحقق فيلما رينيه الوثائقيان الخالدان الآمال التي دفعت ألكسندر أستروك قبل عقد ~~تقريبا إلى كتابة بيانه المعنون «من أجل طليعة جديدة: الكاميرا-القلم». تحدى أستروك ~~صناع الأفلام لمناقشة الموضوعات الفلسفية من خلال خطاب سينمائي. # 49 # وهذا ما فعله رينيه. يمكن اعتبار أفلامه مؤلفات بالمعنى الحرفي للكلمة؛ ~~فهي مؤلفة على نحو مثير من مواجهة الكاميرا عالما ماديا عنيدا، وواقعا ~~أدبيا عصيا على التغيير بالقدر نفسه (نصوص كتاب راسخين مثل جون كايرول، وريمو ~~فورلاني، وبعد ذلك بفترة قصيرة مارجريت دوراس). حتى حينما كلفوا بإنتاجها، أتاحت ~~حرية الأفلام القصيرة لرينيه وماركر وفرانجو وفاردا وغيرهم استراتيجيات تركيبية جريئة. ~~وحينما منحوا فرصة صنع أفلام روائية في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، كانوا ~~مسئولين عن ميلاد السينما الحديثة؛ مثل: «كليو من 5 إلى 7» («كليو فروم فايف تو سفن»، ~~«كليو دو سانك آ ست»، 1962)، و«عيون بلا وجه» («آيز ويذاوت افيس»، «لي يو سان فيزاج» ~~1960)، و«هيروشيما حبي». # 50 # يعد العنوان الذي منحته فاردا لفيلمها باستمرارية زمنية كاملة، ويحقق ذلك ~~تقريبا، إذ تختزل نصف ساعة فقط من الفترة ما بين الخامسة إلى الساعة السابعة في مساء ~~يوم باريسي عادي. لكن بالنظر من مصفاة نظرة كليو المحدقة، تبدأ المدينة تتكشف. ~~ومثل كاثرين في «رحلة إلى إيطاليا»، فإن هذه الجميلة المنشغلة بذاتها تدرك مع الوقت ~~الغمامة التي ms058 تلبسها، وتسمح لنفسها في النهاية بالتفاعل مع العالم الموجود خارج ذاتها، ~~وخصوصا جنديا على وشك العودة إلى الجزائر. ويكون كشفها أكثر إعجازية لأنه معد ~~بدقة في الزمان والمكان. يعتمد «هيروشيما حبي» بالقدر نفسه على إحداثيات دقيقة، إلا أنه ~~يجتمع في هذا الفيلم زمانان ومكانان، في جسدي رجل ياباني وامرأة فرنسية. وكما في «ليل ~~وضباب»، تنافس المشاهد الخام رغبات البشر في التعامل مع كل من الماضي والحاضر (لم ~~تري أي شيء في هيروشيما، أي شيء). لا تحوي «الوثيقة» ولا «الوثائقي» - أو لا ~~يمكنهما أن يوصلا - صدمة ما هو بالأساس الغياب المفرغ من التاريخ البشري بفعل ~~التفجير الذري. لا بد أن رينيه زار متحف السلام الذي سبق افتتاحه عرض الفيلم بفترة ~~وجيزة، ومثل مناسبة لصنع الفيلم في المقام الأول، بوصفه معلما للخواء. لكي يمثل ~~هذا الخواء، كان هناك احتياج لبشر ذوي رغبات عميقة، مثلما كان رينيه يحتاج إلى تصوير ~~أولئك القارئين المتحمسين في المكتبة الوطنية. أتاحت مارجريت دوراس ما كان يحتاجه ~~رينيه، فهي لم تصنع شخصيات بقدر ما صنعت رغبات مجسدة؛ شخصيتين تستكشفان إحداهما ~~الأخرى بلغة الرغبة، وتسبران المواضي التي تفصح عنها كل واحدة منهما مثل باب مفتوح. ~~تسلك كاميرا رينيه عبر هذين البابين، مكتشفة الغياب في قلب الشغف، والموت في قلب ~~الحياة. # تتبع السينما في القرن الواحد والعشرين # ما الذي يعنيه تركيب فيلم في زمننا هذا؟ اسمحوا لي بالعودة إلى فيلم «المصير ~~الخرافي لأميلي بولان»، وهو الفيلم الذي يجعله نجاحه الكبير في مختلف أنحاء العالم ~~مؤشرا جيدا. من البداية، هناك صوت راو يتحدث بسرعة، مصحوبا بمونتاج نشط، يروي ~~الحكاية الخيالية الأخاذة عن فتاة خجولة تتحول أمنيتها في حياة سحرية إلى حقيقة حينما ~~تدرك أنه يمكنها في صمت تحلية حيوات الآخرين بالأعمال الطيبة. يأتيها هذا الإدراك بعد ~~أن يصيبها الهزال وهي نائية في غرفتها المنعزلة، تحلم حرفيا ب «مصير أميلي ~~المحطم»، مشهد ميلودرامي إخباري بالأبيض والأسود، معروض بسرعة على الشاشة في 29 لقطة. ~~هذه السيرة الذاتية التي تشبه القصص المصورة عن حياة ms059 افتراضية تقدم لنا النموذج ~~والمحرك لمونتاج جون-بيير جونيه الذي يبني على مدار الفيلم بطريقة سريعة مشاهد ~~تتابعية لشظايا متفرقة بقدر هائل، تؤدي لصنع مشاهد رائعة، واحدا تلو الآخر. أحد هذه ~~المشاهد يخرج مباشرة من رأس أميلي، حينما تحاول تخيل لماذا لم يأتها نينو في موعده. ~~يصاحب صوت الراوي التالي للمشهد 30 لقطة سريعة تأخذنا عبر سلسلة من الحوادث الجامحة: # تأخر نينو لأن ثلاثة مساجين هاربين اقتحموا مصرفا وأخذوه رهينة. ورغم ~~ملاحقة كل ضباط الشرطة في المنطقة لهم، نجحوا في الهروب. لكنه استطاع أن ~~يتسبب في حادث سيارة. حينما استعاد وعيه لم يقدر على تذكر أي شيء. التقطه ~~سائق شاحنة، سجين سابق، ورماه في الحاوية، ظنا منه أنه متمرد، متجها نحو ~~إسطنبول. وهناك قابل مغامرين أفغانيين اقترحوا أن يذهب معهم لسرقة رءوس ~~نووية سوفيتية. لكن شاحنتهم اصطدمت بلغم بالقرب من حدود طاجيكستان، وكان هو ~~الناجي الوحيد. اختبأ في قرية جبلية، وأصبح فردا في ميليشيا طالبان. مع ذلك ~~ظلت أميلي لا تستطيع أن تدرك لماذا أضاعت وقتها على فتى مثل هذا سيقضي ما ~~تبقى من حياته يتناول حساء البورش في إناء سخيف على رأسه. # يصنع جونيه لقطة فردية قصيرة لكل مقطع منفصل ~~في الحلم الذي يروى. وتستخدم مشاهد كثيرة أسلوب لوحة المشاهد المقطعة هذا، مع ~~تحديد بدايات اللقطات ونهاياتها بعناية، وغالبا ما تبرز بصريا أو سمعيا. في هذه ~~الطريقة، تؤكد كل لقطة أو توصل بوضوح فكرة واحدة تسهم في مشهد حدد مساره منذ وقت ~~طويل في مرحلة الكتابة. يعطينا جونيه كثيرا من الرموز لهذا الأسلوب الجمالي في شارة ~~الفيلم: مجموعة من ثمرات الفراولة على أطراف أصابع تبتلع بتتابع سريع، وصفوفا طويلة ~~من الفقاعات البلاستيكية على ورقة، تفرقع واحدة تلو الأخرى، وأكثر هذه الرموز وضوحا ~~وهو صف ملتو من أحجار الدومينو التي تتساقط واحدا تلو الآخر. تمثل هذه الأحجار ~~المتساقطة - وهي أول صورة في الفيلم - الاستراتيجية الشاملة للقطة تسقط إثر لقطة ~~مجاورة لها، وهكذا حتى تحقق المجموعة بكاملها متعة النهائية المنمطة. بالطبع، يجب ms060 ~~تنعيم حواف أحجار الدومينو لتصبح متجانسة ثم توضع في صف متماثل. هذه هي وظيفة لوحة ~~المشاهد التي يدعي جونيه بفخر أن تصويره لا يحيد عنها؛ لأنه يجب أن يعمل كل عنصر ~~على نحو قابل للتنبؤ، وكل شخصية يجب أن تظهر بدقة «ما تحب وما تكره» قبل المشاركة ~~فيما هو بحق «تدبيرات» الحبكة. # الفيلم مقسم إلى مقاطع تصممها بطلته ~~الخيرة لتفاجئ معارفها في الحي ولتساعدهم. تعتمد خدعها العبقرية على المعادل ~~الأخلاقي لفيزياء نيوتن؛ حيث تصنع صفا من العناصر التتابعية التي يشغل كل منها ~~العنصر الذي يليه للعمل، كالمرحل أو المحرك في الآلة. تقود نينو إلى كنيسة القلب ~~المقدس باستخدام كابينة هاتف، وتمثال، وعلامات بالطبشور، وتليسكوب، بترتيب اكتشاف هذه ~~العناصر نفسه. تعذب أميلي بائع الخضراوات بتغيير روتينه الصباحي (المنبه، والغرغرة، ~~والحذاء) حتى انتهى به الحال أمام متجره في منتصف الليل. أميلي هي قائدة المنظور ~~الأخلاقي. ووراءها، يتطلع دوفايال الفنان، من موقف المخرج البديل، الذي يصمم، ~~بسبب عزوفه الجنسي وتنسكه، مصيرا شهويا هو الأكثر روعة لهذا الملاك. أكثرت ~~المراجعات من القول إن فيلم «أميلي» أعاد الجاذبية والسحر إلى السينما. # ليس السحر بالطبع على الإطلاق، ولكنه العمل ~~المحسوب لتركيب الفيلم (التحرير) هو ما يقود هذه الشخصيات التي يتتبعها عن قرب ~~المشاهدون المبهورون، وهي تمضي إلى مصائرها المقدرة سلفا. هذا هو وقع «أميلي» الذي ~~لا يتساءل سوى قليل من الجمهور كيف يجرفهم معه. ولو أنهم سألوا حقا، كيف سيردون؟ ~~يربك تعقيد التحرير السمع-مرئي حتى دارسي السينما حينما يطلب منهم تحليل لقطات مشهد ~~من فيلم كلاسيكي، فضلا عن عشر دقائق من فيلم لجودار. يبقى التحرير، وهو المرحلة الوسطى ~~بين التسجيل والعرض، بعيدا وغامضا للجمهور العام، على الرغم من أن هذه هي المرحلة ~~التي تتولى فيها مهارات صانع الفيلم الخطابية أو التعبيرية مقاليد الأمور من لحظة ~~التسجيل غير المتوقعة جزئيا، وحتى تأثيرات العرض غير المتوقعة كليا. ربما يكون ~~السبب هو أن الموفيولا أو طاولة التحرير - على العكس من الكاميرا أو جهاز العرض - هي ~~جهاز غير مألوف، وإن ms061 كان خليفته دخل السوق المألوف على هيئة برنامج كمبيوتر يتخذ ~~اسما من قبيل «فاينال كت برو». # يعني تحرير الأفلام اليوم عموما تحويل كل ~~المدخلات السمع-مرئية إلى معلومات رقمية تعالج بعدئذ ببراعة حتى تصل إلى النسخة ~~النهائية. لا يشكو سوى القليلين في صناعة الأفلام من هذا التقدم التكنولوجي الذي لا ~~يمكن إنكاره، ومن السرعة والملاءمة اللتين يجلبهما، فضلا عن الخيارات اللامحدودة التي ~~يتيحها لتصحيح المادة الفيلمية الخام وتحسينها. يظل هناك صناع أفلام عنيدون، ~~يعتقدون أن التحرير نوع من النحت، ويحتاجون للمس شريط السيليولويد، وقياس طول ~~اللقطات بالأمتار بدلا من المعيار الرقمي. ويأسف كثير من الممثلين والمخرجين ~~المنتمين إلى المدرسة القديمة لتفكك المشاهد إلى عناصر منفصلة، معتبرين أنه احتقار ~~لمهنتهم، ولعلهم نسوا أن «الديكوباج» دائما ما كان يحدث بطريقة أو بأخرى. نعى ~~جون-بيير جيون هذا الانتقال في التركيز من التصوير إلى ما بعد الإنتاج؛ # 51 # حيث أفسح فن تصميم المشهد الطريق لمهارة «تركيب» طبقات العناصر البصرية. ~~وأصر المخرج مارتن سكورسيزي على صنع فيلمه «عصابات نيويورك» («جانجز أوف نيويورك»، ~~2002) في استوديوهات تشينيتشيتا في روما، مدركا أن هذا ربما يكون آخر فيلم بميزانية ~~ضخمة يصور بالكامل في موقع التصوير، بحضور كل الممثلين لتمثيل مشاهدهم. # 52 # كان يأمل في تصوير - أو استكشاف - أدق الدلالات لإيماءات دانيال داي ~~لويس، وليوناردو دي كابريو، وبقية الفريق وهم يمثلون في مواجهة بعضهم بعضا في موقع ~~حقيقي. كان يفهم أن المساحة الواقعية مجال للمهارة، وكان عليه مساعدة الممثلين في ~~التوصل إلى الحركات التي سيؤدونها من خلال التدريبات، وإعادات التصوير المتكررة. ~~لكن التركيب الأساسي للفيلم حدث هناك حينئذ، لا لاحقا على الكمبيوتر. كان ضوء الشمس ~~الحقيقي الذي تعززه عاكسات بالطبع يرتد من الوجوه في الزمن الحقيقي. كان هذا يعني ~~الكثير لسكورسيزي في محاولته للتنقيب في أعماق السيناريو والممثلين. اختلفت الأمور ~~لديه في فيلمه التالي «الطيار» («ذي أفييتور»، 2004)، على الرغم من أنه حتى في هذا ~~الفيلم، ملئت المشاهد الرئيسية بممثلين يواجه بعضهم بعضا في مواقع حقيقية، بينما ~~«سيد الخواتم» («لورد أوف ذا ms062 رينجز»؛ جاكسون، 2001-2003)، و«كينج كونج» (جاكسون، 2005) ~~وبالتأكيد «بيوولف» كلها مركبة بكثافة لدرجة أن كل وجه يبدو مصورا على نحو منفصل ~~في أفضل وضع معبر؛ ليضاف إلى اللقطة، ثم إلى المشهد من قبل المحرر. ربما تستحق ~~الأفلام الجماهيرية المصنوعة بهذه الطريقة أن تصنف في فئة «الأفلام المتحركة». # لم يكن هذا ليثير ضيق شون كيوبيت الذي يصر في كتابه «أثر السينما» على أنه قبل ~~ظهور التقنية الرقمية بوقت طويل - بدءا من ميليي حقا - كانت الأفلام ~~تبنى من عناصر مقطعة جميعا على طاولة ~~أو في معمل. ويفترض أن «القطع» يحول الطاقة المرئية الصافية (التي لم تصبح بعد ~~معلومات) لما التقطته الكاميرا إلى وحدات لها شكل ~~ومنظور. هنا يمارس المنتج سيطرته على عملية صناعة الفيلم، منجزا من خلال التحرير تلك ~~التأثيرات التي يعتبرها الجماهير «رائعة». # 53 # يعتقد كيوبيت أن التحرير هو بمنزلة «المؤثر الخاص» الأساسي للسينما، بلا ~~تغير، حتى لو كان يمارس الآن على برامج «أفيد» بدلا من طاولات مزودة بأدوات ~~مزامنة وإعادة للشريط. لكن أليس من الممكن أن تغير المواد الجديدة التي يعمل بها ~~المحررون جوهر مفهوم ذلك العمل؟ كان «القطع» في الأساس يتم بشكل طولي على شريط ~~السيليولويد على حد الإطار. هذه الحدود الثابتة تختفي في برنامج «أفيد» الذي لا يقيس ~~الوحدات المكونة للفيلم بالطول (عدد الأمتار أو الأقدام أو الإطارات)، ولكن بالمعيار ~~الزمني. # 54 # وحتى مع إتاحة التقنيات الجديدة التحكم في الصورة، فإن فكرة «السينما بوصفها ~~استكشافا»، حيث لا يكون المخرج متحكما بالكامل، ما زالت لا غنى عنها. ويعتنق هذه ~~الفكرة عن السينما اليوم بقدر كبير مخرجو «كاييه»، مثل أوليفييه أساياس، وأرنو ~~ديبليشان الذي يتحدث عن «التنقيب في المشاهد.» وهو يعني بهذا تجاوز المرئي لكشف ما ~~هو خفي أو مستتر داخل نص، أو داخل موقف، أو داخل الممثلين الذين يخوضون هذه الرحلة ~~معه. # 55 # لم يفعل تقدم التقنية الرقمية إلا أن زاد من عدد المخرجين الذين ~~يستحقون مشاهدة أفلامهم، والعمل على طائفة من الموضوعات الجديدة من خلال المصافي ~~المختلفة لأساليبهم. بعضهم ms063 - مثل عباس كيارستامي في إيران، وجيا جونج-كي في الصين - ~~تحولوا كليا إلى التقنية الجديدة، مادحين ملاءمتها ومطاوعتها واتساقها. ولم تزل ~~فكرة السينما التي كشف عنها روجيه لينارت ملحة مهما تدفعها التكنولوجيا ~~للأمام. # ويمكنها أن تأتي من أي مكان. في عام 2007، منحت سعفة «كان» الذهبية لمخرج روماني ~~يعتنق أسلوبا أدبيا وجماليا أشادت به «كاييه». هذه المرة، التزمت لجنة التحكيم ~~في مهرجان «كان»، وهي التي كثيرا ما تتأثر مع الأسف بالأبعاد الاقتصادية والسياسية ~~لصناعة الترفيه، بالمبادئ الحاكمة للجوائز. وكما قال فرودون في شهر يونيو من ذلك العام ~~بعد انتهاء المهرجان: ~~[حقيقة أن لجنة التحكيم أعطت] الجائزة الكبرى لفيلم يتميز بالموهبة ~~والإتقان، مثل فيلم «4 أشهر و3 أسابيع ويومان» (4 مانث، 3 ويكس، 2 دايز)، صنعه ~~مخرج مجهول تماما، مثل كريستيان مونجيو، تدل على شيء بذاتها، ~~وهو أكبر من مجرد لفتة لطيفة ... هذا ~~الاختيار مستحق لأسباب عدة؛ أولها بالطبع الفيلم نفسه ومخرجه، لكن أيضا بسبب ~~السينما الرومانية الصاعدة التي أشارت إليها «كاييه» مرارا على مدار العامين ~~الماضيين، وساندتها في صعودها للأضواء، وأخيرا من أجل السينما الناشئة في كل ~~مكان في العالم وآمالها في التجدد. # فتاتان ضعيفتان في المدينة. «أميلي»/«4 أشهر و3 أسابيع ~~ويومان». # وعلى الرغم من أن «4 أشهر و3 أسابيع ويومان» يشبه «أميلي» في عرضه للحياة السرية ~~لفتاة ضعيفة في مدينة كبيرة، فإن «4 أشهر و3 أسابيع ويومان» يقف على الضد من جماليات ~~الفيلم الفرنسي من كل الطرق. بينما تتجول كاميرا جونيه في باريس، وتخترق الشقوق في ~~إزارات جدران الشقق السكنية، وتتسلق قمم الجبال، وتظهر العالم المرئي بالكامل على ~~الشاشة (فضلا عن الخيالات والرؤى - هذه السحب الجميلة على هيئة حيوانات)، فإن ~~مونجيو يقتصر بصرامة على ما تراه وتواجهه بطلة فيلمه، أوتيليا. وبينما يربط جونيه ~~بوضوح بين مئات القطع المتناثرة ليكون منها بضعة ~~خطوط للحبكة، مفرطة في التفاصيل، منسوجة حول طريق ~~أميلي المحير منذ ولادتها حتى عثورها على السعادة، فإن مونجيو يبسط بهدود لقطة طويلة ~~للغاية تلو الأخرى ليصنع 16 ساعة من يوم ms064 واحد عصيب. لا يوجد هناك صوت راو يقرر ما ~~ينبغي علينا أن نلحظه. بالطبع، هناك حذوفات كثيرة في زمن الفيلم البالغ 110 دقائق، ~~وحذوفات أكثر كثيرا في المعلومات، تجعل المشاهد يجاهد ليستبطن ما تنوي أوتيليا ~~عمله وما تفكر فيه. # ينحدر الفيلم الروماني من فيلم «أمبرتو دي» ومجازفة زافاتيني بصنع فيلم عن 24 ساعة ~~في حياة شخص لا يحدث له شيء. وبينما يحدث الكثير في فيلم مونجيو، فإنه، مثل دي سيكا ~~مخرج «أمبرتو دي»، مستعد لإنفاق وقت ثمين على أحداث صغيرة اعتيادية. يعطينا مونجيو ~~معادل المشهد الذي اختاره بازان في «أمبرتو دي»، وهو لقطة في وقت الحدث، تظهر خادمة ~~المنزل الحبلى وهي جالسة تطحن حبوب البن مديرة مقبض المطحنة مرة تلو الأخرى. في «4 ~~أشهر»، تقودنا أوتيليا خلال الردهة في سكنها الجامعي؛ حيث تختبئ في الحمام، ثم تعثر ~~على أصدقاء في غرفة أخرى تستخدم كسوق سوداء لمستحضرات التجميل، وتتوقف لتحنو على ~~قطة تأويها مؤقتا طالبة أخرى لن نراها مجددا. هذا التتابع للمشاهد المصورة أيضا ~~في الوقت الفعلي لحدوثه، يقدم الزمنية الكئيبة لعدد لا يحصى من الأيام المملة في ~~رومانيا الاشتراكية، كل يوم يشبه الذي يليه، تقابله أحداث درامية مكثفة تتطور في اليوم ~~الحادي والعشرين، الأسبوع الثالث، والشهر الرابع من حمل جابي. # كان من شأن لينارت أن يعرف كل لقاء مختصر في الردهة بأنه تقارب؛ صورة من ~~العالم الأكبر توازي الأحداث المحددة التي تمر بها أوتيليا وجابي، أو تتجاوب ~~معها: النظافة الشخصية، وجسد الأنثى أثناء الاغتسال، والتجارة السرية في السوق السوداء ~~(ويشمل هذا أشرطة الفيديو المقرصنة) وراء الأبواب المغلقة، وقطة يتيمة تحتاج إلى ~~الحماية. وكان من شأن مالرو أن يشيد كذلك بحذوفات مونجيو الحكيمة بسبب كل من الطريقة ~~المرتبة التي تدفعنا بها هذه الحذوفات بقوة في قلب دراما أخلاقية بالأساس، والطريقة ~~التي تجبرنا بها على محاولة تكوين عالم تواجهه الفتاتان بالمثل باعتباره ملغزا، ~~وليس معطى بالكامل. يلح الغموض والتهديد حتى حين تتطور المشاهد بلا قطع: عشاء ~~العائلة في شقة الرفيق؛ والمناقشات مع ms065 من سيجري عملية الإجهاض، ويتسمان بالحذق ~~لدرجة أن القليل من المشاهدين يعرفون أي اتفاق قطع ومتى؛ وبجرأة وقسوة، تعرض ~~عملية الإجهاض نفسها التي تتم على كيس بلاستيكي يغطي فرش سرير أحد الفنادق، من ~~بدايتها لنهايتها. # السرير الفندقي هو أيضا موقع أهم حذف في الفيلم قبل حدوث الإجهاض بدقائق حيث يضاجع ~~المجهض أوتيليا في إطار الاتفاق. هذا هو الخواء الأخلاقي غير المرئي في مركز كل من ~~النظامين الاجتماعي والفيلمي، ثقبهما الأسود. لا يفرض مونجيو رقابة على نفسه حقا هنا؛ ~~فالحدث البغيض يحدث في الغرفة بينما تنتظر جابي خارجها في الردهة، ثم في الحمام، ~~مدركة تماما، مثلنا، ما يحدث على بعد أقدام منها. هذه هي اللقطة الوحيدة في ~~الفيلم من وجهة نظر مختلفة عن وجهة نظر أوتيليا، مشيرة لشيء تقول أوتيليا، في آخر سطر ~~في الحوار، إنها لن تتحدث عنه مرة أخرى. هذا عالم يجب علينا استحضاره من زوايا ~~محدودة، وغالبا في ضوء خافت، ومن خلال قطع صغيرة من الحوار تعطينا لمحات عن ~~الدوافع، وتشير إلى روابط متبادلة بين أشخاص لم نقابلهم من قبل لكن يجب علينا تخمين ~~أدوارهم في الفيلم. # يزل مونجيو في مرة واحدة حين يعطينا معلومات ورؤية تتجاوز رؤية أوتيليا. يفتتح ~~مشهدا بتتبع راكب دراجة عشوائي في لقطة بانورامية واسعة، مارا بأطفال يلعبون كرة ~~القدم في ساحة الخدمة الفارغة لمبنى سكني غير مميز. وأثناء مرور راكب الدراجة، ~~تتوقف سيارة في الساحة ليقطع مونجيو المشهد مظهرا أوتيليا وهي تجلس بجانب المجهض ~~في المقعد الأمامي. بهذه الطريقة يعاد بناء قاعدة الفيلم مرة ثانية فورا؛ لأنه حينما ~~يخرج المجهض من السيارة متجها إلى والدته الجالسة على مقعد بعيد، تظل الكاميرا تعرض ~~رؤية أوتيليا المحدودة. يجب عليها (وعلينا)، تخمين ما يحدث. # يتكشف «4 أشهر» أمام عيني المشاهد كسلسلة من الأسرار، والغوامض، والمواربات. ~~ويستلزم موضوعه البارز - وهو الإجهاض - هذا؛ حيث يواجه جميع المنخرطين في الأمر خطر ~~التعرض للسجن. لكن يبدو كل المتورطين في هذا مسجونين في غرف وأبنية كئيبة في مدينة ~~كئيبة. يحمل الجنين ms066 الملفوف في منشفة خلال أزقة مظلمة، ثم يصعد به سلالم مشئومة ~~حتى الطابق الحادي عشر من مبنى مجهول، ويلقى في أنبوب يوصل إلى حاوية القمامة في ~~الأسفل. لن يذكر هذا الأمر مرة أخرى في أي محادثة، وهو ما تتفق عليه الفتاتان أثناء ~~تحديقهما في طبق لحم لا يفتح الشهية يقدمه لهما النادل. في الوقت نفسه، وفي الخلفية، ~~يثمل المشاركون بصخب في عرس. # سارع النقاد الاجتماعيون في وصف الفيلم بأنه ضربة موجهة للشيوعية، وهذا أكيد؛ لكن ~~مونجيو يصر بحق على أن نصه المكتوب بعناية يهدف لحمل شخصياته ومشاهده لوسط ولإحساس ~~من فترة زمنية محددة، تشبه غالبا أفلام الشوارع الألمانية، والظلام الذي أحدثته في ~~الواقعية الشعرية الفرنسية ثم في هوليوود. لكن على العكس من تلك الأفلام المنتمية إلى ~~العصر الكلاسيكي، فإن «4 أشهر» يرفض أن يمنح نفسه الراحة التي يوفرها راو ماهر، ~~مسموع أو كلي المعرفة بطريقة أخرى. يقود سر الإجهاض الخفي الفيلم لأسرار أشد قتامة ~~تخص النظام الاجتماعي الذي يريد أن يظل خفيا عن المواطنين الذين يراقبهم. ربما ~~ينتهي بنا الحال ونحن مرتابون بشأن تدابير هذا العالم، لكن بفضل الملاءمة والصرامة ~~اللتين يتمتع بهما أسلوب مونجيو - المصفاة التي فرضها على نفسه وعلينا - نحن ~~متأكدون تماما من الطريقة التي يشعر بها هذا العالم، ونستطيع أن نناقش تبعات هذا ~~الإحساس بالتحديد. # التضاد بين «4 أشهر» و«أميلي» المبين هنا يمكن تكراره مع كثير من ثنائيات الأفلام ~~والمخرجين، لكنه قد لا يكون بالوضوح ذاته مع كل من جيا جونج-كي وتشين كيج، وهو تضاد ~~واضح جدا على صفحات «كاييه». عبر جيا جونج-كي عن فكرته المتميزة عن السينما في ~~مقابلة صريحة بشأن فيلمه «حياة ساكنة» («ستيل لايف»، «سانشيا هاورين») الفائز بجائزة ~~مهرجان فينيسيا عام 2006. يذكر جيا معركة التوزيع التي خسرها فيلمه لصالح أفلام ~~جماهيرية برعاية الدولة؛ مثل «لعنة الوردة الذهبية» («كروس أوف ذا جولدن فلاور»، 2006) ~~لجونج ييمو، أو فيلم «الوعد» («ذا بروميز»، 2005) لتشين كيج. أخذ فيلم «حياة ساكنة» ~~يعرض في دور عرض صغيرة في أطراف بكين، بينما ms067 هيمن منافساه المصنوعان بأكبر ~~الميزانيات في الإنتاج السينمائي الصيني، المصحوبان بحملات دعاية ضخمة، على كثير من ~~دور العرض في العاصمة والدولة. اشتمل النقاش الحاد الذي ظهر في الصحافة الغربية بشأن ~~هذا على ما هو أكثر من مجرد معركة تقليدية بين الفن وصناعة الترفيه. اشتمل على مناقشة ~~طبيعة السينما، وعلى مستويات كثيرة. # على الرغم من أن «الوعد» كان مخيبا للآمال بقسوة، فإن تشين روج لهذا المشروع ~~بناء على أوجه التقدم الرقمية التي أتاحت له تحريك اللقطات المصورة بأبعاد «سوبر ~~35 مليمترا» بفعالية. أما فيلم «حياة ساكنة» الذي كان يعكس العملية فقد صور ~~رقميا، ثم حرر بجماليات فيلمية متميزة. يضم الفيلمان مشهدا مهما في واد ~~عميق. في بداية «الوعد»، يجد البطل نفسه وسط جيش من العبيد في قاع واد ضيق، يشرف ~~عليه من قمة منحدر قائد عسكري مع حاشيته. يزيد تشين من الترقب، مفضيا إلى ظهور ~~قطيع مذعور من الثيران، بالقطع ذهابا وعودة بالكاميرا بين العبد والقائد العسكري. وكما ~~في «أميلي»، لا يفلت شيء من كاميرا تشين، حتى إننا نرى لقطة مقربة لدبور يطن يثير ~~ضيق القائد العسكري الذي يقبض عليه بقبضته بعد لقطتين. في اللقطات التي تتخلل هذا، ~~يختلس البطل النظر إلى القائد العسكري من أسفل، ثم يضع أذنه على الأرض ليقيم الخطر ~~الذي يتجه نحوه. تخترق الكاميرا طريقها لحواسه، وعينه، وأذنه. وبمجرد بدء الأحداث، ~~نتتبع البطل وهو يتحاشى الثيران الآتية، ثم يسبقها، بينما يراقبه سيده من خلفه من ~~أعلى. نرى حركة خارقة للقدرات البشرية بزمن رقمي على الأرض من منظور ثور هائج، ومن ~~وجهة نظر البطل وهو وسط القطيع، ثم القفز فوق ظهور الحيوانات لمواكبة ركضه الخارق؛ ~~ونمنح بين الفينة والأخرى لقطات رائعة من المكان الذي يقف فيه القائد العسكري، ثم ~~لقطات من أعلى للوادي العظيم المتعرج، فوقهم جميعا، والغبار يتصاعد في الهواء. ~~قدم تشين صورا متحركة لواحد من أشهر المقاصد السياحية في بلاده. # قائد عسكري يرى كل شيء. «الوعد». # تقع أحداث «حياة ساكنة» في موقع أكثر شهرة، وهو سد ms068 الممرات الثلاثة. يبدأ أحد أعقد ~~المشاهد في الفيلم في قمرة قيادة سفينة سياحية تسير بروية في اتجاه التيار. وبدلا ~~من الراوي العليم الذي يروي أحداث أسطورة «الوعد»، فإن صوت الراوي في «حياة ساكنة» ~~يخرج من سماعات القارب الجهورة على هيئة سرد تاريخي عن المشروع، ويتضمن قصيدة من عصر ~~أسرة تونج الحاكمة عن الوادي. بقطع اللقطة والاتجاه للسطح الرئيسي للسفينة، يركز جيا ~~جونج-كي على شاشة تليفزيون تحتل ثلثي الشاشة في صدر الصورة. يظهر شريط سينمائي ~~إخباري بالأبيض والأسود أعضاء في الحزب يدشنون مشروع السد الذي يجري بناؤه في زمن ~~الفيلم على قدم وساق. وإلى اليسار، في المنتصف ~~يتجول المسافرون وربما يتحدثون، بينما من خلفهم، خارج بؤرة الصورة هناك المشهد ~~الطبيعي الذي يستمر الصوت الرسمي في إخبارهم به. يقطع المشهد لتذهب الكاميرا للبطلة ~~وهي جالسة بمفردها على ظهر السفينة تشرب الماء المعبأ في قارورة، ثم تنظر فيما وراء ~~قارب آخر يتجاوزونه إلى التلال التي تعلو النهر؛ حيث يخفت الصوت، وتمهد موسيقى من خارج ~~المشهد مزاجا تأمليا. يبدأ المشهد التالي في الظهور، لنرى البطل على قمة تل ينظر ~~لأسفل. تعلو أصوات بوق السفينة، بينما يرى - ونرى نحن - ما يبدو أنه السفينة السياحية ~~نفسها في الأسفل؛ حيث يمكننا أن نسمع نبرة صوت المرشد السياحي البعيد. تسير الكاميرا ~~بشكل بانورامي بسرعة القارب الذي يصدر صوت الموتور بإيقاع يتوقف بانتهاء المشهد. هنا ~~يقارب جيا جونج-كي رويدا رويدا بين الشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم اللتين لا ~~تتقاطع حياتاهما أبدا؛ حيث يبحثان كلاهما عن شريكي حياتيهما. ويفعل هذا في زمن الفيلم ~~وفي ثنايا التاريخ (القصيدة التي ترجع إلى عهد سلالة تونج، والأشرطة الإخبارية) في ~~الوقت نفسه. وكما في «الوعد»، يرى الوادي من أعلى ومن أسفل، لكن ليس من خلال أعين ~~الشخصيات التي تعيش الحدث، وبالتأكيد بلا أدنى صلة بالحبكة. إنهم جزء من تدفق النهر ~~والتاريخ، والفيلم يتدفق بالطريقة نفسها. # قال جونج-كي لمجلة «كاييه» عن العنوان الذي يحمله فيلمه في الغرب إنه بالإضافة إلى ~~أنه يوحي بلوحة؛ «فإنه يوحي بكشف ms069 آثار حياة لم تعد موجودة، أو بالأحرى، طريقة حياة ~~لم يبق عنها سوى أكثر الأدلة أساسية. وعلى الرغم من كل شيء، فإن «حياة ساكنة» يريد ~~إيصال الإحساس بالحياة بوساطة أبسط الأشياء؛ كالسجائر والخمر والطعام. فمن خلال هذه ~~الأشياء يتواصل الناس مهما يكن؛ إذ يشعرون بأنهم معا حتى من غير أن يتحدثوا. هذه ~~الأشياء العادية تكون بناء الفيلم.» # 56 # في ثلاث لحظات مثيرة للحيرة، يستغل «حياة ساكنة» المؤثرات الخاصة التي تتيحها ~~صوره الرقمية دوما. شهاب يسافر في سماء الليل، وبعض الأبنية في خلفية مشهد تنهار ~~فجأة، والأكثر غرابة، تمثال تذكاري غريب الشكل يقلع من الأرض إلى السماء أمام ناظري ~~البطلة التي لا تبدو أنها تستوعب ما ترى. وكما في تحفته السابقة، فيلم «العالم» ~~(«ذا وورلد»، 2004)، جيا جونج-كي مستعد لنشر الصور المتحركة، لكن دائما في خدمة ~~السينما، ولا يحاول تجاوزها. في «العالم»، تهرب الشخصيات الشابة المحبوسة في مدينة ~~ملاه؛ حيث يعملون وراء الكواليس، بتركيز آمالهم على هواتفهم المحمولة التي يفتشون ~~فيها باستمرار. وفي حركة جريئة، يضخم جيا جونج-كي الرسائل النصية القصيرة التي ~~يرسلها أحدهم إلى الآخر، إلى مشهد صور متحركة على شاشة عريضة ملونة بذكاء؛ حيث تتدفق ~~المشاعر الغامضة أو الواضحة عبر هذه الهواتف الصغيرة إلى أكثر المساحات التي يمكن ~~تخيلها رحابة وتحررا. العالم الافتراضي الذي يلجون إليه من خلال الرسائل النصية ~~أصبح العالم الوحيد الذي له قيمة لأولئك الذين يعملون داخل «العالم». وكما يقول ~~إيمانويل بوردو في «كاييه»، يقدم جيا جونج-كي صورا مصغرة لآثار ضخمة على جانب، ~~ويقدم لقطات سينما سكوب بالغة الكبر لشاشات هواتف محمولة صغيرة على الجانب الآخر. ~~القياس هنا معكوس. # تبدو هذه المشاهد المتحركة الفائقة تمجد الحرية المذهلة التي تتيحها التقنية الرقمية، ~~وتسهم فيها. ومع ذلك، ومثل مدينة الملاهي التي تمنح الفيلم عنوانه، فإنها مقيدة ~~بالدراما الإنسانية والاجتماعية التي تتخللها مثل الثقوب في قطعة الجبن. يتضح أن جيا ~~جونج-كي مخرج حداثي كرس نفسه لهذا النوع من الاكتشاف الذي اتخذه مخرجو الواقعية ~~الجديدة رسالة لهم. تظهر أفلامه التذبذب بين ms070 الخطوط الزمانية المتعايشة التي تجعل ~~الحياة في الصين حياة مؤلمة وقهرية معا في هذا القرن الجديد. تتبدل الصور التي ~~نراها بين ألوان الأحلام، والوجوه التي ترى بالكاد في الضوء الخافت لأقارب البطل ~~الفلاحين من مقاطعة شونج-تشي الذين يصلون إلى بكين للمطالبة بجثة ولدهم (وبتعويض) بعد ~~حادث بناء. هنا يبدأ ضوء اللقطات المتحركة المصنوعة رقميا في إظهار شيء ينتمي ~~للواقعية الجديدة. # وجوه غير واضحة في ضوء خافت. «العالم». # وهكذا، فإن فكرة السينما التي يروج لها هنا لا ترتفع أو تهبط مع التكنولوجيا. ~~يمكن لسينما قائمة على الاستكشاف والوحي استخدام أي نوع من الكاميرات. علاوة على ذلك، ~~فإن هذه السينما تبدأ فقط بالتصوير. وطالما اعتبر بناء فيلم (وليس تركيبه) في مرحلة ~~التحرير «هما جميلا»؛ # 57 # حيث يجذب التداخل بين ما هو مرئي وما هو خفي موضوعا للظهور، غالبا، كما ~~كان يمكن أن يقول بازان، ليس في مركز الشاشة ولكن «في الزخرفة». في أحد البيانات التي ~~نشرتها «كاييه» عام 2005 بعنوان «أوريزون سينما»، يؤكد محررها في ذلك الوقت، جان ~~ميشيل فرودون، الميثاق بين السينما والجمهور. # 58 # يؤكد فرودون أن الأفلام يجب أن تستمد مصادرها من الواقع؛ ليشعل ~~الاحتكاك الناتج من شحذ التصميم الفني بالواقع شرارة الضوء المتقطع للخيال والتأمل. في ~~ظل هذا البصيص من الضوء، يطور الجمهور (بالمعنى الفوتوغرافي للكلمة) الموضوع الذي ~~يظهر أمامهم ليتحول إلى أجزاء موحية. يتهيأ الجمهور ويتجاوب طوال مدة الفيلم مع ما ~~يعرض أمامه. في أفضل الحالات، يشتغل الفيلم بنفسه خارج نطاق عرضه؛ في نقاشات عبر ~~البريد الإلكتروني، أو في الفصول الدراسية، أو في المقاهي، وفي صفحات دوريات «كاييه دو ~~سينما». يؤدي الاستكشاف الذي لا ينتهي أبدا إلى آثار لا يمكن التنبؤ بها، لكنه بحد ~~ذاته ليس أثرا على الإطلاق. # | هوامش # الفصل الثالث # | آلة العرض بوصفها مصباحا للمشاهد # من بين القطاعات الثلاثة المكونة لظاهرة الفيلم، العرض هو القطاع الذي يواجه فيه أسلوب ~~تفكير بازان خطر الانقطاع أو التجاهل. هل جلبت الحقبة الرقمية معها تغييرا جذريا في ~~كيفية عرض الأفلام ms071 لدرجة أنه ينبغي ألا نتوقع بعد ذلك أفلاما مماثلة؟ أي إنه ينبغي حتى ~~ألا نفترض بعد ذلك أن تكون الظاهرة متعلقة بالسينما التي كانت تعرف من قبل؟ # أعلنت تحولات حاسمة بشأن لحظات أخرى. يقسم جيل دولوز تاريخ الأفلام أثناء الحرب ~~العالمية الثانية إلى عصر صورة الحركة، وعصر صورة الزمن. وشهد بازان هذا الانقسام المميز؛ ~~حيث استخدم مصطلح «كلاسيكي» بصراحة للإشارة إلى «الديكوباج» (أسلوب هوليوود الكلاسيكي)، ~~ومصطلح «حديث» لتعريف منهج رينوار والواقعيين الجدد الصاعد حديثا. ما أطلق عليه وصف ~~«حديث»، على سبيل المثال، هو ما أعرضه هنا بوصفه أكثر نهوج الوسيط السينمائي رسوخا، وهو ~~نهج نضج بعد عام 1945، لكنه غير مقيد بتلك اللحظة. باتخاذ اللقطات بدلا من الصور أساسا، ~~يمكن إعادة كتابة تاريخ السينما، بحيث ينظر إلى أعمال العشرينيات من القرن العشرين التي ~~أخرجها فلارتي وإريك فون شتروهايم بشكل حداثي، قبل ظهور المفهوم، تماما مثلما أعتقد أن ~~ذلك النهج يستمر فيما بعد الحداثة في أفلام جيا جونج-كي وهو تشياو تشين. # تشير هذه المصطلحات الخام، حينما نستخدمها بمرونة وبقدر كاف من التشكك، إلى مجموعات ~~وأنماط من الأفكار عن التغيرات في الفنون والثقافة. على سبيل المثال، بينما مرت بتطورها ~~الخاص من الكلاسيكي إلى الحديث وما بعده، فإنه يجب النظر إليها إجمالا بوصفها وسيطا ~~عظيما من العصر الحديث في الامتداد الزمني الطويل للثقافة الغربية الذي ذكره ريجيز دوبري ~~في كتابه «حياة الصورة وموتها». # 1 # كانت اللوحات الزيتية هي المقياس الأعلى في أوروبا الكلاسيكية من عصر النهضة ~~إلى الحركة الرومانسية، حتى خسرت أولويتها لصالح التصوير الذي استهل العصر الحديث في ~~عام 1839. كان كل شكل من أشكال التمثيل في العصر الحديث يقاس ضمنيا على الصورة ~~الفوتوغرافية، حتى ظهرت التقنية الرقمية في ثمانينيات القرن العشرين بوصفها نقطة مرجعية ~~للتمثيلات في العصر الحالي. # وعلى الرغم من ادعاء دوبري أن تغييرا ~~كبيرا حدث في آخر عقدين، فمعظم الأفلام اليوم تخطط وتنفذ تماما كما كانت ~~الأفلام منذ الثلاثينيات من القرن العشرين. صحيح أنها تجمع ببرامج تحرير رقمية، وتعرض ~~في أحيان ms072 كثيرة لحظات من المؤثرات الخاصة المصنوعة بالكمبيوتر، لكن معظمها يعرض تركيبات ~~عامة قائمة منذ زمن طويل؛ حيث ينخرط الممثلون في مواقف درامية في موقع التصوير أو في ~~الاستوديو. ازدهرت أفلام الصور المتحركة الطويلة بفضل التكنولوجيا الرقمية والنقاد الدائمي ~~البحث عن نقلة في النموذج العام، معلنة بدء عصر ترفيهي جديد يتضح في أفلام جماهيرية مثل ~~«هاري بوتر» أو «أفاتار». لكن الأفلام المعتادة التي تنتج طبقا لقوالب عريقة، تظل هي ~~النمط السائد؛ وإذا كان بناؤها السليولودي قد أبدل، فقد حدث هذا على نحو غير ~~محسوس؛ # 2 # حيث استغل صناع الأفلام وسائل الراحة الرقمية، حتى حينما كانوا ينشرون عن ~~رضا - أو يشوهون بعنف - تقاليد يتقنونها على أي حال. ~~ولذا، وعلى الرغم من أن الخيارات وسعت بقدر هائل لأنواع جديدة من الإنتاجات السمع-مرئية، ~~فمن السابق لأوانه الجزم بأن التصوير والتحرير غيرا السينما تغييرا جذريا لدرجة أن ~~السينما تحولت لشيء جديد تماما. يبدو فيلم «جبل بروكباك» («بروكباك ماونتين»، 2005) ~~مألوفا تماما في هذا الشأن. # لكن الجماهير ربما لم تعد تشعر بالأفلام كما كانت تفعل في العصر السينمائي، وفي هذه ~~الحالة، ربما تكون ثورة حقيقية حدثت في «العرض». ربما أمكن للمخرجين أن يعملوا طبقا ~~لأعراف عريقة، لينتجوا نوعا سينمائيا أو أعمالا إخراجية تضاهي أفضل أفلام الماضي، ~~لكنهم لم يعودوا يستطيعون الاعتماد على الطريقة التي ستستقبل بها صورهم العامة أو حتى ~~تخيل هذه الطريقة بالكامل. يكون عرض الأفلام في دور العرض قصيرا، حتى لفيلم يعتمد على ~~الجودة، تمهيدا لنشره على الوسائط المرئية التي قد تكون مربحة في أحيان كثيرة، لكن ثبت أن ~~التحكم بها أمر صعب. أما المشاهدون المعتادون على التجمع معا تحت الشاشة الكبيرة، فهم ~~يجعلون الفيلم تحت رحمتهم، بمشاهدته كيفما ومتى ما يشاءون، بمفردهم غالبا، أو بصحبة أفراد ~~العائلة والأصدقاء؛ حيث يمكنهم إيقاف الفيلم، أو إعادة مشهد ما، أو حتى تعديله وفق ~~اختيارهم. حينما سئل جان-لوك جودار عن الآثار المدمرة المحتملة للتكنولوجيا الرقمية ~~على السينما، صرح بلا تردد بأنه لم يتغير أي شيء أساسي في مرحلة ms073 إنتاج الفيلم، لكن ~~تجربة مشاهدة الفيلم نفسها في خطر داهم. ومن وجهة نظره، فالسينما، بوصفها سينما، لا توجد ~~إلا في فضاء عام؛ حيث يجلس جمهور متنوع ساكنا، بينما يرسل مشغل آلة العرض من فوق ~~رءوسهم صورا تصور عالما مكبرا. وأضاف ساخرا: «ينظر المرء لأعلى في السينما ولأسفل ~~على التليفزيون.» # 3 # بانتشار الشاشات الصغيرة بكل أشكالها، يتحكم المستهلك في التجربة. من وجهة ~~نظر جودار، يعني هذا اضمحلال المجال العام البديل الذي كونته دور العرض خلال الجزء ~~الأكبر من القرن العشرين. ومع أن دار العرض مجال لبث الأيديولوجيات ولا شك، فهي تسمح ~~للسياسة الشعبية بالتطور؛ جمهور مجموع، وانتباهه مركز طوال ساعتين على رؤية للعالم؛ هي ~~وجهة نظر شخص ما. # تتيح شبكة الإنترنت - أو حتى تبتكر - أشكالا جديدة من الانتماء والانشغال بالسياسة؛ ~~أشكالا وثيقة الصلة بعالم فقدت فيه المواجهات على أرض الواقع وتظاهرات الشوارع ~~جاذبيتها وقوتها. ما زالت الأفلام تخاطب المشاهدين - حقا، يخاطب المزيد من الأفلام ~~المزيد من أنواع المشاهدين بقدر أكبر من ذي قبل - لكن كثافة التجربة السينمائية وتزامنها ~~لم يعودا هما النموذج السائد. يسمي ريجيز دوبري التليفزيون «أداة التشتيت»؛ فبإضاءته من ~~الداخل، يشع التليفزيون والكمبيوتر الضوء المنبعث من البيكسلات المهتزة؛ ولا يعكسان ~~شيئا. ولأنهما نادرا ما يطفآن، فهما يبقيان - بلا مبالاة في غرف متنوعة من كل ~~منزل - جزءا من البيئة مثل اللوحات الإعلانية على الطرق السريعة. إلى أي مدى يختلف هذا ~~عن شاشة العرض السينمائي التي تصل إليها بعد أن تتجاوز ستارا أو بابا للعثور على مقعد في ~~قاعة مظلمة. دار العرض السينمائي مساحة هائلة، أو مخيخ عملاق يتأمل داخله الناس الذين ~~خطوا خارج حيواتهم صورا هي نفسها تأملات. حذر جون-لوي بودري ذات مرة من أن السينما هي ~~نموذج حديث ل «كهف أفلاطون» حديث يحدق فيه الناس في الظلال مقيدين بسلاسل ~~الأيديولوجيا. لكن لأن المشاهدين يختارون دخول هذا الكهف - بل يدفعون المال ليدخلوه - ~~فبإمكانهم تحويل افتتانهم بالشاشة إلى نقاش بشأن ما يرونه منعكسا هناك: رؤية للعالم، ~~وجهة نظر عن كيفية العيش ms074 فيه أو كيفية تغييره. هذا ما كان يعد به ذلك المجال ~~العام. # قوة العرض # من المفهوم إلى العرض، تعد الأفلام «اختزالات» مدروسة للمعلومات، تركز من ثم ~~ما تعرضه. المرادف الفرنسي لكلمة «بؤرة التركيز» هو التجلية؛ أي الوصول إلى التركيز ~~السينماتوغرافي. لا يجد كل ما في النطاق المرئي طريقه إلى الشاشة، لكن ما يصل إليها ~~يتميز بأنه ذو صلة. تسألون ذو صلة بماذا؟ الفصل التالي سيجيب: بأنه «ذو صلة ~~بالموضوع»، بموضوع الفيلم، مهما يكن هذا مخططا من البداية بوضوح أو بضبابية. تعمل ~~الأفلام على عرض موضوعها بالتخلص مما هو غير وثيق الصلة بذلك الموضوع، رغم أنه في بعض ~~الحالات - أهم الحالات غالبا - يسمح بدخول عناصر عشوائية ومتناقضة بسبب أن موضوع ~~الفيلم مسترسل، أو أنه هو نفسه متناقض بما يكفي لهذا الاسترسال. إن لم يكن بازان هو ~~أول من فكر في السينما بوصفها مصفاة، فإنه أول من فعل هذا بطريقة نظامية. # الشاشة هي الواجهة التفاعلية الأخيرة بين المشاهد البشري والعالم ~~المشاهد، # 4 # ليس العالم وهو نقي وبسيط، لكن رواسب العالم - لو أمكن قول هذا - حيث ~~الآثار فيه مترسبة كقطع من الخام أو - باستخدام أحد التشبيهات التي يحبها بازان - ~~كبرادة الحديد. هذه البرادة هي نفسها اختزالات فوتوغرافية غالبا ما تكون بالأبيض ~~والأسود، ومصورة بعدسة أحادية بقوانين بصرية ثابتة، على النقيض من الخواص الرامشة ~~لعين الإنسان المتحركة المتجسدة. يعوض صانع الفيلم هذه القيود بالتصوير من ~~زوايا عدة، مكونا أرشيفا كبيرا من اللقطات الخام لموضوع الفيلم، لكن كل شيء ~~سيزال فيما عدا نسخة العرض النهائية. ما يظهر على الشاشة، حينها، ليس شكلا خالصا ~~من الواقع، ولا شكلا خالصا من السينما، ولكنه فتات من المعلومات الأولية الحسية، ~~مشكل بالفكر والخيال، ومن أجلهما، في مواجهة موضوع ما. # يجب أن يكون خيال صانع الفيلم وفكره - أو وجدانه كما قال بازان - واضحين في جودة ~~الاختيار الذي يصفي فتات المعلومات ذلك من أجل النسخة النهائية؛ لذا فالأسلوب ليس ~~أمرا مضافا إلى الموضوع، ولكنه ينشأ بوصفه نمطا للاختزال والتشكيل المتناغمين. وكما ms075 ~~يقول بازان، فإن الحس المرفرف فوق الفيلم مثل الحقل المغناطيسي هو ما ينظم ما هو ~~موجود ليصبح شيئا له دلالة أخلاقية. أما المشاهدون فلا يستقبلون كل ما يعرض على ~~الشاشة بقدر متساو؛ فلكونهم هم أنفسهم كائنات أخلاقية، فهم يصفون ما يصبح ~~فيلما عند عرضه فقط. وكما تشير الكلمة نفسها، يتجاوز «العرض» ما تم تصويره ~~وتنظيمه. لا يعني العرض بالضرورة رؤية أكثر مما هو ~~موجود، ولكن الرؤية «عبر» ما هو موجود؛ لذا فإن أي فيلم يعرض - وهو نتاج مصفاتي ~~الكاميرا والمحرر - يصبح في حد ذاته مصفاة فيما يخص المشاهد. والعرض يركز ~~الرؤية لتجاوز ما هو مرئي إلى القدرة على الرؤية. وأحيانا ما يقال: للوصول إلى ~~الخيالي. # توجد «الأفلام» في وقت يسبق العرض، وفي غياب العرض، لكن هذا لا ينطبق على ~~اللقطات والصور المتحركة. حينما تكون الأفلام محفوظة في علبها، تبقى تسجيلا ~~جامدا وساكنا للناس وللمواقف، سواء أصورت من العالم على اتساعه، أم اصطنعت في ~~مواقع التصوير. لكن حينما تعرض فقط، تدب فيها الحياة بوصفها مشاهد متحركة، ~~تتشكل في عقل كل مشاهد وتخاطب جمهورا. # 5 # ولكونها دائما محط تفكر، تصبح ظروف ما قبل العرض السينمائي وتبعاته ~~محل تركيز دراماتيكي في مناسبات معينة. شهد جون روش أكثر من واحدة من هذه ~~المناسبات، بل أثارها. في أول عرض لفيلمه «السادة المجانين» («لي ميتر فو»، 1955) في ~~متحف الإنسان في باريس، رجاه مارسيل جريول، معلمه وعالم الأنثروبولوجيا الرائد في ~~فرنسا، أن يعرض الفيلم في قبو المتحف، وألا يكون الجمهور «عرضة» للقطات الثمينة ~~لكن المثيرة للفتنة التي أحضرها روش من غانا في العام السابق لعرض الفيلم. كان ~~متأكدا أنها لن تؤدي إلا إلى تقوية الأفكار النمطية الشائنة عن الهمج الأفارقة. ~~لكن روش لم يلتفت لكلامه. ورغم أنه كان يقدر تحذير جريول، أراد روش أن يقبل ~~الأوروبيون حقيقة «السادة المجانين». أحدث فيلمه صدمة، وفاز بجائزة أفضل فيلم قصير في ~~مهرجان فينيسيا عام 1957. بعد ذلك، اختفى الفيلم عن أعين العامة طوال عقود؛ بسبب ~~ازدياد حذر روش؛ إذ فهم كم ms076 كان مثيرا للغضب! واكتسب الفيلم سمعة سيئة، وخصوصا في ~~الولايات المتحدة، وأصبح محبو السينما في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات ~~يتفاخرون بأنهم شاهدوه سرا. # كثيرة هي أمثلة الرقابة؛ إلا أن ما يميز فيلم «السادة المجانين» هو أن شخصا مثل ~~جريول يمكنه أن يشهد بأهميته، بوصفه ثبتا (أي بصفته فيلما)، ولكنه يصر على ألا ~~يعرض بجانب أكثر أفلام العام أهمية. حاليا، برئ روش، وأصبح قليل من الناس ~~يعدون «السادة المجانين» عرضا من عروض صندوق الفرجة ذا طابع استشراقي لطقوس ~~همجية. # 6 # لقد سجلت كاميرا روش بعض المنضمين حديثا لحركة «الهوكا» الدينية وهم ~~يدخلون في حالة غشيان، يظهرون خلالها غير متأثرين بالألم، ويذبحون كلبا، ~~ويأكلونه في الحال؛ لكنه حرر هذه الصور أيضا لتشمل أولئك الأشخاص الاستعماريين ~~الأوروبيين المتغطرسين، مبرزا تشابهات صريحة بين الثقافتين بتعليقه الصوتي المصاحب ~~للصور. بوصفه تركيبا مبنيا بعناية، يبدأ «السادة المجانين» وينتهي في بيئة العمل ~~اليومية في العاصمة الغانية أكرا، ثم يتتبع موضوعاته في رحلتهم الدينية يوم الأحد ~~في غابة؛ حيث يكون لطقوسهم أثر تطهيري، يغسل خطايا المؤمنين، ويوحدهم في جماعة ~~مقدسة من الموقنين. يعرض روش موضوعاته، وقد تغيروا في النهاية، عائدين بلطف إلى ~~المدينة؛ حيث اكتسب كل منهم مجددا القوة والثقة لمواجهة الحياة في أرض مختلفة أجنبية ~~موحشة. يربط هذه الطقوس وآثارها بصراحة بالقداس الكاثوليكي، بحيث يصبح «السادة ~~المجانين» مقالا أنثروبولوجيا عن الدين عموما، وليس فقط وسط مجموعة غريبة في النيجر ~~أو غانا. وبينما تكون اللقطات المصورة بلا شك تسجيلا نادرا لممارسات نادرا ما ~~ترى - شيئا باقيا من الماضي - يصل الفيلم المعروض إلى المستقبل من خلال الجمهور الذي ~~يؤثر فيه. # وبسبب عرض الفيلم - ومن أجل الإشادة به - يحتل «السادة المجانين» مكانه بين أبرز 20 ~~فيلما تتناول حالات الغشيان، صنعها روش في غرب أفريقيا منذ نهاية أربعينيات القرن ~~العشرين فصاعدا. تفصل هذه الأفلام سردا وجدالا بينما توجد معظم الأفلام الأخرى في ~~هيئة سجلات أرشيفية محضة، في انتظار أي دارس ليتأملها يوما ما على آلة موفيولا. مع ~~ذلك، فحتى اللقطات الخام غير ms077 المعالجة بعد، يمكن أن يكون لها آثار قوية حين تنتزع ~~من الأرشيف وتعرض. أظهر بازان قوتها المتأصلة فيها في أول لقاء له مع أعمال روش عام ~~1949 في «مهرجان الأفلام المنبوذة» في مدينة بياريتز. هذه القوة لم تكن أكثر تجليا ~~بأي حال مما كانت حينما استطاع روش عرض أفلامه عن الطقوس للجماعات المتضمنة، بأسلوب ~~عرض الأفلام المنزلية. في أكثر من مناسبة، شاهد روش أثناء عرضه الأفلام بآلة عرض يمدها ~~مولد بالطاقة بعض المشاهدين يدخلون في حالات غشية كاملة أثناء مشاهدتهم أنفسهم، ~~مكررين بفعالية أفعالا تستنفد طاقتهم الجسدية، لدرجة أنها يمكن أن تستغرق ~~أياما للتعافي منها. دائما ما تكون حالات الغشيان خطرة. وكان روش بحاجة إلى الحذر من ~~العرض، مدركا هذا اللفظ بطريقتين: بوصفه استفزازه الذي يوجهه نحو الجمهور الأوروبي، ~~وبوصفه عملية التماهي التنويمي التي تقود موضوعات (أشخاصا) معينين سريعي التأثر ~~للدخول في حالات خطرة. # الغشية والغشية السينمائية. «السادة المجانين». # يبرز «السادة المجانين » بوصفه عملا قويا على نحو خاص؛ لأن موضوعه، وكذلك ~~منهجه، يتضمنان عروضا وعمليات محاكاة وتحولات خطرة. نرى أجساد المشاركين تصبح ~~وسائط تسكنها أرواح الهوكا. حينما يهتز أحد المشاركين وكأنه «كمسري القطار»، وآخر ~~وكأنه «عريف الحراسة»، يصبح التمثيل واقعيا أمام أعيننا. وتبعا لذلك، يغري روش ~~المشاهدين ليصبحوا غير ما هم عليه من خلال «وسيط» ما، كان يسميه دائما «غشية ~~السينما». إنه مشهد مبهج، لكنه مثير للاضطراب بسبب ما نراه. ومثل أولئك الأفارقة، نحن ~~أيضا لدينا وظائفنا اليومية التي نتركها لندخل دار العرض؛ لنعبر لعالم آخر من خلال ~~طقس يصبح فيه التماهي شديدا. نرتاح من أنفسنا لبرهة، ونتواصل مع رفاقنا، ومع ~~الآخرين الغامضين المحتجبين وراء نطاق إدراكنا، ونعود في النهاية لحيواتنا حينما ~~ينتهي العرض، متجددين حسب ما هو مفترض. أليس هذا تعريفا شائعا للتطهر؟ # على نحو أوضح من معظم الأفلام الأخرى، يوجد فيلم «السادة المجانين» في حالات ثلاث ~~متفرقة، كل منها قادرة على إثارة الجدل. قليل من النقاد يلومون روش على توثيق ~~الطقوس السرية للهوكا (أي «التقاطها» وحفظها)؛ لأن الجماعة ms078 ألحت عليه أن يفعل هذا، ~~ولأن جمع المادة في هذه الحالة الخام هو العرف السائد في علم الإثنوغرافيا. لكن بعض ~~النقاد شككوا في استخدامه البلاغي لهذه المشاهد الأولية وطريقته في تحريرها إلى نص ~~خطابي، وهذه هي حالتها الثانية. واستشاط كثير من النقاد غضبا من أن «يعرض» عمله في ~~أفريقيا أو في الغرب؛ حيث يمكن جدا أن يحدث آثارا سيئة خارجة عن نطاق صانع الفيلم؛ ~~آثار الرفض (تقيؤ بعض المشاهدين، وعزل بعضهم الآخر الأفارقة في زاوية عقلية منكرة) أو ~~آثار التماهي (مثل دخول المشاهدين في حالة غشيان يخضع فيها الشخص لسيطرة شيء قوي ~~ومجهول). # كان روش قلقا بشأن أخلاقيات عرض الكثير من أفلامه. بخلاف آثارها النفسية القوية، وإن ~~لم تكن أكيدة، فإن عرض الأفلام على موضوعات هذه الأفلام (أشخاصها) له تبعات سياسية ~~اجتماعية لا يمكن التنبؤ بها. لا بد أن مشروعه الضخم الذي امتد من عام 1967 إلى عام ~~1974 لتوثيق احتفال جماعة الدوجون العرقية على مدى سبع سنوات، المسمى «السيجوي»، ~~الذي يقام كل 60 عاما، سيغير الحدث بكل تأكيد حينما يحل موعده مرة أخرى في عام ~~2027. لأول مرة منذ 400 عام، يمكن لأفراد الدوجون تقدير شكل المواكب التي ينظمونها ~~حينما ترى من أعلى (كان روش عادة ما يضع كاميراه أعالي منحدرات باندياجارا). معنى ~~هذا أن المشاركين في نسخة المهرجان للقرن الحالي سيتاح لهم منظور لم يتح من قبل ~~لأسلافهم. علاوة على ذلك، لم يعودوا في حاجة للاعتماد على ذاكرة الأجداد لتعليمهم هذه ~~العادة التي توارثتها الأجيال شفهيا منذ القرن السابع عشر. ويمكن اختبار صور روش ~~لهذه الطقوس المقدسة، بعد أن نقلت إلى شرائط فيديو، وأقراص دي في دي الآن، في أي ~~أمسية عادية حينما يشغل شخص ما في القرية المولد الكهربائي لتشغيل التليفزيون ~~وجهاز التسجيل. وربما أدى هذا لحدوث نقاشات داخل الجماعة لتحسين تصميم الرقصات ~~والأزياء. هل ينبغي اعتبار هذه التكنولوجيا الغربية تقدمية في تاريخ شعب الدوجون؟ إذا ~~تراكمت الطاقة الروحية داخل هذه الطقوس والتعاويذ السرية ثم كشفت هذه الممارسات ms079 ~~المقدسة وعرضت على العالم، ربما يؤدي هذا إلى تبديد الروح التي توحد ~~الجماعة. # فتح أبعاد الشاشة # يزيد نطاق العرض السينمائي من تكثيف هذه التساؤلات الأخلاقية. واتفاقا مع جودار في ~~هذا الموضوع، ينسب إلى كريس ماركر القول: «لا يصبح الفيلم فيلما إلا عندما يكون ~~الناس على الشاشة أكبر حجما من أولئك الذين يشاهدونه.» صنع ماركر تركيبات متحفية ~~باستخدام الشاشات، وأنتج أسطوانات دي في دي للكمبيوتر؛ لذا فإن ملحوظته لا تؤسس ~~نظاما لترتيب الأفلام، لكنها تؤسس تمييزا؛ فضخامة التجربة تعتمد على حجم الشاشة. ~~يعود ميلاد السينما رسميا إلى أول عرض عام على شاشة في مقهى جراند كافيه ~~يوم 27 ديسمبر 1895، وليس إلى اللحظة التي وقف فيها ~~توماس إديسون لأول مرة على قاعدة بناها لتتيح لمشاهد واحد في كل مرة النظر للأسفل ~~إلى شاشة مستطيلة صغيرة. أصبحت الشاشات الصغيرة بديلا مرة أخرى، لكن صور الغشيان ~~التي التقطها روش يندر أن تتمكن من كسب تأثيرها إن شوهدت على تليفزيون تقليدي أو ~~هاتف آيفون. # النطاق الرأسي ذو البعدين غير مسئول بالكامل عن قوة العرض السينمائي. في لحظات ~~استثنائية، تفضي الشاشة المسطحة إلى بعد ثالث، يحس كأنه عمق أو زمن. لينجز روش ~~مشروعه الجذري، يقطع الغشاء الذي يفصل بين كل مستوى من الواقعية والمستوى الذي يليه، ~~مسببا اضطراب عالم من يصورهم ومن يشاهدون أفلامه. # 7 # خاطر روش بتبديد قيمة طقوس السيجوي بعرض الهروب المقدس خلال الغشاء الذي ~~يركز أسرار الثقافة داخل مجال محكم. بعد المرور من خلال عدسة آلة العرض إلى شاشة ~~في أوروبا أو الولايات المتحدة بعد ذلك بسنوات، ربما تهرب القوة الروحية لهذه الطقوس ~~كما يتسرب الهواء من إطار مثقوب. لم يواجه روش بفيلم «السادة المجانين»، خطر التبديد، ~~ولكن عكسه: ماذا يكون الغشيان سوى الدخول في نوبات من الهلوسة للوصول إلى تركيز ~~مذهل، في حالة مختلفة تماما بلا تأكد من العودة بأمان؟ في كلتا الحالتين، تصير ~~الصور قذائف تحفر ثقبا في الشاشة تمر منه قوة جبارة آتية من مكان آخر. # تتضمن الفنون كلها قدرا ms080 من تغيير المستويات، لكن أيا منها لا يفعل ذلك بأوضح ~~مما تفعله السينما؛ لأنها تنقل المشاهد من حالة لأخرى بقفزات مفاجئة غالبا. يمثل ~~الذهاب إلى دار العرض بذاته نقلة دراماتيكية غير متاحة لمشاهد التليفزيون في المنزل. ~~ربما يمكن أن تمثل القصة التالية التي نشرتها صحيفة إنترناشونال هيرالد حكايتنا ~~الرمزية: # 8 سبتمبر 2004: اكتشفت الشرطة في باريس دار سينما مجهزة بالكامل في مغارة ~~كبيرة ومجهولة تحت الدائرة السادسة عشر الفاخرة في العاصمة. يعترف الضباط أنهم ~~محتارون في معرفة من بنى أو استخدم أحد أكثر الاكتشافات إثارة للاهتمام في ~~باريس مؤخرا. عثر بعض الضباط على المجمع السينمائي خلال تدريب تحت مبنى ~~«باليه دو شايو». بعد دخول شبكة الصرف من ماسورة مجاورة لساحة تروكاديرو، ~~صادف الضباط لافتة وراء غطاء تقول «موقع بناء. ممنوع الدخول.» وراءها كان هناك ~~نفق به مكتب وكاميرا لدائرة تليفزيونية مغلقة معدة لتسجل تلقائيا صور ~~أي شخص يمر. كان هذا النظام يشغل أيضا شريطا لكلاب تنبح، «مصمما، كما هو ~~واضح ، لإبعاد الناس». وعلى مبعدة من ذلك، كان النفق يفضي إلى كهف واسع، ~~مساحته 400 متر مربع، يقع على عمق 18 مترا تحت الأرض، وكان يبدو «مثل مدرج ~~تحت الأرض، يحتوي على مقاعد ودكك محفورة في الصخر.» هناك عثرت الشرطة على شاشة ~~سينما بالحجم الطبيعي، وآلة عرض، ومجموعة متنوعة من الأفلام تضم كلاسيكيات ~~أفلام «النوار» من خمسينيات القرن العشرين وأفلام إثارة حديثة. # هذا الاكتشاف الغريب يكشف الآلية الخفية النفسية والسياسية للعرض ~~السينمائي. بالنزول تحت صخب العمل والتبادل اليوميين، يجتاز المشاهد الشجاع بابا، ~~أو شباك تذاكر، أو مدخلا، وأحيانا ستارة مخملية، تجاه منطقة محروسة تستحضر فيها ~~رؤى قديمة (أفلام «النوار» والإثارة) من الظلام. كتب بازان: «يمكنني القول عن ~~السينما إنها ذلك الوميض الخافت الذي يستخدمه الدليل الذي يأخذنا إلى ليل حلم يقظتنا، ~~وهو المساحة الكبيرة التي تحيط بالشاشة.» ربما سبق أن جوف كريس ماركر هذا الكهف في ~~أعماق باريس لإعداد مسرح أحداث فيلمه «المرفأ» («لا جيتيه»، 1962). في هذا الفيلم، ~~تتجمع مجموعة من الناجين ms081 تحت الأرض لتخطيط لمستقبلهم، بعد عجزهم عن العيش فوق سطح ~~المدينة الملوث. يختارون «متطوعا» موهوبا له خيال قوي، ويسقطونه في مناطق زمنية ~~مختلفة بحثا عن حل ربما ينقذ الواقع المحكوم عليه بالهلاك. # يجسد «المرفأ» تلك العملية الخارقة التي يجدها سلافوي جيجك فعليا في كل فيلم ~~يثير اهتمامه: حينما تبدو الشخصيات التي يواجه بعضها بعضا محصورة في مواقفها بلا ~~خلاص، أو حينما يتضح أن الكاميرا استنفدت العالم الظاهر في المنظومة النصية للفيلم، ~~أو حينما يبدو أن العمل السينمائي عازم على تكرار نفسه في دائرة لا نهائية، حينئذ، قد ~~تأتي قوة ما لتشق الشاشة وتسمح بخروج طبقة أخرى من الواقع من ورائها. في السينما ~~الكلاسيكية، غالبا ما أعادت هذه الطبقة الأعمق تفصيل قواعد الدراما، لكن عادة ~~بالتتابع، أي بالطريقة التي يعيد بها فيلم «ساحر أوز» بناء كنساس، أو مشهد لحلم يبزغ ~~ويخفت، مقاطعا القصة «الواقعية» بشيء من خيال شخصية ما. في السينما الحديثة، تتعايش ~~مثل هذه الطبقات معا في هيئة صور افتراضية لبعضها البعض؛ «بطريقة غير مدركة» كما ~~يقول جيل دولوز. يحتفي جيجك بالأفلام الاستثنائية بسبب الطريقة الواثقة التي تقطع بها ~~مشاهدها نسيج المنظومة النصية للفيلم بعنف، ثم تخيطها معا بمهارة، مكونة في ~~الغالب إطارا داخليا لحفظ الطاقة المنتجة تحت الضغط أو لزيادتها، ولمنعها من ~~بالتسرب. أوضح أمثلته مأخوذة من فيلم يقترح عنوانه معضلة وهو «الحياة المزدوجة ~~لفيرونيك» («ذا دبل لايف أوف فيرونيك»، «لا دوبل في دي فيرونيك»؛ بودفوينا جوتيا ~~فيرونيكي، 1991). يصور كريستوف كيشلوفسكي موضوع الفيلم عن الازدواجية في مشهد جميل: ~~تنظر المغنية البولندية أثناء جلوسها في قطار إلى المناظر الطبيعية المتعاقبة، أولا ~~من خلال الزجاج المشوه لنافذة القطار، ثم من خلال كرة زجاجية تمسكها لتعكس المجال ~~البصري. قدم كيشلوفسكي، سرديا وصوريا، عالما أكبر من أي قصة فردية أو منظور ~~فردي، وحافظ عليه، وفعل هذا من خلال الإطار المحدود، أو الواجهة، لكرة زجاجية ~~صغيرة. # مثل هذه الواجهات الداخلية التي تضاعف الحالات يمكن العثور عليها في الأفلام ~~الشهيرة كذلك. ينبع مثال شهير حير ms082 كثيرا من المشاهدين من فيلم «الجمال الأمريكي» ~~(«أمريكان بيوتي»، 1999)، حينما قطع منظره الطبيعي الفسيح في الضواحي بلقطة طويلة ~~أكثر من المعتاد لكيس بلاستيكي كبير يتمايل بلا حول ولا قوة مع الرياح. جاءت هذه ~~اللقطة من خلال شريط فيديو وضع في المشغل، وهو ما جعل شاشة التليفزيون في بيت ~~العائلة من الطبقة المتوسطة تنفتح على عالم مختلف تماما بزمانه الخاص، مجسد ~~بوسيطه الملائم (مقطع فيديو أبيض وأسود). وبالمثل، يعوق مشغل فيديو تدفق فيلم ~~أسيئت معاملته خلال هذا «البيان»، وهو فيلم «أميلي». يقبع تليفزيون مكسو بطريقة غريبة ~~مثل تمثال منحوت في شقة الفنان دوفايال في قبو البناية، كبقعة عمياء غامضة. لكن، بفضل ~~أميلي، يظهر شريط فيديو بطريقة غامضة في غرفته، مضيئا الشاشة، ليعرض الصور ~~الحرة الوحيدة في الفيلم بأكمله: طفل يسبح ~~تحت الماء، ومغني أغاني حزينة، ورجل أسود بقدم اصطناعية يرقص رقصة النقر بالقدم. هل ~~قدم جونيه هذه الصور الجرثومية في مقطع الفيديو ليلوث بالمقاطع الخام وهج الصحة ~~المصطنع الذي صنعت صوره بطريقة مختلفة لكي تبثه، أم كان يأمل أن يبرز اللقطة ~~الأخرى في القبو، وهي لوحة رينوار المهيمنة «جماعة القارب» التي كان دوفايال يهدف ~~لإتقان رسمها؟ # 8 # يشخص دولوز السينما الحديثة إجمالا محددا الحضور المشترك للبدائل (لم لا ~~نسميها «حالات الواقع الافتراضي»؟) في الأعمال الشهيرة التي أنتج معظمها بعد الحرب ~~العالمية الثانية. أبرز مثال قابلناه مرارا هو المثال الذي كان جاك ريفيت يؤمن بأنه ~~دشن الحداثة السينمائية، وهو فيلم «رحلة إلى إيطاليا». في هذا الفيلم، عرض روسيليني ~~شخصياته ثنائية الأبعاد لطبقات تحت سطح المنظر الطبيعي لنابولي. عند بركان فيزوفيوس، ~~تقف كاثرين (إنجريد برجمان) مدهوشة ومسرورة حينما تلقي بسيجارتها داخل حفرة، وتتسبب ~~في خروج دخان كثيف من تحت الحقل الذي يحيط بها كله. رغم ذلك، وفي مناسبات أخرى، لا ~~تود كاثرين مواجهة أي عالم وراء زجاج سيارتها. في المتحف؛ حيث تبدو التماثيل ~~الرومانية ذات العضلات المفتولة حية في أفضل صورها، تشيح كاثرين ببصرها عنها. وفي ~~المقابر، حيث توجد عظام الموتى ومواطنو نابولي ms083 في وقت واحد، تتحول كاثرين عنها. في ~~النهاية، تبتعد شاعرة بالألم من إدراكها الكامل الذي تسببت فيه رفات زوجين استخرجت ~~من تحت الأرض في بومبي حيث فاجأهما بركان فيزوفيوس منذ 1900 عام بوميض انفجاره أثناء ~~عناقهما، فثبتهما على هذا الوضع إلى الأبد مثل صورة فوتوغرافية، تتضح تفاصيلها الآن ~~فقط أمام عينيها. ينتهي الفيلم ب «معجزة»؛ إذ يتدفق فيضان من الرقة أو الحب من ~~مستوى آخر ليشفي زواجا مشلولا، ولو إلى حين. # أتى وعيي بحساسية الحداثة السينمائية عام 1966 مع فيلم «انفجار» (بلو أب). في ذاك ~~الفيلم، أحدث أنطونيوني مايكلانجلو ثقوبا في الشاشة بذكاء باستخدام ~~الأداة الحادة لوسيط آخر، وهو التصوير ~~الفوتوغرافي. تشبه نسخ الصور الفوتوغرافية المطبوعة الملتقطة في حديقة، التي ~~يحمضها ديفيد هيمينجز ثم يعلقها على حبل لتجف، فتحات يجمح عبرها خياله، ~~وخيالنا، بالشكوك والسيناريوهات البديلة. نحدق معه، وهو مأسور بثباتها، وخصوصا بعد ~~الحركة واللون الحيويين في المشهد السابق مع موديلاته المراهقات، خلال مشهد تتابعي ~~لمستطيلات بالأبيض والأسود - صور فوتوغرافية، ولقطات، ولطخات - ونشعر بريح باردة ~~تهب من فضاء وراء الشاشة. يعلن فيلم «انفجار» أن أي صورة، مثل أي لوحة أو شاشة ~~تليفزيون، موضوعة داخل الإطار الرئيسي للفيلم، يمكنها فورا غمر الشاشة بمادة تنتمي ~~إلى مستوى من «الواقع» مختلف تماما. يسقط كل من الشخصية والمشاهد مشاعرهما ~~الأخلاقية في هذه الإطارات الداخلية، هذه الواجهات، وهما مؤمنان بأن العالم الخارجي ~~عرض شيئا لا يرى جزئيا في الصور التي ننظر إليها. لذا فإن «لا نقاء» السينما ~~يتواطأ مع الجهاز الذي يشغلها: تتفاعل عناصر مختلفة داخل إطار مفرد، بينما تنفتح ~~أنواع أخرى من الإطارات داخل الإطار الرئيسي. # عرض التصوير. «انفجار». # الإطار بوصفه عتبة # يتيح لنا تخيل أن الشاشة مسامية، كما فعلت سابقا، أن نتخيل إطار الشاشة ~~بأبعاد ثلاثية، لا ببعدين اثنين، مثل الردهة التي يجتازها المرء في الطريق ليس إلى ~~الصورة ولكن إلى تصور ما ليس هناك بكامله. المرادف الفرنسي لكلمة «لقطة» وهو «مستوى» ~~يشجع هذا الخيال؛ إذ يأتي من المسرح، حيث يشير إلى المستوى ms084 الأمامي أو الأوسط أو ~~الخلفي من خشبة المسرح. أحيانا ما تكون رؤية الجمهور لما يحدث في الخلفية محجوبة بسبب ~~الستار (وهي مرة أخرى كلمة مشتقة من كلمة «إكرا» # ecran # الفرنسية التي تعني سطحا معتما يستخدم ساترا). ومثل مخرجي المسرحيات الذين ~~يرفعون الستار بشكل مسرحي أحيانا، ليفاجئوا الجمهور بشدة، فإن صناع الأفلام، كما ~~رأينا، ربما يمزقون الشاشة ليكشفوا مستوى آخر من «الواقع» وراءها. مع أخذ المصطلح ~~الفرنسي في الذهن، يمكن التفكير في «المستويات» المتتابعة في أي فيلم على أنها ~~تكون مخروطا إدراكيا، أو ما سماه بازان - باستخدام التسمية الهندسية الدقيقة - ~~متوازي الأسطح. يفضي شباك الرؤية في الكاميرا، المماثل للشاشة من حيث الوضع، أي أنه ~~مستوى مثلها في الشكل - إلى «مستويات» متعددة (لقطات بعيدة بقدر أو بآخر)، لتصنع ~~متسعا إدراكيا. باندماج الجمهور مع الفيلم، ينتقل خيالهم الموجه بما يرونه ~~عبر عتبة الإطار إلى داخل المتسع الإدراكي. # إحدى الإشارات الرمزية الجذابة عن قوة العرض التي تتمتع بها السينما صنعها المخرج ~~الإيراني محسن مخملباف عام 1992، ردا على إزالة غموض السينما الذي أحدثته ~~التكنولوجيا الرقمية. يعيد فيلمه المعنون في فيلم «كان يا ما كان سينما» («ونس أبون ~~اتايم، سينما»، «نصر الدين شاه، أكتور إي سينما») يجدد دخول الكاميرا السينمائية ~~القديمة (السينماتوغراف) إلى بلاد فارس في السنين الأولى من القرن العشرين. حيث يجب ~~على بطل جذاب يتصرف مثل الكوميديان تشارلي شابلن إقناع السلطان بقيمة هذه التكنولوجيا ~~السحرية، وهو ما ينجح فيه بفضل الجاذبية الأشد لنجمته - خطيبته - التي يقع السلطان في ~~حبها تماما. الواقع أن السلطان يقع في حب صورتها، ويعتزم الحصول عليها. وتتاح له ~~الفرصة حينما تسقط بطريقة ما عبر حد الإطار في الفيلم الميلودرامي داخل الفيلم، حين ~~يطلق سراحها الشرير وهي تقع من فوق جرف، هابطة في اللقطة التالية إلى الغرفة نفسها ~~التي يجلس فيها السلطان محدقا فيها من خلال ثقب كينتوسكوب عملاق لعرض الصور ~~المتحركة. بعد اندهاشه، ثم إثارته، يطاردها حتى تعبر داخل ثقب الجهاز عائدة إلى ~~الشاشة، إلى موقعها الوجودي الملائم بوصفها صورة. ms085 # لكون البطل صانع أفلام ومشغلا لآلات العرض في آن واحد، فربما يكون أحد ~~«المشغلين» الذين أرسلهم الأخوان لوميير في أنحاء العالم مع «سينماتوغرافاتهم». هذه ~~هي الآلة التي رفضها الفيلسوف هنري بيرجسون في كتابه «التطور الإبداعي» عام 1908 على ~~نحو مشين، وهو حكم متسرع يبرره جيل دولوز بارتباك بيرجسون النابع من المساواة بين ~~التسجيل والعرض، وكان من الأرجح أن يفعل ذلك لأن الجهاز الأصلي كان يقوم بالوظيفتين ~~فعلا. # 9 # أما في كتبه هو، فلم يكن دولوز مهتما على الإطلاق ب «السينماتوغراف»، ~~ولكن بالسينما فقط؛ بل بما يسميه صراحة «جوهر السينما»، وهو نوع من الصور المتحركة ~~التي تكونها اللقطات، التي يقود فيها المنظر المصور - بمعزل عن المنظر الذي تعرضه ~~آلة العرض - تصميم كلي، يسمى المونتاج. كان هناك أمران يقيدان «السينماتوغراف»: # من ناحية، كان منظور الكاميرا ثابتا، ولذا كانت اللقطة مكانية وغير قابلة ~~للتحرك؛ ومن ناحية أخرى، فإن جهاز التصوير كان مدمجا مع جهاز العرض، ~~مزودا بزمن مجرد متسق. وكان من المقدر أن يحدث تطور السينما، أي ~~السعي وراء جوهرها أو حداثتها، من خلال المونتاج، والكاميرا المتحركة، وتحرير ~~زاوية النظر، التي أصبحت منفصلة عن العرض. # 10 # يستمر دولوز في تعريف العمليات الأساسية للسينما بأنها الإطار ~~والقطع، مع استمرار القطع في تحرير الصورة من الإطار؛ حيث يلتمس كل فيلم طريقه ليصبح ~~كلا متطورا. في فيلمه البهيج، يقدم مخملباف هذه العمليات الجوهرية في السينما ~~بطريقة مثيرة؛ حيث يدع الشرير في الفيلم الذي هو داخل الفيلم يقطع الحبل الذي تتدلى منه ~~البطلة باستخدام سكين، ربما تكون هي أيضا جهاز قطع أجزاء الفيلم ووصلها. بعد ذلك تقع ~~البطلة من خلال الإطار داخل اللقطة التالية التي يحدها إطار آخر. هذا الاستخدام ~~المزدوج للتأطير ثم القطع سيميز السينما - وسيكون جوهرها كما كان دولوز يعتقد - ~~منذ زمن تحررها من «السينماتوغراف» حوالي عام 1908 حتى زمنه. # هل أدرك أن السينما في ذلك الوقت، حينما كان يصف الأمور في عام 1985، كانت تتحول من ~~الداخل، وقد غزتها العمليات الرقمية في الإنتاج، ثم تمزقت ms086 أشلاء بسبب توزيع أشرطة ~~الفيديو، والعرض على شاشات التليفزيون الصغيرة؟ خلال «العصر السينماتوغرافي» ~~(1908-1985) الذي يريد أنصار السينما الرقمية، مثل سيجفريد زيلنسكي التقليل من شأنه، ~~بينما يمجده عشاق السينما أو ينعونه، كانت الشاشة الكبيرة هي موقع التحرر الدائم ~~من التقييد. تعرض مجموعة الأمثلة التي يذكرها دولوز منذ جريفيث حتى جودار مرة تلو ~~الأخرى صراعا للصور، حية في وفرة الزمن، ومخترقة قيود المكان. كان لدى دولوز حساسية ~~فطرية للإطار؛ فهو في النهاية كناية عن «الأقلمة» التي كان يبغضها، بما تعنيه من حدود ~~وقيود وأضلاع مستقيمة. بالإضافة إلى ذلك، كان الإطار هو العنصر المؤسس للنظرة ~~الكلاسيكية للسينما التي ربطها شخص مثل رودلف أرنهايم مباشرة بجماليات الرسم ~~والتصوير. # 11 # كان هذا أبعد ما يكون عن آمال دولوز للسينما. تجعل النظرية الكلاسيكية الإطار ~~منظما جامدا؛ فهو يرتب عناصر مختلفة، ويفصل ما هو على الشاشة عما هو خارجها، وينسق ~~كل شيء من خلال هندسة ما نسميه في الواقع «الإحداثيات». هذه القوة لتشكيل «ما» يرى، ~~و«كيف» يرى، حتى لو كانت متغيرة في التطبيق (من التشبع إلى التخلخل، ومن التصميم ~~الهندسي إلى الطبيعية المسترسلة) # 12 # تمنح الشاشة سلطة ونظاما كانا هما ما عملت أفلام دولوز المفضلة وكتبه ~~على تحديه. يتحكم الإطار بفعالية في الوقت بتنظيم تدفقاته في أنماط حركية مرضية، ~~محافظا على النظام التمثيلي، ومحافظا على المتفرج - ونكرر هنا كلام ستيفن هيث ~~- على «الشاشة داخل الإطار». # 13 # يؤكد الجزء الثاني من كتاب دولوز «الصورة-الزمن»، انهيار هذا المنطق ~~وظهور أنواع أخرى من المنطق أنشأها صنع أحداث سمع-مرئية خالصة، وغير قابلة للاسترجاع ~~بالسرد أو سيكولوجية الشخصيات. ويبدو كتاب «الصورة-الزمن» كما لو كان يحتاج إلى فهم ~~مختلف للشاشة، لكن دولوز واجه صعوبة في الإتيان بمصطلحات فنية مناسبة للآثار المكانية ~~للزمن في شكلها الخالص. # ما يمثل قيدا أكبر حتى من التشبه بالرسم، هو الدور الذي يؤديه الإطار في التحول ~~التحليلي النفسي والسيميائي لنظرية الفيلم الفرنسية خلال السبعينيات. يقدم هيث أوضح شرح ~~لاهتمامات هذه الفترة في مقاله عن دمج المشاهد بما يراه. ms087 # 14 # وفق «سيناريو الدمج» الضمني، يتوقع المشاهد المستدرج بما يبدو أن ~~الشاشة المضيئة تحويه، منظرا كاملا، وارتباطا وثيقا بكائن يكشف عنه، ويحال بينه ~~وبين ذلك بسبب الإطار، الذي هو حد «فعلي»، و«مذكر» دائم بالحدود. وإذ يشجع ~~الإطار الرغبة في المشاهدة، ويحبطها في آن واحد، فهو يحصر ببخل شديد تمثيلا ~~محضا مقيدا بمنظور ما. وإذ يواجه الخيال بهذا الامتناع، فإنه يحتاج إلى تمثيلات ~~إضافية؛ بل مجموعة كاملة من المناظر المدمجة معا داخل نسيج أو نص كبير يسعد ~~المشاهد أيضا، على نحو غريب، بتضمينها. بهذه الطريقة يعوض نسيج نصي معقد - ناتج ~~من التكوين والتحرير والترتيب لوجهات النظر - عن خسارة تلك الرؤية الفطرية الأولية، ~~الممتدة بلا نهاية. وبهذا يصير المشاهد الراضي في موضع الخضوع للأيديولوجيا. # برأي «منظري الدمج»، ينظم الإطار الخيال الجامح، ويقلص من النسخة الكشفية ~~للقوة السينمائية الكامنة، التي سارعوا في وقت ما إلى نسب أعمق مصادرها لأندريه ~~بازان. حقا، سمى بازان الإطار قناعا؛ # 15 # يدرب انتباهنا على ما قد يختبئ خارج المنظر، واعدا بكشوف وراء ما ~~يمكن إظهاره على الشاشة. # 16 # أما الشاشة نفسها، فأشاد بازان بتوسيعها إلى السينما سكوب. # 17 # وحث المشاهد على «الإحساس» بالحيز بدلا من «قراءة» دلالته وحسب (لا ~~ينبغي أن يكون هدف السينما النهائي هو أن تعني بقدر ما تكشف). فبوصفه ناقدا، رغب ~~دوما في النظر خلال الشاشة، والعيش في المساحة التي وضعها أمامه صانع الفيلم. وهذا ~~سبب تقديره لرينوار وويلز، وكلاهما صانعا أفلام مختلفان تماما، يستنفدان قدرات ~~المشاهد الإدراكية بالقدر نفسه. تلتمس رؤية رينوار الطرفية ما هو خارج الإطار؛ بينما ~~تمنح تراكيب ويلز المتباعدة ميزة للمستويات الأقرب والأبعد في الصورة. # هذه وغيرها من التأملات الأسلوبية بمنزلة «المصافي»، وهو تشبيه بازان الذي يكمل في ~~اللغة الإنجليزية الفكرة العامة للشاشة. نقول إن شاشة النافذة تمنع مرور الحشرات، بينما ~~تسمح بمرور الهواء عبرها. برأي بازان أن «وجدان» المخرج يصفي تدفق الحقائق في ~~المحيط السمع-مرئي دون أن يغيرها. # 18 # يختار مخرج الفيلم الموضوع والمسافة والزاوية بطريقة متسقة بحيث ~~تصفى تدفقات ms088 معينة من المعلومات المتدفقة من بين المعلومات الفائضة عن الحد ~~التي تكون البيئة السمعية البصرية ثلاثية الأبعاد. يميل صناع السينما الواقعيون ~~لاستخدام مصاف ذات ثقوب واسعة، بينما يستخدم صناع السينما التجريديون مصافي ضيقة ~~الثقوب، لكن كلا الطرفين يهدفان بطريقة فعالة لصنع شيء ما مرئي، ينشأ من التدفق ~~الفائق للكون، الذي لا يظهر إلا جزء منه على شريط السيليولويد. قارن بين هذه الفكرة عن ~~الشاشة وبين فكرة البروفيسور ليف مانوفيتش الأكثر جرأة. يستخدم صانع الفيلم من وجهة ~~نظره الإطار كمحراث ليدفع الركام جانبا، ويفكر في الشاشة كما يفعل رياضي يشكل ~~بجسده «حاجزا» لمنع اللاعبين غير المرغوبين من المرور نحو الهدف. # 19 # قدرة «الشاشة» هذه على توحيد حركة جزيئات عشوائية، كما يبدو، في «شيء مرئي» تميزها ~~عن «الإطار» الذي يحصر العناصر التي يحيط بها. يقول دولوز في كتابه «الطي»: # لا توجد فوضى؛ هي فكرة مجردة؛ لأنها لا تنفصل عن شاشة تجعل شيئا ما - ~~بدلا من لا شيء - ينشأ منها. يمكن أن تكون الفوضى كثرة خالصة؛ تنوعا خالصا ~~غير مترابط، بينما يمكن أن يكون الشيء واحدا . كيف يمكن أن تكون الكثرة ~~واحدا؟ يجب أن توضع شاشة عملاقة بينهما. ومثل غشاء مطاطي بلا شكل محدد، [أو] ~~حقل كهرومغناطيسي ... تجعل الشاشة شيئا يصدر من الفوضى. # 20 # وكما يقول أحد التعليقات الذكية على هذه الفقرة: ««ما هي السينما؟» ~~لا هي نافذة، ولا هي إطار، السينما حركة داخل كيان أحادي، فوضى على الشاشة.» # 21 # شاشة دولوز الشبكية مقحمة في فراغ ثلاثي الأبعاد، وتتوسط على نحو استراتيجي ~~«التعدد الفوضوي» للحركة الجزيئية الدقيقة. كانت النماذج الأخرى المذكورة هنا ذات ~~بعدين، سواء إطار أرنهايم الجاذب نحو المركز، أو إخفاء بازان الطارد للخارج، أو دمج ~~هيث السيميائي الذي يصنع رقعة من النسيج التي تنبسط أفقيا كاللفافة. على الرغم ~~من ذلك، فإن الشقوق في النص يمكنها الكشف عن طبقات من خلف الشاشة المسطحة؛ حيث يشق ~~شيء من بعد آخر طريقه من خلال فجوة، ليفيض على الرؤية الموجودة بالفعل بأهمية جديدة. ~~تخيل المشاهد، ms089 مثل السلطان في فيلم «كان يا ما كان سينما»، وهو يعبر من ثقب ليصل إلى ~~ما يلمح وراءه. تفضي السينما، على نحو أكثر بكثير مما تفعل الصورة الفوتوغرافية، ~~إلى متسع إدراكي. # 22 # الشاشة إذا عتبة يجتازها المشاهد (أو شباك الرؤية في الكاميرا) على طريق التجربة ~~البصرية. وتضيف العتبة بعدا ثالثا إلى الإطار، عمقا أو زمنا. وبصفتها خصيصة ~~معمارية، تظل العتبة في علاقة دائمة بالفضاءات التي تقع على أي من جانبيها؛ لكن بما ~~أنها تسمح بفعالية لفضاءات مختلفة بالتواصل، وبما أنها تعمل عمل المعبر من مكان ~~لآخر، تشير العتبة ضمنيا إلى حركة لا يفعلها الإطار ولا النافذة مطلقا. ندخل ~~الأفلام من خلال مجموعة من العتبات بدءا من ديكور دار العرض والبهو الذي يحوي ~~ملصقاتها، ثم مرورا بالستار الذي يفضي إلى قاعة العرض. نجد مقاعدنا في ضوء خافت بينما ~~يبدأ عرض الإعلانات ودعاية الأفلام التي تجتذب انتباهنا وتركز رؤيتنا على الشاشة ~~تدريجيا. وتظلم القاعة كليا، ويضبط الإخفاء مع بداية الفيلم؛ وحتى في هذه ~~المرحلة، يجب علينا المرور عبر شعار الاستوديو، وشارات البداية، ومجموعة من المقدمات ~~التمهيدية النصية التي تسميها نظرية السرد بدقة «أدوات التأطير». هذه الأدوات هي عتبات ~~السينما التي نعبر من خلالها في طريقنا إلى ما تحمله الشاشة وما لا تحمله. # إطار السينما ثلاثي الأبعاد الموسع هذا يميزها عن شاشة التليفزيون التي تعمل عن ~~طريق تتابع إدراكات لحظية مجموعة معا في المونتاج. تعرض شاشة التليفزيون صورا، ~~بينما تقودنا شاشة السينما نحو ما يقبع وراء المرئي مباشرة. فاجأ هذا السرياليين ~~لدرجة أنه ربما ألهم مؤسسي هذه الحركة ببعض المصطلحات الرئيسية. # 23 # أفاض كل من روبير ديسنو وأندريه بريتون وسلفادور دالي، وخصوصا ماكس ~~إرنست، في وصف الإثارة التي تمنحها السينما؛ إذ تدفع المشاهد للعبور من خلال ~~الفتحات التي تحتويها الشاشة غالبا، فضلا عن الفتحة الكبيرة التي هي الشاشة نفسها. ما ~~هي أنواع الواقع التي توجد وراءها؟ ما هي الرغبات التي تشجعنا على أن نسقطها عليها؟ ~~بإدمانهم لكوميديا الشارع التهريجية التي قدمها ماك سينيت، ms090 ومسلسلات لوي فوياد التي ~~حولت باريس إلى دراما سحرية للبراءة والشر، نظر السرياليون إلى السينما على أنها ~~مهرب الحداثة من الروتين الفاتر للحياة والموت في العصر الصناعي للقرن العشرين. # كثف مارسيل دوشامب هذا النوع الجديد من التجارب في فيلمه المضحك الذي يصور ~~رسومات متحركة تندفع في دوامات، «السينما الضعيفة» (أنيميك سينما) عام 1924، وهو ~~العام نفسه الذي أنهى فيه تقريبا عمله «الزجاج الكبير» (لارج جلاس) الذي يعزز بشكل ~~أكثر إيحاء فكرة ما عن السينما. جعل هذا العمل، بتمثيله طعم الاستثارات والإحباطات ~~الإدراكية، دوشامب يعلق قائلا: «تأملت فكرة عرض إسقاطي، بعد رابع خفي ... قامت ~~فكرة «العروس» في «الزجاج الكبير» على هذا، وكأنها إسقاط شيء ما رباعي الأبعاد. ~~أطلقت على «العروس» اسم «تباطؤ في الزجاج».» # 24 # يمكن القول إن دوشامب كان أول من فكر في تأطير السينما داخل جدران ~~المتحف. مثلما قامت الأفلام غالبا بإقحام لوحات داخل إطاراتها الأكثر شمولا، تعلمت ~~المتاحف الرد عليها، بدفن السينما في غرف مخصصة للعروض، أو على نحو أكثر شيوعا، ~~داخل تنويعة من مساحات المعارض؛ حيث تظل تعرض تكرارا، أو تظهر على شاشات تقف وحيدة ~~أحيانا ، أو مكدسة في مجموعات أحيانا، أو في أحيان ثالثة تعرض في حوار مع الصور ~~الثابتة والمنحوتات والكلمات المكتوبة. من يرون هذه الصور لا يكونون جمهورا، ~~لكنهم «زوار» متاحف بالمعنى الكامل للكلمة، وأحيانا ما يكونون زوارا فرادى. بعرض ~~تجربة شاشة السينما المتحكم بها على نحو مميز، وبطريقة مثيرة للمفارقة ~~غالبا، فإن المتحف يثبتها بمزيد من العمق. # في فترة ما بعد الحداثة، فكك الفنانون إطار الفيلم، سامحين لدماء الحياة السينمائية ~~بالتدفق داخل مجموعة من حالات الوسائط المتعددة، سماها الناقد والكاتب الفرنسي ~~ريمون بيلور «الصور المتداخلة.» مشيرا إلى تداخل حقيقي بين وسائط مثل السينما ~~والتصوير. وتتبع إلى جانب جاك أومون وفيليب دوبوا ولوك فانشيري، مسار جيلين من ~~الفنانين البصريين الذين ابتعدوا بصورهم عن السينما. # 25 # على سبيل المثال لم يعد المخرج البريطاني بيتر جريناواي يرضى بتكديس ~~أنواع متنافرة من الفنون داخل الشاشات العريضة لأفلام مثل ms091 «كتب بروسبيرو» («بروسبيروز ~~بوكس»، 1991) أو «زد وصفرين» («آ زد آند تو زيروز»، 1985). وإذ يقدم تعريفا جديدا ~~«للسينما الموسعة»، تحتل صوره المتحركة مكانها في تركيبات بجانب اللوحات ~~والمنحوتات. وبإصراره على الخطوة التالية، عرض جريناواي حتى صورا في مراكز المدن (في ~~جنيف وبرشلونة)، صانعا أطرا لمناظر هنا وهناك ليرى المواطنون لمحة من جولاتهم ~~اليومية. تحرر هذه الممارسة ذات الإلهام السريالي، العامة من أسر المتحف، فضلا عن ~~دار العرض، حتى يمكنهم رؤية الصور عشوائيا أثناء تجوالهم خلال المساحات ~~العامة. # إذا كان المتحف اختطف رسميا بنية الإحساس بالفيلم، بحيث يحتويها من أجل إسعاد ~~جمهوره؛ فالكمبيوتر فعل شيئا مشابها من أجل المستخدمين الشخصيين. لا يشاهد ~~الأفراد الأفلام على كمبيوتراتهم الشخصية بطريقتهم الخاصة وحسب، ولكنهم يشاهدونها ~~في نافذة واحدة من بين بضع نوافذ قد تكون عاملة في اللحظة نفسها (ومنها نوافذ بريد ~~إلكتروني، وقاعدة بيانات أفلام على الإنترنت، وملحوظات شخصية، ومدونة مفضلة، وحالة ~~الطقس). تشكل السينما نوعا واحدا فقط من محتوى البرامج المتاحة لأنظمة تشغيل ~~«ويندوز» القوية وعتاد الكمبيوتر الشامل. بطلب الفيلم من خلال خدمة «أون ديماند» أو ~~عبر «يوتيوب»، يظهر فيلم على «لوحة مسطحة »؛ حيث يختار المشاهد بقدر عدد النوافذ ~~المعروضة، ثم يسحبها ويحركها هنا وهناك مثل أوراق اللعب في لعبة «سوليتير». وتبدو ~~كلمتا «المرقاب» و«العرض» أكثر ملاءمة من كلمة «شاشة» للإشارة إلى التجربة البصرية ~~التي يقدمها الكمبيوتر. # من شأن هذا أن يكون تقييم ماساكي كوندو، الذي يميز، وفق تقليد مارشال ماكلوهان، ~~كل وسيط بمقارنته بجهازه. يصف السينما بأنها شكل من أشكال «الحجرة المظلمة»، وهي جهاز ~~بصري فسيح بما يكفي لاحتواء إنسان يجلس داخله متتبعا الصور التي يشكلها العالم ~~على حائطه الخلفي، شبكيته. # 26 # يجلس المشاهدون داخل هذا المتسع، مثل السجناء في «كهف أفلاطون»، ~~يحدقون للأمام في صور منعكسة، يعكسون عليها أفكارهم بدورهم. يتضاعف أثر هذا ~~الصدى والتجاوب في السينما، كما يقول كوندو، بفضل التأخر الذي يحدث من لحظة تصوير ~~الفيلم، إلى لحظة عرض الصور، والانتزاع من العالم المادي الذي حدث فيه التصوير إلى ~~صالة ms092 السينما. يكتب كوندو إلى أي مدى تختلف تجربة السينما عن تجربة التليفزيون الذي ~~تكون شاشته غير العاكسة رقيقة كصفحة جزيئات مفردة، والصورة ملصقة عليها. بالإضافة إلى ~~ذلك، تربط شاشة التليفزيون المشاهد بالصورة في الوقت الفعلي بلا تأخير. تستلزم ألعاب ~~الفيديو استجابة فورية. وفيما يخص التليفزيون، فإن نشرة الأخبار المسائية، وقناة ~~الطقس، والبرامج الحوارية تخاطبنا كلها مباشرة في الزمن الحاضر. ويذكرنا هذا على نحو ~~غريب بسينماتوغراف الأخوين لوميير التي كانت، بناء على نموذج «عروض التسلية» في ~~القرن التاسع عشر، تقود ذهول المشاهد من خلال الكلام المباشر الذي يتحدث به منادي ~~ساحة العرض أو الساحر. # 27 # على العكس، كما أوضحه مالرو في مقاله «المخطط»، وردده ~~بازان، صممت حداثة السينما وفق حداثة الرواية، ~~وانحرافها وكثافتها، وبعدها الإضافي المتعلق بالمتسع والزمان. شاشة كمبيوتر القرن ~~الواحد والعشرين، مثلها مثل «سينماتوغراف» القرن التاسع عشر تماما، تقدم للمشاهد ~~الحاضر، بصرف النظر عما يعرض فيه. أما السينما - الوسيط الذي سيطر على القرن العشرين ~~ما بين هذين الاختراعين - فتجذب المشاهد إلى عالم آخر، ولقاء مع شيء ماض وبعيد ~~المنال تماما. # على العتبة. «رسالة من امرأة مجهولة». # لم يفهم ناقد فني منذ زمن بازان هذا الجذب الذي يمكن أن تفرضه السينما أفضل مما فهمه ~~سيرج داني. بعد تركه رئاسة تحرير «كاييه دو سينما» ليصبح ناقدا تليفزيونيا، وجد ~~نفسه في موضع يمكنه من خلاله تحديد ما يمكن توقعه من كلا الوسيطين. في مراجعته ~~اللاذعة لفيلم جون-جاك أنو «الحبيب» التي ذكرتها في الفصل الأول، كان داني قلقا من أن ~~الأفلام بدأت في ترويج «الصورة الهزيلة» المصنوعة وفي الذهن جمهور التليفزيون، ~~متجاهلة الزمن المرن الذي تتمتع به السينما. # 28 # لا يدرك أنو أن هناك أشياء تراها دون أن تراها بالفعل، وأشياء أخرى ~~تحدق في وجهك لكنها لا تعكس أي تجربة واقعية؛ أن هناك لحظات يجب عليك فيها ~~ألا تحدث ضوضاء شديدة؛ أن هناك أشياء موجودة في كل مكان لكنها غير ذات أهمية، ~~وأخرى غائبة لكنها قوية؛ أن هناك كذبات جمعية وحقائق جزئية. باختصار، ms093 أن هناك ~~تجارب تجد السينما صعوبة في معالجتها (لكن يكفيها شرف المحاولة). # يكمن جلال السينما في التوقعات التي تثيرها، وفي الجهد الإدراكي ~~الذي تتطلبه، وحتى في قصورها في وجه ما يستعصي على التمثيل المعد سلفا. شكا داني من ~~أن فيلم أنو يهدف لتقديم صورة جميلة في كل لحظة. وفي فعله هذا، يهمل موضوعه، وكذلك ~~دراما استكشاف ذاك الموضوع، حينما يجذب المشاهد، كما في السينما الأصيلة، من صورة إلى ~~لاحقتها بحثا عن شيء لا تستطيع الشاشة عرضه. رغم أن فيلم «الحبيب» مأخوذ من راوية ~~كتبتها مارجريت دوراس، مسكونة بالماضي، فهو يعلن عن نفسه مثل ملصق إعلاني. ولكونه ~~إظهاريا تماما، لا يملك الفيلم ما يخفيه؛ ومن ثم فليس لديه ما يقدمه أكثر مما ~~نراه. # موضوع البحث البصري هذا، وهو موضوع مهيمن في أعمال بازان، جعل أفلاما معينة محببة ~~للنقاد الذين يتبعون مذهبه، أولئك الذين يحبون أن يجري اجتذابهم من خلال معبر إلى ~~رؤية ما قد لا يكون قابلا للرؤية على الإطلاق. صوت ليزا في فيلم ماكس أوفالس «رسالة من ~~امرأة مجهولة» (لتر فروم آن أنون ومان) يسحب المشاهد نحو الماضي، ونحو مواجهتها ما ~~لا يوصف، وانتهاء بالموت. في لحظة رمزية مبكرة، تثار حرفيا من سريرها (موقع ~~الخيال الجنسي) لتعبر عتبة باب شقتها، منسلة من جانب الرقيب (والدتها) في طريقها ~~لعتبة شقة ستيفان. تشب لأعلى لتفتح عارضة الباب، ثم تحدق من الشاشة حيث لا بد أن ~~ستيفان مستغرق في موسيقاه. سيغوي ليزا لاحقا بإخبارها بأنه حينما يعزف يتخيلها في ~~بيانوه. بما أن موسيقاه هي ما أثارها كالسائر في نومه لتتجه نحوه، ألا يمكننا القول ~~إنها تبحث عن نفسها المختفية في تلك الأوتار؟ قارن ستيفن هيث هذا التضاد بمشهد من فيلم ~~«في عالم الحواس» («إن ذا ريلم أوف ذا سنسز»، 1976) حين تتلصص خادمة من خلال الستائر ~~داخل غرفة حيث يختبئ العاشقان بعضهما في بعض، وينفذ بعضهما في بعض عبر ثغريهما، في ~~الطريق إلى ما لا يمكن رؤيته تماما في النهاية، وهو محل اللذة. # 29 ms094 # من الأمثلة الأقرب إلى زمننا هذا فيلم حديث نوعا ما، هو فيلم وونج كار- واي «في مزاج ~~للحب» («إن ذا مود فور لف»، 2000) الذي أصبح فيلما «فتيشيا» حينما أخفى بدقة كبيرة ~~الخواء الذي يسكن قلبه. لا يتوحد المشاهد أو يتعاطف مع الحبيبين اللذين يؤجل ~~غرامهما باستمرار، مع بحث الكاميرا عن علامات ثم آثار للمشاعر. تستجيب الكاميرا، ~~بمرورها مثل المتلصص وسط السلالم والأبواب المواربة والأروقة المغوية، للتلميحات ~~والهمسات، متجهة للداخل دائما، مصورة مساحات ربما تكون مملوءة بالعناق؛ حيث تنتظم ~~فيها الشخصيات ومشاعرها على نحو ملائم. كل هذا، وربما كل السينما، يوجز في الخاتمة ~~في معبد أنجكور وات؛ حيث يهمس البطل بشوقه داخل شق، هو المكان المقدس للفيلم ~~(وللحبيبين). تسد كومة من التراب هذا الشق لإيقاف الرغبة. وبتجول الكاميرا خلال ممرات ~~المعبد وأعمدته بعدئذ، يمكننا تقريبا سماع أصداء الهمسات المنحدرة من ثمانية قرون من ~~الصلاة والحج، ثمانية قرون من المشاعر الإنسانية المرتقى بها إلى سمو فان في هذا ~~الموقع المقدس وإن يكن فارغا. يعمل معبد أنجكور وات عمل دار عرض سينمائي تحلق فيها ~~وفوقها ومن ورائها رومانسية مؤجلة. ليت الكاميرا استطاعت - رغم كل تتبعها المستمر - ~~التنقيب في هذا الشق في الحائط الأثري كاشفة الرغبة للأبد! في هذه اللحظة، في هذا ~~المكان، تنقلب المشاعر على نفسها بعدما فشلت في التعلق بشيء مناسب. أليس هذا بنيان ~~الحنين إلى الماضي، الشعور اللائق بالولع بالسينما؟ أصبحت اللقطة التتبعية في تصميم ~~مشهد التصوير الداخلي هي قوام الولع بالسينما. وكما في فيلم «العام الماضي في مارينباد» ~~(«لاست يير إن مارينباد»، «لانيه درنيير آ مارينباد»؛ رينيه، 1961)، يشعر المشاهد ~~بعبوره من إطارات إلى إطارات أخرى، بنكوص لا نهائي، ودوار سام، لينتهي به الحال إلى ~~لا شيء إلا الشعور الذي يحدثه هذا العبور. # الكتابة باستخدم الإطار # يرتب أوفالس ورينيه ووونج كار-واي لقطات استدعاء أو اجترار ذاتي من أكثر الموضوعات ~~تلاشيا، وهو الرغبات المحبطة. وبطبيعة الحال، فإنهم يساهمون بقدر كبير في دراسة ~~لعناصر السينما وبنياتها. لكن نموذجهم لتجربة الفيلم ينطبق عموما على كل ms095 الأفلام ~~التي تبحث عن موضوع يصعب تصويره. ليس فقط في صنف الرومانسية أو التوق للماضي، ولكن في ~~أي صنف (سحري أو كوميدي أو شكوكي أو ساخر)، يعني الذهاب «إلى» السينما، الذهاب «مع» ~~الفيلم، وملاقاة رؤيته للعام برؤى من عندنا. الشاشة - المسامية ولكنها في قبضة ~~الإطار - هي مكان اللقاء المضطرب الذي تعرض عليه شظايا من عوالم غير محدودة من ~~الاتجاهين كليهما. تمتزج مجموعة من الأصوات والصور (رغم أنه تم التقاطها وتنظيمها ~~وتصميمها من أجل هذا) وتنصهر مع المشاعر والأفكار المجلوبة لها من المشاهدين الذين ~~يأتون من الشارع. # يحتل العرض مكانه في النهاية المفتوحة لعملية سينماتوغرافية تبدأ بتكوين الإطارات. ~~نقول إن منظرا أو موقفا أو قصة أو نقاشا يوضع في إطار حينما تؤخذ عناصر وثيقة الصلة ~~معا بصفتها مجموعة، بحيث يحدد موقع كل عنصر ووظيفته موقع غيره ووظيفته ~~بالتبادل، وبالنسبة إلى الكل. بعد ذلك يستقر عالم كامل على الشاشة، ويتكشف طبقا ~~لتصميم حبكته. ثم ينطلق العرض من الإطار، ويكون هذا بمعنيين. من جهة، كما فصلنا ~~بالفعل، فإن الشاشة المسطحة يمكن أن تغزوها عناصر آتية من خلفها أو من ورائها، ~~وكأنها من بعد ثالث. ومن الجهة الأخرى، يسقط المشاهد نفسه باتجاه الشاشة آخذا ~~الفيلم إلى ما وراء سياقه الأصلي داخل إطارات لم يتوقعها صانعها. # بتشخيصه بهذه الطريقة، على أنه تمزيق للإطار وتفصيل للرؤية، يعمل العرض السينمائي ~~تماما بالطريقة التي يصف بها بول ريكور الاستعارة. حينما يفاجأ خطاب موضوع في نطاق ~~لغة ما بتعبير جريء دخيل، فإن مفردات نطاق لغوي آخر ومنظوره يجرفان الأول، مظهرين ~~جوانب جديدة للموضوع. على سبيل المثال، حينما وصف صوت آلة التوبا الموسيقية لأول مرة ~~بأنه صوت «ثقيل»، انتشر طيف من ألفاظ «اللمس» انتشرت في نطاق الأدوات الموسيقية، ~~معززة إدراكنا الحسي للصوت بمنحها إحساسا ما (ناعما أو هشا ... إلخ)، على الأقل إلى ~~أن تلاشت صدمة الاختلاف وأصبحت صيغة منتشرة. بالمثل، وبمجرد أن يفاجئنا «شكل» سينمائي ~~(مثل تثبيت الصور هنا وهناك في فيلم «جول وجيم»، على سبيل المثال، أو معارضة هذا ms096 الفيلم ~~نفسه للتركيبات الدائرية والمثلثية)، تنفتح الشاشة على مستوى جديد من الدلالة، ~~متطلبة مجهودا في التفسير، لتجسيد تصميم مرئي، حديثا في الموضوع. # وفقا لرأي ريكور، الإسقاط هو تفصيل لموضوع النص، بجانب أنه «تطبيق» لدلالته المدركة ~~للعالم الذي نعيش فيه. في السينما، يحدث هذا الإسقاط المزدوج على موقع الشاشة؛ لأنه في ~~هذه الحالة يصبح الإسقاطان موضوع تركيز واندماج: أحدهما يصفيه المخرج، والآخر يملؤه ~~المشاهد. السينما هي «إسقاط» يحدث داخل عتبة الشاشة. # اسمحوا لي أن أنتقل من العتبة التي يمكن أن يصبح عليها أي فيلم إلى العتبة التي ~~تكونها السينما نفسها بوصفها مكانا ينظر للوراء إلى القرن التاسع عشر، وللأمام إلى ~~القرن الواحد والعشرين، بوضع قدم في كل جانب. ودعوني أسترجع للمرة الأخيرة مسلمة ~~«كاييه» التي تقول «السينما مرتبطة بالواقع، ولا علاقة للواقع بالتمثيل، وهذا أمر ~~نهائي.» أدرك سيرج داني أن «إسقاط» السينما مرهون بالكتابة ومكتمل بها. في المقابلة ~~التي تفتتح أعماله المجمعة، يقول مباشرة: «الأمر بسيط تماما ~~- أي السينما التي أحبتها «كاييه» - منذ ~~البداية، هي «سينما مسكونة بالكتابة». هذا هو المفتاح الذي يجعل من الممكن فهم الأذواق ~~والاختيارات المتتابعة ... دائما ما كان أفضل صناع الأفلام الفرنسيين - في الوقت نفسه - ~~كتابا (رينوار وكوكتو وبانيول وجيتري وإيبستين.)» يذهب محرر المجلة الحالي، ~~إيمانويل بوردو، أبعد من هذا بقوله إن أنصار بازان الذين أصبحوا صناع أفلام مشاهير - ~~رومير وجودار (ولعله أضاف تروفو) - كانوا مشروعات كتاب مهووسين بالأدب. بوردو ~~متيقن أن علاقة السينما بالكتابة تحدد نهج «كاييه» حتى أكثر من إخلاصها لفكرة ~~«تصميم المشهد». # 30 # مات بازان بعد أن لمح المواجهة الجذرية للسينما مع الكتابة التي تطورت بواسطة ~~مجموعة «جماعة الضفة اليسرى» التي كان في القلب منها صديقاه كريس ماركر وآلان رينيه. ~~كان قد حجز بالفعل مكانا مميزا في السينما الحديثة لمن كان سعيدا بتسمية أفلامهم ~~«مقالات» («كل ذاكرة العالم»، و«ليل وضباب») تمزج سردا أدبيا راقيا خارج الشاشة ~~بحركات كاميرا مثيرة للتفكير. انتقل كريس ماركر بسلاسة من مقالاته في مجلة «إسبري» ~~و«التعليقات» على الأحداث التي كانت ms097 تنشرها دار «إديسيون دو سوي» وكانت تمزج بين النص ~~والصور إلى صناعة فيلم مثل «رسالة من سيبيريا» («لتر دو سيبري»؛ ماركر، 1957)، الذي ~~كتب بازان مراجعة عنه تشيد به قبل أسبوعين من وفاته. أما رينيه، فقد غير وجه السينما ~~بعد موت بازان بشهور فقط بفيلم «هيروشيما حبي» ثم مرة أخرى بفيلم «العام الماضي في ~~مارينباد»؛ حيث يمزج الفيلمان بين الكتابة وصناعة الأفلام فيما يمكن أن يسمى فقط ~~مغامرة نظرية في «الكتابة» المتوسعة. وسرعان ما أمسك كل من مارجريت دوراس وآلان ~~روب-جرييه - اللذين قدما النصوص في هذين الفيلمين - بالكاميرا بنفسيهما، وشرعا في ~~إخراج الأفلام. وقد دعمتهما هيبة الفيلم المتزايدة في الجامعات وفي الدوريات التي ~~أنتجتها هذه الجامعات. # كانت إحدى الشخصيات البارزة في الانتقال من نوادي السينما إلى ثقافة السينما في ~~الجامعة هي الباحثة الفرنسية ماري كلير روبار التي خلفت بازان في مجلة «إسبري» بعد عام ~~1958. يؤسس أول كتابين لها، وهما «شاشة الذاكرة» و«من الأدب إلى السينما» الإشكالية ~~الأدبية في السينما. ولم يمر وقت طويل قبل أن تتبنى روبار نظريات جاك دريدا، وتكتب ~~تحليلات مطولة لفيلم «مورييل»، ولفيلم «أغنية الهند» (إنديا سونج) لمارجريت دوراس ~~الذي ناقشته في أقوى أطروحة لها بعنوان «النص المقسم». لعل جودار أغلق هذه الدائرة ~~حينما طلب من دوراس أن تمثل بنفسها في فيلم «حركة بطيئة» («سلو موشن»، «سوف كي بو ~~(لا في)»، 1980). تسألون عن هدفه؟ تصوير الأصالة، ومنح صورة للكتابة. ~~«السينما بوصفها كتابة» هي فكرة لها جذورها في مقال أستروك الذي صدر عام 1948 عن ~~«الكاميرا-القلم» الذي يفترض المكانة التي لا غنى عنها للكتابة النقدية بوصفها ~~المكمل الضروري لأي فيلم له مستقبل. قد يثار النقد بالصور، لكنه يثيرها بدوره ~~أيضا؛ إذ يحاول توضيح ملامح واقع ما - موضوع سينمائي - هذه الصور هي آثاره. ولذا، ومن ~~البداية إلى النهاية، بداية من النص أو الفكرة المدونة بارتجال، إلى التفصيل النقدي، ~~تعمل الكتابة يدا بيد مع الصور في ممارسة ثنائية القطبين تهدف منها السينما المشوبة، ~~من البداية، للوصول إلى كل أنواع الموضوعات وكشفها ms098 وتفصيلها، ومنها الموضوعات التي كانت ~~في وقت ما أو ما زالت غير قابلة للتخيل لأنها تنتمي إلى «المادة» أكثر مما تنتمي ~~إلى «الموضوع» البشري. # في زمن بازان، قدمت فنون الرواية والمسرح والرسم الناضجة موضوعا ساعد السينما ~~الناشئة في النضوج. واليوم، وبعد أن اكتسبت مكانتها في المناهج الجامعية وعلى صفحات ~~الفن في الصحف والدوريات الثقافية، فإن حيوية السينما و«لا نقاءها» الضروري يأتيان الآن ~~من الاتصال بالكتب المصورة وبالتليفزيون وبالموسيقى الشعبية وبألعاب الفيديو وبثقافة ~~الكمبيوتر. لن تحتفظ السينما بحيويتها وثقلها اللذين عملت على تحقيقهما على امتداد ~~قرن، بمجاراة الثقافة الشعبية؛ ولا ينبغي لها أيضا التقهقر إلى ملاذ الأفلام ذات ~~القيمة الفنية العالية أو دار عرض الفنون المتخصصة (على الرغم من أن هذا يحفظ رأس ~~مال ضخم من الأفلام العظيمة التي تمول استثمار السينما في أي مستقبل تصنعه). بدلا ~~من ذلك، يجب على السينما المضي قدما في القرن الجديد باستيعاب الموضوع الذي يحيطها، ~~وهو ثقافة وسيط جديد على نحو متزايد. ستكون الأفلام المشوبة الناتجة، ولا شك، سينما ~~مختلفة عن التي عرفناها، لكنها ستكون سينما جديرة بماضيها إلى درجة أنها تحافظ على ما ~~قد تكون أفضل تسميه له هي الروح السينمائية. ما ورثه أندريه بازان هو توجه أكثر منه ~~مذهبا؛ توجه مليء بالفضول والتلقائية والاستجابة لواقع ينظر إليه إلى ما لا نهاية ~~على أنه مبهم ويستحق اهتمامنا. يلتقي أفضل صناع الأفلام بأفضل النقاد على عتبة ~~الشاشة حيث تحكم الصور، لكن فقط كي تقود إلى ما وراءها. # | هوامش # الفصل الرابع # | تطور موضوعات السينما # حققت السينما وعيها بذاتها خلال مسيرة السنوات العشرين، من فيلم «قواعد اللعبة» إلى أفلام ~~«الأربعمائة ضربة»، و«هيروشيما حبي»، و«منقطع الأنفاس». كان روسيليني وبازان بمنزلة ~~قناتين لهذا التحول، أو «قائدي المركب» كما يسميهما سيرج داني. لم يجلب النضوج معه ~~فقط الجرأة المزهوة، ولكنه أتى أيضا بالشكوك والأسئلة التي تتجلى في عنوان أعمال بازان ~~المجمعة التي نشرت مع بداية ظهور «الموجة الجديدة»، وهو «ما هي السينما؟» ولأنه لم يكن ~~مستعدا لتقييد هذا الفن التكنولوجي ms099 الأول، بل حتى لم يكن مستعدا لتعريف السينما بأنها ~~فن، أو استبعاد أي نوع من استخداماتها وأنواعها، مهما كان اعتياديا أو هامشيا، فقد ~~أبقى بازان السينما سؤالا مفتوحا، منفتحا على العالم الذي يشتبك معه دائما بشكل ما. ~~من هنا نبع إيمانه بأن السينما «الحديثة» كانت تنفلت من قيود الأسلوب «الكلاسيكي» بفضل ~~«طليعة» محددة، شعر بأنها بدأت في استكشاف حقل سينماتوغرافي جديد، سعيا وراء عوالم أكبر ~~يفترض أن تمثلها. قد تكون مصطلحات «كلاسيكية» و«حديثة» و«طليعة» تبسيطية وغامضة، لكنها ~~مع ذلك تحدد مخاطر اللعبة وتؤكد قواعدها. # الفيلم الحديث: بين الكلاسيكية والطلائعية # لو كان بإمكانكم سؤال بازان عن مصدر التغيير الذي تمكن من استشعاره فيما يدور من ~~حوله، لما كان ليشير لأول وهلة إلى التصوير، أو إلى تصميم المشهد، أو التمثيل، أو ~~التحرير؛ بل كان من شأنه أن يشير إلى ما سماه «الموضوع». ومثلما يجيء النضج، فوجئ ~~الوسيط السينمائي في منتصف أربعينيات القرن العشرين بإدراك أنه نضج بعد مواجهات مباشرة ~~مع موضوعات مثيرة للتحدي، نادرا ما كان يستطيع تفاديها. كان تعقد موضوعات رينوار ~~وويلز هو ما دفعهما إلى التخلي عن أساسيات النظام الكلاسيكي في فيلميهما «قواعد ~~اللعبة» و«المواطن كين». ثم نشبت بعد ذلك مباشرة الحرب العالمية. وبطبيعة الحال، ~~استلزمت الحرب الحديثة وسائل تمثيل حديثة. تمدد المكان، وتقلص الزمان، وانتزع ~~كلاهما بوضوح من سيطرة الإنسان. ولذا، وبلا تجاهل، برهن مالرو على النزعة الإنسانية ~~البطولية في فيلم «الأمل» (هوب) وهو واحد من أوائل الأفلام شبه الوثائقية الكثيرة التي ~~جاهدت لتمثيل الحياة في الظروف البشعة والحافلة بالقتل التي تحملها كثير من الناس ~~(أو فشلوا في تحملها) منذ عام 1936 حتى عام 1945. كان بازان يعتقد أن الواقعية ~~الجديدة نتجت مباشرة من الحضور الطاغي للحرب والمقاومة؛ حيث تبنت جوانب من الصحافة ~~ومن الرواية الأمريكية القاسية، بينما بدت المعايير المعتادة في كتابة السيناريو ~~والتصوير والتحرير هزيلة وقاصرة عن الموقف تماما. # انجذب صناع الأفلام بقوة لمهمة جديدة بفعل الحرب. حتى مخرجو هوليوود الجسورون، مثل ~~جون فورد وجون هيوستن، تجرءوا على ms100 تجربة أساليب التصوير والتحرير الارتجالية ~~ليصوروا ويحاكوا الفوضى التي تطوعوا بدخولها («معركة ميدواي»، 1942؛ «معركة سان ~~بييترو»، 1945). # 1 # على الرغم من ذلك، حالما انتهى ذلك الحضور الطاغي، أعقبت ذلك أزمة حتمية ~~في الموضوعات. ما الذي ينبغي تمثيله الآن بشأن الطرف الآخر في الحرب؟ بعد مرور جيل ~~كامل، عاد جيل دولوز بذاكرته إلى هذه اللحظة بوصفها لحظة تأسيس «الصورة- الزمن» بما أن ~~«الكليشيهات» لم تعد قادرة على الحفاظ على الأفلام كما هي، ولم تعد الشخصيات قادرة ~~على التحكم في مصائرها بالطريقة التي استمرت في سنوات السينما الخمسين الأولى؛ إذ ~~أصبح كثيرون يهيمون ببساطة في الأرض الأوروبية المقفرة، ويعملون عمل المراكز ~~العصبية لتسجيل «الأحداث البصرية والصوتية ~~الخالصة». ومع ذلك، لم يكن هذا الإدراك ~~يحتاج انتظار صياغة دولوز؛ لأن هذه الأزمة كانت محددة في ذينك الزمان والمكان، في ~~العنوان الكامل لبيان ألكسندر أستروك المحتفى به في مارس 1948: «من أجل طليعة جديدة: ~~الكاميرا-القلم». كتب الكثير عن «الكاميرا-القلم»، وخصوصا عن المرونة المكتشفة ~~حديثا للسينما، القادرة - كما يفترض - على التجريدات والتعبيرات الشخصية عن اللغة ~~المكتوبة. لكن الجزء الأول من عنوان مقال أستروك «طليعة جديدة» هو الذي يستجدي ~~الانتباه؛ لأنه يصف ثورة، ليست في شكل الفيلم ولكن في موضوعه. # لم يصف أستروك ثورة بقدر ما أشار إلى «التكوين» المتغير للأفلام المعروضة على ~~الشاشات الباريسية بعد عام 1945، حينما أتيحت فجأة أفلام «الأمل»، و«قواعد اللعبة»، ~~و«المواطن كين»، وانضم إليها فيلم بريسون «سيدات غابة بولونيا» («لي دام دي بوا دي ~~بولوني»، 1945)، وفيلم جون كوكتو «الجميلة والوحش» («بيوتي آند ذا ~~بيست»، «لا بيل إ لا بيت»، 1946). كانت هذه كلها ~~أفلاما روائية طويلة، بل حتى تجارية، لكنها كانت مكثفة ومبدئية، مقارنة بأول جيل من ~~الأفلام الناطقة. وكانت هذه الطليعة ألطف بوضوح من سلفها الجريء في عصر السينما ~~الصامتة، حينما شوه مان راي، وفرناند ليجر، ومارسيل دوشامب، وجون إيبستين، وجرمين ~~دولاك، ولويس بونويل، قواعد الشكل السينمائي أو دمروها، ليس فقط من أجل الشهرة، ولكن ~~من أجل «خمس دقائق من السينما الخالصة» (سانك مينوت دو سينما ms101 بور) على الأقل (وهو عنوان ~~فيلم من عام 1926). كان المخرجون الطليعيون في عصر السينما الناطقة أكثر تميزا ~~بالتأكيد من أسلافهم المبهرجين، ومع ذلك، كانت طموحاتهم تضاهي طموحات لحظتهم التاريخية ~~التي عرفت بالمقاومة والتحرير؛ حيث كانت الآمال المعقودة على السينما عظيمة بقدر آمال ~~إعادة البناء الاجتماعي والسياسي عقب الحرب. # يظهر البعدان المزدوجان لمصطلح الطليعة - الاجتماعي والجمالي - في بيان بازان ~~«دفاعا عن الطليعة» الذي أتى في مقدمة الكتالوج الفخم الذي أعد من أجل «مهرجان ~~الأفلام المنبوذة»، وهو مهرجان مضاد لمهرجان كان، أقيم في مدينة بياريتز الفرنسية في ~~صيف عام 1949. عرض هناك فيلم بريسون «سيدات غابة بولونيا» ضمن مجموعة من التحف ~~السينمائية التي أسيء فهمها؛ مثل: «لاتالانت» (فيجو، 1934)، و«صفر للسلوك» («زيرو دو ~~كوندوي»؛ فيجو، 1933)، و«آل أمبرسون الأجلاء» («ذا ~~ماجنيفيسنت أمبرسونز»؛ ويلز، 1941). رأس كوكتو رسميا هذا الحفل من المخرجين ~~الجريئين، وكان من بين أولئك الذين أتوا من باريس إلى هذا المنتجع الأطلنطي، مساعد ~~بازان الجديد، فرانسوا تروفو، ذو التسعة عشر عاما الذي قابل لأول مرة صديقي إريك ~~رومير الشابين مثله: جان-لوك جودار، وجاك ريفيت. وكان من شأنهم جميعا أن يبثوا ~~الحيوية والأفكار في نوادي السينما الحديثة في باريس؛ مثل نادي «أوبجيكتيف 48» الذي ~~نظم، قبل إقامة مهرجان بياريتز، عروضا أولى رائعة لأفلام مثل «بايسا»، حيث قدم ~~روسيليني إلى جمهور فرنسي مذهول. # وكما كان مهرجان بياريتز يهدف لمواجهة مناخ مهرجان كان التجاري، استهدف مهرجان كان ~~التصدي لصنوف الترفيه التي تنتجها هوليوود التي كانت تجتاح القارة الأوروبية. هذا ~~الكفاح الأوروبي من أجل سينما مهمة فنيا ومستقلة خيض تحت راية «المخرج الأصيل». أصبح ~~هذا المصطلح، الذي مثل إشكالية نقدية وقانونية منذ عشرينيات القرن العشرين، موضع تركيز ~~بعد الحرب، بسبب الدمار الذي حل ببنية الاستوديو في أوروبا، وتداعيات قضية نقل ملكية ~~استوديوهات باراماونت في هوليوود؛ حيث أصبح الكتاب والممثلون في حل من عقودهم، ~~بينما أصبح المنتجون مضطرين إلى التفاوض مع «العاملين الإبداعيين» على نحو فردي. ~~في فرنسا، وحتى قبل الحرب، كانت الإنتاجات الأكثر طموحا دائما ما تطرحها «فرق» مكونة ms102 ~~من كتاب سيناريو، ومخرجين، وممثلين رئيسيين، وأحيانا مصورين ومؤلفين موسيقيين. كان ~~هؤلاء «المؤلفون» الجمعيون يستأجرون الاستوديوهات بدلا من الإذعان لأوامر رؤساء شركات ~~الإنتاج. أما بعد انتهاء الحرب، ومع اتساع تصدعات النظام السينمائي، # 2 # توقعت المواهب الجديدة أن تسيطر على النظام، مدفوعين بنقاد صاعدين مثل ~~أستروك وبازان، اللذين عرفا، بتعمقهما في تاريخ السينما، أن الأفلام الطليعية ~~تميزت بأنها أعمال أصيلة فريدة، ليست محل تفاوض ولا تحتمل التفاوض؛ وهكذا بعثا ~~المصطلح مرة أخرى في عام 1948، لتعزيز تصور الفيلم الروائي الطويل بوصفه نتاج قوة ~~إبداعية فريدة. لذا، كانت فكرة الطليعة وسيلة لمساعدة المخرجين على خوض إنتاجات بالحجم ~~الكامل في زمن كانت فيه النظم الراسخة مهددة بوضوح. # هكذا تشارك أستروك وبازان في تجنيد مفهوم «الطليعة» - وهو مفهوم استراتيجي عسكري - ~~في حملة نصبت سينما أوروبية «حديثة» في مواجهة النظام «الكلاسيكي» الحصين. وجند على ~~الضد من إرادة أولئك الذين كان ينبغي لهم من الناحية الشرعية التحكم في مصيرها، وهم ~~ورثة ما يسمى الآن «الطليعة التاريخية» في العشرينيات. في باريس، وبالإضافة إلى ~~أستروك وبازان والمولعين بالسينما الجريئين في نادي «أوبجيكتيف 49»، كان يمكن سماع ~~البيانات التي تصدرها المجموعات الراديكالية الفعلية، وأشهرها حركة «الحروفيين» التي ~~قادها إيزودور إيزو وموريس لوميتر. لم يظهر هؤلاء لإحداث ثورة في صناعة الأفلام ~~الروائية الطويلة، ولكن لتدميرها تماما، ولإحلال تجارب فوضوية عفوية محلها. # هاجم إريك رومير «الحروفيين» بعنف عام 1952، معلنا أن تطبيقاتهم الخالية من ~~الموضوعات ليست سوى محاولات خائبة لإعادة إحياء أفكار المدرسة الدادائية المستفزة. لم ~~يتعمد هؤلاء إساءة فهم خصائص الوسيط السينمائي ووظائفه المحتملة وحسب، ولكن شهرتهم ~~تجلت من حيث الأساس في دوائر فنية خاصة. كره رومير من أعماقه سطو مؤسسات الفنون على ~~الوسيط السينمائي أكثر من كراهيته للضرر الجمالي الذي شعر أنها ارتكبته بحق السينما. ~~حينما بدأت الأعمال السيئة السمعة لدوشامب، ومان راي، وفايكينج إيجلنج، ودالي/بونويل، ~~تجد ملاذا لها في مؤسسة مثل متحف الفن الحديث، كانت هذه إشارة جلية بأن الطليعة ~~التاريخية أصبحت من الماضي، وصنفت بالفعل ضمن التراث الفني الذي يريد ms103 أولئك ~~الفوضويون بشدة الهروب منه أو تدميره. كان رومير يخشى أن تلك الطليعة يمكنها أن ~~تتسبب في اختطاف السينما من قبل طبقة فكرية ما، مثلما حدث مع الرسم ومع الأدب بقدر ~~أكبر. هذه الفنون الآن منفصلة عن المهمات والجماهير الطبيعية التي كانت ملكا لها منذ ~~وقت طويل في عصر كلاسيكي. # لكن رومير كان يشعر بأن سينما ما بعد الحرب ظلت تستمتع باللحظة الكلاسيكية، وأن ~~حيويتها مؤكدة بفعل حلقة الاستجابات الدائرة ما بين الجمهور والمنتجين، كما تتجلى في ~~شباك التذاكر، وفي المراجعات النقدية. # 3 # ربما أيد بازان سينما حديثة متمردة، لكنه، مثل كثيرين غيره، كان يحترم - ~~بل ويمتدح - المدرسة الكلاسيكية، وخصوصا تلك التي انبثقت من هوليوود، حيث كانت تبدو ~~الأكثر طبيعية. وعلل هذا بأن إنتاجات الاستوديوهات هناك لا بد أنها تقدم ما تجده ~~ثقافة جماهيرية جديرا بأن تتعرض له ويمثل تحديا لها، وأن تطوره بالتفصيل. بل ~~إن بازان مضى إلى أبعد من ذلك بمقارنة هوليوود بالتراجيديا الفرنسية الكلاسيكية التي ~~كانت متوافقة مع هموم الجمهور وحسه لدرجة تأليف المسرحيات الرائعة التي كتبها كثير ~~من المؤلفين، وليس كورني وراسين فقط. وبعد ستين عاما، كان من شأن كاتب عظيم مثل فولتير ~~أن يفشل في هذا الصنف، بسبب تطور الجمهور وتغير علاقته بالمسرح. # 4 # بطريقة مشابهة، كانت استوديوهات هوليوود في الثلاثينيات والأربعينيات من ~~القرن العشرين متزامنة بدقة مع حس جمهورها العريض، لدرجة أنه كان يصعب صنع فيلم غير ~~قابل للمشاهدة هناك. # كان يسمي السينما الكلاسيكية «عبقرية النظام»؛ إلا أنه أيد بكل قوته أولئك ~~الحداثيين الذين لم يكن ينبغي من وجهة نظرهم أن تنجو عقلانية الأسلوب الكلاسيكي ~~واحتشامه من مصيبة الحرب والدمار الذي حل بالكثير من الحضارة. وبينما لم يحط ~~بازان قط من قدر هوليوود، فقد أيد رينوار وويلز وبريسون وكوكتو وروسيليني؛ لأن ~~أفلامهم كانت متجاوزة للنظام السائد. ومن غير أن يكونوا شكلانيين، كان عليهم ~~الإتيان بأساليب جديدة ونماذج مختلفة قادرة على تمثيل أي مما كان يشغل بالهم بعمق. نما ~~جمهور جديد مهم في أوروبا، صغير ms104 في الحجم، لكنه متحمس ومتطلع إلى مثل هؤلاء ~~السينمائيين وموضوعاتهم غير التقليدية. وعززت نوادي السينما، ومسارح الفنون، ~~والمجلات، هذه العلاقة. كان جيل ما بعد الحرب الوجودي يستمع إلى موسيقى الجاز، ~~ويتناقش بشأن الأفلام الجادة. ولذا، وبينما وجدت هوليوود - التي كانت أقل تأثرا ~~بالحرب - أنه من الملائم الحفاظ على الاستمرارية والصلة بالثلاثينيات، فاتحة نوافذ ~~استوديوهاتها من حين إلى آخر لإلقاء نظرة على الخارج، فإن أوروبا (واليابان، فلا بد من ~~ذكرها) أفسحت المجال لشيء جديد تماما، وهو سينما حديثة تكافح لتمثيل شكوك مجتمع محطم ~~وتحدياته. وسواء أصورت داخل استوديوهات حقيقية أم لا (فيما عدا روسيليني، بقي ~~المخرجون المذكورون آنفا داخل أماكن مغلقة)، كان يعتقد أن الأفلام الحديثة يفترض ~~أن تتصدى للهموم المعاصرة ووعي ما بعد الحرب المنهك. # في كل شهر في مجلته التي كانت تسمى اسما ملائما وهو «الأزمنة الحديثة»، كان ~~سارتر يضغط على الفنانين والمفكرين بجد ليركزوا انتباههم على «المواقف» في العالم، ~~لا على خيالاتهم هم أو مشاعرهم. كان السرياليون يشعرون بلدغة قلمه، وكذلك الشكلانيون ~~من كل نوع، الذين اتهمهم بهجر التاريخ والمسئولية، وبالهروب إلى ملاذ النقاء الجمالي. ~~استخدم سارتر ببراعة خطاب اشتباك عنيفا. وفي محادثة مع سارتر في مقهى سان جيرمان، ~~حدث أن عرف أستروك «الطليعة الجديدة»، بعكس ما هو سائد، بأنها سينما ليست للشعر ~~المرئي ولكن للنثر المرن. ولأن السينما مرتبطة بالضرورة بالعالم بحكم تكنولوجيتها، فهي ~~تضمر حينما تعامل ذاتها على أنها نوع من الشعر. ينبغي أن يولد الشكل من الانشغال ~~بالموضوعات العصية، والمواقف التي تجاهد لإظهارها. كان ذلك هو الإحساس بالأمور في أوج ~~الواقعية الجديدة. # في عام 1953، حينما هدأ زخم الواقعية الجديدة، واندلعت حرب ساخنة في كوريا، وحرب ~~باردة في كل مكان آخر، أجرى تقرير لنخبة من المؤلفين بعنوان «سبع سنوات من السينما ~~الفرنسية» مسحا للمشهد السائد في باريس بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. يحدد الفصل ~~الأول منه بعنوان «عن الطليعة»، الذي كتبه المؤسس المشارك لدورية «كاييه»، جاك ~~دونيول-فالكروز، معالم المشهد بصراحة. يرفع فالكروز من شأن مجموعة من ms105 سينمائيي ذلك ~~الوقت إلى منزلة «الموجة الأولى» في فرنسا، وهي جيل طليعة العشرينيات ... لكن مع الفارق. ~~يؤكد أنه لا فائدة من استرجاع تلك الأيام، مشيرا إلى فشل مايا ديرين، والأخوين ويتني، ~~وغيرهم من الهواة الأمريكيين والفرنسيين الذين كانوا يستخدمون عدسات بقياس 16 مليمترا ~~لاستعادة أرضية فقدت بمجيء السينما الناطقة. مثل هذه التجارب المفارقة لزمنها، سرعان ~~ما تصبح شيئا من الماضي؛ أما التطورات الحقيقية فأحدثها منذ عام 1940 ويلز وهيوستن، ~~وبقدر أعظم، بريسون. ولأن السينما تخلت لحسن الحظ عن سعيها نحو «الخصوصية»، فقد ~~نضجت لدرجة أن الأساليب التي كانت تدرس فيما مضى بوصفها «متنافية مع ~~السينماتوغرافيا» قدمت إليها أكبر دفعة للأمام. ويخلص فالكروز إلى أن فيلم كوكتو الرائع ~~«أورفيوس» (1949) يبدو مقيدا - ومن ثم مؤثرا ~~ومقنعا - مقارنة بفيلمه الخيالي المنغمس في ذاته «دم شاعر» («ذا بلاد أوف آ بوت»، ~~«لو سون دان بويت»، 1930). # من خلال تبني مصطلح «الطليعة» واستئناسه، سبق فالكروز و«كاييه» حركات من قبيل ~~«الحروفيين» الذين هاجموا، بمحافظتهم على نقائهم الأيديولوجي، المؤسسة من وراء حدودها. ~~أما بازان فأراد، على عكس ذلك، أن يعمل ضمن حدود المزيج الثقافي، بالكتابة لصحيفة يومية ~~جماهيرية وهي «لو باريسيان ليبيريه»، وبالمثل لصحيفة النخبة الفكرية «إسبري»، مخاطبا ~~بذلك جمهورا متكاملا (وإن لم يكن عضويا). راقت لبازان حقيقة أن الأفلام الفنية ~~والكوميديات المحلية تعرض على الشاشات عبر الشوارع، من واحدة إلى الأخرى، وشعر بأن ~~أكثر الأفلام طموحا فنيا لا تجب الإشادة بها بسبب هروبها من الثقافة السائدة في ~~رحلات من الاستفزاز أو التجريد، ولكن بدلا من ذلك، ينبغي تسخير طاقتها وخيالها لرفع ~~الحقل السينمائي بالكامل إلى مستوى جديد. أسست «كاييه» لإبقاء السينما بالكامل في ~~الاعتبار، وفي الوقت نفسه من أجل التحديد والتكثيف لأكثر الاتجاهات أملا وتنبؤا. لذا ~~فقد سمى بازان روسيليني وبريسون وأنييس فاردا، وقليلين غيرهم «طليعة» لدفعهم زملاءهم ~~- المخرجين الملتزمين بمعايير السينما السائدة - لتوسيع قاعدة جمهورهم؛ في الوقت ~~نفسه أسقط من اعتباره الأفلام التجريبية التي كانت موجهة إلى قلة معينة أو إلى جمهور ~~المتاحف. لم تمر سنوات ms106 طويلة، في ذروة «الموجة الجديدة»، حتى تجاهل محررو «كاييه» - ~~الذين كانوا عازمين على الحفاظ على سمعتهم بوصفهم متمردين مشاكسين ضد نظام عفا عليه ~~الزمن - بالكامل الأعمال الطلائعية الأصيلة التي استخدمها جي ديبور لتطويقهم بها على ~~اليسار. # 5 # كانت معركة «كاييه» مع الفيلم الفرنسي الكلاسيكي الذي تحجر داخل «تقليد ~~الجودة»؛ ولذلك، ارتدوا بلا حق رداء الطليعة، فقط لتزيين الحداثة التي كانوا ~~يؤيدونها في الأساس. # الواقع أن «كاييه» لم تول قط انتباها كبيرا للطليعة الأصيلة، سواء طليعة ~~العشرينيات الأوروبية أو تلك التي نتجت من انبعاثها في فترة ما بعد الحرب العالمية في ~~نيويورك. عنوان كتاب بازان «ما هي السينما؟» عنوان رمزي، لا يتجنب فقط الأفلام ~~التجريبية ولكنه يرد عنوانا بعنوان، كما لو كان توبيخا، على كتاب جورج ألتمان «هذه ~~هي السينما»، # 6 # وهي الجملة التي كان من شأن عشاق السينما من ذلك العصر المبكر أن ~~يرددوها كلما أثار شيء ما على الشاشة نظرهم أو خيالهم. أيد المولعون بالسينما ~~الأوائل هؤلاء، طليعة ما بسبب شعورهم بأن السينما الصامتة، على الرغم من كونها «فنا ~~تكنولوجيا بالكامل»، كانت متأخرة عن أشقائها الأقدم، وخصوصا الرسم. بكتابته للجيل ~~الذي سيأتي بعده، أسقط بازان من حساباته عقدة الدونية هذه، مقتنعا بأن السينما، بوصفها ~~فنا تكنولوجيا - بل بوصفها وسيطا تكنولوجيا (وليذهب الفن إلى الجحيم) - جعلت كل ~~شيء يظهر على الشاشة قابلا لأن يكون مبهرا. كان من شأن السينما أن تتقدم مستغلة ~~الموضوع الذي تجرأت على تناوله. # كان من شأن «الطليعة الجديدة» أن تصير في النهاية «الموجة الجديدة»، لكن هذا أتى بعد ~~عقد تقريبا. في الوقت نفسه، فترت حماسة ما بعد الحرب، وامتدت المعارك الثقافية ~~لعصر الحرب الباردة إلى حقل نقد الأفلام. نجت الواقعية الجديدة بالكاد في أربعينيات ~~القرن العشرين، وفي فرنسا تجمدت المؤسسة السينمائية في «نظام للجودة» نجح بفاعلية في ~~إقصاء الموضوعات الجديدة والمواهب الجديدة عن الشاشة. على الرغم من كل هذا، وفي الوقت ~~نفسه، كان تيار عميق يشق طريقه في التصدعات. وتأكد بازان من تمييز سينما جادة وواعية ms107 ~~ومستقلة وقت ظهورها على السطح. في مراجعة حماسية لأول أفلام فاردا (الذي صنع في عام ~~1954)، أوضح بدقة ما ينبغي أن تعنيه الطليعة في هذه المرحلة من التاريخ: # يوضح فيلم «لا بوانت كورت» جيدا فكرة الطليعة التي كنا نتطلع إلى ~~تعريفها في أيام نادي «أوبجيكتيف 49». بعيدا عن التجريب الشكلي وإنكار الموضوع ~~اللذين ميزا طليعة منتصف العشرينيات، تربط فاردا عملها باليوميات الحميمة، ~~أو بما هو حتى أفضل، وهو سرد المتكلم الذي يفضل أن يظهر بضمير الغائب ~~تحفظا. دعونا نأمل أن هذا التصنيف «الطليعة» لا يعني أن فيلمها سيكون أقل ~~رواجا تجاريا من الأفلام الأخرى؛ لأننا لا نسميه طلائعيا بسبب غرابته أو ~~تعقيده، ولكن لإفراطه في البساطة، تماما مثل فيلم «رحلة إلى إيطاليا» الذي ~~يستحق أن يقارن به، وخصوصا من حيث الموضوع وليس تصميم المشهد. # 7 # وكما كان يفعل في الأغلب، استعان بازان بالمعين الذي لا ينضب لقيمة ~~سينمائية محددة، ثم وسع من حدسه حتى وصل إلى تيار جمالي خفي يغذي الحقل السينمائي. ~~دون أي دعاية، شرع كل من «لا بوانت كورت » و«رحلة إلى إيطاليا» في رحلتين متوازيتين ~~غير متوقعتين عام 1954 ساحبين السينما (والمشاهدين الجريئين) من ورائهما تجاه لقاء ~~مع مستقبل الفن. يتضمن كل فيلم رحلة حقيقية يقوم بها زوجان لطيفان، لكنهما غير ~~سعيدين، في قلب مجتمع تقليدي على البحر المتوسط (اختارت فاردا بلدة سيت التي تشتهر ~~بصيد الأسماك، واختار روسيليني نابولي). ورغم أن هذا غير مفهوم تقريبا للأبطال وغريب ~~تماما عن المشاهد، فإن هذه الجماعات الاجتماعية تمتلك زمانا (يعيشون بسرعة) على الضد ~~من حس السائحين، ومنهم السينما وجمهورها. يصبح الاحتكاك الناتج من التقاء أسلوبي حياة ~~مضجرا، ثم يزيد من حرارة الدراما لدرجة الالتهاب؛ حيث يحيط «طول أمد» الثقافات ~~المتكاملة (العمل وتناول الطعام، والمواليد والوفيات، والطقوس والمهرجانات) بالأزمات ~~التافهة للحياة الحديثة للطبقة المتوسطة، ويتجاوزها، وهي الأزمات المعبر عنها ~~بالملل الذي يأكل الالتزام بالعلاقة الزوجية. # 8 # باستخدام «الحداثي» و«التقليدي» ليوضح بعضهما بعضا، يقترب روسيليني ~~وفاردا من الإثنوغرافية المزدوجة التي كان جون روش بدأ ms108 يعتنقها آنذاك. تدفع ~~«الوثائقيات التشاركية» التي أنتجها روش ثقافتين معا من أجل إضاءة الجوانب الخفية لكل ~~ثقافة، والقيام بهذا دون السماح لأي منهما بالسيطرة على الأخرى. # 9 # استمتع بازان الذي كان يتتبع دوما مشروعات روش منذ مهرجان بياريتز ~~بمثل هذه الاستكشافات حيث كان على السينما أن تكابد موضوعا عصيا لدرجة تجعله خارج ~~نطاق صناعة الأفلام التقليدية. # 10 # يبدو الآن الترتيب الزمني واضحا، وكان واضحا لبازان في ذلك الوقت: بين عامي 1939 ~~و1941، أعلن مخرجان بطوليان (رينوار، وويلز ابن الخامسة والعشرين) قطيعة عما هو ~~«كلاسيكي» على نطاق واسع؛ وفي عام 1954 وضع مخرجان آخران (روسيليني، وفاردا ذات الخمسة ~~والعشرين ربيعا) معيارا جديدا لما هو «حداثي» في الموضوع، وفي نمط الإنتاج، وفي ~~مخاطبة جمهور ناضج. كتب ريفيت في «كاييه» إن فيلم «رحلة إلى إيطاليا» «يشق صدعا، ~~ويجب على كل السينما المحتضرة أن تجتازه.» # 11 # كانت تحدث هذا الانتقال إلى الحديث الواقعية الجديدة (في إيطاليا ~~بالأساس) والأفلام الوثائقية القصيرة (في فرنسا بالأساس) التي اتخذت موضوعا لها تجريد ~~حياة ما بعد الحرب من الإنسانية، وفعلت هذا بكاميرا-قلم مطاوعة ، يستخدمها فقط من يمكن ~~أن نسميهم «مخرجين أصلاء». لتلخيص رؤية بازان، لم تصبح السينما حديثة لأنها بلغت ~~مرحلة جديدة على مخطط بياني شكلي للنمو، ولكن لأنها أدركت أنه كان بإمكانها هجر كل ~~السيناريوهات التي وضعها لها كتاب السيناريو في الاستوديوهات الكبرى، ووجب عليها ~~ذلك، حتى تواجه تعقيدات عالم خارج جدران السينما. كان يجب على السينما حرفيا أن ~~تتغلب على نفسها لتصبح ذاتها، كان يجب عليها هجر خصوصيتها المزعومة من أجل الوصول ~~إلى ما يكمن وراءها في رواسب التاريخ (روسيليني)، أو الثقافة (رينيه) أو الحياة ~~الداخلية (بريسون). # يجب تسمية نظرة بازان إلى الفنون والثقافة بأنها تطورية، لا بأنها ثورية. تمكن بازان، ~~بمعاملة صنوف الفن وأشكاله كلها كما يعامل علماء الأحياء الأنواع ذات الصلة، من ~~تصنيف السرعات والكثافات المختلفة للمجموعات اللانهائية من الأفلام التي كان مصمما ~~على حفظها من النسيان. أتاح كتاب مارلو «سيكولوجية الفن» (نشر بين عامي ms109 1947 و1951) ~~لبازان إطار العمل اللازم. تتغير الظواهر الثقافية طبقا لأنماط النمو الداخلية، ~~ويعاد تشكيلها في الوقت نفسه عبر الضغوط البيئية، فضلا عن التمازج بينها. ويستطيع ~~المرء بسهولة أن يدرك تأثير مالرو على مقالات مثل «تطور أفلام الغرب» و«تطور ~~السينما الفرنسية» والأشهر بينها «تطور لغة السينما». تعتمد هذه المقالات جميعا على ~~صيغة من فرضية أن كل ثقافة وكل نوع من الفنون يمر بمراحل، من البدائية إلى الكلاسيكية ~~إلى التكلف، إلى التفسخ. كانت «السينما الحديثة» التي شعر بازان بنشوئها من حوله ~~مرحلة يفترض أن تتطور بقوة لفترة ما قبل أن تتحول حتما إلى التكلف في وقت ~~لاحق. وكما يوحي اسمها، فإن الحديث يستجيب للتاريخ مخضعا التطور المستقل للشكل الفني ~~للهموم الراهنة. تحافظ السينما أكثر مما تفعل الفنون الأخرى، على الإمساك باللحظة ~~التاريخية دائما؛ لأن تكنولوجيتها تسجل ما أمامها، ولأن هذه التكنولوجيا ترقى ~~(تحدث) باستمرار لتسمح بتمثيلات مواكبة للزمن. ولذا فإن السينما تتطور بالتأكيد، ~~ولكن على نحو وثيق الصلة بالموضوع المتغير. # من الموقع المشرف لعصرنا الحالي المتفسخ، يميز أنطوان دو باك (وهو نفسه أحد ~~نقاد مجلة «كاييه » الذي تربى على أعمال بازان) حداثات عدة كانت فاعلة في زمن بازان، ~~وخصوصا بعد موته مباشرة. # 12 # عكفت على تحديد المرحلة الأولى فقط، حينما تتبع النقاد بعيدو النظر ~~صناع الأفلام المغامرين الذين قدموا موضوعات غير مطروقة من خلال أشكال وأساليب ~~خلاقة. حين قدمت هذه الأفلام في معهد «السينماتيك» الفرنسي، وفي نوادي السينما ~~ومسارح الفنون في خمسينيات القرن العشرين، حيث قدمت هذه الأفلام، عرضت مجموعة ~~منتقاة من أعمال أقدم على نحو دوري؛ لتوفر أساسا متينا للأعمال الحداثية. ~~امتدح مورناو، ولانج، وفورد، وآيزنشتاين، وهوكس لتحويلهم العالم إلى شيء ساحر، شيء ~~كان بالإمكان اختبار فاعليته في تجربة المشاهدة الجماعية في دار العرض. كان رومير هو ~~صانع الذائقة الرئيسي في «كاييه» خلال خمسينيات القرن العشرين، ناشرا سينما الكشف أكثر ~~من سينما النقد. على الرغم من ذلك، بعد رحيل بازان، صار هذا الولع بالسينما يستعد ~~لمهمة حداثية بطريقة أكثر ملاءمة ms110 حددها فيلما «هيروشيما حبي» و«العام الماضي في ~~مارينباد». تحدى تجريب رينيه الشكلي (شبه الطليعي) الجماهير، مثلما فعل جون دوبوفيه ~~وروثكو في الرسم، أو بارتوك وبوليه في الموسيقى. كانت الصعوبة والرفض هما مقياس تقدم ~~الفن في ستينيات القرن العشرين. يصور دو باك صراعا في قلب «كاييه دو سينما» خلال ~~هذا العقد، مركزا على عام 1963. على جانب، وقف رومير وتروفو اللذان كانت السينما ~~برأيهما تسمح للعالم بأن يفاجئنا. وعلى الجانب الآخر، كانت حداثة جودار وكذلك ريفيت ~~على وجه الخصوص، اللذين أكدا أهمية النقد الثقافي والسياسي. تولى ريفيت رئاسة تحرير ~~المجلة من رومير، مبديا انتقالا نحو بريخت ورولان بارت، ولم يمر وقت طويل حتى حدث ~~انتقال إلى المذهبين السيميائي والبنيوي. لكن «كاييه»، خلال تلك الفترة وفيما بعدها، ~~التي شهدت انتقالات أكثر جذرية، احتفظت بهوسها بالأسلوب، وبفكرة ~~«الكاميرا-القلم». # تثير التصورات التطورية للسينما (والفن والثقافة كذلك) أسئلة حول العلاقات العائمة ~~بين مصطلحات مثل كلاسيكي وحداثي وطلائعي. # 13 # تظهر علامة الاستفهام في آخر عنوان كتاب بازان «ما هي السينما؟» من جديد ~~لتؤكد عنوان كتاب دومينيك بايني الصادر عام 1995 «السينما، فن حديث ؟» وعنوان كتاب جاك ~~أومو الصادر عام 2007 «حديث؟» ربما كانت السينما دائما مرتبطة بما هو حديث، لكن ~~الحداثة بحكم تعريفها تستمر في التغير، على نحو يخل بهذه العلاقة. يعترف هذان ~~الكتابان الحديثان بحقيقة تسمية السينما المستمرة لنفسها بأنها الفن الحديث بامتياز، ~~لكن بينما يتجشمان عناء التحديد والتأريخ لنسخ عدة من «السينما الحديثة»، فإنهما ~~يدركان أن لحظة ما بعد الحرب كانت لحظة مميزة. شعرت السينما في تلك الفترة - إن كان ~~هذا حدث في أي وقت - أنها كانت كفئا لمهمة تمثيل ما كان في الواقع هو المشهد ~~الأوروبي الاجتماعي والاقتصادي السريع التحول. جعلت المعتقدات الجديدة، والأعراف ~~الجديدة، والتكنولوجيات الجديدة، وسرعة التبادل المرفوعة - السينما أكثر الفنون ~~عصرية وأهمية من الناحية الثقافية. لكن هذا نادرا ما يعني أنها كانت تقف دائما ~~بمفردها؛ فكما رأينا، آمن بازان بأهميتها وقدرتها على أن تكون مرتبطة ارتباطا ~~تعايشيا مع الثقافة التي تشتبك ms111 معها، وهي ثقافة متاحة على نحو أشد تعقيدا من خلال ~~الفنون الأخرى، خاصة الرسم والأدب. # نشوء السينما # الواقع أن هناك بازانين: بازان مؤلف مقال «أنطولوجيا الصورة الفوتوغرافية» الذي أسس ~~تاريخا لواقعية السينما - من زمن ستروهايم، ومرورا برينوار، إلى الواقعية الجديدة - ~~وبازان مؤلف مقال «من أجل سينما مشوبة» الذي يدعم سينما حداثية. يعد الأول محليا ~~كما لو كان بازان مدافعا عن نمط سياسة معين. اختلفت أنيت ميشيلسون في مراجعتها ~~الفطنة، وإن كانت سلبية، لكتاب «ما هي السينما؟» مع ميله للأسلوب الواقعي؛ لأنها هي ~~نفسها دافعت عن تقليد راسخ في المدرسة السوفييتية وفي الطليعة التاريخية. كتبت ميشيلسون ~~إن بازان ربما ناصر سينما حديثة، لكن جمالياته كانت مضادة للحداثة. # 14 # حيثما امتدح روسيليني بالربط بينه وبين الروية الأمريكية (فوكنر، ودوس ~~باسوس)، فضلت ميشيلسون آيزنشتاين، واستطاعت الربط بينه وبين كاتب أكثر جذرية، وهو ~~جيمس جويس! ربما دعم بازان «طليعة جديدة»، لكنه فشل، كما رأينا، في تقدير «الطليعة ~~التاريخية» (البنائية) أو الاعتراف بالطليعة الحقيقية لعصر ما بعد الحرب (وعلى رأسها ~~ستان براكيج). تتساءل ميشيلسون ماذا كان بازان سيقول عن أفلام جودار التي لم يتمكن من ~~مشاهدتها؟ كانت ميشيلسون أول كاتبة بالإنجليزية تنتقد بازان. بعد مرور عشرين عاما على ~~نقد ميشيلسون لبازان، أثار نويل كارول المسألة نفسها بمزيد من العمومية: إذا كان جوهر ~~السينما ينبع من الواقعية المتأصلة في تكوينها الفوتوغرافي، فلا بد أن بازان يصنف ~~الأفلام طبقا لدرجة من الواقع تحط من شأن قطاعات إنتاج كاملة، بل ~~ويستبعدها. # 15 # لكن أي شخص يقرأ بتعمق في مقالاته التي تعد بالمئات سيجد بدلا من هذا ~~ال «بازان الجوهراني» ناقدا أكثر توافقا مع التاريخ، ظهرت بالتدريج قيمه الأكثر ~~تعقيدا وتنوعا، مع امتداد رؤيته فيما وراء الواقعية الجديدة. هذا البازان الثاني آمن ~~بأن «وجود السينما يسبق جوهرها»؛ شاهد تضحية الوسيط السينمائي بتصوره الذاتي النقي في ~~مواجهاته المتنوعة، واحتفى بذلك. ولعلنا نقول إن بازان في بداياته، بازان الذي صاغ ~~مقال «أنطولوجيا الصورة الفوتوغرافية» عام 1945، كان يهتم بقدر أكبر بالدال. أما ms112 ~~بازان فيما بعد، الذي عزز رؤاه في مقال «من أجل سينما مشوبة» عام 1952، فكان يهتم بقدر ~~أكبر بالمدلول. اسمحوا لي أن أسمي المقال الأخير «مقال النشوء»، حتى نضع هذين ~~البازانين في إطار واحد؛ مثل بعض لوحات بيكاسو التي تعرض لك صورة فنية لوجه بمقدمته ~~وجانبه في آن واحد. # في الحقيقة، ينتهي مقال «أنطولوجيا الصورة» بملحوظة شهيرة تشير إلى المرحلة الثانية ~~من تطور بازان: هذه الجملة المفردة «السينما أيضا لغة» تقلب المزاعم الضخمة بشأن ~~التصوير الخام، الذي ربما يكون ضروريا للسينما، لكنه غير كاف لتفسير الظاهرة الكاملة ~~التي يهتم بها بازان. اليوم، ربما كان بازان سيقول إن التصوير يسهم إسهاما جوهريا ~~في الحمض النووي للسينما. لكن ماذا عن نمو السينما الاجتماعي، وهويتها التاريخية، ~~أثناء تكيفها مع الأدوار التي يطلب منها أن تقوم بها؟ ربما يعتمد كتاب «ما هي ~~السينما؟» على القوة النفسية الأولية للواقعية التصويرية، لكن «القيمة» الفعلية للسينما ~~مشكلة تاريخيا؛ لأن حقيقة أن «السينما أيضا لغة» تعني أنها تتطور داخل نطاق من ~~الخطاب الثقافي. # ما الذي كان يشغل بال بازان حينما أنهى أشهر مقالاته بهذه الفقرة القصيرة؟ الواقع أن ~~هذه الجملة لا تظهر في المقال الأصلي الذي نشر عام 1945، لكنها أضيفت لاحقا ضمن كثير ~~من التعديلات التي أدخلها حين كان يجمع نصوصه في عام 1958. بقراءة هذه الجملة في سياق ~~كتابه «ما هي السينما؟»، فإنها تفعل ما هو أكثر من جذب الخيط الذي يكشف مقولة معقدة في ~~مقال واحد، وتغير العدسات بدلا من ذلك، متسببة في إبعاد هدف النقاش، وهو السينما ~~التصويرية، ليرى ببعد آخر. ورغم أن مقال «الأنطولوجيا» يبقى مقالا أساسيا، فهو لا ~~يعمل في عام 1958 عمل إشارة البدء في مسيرة ناشئة، ولكنه «حجر الزاوية» (كما سماه ~~رومير) الداعم لأكثر من خمسين قطعة جمعها بازان في بناء ضخم من أربعة مجلدات في نهاية ~~مسيرته المهنية. عاش بازان ليرى فقط مسودة المجلد الأول الذي وضع له عنوانا فرعيا ~~هو «الأنطولوجيا واللغة». لذا فإن الجملة الأخيرة المثيرة للاهتمام التي تقحم «اللغة» ms113 ~~على نحو غير ذي صلة في نقاش «الأنطولوجيا» تبدو قرارا حصيفا من بازان - المحرر - لصنع ~~استمرارية منطقية في مجلد يحتوي على ثلاثة فصول مختلفة تماما. # الآن، دعونا ننتقل للإصدار الثاني من «ما هي السينما؟» الذي أعده بازان لكنه لم ~~يره. هذا الإصدار المعنون «السينما والفنون الأخرى» الذي يفتتح بجملة «من أجل سينما ~~مشوبة»، يعتبر أكثر معالجاته دقة للتواؤم الأدبي. هنا لا تدرس السينما بالنظر إلى ~~الداخل لتكوينها الخلوي، ولكن بالنظر إلى الخارج لمكانها بالنسبة إلى الفنون الأخرى ~~المحيطة بها. هل يجب أن تتخذ موقعها في منطقة خالية لم يحتلها أي نوع من الفنون ~~قبلها، أم يجب عليها أن تتواطأ معها في منطقة ثقافية شائكة؟ # لم يشعر بازان بأي تضاد في هذين الاتجاهين لتفكيره. مثل أي شكل حي، يجب على السينما ~~التكيف مع الظروف المحيطة بها، مضحية بهويتها الذاتية المفترضة (أي وجودها) وهي ~~تنضج بالشكل الذي تتخذه عبر التاريخ (أي تواؤمها). خلال هذا، تكتسب السينما انتماءات ~~ووظائف، كما يفعل البشر تماما. ربما يمتلك صبي في السادسة عشرة ميولا معينة وشخصية ~~فطرية، لكن بعد العمل على سفينة لعشرين عاما، على سبيل المثال ، أو في الجيش، أو ~~نحاتا، وبعد تجربته للزواج وانخراطه في الدين والسياسة، ماذا سنقول عنه؟ ربما لم ~~يفقد شخصيته التشكيلية والأصلية، لكنه نضج من خلال التواؤم. في أفضل الأحوال، وباستخدام ~~جملة لستيفان مالارميه كان بازان يحبها، فإن الوظائف والانتماءات إنما تغير السينما من ~~داخلها: «إن الأشياء تتغير لما يفترض أن تكون عليه فقط بعد أن تصبح ما هي ~~عليه.» # كان برفقة بازان في مجلة «إسبري» بول ريكور الذي قال: «إن الفلسفة بسيطة للغاية ~~حقا. فهناك مشكلتان فقط: الفرد والمتعدد، والشيء نفسه والآخر.» # 16 # كلتا المشكلتين تظهران في مسألة المواءمة. يعتمد ما «يكونه» الفرد على ~~الآخرين الذين يتعامل معهم؛ لأن الرهانات والوعود التي يراكمها المرء تحفظ هويته حتى ~~حينما يبدو أن كل شيء يتطور في حياته. وهكذا أيضا «ما تكونه السينما» يتغير خلال ~~مسيرتها. ربما كانت الواقعية مهمة لتطور الحداثة السينمائية ms114 بعد الحرب مباشرة، لكن عقد ~~الخمسينيات جلب اهتمامات أخرى، اهتمامات ثقافية مرتبطة بفنون أخرى في مراحلها الحداثية ~~المثلى. في هذا السياق، نظر بازان لتنوع الوسيط السينمائي و«لا نقائه» ومدحهما. مهد ~~بازان المشهد لحدوث التضاد بين مقالي «الأنطولوجيا» و«النشوء» حينما سبق أن خطط عام ~~1958 ليجعلهما في مستهل الجزأين الأول والثاني، على التوالي، من أعماله المجمعة. ~~احتل هذان المقالان موقعا رئيسيا ضمن أعماله، حيث كان كلاهما قد تبلور منذ أكثر من ~~عام، وظهر في مؤلفات جماعية نخبوية موجهة للقراء ذوي التأهيل العلمي العالي. # انتقلت اهتمامات بازان من الواقعية إلى التواؤم، ومن الوجود إلى التاريخ في لحظة ~~يمكننا تحديدها. يمكن تتبع نقطة تحول بازان إلى عام 1948، بفحص مقالاته التي نشرت ~~في مجلة «إسبري»، وهي الكيان الكاثوليكي اليساري الذي شعر فيه بازان بالألفة إلى أبعد ~~حد. في يناير من ذلك العام، ظهر مقال «الواقعية السينماتوغرافية ومدرسة التحرر ~~الإيطالية»، بينما ظهر في شهر يوليو مقال «الاقتباس أو السينما بوصفها خلاصة». صحيح أن ~~مقال الواقعية الجديدة يحوي قسما يتحدث عن جماليات الرواية الأمريكية المعاصرة، وهو ~~شيء تعلمه بازان من الأديبة الفرنسية كلود-إدموند مانييه، زميلته في «إسبري»، # 17 # لكن «السينما بوصفها خلاصة» هو بحث أكثر منهجية عن مكان السينما بين الفنون ~~الأخرى، يفتح لبازان نهجا اجتماعيا في البحث. بكتابة المقال بجمل اصطلاحية تليق ~~بدراسات الثقافة الأولية، فإنه يحتفي بالصنعة أكثر من الأصالة، كما فعل وولتر بنيامين ~~في مقال «الراوي». يقول بازان إن الراديو والسينما يعيداننا إلى التكاثر الصحي ~~للخرافات، والأساطير، والحكايات الخصبة كما كان عليه الحال في العصور الوسطى. أي سرد ~~هو بناء عقلي غير مادي يتكون من شخصيات في مواقف؛ وبينما قد نبجل المؤلف الذي منح ~~جسدا ماديا لهذا البناء، لهذه الروح، للمرة الأولى أو بأحذق طريقة؛ فإن نشره (في ~~لغات أخرى، ووسائط أخرى، أو حتى اختصاره إلى مجرد خلاصة) يسمح له بامتداد ثقافي ~~كامل. # اتجه بازان نحو مسائل الاقتباس خلال وقت كان يمر فيه بأزمة شخصية. في عام 1949، ~~انخرط بازان، ككل الأوروبيين الغربيين، في ms115 نقاشات مرهقة عن ستالين ومشروع مارشال. ~~وكان ذلك العام كذلك هو العام الذي دخل فيه المستشفى بسبب إصابته بالسل، ثم انتقل إلى ~~مصحة خارج باريس، واستقر أخيرا في بيت في الضواحي يمكنه فيه انتقاء نشاطاته. ~~وبعد تحرره من التزامه بكتابة مراجعات يومية في عام 1950، وتحرره من التوترات ~~السياسية التي زادت حدتها بعد التدخل العسكري في كوريا، انخفض كثيرا عدد ~~المقالات التي كان يكتبها، ووجد الفراغ لتجميع أفكاره المبعثرة عن صلة السينما ~~بالفنون الأخرى. وفي ضوء ارتياده دور العرض السينمائي بصورة أقل، فقد مال إلى مشاهدة ~~كل الأعمال السينمائية المقتبسة الشهيرة، بينما قلت مشاهدته للوثائقيات والأفلام ~~الروائية الطويلة الأجنبية التي سبق أن غذت أفكاره عن الواقعية. ربما بسبب هذه ~~الحمية السينمائية، وبسبب نقاشاته مع رفاقه الأكثر تحفظا خلال تأسيس مجلتي «كاييه ~~دو سينما» (عام 1951)، و«الراديو - السينما - التليفزيون» (عام 1950)، تأمل بازان في ~~الجماليات بقدر تأمله في الموضوعات الاجتماعية التي تثيرها المواءمة. هنا تحل كلمة ~~«الأمانة» محل «الخلاصة» بوصفها الكلمة المختلف عليها. # أرسل بازان من مسكنه البعيد، تحليله المفصل والدقيق لفيلم بريسون «يوميات قس في ~~الأرياف» لينشر في العدد الثالث من «كاييه دو سينما». نشر للجمهور بالتزامن مع صدور ~~مقال «المسرح والسينما: الجزء الأول» في مجلة «إسبري». كان كلا جزئي المقال الأخير ~~منشورين في أعداد تتضمن مقالات كتبها ريكور، وكذلك عبارات رئيسية بقلم رئيس تحرير ~~«إسبري» الجديد، ألبير بيجوين. # 18 # لا بد أن بازان أعد مقال «المسرح والسينما» بدقة شديدة، موجها إياه ~~لجمهور متعلم، كرس وقته للفنون الجادة. وفي العام التالي، استهدف مقال «من أجل ~~سينما مشوبة»، الموجه كذلك إلى النخبة، أن يوضح للمرة الأخيرة وعلى نحو حاسم، أن ~~السينما هي الوريث للإرث والوظيفة الأدبيين. # لم يكن بازان يدري أن معضلة «لا نقاء» السينما الأساسية قد نوقشت في اليابان على نحو ~~مفيد. هناك، قبل عام 1920 وبعده مباشرة، كان هناك شيء يسمى صراحة «حركة الأفلام ~~النقية»، وكانت تهدف للانقلاب على النموذج المسرحي الذي يسخف من السينما الذي كان ~~يتبعه المنتجون في اليابان من ms116 البداية. كانت كلمة «نقية» تعني «سينمائية»: الفيلم ~~السينمائي الخالص يتكشف للجمهور دون تعليق صوتي مصاحب من قبل «بنشي» (معلق على ~~فيلم صامت)، وبلا فواصل معنونة؛ حيث يجب تصوير الصور ووضعها في تتابع بطريقة تطور ~~القصص وتولد المشاعر بذاتها. ومما يثير الاندهاش، أن هذه الحركة كان يدفعها ~~الروائيون، ومما يثير الاندهاش بالقدر نفسه، بل التناقض، أن هؤلاء المتعلمين سعوا ~~لوضع السينما اليابانية على الخريطة بتقليد النماذج الغربية. لذا فإن مستقبل السينما ~~اليابانية كان يراد له أن يكون نقيا، ويابانيا على نحو نقي، ولكن فقط بمجهود ~~الروائيين والأفكار الأوروبية. # بعد فناء تلك الحركة، كما يبدو، أنجزت أفكارها على نحو كبير في «فيلم نقي» شهير عام ~~1926 باسم «صفحة من الجنون» («إ بيدج أوف مادنس») وهو تجميع لصور ذهنية تتوالى بلا ~~تفسير. # 19 # على نحو عرضي، هذه «الصفحة» كتبها أحد أفضل كتاب النثر في القرن ~~العشرين، أحرز جائزة نوبل لاحقا، وهو ياسوناري كاواباتا. هل أدرك أي شخص المفارقة ~~التي تدين بها شخصية الفيلم السينمائي على نحو خالص لكاتب شهير ولصفحات من سيناريو ~~عرضت على الشاشة؟ هذا بالضبط هو نوع الديناميات التي عرف بازان بعد ذلك بخمسة وعشرين ~~عاما كيف يسجلها ويبدأ بقياسها؛ وكان من شأنه أن يمتدح كذلك استعداد السينما (التي ~~كانت لا تزال ناشئة) لأن ترث وظيفة «الرواية»، بما قد يسمح للأدب باتخاذ أنماط ومهمات ~~أخرى. الواقع أنه كان يعتقد أنه ليس هناك سبب لإنكار فضل ثقافة تختلط فيها معظم الأعمال ~~ومعظم الوسائط بقدر كبير. # والواقع أن «صفحة من الجنون» الذي ظهر قبل فيلم «مغني الجاز» («ذا جاز سينجر»؛ ~~كروسلاند، 1927) بعام واحد، أوضح أنه يمكن للسينما المضي في المستقبل بصحبة الصوت ~~واللغة خاصة، على نحو ما. رأينا أن روجيه لينارت كان أول ناقد سينمائي يشير إلى ~~فعالية الشكل الهجين عندما جرؤ على تدنيس نقاء «الصور الشفافة» الثمين لصالح الكتل ~~الصلبة من الصوت والصورة التي كان سعيدا بتسميتها «لقطات» عن طيب خاطر. ومن هنا خرج ~~للنور نمط الفكر الذي أدى لظهور بازان و«كاييه ms117 دو سينما». اجتذب لينارت إعجاب إريك ~~رومير وتلامذته الشباب خصوصا: «لقد وصلنا تقريبا إلى النقطة التي نتخذ فيها شعارا ~~لنا تفضيل ... روجيه لينارت ... للأفلام التي يمكن للمرء أن يقول عنها: «هذه ليست ~~سينما.»» # 20 # دعم كلا الرجلين السينما بوصفها فن الواقع، الموضوع في اتجاه مضاد لما ~~يسمى «الفنون الجميلة». وكما ستوضحه بجلاء مسيرة رومير لاحقا، فما من شيء يمكن ~~أن يكون شيء أكثر سينمائية من البشر الذين يتحدث بعضهم إلى بعض في لقطة سينمائية ~~مقربة. نادرا ما يضيف رومير موسيقى، أو مؤثرات صوتية، أو زينة تصويرية لأفلامه. ~~ينبثق الجمال - وهذا ما كان رومير ينشده بصراحة - من الناس والأشياء كما يصورون ~~ويشاهدون، وليس من البناء الفني للصورة. في يونيو 1949، كتب في صحيفة «كومبا»: # دعوا أولئك الذين ما زالوا ينعون خسارة نقاء [سينمائي] متخيل يفعلون ما ~~يشاءون بهذا السر: بتجريدها من أكثر القوى الاعتيادية للتعبير، وهي اللغة، فإن ~~الشخصيات في الأفلام الصامتة أجادت صنع طريقة مثالية لإدخالنا في قلوبهم. أصبح ~~كل شيء علامة أو رمزا. وبشعور المشاهد بالإطراء بامتداحهم لذكائه، عمل ~~المشاهد على أن يفهم ونسي أن يرى. أما الآن، فينبغي على الشاشة، وقد تحررت ~~من هذه المهمة الدخيلة منذ ابتكار السينما الناطقة، الرجوع إلى دورها الحقيقي، ~~وهو أن تعرض، لا أن تلقن. في الأفلام الناطقة، المظهر هو الروح، وهو يضفي ~~على نفسه جوهر عالم داخلي، عالم هو فيه التجسد، وليس العلامة. # 21 # في الشهر نفسه، في مجلة «لي توم مودرن»، أنقص رومير من قدر التماس الدلالة من خلال ~~«مطاوعة الصورة أو طقوس التحرير»؛ لأن هذا يتبنى مهمة تنتمي بشكل ملائم للرسم والموسيقى ~~والشعر. أما السينما، التي لا تؤسس على تجريدات الصورة، ولكن على كثافة اللقطات، ~~فينبغي أن تستعير «من الفن الوحيد الذي هو، مثل السينما، تنسيق لعناصر المشهد وكتابة في ~~آن واحد، وهو الرواية. ومثل بلزاك أو دوستويفسكي، اللذين يثبت احتقارهما لتنقية ~~التعبيرات أن الرواية لا تكتب بالكلمات ولكن بكائنات وأشياء من العالم؛ ~~فالمخرج-الكاتب المستقبلي سيعرف فرحة العثور على أسلوبه داخل ms118 نسيج العالم ~~الواقعي.» # 22 # يتخذ رومير على سبيل المثال فيلمين كان من المقرر عرضهما في الشهر ~~التالي في «مهرجان الأفلام المنبوذة»، وهما فيلم ويلز «آل أمبرسون الأجلاء»، وفيلم ~~بريسون «سيدات غابة بولونيا»، وكلاهما مستمد من رواية. في كلا المثالين، يستوعب ~~أسلوب سينمائي منضبط (بمعنى يشمل) ما يمكن أن يعرف جزئيا فقط: التباسات اللغة، ~~والخواص الخفية للأشياء والشخصيات، والطبيعة التعبيرية لمسرح الحدث. يرى المشاهد مباشرة ~~ما التقطته هذه الأفلام، حتى لو ظل الكثير خفيا؛ لأنه باطني أو خارج المشهد. # ستترك لبازان مهمة تحديد ما صاغه رومير على نحو تجريدي للغاية، وفعل هذا أيضا فيما ~~يتعلق بفيلم «سيدات غابة بولونيا» لبريسون. في جملة أبرزها مترجمه حينما قدم بازان ~~لأول مرة إلى قراء الإنجليزية، كتب بازان إن بريسون وصل لذروة التعبير السينمائي في ~~مشهد «كان صوت ممسحة زجاج سيارة على خلفية صفحة أحد أعمال ديدرو هو كل ما يلزم لتحويله ~~إلى حوار يشبه مسرحيات راسين.» # 23 # يقول بازان إن الأصوات المحيطية تضاد الدراما المنطوقة، مشتتة انتباهنا، ~~بل إنهما يتنافسان على انتباهنا. مثل هذه الأصوات، المفارقة لزمن حكاية ديدرو التي هي ~~أساس الحبكة، والتي تتقاطع أغراضها من الناحية الجمالية مع مواءمة ترتقي إلى تجريد ~~التراجيديا الكلاسيكية، هي «أجسام أجنبية محايدة مثل حبة رمل تدخل آلة ~~وتعطلها.» # 24 # مثل هذا «التعطل» في الأدب الذي تحدثه تكنولوجيا السينما ربما يبدو أنه ~~يدنس كلا الوسيطين؛ ومع ذلك، اعتبر بازان أن هذا «كما يؤكد الغبار شفافية الماس» هو ~~«اللانقاء في أنقى صوره»، حالة سامية للسينما أيا ما قد تكنه السينما. # لذا، في عام 1953، حين رفع كثير من المساهمين في كتاب «سبع سنوات من السينما ~~الفرنسية» قدر بريسون بوصفه طلائعيا لا ~~يساوم - ومخرج فرنسا الرائد في فترة ما ~~بعد الحرب - لم يفعلوا هذا على الرغم من حقيقة أنه كان يقتبس الروايات، ولكن بسبب هذه ~~الحقيقة. # 25 # برزت كلمات الموديلات البشرية التي تجسد تصميم الرواية، وإيماءاتهم في ~~مسرح الحدث المادي؛ وهذا هو أساس «التصوير السينمائي» عند بريسون. كان بازان متأكدا ms119 ~~أن هذا يفعل أكثر من مجرد تحديث الرواية؛ فهو يسكن ما هو أدبي في العالم. ربما توجد ~~الكتب في المكتبات، لكن «ما هو أدبي» يوجد فقط في صورة كتابة وقراءة في الفضاء الذهني ~~أو الروحي. يمكن أن تنفتح السينما على هذا الفضاء وتكون الأفضل له. # استنتج بازان هذه الأفكار بينما كان فرانسوا تروفو يعيش في منزله. وبما أن الشاب ~~المتحمس للسينما يحمل هذا الشغف بالروايات، وذلك البغض للحالة السائدة للسينما ~~الفرنسية، فقد كان حتميا أن يناقشا المواءمة الأدبية. في العدد الحادي والثلاثين من ~~«كاييه دو سينما» بتاريخ يناير 1954، على خلفية الأيام المملة الخالية من الأحداث ~~للجمهورية الرابعة، ظهر مقال تروفو الانفعالي النابع من هذه المحادثات تحت عنوان «نزعة ~~سائدة في السينما الفرنسية». وفيما يمكن رؤيته على أنه بدايات انقلاب للسيطرة على ~~السينما الفرنسية، عصف مقال تروفو بأسس مؤسسة السينما، وأثار صرخة غضب وألم فورية ~~ردا عليه. يمكنكم الشعور بهذا في المزاج اللاذع للمقال، حتى بعد أن لطفه محررا ~~المجلة اليقظان، بازان ودونيول فالكروز. بالنظر للماضي، تتجلى كراهية «كاييه» تجاه ~~المسئولين عن صحة فرنسا السينماتوغرافية من العدد الأول في عام 1951، لكن لم يتوقع أحد ~~القسوة الصريحة التي كانت تميز «نزعة سائدة في السينما الفرنسية»، وهو مقال إرهابي ~~مصمم للتشويه والإهانة، وليس لتغيير السلوك من خلال كياسة النقد الخالص. # مع ادخار بريسون لوقت اللزوم، هاجم تروفو بجرأة معقل السينما الفرنسية، قلعة ~~«الأدب». في أول اتهام يوجهه لها، ادعى تروفو أن عشرات من المخرجين وثلة من كتاب ~~السيناريو المسيطرين على السينما الفرنسية خانوا تطلعات الشكل الفني لأنهم من البداية ~~خانوا التقليد الأدبي الذي يفترض أنهم رأوا أنفسهم يتطورون منه. حقا، ازدهرت ~~«سينما الجودة» على أساس اقتباسات لروايات كتبها زولا وستيندال وبلزاك وفلوبير وجيد ~~وراديجيه وكوليت. حتى تلك الإنتاجات التي كانت رسميا «سيناريوهات أصلية» يمكن القول ~~إنها كانت تعرض الحوار الأدبي، وذلك النوع المنحوت بعناية من مواقع التصوير والأزياء ~~والتمثيل، الذي كان الفرنسيون يقرنونه بالذوق الرفيع. لكن تصور الأدب الذي يعززه ~~«أسلوب الجودة» كان ms120 في نظر «كاييه دو سينما» صبيانيا، ومتملقا، ومدمرا لكلا ~~الوسيطين الأدبي والسينمائي. كتب تروفو: «لا أعتبر أي اقتباس ذا قيمة إلا حينما يكتبه ~~«رجل سينما». أورونش وبوس (وهما كاتبا السيناريو اللذان كانا مهندسي الطريقة ~~الكلاسيكية) أديبان من حيث الأساس، وألومهما هنا على ازدرائهما للسينما ببخس حقها. هما ~~يتصرفان، فيما يتعلق بالسيناريو، كما لو كانا يعيدان تأديب شاب جانح بالعثور على ~~وظيفة له.» # كان من السهل لتروفو السخرية من ذرائع هذا الأسلوب، وكان من الأسهل له إثبات أن هذه ~~«الاقتباسات» زائفة. ففي النهاية، كيف أمكن لفيلم جون ديلانوي «السيمفونية الرعوية» ~~(«لا سيمفوني باستورال»، 1946) المقتبس من رواية أندريه جيد القصيرة الرائعة في القرن ~~التاسع عشر أن يخرج للنور مشابها تماما فيلم كريستيان جاك «بيت مستأجر في بارما» ~~(«لا شارتوز دو بارما»، 1948) المقتبس من رواية ستيندال المستفيضة؟ اختزلت عملية ~~صناعية ما هذه المصادر الأدبية المختلفة إلى تمثيلات سينمائية محايدة. هاجم تروفو ~~مهارة الكتاب إلى جانب العمل الذليل الروتيني لمخرجين شبه تجاريين كانوا راضين عن ~~تقديم ما اختزل إلى نصوص سينمائية تقليدية، وشغلها بممثلين معروفين حسني ~~التأنق. # رغم أنه لم يستخدم هذا المصطلح في وقته، كان ترفو يهدف للترويج ل «أسلوب كتابة» ~~سينمائي قوي. ربما كان «نظام الجودة» يمني نفسه بأنه الوريث المباشر لمؤسسة الأدب ~~الجليلة، لكن، بوصفه هو نفسه مؤسسة، مؤسسة متعجرفة، فقد أسهم في تثبيط طاقة الكتابة ~~الحقيقية وإبداعيتها؛ ولا شيء سوى جهد كتابي مميز يجعل عملا أدبيا جديرا ~~بالاقتباس في المقام الأول. انتقل ولاء تروفو إلى سينمائيين أفراد كان فخورا بتسميتهم ~~«مخرجين أصلاء»؛ مثل: جون رينوار وجاك تاتي وجون كوكتو، وخصوصا روبير بريسون، وهم ~~الذين كانت صناعة الأفلام من وجهة نظرهم رمزا ماديا للكتابة. # أوضح بازان هذه النقطة بعينها إذ نشر مقال «من أجل سينما مشوبة»، وكررها عام 1958 ~~في مساهمته في عدد خاص بعنوان «الفيلم والرواية» من مجلة «لا ريفيو دي لتر مودرن» التي ~~تبدأ ب «الموقف النقدي» الذي اتخذه: # ربما لا يكون الأمر الجوهري أن يكون ~~الفيلم «مخلصا» على ms121 نحو صارم للرواية. ما يمكن للأدب بالفعل أن يجلبه ~~للسينما ليس مستودعا للموضوعات المهمة بقدر ما هو إحساس بماهية «الحكي». وما ~~يهم هو فصل الفيلم عن «المشاهدة» حتى يمكنه في النهاية التواصل مع «الكتابة». ~~من وجهة النظر هذه، ليست أعمال مثل «السيد ريبوا» («مسيو ريبوا»)، أو «الستارة ~~القرمزية» («لا ريدو كراموازي») ... أو «صباح الخير أيتها التعاسة» («بونجور ~~تريستيس») الذي صدر مؤخرا، قصصا «ممثلة» [تصميم مشاهد]، ولكنها أعمال ~~«مكتوبة» بالكاميرا والممثلين. وسواء أكانت تتضمن اقتباسات أم لا، فمن ~~الواضح أنه، بهذا المعنى، ينبغي أن ننتظر ونأمل الإحلال الأصيل للسينما محل ~~الرواية. # 26 # قبل أن يختتم تروفو مقاله، ولكي يهزم العدو، أشهر سلاحه، فيلم ~~«يوميات قس في الأرياف»، أفضل اقتباس عرفه، وهو اقتباس حافل بأمثلة تعبيرية رائعة ~~للكتابة السينمائية. أبرز تروفو مشهد الاعتراف، الشهير في فيلم بريسون؛ حيث لم يغير ~~بريسون الحوار ولا السياق؛ بدلا من ذلك، مرر تيارا سينمائيا قويا لشحن ما هو في ~~الكتاب بالفعل: شخصية تخرج بالتدريج من الظل، تلمع عيناها بتحد وغضب. في السيناريو ~~الذي سبق أن عرضه بيير بوس في البداية على بيرنانوس، عولج هذا المشهد نفسه بكامله، ~~وحول إلى فرجة. ربما كانت نسخة «الجودة» ذات طابع «سينمائي» للغاية، لكنها لم تكن ~~معبرة عن برنانوس ولا سينما حقيقية؛ ولذا رفض كما يوضح تروفو شامتا. بمصطلحات ~~سارتر حينئذ، كانت نسخة بريسون «أصيلة» بينما كانت نسخة بوس زائفة بوضوح. # أصبح مقال تروفو فورا معيارا للإخراج الأصيل المتوثب الذي ميز ثقافة السينما ~~الفرنسية لما تبقى من عقد الخمسينيات وخلال عهد «الموجة الجديدة». انتزعت الحداثة ~~السينمائية، باتخاذها من «الكاميرا-القلم» مجازا تعريفيا لها، السلطة من أيدي كتاب ~~السيناريو ومنتجي الاستوديوهات، ونقلتها إلى أيدي السينمائيين. كان التوقيت مثاليا؛ ~~لأنه في تلك اللحظة بالتحديد، أصبحت أولوية «المخرج الأصيل» ~~( # auteur ~~) مركز النقاشات التي كانت تعقد في نوادي ~~السينما والمجلات. وبتحولها إلى عقيدة تقريبا في «كاييه»، بدت سياسة المخرج الأصيل ~~ضرورية من أجل نضج الشكل الفني. وإذ كان جودار يكتب مثل تروفو في الدوريتين نفسيهما - ~~«كاييه ms122 دو سينما» و«آرت» - فإنه رفع مخرجيه المفضلين على أكتاف كتاب عظماء (فيلم ~~نيكولاس راي ««انتصار بطعم الهزيمة» [بتر فيكتوري] هو أشبه بفيلم «فلهلم مايستر» ~~(1958) ... أكثر الأفلام المصبوغة بروح جوته»، وجوزيف مانكيفيتس هو إعادة تجسيد لجون ~~جيرودو ... إلخ). # 27 # كان جودار واثقا بأن كتاب ذلك الوقت الذين يشبهون ستيندال سيخرجون لصنع ~~الأفلام. ففي النهاية، السينما مثل الأدب «ليست حرفة، إنها فن. لا تعني عملا جماعيا. ~~دائما ما يكون المرء وحيدا في موقع التصوير كما لو كان أمام صفحة بيضاء. وتعني الوحدة ~~طرح أسئلة، ويعني صنع الأفلام الإجابة عن تلك الأسئلة. لا شيء يمكن أن يكون أكثر ~~رومانسية من هذا من وجهة نظر كلاسيكية.» # عند هذه النقطة، احتج بازان، وعارض متبعيه الشباب. على الرغم من أنه كان يصرح ~~علنا بأن صانع الفيلم «في النهاية هو ند الروائي»؛ # 28 # فإن اهتمامه بالوثائقيات دفع التأليف إلى هوامش اهتمامه النقدي، وفي مرات ~~عدة خارج نطاق الاهتمام بالكامل. ترسخ الوثائقيات اختلاف الوسيط السينمائي عن الفنون ~~التقليدية؛ لأنها تمتلك القدرة على تقليص مكان الإنسان في عالم يظهر أحيانا مرتبا ~~بعناية إلهية، وأحيانا أخرى لا مباليا وعشوائيا. تتبع بازان مصير الخيال والرغبة في ~~أعمال صناع الأفلام الذين كرسوا أنفسهم لشيء ما وراء أنفسهم؛ ما وراء نوعهم ~~البيولوجي؛ شيء أشار بازان إليه على نحو غامض بأنه «زمن الشيء». # 29 # أدرك تروفو الذي كان لا يستسيغ الوثائقيات، أن انجذاب بازان إلى «الموضوعات» العصية ~~على التصوير يمكن أن يسري على الأفلام الروائية كذلك، وأن صناع الأفلام يمكن أن ~~يخضعوا لما هو أمامهم بدلا من «إخراجه». في فيلم «سترومبولي» (1950)، تحدق كاميرا ~~روسيليني غير فاهمة في جبل ورواسبه البركانية، مثلما تفعل إنجريد برجمان إذ تسقط على ~~ركبتيها عاجزة على قمة البركان. هذه الروح الواقعية الجديدة تجلب أحيانا الخلفية في ~~وسط المسرح ليطغى وجودها على الشخصيات (كما حدث في نهاية فيلم «الكسوف»، «ليكليس»؛ ~~أنطونيوني، 1962). على الرغم من ذلك، وفي أغلب الأحوال، يصبح البشر (لا مجرد ~~الشخصيات المكتوبة) الذين يملئون أفلامهم الروائية، هم «موضوعات» صانع ms123 الفيلم الواقعي ~~الجديد. بانسحابه من دور «المخرج»، يستكشف روسيليني ملامح وجه البطلة ومشيتها وصوتها ~~وإيماءاتها (إنجريد برجمان، وآنا مانياني)، أو ممثلا غير محترف اختاره من السكان ~~المحليين. وسواء أكان البشر متحجرين أم طيعين، فهم لا يحتاجون حينما يظهرون على ~~الشاشة، أن يكونوا وكلاء لخيال كاتب النص السينمائي أو المخرج. في نعي بازان الجميل ~~لهمفري بوجارت، عزا إلى الشخص المكون من لحم ودم النجاح في كثير من الأفلام التي ~~مثل فيها. ورغم أنه لا يمكن إنكار أن المخرجين الذين صوروا وجهه وصوته وتصرفاته، ~~استفادوا منه استفادة إبداعية في الحكايات ~~المتخيلة التي اختلقوها، فإن بوجارت يفتننا (وفتن أكثر أولئك السينمائيين حساسية) ~~على نحو يتعدى أدواره. # 30 # شارك جودار بازان حساسيته للشد ~~والجذب بين الروائي والوثائقي. إذا كان فيلم «السادة المجانين» يوثق طقسا تسيطر فيه ~~الأدوار على الرجال، فإن إنجاز روش التالي، «أنا الزنجي» (موا آن نوار)، يذهب لما هو ~~أبعد من هذا. في هذا الفيلم، المفضل لجودار من إنتاج عام 1958 (الذي منع الموت بازان من ~~مشاهدته)، سلم «المخرج» السيطرة التأليفية إلى من يبدون أنهم هم «موضوعات» الفيلم. ~~هؤلاء الشباب العاطلون عن العمل في أحياء أبيدجان الفقيرة يختارون أسماء نجوم (إيدي ~~كونستانتين ودوروثي لامور)، ويحكون قصصهم. يتبعهم روش أكثر مما يوجههم، بينما ~~يجمع ما يمكن أن يستأهل أن يطلق عليه فيلمه. # تدحض هذه الأمثلة فكرة الإخراج الأصيل، وكان بازان مستعدا لتوسيع نطاق هذا ~~التناقض. # 31 # أكيد أن كتابه عن ويلز، فضلا عن مقالاته عن تشابلن وبونويل ورينوار، أثار ~~تابعيه للإعلان عن بدء عصر جديد يتساوى فيه صناع الأفلام بالفعل مع الروائيين. لكن ~~بازان لام هؤلاء التابعين صراحة بسبب إهمالهم أو تشويههم كثيرا من القوى التي تنتج ~~فيلما أو تؤثر فيه، بعضها يمكن إدراجه في شارات البداية والنهاية (الكتاب ~~والممثلين والمصورين السينمائيين)؛ وبعضها يبقى محددات تاريخية ضمنية (الرقابة ~~والعوامل الاقتصادية والأعراف الاجتماعية، وغير ذلك). ربما يكون الشعراء، والروائيون، ~~والرسامون مسئولين بقدر كبير عما يظهر في أعمالهم المكتملة، لكن المخرج لا يمتلك مثل ~~هذه ms124 السيطرة على فيلم لا مفر من أن يقدم نمط إنتاجه الصناعي خللا في النظام. كان بازان ~~دائما متيقظا للعوامل غير المقصودة وغير الواعية. وأشاد بالأفلام التي يختفي فيها ~~المخرج؛ ففي نهاية المطاف، كان بازان مبهورا في أكثر المستويات أساسية بالصورة ~~الفوتوغرافية «في صنع ما لا يلعب الإنسان فيه دورا.» وكانت هذه هي وجهة النظر التي كان ~~مستعدا لتبنيها حتى حينما كان الموضوع رواية. # ولذا دعم بازان مقال تروفو الشهير بالتأكيد، لكن ليس بسبب أنه يجعل صناع الأفلام ~~حكاما لعوالم خيالية. إنما وافق على الأسلوب الذي يطالب به مقال تروفو بأن تتناول ~~السينما الروايات القوية بعناية. يجب على صناع الأفلام استكشاف الروايات كما لو كانت ~~أرضا خيالية؛ صلبة وكثيفة مثل النيجر في عمل روش، ونابولي في عمل روسيليني. يجب على أي ~~اقتباس واع أن يبحث عن وسائل جديدة لإبراز الجوانب المميزة في الكتاب الذي وقع ~~الاختيار عليه؛ ففي النهاية، يكون أي كتاب مثيرا للاهتمام فقط بسبب «تميزه». انسوا ~~السينما، وانسوا المخرج الأصيل. فيما يتعلق بالاقتباس، كانت الرواية التي اهتم بها ~~بازان هي الرواية التي تمثل نوعا من الزمان الجامد المعقد الذي يجذب السينما ~~الحديثة؛ الرواية التي تمثل موضوعا لن تقدر السينما أبدا على تجسيده تماما رغم أنها ~~ستحاول هذا أثناء نضوجها. # بالمقابل، تشمل السينما هيتشكوك، سيد التحكم في الأفلام، وأحد معبودي تروفو. # الشارة والمخرجون الأصلاء: بيئة للاقتباس # انجذب بازان بوضوح إلى الحدود القصوى في خمسينيات القرن العشرين، وهو عقد اعتبر ~~فاترا بوجه عام. وليس مفاجئا أنه كان يدعم الوثائقيات الإثنوغرافية، وأنه كان ~~مهتما بالأفلام الروائية التي تنتمي للواقعية الجديدة، والتي يظهر فيها شيء لم ~~يكتب في النص بطريقة مثيرة خلال المشاهدة السينمائية. كان دعمه للاقتباسات أصعب على ~~الفهم؛ حيث يجب أن يسيطر النص والتخطيط على مجريات الأمور. لكن فيلم «يوميات قس في ~~الأرياف» جعله يدرك أنه حتى في حالة الاقتباس فإن لغة الروايات القوية ومواقفها يمكن ~~أن تكون بمنزلة موضوع غريب غرابة الحيوانات الوحشية، أو التضاريس النائية، أو الجماعات ~~الاجتماعية الأجنبية. ms125 لكن أين تقع الصنعة السينمائية إذا؟ ويتصل بذلك السؤال: من ~~يستحق أن ننسب الفضل إليه فيما نقدره على الشاشة؟ # أجاب نقاد «كاييه» عن هذا السؤال بسرعة: في الأفلام ذات الشأن، المخرج الأصيل هو وحده ~~المسئول. هذا الوضع هو ابتذال لمبادئ سارتر الأخلاقية الوجودية التي يكون فيها اتصال ~~المؤلف بنصه رمزا للمسئولية، وهو ما ينطبق على كل منا إذ نصنع حيواتنا. لكن بازان ~~- الذي لم يبتعد قط عن هموم سارتر وإن كان نادرا ما يتناغم معه - عرض رؤية تقترب ~~من مذهب ما بعد الإنسانية في عصرنا الحالي. يلمح بازان إلى أن روسيليني لا يقدم ~~عالمه الشخصي الخاص، ولكن عالما ينتمي للتاريخ (أو للرب)، بنفس الطريقة التي يعطينا ~~بها نيكولاس راي أو جون هيوستن منفذا إلى إحساس بوجارت، ويتيح لنا بريسون الشعور من ~~خلالها ببرنانوس. ربما يكون بازان يستفزنا، حيث يرى أيضا أن المخرجين «يصفون» ما ~~يسمحون بظهوره على الشاشة؛ ومع ذلك، ولكونه سرياليا أكثر منه سارتريا، فهو يعتبر ~~المؤلف ناقلا لشيء خارج ذاته يتواصل معه. ألا يمكننا تسمية التسجيل التكنولوجي البسيط ~~للضوء على الصفائح الفوتوغرافية نوعا من «الكتابة الأوتوماتيكية»؟ ربما تدرك الأفلام ~~وتخرج من قبل كائنات بشرية لها أسماء مناسبة، لكن ما نراه على الشاشة ، وخصوصا في ~~أكثر اللحظات إثارة، يمكن أن يتجاوز الإدراك والإخراج. لذا، قبل أن يكون فيلما لجون ~~هيوستن، يقدم «الملكة الأفريقية» («ذي أفريكان كوين»، 1951) الحضور المبهج الذي تمتع ~~به همفري بوجارت، وكاريزماه وأصالته. أدرك بازان بشكل يتجاوز هذا - أو على الأحرى، من ~~تحت هذا - شيئا آخر يحدث في شريط السيليولويد، وهو الآثار التي ينتجها الضوء المنعكس ~~من على وجه مألوف ولكنه فان ... التذكير الدائم والمرئي بغياب بوجارت وموته ~~الحتمي. # ولذا، لمن ولماذا يمكننا نسبة دلالة الصور وأهميتها؟ هل نذكر فضل جون كاسافيتز في ~~الاستعانة بممثلين مبدعين في فيلم «الظلال» («شادوز»، 1959)، بما أن تعبيراتهم ~~التلقائية تجسد الفيلم حقا؟ وماذا عن العزف المنفرد الشهير لموسيقار الجاز، ~~تشارلز مينجس، في الفيلم؟ بارتجاله وهو يشاهد نسخة أولية، هل صاحب هذا العازف ms126 الفذ ~~«فيلما لجون كاسافيتز» وتممه بالأسلوب ذاته المشابه ل «أداءات» تلك الأفلام ~~الصامتة؟ أم ينبغي أن نقول إن كاسافيتز أدخل بوق مينجس الآسر وسط نسق متكامل للأصوات ~~والصور التي يأتي «توجيههم» الحاسم منه، أي المخرج، وحده؟ # بحدود الوقت الذي كان كاسافيتز يعد فيه فيلم «الظلال»، وكان بازان يكون أعماله ~~المجمعة، كتب رينيه كلير تقريرا عن تاريخ الشارات ومشكلتها. # 32 # يوسع طول الشارات المتزايد باستمرار (الذي لا يقتصر الآن على ما يسمى ~~الطاقم الإبداعي، ولكن يشمل كل نظام الدعم الصناعي، وصولا إلى متعهدي الأطعمة) من ~~مسئولية إنتاج أي فيلم، ويسخر من ادعائه بأنه فن. أراد كلير شارات أفلام مختزلة إلى ~~ما يجذب المشاهد أو يساعده، وأن تكون بمنزلة البطاقة البسيطة التي توضع أسفل اللوحات ~~في المتاحف. بدلا من ذلك، تحاكي الشارات الكتيب الذي يوزع في دور الأوبرا ~~مفصلا «توزيع» الأدوار في استعراض معين، بالإضافة إلى الطاقم الإبداعي (وإن لم يكن ~~يشمل عمال المسرح). # يشتهر كلير في مسيرته الإخراجية، بالتنظيم والتوجيه لكل بند محتمل يمكن أن يساهم ~~في الإحساس ب «أفلامه». أدرك كلير أن الشارات، بوصفها مرشدا إلى إيقاع الفيلم ومزاجه، ~~حينما تعرض، تبطئ من الصور المتحركة وتلوثها بالكلمات. ولأنها تأتي، كقاعدة، في ~~بداية انطلاق الصور والأصوات ، فالمقصود منها هو تهيئة المشاهد لما سيأتي بعدها. يحضر ~~في هذه اللحظة أمل لا نهاية له حينما تضيء الشاشة ويسمع أول ألحان الموسيقى ~~التصويرية، ومن هنا يأتي الانتباه والمال اللذان وجها إلى مشاهد ما قبل شارة ~~البداية، وإلى شارة البداية كذلك، التي يكلف بصنع صورها ورسوماتها اختصاصي، ~~الطاهي المساعد (يذكر اسمه كذلك في الشارة) يمتلك خيالا خاصا. ثم يأتي بعد ذلك ~~أول مشاهد الفيلم الدرامية؛ حيث يكون المخرج والمصور حرين على نحو لن يتكرر مرة ~~أخرى خلال الفيلم. # يتعلم دراسو السينما مشاهدة أول 20 دقيقة من أي فيلم بتيقظ؛ لأنه في تلك الفترة ~~تنطلق تجربة، وتبدأ في العثور على مسار تحليقها. تخيلوا هذه المرحلة المبكرة ~~وكأنها حركة عشوائية مجرية تضبط نفسها في أنماط منسقة من ms127 النجوم والأنظمة ~~الشمسية. تعبر سحب الغبار الكوني، وتصادمات الأجرام السماوية، وتفجر اللهيب غير ~~المتوقع عن طاقة أولية قوية لدرجة تمكنها من الحفاظ على حركة هذه الأجسام حتى نهاية ~~الزمن - بعد ساعتين. بمصطلحات فرويد، اللحظات الأولى مليئة بالتكثيف الخاص بالأحلام ~~والإزاحة والتخيل الأولي. بعد قليل، لا بد أن تدخل هذه اللحظات في نطاق «التفصيل ~~الثانوي»، ثم تخرج إلى نطاقات التأويل العام المفتوحة. # 33 # وبشكل متكرر، تبدأ شخصيات الفيلم بتأويله. بعد ذلك، سواء أكنا نقادا ~~متمرسين أم مشاهدين عاديين يبحثون عن ساعتين من الإلهاء، فإننا سندخل ما شاهدناه ~~وفهمناه ضمن ما ندركه ونفهمه، موطنين الفيلم داخلنا بأسهل ما يمكننا. لذا فإن ~~مشاهدة فيلم ما تتبع سيناريو محبطا: يبدأ بالأمل، والاستثارة، والوعد بشيء جديد ~~بالفعل، وينتهي بنا على قارعة الطريق وليس معنا سوى قصة أخرى، عادة ما تكون القصة ~~نفسها، قصة يمكننا التحدث عنها، وتصنيفها، أو نسيانها ببساطة. # وحتى قبل أن تضيء آلة العرض، فإن هذا النزول من المادة الخام المثيرة إلى فهم ~~معالج يمكن إحساسه بمشاهدة ملصقات الأفلام في ردهة دار العرض؛ حيث تحيط الصور ~~الآسرة بالشارة المكتوبة أو تغطيها. ينشط توتر بين هذين الثبتين السيميائيين ~~نطاقين نفسيين مختلفين: الصور التي تؤثر في اللاوعي، والكلمات التي لا تبني المعنى ~~فقط ولكن مصدره أيضا. الشارة التي كانت يوما ما برنامجا لا ورقيا ملائما، تدمج ~~الآن على نحو اعتيادي في التجربة التي يوفرها أي فيلم؛ فهي تمهد لهذه التجربة، ~~وتوجه مشاهدتها وتفسيرها. في التنافس بين اللغة والصورة، تكون الشارة حائطا من ~~الكلمات صمم ليحصر الصور الطافية بحرية، التي لولا ذلك لأخذتنا في اتجاهات عديدة ~~في آن واحد. قد نتوقع، وقد استدرجنا الوعد بمشاهدة عرض ضخم إلى دار العرض، أن نرتد ~~إلى حالة من الدهشة الصامتة. لكن شارة البداية تفيقنا؛ لأنها تعرف الصور، ليس بوصفها ~~قوة طبيعية، ولكن بوصفها خطاب شخص ما. # يعمل شكل الشارة ووظيفتها على التحكم في التجربة السينمائية. إذا كنا نمتلك ~~القدرة، هل سننزع السلطة من المؤلفين الذين يكبحون جماح الصورة، ليوجهوها ms128 في الطريق ~~الأيديولوجي المناسب؟ هل يجب ألا نفعل هذا عندما يكون هناك مؤلف رئيسي نحاول الوصول له، ~~أو حينما ينسب الفيلم بمجمله الفضل لمصدر أدبي معروف ويكون الفيلم مدينا له وهو الذي ~~يثير اهتمامنا في المقام الأول؟ إذا عرض كل فيلم في البداية مفاوضة بين حصان وراكبه، ~~بين تدفق الصور والتوجيه الخطابي، فماذا عن الاقتباسات التي يمضي فيها الفيلم نفسه ~~تحت السلطة الملزمة لنص حاكم؟ # علامة إشكالية الاقتباس هي توقيع المؤلف الذي ~~ينسخ عادة على الشاشة بصورة طبق الأصل مثل توقيع إميل زولا في فيلم رينوار «الوحش ~~الآدمي» («لا بت ايومين»، 1938). حتى لو أن بضعة أفلام تبدأ اليوم بظهور تدريجي للصورة ~~بشكل مبهر بعد ظلام تام، فإن العنوان والمؤلف في الأعمال المقتبسة المهمة ينشران ~~هالة تحيط الأسماء الأخرى المدرجة في شارة البداية، مؤدية إلى دعم الإنتاج بطريقة غير ~~مباشرة. اسم المؤلف، وهو تنويع على التوقيع، ربما يكون مجرد علامة سطحية، لكنه ~~يتضمن بعدا رابعا، وهو العملية الزمنية التي أخرجت في حالة الاقتباس فيلما كاملا ~~من نص رواية. وبإرسائها على حافة قيمية غاطسة، فإن جميع الأفلام، وخصوصا الأعمال ~~المقتبسة، تطفو إلى جماهيرها وهي مؤمنة بذلك الخط الرفيع للشارة الذي يسمح لنا، ~~أثناء تصديقه على منشئها، بأن نتتبع نسبها . # في حالة الاقتباس، يرجع النسب - علما بأن كلمة «الشارة» ~~(credits) # تسمى «النسب» ~~(générique) # في الفرنسية - إلى مصدر وحيد ثمين، وهو الكتاب الذي هو ~~الأصل، وربما المقياس النهائي للفيلم. وحتى في عصرنا الشكوكي، فإن شريان الحياة هذا - ~~لنسمه الأمانة - لن يقطع بسهولة. # 34 # الأمانة هي الحبل السري الذي يغذي أحكام المشاهدين العاديين أثناء ~~تعليقهم على القيم الأخلاقية والجمالية على نحو فعال بعد خروجهم من فيلم باز ليرمان ~~«روميو + جولييت» عام 1996، أو فيلم ستيفن سبيلبرج «اللون الأرجواني» («ذا كلر بيربل»، ~~1985)، أو فيلم مل جيبسون «آلام المسيح» («ذا باشون ~~أوف ذا كريست»، 2004). إذا أصغينا إلى هذه المناقشات، فربما نجد أنفسنا نستمع إلى نسخة ~~عامية من دراسات سيمياء الوسائط المقارنة. # لبعض الوقت، تجاهل الاتجاه الأكاديمي الرائد هذا ms129 الاهتمام بالأمانة، أو قلل من ~~شأنه، معتبرا الخيط «الرأسي» الذي يرسي الفيلم على مصدره الأدبي مثيرا للسخط ~~وتقييديا. يجرؤ الدارسون اليوم على فصل الأفلام التي يكتبون عنها عن مرساواتها ~~وتركها تطفو حرة. ولم لا؟ فيما بعد الحداثة، يقيم كل نص، ويتضمن هذا كل اقتباس، ~~على أساس الطريقة التي يهز بها شبكة النصوص المجاورة «الأفقية»، التي لا يعد أي ~~منها «فائقا» بالضرورة، حتى نص الرواية التي تقرض اسمها وحبكتها وشخصياتها لفيلم ما. ~~على العكس، فإن الاقتباس يغذي الدراسات الثقافية، وهي علم ولد لعصر الانتشار الحالي ~~هذا الذي تزيد فيه أهمية الانتشار النصي على التأويل النصي. تستجيب الدراسات الثقافية ~~لإشارة المنتجين الذين يطمحون إلى تضخيم أثر نص ما من خلال الإعلانات، والأجزاء ~~التالية، والتفريعات، والترجمات، و«النسخ» من كل ~~الأنواع. # أظهر بازان مرارا وتكرارا افتتانه بالأسلوب ~~الذي تتغلغل به السينما في آليات الثقافة. أشاد مقال «الاقتباس أو السينما بوصفها ~~خلاصة» - وهو أول نظرة موسعة له للظاهرة - ~~بالانتشار. أشار بازان إلى أن صناعة الاقتباس تزيد من مبيعات النص الأصلي، وتطور ما ~~سعت الفنون دائما إليه وهو أن يكون لها «جمهور». صحيح أنها تفعل هذا عموما بترويض ~~أصل قوي، لكن هذا لا يستلزم تغيير تكوينه. إنها تقلل، مثل «محول» كهربائي، من شدة ~~التيار الصادر من رواية ملتهبة حتى لا تشعل النار في الشاشة؛ لكن الضوء والحرارة ما ~~زالا يصدران من الرواية، حتى لو قلصت حدتها. يقيس المنتجون (المحولون) القدر ~~الذي يمكن أن يحتمله الوسيط السينمائي والجمهور من الرواية الأصلية. كان المثال الذي ~~ذكره بازان هو رواية «الشيطان متجسدا» التي كتبها صديق كوكتو الحميم، رايموند ~~راديجيه، عقب الحرب العالمية الأولى، حينما اعتبرت رواية فاضحة لدرجة أنه لا يمكن ~~اقتباسها لفيلم. ورغم تقليل حدة الرواية من قبل أورونش وبو؛ من أجل اقتباسها للشاشة ~~(الوصول إلى جمهور أعرض) عام 1947، استمرت في إثارة الجدل؛ لأن موضوعها المتعلق ~~بالشهوانية الجنسية الطاغية المتحدي للنزعة الوطنية كان صادما بالقدر نفسه بعد الحرب ~~العالمية الثانية، حتى في جرعتها المخففة. # ثمة مصادر عدة - ماذا ms130 يمكننا أن نسميها غير ذلك؟ - عظيمة لدرجة أنه يمكن اقتباسها ~~مرات لا تحصى. هكذا كان شأن رواية «البؤساء» من البداية، وهي ظاهرة كان بازان يذكرها ~~مرارا. في هذه الرواية الجماهيرية التي صدرت في القرن التاسع عشر، لم يكتب فيكتور هوجو ~~فقط لعامة الجماهير؛ بل كان يتوقع أن يقرأها كل إنسان. وهو ما حدث. قرأ الجميع هذا ~~الكتاب. اصطفت الجماهير المتلهفة أمام المحلات الفرنسية لبيع الكتب للحصول على ~~أجزاء الرواية التي صدرت تباعا في أبريل ومايو ويونيو من عام 1862. وصدرت ترجمات ~~الرواية بكثير من اللغات في عام النشر نفسه؛ وربح هوجو ما يقرب من مليوني دولار ~~بقيمة العملة اليوم، من حقوق الترجمات الأولى فقط. لم يسبق أن رأت صناعة النشر شيئا ~~كهذا من قبل، واستغلها الناشرون إلى أقصى حد. واستجابت المبيعات للحملات الإعلانية ~~المرتبطة بإعادات الطباعة والنسخ الفرعية. بيعت خمس ملايين نسخة من أول طبعة باللغة ~~الصينية للرواية. وبوصول الرواية إلى أمريكا خلال حربنا الأهلية، كانت في أوانها تماما ~~لدعم إعلان لينكولن «تحرير العبيد». ومنذ ذلك الحين وهي من أكثر الكتب مبيعا هنا؛ حيث ~~تزيد مبيعاتها كل 20 عاما تقريبا بفضل النسخ الجديدة المقتبسة منها للمسرح ~~والسينما. # أتاحت «البؤساء» نفسها منذ البداية للرسامين ومنتجي المسرح. وبحدود زمن قضية ~~دريفوس، واستجابة للتوترات الاجتماعية، حول تشارلز إبداع أبيه إلى 17 لوحة بنجاح ~~لدرجة أن مديري الفرق المسرحية أصبحوا مستعدين، منذ ذلك الوقت، لإحياء «البؤساء»، ~~لاستغلال مواهب ممثل نجم، أو حمى لحظة سياسية مضطربة. وبالطبع، أحييت لربح المال ~~كذلك - وهو شيء حدث دائما كما يذكرنا عرض «البؤساء» الموسيقي الجولة تلو ~~الجولة. # من وجهة نظر بازان، كانت «البؤساء» بمنزلة خرافة؛ مثل ملحمة «المهابهاراتا»، حيث ~~تجاوزت شخصياتها وحلقاتها تقديمها الأصلي الذي كتبه هوجو. وإذ لحظ نسخها السينمائية ~~التي تعد بالعشرات (ومنها النسخ المصرية والهندية والأمريكية)، ركز بازان على ~~النسخ الفرنسية التي صدرت في أعوام 1913 و1923 و1934 و1957؛ لأن اختلافاتها تشكل ~~قائمة من التحولات في مؤسسة السينما نفسها. عرض فيلم ألبير كابيلاني في صورة مسلسل قبل ms131 ~~الحرب العالمية الأولى، بينما صدرت نسخة ريموند برنار في هيئة ثلاثة أفلام كانت ~~تعرض بالتزامن في دور عرض متجاورة عام 1934. وفي عام 1958، قلصت مدة العرض لتصل ~~إلى نحو مائتي دقيقة، فأتاح هذا توزيعها في هيئة سهرة سينمائية واحدة؛ حيث وفرت ~~الألوان والسينما سكوب الرحابة المفقودة في الاختصار. لكن ما هو أكثر من أسلوب العرض ~~تغير على مدار نصف قرن. ترى النسخ الأولى، وخصوصا نسخة عام 1934 العظيمة، أن السينما ~~مساوية لرومانسية هوجو الاجتماعية. وفي ظل فيلم إيبل جانس «نابليون» (1927)، يضخم ~~التمثيل والإضاءة والموسيقى الميلودراما بلا خجل. # 35 # لكن السينما تطورت منذ الحرب العالمية الثانية، كما يشير بازان مرة ~~أخرى، وتبدو الآن هذه الخرافة والسينما نفسها مقلصتين في فيلم يخفف من قوة ~~التمثيل وتصميم المشهد ليتوافق مع معايير خمسينيات القرن العشرين. # ترى ماذا كان يمكن أن يكون رأي بازان في النسخ الكبرى الأربع التي ظهرت منذ عام ~~1980؟ كان من شأنه بالتأكيد أن يستغل الفرصة ليتتبع ماذا حدث للسينما في السنوات ~~الفاصلة بين تلك الفترة والثمانينيات؛ لأنه كان دائما مستعدا لتتبع انتشار ~~العناوين والمؤلفين والأفكار من وسيط إلى وسيط، ومن لغة إلى لغة، ومن عصر إلى عصر. في ~~بيئة الثقافة - وبأخذ أكثر معانيها الضمنية الداروينية في الحسبان - يعد الاقتباس ~~أكثر كثيرا من مجرد الممارسة الشائعة لكتاب السيناريو والمنتجين؛ فهو اسم يطلق ~~على عمليات النمو والتحول والضمور «الأفقية» الواضحة داخل ظاهرة تحمل اسما مفردا هو ~~«السينما»، حتى وهي تتغير من أجل البقاء خلال التاريخ. وبصفته مؤرخا وعالما ~~بالبيئة الثقافية، ومولعا بالسينما، كان بازان منتبها لكل جوانب هذه العملية. # الأمانة: اقتصاد الاقتباس # كما يوحي العالم، الاقتباس حالة عامة للكائنات الحية، ومنها الكائنات الثقافية. استقت ~~نسبة كبيرة من الأفلام ال 2500 تقريبا التي كانت تنتج سنويا في زمن بازان مادتها ~~من مصادر موجودة. سارت صناعة السينما على نحو آلي كغيرها من الصناعات، وكلفت قطاع ~~إنشاء قصصها بقطع غابات كاملة من الروايات والمسرحيات لتغذية مناشير تطوير النصوص ~~السينمائية. لكن بازان رأى هذه العملية من منظور عضوي، ms132 وخصوصا حينما كانت تتضمن ~~أشجارا كبرى؛ عادة ما كانت هذه «تهضم» لتغذية الثقافة من خلال النظام الدوري الذي ~~يبث الصور إلى دور العرض والجمهور. وبفهم السينما بوصفها نوعا ثقافيا ينمو بين أشكال ~~أخرى وليس بمعزل عنها، فإنها تمتص أو تلقف ما تحتاجه من جيرانها، وغالبا ما تعطي ~~شيئا مرة أخرى لبيئة «حياة الأنواع». يزداد التعقيد حينما يدرك المرء أن الأنواع ~~تتطور بمعدلات مختلفة؛ لذا، إذا كانت السينما ستتولى المهمة التي قامت بها الرواية ~~لمدة طويلة، كما يشير بازان، فهل ستقوم بمهمة بلزاك أم روب-جرييه؟ ناقش بازان مثل هذه ~~المسائل تحديدا مع كلود-إدموند مانيي بينما كانت تكمل كتابها «عصر الرواية الأمريكية: ~~الجماليات الروائية للفيلم بين حربين» (1948). وبينما كانا كلاهما من المخلصين لمالرو، ~~فلا شك أنهما تشربا الكثير من سلف مالرو العظيم، هنري فوسيون، وكتابه «حياة الأنواع» ~~الذي صدر عام 1934. # 36 # يدرك عدد قليل من العامة، بل عدد قليل من الدارسين، أن الأفلام تزدهر كغابة اقتباس ~~متشابكة ذات أشكال فنية متداخلة، مضاعفة التنوع الحيوي للأعمال الهجينة. بدلا من ~~ذلك، عادة ما ينظر إلى الاقتباس على أنه حقل محاط بأسوار ومزروع بالأفلام المصنوعة ~~من أعمال أدبية شهيرة. هذا الجزء الفرعي من الاقتباس سماه بازان «الترجمات» ليفرق ~~بينه وبين «الخلاصات» الأكثر اعتيادية. ويأتي مع الترجمات مسألة «الأمانة» المشاكسة ~~التي وجد بازان أنها محتومة وقيمة. وعلل هذا بأنه ما دامت الاقتباسات حقيقة من ~~حقائق السينما في هذه المرحلة من تطورها، فإن نضوجها سيتسارع في أي وقت يتاح فيه ~~مصدر نصي مميز يجعل السينما تعيد التفكير في لغتها، وفي الجهد المبذول لتحويل تلك ~~اللغة إلى شكل جديد. ربما يكون الاقتباس أداة تمدد السينما بعيدا وعبر الثقافة، لكن ~~في حالات معينة، يستطيع الاقتباس، بوصفه ترجمة، أن يوقف محرك الصناعة الدائر؛ ~~وبدلا من التحرك بسلاسة عبر الثقافة (الجماهيرية)، تمر الترجمات رأسيا في الماضي ~~الثقافي. # يمكن أن تتسبب سلسلة الأمانة «الرأسية» التي ترسي الاقتباس على صخرة مصدره في ~~أن يبتعد عن أسطول الأفلام الرئيسي الذي ينجرف مع تيار النزعة ms133 السائدة. رأى بازان ~~حدوث هذا في فيلم «يوميات قس في الأرياف»، حيث غمر جمهوره بحس وبمنظومة قيم مختلفين. ~~بمثل هذه التدريبات تنمو عضلات السينما؛ لأنها تجاهد مقاومة ما هو أصلي للأنماط ~~المعاصرة. # الأمانة مفهوم يصل بين مجموعتي اهتمام بازان (ومسيرته): اهتمامه بوجود السينما، ~~وبما أصررت أنا على تسميته نشوءها. يأتي ذكر الأمانة صراحة قرب نهاية دفاعه عن ~~السينما المشوبة، حينما يربط بين الواقعية والاقتباس على نحو يسمح لنا بتخيل نظرية ~~مجال موحدة محتملة للسينما: # كان يجب على التعبير السينمائي تحقيق نوع من التقدم الذي نجده في الأجهزة ~~البصرية ليحقق درجة عالية من الأمانة الجمالية. المسافة بين نظرية «الفيلم ~~الأدبي» وفيلم «هاملت» [أوليفييه، 1948] كبيرة مثل المسافة بين ظهور عدسة ~~الفانوس السحري المكثفة البدائية ومجموعة العدسات المعقدة في السينما ~~الحديثة. مع ذلك، فإن التعقيد المدهش في هذه الأمانة له هدف وحيد هو التعويض ~~عن التشوهات والانحرافات والتشتتات والانعكاسات الناتجة عن العدسة؛ بمعنى ~~آخر جعل الكاميرا موضوعية قدر الإمكان. على مستوى جمالي، يستلزم [الاقتباس] ~~علم أمانة قابل لمقارنته بعلم المصور السينماتوغرافي. # 37 # يحدث التطور في «التعبير السينماتوغرافي» من خلال «الترجمة» لأن ~~الترجمة تستلزم الاستكشاف أو الخلق للتكافؤات داخل نظامين لغويين. لا يتطلب عمل ~~أصلي ثمين إحلالا آليا للعناصر، ولكن تقريبا ل «روح» مكافئة، أو - كما قال بازان عن ~~ترجمة بريسون لرواية برنانوس: «احتراما إبداعيا مستمرا لمصدره.» # 38 # فهم ديفيد لين أن المشاهدين توقعوا أن يكون ~~فيلمه المميز «آمال عظيمة» («جريت إكسبكتيشنز»، 1946) قريبا من رواية ديكنز، بالطريقة ~~نفسها التي يتوقع بها هذا قراء هذه الرواية المحبوبة في السويد أو بولندا. يناقش أحد ~~منظري الترجمة المعاصرين، وهو لورانس فينوتي، اقتباس الأفلام باستبعاده من البداية ~~فكرة أن اللغات المختلفة (شفهية أم سمع-مرئية) يمكنها توصيل المحتوى نفسه (الحبكة ~~والشخصية والموضوع والقيمة). ويؤمن بأن ما يحدث هو أن النص الأصلي يقدم من خلال ~~وسيط «مفسر» (أو شبكة أيديولوجية) في طريقه ليصبح نصا جديدا أو ~~مقتبسا. # 39 # يتحكم المفسر في الاختيارات المتخذة أثناء الاقتباس. بدلا من النقل ~~الميكانيكي من ms134 نظام سيميائي إلى آخر، يفسر صانع الفيلم المصدر عبر شكل سمع-مرئي يتضمن ~~كذلك التوجهات والاهتمامات المستحضرة إلى المشروع. يكمل هذا رؤية بازان في أنه لا ~~يغفل المسافة الزمانية والثقافية للنص الأصلي والترجمة، وليس فقط المسافة بين النظامين ~~اللغويين. حينما يفرز فينوتي «المفسرين» المتعددين العاملين في لحظتي ~~الإبداع، يكون تقييمه حساسا للقيم الثقافية وليس فقط للقيم السيميائية؛ ولذا فمن شأنه ~~بالفعل أن يتضمن بعدا أفقيا ورأسيا بالمثل؛ حيث إن كل اقتباس يحدث داخل «أفق» من ~~القيم المعاصرة، شاملا نصوصا أخرى داخل مجال صانع الفيلم والجمهور المستهدف. في مثاله ~~الرئيسي، المحتفى به والمثير للجدل، وهو فيلم «روميو وجولييت» (1968)، يمكن القول إن ~~شكسبير كان له دور في انتشار القلق من الازدواجية الجنسية وسط شباب الهيبيز في ستينيات ~~القرن العشرين؛ حيث سجل مخرج الفيلم الإيطالي، فرانكو زيفيرلي، دلالات لم ينتبه لها ~~من قبل في النص الأصلي، وضخمها. نمت مسرحية شكسبير من خلال تفسير سينمائي ربما يدين ~~بشيء ما لأفلام أخرى حادة من الناحيتين النفسية والأسلوبية في تلك الفترة، مثل فيلم ~~آرثر بين «بوني وكلايد» (1967)، وفيلم ماركو بيلوكيو «قبضات في الجيب» («فيستس إن ذا ~~بوكيت»، «إي بوجني إن تاسكا»، 1965). أكيد أن تنوع السينما الأسلوبي قد زاد، فضلا عن ~~هيبتها، كما يقول بازان، بفضل هذا اللقاء بأعمال شكسبير. # ربما تقصى فينوتي عن عرض أعمال شكسبير عبر القرون؛ لأن المسرح في هيئته الحية ~~دائما ما يتضمن «مفسرين» يعرفون بأنهم مخرجون ومؤلفون مسرحيون. زيادة على ذلك، ~~ربما استفسر عن «روميو وجولييت» كما عرضت باللغة الألمانية أو الروسية، أو بمعنى آخر ~~عن شرعية أي ترجمة لأعمال الشاعر. يسأل بدلا من شكسبير نفسه عما صاغه المفسرون من ~~«نسخته» لحكاية شخصيتين تسميان روميو وجولييت؟ ما المصادر التي اعتمد عليها شكسبير؟ ~~ما المسرحيات الأخرى (التي كتبها كتاب المسرح المنافسون) التي تطلع إليها؟ ماذا ~~كانت تحتويه مكتبته؟ يخاطر نهج فينوتي التأويلي بالانتشار رأسيا وأفقيا إلى ما لا ~~نهاية. مع ذلك، فإن نصوص شكسبير تجعلنا نتوقف، كما يفعل الكتاب المقدس للمليارات من ~~قرائه. فقد ms135 كانت تفسيراته - شاملة الترجمات والاقتباسات والرسوم الإيضاحية - ضرورية ~~لنشر الدين والثقافة، بقدر ما كانت مشحونة بالخلاف. استعان وولتر بنيامين بالكتاب ~~المقدس ليختم مقاله العظيم «مهمة المترجم»؛ ليصل بوضوح إلى الرؤى التي نشرها بازان ~~لاحقا عن الأمانة والنص الأجنبي: يشجع التقاء نظامين لغويين على أرضية نص ثمين النمو ~~في كل ما حوله. # 40 # يمكن الاعتقاد بأن بازان، شأنه شأن بنيامين، متناقض؛ لأنهما ناقشا ~~الظواهر المعقدة من أكثر من زاوية في وقت واحد. وفي هذه الحالة، كان كلاهما يفهم أن ~~ديناميات الإنتاج النصي «سائلة» (النشر)، لكنهما كانا يفهمان كذلك أن «جمود» بعض ~~العلامات النصية (المرسى) ليس أمرا وهميا بالكامل. ~~••• # وفقا لرأي بازان، يمثل الاقتباس حالة أخرى، وإن كانت حالة رئيسية، كانت فيها ~~السينما بمنزلة سفينة الاكتشافات الجريئة في القرن العشرين. تجبرها لقاءاتها بما هو ~~غريب عنها على النمو، وتطلب الشيء نفسه من أولئك المشاهدين على متنها. صدمت الواقعية ~~الجديدة بازان بشدة عقب الحرب، حتى صار يبحث دوما عن لقاءات مع أنواع سينمائية أخرى. ~~على سبيل المثال، فإن مجموعة أفلام عن الرسم صنعت في أواخر الأربعينيات والخمسينيات ~~صدمته بطريقة نادرا ما شعر بها في زياراته للمتاحف. # 41 # كتب بازان إن هذا النوع الجديد «تزايد منذ الحرب ... ليصبح أهم التطورات في ~~آخر عشرين عاما في تاريخ الوثائقيات، وربما في تاريخ السينما نفسها.» # 42 # في مجال السينما الروائية، صعقته اليابان كما فعلت بثقافة السينما ~~الأوروبية بالكامل. بعد النصر غير المتوقع الذي أحرزه فيلم «راشومون» (كوراساوا، ~~1950) في مهرجان فينيسيا الدولي عام 1951، اتجهت عيناه شرقا؛ حيث عثر هو ورفاقه في ~~«كاييه» على صانع الأفلام الذي كانوا يحلمون به، كينجي ميزوجوشي. وبينما كانوا يشاهدون ~~أفلامه واحدا تلو الآخر، كان عليهم أن يتكيفوا مع حس سينمائي مختلف تماما، يؤدي ~~إلى ثقافة خلابة ومتميزة. لم ير بازان ومتبعوه يابان ما بعد الحرب على الشاشة، ولكن ~~التقاء ميزوجوشي (ويابان ما بعد الحرب) بإرث خانته في جنون حرب المحيط الهادئ، وهو ~~إرث جرمه الاحتلال الأمريكي، إرث احتاجت اليابان الحديثة إلى اقتباسه إن ms136 كان للأمة ~~أن تبقى مميزة. # أجد التزام ميزوجوشي باقتباس تراث اليابان معروضا بأوضح ما يكون في المشهد الافتتاحي ~~لفيلم «أوتامارو ونساؤه الخمس» («أوتامارو آند هيز فايف ومن»، 1946) حينما يتحدى ~~البطل الفنان للمبارزة تابع مغرور لمدرسة كانو الارستقراطية للرسم. كيف يمكن لشخص ~~من الطبقة الشعبية يرسم من أجل المال أن يواجه رساما من النبلاء يرى الرسم نداء ~~دينيا؟ يبدأ نزال بفرش الرسم لا بالسيوف، ويتقدم أوتامارو بفضل ضربات رشيقة من ~~فرشاته ليصنع لوحة لإلهة الرحمة. يقول أوتامارو منتصرا: «حسنا، هذا أفضل. ألا ~~توافقني؟» مردفا: «لقد بعثت الحياة في الشكل.» التدبير والتلقائية والتمثيل الحي لرمز ~~ديني شهير؛ كل هذا كان في صف الفنان الذي يأكل ويشرب وينام مع الناس. الواقع أن ~~أوتامارو بعث إلى الحياة «جوانيان ذات الرداء الأبيض»، وهي أيقونة بوذية، منحها الراهب ~~الصيني موشي طابعا دينيا في أواخر القرن الثالث عشر. يصورها أوتامارو على الورق، ~~ليس من خلال محاكاة تقليدية، ولكن من خلال تصوير روح الحركة والحياة التي أودعها موشي ~~في تحفته الفنية. ومثل أوتامارو تماما، أحس ميزوجوشي بأنه هو وفنه في صف الناس، ~~ومتصلان في الوقت نفسه بالمهمة التي يربط بها الفن الإنسانية بما هو مقدس. # هل تحدث مسائل النسخ من الأعمال الأصلية الشهيرة - سواء بالترجمة أو الاستخلاص - ~~في آسيا بالطريقة نفسها التي تحدث بها في الغرب؟ هنا، يؤسس ميزوجوشي لسابقة عظيمة؛ ~~لأنه بمجرد أن سمحت الرقابة الأمريكية، أعاد إحياء بضعة نصوص يابانية شبه مقدسة، ~~وقدمها للغرب. كان أول فيلم شد انتباه بازان هو «حياة أوهارو» («ذا لايف أوف أوهارو»، ~~1951) الذي يحمل عنوانه الياباني «سايكاكو إيشيداي أونا» اسم سايكاكو، المؤلف ~~الياباني الشهير من القرن السابع عشر الذي يقتبس هذا الفيلم منه. بعد بضع سنوات، أعاد ~~ميزوجوشي بدقة إحياء مسرحية عرائس محببة، كتبها شكسبير اليابان، محتفظا مرة أخرى ~~باسم الشاعر في عنوان فيلمه «حكاية من تشيكاماتسو» (آ تيل فروم تشيكاماتسو). بين ~~الفيلمين، قدم ميزوجوشي واحدة من أشهر الحكايات اليابانية في فيلم «المأمور سانشو» ~~(سانشو دايو)، معتمدا على نسخة الأعمال الكاملة ms137 لموري أوجاي التي صدرت عام 1917، لكنه ~~«طورها» حيث ينسب الفضل إليه في إخراجها بالشكل الأمثل. # 43 # ربما لأن موري أوجاي نفسه استعار الحكاية من نسخ سابقة، # 44 # حول ميزوجوشي اقتباسه إلى رمز صريح للأمانة. في القصة، يباع الطفلان ~~المختطفان، أنجو وزوشيو، لمعسكر عبيد بعيدا عن أبويهما. وخلال محنتهما الطويلة، ~~يصلي أنجو لأيقونة بوذيسفاتا أعطاها والدهما ~~لزوشيو. جعل ابنه يلمس الأيقونة بينما يكرر بإخلاص حكمته: «كن رحيما بجميع البشر.» ~~في النهاية، يتمسك زوشيو بروح التمثال وبالمعنى الحرفي للحكمة، تماما كما يتمسك ~~ميزوجوشي بقوة بالأسطورة التي اقتبسها خلال المناخ الأخلاقي الآخذ في الاضمحلال في ~~يابان ما بعد الاحتلال الأمريكي. لذا فقد صنع ميزوجوشي من «المأمور سانشو» أيقونة ~~تمجد أيقونة أخرى، إلهة الرحمة المسكنة في وعاء ذخائر القصة. # 45 # في عام 1991، أنتج تيرنس ماليك نسخة مسرحية من «المأمور سانشو» لأكاديمية بروكلين ~~للموسيقى؛ كما أعد اقتباسا سينمائيا باللغة الإنجليزية، إلا أنه لم ينتج. هل كان ~~عمل ميزوجوشي «الأصلي» رمزا مقدسا يمكن لماليك إعادة إحيائه ببضع ضربات رشيقة، ~~بالطريقة التي بعث بها أوتامارو إلهة الرحمة؟ هل خطط ماليك لإعادة إنتاجه بتبجيل، وهو ~~يضع اسمه على شارة الفيلم، كما فعل جاس فان زانت في إعادة صنعه لفيلم «المختل» (سايكو) ~~عام 1998؟ أم إن هذا المخرج الأصيل الشهير يهدف لتوسيع نطاق أسطورة عمرها آلاف السنين، ~~مرسلا إياها من وراء الأفق إلى الجماهير الغربية بلغة جديدة؟ يكمن الفارق بين الأمانة ~~(الرأسية) والتطبيق (الأفقي). اليوم، وفي مكان بعيد غرب اليابان يقف تمثالا أنجو ~~وزوشيو في انتظار السائحين الذين يأخذون حكايتهم أو سينماهم على مأخذ الجد. تعلن ~~الفنادق التقليدية أنها قريبة من موقع الحج هذا. لم تنجح الأعمال المقتبسة التجارية ~~إلا بالحفاظ على صلة بشيء متجذر بعمق. # وهكذا تعمل صناعة الاقتباس داخل اقتصاد ثقافي ثنائي الأبعاد. # 46 # يتحكم في المحور الرأسي الماضي والمستقبل، ويقاس بالبعد عن الأسلاف ~~والآلهة الذين تقتبس منهم القيم الأخلاقية والدينية والأدبية؛ أما المحور الأفقي ~~فيضاعف الثروة بنشر قيمة هذا الإرث عبر أرض معاصرة؛ لتصل إلى جماهير جديدة. ms138 بالتعامل ~~في مفردات الاعتمادات والقيمة، يتعرض الاقتباس لتحليل اقتصادي، يتضمن الفهم اللاهوتي ~~الأصلي للاقتصاد. منذ عام 2006، تعرف قراء «كاييه دو سينما» على هذا المنظور من خلال ~~مقالات ماري-جوزيه موندازان، وهي مؤرخة للفنون حولت خبرتها في حب الأيقونات ~~والخوف منها مباشرة إلى فهم الأفلام والتليفزيون في عصرنا الحالي. # 47 # لكن عملها الأسبق هو ما يجيب على نحو إيحائي عن الأسئلة التي يثيرها ~~الاقتباس، وخصوصا كتابها الرائع الذي يحمل عنوان «الصورة والأيقونة والاقتصاد: الأصول ~~البيزنطية للمتخيل المعاصر». # 48 # تنبع سيطرة الغرب المبكرة على السينما من تقارب الحضارة المسيحية والرأسمالية ~~بالتأكيد، وكذلك من ألفتها الخاصة للصور، وهي ألفة نابعة من عقيدة الثالوث. بتأسيس ~~نظام مالي كنسي في نهاية الأمر يتاجر في الأيقونات، ينتمي «الاقتصاد» المسيحي الأولي ~~إلى الثالوث. استخدم مؤسسو الكنيسة في أيامها الأولى هذا المصطلح لوصف إله واحد منقسم ~~بين الأب والابن، صورته الطبيعية، # 49 # ومرتبط بالروح القدس. هذا «السر» الثالوثي هو بمنزلة اختلاف أصيل داخل ~~الشيء نفسه، مثيرا نقاشا لا ينتهي بين الفلاسفة وعلماء اللاهوت، المؤمنين وغير ~~المؤمنين. لكن ما يتجاوز النقاش هو خصوبة هذه العقيدة التي تؤسس لعدد من الوحدات ~~الثنائية؛ مثل الفكر والكلمة، والصورة والجسم، وأخيرا، الكينونة والمعنى. # يعمل اقتصاد ثان عمل حلقة التبادل بين السماء والأرض من خلال المسيح. قادت نبوءات ~~العهد القديم، والمظاهر الملائكية، والرؤى المسبقة إلى روايات العهد الجديد عن أفعال ~~يسوع على الأرض في يهودا. تفصل اثنتان من هذه الروايات (منسوبتان إلى متى ومرقص) ~~لحظة مميزة؛ وهي لحظة «التجلي» التي ربطت بين السماء والأرض على نحو مرئي في صلة ~~رأسية، حينما أشع المسيح على جبل طابور بنور سماوي. ومما هو بالغ الأهمية للكنيسة ~~الشرقية خصوصا، أن التجلي يضمن قيمة الأيقونات التي هي نفسها صور سماوية مغمورة في ~~النور، وتشع به لأولئك الذين يقدسونها. # الأيقونات شارات خاصة في تداول نظام اقتصادي لاهوتي ثالث، حيث يشتري المؤمنون ~~الارتقاء من خلال تجارة للبركة تنظمها الكنيسة. ولكون الأيقونات مبنية على ~~التشابه، ويمكن نسخها، نبه تضاعف أعدادها بعد القرن الخامس ms139 الميلادي الكنيسة، التي ~~فقدت القدرة على ضبط استخدامها، وخافت من تشتت السلطة. وعلى الرغم من أنها من صنع ~~الإنسان، فهي تشارك في نظام للقيمة، يضمنه المسيح، «الصورة الطبيعية»، حين ينتجها ~~بإخلاص حرفي مؤمن. تضمن الأمانة أن تمر القيمة الفائقة للطبيعة، المبثوثة في ~~النموذج الأولي، إلى النسخ. وحتى نسخ النسخ تحمل القوة الروحية لمن ~~يوقرونها. # يختم كتاب موندازان بإظهار استمرار اقتصاد الصور في العصر الحديث. المثال المميز ~~الذي تذكره هو نفسه الذي يذكره بازان في مقاله «الأنطولوجيا»، وهو صورة «كفن تورينو ~~المقدس». في 29 مايو 1898، سمح لمصور هاو يسمى سيكوندو بيا بإزالة لوح زجاجي شفاف ~~واق من على الكفن، وتصويره لمدة عشرين دقيقة. تستشهد موندازان بتقرير الصحف: «غمس ~~ألواحه الزجاجية في حوض التحميض؛ وفجأة، أظهرت الصورة السلبية أمام المصباح الأحمر صورة ~~وجه المسيح التي لم يتوقع أحد لمدة ثمانية عشر قرنا أن تظهر أمام عينيه.» # 50 # بالجمع بين العلم والإيمان، والسلبية والإظهار، وكذلك الأيقونة والرمز، فإن ~~صورة الكفن مهمة أهمية الجثمان نفسه. من خلال النسخ الفوتوغرافي، أصبح بإمكان ~~المؤمنين الآن الاحتفاظ بنسخ خاصة من «النسخة الأصلية» الرسمية للبقاء على اتصال ~~بالمسيح، ولمسه حرفيا من خلال مجموعة من المرحلات المادية. بدءا من صورة الجيب ~~حتى الصورة السلبية التي أنتجتها، إلى الصورة التي ظهرت عام 1898 من الألواح الزجاجية ~~التي ظهرت عليها صورة سلبية بفعل الضوء المنعكس أو المنبعث من الكفن، إلى الجسد الذي ~~عاد للحياة، الذي ظل لمدة ثلاثة أيام على اتصال بالكفن ليترك أثرا غائما ودمويا ~~لكنه لا يمحى. هكذا يسير اقتصاد الأمانة الرأسي؛ حيث يمكن تبجيل صورة بائسة الشكل ~~تظهر بالكاد لطخات غير قابلة للتفسير. لكن خارج هذا الاقتصاد، سواء فيما يخص غير ~~المؤمن - أو المؤمن الذي أثبت له التأريخ بالكربون له أن الكفن مزيف - فإن الكفن ليس ~~إلا خرقة بالية. # حينما أدخل بازان هذه الصورة كأول صورة توضيحية في كتاب «ما هي السينما؟» صحبها ~~تعليقه: «هنا ينبغي للمرء حقا أن يفحص علم نفس الرفات والتذكارات التي تتمتع بميزات ~~انتقال ms140 واقع ناشئ من «عقدة المومياء». دعونا فقط نسجل في عجالة أن كفن تورينو ~~المقدس يجمع بين ما يشبه ملامح الجثمان والصورة.» ولذا فإن وثنا (الصورة) لوثن حرفي ~~(الكفن) يعمل كنوع من المباركة لمشروع بازان المكون من أربعة إصدارات. لكنها مباركة غير ~~كاملة، إن جاز لنا قول هذا؛ لأنه بحلول عام 1958 أدرك الجميع أن الكفن مزيف، وأن الصورة ~~ما هي إلا دليل على خدعة، أو خرافة جامحة على الأقل. ما الذي كان في ذهن بازان حينما ~~اقترح الصورة أو سمح لها بالتأثير في قراءتنا؟ # تشي فقرة في وسط ذلك المقال بأحد الدوافع من خلال التلاعب بمعنى كلمة أمانة: «قد ~~يخبرنا رسم أمين للغاية حقا بالمزيد عن النموذج؛ لكن على الرغم من استثارة ذكائنا ~~النقدي، فلن يمتلك أبدا القدرة غير العقلانية التي تملكها الصورة الفوتوغرافية على ~~تغيير مسار إيماننا.» # 51 # لماذا لا يتساوى رسم «أمين» لجثة المسيح مع هذه الصورة الرثة في قوته ~~النفسية؟ الآن ندرك الإجابة: يقول بازان إن الخواص الأيقونية التي تقلد بها صورة ~~فوتوغرافية الهيئة المرئية لما تصوره، هي أقل سطوة بكثير من الصلة المادية للصورة بما ~~تصوره، ومنزلتها بوصفها نسخة منه. في هذه الحالة، فإن الصورة الفوتوغرافية هي نسخة من ~~نسخة مزعومة للمسيح؛ لأن الكفن كان بمنزلة طبعة مباشرة بملامسة جسد المسيح. تبجل ~~صورة الكفن الفوتوغرافية فقط لأنها لا يفصلها عن الإنسان الإله، مصدر الخلاص، سوى ~~نسختين مطبوعتين بطريقة الملامسة. «الإيمان» بالمسيح يثير الإيمان بهذه الصورة ~~الفوتوغرافية رغم تواضعها الواضح أمام الرسومات أو اللوحات «الأمينة» التي تقدم وهم ~~الحضور. على الجانب الآخر، فإن عدم نقاء تركيب هذه الصورة الفوتوغرافية يصدق على ~~الحضور الغريب لغياب الجسد المتصلة به، مهما يكن ذلك ضعيفا. تكتسب كل الصور شيئا من ~~الأصالة التي تبثها الشوائب على سطحها؛ لأن هذه تشير إلى أن الموضوع الحقيقي اختفى من ~~الإشارة. ربما يقود بازان إلى دريدا ودولوز بتوسيعهما مفهوم «الفارق»، لكنه يقود هنا ~~إلى موندازان، ويقود خصوصا إلى جان-لوك نانسي الذي لا يكتب عن الفارق بل ms141 عن «التشابه» ~~الجزئي الذي يؤدي من وراء المظهر إلى حقيقة حاضرة بسبب غيابها من الصورة. # 52 # يشير بازان كذلك إلى أن الاقتباسات، مثل الصور، يمكنها الإشارة إلى حقائق ~~وراء ظهورها. # في الواقع، ينظر إلى اقتباسات سينمائية معينة على أنها أيقونات لإبداعات أدبية ~~دينية. بحلول الأدب محل الدين مصدرا للسمو في المجتمع العلماني، يكون الدارسون هم ~~كهنة الثروة الروحية الموروثة المعاصرون. يتجسد الصراع بين الانتشار الأفقي ~~(لشكسبير أو جين أوستن على سبيل المثال) والسلطة الفنية أو الأكاديمية الرأسية اليوم في ~~مناقشات حول الدراسات الثقافية. كان بازان مهتما بكلا الاقتصادين؛ وكما يبين ~~مقاله العظيم «من أجل سينما مشوبة»، فقد رآهما متصلين على نحو صارم؛ حيث تستفيد ~~الاقتباسات الشهيرة من «قيمة» الأعمال الأصلية، لكنها تعزز في الوقت نفسه براعة ~~السينما وهيبتها من خلال نوع من الأمانة. # يختتم المثال الرئيسي الذي يذكره بازان بالصليب العاري الذي يظهر في اللقطة ~~النهائية لفيلم «يوميات قس في الأرياف». يذكرنا بازان بأن ما هو موجود ليس أكثر من ~~ظل لصليب (مرسوم بشكل أخرق على بطاقة مقدسة عادية) يسقط على الحائط الذي يعلو جثة القس ~~من خلال قضيبي نافذة. هذا «الافتراض» النهائي للصورة، هذا التجريد الروحي، أعد على ~~مدى ساعتين من خلال تغشية صوت القس، وكتاباته في دفتر يومياته، والآثار البيضاء ~~والسوداء للبشر والأشياء، حتى نصل في النهاية إلى «إنجاز مهيب للسينما النقية. ومثلما ~~تعتبر الصفحة البيضاء لمالارميه وصمت آرثر رامبو لغة في أرقى حالاتها، فإن الشاشة، ~~بخلوها من الصور وإرجاعها للأدب تعتبر انتصارا للواقعية ~~السينماتوغرافية.» # 53 # علم فيلم بريسون العظيم بازان أنه يمكن لصناع الأفلام تحدي أنفسهم بتناول مادة ~~أدبية غير سينمائية، وإنتاج «سينما مشوبة» من أفضل نوع ثقافي. باستغنائهم عن «الأمانة ~~الوهمية» في النسخ، تعلموا من خلال بناء السيناريو وتصميم المشهد مواجهة رواية أو ~~مسرحية، وإنتاج شيء قريب من توازن الشكل والأفكار، يعمل في نطاق العمل الأصلي. أنجز ~~بريسون، دون أن يكون تقليديا أو آليا على الإطلاق في اقتباسه للأصل، «أمانة ~~مدوخة تقريبا من خلال الاحترام الإبداعي ms142 الدائم لمصدره.» لذا، فالأمانة الأصيلة ~~تحتاج إلى الإبداع، وكذلك حسن النية؛ مثل «الواقعية الحقيقية» التي ذكرها بازان في ~~مقال «الأنطولوجيا»، متحديا بها واقعية المظهر السطحية. ومثلما تصل الواقعية ~~الحقيقية إلى جوهر موضوعها من خلال عمليات الاسغتراب الذاتي، أو عمليات التلميح والحذف، ~~هكذا تتخلى الأمانة الأصيلة عن الملاءمة الواضحة لصالح الجانب الإبداعي. ربما يكشف ~~التقاء اللغات بشأن نص قوي عن شيء جديد عن النص الأصلي، وفي الوقت نفسه توسيع نطاق ~~اللغتين المستخدمتين. بهذه الطريقة ما زال المنظور المحدود والنواقص والعيوب الحتمية ~~لأي اقتباس سينمائي يستطيع تغيير هوية السينما؛ وربما وجودها. يساعد اللقاء التاريخي ~~مع الأدب - ومع أي موضوع قوي - السينما في أن تصبح ما تريد أن تكونه. # قبيل نهاية حياته، أبدع بول ريكور، زميل بازان في مجلة «إسبري» دراسة فلسفية عظيمة ~~يخدم عنوانها فرضيتي: «الذات بوصفها آخر». السينما، مثل «الذات» في الهوية الشخصية؛ لن ~~تثبت مطلقا، لكنها في الوقت نفسه ليست سرابا؛ فهي تعتمد على لقاءات مع «آخر» (ما هو ~~خارج نطاقها). ورغم أن جسمك ليست له خلية واحدة شكلتك «أنت» منذ ثلاثين عاما، وحتى إذا ~~كانت ظروفك ومعتقداتك وأصدقاؤك قد تغيروا، يمكنك «إقرار» أفعالك، والالتزام بوعودك؛ ~~يمكنك أن تحكي تطورك. تتراكم الهوية؛ وبدلا من أن تكون قائمة لقاءات مسلسلة ~~زمنيا، هي، أكثر من ذلك، سرد للاكتشافات، تتبعه الوعود (حتى لو أخلفت)، والمواقف ~~(حتى لو كانت أحيانا سريعة الزوال). وهكذا، فإن السينما تمضي قدما حيث تقابل آثار ~~عالم أكبر؛ كما تمضي قدما كآلة ذكريات، مهيئة «نفسها» لما أصبحت عليه في هذه العملية ~~من الاستكشاف والاشتباك بموضوع آخر، سواء أكان شخصا أم ثقافة أم زمانا. # يتضح أن عنوان دراسة ريكور مقتبس بشكل مباشر من قس بيرسون الريفي الذي كتب في ~~يومياته قائلا: «يعني السمو نسيان الذات.» # 54 # باقتباس هذه الحكمة، دعوني أختم قائلا: السينما، التي ليست شيئا في حد ~~ذاتها من حيث الأساس، إنما تعنى بالاقتباس، تعنى بما دفعت لكي تكونه، وما يمكن أن ~~تظل عليه في السنوات المقبلة. أولئك الذين يهتمون ms143 من بيننا بما يكفي لتولي مهمة ~~بازان، يجب أن يكونوا متيقظين في بحثنا عن السينما؛ لأنها تظهر بمظاهر جديدة دائما، ~~متغيرة في جوهرها فقط. # | هوامش ms144