######OpenITI# #META# URI: 1427NajibMahfuz.TahtMazalla.Hindawi84616493 #META# Tags: plays :: novels #META# ID: 84616493 #META# Title: تحت المظلة #META# AuthorID: 71616385 #META# Author: نجيب محفوظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تحت المظلة‏ # النوم‏ # الظلام‏ # الوجه الآخر‏ # الحاوي خطف الطبق‏ # ثلاثة أيام في اليمن‏ # يميت ويحيي‏ # التركة‏ # النجاة‏ # مشروع للمناقشة‏ # المهمة‏ # تحت المظلة‏ # النوم‏ # الظلام‏ # الوجه الآخر‏ # الحاوي خطف الطبق‏ # ثلاثة أيام في اليمن‏ # يميت ويحيي‏ # التركة‏ # النجاة‏ # مشروع للمناقشة‏ # المهمة‏ # | تحت المظلة # | تحت المظلة # تأليف # نجيب محفوظ # كتبت هذه القصص في الفترة بين أكتوبر وديسمبر 1967. # | تحت المظلة # انعقد السحاب، وتكاثف كليل هابط، ثم تساقط الرذاذ، اجتاح الطريق هواء بارد مفعما بشذا ~~الرطوبة، حث المارة خطاهم غير نفر تجمعوا تحت مظلة المحطة، وأوشكت الرتابة أن تجمد المنظر ~~لولا أن اندفع رجل؛ اندفع راكضا كالمجنون من شارع جانبي، واختفى في شارع آخر على الجانب ~~الآخر، تبعه على الأثر جماعة من الرجال والغلمان وهم يتصايحون: «لص ... أمسكوا اللص!» ~~وما لبثت الضجة أن خفت رويدا حتى ماتت وتتابع الرذاذ، وخلا الطريق أو كاد، أما ~~المتجمعون تحت المظلة فبعضهم ينتظر الباص والبعض لاذ بها خوف البلل. وبعثت ضجة المطاردة ~~مرة أخرى، وتدانت في اشتداد وتضخم، ثم ظهر المطاردون وهم يقبضون على اللص، ومن حولهم ~~الغلمان تهلل بأصوات رفيعة حادة. وعند عرض الطريق في المنتصف حاول اللص الإفلات؛ فأمسكوا ~~به وانهالوا عليه صفعا ولكما، فمن شدة الضرب قاوم وضرب كيفما اتفق. وشدت أعين الواقفين ~~تحت المظلة إلى المعركة. ~~- يا لها من ضربات قاسية عنيفة! ~~- ستقع جريمة أشد من السرقة. ~~- انظروا .. الشرطي واقف في مدخل عمارة يتفرج. ~~- بل أدار وجهه إلى الناحية الأخرى. # واشتد الرذاذ؛ فتواصل أسلاكا فضية برهة ثم انهمر المطر، خلا الطريق إلا من المتعاركين ~~والواقفين تحت المظلة، نال الإعياء من الرجال فكفوا عن تبادل الضربات، ولكنهم أحاطوا باللص، ~~وتبادلوا كلمات غير مسموعة معه وهم يلهثون. ثم انغمسوا في مناقشة هامة، لم يميزها أحد، دون ~~مبالاة بالمطر. التصقت الملابس بأجسادهم، ولكنهم واصلوا النقاش بإصرار وبلا أدنى اكتراث ~~بالمطر. ووشت حركات اللص بحرارة دفاعه ولكن لم يصدقه أحد. ولوح بذراعيه فكأنما يخطب، ولكن ~~ضاع صوته في البعد وانهلال المطر. إنه بلا شك يخطب، وها هم يصغون ms001 إليه، تطلعوا إليه خرسا ~~تحت المطر، وظلت أعين الواقفين تحت المظلة مشدودة إليهم. ~~- كيف أن الشرطي لا يتحرك؟! # لذلك خطرت فكرة؛ أن يكون الحدث منظر تصوير سينمائي! ~~- لكن الضرب كان حقيقيا! ~~- والمناقشة والخطابة تحت المطر؟ # شيء طارئ جذب النظر، فمن ناحية الميدان انطلقت سيارتان في سرعة جنونية، مطاردة حامية ~~فيما بدا، المتقدمة تطير طيرا، والأخرى توشك أن تدركها، وإذا بالمتقدمة تفرمل بغتة حتى ~~زحفت فوق أديم الأرض، فصدمتها الأخرى صدمة عنيفة مدوية، انقلبتا معا محدثتين انفجارا، ~~وسرعان ما اشتعلت فيهما النيران. وارتفع صراخ وأنين تحت المطر المنهمر، ولكن لم يهرع أحد من ~~المحدقين به إلى بقايا السيارتين اللتين أدركهما الخراب على بعد أمتار منهم، لم يبالوا بهما ~~كما لا يبالون بالمطر. ولمح الواقفون تحت المظلة آدميا من ضحايا الحادث يزحف ببطء شديد من ~~تحت سيارة ملطخا بالدم، حاول النهوض على أربع ولكنه سقط على وجهه سقطة نهائية. ~~- كارثة حقيقية بلا أدنى شك. ~~- الشرطي لا يريد أن يتحرك! ~~- لا بد من وجود تليفون قريب. # ولكن أحدا لم يبرح مكانه خشية المطر، وقد انهل انهلالا مخيفا، وقعقع الرعد، وانتهى ~~اللص من خطابه، فوقف ينظر إلى مستمعيه بثقة واطمئنان؛ وفجأة راح يخلع ملابسه حتى تجرد ~~عاريا، رمى بملابسه فوق حطام السيارتين اللتين أطفأ نيرانهما المطر، دار حول نفسه كأنما ~~يستعرض جسمه العاري، تقدم خطوتين وتأخر خطوتين، وبدأ يرقص في رشاقة احترافية؛ وإذا ~~بمطارديه يصفقون له تصفيقات إيقاعية، على حين تشابكت أذرع الغلمان وراحوا يدورون من حولهم ~~في دائرة متماسكة؛ وذهل الواقفون تحت المظلة ولكنهم رغم ذلك استردوا أنفاسهم. ~~- إن لم يكن منظرا تصويريا فهو الجنون! ~~- منظر سينمائي بلا ريب، وما الشرطي إلا أحدهم ينتظر دوره. ~~- وحادث السيارتين؟ ~~- براعة فنية، وسوف نكتشف المخرج في النهاية وراء إحدى النوافذ. # فتحت نافذة في عمارة مواجهة للمحطة محدثة صوتا لافتا للنظر، لفتت الأنظار رغم ~~التصفيق وانهمار المطر؛ ظهر بها رجل كامل الزي، فصفر صفيرا متقطعا، وفي الحال فتحت ~~نافذة أخرى في نفس العمارة، فظهرت بها امرأة متأهبة ms002 الزينة والملابس، فاستجابت لصفيره ~~بإشارة من رأسها، اختفيا معا عن أنظار الواقفين تحت المظلة، بعد قليل غادرا العمارة معا، ~~سارا متشابكي الذراعين بلا مبالاة تحت المطر، وقفا عند السيارتين المهشمتين، تبادلا كلمة. ~~أخذا يخلعان ملابسهما حتى تعريا تماما تحت المطر. استلقت المرأة على الأرض طارحة رأسها ~~فوق جثة القتيل المنكفئ على وجهه، ركع الرجل إلى جانبها، بدأ غزل رقيق بالأيدي والشفاه، ثم ~~غطاها الرجل بجسده ومضى يمارس الحب. وتواصل الرقص والتصفيق ودوران الغلمان وانهمار ~~المطر. ~~- فضيحة! ~~- إن لم يكن تصويرا فهو فضيحة، وإن يكن حقيقة فهو جنون. ~~- الشرطي يشعل سيجارة. # واستقبل الطريق شبه الخالي حياة جديدة، جاءت من الجنوب قافلة من الجمال، يتقدمها حاد ~~ويقودها رجال ونساء من البدو، عسكرت على مبعدة قصيرة من حلقة اللص الراقص. شدت الجمال إلى ~~أسوار البيوت ونصبت الخيام، وتفرقوا؛ فمنهم من تناول طعامه، أو راح يحتسي الشاي أو ~~يدخن، وبعضهم غرق في السمر. ومن الشمال جاءت مجموعة من سيارات السياحة محملة بالخواجات، ~~توقفت فيما وراء حلقة اللص، ثم غادرها راكبوها من الرجال والنساء، فتفرقوا جماعات تستطلع ~~المكان في نهم دون مبالاة بالرقص أو الحب أو الموت أو المطر. # ثم أقبل عمال بناء كثيرون تتبعهم لوريات مثقلة بالأحجار والأسمنت وأدوات البناء، وبسرعة ~~مذهلة شيدوا قبرا رائعا، وعلى مقربة منه أقاموا من الأحجار سريرا كبيرا، فغطوه ~~بالملاءات، وزينوا قوائمه بالورد، كل ذلك تحت المطر. ومضوا إلى حطام السيارتين فاستخرجوا ~~منه الجثث، مهشمة الرءوس، محترقة الأطراف، وضموا إليها جثة المنكفئ على وجهه من تحت ~~العاشقين اللذين لم يكفا عن ممارسة الحب، ثم رصوا الجثث فوق السرير جنبا إلى جنب، ~~وتحولوا إلى العاشقين فحملوهما معا وهما لا ينفصلان فأودعوهما القبر، ثم سدوا فوهته، وأهالوا ~~عليهما التراب حتى سووها بالأرض. استقلوا بعد ذلك اللوريات فانطلقت بهم في سرعة عاصفة وهم ~~يهتفون بكلام لم يميزه أحد. ~~- كأننا في حلم! ~~- حلم مخيف، ويحسن بنا أن نذهب. ~~- بل علينا أن ننتظر. ~~- ماذا ننتظر؟ ~~- النهاية السعيدة. ~~- السعيدة؟! ~~- وإلا فبشر المنتج بكارثة! # في أثناء ms003 الحديث تربع فوق القبر رجل يرتدي روب القضاء. لم ير أحد من أين أتى! من عند ~~الخواجات، أو من عند البدو، أو من حلقة الرقص، لم يعرف أحد! بسط صحيفة بين يديه، وراح يتلو ~~نصا كأنما ينطق بحكم، لم يميز كلامه أحد؛ إذ غطى عليه التصفيق وضوضاء الأصوات بشتى اللغات ~~والمطر. ولكن كلماته غير المسموعة لم تضع، فانتشرت في الطريق حركات كالأمواج الصاخبة في عنف ~~وتضارب، نشبت معارك في محيط البدو، وأخرى في مواقع الخواجات، واشتعلت معارك بين بدو ~~وخواجات، وجعل آخرون يرقصون ويغنون، وأقبل كثيرون حول القبر، وراحوا يمارسون الحب عرايا، ~~وأخذت النشوة اللص؛ فتفنن في رقصه وأبدع، واشتد كل شيء وبلغ غايته؛ القتل، والرقص، والحب، ~~والموت، والرعد، والمطر. # واندس بين الواقفين رجل ضخم؛ عاري الرأس يرتدي بنطلونا وبلوفر أسود، وبيده منظار مكبر، ~~شق مكانه بينهم بعنف واستهتار، وجعل يراقب الطريق بمنظاره متجولا به بين الأركان. وتمتم: ~~لا بأس .. لا بأس! # تعلقت به أعين المتجمعين تحت المظلة باهتمام: هو؟ ~~- نعم .. هو المخرج. # وعاد الرجل يخاطب الطريق مغمغما: استمروا بلا خطأ وإلا اضطررنا لإعادة كل شيء من ~~البدء! # عند ذاك سأله أحدهم: هل سيادتك ... # ولكنه قاطعه بإشارة عدائية وحاسمة؛ فازدرد الرجل بقية سؤاله وسكت، ولكن آخر استمد من ~~توتر أعصابه شجاعة فسأله: حضرتك المخرج؟ # لم يلتفت إليه، وواصل مراقبته؛ وإذا برأس آدمي يتدحرج نحو المحطة فيستقر على بعد أذرع ~~منها، والدماء تتفجر من مقطع العنق بغزارة. صرخ الرجال فزعا، أما الرجل فحدق بالرأس ~~مليا، ثم غمغم: برافو .. برافو! # وصاح به رجل: ولكنه رأس حقيقي ودم حقيقي. # فوجه الرجل منظاره نحو رجل وامرأة يمارسان الحب، ثم هتف نافد الصبر: غير الوضع .. ~~حذار من الملل! # ولكن الآخر صاح به: ولكنه رأس حقيقي، فمن فضلك فهمنا! # وآخر قال: كلمة واحدة منك تكفي لنعرف من أنت ومن هؤلاء. # وثالث قال بتوسل: لا شيء يمنعك من الكلام! # ورابع تضرع قائلا: يا أستاذ لا تضن علينا براحة البال. # ولكن الأستاذ تراجع في قفزة مباغتة، كأنما كان ms004 يداري نفسه خلفهم، ذاب الصلف في نظرة ~~مترقبة، وتوارت نفخته، كأنما طعن به السن أو تردى في مرض. رأى المتجمعون تحت المحطة ~~نفرا من الرجال ذوي هيئة رسمية يتجولون غير بعيد من المحطة كأنهم كلاب تشمم. واندفع الرجل ~~راكضا مجنونا تحت المطر، انتبه إليه رجل من المتجولين فاندفع أيضا صوبه يتبعه الآخرون ~~كعاصفة. وسرعان ما اختفوا جميعا عن الأنظار مخلفين الطريق للقتل والحب والرقص ~~والمطر. ~~- يا ألطاف الله! لم يكن المخرج كما توهمنا! ~~- من يكون؟! ~~- لعله لص. ~~- أو مجنون هارب! ~~- أو لعله ومطارديه ضمن المنظر السينمائي. ~~- هذه أحداث حقيقية لا علاقة لها بالتمثيل. ~~- ولكن التمثيل هو الفرض الوحيد الذي يجعلها معقولة على نحو ما. ~~- لا داعي لاختلاق الفروض. ~~- فما تفسيرك لها؟ ~~- هي حقيقة بصرف النظر ... ~~- كيف أمكن أن تقع؟ ~~- هي واقعة. ~~- يجب أن نذهب بأي ثمن. ~~- سندعى للشهادة عند التحقيق. ~~- ثمة أمل باق. # قال ذلك واتجه ناحية الشرطي وصاح: يا شاويش! # كرر النداء أربعا حتى انتبه إليه الرجل؛ فقطب متنحنحا، فأشار إليه يستدعيه قائلا: من ~~فضلك يا شاويش! # نظر الشرطي إلى المطر متسخطا، ثم حبك المعطف حول جسمه، ومضى نحوهم مسرعا حتى وقف تحت ~~المظلة، تفحصهم بقسوة متسائلا: ما شأنكم؟ ~~- ألم تر ما يحدث في الطريق؟ # لم يحول عينيه عنهم، وقال: كل من كان في المحطة استقل سيارته إلا أنتم، فما شأنكم؟ ~~- انظر إلى هذا الرأس الآدمي. ~~- أين بطاقاتكم؟ # ومضى يتحقق من شخصياتهم وهو يبتسم ابتسامة ساخرة قاسية، ثم سألهم: ماذا وراء اجتماعكم ~~هنا؟ # تبادلوا نظرات إنكار، وقال أحدهم: لا يعرف أحدنا الآخر. ~~- كذبة لم تعد تجدي. # تراجع خطوتين، سدد نحوهم البندقية، أطلق النار بسرعة وإحكام؛ تساقطوا واحدا في إثر ~~الآخر جثة هامدة، انطرحت أجسادهم تحت المظلة، أما الرءوس فتوسدت الطوار تحت المطر. # | النوم # هذه النخلة الوحيدة في الفناء الترب تذكر بحوش قرافة. يجرى ذلك في خاطره كلما مر عبر ~~الفناء إلى باب البيت الخارجي، واعترضه صاحب البيت وهو يرش الأرض بالخرطوم، ناداه قائلا: ~~أستاذ. # اللعنة! أبغض يوم عنده يوم ms005 يصبح على وجهه. عجوز ناعم، يفتر فوه أحيانا عن ابتسامة كشق في ~~لحاء شجرة. ~~- أنت شاب وحيد ولكنك مهذب طيب السمعة، لا شكوى من ناحيتك؛ فبالله ما معنى الجلسات التي ~~تعقد في شقتك لتحضير الأرواح؟ ~~- هل أستجوب عما يدور داخل شقتي؟ ~~- نعم، إذا امتد أثره إلى من حولك، ثم إن لي حقا في مخاطبتك باسم صداقتي القديمة ~~للمرحوم والدك. # انطبع الامتعاض في صفحة وجهه، فقال صاحب البيت: لم أرك مرة واحدة في صلاة الجمعة! ~~- وما دخل ذلك في موضوعنا؟ ~~- المؤمن لا يهتم بهذه الألاعيب، هذا ما أعنيه. # ضحك الشاب ضحكة قصيرة، وقال: ولكن الاهتمام بذلك يعني الإيمان بالأرواح. ~~- كلا. يعني الشك أولا وأخيرا. # فغير الحديث قائلا: أذكرك بجدار دورة المياه. ~~- لا تتهرب، الحق أن هذه الجلسات تحدث بين السكان اضطرابا غير مستحب! ~~- أنا لا أرتكب فعلا مخالفا للقانون، وأرجو أن الجدار ... ~~- من الأفضل أن نبقى على وفاق. # ثم قال وهو يدفع بماء الخرطوم إلى بعيد: أما عن أي إصلاح فعليك أن تقوم به بنفسك. # ما أبغض أن يصبح على وجهه يوم العطلة! والطريق شبه خال كشأنه في بواكير العطلات، وثمة ~~سقيفة من السحاب الثابت تمتد فوق الضاحية، واشتد عليه ثقل رأسه عقب ليلة لم ينم فيها أكثر ~~من ساعتين، فبعد انفضاض حلبة التحضير قال لزميله مدرس التاريخ: يطيب الآن الحديث في ~~المصير ... # وتقضى الليل دون أن يجنوا من النقاش ثمرة. وقال له صديق، ضاحكا وهو يغادر الشقة قبيل ~~الفجر: خير حل أن تتزوج. # وأوى إلى فراشه قلقا، ووجه محبوب يتراءى لعينيه، لا ينبغي أن تبقى النخلة وحيدة إلى ~~الأبد. ولم كانت أمه تؤكد له دائما قبيل وفاتها بأيام بأن كل شيء يدعو للحمد؟ وجد ~~الكازينو خاليا في تلك الساعة المبكرة، واتخذ مجلسه عند مدخل الحديقة الفاصلة بين الكازينو ~~ومحطة الديزل. حياه الجرسون وجاءه بالجرائد، أعد له مع القهوة سندويتش فول، فبعد أن شبع ~~ثقل رأسه أكثر وأكثر حتى عجب أين كان النوم وهو يستجديه في فراشه! وتذكر درس المفعول ~~المطلق ms006 الذي سيلقيه غدا صباحا على تلاميذه، فتذكر بالتالي زميله مدرس التاريخ، قرينه في ~~المناقشات الجنونية. ~~- ولكن ما معنى ذلك؟ ~~- أنت مدرس عربي، حسن! هل عرفت فعلا بلا فاعل؟ ~~- اللغة بحر بلا حدود. ~~- مات محمد. محمد فاعل، ولكن أي فاعل هذا؟ ولذلك فإني أبحث عما أريد خارج نطاق ~~اللغة. # وجاء الجرسون لينظف الرخامة، فسأله: كيف تبرر مطالبتك الزبائن بأثمان الطلبات؟ # ابتسم الرجل ابتسامة المعتاد لهذه الأسئلة الغريبة، ثم تناول قروشه ومضى، وقال هو ~~لنفسه: «إنه يبتسم ابتسامة العقلاء، ومع ذلك فما لم نعرف كل شيء فستظل معرفتنا الأشياء ~~الصغيرة القريبة ناقصة وغير مبررة.» ورنا إلى السحب حتى ابيض كل شيء في عينيه. ولكن ~~البياض لم يثبت على حال، لعبت به يد ساحرة، تميع وتموج، واستحال لونا معتما بلا شخصية ولا ~~شكل، واختفى قطار الديزل الواقف في المحطة أو ذاب في السحاب. وبدافع من رغبته في الهدوء ~~المطلق مثل بين يدي بوذا في الحديقة اليابانية، وسمع صديقه مدرس التاريخ يقول وهو يشير ~~إلى بوذا: «الهدوء والحقيقة والانتصار.» ثم أكد قوله مكررا: «الهدوء والحقيقة والهزيمة.» ~~وجمع عزيمته على المناقشة، ولكن أوراق الشجر اهتزت بصرخة حادة؛ صرخة طفل أو لعلها صرخة ~~امرأة، وخفق قلبه وانتعش بروح الغزل، وأراد أن يستشهد ببيت من عمر الخيام ولكن هيهات. ~~وناداه صوت؛ التفت نحو مصدره، فرأى صديقه الآخر وقد بادره قائلا: «خير حل أن تتزوج.» وأطبق ~~عليه وقع أقدام راكضة، وركض ليلحق بالديزل، فزلت قدمه وتهاوى من فوق الطوار. رباه كيف اكتظ ~~المكان بهؤلاء! عشرات وعشرات وعشرات يقفون خارج سور الحديقة الصغيرة، وقوة من الشرطة تعسكر ~~فوق طوار المحطة. حدث تحت السحاب الراكد! وها هو الجرسون راجعا من الزحام إلى الكازينو. ~~وقد مال الرجل نحوه قائلا:حضرتك رأيت كل شيء طبعا! # فقطب متسائلا ومنكرا في آن، فواصل الرجل: سوف تدعى فورا إلى المحقق. ~~- أي محقق يا هذا؟ ~~- ارتكبت الجريمة في المحطة على بعد أمتار من مجلسك. # تساءل ذاهلا: جريمة؟ ~~- أين كنت يا سيدي؟ جريمة القتل فظيعة، ألا تعرف ms007 الآنسة «المولدة»؟ ~~- المولدة! ~~- قتلها شاب مجنون، الله ينتقم منه. # تقلص وجهه في ألم وذهول، وغمغم: قتلت! لا أصدق .. وأين هي؟ ~~- حملوها إلى المستشفى لإسعافها، ولكنها ماتت في الطريق. ~~- ماتت! ~~- ألم ترها وهي تقتل على بعد أمتار منك؟ # وبعد صمت عاد يقول: كيف لم ترها! أما أنا فكنت مشغولا في الداخل، ثم خرجنا على صوت ~~الصراخ، كان الملعون يطاردها وهي تجري أمامه حتى طعنها في المكان الذي يقف فيه المحقق ... ~~- والقاتل؟ ~~- استطاع الهرب، حتى الآن على الأقل، شاب صغير، رآه ناظر المحطة وهو يثب فوق السور ويستقل ~~دراجة بخارية، ولكن سيقبض عليه عاجلا أو آجلا. # اشتد تقلص وجهه بالألم حتى تقوض في مجلسه. ومضى الجرسون عنه وهو يقول: كيف لم تر ~~الحادثة التي وقعت بين يديك؟ # وأقبل شرطي فدعاه إلى لقاء المحقق، قرر أن يركز فكره المشتت مهما كلفه ذلك من عناء، نظر ~~في ساعته فأدرك أنه نام ساعة على الأقل. ومضى مع الشرطي وهو يجر رجليه، بدأ السؤال كالعادة ~~بالاسم والسن والعمل. ~~- متى جلست في الكازنيو؟ ~~- في السابعة صباحا على وجه التقريب. ~~- ألم تغادر مجلسك طيلة الوقت؟ ~~- كلا. ~~- ماذا رأيت؟ حدثنا بالتفصيل من فضلك. ~~- لم أر شيئا! ~~- كيف؟ لقد ارتكبت الجريمة في هذا الموضع، فكيف لم تر شيئا؟ ~~- كنت نائما! ~~- نائما؟! # أجاب باستحياء: نعم. ~~- لم توقظك المطاردة؟ ~~- كلا. ~~- ولا الصراخ؟ # هز رأسه نفيا، وهو يعض على شفتيه. ~~- ولا استغاثتها وهي تناديك باسمك؟ # تأوه هاتفا: اسمي! ~~- أجل، لقد نادتك مرارا، ورجح الشهود أنها كانت تجري نحوك مستغيثة بك. # حملق في وجهه بذهول، وتمتم في توسل: كلا! ~~- هو الواقع. # أغمض عينيه ولم يعد يلقي بالا إلى المحقق أو أسئلته، حتى قال له هذا في ضجر: أجب .. عليك ~~أن تجيب! ~~- إني في غاية من التعاسة! ~~- أكانت ثمة علاقة بينك وبينها؟ ~~- كلا! ~~- ولكنها نادتك باسمك. ~~- نحن من ضاحية واحدة، ونقيم في شارعين متجاورين. ~~- شهد شهود بأنهم كثيرا ما رأوكما تقفان متقاربين في انتظار الديزل؟ ~~- توافق في المواعيد بحكم العمل ليس إلا. ~~- أليس لاستغاثتها بك ms008 دلالة ما؟ ~~- لعلها كانت تشعر بإعجابي بها. ~~- إذن كانت هناك علاقة من نوع ما. ~~- ربما .. # ثم بانفعال قاهر: كنت أحبها .. كنت أفكر كثيرا في طلب يدها. ~~- أولم تفعل شيئا في سبيل ذلك؟ ~~- كلا .. لم أكن اتخذت قرارا بعد. ~~- ووقعت الواقعة وأنت نائم؟ ~~(أطرق في خزي أليم.) # والآخر .. أعني القاتل .. أليس لديك فكرة عنه؟ ~~- كلا. ~~- ألم تسمع عن علاقة لها بآخر؟ ~~- كلا. ~~- ألم تر أحدا يحوم حولها؟ ~~- كلا. ~~- هل لديك أقوال أخرى؟ ~~- كلا. # ما زالت السماء محجوبة وراء سقيفة السحاب الجامد، وتساقط رذاذ دقيقة واحدة ثم انقطع. هام ~~على وجهه طويلا. # انقضى النهار وهو يهيم على وجهه، كأنما يداوي أزمته الطاحنة بالحركة المرهقة، وصادفه مدرس ~~التاريخ أمام الحديقة اليابانية، هز يده مصافحا وهو يقول: تعال نجلس سويا، بي رغبة في ~~الحديث. # فقال بفتور: من غير مؤاخذة، لا رغبة لي في الأحاديث الميتافيزيقية. # مط الرجل بوزه آسفا، وتساءل: أحق ما يقولون من أن المولدة قتلت أمامك وأنت نائم؟ # فسأله غاضبا: من أدراك بذلك؟ # أجاب بنبرة المعتذر: سمعت به عند الحلاق! ~~- أمن العجب أن ينعس إنسان متعب؟ وما ذنبه إذا قامت القيامة في أثناء ذلك؟ # ضحك الزميل وقال ملاطفا: لا تغضب، ولكني لم أكن أعلم بالعلاقة بينك وبين المولدة. ~~- أي علاقة؟! أنت مجنون؟! ~~- أعتذر .. أعتذر .. هذا ما سمعتهم يقولونه في دكان الحلاق. # مضى في سبيله الذي لا هدف له، اللعنة، ستنتفخ الشائعات كالمناطيد. ولن ترد قوة الجميلة ~~اليانعة إلى الحياة، حسرة لا دواء لها. واستغاثتها اليائسة ارتطمت بجدار النوم، ولكنها نفذت ~~بطرق سحرية إلى آذان الضاحية. أيتها التعيسة، إني أتعس منك. وقال له بائع السجائر وهو يعطيه ~~العلبة: لا بأس عليك يا أستاذ، البقية في حياتك. # اللعنة! لا يبدو أن أحدا يجهل الواقعة، وها هم يقدمون له العزاء مسلمين بداهة بعلاقته ~~بها، ها هي الخطبة تعلن بعد الوفاة، وربما تمادت الظنون وراء ذلك. # ورماه البدال بنظرة ذات معنى، ما البدال! يخيل إليه أن الأعين كلها تتعقبه، إنه في الواقع ~~مطارد، متهم، مجرم. إنه ms009 مسئول عن الاستغاثة الضائعة لا مفر. وغدا في المدرسة تنهال عليه ~~الأسئلة. الجحيم الحقيقي ستندلع نيرانه في حوش المدرسة، تخبط طويلا، تلقى أقوالا كثيرة ~~كلها مثيرة مؤلمة، إنه حديث الضاحية، لا حديث للضاحية إلا الجريمة والنوم، «قبض على ~~القاتل وهو تلميذ بالثانوي.» إذن قتلها العبث وجنون العيال «كان القاتل يحبها ولكنها لم ~~تشجعه.» لذلك بدت له دائما رزينة وجادة. «من المؤكد أنها كانت تحب مدرس اللغة العربية.» يا ~~للحسرة! شغل عن إسعادها بجلسات تحضير الأرواح ومنعه من إنقاذها النوم. «قال في التحقيق إنه ~~كان نائما، أليس عجيبا ألا يوقظه الصراخ والمطاردة والاستغاثة!» إنه لعجيب حقا، ولكنهم ~~لا يعلمون أنه قضى الليل في تحضير الأرواح وأحاديث المصير، اعتصر الألم قلبه فتجرعه سما ~~بطيئا، واضطر أخيرا إلى الرجوع إلى البيت وهو كاره. كان المساء يغشي حجاب السحاب بغلالة ~~معتمة، وجد صاحب البيت يقتعد أريكة تحت النخلة الوحيدة، استقبله بلطف وقال: تبدو متعبا، ~~أرجو ألا يكون حديثي معك في الصباح قد ضايقك؟ # هز رأسه نافيا، فخفض الرجل صوته وهو يسأله: أحق ما يقال؟ # فقاطعه بحدة: أجل .. قتلت المولدة على بعد أمتار من مجلسي في الكازينو وأنا نائم، هذه ~~هي المعجزة الثامنة! ~~- لم أقصد يا بني أن ... # فقاطعه مرة أخرى: ولم أسمع استغاثتها، وفي قول آخر أني سمعته ولكني تناومت ... # أقبل عليه الرجل معتذرا متأسفا، وأخذه من ذراعه فأجلسه إلى جانبه قائلا: كان المرحوم ~~والدك صديقي، لا تؤاخذني يا بني! # ومضت فترة غير قصيرة في صمت وحذر، ثم استأذن في الانصراف، فأوصله الرجل حتى الباب ~~الداخلي، وهناك همس في أذنه: أكرر الرجاء فيما قلته لك في جلسات تحضير الأرواح. # استلقى على الفراش، وهو من العناء في غاية، ثم غمغم مغمض العينين: ما أحوجني إلى نوم ~~طويل؛ طويل بلا نهاية! # | الظلام # كثيف الظلام كأنه جدار غليظ لا يمكن أن تخترقه عين، لا شيء يرى ألبتة، إنهم يجتمعون في ~~عدم، ولا صوت إلا قرقرة الجوزة، والجوزة تدور حتى تتم دورتها في الظلام، فترجع إلى المعلم ~~بطريقة ms010 ميكانيكية. وكثيرا ما كان المعلم يقول: إني أرى في الظلام، اعتدت ذلك لطول معاشرة ~~السجون والخلاء. # إذن فهو يراهم على حين أنهم لا يرونه ولا يرون شيئا، وبسبب الظلام يعيش كل منهم في عالم ~~خاص به مغلق الأبواب عليه. يجيئون من أماكن مختلفة، متباعدة ومتقاربة، لا يدري أحد عن الآخر ~~شيئا، يشدهم إلى هذه الحجرة داء واحد، والمعلم يدعوهم واعدا إياهم بالأمان والستر، وكلما ~~دعا أحدهم قال له: في عزبة النخل داري، وفي حوشها الخلفي فيما يلي الحقول شيدت حجرة ~~مرتفعة، معزولة عن الأرض بلا موصل يفضي إليها، ستصعد إليها على سلم خشبي سرعان ما يطرح تحت ~~أكوام التبن، فهي حصن لا يكبس، ولها من الظلام حولها حصن آخر. # أجل، ها هم معلقون في الهواء، غائصون في الظلام، كأنما يعيشون في الزمن الذي لم تكن ~~الأعين قد خلقت فيه بعد، وكل يد تلامس اليد المجاورة عند تناول الجوزة ولكن يد من هي؟ أي ~~شخص وأي هوية؟ # ويضحك المعلم ويقول: نحن مدينون للظلمة بالسلام الذي ننعم به، صدقوني فإنني رجل ~~مجرب. # لم يتوقع يوما أن يناقشه أحد خشية أن يفضحه صوته لدى آخر ممن يكفنهم الظلام. وكان يقول ~~لهم: لو تعارفتم على ضوء شمعة لتبادلتم أحاديث لا نهاية لها. ولاحتد الخلاف بينكم، ولانقلب ~~المجلس جحيما لا يطاق، وطالب اللذة لا يحب ذلك، أما أنا فأمقته مقتا. # وندت من الظلام همس ضحكات مكتومة، فقال: أعرف بينكم أناسا مختلفي الأديان والآراء، وها ~~أنتم تمضون وقتا طيبا في سلام بفضل الظلام والصمت. # ند الهمس من جديد، لعلهم يسخرون كعادتهم ولو في سرهم. يا لها من طريقة طريفة لمعالجة ~~التفرقة الدينية والفكرية! يسخرون وهم لا يعرفون للحجرة التي يترددون عليها شكلا إلا مس ~~الشلت والحصيرة المفروشة بينها! وهو يسعل كثيرا، ثم يقول بصوت كالقرقرة: إن أحدكم قد يلقى ~~جليسه في مكان فلا يعرفه، قد يكون زميلا في مصلحة أو عضوا في أسرة، قد يريد له الخير أو ~~يضمر الرغبة في قتله، كل ذلك طريف للغاية ms011 ! # إنهم جميعا غارقون في الإثم، وحامل الإثم جبان؛ ولذلك فهم يكتمون الضحكات فتضغط وتمط في ~~صوت فحيح زاحف في الظلمة. ويضحك عاليا ويقول: إني أعرفكم جميعا، الاسم والعمل والمكانة، ~~أما أنا فلا يهمني شيء، لا يكبل الإنسان مثل حرصه المضحك على حسن السمعة، وما سر الحرية ~~التي أتمتع بها إلا السجن والخلاء وسوء السمعة! # يا له من صوت كالقرقرة. ونبرة لا تخلو أبدا من السخرية والثقة بالنفس، وسوء سمعته جدير ~~بتخويف الناس من مجلسه لولا دبلوماسيته في معاملة السلطات، وعنده يجد المصاب ما لا يجد عند ~~غيره من الصنف والطمأنينة. ويقبع في الظلام محتكرا الكلام والرؤية. ومرة قال ضاحكا: إنكم ~~جميعا من السادة، لكم منزلة تخافون عليها، أما الفقراء فلا يخافون على شيء؛ ولذلك فلا مكان ~~لهم عندي، ولذلك فهم لا يؤمنون بالظلام والصمت. # هذا الرجل رغم حقارته ذو مكانة يؤمن بها المصابون بالأدواء. يتلقون أياديه بامتنان، ولا ~~ينتشلهم من العدم إلا عيناه المحطمتان لجدار الظلمة؛ وهو أحدب، مغضون الوجه، قصير القامة، ~~نيف على السبعين، ولكنه ذو حيوية شيطانية. ويسألهم ضاحكا: لم لا تجعلون من حياتكم كلها ~~امتدادا جميلا لهذه الجلسة؟ # ثم قال وكأنه يجيب على سؤاله: ستقولون العمل .. الأسرة .. الواجب. # وضحك ساخرا، ثم واصل قائلا: لكنه لا شيء إلا الظلام والصمت! # وتنقضي فترة طويلة في صمت، ثم يعود قائلا: إني أسخر منكم بالكلام الفارغ، وأنتم تسخرون ~~مني في قلوبكم بالصمت، وهذا يعني أنكم لا تتعلمون، أما أنا فقد حققت لنفسي المعجزة، رغم ~~أنف الدنيا، فلا أسرة لي ولا عمل، إذ إن الموزع في الحقيقة لا عمل حقيقي له، وفي غمرة ~~الذهول وجريان الأيام على وتيرة واحدة تبدو لي الحياة طويلة كثيفة مثقلة بالملل فلا أخاف ~~الموت، من منكم لا يخاف الموت! # وبرغم حقارته، برغم ما يثيره في النفوس من سخرية خرساء، فقد مس وترا حساسا، ولكن من ~~يصدق أنه لا يخاف الموت؟ ولم إذن بنى هذه الحجرة المعزولة في الهواء والخلاء؟ # وفي ذات ليلة قال لهم بثقة: في هذه ms012 الحجرة خلاصة مركزة لحكمة الحياة. # وكف عن الكلام طويلا؛ وإذا بالجوزة تتوقف عن الدوران، ظنوه ينشد شيئا من الراحة بخلاف ~~عادته، وانتظروا فطال بهم الانتظار في الصمت والظلام، انتظروا وانتظروا، ولكن لم يجد ~~جديد، استهلكوا قدرتهم على الانتظار، تنحنح بعضهم استحثاثا له على العمل، ولكن دون جدوى. ~~هل نام الرجل؟ هل أغمي عليه؟ هل مات؟ # وأقربهم إلى موضعه مد يده متحسسا مكانه، ثم همس بقلق: ليس الرجل في مكانه! # وألصقهم بالباب قام ليفتحه، ولكنه همس في اضطراب: الباب مغلق بإحكام. # واضطر أحدهم إلى رفع صوته قائلا: لا بد من وجود نافذة، فليفتش عنها كل فيما يليه من ~~الجدار. # ومضت فترة في التفتيش، ثم تتابعت الأصوات: لا توجد نافذة .. لا توجد نافذة! # واستهانوا بالستر فقرروا إشعال أعواد الثقاب ليتبينوا موقفهم، ولكن أحدا لم يجد علبة ~~ثقابه .. علبة السجار بمكانها أما الثقاب فلا أثر له! لا يمكن أن يقع ذلك مصادفة. سرق ~~الثقاب! ولكن من السارق؟ ولم سرقه؟ وماذا يراد بهم؟ ونادوا المعلم؛ نادوه بأصوات غاضبة، ~~نادوه بأصوات رعدية، ولكن لا مجيب، لا مجيب على الإطلاق، ولا صوت. ~~- أين ومتى ذهب؟ ~~- من أي منفذ تسلل؟ ~~- ما معنى اختفائه؟ ~~- كيف؟ ولم سرق الثقاب؟ ~~- لعله ذهب لقضاء أمر فدهمه حادث. ~~- ولم أغلق الباب؟ ~~- ولم سرق الثقاب؟ ~~- أهزر وراء ذلك أم شر؟ ~~- نحن مهددون في الظلام. # وعادوا ينادون الرجل فترتطم أصواتهم بالجدران الصماء، بحت حناجرهم، وكلت قبضاتهم من ~~دق الحيطان، وأطبق عليهم اليأس في الظلام، ما عسى أن نفعل؟ هل ننتظر إلى ما لا نهاية؟ ~~نستسلم حتى يتقرر مصيرنا؟ وما مصيرنا؟ هل جن الرجل؟ استكانوا إلى مقاعدهم فوق الشلت وهم ~~في نهاية من الإعياء، كأنهم جروا شوطا قطع منهم الأنفاس، أو خاضوا معركة مزقت الأوصال، ~~حتى الخوف باخ تحت وطأة التلبد الذي أخلفه الوهن. وتثاءب شخص بصوت مسموع فجرى التثاؤب من ~~فم إلى فم. وتساءل صوت: ترى هل سرقت علب الثقاب وحدها؟ # وفتشت الأيدي الجيوب حتى صاح أحدهم: بطاقة الشخصية! لا أثر للبطاقة. # وتتابعت الأصوات ms013 : وبطاقتي أيضا! ~~- النقود موجودة أما البطاقة فلا أثر لها. ~~- ما معنى هذا اللغز؟ # وأكثر من شخص أراد معاودة النداء فخذله صوته، وعاد التثاؤب يتردد في نغمة ممطوطة مسترخية، ~~ثم ساد في الظلام صمت ثقيل كأنه النوم أو الموت. # وإذا بصوت يشق الظلام متسائلا في هدوء: كيف حالكم؟ # تردد الصوت في الظلام وحده ولكن دون رد فعل، فعاد يتساءل مرتفعا درجات: هوه .. كيف ~~حالكم؟ # وندت حركة ضعيفة في الظلام أعقبها صوت يقول بنبرة فازعة للأمل: المعلم! .. من؟ .. ~~المعلم؟ # واستبقت الأصوات مرددة: المعلم .. المعلم .. فعاد الصوت يتساءل متهكما: كيف حالكم؟ ~~- تسأل عن حالنا! .. أنت! .. أي دعابة سمجة؟ ~~- كيف حالكم، هذا ما أسأل عنه. ~~- أين كنت يا رجل؟ ~~- أنا لم أبرح مكاني. ~~- ألا زلت مصرا على العبث بنا؟ ~~- صدقوني فأنا لم أبرح مكاني طيلة الوقت. ~~- كذاب .. تحسسنا موضعك فلم نجد لك أثرا. ~~- لم يحرك أحد منكم ساكنا. ~~- أيها المكابر .. لقد ناديناك حتى بحت أصواتنا، ودققنا الجدران حتى كلت ~~أيدينا. ~~- لم يحرك أحد منكم ساكنا، صدقوني، وكنت طيلة الوقت بينكم. ~~- ما زلت متوهما أنك قادر على العبث بنا! ~~- صدقوني .. لم أفعل شيئا سوى أن أخذت بطاقاتكم وعلب الثقاب. ~~- ها أنت تعترف .. كف عن العبث .. لم نكن نعرف أنك نشال ماكر. ~~- بل أخذتها وأنتم نيام. ~~- نيام! ~~- أجل وأنتم نيام. ~~- لم يغمض لأحد منا جفن. ~~- بل نمتم ساعة كاملة على الأقل، أنجزت فيها مهمتي. ~~- أنت مطالب بأن تفسر لنا سلوكك الشاذ. ~~- طيب .. خطر لي أن أقوم بتجربة فذة .. خدرتكم بخلطة عجيبة من ابتكاري! ~~- إنك تهذي! ~~- ستفقدون ذاكرتكم قبل طلوع الفجر. ~~- رد إلينا مسروقاتنا، وافتح الباب. ~~- واستغرقتم في النوم ساعة كاملة تبعا للخطة، ثم استيقظتم، وتثاءبتم، وندت عنكم همسات ~~لا معنى لها، ثم تكلمت أنا. ~~- لن يجدي خداعك. ~~- نمتم ساعة بدليل أنني أخذت ما أردت أخذه منكم وأنتم لا تشعرون. ~~- لكنني تحسست مكانك بيدي فلم أجدك. ~~- لم يكن باستطاعتك أن تحرك يدك. ~~- ودققنا الجدار، ونادينا بأصوات كالرعد. ~~- عجزتم عن ذلك كما تعجزون عنه الآن، ولكنكم توهمتم أفعالا ms014 لم تخرج في حقيقتها عن نطاق ~~رءوسكم، كانت أفعالكم كالظلام الذي يلفكم لا وجود حقيقيا لها. ~~- ألا ترى أننا غير مستعدين للهزل؟ ~~- ستفقدون الذاكرة قبل الفجر، لن يعرف أحدكم نفسه، فضلا عن الآخرين! ~~- ألا ترى؟ ~~- لذلك استوليت على بطاقاتكم، لن يعرف أحدكم نفسه، وهيهات أن يعرفه أحد. ~~- اغسل رأسك بماء بارد .. أسرع! ~~- غدا صباحا لن يوجد منكم أحد، ستختفون كما اختفت بطاقاتكم! ~~- هل جننت يا رجل؟ ~~- ليكن، ماذا جنيتم من عقلي؟ فلتجربوا جنوني، وسوف أخدر نفسي بابتكاري العجيب، ومن حسن ~~الحظ أنني لا أملك بطاقة من الأصل، فلنشكر للظلام والصمت والليل أياديها. ~~- يا مجنون! يا مخرف! ~~- ستفقدون القدرة على الكلام كما فقدتم القدرة على الحركة، سوف ألحق بكم، أعدكم بذلك. ~~انطرحوا جثثا فوق الشلت فغدا سيستقبلكم الخلاء أجسادا فتية مبللة بندى الحقول. # وساد الصمت. لم ينبس أحدهم بكلمة، وترددت أنفاس نوم عميق. وجعل ينقل بصره من واحد لآخر، ~~ثم تنهد بارتياح متمتما: مبللة بندى الحقول. # | الوجه الآخر # زارني عثمان بعد غياب طال بسبب خدمة طويلة في الأقاليم. تعانقنا بحرارة، تذاكرنا عهدا ~~ماضيا امتد من الطفولة مارا بالشباب حتى الكهولة. وقد عاد ليشغل وظيفة هامة رئيسية في ~~جهاز الأمن عقب انتصارات خطيرة أحرزها في مطاردة المجرمين. وبعد أن شرق بنا الحديث وغرب ~~سألني: هل ترى رمضان؟ # توقعت هذا السؤال طيلة الحديث. حدثني قلبي بأنه آت لا ريب فيه، وأجبت بأمانة: أجل، بين ~~حين وآخر. ~~- ما زلتما صديقين؟ ~~- أجل. ~~- أليس غريبا أن تظلا صديقين وأنت المربي الفاضل؟ ~~- الأمر لا يخلو من غرابة ولكنها عشرة عمر، ثم إنه يلقاني إذا جاء كشخص أليف مستأنس ~~كأنما لا يمت بصلة إلى الشخص الآخر المثير للفزع. ~~- لا أتصور ذلك! ~~- ولكنها حقيقة، وعلاقته بي هي العلاقة الإنسانية الوحيدة في حياته، فلا عجب أن يحرص ~~عليها. ~~- قد يدهمك بغدره على غير انتظار. ~~- لا سبب يدعو إلى ذلك البتة! # تنهد بحزن عميق، وشاركته مشاعره؛ إنه شقيقه، وهو يمثل نقطة سوداء دامية في حياته وحياة ~~أسرته؛ نشآ في بيت واحد ms015 . نشأنا في حارة واحدة تحت ظل جيرة حميمة .. ولكن رمضان كان دائما ~~ريحا هوجاء تعصف الوجوه بالطين والتراب. وسألني: هل تستطيع أن تهيئ لي لقاء معه في ~~بيته؟ # تفكرت مليا في قلق، فعاد يقول بإلحاح: لا بد من ذلك، إني مسئول عن الأمن، وأنت أدرى ~~بما في موقفي من حرج! ~~- ولكنه ... أعني ... ~~- ولكنه يمقتني، ويسيء بي الظن، غير أنه سيثق في كلمتك! ~~- أعدك بالسعي إلى تحقيق رغبتك، ولكن عدني بالتزام الحلم إلى أقصى حد مهما لقيت من ~~استفزاز. ~~- ليس في نيتي طبعا أن أعرض بيتك المنعزل في الضاحية الهادئة للفضيحة .. إني أعطيك كلمة ~~شرف، وأنت أدرى بقدرتي على ضبط النفس. ~~- وقد وعدتك! ~~- تبدو غير متحمس؟ ~~- فعلا. ~~- وتراه لقاء عقيما؟ ~~- أي نعم. ~~- ولكن لا بد منه! ~~- أي نعم. # وتبادلنا نظرة طويلة حزينة، وتلبدت سماؤنا بغيوم الذكريات المتجهمة، الصداقة الحميمة ~~وقوى الهوس الصبياني التي انقلبت مع الزمن شرا كاسرا. وقال بنبرة كئيبة: لم أكن أتخيل ~~أنه سيتردى إلى هذه الدرجة من الحضيض! ~~- ولا أنا، ولو أن العمر والتجربة ومزاولة التربية لم تدع لي مجالا واسعا ~~للدهشة. ~~- وكم أرقتني أنباء تدهوره وأنا بعيد عن العاصمة! ~~- لم يكن في الوسع صنع شيء. ~~- لا أشك في أنك حاولت الإصلاح ما وسعك ذلك. ~~- طبعا، ولكن النصيحة تؤجج ناره، فتجنب الحديث الشائك. ~~- واحتفظت بصداقته رغم ذلك؟! ~~- كان الذي بيننا أعمق من أخوة حميمة، ثم إن الإنسان الذي يجيء لمقابلتي إنسان آخر، طيب ~~المعشر، عامر بأجمل الذكريات، يفيض بالود قلبه. ~~- وكيف تفسر ذلك؟ ~~- إن الحية الغادرة لا تخلو من عواطف أمومة! ~~- ولكنك تعلم أنه وحش قذر وعار إنساني! ~~- لن أدافع عن نفسي؛ فإني صديقه كما أنك شقيقه. ~~- لا زلت أعجب أنك لم تقطعه! # داريت ابتسامة كئيبة، وقلت: إنه ليس كائنا من جنس آخر غير جنسنا، الحكاية أنه أسير ~~الأهواء التي وفقنا إلى كبحها. ~~- هو الفرق بين المدنية والوحشية. ~~- إني لا أدافع عن انحرافه! # ولذنا بالصمت مليا، ثم عاد يسأل: هل زرت مخبأه في الجبل؟ # تساءلت بدوري ضاحكا: هل ms016 تبدأ التحقيق معي؟ # فضحك ضحكة فاترة ولم ينبس، فقلت: لا أدري شيئا عن هذا المخبأ المزعوم. # فقال بامتعاض: اعتداء، برمجة، بلطجة، مخدرات، عربدة، سرقة ونهب، هتك أعراض. ~~- أما المبالغات فقد خلقت منه أسطورة! ~~- إني أعرفه من المهد، وأنت كذلك! ~~- أي نعم. ~~- كنا ثلاثة، وكنا واحدا! ~~- أجل. ~~- انظر كيف انشق وانحرف! ~~- يا للأسف! ~~- شرير بطبعه. ~~- الأفضل أن نقول: إن ثمة معاملات صادفته داخل البيت وأخرى في الطريق. ~~- لا هذه ولا تلك يمكن أن تبرر هذا المصير الأسود. ~~- أنا لا أدافع عنه، ولا جدوى من ذلك! # نهض وهو يقول إنه آن له أن يذهب، ذكرني بوعدي. ثم ودعني وانصرف. ~~••• # وقلت لرمضان ونحن نحتسي الشاي بعد العشاء: أحدهم يروم مقابلتك. # حدجني بنظرة ثاقبة، نظرة ينفذ بها إلى باطن محدثه إذا تشمم وراء كلماته أمرا. وقال ~~متهكما: إن تكن امرأة فأهلا وسهلا بها! # وأدركت أنه أدرك ببساطة: إنه رجل، ومن رجال الأمن. # فقال مقطبا: توقعت ذلك مذ علمت بعودته إلى العاصمة. ~~- هذا يقطع بحسن ظنك به. # فتقلص وجهه غضبا - وما أسرع انفعالاته - وقال: اللعنة! إنه مثال العقل كما يقولون، ~~ولعله ازداد مع الأيام ثقل ظل! ~~- لا شك أن وراء رغبته بواعث طيبة. ~~- منذ المهد وهو يود القضاء علي! ~~- كان يود لك أن تسلك في الدنيا مسلكه. ~~- العقل .. الاتزان .. الاعتدال .. النظام .. الاجتهاد .. الأدب، إنه رمز الموت في ~~عيني! # يا للذكرى، شد ما تبادلا المقت. وبازدراء متقزز كان عثمان يقول عنه «عاصفة مجنونة .. نزوة ~~بلا ضابط .. ثور هائج معصوب العينين .. مجموعة من الأكاذيب والخرافات.» شد ما تبادلا المقت، ~~ولكن من الغريب أنني أحببتهما معا. عثمان كان الرفيق الذي شجعني على الدرس والخلق ~~والوطنية، وأما رمضان فكنت أهرع إليه ليروي ظمئي المكبوت إلى الانطلاق والأسطورة ~~والغاية. وقلت له: إنه أخوك على أي حال. ~~- ماذا يريد مني؟ ~~- ليس من الصعب أن نتخيل. ~~- لعلها مكيدة! # فقلت محتجا: كلا .. ألف مرة كلا. ~~- العقل يعني الحكمة، والأنانية، والجبن. ~~- لك أن ترفض إذا شئت! ~~- يجب أن يعرف أنني لا أخشاه. ~~- إذن فلنحدد ms017 موعدا؟ ~~- ولكني لن أقع كذبابة. ~~- والرأي؟ ~~- لعله يريد أن ينتقم! ~~- لقد انقضى الماضي واختفى، وهو اليوم زوج وأب سعيد. # تذكرت عروس عثمان الأولى التي هربت مع رمضان موقعة بالأسرة زلزالا، وكيف عاملها بعد ~~معاشرة أسبوع بوحشية حتى اضطرت إلى الاختفاء مجللة بالعار واليأس. وعدت أقول: لقد مضى ذلك ~~وانقضى، ولك أن ترفض إذا شئت. # فتفكر مليا، ثم قال: ادعه .. وسوف أحضر متأخرا بعد أن آخذ حذري. ~~••• # وجاءنا رمضان ونحن ندخن في حجرة المكتب، ووقف عثمان لاستقباله، فالتقيا وجها لوجه بعد ~~فراق ربع قرن من الزمان، نظرت إليهما باهتمام محموم وقلبي يخفق، تقابلا بوجهين جامدين لم ~~يتحركا باختلاجة عاطفية واحدة، وتصافحا مصافحة رسمية باردة، وقال عثمان: أشكرك على قبول ~~دعوتي. # وجلس عثمان على مقعده، على حين جلس رمضان إلى جانبي على الكنبة، واقترحت أن أنصرف، ~~ولكنهما أصرا - معا - على استبقائي. وقال عثمان مخاطبا أخاه: لا أظنك تجهل السبب الذي ~~دعوتك من أجله؟ # قال رمضان ببرود: صارحني بما لديك. ~~- طيب، نحن نعمل الآن في مدينة واحدة، ويحسن بنا أن نتجنب - ما وسعنا ذلك - وقوع ~~المأساة. ~~- المأساة؟ # لم يخدع بتجاهله إذ كان على يقين من إدراكه لما يعنيه؛ ولذلك واصل حديثه قائلا: عندي ~~اقتراحان. # فتساءل رمضان وهو يرمقه بتحد: أولهما؟ ~~- أن تسلم نفسك معلنا توبتك، ولعل ذلك يخفف من عقوبتك. ~~- وثانيهما؟ ~~- أن تبتعد عن طريقي بالوسيلة التي تختارها. # ضحك رمضان ضحكة هازئة ولاذ بالصمت. انتظر عثمان مليا، ثم تمتم: الحق أني لم أتوقع ~~خيرا. ~~- إذن فلم دعوتني؟ ~~- لكي أبرئ ذمتي. # قطب رمضان غاضبا، وقال: طالما رغب كلانا في القضاء على الآخر! ~~- هذا حق فيما يتعلق بك. ~~- وفيما يتعلق بك أيضا، ولكن كان لك أسلوبك الخاص. ~~- لا جدوى من الجدل، والأفضل أن تفكر فيما عرضته عليك. ~~- لن تظفروا بدليل ضدي ولا شاهد. ~~- أنصحك بألا تطمئن إلى ذلك. ~~- جرب حظك إذا شئت. ~~- سأجربه بلا أدنى تردد. # بدهتني حقيقة طريفة. إنهما كانا يقتتلان طيلة العمر ومذ كانا في المهد، لم يجد جديد سوى ~~أنهما سيتلاقيان وجها ms018 لوجه، سيكتشف كلاهما عما قريب أنه كان يقاتل شقيقه أو جزءا من ~~نفسه. # نهض رمضان قائما، لوح بيده محييا، ومضى عابسا عصبي الخطوات. ~~••• # بدأت المعركة بين الشقيقين عقب ذلك الاجتماع بأيام، دهمت قوات الأمن جميع الأماكن ~~المشبوهة في المدينة والجبل والخلاء. قبض على جميع من ظن أن لهم بالرجل علاقة من الرجال ~~والنساء، واستجوبوا بعنف فتتابعت الاعترافات، وتضاعف عدد المقبوض عليهم بعد أن ثبت أن ~~أعوانه منبثون في أماكن لا حصر لها كالملاهي والأندية والمقاهي والمصالح الحكومية، حتى ~~أماكن العبادة لم تخل منهم. وتدفقت القوات بكل ثقلها في مطاردة عنيفة جللت المدينة ~~بطابعها الإرهابي؛ فذكرت الناسين بأيام الطوارئ وليالي الغارات، فتشت العيون السيارات ~~والتاكسيات والناقلات، ومسحت الكشافات زوايا الجسور ومنعطفات الطرق والخرابات، وطوفت ~~القوارب الشراعية فوق سطح النيل، واقتحمت الخلوات على العاشقين. ومكالمة تليفونية عابثة كانت ~~خليقة بأن تحرك فرقة كاملة من الشرطة وتزلزل عمارة آمنة، وندبة في أنف رجل بريء أو بروز غير ~~عادي في جبهته قد تجر عليه من الويلات ما لم يكن يحلم به. ولم يكن من النادر أن تند عن ~~ركن من الطريق صيحة، تعقبها أصوات أقدام راكضة، ثم تنطلق رصاصات، فيخلو الطريق في ثوان، ~~وتنقض على أديمه مطاردة عنيفة لا تنتهي إلى شيء. وأظلت المدينة سحابة قاتمة تقطر ~~رعبا. ~~••• # تابعت أخبار المعركة باهتمام لم أشعر بمثله من قبل، وكنت على يقين من الخسران الشخصي مهما ~~تكن نتيجة المعركة، فلا مفر من أن أفقد أحد أحب رجلين إلى قلبي، وموقف الحياد بينهما لا ~~يهضمه ضميري؛ فلا بد من الانحياز إلى عثمان، غير أن عواطفي تمردت علي واقتتلت بمرارة ومزقتني ~~تمزيقا؛ فكلما أحرز رجال الأمن انتصارات حاسمة داخلتني كآبة، وأشفقت من خلو عالمي من رمضان ~~ومرحه وأساطيره ومغامراته في دنيا الجنس والتحدي، وكلما فاز الرجل في مطاردة ونشر الرعب من ~~حوله وهدد أخاه انقبض قلبي، واستشعرت خوفا من تسلط قوى الهدم والعربدة وتمكنها من تقويض ~~دعائم الأمن والحضارة، وانبهم أمري على نفسي، ولم أعد أدري أي رجل ms019 أكون! ولا ماذا أروم؟ ولا ~~كيف أبلغ التوازن المنشود؟ هكذا تابعت أنباء المعركة باهتمام وانفعال وخجل وحيرة. ~~••• # وانتهت المعركة إلى خاتمتها المحتومة، وطلعت علينا الصحف ذات صباح بصورة رمضان وقد خر ~~صريعا مضرجا بدمه. انقضت المطاردة الجهنمية وأيام القلق ولياليه، رنوت إلى الصورة طويلا ~~حتى شعرت بالدمع يدب في أعماق عيني. وحنقت، امتلأت بالحنق، ولكني لم أدر علام أحنق، وازدحمت ~~مخيلتي بالقوى الكونية المدمرة كالزلازل، والبراكين، والأعاصير، والشهب، والفياضانات، ~~والجراثيم. ولم أدر هل أتذكرها على سبيل التشفي أو لأعرف موضعها بين الخير والشر؟ # وزارني عثمان بعد ذلك بأيام، كان كل شيء في الدنيا قد انقلب رأسا على عقب، في دنياي على ~~الأقل، وبخلاف العهد وجدت نحوه نفورا مرضيا بذلت قصاراي لأروضه وأهذبه. وشعرت في ~~ذاتي بعديد من الشخوص تتصارع وتتجاذب بعنف جنوني، جلسنا على مقعدين متقاربين وهو يطالعني ~~بنظرة ثقيلة تنم عن روح ميت. وفصل بيننا صمت غامض لا يريد أن ينقشع، وأخيرا تململ في مجلسه ~~قائلا: إرادة الله، ولا راد لإرادته. # فقلت - أو قال لساني بلا وعي: إني أرمل وحيد، وقد امتلأ البيت بالأشباح. # تفحصني بقلق، ثم قال: إنك لا تبدو كما عهدتك. أأنت مريض؟! ~~- لا أشكو إلا من الأشباح. ~~- أنت لا تعني ما تقول! # فقلت - وأنا أضحك ضحكة رجل نسي تماما كيف يسيطر على نفسه: عشت عمري متوهما أن سلوكك كان ~~المثل الذي قادني إلى طريق النجاح حتى تبوأت مكاني المرموق في عالم التربية! ~~- لعلك تبالغ. ~~- فعلا، إني نجحت بفضله هو، هذه هي الحقيقة. ~~- هو؟ ~~- الرجل الذي عبأت قوى الأمن لقتله! ~~- حديثك يقلقني! ~~- شبح من الأشباح أكد لي ذلك! ~~- عزيزي! ~~- صه ... وقال لي أيضا: إن رمضان انطلق من قاعدة لا يمكن الدفاع عنها، ولكنه اتبع أسلوبا ~~رائعا، أما نحن - أنا وأنت - فلنا قاعدة لا يمكن الهجوم عليها، ولكننا نتبع أسلوبا سمجا ~~ميتا. ~~- لا أفقه لقولك معنى! ~~- من العسير فهم لغة الأشباح. ~~- صديقي .. إنك في حاجة إلى نوم عميق. ~~- إني في حاجة إلى يقظة مجنونة. هكذا قالت الأشباح! ~~- جئتك ms020 بعد أن أضناني الغم. ~~- وسقوني جرعات ضخمة من شراب الأعاصير .. وقالوا: لي إن من يهدم مدينة خير ممن يحافظ على ~~جدار قديم. # ونهضت فجأت ورحت أتمشى في الحجرة متوكئا على عصا، فهتف بي: إنك تعرج! # فأشرت إلى ركبتي، وقلت: التهاب أصابني صباح اليوم المشئوم! ~~- زرت طبيبك؟ ~~- كلا سأجد دوائي عند الأشباح. # اربد وجهه باليأس، فهتفت متشفيا: سأنبذ التربية والقواعد والطقوس، ابتعت لوحة وعلبة ~~ألوان وأقلاما وفرشاة، سأعمل مصورا؛ مصورا أعرج، وقد جئت بامرأة عارية كنموذج! # وأزحت الستار عن باب الحجرة المجاورة فتبدت عارية، وهي تنظر إلينا بهدوء وتحد! ردد ~~عينيه عثمان بينها وبيني في ذهول، فصحت ضاحكا: لعلك تسألني عما أدراني بقواعد الرسم ~~وأصوله؟ حسن، لن يعرقلني شيء، سأقبض على الأدوات وأدمر كل شيء. # ورميت عينيه المحملقتين بنظرة متحدية، وقلت بهوس: لقد أضعت أيامي في صحبة العقلاء، سألهو ~~بالأشياء العميقة، سأنصب شراعي في مهب العاصفة، سأسحق مقتنياتي، وأقذف بها للرياح، سأعرض ~~عن العقلاء الشرفاء، وليجرفني الدوار، فليكونوا سعداء نافعين، ولأكن مجنونا مخربا، ~~وليتقبلني الشيطان، وتسألني عن القواعد والتقاليد فأقول لك: إنه لن يعرقلني شيء، سأقبض على ~~الأدوات وأدمر كل شيء. # ومضيت بعزم نحو الفتاة العارية، وأسدلت الستار ورائي. # | الحاوي خطف الطبق # قالت لي أمي: آن لك أن تكون نافعا. # ودست يدها في جيبها وهي تقول: خذ هذا القرش واذهب لتشتري الفول، لا تلعب في الطريق، ~~وابتعد عن العربات. # تناولت الطبق ولبست قبقابي، وذهبت وأنا أترنم بأغنية. وجدت زحاما أمام بياع الفول؛ ~~فانتظرت حتى عثرت على منفذ إلى الطاولة الرخامية، وهتفت بصوتي الرفيع: بقرش فول يا ~~عم. # سألني بعجلة: فول خالص، بزيت، بسمن؟ # لم أجد جوابا، فقال لي بخشونة: وسع لغيرك. # تراجعت مسحوبا بخجلي وعدت إلى البيت خائبا، فصاحت بي أمي: راجع بالطبق فارغا، دلقت ~~الفول أم ضيعت القرش يا شقي؟ # فتساءلت محتجا: فول خالص، بزيت، بسمن، لم تخبريني! ~~- يا خيبة، ماذا تأكل كل صباح؟! ~~- لا أعرف! ~~- خيبة .. خيبة، قل له فول بزيت! # مضيت إلى البياع، وقلت له: بقرش فول بزيت ms021 يا عم. # سألني مقطبا نافد الصبر: زيت حار، زيت طيب، زيت زيتون؟ # بهت فلم أحر جوابا أيضا، فصاح بي: وسع لغيرك. # رجعت مغيظا إلى أمي، فهتفت داهشة: عدت كما ذهبت، لا فول ولا زيت. # فقلت بغضب: زيت حار .. زيت طيب .. وزيت زيتون .. لم لم تخبريني؟ ~~- فول بزيت يعني فول بزيت حار. ~~- إيش عرفني؟ ~~- انت خيبة، وهو رجل متعب، قل له بزيت حار. # ذهبت مسرعا، وهتفت بالبياع وأنا على مبعدة أمتار من دكانه: فول بزيت حار يا عم. # وقفت ورأسي بحذاء الطاولة الرخامية وأنا ألهث. وكررت بانتصار: فول بزيت حار يا عم. # دس المغرفة في القدر قائلا: ضع القرش على الرخامة. # وضعت يدي في جيبي فلم أعثر على القرش، فتشت عنه بقلق. قلبت الجيب ظهرا لبطن ولكني لم ~~أجد له أثرا؛ استرد الرجل المغرفة فارغة وهو يقول بقرف: ضيعت القرش، أنت ولد لا يعتمد ~~عليك. # نظرت فيما تحت قدمي وحوالي وأنا أقول: لم أضيعه .. كان في جيبي طول الوقت. ~~- وسع لغيرك، وقل يا فتاح يا عليم. # عدت إلى أمي فارغا، فصرخت في وجهي: يا خبر أسود، أنت يا ولد عبيط؟ ~~- القرش. ~~- ما له؟ ~~- ليس في جيبي. ~~- اشتريت به حلوى؟ ~~- أبدا والله. ~~- كيف ضاع؟ ~~- لا أعرف. ~~- تقسم على المصحف أنك لم تشتر به شيئا؟ ~~- أقسم ... ~~- جيبك مثقوب؟ ~~- أبدا. ~~- ربما تكون أعطيته للبياع في المرة الأولى أو الثانية؟ ~~- يمكن. ~~- ألست متأكدا من شيء؟ ~~- أنا جائع. # ضربت كفا بكف، وقالت: أمري لله، سأعطيك قرشا آخر، ولكني سآخذه من حصالتك، وإذا عدت ~~بالطبق فارغا سأكسر رقبتك! # وذهبت جريا وأنا أحلم بفطور لذيذ، وعند المنعطف المفضي إلى حارة البياع رأيت حلقة من ~~الصبيان والأطفال، وسمعت تهليل أفراح. ثقلت قدماي وشد قلبي إليهم، على الأقل ألقي نظرة ~~عابرة. اندسست بينهم، فإذا بالحاوي يطالعني، غمرتني فرحة مذهلة، نسيت نفسي تماما، استمتعت ~~بكل قوة بألعاب البيض والأرانب والحبال والثعابين، ولما اقترب الرجل ليجمع النقود تراجعت ~~هامسا: «لا نقود معي.» انقض علي متوحشا، تخلصت منه بصعوبة، جريت ولكمته تشق ظهري ms022 ، ~~ولكني سعدت للغاية، وذهبت إلى البياع وأنا أقول: بقرش فول بزيت يا عم. # جعل ينظر إلي ولا يتحرك، فكررت الطلب، فسألني بغيظ: هات الطبق. ~~- الطبق! أين الطبق؟ سقط مني وأنا أجري؟ خطفه الحاوي؟ ~~- أنت يا ولد عقلك ليس في رأسك! # عدت أفتش في الطريق على الطبق المفقود؛ وجدت موضع الحاوي خاليا، ولكن أصوات الأطفال ~~دلتني عليه في حارة قريبة. درت حول الحلقة، لمحني الحاوي، فصاح بي مهددا: ادفع أو فاذهب ~~أحسن لك. # فهتفت بيأس: الطبق! ~~- أي طبق يا ابن الشياطين؟ ~~- رد إلي الطبق. ~~- اذهب وإلا جعلتك طعاما للثعابين. # إنه سارق الطبق، ولكني ابتعدت عن مرمى عينيه اتقاء لشره، ومن القهر بكيت، وكلما سألني مار ~~عما يبكيني قلت له: «خطف الحاوي الطبق.» وانتبهت من كربي على صوت يقول: «اتفرج يا سلام.» ~~نظرت خلفي فرأيت صندوق الدنيا قائما، ورأيت عشرات من الأطفال تهرع إليه. وتتابع وقوف ~~المشاهدين أمام عيني الصندوق، وراح الرجل يشرح الصور بإغراء: «عندك الفارس الهمام، وست الكل ~~زينة البنات.» جفت دموعي وتطلعت إلى الصندوق بشغف، نسيت الحاوي تماما والطبق، لم أستطع ~~مقاومة الإغراء، دفعت القرش ووقفت أمام العين إلى جانب بنت وقفت أمام العين الأخرى، تسلسلت ~~أمام ناظري صور الحكايات الخلابة. ولما عدت إلى دنياي كنت فقدت القرش والطبق ولم يعد للحاوي ~~من أثر، لم أفكر فيما فقدت، واستغرقتني صور الفروسية والحب والصراع، نسيت جوعي، حتى المخاوف ~~التي تتهددني في البيت نسيتها. تراجعت خطوات لأستند إلى جدار أثري كان يوما ما مبنى لبيت ~~المال ومقرا للقاضي، واستسلمت بكليتي للأحلام. حلمت طويلا بالفروسية وزينة البنات ~~والغول، وتكلمت في حلمي بصوت يسمع، ولوحت بيدي بأكثر من دلالة، وقلت وأنا أدفع بالحربة ~~الخيالية: خذ يا غول في قلبك. # وجاءني صوت رقيق قائلا: ورفع زينة البنات خلفه فوق الحصان. # نظرت إلى يميني فرأيت الصبية التي زاملتني في الفرجة؛ تبدت في فستان متسخ وقبقاب ملون ~~وهي تعبث بضفيرتها الطويلة، وفي يدها الأخرى حبات بيضاء وحمراء من «براغيث الست» تستحلبها ~~على مهل. تبادلنا النظر، مال ms023 قلبي إليها، فقلت لها: نجلس لنستريح. # بدت مستسلمة لاقتراحي، فأخذتها من ذراعها ودخلنا من بوابة الجدار الأثري، فجلسنا على درجة ~~من سلمه الذي لا يفضي إلى شيء؛ سلم يرتفع درجات حتى ينتهي إلى بسطة تلوح وراءها السماء ~~الزرقاء والمآذن. جلسنا صامتين جنبا إلى جنب، قبضت على يدها، وجلسنا صامتين لا ندري ماذا ~~نقول. وتناوبتني مشاعر غريبة وجديدة ومبهمة، قربت وجهي من وجهها، فشممت رائحة شعرها ~~الطبيعية تخالطها رائحة ترابية وعبير أنفاس ممزوج بشذا الحلوى. قبلت شفتيها. ازدردت ريقي ~~الذي اقتبس مذاقا حلوا من ذوب براغيث الست، أحطتها بذراعي دون أن تنبس بكلمة، وأقبل خدها ~~وشفتها، فتسكن شفتاها عند تلقي القبلة ثم تعودان إلى استحلاب الحلوى. وقررت أخيرا أن ~~تقوم، قبضت على ذراعها بجزع وأنا أقول: اجلسي. # فقالت ببساطة: أنا ذاهبة. # فسألتها بضيق: إلى أين؟ ~~- إلى أم علي الداية. # وأشارت إلى بيت يقيم أسفله كواء بلدي. ~~- لماذا؟ ~~- لأقول لها أن تأتي بسرعة. ~~- لماذا؟ ~~- أمي تصرخ في البيت، قالت لي اذهبي إلى أم علي الداية، وقولي لها أن تأتي بسرعة ... ~~- وستعودين بعد ذلك؟ # فهزت رأسها بالإيجاب وذهبت. تذكرت بذكر أمها أمي؛ انقبض قلبي، غادرت السلم الأثري ~~عائدا إلى البيت، بكيت بصوت مرتفع وهي طريقة مجربة أدافع بها عن نفسي. توقعت أن تجيئني ~~ولكنها لم تأت، تنقلت بين المطبخ وحجرة النوم فلم أعثر لها على أثر! أين ذهبت الأم؟ ومتى ~~ترجع؟ وضقت بالبيت الخالي، وخطر لي خاطر طيب، أخذت من المطبخ طبقا، ومن حصالتي قرشا، ~~وذهبت من فوري إلى بياع الفول. وجدته نائما على أريكة أمام الدكان مغطيا وجهه بذراعه، ~~اختفت قدر الفول، وأعيدت قوارير الزيت إلى الرف وغسلت الرخامة، اقتربت منه هامسا: يا ~~عم ... # فلم أسمع إلا شخيره، لمست كتفه فرفع ذراعه في انزعاج، وطالعني بعينين حمراوين: يا ~~عم ... # انتبه إلى وجودي وعرفني، فسألني بخشونة: ماذا تريد؟ ~~- بقرش فول بزيت حار. ~~- هه؟ ~~- معي القرش ومعي الطبق. # صرخ في وجهي: أنت مجنون يا ولد، اذهب وإلا كسرت دماغك. # ولما لم أتحرك؛ دفعني بيده ms024 دفعة قوية ألقتني متقهقرا على ظهري. نهضت متألما وأنا أقاوم ~~البكاء الذي يلوي شفتي، ويداي قابضتان إحداهما على الطبق والأخرى على القرش. رميته بنظرة ~~غاضبة، فكرت في عودة خائبة يائسة، ولكن أحلام الفروسية عدلت من خطتي، صممت واتخذت قرارا ~~سريعا. وبكل قوة ساعدي رميته بالطبق، طار الطبق فأصاب رأسه. ركضت بسرعة لا ألوي على شيء. ~~وملأني اليقين بأنني قتلته كما قتل الفارس الغول، ولم أتوقف عن الجري إلا على مقربة من ~~الجدار الأثري، نظرت خلفي وأنا ألهث فلم أر أثرا لمطاردة. وقفت حتى تمالكت أنفاسي، ثم ~~ساءلت نفسي ما العمل وقد ضاع الطبق الثاني؟ وشيء يحذرني من العودة المباشرة إلى البيت. وما ~~لبثت أن استسلمت إلى موجة من الاستهانة تحملني إلى حيث تشاء، هي علقة لا أكثر ولا أقل، ~~وسأنالها لدى العودة، فلنؤجل العودة إلى حينها، وها هو القرش في يدي، ويمكن أن أحظى بمتعة ~~لا بأس بها قبل العقاب. قررت أن أتناسى جريمتي، ولكن أين الحاوي؟ وأين صندوق الدنيا؟ فتشت ~~عنهما هنا وهناك بلا ثمرة. أرهقني البحث العقيم، فمضيت إلى السلم الأثري وراء الميعاد. ~~جلست أنتظر وأتخيل اللقاء. تاقت نفسي إلى قبلة أخرى معبقة بشذا الحلوى، واعترفت فيما بيني ~~وبين نفسي بأن الصبية وهبتني مشاعر لم أجرب أطيب منها من قبل. وفيما أنتظر وأحلم ترامى ~~إلي همس من الجهة الخلفية، رقيت في الدرج بحذر، وعند البسطة الأخيرة انبطحت على وجهي ~~لأرى ما وراءها دون أن يلمحني أحد. رأيت خرابة مطوقة بسور عال، وهي آخر ما بقي من بيت المال ~~ومقر قاضي القضاة، وتحت السلم مباشرة جلس رجل وامرأة. هما مصدر الهمس؛ أما هو فأشبه ~~بالمتشردين، وأما هي فغجرية ممن يرعين الأغنام. صوت باطني مريب قال لي بأنهما يجتمعان في ~~«ميعاد» كالذي جاء بي. بذلك تنطق الشفاه والنظرات والأعين، ولكنهما على خبرة مدهشة، ويفعلان ~~أمورا لا يحيط بها الخيال. شد بصري إليهما مشدوها في استطلاع ودهشة ولذة، ولم يخل من ~~انزعاج. # وجلسا أخيرا جنبا إلى جنب، لم يعد يهتم أحدهما ms025 بالآخر. وبعد فترة ليست بالقصيرة قال ~~الرجل: النقود. # فقالت بضيق: أنت لا تشبع. # بصق على الأرض، ثم قال: أنت مجنونة. ~~- أنت لص. # بظهر يده لطمها لطمة قوية، قبضت حفنة تراب وقذفتها في وجهه؛ انقض عليها بوجه مغبر فأنشب ~~أصابعه في زمارة رقبتها. بدأ صراع جهنمي مرير. ركزت قواها عبثا لتخليص رقبتها من يده، ~~احتبس صوتها، جحظت عيناها، ضربت بقدميها الهواء. حملقت فزعا أخرس، حتى رأيت خيطا من ~~الدم يتسلسل من أنفها، فرت من فمي صرخة. زحفت إلى الوراء قبل أن يرفع الرجل رأسه. هبطت ~~السلم وثبا وعدوت كالمجنون إلى حيث تحملني قدماي، لم أتوقف عن العدو حتى انقطعت مني ~~الأنفاس، جعلت ألهث دون أن أرى شيئا مما حولي، ولما انتبهت إلى نفسي وجدتني تحت قبو مرتفع ~~يتوسط مفترق طرق، لم تطأه قدماي من قبل، ولا فكرة لي عن موقعه بالنسبة لحينا. وكان يقتعد ~~جانبيه شحاذون لا يبصرون، ويعبره في شتى نواحيه أناس لا يلتفتون إلى أحد، أدركت بخوف أنني ~~ضللت الطريق، وأن متاعب لا حصر لها تتربص بي حتى أهتدي إلى سبيلي. هل ألجأ إلى أحد المارة ~~لأسترشد به؟ ولكن ما العمل لو ساقني الحظ إلى رجل كبياع الفول أو متشرد الخرابة؟ هل تقع ~~معجزة فأرى أمي مقبلة فأهرع إليها بكل قلبي؟ هل أجرب السير وحدي فأتخبط حتى أعثر على أثر ~~أستدل به على طريقي؟ # وقلت: إن علي أن أحزم أمري، بسرعة ودون تردد، فقد أخذ النهار يولي، وعما قليل سيهبط ~~الظلام من مجاهله. # | ثلاثة أيام في اليمن # (1) # الأديب # ها هي السيارة تنطلق والقاهرة تبتعد، تطايرت الهموم وخفقت القلوب في طريق السويس. ~~وقال في صوت حنون: لن نفترق زهاء أسبوعين، كم تمضي أيام طويلة دون أن يرى أحدنا ~~الآخر! # أحدقت بنا لا نهائية الصحراء من الجانبين، فأهدت إلينا هواء منعشا رغم حرارة ~~يوليو. وصلنا إلى ميناء الأدبية مع المساء، تعلقت أعيننا بالسفينة الراسية عند ~~الشاطئ حينا، ثم أخذنا سبيلنا بين صفوف من الجند وأكوام من المؤن والذخيرة، مضى ~~بنا المرشد ms026 إلى مركز التشهيلات، تم التعارف بيننا وبين الضابط، ثم جلسنا ننتظر. إنه ~~ليس بضابط، كلا! إنه دوامة مكهربة، يحرك الجنود والموظفين بأصابعه العشرة ~~وبحاجبيه وأنفه وشفتيه، ويتكلم من خلال عشرة تليفونات. وكلما مر بنا بصره تفحصنا ~~باسما، وهز رأسه هزة تدعو للتساؤل والفضول. آلو ... ليتقدم حملة صناديق الذخيرة، يا ~~عم حسنين، أنت مسئول عن توصيل البطاطس .. هات الساركي، اسمعني يا يسري السطح الأمامي ~~من الدور الأول للسرية الثالثة، عليوة راجعت شهادات التطعيم؟ مرحبا بضيوفنا ~~الأدباء مرحبا! سمعت عبد الوهاب وهو يغني قصيدتك يا أستاذ، انتهيتم من التيفود؟ ~~والكوليرا؟ آلو ... انتهى التطعيم؟ أما مقالاتك أنت يا أستاذ فهي السحر الحلال، آلو ... ~~أرسل شخصا لتطعيم الأدباء. ~~- تم تطعيمنا ضد الكوليرا والجدري. ~~- والتيفود؟ ~~- أكدوا في البلدية ألا ضرورة لذلك. ~~- التيفود مهم جدا .. دعوني أتصرف؛ فأنا منذ الساعة مسئول عن الحركة الأدبية في ~~مصر. ~~- ولكنكم تعطون الحقن بطريقة عسكرية .. أعني ... ~~- يا رب السماوات! أيخاف من الحقن أصحاب «البيداء تعرفني!» و«علو في الحياة ~~وفي الممات»؟! # استسلمنا. اجتزنا فترة عصيبة لم تخل من التأوهات. ولما انتهى التطعيم قال: ~~انتهينا من الكوليرا والجدري والتيفود ... # ثم وهو يتفحص وجوهنا بنظرة غامضة: أما بقية الحميات هناك فلم يكشف الطب سرها ~~بعد! # تبادلنا نظرات ارتياب وتوجس على حين انصرف عنا في غير مبالاة. وجرى التهامس بيننا ~~في إشفاق: أحق ما يقول؟ ~~- يبدو الأمر جدا. ~~- إذن ما معنى هذه الرحلة؟ ~~- لننفعل بالأحداث. ~~- أليس من الأسلم أن ننفعل في القاهرة؟ ~~- وهؤلاء الجنود أليسوا بشرا مثلنا؟ ~~- ولكنهم جنود. ~~- لعله يمازحنا. # وإذا به يلتفت نحونا هاتفا: ستنفعلون أولا وقبل كل شيء بالحميات ~~المجهولة. # وضحكنا طويلا، ضحكنا وكأننا نتسول تكذيب الظنون، ضحكات هي الأصوات المسموعة ~~للقلق المتطاحن في أعماقنا، ولكنه استقبل هدنة راحة في زحمة العمل فرمقنا بنظرة ~~جادة حقيقية لأول مرة؛ جادة وودودة. ثم قال بنبرة أخوية: أهلا بكم فرصة طيبة ~~وسعيدة، وهنيئا لكم زيارة بلد شقيق ثائر، ستجدون له مذاقا خاصا، وجمالا ذا سحر ~~غير منكور، فاذهبوا بسلام آمنين. # شددنا على يده ms027 بامتنان، وذهبنا وراء حقائبنا المحمولة إلى السفينة. ودعانا ~~القبطان إلى العشاء. وطيلة الوقت ترامى إلينا غناء الجنود من سطح السفينة الأمامي، ~~ودار حديث عن ميعاد الإبحار والجو. وأعلمنا الرجل الكريم الظريف بأننا سنكون ~~ضيوفه طوال الرحلة. # وفي أثناء ذلك اختفى من الصحاف الدجاج والشواء والملوخية والبطاطس والسلطة ~~الخضراء والمش والبطيخ. ودعانا إلى قضاء السهرة في جناحه المطل على البحر، ثم مضى ~~إلى عمله. أطفأنا المصباح واهبين الليل أنفسنا. أنعشنا شراب البرتقال ونسمة معبقة ~~بجو الميناء، وما زالت أغنية تتردد متهادية إلينا من معسكر الجنود فوق مقدم ~~السفينة. ~~- ترى فيم يفكرون حول بنادقهم؟ ~~- الحرب .. إنها الحرب. ~~- أقدم حرفة في الوجود. ~~- لكنها تنشب هذه المرة في سبيل التحرير والحرية. ~~- إنها الحرب، وهي ككل حدث خطير تدفعنا إلى مواجهة لغز الوجود، وجها ~~لوجه! # وتذوقنا حينا النسمة الملاطفة، استسلمنا بكل قوانا للحظة طيبة خالية من الكدر، ~~ثم تفرق الحديث واختلف كأنما يدور بين أجيال، وأوشك أن يستقل كل اثنين بفكرة ~~ما. ~~- ستكون الحرب القادمة خاتمة الحروب. ~~- ولكن هل تستمر الحضارة بلا حروب؟ ~~••• ~~- الحق أن العالم مقبل على عصر عليه أن يخلق فيه كل شيء من جديد. ~~- وربما وجد أن عليه أن يعتاد الحياة بلا معنى ولا آمال كبيرة! ~~••• ~~- أظنه بسكال الذي قال: إننا مبحرون في هذا العالم، ليس لنا خيار في أمر السفر ~~فلم يبق لنا سوى اختيار السفينة. ~~- ولكن كيف نختار سفينة مناسبة إذا لم يكن لدينا فكرة عن الرحلة؟ # الأفكار مغلقة، ولكن الأصوات راضية تند عنها غبطة المستمتع بعشاء لذيذ وشراب ~~منعش. والغناء لا يتوقف، يحمل إلينا أنغام حماس وحنين، وثمة تساؤلات عما ينتظرنا ~~هناك عند المأكل والمشرب والمنام، ومخاوف أوشكت أن تتضخم لولا أن ارتفع صوت قائلا: ~~ما هي إلا أيام ثم تنقضي بسلام؛ دعونا نشارك الجنود حياتهم ولو بدون قتال. # شعرت برغبة في الحركة، غادرت جناح القبطان إلى السطح ماضيا حتى الشرفة المطلة ~~على مقدم السفينة. رأيت الجنود على ضوء الكلوبات ما بين مستلقين وواقفين وجالسين. ~~جال بصري بينهم في ms028 جد وانفعال، اجتاحني طوفان من الذكريات الوطنية حماسية وأليمة ~~على السواء، لكنه طوفان حمل في النهاية هذه السفينة التي تحمل بدورها هؤلاء الجنود ~~ثملة بنشوة النصر والأمل، ملوحة براية الأخوة والكرامة، فأيقنت أن تاريخنا الطويل ~~المثقل بأحلك الذكريات يتكشف عن صفحة جديدة بيضاء. وخيل إلي أن اسمي يتردد ~~في نداء صاعد من بين أمواج الغناء. حقا! أجل إن صوتا يناديني، تحرك رأسي هنا ~~وهناك حتى رأيت جنديا يشق طريقه نحو أسفل الشرفة ملوحا بيده. أمعنت النظر فيه ~~بدهشة، تذكرته، انحنيت من فوق السور في غاية من الابتهاج، لوح لي بيده تحية، ~~فلوحت له بيدي. # الجندي # دعتني للجلوس فجلست، توقفت عن الكتابة على الآلة الكاتبة، وقالت لي مجاملة: شكلك ~~ظريف في البدلة العسكرية. # نفخني السرور، رحب بي الزملاء القدماء في الإدارة. على مكتبي السابق المجاور ~~لمكتب خطيبتي جلس شاب جديد هو الذي حل محلي بعد تجنيدي، سألتني: هل اعتدت الآن ~~على الهبوط بالبارشوت؟ # همست في أذنها: عندما أقذف بنفسي أبسمل وأتذكر وجهك، فيتم الهبوط على أحسن ~~حال. # وناقشنا بعض المشكلات التي تلابس زواجنا كالأثاث والمسكن، فاتفقنا على الإقامة ~~«مدة» في بيت والديها، وبذلك نؤجل مشكلة المسكن ونكتفي بتأثيث حجرة واحدة. وتركتها ~~واعدا بزيارتها في القريب في بيتها، مضيت من فوري إلى الثكنة بمنشية البكري. ولم ~~أكد أمكث ساعة هناك حتى صدرت أوامر بتجهيز سفريات الميدان؛ تجمعنا في الحال. سألت ~~جاري عما هناك، فقال لي: علمي علمك. اصطفت سريتنا الثالثة، وزعت علينا البنادق، ~~انتقلنا إلى السيارات فانطلقت بنا إلى هايكستب. كان ثمة قطار في انتظارنا، وثمة ~~حركة نشيطة لنقل الذخيرة. همست في أذن صاحبي: اليمن؟ # هز رأسه فخيل إلي أنه يوافقني على رأيي, تحرك القطار، اجتاحني شعور بالغربة ~~والحيرة. لم أودع خطيبتي، ولم أودع أمي. منذ عام كنت موظفا، مجرد موظف على مكتب، ~~وبفضل شبابي وصحتي أحببت وخطبت ثم جندت. ها هو القطار يحملنا إلى الميدان، سنهبط من ~~الطيارات إلى ميدان حرب حقيقية .. لا تمرين ولا مناورة. يوم دعيت إلى التجنيد قال ms029 لي ~~رئيس السكرتارية: «ها أنت ذاهب .. وها هو تدريبنا لك يضيع في الهواء .. ساء حظ الرئيس ~~الذي يوظف شابا قبل تجنيده بعد اليوم!» كنت موضع ثقته، وكنت بذلك فخورا. أنا طول ~~عمري من المتوكلين على الله المعتمدين على دعاء الوالدين. والحب عجيب كالقدر نفسه، ~~فذات يوم عهد إلي بتدريب موظفة جديدة، لم تكن أول فتاة أدربها في السكرتارية، ~~ولكنها كانت الأولى في حياتي. ~~- ساءلت زميلي مرة أخرى: اليمن .. أليس كذلك؟ ~~- أظن ذلك. ~~- متى نعرف؟ ~~- كل آت قريب. # إذن هي الحرب، كما نراها أحيانا على شاشة السينما، وحتى في السينما لم أشاهد ~~معركة بارشوت؛ إذ إنني أفضل عادة أفلامنا الغنائية. كانت الأولى في حياتي فلم ~~أعرف الحب قبلها بصفة جدية، وقلت لها: عليك بالانتباه فإن رئيس القلم يمزق أي ~~خطاب لأقل هفوة. ما أحلى ارتباكها إذا ارتبكت! ما أجمل نظرتها وهي ترنو إلى مدربها، ~~وهي تستهديه المعونة والثقة فيهدي إليها قلبه ومستقبله! # وقال زميلي: القطار يهدئ من سرعته، ستعرف كل شيء. # وقف القطار، أكثر من صوت ردد اسم الأدبية. أجل .. أجل. غادرنا القطار، انتظمنا ~~الصف، سرنا إلى الميناء، جرى تطعيمنا ضد الكوليرا والجدري والتيفود. وكل حمل ~~لوازمه ومضى نحو سفينة راسية بالميناء، تناولنا العشاء؛ أناس استغرقهم النوم، ~~وآخرون راحوا يغنون. الحق أنني لم أركب سفينة من قبل؛ لا في البحر ولا في النيل، بل ~~إنني لم أر البحر قط، ولم أستطع أن أرى منه شيئا في الظلام. ~~- أين الأمواج التي يقال إنها كالجبال؟ ~~- نحن في الميناء يا رجل يا طيب. # لفحني هواء لطيف فملأت صدري، ثم سألته: وماذا تعرف عن دوار البحر؟ # فسألني بدوره: لماذا لا نغني مع من يغنون؟ # تمشيت مستطلعا، لاحت مني نظرة إلى أعلى، رأيت على ضوء كلوب وجها ينظر إلي أو ~~بدا كذلك. من؟ أستاذي القديم! أستاذي بمدرسة مكارم الأخلاق الإعدادية بشبرا. هو ~~دون غيره. ترى ماذا جاء به إلى سفينتنا .. وجعلت أنادي وألوح بيدي وأنا أشق طريقي ~~بين البنادق والنيام. وأخيرا عرفني فلوح لي بيده. التقينا ms030 عند منتصف السلم ~~تماما فتصافحنا بحرارة. ~~- أنت جندي؟ ما تصورت ذلك. ~~- جندي منذ عام، فتركت وظيفتي إلى حين. ~~- متزوج؟ ~~- كلا، ولكني خاطب. ~~- مبارك (ثم وهو يتفحص ملابسي) لا أعرف لغة ملابسكم. ~~- من قوة المظلات يا فندم. ~~- فرصة طيبة، أتمنى لك حظا سعيدا. ~~- وماذا جاء بك يا أستاذي؟ ~~- رحلة .. زيارة .. في ضيافة الجيش. ~~- أهلا، أهلا .. إني أقرأ مقالاتك. هل تركت التعليم؟ ~~- نعم. # وتصافحنا مرة أخرى وهو يقول: أرجو أن أراك كثيرا. # انفصلنا. عدت إلى مقدم السفينة وصعدت إلى السطح. ~~(2) # الأديب # أخيرا تراءت لنا ميناء الحديدة. # تهادت سفينتنا في الممر المائي الذي شقه الروس في الصخر. عقب رحلة طويلة أذابتنا ~~فيها الحرارة وأنهكتنا الأحاديث، فوق سطح بحر كظيم صامت، تحت سماء باهتة تترامى في ~~الآفاق بلا تعبير، بين جماعات متواثبة من الدرافيل، لا تسلية لنا إلا الكلام ~~والسجائر والذكريات، ولا عمل لنا إلا الاستجمام وتجفيف العرق. # أخيرا تراءت لنا ميناء الحديدة. # تطلعنا بشغف نحو الأرض التي ظلت دهرا طويلا متقوقعة، حتى ثارت ثورتها فحطمت ~~القشرة الصلبة التي تحبسها فيما وراء التاريخ. ~~- تذكروا أن وطننا تلقي موجات في إثر موجات من مهاجري هذا البلد. ~~- لا يبعد أن نصادف أجدادا وأصولا ونحن لا ندري. # قلبت وجهي في مجموعتنا فرأيت وجوها تشي بأكثر من أصل، تتراوح جذورها ما بين ~~البلقان والسودان مارا بالشام ومصر. قلت لنفسي إن أضمن وأعرق أصل للإنسان هو ~~الأرض. ~~••• # استقبلنا مندوبا القيادتين العربية واليمنية، انتقلنا إلى مركز قائد الميناء حيث ~~قدمت لنا المرطبات؛ قائد ضخم كتمثال، وطراز من الرجال يضيف أصلا جديدا إلى ~~مجموعتنا المتعددة الأصول. دعانا لمشاهدة خريطة لليمن. ~~- أرض مجهولة لا يعرفها إلا المرشدون. # انتقل المؤشر من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. ~~- جميع هذه المدن ثائرة وموالية، أما الجبال فلا تخلو من جيوب. ~~- اعتقدنا أن الحرب قد انتهت. ~~- هي كذلك بالمعنى العسكري، ولكن علينا أن نطهر الجبال من المتسللين. # دعانا إلى جولة في المدينة؛ زرنا المستشفى، تجولنا في أحياء ردتنا بقدرة قادر إلى ~~أزقة القاهرة وحاراتها القديمة ms031 . شاهدنا دكاكين حافلة بسلع من جميع أنحاء ~~المعمورة، طالعتنا وجوه صامتة مغلقة غامضة، لا ينظرون نحونا، وإذا نظروا لم ~~يرونا. ~~- يا حضرة القائد .. أهم يكرهوننا؟ ~~- كلا يا أستاذ، ولكننا في عز وقت التخزين. # أجل .. إنه القات! الدنيا تنساب في حلم كبير يرفرف فوق المدينة، ولم نعد إلا ~~أشباحا لا حقيقة لها. وثمة تاجر مستلق على أريكة أمام دكان سأله القائد عن مكان ~~ما، ولكنه لم يبد حراكا، ولم ينبس بكلمة .. ما فعل إلا أن رفع يده ببطء شديد مشيرا ~~نحو المكان، كأنما هي صورة متحركة مصورة بالتصوير البطيء، أما ظاهر الرجل اليمني ~~فيتلخص في لحية وخنجر وبندقية. والتجول بين الحوانيت مثير للغاية، وكان مدعاة ~~للتساؤل عن بدل السفر ومتى يصل. وقال القائد: ستجدون في صنعاء سلعا أطرف وأجمل، ~~أما تعز فحدث عنها. # ولفتت الأنظار الحقائب والأقمشة، ثم احتكرتها الهرمونات والمقويات. وتسلل من ~~القائد إلى النفوس إعجاب ودود، تضاعف عندما دعانا إلى العشاء في مقر القيادة ~~اليمنية، اجتمعنا هناك بكهول وشبان من اليمن، منهم من يرتدي البدلة، ومنهم من يرتدي ~~الزي الوطني. تبادلنا الأحاديث عن الحرب والثورة والتاريخ والأدب. كشفت الروح ~~اليمنية عن كنوزها؛ فاستعدنا شعورنا بالأنس والألفة، وتفتحت قلوبنا بلا حدود. وملت ~~نحو زميل هامسا: أشعر كأنما رأيت هذا المكان من قبل. # فرد علي هازئا: هذه نتيجة عقدة نفسية سأحدثك عنها فيما بعد. # وضعت الموائد حول بركة كانت مسبحا للجواري ذات يوم. وعزفت لنا جوقة موسيقية ~~وغنى لنا مهرج الإمام. وقال لنا القائد ونحن عائدون: ستبيتون الليلة في الباخرة، ~~وغدا صباحا تذهبون إلى صنعاء. # وتساءلنا عن وسيلة المواصلات، فقال: ثمة طريق جديدة شقها الصينيون في الجبل، ~~تقطعها السيارة في ثماني ساعات، وسوف ترافقكم قوة مسلحة. # ولدى سماع هذه العبارة الأخيرة ساورنا القلق، وسأله سائل: وما الداعي لمرافقة ~~القوة المسلحة لنا؟ # فأجاب مواريا ابتسامة: تعرضت الطريق لهجمة عدوانية فاشلة منذ أسابيع. # وأكثر من صوت قال في نفس واحد: حدثنا يا قائد عن وسيلة مواصلات أخرى. # فضحك ضحكة عظيمة، وقال: ستأخذون الطيارة ms032 ، وستصل بكم في ساعة أو أقل. # عدنا إلى الباخرة. سهرنا في جناح القبطان في جو حار رطب، خرق المألوف لنا، ولما ~~أويت آخر الليل إلى القمرة قلت لزميلي فيها: أشعر من الحر والرطوبة بأنني سأموت عما ~~قليل. # فأجابني بصوت ملؤه النعاس: لكل أجل كتاب. # الجندي # السفينة تقترب من الشاطئ، جمهور ضخم ينتظرنا، ولكن أي جمهور؟ نساء! أجل نساء لا ~~حصر لهن في أزياء مزخرفة بالحمرة والزرقة. ما الذي أخرجهن من البيوت؟ وفي لهفة ~~حزم كل جندي متاعه وعدته وحمل بندقيته. ورأينا ضيوفنا من الأدباء وهم يهبطون ~~وراء حقابهم، وبحثت عيناي عن أستاذي السابق حتى رأيته، وددت أن أودعه ولكن الزحام ~~والنظام حالا دون ذلك. وصدرت لنا الأوامر بالنزول فسرنا نحو السلم في ترتيب ~~عسكري. ها أنا أستقبل بلدا غريبا بعد أن ركبت السفينة لأول مرة. وفوق الأرض تكشفت ~~لي حقيقة المتجمهرين. إنهم رجال لا نساء كما توهمت من بعيد. يرتدون لباسا كالجونلة ~~ويطلقون اللحى. تنغص حماسي وفتر؛ فرحت أتمشى فوق رصيف الميناء, وتذكرت أمي التي ~~لم أودعها، وتذكرت خطيبتي التي زرتها ولم أودعها أيضا. وقلت لو أنني ودعت أمي ~~لتلقيت من دعواتها ما ينفعني. ونودي علينا فهرعنا إلى الصف، ثم اتجهنا إلى سيارات ~~معدة لتوصيلنا إلى صنعاء. وخرجت السيارات من حارات متربة حتى اجتزنا بوابة ~~كبيرة، وإذا بنا ندخل في طرق ممهدة، تأخذ في الارتفاع كلما تقدمنا. وسألت زميلي: ~~أين مملكة سبأ؟ # فسألني بدوره دون اهتمام بسؤالي: أنحن ذاهبون إلى الميدان؟ # وجذبت الجبال المتشابكة عيني. ألقيت بنظرة إلى أسفل؛ فأدركت مدى الارتفاع الذي ~~نصعد إليه بلا توقف. ومضت الحرارة تخف، والجو يلطف، والدنيا تتغير، وتساءلنا حتى ~~متى نواصل الصعود؛ فأجاب دليلنا اليمني: سنصعد فوق الجبل. # لا فرق بين السيارة والطيارة في هذا البلد. ودار بنا طريق دائري فتطالعنا الشمس ~~المائلة حينا، وتغيب عنا حينا آخر، ويبهرنا السحاب وهو يزحف نحونا حتى روعنا، ~~ودخلنا فيه فغاب الوجود وبتنا من أهل السماء، حتى أنفسنا غابت عنا. وارتفعت ~~الأصوات، وتبادلنا الألقاب الضاحكة. ولما ms033 خرجنا من السحاب استوى الجبل إلى يسارنا ~~على هيئة مدرجات تكسوها الخضرة المتألقة فهتفنا في دهشة. لم أكن رأيت من الجبال إلا ~~المقطم فيما وراء مسجد الحسين رضي الله عنه فتلوت فاتحة الكتاب. أما إلى اليمين ~~فينحدر الجبل صانعا مدرجات واسعة من السهول تنبت في جنباتها القرى، وتتناثر ~~الأكواخ، وتهيم القطعان والأطفال، من تحتها خضرة ومن فوقها قطع من السحب متفاوتة ~~الشفافية تتلاقى في احتدام، وتنتشر كقبة هائلة، ثم تلاطم سفح الجبل تحتنا فتفور ~~كالأبخرة، وها نحن ننطلق فوق السحاب كأنما تقلنا إليوشن المظلات. قال الزميل: ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت. # فقلت بوجد: صدق الله العظيم. # قبيل الغروب اجتزنا بوابة صنعاء، وعلمنا أننا ذاهبون إلى كلية الطيران للمبيت ~~فاستبشرنا خيرا، ومنينا أنفسنا بليلة نوم ناعمة. غادرنا السيارات، ومضينا نحو ~~الكلية دون أن نتبين المبنى من الخارج لغلبة الظلام على الدنيا. ولكننا وجدنا ~~أنفسنا في مكان هو أشبه ما يكون بالإصطبل؛ لا مقعد، ولا فراش، ولا حتى حصيرة. وقفنا ~~ذاهلين نتبادل النظرات، وأمرنا أن ننام كيفما كان الحال حتى الصباح. نمنا ليلتنا ~~على الأرض بكامل ملابسنا، وفي الصباح صدرت أوامر بأن ننشئ معسكرا حول مطار صنعاء ~~فانهمكنا في العمل. ولم يكن بين أيدينا من الطعام إلا القليل، ومن الماء إلا ~~النادر، وندرة الماء أزعجتنا بصفة خاصة. ونمنا ليلتنا في المعسكر، وفي الصباح صدرت ~~الأوامر بالتوجه إلى مدينة عمران. خرجنا من بوابة صنعاء الخلفية، وترامى أمامنا ~~طريق صخري يتنقل بين جبال عاتية، إني أغوص في المجاهل. أصبح الماضي بعيدا جدا، ~~ترى هل علمت أمي بأمري؟ وهل علمت به خطيبتي؟ إنهما أعز ما يشدني إلى عالمي القديم. ~~أما العالم الصخري المكفهر المترامى أمامي فلا أدري شيئا عما يخبئ لي من أقدار ~~الغيب. ورأيت عن بعد سيارة مدرعة تقود قافلتنا؛ فتطلعت نحوها بثقة، ولكني قلت ~~لنفسي إن الله وحده يحفظنا ويرعانا. ~~- كل شيء غريب هنا. ~~- وقافلتنا العسكرية تسير كما كنا نشاهد في السينما. ~~- ولكن الفرجة شيء، وخوض المعارك شيء آخر. ~~- لا يوجد ms034 إنسي. ~~- ولا جان. # وأخيرا تراءت لنا عن بعد بوابة حجرية، تقوم على مبعدة منها إلى اليسار قلعة ذات ~~أسوار وأبراج للمراقبة، تبودلت كلمات لم نسمعها بين السيارة المدرعة ورجال الأبراج ~~فتح على أثرها باب البوابة، فتهادت منه قافلتنا. ~~- مدينة عمران؟ ~~- أجل .. لعلنا نجد مقهى أو ملهى. # وجدنا قرية كقرانا في الريف. تقع وسط سهل ومراع، تطوقها سلسلة من الجبال الصخرية ~~من ثلاث جهات. ~~- مدينة عمران. ~~- مدينة عمران! # غادرنا السيارات، تناولنا الطعام من العلب، وشربنا بحيطة وحذر. أحاط بنا الغلمان ~~والأطفال شبه عرايا، حملقوا في وجوهنا بأعين داهشة ثم تبادلنا الابتسام، ومرح ~~الأطفال حول السيارات وتحتها. رغم البؤس أطل علينا من الأعين البريئة جمال فطري ~~ونظرات ذكية، ترى من من هؤلاء تربطني به صلة قربى ترجع في تاريخها إلى ألف ~~عام؟ # ولم نمكث في عمران إلا ساعات، ثم صدرت الأوامر بالذهاب إلى حجة. تحركت القافلة ~~دون أن تترك وراءها ذكريات، دخلنا في السحاب مرة أخرى حتى غاب عنا كل شيء. وندت ~~أصوات متفرقة في المسيرة الطويلة. ~~- أهي أرض عدوة أم صديقة؟ ~~- ربما انهال علينا المطر أو الرصاص. ~~- قريب من هنا هبط سيدنا آدم إلى الأرض. # تلوت الفاتحة والصمدية، ولما انجاب السحاب عنا ترامى أمامنا الطريق الصخري مرة ~~أخرى، ثم انفسح فيما يشبه الدلتا عن أرض رملية تغطي الحشائش بعض رقعات منها ~~متباعدة. وتوقفت القافلة فجأة فاشرأبت القلوب. دارت السيارة المدرعة في حركة ~~مناورة. وجرى التهامس من سيارة إلى أخرى كمين ... كمين. تناولنا البنادق في حركة ~~استعداد، برز علم أبيض من وراء أكياس الرمل المطوقة للكمين. خرج جندي يمني ملوحا ~~ومرحبا، نزل إليه من السيارة المدرعة ضابط فتصافحا، زار الكمين ثم عاد إلى ~~السيارة. دخلنا حجة، القرية الجديدة، يا للقرى! إن قلبي يحلم بشيء لا يتحقق. ~~التقينا بجنود مصريين من المشاة، تفرقنا في الخلاء والشمس على وشك المغيب، الجو ~~مائل للبرودة كأيام الخريف يا مصر. ~~- جنود مظلات؟ ~~- نعم. ~~- صرواح! ~~- صرواح. ~~- هبط الجنود في واد ضيق تكتنفه الجبال. ~~- في صرواح؟ ~~- نعم .. ثم انهال ms035 عليهم الرصاص من الجبال. ~~- في أي وقت؟ ~~- الفجر. ~~- وقت يسهل فيه الاختفاء، هل وقع ضحايا كثيرون؟ ~~- غير قليلين، ولكنهم طهروا المنطقة. ~~- ليرحم الله الشهداء. # بلد كأنه شبكة من الجبال المتقاطعة، من كان يتصور ذلك؟ كحارات خان الخليلي، كحجرة ~~جحا، كالتعليمات المالية والإدارية. السحاب يركض وعما قليل تختفي السماء. وقيل إن ~~المطر سينهمر، وارتفع النداء داعيا إلى إقامة المعسكر. ~~(3) # الأديب # استيقظت بعد نوم ساعتين، غادرنا السفينة إلى مطار الحديدة، اتخذنا مجالسنا في ~~طيارة إليوشن ناقلة للجنود. سنرى اليمن من فوق؛ صحراء وجبال ومراع، أما المنظر ~~الجديد حقا فهو منظر الوديان الخضراء في سفح الجبل. وقال أحدنا للمرافق لنا: ~~الجبال عالية جدا. ~~- وتنطلق الطيارة بحذاء بعض القمم أحيانا. ~~- لو أن عدوا ربض فوق جبل فلن يتعذر عليه إصابة الطيارة بالبندقية ~~العادية؟ # فضحك قائلا: ولا يخلو بعض طياراتنا من آثار عديدة للرصاص. # ولما رأى وجومنا استطرد: لا تزيد نسبة الإصابة القاتلة عن واحد في الألف. # أسلمت ناظري إلى الجبال تحتنا؛ القرى الخضراء والفجاج المتلوية. حتى لاحت صنعاء، ~~من الجو بدت مدينة عمران ومجمع أحياء ومقر قباب ومآذن. وعندما حملتنا السيارة من ~~المطار إلى الفندق خاضت بنا زمنا موغلا في القدم، تراصت على جوانب الطرقات ~~المتربة بيوت غريبة مزركشة، زركشتها أيدي أطفال فنسجتها من خيوط الأحلام، وألقت بها ~~في قلب مدينة سحرية. انشق سطح الأرض عن دنيا عابرة تطوف بها القلانس والوزرات ~~والخناجر والبنادق واللحى. لفحتنا غربة، لاطفتنا نسمة، تجاذبتنا عواطف مبهمة، ثم ~~لذنا أخيرا بأطيب المشاعر البشرية التي جئنا بها. وفي الفندق ارتددنا إلى ذكريات ~~الطفولة، درجات السلم العالية، رائحة الكلس العطنة، الأسقف العالية. فندق قديم ~~كقلعة بالية يديره غلام ذكي. جلسنا على الأسرة في عنبر جمعنا، وتبادلنا أحاديث لا ~~نهاية لها؛ وإذا بالغلام يجلس على كرسي عند باب العنبر بلا استئذان، جعل يقلب ~~عينيه اللماحتين فينا بهدوء عجيب. ولما تركزت الأبصار عليه قال: أنتم ~~مصريون؟ ~~- نعم يا أخا اليمن. ~~- أتريدون فطورا؟ عندي بيض من اليمن، وفول من مصر، ومربى من أوروبا ... ~~- أأنت ms036 صاحب الفندق؟ ~~- ابن صاحبه، ولكني مديره. ~~- كم عمرك؟ ~~- اثنا عشر عاما. ~~- إذا غالطناك في الحساب؟ ~~- إني أغالط الجن. ~~- عفارم عليك، وما رأيك في الثورة؟ ~~- كلنا متجمهرون وثوار، واللعنة على الأعداء! # ودخل رجل غامق السمرة، مترنح المشية، يرتدي بدلة، ويطالعنا بنظرة مسطولة من ~~عينين جاحظتين. قدمه الغلام باعتباره عمه ثم ذهب تأدبا. وقال الرجل إنه من عدن، ~~ولكنه في الأصل يمني، وإنه شريك في ملكية الفندق. وجلس على الكرسي الذي أخلاه ~~الغلام. ~~- حضرتك مقيت؟ ~~- كلا. ~~- مسطول؟ # فضحك وأجاب بالنفي. سرعان ما أغرانا مظهره بممازحته فأثبت أنه أوسع صدرا مما ~~تصورنا. ~~- إن كنت حقا من عدن فهل تعرف لغة أجنبية؟ ~~- عشت في عدن ومصر وسوريا وإنجلترا وفرنسا. ~~- هل تستعمل القات؟ ~~- كلا فإنه يضعف القوة الجنسية. ~~- إذن فأنت حريص على قوتك الجنسية؟ ~~- إن قرة عيني في التجارة والفسق. # ضحكنا طويلا، وانطلق يتكلم عن الفسق في شتى أشكاله وألوانه ومتناقضاته، وعقد ~~مقارنات عنه في البلاد التي عاش بها، ولكي يقيم الدليل لنا على صحة مراجعه حدثنا عن ~~مصر حديث العارف الدائر، حتى قال له شيخنا: إنك معجم فسق البلدان. # غادرنا الفندق لزيارة القائد العام ورئيس الجمهورية. طفنا بمخازن الإمام وبيت ~~الرهائن، ثم شهدنا في المساء ندوة أدبية بالقصر الجمهوري. وقابلنا بعض الموظفين ~~المصريين المنتدبين لعمل أول ميزانية للجمهورية اليمنية، وإقامة نظام مالي كأساس ~~لحياتها الاقتصادية. وقد دعوني لزيارة جناحهم في القصر؛ فذهبت معهم وأنا أداعبهم ~~قائلا: إذن فأنتم أول من بشر بالروتين في أرض اليمن. # وجلسنا نتحدث وأصوات الشعراء في الندوة تترامى إلينا. وقال أحدهم: لقد أغلقت ~~اليمن الأبواب على نفسها ألف سنة فلم يختف منها الشعر، ولكن المشكلة الحقيقية هي ~~متى يغزوها العلم؟ # الجندي # على السرية الأولى أن تستعد وتتجهز بأدوات الميدان. شملتنا حركة نشاط متدفقة ~~وعصبية. ~~- لماذا؟ ~~- للقفز في مدينة صعدا. # أمرت أن أذهب مندوبا عن ف 2 للتعيين، ذهبت إلى مركز التعيين، تسلمت مجموعة كافية ~~من الفانلات والكلسونات وطواقي صوف وجرابات وأحذية وعلب سردين وبلوبيف. إلى صعدا، ~~وما صعدا؟ مدينة أم قرية ms037 ؟ غزو أم إمداد؟ لن يكون القفز هذه المرة في ميدان تدريب ~~كالمرات السابقة. ~~- لندع الله أن تكون صعدا خيرا من صرواح. # هتفت مقطبا لأتمالك أعصابي: الأعمار بيد الله. ~~- معي أربعة وعشرون ريالا وهي ثقيلة. ~~- لفها حول وسطك كما فعلت. # ذهبنا إلى مبنى المطار لتسلم المظلات، أخذت مظلة أساسية بدون احتياطي. ليكن ~~طريقا سهلا آمنا حتى نهبط فوق الأرض، لبست ما يلزمني في الحرب من بدلة مموهة، ~~وبدلة اسموكس فوق بدلة كاكي قفز، والخوذة والبندقية، وحقيبة خزن، ومحفظة قنابل، ~~وحقيبة الجراية وبها ذخيرة ومطواة. وانهمكت في إعداد أشرطة المظلة. وإذا بيد ~~تساعدني، رفعت رأسي فرأيت زميلي بمدرسة مكارم الأخلاق بشبرا، تعانقنا .. عانقت فيه ~~مصر وأهلها. ~~- سأكون معك في الطيارة. ~~- جان مستر؟ ~~- نعم وسأساعدك على القفز. ~~- أشكرك، هل تتذكر شبرا؟ # فضحك ويداه لا تكفان عن مساعدتي. وقبل أن أسترسل في الذكريات دعينا إلى طابور، ~~استعرضنا القائد العام وقائد المظلات. وكان القائد يقف أمام كل جندي ويسأله: ألك أي ~~طلبات؟ # رأيته لأول مرة عن قرب، ذكرني وجهه بوجه ستالين. وسرحت رغما عني، فلما عدت إلى ~~الحاضر سمعته وهو يعطي إرشادات عن المنطقة. واصطفت الفصيلة أمام طائرة إليوشن رقم ~~14، الضابط أول الأستك يمين، وأنا آخر الأستك شمال. وهذا يعني أنني سأكون أول القافزين، ولكن ألا يستوي ~~الأول والأخير أمام القدر؟ وصعدنا إلى الطيارة واحدا في إثر واحد، بدأت محركات ~~الطائرة تدور، كان معنا اثنان من جان ماستر الذين يساعدون على القفز. وانطلقت ~~الطيارة فلم تتحول أفكاري عن مصر. ولما استوينا فوق السحاب أشعلت سيجارة، ظلت ~~أفكاري منغرسة في مصر؛ النيل والخضرة والأم والفتاة. ولمحت طائرات تطير إلى جانبنا، ~~وإذا بجرس النور الأحمر يدق معلنا وصول الطائرة إلى صعدا. وظهر النور الأخضر ~~داعيا إلى القفز في الحال. ~~- ستهبطون في منطقة إسقاط بالمطار، توجد طائرة بيضاء في وسط المطار، على كل فرد ~~أن يتجه إليها. # تقدمت من باب الطائرة، توثبت للقفز بقلب خافق، دفعني الزميل القديم بشدة ليبعدني ~~عن جسم الطائرة، لم أنتبه لنفسي إلا وحبال ms038 المظلة تشدني في الجو، نظرت إلى أعلى ~~فرأيت المظلة مفتوحة بيد أن حبالها التفت حول بعضها البعض. درت حول نفسي بسرعة ~~فائقة حتى استقامت الحبال، مضيت أهبط في الظلام وحركة انسيابية هادئة تسري في ~~أعصابي وأنا في غاية من اليقظة والترقب، ولمحت شبح جبل غير بعيد، ما لبثت أن صرت في ~~كنفه، وجعل يرتفع كلما أمعنت في الهبوط. اخترقت أذني أصوات طلقات نارية، اجتاحني ~~القلق وشدت يدي على الحبال، ضرعت إلى الظلام أن يخفيني عن أعين الصائدين، وأنا ~~أتوقع رصاصة تصيبني في أي لحظة. انتهت الرحلة التي أعتبرها أطول رحلة في حياتي، ~~فاصطدمت بالأرض صدمة شديدة، ورحت أتدحرج منقلبا على نفسي مرات حتى استقر بي ~~المكان. غرزت ركبتي على أرض معشوشبة مصمما على النجاة، فتحت قفل المظلة فأخليتها ~~بسرعة، ثم انبطحت على بطني. وبحذر شديد تخللت الظلام بعيني، وإذا بي أجد شبحا على ~~مقربة مني، فسددت نحوه بندقيتي في ذات الوقت الذي صاح بي: «يا أخي المصري ... أنا ~~من الحرس الوطني.»، أنهضني وهو يعانقني. حدثته عن الطلقات النارية فأكد لي أن الجبل ~~بعيد نسبيا، نظرت حولي فميزت مجاميع من أشجار التين الشوكي، انطلقت في الجو إشارة ~~خضراء فمضينا نحوها، وانضممت مرة أخرى إلى السرية، نادى الضابط علينا فتبين غياب ~~اثنين من السرية. ~~- أصيبا؟ ~~- أو هبطا في أرض العدو. # لاحظت وجود جنود من غير سريتنا، وعلمت أن ثمة قوة سبقتنا إلى هنا ولكنها حوصرت؛ ~~فطلبت نجدة فأرسلنا إليها من السماء، ولم يكن بصعدة أحد سوى الجنود. ولم نسترح ~~دقيقة فتوزعنا في أماكن من السور المحيط بالبلد، وسرعان ما اشتركنا في إطلاق النار. ~~واستمر الضرب من ناحيتنا حتى توقف الضرب الآتي من الناحية الأخرى. # وصدر أمر بالاستعداد للهجوم على الجبل الأسود المطوق لجانب كبير للمدينة. حصل ~~تجمع لا أعرف مداه، وترامى إلينا أزيز طياراتنا وهي تهاجم الجبل وترميه ~~بقنابلها. تواصل الضرب ساعة ثم صدر الأمر بالتحرك، تقدم سريتنا ضابط حاملا مدفعا ~~رشاشا فتبعناه في حركة انتشار. تقدم الضابط لنا، بث فينا روحا ms039 عاليا فأخذنا ~~في الصعود ونحن نطلق النار، وقد شعشع ضوء النهار الباكر، وتساقط رذاذ في أثناء ~~تقدمنا ثم لم يلبث أن انهمر المطر. وصوت صاح: يجب أن نصعد قبل أن تعيقنا ~~السيول. # الحق أزعجنا المطر وتسلل منا إلى الأجساد، على حين غاصت أقدامنا في الوحل. لم نكف ~~عن الضرب حتى كف العدو عنه مما يقطع بتقهقره، ومضينا في صعود عسير تكاد تجرفنا ~~السيول حتى بلغنا القمة. أعلن الضابط احتلال الجبل، تسلينا دقائق بمشاهدة آثار ~~قنابل الطائرات. # تلقينا أنباء عن فقد شهداء؛ منهم ثلاثة من المجموعة التي استقلت معي الطيارة رقم ~~14، تذكرت وجوههم وبخاصة أحدهم الذي كان يحدثنا في أوقات الفراغ بالفصحى ~~متفكها. ~~- ماذا يصنعون بالجثث؟ # فسمعت إجابة مقتضبة لا تخلو من أسى: يدفنونها. # ولكن الميت يظل حيا في وجدان أهله بمصر حتى يبلغهم خبره. وفكرت في مصر بكل ~~وجداني الحزين، من فوق قمة الجبل الأسود وتحت سيل من المطر المنهمر فكرت فيك يا مصر. وسمعت نداء باسمي، وقفنا ثلاثة أمام الضابط: كونوا نقطة إنذار على بعد كيلو ~~ونصف. # حددنا الموضع بالقياس الدقيق، حفرنا حفرة سرعان ما امتلأت بمياه المطر، غصنا فيها ~~حتى الرقاب ومعنا جهاز لاسلكي صغير # R/06 ~~. ~~- راقبوا جيدا وعند أي اشتباه نبلغه، ثم ننسحب في ثوان قبل إطلاق النار. ~~- قد يلمحنا العدو ونحن ننسحب. ~~- أي تأخير معناه الموت بقنابل جنودنا. # اختص كل منا بناحية والمطر يكاد يجرفنا. ~~- لكن الجبل طهر، أليس كذلك؟ ~~- الزم الصمت! # ركزت عيني في المراقبة، والمطر ينهل بغزارة وقوة لم أتخيلها من قبل. ~~(4) # الأديب # غادرنا صنعاء بالطيارة إلى مأرب؛ من مطار استقللنا سيارة روسي في حجم لوري ~~متوسط، في مقدمتها مدفع، لتحملنا إلى القلعة والآثار. قطعت بنا طريقا وعرة متلاحقة ~~العقبات، وكان في هندستها مرونة لتواجه بها المرتفعات والمنخفضات، ولكن لم يكن بنا ~~مثل مرونتها. تأرجحنا بقوة وتصادمنا فخففنا البلوى بالفكاهة ما أمكن. اخترقنا أرضا ~~فضاء إلى ما لا نهاية، قاحلة جرداء إلا من نباتات شوكية موسومة بطابع الهلاك ~~والفناء. ~~- مكان الجنتين خال. ~~- أجل، أين العمران ms040 والخضرة أين؟ ~~- وجه الأرض يتغير كوجه الإنسان. ~~- لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان. ~~- فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم. # زرنا الآثار القليلة الباقية؛ عرش سبأ ومقاعد مجلس الحاشية، تكشف عنها وجه الأرض، ~~ثم تركت وحيدة وسط يباب يكتنفها من جميع الجهات. وقفنا ننعم النظر، وثارت ~~رومانسية الشعراء، ولكن ماذا يعني أي أثر لقوم آتين من بلاد الآثار؟ # وذهبنا إلى القلعة، وجدنا حامية مصرية معزولة عن العالم بآلاف السنين، حفروا ~~بئرا ليشربوا، وأقاموا فرنا ليخبزوا وبدوا كأسرة مستقلة، مكتفية بذاتها، ضائعة ~~في الفراغ. قابلونا بمرح وقدموا لنا الشاي. ولم يكن يصلهم بالدنيا إلا راديو وبعض ~~أفلام قصيرة من مصر، وأشاروا إلى مدينة صامتة مقامة فوق هضبة، مدينة غارقة في ~~الجمود والصمت. ~~- مدينة مهجورة، هجرها أهلوها في أثناء المعارك. # ميتة لا حركة فيها ولا صوت ولا خيال لحي، كانت مقاما للأشراف، وخارج أسوارها ~~عاش الرعاة. ~~- ثمة مفاوضات معهم وسوف يعودون. ~~- يا له من منظر؛ منظر المدينة الخالية! حتى المقابر توحي بطريقة ما بالراقدين ~~داخلها. ~~- وكيف حال مصر؟ ~~- عال، قلوبها تخفق معكم. ~~- وكيف حال الأدب؟ # وضحكنا. وفي أثناء ذلك جاءونا بنسخ من كتبنا تهرأت من كثرة التداول. ~~- أنتم لا تتصورون مدى الأثر الذي يحفره في نفوسنا قراءة بضعة أسطر عن وصف مكان ~~أو عادة أو زمان في مصر. # حقا لا يمكن أن نتصور. وقال أحدنا: ولكن عددكم قليل، ومراكز المراقبة ~~معدودة. ~~- لا يهم .. أصبحت المنطقة موالية. # تخيلت نفسي مقيما في هذا الخلاء، يوما بعد يوم بلا عمل ولا تسلية، وكلما تخيلت ~~عجبت للمرح البسيط الصادق الذي يطالعنا في الوجوه. وغزاني شعور بالإكبار لا ~~يقاوم. # رجعنا إلى اللوري الروسي، كابدنا الطريق في الإياب كما كابدناه في الذهاب، عدنا ~~إلى صنعاء. دعينا إلى زيارة مندوب الحكومة المصرية. جلسنا في بهو استقبال فخم ~~وشربنا المرطبات. وتكلم أهل العلم عن مستقبل اليمن الواعد بكل خير؛ عن الشباب ~~الثائر المؤمن بالتقدم، عن التأخر الأسيف المتراكم من أبعد العصور. إيمان المسئولين ~~اليمنيين بوجوب سير الإصلاح جنبا إلى جنب مع ms041 الحرب ودون تأجيل. ولدى عودتنا إلى ~~الفندق وجدنا في انتظارنا وفدا من الأدباء الثائرين، جالسونا على الأسرة فشرق ~~بنا الحديث وغرب، وكان لكل منهم مغامرة مع الإمام فراح يروي مغامرته. # الجندي # غادرنا الجبل على أثر قدوم قوة من المشاة لتحتله، نمت نوما عميقا في المعسكر، ~~في الصباح منحنا عطلة قصيرة فقصدت قرية غراز. سرت في طرقاتها الضيقة فاستقبلني ~~أهلها ببسمات إنسانية كنت في نهم إليها، لاعبت الأطفال حيثما وجدتهم، وشربت القهوة ~~في مقهى ريفي كالكوخ. أذهلني جمال النساء؛ جمال العيون بصفة خاصة يبعث الدفء في ~~القلوب التي أذابها المطر. صادفت في تجوالي بئرا وقفت حولها أم وابنتاها يملأن الجرار. تلكأت عندهن؛ ~~فنظرت إلى الأم بحنان ذكرني بأمي التي لم أودعها. ~~- مصري؟ ~~- نعم يا خالة. ~~- يخليك لأمك. # سررت وابتسمت الفتاتان، اجتاحني شعور عائلي وتذكرت قريتنا بإسطنها. قلت: نحن ~~نحبكم. # وإذا بصوت عال يقول في غير جدية: ما شاء الله! # أديت التحية للضابط، فقال مقطبا: ماذا تفعل؟ ألا تعرف التعليمات؟ # وابتعدت من فوري والمرأة تقول له شبه غاضبة: أفزعته يا رجل! # عند الظهر صدرت الأوامر بالتحرك إلى قرية البيضا على بعد ثلاثة كيلومترات من ~~صعدة، ولدى مشارف الموقع الجديد هاجمناه على شكل كماشة تتقدمنا ثلاث عربات مدرعة، ~~وثار الضرب من الجانبين كأعنف ما يكون، اشتد الضرب علينا بغزارة وشت بضخامة القوة ~~التي تتصدى لنا. انطلق الرصاص من مركز المراقبة، من أسوار القلعة، ومن أكثر من ~~كمين، انفجرت قنابل وراءنا وبين صفوفنا، وصدر الأمر بالانسحاب ونحن نقاتل، انسحبنا ~~مقاتلين بعنف، انغرزت إحدى سياراتنا المدرعة في حفرة وتعذر عليها المسير. انهمر ~~عليها الرصاص كالمطر فلم يجرؤ أحد ممن فيها على رفع رأسه وتوقف الدفاع، أحاط بها ~~العدو من كل جانب ونحن نقاتل مقهقرين لا نستطيع أن نمد لها يدا، ثم أطبق عليها ~~الأعداء بالبلط والخناجر. # ساعات مرت دون أن تتوقف العملية دقيقة واحدة، أنهكنا التعب. قل زادنا من الطعام ~~والذخيرة والماء، وضاعف من إرهاقنا إحساسنا بالقذارة ونحن نتقلب في الطين. الساعات ~~تمر بثقلها فوق ms042 أجسادنا وأرواحنا، وساءلت نفسي حتى متى أحتمل العناء الذي يفوق ~~البشر؟ # وهتف صوت: صوت دبابات! ~~- وطائرات! # هل جاءت نجدة حقا؟ # ارتفعت روحي المتهافتة، اشتد إطلاق النار، دارت الدبابات من حولنا وهي تقذف ~~بقنابلها. ثم دوت انفجارات قنابل الطائرات، تراخت القبضة الخانقة لرقابنا. تحولنا ~~من الدفاع المتقهقر إلى الهجوم، اقتحمنا البيضا ونحن نتساقط من الإعياء، علمت ~~باستشهاد أحد زميلي بنقطة الإنذار فوق الجبل الأسود. تذكرت أحاديثنا منذ ساعات ~~عند مشارف قرية غراز. قال إنه رأى وجوها تشبه بعض أفراد أسرته بدرجة مذهلة، اقتنع ~~بأنه ينحدر من أصل يمني. وقال لي: لا تدهش إذا قررت - بعد الحرب - الإقامة في ~~اليمن إلى الأبد! ~~(5) # الأديب # طارت بنا الطائرة إلى تعز، ودون توقع أحد منا وجدنا أنفسنا في جنة؛ تهادت بنا ~~السيارة من المطار إلى القصر الجمهوري في جنة. ~~- ماذا ترون أيها الإخوة؟ ~~- سويسرا .. لبنان .. حلم الخيال. # الحقول خضراء، المراعي خضراء، الطرقات مجللة بالأشجار، الحدائق أكثر من البيوت ~~عدا، سلسلة من الجبال كالأنغام المتموجة مكسوة بالزمرد مزركشة بالأزهار، الجو ~~لطيف يريق السحر معبقا بشذا الورود والثمار. وصاح صائح مشيرا إلى القمة: يا له ~~من فندق سياحي! # إنه يلوح كوكر نسر فوق قمة جبل وسيط بين التموجات الجبلية! غير أن الدليل قال ~~مصححا بهدوء: بيت الرهائن، وهو اليوم خال. # وضحكنا ونحن نتأمله في أسى، واخترت شاعرا من بين الزملاء وهمست له: ألا تعذرني ~~إن طلبت الإقامة في تعز؟ # فأجاب بشيء من الامتعاض: دلني على ملهى واحد. # ولما آنس مني دهشة استطرد: دفء الجمال الحقيقي إنما ينبعث من المرأة. # ثم بعد دقيقة صمت: والويسكي .. لا يجوز أن ننسى الوقود. # استرحنا في القصر الجمهوري ساعة. دعا الداعي إلى التسوق. ذهبنا إلى السوق كل ~~يحمل بدل سفره، وتساءل صوت في براءة: أليس من الأفضل أن نحتفظ بالعملة الصعبة ~~لوطننا؟ # انهالت عليه مختارات من السباب شعرا ونثرا، تجولنا في السوق؛ الوجوه ناضرة ~~جميلة، الحوانيت يديرها غلمان هم آيات في النشاط والذكاء. اخترنا محلا متوسطا ~~فانقضضنا عليه كمجموعة من الفئران. زاغت ms043 الأبصار بين لعب الأطفال والساعات ~~الأتوماتيكية والأغطية والمفارش والبلوزات والإشاربات والشالات، من جميع بلاد ~~المعمورة. وابتاع كل حقيبة متوسطة ليودع بها هداياه. عدنا ولا عملة معنا صعبة ولا ~~سهلة، ذهبنا - عقب الغداء - إلى ميدان الشهداء لشهود ندوة أدبية، استقبلنا بهتاف، ~~واتخذنا مجالسنا وراء مائدة مستطيلة، ازدحم الميدان بالجمهور، استبق الشعراء إلى ~~الترحيب بنا والإشادة بثورتنا، وألقى شعراؤنا قصائد عن العروبة والجهاد والثورة ~~والاشتراكية. وجدتني طيلة الوقت أقارن بين أحاديثنا الفردية وكلماتنا أمام الجمهور، ~~بين تجوالنا في السوق وموقفنا وراء المنصة. إن الصوت الذي يتحدث أمام الجماهير هو ~~صوت الجماهير، وخيل إلي أنني أدركت شيئا مما ينقصنا. لعله محور التناقض بين ~~ما يقال وما يجب أن يقال، أن نتبنى في خلوتنا صوت الجماهير. ها هي أشداق مستقبلينا ~~متكورة بالقات؛ إذ قامت الحفلة في وقت التخزين. هكذا اجتمع خازنو القات بخازني ~~الهدايا في سباق الحماس لتقرير المبادئ المثالية للأمة العربية. وعند إبداء ملاحظة ~~من هذا النوع ستسمع من يرد عليك قائلا: «يا أخي .. نحن بشر .. لم نرتكب شرا .. ونحن ~~مخلصون.» ولكن أين الروح التي تشعل القلوب؟ أين لحظات الانتصار على النفس التي ~~تخلق المعجزات على مدى التاريخ؟ ماذا ينقصنا؟ لماذا نبقى كأننا متفرجون حسنو النية ~~أمام فيلم يموج بجليل الأحداث؟ وخيل إلي أن شيئا يتحرك عند ساقي تحت ~~المائدة. طويت طرف الغطاء، ونظرت إلى أسفل فرأيت صبية في الثامنة أو دون ذلك، ~~متلفعة بشال أبيض، تتفرج على الحفل من تحت المائدة، شعرت بعيني فأدارت نحوي ~~عينيها، فرأيت وجها صغيرا نقي البشرة يحدق في بعينين سوداوين كأجمل ما رأيت في ~~حياتي من عيون؛ وجب قلبي ممتنا لرؤيتها، وفاض به نبع من الحنان والحب. ورفعت ~~عيني إلى قطع السحاب الأبيض المشعشع بنسائم مخضلة برذاذ يجيء قليلا وينقطع قليلا ~~فاطمأن القلب إلى وجود شيء صغير على هامش الجمع عند ساقي، ولكنه كامل الصدق ~~والنقاء. وسهرنا في حديقة القصر حتى الهزيع الأخير من الليل؛ الهواء بارد دسم، ~~ولكنه مفعم بالأمان، والسحب تبهر العين بضياء القمر. وقال ms044 محدثنا: المدن معنا، أما ~~الجبال فمارقة ولا سبيل للتفاهم بين الاثنين. # وقلب عينيه في وجوهنا مستطلعا، ثم واصل: فإما أن نلتزم موقف دفاع إلى الأبد، ~~وإما أن نبيد العدو إبادة. # وقال قائل: الإبادة! # وقال آخر: الحضارة .. نغزوهم بالحضارة! # وثالث قال: نعترف بالواقع! # وتواصل الحديث تحت ضوء القمر، وتجلت لنا الحقيقة صخرية صلبة مستقلة بذاتها عن ~~الأحلام. # الجندي # إلى وادي نشوز. # تحركنا بالعربات المدرعة # R + R # شارفنا الوادي، ~~تقدمت دبابتان للاستكشاف تتبعهما مدرعتان للحراسة، دخلنا ممرا ضيقا تقوم على ~~جانبيه هضبتان صخريتان وكنا في المدرعة عشرة. بعد توغل نصف كيلومتر انهمر علينا ~~الرصاص، تصدت دروع السيارة للرصاص، واستمرت عملية الاستكشاف. انحشرت سيارتنا في مطب ~~أو التحمت بشيء مرتفع فتوقفت، عجزت عن التحرك وضاع كل جهد لتخليصها. ~~- على دبابة أن تدفعنا من الخلف. ~~- ليذهب أحدنا إلى إحدى الدبابتين. # وقعت القرعة على زميل فغادر السيارة ليزحف على بطنه في الظلام، انتظرنا في غاية ~~من القلق. وبعد دهر رجع إلينا وهو يقول: دبابة المقدم مشتبكة في قتال على بعد خمسة ~~كيلومترات. أما الأخرى فقد تعطلت. # صعقنا الخبر. وهمس صوت: نحن عشرة والعدو آلاف. ~~- والعمل؟ ~~- مصير سيارة البيضا! # من داخل السيارة رأينا الأشباح تهبط في حذر من الجبل، فتحنا سقف السيارة وأخذنا ~~أهبتنا بالبنادق والقنابل اليدوية. طلبنا النجدة باللاسلكي ولكن الاتصال انقطع، ~~أمرنا أقدمنا في الخدمة بمغادرة السيارة، مرت لحظات رهيبة ممزقة بالخوف، قاومت ~~موجة من الضحك تريد أن تجتاحني. وثب أحدنا؛ تبعناه بلا تردد، نفر من الموت إلى ~~الموت. انهال الضرب، انبطحت على وجهي، استعملت البندقية والقنابل اليدوية. في ~~هنيهة صمت، رفعت رأسي فلم أجد أثرا لأحد من زملائي. دعوت القمر أن يختفي، لم أدر ~~أين أتجه! ولا كيف تفرق الزملاء! خيل إلي أنني محاصر، اتجهت وجهة بلا خطة ولا ~~علم لي بما ينتظرني، دهمتني لحظة مباغتة فوجدتني حيال ثلاثة أشباح من العدو بلا ~~تدبر أو وعي، فتحت الأمان وضغطت على الزناد، فانطلقت مطرة من الرصاص خر على أثرها ~~الثلاثة. انطلقت أعدو على غير هدى تحت ms045 ضوء القمر. سمعت صوتا يناديني فاتجهت نحوه ~~بلهفة من يفلت من قبضة الموت. وجدتني مع مجموعة من الزملاء ماضية في حذر نحو شبح ~~الدبابة المعطلة، ولما بلغناها صحنا معا: افتحوا .. نحن مصريون. # لم نتلق من الداخل استجابة من أي نوع كان، كررنا النداء بلا أمل. يئسنا فدفعنا ~~أنفسنا في الحشائش متفرقين وأصوات الرصاص لا تنقطع، وأخذ الضرب يخف حتى سكت، نهضت ~~في حذر مقتربا من الدبابة، وهتفت بتوسل: افتحوا .. إني مصري .. ألا تسمعون؟ # ظلت الدبابة غارقة في صمت متحد مرهق رهيب حتى تطايرت اللعنات من فمي، ثم رجعت ~~مغيظا يائسا إلى قبر الحشائش؛ وإذا بالضرب يتركز على الدبابة كالسيل. مست رصاصة ~~خوذتي فتشهدت، ترقبت الرصاصة التالية بيأس وقهر، هاتف قال لي: إنني سأعود إلى مصر. ~~أقسم لي على ذلك. # اشتد الضرب لدرجة غير محتملة، ثم يهدأ ويخف لسبب لا أدريه. لم يبق ~~منه إلا طلقات متباعدة، وأنا مغروز بكل قوتي بين الحشائش. وخيل إلي أن الظلام ~~يخف ويبهت رويدا. أجل، الظلام يخف رغم اختفاء القمر وراء الجبل، سوف تلوح تباشير ~~الضياء، وينقشع الظلام الذي يخفيني عن عين العدو المتربص، سيجدني صيدا سهلا، ~~وسينهال الرصاص الحانق الغاضب علي من جميع الجهات. الصباح يقترب ولا مكان للمعجزات، ~~لعل أمي تصلي في هذه اللحظة، ولكن لا أمل في المعجزات. واشتد الضرب فجأة، اشتد أكثر ~~من أي وقت مضى. أصبح الضوء يسمح بالرؤية، أقدام العدو تتراجع نحو الجبل، والضرب ~~يجيء من الناحية الخلفية. ترامى إلى سمعي صوت دبابة أو دبابتين، جاءت النجدة، إن ~~القذائف تطير فوقي لتنفجر خلف سفح الجبل. لم تدم فرحتي إلا ثانية واحدة، ثم تساءلت ~~كيف أعلن عن حقيقتي المدفونة لبني وطني؟ كيف أتجنب الموت برصاصهم أو شظايا قنابلهم؟ ~~أطلقت النار نحو العدو المتقهقر، وتركز الخوف من الموت فيما ورائي. أثقلني التعب، ~~وثقل علي بصفة خاصة فوق كتفي اليسرى. وغاصت الأرض بلا سبب واضح، إلى أين تغوص ~~الأرض ولماذا؟ إنني أهبط في هوة ثم يرفعني شيء مجهول إلى أعلى. وعاد ضوء ms046 الصباح ~~يضعف بسرعة عجيبة حتى غاب كل شيء في الظلام. ~~(6) # الأديب والجندي # غادرنا القصر الجمهوري في الصباح الباكر، والسيارة تميل بنا نحو طريق المطار، ~~اعترض سبيلنا قطيع غنم ترعاه فتاة؛ فتاة جميلة لخص وجهها وقوامها جمال تعز بكافة ~~أشكاله وألوانه. اهتز الشاعر وجعل يهلوس بها بقية الرحلة. عدنا إلى الحديدة، إلى ~~الحرارة الذائبة في الرطوبة الخانقة. قال: الارتفاع في المكان يحدث المعجزات، ~~كذلك الروح فإنها إذا شاءت أن ترتفع فإنها تعانق المعجزات، ما رأيك في هذه ~~الفكرة؟ # قلت: لخيرك ولخير الشعر لا تكتب إلا عن المرأة! # ودعانا القائد إلى العشاء فوق سطح مسكنه على شاطئ البحر الأحمر. لطف الجو على ~~شاطئ البحر، طاب السمر حول المائدة الحافلة بما لذ وطاب من طعام وشراب. تجاوبت في ~~الفضاء ضحكاتنا. هل سمعتم نكتة الرجل الذي ...؟ هل تعرفون حكاية الزوجة التي ...؟ هل وهل ~~وها وها وها. وتنوع الحديث واختلط جده بهزله، وتعدد المتحدثون في وقت واحد، ~~وانقسموا إلى وحدات مستقلة. ~~- الجبليون أشداء، عندما يحكم على أحدهم بالموت يتقدم إلى السياف مطلق اليدين على ~~مشهد من أهله، لو خاف أو صرخ ركبهم العار إلى الأبد؛ يحني رأسه بثبات، يهوي عليه ~~السيف دون بادرة خوف من ناحيته، ينفصل رأسه عن جسده وكأنه رأس رجل آخر. ~~- رجال أشداء حقا، من سلالة غزت العالم ذات يوم، وقوة مدخرة للخير ~~مستقبلا! ~~••• # ترى أين تلميذي القديم، جندي المظلات، ماذا يفعل الآن؟ وماذا يفعل غدا؟ ~~••• ~~- وينفذون أوامر شيخ القبيلة بلا تردد، في المعقول وفيما يجاوز أي معقول، حتى ~~الموت نفسه يهجمون عليه دون مبالاة، ويؤمنون بأنهم من طينة غير طينة البشر، وأن ~~الدنيا جميعا تحت وأنهم فوق، كالجبال التي تؤويهم. ~~••• ~~- ستعود فرقة من الجنود معنا على ظهر الباخرة. ~~- ما أجمل أن تؤدي واجبك في حرب ثم تعود إلى الوطن سالما! ~~- الإنسان يحارب منذ وجد على ظهر الأرض، ومن خلال الحرب خلق الحياة ~~والحضارة. ~~- متى انقلبت إلى مارد فلسفي؟ ~~- لا فلسفة ولا دياولو، فكرة تذهب بي وأخرى تجيء بي. ~~- سبق أن قلت ms047 : إنك لم تحارب ولن تحارب. ~~- والحمد لله على ذلك. ~~- ومرة تزوج جندي دون إذن فقدم للمحاكمة، وحكم عليه بالحبس سبعة أشهر، ثم ~~أرسل إلى مصر لتنفيذ الحكم ولكنهم أرسلوا معه زوجته اليمنية. ~~••• ~~- دماغي يدور ويجب أن نتبادل الرأي. ~~- سيتسع المجال فوق ظهر السفينة. ~~- العالم غريب مليء بالمتناقضات، ولا معنى لشيء إذا لم نعرف لماذا نعيش! ~~- شربت أكثر مما ينبغي. ~~- إني أشرب زجاجة كاملة، وأستطيع بعد ذلك أن أحاضر إذا شئت. ~~- متى تجمع محاضراتك في كتاب؟ ~~••• # ترى أين ضابط الشئون العامة لأسأله عن جندي المظلات؟ ~~••• ~~- وتلاقينا مع قوة معادية، ولكن حجز بيننا صخرة كبيرة في ممر جبلي، تحصنت كل جبهة ~~في مكانها واستحال علينا القتال، دخلنا معركة كلامية، قلنا لهم: يا عبدة الإمام، يا ~~أعداء الإصلاح. فقالوا لنا: يا كفرة، يا فجرة، يا عبدة الشيوعية. ثم تمادينا في ~~السب والقذف. ~~••• ~~- لا أعرف مكانه الآن، اكتب له خطابا وأعدك بإيصاله إليه في أي مكان في ~~الميدان. ~~••• ~~- هل جربت مواجهة الموت؟ ~~- الحياة كلها كفاح وليس الجندي وحده الذي يحارب. ~~- ولكن ... ~~- سأقص عليك قصة حب عانيتها زمنا، بطلتها فتاة متمردة وحشية، وسوف تقتنع بأن ما ~~كان بيني وبينها لا يختلف عن القتال في شيء. ~~••• # هل ثمة فرصة لأكتب كلمة سريعة؟ # أخي العزيز ... # كم وددت أن أودعك قبل الرحيل، أذكرك بالحب والإكبار وأنا على وشك ~~العودة إلى أرض الوطن، ستعود إليه ذات يوم منتصرا راضيا بإذن الله. اهنأ ~~الآن بأنك تحارب في سبيل قضية عادلة، قضية التقدم للإنسان العربي، ومهما ~~تكن العوائق ومهما تكن العواقب فإنك بذرت في الأرض بذرة من طبيعتها النمو ~~والازدهار. أستودعك الله وإلى اللقاء. # المخلص # | يميت ويحيي # المسرح منقسم إلى قسمين: قسم أمامي وهو حوالي ثلثي المساحة وهو مضاء واضح المعالم. في وسطه ~~نخلة مغروسة، وفي جانب منه ساقية صامتة، القسم الخلفي مرتفع الدرجات على هيئة مصطبة، تغشاه ~~الظلمة، وتلوح به أشباح راقدة، نيام أو موتى، الطابع طابع تجريدي. # يرفع الستار، على المسرح فتاة جميلة تسير ذهابا وجيئة بين النخلة والساقية ms048 ، ثوبها ~~يناسب الجو التجريدي حيث يصعب تحديده على أساس جغرافي، وكذلك ثياب جميع من سيظهرون على ~~المسرح. # ومع ارتفاع الستار تترامى أصوات معركة بين اثنين آتية من ناحية اليسار؛ شتائم وتهديدات وأصوات ~~ضرب. # الفتاة ~~: # يا رب السماوات .. متى تختفي هذه الأصوات من الوجود؟ متى تشرق شمسك على أرض ناعمة ~~البال، قريرة العين؟ ~~(تصغي إلى الأصوات بقلق متزايد ثم ~~تقول) # ترى هل أكفر عن ذنب قديم؟ أو إنه بلاء مركب في دمي؟ أو إنها ~~أخطاء تقع فلا تلقى إرادة صادقة لإصلاحها؟ ~~(يتقهقر شخص ~~مندفعا بعنف، نتيجة لدفعة قوية تلقاها في الخارج، ثم يسقط تحت النخلة مغمى ~~عليه. الفتاة تنحني فوقه باهتمام وتربت على خده بحنان. يفتح عينيه. ينظر إليها ~~ثم يغمض عينيه مرة أخرى مغمغما.) # الفتى ~~: # أبي! ~~(تربت على خده بحنان، يفتح عينيه لحظات ثم ~~يغمضهما مغمغما) # أمي! ~~(تربت على خده بحنان، ~~يفتح عينيه لحظات ثم يغمضهما مغمغما) # زوجتي! # الفتاة ~~: # شد حيلك. ~~(تدلك خديه، يفتح عينيه مفيقا، ينظر إليها ~~طويلا ثم يتمتم.) # الفتى ~~: # أنت! # الفتاة ~~: # حمدا لله .. قم .. اعتمد على ذراعي، ~~(تقيمه .. تمسح ~~بمنديل جبينه وتسوي له شعره، وهو يأخذ في التماسك شيئا فشيئا ~~)، ~~لعلك أحسن. ~~(الفتى لا يرد ولكنه يعاود حالته ~~الطبيعية) # تنفس بعمق فالجو اليوم طيب. # الفتى ~~: # لا شيء طيب على الإطلاق. # الفتاة ~~: # الجو طيب على الأقل، هدئ خاطرك. # الفتى ~~: # هيهات أن يطيب بعد اليوم جو أو خاطر. ~~(تشده برقة ~~إليها في دلال.) # الفتاة ~~: # تعال إلي، أنا لا أعرف اليأس. ~~(تحتد في عيني الفتى ~~نظرة، ولكنه يتراجع في حياء أمام نظراتها الحنونة.) # الفتى ~~: # لست على حال أهنأ معها بعطفك، معذرة. # الفتاة ~~: # ليتك تقنع بصدري ملاذا لك من متاعب الدنيا. # الفتى ~~: # ليت ذلك في الإمكان. # الفتاة ~~: # إنه ممكن إذا أردته. # الفتى ~~(متحسسا رأسه وعنقه في تألم.) ~~: # إنه مستحيل أردت أم لم أرد. # الفتاة ~~: # إنها اللعنة القديمة التي تطارد التعساء. # الفتى ~~: # الحق إنها تطارد الأحياء. # الفتاة ~~: # وعلى الأحياء أن يحذروها، إني أدعوك إلى السعادة الحقيقة في الوجود. # الفتى ~~: # حتى السعادة تنقلب ms049 أحيانا بين أيدينا ترابا وخجلا. # الفتاة ~~: # يا لك من جاحد! # الفتى ~~: # لا أنكر عهدك، ولكني أخشاه؛ أخشاه في لحظة اندحاري الراهنة، وأراه من موقفي ~~الدامي ذا جاذبية مخيفة تعمي البصر. # الفتاة ~~: # أهذا شعورك نحو تفتح القلب، وتألق الأزهار، وجني الثمر؟ # الفتى ~~: # بل إني أذكر مع الأسى ثقل الجنون، وترهل العضلات، واسترخاء الهمم. # الفتاة ~~: # دعني أكرر أن ليتك تقنع بصدري ملاذا لك من متاعب الدنيا. # الفتى ~~: # يا له من جمال دافئ قهار. أقوى من الموت نفسه، ولكن تلاشت في أحضانه أحلامي. # الفتاة ~~: # إنه أنفع من أحلامك. # الفتى ~~: # سيظل الجبن أكبر منغص لصفو الرجال. # الفتاة ~~: # من عجب أن تحن إلى فظاظة الخلاء! # الفتى ~~: # أحن حقا إلى توهج مصباح الحياة على حافة هاوية الخطر الداهم. # الفتاة ~~: # والدم والتشرد والغبار. # الفتى ~~: # بل قوة الاعتداد المسخرة للرياح. # الفتاة ~~: # ولدي زلة قدم يهال التراب على رجل من الرجال. # الفتى ~~: # والصرخات المدوية تتوارى في أعقابها الفئران في الجحور، ولذة التساؤل المفعم ~~بالقلق أمام احتمالات الحياة والموت. # الفتاة ~~: # ووجهك الملطخ بالدماء المثير للرعب. # الفتى ~~: # ونبض القلب بزهو النصر المؤسس على الحق والكرامة. # الفتاة ~~: # أنت أناني، زهدت في بعد شبع، وشاقتك رائحة الدماء. # الفتى ~~: # إني أحبك، ولكني أكره أن أتمرغ في التراب. # الفتاة ~~: # هذا يعني أنك لا تحبني. ~~(الفتى يشير إلى المصطبة ~~المسربلة في الظلام حاملة الرقود من الأشباح.) # الفتى ~~: # ليكن لي قدوة في الغابرين. # الفتاة ~~: # لا أحب النظر نحو الموت. # الفتى ~~: # لكنهم أحياء ما دمنا أحياء. # الفتاة ~~: # فراغ وراءك وفراغ أمامك، ولا حقيقة في الوجود سواي. # الفتى ~~: # كم استنمت إلى هذا الكلام الآسر حتى داستني الأقدام! # الفتاة ~~: # لقد أشعلت غضبه بمزاحك. # الفتى ~~: # المزاح من آداب حياتنا، فكيف يكون جزائي ضربا أليما موجعا! # الفتاة ~~: # طالما حذرتك من المغالاة فيه. # الفتى ~~: # ولما أردت الدفاع عن نفسي خذلتني يداي. # الفتاة ~~: # الرجل المهذب خير عندي من الرجل القوي. # الفتى ~~: # صدقت حتى وهنت مني القبضة. # الفتاة ~~: # كان علي أن أنتشلك من حياة التشرد في الخلاء. # الفتى ~~: # وهكذا هزمني وهو يسخر من ضعفي. # الفتاة ms050 ~~: # لا تمزق عشرتنا بالكبرياء. # الفتى ~~: # إنها تتمزق بالمهانة كما تتمزق بالموت. # الفتاة ~~: # لا شيء كالموت. # الفتى ~~: # إنه ليس شر ما في الحياة. # الفتاة ~~: # صدقني فإنه العدو الأول للحياة. # الفتى ~~: # أيسرك أن أرضى بالهزيمة؟ # الفتاة ~~: # ارض بأي شيء إلا الموت. # الفتى ~~: # وأعود إلى اللعب السعيد وقلبي يحترق بنار الهزيمة؟ # الفتاة ~~: # للزمن بلسم يشفي كل شيء إلا الموت. # الفتى ~~(مشيرا إلى المصطبة) ~~: # تعامل أجدادنا مع الموت بعقيدة أخرى فوهبوا الخلود. # الفتاة ~~: # لقد ماتوا وشبعوا موتا. # الفتى ~~(مخاطبا المصطبة وأهلها) ~~: # قولوا إنكم خالدون. # صوت من المصطبة كالصدى ~~: إنكم خالدون. # الفتاة ~~: # لا تخاطب الفراغ كالمجانين. # الفتى ~~: # ألا تسمعين؟ # الفتاة ~~: # إنك تصرخ في الأموات تبريرا لسفك الدماء. # الفتى ~~: # يا له من صوت رهيب! # الفتاة ~~: # متى كان للتراب صوت؟ # الفتى ~~(مخاطبا المصطبة) ~~: # هل تسمعون ما يقال؟ # الصوت-الصدى ~~(بعد قليل) ~~: # هل تسمعون ما يقال؟ # الفتى ~~: # ماذا فعلتم بالموت وماذا فعل بكم؟ # الصوت-الصدى ~~: # ماذا فعلتم بالموت، وماذا فعل بكم؟ # الفتى ~~(لا يزال متطلعا إلى المصطبة وكأنما يخاطب نفسه) ~~: # إنهم يرددون قولي .. أجل .. ولهذا معنى عميق لا يخفى على لبيب .. وها هم يتحركون. ~~(يظلون رقودا طيلة الوقت ودون حركة) # إنهم ~~يهدون إلي صورة عزيزة غابرة. ها هو القتال يحتدم .. الشهداء يسقطون .. الجنود يتسلقون ~~جدار الحصن كالنمل .. ها قد سقط الحصن .. وهذا هتاف النصر يدوي مخترقا جدار المئين من ~~السنين. ~~(ثم ملتفتا نحو الفتاة) # أرأيت؟ أسمعت؟ # الفتاة ~~: # لا شيء يرى ولا يسمع! # الفتى ~~: # لقد زلزلني هتاف النصر فوق جثث الشهداء. # الفتاة ~~: # ما هي إلا هواجس رغباتك الجامحة في القتل؟ # الفتى ~~: # سحقا للخمول في خمائل الورد! # الفتاة ~~: # يا حسرتاه على حكمة الأيام الناعمة! # الفتى ~~(مشيرا إلى المصطبة) ~~: # لقد لفحتني أنفاسهم المحترقة حزنا علي. # الفتاة ~~: # ليس للأموات أنفاس تحترق. # الفتى ~~: # إذا مات الأموات أدرك الفناء كل شيء. # الفتاة ~~: # إذا أردت الحياة حقا فلا تنظر إلى الوراء. # الفتى ~~: # ولكن الوراء هو الأمام. # الفتاة ~~: # ولا تنظر إلى الأمام. ~~(الفتى يقطب محتجا حائرا.) # الفتاة ~~: # فلتغرق في عيني توهب خلودا بين الظلمتين! ~~(قهقهة ~~ساخرة ms051 وحشية تترامى من ناحية اليسار.) # الفتى ~~: # أتسمعين استفزازه الساخر؟ # الفتاة ~~: # ريح هوجاء يعربد خلالها الشقاء. # الفتى ~~: # إنه يتحداني! # الفتاة ~~: # سأغني لك أغنية ترقص لها الحمائم فاستمع لي أنا. # الفتى ~~: # فلتطرب العصافير. # الفتاة ~~: # فلتهنأ بك شهوة الدماء. # الفتى ~~: # إن قهقهته الساخرة تحيل الهواء في صدري ترابا. # الفتاة ~~: # خير ما تفعل أن تصم أذنيك. # الفتى ~~: # ولكني خلقت بأذنين. # الفتاة ~~: # لتسمع بهما مناجاتي الدافئة. # الفتى ~~: # يا لها من مناجاة أجهضت همتي! الوداع. # الفتاة ~~: # لن تستغني عني أبدا. # الفتى ~~: # فلتكوني الأمل المؤجل حتى يطيب كل شيء. # الفتاة ~~: # لن يطيب شيء بعيدا عن ذراعي. ~~(القهقهة الساخرة تترامى ~~من بعيد.) # الفتى ~~: # الوداع. # الفتاة ~~: # انعم بالنوم رغم الضوضاء. # الفتى ~~: # بل أقضي على الضوضاء قبل أن أنعم بالنوم. # الفتاة ~~: # كلمة أخرى .. لا أريد أن يدركني اليأس. ~~(الفتى يضع أصبعيه في أذنيه، تنظر إليه مليا، ثم تمضي ~~إلى الجهة اليمنى.) ~~(الفتى ينظر نحو المصطبة.) # الفتى ~~: # لا يمكن أن يدلني على حقيقة الحياة إلا شخص أدركه الموت. # الصوت-الصدى ~~: # الموت. # الفتى ~~: # ذهبت .. ولكنها لن تذهب بعيدا .. محال أن أتحرر منها كلية .. ولا رغبة لي في ذلك .. ~~ولا قدرة لي عليه .. ولكني أريد الحقيقة. # الصوت-الصدى ~~: # الحقيقة. # الفتى ~~: # أفصحوا .. لا تتكلموا كما تتكلم الصخور. # الصوت-الصدى ~~: # الصخور. # الفتى ~~: # حدثوني عن الموت والحياة. # الصدى ~~: # الحياة. # الفتى ~~: # من هو البطل؟ # الصدى ~~: # البطل. # الفتى ~~: # أهو المحارب؟ # الصدى ~~: # المحارب. # الفتى ~~: # أهو المسالم؟ # الصدى ~~: # المسالم. # الفتى ~~: # اللعنة .. اللعنة .. اللعنة. ~~(يتحول الفتى عن المصطبة .. صائحا) # علي أن أستعد .. إلي بالطبيب .. أيها الطبيب. ~~(يدخل الطبيب .. بنفس الثياب التجريدية، ولكنه ذو لحية، وبيده ~~حقيبة.) # الطبيب ~~: # لا تصرخ اتقاء للمضاعفات. # الفتى ~~: # وهل تأكدت من مرضي حتى تحذرني من المضاعفات؟! # الطبيب ~~: # إننا لا ندعى للأفراح. # الفتى ~~: # بل يبدو لي أني مريض. # الطبيب ~~: # إنني أعمل يومين في اليوم الواحد. # الفتى ~~: # ياه! # الطبيب ~~: # إنه الوباء. # الفتى ~~: # هل يوجد وباء؟ # الطبيب ~~: # كأنك تعيش في قمقم. # الفتى ~~: # قمقم من الغم. # الطبيب ~~: # وهم ينتشر رغم المقاومة الفنية المنتظمة. # الفتى ~~: # لعلكم ازددتم به ثراء على ثراء. # الطبيب ms052 ~~: # نحن نثري بفضل الأمراض لا الأوبئة. # الفتى ~~: # لكن الوباء ما هو إلا مرض كبير. # الطبيب ~~: # الوباء ينتشر انتشارا أعمى فيهدد كبار رجال الدولة؛ ولذلك فهم يسخرون الأطباء ~~لمقاومته فلا نفيد من ورائه خيرا يذكر. # الفتى ~~: # أمر يدعو للأسف، ولكننا ندفع ثمن إهمالنا للبيئات الفقيرة القذرة. # الطبيب ~~: # الوباء وفد من الخارج كالعادة دائما. # الفتى ~~: # ربما ولكنه يستفحل في البيئات الفقيرة. # الطبيب ~~: # استفحل هذه المرة في البيئات الراقية. # الفتى ~~: # ظاهرة غريبة تستحق الدراسة. # الطبيب ~~: # لكنك استدعيتني لأمر أهم من التزود من الثقافة الصحية العامة. # الفتى ~~: # عندك حق، إني أعتقد أني مريض. # الطبيب ~~: # إني مصغ إليك يا سيدي. # الفتى ~~: # لا أعراض خاصة تستحق الذكر. # الطبيب ~~: # لعلك ترغب في إجراء كشف عام؟ # الفتى ~~: # تقريبا. # الطبيب ~~: # إما أنك تريد أو لا تريد، فما معنى قولك «تقريبا»؟ # الفتى ~~: # لا مؤاخذة، فهذا ما قصدته بالدقة. # الطبيب ~~: # ولم لم تذكر ما تقصد بالدقة من أول الأمر؟ # الفتى ~~: # لا تشتد في محاسبتي على أسلوبي في الكلام. # الطبيب ~~: # هل يجرى كلامك على هذا النحو القلق عادة؟ # الفتى ~~: # تقريبا. # الطبيب ~~: # عدنا إلى تقريبا! # الفتى ~~: # فلنفترض أن الجواب بالإيجاب. # الطبيب ~~: # فلنفترض! .. ألا تستطيع أن تعبر عما تريد بدقة؟ # الفتى ~~: # طيب، إني أرغب في إجراء كشف عام. # الطبيب ~~: # أسلوبك في الكلام لا يخلو من دلالة مريبة. # الفتى ~~: # عدنا إلى الأسلوب. # الطبيب ~~: # إنه أول عرض. # الفتى ~~: # عرض؟ # الطبيب ~~: # إنك تحاور وتداور، ولا تقصد إلى هدفك رأسا. # الفتى ~~: # معذرة. # الطبيب ~~: # وهذا من أول أعراض الوباء. # الفتى ~~: # الوباء! # الطبيب ~~: # أما بقية الأعراض فيمكن استنتاجها. # الفتى ~~: # لا أفهم شيئا. # الطبيب ~~: # غير مهم. # الفتى ~~: # ولكنه مرضي أنا. # الطبيب ~~: # إنه وباء فهو ملكية عامة. # الفتى ~~: # فليكن، علينا أن نفهمه على أي حال. # الطبيب ~~: # بل عليك أن تتداوى منه. # الفتى ~~: # حسن، فلتحدثني عن بقية الأعراض. # الطبيب ~~: # بل عليك أن تحدثني أنت. # الفتى ~~: # ولكنك قلت إن بقية الأعراض يمكن استنتاجها. # الطبيب ~~: # أتريد أن ترسم لي خطتي في العلاج؟ # الفتى ~~: # أنا تحت أمرك. # الطبيب ~~: # هذا هو العرض الثاني. # الفتى ~~: # أين هو؟ # الطبيب ms053 ~~: # بعد المحاورة والمداورة تصدر جملة واضحة محددة وهي «أنا تحت أمرك». # الفتى ~~: # ولكنها مجرد مجاملة! # الطبيب ~~: # هذا ما يخيل إليك، أما الواقع فإنه العرض الثاني. # الفتى ~~: # بهذه الطريقة يمكن أن نعتبر أي عبارة عرضا من أعراض الوباء. # الطبيب ~~: # قولك هذا يقطع بعدم ثقتك في العلم. # الفتى ~~: # ولكني من المتحمسين للعلم. ~~(الطبيب يهز رأسه في شك وهو صامت.) # الفتى ~~(وهو يشير نحو المصطبة المسربلة بالظلام) ~~: # إني من أصل عريق كان أول من أحرز في ميدان العلم نصرا. # الطبيب ~~: # الإشارة نحو الظلام مقرونة بالمباهاة عرض ثالث من أعراض الوباء. # الفتى ~~: # لست من هؤلاء .. إني بصفة عامة متعصب للعصر الحديث. # الطبيب ~~: # متعصب؟! # الفتى ~~: # أقصد أنني متحمس للعصر الحديث، ولا ألتفت نحو الأسلاف إلا تحت ضغط ضرورة ملحة. # الطبيب ~~: # وهاك عرضا من أعراض الوباء. # الفتى ~~: # إذن فأين يقع السلوك الصحيح؟ # الطبيب ~~: # إنك لا تدري عنه شيئا فيما أرى. # الفتى ~~: # إني أجد دوارا في رأسي! # الطبيب ~~: # الصراحة تحدث لك دوارا؟ عرض خامس! # الفتى ~~: # لعلي بالغت في التعبير. # الطبيب ~~: # من الدوار إلى المبالغة .. عرض سادس! # الفتى ~~: # خير ما أفعل أن ألزم الصمت. # الطبيب ~~: # من الدوار إلى المبالغة إلى الصمت .. عرض سابع! # الفتى ~~: # ها .. ها .. ها! # الطبيب ~~: # دوار، مبالغة، صمت، ضحك بلا سبب .. عرض ثامن! # الفتى ~~: # ها .. ها .. ها .. ها .. ها! # الطبيب ~~: # إغراق في الضحك رغم التأكد من أعراض الوباء .. عرض تاسع! ~~(الفتى يخفي وجهه بين كفيه.) # الطبيب ~~: # وتخفي وجهك، ولكن أعراض الوباء لا تختفي. # الفتى ~~: # وماذا يمكن أن أفعل؟ # الطبيب ~~: # وهذا هو التساؤل الذي يمثل أخطر أعراض الوباء. # الفتى ~~: # الحق أنك لا تشخص مرضا، ولكنك مصمم على إثبات وجود الوباء. # الطبيب ~~: # ها أنت تبدأ بالتهجم علي، ومعنى ذلك أنك تهادن من يتحرش بك وتتحرش بمن يحسن ~~معاملتك .. وهذا هو العرض العاشر. # الفتى ~~: # إنك تثير غضبي. # الطبيب ~~: # وتغضب حيث يجب الحلم .. العرض الحادي عشر. # الفتى ~~(هازئا) ~~: # لولي لا بم. # الطبيب ~~: # هذيان لفظي .. العرض الثاني عشر. # الفتى ~~: # سيدي الطبيب، ألم تعالج في حياتك رجلا من أصحاب النفوذ؟ # الطبيب ms054 ~~: # حصل. # الفتى ~~: # وهل صارحته بما تصارحني به الآن؟ # الطبيب ~~: # كلا. # الفتى ~~: # وكيف تصرفت معه؟ # الطبيب ~~: # تجنبت ذكر أي عرض يسيء إليه. # الفتى ~~: # ولكنك عرضت حياته للخطر؟ # الطبيب ~~: # هذا على أي حال خير من تعريض حياتي للخطر. # الفتى ~~: # أليس ذلك بعرض من أعراض الوباء؟ # الطبيب ~~: # بلى. # الفتى ~~: # إذن فأنت مصاب أيضا. # الطبيب ~~: # طبعا لم يسلم من الوباء أحد! # الفتى ~~: # ألا تتداوى من الداء؟ # الطبيب ~~: # بنفس الدواء الذي سأصفه لك. # الفتى ~~: # وهو؟ # الطبيب ~~: # إنه دواء واحد لا بديل له، وهو أن تسير إذا سرت على يديك، أن تسمع بعينيك، أن ~~ترى بأذنيك، أن تتذكر بعقلك، وأن تعقل بذاكرتك. # الفتى ~~: # يا له من دواء غريب وشاق! # الطبيب ~~: # ولكنه ناجح وفعال ومجرب! # الفتى ~~: # شكرا لك. # الطبيب ~~: # عفوا آن لي أن أذهب. # الفتى ~~: # مصحوبا بالسلامة. ~~(الطبيب يتجه نحو الناحية اليسرى. ~~صوت القهقهة الساخرة يرتفع، الطبيب يتوقف عن السير، يستدير ذاهبا إلى الناحية ~~التي جاء منها ويختفي) # آن لهذا الصوت الكريه أن يخمد، ولا حل إلا أن ~~أؤدبه! # صوت من الجهة اليمنى ~~: # بل يوجد حل آخر. ~~(يدخل رجل عملاق بادي الاعتداد بالنفس مبتسما بمودة.) # الفتى ~~: # من أنت؟ # العملاق ~~: # صديق. # الفتى ~~: # ولكني لا أعرفك. # العملاق ~~: # نحن في عالم لا نعرف إلا أعداءنا. # الفتى ~~: # ولكني لم أرك من قبل. # العملاق ~~: # ها أنت تراني، وفي هذا الكفاية. # الفتى ~~: # لا حول ولا قوة إلا بالله! # العملاق ~~: # تذكر هذه اللحظة جيدا فسوف تؤرخ بها السعادة في عمرك. # الفتى ~~: # وماذا تريد؟ # العملاق ~~: # أن أساعدك. # الفتى ~~: # في أي شيء؟ # العملاق ~~: # في قهر عدوك. # الفتى ~~: # ولكني لم أطلب مساعدة أحد. # العملاق ~~: # وهذا يجعل من تقدمي إليك سلوكا جديرا حقا بالصداقة. # الفتى ~~: # ومن الذي أرسلك؟ # العملاق ~~: # قل إنها العناية الإلهية. # الفتى ~~: # هذه إجابة عامة ولا تشفي. # العملاق ~~: # إذن اعتبر أنني جئتك بحكم وظيفتي. # الفتى ~~: # وما وظيفتك؟ # العملاق ~~: # أن أقيم ميزان العدالة. # الفتى ~~: # ومن قلدك هذه الوظيفة؟ # العملاق ~~: # الفرد هو الذي يختار الوظيفة التي تناسبه. # الفتى ~~: # ولكنني لم أسألك المعونة. # العملاق ~~: # ربما لأنك لم تكن تعلم ms055 بوجودي على كثب منك. وربما ... # الفتى ~~: # وربما؟ # العملاق ~~: # وربما لأنك تبالغ في تقدير قوتك. # الفتى ~~: # هذا شأني على أي حال. # العملاق ~~: # كلا. # الفتى ~~: # كلا؟! # العملاق ~~: # إنه يدخل ضمن اختصاص وظيفتي، علي أن أنقذك ولو من نفسك. # الفتى ~~: # ولكن مرجع الأمر في النهاية إلي أنا. # العملاق ~~: # ويرجع إلي بحكم وظيفتي. # الفتى ~~: # إني أشكرك، أرجو ألا تغالي في اختصاص وظيفتك. ثمة رجل وقح اعتدى علي، ولا مفر ~~من أن أؤدبه بنفسي. # العملاق ~~: # ولكنه يفوقك قوة، ولا دافع لشره سواي. # الفتى ~~: # لست في حاجة إلى مساعدتك. # العملاق ~~: # بل إنك في مسيس الحاجة إليها. # الفتى ~~: # أكرر الشكر، ولكنني لا أعرفك ولا تربطني بك صلة حقيقية. # العملاق ~~: # إني جزء لا يتجزأ من المكان، لي فيه رزق وصهر، وتربط أسرتي بأجدادك أواصر مودة ~~قديمة. # الفتى ~~: # أجدادي؟! .. إني أشك في ذلك. # العملاق ~~: # من أين لك هذا الشك؟ # الفتى ~~: # إني أعرف من كانوا على صلة بهم. # العملاق ~~: # لا بد أن تفوتك معرفة البعض، وأسرتي كانت ضمن ذلك البعض. # الفتى ~~: # حتى لو صح ذلك، فإنني لا أعتبره ملزما لي بقبول مساعدتك. # العملاق ~~: # إني أذكر ذلك التاريخ باعتباره مسوغا للقبول لا ملزما له. # الفتى ~~: # إذن لا إلزام هناك. # العملاق ~~: # أما الإلزام فيجيء من طبيعة وظيفتي. # الفتى ~~: # إني أرفض مبدأ الإلزام! # العملاق ~~: # عجيب أن تقف هذا الموقف العنيد من مساعد السماء! # الفتى ~~: # أنا الذي تلقيت الضربة وأنا الذي علي ردها. # العملاق ~~: # لن تستطيع ذلك وحدك. # الفتى ~~: # هذا لا يعنيك في شيء. # العملاق ~~: # بل هو كل شيء عندي، هو وظيفتي في الحياة. # الفتى ~~: # لا شأن لي بوظيفتك. # العملاق ~~: # لا تجعلني أشك في قواك العقلية. # الفتى ~~: # انصرف من فضلك، ودعني أتصرف كما أشاء. # العملاق ~~: # فكر .. فكر طويلا .. لا ترفض هبة العناية الإلهية. # الفتى ~~: # أنا الذي تلقيت الضربة وأنا الذي علي ردها. ~~(الفتاة ~~ترجع وتتخذ مكانها بين الرجلين، العملاق يحني لها رأسه فترد ~~التحية.) # العملاق ~~: # لي عظيم الشرف بلقاء ربة الدار. # الفتاة ~~: # شكرا يا سيدي. # العملاق ~~: # كنت أذكره بالصلة القديمة التي ربطت بين أسرتي ms056 وأجداده. # الفتاة ~~: # سمعت كل شيء. # العملاق ~~: # إنه ينكر تلك الصلة. # الفتاة ~~: # لا يمكن إنكار أي صلة قديمة أو حديثة. # العملاق ~~: # مرحبا بصوت الحكمة. # الفتاة ~~: # كن رفيقا به فهو غاضب. # العملاق ~~: # ألا يحق لي أن أتمسك بأداء وظيفتي؟ # الفتاة ~~: # مباركة الوظيفة التي تصون الحياة. # العملاق ~~: # مرحبا بصوت الحكمة. # الفتى ~~(مخاطبا الفتاة) ~~: # مؤامرة! # الفتاة ~~: # معاذ الله! # الفتى ~~: # مؤامرة. # الفتاة ~~: # افتح له صدرك. # العملاق ~~: # أشكرك يا صوت العقل. # الفتى ~~(للفتاة) ~~: # إني أطالبك بالاحترام. # الفتاة ~~: # قلبي ملؤه الاحترام والحب. # العملاق ~~: # لم تعاند محبيك؟ # الفتى ~~: # الحب قد يدفع إلى الهلاك. # الفتاة ~~: # الحب لا يتعامل إلا مع الحياة. # الفتى ~~: # إني أطالبك بالانسحاب. # العملاق ~~: # غريب أن تعامل الجمال والحكمة بهذه الفظاظة. # الفتى ~~(للعملاق) ~~: # لا تتدخل في شئوني الخاصة. # العملاق ~~: # سمعا وطاعة. # الفتاة ~~: # إني ذاهبة ما دمت ترغب في ذلك، ولكني أتوسل إليك أن تفتح له صدرك. ~~(الفتاة تذهب .. فترة صمت يتبادل فيها الرجلان النظرات، العملاق ~~باسما والفتى غاضبا.) # العملاق ~~: # الجو أصبح أصلح للمناقشة. # الفتى ~~: # ألم تستنفد المناقشة. # العملاق ~~: # كلا بعد، افتح لي صدرك، واتخذ بعد ذلك قرارك. ~~(الفتى يتنهد صامتا.) # العملاق ~~: # أريد أن أساعدك. # الفتى ~~: # خبرني صراحة عما تريد ثمنا لذلك؟ # العملاق ~~: # إني صديق ولست بتاجر. # الفتى ~~: # حدثني عما تريد. # العملاق ~~: # لا شيء ألبتة. # الفتى ~~: # ألبتة؟ # العملاق ~~: # إلا ما تتطلبه ظروف العمل طبعا. # الفتى ~~: # ظروف العمل؟ # العملاق ~~: # لكي أؤدب عدوك فلا بد من استدراجه إلى هنا. # الفتى ~~: # إلى مكاني هذا؟ # العملاق ~~: # نعم. # الفتى ~~: # لا يجوز أن يدنس مقامي بقدمه. # العملاق ~~: # لا تعط المكان أهمية أكثر مما يستحق. # الفتى ~~(مشيرا إلى المصطبة) ~~: # إنه مقامي مذ كان مقاما لهؤلاء. # العملاق ~~: # ولا تعط للأموات أهمية أكثر مما يستحقون. # الفتى ~~: # إذن هذا هو رأيك عن الأجداد؟ # العملاق ~~: # إن باطن الأرض مليء بالعظام، وهيهات أن تعرف أين عظام أجدادك بينها. # الفتى ~~: # هذا رأي من لا أصل له. # العملاق ~~: # لا تغضب .. ما أردته هو أن أبين لك خطتي في العمل. # الفتى ~~: # ولم لا تذهب إليه حيث يقهقه؟ # العملاق ~~: # إني أعرف ما أريد. # الفتى ms057 ~~: # سأجاريك في أفكارك، فهل إذا وافقت على رأيك تشرع في العمل؟ # العملاق ~~: # ولكن ليس هذا بكل شيء. # الفتى ~~: # ثمة شروط أخرى؟ # العملاق ~~: # لا تردد كلمة «شروط» فما أبغضها في مقام الصداقة. # الفتى ~~: # طيب .. ماذا تريد أيضا؟ # العملاق ~~: # في فترة التأهب للمعركة أحتاج لرعاية خاصة. # الفتى ~~: # مثال ذلك؟ # العملاق ~~: # تقدم لي الطعام والشراب والترفيه الضروري. # الفتى ~~: # جميل، ولكن يخيل إلي أن مطالبك لم تنته بعد؟ # العملاق ~~: # ما أجمل أن تدعو الفتاة الجليلة لمجالستنا! # الفتى ~~: # فتاتي؟ # العملاق ~~: # إنها قلب كبير يتسع للجميع. # الفتى ~~: # ولعله يتسع أيضا لعدونا المشترك؟ # العملاق ~~: # أعني أنني في حاجة إلى الحنان قبل المعركة. # الفتى ~~: # وماذا أيضا؟ # العملاق ~~: # بما أنني سأكون يدك عند الحاجة فمن الإنصاف ألا تتورط في فعل قبل مشاورتي. # الفتى ~~: # منطق سديد! # العملاق ~~: # ولا أن تصادق شخصا قبل موافقتي؛ فقد يكون لي عدوا. # الفتى ~~: # واحد وواحد يساويان اثنين. # العملاق ~~: # ولا أن تعادي شخصا قبل الرجوع إلي؛ فقد يكون لي صديقا. # الفتى ~~: # من يجادل في ذلك؟ # العملاق ~~: # هل نبدأ! # الفتى ~~: # أود أن أسألك سؤالا، هل يمكن أن يفعل بي عدوي أكثر من ذلك؟ # العملاق ~~(مستنكرا) ~~: # ولكن الفعل يتغير معناه بتغير فاعله. # الفتى ~~: # فاعله؟! # العملاق ~~: # قبلة من زوجك غير قبلة من بنت هوى، وصفعة من والدك غير صفعة من غريب! # الفتى ~~: # وأنت تعتبر نفسك الوالد والزوجة لي؟ # العملاق ~~: # بدأنا نتفاهم فيما أعتقد. # الفتى ~~(غاضبا) ~~: # اغرب عن وجهي. # العملاق ~~: # ماذا جرى لك؟ # الفتى ~~: # اذهب .. اذهب بلا تردد. # العملاق ~~: # أين أذهب؟ # الفتى ~~: # ابعد عن مقامي. # العملاق ~~: # ولكنه مقامي أنا أيضا. # الفتى ~~: # ماذا قلت؟ # العملاق ~~: # يا سيدي، مضى وقت طويل ونحن نتبادل الحديث، وقت يعطيني الحق في الإقامة، ~~وبالإضافة إلى ذلك نشأت علاقة إنسانية صميمة مع فتاتك الحكيمة، بل مع هؤلاء الأجداد ~~أنفسهم. # الفتى ~~: # أنت بلطجي. # العملاق ~~: # فليسامحك الله. # الفتى ~~: # اذهب بعيدا، لا أريد مساعدتك، وسألقى عدوي وحدي! # العملاق ~~: # عليك في هذه الحال أن تقاتل اثنين! # الفتى ~~: # كيف؟ # العملاق ~~: # إنك تناصبني العداء، وسأضطر إلى الدفاع عن نفسي. # الفتى ~~: # تهاجمني لأنني أرفض ms058 مساعدتك؟ # العملاق ~~: # لأنك تريد أن تطردني من مقامي، وتعطل وظيفتي الأساسية في الحياة. # الفتى ~~: # لا تستهن بي، لست عملاقا مثلك، ولكنني مصمم على منازلة الموت نفسه. # العملاق ~~: # ما دمت تريد الموت فلتمت. # الفتى ~~: # سأموت إذا مت وأنا أقاتل. # العملاق ~~: # إذن فلتقاتل ولتمت. ~~(تعود الفتاة مسرعة.) # الفتاة ~~: # أردت أن تفتح صدرك للتفاهم لا للموت. # الفتى ~~: # إنه شر من الآخر. # العملاق ~~: # إنه أحمق. # الفتى ~~: # إنه من النوع الآخر ولكنه شر منه. # الفتاة ~~: # يا للأسف! # الفتى ~~: # لا منفذ إلى حياة طيبة مع وجودهما. # الفتاة ~~: # متى أسمع كلمة جميلة تتردد؟ # الفتى ~~: # عندما يختفيان هما وأمثالهما. # الفتاة ~~: # كلام قديم معاد. # الفتى ~~: # ولكنه حق. # الفتاة ~~: # متى أسمع كلمة جميلة تتردد؟ # العملاق ~~: # إني أردد هذه الكلمة المنشودة ولا من سميع. # الفتاة ~~(للعملاق) ~~: # ألا يمكن أن تقيم ميزان العدالة بلا شروط؟ # العملاق ~~: # إني أبغض كلمة «شروط». # الفتاة ~~: # ألا يمكن أن تقيم ميزان العدالة دون أن تطالب بشيء؟ # العملاق ~~: # لن يكون هذا من العدل في شيء. # الفتاة ~~: # متى أسمع كلمة جميلة تتردد؟ ~~(صوت القهقهة الهازئة ~~يترامى من بعيد، العملاق ينصت إلى الصوت باهتمام ودهشة.) # العملاق ~~: # رباه .. إني أعرف هذا الصوت. # الفتاة ~~: # إنه صوت عدوه. # العملاق ~~: # عدوه! # الفتاة ~~: # نعم. # العملاق ~~: # يا لعجائب المصادفات! # الفتاة ~~: # هذا هو الرجل الذي قصدت بتقديم مساعدتك القضاء عليه. # العملاق ~~: # ها .. ها .. ها. # الفتاة ~~: # ماذا يضحك؟ # العملاق ~~: # إنه قريبي من ناحية الأم. # الفتاة ~~: # قريبك؟ # العملاق ~~: # نعم، يا لذكريات الطفولة السعيدة التي لا تنسى! # الفتى ~~: # ظننتك تعرف العدو الذي جئت متطوعا لضربه. # العملاق ~~: # ها .. ها .. ها. # الفتى ~~: # ألا زلت عند رأيك في مساعدتك؟ # العملاق ~~: # ولكنك رفضت مساعدتي! # الفتى ~~: # هبني قبلتها فهل تقدمها؟ # العملاق ~~: # مع كافة الشروط التي اشترطتها؟ # الفتى ~~: # لكنك تبغض كلمة «شروط»! # العملاق ~~: # نعم أم لا؟ # الفتى ~~: # نعم. # العملاق ~~: # في هذه الحال ألعب دور رسول السلام بينكما. # الفتى ~~: # رسول السلام؟ # العملاق ~~: # إكراما لهذه الفتاة الحكيمة ولك. # الفتى ~~: # وتعهداتك السابقة؟ # العملاق ~~: # للقربى حقوق، وإني لا أوفيها حقها الكامل بموقفي هذا. # الفتى ~~: # ولكنه هو المعتدي. # العملاق ~~: # ولو! # الفتى ms059 ~~: # وهو في الأصل قاطع طرق ليس إلا؟ # العملاق ~~: # ولو! # الفتى ~~: # إنه وحش ذميم. # العملاق ~~: # إنك لا تراه على حقيقته. # الفتى ~~: # ألم تسمع قهقهته الساخرة؟ # العملاق ~~: # هذه هي طريقته في المزاح، يا له من شاب خفيف الروح حقا! # الفتى ~~: # ولكني أعرفه حق المعرفة، من خلال المعاملة والجوار والصراع عرفته. # العملاق ~~: # صدقني إنه لا يكشف عن مكنون كنوزه إلا لمن يحبه ويفهمه. # الفتى ~~: # بل لا تلين عريكته إلا لمن يشكمه بالتأديب والضرب. # العملاق ~~: # أحمد الله على أنك لم تتمكن من ضربه. # الفتى ~~: # ولم؟ # العملاق ~~: # كنت سأهرع إلى نجدته. # الفتى ~~: # ها أنت تهددني. # العملاق ~~: # للقرابة حقوق. # الفتى ~~: # تجلت الحقيقة، فما أنت إلا بلطجي كقريبك. # العملاق ~~: # يا له من تفكير خليق بأن يقود إلى الهلاك. # الفتى ~~: # لا تضيع وقتي هباء. # العملاق ~~: # تصرف بوقتك كما تشاء. # الفتى ~~: # سأسوي حسابي بنفسي. # العملاق ~~: # أنت تعلم أن هذا الكلام لا معنى له، وقد وضحت لك أهداف وظيفتي. # الفتى ~~: # اللعنة! # العملاق ~~: # إني صديقك أردت أم لم ترد، وإني قريبه قبلت ذلك أم لم تقبله، وأنا أكبر منكما ~~سنا وأعظم قوة، فواجبي أن أجمع بين ثلاثتنا بعهد صداقة دائمة جديرة بهذا المكان ~~الذي يؤاخي الأحياء والأموات أنفسهم. # الفتى ~~: # كلام طيب، ونية لئيمة، وفعل غشوم. # العملاق ~~(مخاطبا الفتاة) ~~: # تكلمي أنت. # الفتاة ~~: # لم يعد عندي من جديد أقوله. # الفتى ~~: # اعترفي بأنني على حق. # الفتاة ~~: # أعترف بأنه لا يهمني في هذا الوجود إلا الحب. # العملاق ~~: # كم أنك حكيمة! # الفتى ~~: # كم أنك أنانية! # الفتاة ~~: # الحب عطاء بلا حدود ولا نهاية. # الفتى ~~: # الوحش يأخذ ولكنه لا يعرف العطاء. # الفتاة ~~: # ليتك تؤمن بالحب. # الفتى ~~: # لا حياة للحب بين الوحوش. # الفتاة ~~: # الحب أقوى قوة في الوجود، بيد أنه سلاح لا يسلس إلا لمن يؤمن به. # الفتى ~~: # للوحوش لغة أخرى. # الفتاة ~~: # أخشى أن تنقلب وحشا مثلهم. # الفتى ~~: # الكرامة أهم من الحياة نفسها. # الفتاة ~~: # الفضائل الحقيقية ثمار لا تنبت إلا فوق شجرة الحب. # العملاق ~~(مخاطبا الفتى) ~~: # من المؤسف أنك تحب الموت أكثر مما تحب فتاتك الجميلة الحكيمة. # الفتى ~~: # الموت ms060 أحب إلي من الخضوع لإرادتك. ~~(القهقهة الساخرة ~~تترامى من بعيد.) # العملاق ~~: # يا له من فتى ضحوك، يحب المزاح بقدر ما يحب الحياة الآمنة! # الفتى ~~: # إنك لئيم بقدر ما أنت قوي. # العملاق ~~: # أمامك عملاقان، ووراءك حياة طيبة، فارجع إلى الوراء. # الفتى ~~: # إلى الأمام. # العملاق ~~(للفتاة) ~~: # أقترح أن ندعه لنفسه ليفكر بهدوء فإن الجدل يغريه بالعناد والمكابرة. ~~(العملاق والفتاة يخرجان من بابين متقاربين في الناحية ~~اليمنى.) ~~(الفتى يتفكر قليلا ... ينظر ناحية المصطبة المسربلة في الظلام.) # الفتى ~~: # آن لكم أن تنطقوا. # الصدى ~~: # تنطقوا. ~~(الفتى يلوح بيده غاضبا .. يذهب ويجيء متفكرا ~~.. يدخل رجل أعمى يتحسس طريقه بعكاز، يتنصت مائلا برأسه نحو الفتى.) # الشحاذ ~~: # هل يوجد أحد هنا؟ # الفتى ~~: # نعم. # الشحاذ ~~: # أنت الذي ناديتني؟ # الفتى ~~: # كلا. # الشحاذ ~~: # لكنه صوتك، وأذني لا تخطئ. # الفتى ~~: # خبرني عما تريد. # الشحاذ ~~: # ماذا تريد أنت؟ # الفتى ~~: # ألست شحاذا؟ # الشحاذ ~~: # بلى. # الفتى ~~: # لعلك تريد إحسانا؟ # الشحاذ ~~: # رزقت اليوم بما فيه الكفاية، فماذا تريد أنت؟ # الفتى ~~: # لا أريد شيئا. # الشحاذ ~~: # كذب! # الفتى ~~: # شحاذ ووقح. # الشحاذ ~~: # لم تشتمني؟ # الفتى ~~: # كيف تجرؤ على رميي بالكذب؟ # الشحاذ ~~: # لأنك كذاب! ~~(الفتى يرفع يده ليضربه، ولكنه يتراجع أمام ~~عجزه.) # الفتى ~~: # اذهب قبل أن أكسر رأسك. # الشحاذ ~~: # لا أذهب حتى أعرف لماذا ناديتني؟ وماذا تريد مني؟ # الفتى ~~: # اذهب أحسن لك. # الشحاذ ~~: # ليس قبل أن أعرف ماذا تريد؟ # الفتى ~~(ساخرا) ~~: # وهل عندك ما تعطيه؟ # الشحاذ ~~: # اطلب ما تشاء. # الفتى ~~(ضاحكا رغما عنه) ~~: # إني مدين لك بأول ضحكة في يومي. # الشحاذ ~~: # هذا قليل من كثير مما عندي. # الفتى ~~: # يخيل إلي أنك غني. # الشحاذ ~~: # جدا. # الفتى ~~: # ماذا تملك؟ # الشحاذ ~~: # عالم الظلام الذي لا نهاية له. # الفتى ~~: # أنت خفيف الروح رغم سلاطة لسانك، وكان ينبغي أن تجد ملجأ يؤويك. # الشحاذ ~~: # التحقت ذات يوم بملجأ. # الفتى ~~: # ولم تركته؟ # الشحاذ ~~: # رفتت! # الفتى ~~(ضاحكا) ~~: # أسمع أول مرة عن رفت الشحاذين! # الشحاذ ~~: # كان ناظر الملجأ فظا غليظا، ولصا لا حياء له. # الفتى ~~: # وتوقع أن تسبحوا بحمده على أي حال؟ # الشحاذ ~~: # ولكن بعضنا تمرد، وكنت على رأس ms061 المتمردين. # الفتى ~~: # وفضلت أن تهيم على وجهك بلا مأوى؟ # الشحاذ ~~: # نعم. # الفتى ~~: # ولكن أليس الملجأ بكل عيوبه أفضل من التسول والتشرد؟ # الشحاذ ~~: # الحرية أفضل من الأمن نفسه. # الفتى ~~: # يخيل إلي أنك شحاذ مثقف! # الشحاذ ~~: # أعرف أشياء كثيرة. # الفتى ~~: # مثل ماذا؟ # الشحاذ ~~: # أن أرى بأذني. # الفتى ~~: # وماذا أيضا؟ # الشحاذ ~~: # وأن أسير على يدي! # الفتى ~~: # أنت ترى بأذنيك وتسير على يديك! # الشحاذ ~~: # وصادفني في تجوالي بعض الرسميين فقادوني مرة أخرى إلى الملجأ. # الفتى ~~: # إلى الوحش؟ # الشحاذ ~~: # كلا، كان قد خلفه ناظر جديد عادل وأمين ورحيم. # الفتى ~~: # وكيف تركته بعد ذلك؟ # الشحاذ ~~: # هربت. # الفتى ~~: # غير معقول. # الشحاذ ~~: # كان عادلا وأمينا ورحيما، ولكنه مغرم بالنظام لدرجة الهوس، ويطبقه بدقة ~~فلكية، ولا يقبل مراجعة. # الفتى ~~: # ولكنك نعمت بالغذاء والكساء والراحة والنظافة. # الشحاذ ~~: # الأكل بميعاد والشرب بميعاد و«ولا مؤاخذة» بميعاد والنوم بميعاد، فكدت أن أجن! # الفتى ~~: # وتمردت مرة أخرى؟ # الشحاذ ~~: # حتى التمرد حرمت منه، فلم يطاوعني ضميري على التمرد على رجل عادل أمين رحيم. # الفتى ~~: # كان عليك أن ترضى. # الشحاذ ~~: # حتى التمرد حرمت منه! # الفتى ~~: # التمرد ليس خيرا في ذاته. # الشحاذ ~~: # ولكنه خير من أن تكون حجرا. # الفتى ~~: # وهكذا هربت؟ # الشحاذ ~~: # هكذا هربت. # الفتى ~~: # إلى التراب والحشرات واللقمة العفنة! # الشحاذ ~~: # إلى سعادتي الحقيقية. # الفتى ~~: # حديثك مثير وعجيب. # الشحاذ ~~: # فتك بعافية. ~~(الشحاذ يتحرك.) # الفتى ~~: # انتظر، ~~(الشحاذ يستمر في سيره) ~~. ألا تريد أن ~~تسمعني؟ ~~(يمضي الشحاذ حتى يختفي.) ~~(يعود العملاق .. تعود ~~الفتاة.) # الفتاة ~~: # قلبي طيلة الوقت معك. # العملاق ~~: # لعلك اقتنعت برأيي. # الفتى ~~: # أيها السيد الذي يحب الشر، ويحب الخير أحيانا لحساب الشر. أيتها السيدة التي ~~تحب الخير، وتحب الشر أحيانا لحساب الخير. إليكما رأيي النهائي. سأصون كرامتي حتى ~~الموت. ~~(الفتاة تخفي وجهها بين يديها، وستظل كذلك إلى ما قبيل ~~النهاية.) # العملاق ~~: # شعار الوباء الذي فتك بملايين الحمقى. # الفتى ~~: # ينابيع الحياة الحقة مهددة بالجفاف، أشواق القلب الخالدة يساومها الضياع، سحقا ~~للوحشة التي تذبل فيها معاني الأشياء، إني ذاهب. ~~(القهقهة ~~الساخرة ترتفع)، (الفتى يتحول نحوها في تصميم ويتقدم، العملاق ms062 يثب نحوه، الفتى ~~يدفعه. العملاق يقبض على كتفيه ويدفع به نحو المصطبة، الفتى يندفع حتى يغيب في ~~الظلمة، الفتى يرتد كأنه كرة ارتطمت بجدار منقلبا على وجهه ثم يقف مترنحا، ~~وكأن حركته أيقظت الرقود وشدتهم من رقادهم. يتدحرج أولهم حتى يصل إلى مقدم ~~المسرح، وينهض في تثاقل كمن يقوم من نوم، يتبعه آخر مكررا نفس الحركة، ويتتابع ~~كثيرون؛ رجالا ونساء مكررين نفس الحركات حتى يكتظ بهم المسرح. العملاق يتزحزح ~~رويدا رويدا حتى يغيب في المدخل المفضي إلى القهقهة الساخرة، تتم يقظة ~~الجميع، تنتصب قاماتهم، يرتسم العزم في وجوههم. يجري ذلك في تمثيل صامت. يسير ~~الفتى نحو ناحية عدوه وهو يضرب الأرض ضربات مسموعة منتظمة. يمضون خلفه في عزم ~~صلب حتى يختفوا جميعا، ضربات أقدامهم ما زالت تترامى.) ~~(الفتاة ترفع يديها عن وجهها .. تصغى بحزن .. وترمي بنظرها إلى ~~بعيد.) # | التركة # (حجرة انتظار في بيت ولي الله؛ حجرة ذات طابع عتيق، في ~~الصدر كونصول؛ باب إلى اليمين وآخر إلى اليسار، تصطف بجوانبها كنبات تفصل بينها كراسي، ثمة حصر ~~مزركشة معلقة على الجدران في مواضع محددة. يدخل فتى وفتاة، يتفحصان الحجرة باستطلاع من يراها لأول ~~مرة، ثم يقفان في الوسط.) # الفتى ~~: # البيت صامت كأنه قبر. # الفتاة ~~: # صفق لتشعرهم بوجودك. # الفتى ~~: # إنه يكره ذلك، ما زلت أذكر طبعه. ~~(صمت قصير.) # الفتاة ~~: # بيتكم قديم، والحواري المفضية إليه شقت فيما يبدو من عهد نوح. # الفتى ~~: # لا تنسي أصلك وأنت تتكلمين عن الحواري كسائحة. # الفتاة ~~: # تأدب، المفروض أننا مهذبون. ~~(صمت قصير.) # الفتى ~~: # لم دعاني يا ترى؟ # الفتاه ~~: # هو أبوك مهما يكن من أمر. # الفتى ~~: # ظننت أن الماضي لن يعود. # الفتاة ~~: # الحاضر يمضي والماضي يعود، ولا ينبغي لرجل مذنب أن ييئس، فأي ذنب يغفر ما دام ~~المذنب رجلا. # الفتى ~~: # ألم تحلمي يوما بأن يدعوك أبوك ليغفر لك؟ # الفتاة ~~: # لو رآني ساعة احتضاره لغالب الموت حتى يفتك بي. ~~(الفتى ~~يبتسم من خلال ثوان من الصمت.) # الفتى ~~: # ترى لماذا دعاني بعد ذلك الفراق الطويل؟ # الفتاة ~~: # إنك وحيده وللقلب حنينه، ومن ms063 يدري فلعلك ... # الفتى ~~: # لعلي؟ # الفتاة ~~: # لعلك تذهب مكرما بثروة لم تخطر لك على بال! # الفتى ~~: # طردني يافعا ولا مليم في جيبي! # الفتاة ~~: # ماذا كنت تتوقع جزاء لسلوكك المشين؟ # الفتى ~~: # تشردت وجعت ولولا ... # الفتاة ~~: # ولولا فجورك لمت جوعا. # الفتى ~~: # اقطعي لسانك يا بنت الأبالسة. # الفتاة ~~: # ولأنك رجل فكل ذنب مغفور لك. # الفتى ~~: # ولأنك امرأة فكل ذنب مرجعه إليك. # الفتاة ~~: # أنت صعلوك ولكن تخافه الشياطين. # الفتى ~~: # فلنتأدب ولو ساعة من الزمان. # الفتاة ~~: # حتى تضحك على الرجل. # الفتى ~~: # العبي دور الزوجة بإتقان. # الفتاة ~~: # كان عليك أن تجيء وحدك وتتركني في سلام. # الفتى ~~: # لأن أتقدم إليه مصحوبا بزوجتي خير من الحضور وحدي كرجل أعزب محوط بشبهات ~~العزاب. # الفتاة ~~: # لعله يعرف عنك أكثر مما تتصور. # الفتى ~~: # لو صح ذلك لما دعاني بإعلان في الجرائد. # الفتاة ~~: # ولكنه ولي من أولياء الله؛ فكيف لم يعرف أنك صاحب خمارة وأنك مغامر؟ # الفتى ~~: # على أي حال فإنه لم يدخل السجن، فهو خير من أبيك المرحوم. # الفتاة ~~: # تدفعني إلى استعمال حذائي في هذه الحجرة العتيقة المباركة. # الفتى ~~: # استعمليه، وسأرد بكسر رأسك، ونقدم بذلك الدليل على صدق علاقتنا الزوجية. ~~(صمت.) # الفتاة ~~: # آه لو يتحقق حلم الثروة! # الفتى ~~: # وتتحول الخمارة الصغيرة إلى ملهى ليلي عالمي. # الفتاة ~~: # والمغامر الهاوي إلى قواد دولي! ~~(يكور لها قبضة يده ~~مهددا فتتراجع خطوة وهي تضحك دون إحداث صوت.) # الفتاة ~~: # الحق أن أباك ذو سمعة طيبة كرائحة الورد. # الفتى ~~: # أجل. # الفتاة ~~: # ما سألنا أحدا عن بيته إلا ولهج بالثناء عليه. # الفتى ~~: # أناس هذه الأحياء طيبون! # الفتاة ~~: # ولكنهم يؤكدون خوارقه. # الفتى ~~: # إنهم يرون في الحاوي معجزة. # الفتاة ~~: # وينوهون بالطمأنينة التي يزرعها في القلب. # الفتى ~~: # جميع هؤلاء يجيئون إلى هنا، ويجودون بنقودهم عن طيب خاطر. # الفتاة ~~: # ربما لأنهم يأخذون ما هو أقيم مما يعطون. # الفتى ~~: # إن قلبك لا يخلو من موطن للخرافة رغم اكتنازه بالشر الباهر. # الفتاة ~~: # وأنت، ألا تذكر يوم تأزمت بالمغص الكلوي؟ # الفتى ~~: # كفي عن الثرثرة، الرجل مليونير ما في ذلك من شك. # الفتاة ~~: # لندع الله أن يكون ms064 ذلك صحيحا. # الفتى ~~: # هنا .. هنا ثروة طائلة! # الفتاة ~~: # هنا؟ # الفتى ~~: # أولياء الله لا يتعاملون مع البنوك. # الفتاة ~~: # وعند حلول الأجل يمكن استخلاص التركة بعيدا عن قبضة الضرائب. # الفتى ~~: # ولكن ثمة خطرا أفظع من الضرائب. # الفتاة ~~: # ماذا تعني؟ # الفتى ~~: # أعني من يقومون بخدمته. # الفتاة ~~: # من يخدم أولياء الله؟ # الفتى ~~: # الشياطين! # الفتاة ~~: # هل تعني ما تقول؟ # الفتى ~~: # أعني شياطين الأرض. # الفتاة ~~: # من حسن الحظ أنك شيطان وبوسعك أن تتعامل مع الشياطين، هل لك امرأة أب؟ # الفتى ~~: # ماتت من زمن بعيد. # الفتاة ~~: # أهو طاعن في السن؟ # الفتى ~~: # جدا. # الفتاة ~~: # هذا يبشر بالخير. # الفتى ~~: # لا تحلمي، ماتت أجيال وهو حي يمارس عمله. # الفتاة ~~: # لم تعد أعصابي تتحمل الصبر أكثر من ذلك، عليك أن تقابله. # الفتى ~~: # بل علينا أن ننتظر، إني أعرف طبعه. ~~(صمت، يمشيان ~~ذهابا وجيئة) (يفتح الباب إلى اليسار، يدخل غلام حاملا مبخرة؛ غلام جميل ~~يلبس جلبابا وطاقية ومركوبا، يدور في الحجرة حارقا البخور دون أن يلتفت إلى ~~الفتى والفتاة، ودون أن ينبس بكلمة. يقف الفتى والفتاة جنبا لجنب وهما ~~يتابعانه بعينيهما) # يا غلام! ~~(الغلام يكف ~~عن الدوران ويقف قبالتهما) # هل أنت من يقوم على خدمة الشيخ؟ # الغلام ~~: # الناس جميعا يقومون على خدمته. # الفتى ~~: # وماذا تفعل أنت؟ # الغلام ~~: # إني خادم البيت. # الفتى ~~: # أنا ابن مولاك. # الغلام ~~: # أعرف ذلك يا سيدي. # الفتى ~~: # وكيف عرفتني؟ ~~(الغلام لا يجيب) # لم لا تجيب؟ # الغلام ~~: # لقد أجبت يا سيدي. # الفتى ~~(باسما) ~~: # طيب .. لقد جئت ملبيا دعوته. # الغلام ~~: # أعرف ذلك يا سيدي. # الفتى ~~: # ألا تدري متى يدعوني إلى لقائه؟ # الغلام ~~: # لقد كلفني مولاي أن أخبرك ... # الفتى ~~(مقاطعا) ~~: # إني أسألك متى يلقاني؟ # الغلام ~~: # لقد ذهب. # الفتى ~~: # أين؟ ومتى؟ # الغلام ~~: # غادر البيت عقب صلاة الفجر. # الفتى ~~: # ومتى يعود؟ # الغلام ~~: # لن يعود. # الفتى ~~: # أنت تهذي يا غلام. # الغلام ~~: # سامحك الله يا سيدي. # الفتى ~~: # ولم لن يعود؟ # الغلام ~~(محنيا رأسه من الحزن) ~~: # لقد ذهب إلى لقاء ربه. # الفتاة ~~: ~~(جزعة) ماذا تعني يا شاطر؟ # الغلام ~~: # قال إنه يشعر بدنو الأجل ثم ذهب. # الفتى ~~: # ولم ms065 لم يبق في فراشه؟ # الغلام ~~: # نذر من قديم أن يلقى ربه في الخلاء. # الفتى ~~: # ولكنك تعرف مكانه؟ # الغلام ~~: # كلا. # الفتى ~~: # ولماذا دعاني؟ # الغلام ~~: # دعاك لتعود إلى بيتك القديم. # الفتى ~~: # وهل حملك رسالة إلي؟ # الغلام ~~: # قال: دنا الأجل، آن لي أن أدعو ابني الضال لعله يصلح لأن يرث التركة. # الفتى ~~: # التركة؟ # الغلام ~~: # أمرني أن أسلمك التركة لعلك تثوب إلى رشدك. # الفتى ~~: # ليرحمه الله .. أعني ليمد الله في عمره. # الفتاة ~~: # وأين التركة يا شاطر؟ # الغلام ~~: # قال سيجيء غارقا في الضلال ساحبا معه قرينة سوء. ~~(صمت مع تبادل نظرات.) # الفتاة ~~: # هذا يعني أنها أيضا في حاجة إلى نصيب من تركته. # الفتى ~~: # ومتى تسلمنا التركة؟ ~~(الغلام يشير إلى حصيرة معلقة على ~~الحائط إلى يمين الكونصول.) # الغلام ~~: # التركة في خزانة وراء الحصيرة .. هاك المفتاح يا سيدي. ~~(يتناول الفتى المفتاح ويمضي إلى الحصيرة، يهم الغلام بمغادرة ~~الحجرة، الفتاة تهرع إليه فتقبض على يده.) # الفتاة ~~: # ابق حتى نتسلم التركة. ~~(الفتى يزيح الحصيرة، يفتح ~~الخزانة، يأخذ في إخراج كتب صفراء، ويقرأ بعض العناوين وهو يخرجها ويرصها فوق ~~الكنبة.) # الفتى ~~: # الحق .. مدارج الروح .. سلام للقلب. ~~(يستمر في إخراج الكتب ~~التي تتراكم فوق الكنبة، ويتهاوى بعضها على الأرض.) # الفتى ~~: # أين التركة؟ # الفتاة ~~(للغلام) ~~: # أنت سرقتها! # الغلام ~~: # سامحك الله. # الفتى ~~(مواصلا إخراج الكتب) ~~: # أين التركة؟ # الغلام ~~: # لا علم لي بما في الخزانة. # الفتى ~~: # كان المفتاح معك. # الغلام ~~: # أعطانيه قبل أن يغادر البيت. ~~(الفتى يواصل إخراج ~~الكتب، ثم يصيح بفرح جنوني.) # الفتى ~~: # التركة! ~~(يخرج رزما من الأوراق المالية ويرصها فوق ~~خوان.) # الفتاة ~~: # ثروة طائلة. # الفتى ~~: # ما أكرمك يا أبي وما أبرك! # الغلام ~~: # إنه يوصيك بألا تنفق منها مليما واحدا قبل أن تستوعب ما في هذه الكتب. # الفتاة ~~: # الأوفق أن نبدأ باستيعاب هذه النقود. # الغلام ~~: # تلك كانت وصيته. # الفتى ~~: # شكرا يا غلام، يمكنك أن تنصرف إذا شئت. # الغلام ~~: # والتركة؟ # الفتى ~~: # هل ثمة تركة أخرى؟ # الغلام ~~(مشيرا إلى الكتب) ~~: # إنما أعني هذه التركة. # الفتى ~~: # ستنفذ الوصية بأمانة. ~~(الفتاة في سيرها تدوس على بعض ~~الكتب ms066 .) # الغلام ~~: # ارفعي قدمك. # الفتاة ~~: # تفضل بسلام وكف عن إلقاء الأوامر. # الغلام ~~: # فلأعيدها إلى الخزانة إذا لم تكن بكما من حاجة إليها. # الفتى ~~: # خير ما تفعل أيها الغلام الأمين. ~~(الغلام يعيد الكتب ~~إلى الخزانة، يحملها باحترام وهو يبكي صامتا، ولما ينتهي يقول بنبرة ~~حزينة.) # الغلام ~~: # إني ذاهب. # الفتى ~~: # مصحوبا بالسلامة. ~~(ثم مستدركا) ~~، انتظر، أنت ~~غلام طيب، تحب أن تشتغل عندي؟ # الغلام ~~: # أي شغلة يا سيدي؟ # الفتى ~~: # أدربك لتعمل جرسونا ماهرا. # الغلام ~~: # في مقهى؟ # الفتى ~~: # خمارة، وهي أربح للجرسون من عشرة مقاه. # الغلام ~~: # إني ذاهب يا سيدي. # الفتاة ~~: # مع السلامة. ~~(الغلام يذهب) ~~، ألا ترى أن نفتشه ~~قبل أن يرحل؟ # الفتى ~~: # لو كان لصا لما أخبرنا عن التركة. # الفتاة ~~: # علينا أن نجد حقيبة لنضع فيها النقود. # الفتى ~~: # سنجد حقيبة أو بقجة في هذا البيت العتيق. # الفتاة ~~: # وعليك أن تفكر في استغلاله. # الفتى ~~: # الأفضل بيعه، إنه قديم حقا، ولكنه يدر ذهبا لو بيع أرضا. # الفتاة ~~: # واشتر بالثمن عمارة، ولنبع الخمارة أيضا لنعيش أحرارا كأبناء الذوات. # الفتى ~~: # أفكار طائشة، سوف أنشئ ملهى ليليا يضاهي الأوبرج. ~~(يظهر رجل عند الباب الأيمن، يلبس جلبابا ومعطفا، وهو ذو قامة ضخمة، وطابع ~~رسمي كالمخبرين، يتقدم خطوات حتى يصير على مبعدة قصيرة من الفتى والفتاة اللذين ~~يطالعانه بدهشة، يجيل في المكان نظرة فاحصة، ويرى النقود المكدسة، ثم يعود ~~لينظر إلى الفتى والفتاة.) # الفتى ~~: # من حضرتك؟ # الرجل ~~: # هل أنت ابن ولي الله؟ # الفتى ~~: # نعم ولكن من حضرتك؟ # الرجل ~~: # مخبر من قوات الشرطة. # الفتى ~~: # أكنت على موعد مع الشيخ؟ # الرجل ~~: # الشيخ يرقد الآن إلى جوار ربه. # الفتى ~~: # كيف عرفت ذلك؟ # الرجل ~~: # أسلم الروح في الخلاء، فيما وراء مسكني، في الموضع الذي كان يتعبد فيه. # الفتى ~~: # وأين جثمانه؟ # الرجل ~~: # في المثوى الذي سنمضي إليه جميعا، لم يعد في حاجة إلى عنايتك، ويبدو أنك مشغول ~~عنه بما هو أهم عندك. # الفتى ~~: # وماذا تريد حضرتك؟ # الرجل ~~: # جئت لأذهب بك إلى القسم. # الفتى ~~: # لماذا؟ # الرجل ~~: # أنت متهم بقتل أبيك! # الفتى ~~: # دعابة ولكنها ثقيلة! # الفتاة ~~: # إنه لم ms067 يره منذ عمر مديد. # الرجل ~~: # أنت متهم بقتل أبيك. # الفتى ~~: # كف عن ترديد هذا السخف! # الرجل ~~: # شهدته وهو يحتضر، وأنا أعرفه منذ قديم، صرح لي قبل صعود روحه بأنك قتلته! # الفتى ~~: # محض افتراء وهذيان. # الرجل ~~: # الميت لا يكذب، وهو ولي من أولياء الله. # الفتى ~~: # لعلك لم تسمعه بوضوح أو لم تفهم ما يريد قوله. # الرجل ~~: # قال: «إني أموت مطعونا بيد ابني الوحيد.» # الفتاة ~~: # كان يعرب عن حزنه لفراق ابنه الطويل له. # الفتى ~~: # هل وجدت في جسده طعنة واحدة؟ # الرجل ~~: # لنترك ذلك إلى التحقيق. # الفتى ~~: # أي تحقيق يا رجل؟ إني لم أره منذ عشرات السنين. # الرجل ~~: # وكيف سولت لك نفسك أن تنهب أمواله قبل أن تراه؟ # الفتى ~~: # المال ميراثي الشرعي. # الرجل ~~: # هل علمت بوفاته؟ # الفتى ~~: # كلا. # الرجل ~~: # فكيف تمد يدك إلى ماله وهو حي في ظنك؟ # الفتى ~~: # وهبه لي قبل مغادرته البيت كما أخبرني غلامه. # الرجل ~~: # أين غلامه؟ # الفتاة ~~: # ذهب. # الرجل ~~: # استدعه ليدلي بأقواله. # الفتى ~~: # لا أدري أين ذهب. # الرجل ~~: # هلم معي إلى القسم. # الفتى ~~: # لا جريمة هناك ألبتة! # الرجل ~~: # قتلت أباك وسرقت الدولة! # الفتى ~~: # الدولة؟ # الرجل ~~: # ألا تعلم أنه لا يجوز التصرف في هذا المال حتى تأخذ الدولة حصتها منه؟ # الفتى ~~: # لم يكن في نيتي أن أتصرف في مليم قبل أن تأخذ الدولة حصتها كاملة، والله على ما ~~أقول شهيد! # الرجل ~~: # براعتك في التنكيت تفوق براعتك في القتل والنهب. # الفتى ~~: # أؤكد لك أن التحقق سيسفر عن براءتي. # الرجل ~~: # ولكن سيسبق ذلك القبض عليك والتحفظ على المال. # الفتاة ~~: # أهكذا تعامل شخصا يوم وفاة أبيه؟ # الفتى ~~: # الشيخ الطيب الذي طالما ثبت القلوب بالطمأنينة! # الرجل ~~: # إنك رجل شرير. # الفتى ~~: # أنت متحامل وسيئ الظن. # الرجل ~~: # كلفت بمهام كثيرة في مواطن الشبهات؛ فعرفت الكثيرين من أمثالك. # الفتى ~~: # أنا تاجر شريف. # الرجل ~~: # هلم معي، ولا تدفعني إلى الضحك في بيت ميت. # الفتاة ~~: # كن لطيفا ودعه في حاله. # الرجل ~~: # إنك تدافعين عنه كأنك بعيدة عن التهمة! # الفتاة ~~: # أنا؟! # الرجل ~~: # أنت شريكته في الجريمتين. # الفتى ~~: # أنا بريء. ~~(يتناول ms068 رزمة من النقود ويضعها في يد ~~الرجل) # وهذا المال مالي. # الرجل ~~: # أترشوني يا رجل مرتكبا بذلك جريمة ثالثة؟ # الفتى ~~: # معاذ الله، ولكنني أؤدي حق الدولة علي. # الرجل ~~: # حق الدولة يمثل ربع التركة. ~~(الفتى يعطيه رزمة ~~أخرى.) # الفتى ~~: # إليك رزمة أخرى دون تعرض لمناقشة المقدار المستحق. # الرجل ~~: # والقضية وتكاليفها؟ والتحفظ على المال وتعرضه للضياع؟ # الفتى ~~: # أعتقد أنني أعطيت ما فيه الكفاية. # الرجل ~~: # أتعاب المحاماة .. الرسوم .. سجنك .. تعرض عملك الذي ترتزق منه للخسران؟ ~~(الفتى يعطيه رزمة ثالثة.) # الفتى ~~: # تذكر أنني أعطيتك ثروة. # الرجل ~~: # لعل هذا يكفي بالنسبة لك. ~~(صمت وتبادل نظرات ~~حائرة) # الرجل ~~: # ولكن هذه السيدة لم تدفع مليما بعد؟ # الفتاة ~~: # إني زوجته. # الرجل ~~: # قلت إنني عملت طويلا في مواطن السوء فلا تحاولي الضحك على ذقني. # الفتى ~~: # لقد أعطيت فدية لكلينا. # الرجل ~~: # بل فدية لك وحدك! # الفتى ~~: # ماذا تريد؟ # الرجل ~~: # الأتعاب الخاصة بالسيدة. ~~(يعطيه رزمة رابعة.) # الفتى ~~: # هاك رزمة رابعة. # الرجل ~~: # كن كريما كسائر القتلة واللصوص. # الفتى ~~: # أتريد أن تستولي على نصف التركة؟ # الرجل ~~: # الأمر يتوقف على مدى تقديرك لحريتك. ~~(يقطب الفتى في ~~قهر، ثم يسلمه رزمة جديدة.) # الفتى ~~: # تفضل مصحوبا بالسلامة. ~~(الرجل يدير ظهره ليذهب، الفتى ~~يسل من ملابسه مطواة فيفتح نصلها ويهجم على الرجل. الرجل حذر وكان يتوقع حركة ~~غادرة فيتفادى من الطعنة، ويقبض على معصمه فيلويه، ثم يلكمه فيسقط على الأرض. ~~يجيء بكرسي فيجلسه عليه ويخرج من ملابسه حبلا ويكبله بمهارة قبل أن يفيق من ~~اللكمة، وهو يهدد الفتاة بأنها إذا ندت عنها حركة أو صوت فسوف يساقان إلى ~~القسم. ثم يجيء بكرسي آخر ويأمر الفتاة بالجلوس مهددا ويكبلها بحبل آخر. يتجه ~~نحو النقود على الخوان فيستولي عليها، ثم يلفها في الحصيرة، يلقي عليهما نظرة ~~ثم يذهب.) ~~(الفتى يفيق من أثر اللكمة، ينظر فيما حوله، يتذكر ما وقع، يحاول ~~تخليص نفسه ولكن عبثا.) # الفتى ~~: # ذهب؟ # الفتاة ~~: # بعد أن استولى على النقود كلها. # الفتى ~~(غاضبا) ~~: # لم لم تصوتي؟ كان يجب أن تصوتي بأعلى صوتك. # الفتاة ~~: # خفت أن يرجع فيضربنا أو ms069 يقتلنا. ~~(يحاول تخليص نفسه مرة ~~ثانية دون فائدة.) # الفتى ~~: # سأقتله ولو اختفى في بلاد الواق. # الفتاة ~~: # تهورك هو المسئول عما حل بنا، لم حاولت الهجوم عليه؟ # الفتى ~~: # ليس من مبادئي أن أسمح لإنسان باستغفالي. # الفتاة ~~: # ها هو قد ذهب بالثروة كلها. # الفتى ~~: # سيكون التنكيل به هو هدفي الأول في الحياة. # الفتاة ~~: # وقد تحقق هدفك ولكن الحلم السعيد تبدد. # الفتى ~~: # سأقبض على عنقه عاجلا أو آجلا. # الفتاة ~~: # ولا شاهد أو دليل لدينا عما حصل. # الفتى ~~: # المهم الآن أن نتحرر من قيدنا. # الفتاة ~~: # نحن مقيدان في بيت مغلق النوافذ والأبواب. # الفتى ~~: # ويعز علي أن أتصور أن الثروة حقا ضاعت. # الفتاة ~~: # هي الحقيقة الأليمة، وربما تقتله ولكنك لن تسترد مليما من ثروتك. # الفتى ~~: # لم يعبث بي أحد من قبل. # الفتاة ~~: # ها قد عبث بك كأنك لا شيء. # الفتى ~~: # أين المفر؟ إنه يعمل في دائرة هذا القسم. # الفتاة ~~: # إذا كان حقا مخبرا. # الفتى ~~: # ولم لا يكون مخبرا؟ # الفتاة ~~: # كان يجب أن تطالبه بإبراز بطاقته الشخصية. # الفتى ~~: # أعترف بأنني لم أحسن التفكير ولا التدبير. # الفتاة ~~: # أنت مغرور، تتوهم أنك إله، ثم تقع كالرطل. # الفتى ~~: # كيف أصدق ما حصل؟ # الفتاة ~~: # قلبي يحدثني بأنه ليس مخبرا. # الفتى ~~: # هو مجرم محترف على أي حال. # الفتاة ~~: # ويخيل إلي ... ربما لم يكن إنسانا أيضا! # الفتى ~~: # ماذا تعنين؟ # الفتاة ~~: # أعني أننا في بيت ولي، وهو وكر للأرواح والشياطين. # الفتى ~~: # أنت حمقاء، لا يسرق النقود إلا إنسان عاقل. # الفتاة ~~: # تذكر كيف اقتحم علينا المكان وكيف ذهب! # الفتى ~~: # جاء كما يجيء المجرم، وذهب بما يذهب به المجرمون. # الفتاة ~~: # أنت لا تحسن الرؤيا عند الانفعال. # الفتى ~~: # أنت حمقاء، هذه حقيقة مفروغ منها. # الفتاة ~~: # لنفكر في حالنا، نحن مقيدان بطريقة جهنمية، البيت محاط بفناء واسع يعزله عن ~~الحارة فلن يسمع صوتنا أحد، الجو هنا لا أرتاح إليه. فثمة روح ميت لعله لم يدفن ~~بعد، وثمة أرواح كثيرة لا علم لنا بها، ولا سيطرة لنا عليها. # الفتى ~~: # يا مجنونة، يا مخرفة، ما هذا الهذيان؟ # الفتاة ~~: # أنا ms070 خائفة. # الفتى ~~: # عهدتك دائما عربيدة ساخرة، فكيف خانتك جرأتك الداعرة؟ # الفتاة ~~: # إنه بيت مهجور ألا تدرك ذلك؟ جثة أبيك الآن في المشرحة، وستدفن كجثة رجل ~~مجهول، ولم ينبس المخبر - إذا كان حقا مخبرا - بكلمة، وسيظل البيت مغلقا ~~مهجورا زمنا غير قصير، ولكنه يكفي لقتلنا جوعا وعطشا، وهناك الأرواح. # الفتى ~~: # الأرواح! # الفتاة ~~: # أنا خائفة! # الفتى ~~: # كيف قيدنا بهذا الإحكام؟ لقد جاء مبيتا النية على فعل ما فعل. # الفتاة ~~: # وقد يرجع للإجهاز علينا. # الفتى ~~: # فليرجع. ~~(صمت تتخلله محاولة منه يائسة لفك قيده ولكن ~~دون جدوى.) # الفتاة ~~: # كأننا في حلم. # الفتى ~~: # ولكنه أسخف من الحقيقة. # الفتاة ~~: # أحيانا يكاد يغلبني الضحك. # الفتى ~~: # اضحكي إن استطعت. # الفتاة ~~: # حتى حياتنا المألوفة بين المغامرين والمنافسين والأعداء أخف وطأة من هذا السجن ~~في بيت أبيك. # الفتى ~~: # ليرحمه الله. # الفتاة ~~: # ادعه أن ينقذنا. # الفتى ~~(ساخرا) ~~: # أبانا الذي في المشرحة .. أنقذ ابنك الوحيد. # الفتاة ~~: # ماذا كان رأيك في أبيك؟ # الفتى ~~: # كان دجالا كوحيده. # الفتاة ~~: # حدثونا في كل موضع عن كراماته. # الفتى ~~: # حارة مخبولة مسطولة. # الفتاة ~~: # لكن الطمأنينة التي بثها في القلوب حقيقية. # الفتى ~~: # ردي إلي ثروتي وأنا أغرقك في بحر من الطمأنينة. # الفتاة ~~: # لم نكن فقراء، ولكننا لم نعرف الطمأنينة. # الفتى ~~: # وما سبيل الطمأنينة إلى خمارة هي ملتقى للمغامرين، واقعة بين عشرات من الخمارات ~~المنافسة، في حي مكتظ بالأعداء، ووراء ذلك كله إحساس ثابت بالمطاردة؟ كنا سنرتفع ~~بالثروة فوق ذلك كله. ~~(دقيقة صمت.) # الفتاة ~~: # سيجيء الظلام ونحن مكبلون بالحبال في هذا البيت المسكون. # الفتى ~~: # لا فرق بين النور والظلام. # الفتاة ~~: # كيف نخرج من هذا المأزق؟ # الفتى ~~: # اصرخي .. صوتك أحد من الرصاصة. # الفتاة ~~: # لن يسمعنا أحد. # الفتى ~~: # علينا أن ننتظر حتى يجيء إنقاذ من حيث لا ننتظر، أو يجيء الموت. ~~(صمت تتخلله محاولات فاشلة لفك القيود.) # الفتاة ~~: # لم دعاك أبوك؟ # الفتى ~~: # مات سره معه. # الفتاة ~~: # ماذا ظننت؟ # الفتى ~~: # قلت لعله حنين قلب عجوز. # الفتاة ~~: # لم تقل كل الحق. # الفتى ~~: # وحلمت بثروة! # الفتاة ~~: # وقد وهبك ثروة. # الفتى ~~: # وضاعت! # الفتاة ~~: # ولكنه أراد أن ms071 ترث عمله. # الفتى ~~: # فكرة سخيفة. # الفتاة ~~: # كان يجب أن تجاريه ولو في الظاهر. # الفتى ~~: # لم يكن ليغير من الأمر شيئا. # الفتاة ~~: # ربما لم يكن حدث الذي حدث. # الفتى ~~: # أراهن على أنك فقدت عقلك. # الفتاة ~~: # هل حاول أن يلقنك سره وأنت صغير؟ # الفتى ~~: # نعم. # الفتاة ~~: # ولكنك عصيته؟ # الفتى ~~: # لو أطعته ما صادفتني في طريقك أبدا. ~~(الفتاة تضحك ولا تنبس.) # الفتى ~~: # حاول معي كثيرا، لم أفهم كلمة من كلماته، واتخذت من سلوكي المشين سبيلا لتحديه ~~حتى طردني. # الفتاة ~~: # واحترفت المغامرة بدلا من الطمأنينة. # الفتى ~~: # ورثت عنه الدجل لأستثمره في مجاله الطبيعي. # الفتاة ~~: # لم أسمع أحدا يثني عليه مثلك. # الفتى ~~: # إني أعاشر مغامرين، وكان يعاشر مغفلين. # الفتاة ~~: # رأسي يدور. # الفتى ~~: # الحياة الحقة نقيض الراحة، والرجوع إلى الخرافة تفكير مضحك، لعله ينقصنا شيء، ~~ولكن لا بد من مواصلة حياتنا، ماذا تريدين؟ # الفتاة ~~: # أن أخرج من هنا سالمة. # الفتى ~~: # سنخرج عاجلا أو آجلا. # الفتاة ~~: # عما قليل سيجيء الظلام. # الفتى ~~: # فليجئ الظلام. # الفتاة ~~: # أنت المسئول عما وقع. # الفتى ~~: # أنت جبانة. # الفتاة ~~: # وأنت وغد. # الفتى ~~: # فلنتسل بتبادل الشتائم حتى تنكشف عنا هذه الغمة. # الفتاة ~~: # أو حتى يحل بنا الموت. # الفتى ~~: # أو حتى يحل بنا الموت. ~~(الفتاة تبكي من القهر، وهو ~~يضحك ضحكة عصبية.) # الفتاة ~~: # إنه يؤدبك. # الفتى ~~: # من؟ # الفتاة ~~: # أبوك. # الفتى ~~: # لم يستطع أن يؤدبني وهو حي، وهو أعجز عن ذلك وهو ميت. # الفتاة ~~: # بين حدث وحدث توجد أسباب خفية. # الفتى ~~: # بين حدث وحدث لا يوجد شيء. # الفتاة ~~: # وها قد وقعنا في الفخ. # الفتى ~~: # فخ لم ينصبه أحد ولكنا وقعنا بسوء تصرفنا. ~~(النور ~~ينخفض منذرا باقتراب المساء، لحظات من الصمت ومحاولات فاشلة لفك ~~القيد.) # الفتاة ~~: # بدأ الليل يهبط! # الفتى ~~: # ليس في وسع شيء أن يمنعه. # الفتاة ~~: # كان في وسعنا على الأقل ... # الفتى ~~(مقاطعا في تهكم) ~~: # كان يا ما كان. # الفتاة ~~: # أكره الظلام، أكره الأغلال، وسوف أجن. # الفتى ~~: # جربي الجنون فهو أكرم من الشعوذة على أي حال. # الفتاة ~~: # يا لك من وغد قاس كأنك لم تنعم عمرا بحبي ms072 . # الفتى ~~: # عودي إلى توازنك لنتفاهم كما تفاهمنا دائما. # الفتاة ~~: # حتى حبك ما هو إلا حب مغامر، نوبة من نوبات الأعصاب بلا قاعدة ثابتة. # الفتى ~~: # لم يكن ثمة فردوس في الماضي، ولن يكون ثمة فردوس في المستقبل، علينا أن نتقبل ~~الحياة كما هي. # الفتاة ~~: # الظلام يتمادى في الاقتراب. # الفتى ~~: # فليأت الظلام. # الفتاة ~~: # إنك تداري خوفك باللعب بالألفاظ. # الفتى ~~: # اللعنة .. في هذا الوقت من اليوم يبدأ النشاط في الخمارة. # الفتاة ~~: # يا لها من نهاية رخيصة! ~~(يستمر انخفاض النور حتى يحتوي ~~الظلام الحجرة، ويختفي الفتى والفتاة. الفتاة تصرخ مستغيثة ثم يسود ~~الصمت.) # الفتاة ~~: # ألا تحفظ تلاوة ندفع بها الشياطين بعيدا؟ # الفتى ~~: # لا أحفظ شيئا. # الفتاة ~~: # إني خائفة! # الفتى ~~: # لا يوجد هنا سبب حقيقي يبرر الخوف. # الفتاة ~~: # ولكني خائفة. # الفتى ~~: # أنا قريب منك. # الفتاة ~~: # ولكني لا أراك. # الفتى ~~: # فلنغن أغنية بذيئة لنهزأ بالظلام. ~~(الفتاة تصرخ، ~~صمت يتخلله بكاء خافت، ضوء يتسرب إلى الحجرة آتيا من شراعة الباب إلى ~~اليسار.) # الفتاة ~~: # ألا ترى .. نور في الداخل، يوجد شخص، البيت مسكون! # الفتى ~~(بصوت مرتفع) ~~: # من بالداخل؟ # الفتاة ~~: # مفاصلي سابت. # الفتى ~~: # من بالداخل؟ ~~(يفتح الباب، يظهر الغلام وبيده مصباح، ~~يتقدم ثم يتوقف عندما يرى الفتى والفتاة) # أنت .. أكنت بالداخل طيلة ~~الوقت؟! # الغلام ~~: # ظننت أنكما ذهبتما. # الفتاة ~~: # ألا ترانا مكبلين بالحبال؟ # الغلام ~~: # ولم فعلتما ذلك بنفسيكما؟ # الفتاة ~~: # هل تسخر منا يا غلام! # الفتى ~~: # أكنت موجودا بالداخل؟ أعني ألم تغادر البيت؟ # الغلام ~~: # رجعت مع المساء لأشعل المصابيح. # الفتى ~~: # لماذا؟ # الغلام ~~: # إكراما لروح الشيخ يوم وفاته. # الفتى ~~: # ضع المصباح وتقدم لحل عقدتنا. ~~(الغلام يمضي إلى ~~الكونصول فيضع المصباح ويتجه راجعا نحو الباب) # يا غلام، ~~(الغلام يتوقف) # تعال! # الغلام ~~: # ماذا تريد يا سيدي؟ # الفتى ~~: # كيف لا تدري ماذا نريد؟ # الغلام ~~: # أمرني الشيخ قبل ذهابه بألا أقدم لك أية مساعدة إذا أهملت تركته. # الفتى ~~: # ولكنه غير معقول أن تتركنا على هذه الحال. # الغلام ~~: # لا أستطيع أن أخالف لمولاي أمرا. # الفتاة ~~: # لا يمكن أن تعني ما تقول، إنك غلام طيب ونبيل! # الفتى ~~: # وأنا ms073 ابن مولاك يا شاطر، ولا يرضيك أن تتركنا في هذا المأزق. # الغلام ~~: # لن أعصي لمولاي أمرا. # الفتى ~~: # مولاك لم يتصور أننا سنقع في هذه الورطة. # الغلام ~~: # سامحك الله. # الفتاة ~~: # لص أثيم نهب ثروة مولاك وكبلنا بالحبال. # الغلام ~~: # علي أن أذهب. # الفتى ~~: # لا تغضب مولاك في قبره. # الغلام ~~: # مولاي ارتفع إلى السماء. # الفتى ~~: # لا تغضب مولاك في سمائه. # الغلام ~~: # ما دمت لا أعصيه فلن يغضب. # الفتى ~~: # أتعتقد أنه يرضيه أن نترك هكذا بدون مساعدة؟ # الغلام ~~: # لا أدري. # الفتى ~~: # أؤكد لك أن ذلك سيحزنه غاية الحزن. # الغلام ~~: # لا أدري. # الفتى ~~: # أقدم ولا تخف. # الغلام ~~: # لن أعصي لمولاي أمرا. # الفتاة ~~: # من أجل خاطري، لا يمكن أن تمتنع عن مساعدة امرأة. # الغلام ~~: # إني ذاهب. # الفتى ~~: # انتظر .. ألا ترى؟ إني أريد تركة أبي الحقيقية. # الغلام ~~: # أنت تعلم بمكانها. # الفتى ~~: # ولكني لا أستطيع الانتقال إليها. # الغلام ~~: # سبق أن نبذتها. # الفتى ~~: # أنا نادم على ذلك! # الغلام ~~: # لن أعصي لمولاي أمرا. ~~(الغلام يستأنف ~~السير.) # الفتاة ~~: # على الأقل بلغ الأمر إلى الشرطة. ~~(الغلام يواصل ~~السير دون مبالاة.) # الفتى ~~: # هل ستبلغ الشرطة؟ # الغلام ~~: # كلا. ~~(الغلام يختفي ثم يغلق الباب.) # الفتى ~~: # ملعون ابن ملعون! ~~(الفتاة تعاود البكاء.) # الفتى ~~: # كفى .. كفى وإلا ... # الفتاة ~~: # قضي علينا بالهلاك. # الفتى ~~: # لقد رجع الغلام، وربما رجع مرة أخرى، ولعل غيره يجيء. ~~(صمت قصير ثم يواصل حديثه) # يخيل إلي أن العجوز استدرجني إلى بيته ~~لينكل بي. الطيبة كانت حرفته لا طبيعته، وآي ذلك أنني منحدر من صلبه، غير معقول ~~أن تكون أمي مسئولة وحدها عن دمي العربيد، ولبيت نداءه وأنا في غفلة من مكره ~~فتتابعت الأخطاء. # الفتاة ~~: # كفاك قذفا فالبيت مسكون! # الفتى ~~: # مسكون بأرواح أسرتنا العريقة في الشر. # الفتاة ~~: # ليس الغلام غلاما ولا المخبر مخبرا .. وسوف تقع كوارث ليست في الحسبان. # الفتى ~~: # فلتقع الكوارث بغير حساب. ~~(صمت .. ثم ينزل ~~الستار.) ~~••• ~~(يرفع الستار. ضوء النهار يملأ الغرفة رغم أن المصباح ما زال مشتعلا، ~~الفتى والفتاة نائمان ورأساهما مطروحان على مسندي الكرسيين، يسمع صوت الباب الخارجي وهو ~~يفتح ثم ms074 وهو يغلق. يدخل رجل ضخم أنيق الملبس ولكنا نعرف فيه المخبر في ملبس جديد وهيئة ~~جديدة، يتبعه سكرتير وضابط من الشرطة. الفتى والفتاة يستيقظان، يبدو عليهما الإرهاق، ~~ينظران إلى القادمين بذهول فلا يعرفان حقيقة الشخص الفخم.) # الضابط ~~: # من أنتما؟ ومن فعل بكما ذلك؟ # الفتى ~~: # من حضرتك؟ # الضابط ~~: # ضابط النقطة. # الفتاة ~~: # أنقذنا من فضلك. ~~(الضابط يحل وثاقهما، يقفان وهما ~~يتأوهان، يحركان أعضاءهما ليستعيدا توازنهما.) # الضابط ~~: # من أنتما؟ # الفتى ~~: # أنا ابن صاحب البيت، أعني ولي الله المتوفى. # الفتاة ~~: # وأنا الزوجة. # الضابط ~~: # ماذا حدث لكما؟ # الفتى ~~: # هاجمنا مجرم غدرا ثم سرقنا وذهب. # الضابط ~~: # سأفتح لكما محضر تحقيق بعد قليل. # الفتى ~~: # هل أبلغك الغلام عنا؟ # الضابط ~~: # أي غلام؟ # الفتى ~~: # غلام الشيخ المتوفى. # الضابط ~~: # كلا، لقد جئت في صحبة المهندس لمعاينة البيت الذي يرغب في شرائه ظنا منا بأنه ~~بيت خال ولا وريث له. ~~(الفتى والفتاة ينتبهان لأول مرة ~~للمهندس فتلوح في وجهيهما الدهشة والانزعاج، يتبادلان النظرات ثم يحدقان في ~~المهندس بذهول.) # الضابط ~~: # مالك؟ # المهندس ~~: # لماذا تنظران إلي هكذا؟ # الفتى ~~: # أنت! # الفتاة ~~: # هو .. جسمه وصوته ووجهه! # المهندس ~~: # ماذا تعنيان؟ # الفتى ~~: # أنت دون غيرك، أيها المجرم! ~~(ينقض عليه ولكن الضابط ~~والسكرتير يحولان بينهما، المهندس يتراجع دهشا مستنكرا.) # الضابط ~~: # أي مجرم تعني؟ المهندس أكبر مقاول في الجمهورية. # الفتى ~~: # هو المخبر .. هو اللص .. هو الذي سرقنا. ~~(المهندس ~~والسكرتير والضابط يضحكون.) # الضابط ~~: # اضبط لسانك. # السكرتير ~~: # يا لها من نكتة! # الفتاة ~~: # هو المخبر. # الفتى ~~: # هو المجرم. # الضابط ~~: # كفى هذيانا! # المهندس ~~: # ترفق بهما يا حضرة الضابط، تذكر كيف قضيا ليلتهما في هذا البيت. # الفتى ~~: # لا تحاول خداعي. # الضابط ~~: # إنك تهين رجلا ولا كل الرجال، رجل أدى لوطنه أجل الخدمات في ميدان الهندسة. ~~(الفتى والفتاة يتبادلان النظرات الحائرة.) # الفتى ~~: # خبرني يا حضرة الضابط، هل عندك مخبر يشبهه؟ # الضابط ~~: # كلا على وجه اليقين. # المهندس ~~: # تمالك نفسك من فضلك، لقد عانيت ليلة غاية في السوء، وغير بعيد أن المجرم الذي ~~اعتدى عليكما يماثلني في بعض الصفات والخصائص، وأنت نفسك تماثل المرحوم أباك في بعض ms075 ~~ملامحه رغم تناقض منهجكما في الحياة فيما يبدو لي، وسوف يقبض الضابط على المجرم ~~ويرد إليك مالك، هل فقدت مالا كثيرا؟ # الفتى ~~: # أنت أدرى بمقداره. # الضابط ~~: # رجع إلى الهلوسة مرة أخرى! # الفتى ~~: # أؤكد لك أن هذا الرجل هو المجرم الذي اعتدى علينا. # الضابط ~~: # كف عن هذيانك، من صالحك أن تكف عنه. # السكرتير ~~: # ثمة أحقاد غريبة تستقر في نفوس الشباب، فإذا تعرض أحدهم لهزة نفسية استمد من ~~حقده الدفين آراء هدامة وراح يرمي بها كبار ذوي النشاط الناجح من الرجال ~~الممتازين في المجتمع. # الضابط ~~: # هل أنت من هؤلاء الشبان؟ # الفتى ~~: # إني ضحية، وقد حللت بنفسك وثاقي. # الضابط ~~: # ولكنك لم تسترد عقلك بعد. # المهندس ~~: # يجب أن تسترد عقلك سريعا لأتمكن من إنجاز مهمتي. ~~(صمت قصير.) # الفتاة ~~: # وما مهمتك؟ # المهندس ~~: # إني أرغب في شراء هذا البيت القديم لأقيم مكانه مصنعا للأجهزة الإلكترونية. # الفتاة ~~: # ألم تحاول الاتفاق مع صاحبه قبل وفاته؟ # المهندس ~~: # حاولت وعرضت عليه بيتا جديدا في مطلع الحي، ولكن كان لكل منا لغة يستعصي على ~~الآخر فهمها! # الفتى ~~: # إذن فأنت تعرف البيت، وكنت تعرف صاحبه؟ # المهندس ~~: # وكان أبي رحمه الله من مريديه أيضا. # الفتى ~~: # أنت إذن ... ~~(الفتاة تجذبه من ذراعه مانعة إياه من تكملة ~~كلامه، وتنتحي به جانبا.) # الفتاة ~~: # تمالك نفسك. # الفتى ~~: # لكنه هو عينه. # الفتاة ~~: # لندع ذلك للتحقيق، المهم الآن بيع البيت. # الفتى ~~: # سيشتري بمالي. # الفتاة ~~: # لا يجوز أن تخرج من المولد بلا حمص. # الفتى ~~: # الجن الأحمر نفسه لا يستطيع خداعي! # الفتاة ~~: # انس شطارتك الآن وأجل مشروعاتك. ~~(يعودان إلى ~~الجماعة) # اغفر له تهوره يا سيدي المهندس إكراما لذكرى أبيه الطيب. # المهندس ~~: # ليرحمه الله رحمة واسعة. # الفتى ~~: # أكنت تؤمن به؟ # المهندس ~~: # كنت أحبه. # الفتى ~~: # هل شهدت احتضاره؟ # المهندس ~~: # لكنني مشيت في جنازته، أين كنت أنت؟ # الفتى ~~: # كنت موثقا بحبال المجرم الأثيم. # المهندس ~~: # حضرة الضابط كفيل باسترداد ثروتك الضائعة، وما عليك الآن إلا أن تتقبل وضعك ~~بالطمأنينة التي بشر بها أبوك. # الفتى ~~: # ولكنك لم تؤمن به؟ # المهندس ~~(ضاحكا) ~~: # كان يقول لي «الطمأنينة هي ms076 هدف النفس البشرية.» فأقول له «بل التقدم يا مولانا ~~ولو بالجهد والقلق.» # الفتى ~~: # ولو بالاعتداء والنهب! # الفتاة ~~: # لنعد إلى مشروع المصنع! # المهندس ~~: # ثبت الآن أن للبيت وريثا، وعليه فلا بد من انتظار الإجراءات الخاصة بإثبات ~~الوراثة. # الفتاة ~~: # إنه بيت كبير وذو موضع ممتاز على مشارف الصحراء، ولا تنس أثاثه القديم النادر. # المهندس ~~: # لا حاجة بي إلى الأثاث. # الفتاة ~~: # والكتب التي صنعت المعجزات. # المهندس ~~: # لدي ما أحتاج من كتب ومعجزات. # الفتاة ~~: # أظن آن لنا أن نتكلم عن الثمن. # المهندس ~~: # لن أبخسكم حقكم، وسنتكلم عن ذلك في حينه. ~~(المهندس ~~يستأذن في الانصراف، وقبل أن يذهب يلتفت إلى الفتى ويسأله:) وأنت .. ما مهنتك؟ # الفتى ~~: # صاحب خمارة. # المهندس ~~(ضاحكا) ~~: # لست مقطوع الصلة بأبيك، فالناس يقصدون الخمارة طلبا للطمأنينة أيضا. ~~(المهندس وسكرتيره يذهبان.) (يقترب الضابط من الفتى والفتاة.) # الضابط ~~: # آن لنا أن نبدأ التحقيق. ~~(ستار) # | النجاة # (حجرة جلوس، في الوسط مدفأة حائط مشتعلة، إلى اليمين من المدفأة باب ~~حجرة النوم، وإلى اليسار منها باب حجرة المكتب. في نهاية الجانب الأيمن لحجرة الجلوس باب هو ~~باب الشقة، إلى اليسار يوجد بار وتليفزيون. رجل يجلس على مقعد كبير أمام المدفأة، يرتدي ~~روبا ويطالع في كتاب.) ~~(جرس الباب الخارجي يرن بغتة رنينا متواصلا.) ~~(يقوم الرجل إلى الباب، يفتحه، تندفع إلى الداخل امرأة جميلة مرتدية ~~معطفا وبيدها حقيبة؛ تندفع وكأنها تجري ثم تقف وهي تلهث. الرجل ينظر إليها بدهشة ودون أن ~~يغلق الباب .. واضح من نظراته أنه لا يعرفها ولم يكن ينتظرها.) # الرجل ~~(بتردد وارتباك) ~~: # ولا مؤاخذة .. حضرتك ...؟ # المرأة ~~(بلهفة) ~~: # أغلق الباب! من فضلك أغلق الباب! ~~(الرجل يغلق الباب بذهول.) # الرجل ~~: # وحدك؟ # المرأة ~~: # نعم. ~~(يقفان وهما يتبادلان النظرات) # إني ~~مرهقة، تسمح لي بالجلوس؟ # الرجل ~~: # تفضلي. ~~(يجلسان على مقعدين متقاربين أمام المدفأة، ~~تسند المرأة رأسها إلى يدها في إعياء، يعلو صدرها وينخفض بشكل محسوس. الرجل ~~يتفحصها بدهشة، ويبدو - رغم غرابة الموقف - أن محاسنها أثرت فيه بعض ~~الشيء) # أنا وحدي، ذهبت الخادمة عقب إعداد العشاء، ولكني سأجيئك بكوب ~~ماء. ~~(يقوم إلى ms077 البار فيملأ كوبا من دورق ثم يقدمه ~~إليها، المرأة تشرب نصفه، ثم تضعه على خوان بين المقعدين.) # المرأة ~~: # آسفة جدا لإزعاجك. # الرجل ~~: # أنا في خدمتك. # المرأة ~~: # شكرا. # الرجل ~~: # يلزمك شيء؟ # المرأة ~~: # أكرر الأسف، الواقع أنني لا أدري ماذا أقول. ~~(صمت.) # المرأة ~~: # سلوكي يتطلب تفسيرا، ولكني لا أدري ماذا أقول. # الرجل ~~: # استردي أنفاسك أولا. # المرأة ~~: # ماذا أقول؟ مهما يكن فإني أتوسل إليك أن تكرمني. # الرجل ~~: # وهل في ذلك شك؟ # المرأة ~~: # أعني أن تعاملني معاملة تليق بامرأة في أشد حاجة إلى ... # الرجل ~~: # إلى؟ # المرأة ~~: # الحماية. # الرجل ~~: # ماذا يهددك؟ ~~(صمت.) # الرجل ~~(مستدركا) ~~: # لكني لم أتشرف بعد؟ # المرأة ~~: # لا يهم هذا على الإطلاق. # الرجل ~~: # ولكنه ضروري فيما أعتقد. # المرأة ~~: # كلا، لن يقدم ولن يؤخر! # الرجل ~~: # لن أضايقك، ولكن ثمة سؤال آخر، هل قصدتني بالذات؟ هل تعرفينني؟ # المرأة ~~: # بابك أول باب فتح لي، هذا كل ما هنالك. # الرجل ~~: # هل طرقت أكثر من باب؟ # المرأة ~~: # نعم. # الرجل ~~: # ماذا يهددك؟ # المرأة ~~: # أكرمني بألا تخبر أي طارق عني! # الرجل ~~(بقلق) ~~: # هل يتوقع مجيء من يتعقبك؟ # المرأة ~~: # نعم. # الرجل ~~: # رجل أم امرأة؟ # المرأة ~~: # رجل. # الرجل ~~(بعد تردد) ~~: # زوجك؟ # المرأة ~~: # كلا. # الرجل ~~: # صديق؟ .. قريب؟ # المرأة ~~: # ألا تتكرم بحمايتي دون تحقيق؟ # الرجل ~~: # ولكن ... # المرأة ~~(مقاطعة) ~~: # لعلك تعمل حساب أهل بيتك؟ # الرجل ~~: # لا يوجد في البيت سواي. # المرأة ~~: # ولكن عما قليل سترجع زوجتك؟ # الرجل ~~: # لست متزوجا. # المرأة ~~: # تنتظر ولا شك أحدا ممن يقيم معك؟ # الرجل ~~: # إني أقيم هنا بمفردي. # المرأة ~~: # عظيم، ستكون المهمة سهلة لو تكرمت بالموافقة. # الرجل ~~: # ولكن يلزمني بصيص نور. # المرأة ~~: # لن يمسك سوء. # الرجل ~~: # ولكني أود أن أعرف المسئولية التي سأتحملها! # المرأة ~~: # لن تمضي ساعات حتى أغادر مسكنك إلى الأبد كأني شيء لم يكن. # الرجل ~~(مداريا ارتباكه بابتسامة) ~~: # ستظلين شيئا لا يمكن نسيانه. # المرأة ~~: # غزل أم تحقيق؟ # الرجل ~~: # كنت أفضل أن يكون غزلا خالصا. ~~(صمت.) # الرجل ~~: # إذا شرفتني وقتا ثم ذهبت دون أن يعلم أحد فلا حرج، ولكن إذا جاء أحدهم يتعقبك ~~فيلزمني بصيص نور قبل أن أنكر وجودك ms078 . # المرأة ~~: # لن تقع عليك مسئولية ما. # الرجل ~~: # بل قد أجر إلى متاعب لا تخطر ببال! # المرأة ~~: # لا تهول. # الرجل ~~: # لا تتركيني في ظلام. ~~(صمت.) # الرجل ~~: # أرجوك، لا تضطريني إلى ... # المرأة ~~: # إلى تسليمي لأول طارق! # الرجل ~~: # أرجوك أن تفهمي موقفي جيدا. # المرأة ~~: # إني أتعلق بأمل وحيد؛ ببقية من الشهامة البطولية القديمة. # الرجل ~~: # من المؤسف أن عهد الفروسية والملاحم قد ولى. # المرأة ~~: # في حالة اليأس يفزع القلب إلى زمن الأساطير. # الرجل ~~: # أنا يا سيدتي رجل لا أسطورة. ~~(صمت.) # الرجل ~~: # فكري من فضلك وأجيبي. # المرأة ~~: # لكني عاجزة تماما. # الرجل ~~: # قبل أن تفوت الفرصة؟ # المرأة ~~: # كن كريما إلى النهاية. # الرجل ~~(غاضبا) ~~: # إني أشم رائحة مقلقة للأعصاب. # المرأة ~~: # أي رائحة؟ # الرجل ~~: # جريمة ما! # المرأة ~~: # لا تدفعني إلى الانتحار! # الرجل ~~: # ماذا فعلت؟ ~~(جرس الباب يرن، المرأة تقف فزعة، تهرع إلى ~~باب حجرة النوم، تدخل ثم تغلق الباب من الداخل، الرجل يحاول فتح الباب فلا ~~يستطيع، الجرس يرن مرة أخرى) # افتحي. # المرأة ~~: # كن كريما. # الرجل ~~: # لا تجريني إلى مأزق. # المرأة ~~: # كن رحيما. # الرجل ~~: # سأتصرف كما ينبغي لي. # المرأة إذا اعترفت بوجودي هنا رميت بنفسي من النافذة. # الرجل ~~: # أنت مجنونة! # المرأة ~~: # أنا عاقلة جدا. # الرجل ~~: # إنك تجازيني خير جزاء. # المرأة ~~: # إني آسفة ولكنني مضطرة. # الرجل ~~: # انتظري .. لا تتعجلي. ~~(يذهب إلى الباب لاعنا متسخطا، يفتح الباب، يدخل رجل ضاحكا ثم ~~يرد الباب.) # الصديق ~~: # كنت نائما؟ # الرجل ~~: # أنت! عليك اللعنة! # الصديق ~~: # يا له من استقبال! ~~(يتجهان نحو المدفأة) ~~. ~~ماذا حدث في العمارة؟ # الرجل ~~: # لا شيء. # الصديق ~~: # وأنا قادم إلى زيارتك وجدت الشرطة تحاصر العمارة، لم أستطع المرور إلا بعد س و ~~ج. # الرجل ~~: # حقا! ماذا حدث؟ # الصديق ~~: # لم أفهم شيئا، لم يرد على أسئلتي أحد، ولكن ثمة حادث أو جريمة، والأمر المؤكد ~~أنهم يبحثون عن امرأة هاربة. # الرجل ~~: # أين؟ # الصديق ~~: # في مكان ما بالعمارة، العمارة محتلة بالقوات، ألم تشعر بشيء؟ # الرجل ~~: # أبدا. ~~(يجلسان، الصديق يجلس في مكان المرأة، يتشمم الجو بدهشة.) # الصديق ~~: # رائحة امرأة. # الرجل ~~: # ترى أي جريمة؟ وأي امرأة ms079 ؟ # الصديق ~~: # لا تشغل بالك، ستعرف كل شيء صباح الغد، ولكني أقول إنه توجد رائحة امرأة. # الرجل ~~: # رائحة امرأة؟! # الصديق ~~: # رائحة زكية، هل عندك حبوبة؟ # الرجل ~~: # كلا. # الصديق ~~: # وهذه الرائحة؟! # الرجل ~~: # كان ثمة صديقة تزورني ... # الصديق ~~: # مبارك عليك، ولكن مالك؟ # الرجل ~~: # على خير ما يرام. # الصديق ~~: # كلا، لست كعادتك. # الرجل ~~: # لعله البرد. # الصديق ~~(مشيرا إلى المدفأة) ~~: # إنك تنعم بفردوس في هذا الشتاء القاسي. ~~(صمت.) # الصديق ~~: # أهي ممن أعرفهن؟ # الرجل ~~: # من تعني؟ # الصديق ~~: # المرأة التي كانت هنا. # الرجل ~~: # كلا. # الصديق ~~: # ولم انصرفت مبكرة؟ # الرجل ~~: # يكفي تحقيق واحد في العمارة. # الصديق ~~: # ذكرتني، ترى ماذا حدث؟ # الرجل ~~: # أجل ماذا حدث؟ # الصديق ~~: # إنك تعرف عن فيتنام أكثر مما تعرف عن شقة مجاورة في عمارة حديثة. # الرجل ~~: # أي جريمة؟ وأين اختفت المرأة؟ # الصديق ~~: # لا تشغل بالك، الجرائم وجبات يومية. # الرجل ~~: # والمرأة؟ # الصديق ~~: # قاتلة .. شريكة في جريمة قتل .. سر جريمة ما. # الرجل ~~: # وأين يمكن أن تختفي؟ # الصديق ~~: # لعلهم عثروا عليها، إلا إذا كانت أصلا من سكان العمارة. # الرجل ~~: # فكرة. # الصديق ~~: # أو تكون لجأت إلى شقة ما. # الرجل ~~: # لا أحد في اعتقادي إلا إذا كان له ضلع في الحكاية. ~~(الرجل يقوم، يبتعد إلى جناح الحجرة البعيدة عن حجرة النوم، يشير إلى صاحبه أن ~~يتبعه فيلحق به) (هامسا) # أنا واقع في مشكلة. # الصديق ~~: # أي مشكلة؟ ~~(جرس الباب يرن) # هل تنتظر أحدا؟ ~~(الرجل يمضي إلى الباب بعد تردد، يفتح.) # صوت من الخارج ~~: # تسمح لي بالدخول؟ # الرجل ~~: # تفضل. ~~(يدخل ضابط، يقدم نفسه.) # الضابط ~~: # نحن نبحث عن امرأة هاربة في العمارة. ~~(الرجل يتظاهر بالدهشة ويتساءل.) # الرجل ~~: # أية امرأة؟ # الضابط ~~: # امرأة هاربة، ويهم الأمن العام القبض عليها. # الرجل ~~: # لم يلجأ إلى شقتي أحد. # الضابط ~~: # حضرتك رب الأسرة؟ # الرجل ~~: # إني أقيم بمفردي هنا، (ثم مشيرا إلى صديقه) هذا صديق زائر. # الضابط ~~: # تسمح بالبطاقة الشخصية (الرجل يذهب إلى حجرة المكتب، ثم يعود بالبطاقة، الضابط ~~يقرأها بعناية، ثم يقدم له ورقة مكتوبة ويقول) هذا إقرار بأن المرأة لم تلجأ إلى ~~شقتك هذا المساء، وقعه بإمضائك، وأود ms080 أن أذكرك بخطورة الأمر إذا ثبت ما ~~يخالفه. ~~(الرجل يوقع الإقرار، الضابط يتناوله وينصرف، الرجل يغلق الباب، ~~يعود إلى صديقه حيث كان يقف في وسط الحجرة.) # الصديق ~~: # الظاهر أن الجريمة أخطر مما نتصور. # الرجل ~~: # ليست إلا إجراءات روتينية. # الصديق ~~: # لا تشغل بالك، كنت تتحدث عن مشكلة. # الرجل ~~: # مشكلة؟ # الصديق ~~: # الضابط شتت عقلك. # الرجل ~~: # ربما. # الصديق ~~: # لنعد إلى مشكلتك. ~~(صمت.) # الصديق ~~: # ألا تريد أن تحدثني عن مشكلتك؟ # الرجل ~~: # جد ما هو أهم. # الصديق ~~: # لا تشغل بالك بهموم لا تخصك. # الرجل ~~: # أليس من الجائز أن تستصدر الشرطة أمرا بالتفتيش العام إذا لم تعثر على المرأة؟ # الصديق ~~: # جائز. # الرجل ~~: # وقد يفتشون شقتي! # الصديق ~~: # إنه احتمال ضعيف على أي حال. # الرجل ~~: # ولكنه جائز. # الصديق ~~: # عندك فرصة للتخلص من الأشياء المحرجة. # الرجل ~~: # كيف؟ # الصديق ~~: # النافذة. # الرجل ~~: # العمارة محاصرة. # الصديق ~~: # النار. # الرجل ~~: # ليست جميع الأشياء قابلة للاحتراق. # الصديق ~~: # أنت مجنون. طالما حذرتك، ولكن احتمال التفتيش احتمال ضعيف، إنها امرأة وليست ~~إبرة وسيعثرون عليها عاجلا. # الرجل ~~: # تستطيع أن تقدم لي خدمة. # الصديق ~~: # اسمع، أنت تعلم أنه لا شأن لي بهذه الأمور الخطرة، دع صداقتنا في المنطقة ~~البريئة. # الرجل ~~: # نحن في زمن الخوف من الشرطة، أما شهامة الأساطير فقد ولى زمانها! # الصديق ~~: # الخوف من شيء حقيقي، أما الأساطير ... ~~(صمت.) # الصديق ~~: # أود أن أطمئن عليك. # الرجل ~~: # دون أن تقدم خدمة ما. # الصديق ~~: # كلانا يعرف الحدود التي يتحرك فيها الآخر. # الرجل ~~: # إني في حاجة إلى الانفراد بنفسي، وكل ما أطلبه منك أن توافيني بأية معلومات ~~جديدة بالتليفون. # الصديق ~~: # بمجرد عودتي إلى مسكني. ~~(يتصافحان، يوصله حتى الباب الخارجي، يغلق الباب، ثم يعود مسرعا ~~إلى باب حجرة النوم.) # الرجل ~~: # سيدتي .. تعالي .. لا أحد بالشقة سواي. (تفتح الباب، تخرج، يقفان وجها لوجه) إنك ~~تلقين بيأسك فوق رأسي. # المرأة ~~: # جئت باندفاع لا اختيار فيه، ثم وقعت في فخ. # الرجل ~~: # سيعودون للتفتيش. # المرأة ~~: # لا تهتم بي فإني أعرف كيف أتصرف. # الرجل ~~: # إني لا أهتم إلا بنفسي في الواقع. # المرأة ~~: # هذا حقك، وإني آسفة لحد الموت ms081 . # الرجل ~~: # إنك تخلفين لي مشاكل ومضاعفات. # المرأة ~~: # لم تعد بيدي حيلة. # الرجل ~~: # لم تبحث الشرطة عنك؟ ~~(صمت.) # الرجل ~~: # لم تبحث الشرطة عنك؟ # المرأة ~~: # إنهم يبحثون عن كثيرين! # الرجل ~~: # شركائك؟ # المرأة ~~: # وغيرهم. # الرجل ~~(محتدا) ~~: # ماذا تعنين؟ # المرأة ~~(باسمة) ~~: # سمعت ما دار بينك وبين صديقك. ~~(صمت وهو ينظر إليها غاضبا.) # الرجل ~~: # تهددينني؟ # المرأة ~~: # ربما كنا في الهوى سوا. # الرجل ~~: # افتراء. # المرأة ~~: # آسفة. # الرجل ~~: # أنا رجل محترم. # المرأة ~~: # وأنا امرأة محترمة. # الرجل ~~: # هذا يتوقف على مضمون الاحترام عند كلينا. # المرأة ~~: # بمعنى آخر فكلانا غير محترم. # الرجل ~~: # هل نمضي الوقت في جدل وسمر؟ # المرأة ~~: # إني آسفة وحزينة. # الرجل ~~: # فاتني أن أعترف للضابط بالحقيقة. # المرأة ~~: # لم لم تفعل؟ # الرجل ~~: # أعترف بأنني لم أحسن التصرف. # المرأة ~~: # بل أحسنت التصرف وإلا لأثرت الشبهة في وجود علاقة بينك وبين المرأة المنتحرة. # الرجل ~~: # كانت الحقيقة ستظهر على أي حال. # المرأة ~~: # ربما، ولكن بعد تفتيش غير مرغوب فيه، ترى ماذا تحوي شقتك الأنيقة من أسرار ~~خطيرة؟ # الرجل ~~: # سخريتك تقطع بأنك معتادة للإجرام. # المرأة ~~: # أو غاية من اليأس. # الرجل ~~: # ماذا ارتكبت؟ # المرأة ~~: # محض فعل مألوف في التاريخ، ولكن الشرطة تصفه بأنه جريمة، وأنت؟ # الرجل ~~: # لا أسمح بالتحقيق معي، ولكن خبريني أي جريمة ارتكبت؟ # المرأة ~~: # ما أهمية ذلك؟ أي تحسن يمكن أن يضيفه إلى موقفنا؟ # الرجل ~~: # هل عرفوا شخصك؟ # المرأة ~~: # محتمل جدا. # الرجل ~~: # ليس مؤكدا؟ # المرأة ~~: # لا يوجد في هذه الليلة شيء مؤكد. # الرجل ~~: # جربي أن تغادري شقتي بوصفك امرأة أخرى. # المرأة ~~: # لن يدعوني أمر دون تحقيق، وغالبا يوجد مخبر في الطرقة الخارجية، وسيجرونك ~~للتحقيق، وسوف تنكشف الحقيقة. # الرجل ~~: # أية حقيقة؟ # المرأة ~~: # حقيقتي وحقيقتك. # الرجل ~~(غاضبا) ~~: # لا تدفعيني للخروج عن حدود اللياقة. # المرأة ~~: # معذرة. # الرجل ~~: # أنت تؤجلين الخطر ليس إلا. # المرأة ~~: # لا حيلة لي. # الرجل ~~: # لو كنت مكانك! # المرأة ~~: # لو كنت مكاني؟ # الرجل ~~: # لسلمت نفسي إلى الشرطة. # المرأة ~~: # هذا حل طبيعي ومعقول لمشكلتك. # الرجل ~~: # ولمشكلتك أيضا ما داموا سيجيئون في النهاية حتما. # المرأة ~~: # ليس حتما! # الرجل ~~(غاضبا) ~~: # ولكنك تراهنين بحياتي! # المرأة ~~: # أمر ms082 مؤسف حقا، ولكنني أفضل الانتحار على التسليم. # الرجل ~~: # افعلي بنفسك ما تشائين ولكن بعيدا عني. # المرأة ~~: # ليته ممكن! # الرجل ~~: # أي قدر قذفني بك. # المرأة ~~: # هو الذي رماني إليك. ~~(تضحك ضحكة عصبية.) # الرجل ~~: # تمزحين كما لو كنت في حفل استقبال. # المرأة ~~: # إذا انقطع الأمل فعلينا أن نعاشر اليأس معاشرة حسنة. # الرجل ~~: # ولكن الأمل لم ينقطع بعد. # المرأة ~~: # حقا؟ # الرجل ~~: # أستطيع أن أطردك. # المرأة ~~: # سأحاول الانتحار كآخر وسيلة دفاع في يدي. # الرجل ~~: # تهددينني؟ # المرأة ~~: # موقف مؤسف مخجل، ولكنني لم أخلقه بإرادتي. # الرجل ~~: # أنت مجرمة بالسليقة. # المرأة ~~(باسمة) ~~: # لعلنا من سليقة واحدة. # الرجل ~~(ثائرا) ~~: # لتنشق الأرض وتبلعك. # المرأة ~~: # أول مرة يعاملني رجل بهذه المعاملة. ~~(الرجل ينقض عليها فاقدا أعصابه ليشدها ناحية الباب، هي تقاوم ~~بيأس، يقوم بينهما شد وجذب. # يختل توازنه فيقعان على ديوان ويستمر الصراع بينهما. وبالاستمرار لا ~~تكاد تختلف حركاتهما عن مبادلات العشق، ويتغير مذاق الصراع وحدته، ويخلق جو جديد لم ~~يكن في الحسبان؛ فتستغله الأعصاب المتوترة اليائسة، وإذا به يضمها بين ذراعيه، وينهال ~~عليها تقبيلا. # ينخفض الضوء رويدا حتى يسود الظلام، ثم يعود رويدا رويدا حتى يبلغ حاله الأولى. # الآن كلاهما يجلس على مقعد كما كانا أول الأمر. # هي تنظر إلى السقف وهو يرنو إلى نيران المدفأة.) # الرجل ~~: # ترى ماذا يحدث في الخارج الآن؟ ~~(صمت) # ترى ~~ماذا يحدث في الخارج؟ # المرأة ~~: # كما يحدث في الداخل. # الرجل ~~: # ماذا تعنين؟ # المرأة ~~: # جرائم ترتكب باهتمام، وجنس يمارس بلا اهتمام. # الرجل ~~: # وبلا حب؟ # المرأة ~~: # لحظات عناق تنتزع من بين الكلمات ولي الأذرع. ~~(صمت.) # الرجل ~~: # والعمل؟ # المرأة ~~: # هل تحاول طردي مرة أخرى؟ ~~(صمت.) # الرجل ~~: # وما جريمتك؟ # المرأة ~~: # وما جريمتك؟ # الرجل ~~: # من حقي أن أسألك، وليس ذلك من حقك. # المرأة ~~: # من واجبي ألا أتكلم. # الرجل ~~: # لست على أي حال من الشرطة. # المرأة ~~: # على سكوتي تتوقف سلامة آخرين. # الرجل ~~: # تزييف نقود؟ .. مخدرات؟ .. دعارة؟ سياسة؟ # المرأة ~~: # جميعها ظاهرات اجتماعية. ~~(صمت.) # الرجل ~~: # متزوجة؟ # المرأة ~~: # لا أجيب على هذا السؤال بعد ما كان. # الرجل ~~: # هل كانت أول مرة تخونينه؟ # المرأة ms083 ~~: # ألا ترى أنني أفضل الموت على الخيانة؟ # الرجل ~~: # إذن سلمت حبا وكرامة؟ # المرأة ~~: # حالة هستيرية ليس إلا. # الرجل ~~: # نادمة؟ # المرأة ~~: # لا وقت للندم. # الرجل ~~: # هبيني دعوتك مرة أخرى؟ # المرأة ~~: # مرت فترة كافيه لبلوغ سن الرشد. # الرجل ~~: # هل نفترق كغريبين؟ # المرأة ~~: # كما التقينا! # الرجل ~~: # لا شيء يجمعنا؟ # المرأة ~~: # الجريمة هي ما يجمعنا. ~~(صمت) # هل أنت أعزب؟ # الرجل ~~: # نعم. # المرأة ~~: # لم لم تتزوج؟ # الرجل ~~: # لم أطعن في السن بعد. # المرأة ~~: # ومتى تطعن في السن؟ # الرجل ~~: # لعلي أنتظر أن تجرفني امرأة إلى الزواج، ولكن ألا ترين أننا نسمر كأننا نستمتع ~~بسهرة طيبة؟! # المرأة ~~: # هو خير من الصمت. # الرجل ~~: # الأغلال تقترب من أعناقنا. # المرأة ~~: # لا تذكرني بذنبي حيالك. # الرجل ~~: # ثمة فرصة لتجربة الحظ. # المرأة ~~: # وهي؟ # الرجل ~~: # أن تخاطري بالذهاب. # المرأة ~~: # لو كان الأمر يتعلق بي وحدي لفعلت. # الرجل ~~: # تدوسينني في طريقك بلا رحمة. # المرأة ~~: # كما داسني آخرون. # الرجل ~~: # ما لي أنا وذلك كله! ~~(يتملكه غضب مباغت، ينهض قائما بعنف، يقبض على ساعدها ليشدها، ~~ولكنها تخلص ساعدها بهدوء.) # المرأة ~~: # كلا .. لا يتكرر شيء واحد مرتين بطريقة واحدة. # الرجل ~~: # أنت .. أنت (جرس التليفون يرن، ينتقل إليه حيث يوجد على حامل قرب البار) ~~آلو. ~~: ~~... # الرجل ~~: # تأخرت .. أين كنت؟ ~~: ~~... # الرجل ~~: # ماذا تقول؟ ~~: ~~... # الرجل ~~: # غير معقول، ألم تعرف السبب؟ ~~: ~~... # الرجل ~~: # شيء عجيب حقا! ~~: ~~... # الرجل ~~: # بخير كما تركتني. ~~: ~~... # الرجل ~~: # لست وحدي .. أقصد أنني منفرد بهمومي! ~~: ~~... # الرجل ~~: # أبدا، أبدا .. وحدي كما تركتني. ~~: ~~... # الرجل ~~: # أنت مجنون .. أي أفكار جنونية تساورك؟ ~~: ~~... # الرجل ~~: # لا موجب لإساءة الظن، إلى اللقاء. ~~(يضع السماعة ثم ~~يعود إلى مقعده، يتبادل مع المرأة نظرات حائرة) # إنه الصديق الذي كان ~~هنا. # المرأة ~~: # وماذا قال لك؟ # الرجل ~~: # ماذا حصل للدنيا؟ الشوارع المحيطة بنا غاصة بالجنود! من أنت؟ # المرأة ~~: # لست إلا امرأة سيئة الحظ كما ترى! # الرجل ~~: # بيدك حل هذا اللغز. # المرأة ~~: # يستوي لدينا أن يضرب الحصار حول العمارة أو حول الحي كله. # الرجل ~~: # ولكن لا يجمعهم بهذه القوة إلا شيء خطير. # المرأة ~~: # لست هذا الشيء. # الرجل ~~: # لعلك الخيط الذي يوصل إليه ms084 . # المرأة ~~: # جنبنا مناقشة عقيمة. # الرجل ~~: # لن أسمح لك بالقضاء علي. # المرأة ~~: # ضيعت فرصة الاعتراف بالحقيقة، وهي غلطتك. # الرجل ~~: # لن أضيع بسبب غلطة. # المرأة ~~: # لماذا تعود إلى الغضب ولم يجد جديد على الموقف؟ # الرجل ~~: # الهلاك بات أقرب مما نتصور. # المرأة ~~: # نحن مقامرون، والمقامر العاقل يجب أن يوطن نفسه على الهلاك. # الرجل ~~: # أنت امرأة مقامرة. # المرأة ~~: # وأنت أيضا، لا سبيل إلى النكران. # الرجل ~~: # لم أتوقع أبدا أن أضيع بمثل هذه الطريقة السخيفة. # المرأة ~~: # جميع طرق الضياع سخيفة. # الرجل ~~: # أود أن أقتلك ولو اضطررت إلى قتل نفسي. # المرأة ~~: # هاك طريقة سخيفة أخرى. # الرجل ~~: # كل هذا وأنا لا أعرف من أنت، ولا أدرك شيئا مما يقع حولي. # المرأة ~~: # لا أهمية للتفاصيل، حسبك أن تعرف أننا مطاردون، وأن حولنا وفوقنا وتحتنا أعداء ~~مصممون! ~~(صمت)، (وهي تبتسم متوددة) # لا تضخم سوء ~~الحظ بالغضب. ~~(صمت) # عندي اقتراح ~~(ينظر نحوها بامتعاض ودون أن ينبس) # نحن في حاجة إلى ترفيه. # الرجل ~~: # ترفيه؟ # المرأة ~~: # لم لا؟ .. إنهم يسألون المحكوم عليه بالإعدام عن رغبته الأخيرة. # الرجل ~~: # أنت مجنونة! # المرأة ~~: # لنشرب كأسين. # الرجل ~~: # وما حولنا وفوقنا وتحتنا؟ # المرأة ~~: # أنا أعتبر نفسي منتهية، وأعترف لك بكل أمانة أن جانبا مني راض كل الرضا، ويخيل ~~إلي أنك تماثلني إلى حد كبير، وأمامنا وقت غير محدود، فإما أن نقضيه في تبادل ~~السباب، وإما أن نرفه عن أنفسنا، ما رأيك؟ # الرجل ~~: # كيف تتحمل أعصابك الترفيه وهي تتوقع الموت بين لحظة وأخرى؟ # المرأة ~~: # هي حال الإنسان بصفة عامة مع فارق بسيط هو أننا أعظم وعيا بالنهاية. ~~(صمت) # فلنجرب! ~~(المرأة ~~تقوم إلى البار فتجيء بزجاجة وكأسين، تملأ الكأسين، ترفع إحداهما إلى فم الرجل ~~وتمسك بالأخرى) # صحة لقائنا دون تعارف سابق. ~~(تشرب وتدفع بالشراب إلى فيه فيتقبله بفتور، ثم تملأ الكأسين مرة ~~ثانية) # صحة افتراقنا القريب بعد تعارف عميق! ~~(تشرب، تنظر إليه بتوسل حتى يشرب كأسه أيضا، ثم تملأ الكأسين ~~للمرة الثالثة) # صحة أسباب الهلاك التي لا حصر لها. ~~(تشرب، يشرب، تملأ الكأسين للمرة الرابعة) # صحة ~~الأحلام التي تقود ms085 إلى الهلاك. ~~(تشرب، يشرب، تنبسط ~~أساريرهما بتأثير الخمر، يملأ هو الكأسين للمرة الخامسة) # صحة الجنس ~~الذي يمارس وسط العنف والشجار. ~~(تشرب، يشرب، يتأكد أثر ~~الخمر، يملأ الكأسين للمرة السادسة.) # الرجل ~~: # صحة الشرطة عدوة الأحلام. ~~(تشرب، يشرب، يتأكد أثر ~~الخمر، يملأ الكأسين للمرة السابعة.) # المرأة ~~: # صحة أول من اخترع حروف الهجاء. ~~(تشرب، يشرب، يتضح أثر ~~السكر في الحركة والصوت، يملأ الكأسين للمرة الثامنة.) # الرجل ~~: # صحة أول رجل اخترع آلة للزينة. ~~(تشرب، يشرب، يملأ ~~الكأسين للمرة التاسعة.) # المرأة ~~: # صحة أول من كتب رسالة غرامية. ~~(تشرب، يشرب، يملأ ~~الكأسين للمرة العاشرة.) # الرجل ~~: # صحة الحلقة المفقودة. # المرأة ~~: # صحة المخبر الواقف بالطرقة خارج الشقة. # الرجل ~~: # صحتك. # المرأة ~~: # صحتك. ~~(يغرقان في الضحك، يقفان وهما يترنحان.) # الرجل ~~: # لننس العمر الذي عشناه فينتهي كل شيء. # المرأة ~~: # انتهى كل شيء. # الرجل ~~: # ولكني لن أنسى أول أمنية داعبت فؤادي وأنا طفل. # المرأة ~~: # ما هي؟ # الرجل ~~: # أن أكون بياع كسكسي! ~~(يغرقان في الضحك.) # المرأة ~~: # لنستمتع بشيء من الفن. # الرجل ~~: # فكرة. ~~(يذهب إلى التليفزيون، يديره، يظهر موقف من فيلم ~~رعاة بقر يشتد فيه تبادل إطلاق النار، المرأة تصرخ متراجعة محتجة فيطفئ الرجل ~~التليفزيون) # هلمي نرقص. ~~(يرقصان بلا موسيقى، ~~يتعمد ضمها إلى صدره، يقبلها من آن لآن، يتوقف عن الرقص ويرفعها بين يديه ~~ليمضي بها، ولكن توازنه يختل فيسقطان وهما يضحكان، ينطرحان جنبا لجنب وهما ~~يضحكان، وهو يقبلها كلما سكت عن الضحك، لا مقاومة من ناحيتها، ولكنها تزحف ~~قليلا وتمد يدها فتتناول سماعة التليفون تطلب رقما، وفي أثناء الحديث يتابعها ~~الرجل بانتباه قليل لشدة سكره، ولا يكف عن تقبيلها.) # المرأة ~~: # آلو. ~~: ~~... # المرأة ~~: # مساء الخير، أنت قلق طبعا، آسفة. ~~: ~~... # المرأة ~~: # شربت كأسين تحت ظروف اضطرارية. ~~: ~~... # المرأة ~~: # لا وقت للإجابة، ليس الظرف مناسبا، ستعرف كل شيء من الصحف. ~~: ~~... # المرأة ~~: # لا تنتظرني .. ولكن ثق من إخلاصي .. حتى آخر لحظة .. أستودعك الله. ~~(تغلق السكة.) # الرجل ~~: # تخونيني جهارا؟ # المرأة ~~: # الماضي يستحق أن نودعه. # الرجل ~~: # عفريتة. # المرأة ~~: # سأكون لك إلى الأبد. # الرجل ~~: # حتى الموت. # المرأة ~~: # حتى الموت. # الرجل ~~: # ولو ms086 امتد بنا العمر ساعة كاملة؟ # المرأة ~~: # ولو امتد ساعة وربعا! ~~(جرس الباب يرن، ينظران نحو الباب بانزعاج رغم سكرهما، ~~ينهضان بصعوبة وتعثر. تمضي نحو المقعد حيث تركت حقيبتها) # سيجدونني جثة هامدة منتصرة. # الرجل ~~: # لن أفتح الباب. # المرأة ~~: # سيكسرونه. # الرجل ~~: # فلنتفق على الاعتراف بأننا زوجان. # المرأة ~~: # قلت للضابط خلاف ذلك. # الرجل ~~: # نعترف بأننا تزوجنا عقب ذهابه! # المرأة ~~: # هذه فترة كافية لموتنا، أما الزواج فيستغرق عاما على الأقل. ~~(الجرس يرن متقطعا ولكن في إصرار.) ~~(الرجل يلتفت نحو الباب موليا المرأة ظهره، المرأة تتناول من ~~الحقيبة أنبوبة، تستخرج منها حبة، تزدردها ببقية كأسها. تترنح ثم تسقط فوق الديوان ~~منكفئة على وجهها، جثة هامدة، الرجل لم ينتبه إلى ما حدث، يتردد بين الوقوف وبين الذهاب ~~إلى الباب، ينظر وراءه فيرى المرأة منكفئة على وجهها.) # الرجل ~~: # غلبك السكر؟ نمت؟ ~~(يتأملها دون مبالاة بجرس ~~الباب) # يا لك من شابة جميلة حقا! ~~(الجرس ~~يرن) # أضعنا في الخصام وقتا لا يعوض. ~~(الجرس يرن) # استريحي، تخاصمنا كغرباء على حين تجمعنا طبيعة واحدة. ~~(يقترب منها، يميل فوقها كأنما ليقبلها، وإذا بصوت ~~صديقه ينادي من وراء الباب صائحا «افتح»، يمضي مسرعا نحو الباب فيفتحه ~~ضاحكا، الصديق يدخل ويغلق الباب وراءه) # سيبت ركبنا عليك اللعنة. # الصديق ~~: # من المرأة التي عندك؟ # الرجل ~~: # الغيرة رجعت بك رغم الحصار، يا لك من أحمق! ما فكرت في خيانتك قط. ~~(الصديق ينظر إلى المرأة ويضحك عاليا.) # الصديق ~~: # بعض الظن إثم. # الرجل ~~: # أنت أحمق. # الصديق ~~: # متى جاءت هذه الحبوبة؟ # الرجل ~~: # كانت هنا من قبل زيارتك الأولى. # الصديق ~~: # ولم أخفيتها عني؟ # الرجل ~~: # إنها المرأة التي تبحث عنها الشرطة. # الصديق ~~: # كم كأسا شربت؟ # الرجل ~~: # لم أفكر في حصرها. # الصديق ~~: # وهل الحبوبة نائمة؟ # الرجل ~~: # من السكر والتعب .. ولكن ما حال الحصار؟ # الصديق ~~: # القيامة قائمة. # الرجل ~~: # وحبيبتي نائمة. # الصديق ~~: # إنها جميلة .. من هي؟ # الرجل ~~: # المرأة التي قامت القيامة من أجلها. # الصديق ~~: # أنت سكران. # الرجل ~~: # السكران لا يكذب. ~~(صمت.) # الصديق ~~: # لو صح هذا ... # الرجل ~~: # تعاهدنا على الحب إلى الأبد. # الصديق ~~: # كنت تعرفها؟ # الرجل ms087 ~~: # عرفتها منذ ساعة هجرية. # الصديق ~~: # وما جريمتها؟ # الرجل ~~: # جريمة قامت لها القيامة. # الصديق ~~: # قتل .. مؤامرة؟ # الرجل ~~: # سألتها فاعترفت لي بحبها. # الصديق ~~: # لعنة الله على البار الأمريكاني .. خبرني من هي؟ # الرجل ~~: # امرأة. # الصديق ~~: # اسمها، أسرتها، مهنتها؟ # الرجل ~~: # لا اسم، ولا أسرة، ولا مهنة لها. # الصديق ~~: # ألا تعرف عنها أي شيء؟ # الرجل ~~: # عرفنا أهم شيء، وهو أننا سنموت بعد ساعة أو ساعتين. # الصديق ~~: # إنك مضجر ولا خير فيك. # الرجل ~~: # نحن ننتظر الشرطة فلا تفسد علينا ساعة الانتظار. # الصديق ~~: # لا سبيل إلى التفاهم معك، سأذهب، أستودعك الله. # الرجل ~~: # مع ألف سلامة. ~~(يتحرك الرجل للذهاب، جرس الباب يرن ~~رنينا متواصلا) أخيرا. # الصديق ~~(في اضطراب) ~~: # ماذا أنت فاعل؟ # الرجل ~~: # سأفتح الباب قبل أن يحطموه. ~~(أصوات من الخارج تصيح «افتح .. افتح.» الرجل يذهب إلى الباب، يفتحه، ~~تندفع إلى الداخل قوة من الشرطة المسلحة على رأسها ضابط غير الضابط الأول.) # الضابط ~~: # أين الحجرة المطلة على الطريق العمومي؟ ~~(الرجل يشير إلى حجرة النوم، الضابط والقوة يهرعون إلى الحجرة ~~ويختفون داخلها.) # الصديق ~~: # ما معنى هذا؟ # الرجل ~~: # علي اللعنة إن كنت أفهم حرفا مما يقع حولي. # الصديق ~~: # يستحسن أن توقظ المرأة، أي نوم هذا؟ # الرجل ~~: # رد فعل طبيعي للإنهاك والاضطراب والسكر، دعها تنعم بآخر هدوء يتاح لها في ~~حياتها. ~~(فجأة تترامى من الحجرة أصوات طلقات نارية كثيرة، تستمر وتتزايد، ~~الرجلان ينحطان على ركبتيهما بحركة قاسية وهما في غاية من الذعر.) # الصديق ~~: # إنها معركة. # الرجل ~~: # إنها معركة بكل معنى الكلمة. # الصديق ~~: # هل العدو في الطريق؟ # الرجل ~~: # ولكنك رأيت الطريق محاصرا. # الصديق ~~: # لعله في العمارة القائمة على الجانب الآخر. # الرجل ~~: # لا أفهم شيئا. # الصديق ~~: # يجب أن نغادر الشقة فورا قبل أن نصرع بالرصاص. ~~(الصديق يزحف على أربع حتى يغادر الشقة. الضابط يظهر في باب الحجرة. ~~يرى المرأة لأول مرة.) # الضابط ~~: # هل أصيبت السيدة؟ # الرجل ~~: # كلا .. إنها .. إنها مريضة. # الضابط ~~: # الشقة معرضة للخطر .. غادرها بلا تردد! ~~(الضابط يرجع إلى الحجرة، الضرب في تصاعد مستمر، رصاصة تصيب المصباح ~~الكهربائي فيسود الظلام، شبح الرجل يزحف ms088 نحو المرأة، يهزها ليوقظها.) # الرجل ~~: # استيقظي .. يجب أن تستيقظي. ~~(يهزها بشيء من ~~الشدة) ~~، سأحملك بين يدي وأمري لله. ~~(يحملها ~~بين يديه ويمضي بها نحو الباب بتعثر ومشقة وبطء) # لم يجيئوا للقبض ~~عليك ولا للتفتيش. لقد نجوت يا حبيبتي .. ونجوت أنا أيضا .. نجونا معا. سيمسي اليأس ~~في خبر كان .. نجوت ونجوت .. وستكونين لي إلى الأبد. ~~(يغادر ~~الشقة بحمله، الضرب مستمر.) # | مشروع للمناقشة # (حجرة الإدارة بمسرح، في الجانب الأوسط من الحجرة يوجد مكتب، أمام ~~المكتب مقعدان كبيران متقابلان؛ إلى اليسار مكتبة، وباب مغلق يؤدي إلى الخارج، في الجانب ~~الأيمن كنبة ومقعدان وخوان، على الكنبة يجلس الممثل والممثلة. على المقعدين يجلس المخرج ~~والناقد، الجميع في أواسط العمر مع تفاوت.) # المخرج ~~: # يجب أن نفتتح الموسم بعمل باهر. # الممثلة ~~(متنهدة) ~~: # الحق أن الفن جمال وعذاب. # الممثل ~~(ناظرا في ساعة يده) ~~: # متى يحضر الأستاذ؟ # الناقد ~~: # إنه في الطريق إلينا. # المخرج ~~: # كثرت المسارح واشتدت المنافسة بينها لدرجة الوحشية. # الممثل ~~: # وعلينا يقع عبء المحافظة على القمة. # الممثلة ~~: # هذا ما قصدته بالعذاب. # الناقد ~~: # ترى هل انتهى الأستاذ من كتابة المسرحية؟ # المخرج ~~: # لا أظن، ولكنه سيحدثنا عن الفكرة العامة. # الممثلة ~~: # لن يبدأ الموسم قبل أشهر. ~~(يفتح الباب إلى اليسار ويدخل السكرتير.) # السكرتير ~~: # الأستاذ. ~~(يدخل المؤلف، يخرج السكرتير ويغلق الباب، المؤلف متقدم في السن ~~ولكنه من النوع الذي يتعذر تحديد سنه، وهو أنيق المظهر وبادي الصحة والعافية رغم تقدمه ~~في السن، ينهض المخرج والناقد والممثل لمصافحته، يذهب لمصافحة الممثلة في مجلسها. يمضي ~~إلى المكتب فيقف مستندا إلى مقدمته، ينتقل المخرج والناقد إلى المقعدين المتقابلين ~~أمام المكتب، يعود الممثل إلى مجلسه إلى جانب الممثلة.) # الناقد ~~(للمؤلف) ~~: # صحتك عال. # المؤلف ~~: # شكرا. # المخرج ~~: # الجو فظيع ولكن ضاحيتك مرتفعة الموقع ومعتدلة الجو. # المؤلف ~~: # التفكير من شأنه أن يرفع الحرارة. # الناقد ~~: # إلى أي حد يمكن أن نقول إن عملك اكتمل؟ # المؤلف ~~: # سينتهي على أي حال في موعده. # الناقد ~~: # إذا أردنا أن نحدد روايتك الجديدة فأي اسم يمكن أن نطلقه عليها؟ # المؤلف ~~: # إنك ناقد لا تخلو من ms089 داء النقاد في غرامهم بالأسماء، أنا لا تهمني الأسماء، إنما ~~أبدأ من انفعال معين ثم أترك الاسترسال لوحي القلم. # الناقد ~~: # ولكن المسرحية بناء، ولا يسع البناء أن يضرب في الأساس ضربة واحدة ما لم تكن ~~الصورة النهائية متبلورة بشكل ما. # الممثل ~~(في شيء من العصبية) ~~: # سنصل في نقاش غير محدود، أريد أن أطمئن إلى وجود بطولة حقيقية. # الممثلة ~~: # وأضيف إلى قول زميلي أن خير دور تمثله المرأة هو الحب. ~~(ثم موجهة الحديث إلى المخرج) ~~، تكلم فأنت المخرج. # المخرج ~~: # لكل رواية أسلوب خاص لإخراجها. # الممثلة ~~: # ولكن الحب ضرورة لا غنى عنها. # المخرج ~~: # إنه ضرورة حقا، ولكن لا يمكن فرضه على المؤلف. # المؤلف ~~: # هذا كرم منك إذا تذكرنا محاولاتك السابقة للوثوب فوق رأسي. # المخرج ~~(ضاحكا) ~~: # أنت تؤلف وأنا أفسر، فأنت حر في تأليفك، وأنا حر في تفسيري. # المؤلف ~~: # ولكني أعرف ما أريد قوله. # المخرج ~~: # بل إني أعتبر ذلك من اختصاصي. # الناقد ~~: # الأمر يتوقف على نوع العمل، ثمة عمل لا يختلف في تفسيره أحد، وآخر تتعدد في ~~تفسيره وجهات النظر. # الممثل ~~: # ما يهمني حقا هو دور البطولة، أريد أن أكون بطلا لا مهرجا. # المخرج ~~: # ولكن المهرج يمكن أن يكون بطلا أيضا. # الممثل ~~: # إني أرفض ذلك كل الرفض. # المخرج ~~: # ثمة زمن يخلق الأبطال وآخر يخلق المهرجين. # الممثل ~~: # مهرجون لا أبطال. # المخرج ~~: # المسألة نسبية. # الممثلة ~~: # سنضل في متاهة الآراء، حددوا أفكاركم. # الممثل ~~: # حسن، أريد بطولة بالمعنى التقليدي. # الممثلة ~~: # وأريد أن ألعب دور حب لا ينسى. # الناقد ~~: # ويلزمني الوضوح الذي يمكنني من نقد العمل وتقديمه. # المخرج ~~: # أطالب بالحرية الكاملة للتفسير. # المؤلف ~~: # ماذا يبقى لي أنا؟ # الممثل ~~: # أن تحقق لنا مطالبنا الفنية العادلة في صيغة ناجحة تستحوذ على إعجاب الجمهور. # المؤلف ~~: # إنكم بحاجة إلى سكرتير لا إلى مؤلف. # الممثلة ~~: # بل نريد تفاهما وتعاونا. ~~(المؤلف يغادر موقفه متمشيا حتى منتصف الحجرة وهو مقطب، ثم يعود ~~إلى موقفه مستندا إلى مقدم المكتب.) # المؤلف ~~: # إني أحب الصراحة، والحق أقول لكم إنه لا وجود لكم قبل أن توجد الفكرة التي ~~تنجزونها ms090 . # الممثل ~~(في حدة) ~~: # بل نحن موجودون قبل أي فكرة. # المؤلف ~~: # إذا لم توجد القصة فأنتم مجرد أشخاص لا معنى فني لهم. # الناقد ~~: # ألا يؤثر في خيالك وأنت تؤلف أشخاص الممثلين مثلا؟ # المؤلف ~~: # كلا، إني أستغرق في عملية الخلق فحسب، ثم يختار العمل بعد ذلك ممثليه ومخرجه. # الناقد ~~: # هذا فرض مثالي، ولكن الواقع أن المؤلف إنما يتعامل مع زمان ومكان وجمهور وممثلين ~~وممثلات ومخرجين ونقاد أيضا! # المؤلف ~~(ضاحكا في سخرية) ~~: # يا لها من أفكار غريبة عن عملية الخلق! # الناقد ~~: # لا يمكن أن تترك لخيالك العنان ما دمت مرتبطا بمسرح ما، وجمهور ما، وإمكانيات ~~فنية محدودة. # المؤلف ~~: # أو في كلمة واحدة هي فبركة بلا زيادة. # الناقد ~~: # إنها محاولة صادقة للتوفيق بين خيالك الخلاق والضرورات بفبركة لا محيص عنها ~~لتقول في النهاية ما تريد قوله، وما يتطلبه الزمان والمكان مما يود الناس أن تقوله. # المؤلف ~~(بلهجة مزدرية) ~~: # أصدق وصف للفن التجاري. # الناقد ~~: # الفن معاملة، والمعاملة نوع من التجارة، والنجاح وجه من وجوه المعاملة. # المؤلف ~~: # هذا يعني أنكم المؤلف لا أنا. # الناقد ~~: # التأليف جماعي وإن بدا فرديا. # الممثل ~~: # لذلك أطالب ببطولة تقليدية وهو طلب عادل. # الممثلة ~~: # وأطالب بالحب وهو مطلب طبيعي. # المخرج ~~: # وأطالب بالحرية ليتم لعملك الكمال المنشود. # المؤلف ~~(غاضبا) ~~: # تمرد سخيف مضحك، ولولاي لما كنتم شيئا مذكورا! # الناقد ~~(بلطف) ~~: # ولولانا ما كنت مؤلفا على الإطلاق. # المؤلف ~~: # أستطيع أن أكتب مسرحية لنفسي! # الناقد ~~: # محض كلام، كيف يثبت أنها مسرحية إذا لم يقيض لها مخرج وممثلون وجمهور ونقاد؟ # المؤلف ~~(غاضبا) ~~: # إن مهنتي الخلق لا الجدل، الجدل مهنة العاجزين عن الخلق. # الممثلة ~~: # إني أكره الجدل وأخاف عواقبه، وسوف ينتهي بنا إلى خصام مرير بدلا من عرض مسرحي ~~رائع. # الممثل ~~: # ولكن لا خير في مصالحة تجيء على حسابنا. # المؤلف ~~: # من الضروري أن أكتب مسرحيتي بلا قيد أو شرط. # الناقد ~~: # لا يجوز أن تهمل الاعتبارات التي عددتها. # المؤلف ~~: # إني ملزم باحترام الخلق الفني وحده. # الممثل ~~: # والبطولة؟ # الممثلة ~~: # والحب؟ # المخرج ~~: # بعض الهدوء، إنه لم يحدثنا بعد عن قصته. ~~(صمت ms091 ) # أستاذنا العزيز، حدثنا عن قصتك. # المؤلف ~~: # إنها مجرد مشروع وخطوط عامة. # المخرج ~~: # ليكن. # المؤلف ~~: # إنها قصة رجل وامرأة. # الممثل ~~: # ثمة مجال لبطولة. # الممثلة ~~: # ومكان أرجح للحب. # المؤلف ~~: # يلتقيان في غابة. # الناقد ~~: # غابة؟ # المؤلف ~~: # يلتقيان في غابة. # الناقد ~~: # ولم غابة؟ # المؤلف ~~(محتدا) ~~: # أنا حر. # المخرج ~~: # أنا الحر. # الناقد ~~: # أخشى أن ترجع بنا إلى عهد الرومانسية البائد؟ # الممثلة ~~: # هو مكان طريف على أي حال، والعري فيه لا يمكن أن يتهم بالافتعال. # الناقد ~~: # اللقاء اليوم في الشارع، في البص، في ملهى ليلي. # المخرج ~~: # ربما أراد من الغابة أن تهيئ له جوا موحشا حافلا بأخطار الإنسان والحيوان. # الناقد ~~: # المدينة أحفل بكل ذلك من أي غابة. # المؤلف ~~(ضاربا الأرض بقدمه) ~~: # يلتقيان في غابة. # الممثلة ~~: # بعض الحلم حتى يتم صورته. # المؤلف ~~: # في الغابة أخطار لا حصر لها فهما يبحثان عن مأوى يحميهما. # الممثل ~~: # ليس في ذلك شيء من البطولة. # الممثلة ~~: # ولكنه مجال طيب للحب. # الممثل ~~: # لا حب بلا بطولة. # الممثلة ~~: # الحب في ذاته بطولة. # الممثل ~~: # ليست هي ما أبحث عنه. # المخرج ~~: # إنه يريد أن يقاتل؛ يقاتل الوحوش، يقاتل المجهول. # الممثل ~~: # أحسنت. # المخرج ~~: # ومن ثم يوجد الصراع وهو أساس الدراما. # الممثل ~~: # أما مجرد البحث عن مأوى! # الممثلة ~~: # لعله يكتب قصة حب؟ # الممثل ~~: # الحب لا يكفي وحده موضوعا لمسرحية. # المخرج ~~: # وأي مجال يترك لحريتي في مسرحية بحث عن مأوى؟ # المؤلف ~~: # أنا لا أعترف بحريتك المزعومة. # المخرج ~~: # أنا أفسر فأنا حر. # المؤلف ~~: # هل تستطيع بحريتك أن تغير النهاية؟ # المخرج ~~: # صدقني فإن حرية المخرج هي زينة العرض المسرحي. # المؤلف ~~: # هل تستطيع أن تغير النهاية؟ # المخرج ~~: # لم تحدثنا عن النهاية. # المؤلف ~~: # يجدان مأوى على درجة من الأمان. # الممثلة ~~: # أراهن على أن الحب سيبدأ دوره الخالد. # المؤلف ~~: # يحصنانه ضد أهوال لا حصر لها ولا عد. # الممثلة ~~: # أكمل .. إني منتظرة. # المؤلف ~~: # يمضيان أوقات الراحة في عناق حار. # الممثلة ~~(تقف من الانفعال وتنتقل إلى جنب المؤلف) ~~: # ألم أقل لكم؟ # المؤلف ~~: # وفي لحظة من لحظات العناق الحار يسقطان جثتين هامدتين. ~~(صمت.) ~~(يتبادلان النظرات، تمضي الممثلة ms092 إلى المكتبة على اليسار وتستند ~~إليها مغمضة العينين.) # الناقد ~~: # جثتين هامدتين؟ # المؤلف ~~: # نعم. # الناقد ~~: # وهي النهاية؟ # المؤلف ~~: # ماذا تتوقع بعد ذلك؟ # الناقد ~~: # ولكن ما أسباب الموت؟ # المؤلف ~~: # أي سبب تفترضه، لنقل إنه العناق نفسه! # الممثلة ~~(متقدمة خطوات) ~~: # الحق أني لم أفهم شيئا. # المخرج ~~: # وماذا عن الأخطار المحدقة بهما؟ # المؤلف ~~: # لم أتم دراستي لها بعد، ولكن يمكن القول بأنهما قد ينجحان في تحصين مأواهما. # الناقد ~~: # ستكون نهاية متشائمة. # الممثل ~~: # وبلا بطولة تخفف من وقعها. # الممثلة ~~: # دور الحب غني، ولكن النهاية؟ # المخرج ~~: # من حسن الحظ أنه لم ينته من دراسته، وأنه لا بد أن تسبق النهاية سلسلة من صراعات ~~شائقة. # المؤلف ~~(متهكما) ~~: # ربما تكون حرا في كيفية الوصول إلى النهاية التي أختارها، ولكن لا حرية لك في ~~تغييرها. # المخرج ~~(في شبه ثورة) ~~: # يمكن أن أسدل الستار عند لحظة من لحظات النصر. # المؤلف ~~: # في تلك الحال لن يزعم أحد بأن الرواية روايتي. # الممثل ~~(وهو يهب واقفا) ~~: # أنا البطل، أنا الجمهور، وإني أرفض الأدوار الهابطة! # المؤلف ~~: # قدر للسانك قبل النطق موضعه من اللباقة. # الممثل ~~: # إني ممثل قديم، لعبت أدوارا خالدة؛ صارعت القدر، صارعت الأبطال، صارعت المجتمع، ~~اليوم يراد مني أن ألعب دور الهارب، وأن أموت مستهلكا في عناق حار، خبرني بالله ~~أي نوع من الدراما تكون، تراجيديا؟ ملهاة؟ # الناقد ~~: # أجل .. النوع المسرحي غير واضح. # المؤلف ~~: # أنا أقدم مسرحيات لا أسماء. # الناقد ~~: # ولكنها تنكبت سبيل الجلال الحق. # المؤلف ~~: # الجلال الحق، ما زلتم تحنون إلى القدر والأبطال الخرافيين وأسطورة المجتمع، ولكن ~~القدر لم يعد إلا موضة بالية، والبطولة الخرافية مراهقة، وهل يتمخض المجتمع إلا عن ~~لعبة يعبث بها أطفال شريرون لم تحسن تربيتهم؟! إني أعرف عملي تماما. # الممثل ~~: # إني أرفض مسرحيتك. # الممثلة ~~: # لكنها ما زالت قصة حب. # الممثل ~~: # إنك مخطئة يا عزيزتي، تصوري أن نلتقي في غابة وأن نلوذ بمأوى! لا مجال للمناجاة ~~أو الحب الحقيقي، ستكون أعصابنا متوترة طوال الوقت، الحب لا ينمو في هذا الجو، مجرد ~~عناق عصبي، يروح عن نفسه بالشهوة، ثم نقع ms093 جثتين، ستكونين طيلة الوقت محدقة في ~~فزع، مرتعشة الأطراف، مضطربة الأمعاء، دميمة الوجه، مجرد لبؤة ثائرة، ثم جثة هامدة. # الممثلة ~~: # كلا .. كلا. # الممثل ~~: # ولن يبقى لنا من الحوار إلا كلمات متشنجة، واستغاثات معربدة، وهذيان طويل عن ~~الأخطار المحدقة بنا، ثم نقع جثتين هامدتين! # المؤلف ~~(محتدا) ~~: # لست إلا ممثلا فلا تجاوز حدك. # الممثل ~~(في غضب وعجرفة) ~~: # أنا المسرح .. أنا الجمهور! # المؤلف ~~: # لست إلا ممثلا. # الممثل ~~(وغضبه في تصاعد) ~~: # وما أنت؟ كم من الجمهور رأوك؟ وكم ممن يرونك يعرفون من أنت! # المؤلف ~~: # يا لها من وقاحة! ~~(الممثل يرمي المؤلف بنظرة متوعدة، الممثلة تقترب منه بسرعة فتضع ~~يدها على ذراعه ملاطفة.) # الممثلة ~~: # لا يليق بكما الخصام. # الناقد ~~: # ترى هل تحل بمسرحنا اللعنة؟ # المؤلف ~~: # ليلتزم كل بحدوده. # المخرج ~~: # الحلم والهدوء، لا تدفعوني إلى اليأس. # الممثلة ~~: # عليك بالتماسك، وإلا فشلنا وأعرض عنا الجمهور. # الممثل ~~: # إن من يسلبني مجدي إنما يسلبني كرامتي وحياتي. # المؤلف ~~: # لكل زمان مجده الخاص به. # الممثل ~~: # العبث ببطولتي التي عشقها الجمهور محاولة لقتلي. # المؤلف ~~: # مجدك الحق أن تلعب دورك بمهارة أيا كان دورك. # الممثل ~~: # ولو كان الهرب والموت بين أحضان امرأة؟ # المؤلف ~~: # ولو كان. # الممثل ~~: # سينصرف عنكم الجمهور ولن ينفع الندم. # المؤلف ~~: # الجمهور يود أن يرى نفسه. # الممثل ~~: # لا كما هي ولكن كما يجب أن تكون. # المؤلف ~~: # على أساس من واقعها الحقيقي. # الممثل ~~: # أهذه هي الكلمة الأخيرة في البطولة؟ # المؤلف ~~: # لا يمكن التنبؤ بالمسرحية التالية. # الممثل ~~: # إذا تجهمني زماني فعلي أن أعتزل. # المؤلف ~~(متهكما) ~~: # ها أنت تفكر في الهروب في حياتك رغم ثورتك عليها فوق خشبة المسرح. # الممثل ~~: # إني أرفض مسرحيتك. # الناقد ~~(للمؤلف) ~~: # فكرتها طيبة ولكن أعد النظر في النهاية. # المؤلف ~~(بكبرياء) ~~: # كلام لا يليق أن يوجه إلى مؤلف. # الناقد ~~: # هل نسيت تاريخك القديم؟ هل نسيت روائعك؟ # المؤلف ~~: # آخر مسرحية خير ما ألفت حتى اليوم. # الممثل ~~: # حتى هذه المسرحية الشاذة؟ # المؤلف ~~: # ستكون خير ما ألفت حتى اليوم. # الممثل ~~(صائحا في غضب وموجها كلامه للجميع) ~~: # إنه يضمحل وهو لا يدري. # المؤلف ~~(في غضب ms094 ) ~~: # لست أهلا لمناقشتي. ~~(الممثل يرميه بنظرة غاضبة متوعدة ~~مرة أخرى، ولكن الممثلة تأخذه من ذراعه إلى مجلسها السابق فوق الكنبة)، (صمت)، ~~(محادثا نفسه) ~~، تعب وعذاب وها هي النهاية، من يدري بمتاعب الخلق إلا ~~من يعانيه؟ ثم لا يكفيه ذلك فتتمرد عليه مخلوقاته، وأي تمرد! تعيب خلقه، تعيبه بكل ~~جهل وقحة، تذكره بعمله القديم كأنه عاجز عن تكرار نفسه، تتهمه بالكسل وهي الخامة ~~العاجزة عن تفهم الجديد، وتبين مزاياه، هل يكمل الخلق إذا جاء على هوى المخلوق؟ وقد ~~تدرجت معهم من البسيط إلى المعقد، وها هم ينعتون البسيط بالجلال والمعقد بالتفاهة، ~~عقول قاصرة فكيف يمكن أن يتموا الرحلة الطويلة معي؟ # الممثل ~~(مخاطبا نفسه أيضا تجنبا للخصام) ~~: # الخلق شيء عظيم أما الغرور فلا عظمة له، لسنا مخلوقات ولكننا شركاء، هو يعرف ذلك ~~وإن أنكره حين الغضب، المسرحية لا تحيا وحدها، يلزمها مخرج وممثلون ونقاد وجمهور، ~~ما قيمة النصر بغير هؤلاء؟ هل تبقى الرواية هي هي إذا تغير الممثلون؟ هل تبقى هي هي ~~إذا تغير المخرج؟ الحق أننا خالقون أيضا، وهو مخلوق لنا بمعنى من المعاني، وجميعنا ~~معذبون بالخلق، والجزاء ليس عادلا، إننا نعيش فترة ثم نختفي كالفقاعات، أما كلماته ~~فتبقى على مدى الأيام. ~~(صمت.) # الناقد ~~: # نريد أن نصفي الجو، وبالاحترام المتبادل نصفيه لا بالتفاخر. # الممثل ~~(آتيا بحركة تدل على الحسرة) ~~: # إني أبكي الأيام السعيدة الماضية، أخاف ألا تعود مرة أخرى، كنت أخطر على خشبة ~~المسرح رمزا للإنسان في ذروة نبله ونضاله، وعلى المسرح كانت تتواجه قوى الخير ~~والشر وبينهما تقوم الإرادة الحرة المتوثبة، والخير لم يكن ينهزم وإن حاقت به ~~هزيمة، والشر لا ينتصر وإن أحرز نصرا، ذلك أن خشبة المسرح لم تكن تخلو من إله ~~عادل. # الممثلة ~~(تتأثر فتقوم تتمشى وهي تتكلم) ~~: # أجل، المرأة كانت وحيا، الحب كان دينا، النور يهزم جيوش الظلام بنصله اللامع، ~~الأمومة مقدسة، الوفاء مقدس، الرذيلة شيطان، لا شيء لهو ولعب. # الممثل ~~: # أين الآلهة؟ أين البطولة؟ أين الحب؟ أين الأمل؟ لم تبق إلا غابة مليئة بالوحوش، ~~وآدميان ms095 هاربان لائذان بكهف، لم يبق إلا الخوف والتوجس والهستيريا والموت، أي دور ~~هذا؟ ~~(الممثل يقف منفعلا ثم يهتف بصوت مرتفع) # إني أرفض مسرحيتك. # المؤلف ~~: # لا تتخط حدودك. # الممثل ~~: # لم أتخط حدودي. # المؤلف ~~: # لا تحلم كالمراهقين. # الممثل ~~: # لا تتخط حدود اللياقة. ~~(صمت.) # المؤلف ~~: # هذا هو مشروع روايتي الجديدة، وإني مقتنع به. # الممثل ~~: # إني أرفضها. # الممثلة ~~(بصوت منخفض) ~~: # على العين والرأس ولكن ... # المخرج ~~: # عملي يبدأ بعد انتهاء عملك. # الناقد ~~: # لا أدري هل يبكي المشاهد أو يضحك؟ # المؤلف ~~: # لم يكن أحد يجادلني فيما مضى. # الممثل ~~: # كان العمل رائعا. # المؤلف ~~: # المؤلف الحق يطالب بالطاعة والإعجاب. # الممثل ~~(متهكما) ~~: # الطاعة والإعجاب؟ # المؤلف ~~(منفعلا بالغضب) ~~: # وإلا هدمت المسرح على من فيه. # الممثل ~~: # إني أشهدكم على ما يقول. # المؤلف ~~: # من حقي أن أقول ما أعتقده. # الممثل ~~: # تحت شرط ألا تمس كرامة الآخرين. # المؤلف ~~: # لقد خلقت منكم نجوما وكواكب، ولن يعجزني أن أخلق غيركم. # الممثل ~~: # الحق أننا نحن الذين خلقناك. # المؤلف ~~: # لو تخليت عنك لتسولت حتى الموت. # الممثل ~~: # لولاي لما نجحت لك رواية واحدة ولبثت مؤلفا ناشئا! ~~(الممثل يتقدم إلى الممثلة فيأخذ بيدها متجها في تحد إلى المؤلف) ~~، ~~هل نسيت فضل هذه الفنانة؟ أو حسبت أن الجمهور يتدفق علينا من أجلك؟ # المخرج ~~(للمؤلف ممتعضا) ~~: # وأنا يا أستاذ؟ هل نسيت عروضي الرائعة؟ # الناقد ~~(للمؤلف أيضا) ~~: # سامحك الله، وقلمي الذي كرسته للإشادة بعبقريتك؟ إن الناس لا تثني عليك إلا ~~بكلماتي. # الممثل ~~(غاضبا) ~~: # نحن الذين خلقناك. # المؤلف ~~: # سأعهد بعملي إلى آخرين، اغربوا عن وجهي. # الناقد ~~: # لكل مسرح رجاله، ونحن رجال هذا المسرح. # المؤلف ~~: # إذن لن تقدم به مسرحيات بعد اليوم. # المخرج ~~: # سيغلقه الظلام ويدركه العدم. # المؤلف ~~: # لن أتضور جوعا، إني رجل لم تغره الحياة الدنيا مثلكم، ولكنكم ستتسولون في ~~مجرى عام. # الممثل ~~: # ولكن لن تخلق، وهو ألعن من التسول. # المؤلف ~~: # حسن، فليمض كل إلى سبيله. ~~(صمت.) # الناقد ~~: # لقد حلت اللعنة بمسرحنا. # الممثلة ~~: # قلبي يتمزق. # المؤلف ~~: # أنتم المسئولون عن ذلك. # الممثل ~~: # أنت وحدك المسئول. # المخرج ~~: # مسرح عريق في القدم والنجاح. # الممثلة ~~: # يئس من ms096 اللحاق به الأعداء. # المؤلف ~~: # وبطرت نعمته أصحابه. # الناقد ~~: # لا أصدق، لن يهون أمره على أحد منا ~~(ثم موجها الخطاب ~~للمؤلف) ~~، وأنت على وجه الخصوص، ليست أول مرة يعصف بك الغضب. # المؤلف ~~(مشيرا إلى الممثل) ~~: # جاوز حدود اللياقة باستهانة لا تغتفر. # الناقد ~~: # ما تزال قابلة للغفران. # المخرج ~~: # لن يدرك مسرحنا العدم ولو اضطررنا إلى إعادة تقديم الروايات القديمة. # المؤلف ~~: # هذا هو الإفلاس، ولن يخفى على أحد. ~~(صمت.) # الناقد ~~: # لنكن إيجابيين في حوارنا، أصغوا إلي، يمكن استخلاص عنصر صراع بطولي من مجرى ~~الرواية. # الممثلة ~~(بلهفة) ~~: # كيف؟ # الناقد ~~: # الرواية ما زالت مشروعا، وقد قال الأستاذ إن الرجل والمرأة سيلوذان بكهف، أليس ~~كذلك؟ # الممثلة ~~: # بلى. # الناقد ~~: # إنه كهف كبير، لاذ به كثيرون. ~~(ينظرون إلى المؤلف ~~مستطلعين فلا يعترض) # لدينا كهف وسط غابة مليئة بالوحوش والأخطار ~~المجهولة، وهو في الوقت نفسه مكتظ بالناس، ثمة فرصة لقيام صراع ما بين بطلنا وبين ~~أحد أو أكثر من الآخرين. # الممثل ~~: # صراع سخيف، غير بطولي! إذا كانت الأخطار تحدق بالكهف من كل جانب، فكيف يجوز أن يقوم صراع بينهم؟! # الممثلة ~~: # وكيف يطيب الحب في مثل ذلك الجو؟! # الناقد ~~: # قد يكون صراعا غير منطقي، ولكنه ممكن إذا قيس بمقاييس الطبيعة البشرية، وبخاصة ~~إذا توفرت أسبابه. # الممثلة ~~: # أسبابه؟ # الناقد ~~: # المرأة، عدم وفرة الماء والغذاء. # الممثل ~~: # الصراع الحق هو ما قام بين البطل والوحوش، أو بينه وبين المجهول. ~~(ينظرون جميعا إلى المؤلف مستطلعين.) # المؤلف ~~(بفتور) ~~: # ثمة مجال لصراع في الداخل وآخر في الخارج. # الناقد ~~: # يسعدني أن نعود إلى المناقشة. # المؤلف ~~: # لم أفرغ من عملي بعد. # الناقد ~~: # المناقشة تفتح الأبواب. # المؤلف ~~: # ولكنها تفسح المجال للرغبات الشخصية التي لا تمت إلى الفن بصلة. # الممثلة ~~: # رغباتي فنية وليست شخصية. # الممثلة ~~(في رقة متناهية) ~~: # النهاية مهمة جدا. # المؤلف ~~: # المؤلف يكتب مسرحيات متتابعة، لكل مسرحية شخصيتها المستقلة، ولكنها في مجموعها ~~مسرحية كبرى ذات نهايات متكاملة. # الممثل ~~: # ما يهمنا الآن هي مسرحية الافتتاح. # المؤلف ~~: # لم أفرغ من عملي بعد. # الممثلة ~~: # ليكن صراع من أي نوع كان، ولكن يجب ms097 أن ينتهي بانتصار الحب. # المخرج ~~: # كيف يمكن استخلاص إيقاع غرامي من ضجيج الغابة الموحشة؟ # الممثلة ~~(بحدة) ~~: # إذن الأفضل ألا يكون للمرأة دور! # الممثل ~~: # ما أجمل أن ينتهي الصراع في الداخل إلى القضاء على أسبابه، ومن ثم يتجهون جميعا ~~نحو الخارج. # الناقد ~~: # وماذا يقع في الخارج؟ # الممثل ~~: # صراع جديد فنصر جديد. # الممثلة ~~: # وحب طيلة الوقت! # الناقد ~~: # حلم جميل ولكن الجمهور لم يعد يستسلم للأحلام طويلا. # المخرج ~~: # ثمة مشروع مضاد وهو أن يقضي الصراع على اللائذين بالكهف، ثم تقتحمه الوحوش ~~فتلتهم الأحياء والجثث. # الناقد ~~: # كئيب أكثر مما تحتمله الأعصاب. # المخرج ~~: # لم يبق إلا أن يستمر الصراع بالداخل والتهديد في الخارج. # الناقد ~~: # نهاية مفتوحة تدعو للبلبلة. # الممثلة ~~(محتجة) ~~: # تتكلمون عن الصراع ولا تذكرون الحب بكلمة. # المخرج ~~: # أيا كان الحال فسوف تتخلله لحظات حب وغناء ورقص. # الناقد ~~: # ولكن هل يتفق ذلك مع مرارة الصراع؟ # المخرج ~~: # هكذا تمضي الحياة، وبذلك نرضي جميع الأذواق. ~~(ينظرون إلى المؤلف مستطلعين.) # المؤلف ~~: # لم أفرغ من عملي بعد. # الناقد ~~: # ما رأيك في الاقتراحات التي عرضت؟ # المؤلف ~~: # لا رأي لي الآن. # الناقد ~~: # ولكننا استعرضنا كافة الاقتراحات المحتملة. # المؤلف ~~: # لا حصر للاحتمالات الممكنة. # الممثل ~~: # عدنا على الأقل بصراع بطولي من أي نوع كان؟ # الممثلة ~~: # وبحب يستحق هذا الاسم؟ # المؤلف ~~: # لا أعد بشيء. # الممثل ~~: # ولكنك حر وبوسعك أن تعد وأن تفي بما تعد. # المؤلف ~~: # لا تتحدث عني بخير أو شر. # الناقد ~~: # حذار أن يعاودنا الخصام. # المخرج ~~: # نحن في حاجة إلى استراحة قصيرة، بنا إلى البوفيه لنتناول بعض المرطبات. ~~(ويذهب الناقد والمخرج والممثل. الممثلة تقف ولكنها لا تبرح مكانها، ~~المؤلف يغادر موقفه عند المكتب ليتمشى ذهابا وجيئة، ثم يعود إلى موقفه مستندا إلى ~~مكتبه، والممثلة تتابعه بعينيها طوال الوقت.) # المؤلف ~~(كأنما يسأل نفسه) ~~: # هل حقا حلت اللعنة بمسرحنا؟ # الممثلة ~~: # لن تحل بنا إلا إذا قررت أنت ذلك. # المؤلف ~~: # ولكنه بمعنى ما مسرحي، إنه جزء من نفسي لا يتجزأ. # الممثلة ~~: # ونحن عناصره التي لا يقوم إلا بها. # المؤلف ~~: # عمل واحد وهدف واحد. # الممثلة ~~: # بالحق نطقت ms098 . # المؤلف ~~: # فيم الخلاف إذن؟ # الممثلة ~~: # لا خلاف حقيقي ولكنه الخوف، لقد أفسدت المنافسة المريرة أعصابنا. # المؤلف ~~: # بالتالي ضقت بهم ذرعا. # الممثلة ~~: # ليتسع لهم صدرك. ~~(صمت) # هل يضايقك وجودي؟ # المؤلف ~~: # بل يسعدني. # الممثلة ~~(في شيء من التردد) ~~: # أود أن أخلو إليك بعض الوقت. # المؤلف ~~: # بكل سرور، فرصة طيبة. # الممثلة ~~: # لا قيمة لأكليشهات المجاملة لمن يتطلع للعاطفة الحقيقية! ~~(ينظر إليها في تساؤل ودهشة) ~~، لم الآن؟ لم أختار ~~هذه اللحظة لأفضي إليك بأسرار قديمة؟ ربما لأنني شعرت لأول مرة بأنك تهددنا حقا ~~بالفراق الأبدي. # المؤلف ~~: # أعترف بأنني ضقت بالعناء والمكابرة. # الممثلة ~~: # عدني بألا تقرر الفراق مهما يكن من عنادهم ومكابرتهم. # المؤلف ~~: # كيف يمكن أن أعد بذلك؟! # الممثلة ~~: # عدني بلا قيد أو شرط؟ # المؤلف ~~: # بلا قيد أو شرط؟! # الممثلة ~~: # بلا قيد أو شرط. # المؤلف ~~: # إني أشكر لك عواطفك، ولكنه طلب غير عادل. # الممثلة ~~: # لأنه مسرحك؛ لأنه مسرحنا، لأننا أسرتك، ولأنني ... # المؤلف ~~: # ولأنك؟ # الممثلة ~~: # ولأنني .. ولأنني .. ولأنني لولاك ما عرفت طريقي إلى المسرح. # المؤلف ~~: # حقا؟ # الممثلة ~~: # نعم. # المؤلف ~~: # لم تحدثيني عن ذلك من قبل. # الممثلة ~~: # لم أحدثك عن نفسي قط. ~~(صمت، يتبادلان نظرات ~~صامتة) # ألا تذكر أيام زمان؟ # المؤلف ~~: # بلى، حينما كنت طفلة. # الممثلة ~~: # حينما كنت فتاة صغيرة لا طفلة. # المؤلف ~~: # كنت ألمحك في الطريق أحيانا. # الممثلة ~~: # أكنت تراني حقا؟ # المؤلف ~~: # من حي واحد كنا، إني أذكر تلك الأيام. # الممثلة ~~: # اعتقدت أنك لم ترني قط. # المؤلف ~~: # في الشرفة رأيتك وأمام باب البيت. # الممثلة ~~: # وقلت لنفسي إما إنه إله أو إنه صخر. # المؤلف ~~: # صخر؟! # الممثلة ~~: # ذلك أنك لم تعرف سهر الليالي ولا الوسائد المبللة بالدموع. ~~(يتبادلان نظرة طويلة، هي تلقيها إليه بثبات، وهو ~~بدهشة) # وصممت على أن أكبر نفسي لعلي ألفت نظرك؛ انتعلت حذاء ~~بكعب عال، غيرت التسريحة، ضيقت أعلى الفستان لأبرز صدري، ولكنك لم ترني. # المؤلف ~~(باسما) ~~: # آسف جدا، كنت صغيرة وكنت كبيرا. # الممثلة ~~: # المسألة أنك لم تحبني. ~~(صمت) # ولحبك أحببت ~~المسرح، أحببت مسرحك، غيرت مجرى حياتي رغم معارضة أهلي الشديدة. # المؤلف ~~: # إني أغبط نفسي ms099 على الخدمة التي قدمتها للمسرح دون تخطيط. # الممثلة ~~: # ومضى حبي ينمو بلا حدود، ولما تخرجت في المعهد اتصلت بك تليفونيا، طالبة ناشئة ~~تعرض نفسها على المؤلف الكبير. # المؤلف ~~: # متى كان ذلك؟ إني لا أذكره. # الممثلة ~~: # طبعا؛ فهو حديث يتكرر يوميا عشرات المرات. # المؤلف ~~: # أكرر الأسف. # الممثلة ~~: # وسد سكرتيرك الطريق في وجهي، ومن ناحية أخرى لم تكن تبرح ضاحيتك أغلب الوقت، ~~ولا تزور المسرح إلا في أوقات نادرة وفي ظروف مجهولة لي، وهكذا وجدت بابك مغلقا ~~بعد طريق طويل شققته بالجهاد والعناد والصبر. # المؤلف ~~: # حكاية مؤسفة حقا. # الممثلة ~~: # ما مضى قد مضى. # المؤلف ~~: # ولكنك عرفت بالإصرار طريقك إلى مسرحنا. # الممثلة ~~: # سلمت بتوجيه السكرتير فذهبت إلى المخرج. # المؤلف ~~: # وسيلة ناجعة فيما يبدو. # الممثلة ~~: # قابلته واقترحت عليه أن يختبرني في مكتبه ولكنه ... # المؤلف ~~: # ولكنه؟ # الممثلة ~~: # اعتذر بضيق الوقت وكثرة الأعمال، ثم دعاني إلى مسكنه الخلوي! ~~(المؤلف يبتسم، الممثلة تقطب) # غادرته متحدية، ~~وغالبت ترددي حيالك حتى غلبته، فكتبت لك رسالة مطوية اعترفت لك فيها بحبي الذي ~~أسرني منذ صباي. ~~(صمت) # لا تتذكر شيئا؟! # المؤلف ~~: # الحق ... # الممثلة ~~(مقاطعة) ~~: # الحق أنك تتلقى مئات الرسائل مثلها! # المؤلف ~~: # لم تكن لي ثقة كبيرة في الرسائل. # الممثلة ~~: # ذهبت إلى المسكن الخلوي. ~~(صمت) # كثيرا ما ~~يدفع الحب الخائب إلى المساكن الخلوية. # المؤلف ~~: # الحياة سلسلة من التجارب المتناقضة. # الممثلة ~~: # هكذا انضممت إلى مسرحك. # المؤلف ~~: # مهما يكن من أمر فقد كسب بك نجمة لامعة. # الممثلة ~~: # وعندما قدمت لك لأول مرة وضح لي أنك لا تتذكرني. # المؤلف ~~: # ولكن سرعان ما تذكرتك. # الممثلة ~~: # وثبت لدي أن حبك سراب مستحيل؛ فلذت بصمت الكبرياء. ~~(صمت) # ودفعني حبك المستحيل من بيت خلوي إلى بيت خلوي. # المؤلف ~~: # الحق أنك اشتهرت في الوسط بكثرة العشق! # الممثلة ~~: # على حين أني لم أعرف من الحب إلا حبك. # المؤلف ~~: # فنانة كبيرة وقلب كبير. # الممثلة ~~: # تصورني الرسوم الكاريكاتورية امرأة شهوانية بينا أنني أعاف في أعماقي الشهوة ~~والفساد. # المؤلف ~~: # إني أصدقك. # الممثلة ~~: # ولكنني أعبر من خلال علاقاتي العابرة بالآخرين عن تشوفي الخالد إليك. # المؤلف ms100 ~~: # إني أحترم عاطفتك وأفهم سلوكك. # الممثلة ~~: # ولكنك لا تحبني؟ # المؤلف ~~: # أحبك بقدر ما يستطيع شخص في سني أن يحب امرأة في سنك. # الممثلة ~~: # إنك من الذين يتعذر تقدير أعمارهم، حتى قيل عنك إنك في سياحاتك الموسمية حول ~~العالم تجدد شبابك وتنفق في ذلك عن سعة! ~~(المؤلف يغرق في الضحك وهي لا تحول عنه عينيها.) # المؤلف ~~: # هل تؤمنين بالأساطير؟ # الممثلة ~~: # نعم. # المؤلف ~~: # أعترف أن حبك سيجدد شبابي. # الممثلة ~~: # إنك تتكلم من بعيد، ولا ألومك فلا حق لي عليك، ولكن لم لم تتزوج؟ # المؤلف ~~: # لم يكن الزواج من أهدافي أبدا. # الممثلة ~~: # عدو للمرأة؟ # المؤلف ~~: # لعلي لم أتزوج لشدة حبي للمرأة. # الممثلة ~~: # لا خبرة لي بالمغالطات اللفظية. # المؤلف ~~: # أعترف بأنني شيء غير مهضوم من وجهة نظر الطبيعة البشرية. # الممثلة ~~: # على كل حال ما مضى قد مضى، وما يهمني الآن هو ألا تفكر في هجر مسرحنا. ~~(صمت) # طالما أنت على رأسه فإني أشعر بأني ~~أعمل في بيتي، وبأن حياتي رغم تمزقها وضياعها لم تفقد كل معنى لها، وبأني إذا كنت ~~أخفقت في أن أكون خليلتك أو زوجك فإني على الأقل نجمة مسرحياتك. # المؤلف ~~: # النجمة التي ساقت إلي الملايين. # الممثلة ~~: # ولا تنس أن الحب هو الدور الذي خلدني. # المؤلف ~~: # وشارك في تخليد أعمالي. # الممثلة ~~: # وإنني أشعر وأنا أقوم به بأنني أمارس حبك الكبير الذي استحال علي خارج المسرح. # المؤلف ~~: # إني مدين لك بالكثير. # الممثلة ~~: # عدني إذن ألا تهجرنا مهما يكن من أمر. ~~(صمت.) # ألا تريد أن تعدني؟ # المؤلف ~~: # بدا التفاهم اليوم مستحيلا. # الممثلة ~~: # إنهم يحبونك أيضا، صدقني إنهم يحبونك أيضا، المسألة أنهم خائفون، المنافسة ~~مرة ومزلزلة للأعصاب، وهم من طول ما مارسوا البغضاء في نزاعهم مع المسارح المحيطة ~~بنا انطبعت البغضاء في أساريرهم وسلوكهم ونوازعهم، كأنما قد فقدوا القدرة على ~~الحب، ألفوا التحدي والوقاحة والتهور، تصوروا في غضبهم أنه يمكن أن يوجد هذا المسرح ~~بدونك، محض خيال مريض، تخيلوه بأخيلة هزيلة مريضة، ولو ضننت عليهم بوجودك لتقوضت ~~الجدران فوق رءوسهم، وتلاشت فرص الندم. # المؤلف ~~: # لا ms101 أوافق على أن أكرر نفسي بحال. # الممثلة ~~: # سيدي .. هل حقا لم يبق للفن إلا غابة وكهف ورجل وامرأة يموتان في حومة هذيان؟ # المؤلف ~~: # إنني أعرف ما أصنع. # الممثلة ~~: # ولكننا لم نعرفه بعد. # المؤلف ~~: # علينا أن نواجه الحقائق، هذه مواجهة وليست هروبا. # الممثلة ~~: # هبني قدرا من الحب ليستقيم دوري، ووفر له نصيبا من البطولة! # المؤلف ~~: # ممثل متعجرف! .. أهو آخر عشاقك؟ # الممثلة ~~: # نعم. # المؤلف ~~: # أيعاملك ببطولة؟ # الممثلة ~~(ضاحكة في امتعاض) ~~: # معاملته لي تتم وراء جدران لا أمام الجمهور. # المؤلف ~~: # إنه برمجي نساء كما هو معروف. # الممثلة ~~: # ربما. # المؤلف ~~: # لماذا ارتضيته عاشقا؟ # الممثلة ~~: # ليس أسوأ من غيره. # المؤلف ~~: # إنه لا يمارس البطولة إلا فوق خشبة المسرح. # الممثلة ~~: # والحب الحقيقي أين يمارس إلا فوق خشبة مسرحك! # المؤلف ~~: # إنهم يكرهون مشروعي الجديد؛ لأنه يعكس بصدق خبايا نفوسهم. # الممثلة ~~: # كنت رفيقا بهم في الزمان الأول. # المؤلف ~~: # كانت دنيا أخرى، وكانوا ناشئين مبتدئين. # الممثلة ~~: # أولهم بعض الاحترام الذي نعموا به قديما. # المؤلف ~~: # أعترف لك بأنني أعاملهم دائما باحترام. # الممثلة ~~: # حقا؟ # المؤلف ~~: # وروايتي الجديدة أكبر دليل على ذلك! # الممثلة ~~: # لا أفهمك يا حبيبي. # المؤلف ~~: # عليك أن تفهميني يا حبيبتي. # الممثلة ~~: # ما أحلى هذا الحديث، نتحدث كما لو كنا حبيبين حقا. # المؤلف ~~: # نحن كذلك. # الممثلة ~~: # حقا؟ # المؤلف ~~: # كل بطريقته. # الممثلة ~~: # ليس للحب إلا طريقة واحدة. # المؤلف ~~: # بل له طرق كثيرة. # الممثلة ~~: # وما طريقتك في الحب؟ # المؤلف ~~: # العمل. ~~(تقترب منه خطوة، تمعن فيه النظر.) # الممثلة ~~: # ألم تحب بطريقتي البسيطة؟ # المؤلف ~~: # ربما، ولكن بعيدا عن الوسط الفني. # الممثلة ~~(متنهدة) ~~: # تصور أنني لم أدخل الوسط الفني إلا سعيا وراء حبك. ~~(صمت) ~~. والآن هل تعدني؟ # المؤلف ~~: # أرجو أن تسير الأمور سيرا حسنا. # الممثلة ~~: # شكرا. # المؤلف ~~: # عفوا. # الممثلة ~~(بعد تردد) ~~: # أود أن أقبلك ولو قبلة واحدة. ~~(الممثلة تقترب منه، يتعانقان متبادلين قبلة طويلة، في ذات اللحظة ~~يدخل الممثل وفي أعقابه المخرج والناقد؛ المؤلف والممثلة يفترقان في كثير من الارتباك، ~~الممثل يذهل لحظة، ثم يحاول الهجوم على المؤلف، ولكن المخرج والناقد يحولان دون ~~ذلك.) # الممثل ms102 ~~(صائحا) ~~: # داعرة محترفة، وعجوز منحل .. سأحطم رأسك. # الممثلة ~~: # اخرس .. لا تتكلم بغير فهم. # الناقد ~~: # ما رأيناه لا يجوز أن نسيء فهمه، ما هو إلا عناق أبوي! # الممثل ~~: # أبوي! أنت لا تعرف شيئا عن تدهور الشيوخ! # المؤلف ~~: # تأدب. # الممثل ~~: # سأحطم رأسك، لن تفلت من قبضتي. # الممثلة ~~: # اخرس، قلت لك ألا تتكلم بغير فهم! # الممثل ~~: # إني خير من يفهمك يا خنزيرة! # الممثلة ~~: # ما أنت إلا حيوان غبي. # الممثل ~~: # لا زلت بغيا تنتقلين من فراش إلى فراش. # الممثلة ~~: # تأدب وإلا أسكتك بالحذاء. # الممثل ~~: # ولكنك تنتقلين هذه المرة إلى نعش. # الممثلة ~~(للآخرين) ~~: # أسكتوا هذا الحيوان الأعمى. # الناقد ~~(ضاربا جبينه بيده) ~~: # لقد حلت بمسرحنا اللعنة. # الممثلة ~~(بصوت مرتفع) ~~: # لن تحل بمسرحنا اللعنة. # المخرج ~~: # سوء فهم واضح، واضح البراءة. # الناقد ~~(مخاطبا المؤلف) ~~: # بوسعك أن تحسم سوء الظن بكلمة. ~~(المؤلف يلزم الصمت في كبرياء.) # المخرج ~~(للممثلة) ~~: # لديك بلا شك ما تدافعين به عن نفسك. # الممثلة ~~: # إني أرفض أن أقف موقف الاتهام. # الممثل ~~: # لقد رأيناهما متلبسين! # المخرج ~~: # يجب أن تخجل من نفسك. # الناقد ~~: # حتى إن سوء الظن أمر مخجل. # المخرج ~~(للمؤلف) ~~: # تكلم يا أستاذ. ~~(ثم للممثلة) ~~. تكلمي أنت، ~~علينا أن ننتهي من سوء التفاهم ونصفيه بسرعة لنستأنف مناقشة المشروع الجديد. # الممثل ~~(للمخرج) ~~: # يا للغرابة! إنك تتكلم عن أعمق العلاقات البشرية كما لو كانت عبث أطفال. # المخرج ~~(للممثل) ~~: # لقد وجدتني ذات يوم في مثل موقفك، وكانت حيال خيانة حقيقية لا مجرد سوء تفاهم ~~بريء، وكان غريمي وقتذاك صديقنا الناقد، كيف تصرفت؟ كظمت غضبي وواصلت تدريباتي ~~للمسرحية الجديدة. # الممثل ~~: # أنت جبان. # المخرج ~~: # أنت حيوان. ~~(الممثل يوجه لكمة لرأس المخرج؛ المخرج يترنح واضعا يده على موضع ~~الضربة، يمضي إلى الكنبة ويرتمي عليها، يسند رأسه إلى مسندها ويمد ساقيه في إعياء. ~~الممثلة تثور وتلطم الممثل على خده فيعميه الغضب ويوجه لطمة إلى رأسها فتقع إلى جانب ~~المخرج، الناقد يسرع إلى إجلاسها، ويهجم على الممثل، يتبادلان الضرب حتى يسقطا ~~متتابعين. يقومان مترنحين ويلوذ كل منهما بمقعد حول الكنبة. الأربعة جالسون متقاربين ~~وفي حالة ms103 إعياء شديد تقارب الإغماء. وطيلة الوقت لزم المؤلف موقفه وهو يراقب ما يحدث ~~ببرود.) ~~(صمت.) ~~(يفتح الباب فيدخل السكرتير، يتجه نحو المؤلف دون أن ينتبه إلى ~~الآخرين.) # السكرتير ~~: # مندوب مجلة إيزيس. ~~(يدخل مندوب المجلة، السكرتير يغادر الحجرة، المندوب يمضي إلى ~~المؤلف فيصافحه، يتحول إلى الجالسين ولكنه يتوقف في ذهول، يردد بصره بينهم وبين المؤلف، ~~يتراجع إلى قريب من المؤلف.) # المندوب ~~: # آسف على مجيئي دون موعد سابق. # المؤلف ~~: # إنها مفاجأة ولكنها سارة. # المندوب ~~(مشيرا إلى الجالسين) ~~: # ماذا حصل لهم؟ # المؤلف ~~: # فرغوا لتوهم من تدريبات الرواية الجديدة. # المندوب ~~: # حقا! مجرد تدريبات؟ # المؤلف ~~: # مجرد تدريبات. # المندوب ~~: # إنها رواية عنيفة فيما أرى؟ # المؤلف ~~: # لا تخلو من عنف. # المندوب ~~: # إني أرى آثار كدمات، وألمس إعياء واضحا على وجوههم، كأنما هي رواية من روايات ~~رعاة البقر! # المؤلف ~~: # لا تخلو من حيوانات. # المندوب ~~: # حتى فنانتنا الكبيرة تطرح رأسها في شبه إغماء، إنه لأمر غير معقول! # المؤلف ~~: # لا تخلو من جنون. # المندوب ~~: # إن عرض مسرحية بذاك العنف شهورا متواصلة يجب أن يعد معجزة! # المؤلف ~~: # وهي لا تخلو من معجزات. # المندوب ~~(مشيرا إلى الممثلة) ~~: # هل أصيبت وهي تدافع عن شرفها؟ # المؤلف ~~: # أصيبت وهي تدافع عن شرف البطل. # المندوب ~~: # ولكن المعتاد أن البطل يذود عن شرف الآخرين بالإضافة إلى شرفه هو؟ # المؤلف ~~: # هي لا تخلو من طرافة وجدة! # المندوب ~~: # لعل المسرحية تميل إلى التشاؤم؟ # المؤلف ~~: # لا تخلو من تشاؤم. # المندوب ~~: # ولكن موقف البطلة يدعو للتفاؤل فيما أعتقد؟ # المؤلف ~~: # لا يخلو من تفاؤل. # المندوب ~~: # كيف تجمع مسرحية بين التشاؤم والتفاؤل وهما نقيضان؟ # المؤلف ~~: # لا تخلو من تناقض. # المندوب ~~: # معذرة يا عميد المؤلفين ألا يعتبر ذلك ضعفا؟ # المؤلف ~~: # لا تخلو من ضعف. # المندوب ~~: # ولم لم تبلغ بها الكمال المعهود منك؟ # المؤلف ~~: # الكمال للموت وحده. ~~(المندوب يضحك عاليا، ثم يعقب ذلك صمت.) # المندوب ~~: # جميع المسارح تتساءل عن عرضكم القادم، وقد بلغت المنافسة بينها ذروة المرارة، ~~المؤامرات تدبر في الظلام، المرتزقة يستأجرون لإحداث الشغب، ألا يمكن أن يسود ~~السلام بين المسارح؟ ~~(صمت) ~~. كثيرون من ms104 العقلاء ~~يعقدون عليك الآمال بوصفك عميد المؤلفين لتقوم بخطوة حاسمة في هذا السبيل؟ # المؤلف ~~: # لا وقت عندي إلا للعمل. # المندوب ~~: # هلا كرست لذلك يوم راحتك الأسبوعي؟ # المؤلف ~~: # يوم الراحة للراحة. # المندوب ~~: # إنهم يحلمون بأن تجمع المسارح في وحدة متعاونة يسودها السلام الذي يسود مسرحك. # المؤلف ~~: # لن أجد في سني هذه من يمكنه التفاهم معي. ~~(المندوب يبتسم وهو يشد على ذراع المؤلف إعجابا وتقديرا.) # المندوب ~~: # أعلم أنك لا تحب الحديث عن رواية جديدة قبل عرضها، ولكن لدي بعض أسئلة تقليدية ~~يتابعها الجمهور عادة بشغف. ~~(المؤلف يهز رأسه بالموافقة ~~صامتا) # كم من الوقت استغرقت في كتابتها؟ # المؤلف ~~(حاسرا كم الجاكتة عن معصمه اليسرى) ~~: # أنا لا أستعمل الساعات. # المندوب ~~: # مم استلهمت فكرتها العامة؟ # المؤلف ~~: # شرعت في كتابتها عقب تفكير طويل في المغص. # المندوب ~~(ضاحكا) ~~: # هل يمكن إرجاعها إلى تجربة شخصية مرت بك في حياتك العامرة؟ # المؤلف ~~: # ربما أمكن إرجاعها إلى علاقة قديمة قد قامت بيني وبين مطرب أخرس. # المندوب ~~: # مطرب أخرس؟ # المؤلف ~~: # نعم. # المندوب ~~: # وكيف أمكنك معرفة تطريبه؟ # المؤلف ~~: # هذا ما ستجيب عنه المسرحية. ~~(المندوب يضحك عاليا، يصافح المؤلف. يذهب. المؤلف يلقي نظرة على ~~الجالسين، يسوي ربطة عنقه ومنديل جيب الصدر تأهبا للذهاب. الممثلة تنظر نحوه، تقاوم ~~ضعفها فتعتدل في جلستها.) # الممثلة ~~: # انتظر. ~~(تدلك رأسها، تقوم بصعوبة، تمضي إلى أقرب ~~المقعدين المتقابلين أمام المكتب لتعتمد عليه) متى نجتمع لنقرأ النص الجديد؟ ~~(صمت) لا تهجرنا. (صمت) لقد وعدت بألا تهجرنا. (صمت) (مشيرة إلى الجالسين) ما ~~وقع بيننا ليس الأول من نوعه، ولن يكون الأخير. (صمت) سوف تعود المياه إلى ~~مجاريها. (صمت) (مشيرة إلى الممثل) سيكون أول من يعتذر، إني خير من يعرفه. ~~(صمت) (يتبادلان نظرة طويلة، هي متطلعة في لهفة، وهو لا ينم وجهه عن شيء، ~~فيتصافحان ثم يمضي على مهل إلى الخارج ويرد الباب وراءه. الممثلة تتابعه ~~بعينيها ثم تظل رانية إلى الباب.) # | المهمة # (بقعة صحراوية خالية، تقوم في وسطها هضبة صخرية، أمام الهضبة يتمشى شاب ~~جيئة وذهابا وهو ينظر في ساعته من ms105 آن لآن. الوقت أصيل، الشاب أنيق بدرجة ملحوظة، والجو ~~يوحي بأنه ينتظر موعدا غراميا. # يترامى من الخارج وقع أقدام ثقيلة، الشاب يرهف السمع في قلق، وباقتراب ~~الأقدام يتجهم وجهه، ويتوقف عن المشي، فيلزم مكانه أمام الهضبة. # يدخل رجل في الخمسين، مهمل الهندام، ولكنه قوي البنية، يلقي على الشاب ~~نظرة عابرة، ثم يمضي إلى يسار الهضبة فيقف متطلعا إلى الخلاء. # الشاب ينظر صوب الرجل مقطبا، ولكن الآخر يبدو وكأنه لا يشعر له بوجود، ~~يقترب منه خطوة.) # الشاب ~~(مخاطبا الرجل بصوت مرتفع لا يخلو من تحد وغضب) ~~: # ماذا تريد؟ ~~(يظل الرجل رانيا إلى الخلاء كأنما يسمع ~~صوتا)، (بصوت أشد ارتفاعا) # إني أسألك عما تريد؟ ~~(الرجل يبدو مستغرقا في الأفق، ويترنم مغنيا) ~~. ~~والله زمان، زمان والله. ~~(بحدة حانقة) ~~. لماذا ~~تتبعني؟ ~~(الرجل يواصل ترنمه في هيمان) # إنني ~~أخاطبك وأنت تعلم ذلك، لا أحد سوانا في هذا الخلاء. # الرجل ~~(ملتفتا في دهشة) ~~: # حضرتك تخاطبني؟ # الشاب ~~: # دون سواك! # الرجل ~~: # معذرة، ماذا قلت؟ # الشاب ~~: # إني أسألك عما تريد مني! # الرجل ~~(متظاهرا بالدهشة) ~~: # أنا؟ # الشاب ~~: # أنت، أنت دون سواك. # الرجل ~~: # عجيب سؤالك يا سيدي، أنا لا أريد منك أي شيء. # الشاب ~~: # لم إذن تتبعني بإصرار؟ # الرجل ~~: # أتبعك! إني أراك لأول مرة في حياتي. # الشاب ~~(بعناد) ~~: # إنك تتبعني منذ الصباح الباكر، ولم تكف عن تتبعي حتى هذه اللحظة من الأصيل. # الرجل ~~: # أنت مخطئ في ظنك فأنا لم أرك؛ وبالتالي لم أتبعك. # الشاب ~~: # لم أذهب إلى مكان إلا رأيتك قادما في أثري. # الرجل ~~: # لا يحق لي أن أكذبك، ولكني لم أرك، ولم أتبعك. # الشاب ~~(بنبرة لا تخلو من تهكم) ~~: # أهي مجرد مصادفة؟ # الرجل ~~: # سمها كيفما شئت. ~~(صمت، يعود الرجل إلى النظر صوب الأفق، أما الشاب فلا يبرح مكانه، ~~ولا يكف عن النظر إليه.) # الشاب ~~: # هل تتفضل بإخباري عن الجهة التي تنوي الذهاب إليها بعد هذه الوقفة؟ # الرجل ~~(ملتفتا نحوه في دهشة) ~~: # بأي حق تسألني هذا السؤال الغريب؟ # الشاب ~~: # معذرة، أود التخلص من فكرة اتباعك لي. # الرجل ~~: # أنا لا أعرفك، لم ms106 أتبعك، وفي هذا الكفاية! # الشاب ~~: # ألم توجد في ميدان القلعة صباحا؟ # الرجل ~~: # بلى. # الشاب ~~: # ألم تتناول فطورك في مطعم .. فلافل .. بشارع محمد علي؟ # الرجل ~~: # بلى. # الشاب ~~: # ألم تذهب بعد ذلك إلى مقهى الشمس؟ # الرجل ~~: # بلى. # الشاب ~~: # ألم تقم بزيارة قصيرة لدار الآثار؟ # الرجل ~~: # بلى. # الشاب ~~: # ألم تشهد مزادا بصالة المعروضات بالدقي؟ # الرجل ~~: # بلى. # الشاب ~~: # ألم تذهب بعد ذلك إلى عيادة الدكتور عرنوسي طبيب الأسنان؟ # الرجل ~~: # بلى. # الشاب ~~: # ألم ... # الرجل ~~(مقاطعا) ~~: # أكنت تتبعني يا سيدي؟ # الشاب ~~(ضاحكا ضحكة جافة) ~~: # أنا؟ # الرجل ~~: # أليس من الغريب أن تعرف تحركاتي طيلة اليوم بهذه الدقة؟ # الشاب ~~: # ولكنك كنت، لا مؤاخذة، كأنك كنت تتبعني! # الرجل ~~: # لقد شغلت نفسك بي أكثر مما يتصور. # الشاب ~~: # في كل مكان رأيتك قادما في أثري، حتى في هذه المنطقة النائية الخالية! # الرجل ~~: # عجيب أنني لم أرك ولا مرة واحدة. # الشاب ~~: # الحق أن عينينا التقتا أكثر من مرة. # الرجل ~~: # لا يرى الإنسان جميع ما تقع عليه عيناه من أشياء. # الشاب ~~: # إذن فأنت لا تتبعني؟ # الرجل ~~: # ولم أتبعك؟ # الشاب ~~: # لعلك تعذرني. # الرجل ~~: # لك العذر. # الشاب ~~: # مصادفة عجيبة. # الرجل ~~: # هي بالقياس إلي لا شيء. ~~(الشاب يضحك ضحكة عصبية، ثم ~~يسود الصمت، وعندما يهم الشاب بالابتعاد يتكلم الرجل) # آسف جدا لأني ~~أزعجتك بغير قصد. # الشاب ~~: # أن تصدق أن شخصا ما يتبعك أمر مزعج حقا. # الرجل ~~: # ليس في جميع الأحوال. # الشاب ~~: # أعني إذا كنت تجهله وتجهل مقصده بالتالي. # الرجل ~~: # ولكنك شاب مهذب بريء الساحة. # الشاب ~~: # لا يكفي هذا لإسكات وساوسك ما دمت تجهله وتجهل مقصده. # الرجل ~~(باسما) ~~: # أيهما أبعث على الخوف؛ المجهول أم المعروف؟ # الشاب ~~: # الأمر يتوقف على السبب وعلاقته بنا. # الرجل ~~: # الحق أننا نخاف أكثر مما ينبغي. ~~(الشاب يصمت ~~متجهما) # أكرر الأسف. # الشاب ~~(بعصبية) ~~: # الحق أنك أفسدت علي يومي كله! # الرجل ~~: # عجيب أن نرتكب جريمة ونحن لا ندري. # الشاب ~~: # وجئت إلى هذه البقعة الخالية النائية لأكتشفك وأحرجك! # الرجل ~~: # لعل مجيئي يقطع ببراءتي. # الشاب ~~: # ترى ما الذي دعاك إلى المجيء إلى هنا؟ # الرجل ~~: # إنها أحد الأماكن ms107 المختارة التي أشهد فيها الغروب. # الشاب ~~: # أتحب الغروب؟ # الرجل ~~: # إنه أحب ساعات اليوم إلى نفسي. # الشاب ~~: # ألم يزعجك أن تجدني هنا؟ # الرجل ~~: # أنا أحب الناس. # الشاب ~~(بعد تردد واضح) ~~: # هلا أخبرتني عن خطواتك التالية؟ # الرجل ~~: # أما زلت على ريب مني؟ # الشاب ~~: # كلا، ولكني أود أن أمتحن دهاء المصادفة. # الرجل ~~: # الواقع أني سرت طيلة اليوم على غير هدى وبلا خطة موضوعة، إنه يوم عطلتي. # الشاب ~~: # لا بد من فكرة تقودك في يوم عطلتك. # الرجل ~~: # من طول خضوعي للتخطيط على مدى الأسبوع فإني أتحرر يوم العطلة من أي قيد. # الشاب ~~: # أما أنا فسأبقى هنا بعض الوقت ثم أذهب إلى حانة «الأحمر والأبيض.» # الرجل ~~(بحماس مفاجئ) ~~: # حانة النبيذ الفاخر والسلطة الخضراء .. ما أجملها! # الشاب ~~: # هل تقرر الذهاب إليها؟ # الرجل ~~: # أعترف بأنك ذكرتني بمكان أحب الجلوس فيه. # الشاب ~~: # وبعد ذلك سأمضي إلى بيتي. # الرجل ~~: # من يدري، ربما توثقت العلاقة بيننا في «الأحمر والأبيض» فنمضي إلى البيت ~~معا. ~~(يضحكان معا، ثم يسود الصمت، يلتفت الشاب إلى الناحية الأخرى فيعود ~~الرجل إلى التطلع صوب الأفق، الشاب يتمشى غير خال من القلق، يختلس إلى ظهر الرجل ~~النظرات، ينظر في ساعته، يتضاعف قلقه. تدخل فتاة جميلة متأنقة، ما إن ترى الشاب حتى ~~تهرع نحوه متهللة، ولكنها تنتبه إلى وجود رجل غريب؛ فتتمالك مشاعرها وتلوح في وجهها ~~خيبة، الشاب يمضي بها إلى يمين الهضبة، يتبادلان قبلة.) # الشاب ~~: # لسنا وحدنا. # الفتاة ~~: # ماذا يفعل؟ # الشاب ~~: # ينتظر الغروب! # الفتاة ~~: # الغروب؟ # الشاب ~~(متهكما) ~~: # أحب ساعات اليوم إليه. # الفتاة ~~: # هل تعرفه؟ # الشاب ~~: # كلا. # الفتاة ~~: # هل حادثته؟ # الشاب ~~: # نعم. # الفتاة ~~: # لم؟ # الشاب ~~: # الواقع أنه لم يفارقني منذ الصباح الباكر. # الفتاة ~~(بدهشة) ~~: # كيف؟ # الشاب ~~: # ظننته يتبعني. # الفتاة ~~: # ما دام لم يفارقك طوال اليوم. # الشاب ~~: # ولكنه أكد لي أنه لم يرني. # الفتاة ~~: # وهل صدقته؟ # الشاب ~~: # لم أكذبه. # الفتاة ~~: # ألا ترى أنه يحسن بنا أن نذهب؟ # الشاب ~~: # إني ضنين باللقاء. # الفتاة ~~: # ولكن قلبي غير مطمئن. # الشاب ~~: # لعله ينتظر صديقة. # الفتاة ~~: # ليتها تجيء لتحل المشكلة من أساسها. ~~(يتبادلان قبلة ms108 ~~طويلة) ~~، ~~(مشيرة إلى الناحية الأخرى من ~~الهضبة) # لم يفارقك طوال اليوم؟ # الشاب ~~: # بلى. # الفتاة ~~: # لنذهب! # الشاب ~~: # لماذا يتبعني؟ # الفتاة ~~(بقلق واضح) ~~: # ترى هل يتعلق الأمر بي؟ # الشاب ~~: # هل سبق لك أن رأيته؟ # الفتاة ~~: # لا لم ألمح إلا ظهره، وبسرعة عابرة، لم يذكرني بأحد أعرفه. # الشاب ~~: # لا داعي لكثرة الظنون. # الفتاة ~~: # أرى أنه يحسن بنا أن نذهب. # الشاب ~~: # لننتظر فإني ضنين باللقاء. # الفتاة ~~: # أعترف بأنني بت أكرهه بقدر ما أخافه. # الشاب ~~: # كيف تخافينه وأنت لم تري إلا ظهره! # الفتاة ~~: # إنه ذو قصة مريبة تدعو للانزعاج. # الشاب ~~: # بوسعنا أن ننساه تماما ونعبث بنواياه. # الفتاة ~~: # نواياه؟! # الشاب ~~: # أعني إن كان ثمة نوايا يضمرها حقا. # الفتاة ~~: # ولكن كيف؟ # الشاب ~~(وهو يجذبها نحو صدره) ~~: # هكذا. ~~(يتعانقان وهما يتبادلان قبلة طويلة، يواصلان العناق والقبل كأنما ~~قد نسيا الآخر تماما، في أثناء ذلك يجلس الآخر على الأرض كأنما أتعبته الوقفة، يمد ~~ساقيه ويسند رأسه إلى حافة الهضبة، صوت غراب ينعق، الشاب والفتاة يفيقان من سكرة الحب، ~~يتبادلان النظر في دهشة.) # الفتاة ~~: # كم مضى من الوقت؟ # الشاب ~~: # لا أدري، ولن أنظر في الساعة؛ فما أحب أن أكدر صفونا بالزمن. # الفتاة ~~(مشيرة إلى الناحية الأخرى) ~~: # ترى هل ذهب؟ # الشاب ~~: # سيان عندي أن يذهب أو أن يبقى. لا يند عنه صوت، لعله مات. ~~(صمت يتخلله تبادل قبل) # من الحماقة أن أخافه. # الفتاة ~~: # ولكنك تجهله. # الشاب ~~: # هو على أي حال كهل وبوسعي أن أصرعه بلكمة واحدة. # الفتاة ~~: # ولكني وجدتك قلقا لدى حضوري. # الشاب ~~: # لم أكن أفقت من فكرة مطاردته لي. # الفتاة ~~: # لعله ... ~~(وقبل أن تتم كلامها يترامى إليهما شخير منتظم ~~من ناحية الرجل؛ يتبادلان نظرة ذاهلة) # نام؟ # الشاب ~~: # لعله شخير رجل آخر. ~~(الشاب يمضي في حذر شديد نحو الرجل، تتبعه الفتاة، يلقيان عليه نظرة ~~داهشة، الرجل يستيقظ لدى وقوع نظرتهما عليه كأنما رمي بطوبة، ينهض بسرعة ويحدق فيهما ~~بانزعاج وتحد معا.) # الرجل ~~(متجهما) ~~: # من أنتما؟ .. ماذا تبغيان؟ # الشاب ~~: # لا مؤاخذة لم نقصد إزعاجك! # الرجل ~~(مستعيدا تذكره وهدوءه) ~~: # آه .. أنت .. ~~(صمت وارتباك ms109 والرجل يردد بصره بينهما) ~~(باسما) # وقعت أحداث جديدة في أثناء غفوتي! # الشاب ~~: # أي أحداث؟ # الرجل ~~(ناظرا إلى الفتاة) ~~: # كنت وحدك فيما أذكر! # الشاب ~~: # ثم لحقت بي خطيبتي. # الرجل ~~(مبديا دهشة سمجة) ~~: # خطيبتك! # الشاب ~~(بحدة) ~~: # نعم خطيبتي. # الرجل ~~(بقحة) ~~: # وكيف تجيء بخطيبتك إلى هذه البقعة النائية المهجورة؟ # الشاب ~~(غاضبا) ~~: # بأي حق تحاسبني على ما أفعل؟ # الرجل ~~(متراجعا) ~~: # معذرة. لم أسترد تفكيري السليم بعد. ~~(يهم الفتى والفتاة ~~بالذهاب، ولكن الرجل يسارع باعتراض سبيلهما) ~~. متى نذهب إلى حانة ~~«الأحمر والأبيض»؟ # الشاب ~~: # نذهب؟ # الرجل ~~: # ألم نتفق على ذلك؟ # الشاب ~~: # كلا .. قلت لك إني ذاهب لا إننا ذاهبان، وقد عدلت عن قراري. # الرجل ~~: # يا للخسارة! # الشاب ~~: # اذهب أنت إذا شئت. # الرجل ~~: # لعلك ضحكت علي حين كنت تنتظر خطيبتك؟ # الشاب ~~: # لا داعي للأخذ والرد. # الرجل ~~: # إذن فلم تقصد هذا المكان لتحرجني كما قلت؟ # الشاب ~~: # لننه حديثا لا جدوى منه. # الرجل ~~: # ولكننا وصلنا في الحديث إلى حافة الصداقة. # الشاب ~~: # لندع ذلك إلى فرصة أخرى. # الرجل ~~(راجعا إلى مكانه الأول) ~~: # أتمنى لكما وقتا طيبا. ~~(الرجل يعود إلى موقفه الأول ليرنو من جديد إلى الأفق، يعود الشاب ~~بالفتاة إلى موقفهما إلى يمين الهضبة.) # الشاب ~~: # ها قد عدنا إلى الجنة. # الفتاة ~~: # ليتنا لم نغادرها. # الشاب ~~: # لعنة الله على الفضول. # الفتاة ~~: # دعني أذهب. ~~(يضمها إلى صدره ويقبلها؛ فتستسلم دون استجابة.) # الشاب ~~: # ابتسمي. # الفتاة ~~: # يا له من رجل كريه. # الشاب ~~: # لنلق به في النسيان. ~~(يتعانقان حتى يغيبا عن الوجود، في أثناء ذلك يتسلل الرجل من موقفه ~~حتى يقف قبالتهما ويبدو سعيدا بمشاهدتهما، ينتبهان إليه. ينفصلان في ارتباك وانزعاج، ~~الشاب يرميه بنظرة غاضبة.) # الرجل ~~: # ما أجمل هذا! # الشاب ~~: # وقاحة! # الرجل ~~: # استمرا في لعبكما الظريف. # الشاب ~~(محتدا) ~~: # ماذا جاء بك؟ # الرجل ~~: # بالله لا تغضب. # الشاب ~~: # وقح! # الرجل ~~: # إنك لا تقدر وقع كلمة قاسية على رجل يحب الناس. # الشاب ~~: # ماذا جاء بك؟ # الرجل ~~: # أحب أن أرى الأشياء الظريفة. # الشاب ~~: # احذر أن تدفع ثمن قحتك. # الرجل ~~: # لقد تسللتما لتلقيا علي نظرة وأنا نائم، وها أنا أرد ms110 التحية. # الفتاة ~~(وهي تهم بالذهاب فيمسك الشاب بها) ~~: # إني ذاهبة. # الرجل ~~(للفتاة) ~~: # لا تذهبي، لم أقصد إزعاجك. # الشاب ~~: # هذا سلوك غير لائق. # الرجل ~~: # بل هو طبيعي وجميل. # الشاب ~~: # اذهب! # الرجل ~~: # ألا ترى أني أعرض مودتي بغير حساب؟ # الشاب ~~: # اذهب وإلا ... # الرجل ~~: # يجدر بك ألا تهددني. # الشاب ~~: # سأفعل أكثر من التهديد. # الرجل ~~: # كلا، لا تدفعنا إلى عواقب غير محمودة. # الشاب ~~: # لك. # الرجل ~~: # ولك أيضا. # الشاب ~~: # لا تحملني على تأديبك وأنت في سن أب. # الرجل ~~: # لا تغتر بفوارق السن. # الفتاة ~~: # دعني أذهب. # الرجل ~~(للفتاة) ~~: # محال أن تكدري صفوك بسببي. # الفتاة ~~: # إذن فابتعد عنا. # الرجل ~~: # إنها فرصة نادرة لمشاهدة الحب. # الشاب ~~: # أنت مجنون؟ # الرجل ~~: # أنا رجل يحب مشاهدة الطرائف، جرب ذلك بنفسك إذا شئت. # الشاب ~~: # ماذا تعني؟ # الرجل ~~(حانيا رأسه بأدب) ~~: # دعني أحل محلك، وتفضل بمشاهدتنا أنت لتحكم بنفسك. ~~(الفتاة تلطمه، الرجل يتلقى اللطمة باسما.) ~~(صمت.) # الفتاة ~~(هامسة للشاب) ~~: # دعني أذهب. # الشاب ~~(بعناد وكبرياء) ~~: # كلا! # الفتاة ~~: # بل يجب أن أذهب في الحال. # الشاب ~~(بإصرار) ~~: # لن تذهبي! ~~(الرجل يبتعد خطوات، يتحسس خده مكان اللطمة وهو ما يزال ~~يبتسم.) # الرجل ~~: ~~(مخاطبا الخلاء) # بنوايا طيبة أسير، ولكني ~~أتلقى اللطمات، وكلمات أقسى من اللطمات، لماذا؟ لماذا يصر الناس على الوهم ~~والحماقة؟ لم لا يقفون على أرض الواقع؟ كيف لا يفرقون بين العدو والصديق؟ # الفتاة ~~(للشاب) ~~: # لا تكن عنيدا. # الشاب ~~: # لن تذهبي! # الفتاة ~~: # لا فائدة ... # الشاب ~~: # ولكنك لن تذهبي. # الرجل ~~: ~~(مستمرا في مخاطبة الخلاء) # المتعلم والأمي في ~~الجهالة سواء، لم يسيئون الظن بي؟ ماذا عليهم لو استمروا في لهوهم أمام وجودي ~~البريء؟ أحب مشاهدة الأفراح، ولا عدو لي إلا الحماقة والأنانية. # الفتاة ~~(للشاب) ~~: # إنه مجنون. # الشاب ~~: # ليكن. # الفتاة ~~: # إني خائفة. # الشاب ~~: # لست عاجزا عن حمايتك. # الرجل ~~(مخاطبا الخلاء أيضا) ~~: # يخلقون المتاعب من لا شيء ثم يلقون بها في وجهي، أهيم على وجهي باحثا عن أشياء ~~ثمينة فلا ألقى إلا الصد، الخلاء يشهد بأنني ذو شأن ولكن اللعنة على الحماقة! # الفتاة ~~: # إنه مجنون، لن أبقى دقيقة أخرى. ~~(الفتاة تمضي ms111 نحو ~~الخارج، الشاب يلحق بها فيمسك بيدها) # لا بد من ذهابي. # الشاب ~~: # ولكن ... # الفتاة ~~: # لا تكرهني على البقاء. # الشاب ~~: # إذن فلأوصلك. # الفتاة ~~(مانعة إياه بيدها) ~~: # ابق هنا حتى لا يتبعنا. ~~(يتصافحان، تغادر المكان، الشاب يتبعها عينيه، الرجل يقترب منه ~~ولكنه يتجاهله.) # الرجل ~~: # أقدم لك اعتذاري بقلب ملؤه الأسف. ~~(الشاب يصر على ~~تجاهله) # أي نحس يفسد علي مطالبي البريئة؟! ~~(الشاب يمشي والرجل يتبعه كظله) # أكرر الأسف من كل قلبي. # الشاب ~~(متوقفا عن المشي في مواجهته) ~~: # ألا تخجل من نفسك؟ # الرجل ~~: # انظر إلى جزاء من يسعى إلى حب الناس! # الشاب ~~: # أتسخر مني؟ # الرجل ~~: # صدقني فيما أقول، بيد أني رجل سيئ الحظ. # الشاب ~~: # لقد ضيعت علي ثمرة يومي المرهق الطويل بلا حياء. # الرجل ~~: # أنا؟ # الشاب ~~: # دون غيرك. # الرجل ~~: # كلما سعيت إلى إنسان بقلب مفتوح رميت بهذه التهمة. # الشاب ~~: # يخيل إلي أنك ذو تاريخ قديم في النحس. # الرجل ~~: # لا ذنب لي على الإطلاق. ~~(الشاب يغادره إلى يسار الهضبة ~~فيتبعه على الأثر.) # الرجل ~~: # أود أن تؤمن ببراءتي. # الشاب ~~: # أمن الضروري أن تلاحقني لتحدثني عن نحسك؟ # الرجل ~~: # فرصة طيبة للحديث والتعارف. ~~(الشاب يقطب ثم يسود ~~صمت) # افتح لي صدرك. # الشاب ~~: # أكنت تتبعني منذ الصباح كما ظننت؟ # الرجل ~~(باسما) ~~: # بصراحة نعم. # الشاب ~~: # إذن كذبت علي؟ # الرجل ~~: # بسبب نحسي المزمن أصبح الكذب وسيلتي المفضلة للدفاع عن النفس. # الشاب ~~: # أكنت تعرفني؟ # الرجل ~~: # كلا. # الشاب ~~: # لم تبعتني؟ # الرجل ~~: # إني أهيم على وجهي من مطلع الصبح فأتبع أول من يصادفني. # الشاب ~~: # أيا كان؟ # الرجل ~~: # أيا كان. # الشاب ~~: # كل يوم؟ # الرجل ~~: # كل يوم. # الشاب ~~: # أليس لك عمل في الحياة؟ # الرجل ~~: # ليس لي عمل. # الشاب ~~: # ثري؟ # الرجل ~~: # موفور الإيراد. # الشاب ~~: # ما قصدك من مطاردتي؟ # الرجل ~~: # أتصيد لحظة للتعارف. # الشاب ~~: # أليس لك أصدقاء؟ ~~(صمت.) # الرجل ~~: # وآمل من وراء التعارف أن أحطم أسطورة النحس. # الشاب ~~(ضاحكا ضحكة مكفهرة) ~~: # الآن وقفت على سر الحظ العاثر الذي لازمني طيلة يومي. # الرجل ~~: # لا تكن كالآخرين. # الشاب ~~: # في ميدان القلعة زلت قدمي فوقعت على ركبتي. # الرجل ~~(باسما) ~~: # كنت تنظر ms112 إلى امرأة في نافذة. # الشاب ~~: # وفي المطعم شرقت حتى قذفت بما في معدتي. # الرجل ~~: # كنت تأكل بسرعة كأنك في سباق! # الشاب ~~: # وفي مقهى الشمس خسرت نقودي. # الرجل ~~: # كنت تبلف باستمرار حتى كشف ورقك. # الشاب ~~: # وفي دار الآثار وقعت على ركبتي المصابة للمرة الثانية. # الرجل ~~: # كنت شارد اللب وتحادث نفسك. # الشاب ~~: # وأخيرا أفسدت علي أجمل ثمرة في يومي. # الرجل ~~: # ألم توقظني من النوم بنفسك؟ ~~(الشاب يعاود ضحكته المكفهرة ثم يسود الصمت.) # الشاب ~~: # أليس لك أصدقاء؟ # الرجل ~~(متنهدا) ~~: # كلا. # الشاب ~~: # ألست رب أسرة؟ # الرجل ~~: # جربت حظي مرات ولكني لم أوفق! # الشاب ~~(يضحك رغما عنه) ~~: # لا مؤاخذة. # الرجل ~~: # العفو. # الشاب ~~: # أظن آن لي أن أذهب. # الرجل ~~(يتوسل) ~~: # كلا. # الشاب ~~: # ليس ثمة ما يدعوني إلى البقاء. # الرجل ~~: # فلنشهد الغروب معا. # الشاب ~~: # لا أحب الغروب. # الرجل ~~: # ثم نذهب إلى حانة «الأحمر والأبيض». # الشاب ~~: # لن أذهب! # الرجل ~~: # إذا كنت مفلسا فلا يهمك. # الشاب ~~: # لن أذهب. # الرجل ~~: # تكره مرافقتي؟ # الشاب ~~: # نعم. # الرجل ~~: # لا تجعل للخرافة سيطرة عليك. # الشاب ~~(محتدا) ~~: # إنك وراء ما فقدت من صحة ومال وحب! # الرجل ~~: # أقلع عن الخرافات. # الشاب ~~: # أقلع أنت عن نحسك. # الرجل ~~: # أتوسل إليك أن تبقى ولو حتى ساعة الغروب فحسب. # الشاب ~~: # وداعا. ~~(الشاب يمضي صوب الخارج بعزم وصرامة، الآخر ينظر إليه بأسف، عند ~~منتصف المسافة يتوقف الشاب فجأة، ويعلو صوته بالتأوه، ثم ينحني قابضا بيديه على ركبته، ~~الرجل يلحق به متسائلا.) # الرجل ~~: # مالك؟ # الشاب ~~: # ركبتي! # الرجل ~~: # مد ساقك، دلكها. # الشاب ~~: # نار .. نار موقدة! ~~(يثب راجعا على قدمه الأخرى حتى يجلس في أسفل الهضبة، يمد ساقه ~~السليمة ويثني الأخرى، ثم يتأوه من الأعماق.) # الرجل ~~: # ماذا حدث؟ .. كنت في غاية الصحة! # الشاب ~~: # الحق أنها لم تعد إلى حالتها الطبيعية أبدا! # الرجل ~~: # لكنك لم تشك طيلة الوقت. # الشاب ~~: # كان يعاودني ألم خفيف فظننته عابرا. # الرجل ~~: # حالة طارئة لا تلبث أن تزول. # الشاب ~~: # لعل وعسى. # الرجل ~~: # من المفيد أن تدلكها. # الشاب ~~: # لا أستطيع لمسها! # الرجل ~~: # حال بسيطة فيما أعتقد. # الشاب ~~(متأوها) ~~: # قلبي يحدثني بأن الأمر ms113 أخطر مما تتصور. # الرجل ~~: # لا تعتمد كثيرا على حديث قلبك. # الشاب ~~: # صدقني فإن الحال خطيرة حقا. # الرجل ~~: # أرجو أن تكون واهما. # الشاب ~~: # أريد إسعافا عاجلا! # الرجل ~~: # سأذهب لاستدعاء الإسعاف. # الشاب ~~: # وتعود بسرعة من فضلك. # الرجل ~~: # لا أظن؛ فإن أقرب تليفون يقع على مسيرة غير قصيرة. # الشاب ~~(بقلق) ~~: # لا تتركني وحدي طويلا. # الرجل ~~: # ماذا تخاف؟ # الشاب ~~: # المساء قريب، وهذه بقعة غير مأمونة لإنسان عاجز. # الرجل ~~: # وما الحل؟ # الشاب ~~: # هل يمكن أن أسير معتمدا عليك؟ # الرجل ~~: # سأضطر إلى حملك وهو ما أعجز عنه، جرب أن تسير على مهل. # الشاب ~~: # الحال أخطر مما تتصور. # الرجل ~~: # لا بد من حل، وبخاصة أنني لن أبقى بعد الغروب. # الشاب ~~: # ولكنك لن تتركني وحدي! # الرجل ~~: # أخشى أن أضطر إلى ذلك إذا لم تسعفني بحل. ~~(صمت وتأوه.) # الشاب ~~: # ولكنك لن تفعل ذلك. # الرجل ~~: # لا يمكن أن أبقى هنا إلى ما شاء الله، ولكني سأتلفن للإسعاف في طريق العودة. ~~(الشاب يرمقه بنظرة صامتة متألمة) # سأفعل من ~~أجلك ما لا تنتظره من رجل لا تعرفه ولا يعرفك. # الشاب ~~(بحياء) ~~: # حدثتني عن رغبتك في الصداقة وأمامك فرصة لربطنا برباط المودة إلى الأبد. # الرجل ~~(بشيء من الجفاف) ~~: # ولكنك رفضت يدي! # الشاب ~~: # اغفر لي غضبي الأحمق! # الرجل ~~: # الحق أنك كرهتني طوال الوقت. # الشاب ~~: # الإنسان عدو ما يجهله، ولكني سأعرفك من خلال سلوكك النبيل. # الرجل ~~(بنبرة لم يعد بها أثر من الرقة القديمة) ~~: # لا أقبل اصطياد صداقة تحت وطأة ظروف قاهرة. # الشاب ~~(بضراعة) ~~: # ولكنك إنسان كبير القلب. # الرجل ~~: # أول كلمة طيبة أسمعها منك. ~~(صمت.) # الشاب ~~: # ماذا تنوي أن تفعل؟ # الرجل ~~: # سأشاهد المغيب ثم أذهب. # الشاب ~~: # وتتركني عاجزا للخلاء والليل؟ # الرجل ~~: # لا حيلة لي في ذلك. # الشاب ~~: # سيكون سلوكك غير إنساني. # الرجل ~~: # لم ألق من السير وراء الناس إلا الصد والاتهام واللعنة! ~~(الشاب يتأوه) # أأنا الذي خلقت النحس حقا؟! (الشاب ~~يتأوه) كيف تعاملون التربي؟ .. إنه يواري جثتكم في التراب، يصون كرامتكم، يعرض ~~نفسه لألوان شتى من المخاطر، ويستحق في أحاديثكم التقليدية الجنة بغير حساب، ولكنه ms114 ~~لا يسعد في حياته بصديق واحد، ويمضي وحيدا كالوباء. # الشاب ~~: # الوقت يمر والحال تزداد سوءا. # الرجل ~~: # كم صددتني! كم أهنتني! ولم تصدق أنني إنسان إلا بعد إصابتك وقبيل الغروب. # الشاب ~~: # يا لسوء حظي! # الرجل ~~: # ها أنت تعود إلى اتهامي. # الشاب ~~: # لم أقصد هذا ألبتة. # الرجل ~~: # ألست النحس الذي سلبك المال والحب والصحة؟ # الشاب ~~: # سيدي! # الرجل ~~: # أين فتاتك؟ # الشاب ~~: # لا سبيل إليها الآن. # الرجل ~~: # أليست هي أولى بتمريضك مني؟ # الشاب ~~: # إنها لا تعلم بما حل بي. # الرجل ~~: # زهدت لوجودي في وصالك نفسه. # الشاب ~~: ~~(متأوها) أريد إسعافا. # الرجل ~~: # سأتلفن للإسعاف في طريق العودة. # الشاب ~~: # لا تتركني. # الرجل ~~(متأففا) ~~: # إنك مزعج في مرضك كما كنت مزعجا في صحتك. # الشاب ~~: # ألا ترى كم أنهكني المرض؟ # الرجل ~~: # ألا ترى كم أنهكني السير؟ ~~(صمت.) # الشاب ~~: # أليس لك خبرة بالإسعافات الأولية؟ # الرجل ~~: # لا خبرة لي بشيء. # الشاب ~~: # ولكنك في سن الحكمة والخبرة. # الرجل ~~: # أعرف كيف أسير على غير هدى، وأعرف كيف أسير في أعقاب إنسان أحمق، وأعرف كيف آمل ~~دواما في علاقة لا تتحقق أبدا. # الشاب ~~(بضراعة متأوهة) ~~: # لا تذهب. # الرجل ~~: # سأذهب عندما يجب الذهاب. # الشاب ~~: # لا تذهب. # الرجل ~~: # اعتدت أن يقال لي اذهب عندما أرغب في البقاء، وأن يقال لي لا تذهب عندما يجب ~~الذهاب. ~~(الشاب يتأوه، جو المغيب يهبط فيغطي الخلاء، الرجل يمضي إلى يسار ~~الهضبة ليتطلع إلى الشمس الغاربة.) # الشاب ~~: # لا تبتعد عن إنسان يتألم لتشاهد شمسا تغرب. # الرجل ~~: # صه، لا تكدر صفو الساعة؛ الساعة الفريدة، الوحيدة التي تلمس فيها حركة الشمس، ~~الوحيدة التي تنظر فيها إلى الشمس دون أن تصاب بالعمى، الوحيدة التي يرى فيها ~~الظلام وهو يزحف، الوحيدة التي أسمع فيها التوسلات بدلا من اللعنات، ها هي الشمس ~~تختفي تماما. ~~(الرجل يتحول عن موقفه متجها نحو الشاب ويرنو إليه دقيقة.) # الرجل ~~: # الوداع. ~~(ثم يسير على مهل نحو الخارج.) # الشاب ~~: # لا تذهب ~~(يواصل السير غير ملتفت إليه) # أستحلفك بالله. ~~(يواصل سيره) # انتظر! انتظر! ~~(الرجل يختفي) # عليك اللعنة! ~~(الشاب ينظر فيما حوله بخوف، الظلام ms115 يهبط رويدا رويدا حتى ~~يختفي كل شيء)، (تمر فترة قصيرة على تلك الحال) ~~(ثم تترامى أضواء من وراء الهضبة، ويسمع وقع أقدام قادمة. من ~~يمين الهضبة ومن يسارها يجيء رجلان حاملين مشعلين، يرتدي كل منهما سروالا ~~وصدارا أحمرين، يقفان على مبعدة من الشاب إلى اليمين وإلى اليسار، ويلازمان ~~الصمت طوال الوقت. يبدو الشاب على ضوء المشعلين مستغرقا في النوم، ثم يتبعهما ~~رجلان في أردية سوداء يحمل كل منهما سوطا وحبلا معقودا، يقفان عن يمين الشاب ~~ويساره وهما يحملقان في وجهه، يوثقان يديه وقدميه بإحكام، ثم يعودان إلى ~~وقفتهما ممعنين فيه النظر، الشاب يفتح عينيه، ينظر إلى الأمام في ذهول. يهم ~~بالحركة فيدرك أنه مكبل بالحبال، ثم ينتبه إلى وجود الرجال الأربعة، يردد عينيه ~~بينهم في دهشة ووجل) # من أنتم؟ وماذا تريدون؟ # الرجل 1 ~~(للرجل رقم 2 في تهكم) ~~: # إنه لا يعرفنا! # الرجل 2 ~~(في تهكم أيضا) ~~: # طبعا. إنه يرانا لأول مرة. # الرجل 1 ~~(للشاب) ~~: # أليس كذلك أيها المخادع المارق! # الرجل 2 ~~: # أنت لا تعرفنا، هه؟ # الشاب ~~: # آسف، لم أكن أفقت من النوم بعد. ~~(يركلانه بقدميهما فيصرخ.) # الشاب ~~: # الرحمة. # الرجل 1 ~~(ضاحكا) ~~: # ابن الأبالسة يطلب الرحمة! # الشاب ~~: # لا تحكموا علي بالظواهر، أنا بريء ... # الرجل 2 ~~: # نفس الكلمات، لا جديد، نفس الأكاذيب العفنة! # الشاب ~~: # كنت دائما حسن النية، ولكن الزمن عنيد. # الرجل 1 ~~: # الزمن، الزمن، ذلك المتهم الوهمي. # الشاب ~~: # الرحمة. # الرجل 2 ~~: # الرحمة؟ # الشاب ~~: # العدل. # الرجل 1 ~~: # لا يدري ماذا يطلب! # الشاب ~~: # الرحمة والعدل. # الرجل 2 ~~: # قلت الرحمة ثم العدل، فماذا تطلب الرحمة أم العدل؟ # الشاب ~~: # الرحمة والعدل. # الرجل 1 ~~: # لا تكن طماعا. # الرجل 2 ~~: # نحن لا نعطي عادة إلا الموت. # الرجل 1 ~~: # والرحمة والعدل لا يجتمعان. # الشاب ~~: # ولم لا يجتمعان؟ ~~(يركلانه مرة ثانية فيصرخ.) # الرجل 1 ~~: # هذا التأديب عدل لأنك تستحقه، فكيف يمكن أن تعامل بالرحمة في الوقت نفسه؟! # الرجل 2 ~~: # حدد أفكارك عما تريد، العدل أم الرحمة؟ # الرجل 1 ~~(بحدة) ~~: # العدل أم الرحمة؟ # الشاب ~~: # الرحمة، لعل الرحمة هي ما أريد. # الرجل 1 ~~: # ألست على يقين مما تريد؟ # الشاب ~~: # لست على يقين من شيء، لقد أنهكني التعب. # الرجل 2 ~~: # ألم ms116 تبدد الوقت بغير حساب؟ # الشاب ~~: # يلزمني شيء من الراحة لأحسن الإجابة، فكوا قيودي لأحظى ببعض الحرية. # الرجل 1 ~~(ضاحكا) ~~: # ها هو ينادي بالحرية كمطلب جديد! # الرجل 2 ~~: # الحرية بعد العدل والرحمة! # الشاب ~~: # أليست جميعها أخوات لا يفترقن؟ # الرجل 1 ~~: # ابن الأبالسة عقد بينها أواصر القربى ليطالب بالدنيا والآخرة! # الرجل 2 ~~: # استمر في الطلب إلى غير نهاية، وبلا حياء، ماذا تريد أيضا؟ ثورة؟ صحة؟ جاه؟ ما ~~رأيك في الحب؟ الذرية؟ طاقية الاختفاء؟ جناحين للطيران؟ هرمونات لتجديد الشباب؟ ~~مهضمات وملينات ومسهلات؟ فاتحات شهية؟ جواز سفر إلى جميع البلدان؟ ماذا تريد أيضا؟ # الشاب ~~: # بعض الرفق، نحن إخوة. # الرجل 1 ~~: # إخوة! من ناحية الأب أم من ناحية الأم؟! # الشاب ~~: # أعني أننا جميعا بشر. # الرجل 1 ~~: # تريد أن تستغلنا باسم البشرية، هه؟ ولأنك تتكون من نفس العناصر التي يتكون منها ~~الكون فسوف تحاول استغفال الكون كله، ماذا تريد أيضا؟ # الشاب ~~: # إني متألم فكوا قيودي. # الرجل 2 ~~: # تريد الحرية؟ # الرجل 1 ~~: # إن كنت تريد الحرية فاختر بنفسك الوسيلة التي نقتلك بها. # الشاب ~~: # لا تسخروا مني، لا تعارض يا سادة بين الحرية والعدل والرحمة! # الرجل 1 ~~: # كذبت، كل واحدة منها تستورد من بلد غير البلد التي تستورد منه الأخرى. # الرجل 2 ~~: # ويؤدى ثمنها الباهظ بالعملة الصعبة. # الشاب ~~: # إني متألم لحد العجز. # الرجل 1 ~~: # الحرية، أم العدل، أم الرحمة؟ # الرجل 2 ~~: # نريد جوابا صريحا غير متردد. # الرجل 1 ~~: # جواب صريح لا رجعة فيه. # الرجل 2 ~~: # إن أردت الرحمة قتلناك بلا تحقيق، وإن أردت العدل قتلناك بعد تحقيق، وإن أردت ~~الحرية فاقتل نفسك بالوسيلة التي تفضلها! # الرجل 1 ~~: # ماذا تريد؟ تكلم بوضوح وصراحة، العدل أم هرمونات تجديد الشباب؟ الرحمة أم جواز ~~سفر إلى جميع البلدان؟ الحرية أم أملاح الفواكه الفوارة؟ ما طريقة القتل المفضلة ~~لديك؟ ألك وصية بما يتعلق بجثتك؟ .. أترغب في دفنها؟ في حرقها؟ في تركها في الخلاء؟ ~~في شحنها إلى بلد معين؟ # الرجل 2 ~~: # ماذا تريدنا على أن نفعل بالذرات التي يتكون منها جسدك؟ أن نتركها للديدان؟ أن ~~نهبها للجمعية الطبية؟ أن نصنع منها قنابل مدمرة؟ # الشاب ~~: # لا سبيل إلى التفاهم فيما بيننا ms117 . ~~(يركلانه فيصرخ.) # الرجل 1 ~~: # لقد بددت وقتنا سدى، ألهذا أرسلناك؟ # الشاب ~~: # أرسلتموني؟ متى كان ذلك؟ لم يرسلني أحد! # الرجل 2 ~~: # يا لك من كذاب مخادع! ~~(يركلانه فيصرخ.) # الرجل 1 ~~: # أحقا لم يرسلك أحد؟ # الشاب ~~: # معذرة، ضعفت ذاكرتي من المرض والإنهاك، معذرة. # الرجل 2 ~~: # أم تريد أن تتنصل من المهمة التي كلفت بها؟ # الشاب ~~: # المهمة؟ # الرجل 2 ~~: # المهمة التي كلفت بها! # الشاب ~~: # أي مهمة؟ # الرجل 2 ~~: # يا لك من كذاب مخادع! ~~(يضربه بالسوط؛ الشاب يصرخ.) # الرجل 1 ~~: # وإلا فلماذا أرسلناك؟ # الشاب ~~: # أنتم صادقون وأنا معذور؛ الزحام هناك شديد، والأصوات مزعجة، وعملي اليومي استغرق ~~جل وقتي. # الرجل 1 ~~: # وما عملك اليومي؟ # الشاب ~~: # مدرس تاريخ. # الرجل 2 ~~: # حدثنا عن دروسك، ماذا فعل الإنسان القديم؟ # الشاب ~~: # اكتشف الزراعة، صنع التقويم، بنى الأهرام، هزم وانهزم ... # الرجل 1 ~~: # ألم يذكرك شيء من ذلك بمهمتك؟ # الشاب ~~: # كنت مستغرقا طوال الوقت. # الرجل 1 ~~: # ألم تخطر بذاكرتك ولو كالهمس؟ ~~(الشاب يصمت، الرجل 1 يضربه بالسوط فيصرخ متوجعا.) # الرجل 2 ~~: # اعترف. # الشاب ~~: # اللعنة على ذاكرة لا تسعف صاحبها بما يجب أن يتذكره. # الرجل 1 ~~: # كذاب! # الرجل 2 ~~: # اعترف بأنك تجنبت ذكر ما يجر عليك المتاعب. # الرجل 1 ~~: # مخادع جبان. # الشاب ~~: # جربوني مرة أخرى! # الرجل 1 ~~: # لتعبث بنا مرة أخرى. # الشاب ~~: # أعطوني رسالة مكتوبة كي لا أنسى. # الرجل 2 ~~: # وكيف نحيط بالظروف المتقلبة التي تواجهك؟ # الشاب ~~: # الزحام هناك شديد وهو خليق بأن يشتت الذاكرة. ~~(الرجل 2 يضربه بالسوط، الشاب يصرخ.) # الرجل 1 ~~: # ماذا فعلت بيومك الطويل؟ لم قصدت ميدان القلعة؟ # الشاب ~~: # كنت أسير على غير هدى. # الرجل 1 ~~: # تسير على غير هدى وأنت لم ترسل إلى هناك إلا لمهمة؟ # الشاب ~~: # كان اليوم عطلة. # الرجل 2 ~~: # ألم تقل لك القلعة شيئا يذكرك بمهمتك؟ # الشاب ~~: # زلت قدمي فوقعت على ركبتي. ~~(الرجل 2 يضربه بالسوط فيصرخ الشاب.) # الرجل 2 ~~: # ألم يوح المطعم لك بشيء؟ ولا المقهى؟ ولا دار الآثار؟ ولا صالة المزاد؟ ولا ~~عيادة الطبيب؟ ~~(الشاب يصمت في يأس.) # الرجل 2 ~~: # وماذا جاء بك إلى الخلاء؟ # الشاب ~~: # فتاة. # الرجل 2 ~~: # ولم اخترت للقاء مكانا هو أصلح لدفن الموتى؟ ~~(صمت) # لم يذكرك اللقاء بشيء عن مهمتك؟ # الشاب ~~: # ثمة رجل كريه كان ms118 يتبعني طول الوقت فشتت فكري. # الرجل 1 ~~: # حتى ذلك الرجل لم يذكرك بشيء! # الشاب ~~: # هو النحس نفسه، وقد أفسد كل شيء. ~~(الرجل 1 يضربه بالسوط فيصرخ الشاب.) # الرجل 1 ~~: # ضيعت وقتك ووقتنا يا جبان. # الرجل 2 ~~: # وكانت الفرص تناديك من كل جانب يا أعمى. # الرجل 1 ~~: # ولم نبخل عليك بالتحذير تلو التحذير. # الشاب ~~: # ما تلقيت تحذيرا قط. # الرجل 1 ~~: # كذاب، غبي، أعمى. # الشاب ~~: # الرحمة! # الرجل 2 ~~: # الرحمة أم العدل أم الحرية؟ # الرجل 1 ~~: # أم فاتحات الشهية، أم هرمونات الشباب؟ ~~(يضربان معا بالسوط وهو يصرخ متوجعا.) ~~(الرجل 1 يشير إشارة خاصة إلى الرجلين حاملي المشعلين، الرجل 1 ~~والرجل 2 يذهبان إلى مكانهما الأول وراء الهضبة.) # حامل المشعل ~~(مخاطبا الشاب) ~~: # لم تحن أسراب الطيور المهاجرة إلى أعشاشها التي تركتها في الجبل؟ ~~(يحمل الشاب بين يديه ثم يقول له) # تذكر أن الطفل ~~يبكي حين تنحيه أمه عن ثديها الأيمن، ولكنه يجد في اللحظة التالية سلوه في ثديها ~~الأيسر. ~~(يمضي حامل المشعلين في مشية متمهلة، والآخر ~~يتبعه حاملا الشاب بين يديه.) ~~(ستار) ms119