######OpenITI# #META# URI: 1434CabdGhaffarMakkawi.IslamSharikan.Hindawi60975190 #META# Tags: history :: philosophy #META# ID: 60975190 #META# Title: الإسلام شريكًا: دراسات عن الإسلام والمسلمين #META# AuthorID: 61957359 #META# Author: فريتس شتيبات #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 46308160 #META# Translator: عبد الغفار مكاوي #META# Related_books: 1427FritzSteppat.IslamAsPartner (TRANS) (TRANSL) #META#Header#End# # تمهيد‏ # 1 - حياة فريتس شتيبات وأعماله‏ # 2 - ملاحظات عن دور البحث العلمي في حوار الأديان1‏ # 3 - عشر قضايا عن الأصولية الإسلامية‏ # 4 - العلمانيون والإسلاميون ... محاولة مصرية لتصنيفهم1‏ # 5 - «الإيمان يعطي الأمل في النجاة» (مناقشات ~~معاصرة في الكتابات الإسلامية الواسعة الانتشار)1‏ # 6 - خليفة الله: قراءات عن صورة الإنسان في الإسلام1‏ # 7 - نحو تنظيم موحد للمسلمين في ألمانيا‏ # 8 - الذين آمنوا ولم يهاجروا ... البدو كجماعة ~~هامشية في المجتمع الإسلامي1‏ # 9 - الدور السياسي للإسلام‏ # 10 - عمر الأول1‏ # 11 - المسلم والسلطة‏ # المصادر والمراجع‏ # تمهيد‏ # 1 - حياة فريتس شتيبات وأعماله‏ # 2 - ملاحظات عن دور البحث العلمي في حوار الأديان1‏ # 3 - عشر قضايا عن الأصولية الإسلامية‏ # 4 - العلمانيون والإسلاميون ... محاولة مصرية لتصنيفهم1‏ # 5 - «الإيمان يعطي الأمل في النجاة» (مناقشات ~~معاصرة في الكتابات الإسلامية الواسعة الانتشار)1‏ # 6 - خليفة الله: قراءات عن صورة الإنسان في الإسلام1‏ # 7 - نحو تنظيم موحد للمسلمين في ألمانيا‏ # 8 - الذين آمنوا ولم يهاجروا ... البدو كجماعة ~~هامشية في المجتمع الإسلامي1‏ # 9 - الدور السياسي للإسلام‏ # 10 - عمر الأول1‏ # 11 - المسلم والسلطة‏ # المصادر والمراجع‏ # | الإسلام شريكا # | الإسلام شريكا # | دراسات عن الإسلام والمسلمين # تأليف # فريتس شتيبات # ترجمة # عبد الغفار مكاوي # | تمهيد # «لا قوام لأي فكر أو بحث بغير النقد الذي يبعث فيهما أنفاس ~~الحياة ويحولهما مع الزمن إلى فعل مؤثر ومغير ...» # عبد الغفار مكاوي ~~(1) كان على قرائه وأحبابه وتلاميذه المنتشرين في الغرب وفي الشرق ~~العربي والإسلامي أن ينتظروا سنوات طويلة قبل أن يتلقفوا - بلهفة ~~الممتن المشتاق - الكتاب الجامع الذي صدر في عام 2001م، وضم معظم بحوثه ~~ومقالاته التي عكف على كتابتها وألقاها في المؤتمرات طوال أكثر من ~~خمسين عاما (من 1944 إلى 1996م). والكتاب يحتوي على ثلاثين بحثا ~~ومقالا بالألمانية والإنجليزية بقيت مشتتة في كتب ومجلات استشراقية لا ~~حصر لها، منها أربعة عشر مقالا في التاريخ الإسلامي، والباقي في ~~التاريخ العربي الحديث، وكلها تشهد على إنصافه وتعاطفه وموضوعيته ~~التاريخية الدقيقة. وقد ظهر الكتاب تحت عنوان يدل على هذه المعاني ~~العلمية والإنسانية وهو «الإسلام شريكا»، وعلى غلافه صورة لمؤلفه ~~الأستاذ «فريتس شتيبات» (1933م-...) رائد الاستشراق الألماني منذ نهاية ~~الحرب العظمى الثانية، في العدد السبعين من «سلسلة النصوص والدراسات ~~البيروتية» التي أسسها ms001 بنفسه عندما كان يتولى رئاسة المعهد الشرقي ~~الشهير في بيروت (من سنة 1963 إلى سنة 1968م) وقبل عودته إلى موطنه في ~~مدينة برلين لتولي عمادة معهد العلوم الإسلامية بجامعتها الحرة (من سنة ~~1969 إلى سنة 1988م) واستمرار رعايته للدراسات الشرقية والإسلامية ~~ولأبناء البلاد العربية الذين تتلمذوا على يديه ~~وما زالت تربطهم به وشائج المحبة ~~والإجلال والعرفان، مقرونة بالتمنيات الصادقة بالشفاء من المرض الشديد ~~الذي ألم به قبل أكثر من ست سنوات ولم يمنعه من الحفاظ على جسور ~~التواصل والرعاية والاهتمام بتلاميذه وعارفي فضله. ~~(2) يعد «فريتس شتيبات» نموذجا رفيعا للعالم والباحث في العلوم ~~الإنسانية والتاريخ العربي والإسلامي بوجه خاص؛ فهو يجمع بين النظر ~~والعمل، ويؤلف بين العقلانية الدقيقة والتعاطف الدافئ والإنصاف الحكيم؛ ~~ينخرط في بحثه بكل طاقته، ويتأمله كذلك من مسافة بعد كافية، يشارك في ~~موضوعه بقلبه ومشاعره واهتمامه الشخصي، كما يحلله تحليلا موضوعيا ~~وتاريخيا نقديا من أكثر من منظور. ولا شك في أن تطور حياته وتقلب ~~مراحلها بين الإقامة في وطنه والعمل خارجه - لا سيما في القاهرة من سنة ~~1955 إلى سنة 1959م وفي بيروت من 1963 إلى 1968م - ورئاسته للعديد من ~~اللجان المشرفة على دراسة الشرق الإسلامي ومناهجها على مدى سنوات عديدة ~~امتدت حتى بدايات المرحلة التالية لإعلان الوحدة الألمانية ~~(1992-1993م)، مع مساهمته الفعالة في تأسيس ورعاية المركز العلمي ~~لدراسة الشرق الحديث الذي أصبح اليوم إحدى المؤسسات الثقافية المرموقة ~~في العاصمة الألمانية (وقد أوصى له بمكتبته الخاصة التي لم أر في ~~حياتي أروع ولا أضخم منها ...) - لا شك في أن كل ذلك مع خصاله الإنسانية ~~النادرة التي جعلت منه الأب والمعلم والراعي الأمين لكل من درس على ~~يديه أو اتصل به من أبناء العرب ومن عشرات الباحثين الألمان الذين ~~تعهدهم بتوجيهه وإشرافه - كل ذلك قد بوأه عن جدارة مكانة عميد ~~المستعربين في ألمانيا، وسكرتير جمعية المستشرقين الألمان، والصديق ~~الكبير لعشرات من الإخوة العرب المتخصصين في التاريخ العربي والإسلامي ~~قديمه وحديثه. ~~(3) قام «شتيبات» بدور كبير في الاهتمام بدراسة الشرق العربي الحديث، ~~وتنبيه الأجيال الجديدة ms002 من المستشرقين والمستعربين إلى أن لغات الماضي ~~وحضاراته ما تزال واقعا ينبض بالحياة ويؤثر تأثيرا مستمرا في ~~ميادين الفكر والعمل والحياة اليومية، والأزمات والقضايا الملحة في ~~وقتنا الراهن. ولا شك في أن إقامته الطويلة في القاهرة وبيروت قد أتاحت ~~له فرصة التعرف عن كثب على مشكلات العالم العربي والإسلامي، وتوجيه ~~أنظار شباب الباحثين إلى أن دراسة الواقع الحاضر بكل ظواهره لا تقل ~~أهمية عن دراسة الماضي الذي طالما استغرق جهود المستشرقين. # وهو من أوائل الذين انتبهوا إلى خطورة الكذبة الكبيرة التي يروج ~~لها، على أقل تقدير منذ أوائل التسعينيات، على ألسنة وأقلام بعض ~~الكتاب والعلماء المغرضين، وعبر وسائل الإعلام المزيفة والجاهلة، ~~وهي الكذبة التي تشيع أن الإسلام - بعد تفكك الاتحاد السوفييتي - هو ~~العقبة الكبرى أمام السلام العالمي، والخطر الأكبر الذي يهدد ما يسمى ~~بالعالم الحر، وأنه هو العدو الذي تتنافس في رسم صورته الإرهابية أقلام ~~متحيزة وأدوات اتصال مريبة. ولا بد أن نذكر أنه كان في طليعة الذين ~~انتقدوا مقالة صمويل هنتنجتون التي نشرها سنة 1993م في مجلة الشئون ~~الخارجية، تحت العنوان نفسه الذي ظهر به بعد ذلك كتابه المشهور عن صدام ~~الحضارات، وأنه كان من أوائل الذين تصدوا لآراء هذا الباحث المغالط ~~ففندها وكشف القناع العلمي الكاذب الذي تغطي به وجهها القبيح ~~وأهدافها المسمومة. وقد دحض أفكار هنتنجتون وبين أن الدين الإسلامي، ~~وأي دين آخر، لا يمكن بحكم طبيعته أن يكون عدوانيا أو يصدر عنه ~~العدوان أو يهدف إليه، وأن مسألة العداوة للغرب يجب أن تفهم من داخل ~~السياق التاريخي الذي تعيش فيه شعوب العالم الثالث، إسلامية كانت أو ~~غير إسلامية، وتشعر بتخلفها عن الدول الصناعية المتقدمة وتبعيتها لها، ~~كما تسعى بالضرورة سعيا متعثرا للتخلص من ذلك التخلف وتلك التبعية. ~~ومن هنا يقرر بكل ما أوتي من شجاعة وحكمة أن الإسلام لا يمثل أي تهديد ~~للعالم، بل إن العكس من ذلك هو الصحيح؛ فأكثر المسلمين يشعرون في عصرنا ~~الحاضر بأنهم مظلومون ومهددون. وإذا كان هذا الشعور قد تسبب في ms003 ظهور ~~بعض الاتجاهات اللاعقلية أو التصرفات المتطرفة - تجاه الأجانب والسياح ~~بوجه خاص في بعض البلاد العربية - فإن المسئول عن ذلك في المقام الأول ~~هو بعض القوى الغربية التي تهيمن على العالم، وتخون القيم والمثل ~~العليا التي تتشدق بها (مثل حق الشعوب في تقرير المصير، والديموقراطية ~~وحقوق الإنسان ... إلخ) وتطبق معايير مزدوجة تضر بمصالح الشعوب العربية ~~والإسلامية. وأقرب دليل صارخ على الظلم الواقع على المسلمين والعرب هو ~~مأساة البوسنة ومأساة فلسطين وما نكبتا به من مجازر وتدمير وتخريب ~~وتجويع. وإذا كانت هذه المآسي وأمثالها قد ولدت ردود الفعل العنيفة عند ~~بعض الحركات الأصولية المتشددة، فلا يجوز أن تدفع الغربيين إلى رسم ~~صورة مشوهة للإسلام كعدو للغرب، بل يجب أن تدفعهم للبحث عن أسباب هذه ~~الحركات المتطرفة، وتحثهم على مراجعة موازينهم ومعاييرهم المزدوجة، ~~وتقنعهم بتغيير مواقفهم المتحيزة - التي ترجع لأسباب قديمة ومعقدة - ضد ~~المسلمين والعرب، بحيث يبينون لهم أنهم يريدون أن يفهموهم لا أن ~~يحاربوهم ... (راجع بحثه في هذا الكتاب عن دور البحث العلمي في حوار ~~الأديان ومقاله عن الأصولية الإسلامية). وهكذا ينفي نفيا قاطعا أن ~~يرجع الصراعات الكبرى في عصرنا إلى الخلافات الدينية، ويدعو إلى الحوار ~~السمح بين الأديان، وتأكيد أوجه التشابه والتقارب والعناصر المشتركة ~~بينها، وضرورة إسهام الباحثين العلميين في هذا الحوار الذي لا بد أن ~~يعود بالخير على البشرية كافة ... ~~(4) والمستعرب والمؤرخ الكبير لا يمل التنبيه إلى تعدد الاتجاهات ~~والتيارات والحركات الإسلامية، وتأكيد الفروق الشديدة بينها، واختلاف ~~أهدافها ومشاريعها وتصوراتها لنهضة «الأمة» أو الجماعة الإسلامية. وهو ~~لا يمل كذلك دعوة الغربيين أن يبذلوا جهدهم لمعرفتها وتقدير الدوافع ~~الكامنة وراءها، والشروط والمواقف التاريخية التي نشأ بعضها على الأقل ~~كرد فعل لها. وهو يلح في كل مناسبة - كما سبق القول - على ضرورة تفهم ~~هذه الحركات الإسلامية لا محاربتها، ولا يخفي تعاطفه مع التيار المعتدل ~~الذي يدعو لاستقلال الأمة الإسلامية بهوية حضارية متميزة، ويشيد ~~بمحاولات عدد كبير من المفكرين المجددين والدعاة المجتهدين لتأسيس ~~مشروع حضاري يحمل الصبغة الإسلامية، ونموذج نهضوي يكون بديلا ms004 عن ~~النموذج الغربي ويخرج العرب والمسلمين من حالة التبعية المهينة للغرب ~~المتفوق (راجع مناقشته المنصفة - في المقال الرابع - لمحاولة تصنيف ~~الجماعات الإسلامية والعلمانية ومساندته لضرورة الحوار بينها). # وهو ينوه في مواضع كثيرة من دراساته ومقالاته بسماحة الإسلام، ومرونة ~~الشرع واتساع صدره - على مدى التاريخ الإسلامي - للعديد من التفسيرات ~~الخلاقة والاجتهادات المبدعة. بل إنه ليرجع أحد أسباب الضعف والتخلف ~~اللذين أصابا المسلمين، في القرون التي أعقبت ذروة مجدهم ونهضتهم ~~الوسيطة وحتى وقتنا الحاضر، إلى إغلاق أبواب الاجتهاد في تفسير النصوص ~~المقدسة، والتشبث بآراء القدماء لمجرد قدمها - على رغم تغير الظروف ~~التاريخية والاجتماعية والسياسية - والعجز عن التجديد والإبداع ~~والمواءمة بين «المثال» الثابت والواقع المتغير - ويكفي أن يراجع ~~القارئ مقاله المهم عن «النائب عن الله» الذي يتتبع فيه تطور فهم ~~المفسرين المختلفين لمعنى كلمة «خليفة» و«خلافة»، وذلك من الطبري إلى ~~علي شريعتي، ليرى كيف يرحب بالتفسيرات والتخريجات المختلفة لمعاني ~~الكلمتين، وكيف يؤكد أن النص القرآني نفسه يسمح بمرونة الاجتهاد في ~~التفسير إلى أقصى الحدود، ما دام الاجتهاد والتفسير يقعان داخل إطار ~~الإيمان الصادق والنظر العقلي الصائب. ~~(5) من الطبيعي أن يهتم المستشرقون بوجه عام بجوانب من ديننا ~~وتاريخنا وتراثنا وحضارتنا لا نعطيها نحن القدر الكافي من الاهتمام. ~~إن عين الآخر ترى ما لا نراه، وبحكم التعود والاطمئنان إلى ~~المألوف والموروث تغيب عنا دقائق تاريخية وخفايا اجتماعية كثيرة ~~ينتبه إليها الأجنبي الغريب بنظرة واحدة. من ذلك موضوع «البدو» أو ~~«الأعراب» الذين وصفهم القرآن الكريم بالذين # آمنوا ولم يهاجروا ~~... فهم الفريق الثالث، إلى ~~جانب المهاجرين والأنصار، الذين كان لهم وضع ديني وقانوني واجتماعي ~~يميزهم عن هذين الفريقين، كما كانت لهم مشكلات تستحق الاهتمام بها من ~~وجهة نظر التاريخ الاجتماعي والطبقي للإسلام (راجع المقال الثامن عن ~~الذين آمنوا ولم يهاجروا)، ولعلهم كانوا يمثلون دور «الهامشيين» أو ~~«الغرباء» الذين لم يندمجوا - على الأقل في فترة تاريخية معينة - في ~~الجماعة الإسلامية اندماجا كاملا، وظلوا متمسكين - حتى بعد دخولهم في ~~الإسلام - ببعض تقاليدهم وعاداتهم التي أخذوها ابنا عن أب ms005 عن جد، ~~من حياتهم القبلية وانتمائهم القديم الموروث للقبيلة الذي كان يفوق أي ~~انتماء آخر. وعلى الرغم من قصر هذه المقالة، فإنها في تقديري يمكن أن ~~تفتح الباب لبحوث أشمل عن أوضاع هؤلاء البدو المغتربين أو الهامشيين، ~~على الأقل في المرحلة المبكرة من تاريخ الإسلام. ~~(6) وتشهد الدراسات والمقالات المقدمة في هذا الكتاب على عمق ~~التعاطف العقلي والوجداني الذي يكنه المؤلف للإسلام والمسلمين (وربما ~~يرجع أحد أسباب هذا المنحنى الفكري الموضوعي النزيه إلى انتمائه لبلد ~~غير مثقل بتاريخ استعماري بغيض. ومن ثم لا تنطبق عليه الصورة التي ~~رسمها إدوارد سعيد والعلامة محمود محمد شاكر للاستشراق المسخر لخدمة ~~الاستعمار ...) وأوضح شاهد على هذا التعاطف المنصف والحكيم في وقت واحد ~~هو المقال القصير الذي كتبه في سنة 1989م عن حاجة المسلمين الذين ~~يعيشون في وطنه إلى تنظيم موحد يجمع شملهم على اختلاف لغاتهم وأصولهم، ~~ويقرب الخلافات المذهبية التي طالما تسببت في التفريق بينهم، بل ~~ودفعتهم في أوقات كثيرة إلى تجريد السيوف من أغمادها وكأنهم أعداء لم ~~يوحد بينهم دين السلام والإسلام لوجه الله الواحد الذي وجههم لقبلة ~~واحدة ... وقد كتب هذا المقال قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر المشئومة ~~والمريبة، أي قبل أن تنخرط منظمات عديدة وتكتلات ضخمة من بعض العناصر ~~اليهودية والمسيحية في تشويه صورة الإسلام والمسلمين، وتأليب القوى ~~الغربية الغبية على شن الحرب عليهم وكأنهم أعدى أعداء السلام والنظام ~~العالمي ... وأعتقد مخلصا أنه لو قدر للمؤلف أن يكتب هذا المقال بعد ذلك ~~التاريخ المشئوم لما تغيرت لهجته الطيبة المتعاطفة، ولكن ماذا نفعل وقد ~~أقعده المرض اللعين منذ حوالي سنة 1996م فحرمنا من نفثات قلم عالم ~~إنسان يندر وجوده اليوم في العالم الغربي؟ # وتتجلى أمانة «شتيبات» في عرضه الشامل للتطور السياسي والاجتماعي ~~والحضاري الحديث في بعض البلاد العربية والإسلامية. وتدفعه هذه الأمانة ~~إلى إلقاء الذنب في «خيبة الأمل» - التي تلخص الشعور العام للعرب ~~والمسلمين بعد فشل نظمهم الحديثة على اختلاف أشكالها في تحقيق تنمية ~~اقتصادية واجتماعية وإنسانية حقيقية - على كاهل الدول الصناعية ms006 ~~المتقدمة التي يرجع جزء كبير من «أزمة الوعي» في العالم العربي ~~والإسلامي إلى إحساس شعوبها بالتبعية لها والاعتماد عليها، سواء جاء ~~ذلك مباشرة من خلال مخترعات تلك الدول المتقدمة وأفكارها وخططها التي ~~استعارها العرب والمسلمون وجربوها دون نجاح يذكر، أو جاء بطريقة غير ~~مباشرة من «المتغربين» من أبنائها الذين حصروا كل جهدهم في نقل نموذج ~~«الحداثة» الغربية أو الدعوة للاقتداء بالغرب، بدلا من مراعاة ظروفهم ~~التاريخية والتراثية أو ظروفهم الحاضرة، ومحاولة وضع نموذج مستقل تتحقق ~~فيه الهوية الحضارية الذاتية بغير انغلاق عن الغرب ولا تهالك عليه. ~~وهذه الشجاعة التي لم تمنعه من تحميل الغرب المتقدم، بتاريخه ~~الاستعماري المجرم والظالم، مسئولية الأزمة وخيبة الأمل اللتين ذكرنا ~~مدى حدتهما، هي نفسها التي جعلته يفسر الدوافع الحقيقية وراء حركات ~~«الإحياء» أو «الصحوة الإسلامية» على اختلاف توجهاتها وأهدافها، وأن ~~يبرر احتجاجها على التبعية للقوى الأجنبية ونموذجها الحضاري، وسعيها ~~للبحث في الدين والتراث الإسلامي عن «السند الخاص» والمنبع الأصيل ~~لهويتها الحضارية. ولا شك في أن حيرة العربي والمسلم بين السندين ~~والمنبعين - الخاص والأجنبي - هي أحد الأسباب الأساسية الكامنة وراء ~~«وعيه الشقي» وخيبة أمله المريرة. بجانب أسباب أخرى ترجع - كما سبق ~~القول - لفشل النظم المختلفة في البلاد العربية والإسلامية وعجزها عن ~~تحقيق التنمية والتحديث والتقدم والتنوير ... إلخ، بصور واقعية ملموسة، ~~وأشكال قادرة على التطوير والتغيير الحقيقيين بدلا من التخفي وراء ~~الأقنعة الخطابية والبلاغية المكرورة (راجع بحثه المهم عن الدور ~~السياسي للإسلام، وتأمل تحليله لمسيرة الدولة الدينية في كل من إيران ~~وباكستان وليبيا، والمشكلات والعثرات التي ما زالت تقع فيها، وسوف تشعر ~~شعورا واضحا بأنه يميل إلى موقف «الحداثيين» الذين نجحوا - على رغم ~~الاعتراضات المستمرة من جانب الأصوليين التقليديين وعلماء الدين - في ~~تأكيد أن وجود الدولة المرتكزة على الشرع لا يتعارض بأي حال من الأحوال ~~مع التأثر الصحي بثقافة الغرب ومحاكاته - محاكاة حرة وخلاقة - في ~~علمه وتقدمه واحترامه للحقوق الإنسانية كافة لإقرار السيادة الشعبية ~~وتبني النظم الديموقراطية، كتداول السلطة، وانتخاب رئيس الدولة وممثلي ~~البرلمان انتخابا شعبيا ...) أي ms007 إنه يقف - في هذا المقال وفي غيره - في ~~صف التفسير الخلاق للنصوص الشرعية بما يلائم الضرورات والحاجات ~~المتغيرة بتغير الزمن وظروف الحياة، كما يعبر هنا وفي مواضع أخرى عن ~~يقينه الراسخ بأن الإسلام يقدم للمسلم مجالا واسعا للاجتهاد وتقديم ~~تفسيرات جديدة وشجاعة للنصوص الشرعية، واتخاذ قرارات خاصة قد تسير به ~~إلى الأمام أو ترجع به إلى الوراء. ~~(7) ويتضح المنهج التاريخي النقدي الذي يتبعه المؤلف بأجلى صورة في ~~بحثه عن «عمر الأول» - أي عمر بن الخطاب رضي الله عنه - الذي كان وسوف ~~يبقى رمزا خالدا للعدل الخالص، وقدوة عالية لكل حاكم في تاريخ هذه ~~المنطقة التي ما فتئت تشتاق إلى العدل (منذ عهد «جلجاميش» طاغية أوروك ~~- كما نعرفه من أساطير السومريين ومن الملحمة البابلية الشهيرة - حتى ~~كبار الطغاة وصغارهم في العصر الحديث). ويحلل المؤرخ الكبير الحكايات ~~والأساطير التي نسجت حول هذه الشخصية النادرة، ويشرح الظروف التاريخية ~~التي نشأ فيها وغيرته كما غيرها، أو أنتجته - كما نقول اليوم - ~~وأنتجها: كيف تمت كبرى الفتوح الإسلامية بفضل حكمته وتوجيهه وصلابة ~~عزيمته، وكيف «دون» الدواوين لمواجهة مقتضيات المد الإسلامي في بلاد ~~جديدة وحضارات عريقة، وكيف استطاع أن يدمج القبائل العربية النافرة في ~~موكب الإيمان الزاحف وتحت راية الرسالة الجديدة الموجهة للبشر كافة، ~~وكيف أصر حتى النهاية على التوحيد بين العروبة وعالمية الإسلام في كيان ~~جوهري واحد. هل نقول إن هذا التاريخ المجيد من صنع عمر أم إن عمر نفسه ~~من صنعه؟ ولكن عمر لم يكن ليفهم هذا السؤال وأمثاله، ونظرية البطل ~~والبطولة في صنع التاريخ - كما تبناها كارلايل والعقاد، أو كما تصورها ~~هيجل في زعمه بأن «دهاء العقل» أو الروح المطلق يسخر الأبطال العظام ~~لتحقيق أغراضه - هذه النظرية لا تصلح أيضا لتفسير عظمة هذه الشخصية ~~التي جسدت المثل الإسلامي الأعلى في الواقع أو قربته منه إلى أقصى حد ~~تقدر عليه طاقة البشر. لقد كان عمر نفسه يتخذ ما اتخذ من قرارات حاسمة ~~وصارمة وهو يعلم أنه مجرد أداة لتحقيق خطة إلهية عهد إليه بتنفيذها، ~~ومن ms008 ثم تجلت عظمته في «اختراق التراث» واستلهامه وتفسيره على نحو ~~خلاق للاستجابة للظروف التاريخية والحضارية الجديدة، وبذلك استطاع أن ~~يشكل هذه الظروف التي عملت عملها كذلك في تشكيله. وبذلك يبقى عمر ~~نموذجا للحفاظ على التراث وتجديده في آن واحد، وصوتا محذرا من ~~التمسك العبودي به من ناحية، ومن تجاهله والقفز فوقه عن جهل ورعونة من ~~ناحية أخرى. ~~(8) وتصل الرحلة إلى نهايتها مع البحث الطويل المهم عن «المسلم ~~والسلطة» الذي يتناول قضية «تطبيق الشريعة» وتاريخ الدولة الإسلامية ~~منذ أن كانت مثلا أعلى تحقق في الواقع في ظل الدولة الإسلامية الأولى ~~التي أسسها الرسول - عليه السلام - في المدينة، إلى أن ابتعد المثال ~~بالتدريج عن الواقع، وتنكر شيئا فشيئا للمبادئ الإسلامية نفسها في ~~انتخاب الخليفة وتعيينه والمساواة بين الحكام والمحكومين أمام الله ~~والشرع، وذلك منذ أن أصبح الحكم في عهد الأمويين ملكية دنيوية ووراثية، ~~واضطر بعض علماء الدين في العصر العباسي إلى تبرير وجود الأمير الغاصب ~~والظالم والطاعة له درءا للفتنة، بعد أن أصبح الخليفة تابعا تبعية ~~مطلقة للقواد المرتزقة في عهد البويهيين والسلاجقة - وذلك عملا ~~بالحديث المنسوب إلى الرسول: إمام ظالم غشوم خير من فتنة تدوم - وكيف ~~أثر هذا على مر التاريخ في موقف المسلم من السلطة بحيث أصبح - على ~~الأقل منذ محنة ابن حنبل حتى يومنا الحاضر - هو موقف «التقية»: أي ~~تبرير الخضوع المطلق للسلطة التي يرى المسلم وجهيها في وقت واحد: الوجه ~~«الأبوي» الذي يتصور أنه يحميه ويكفل له أمنه ورزقه، والوجه الظالم ~~الكريه الذي لا حيلة له معه وليس في وسعه تغييره ولا التمرد عليه - على ~~الأقل في الأوساط السنية - خوفا على نظام الدنيا ووحدة الجماعة ~~واتقاء للفتنة. والمهم أن البحث يبين مدى صعوبة «تطبيق الشريعة»، ~~وفشل كل المحاولات التي بذلت - بعد دولة المدينة الأولى - عبر التاريخ ~~الإسلامي لتقريب المثال من الواقع وتحقيق المبادئ الإسلامية في السياسة ~~العملية. ولعل الباحث يريد أن يقول إن الدولة الدينية تنتمي إلى عالم ~~المثل الذي يستحيل تحقيقه في الدنيا وفي واقع البشر، ولكن ms009 يمكن أن ~~نعاين ظله على الأرض عندما نعيش في حمى دولة «متدينة» تهتدي بأنوار ~~الدين وتأخذ في الوقت نفسه بالأساليب الحديثة المتفق عليها في ~~الديموقراطية أو الحكم بالشورى (كانتخاب رئيس الدولة، وسيادة الشعب، ~~وتعددية الأحزاب والمنابر، وتداول السلطة، وتحقيق المساواة بين ~~الحكام والمحكومين أمام الشرع والقانون، واحترام حقوق الإنسان ~~وحرياته الأساسية في التفكير والاعتقاد والتعبير والنقد). ولعل التجارب ~~الأخيرة في تأسيس الدولة الإسلامية - كما ناقشها في بحث سابق عن الدور ~~السياسي للإسلام وتمثلت في باكستان وإيران وليبيا وغيرها من المحاولات ~~العشوائية القصيرة العمر - لعل هذه التجارب، التي لم يكتب لها ~~الاستقرار حتى اليوم، أن تقنع المسلمين بأن تطبيق الشرع في هذه الدنيا ~~ممكن إذا استطاعوا تحقيق التوازن بين متطلبات الدين والمتطلبات التي ~~تفرضها روح العصر وضروراته وحاجاته المتجددة كل يوم بل كل لحظة. ~~(9) تلك هي البحوث والمقالات «الإسلامية» التي عرضناها في هذا الكتاب ~~عرضا أمينا ودقيقا بقدر الطاقة. وراعينا في ترتيبها أن نبدأ بأحدثها ~~- من حيث زمن كتابتها - وأشدها التصاقا بظروفنا وقضايانا المعاصرة ~~(وهي ترجع إلى سنة 1996م)، وصولا إلى البحوث المبكرة التي يرجع أحدها ~~إلى منتصف السبعينيات. وقد رأيت من الضروري، لكي تكتمل رؤية المستعرب ~~الكبير للتاريخ العربي والإسلامي أمام القارئ العربي، أن أقدم تلخيصا ~~وافيا لأبرز بحوثه ومقالاته عن جوانب مهمة من تاريخ العرب الحديث، ~~وبدايات حركة القومية العربية في سوريا ولبنان، ونكبة فلسطين، ومشكلات ~~النظام الثوري في مصر بعد انهيار الوحدة مع سوريا، ونظام التعليم قبل ~~الاحتلال البريطاني لمصر ومشروعات إصلاحه عند طه حسين، فضلا عن عرض ~~مقالين عن روايتين لهما أهميتهما الفكرية والفنية معا، وهما طواحين ~~بيروت وأولاد حارتنا. # ونبدأ بمقال مبكر (يرجع إلى سنة 1944م) عن تحولات الاستقلال ~~اللبناني. ويلاحظ الكاتب في البداية أن لبنان بلد له وضعه الخاص، على ~~رغم أنه كان على الدوام جزءا من الشام، وهو يتتبع مراحل تاريخه منذ أن ~~فتح المسلمون سوريا وخلصوها من السيادة البيزنطية في سنة 635م، ودعم ~~فيها الخلفاء الأمويون (من 660 إلى 750م) دولتهم ولم يفكروا في ms010 ~~الاستيلاء على لبنان ولا اكترث كذلك الخلفاء العباسيون بالإمارات ~~الصغيرة التي بدأت تتكون فيه. وعرف الصليبيون أهمية الموقع ~~الاستراتيجي للبنان فأسسوا فيه «بارونيات» و«دوقيات » عديدة، مما ساعد ~~الجماعات المسيحية على تأكيد وضعها، لا سيما بعد انضمام المارونيين في ~~سنة 1182م إلى الكنيسة الكاثوليكية. # ويواصل الكاتب تتبعه لتاريخ لبنان من التنوخيين الذين خضعوا للدولة ~~العثمانية في بداية القرن السادس عشر، إلى الشهابيين الذين حاولوا ~~تأسيس دولة لبنانية مستقلة وتحالفوا مع محمد علي في تمرده على الباب ~~العالي، ثم ذهبت ريحهم بعد أن مني بالهزيمة واضطر في سنة 1840م ~~للانسحاب من سوريا. ثم يتحدث عن العلاقات الحميمة التي ربطت المارونيين ~~اللبنانيين بفرنسا. وذلك منذ الحروب الصليبية وحملة نابليون الفاشلة ~~على سوريا في سنة 1799م إلى أن أصبحت فرنسا حتى يومنا الحاضر هي سقف ~~الحماية الذي يستظل به المسيحيون اللبنانيون الذين كانوا - من خلال ~~اتصالهم بالغرب - رواد النهضة العربية ثم رواد حركة القومية العربية ~~بعد أن انتبهوا إلى خطر الهيمنة الغربية وأدركوا - بحكم اللغة والتراث ~~والمصالح المشتركة - أنهم جزء لا يتجزأ من العالم العربي. وهكذا انتهت ~~أولى مراحل الاستقلال بثورة اللبنانيين في سنة 1916م على الحكم ~~العثماني. # وبعد إعلان وصاية فرنسا على لبنان في أبريل سنة 1920م، طالب ~~المارونيون باستقلال لبنان بمساعدة فرنسا وحمايتها. وأعلن المندوب ~~السامي الفرنسي الجنرال جورو قيام دولة لبنان الكبير في اليوم الأول من ~~شهر سبتمبر سنة 1920م - وبدأت خلافات الشعب اللبناني مع وصاته الذين ~~أخذوا يعوقون استقلاله الحقيقي بشتى الطرق. ولما زحفت أمواج الثورة ~~السورية الكبرى على الاحتلال الفرنسي في سنة 1925م؛ حاول الفرنسيون ~~إرضاء اللبنانيين، وسمحوا لمجلسهم النيابي بوضع دستور الجمهورية ~~اللبنانية الذي أعلن في شهر مايو سنة 1926م وتكون في أثره المجلس ~~الوزاري والمجلس النيابي، وتولى رئاسة الحكومة الشيخ الماروني بشارة ~~الخوري الذي لم يلبث أن استقال من منصبه، وأخذت تتداول كراسي السلطة ~~شخصيات عديدة؛ مما أدى إلى حل المجلس النيابي وفشل أول دستور ~~لبناني. # وتبنت دولة الوصاية سياسة جديدة اقتدت فيها بالسياسة التي اتبعتها ms011 ~~إنجلترا مع العراق ومصر، فأحلت معاهدتي التحالف والصداقة مع فرنسا ~~(نوفمبر 1936م) محل الوصاية. وسارع المفاوض اللبناني بإعلان استقلال ~~لبنان على الرغم من بقاء قوات الاحتلال حتى اتفاق آخر، مما أثار دعاة ~~الوحدة العربية وأشعل نيران الغضب والقلق. ولم تلتزم فرنسا لا ~~بالمعاهدة التي أبرمتها مع سوريا ولا مع لبنان، ودفعتها ظروف الحرب ~~العظمى الثانية إلى حل البرلمان وإلغاء الدستور (سبتمبر 1939م) وعجزت ~~سياستها عن حمل السكان - باستثناء المارونيين - على التعاون معها. ونشب ~~الصراع على القوة بين فرنسا وبريطانيا العظمى آنذاك على مراكز سلطاتهما ~~في الهلال الخصيب. وتحت شعارات الاستقلال للبلدين زحفت القوات ~~البريطانية وقوات ديجول في صيف سنة 1941م على سوريا ولبنان فاحتلتهما، ~~وأعلنت الولايات المتحدة أيضا أنها تضمن هذا الاستقلال الوهمي ... ~~وتوالى الصراع بين الأحزاب اللبنانية المختلفة حتى كلف رياض الصلح - ~~المعروف بحماسه للوحدة العربية وعروبة لبنان - بتأليف الوزارة، وشرع في ~~تعديل الدستور وحذف كل المواد التي تشير فيه إلى الوصاية من قريب أو ~~بعيد. وغضب مندوب فرنسا وأمر (في الحادي عشر من نوفمبر سنة 1943م) ~~باعتقال رئيس الجمهورية - بشارة الخوري - ورئيس الوزراء رياض الصلح. ~~وكان من الطبيعي أن يثور الشعب وتشتعل نيران الغضب، وأن يستمر الصراع ~~بين الفرنسيين والإنجليز على الهيمنة والسيطرة. وبدأت الولايات المتحدة ~~والاتحاد السوفييتي تشاركان في اللعبة لأخذ نصيبهما من غنيمة الشرق ~~الأوسط. وأفلحت بريطانيا في عرقلة أي تدخل من جانب واشنطن وموسكو في ~~شئون الشرق، ونافقت العرب على طريقتها فمالأت أمانيهم وطموحاتهم، ووقفت ~~في الظاهر ضد سياسة ديجول، كما وقفت الشعوب العربية والإسلامية في صف ~~الكفاح اللبناني من أجل الاستقلال باعتباره جزءا لا يتجزأ من قضية ~~الوحدة العربية الشاملة. # تلك كانت تجربة لبنان الصعبة في سنة 1944م، أي قبل إعلان انتهاء ~~الحرب العظمى الثانية بما يقرب من عام واحد. ولأن المؤلف ينتمي - كما ~~سبق القول - إلى بلد لا تثقل ضميره ولا ذاكرته ذنوب تاريخ استعماري لأي ~~بلد شرقي أو عربي، فليس غريبا عليه أن يتعاطف مع طموح لبنان وكفاحه في ~~سبيل الاستقلال عن ms012 فرنسا (بالرغم من حرص المارونيين حتى اليوم الحاضر ~~على الحفاظ على العلاقات الثقافية وصلات الود معها)، وفي سبيل الانضمام ~~إلى صفوف الأمة العربية في وقت كانت قد ارتفعت فيه الأصوات المنادية ~~بإنشاء الجامعة العربية، وبدأت فيه المشاورات والاجتماعات التي سبقت ~~إعلان مولدها. ولعل أهم ما في هذا المقال وأدله على تفهم «شتيبات» ~~لقضية العرب الأولى والأخيرة أنه يؤكد ضرورة اندماج لبنان في الكيان ~~العربي الأكبر وتماهي مصالحه الذاتية مع المصلحة العربية العامة، كما ~~يعبر بصدق عن تطلعه لاستقلال العرب جميعا عن فرنسا وبريطانيا والغرب ~~كله. ~~(10) ونأتي إلى مقاله المبكر أيضا عن طريق الأمة الجزائرية (1961م) ~~الذي يشيد فيه بالكفاح الأسطوري للشعب الجزائري في سبيل الاستقلال ~~(الذي كتب عنه في مقالات سابقة نشرت في «أرشيف أوروبا» من سنة 1958 ~~إلى سنة 1961م) كما يخصص المقال لبيان المقدمات الروحية والاجتماعية ~~التي عززت حركة التحرير المجيدة وزودت شعلة ثورتها بالوقود ~~الضروري. # ويبدأ المؤلف بالكلام عن الوعي القومي عند الجزائريين بين الذين ~~يؤكدون وجوده والذين ينكرونه (من دعاة الجزائر الفرنسية). ثم يتتبع ~~نشأة هذا الوعي القومي وتكوينه نتيجة ردود الفعل الساخطة على فظائع ~~الاستعمار الفرنسي وجرائمه السياسية والاقتصادية، ويرصد بداياته الأولى ~~بعد نهاية الحرب العظمى الأولى على يد علماء الدين المسلمين قبل غيرهم ~~من «النخب» الجزائرية التي تربت في المدارس الفرنسية التي زيفت وعيها ~~فلم ينتبه لبشاعة «الفرنسة» إلا بالتدريج. واندلعت شرارة التمرد الأول ~~الذي تفجر في ليلة الواحد والثلاثين من أكتوبر سنة 1954 فأيقظت ~~الغافلين على صحوة الوعي القومي الجزائري، كما أججت نيران التعصب ~~والتشبث بشعارات الفرنسة عند المستعمرين من قصار النظر ومحدودي الأفق. ~~ولكن اكتشاف أول شبكة كبرى لجبهة التحرير الجزائرية في السادس من ~~فبراير سنة 1956، والحكم بالإعدام على بعض أعضائها وتنفيذ ذلك الحكم ~~الأعمى في التاسع عشر من شهر يونيو من العام نفسه؛ أديا إلى تصاعد ~~لهيب ثورة التحرير من تلك الشرارة الأولى، وإلى تماهي الشعب مع الثوار، ~~وتزايد القمع والاضطهاد من جانب المستعمرين الذين أخذوا يكتشفون مدى ~~تجذر جبهة التحرير في أرض ms013 الجماهير. # ويتتبع الباحث تطور «الثورة المنظمة» التي لم تكن مجرد تمرد فوضوي، ~~ويتحدث عن قيادتها الوطنية والجماعية التي ينفي عنها أي تبعية لموسكو ~~أو أي تأثر بالشيوعية، كما يشيد بتصميمها المستمر على رفض أي نوع من ~~التبعية لفرنسا أو أي بديل عن الاستقلال والاعتراف بحق الجزائر في ~~تقرير المصير، واعتراضهم القوي على اقتطاع الصحراء الكبرى بكنوزها ~~الغنية وضمها إلى فرنسا لدى أي حل أو تفاهم منتظر، كل هذا يشرحه المؤلف ~~بروح التعاطف والإنصاف لهذه الثورة المجيدة وقادتها، وذلك قبل حصول ~~الجزائر على الاستقلال الكامل بعد كتابة المقال بعام واحد. ~~(11) ويعرض المؤلف في مقاله عن ~~«بداية مرحلة جديدة في مسيرة الثورة الناصرية» (1962م) للصدمة القاسية ~~التي أدمت قلوب المؤمنين بالوحدة العربية على أثر انفصال «القطر ~~السوري» في الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من شهر سبتمبر سنة 1961م ~~عن «القطر المصري» وتصدع ما كان يسمى بالجمهورية العربية المتحدة التي ~~لم تكد تعمر ثلاث سنوات بعد إعلان قيامها في الأول من شهر فبراير سنة ~~1958م، ولكن قسوة الصدمة ومرارتها لم تثن عزيمة عبد الناصر عن التمسك ~~بالوحدة العربية، ولا عن استكمال البناء الثوري في مصر - قاعدة هرم ~~الوحدة الكبرى - من خلال تطوير الاقتصاد لزيادة الإنتاج والدخل، ~~والتوزيع العادل للثروة، وتعديل الدستور، والتوسع في التصنيع - ابتداء ~~من الخطة الخمسية التي بدأت سنة 1957م - وإشراك الشعب في تحمل مسئولية ~~العمل الجماعي عن طريق الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي. ويناقش ~~المقال عناصر هذا البرنامج الثوري الذي كان يهدف - كما قال عبد الناصر ~~في الخطاب الذي ألقاه في الخامس من ديسمبر سنة 1957م - إلى خلق مجتمع ~~اشتراكي وديموقراطي وتعاوني: إجراءات التأميم والمصادرة والتوسع في ~~القطاع العام، وتطبيق قوانين يوليو الاشتراكية الشهيرة، والعمل على ~~تحقيق نوع من الديموقراطية «الموجهة» - التي لم يشارك فيها الشعب قط ~~مشاركة حقيقية، لا لأن وعيه لم يبلغ بعد درجة كافية من النضج، كما زعم ~~بعض المسئولين آنذاك، بل لأن الإجراءات البيروقراطية والبوليسية كانت ~~من التعقيد والجفاف والقسوة بحيث لم تجذب الناس لتطويق رقابهم بنير ms014 ~~العمل السياسي الذي تمسك الدولة القمعية بكل خيوطه - والمهم بعد كل شيء ~~أن الأهداف الكبرى للثورة الناصرية - كزيادة الإنتاج، وإقامة العدل ~~الاجتماعي، ومشاركة المواطنين في العمل العام - لم تكن لتتحقق، كما ~~تمنى النظام الحاكم، بالوسائل التي اختارها تحت إشرافه ورقابته. ويبدي ~~المؤلف في النهاية مخاوفه من أن تؤدي الطرق التي اختار النظام الناصري ~~السير فيها إلى كارثة تهدد عربة النظام والبلاد كلها بالسقوط في ~~هاويتها. ومع أنه يتمنى في آخر المقال ألا يحدث هذا، وأن يتكفل الزمن ~~بنجاح التجربة، فإن النكسة الفاجعة التي حلت بالنظام وبالبلاد كلها بعد ~~كتابة هذا المقال بست سنوات حققت مخاوفه ولم تصدق نبوءته ~~الطيبة. ~~(12) والجدير ذكره أن المؤلف كتب بعد مرور سنتين على المقال السابق ~~(أي في سنة 1964م) مقالا آخر مفعما بالمحبة والتقدير والبصيرة عن ~~جمال عبد الناصر وجهوده في بداية الثورة للبحث عن «طريق خاص» لم يلبث ~~أن وجده - بعد تجارب مريرة من المحاولة والخطأ - فيما سمي بعد ذلك ~~بالاشتراكية العربية - وهو يتابع فيه مساعي عبد الناصر ورفاقه لتعبيد ~~طريق التحديث العقلاني والإصلاح الجذري (كما يتجلى في قانون الإصلاح ~~الزراعي ومحاربة الإقطاع واحتكار رأس المال وقانون الأحوال الشخصية ~~وإلغاء المحاكم الشرعية، وفي قانون إصلاح جامعة الأزهر وتحديثها ~~بالدراسات العلمية المواكبة للعصر، والنهوض بأوضاع المرأة ومنحها حق ~~الانتخاب، وتنظيم الأسرة للحد من الانفجار السكاني، والتخطيط للتنمية ~~الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على جميع المستويات وغير ذلك من ~~القوانين الصادرة في يوليو سنة 1961م وما نص عليه «الميثاق» في عام ~~1962م). وكأنما يريد المؤلف ضمنا أن يقول إن ثورة عبد الناصر أصبحت هي ~~اليد العسكرية التي تنفذ في الواقع بعض أفكار الإمام محمد عبده ~~وتلاميذه وأتباعه العظام من رواد حركة التنوير، وفي مقدمتها فكرة عدم ~~التعارض ولا التناقض بين الوحي والعقل، ولا بين الشريعة والتقدم العلمي ~~والاجتماعي. # ومع الاعتراف بكل هذه الجهود المخلصة، وبأن معظم تصورات الثورة ~~ومفاهيمها عن الإصلاح لم تنبع من مصادر أجنبية بل من تاريخ مصر الحديث ~~في مواجهة العالم الغربي، فإن الثورة الناصرية ms015 لم تنجح في رفع مستوى ~~معيشة الشعب ولا في تقريبه من الدولة - دع عنك تحقيق التماهي بينهما - ~~وربما يرجع أهم أسباب ذلك الفشل إلى عجز الأدوات والوسائل التي ~~استخدمها النظام وضراوتها وقسوتها في آن واحد (البيروقراطية الجاهلة ~~والانتهازية من ناحية، ومصادرة الحريات والاعتقال والتعذيب المخيف من ~~ناحية أخرى ). وعلى الرغم من ترديد الزعيم أن الثورة هي ثورة الشعب، ~~وأنها تتعلم من حكمة الشعب، فإن هذا لم يمنع الشعب نفسه من الإحساس ~~بخيبة الأمل في كثير من الإجراءات «الثورية» التي زادت من سلبيته وسوء ~~ظنه بالسلطة، وشدة وعيه بالانفصام بين الكلام والفعل، بين الشعار ~~الرنان والواقع البائس - ولعل ذلك كله يرجع أيضا فيما يرجع إليه ~~للقرارات الدكتاتورية المفاجئة والمتعجلة، واللجوء للإجراءات العنيفة ~~في إدارة الثورة (وفشل الإدارة هنا وفي كل مجال آخر قد كان وما يزال هو ~~الطامة الكبرى ورأس المصائب كلها)، أي يرجع للاستبداد الفردي الذي ألقى ~~عبء التطوير الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي على عاتق جهاز بيروقراطي ~~جاهل وفاسد، ومع ذلك فإن المقال في مجموعه يقوم على فهم الثورة من ~~داخلها وفي سياق ظروفها التاريخية المحددة، كما يقترب منها بكل التعاطف ~~والإنصاف والتقدير لمبادئها ومثلها، مع الاحتفاظ بحقه في نقدها نقدا ~~موضوعيا ومشفقا في الوقت نفسه من مغبة جموحها وعنفها ... وإذا كانت ~~«النكسة» قد كشفت الغطاء - بعد كتابة هذا المقال بثلاث سنوات - عن أن ~~التطوير والتغيير الحقيقيين مستحيلان في غياب الحرية والديموقراطية ~~الحقيقية، فإن ذلك لا يقلل أبدا من قيمة التعاطف والإنصاف اللذين ~~يبديهما الأستاذ شتيبات، في تناوله للثورة ومراحل تطورها وإيجابياتها ~~وسلبياتها حتى تاريخ كتابة مقاله في سنة 1964م برؤية المؤرخ الدقيق ~~والمشارك معا ... ~~(13) وقد اهتم المؤرخ الكبير اهتماما خاصا بنشأة الوعي القومي ~~العربي وبداية حركة القومية العربية في السبعينيات والثمانينيات من ~~القرن التاسع عشر في كل من سوريا ولبنان وهو يلقي الضوء على هذه القضية ~~في بحثه المنشور سنة 1969م عن «حركة الأعيان السوريين بين عامي 1877 ~~و1878م»، وهو يبين فيه كيف بدأت هذه الحركة على يد خمسة من المسيحيين ms016 ~~الشبان الذين ألفوا جمعية سرية التفت - مع بقية النخب المسيحية المثقفة ~~- حول الكلية البروتستنتينية السورية (التي أصبحت في وقت لاحق هي ~~الجامعة الأمريكية في بيروت) لبعث الوعي القومي العربي والدعوة ~~لاستقلال سوريا ولبنان، وفي الوقت نفسه قامت حركة أخرى لتحقيق الهدف ~~ذاته وكتب لها أن تكون أكثر وضوحا وأقوى تأثيرا، وهي «حركة الأعيان ~~السوريين» التي تكونت في ثمانينيات القرن التاسع عشر بعد هزيمة ~~الدولة العثمانية في حربها مع روسيا (1877-1878م) هزيمة ساحقة، وخوف ~~العرب في الشام من أن تستغل إحدى القوى الأوروبية تلك الفرصة فتبدلهم ~~بالاحتلال العثماني السيئ احتلالا أوروبيا أسوأ منه. # هكذا تألفت تلك الجماعة تحت قيادة اللبناني أحمد باشا الصلح ~~(1818-1893م) وعقدت مؤتمرها الأول الذي ضم ثلاثين من أعيان المسلمين في ~~سنة 1878م، وقرر المطالبة باستقلال البلاد الشامية وتتويج المجاهد ~~الجزائري الأمير عبد القادر ملكا عليها (وكان يقيم في ذلك الحين في ~~قصره في «دمر»، واشترط على أعضاء المؤتمر الإبقاء على «الرابطة ~~الروحية» مع الدولة العثمانية والحصول على مبايعة جميع السكان من مختلف ~~الطوائف والمذاهب). # كتب المؤلف هذا البحث بمناسبة ظهور كتاب «سطور الرسالة» الذي وضعه ~~«عادل الصلح» حفيد قائد جماعة الأعيان التي سبق ذكرها، وظهر في بيروت ~~سنة 1966م فلفت الأنظار إلى تلك الحركة التي كانت مجهولة وشبه منسية، ~~وجمع فيه من فم والده «محمود منح الصلح» (1856-1920م) ومعلمه أحمد عباس ~~الأزهري (1853-1927م) مادة شفاهية غزيرة قام بوضعها في سياقها التاريخي ~~الأشمل، وناقش مدى دقتها واحتمالات صدقها وتطابقها مع الواقع. # ويتابع الباحث قصة هذه الحركة، والأخبار التي وردت عنها في بعض كتب ~~السير الشيعية والمارونية، وأسماء أعضائها العاملين الذين ثبتت أسماء ~~سبعة منهم على الأقل، مع أسماء عدد آخر من المنتمين للحركة من مختلف ~~الطوائف والجماعات الدينية (السنة والشيعة والعلويين والدروز، بجانب ~~أحد القادة المسيحيين المنادين باستقلال «الجنس العربي» و«القبائل ~~العربية» عن الدولة العثمانية «الظالمة والمهملة للشريعة»، وهو ~~الماروني «يوسف بك كرم» (1823-1889م) الذي ثبت أنه أجرى اتصالات مختلفة ~~مع الأمير عبد القادر الجزائري بشأن استقلال ms017 الشام، وإن لم يثبت ~~انتماؤه الفعلي للحركة سابقة الذكر). # ويتابع الباحث تأسيس جمعية المقاصد الخيرية في بيروت (1878م) في صيدا ~~(1879م) بفضل أحد أعضاء الحركة، وهو محمود منح الصلح، كما يتوقف عند ~~نبأ النشرات الثلاث التي طالبت باستقلال الشام وعلقتها الحركة في ~~بيروت، ولما بلغ خبرها إلى أسماع الباب العالي في إسطنبول أقيل مدحت ~~باشا (1822-1883م) بسببها ونقل إلى أزمير. # 1 # ويستطرد الباحث فيتحدث عن تأسيس المحفل الماسوني السوري واللبناني في ~~دمشق وبيروت، ودورهما في الجمع بين الطوائف الدينية المختلفة، والصلات ~~القائمة بينهما وبين المحفل الماسوني بالقاهرة والمحافل الأوروبية، وعن ~~انتماء بعض أعضاء حركة الأعيان السوريين والحركة الإسلامية الثائرة على ~~الاحتلال البريطاني - مثل الأفغاني ومحمد عبده - إلى هذه المحافل ~~السرية، وذلك فضلا عن الأمير عبد القادر الجزائري نفسه، ومع ذلك فلم ~~تزل حقيقة هذه العلاقات المتشابكة قيد البحث، كما أن حركة الأعيان ~~نفسها التي أسست سنة 1877م لم يكد يسمع لها صوت بعد زوال الأزمة ~~التركية على أثر توقيع معاهدة الصلح مع روسيا (1878م)، وبعد تعرض بعض ~~أعضائها للنفي أو للعيش تحت الحصار. والمهم بعد كل شيء أن الجمعيتين ~~السريتين لشباب المثقفين المسيحيين وأعيان سوريا المسلمين قد تعاونا ~~معا على المطالبة بالاستقلال عن الدولة العثمانية، وأشرق معهما فجر ~~الوعي القومي العربي في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، وعبرا عن ~~الرغبة القوية في تأسيس دولة شامية مستقلة يتآخى فيها المسلم والمسيحي ~~والدرزي، لا سيما بعد المذابح الدموية التي جرت سنة 1860م في جبل لبنان ~~وفي دمشق، بسبب الصراع بين الدروز والمسلمين والمسيحيين. # 2 # ولا شك في أن المناخ الذي ساد بعد هذه المذابح قد ساعد على ~~تقارب أبناء جميع الطوائف الدينية والعلمانية في سبيل الاستقلال وخوفا ~~من التدخل الأوروبي، ويكفي أن تلك الفترة الزمنية التي لا تزيد على ربع ~~القرن قد شهدت تأسيس الجمعية العلمية السورية، وجمعية المقاصد الخيرية، ~~والمدرسة الوطنية التي فتح بطرس البستاني أبوابها لأبناء الوطن الشامي ~~بغير تفرقة أو تمييز ... ~~(14) ونأتي إلى مقال طريف يلقي الضوء على عراقة الشعور ms018 بالوحدة ~~الوطنية بين العرب من مسيحيين ومسلمين، وعلى بزوغ فجر الوعي الوطني ~~بالاستقلال وبالوحدة العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر ... والمقال ~~بعنوان: «عقد اجتماعي في مدينة فلسطينية» (ويرجع تاريخ كتابته لعام ~~1947م) ويورد المقال نص وثيقة أو حجة مهمة ترجع إلى سنة 1854 ~~ميلادية/1270 هجرية، وتحتوي على «عقد اجتماعي» جرى توقيعه بأيدي ممثلي ~~الطوائف الدينية في مدينة الناصرة وبعض القرى المجاورة لها. وقد وجد ~~المؤلف هذه الوثيقة في كتاب «تاريخ الناصرة للقس البروتستنتي أسعد ~~منصور» (طبع مطبعة الهلال، القاهرة 1924م) ... والموقعون على هذه الوثيقة ~~النادرة ثلاثة وعشرون من سكان الناصرة وقريتين قريبتين منها «المشهد ~~واكسال»، بجانب تسعة وثلاثين من الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك ~~والمارونيين والفرنسيسكان والبروتستنت، وكتب الوثيقة «العبد الفقير إلى ~~الله محمد أمين الفاهوم» نائب الناصرة - أو قاضيها - في ذلك الحين ... ~~وتنص الوثيقة على عدة بنود تؤكد تعهد أهالي الناصرة من شتى الطوائف ~~الدينية على التعاون فيما بينهم لمواجهة الشر والفساد، وردع الطغيان ~~والعدوان من جانب اللصوص وقطاع الطريق والأشقياء الخارجين عن طاعة ~~«الدولة العلية»، ومن لم يرتدع منهم بالتي هي أحسن يقتل وتوزع ديته ~~على «المتعامين» (أي على المتعاقدين أو المتعاهدين الذين صاروا ~~كأولاد الأعمام) من أهل الناصرة - وإن قتل أحد المتعامين وأخذت ~~ديته فثلث ديته إلى وارثه خاصة والثلثان إلى المتعامين. والجدير ذكره ~~أن الحجة حفظت عند وكيل دير الناصرة لتكون سندا لهم إلى ما شاء ~~الله ... # تلك هي وثيقة «المعامة» - أي عهد «العمومية» - أو العقد الاجتماعي ~~الموقع بأيدي أولاد العمومة من الطوائف الدينية المختلفة لدرء الشر ~~عنهم. ولعل أهل الناصرة قد أخذوا الكلمات التي تدل على وحدة أبناء ~~العمومة من قبائل البدو التي كانت تحيط بهم أو كان بعضها يستوطن ~~الناصرة، إذ يعتبر كل من ينتمي إلى القبيلة من أبناء العم، كما أن بعض ~~التفاصيل الأخرى عن توزيع الدية وتوريثها مأخوذ عن القوانين المعمول ~~بها لدى تلك القبائل. # وأهم ما يلفت النظر في هذه الوثيقة أنها تضم مختلف الطوائف الدينية ~~في وحدة أو عصبة واحدة لمواجهة الشر ms019 والأشرار، وأنها تحاول أن تضفي على ~~هذه الوحدة طابعا شرعيا بوضعها في إطار الشريعة الإسلامية (لاحظ أن ~~كاتب الوثيقة قاض مسلم، وأنه يستخدم فيها مصطلحات ومفاهيم من الشريعة ~~الإسلامية كما يذكر في نهايتها أنها وقعت بشهادة أربعة شهود ...) وأنها ~~تلجأ إلى بعض التقاليد القبلية السائدة - كالثأر والدية - لحل المشكلات ~~التي تعترض المجتمع عن طريق تقاليد قبلية أخرى - «كالمعامة» التي تنص ~~عليها الوثيقة - وأنها أخيرا لا توحد بين عائلات أو قبائل، وإنما توحد ~~بين طوائف وجماعات دينية مختلفة من حيث المذهب، ولكنها ذات مصلحة واحدة ~~وهدف واحد. # ولكن ما الظروف التي أدت إلى توقيع هذه الوثيقة أو التي أحاطت ~~بها؟ # إن القس البروتستنتي أسعد منصور الذي وضع عنها كتابه المذكور من قبل ~~ليس لديه إلا القليل الذي يقوله عن هذه الظروف: الاضطراب والفوضى ~~اللذان عما البلاد بين عامي 1854 و1855م وأديا إلى الاعتداءات على ~~أهالي الناصرة، والقحط والجدري اللذان انتشر وباؤهما في فلسطين في ~~الفترة نفسها، ووقوف الحكومة عاجزة عن مواجهة القلاقل والحيلولة دون ~~سفك الدماء في الجليل والخليل والمناطق الجبلية المحيطة بهما. أضف إلى ~~ذلك الخلافات القائمة بين الطوائف المسيحية (التي بدأت تفد على المدينة ~~وتثبت أقدامها فيها منذ بداية القرن السابع عشر، بعد أن كان المسيحيون ~~قد تركوها تماما إثر استعادة المسلمين لفلسطين في أواخر الحروب ~~الصليبية وتدمير الظاهر بيبرس لمدينة الناصرة سنة 661 للهجرة/1263 ~~ميلادية)، إلى جانب الصراعات التي كانت تنشب بين العائلات الكبيرة على ~~«مشيخة» الطوائف والجماعات الدينية المختلفة؛ إذ كان الوالي العثماني ~~في صيدا ينتخب من هذه العائلات «مختارا»، وهي كلمة استبدلتها السلطة ~~بكلمة «الشيخ» بعد انتهاء الاحتلال المصري للشام في سنة 1840م. # وأخيرا فإن من أهم ما يجذب الانتباه إلى هذه الوثيقة المصطلح الذي ~~تستخدمه للدلالة على توحد أبناء الطوائف والجماعات الدينية، كما يتوحد ~~أبناء العم، في مواجهة خطر مشترك «عهد عمومية، متعامين، تعاموا، ~~المعامة» ولكن جذر الكلمة ومشتقاتها - لا سيما الاسم عم والفعل عم ~~والصيغة المصدرية «المعامة» - يمكن أن تنطوي أيضا على معنى «العامة» ~~في مقابل ms020 الخاصة، كما يمكن أن تذكرنا على نحو ما بالحركات «العامية» ~~التي كانت تطلق في العصر نفسه في لبنان على هبات «العامة» أو ثوراتهم ~~الشعبية للمطالبة بتغييرات معينة في ظروف حياتهم الاجتماعية والسياسية ~~والمعيشية، وتحملهم على تجميع صفوفهم كما يفعل أبناء العم ~~«المتعامون»، وتجعلهم يتجاوزون كل الحدود الاجتماعية والدينية في وعي ~~جماعي منظم يطمح إلى التغيير بالحسنى والوسائل السلمية قبل اللجوء إلى ~~وسائل الردع المذكورة في الوثيقة. وهكذا ارتبطت كلمتا العم والعام ~~والعامة في دلالات هذه «المعامة» التي وحدت مشاعر الفئات والطوائف ~~المختلفة، وأطلقت في فضاء النفوس تلك الشرارة التي سرعان ما اشتعلت ~~نيرانها وتوهجت أنوارها في وعي قومي ثائر على العثمانيين ثم على ~~الفرنسيين، ووضعت الأسس الضرورية في أواخر القرن التاسع عشر للوعي ~~العربي الحق، والوحدة العربية المأمولة ... # وإذا كان مؤلف الكتاب الذي ورد فيه نص الوثيقة لا يخبرنا عن أي أثر ~~مباشر أو ملموس لها في واقع الحياة في مدينة الناصرة، فربما تكمن ~~أهميتها التاريخية في أنها تعكس، أو على الأقل توحي، بملمح من تلك ~~الوحدة التي ربطت بين الطوائف الدينية المختلفة في مرحلة متأخرة، ومن ~~المؤكد أنها تعطينا لمحة بديعة عن وحدة الوعي العربي الذي هب ثائرا ~~في وجه الطغيان الأجنبي، وما زال يسعى لتحقيق حلمه الأكبر بالوحدة ~~العربية. ~~(15) ونأتي إلى دراسات المؤلف عن مشكلة التعليم في العالم العربي ~~ومصر بوجه خاص، ونكتفي منها بدراسته عن مشروعات التعليم في مصر قبل ~~الاحتلال البريطاني. # 3 # لقد ظل نظام التعليم الإسلامي طوال العصر الوسيط وحتى ~~بدايات العصر الحديث يحقق وظيفته في تزويد النشء بالمعارف الدينية ~~(تحفيظ القرآن الكريم والإلمام ببعض العلوم الدينية وبعض المهارات ~~العملية كمبادئ الحساب - وتأكيد وعيهم بالانتماء للأمة الإسلامية أو ل ~~«دار الإسلام»). وقد حاولت بعض الحكومات استغلال هذا التعليم لتحقيق ~~مصالحها وأغراضها - كما فعل السلاجقة السنيون بتأسيس «المدارس» لمكافحة ~~التأثيرات الضارة لبعض المذاهب والقوى المناوئة. لم تكن هذه المدارس ~~الإسلامية بوجه عام تمثل جزءا من نظام الدولة أو من جهازها الإداري، ~~غير أن الأحوال تغيرت في النصف ms021 الأول من القرن التاسع عشر عندما أنشأ ~~محمد علي «مدارسه» الحديثة لتدريب المهنيين والحرفيين على اختلافهم ~~لخدمة «دولته». لم يهتم محمد علي أدنى اهتمام بأن يكون التعليم ~~«وطنيا» أو«شعبيا» أو لتحصيل المعرفة أو العلم لذاته. صحيح أن قرار ~~تأسيس المدارس الأولية في سنة 1836م قد جاء فيه أن أحد أهدافه هو «نشر ~~مبادئ العلوم بين الأهالي» (ارجع للكتاب القيم المهم لأحمد عزت عبد ~~الكريم عن تاريخ التعليم في عهد محمد علي، القاهرة 1938م، ص681، وكذلك ~~ص149 وما بعدها ...) ولكن يبدو أن هذا كان مجرد كلام يردد صدى المثل ~~المعمول بها في أوروبا دون اقتناع حقيقي من الحاكم. يدل على هذا أن ~~محمد علي ينصح ابنه إبراهيم في أحد توجيهاته المكتوبة في الوقت نفسه ~~على وجه التقريب بألا يتعدى التعليم حدود التدريب على خدمة الدولة ~~(المرجع السابق ص30-40). ولكن إبراهيم نفسه كان فيما يبدو أكثر ~~انفتاحا على القيم والمثل العليا للتعليم الأوروبي، فقد صدق في سنة ~~1847م - عندما كان هو الحاكم الفعلي مكان أبيه - على مشروع مقدم من ~~«إبراهيم أدهم» - ناظر ديوان المدارس الذي تلقى تعليمه في إنجلترا - ~~بتأسيس عدد من المدارس الأولية الحكومية التي كان من المفترض فيها أن ~~تعطي الطلاب ما يزيد على الحاجة لمجرد «تدريب خدام» للحكومة، والجدير ~~ذكره أن أول محاولة لإدخال المناهج الغربية في التعليم قد تمت في هذه ~~المدارس التي أطلق عليها اسم «مكاتب الملة»، وكانت الكلمة الأخيرة في ~~أواخر القرن التاسع عشر تستخدم بمعنى مرادف لكلمة الوطن. # 4 # مهما يكن الأمر فقد أهمل مشروع هذه المكاتب بعد وفاة محمد علي وابنه ~~إبراهيم في سنة 1848م. وجاء حاكما مصر التاليان وهما عباس الأول ~~(1848-1854م) وسعيد (1854-1863م) فلم يقدما شيئا يذكر للنهوض ~~بالتعليم، ومع ذلك فلا بد من الإشارة إلى المشروع الموسع الذي قدمه ~~إبراهيم أدهم لسعيد بعد توليه الحكم مباشرة، بتأسيس نظام جديد للمدارس ~~الشعبية التي تشرف عليها الحكومة وتأخذ بالمناهج الأوروبية في التعليم ~~وتدمج فيها المدارس التقليدية بالتدريج. وقد نص هذا المشروع على أن ms022 ~~تقدم هذه المدارس للأطفال قدرا طيبا من التعليم العام الذي ينفعهم ~~في مختلف ميادين حياتهم، كما استبعد أساليب القهر التي اتبعتها المدارس ~~في عهد محمد علي، فنص كذلك على أن يكون الدخول فيها اختياريا، وألا ~~يرغم التلاميذ على المبيت فيها، بل يصرح لهم بالبقاء مع عائلاتهم. ~~وعلى رغم أن عددا كبيرا من الآباء رحبوا بالنظام المقترح وبعثوا ~~بالتماساتهم الحارة لقبول أبنائهم - وذلك بسبب الاهتمام المتزايد لدى ~~المصريين بالتعليم الحديث الذي رأوا نماذجه في المدارس الأجنبية التي ~~تزايد عددها منذ منتصف القرن التاسع عشر (لا سيما في عهد سعيد)، وإن ~~كان بعضها قد وجد منذ منتصف القرن السابع عشر ومنتصف القرن الثامن عشر ~~(المرجع السابق، ص670) - على رغم ما سبق ذكره فإن المشروع كله لم يخرج ~~إلى حيز التنفيذ، وإن ثبت بعد ذلك أنه لم ينس تمام النسيان ... # ولعل أحد أسباب تزايد اهتمام المصريين بالتعليم الحديث هو إعجابهم ~~بنماذج المدارس الأجنبية الحديثة التي تصاعد عددها في عهد سعيد كما سبق ~~القول، بحيث بلغ عند وفاة سعيد تسعا وخمسين مدرسة، ثم قفز عدد المدارس ~~التي أسستها الجاليات الأجنبية والأقلية القبطية (افتتح كيروللوس ~~الرابع بطريرك الأقباط أول مدرسة قبطية حديثة في سنة 1853م) إلى 127 ~~مدرسة في عهد إسماعيل (1863-1879م) ووصل عددها في سنة 1878م إلى 146 ~~مدرسة فتحت أبوابها كذلك لأبناء المسلمين. # ولا شك في أن تكاثر هذه المدارس يرجع، لحد كبير، إلى تصاعد أعداد ~~المهاجرين الأوروبيين إلى مصر منذ أن بدأت مع الحملة الفرنسية وفي عهد ~~محمد علي، إلى أن بلغت ذروتها أثناء حفر قناة السويس وازدهار التجارة ~~في القطن المصري - بعد توقف السفن الحاملة للقطن الأمريكي إبان الحرب ~~الأهلية من 1861 إلى 1865م - بحيث بلغ عدد الأجانب الأوروبيين في هذه ~~السنة الأخيرة ثمانين ألف مهاجر. وقد بدأ هؤلاء المهاجرون قصة تحكمهم ~~الطويل في تجارة البلاد وصناعتها ومصارفها المالية، وهو التحكم الذي ~~يرجع في جانب منه على الأقل إلى تفوق التعليم الذي تلقوه في بلادهم أو ~~في المدارس الأجنبية المذكورة التي بدأ كذلك أبناء ms023 المصريين المسلمين ~~من الطبقات الميسورة في الإقبال عليها من أوسع الأبواب، لا لتحريك ~~ألسنتهم بلغات أجنبية فحسب، بل لتعلم المهارات النادرة والمناهج ~~الجديدة في البحث والتفكير، على نحو ما فعل المبعوثون منذ عهد محمد علي ~~بعد عودتهم إلى البلاد. وقد واكب هذا الإقبال المد المتصاعد للمشاعر ~~الوطنية والإحساس المتزايد بالحقوق المدنية. ويكفي القول في هذا الصدد ~~بأن أول كتاب سياسي بالمعنى الدقيق في تاريخ مصر الحديثة قد ظهر سنة ~~1869م، وهو كتاب تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز أو الديوان النفيس ~~بإيوان باريز (القاهرة 1323 هجرية/1905 ميلادية، ص79، 187، 188، 196 ~~وبعدها) لإمام التنوير الحديث رفاعة رافع الطهطاوي الذي سبق له أن ساهم ~~في مشروع إبراهيم أدهم السالف الذكر الذي قدمه سنة 1854م، كما قدم في ~~كتاب آخر (وهو مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية) مشروعا ~~متكاملا لتحقيق السعادة للوطن المصري يقوم فيه التعليم بالدور الحاسم ~~عندما يبدأ تعليم الأطفال، قبل التدريب المهني والفني، بتعريفهم ~~بحقوقهم وواجباتهم المدنية. وكان لهذا الكتاب تأثير هائل وغير مسبوق في ~~الفكر المصري في القرن التاسع عشر، وانتشرت آراؤه في «المجالس» التي ~~كانت تعبر عن الرأي العام، كما أخذت بها معظم الصحف السياسية التي ~~أسست في تلك الفترة، وعمل عمله في تصاعد النقد الساخط على الحكم ~~المستبد وسوء الظن بالأجانب المستغلين. واشتدت الحاجة - تحت تأثير ~~الدعوة الثورية لجمال الدين الأفغاني - إلى تعليم ثوري يعيد مجد ~~الإسلام القديم ويستخدم سلاح الغرب - أي علومه ومعارفه الجديدة - ~~سلاحا يحارب به الغرب المستغل، ويمكنه من الإطاحة بنظم الحكم ~~الشرقية المستبدة. وازداد الاهتمام بالتعليم - باعتباره الطريق الوحيد ~~للتحرر - عند الجناح المعتدل من الإصلاحيين الوطنيين مثل الشيخ حسين المرصفي. # 5 # ويستعرض المؤلف أحوال المدارس في عهد إسماعيل الذي رفع صوته - أمام ~~قناصل الدول الغربية بعد توليه الحكم مباشرة (في العشرين من شهر يناير ~~سنة 1863م) معبرا عن اهتمامه «بالمدارس التي هي أساس كل تقدم» - ثم ~~لم يلبث بعد ذلك بأيام قليلة أن أعاد فتح ديوان المدارس الذي أغلقه ~~سعيد في سنة 1854م، واهتم بإصلاح المدارس العسكرية ms024، وأمر بفتح مدرسة ~~أولية وأخرى ثانوية في كل من القاهرة والإسكندرية، والغريب أن البداية ~~الحقيقية لهذه السياسة التعليمية الجديدة قد توافقت مع قيام أول برلمان ~~مصري في سنة 1866م، وهو مجلس شورى النواب الذي كان من أبرز مهامه النظر ~~في مشكلة المدارس وتطوير التعليم. ففي أول دورة انعقاد لهذا المجلس (من ~~نوفمبر 1866 إلى يناير 1867م) قدم اقتراح بإنشاء مدرسة أولية في ~~جميع المديريات، وتحول الاقتراح إلى مشروع تبناه المجلس في يناير ~~1867م، وطالب فيه بقبول جميع التلاميذ بغض النظر عن ديانتهم أو طبقتهم ~~الاجتماعية، وبمجانية التعليم والغذاء والكساء أيضا عند اللزوم. ~~وسرعان ما صدقت الحكومة على المشروع، ودعت الشعب للمساهمة في الدعم ~~المالي له إلى جانب الدخل المخصص له من الأوقاف، وأسندت الإشراف عليه ~~للمهندس الواسع الأفق والمربي الكفء علي مبارك الذي عين (في الثاني ~~عشر من أكتوبر 1867) وكيلا لديوان المدارس ثم ناظرا له. وشكل مجلس ~~الشورى لجنة من العلماء والأعيان لإعداد قانون المدارس الأولية الذي ~~صدر في عام 1868م، وكان من أهم بنوده إصلاح الكتاتيب وإدماجها في نظام ~~المدارس الحديثة تحت إشراف الدولة، وإضافة مادة الحساب إلى تعليم ~~القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن الكريم على يد الفقيه (أو المؤدب كما ~~طولب بتسميته وكان في الغالب كفيف البصر ...) ويعاونه «عريف» يشترط فيه ~~الإلمام بالقراءة والكتابة. أما الكتاتيب الكبيرة التي يزيد فيها عدد ~~التلاميذ على السبعين فقد نص القانون على التوسع في منهجها الدراسي ~~بحيث يضم الاقتصاد والتاريخ والجغرافيا، بالإضافة إلى تعلم لغة ~~أجنبية. # ومما يدل على انتشار مفهوم الأمة والوطن في الوعي الجمعي أن مشروع ~~المدارس السابق الذكر قد نص على أن «جميع المسلمين والأقباط هم أبناء ~~الوطن»، ولذلك فتحت المدارس الأولية بجميع مستوياتها - لا سيما في ~~المدن والمراكز - لأبناء جميع المصريين. وقد ذكر أحمد شفيق سنة 1870م ~~(في كتابه مذكراتي في نصف قرن، القاهرة، 1934-1937م) أن الكتاتيب قبلت ~~أبناء الأقباط، كما أن البابا كيريللوس بطريرك الأقباط - الذي أسس أول ~~مدرسة قبطية حديثة في سنة 1853م كما سبق القول - فتح أبوابها ms025 لأبناء ~~المسلمين (أحمد عزت عبد الكريم، تاريخ التعليم في عصر محمد علي، ~~القاهرة، 1938م، 668)، وبتأثير من هذا الوعي الوطني بدأت السياسة ~~التعليمية تتجاوز مهمة تخريج موظفين للدولة وتتجه للتعليم الشعبي ~~بمعناه الواسع. والدليل على ذلك أنها بدأت - بعد التصديق على مشروع ~~المدارس الأولية في سنة 1868م - في تأسيس مدارس البنات، وكلفت رفاعة ~~الطهطاوي نفسه - الذي سبق أن دعا إلى تعليم البنات في كتابه مناهج ~~الألباب المصرية - بتأليف كتاب مدرسي للأولاد والبنات (وهو كتاب المرشد ~~الأمين للبنات والبنين، 1872م، الذي احتوى على عدد من الأفكار التربوية ~~الجديدة من أهمها الدعوة إلى التعليم المختلط لإعداد الأولاد والبنات ~~للحياة الزوجية ...) وفتحت أول مدرسة للبنات أبوابها في سنة 1873م ثم ~~تبعتها مدرسة أخرى في سنة 1874م. وتجلت الروح الوطنية أو الأهلية ~~الجديدة في السياسة التعليمية في تأسيس مدرسة للصم والمكفوفين في سنة ~~1875م، وفي إدراك علي مبارك أن النهوض بمستوى المدارس من ناحيتي الكم ~~والكيف لا يتوقف على الموارد والمنح المالية فحسب، وإنما يعتمد قبل كل ~~شيء على المدرس الكفء، ولذلك أسس أول مدرسة عليا للمعلمين، وهي دار ~~العلوم التي افتتحها في القاهرة في شهر يوليو سنة 1871م. # 6 # كما تجلت أيضا في إقدام عدد من الأفراد ومن الجمعيات ~~الخيرية في القاهرة والإسكندرية سنة 1878م - بتشجيع من الخديو إسماعيل ~~قبل انتهاء حكمه بعام واحد، وبفضل الجهود التي بذلها خطيب الثورة ~~العرابية عبد الله النديم - بتأسيس عدد كبير من المدارس الأولية أو ~~«المكاتب الأهلية» التي أشرفت الحكومة بعد ذلك على إدارتها والارتفاع ~~بمستوى مناهجها. وعلى الرغم من الصعاب والمشكلات المالية والقانونية ~~والعلمية التي واجهتها المدارس الأولية الحكومية والمكاتب الأهلية ~~(كالفشل في إدماج الكتاتيب في نظام التعليم الحديث، كما نص على ذلك ~~قانون المدارس الأولية لسنة 1868م، وبقاء الفجوة الواسعة بينهما إلى ~~يومنا الحاضر) على الرغم من ذلك كانت هذه النهضة في التعليم مؤشرا ~~صادقا على بداية جديدة ووعي وطني جديد. # ولما عزل إسماعيل بسبب تدخل القوى الأوروبية وخلفه ابنه توفيق في ~~سنة 1879م، بقيت النزعة الوطنية ms026 على حيويتها وعنفوانها في السنوات ~~الأولى من حكمه، كما ظل التوسع في التعليم وتحسين مستواه من أهم هموم ~~الوعي القومي. ففي شهر مايو سنة 1880م قدم ناظر المدارس علي إبراهيم ~~لمجلس النظار مذكرة جدد فيها أهداف النهضة التعليمية بصورة واضحة، ~~فهو يشير في بداية المذكرة إلى الفوائد التي يحصلها الإنسان من التعليم ~~العام، ويدعو إلى نشر «جو المعرفة» بين جميع السكان والتوسع فيها حتى ~~تصل إلى أهالي الريف، وذلك لخلق الرغبة في المعرفة والتعليم في ~~أبنائهم، وحثهم على الشعور بحقوقهم الأهلية وواجباتهم الإنسانية نحو ~~أنفسهم وعائلاتهم وحكومتهم، ولهذا أكد - إلى جانب أهمية التعليم العام ~~لتدريب الموظفين - ضرورة التوسع في إنشاء المدارس الأولية في عواصم ~~المديريات وفي المدن والقرى المهمة، وتنظيم الدراسة بها ورفع مستوى ~~المناهج، فضلا عن إنشاء كلية جديدة للمعلمين تدرس بها العلوم واللغات ~~الحديثة ... (وقد أسست بالفعل في شهر سبتمبر سنة 1880م، وأدمجت مع دار ~~العلوم بحيث أصبح اسمها مدرسة المعلمين المركزية). وتألفت لجنة من ~~الخبراء قدمت - في التاسع عشر من ديسمبر سنة 1880م - تقريرها عن ~~الموضوع، وأضافت اقتراحات جديدة إلى الاقتراحات السابقة، منها إنشاء ~~مدرسة للزراعة والإشراف الحكومي على المدارس الأجنبية. # واندلعت نيران الثورة العرابية ... ثم حل كابوس الاحتلال البريطاني ~~فأوقف نهر التطور، وجمد المشروعات الطموحة لسنوات عديدة في مشرحة ~~اللورد كرومر الذي لم يكترث بنشر «جو المعرفة» الذي استهدفه المشروع ~~السابق. # هكذا بذلت الجهود المخلصة ووضعت المشروعات الجادة قبل الاحتلال ~~لنشر التعليم الأهلي بكل الوسائل الممكنة. ومهما يكن من قصور هذه ~~الوسائل وعجزها عن تحقيق الطموحات الكبيرة، فإنها تدلنا من ناحية على ~~يقظة الوعي بحرية الوطن ووحدته، ومن ناحية أخرى على الإيمان بضرورة ~~إصلاح التعليم وتحديثه. والواقع أن الأمرين لا ينفصلان، ويكفي لبيان ~~ترابطهما وجود الرغبة الصادقة عند الحكام ورواد الإصلاح - الذين كان ~~بعضهم موظفين أكفاء - في نشر التعليم بين جميع المصريين وفي المدن ~~والقرى على السواء. صحيح أن بعض الأسئلة الملحة قد بقيت حتى اليوم بغير ~~جواب، من ذلك مثلا: # إلى أي مدى ينبغي أن ms027 تعتمد المدارس ومعاهد التعليم على دعم المواطنين ~~ومساندتهم بالخبرة والهبات المالية والأوقاف؟ (مع العلم بأن فكرة ~~التربح الاستغلالي من وراء إنشاء المدارس والمعاهد الخاصة لم تظهر على ~~الإطلاق، ولم يكن من الممكن أن تظهر في ذلك الوقت الذي أشرق فيه فجر ~~الوعي الوطني وعمرت القلوب والعقول بالقيم الحية الباقية)، ومن تلك ~~الأسئلة أيضا: إلى أي حد ينبغي أو يمكن دمج المدارس التقليدية - ~~الكتاتيب والمدارس الأزهرية - في نظم التعليم الحديث؟ وهل يمكن أن ~~يشارك الآباء في دفع المصروفات أم يكون التعليم كله أو جزء منه على ~~نفقة الدولة (كما نص على ذلك مشروع سنة 1868 بالنسبة إلى المدارس ~~الأولية)؟ ثم إلى أي حد يمكن أو ينبغي إثارة اهتمام المواطنين بالتعليم ~~وحماسهم لإشباع الفضول المعرفي، ومن ثم تحملهم المسئولية المشاركة ~~في إصلاح التعليم وتحديثه؟ # إن الجهود الأمينة التي بذلت للرد على الأسئلة السابقة في حدود ~~الإمكانات الضئيلة في ذلك الحين، والمساعي التي تمت لتنمية الوعي ~~الوطني وترسيخ البناء الاجتماعي السليم عن طريق إصلاح التعليم ونشره ~~بين الجميع؛ كل هذا قد اصطدم بالمشكلة التي ما تزال تلقي بظلالها ~~القاتمة، وهي مشكلة ازدواجية التعليم التقليدي والتعليم الحديث، إلى ~~جانب تعدد الجهات الأجنبية التي تلقن الطفل والشاب المصري، بلغات غير ~~لغته الأم، أصول العلم وفروعه وخطر ذلك على وحدة الوعي القومي وعلى ~~الهوية القومية. # تلك بعض الأسئلة التي سيناقشها المؤرخ والمستعرب الكبير في بحثه الذي ~~كتبه بعد البحث السابق بما يزيد على عشرين عاما عن طه حسين ~~وديموقراطية التعليم (1990م). ~~(16) والحق أن طه حسين ليس عميد الأدب العربي وحسب، وليس مجرد رائد ~~جسور لثقافة الحرية والديموقراطية والاستنارة، بل له دور نظري وعملي ~~كبير في إعادة تنظيم التعليم الابتدائي والثانوي وتحقيق أهم تحول ~~اجتماعي عرفته مصر منذ منتصف القرن العشرين إلى اليوم الحاضر. # كان دستور 1923م في مادته التاسعة عشرة قد فرض التعليم الإلزامي في ~~المدارس الأولية (أو المكاتب العامة) على أبناء المصريين جميعا من ~~الجنسين وجعله تعليما مجانيا، ولا بد أن نذكر هنا أن النظام المدرسي ms028 ~~في ظل الاحتلال البريطاني كان يعاني الازدواجية الحادة بين التعليم ~~الأولي - الذي كان صورة متطورة من الكتاتيب العريقة، كما كان مجرد ~~تعليم شعبي بلا طموح ولا مستقبل - وبين التعليم الابتدائي الذي كان ~~يكفل للتلاميذ، مقابل مصروفات محددة، تعليما حديثا يتضمن بعض العناصر ~~الأوروبية كاللغة الإنجليزية والعلوم، ويعدهم لمراحل تعليمية أعلى في ~~المدارس الثانوية والمدارس والمعاهد العالية، بجانب إعدادهم للتعيين في ~~الوظائف الحكومية. وهكذا ثبت قانون الإلزام بالتعليم تلك الازدواجية ~~عندما حصره في التعليم الشعبي أو الأولي الضئيل القيمة، وحرم ~~المترددين عليه من فرص التطور ومواصلة تحصيل العلم إلا في أضيق الحدود، ~~ومع ذلك فلا بد أيضا من الاعتراف بأن نص الدستور على ذلك الإلزام كان ~~في حد ذاته خطوة متقدمة لا يصح الاستهانة بها، وأنه جاء استجابة ليقظة ~~الوعي الوطني المتصاعد وانتشار المثل والقيم والأفكار الديموقراطية ~~كأشعة الشمس التي لم يكن في استطاعة واضعي الدستور أن يتجاهلوا وجودها. ~~والحقيقة أن أعضاء اللجنة المشكلة لوضع الدستور قد أبدوا رغبتهم في ~~أن تنص المادة التاسعة عشرة على تعميم المجانية على جميع المستويات ~~المدرسية، ولكنهم عدلوا عن تلك الفكرة التي كان تحقيقها في حكم المستحيل. # 7 # استمرت المناقشات التي دارت حول مبدأ الإلزام بالتعليم الأولي ومدى ~~تنفيذه وجدواه عشرات السنين، واختلفت حوله آراء المحافظين والعمليين ~~(أو النفعيين) والتقدميين، وكان أهم الناطقين بوجهة النظر الوطنية ~~والتقدمية وأبلغ المعبرين عنها هو طه حسين في كتابه الشهير مستقبل ~~الثقافة في مصر (1938م) الذي قدم فيه - بجانب أفكاره عن دور مصر ~~الثقافي وماهيته ومستقبله - برنامجا واضحا ومحددا عن إصلاح نظام ~~التعليم في المدارس والتخلص من الازدواجية التي سبق الحديث ~~عنها. # وقد أكد طه حسين بكل حزم في هذا الكتاب أنه يجب على النظام ~~الديموقراطي أن يكفل الحياة والحرية والسلام لكل أبناء الشعب، وأنه لن ~~يحقق أي هدف من هذه الأهداف إذا تقاعس عن وضع القانون الملزم بالتعليم ~~الأولي موضع التنفيذ، وحمل الجميع على الخضوع له بالرفق واللين أو ~~بالشدة والعنف. والهدف الأول من التعليم الأولي يكمن في أنه ms029 أبسط وسيلة ~~يملكها الفرد في يده لتمكنه من العيش، أما الهدف الثاني فيكمن في أن ~~هذا التعليم الأولى هو أبسط وسيلة ينبغي أن تكون في يد الدولة نفسها ~~لتحقيق الوحدة الوطنية وإيقاظ شعور الأمة بحقها في الوجود الحر ~~المستقل، وبواجبها في الدفاع عن هذا الوجود. وأما الهدف الثالث والأخير ~~فيكمن في أن هذا التعليم هو الوسيلة الوحيدة في يد الدولة لتمكين الأمة ~~من الاستمرار في الوجود؛ لأنها تضمن عن طريقه وحدة التراث الذي يتحتم ~~أن ينتقل من جيل إلى جيل، كما يتحتم على جميع أفراد كل جيل أن يشاركوا ~~في عملية نقله. # 8 # والملاحظ أن طه حسين كان في هذه المرحلة من حياته لا يزال ينظر إلى ~~المدرسة الأولية باعتبار أنها هي المدرسة الشعبية، كما كان من رأيه أن ~~تقسيم التعليم العام إلى مدارس أولية لأبناء الشعب ومدارس ابتدائية ~~وثانوية لأبناء النخبة إنما يجعل تربية الشباب على الشعور بالوحدة ~~الوطنية أمرا وهميا، وقد حبذ - في هذه المرحلة - إلغاء المدارس ~~الأولية كشيء مرغوب فيه، ولكنه لم يصمم عليه تصميما جديا واكتفى ~~باقتراح بعض «المهدئات» مثل إتاحة الفرص الممكنة للنقل من المدرسة ~~الأولية إلى المدارس العامة (الابتدائية والثانوية) ... # والواقع أن المدارس الأولية بدأت تتعرض مع مرور الزمن للإهمال ~~الشديد، بينما تزايد نمو المدارس الابتدائية والثانوية تحت ضغط الرأي ~~العام، كما كانت تعبر عنه (مع صمت الأغلبية الصامتة!) الطبقة الوسطى ~~الصاعدة. والظاهر أن ديموقراطية الدولة المصرية في ذلك الحين هي التي ~~حكمت - بقصد أو بغير قصد - على المدارس الأولية أو الشعبية بنوع من ~~«التمييز العنصري» لمصلحة المدارس الحكومية التي لم يكن يقدر على دفع ~~مصروفاتها سوى أبناء الطبقة «البورجوازية». # 9 # وعلى الرغم من الاتجاه الرسمي الواضح لتمييز الطبقة الوسطى على ~~غيرها، فلم تتوقف جهود المشرفين على التعليم عن إضفاء الطابع ~~الديموقراطي عليه. وقد استطاع واحد من أفضل وزراء المعارف، وهو أحمد ~~نجيب الهلالي، أن يطرح من هذا المنظور في سنة 1935م برنامجا لإصلاح ~~التعليم بالمدارس طالب فيه بإلغاء المصروفات المفروضة على المدارس ~~الابتدائية التي كانت ms030 أكثر عجزا من المدارس الأولية عن استيعاب جميع ~~الأطفال، كما نص على ذلك قانون الإلزام بالتعليم. والجدير ذكره أن طه ~~حسين كان يشغل من سنة 1942م إلى سنة 1944م منصب المستشار الفني في ~~وزارة المعارف على عهد نجيب الهلالي، ومن ثم كان مشاركا في ~~المسئولية عن السياسة التعليمية. # 10 # ولما تولى طه حسين وزارة المعارف في حكومة الوفد الأخيرة (من 12 ~~يناير1950 إلى 27 يناير 1952م) لم يكتف بمواصلة الطريق الديموقراطي ~~الذي بدأه الهلالي، بل خطا الخطوة الجريئة المفاجئة عندما أعلن أن ~~التعليم المجاني من حق كل طفل مصري كحقه «في الماء والهواء»، # 11 # كما أدمج المدارس الأولية في المدارس الابتدائية (التي ~~جعلها مع الحضانة ست سنوات) لكي يقضي على الازدواجية، التي طالب ~~بإلغائها في «مستقبل الثقافة في مصر »، بحيث أصبحت هي أداة تنفيذ قانون ~~الإلزام السابق ذكره. # ولا يتسع المجال للحديث عن السياق التاريخي والسياسي الذي تمت فيه ~~هذه الخطوة الشجاعة الحاسمة، ولا عن رياح الاعتراضات والانتقادات التي ~~هبت عليها من جانب السياسيين - حتى من داخل حزب الوفد نفسه - أو ~~الفنيين من صفوة علماء التربية وغيرهم، # 12 # وذلك مع التسليم بأن معظمهم كانوا مؤمنين بمبدأ ديموقراطية ~~التعليم مع اختلاف وجهات نظرهم في أولوياته ووسائل تطبيقه ... فالمهم بعد ~~كل شيء أن طه حسين صمم على المضي قدما في مشروعه من دون أن يكترث ~~بمشكلة التمويل الباهظ الذي تستطيع الدولة أن تدبره عن طريق الضرائب أو ~~أي طريق آخر، وأنه رفض بكل قوة أن يؤجل إتاحة فرص التعليم لملايين ~~الأطفال المصريين إلى مستقبل بعيد مجهول ... # كان ذلك هو المنتظر من رائد الحرية والتجديد، صاحب «المعذبون في ~~الأرض» و«شجرة البؤس» وغيرهما، وشمس العقل العربي الحديث التي شعت ~~بأضواء الاستنارة في كل اتجاه. ولا عجب بعد ذلك أن نجد الفيلسوف وناقد ~~الثقافة فؤاد زكريا يقول بحق في كتابه «كم عمر الغضب؟»: «إن سياسة طه ~~حسين التعليمية تمثل البداية الحقيقية للتحول الاجتماعي في مصر، لا في ~~التعليم وحده، بل كذلك في إيجاد فرص العمل ودفع عجلة التقدم والنهضة ms031 ...» # 13 ~~(17) معنى النكبة (بيروت، دار العلم للملايين، 1948) ... ومعنى النكبة ~~مجددا (بيروت، 1967م). # يعيد الأستاذ شتيبات في سنة 1985م قراءة هذا الكتيب الذي صار «علامة» ~~على ضرورة النقد الذاتي العربي، وما يزال دائم الحضور في وجدان كل عربي ~~اطلع عليه في طبعته الأولى بعد نكبة 1948م أو في طبعته الثانية بعد ~~نكبة يونيو 1967م (التي حاولنا التخفيف من قسوتها ومرارتها فسميناها ~~«نكسة») والكتيب المشهور من تأليف المؤرخ العربي الكبير قسطنطين زريق ~~الذي وضع فيه برنامجا عاما لنهضة «الحصان العربي» من كبوته الأليمة، ~~وعبر فيه عن فكره الليبرالي المتحرر من الأيديولوجيات التي كانت قد ~~بدأت تصطخب على الساحة، والناطق بلغة العصر وحضارته العلمية وروحه ~~الثورية ونزعته العقلانية النقدية. ومراجعة الأستاذ لهذا الكتيب تجري ~~على مألوف عادته في وضع المشكلات التي يدرسها أو يناقشها في سياقها ~~التاريخي الأشمل. ولذلك نراه يشير قبل حديثه عنه إلى كفاح البلاد ~~العربية منذ الحربين العظميين في سبيل الاستقلال، وتجاربها المحبطة مع ~~القوى الكبرى - لا سيما فرنسا وبريطانيا - وتأسيس الجامعة العربية في ~~شهر مارس سنة 1945م لتوحيد كلمة العرب، والاستبشار بقيام منظمة الأمم ~~المتحدة للاستماع إلى أصوات الدول الصغيرة ومساعدتها على تحقيق آمالها ~~في التحرر الوطني. ثم جاءت الطعنة القاضية على آمال العرب وثقتهم في ~~أنفسهم بإعلان قيام دولة إسرائيل في الرابع عشر من شهر مايو سنة 1948م، ~~واستيلائها على جزء كبير من أرض فلسطين، وطردها للملايين من سكانها ~~العرب. كان زرع سكين الكيان الصهيوني التوسعي، والمتحالف مع الغرب ~~الإمبريالي والمسخر لخدمته، في قلب الوطن العربي بمنزلة «قلب» للمسار ~~التاريخي الذي كان العرب يتوقعون منه أن يؤدي بشكل طبيعي إلى الاستقلال ~~الوطني والحصول على حق تقرير المصير. وكان تأييد معظم الأصوات في الأمم ~~المتحدة لقيام الكيان العدواني ضربة أخرى زلزلت إيمانهم بالحق والعدل ~~وجاء فشل التدخل العسكري للدول العربية في إيقاف العدوان الصهيوني أشبه ~~بجرعة أخرى من السم الذي سرى في الدم العربي ونشر فيه جراثيم الشك في ~~حيوية الأمة العربية وقدرتها على التوحد للدفاع عن نفسها وتأكيد وجودها ms032 ~~وحقوقها. وبدأ المفكرون والمثقفون العرب - كما حدث بعد النكبة التالية ~~- في مراجعة النفس والتاريخ والموقف من العالم، وتحليل أسباب الهزيمة ~~المفجعة ووصف الأدوية الناجعة، وتحديد الوسائل الكفيلة بمواصلة السير ~~على طريق التحرر والتقدم. وكان هذا الكتيب الخطير من أهم المساهمات في ~~هذا النقد الذاتي المؤلم والضروري في آن واحد ... # والمقدمة التي كتبها المؤلف لهذا الكتيب يرجع تاريخها إلى الخامس من ~~شهر أغسطس سنة 1948م، كما أن طبعته الأولى ظهرت في الشهر نفسه، ~~والثانية في شهر أكتوبر، أي إنه كتب أثناء اشتعال المعارك التي خاضتها ~~بعض الجيوش العربية ضد العصابات الصهيونية وقبل توقيع اتفاقيات الهدنة ~~في سنة 1949م. لم يكن المؤرخ الكبير يعيش في برج عاجي، بل إن عمله ~~كسفير سوري في الولايات المتحدة ومندوب لسوريا في الأمم المتحدة قد ~~ساعده على الانخراط في صميم الأحداث الجارية، والوعي الحاد بالمشكلات ~~الحاضرة والتنبؤ «اليمامي» (نسبة إلى زرقاء اليمامة) بالمصائب القادمة. ~~وهو يقول إنه أمسك بالقلم لكي يوضح فكره الخاص ويزيل الغموض والاضطراب ~~من عقول مواطنيه، لا سيما الشباب والطلاب، أي إنه كتب بصفته أستاذا ~~ومعلما يجمع في شخصه بين حياد العالم المتمكن وعقلانية المحلل القدير ~~وعاطفة المواطن المشارك والمسئول. # وينطلق «زريق» في تأملاته وتحليلاته من وعي مرهف بجدية الموقف ~~وخطورته، ويكفي دليلا على ذلك أنه لا يسمي ما حدث في فلسطين «نكسة» ~~كما سيفعل غيره بعد ذلك، وإنما وصفه بأنه نكبة وكارثة. لقد لقي العرب ~~هزيمة عسكرية وسياسية أدت إلى انهيار معنوي تمثل في تشككهم في أنفسهم ~~وفي حكوماتهم. وأول علاج يصفه للتعامل مع النكبة والأسباب التي أدت ~~إليها هو تقوية الشعور بالخطر مع تقوية إرادة النضال (ص19). فالعدو ~~الذي هزم العرب هو الصهيونية، وهي حركة توسعية وإمبريالية لن تكتفي ~~بتدمير الشعب العربي في فلسطين، بل ستهدد موارد البلاد العربية الأخرى ~~ووجودها نفسه. ومع أنه يدرك تماما أن اليهود قد عانوا من الاضطهاد في ~~أوروبا في فترات تاريخية مختلفة، وفي أيام هتلر والنازية على وجه ~~الخصوص، فإنه يرفض أن يكون هذا مبررا ms033 للاستيلاء على فلسطين وتشريد ~~شعبها العربي. ويتجلى تفاؤله - أو حسن نيته - وقت تأليف كتابه عندما ~~يقول إن حل المسألة اليهودية مرهون بنشر التسامح واحترام الكرامة ~~الإنسانية في العالم كله، بل إنه يؤكد استعداد العرب للتعايش مع اليهود ~~في ظل نظام ديموقراطي (ص84). # ويستطرد «زريق» في وصف أساليب العلاج المباشر لآثار النكبة بغية رفض ~~الهزيمة وتقوية إرادة النضال: تعبئة جميع الموارد العسكرية والاقتصادية ~~والسياسية وتحقيق أقصى قدر ممكن من وحدة الدول العربية وتعاونها في هذه ~~الميادين، وإبداء الاستعداد للدخول في المساعي الديبلوماسية وقبول ~~الحلول المعتدلة لكسب تأييد القوى العظمى. ولكنه يرتفع بعد ذلك إلى ~~مستوى آخر من التحليل عندما يقول إن كسب المعركة القادمة لن يكفي لحل ~~المشكلة الصهيونية والمسألة العربية في مجموعهما؛ إذ تحتم الضرورة ~~إيجاد «كيان عربي قومي متحد وتقدمي» عن طريق ثورة أساسية في نظم الحياة ~~العربية (ص41). ثم يرسم في صفحات قليلة مشروع رؤيته لأمة عربية لم توجد ~~بعد وما زلنا نحلم معه بوجودها: أمة ذات أهداف موحدة، وإمكانات متحققة، ~~توجه وجهها صوب المستقبل، وتفتح عينيها على النور، كما تفتح صدرها ~~للخيرين من أي مكان يجيئون. # ويبدأ مؤلف «معنى النكبة» في تحديد معاني مصطلحاته، فأما القومي فلا ~~ضرورة لتعريفه لأنه يستخدم عادة بمعنى «الوطني»، كما أن كلمة الأمة في ~~العربية لا يمكن أن تشتق منها صفة مناسبة. ثم يشرح كلمة «متحد» التي ~~يتصف بها الكيان العربي المأمول فيقول إن الجامعة العربية قد ثبت ضعفها ~~الشديد بحيث تحتم الضرورة تأسيس دولة «اتحادية»، أي دولة «فيدرالية» ~~ذات سياسات خارجية واقتصادية وقوات دفاعية موحدة (ص44). وأما الصفة ~~الحاسمة التي تطلق على هذا الكيان العربي فهي «التقدمي». وهو يبدأ شرحه ~~لهذه الكلمة التي طالما أسيء استخدامها، أو بالأحرى استغلالها، بأن ~~ينصح الوطنيين أو القوميين بعدم التردد عن استخدامها لمجرد أنها تشيع ~~على ألسنة وأقلام الاشتراكيين والشيوعيين، لأن التقدم الاقتصادي ~~والاجتماعي والثقافي والعقلي شرط أساسي لقيام الكيان العربي الجديد، بل ~~إن القومية نفسها مستحيلة بغير هذا التقدم المواكب لحركة التاريخ ~~وقوانين المجتمع ms034. ويحدد «زريق» أربعة عناصر ضرورية لتحقيق التقدم: ~~الميكنة والتصنيع، الفصل بين الدولة والمؤسسة الدينية، التدريب العقلي ~~على العلوم الوضعية والتجريبية، تبني أفضل القيم العقلية والروحية ~~التي وصلت إليها الحضارات الإنسانية واختبرت صحتها التجربة البشرية. ~~ومن الوسائل الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف بذل الجهود الوطنية لاستغلال ~~الموارد القومية، ونشر المعرفة والتعليم، والتوسع في الحريات السياسية ~~والاجتماعية والفكرية، والإصلاح الإداري (ص50)، ثم يؤكد أهمية الدور ~~الذي ينبغي أن تؤديه النخبة المثقفة المخلصة في ريادة هذا التقدم، ~~ويحبذ أن يتحد أعضاؤها في أحزاب وتنظيمات ذات «أيديولوجيات» أو منظومات ~~فكرية موحدة. # ويعبر «زريق» عن لب فكرته عن التقدم عندما يقرر أن الهدف منها هو أن ~~نصبح فعليا وروحيا، لا اسميا وماديا فحسب، جزءا من العالم ~~الذي نعيش فيه، وأن نتكيف مع نظمه في الحياة والتفكير، ونتكلم لغته، ~~ونقتبس المدنية الحديثة بماديتها وروحانياتها دون التخلي عن هويتنا ~~والعناصر الباقية من تراثنا، ونسعى للتعرف على منابعه ووصل مصيرنا ~~بمصيره (ص47). وإذا كان المؤرخ الكبير يدعو العرب للتواصل مع الحضارة ~~والمدنية الحديثة، فلا يعني هذا رفض التراث القومي أو التخلي عنه. صحيح ~~أن جزءا من هذا التراث مصيره إلى الزوال والنسيان، ولكن الجزء السليم ~~والجدير بالبقاء هو الذي سيميزه العقل المتحرر المنظم الذي يجب علينا ~~أن نأخذه من الحضارة الحديثة ونبني عليه ثورتنا (ص49). # تعرض «معنى النكبة» للنقد الشديد من جهتين على أقل تقدير: من ~~الإسلاميين الذين احتجوا على مطالبته بالفصل بين الدولة والدين، ~~متذرعين بالحجة المعروفة التي تقول بأن الإسلام، على العكس من المسيحية ~~الأوروبية، لم يعرف السلطة الكنسية والكهنوتية التي اضطهدت الشعب ~~والدولة، والعلم والحرية، كما أن ذلك الفصل معناه القطع بين الناس وبين ~~تراثهم الروحي، وهدفه تشكيك الشباب في دينهم. # 14 # والحق أن «زريق» لا يدعو إلى علمانية تنكر الدين جملة أو تتجاهل ~~تأثيره العميق في حياة الإنسان، وإنما يعترف بالقوة الروحية التي يهبها ~~الدين للمؤمن، كما سبق له أن أكد أهمية الإسلام والرسالة المحمدية في ~~تدعيم القومية والوعي القومي، وذلك في كتابه «الوعي القومي» الذي ms035 ظهر ~~سنة 1939م في بيروت (ص111). صحيح أنه يرفض «الحرفية الدينية» على حد ~~تعبيره، وهو كمؤرخ وأستاذ جامعي ليس في حاجة إلى من يذكره بأن الإسلام ~~لا يعرف الاحتراف أو الاحتكار الديني ولا الكهنوت، ولكنه يرفض ~~«الطائفية» الدينية التي تسببت - بعد الفراغ من تأليف كتابه بأربعة ~~عقود - في حرب أهلية لا تزال آثار حرائقها المدمرة في لبنان ماثلة ~~للعيان. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمكن تلخيص النقد الموجه ل «معنى ~~النكبة» في أنه لم يتعمق بحث المجتمع العربي للكشف عن أسباب النكبة، ~~كما أن عناصر التقدم المختلفة التي يقترحها تشترط تغييرات اجتماعية لم ~~يذكر عنها إلا القليل أو لم يذكر شيئا على الإطلاق. وهو - في رأي ~~هؤلاء النقاد - يمكن تصنيفه مع المهادنين أو حتى مع الرجعيين لأنه، ~~بالرغم من تأكيده المستمر لضرورة الثورة، لا يجعل للصراع الطبقي أي ~~مكان في مشروعه عن التقدم. # 15 # والواقع أن هذه الانتقادات تبدو مشروعة لمن يقرأ الكتاب بعد أكثر من ~~خمسين سنة من كتابته؛ إذ يدهش لافتقاره إلى التحليل الاجتماعي - الذي ~~لم يكن قد عرف بعد بشكل علمي ومنهجي في البلاد العربية - بقدر ما يعجب ~~بملاحظاته الجريئة والنافذة البصيرة عن مختلف جوانب الموقف العربي، ~~وبمشروعه «اليوتوبي» عن كيان عربي موحد وتقدمي ليس من المستحيل أن ~~يتحقق لو صحت إرادة العرب على التوحد في مواجهة التهديدات المتصاعدة ~~بإبادتهم على كل المستويات المادية والمعنوية. # ومهما يكن من قصور الكتيب الشهير عن تقديم تحليل واف للبناء ~~الاجتماعي والطبقي وتناقضاته التي كانت أحد أسباب النكبة، ومهما يكن من ~~نفوره من استخدام كلمة الثورة خوفا من ظلالها الأيديولوجية التي ~~يكرهها، (من المستغرب حقا في نظر من يطلع عليه اليوم أنه يفضل ~~عليها كلمة «انقلاب» التي لم يكن يدري في ذلك الوقت أنها ستكون أصل ~~الكوارث المتلاحقة منذ منتصف القرن الماضي في بعض البلاد العربية ~~والأفريقية والآسيوية والأمريكية الجنوبية)، وعلى الرغم من التعميمات ~~الغامضة والمشروعات التي ما زالت إلى اليوم أشبه بالآمال المستحيلة، ~~فلا شك في أن الكتيب نفسه كان ms036 ولا يزال صرخة ضمير عربي عميق الجرح ~~وصادق الرؤية والتنبؤ إلى حد مذهل، بقلم عالم عربي حر شجاع وشديد ~~الإيمان بالعقلانية والتقدمية وبالوحدة والقومية العربية القائمتين على ~~العلم والقيم والاستنارة، وذلك كله عن طريق التغيير الجذري والثوري ~~الحاسم في كل ميادين الحياة والتفكير والعمل. وإذا لم يكن قد قدم ~~برنامجا عمليا مفصلا للتغيير والإصلاح، فقد رسم الإطار الصالح ~~للتساؤل والحوار، وحذر من الأخطار الكبرى التي تهدد اليوم - فعلا لا ~~قولا - بتصفيتنا واقتلاعنا من جذورنا، وفتح الأعين والضمائر والعقول ~~على مشكلاتنا الكبرى المزمنة. ~~(18) ونأتي أخيرا إلى الأدب الذي أعلم تمام العلم مدى شغف الأستاذ ~~شتيبات بالاطلاع على الأعمال الكبرى فيه، سواء من أدب بلاده أو من ~~الأدب العربي. ذلك لأن المؤرخ لا يستغني - كما يعلم الجميع - عن الرجوع ~~للأعمال الأدبية ليزداد وعيا وبصيرة بحقائق الحياة ومشاعر البشر ~~وأفكارهم، وبهمومهم وطموحاتهم في حقب أو مواقف تاريخية معينة. وقد ~~اختار من الأدب العربي الحديث روايتين تعكسان مرحلتين مهمتين أو أزمتين ~~حاسمتين في مسيرتنا نحو مجتمع عربي متحد ومتقدم، إلى جانب ما تعبران ~~عنه من قيم جمالية وإنسانية رفيعة. والرواية الأولى، وهي «أولاد ~~حارتنا» لربان سفينة الرواية العربية نجيب محفوظ، (ويرجع بحثه عنها تحت ~~عنوان «الله والفتوات والعلم» إلى سنة 1975م)، والثانية للروائي ~~اللبناني الكبير توفيق يوسف عواد (ويعود بحثه عنها تحت عنوان «الطائفية ~~في الرواية اللبنانية» إلى سنة 1984م). ونبدأ بعرض هذا البحث قبل أن ~~نختم هذا التقديم برواية محفوظ التي طالما أثارت حولها عواصف ~~الجدل. ~~(19) من المعروف أن التدين بمعناه الأصلي المباشر يعني إيمان الإنسان ~~بالله وبكل ما هو مقدس إيمانا باطنيا عميقا، كما يعني انتماءه إلى ~~جماعة دينية محددة. وقد ظل انتماء المسلم إلى جماعة دينية على مدى أكثر ~~من أربعة عشر قرنا دليلا على هويته، ومبدأ يقوم عليه نظام حياته ~~الاجتماعية والسياسية والوجدانية. وينطبق الشيء نفسه على سائر الأديان ~~السماوية والبشرية، إذ يبقى الانتماء إلى جماعة أو ملة أو نحلة أو ~~طائفة دينية أمرا حاسما وموجها لحياة الإنسان وتفكيره ووعيه ms037 بذاته ~~وعالمه الاجتماعي والطبيعي. وإذا كانت الكلمة الأخيرة، وهي الطائفة ~~والمصدر المشتق منها وهو الطائفية، قد اصطبغت عبر التاريخ الإسلامي ~~وغير الإسلامي، لا سيما في العصر الحديث وفي النصف الثاني من القرن ~~العشرين، بظلال قاتمة توحي بالتطرف والتعصب، أو بالتزمت والمحدودية على ~~حساب التسامح والمحبة والتعاون والتآخي الإنساني، فقد وصلت في كوارث ~~الحرب الأهلية اللبنانية وغيرها إلى حد الدخول في دوائر الجنون ~~والانتحار أو الاحتراق والتدمير الذاتي. ~~(20) قدم توفيق يوسف عواد (الذي ولد سنة 1911م في إحدى القرى ~~المارونية في لبنان ومات في حادث مروع في أثناء الحرب الأهلية) عدة ~~مجموعات قصصية وروايتين هما الرغيف (1939م) وطواحين بيروت (1972م)، قبل ~~اندلاع نيران جحيم الحرب الأهلية بقليل. وقد تلقى العلم في كلية القديس ~~يوسف في بيروت، ثم واصل دراسته للحقوق في جامعة دمشق، مما أتاح له ~~الاهتمام بقضايا العروبة وتجاوز دائرة الطائفة الدينية الضيقة (يدل على ~~ذلك إشادته في «الرغيف» بمشاركة المسيحيين اللبنانيين في الكفاح العربي ~~للاستقلال عن الدولة العثمانية). وقد عمل بعد إتمام دراسته أكثر من عشر ~~سنوات بالصحافة والكتابة الأدبية، ثم دخل منذ سنة 1946م في دائرة العمل ~~الديبلوماسي، وعمل سفيرا للبنان في عواصم عديدة، وظهرت الطبعة الأولى ~~لروايته التي نتحدث عنها عن دار الآداب سنة 1972م وفي أثناء وجوده في ~~طوكيو. # والشخصية الرئيسية في الرواية (وهي تميمة) فتاة شيعية من قرية «مهدي» ~~إحدى قرى الجنوب اللبناني. بدأت شجرة عائلتها في التحطم والتفكك، ~~فأبوها سافر إلى أفريقيا سعيا وراء رزقه فشاء سوء حظه أن يقبض عليه ~~بتهمة التهريب، وشقيقها جابر الذي صار رب العائلة يستغل وضعه الجديد في ~~غياب أبيه ليحيا حياة ماجنة تنزلق به إلى حافة الجريمة. وتصمم تميمة، ~~على غير رغبة شقيقها، على استكمال دراستها العالية في العاصمة، وتصر ~~بذلك على السير في طريق التحرر الذي لا يقودها إلى السعادة بل إلى ~~الدوران مع «طواحين بيروت». فالصحافي التقدمي «رمزي رعد» يفتنها بسحره ~~الأيديولوجي ويغويها فتستسلم له؛ ثم تتبين أنها لم تجن إلا الشوك من ~~حماسه الثوري وتجربتها ms038 الجنسية معه، والمحامي الشيعي المرشح لدخول ~~البرلمان «أكرم الجردي» يريد منها أن تكون عشيقته ويعدها بأن يتزوجها ~~فيما بعد، لكنها ترفض أولا ثم تخضع لإرادته في مقابل أن يدبر لها ~~وظيفة سكرتيرة في نقابة عمال الميناء. # ثم يأتي اللقاء الواعد مع طالب الهندسة هاني الراعي (وربما يرمز ~~للمؤلف نفسه في شبابه) الذي يحملها إلى المستشفى فور إصابتها بجراح في ~~إحدى مظاهرات الطلبة. ويضم الحب الفتاة الشيعية والفتى الماروني تحت ~~جناحه، فتطل الطائفية بوجهها القبيح وتحرم عليهما الارتباط المقدس ~~الذي يمكن أن يحققا فيه ذاتهما ويلمسا جوهر وجودهما. وفي النهاية ينكسر ~~حلم الحب بسبب الظروف الخارجية من ناحية، وعجز الحبيب عن التحرر من ~~التقاليد الموروثة من ناحية أخرى، وذلك بمجرد أن تعترف له - لتكون ~~صادقة مع نفسها ومعه - بحقيقة علاقتها السابقة مع الصحافي التقدمي رمزي ~~رعد. # وتدخل خيوط العلاقات بين الشخصيات في نسيج الموقف التاريخي للبنان ~~بين عامي 1968 و1969م، ففي هذه الفترة الزمنية بدأت حركة المقاومة ~~الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين من الأرض اللبنانية، كما أخذت ~~الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ترغم لبنان على الانخراط في صراع ~~الشرق الأوسط وتؤجج جمرات الاختلاف في وجهات النظر - في صفوف الطلاب ~~بوجه خاص - بين مؤيد لحركة المقاومة ومعارض لها. ويبدأ هذا الاختلاف ~~بالاحتجاج على النسبة المحددة لأبناء كل طائفة للقبول بالجامعات، ثم ~~تتسع دائرته فتشمل الزواج المدني الذي ييسر عقد الزواج «المحرم» بين ~~أبناء الطوائف الدينية، كما تشتعل قبل كل شيء حول الموقف الواجب اتخاذه ~~من الفدائيين الفلسطينيين الذين يعرضون سكان القرى في الجنوب ~~للمخاطر باستفزازهم لإسرائيل العدوانية بحكم طبيعتها وتاريخها، كما ~~يصطدمون في كثير من الأحيان مع السلطات اللبنانية والجيش اللبناني. ~~وتتفاوت الآراء حول هوية الفدائي، فهناك «الفدائي الفدائي» الذي يكافح ~~في فلسطين و«يبيع روحه» فداء لها، وهناك «نصف الفدائي» الذي يطلق عدة ~~أعيرة نارية عند الحدود ثم يسرع بالعودة إلى معسكره ليلوذ به، وهناك ~~الفدائي الذي ليس بفدائي، وإنما يتبختر في الشوارع ببذلة الفدائيين ~~والبندقية السوفييتية الصنع تتدلى من كتفه (ص227). # ويعبر توفيق يوسف ms039 عواد عن موقف من الفلسطينيين يتسم بالتفهم والحكمة؛ ~~إذ كيف ينتظر من الفلسطينيين أن يحافظوا على القوانين بينما اغتصاب ~~وطنهم ضد كل القوانين، ولم تفلح كل القرارات الشرعية الدولية في إعادته ~~إليهم؟ إن مجرد وجود الفلسطينيين في لبنان هو في رأيه الذي يحفز ~~اللبنانيين على تطوير وعيهم بمشكلاتهم واتخاذ القرارات الحاسمة في ~~شئونهم العامة والخاصة. ويوضح عواد رأيه بطريقة فنية عندما يراوح بين ~~سرده للمناقشات الطلابية التي يصرح فيها هاني بأن التوتر بين ~~اللبنانيين والفلسطينيين يرجع إلى أن الزواج المزعوم بينهما هو «زواج ~~نفاق»، وبين الأفكار التي تراود حبيبته تميمة في أثناء الاستماع لما ~~يقول فتناجي نفسها قائلة: «إن زواجنا لن يكون زواج نفاق.» وتواصل حديث ~~النفس التي تحثها على أن تعترف لهاني بحقيقة علاقتها السابقة مع ~~الصحافي. وهنا يستخدم عواد استعارة غريبة ذات دلالة عميقة على هدفه من ~~كتابة روايته؛ فقد كان العنوان الأصلي للرواية وقت إعداد تجارب طبعها ~~هو «أرواح للإيجار»، وهو يوضح ما يعنيه بهذه الاستعارة عندما يتهم معظم ~~شخصيات الرواية على لسان الصحافي التقدمي بأنهم قد أجروا أرواحهم ~~(ص264)، وكان من المفروض أن يبيعوها لو كانوا صادقين. فالحب ليس ~~تأجيرا للروح، بل هو بيع نهائي لها في سبيل المحبوب. باع روميو روحه ~~في سبيل جولييت، كما باعت روحها في سبيله. كذلك الملهمون بحق والمؤمنون ~~بصدق، إنهم لا يؤجرون أرواحهم وإنما يبيعونها. والسيد المسيح - عليه ~~السلام - هو إمام جميع الذين باعوا أرواحهم، أي ضحوا بها في تفان خالص ~~مطلق. والفدائيون أيضا يصدق عليهم هذا الوصف، بشرط أن يوقعوا على عقد ~~البيع بدمائهم من أجل الوطن السليب. ولعل مؤلف الرواية قد كتب هذا كله ~~بينما تتردد في سمعه وعقله الآية الكريمة: # ومن ~~الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ~~والله رءوف بالعباد ~~(البقرة: 207) أو الآية ~~الكريمة: # إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ~~ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة ~~والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله ~~فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم ms040 به وذلك ~~هو الفوز العظيم ~~(التوبة: 111). # هكذا أجرت «تميمة» روحها - كما يرى حبيبها رمزي - للمثل العليا على ~~طريقة المثقفين، بينما أجر هو روحه لكلمات وكلمات وكلمات. إننا ~~جميعا - على حد قوله - نؤجر أرواحنا لشيء ما. وهو يمضي مع الصورة ~~الفنية فيحصي مجموعة من الحيوانات البشعة التي ترمز لرذائل بشعة وكلها ~~في رأيه قد أجرت أرواحها لأشياء تافهة أو لقوى شريرة، وربما كان ~~التفاني المطلق لإنسان محبوب، والالتزام غير المشروط بقضية عادلة؛ هي ~~الرسالة التي يوجهها المؤلف لقراء روايته. وربما كان الفدائيون، أو ~~بعضهم على الأقل، هم في تقديره النماذج الرفيعة للتفاني والالتزام ~~والتضحية، وهم الذين يحققون رسالته الأخلاقية البعيدة عن أي برنامج ~~سياسي أو أيديولوجي. ~~(21) وتتجلى هذه المعاني الموحية في النهاية التي ختم بها المؤلف ~~روايته. فقد أحست «تميمة» بأن أسوار الحصار تطوقها من كل ناحية: شقيقها ~~الفاسد جابر يحاول قتلها لإنقاذ شرف العائلة - الذي سبق أن لوثه أكثر ~~من مرة - بعد أن سمع عن تجاربها مع الرجال. ولكنه يخطئها ويقتل أعز ~~صديقة لها، وهي الممرضة المسيحية ماري التي آوتها في بيتها. ومن جهة ~~أخرى لا يدرك «هاني» أن تميمة التي باحت له بسر علاقتها القديمة مع ~~الصحافي رمزي قد قدمت له أصدق دليل على ثقتها فيه وحبها له، ولهذا ~~يلطمها على وجهها لطمة قاسية. ولا تنتظر تميمة حتى يهدأ غضبه، ولا تترك ~~نفسها نهبا لأي أمل في أن يعتذر لها، بل تصمم على الخروج النهائي من ~~حياته. وتمضي تميمة في سبيلها، بينما يصعد الإسرائيليون عدوانهم ~~الغادر المتكرر على الجنوب اللبناني. وتزحف أنهار حشود اللاجئين نحو ~~الشمال، وتزلزل المظاهرات العارمة أرض بيروت، لكن إلى أين تمضي ~~تميمة؟ # لقد تعرفت في أثناء عملها في نقابة عمال الميناء على عدد من ~~الفلسطينيين الطيبين البسطاء. وها هو أحدهم يسقط شهيدا في عز شبابه، ~~فيسرع أبوه ليشغل مكانه في صفوف الفدائيين. وتلحق به تميمة لتنضم ~~إليهم، وتكتشف أن مكانها الآن مع الذين يتحدون كل القوانين. وتصمم على ~~أن تصارع جميع الأعراف والمعايير التي باسمها ms041 حرمها المجتمع من حقها ~~في الحياة، وقتل صديقتها الوفية، وحطم حبها الوحيد (ص289). تأكد لها أن ~~كفاح الفدائيين هو نموذج الثورة الشاملة على المجتمع الجامد المتعفن، ~~وأن الثورة الاجتماعية المتجددة تبدأ بالثورة على النفس (أنسمع هنا ~~أيضا صدى الآية الكريمة: # إن الله لا ~~يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم ~~؟) ولما كانت الشخصيات الفلسطينية التي ~~يقدمها المؤلف شخصيات نقية بسيطة من العمال لا من المثقفين والمنظرين، ~~فإنه يجري الكلمات المعبرة عن الاحتجاج على القوانين والتمرد على ~~الأعراف والتقاليد على لسان تميمة المثقفة الحائرة المحبطة، وإن كان ~~يبعدها كما يبعد نفسه عن اليأس والقنوط؛ إذ يجعلها تقول في النهاية ~~إنها لا تستطيع في الحقيقة أن تتصور أن تكون هذه هي النهاية ~~(ص290). # والسؤال الذي يتحتم أن يكون قد دار في عقلها وفي عقول القراء هو ~~هذا السؤال: لماذا تصورت تميمة هذا؟ وجوابه البسيط أن ثورة التغيير ~~مستمرة ولا بد أن تستمر، حتى تفتح الأبواب والنوافذ على أضواء الأمل في ~~لبنان، لبنان الموحد المتحرر من الطائفية والتعصب، وأمة عربية حية ~~ومتقدمة بالعلم والحرية والاستنارة والوحدة والثورة المتجددة ... إن ~~توفيق يوسف عواد - رحمه الله وأرضاه - يقدم لنا في هذه الرواية تحذيرا ~~وبشارة (لاحظ أن بطلة روايته اسمها تميمة ...) تحذير من الطائفية والتفرق ~~والتشرذم، وبشارة بوجود عربي متماسك ومتطور وواثق بنفسه وبعمقه ~~التاريخي والحضاري العريق. والمفارقة المذهلة والمحزنة معا هي أن ~~الأديب الذي أطلق نفير تحذيره قبل اندلاع الحرب الأهلية بسنوات، قد سقط ~~صريعا لهذه الحرب نفسها، وشاء له القدر أن يكون ممن باعوا أرواحهم ولم ~~يؤجروها. ~~(22) وأخيرا نصل إلى «أولاد حارتنا» ... وبحث المستشرق الكبير عن هذه ~~الرواية الفريدة الشائكة تحت عنوان «الله والفتوات والعلم» يرجع إلى ~~سنة 1975م. ولا بد أن أشير هنا وقبل عرض نبذة عن هذا البحث (الذي كتبه ~~صاحبه بقلم المؤرخ وصارت له مع الزمن قيمة تاريخية) إلى أنه، على مبلغ ~~علمي، أول تقييم نقدي يتنبأ بأن الرواية جديرة بأن تضاف إلى الرصيد ~~العقلي والروحي الذي تعتز به البشرية من ms042 الأدب العالمي، وأن كاتبها ~~يحقق تلك الفكرة التي كان أمير شعراء الألمان «جوته» (1749-1832م) أول ~~من قال بها، وهي فكرته عن الأدب العالمي الذي رأى في أواخر أيامه، وفي ~~أحد أحاديثه الرائعة مع تلميذه «أكرمان»، أن أوانه قد آن، وأنه لم يعد ~~لما يسمى بالأدب القومي أو الوطني مكان، وأنه هو نفسه قد تعلم كيف ينظر ~~في آداب الشعوب المختلفة ويجد فيها ما يمتعه وينفعه من حق وخير وجمال. ~~ولعل الأجدر بالذكر مما سبق أن «شتيبات» لا يكتفي في بحثه بتحليل ~~الرواية والإشادة بروعتها، وإنما يوحي في خاتمته بأنها ستحظى بأرفع قدر ~~من الإعجاب والتقدير عندما تترجم إلى اللغات الأوروبية الحديثة؛ لأن ~~ترجمتها في رأيه «ستظل أملا نتطلع إليه ونتمناه». وربما لا يكون من ~~قبيل المبالغة - بعد أن ترجمت هذه الرواية وأخواتها إلى معظم اللغات ~~الحية - أن أفسر هذه العبارة والفقرة الأخيرة التي وردت فيها بأنها ~~تنطوي على نبوءة صادقة ونافذة من حجب الغيب - بحصول صاحبها على أرفع ~~جائزة أدبية عالمية، وأنه هو الذي شرف هذه الجائزة قبل أن تشرفه ~~وتشرفنا معه. # ويبدأ البحث بسطور تشيد بواقعية نجيب محفوظ التي تجلت بأوضح صورة في ~~«ثلاثيته» الشهيرة، وبتوقفه عن الكتابة بعد الانتهاء منها وقبل قيام ~~ثورة يوليو 1952م بأشهر قليلة، ثم عودته إلى الكتابة في سنة 1957م بهذه ~~الرواية التي أثارت احتجاج الدوائر المحافظة، ولم يقدر لها حتى ~~اليوم أن تصدر في مصر على شكل كتاب، وإن كانت طبعتها الأولى قد ظهرت ~~ضمن مطبوعات دار الآداب البيروتية في شهر يناير سنة 1967م، ثم لدى ~~الدار نفسها في طبعتها الثانية سنة 1972م. # يبدأ الباحث تحليله للرواية بهذه العبارات: «إن نجيب محفوظ يقدم في ~~الحقيقة عملا غير عادي. فهذه الرواية (...) تتناول موضوعا جبارا، وهو ~~تاريخ البشرية من حيث هو تاريخ النجاة والخلاص الإلهي، بدءا بخلق ~~العالم وطرد آدم وحواء من الجنة، ومرورا بظهور الأنبياء، وانتهاء إلى ~~مشكلات العصر الحاضر. وهي في تناولها هذا تنقل تاريخ النجاة إلى نطاق ~~حي من أحياء القاهرة القديمة ms043، وبهذا تخلصه من البعد الأسطوري لتقربه ~~قربا مباشرا من جمهور القراء ...» # ويقدم البحث وصفا مفصلا للحارة التي تقع فيها الأحداث، والشخصيات ~~المحركة لها، بدءا ب «الجبلاوي» في البيت الكبير وأبنائه من بعده: ~~إدريس = إبليس، وأدهم = آدم، وولدي آدم همام = هابيل الذي يقتله شقيقه ~~قدري = قابيل، إلى الفتوات الذين يعيثون في أرجاء الحارة ظلما ~~وفسادا، والرجال الذين ينهضون من حين إلى حين لرفع البؤس عن الناس ~~وقهر الظلم: جبل = موسى، ورفاعة = يسوع، وقاسم = محمد الذي ينجح في ~~تحطيم نفوذ الفتوات بالقوة، ويأمر لأول مرة بتوزيع ريع الوقف - الذي ~~وقفه الجبلاوي على أبنائه وذريتهم - على جميع سكان الحارة دون تفرقة ~~بينهم في العشيرة أو الجنس. ولكن الذي يحدث بعد موته، مثلما حدث بعد ~~موت سلفيه، هو عودة ناظر الوقف والفتوات إلى سلطتهما القديمة، ورجوع ~~الظلم والبؤس سيرتهما الأولى؛ لأن البشر سرعان ما ينسون تعاليم روادهم ~~الكبار ... # ويستطرد الكاتب محللا بعض صور الرواية، ثم يتوقف عند الجزء الذي ~~يعقب عصر الأنبياء لكي يصل إلى مرامي مؤلفها وأهدافه، ويسلط الضوء على ~~شخصية الساحر عرفة الذي يرمز للعلم الحديث الذي لا ينتسب لدين أو وطن. ~~ويستأنف عرفة الصراع الذي بدأه جبل ورفاعة وقاسم مع الفتوات لكي يوفر ~~لأولاد الحارة حياة لائقة بالبشر. إنه يريد أن يحقق الشروط العشرة التي ~~نصت عليها وصية الجبلاوي (الوصايا العشر) وإن لم يكن في الواقع من رجال ~~الجبلاوي. وعندما ييأس من بلوغ هدفه، يتسلل إلى بيت الجبلاوي الكبير ~~لكي يكتشف سر وصية الوقف، ويتورط عن غير قصد في قتل الخادم العجوز الذي ~~يحرس الوصية ويلوذ بالفرار مذعورا. # ويتبين بعد ذلك أن الواقف المسن كان لا يزال على قيد الحياة، ولكنه ~~مات متأثرا بالصدمة. ويطارد الفتوات عرفة فيتمكن من إنقاذ نفسه بإلقاء ~~الزجاجة السحرية التي اخترعها على مطارديه، وهي سلاح متفجر يفوق كل ما ~~عداه من أسلحة. غير أن الناظر - رمز الطاغية الشرقي - يسخره لخدمته، ~~ويتخلص الناظر من الفتوات بفضل الزجاجة السحرية، ولكنه يفعل هذا ~~لمصلحته، لا لمصلحة الحارة. بهذا يصبح ms044 عرفة فتوته الجديد، وفي النهاية ~~يتمكن عرفة من الهرب، ولكن أتباع الناظر يلقون القبض عليه ويقتلونه ~~قتلة فظيعة. ويتجه أولاد الحارة في البداية إلى إدانة عرفة فيتهمونه ~~بقتل الجبلاوي وبأن سلاحه العجيب هو الذي جعل من الناظر طاغية لا يقهر. ~~لكن بعد موت عرفة يشيع الأمل في الصدور، فقد تمكن مساعده «حنش» من ~~النجاة بنفسه، ولعله قد تمكن أيضا من إنقاذ كراسة عرفة السحرية. وكلما ~~اشتدت حملة الناظر على عرفة وقوي اتهامه بقتل الجبلاوي مضى الناس ~~يقولون: لا شأن لنا بالماضي، ولا أمل لنا إلا في سحر عرفة، ولو خيرنا ~~بين الجبلاوي والسحر لاخترنا السحر. وهكذا أخذ بعض شبان الحارة يختفون ~~تباعا لكي يتعلموا السحر على يد حنش استعدادا ليوم الخلاص ~~الموعود ... # لم يترتب على اقتحام عرفة (العلم) لبيت الجبلاوي (العالم في الدين ~~والميتافيزيقا) إلا أسوأ النتائج: مقتل الخادم العجوز، وموت الجبلاوي، ~~وتسخير عرفة في خدمة الناظر، وانتصار هذا الناظر انتصارا مطلقا في ~~القهر والجبروت. هنا تطل هذه الأسئلة الملحة برءوسها: هل فشل عرفة لأنه ~~لم يتحرر بعد من إيمانه بالجبلاوي؟ أم يرجع فشله إلى محاولته النفاذ في ~~عالم الميتافيزيقا الذي ليس للعلماء (الطبيعيين) أن يبحثوا فيه عن شيء؟ ~~أم يرجع في النهاية إلى تجرئه على المساس بأقدس المقدسات؟ # وعندما يصل عرفة في خدمته للناظر إلى الدرك الأسفل، تظهر امرأة تحمل ~~إليه الرسالة الوحيدة التي وجهها الجبلاوي إليه: «اذهبي إلى عرفة ~~الساحر وأبلغيه عني أن جده مات وهو راض عنه.» وتبقى حقيقة هذه الرسالة ~~غامضة، ولا نستطيع أن نقطع بأنها لم تكن إلا حلما من أحلام عرفة، ~~ولكنها هي التي تشجعه على اتخاذ قراره بالهرب من خدمة الناظر، كما تمهد ~~للتحول النهائي الذي تسوده روح التفاؤل. لقد وثق من رضاء جده عنه، ~~واطمأن إلى أنه لم يغضب لاقتحامه بيته وقتل خادمه. ولكنه يفهم منها ~~كذلك أن رضاه ينطوي على سخطه على عمله في خدمة الناظر. وربما كان ~~التفسير القريب لهذا أن عالم الدين والميتافيزيقا قد انتهى، ولكن ~~العالم (بكسر اللام ms045) - وهو صاحب الحق في المستقبل - يعترف بالقيم ~~الروحية والمعايير الأخلاقية التي أخذها عنه. ~~(23) لا شك في أن الإشكالية التي أثارت النقد، بل الاحتجاج والثورة ~~على الرواية، تكمن في نقل التاريخ المقدس - أي تاريخ النجاة والخلاص ~~والهدي على أيدي الرسل والأنبياء عليهم السلام - إلى مستوى الحارة التي ~~تزدحم بالفتوات، ويرزح أهلها تحت أثقال الفقر والقهر والجهل والمرض ~~والقذارة، ومن ثم «علمنته» أو إضفاء النزعة الدنيوية عليه وتصغير ~~مقاييسه، وإطفاء هالات الجلال والقداسة التي تحيط به، وعرضه على جمهور ~~القراء عرضا يقرب إليهم أحداثه، وإن كان في الوقت نفسه يؤثر فيهم ~~تأثير الصدمة. # ومع أن الرموز الحية في هذه الرواية واضحة أكثر مما ينبغي للرموز ~~الفنية (لأن الرمز يتسم بالضرورة بقدر من الغموض ويشع دلالات ومعاني ~~متعددة، بينما هو هنا أحادي البعد صريح الدلالة) فإن الكاتب يتعمق ~~تحليل هذه الرموز التاريخية والمتعالية في الوقت نفسه على التاريخ (مثل ~~جبل ورفاعة وقاسم وعرفة الساحر أو العالم) ويناقش أفكار نجيب محفوظ ~~الأساسية ومواقفه من الدين والميتافيزيقا والعلم والعقلانية، وشوقه إلى ~~المجتمع العادل السعيد الذي يقهر الموت أو على الأقل ينسي الناس مأساة ~~العدم الزاحف عليهم لا محالة: «إذا حسنت أحوال الناس قل شره - أي الموت ~~- فازدادت الحياة قيمة وشعر كل سعيد بضرورة مكافحته حرصا على الحياة ~~السعيدة المتاحة ... سيجمع الناس السحرة ليتوفروا لمقاومة الموت، بل ~~سيعمل بالسحر كل قادر، هنالك يهدد الموت الموت.» (ص354 من الطبعة ~~البيروتية). ويعلق المستعرب الكبير على العبارات السابقة قائلا: إن ~~الثورة على الموت ليس لها طابع ميتافيزيقي فحسب، وإنما هي كذلك رمز ~~متطرف على الكفاح العقلاني والواقعي من أجل حياة أفضل، وهو كفاح يعنيه ~~نجيب محفوظ بكل ما في هذه الكلمة من قوة. وليس «أولاد حارتنا» هم أبطال ~~روايته، وإنما هم المقصودون بخطابها وحديثها إليهم، فلا بد لهم أن ~~يعرفوا أن الجهد المبذول لتأمين السلامة والعدالة تمهيدا لخلق الحياة ~~الجديدة جهد يسعى إلى نجاتهم وخلاصهم، وأن نضال الموت نفسه - الذي ~~يتحتم على كل إنسان أن يعانيه بمفرده - له من ms046 ناحية أخرى معنى ~~اجتماعي. ففي مقدور الفرد أن يستمد الشجاعة في مناضلته (أي الموت) وقهر ~~أشكاله وصوره المختلفة - من فقر وجوع ومرض وجهل وتخلف ... إلخ، من خلال ~~تضامنه مع الآخرين. # بهذا تنتهي الرواية نهاية واعدة تفيض بالأمل في المستقبل - هذا إذا ~~أمكن كسب الأغلبية لمتابعة الطريق الذي بين لهم عرفة معالمه ... # ويختم الأستاذ بحثه بقوله إنه لا يعرف في الأدب العربي الحديث عملا ~~تناول مثل هذه المشكلات المهمة على هذا النحو المثير الذي تناولتها به ~~«أولاد حارتنا» (ويقصد بذلك مشكلات تأثير الدين والعلم في الحياة، ~~وإيجاد مجتمع عقلاني تختفي منه مآسي الفقر والذل والبطش ... إلخ، فتهون ~~على الإنسان مأساة وجوده وعدم وجوده ... إلى غير ذلك من المشكلات المهمة ~~التي عالجها نجيب محفوظ بصور متعددة المعاني والإيحاءات، وبصدق وعمق ~~وموضوعية تميز كل أعماله. ولذلك يتمنى «شتيبات» في السطرين الأخيرين من ~~بحثه - كما سبق القول - أن تترجم الرواية إلى اللغات الأوروبية وتضاف ~~إلى ذخيرة البشرية من الأدب العالمي. ولقد ترجمت مع غيرها من أعمال ~~الأديب الكبير إلى ما يقرب من أربعين لغة حية، وحصل - كما نعلم جميعا ~~- على الجائزة المرموقة التي شرفت به، وتحققت نبوءة المستشرق المنصف ~~بعد كتابة بحثه بما يزيد على عشر سنوات (يمكنك إذا شئت أن تطلع على ~~النص الكامل لهذا البحث في كتابي المتواضع «شعر وفكر»، القاهرة، الهيئة ~~المصرية العامة للكتاب، 1997م، ص355-372)). ~~(24) وفي النهاية يشرفني أن أضع بين يدي القارئ هذه الدراسات والبحوث ~~العشرة للمستشرق الألماني الكبير عن الإسلام والمسلمين. وإذا كنت لم ~~أتقيد بترجمتها ترجمة حرفية، فقد التزمت غاية الدقة والأمانة في عرضها، ~~ولم أغفل فقرة واحدة ولا حقيقة واحدة وردت فيها. كما عرضت في التمهيد ~~لهذا الكتاب ملخصا وافيا لعشر مقالات أخرى تسجل اهتمام الأستاذ ~~«شتيبات» بنشأة الوعي القومي وبداية النضال من أجل الوحدة العربية، ~~وبحركات الاستقلال والتحرر وبعض النظم الثورية في البلاد العربية وغير ~~ذلك من المشكلات المتصلة بالتعليم ونكبة فلسطين، بالإضافة إلى تقديم ~~عملين روائيين من الأدب العربي الحديث يعبران عن مدى انشغال ms047 العقل ~~والوجدان العربي في النصف الثاني من القرن العشرين بالتقدم والاستنارة ~~والتجديد والتغيير نحو الأفضل والأعدل. وقد حرصت في هذا التمهيد على أن ~~أبدأ بعرض أقدم هذه المقالات والبحوث - من حيث زمن كتابتها - وأنتهي ~~بأحدثها، وذلك على العكس مما فعلت مع المقالات والبحوث عن الإسلام ~~والمسلمين. # ولا شك عندي في أن القارئ سيتعرف من خلال هذه البحوث والمقالات على ~~موضوعية المنهج التاريخي وأمانته، وسيشهد بنفسه على الإنصاف والتعاطف ~~العقلي والوجداني للمستشرق الكبير مع قضايا العرب والمسلمين، كما سيشعر ~~بأن سطوره تنبض في مواضع عديدة بالتفهم والمشاركة، وتشف عن أمل ~~كاتبها في أن ينجح العرب في تحقيق مشروعاتهم في التنمية والتقدم، ~~وحلمهم بالوحدة التي هي طوق النجاة الوحيد في خضم أعاصير التحديات التي ~~تهب عليهم من كل اتجاه ... # ومن الطبيعي أن يختلف القارئ العربي مع المؤلف في بعض آرائه، وأن ~~يوجه النقد إلى جانب أو آخر من أفكاره ووجهات نظره. ويقيني أن المؤرخ ~~الكبير سيرحب بالاختلاف في الرأي ما دام يقوم على أساس الحوار الحر ~~النزيه ويتوخى الوصول إلى الحقيقة، فلا قوام لأي فكر أو بحث بغير النقد ~~الذي يبعث فيهما أنفاس الحياة ويحولهما مع الزمن إلى فعل مؤثر ~~ومغير ... ~~(25) وفي الختام أقول للقارئ الكريم، الذي اطلع على شيء من إنتاجي ~~السابق، إنني قد حرصت في كل ما قدمت من قبل على أن أحصر نفسي في حدود ~~الفلسفة الغربية والأدب العالمي - لا سيما الأدب الألماني - وأن أبتعد ~~بها عن ميدان الدراسات الإسلامية والعربية، لإيماني من ناحية بضرورة ~~تحديد الكاتب أو الباحث لحدوده، ولعلمي ويقيني من ناحية أخرى بأن غيري ~~من الإخوة الباحثين المتخصصين أقدر مني على الخوض في بحار ذلك الميدان ~~الشاسع. وقد أقدمت على العمل في هذا الكتاب، وبذلت ما بذلت في سبيل ~~تحقيق نصوصه والتثبت من حقائقه - بقدر ما استطعت - لسببين؛ أولهما: أن ~~أشارك بجهد شديد التواضع في مواجهة حملات التشويه والافتراء الضارية ~~على الإسلام والمسلمين والعرب، وهي الحملات الكاذبة التي أرجو أن يفطن ~~العقل الغربي نفسه ذات يوم ms048 قريب إلى أنها تخجله وتنفي عنه فضيلته ~~الكبرى التي ميزته منذ عهد الإغريق، وهي فضيلة التمسك بالحقيقة والبحث ~~عنها والإعلاء من شأنها فوق كل شيء ومهما تكن التضحيات، والثاني هو ~~إهداء زهرة حب ووفاء للأستاذ والمعلم الذي يغمرني برعايته وفضله منذ ما ~~يقرب من نصف قرن، لعلها أن ترسم على وجهه الطيب الحنون ابتسامة رضى ~~وسعادة، وتحمل إليه - وهو يرقد على فراش المرض في برلين - أخلص تمنيات ~~تلميذه وصديقه بالشفاء والهناءة. # أشكره - سبحانه - على عونه وتوفيقه، وأستغفره وأسأله الصفح عن القصور ~~والتقصير، إنه نعم المولى ونعم النصير، إليه ألجأ، وإليه ~~المصير. # عبد الغفار مكاوي # الفصل الأول # | حياة فريتس شتيبات وأعماله # «لم أعرف في حياتي، ويقينا لن أعرف في أيامي الباقية، من هو ~~أطيب ولا أنبل منك، أيها الأخ الأكبر والمعلم المثالي ~~الأكمل.» # عبد الغفار مكاوي # ولد أوتو هيرمان فريتس شتيبات # 1 # في اليوم الرابع والعشرين من شهر يونيو سنة 1923م بمدينة ~~كيمنتز (بمحافظة سكسونيا)، وانتقل مع أسرته بعد سنوات قليلة إلى برلين ~~مع انتقال أبيه للعمل بها في إدارة مطبعة «ريتشارد لود فيج». عاش ~~الصبي مع أسرته في حي «فيد ينج»، والتحق بمدرسة ماكينزين - التي ~~تغير اسمها بعد ذلك فصارت تحمل اسم الفيلسوف والناقد والكاتب المسرحي ~~ليسينج - ولم يكد يحصل على شهادة إتمام الدراسة الثانوية في سنة ~~1940م حتى بدأ أبوه في إعداده لتولي شئون المطبعة، وأخذ يدربه على فنون ~~الطبع وصف الحروف وتوزيع الأحبار والألوان، ولكنه سمح له في الوقت ~~نفسه - لحسن حظه وحظ الاستشراق، وتخفيفا من أعباء العمل اليدوي المؤلم ~~والأبكم - بأن يلتحق بالجامعة لدراسة المادة التي يختارها. # ودفعه حبه للغات الغريبة والبعيدة إلى أن يبدأ بدراسة اللغتين ~~الصينية واليابانية، ثم لم يلبث أن تخلى عنهما وانصرف إلى الدراسات ~~العربية والإسلامية في «سيمنار اللغات الشرقية» الذي كان يقدم دروسا ~~لغوية وعملية قبل أن يضم في العهد النازي إلى جامعة برلين القديمة ~~ويدخل في إطار الدراسة الجامعية. وهناك تعرف الطالب الشاب على أستاذه ~~الذي لازمه حتى رحيله، وهو المستعرب الكبير ms049 فالتر براونه (1900-1989م) ~~الذي أدى أمامه في نهاية شهر أكتوبر سنة 1941م أول امتحان له في اللغة ~~العربية - وقد كان من حسن حظ المستشرق الشاب أن يعفى من سخرة التجنيد ~~ولعنة القتال في إحدى الجبهات التي فتحتها ألمانيا الهتلرية في الحرب ~~العالمية الثانية - غير أن الجيش سرعان ما استدعاه في شهر يناير سنة ~~1942م للعمل مترجما في قسم البحوث بوزارة الطيران في برلين، واستفاد ~~من فترة وجوده بالعاصمة في مواصلة دراسته للعلوم الإسلامية، وذلك قبل ~~أن ينقل القسم السابق الذكر إلى منطقة بافاريا في الجنوب ~~الألماني. # عايش «شتيبات» تجربة الاستسلام المطلق لبلاده وإعلان انتهاء الحرب ~~(في الثامن من شهر مايو سنة 1945م) وإن لم يذق نعمة الراحة أو السلام ... ~~فقد قضى ثلاثة أشهر في معسكر اعتقال أمريكي، واضطر إلى العمل مترجما ~~في سلاح الطيران الأمريكي لمدة ثلاثة شهور أخرى. وقد نشر الخراب أجنحته ~~السوداء في كل مكان وراح يفرخ صغاره البشعة - الجوع والفوضى والذل ~~والدمار - في العاصمة بوجه خاص وفي سائر المدن والقرى الألمانية. ~~وانكسرت كل الأحلام فلم يستطع حتى أن يفكر في الرجوع إلى برلين للبحث ~~عن مصير المطبعة التي كان يملكها ويديرها أبوه، دع عنك مواصلة دراسته ~~في جامعتها، فلم يكن لطموح الإنسان في ذلك الزمن العصيب أن يتجاوز ~~محاولة البقاء على قيد الحياة. # ولم تكد محاكم الحلفاء تصدر قرارها، في السادس عشر من شهر ديسمبر في ~~المنطقة المحتلة من قبل الأمريكيين، حتى انخرط في العمل الصحافي، وأخذ ~~يكتب منذ ذلك الحين مجموعة من التقارير عن أحوال الشرق الأدنى في مجلة ~~«أرشيف أوروبا»، وذلك بعد حضور بعض التدريبات المؤهلة للعمل الصحافي في ~~جامعة «ميونيخ»، وواصل نشر هذه التقارير في الأقسام الخاصة بالسياسة ~~الخارجية في عدد من الجرائد كالصحيفة الجديدة وميركور وغيرهما - ويكفي ~~أن نذكر بعض عناوين تلك التقارير والتحقيقات التي لم يتوقف بعد ذلك عن ~~كتابتها ونشرها على مدى سنوات طويلة تالية في منابر مختلفة: وضع مصر في ~~الإمبراطورية البريطانية (1946-1947م)، تطور وضع الدردنيل (1947م)، ~~قضية فلسطين أمام ms050 الأمم المتحدة (1948م) إيران بين القوى العظمى (من ~~1941 إلى 1948م) - وغني عن الذكر ~~أن هذه التقارير الصحافية المبكرة قد اتسمت بكل ما يميز كتاباته ~~ودراساته اللاحقة: بالموضوعية العلمية النزيهة، ووضوح الأسلوب وبساطة ~~العرض، والغوص إلى الجذور التاريخية للتطورات الحديثة والمشكلات ~~والقضايا المعاصرة، والتعاطف الشديد مع بلاد وشعوب المشرق العربي ~~والإسلامي، بعيدا كل البعد عن الاستعلاء على «الآخر» الشرقي - والمسلم ~~بوجه خاص - الذي وصم الكثير من بحوث المستشرقين والمستعربين وجعلها ~~تدور في فلك الأطماع الاستعمارية والتوسعية في ذلك الوقت ومنذ بداية ~~حركة الاستشراق الغربي نفسه. # بعد الحصول في سنة 1951م على منحة من الحكومة الأمريكية وقضاء سنة ~~دراسية في مدرسة الصحافة التابعة لجامعة مونتانا، وبعد حضور بعض ~~الحلقات الدراسية والاستماع لمحاضرات بعض مشاهير المستشرقين في جامعة ~~ميونيخ (مثل بابنجر وشبيتالر) قرر شتيبات الرجوع إلى برلين لإتمام ~~دراسته بجامعتها. كانت الأحوال قد تغيرت بعد الاحتلال الروسي لشطر ~~المدينة الذي تقع فيه الجامعة القديمة. وكان على العالم الشاب أن ينتظر ~~حتى تفتح «جامعة برلين الحرة» - التي أسست عام 1948م في الشطر الغربي ~~للمدينة - أبوابها للطلاب ويستكمل بناء «المعهد الشرقي» التابع للجامعة ~~الجديدة. واستأنف شتيبات دراسته للعلوم الإسلامية والتاريخ الإسلامي في ~~هذا المعهد، وعلى يد الأستاذ نفسه الذي سبق أن أخذ العلم - مع الحب ~~والرعاية - على يديه (وهو المستعرب فالتر براونه الذي سبق ذكره)، وواصل ~~دراسته حتى أتمها في شهر يوليو 1954م برسالة الدكتوراه الأولى عن ~~«الوطنية والإسلام عند مصطفى كامل - مساهمة في التاريخ الفكري للحركة ~~الوطنية المصرية» (وقد ظهر ملخص لها من مائة صفحة في العدد الرابع من ~~مجلة عالم الإسلام لسنة 1956م، ص241-343). # واستبدت به الرغبة في زيارة الشرق الأدنى والبقاء به فترة طويلة ~~تمكنه من التعرف عن قرب على ثقافته وتراثه وأحواله وناسه. وجاءت ~~الفرصة الثمينة عندما كلفته إدارة «معهد جوته» المركزية في ميونيخ في ~~شهر نوفمبر سنة 1955م بالسفر لمدة أربع سنوات إلى القاهرة على رأس بعثة ~~المعهد لتدريس اللغة الألمانية ببعض مدارسها الثانوية (بالإضافة إلى ~~«مدرسة الألسن» التي كانت ms051 الدراسة بها في ذلك الحين دراسة مسائية حرة)، ~~والمشاركة في تأسيس فرع معهد جوته بالعاصمة المصرية. لم يكن من الممكن ~~أن يحلم المستشرق الشاب بفترة أنسب من هذه الفترة التي قضاها بالقاهرة ~~(من 1955 إلى 1959م) ولا أحفل منها بالأحداث الكبرى والطموحات والآمال ~~العظمى في تاريخ المنطقة العربية: من انسحاب القوات البريطانية من قناة ~~السويس إلى العدوان الثلاثي الغادر في سنة 1956م، ومن تأسيس للجمهورية ~~العربية المتحدة بين مصر وسوريا وسقوط الملكية في العراق (1958م) إلى ~~إعلان استقلال المغرب وتونس (1956م) وحرب التحرير الجزائرية التي بدأت ~~بطولاتها ومآسيها في سنة 1954م وانتهت بالتحرر المجيد في سنة 1962م، ~~وكل هذا في ظل المشروع الناصري الطموح لتحقيق الوحدة العربية، وصعود ~~موجات الأمل والاستبشار الموارة بالحلم العربي الكبير الذي لم تكن قد ~~خيمت عليه بعد كوابيس الهزيمة واليأس والإحباط. # كانت سنوات مفعمة بالنشاط والنجاح والرضا الموفور: مشاركة فعالة في ~~تأسيس معهد جوته، وإشراف على بعثة تدريس اللغة الألمانية المكونة من ~~أكثر من أربعة وعشرين عضو هيئة تدريس، ومهمة التفتيش على تدريس اللغة ~~في بعض المدارس المصرية من قبل وزارة التعليم، مع الاهتمام المتزايد ~~بنظام التعليم في مصر وتاريخه وتطوره ، والمشكلات والقضايا الاجتماعية ~~والثقافية المتعلقة به التي صبت بعد ذلك في نهر رسالته الثانية ~~ل «دكتوراه التأهيل» التي خصصها لدراسة نظام التعليم في مصر منذ عصر ~~محمد علي. # لا شك في أن السنوات التي عاشها شتيبات في ظل العهد الناصري كانت من ~~أخصب تجارب حياته كعالم وإنسان. ومن يطلع اليوم على المقالات التي ~~كتبها في تلك الفترة ونشرها في «أرشيف أوروبا» (كالمساعي الأمنية في ~~الشرق الأوسط 1955م، وطريق الأمة الجزائرية 1961م، وثورة عبد الناصر ~~والبداية من جديد 1962م) أو في الكتاب السنوي للجمعية الألمانية ~~للسياسة الخارجية (مثل الدول العربية في الشرق الأوسط، وقضية فلسطين ~~وإسرائيل، وسياسة تركيا والدول العربية، وحركات الاستقلال في المغرب ~~العربي، والدول العربية بين الشرق والغرب، والدول العربية قبل حرب ~~1967م، وبين الحل السياسي والحرب المدمرة، وقد كتبت كلها ونشرت بين ~~سنتي ms052 1955 و1975م) أقول إن هذه المقالات - التي لخصت بعضها في ~~التمهيد السابق - تقدم الشهادة الصادقة على عمق النظرة العلمية ~~والإنسانية، ففيها نلمس التعاطف الشخصي الذي لا ينفصل عن المنهج العقلي ~~النزيه، والتوثيق الدقيق المقترن بالتحليل التاريخي الأمين. وإذا كانت ~~الأيام والأحداث قد كشفت بعد ذلك عن مصادر لم يتوصل إليها أو مواد ~~تاريخية وشخصية لم يتيسر له الاطلاع عليها؛ فإنها - أي هذه المقالات - ~~تظل محتفظة بقيمتها العلمية العالية، وتبقى مآثر طيبة لإنسان توحد فيه ~~العلم الخالص مع الخلق المثالي الرفيع. # رجع شتيبات إلى برلين في أواخر سنة 1959م وعين في منتصف ديسمبر في ~~وظيفة معيد بقسم الدراسات الإسلامية بمعهد العلوم الدينية بجامعة برلين ~~الحرة، وقد كلف - على مدى أربع سنوات - بتدريس اللغة العربية، ~~فاستطاع أن يستغل وقت الفراغ الطويل في إنجاز بعض المقالات التي سبقت ~~الإشارة إليها، بالإضافة إلى بحث عن جمال عبد الناصر، نشرته لجنة ~~اليونسكو في فيينا سنة 1964م، وبحث آخر مطول عن العالم العربي في عصر ~~القومية، نشر سنة 1964م أيضا ضمن كتاب للأستاذ فرانز تيشنر عن تاريخ ~~العالم العربي. وأخيرا قدم رسالته الكبرى لدكتوراه التأهيل التي سبقت ~~الإشارة إليها عن «التراث والنزعة العلمانية في نظام التعليم الحديث في ~~مصر حتى سنة 1952م، مساهمة في التاريخ العقلي والاجتماعي للشرق ~~الإسلامي». ومن المؤسف حقا أن هذه الرسالة المهمة لم تنشر قط على ~~صورة كتاب، وإن كان قد نشر منها بعد ذلك فصلان ضمن كتابين ~~بالإنجليزية والألمانية في عامي 1968 و1969م، عن مشروعات التعليم ~~الوطني قبل الاحتلال البريطاني، وعن طه حسين وديموقراطية التعليم في ~~مصر. # وعاوده الحنين للحياة مرة أخرى في العالم العربي. وشاء له حسن الحظ ~~أن يتولى إدارة المعهد الشرقي التابع لجمعية الاستشراق الألمانية في ~~بيروت من شهر أكتوبر 1963 إلى شهر سبتمبر 1968م. أتاحت له بيروت أن ~~يعيش في ظل التعددية السياسية والدينية، والحرية الثقافية والفنية ~~والأكاديمية والصحافية التي لا نظير لها في العالم العربي كله. ولم يكن ~~لجمعية الاستشراق الألمانية أن تجد مكانا في الشرق الأدنى أنسب من ms053 هذه ~~المدينة لتأسيس المعهد الشرقي التابع لها والقائم بنشر رسالته الثقافية ~~منذ سنة 1961م إلى اليوم؛ هذه المدينة التي يتجاور فيها الشرق والغرب، ~~ويتعايش المسلم والمسيحي، ويتنافس عدد من أفضل الجامعات العربية على ~~نشر الوعي والمعرفة، وتسري روح الحرية الجسورة المتجددة في كل عقل وكل ~~شارع وكل ركن فيها. # كان هذا المعهد الشرقي قد أسس في سنة 1961م بمبادرة من المستشرق ~~هانز روبرت رومر (1915-1997م) الذي تولى إدارته ورعاية شئونه لمدة ~~عامين، استجاب بعدهما لدعوة من جامعة فرايبورج لشغل كرسي العلوم ~~الإسلامية وتاريخ الشعوب الإسلامية بها، ولم يترك الأستاذ بيروت إلا ~~بعد أن رشح شتيبات لجمعية الاستشراق ليكون خلفا له؛ إذ لم ينس أنه قد ~~أثار إعجابه الشديد بمواهبه الإدارية والعلمية عندما تعرف عليه ~~بالقاهرة في منتصف الخمسينيات. وواجه شتيبات بعد حضوره إلى بيروت أربع ~~مهام جسام كان عليه أن ينهض بها: نقل المعهد من مقره القديم (في الدور ~~الثاني من عمارة الصمدي في شارع مدام كوري في حي رأس بيروت) إلى المبنى ~~الجديد الذي انتقل إليه منذ شهر يونيو 1964م ولم يزل يشغله إلى اليوم ~~الحاضر (في فيلا فرج الله بحي زقاق البلاط)، وشراء وتأثيث مقر صيفي ~~للعاملين بالمعهد (دمر خلال الحرب الأهلية)، وتزويد المكتبة بالمراجع ~~والدوريات والأجهزة والمعدات الضرورية، وتنظيم خطة النشر التي توالى ~~ظهور مجلداتها المهمة في التراث الإسلامي والتاريخ العربي تحت عنوان: ~~«نصوص ودراسات بيروتية»، مع الاهتمام بمواصلة نشر سلسلة المخطوطات ~~الشرقية التي كان قد بدأها المستشرق المعروف «هلموت ريتر» في إسطنبول ~~من سنة 1928 إلى سنة 1949م وعرفت بسلسلة «المكتبة الإسلامية». وليس من ~~قبيل المبالغة أن نشيد بالدور الكبير الذي قام به هذا المعهد وما يزال ~~يقوم به في نشر التراث العربي الإسلامي، وتوثيق العلاقات العلمية ~~والإنسانية بين الباحثين الألمان والعرب، وحفز المستعربين الشبان على ~~المزيد من الاهتمام بالقضايا العربية الحديثة والمعاصرة، وفي مقدمتها ~~قضية الصراع العربي الإسرائيلي وتاريخ حركة القومية العربية، والحوار ~~بين الأديان وغيرها من القضايا والمشكلات التي انعكست على بحوث صاحب ~~هذه السيرة ms054 سواء في أثناء وجوده في بيروت أو بعد رحيله عنها بسنوات ~~طويلة. # ويرجع شتيبات في أواخر عام 1968م إلى الجامعة الحرة في برلين ومعهد ~~العلوم الإسلامية والدينية فيها، ويعين في الثالث من سبتمبر من العام ~~نفسه أستاذا مساعدا قبل أن يشغل في الثاني من شهر يوليو 1969م كرسي ~~الأستاذية خلفا لأستاذه «فالتر براونه» صاحب الكتاب المشهور في ~~الدوائر العلمية: الشرق الإسلامي بين الماضي والمستقبل، تحليل تاريخي ~~ولاهوتي لوضعه في العالم المعاصر (بيرن وميونيخ 1960م). وسرعان ما أصبح ~~هذا المعهد - بعد الإصلاح الشامل لنظام التعليم في ألمانيا الاتحادية ~~في أواخر الستينيات - مركزا متوهجا بالحوار الحي بين علماء الأديان ~~والفلاسفة وعلماء الاجتماع والاستشراق، بحيث تضافرت في هذا الحوار ~~المستمر نزاهة العلم الموضوعي الخالص والالتزام السياسي والاجتماعي، مع ~~تزايد اهتمام الرأي العام بمعرفة الشرق العربي والإسلامي بعد نكبة ~~يونيو 1967م، وتصاعد حركة المقاومة والتحرير الفلسطينية، وتفجر أزمة ~~النفط في أوائل السبعينيات. ولا بد أن تلك المحاورات والمحاضرات قد ~~تأثرت من ناحية أبلغ التأثر بتراث التوجه الحضاري في دراسة الشرق ~~الإسلامي وعلومه - وهو التوجه الذي يرجع إلى المستشرق البرليني ك. بيكر ~~(1876-1933م) الذي تتلمذ عليه براونه أستاذ شتيبات - كما تأثرت من ~~ناحية أخرى بتيار «الاشتراكية الدينية المناضلة» الذي اشتهر به ~~الفيلسوف البروتستنتي العظيم باول تليش (1886-1965م) الذي كان البيت ~~الذي استقر به المعهد يحمل اسمه، والذي انطلق في كل تجاربه الفلسفية ~~والوجودية العميقة من الإيمان بالطابع الديني الجوهري للحضارة بكل ~~ظواهرها وتجلياتها في العالم الحاضر على اختلاف أنظمته وحركاته ~~ومشكلاته؛ «إذ ما من شيء فيه لا يعبر عن الوضع الديني.» # هكذا انعكست تأثيرات هذا التراث الممتد في دراسة الدين والتاريخ ~~الحضاري على تفكير صاحب هذه السيرة وبحوثه، وتجلت في اهتمامه بحاضر ~~العالم الإسلامي ومستقبله، وحرصه على الرؤية التاريخية الكلية والشاملة ~~لمجالات الحياة بلا استثناء، والمعرفة الدقيقة بالتراث الديني والعقلي ~~والاجتماعي والظروف التاريخية الكامنة وراء تحولاته الحديثة، مع الأخذ ~~في الاعتبار قبل كل شيء أن الشرق ليس مجرد موضوع عجيب جذاب، أو عالم ~~مثير للغرابة ms055 وحب الاستطلاع، وإنما هو «جزء من عالمنا»، وشريك للغرب في ~~رحلة الفكر والعمل والضمير والتحضر البشري. ومن ثم جاء العنوان ~~الدال للكتاب الذي نحن بصدده، والذي يضم الدراسات والمقالات التي ~~سنعرضها على هذه الصفحات وهو «الإسلام شريكا». فدراسة الشرق الإسلامي ~~كشريك للغرب المسيحي تقوم على أساس من الوجود والسؤال والأمل الذي ~~يوحد بينهما وحدة ضرورية؛ أضف إلى ذلك أن دراسة تاريخ هذا الشرق كطرف ~~أو شريك في مصير واحد تؤدي حتما إلى المعرفة النقدية بتاريخ الغرب ~~نفسه. # وهكذا أسس في برلين مركز مرموق لدراسات الشرق الأدنى الحديث مع كل ~~ما يتصل به من علوم التراث والتاريخ والسياسة والاقتصاد في جامعة برلين ~~الحرة، وساعدت منحة سخية من مؤسسة فولكس فاجن منذ سنة 1976م على مده ~~بالطاقات العلمية والمادية الكافية. # ولقد صمد هذا المركز العلمي وحافظ على هويته ورسالته العلمية ~~والأخلاقية الرفيعة في وجه رياح التغير العاصفة في العالم الإسلامي منذ ~~إطلاق صيحة الصحوة الإسلامية، وقيام الثورة الإسلامية في إيران ~~(1979-1980م) وهبوب أعاصير التطرف مع الحركة المسماة - خطأ وظلما - ~~بالأصولية الإسلامية، وتزايد أعداد المهاجرين من الدول العربية ~~والإسلامية إلى أوروبا الغربية، بحيث أثارت هذه التحولات اهتمام الرأي ~~العام الغربي والعالمي، وأزاحت إلى الظل معظم الجهود المخلصة التي بذلت ~~في سبيل الدرس المحايد والمتأني للشرق. وانبرى شتيبات في العديد من ~~مقالاته ومحاضراته (ابتداء من محاضرته عن الدور السياسي للإسلام التي ~~ألقاها في المؤتمر الحادي والعشرين للمستشرقين الألمان الذي عقد في ~~التاسع والعشرين من شهر مارس سنة 1980م في برلين) انبرى لمواجهة هذه ~~التحديات، وراح يحذر من التبسيطات السياسية المتسرعة لموضوع «الإسلام»، ~~ويدعو إلى فهمه وتفسيره داخل السياق المعقد للمشكلات العالمية. وربما ~~يكفي هذا النص المقتبس من المحاضرة المشار إليها لتوضيح رؤيته السمحة ~~ومنهجه التاريخي والحضاري المتكامل. ~~«ليس الإسلام هو القوة الأصلية الدافعة للموجات الإسلامية الجديدة ~~التي نلاحظها اليوم في العالم. لا شك في أن الديانة المشتركة هي أساس ~~الشعور بالتضامن بين جميع الشعوب الإسلامية. ولكن الشيء المشترك بين ~~الحركات الإسلامية الراهنة لهذه الشعوب ms056 لا يأتي من ديانتها، وإنما يأتي ~~من موقفها التاريخي الذي تشاركها فيه شعوب كثيرة غير إسلامية، وهو موقف ~~الاعتمادية أو التبعية للأمم الصناعية في الغرب، وبحثها اليائس عن توجه ~~خاص يمكن أن يساعدها على التحرر من تلك التبعية.» # وواضح من هذا النص أن نظرته للشرق المسلم كشريك للغرب - تضمهما وحدة ~~الوجود في هذا العالم ووحدة المصير البشري - لم تتغير عما كانت عليه، ~~وأن إيمانه بقوة الدين وقدرته على تجميع البشر لم تتأثر بحملات التحيز ~~والتشويه والإساءة للإسلام والمسلمين. ولعل وقوفه في صف المسلمين الذين ~~يعيشون في ألمانيا، ودعوته لقيام تنظيم موحد يجمع شملهم، لعله أن يكون ~~أبلغ دليل على سماحته العلمية والإنسانية التي تجلت في عدد كبير من ~~دراساته عن الشرق الأدنى، وفي أحكامه المنصفة على بعض ردود الفعل من ~~جانب المسلمين على افتراءات سلمان رشدي في روايته المريبة «آيات ~~شيطانية» (ومن هذه الدراسات على سبيل المثال طبيعة الأمل في نظر ~~المسلم، وصورة الإنسان في الإسلام أو خليفة الله على الأرض، والإيمان ~~يقدم الأمل في الخلاص والنجاة، والمناقشات الدائرة في الكتابات الشعبية ~~الإسلامية)، وكلها دراسات تؤكد اهتمامه بالدين بالمعنى الضيق أو بمعناه ~~«الوجودي» ومدى تأثيره وأهميته في تاريخ الشعوب الإسلامية وأساليب ~~مواجهتها للموت والعدم. # وأخيرا لا ننسى جهوده العملية بين سنتي 1992 و1993م - أي بعد إتمام ~~الوحدة الألمانية - التي توجت بإنشاء «مركز العلوم الإنسانية المختص ~~بدراسة الشرق الحديث» (وهو الذي يزهو به اليوم حي نيكولاسيه في برلين)، ~~وحققت مساعيه السابقة لتجميع التخصصات العلمية المختلفة لدراسة الشرق ~~دراسة تاريخية ودينية شاملة وقائمة على الإيمان بأن الشرق والإسلام ~~شريكان لا غنى عن معرفتهما لكي يعرف الغرب نفسه وتاريخه، كما سبق ~~القول. وهكذا أثبت الرجل العظيم - حتى بعد إحالته إلى المعاش في سنة ~~1988م، وقبل أن يقعده المرض الشديد منذ سنة 1988م - كيف يمكن أن يجمع ~~الإنسان بين القدرة العلمية الخارقة والمهارة العملية الفائقة ~~والاهتمام الدافئ الحميم بكل من اتصل به أو عرفه من الزملاء والأصدقاء ~~والتلاميذ. ولكم يشرفني ويسعدني في ختام هذا التقديم ms057 أن أدلي بشهادتي ~~عنه، بصفتي تلميذا سابقا تعلم على يديه في القاهرة وبرلين، وصديقا ~~لم ينقطع حتى الوقت الحاضر عن الاتصال به والاطمئنان عليه. هذه الشهادة ~~تقول بكلمات مختصرة يمكن أن يفسدها أي إسهاب أو إطناب: «لم أعرف في ~~حياتي، ويقينا لن أعرف في أيامي الباقية، من هو أطيب ولا أنبل منك، ~~أيها الأخ الأكبر والمعلم المثالي الأكمل.» # الفصل الثاني # | ملاحظات عن دور البحث العلمي في حوار الأديان1 # (1996م) ~~«إن ظاهرة الحرب الدينية يجب دائما أن تفسر في إطار سياق ~~تاريخي.» # فريتس شتيبات # ليس من قبيل المبالغة أن أقول إن هذا المعهد كان له تأثير هائل على ~~الدراسات الشرقية، لا في لبنان والعالم العربي وحدهما، بل كذلك في ~~ألمانيا ذاتها. لقد قدم تيسيرات فنية عديدة للباحثين الألمان والعرب ~~على السواء. وإذا كان المستشرقون الألمان يعتزون بتراث طويل وعريق في ~~دراسة اللغات والحضارات الشرقية، فلا بد من القول إن معظم جهودهم قد ~~اتجهت إلى الماضي. وقد استطاع المعهد الشرقي في بيروت أن يقدم ~~للمستشرقين الألمان فرصة العمل في بيئة شرقية، وأن فرصة العمل في بيئة ~~شرقية، وأن يلفت أنظارهم إلى الشرق الحي، وينبههم إلى أن لغات وحضارات ~~الماضي كانت وما تزال واقعا ينبض بالحياة ويؤكد تأثيرها المستمر ~~بأشكال وصور مختلفة على ميادين الفكر والعمل والحياة اليومية والمشكلات ~~والقضايا الملحة في الوقت الراهن. وهكذا يمكن القول إن المعهد الشرقي ~~قد ساهم بدور ملحوظ في الاهتمام المتزايد بدراسة الشرق الحديث من مختلف ~~جوانبه وآفاقه المترامية. # والتوسع في آفاق البحث والدراسة، لا سيما إذا تطرق لموضوعات معاصرة، ~~لا يمكن أن يخلو من المخاطر والمآزق. والواقع أن حجة العلماء الذين ~~يرفضون التعرض لمثل هذه الموضوعات تتلخص في الغالب في أن تناول الشئون ~~المعاصرة يمكن أن يجر الباحث للانزلاق في السياسة. تلك بالطبع حجة ~~مشروعة. فالحق أن جهد الباحث العلمي يمكن أن يفقد الكثير من قيمته، إن ~~لم يفقد كل قيمته، إذا رجحت في ميزان عمله كفة الأغراض السياسية كفة ~~البحث الخالص عن الحقيقة. ولكن لا ms058 يمكن من ناحية أخرى أن ننكر أن على ~~العلماء والباحثين - شأنهم في هذا شأن بقية المواطنين - واجبا يقتضي ~~منهم خدمة الصالح العام من خلال المعرفة التي حصلوها في تخصصاتهم ~~المختلفة. صحيح أن البحث عن الحقيقة لا يجوز بأي حال من الأحوال أن ~~يكون تابعا لأي اهتمام آخر غير البحث عن الحقيقة، أضف إلى هذا أنه لا ~~ينبغي على هؤلاء الباحثين أن يدعوا الصدق المطلق لمعارفهم، وأن عليهم ~~في هذه الحدود أن يشاركوا بإرادتهم واختيارهم في تكوين الرأي العام. ~~ومن حسن الحظ أن عددا كبيرا من شباب الباحثين قد بدءوا السير في هذا ~~الاتجاه. # أود الآن أن أقدم بعض الملاحظات المتصلة بمجال تخصصي في الدراسات ~~الإسلامية عن قضيتين يدور حولهما النقاش العام بشأن الشرق الأوسط، ~~وأعتقد أن هاتين القضيتين من الأهمية بحيث ينبغي على الباحثين ~~المتخصصين أن يدلوا فيهما بدلوهم: ~~(1) # وصف الإسلام بأنه عقبة كبرى أمام السلام العالمي في ~~عصرنا. ~~(2) # مشكلة الحوار بين الأديان، وبالأخص بين الإسلام ~~والمسيحية. # ولست أضيف جديدا إذا قلت إننا نلاحظ منذ سنوات قليلة ميلا شديدا ~~ومفاجئا في الغرب إلى اعتبار الإسلام خطرا يهدد العالم الحر، بل ~~اعتباره مصدر الإزعاج الباقي للسلام على الأرض. لقد بدأت هذه الظاهرة ~~مع تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار النظم الشيوعية في أوروبا ~~الشرقية. # وتفسير هذه الظاهرة يفرض نفسه بنفسه، فمن الناس من يشعر ببساطة ~~بالحاجة الدائمة لمواجهة خطر أو عدو يهدده، وإذا كان الخطر الشيوعي قد ~~انحسر، فإن الإسلام والمد الإسلامي هما البديل المناسب. ولدي يقين ~~مؤكد بأن الدوافع الكامنة وراء هذا الموقف دوافع غير عقلانية. ولهذا ~~أعتقد أنه لا ينبغي أن تترك هذه الظاهرة بغير تفسير وتعليق دقيق، لا ~~سيما إذا تبنتها جهات محترمة أو ارتفعت بها أصوات مؤثرة. # ولعل أهم المناقشات التي دارت في هذا السياق على المستوى الأكاديمي ~~قد افتتحتها مقالة نشرت في مجلة «الشئون الخارجية» الأمريكية في العام ~~الماضي (1993م). وعنوان هذه المقالة هو «صدام الحضارات» ومؤلفها هو ~~صمويل ب. هنتنجتون أستاذ علم الحكومات ومدير معهد جون أولين ms059 للدراسات ~~الاستراتيجية في جامعة هارفارد. # 2 # ويسعى مؤلف المقال إلى وضع نموذج يساعد على فهم العلاقات ~~الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة، وذلك على أساس افتراض مؤداه أن ~~«المصدر الرئيسي للصراع في هذا العالم الجديد لن يكون في المقام الأول ~~أيديولوجيا ولا اقتصاديا، وأن التقسيمات الكبرى بين أبناء البشر ~~وكذلك المصادر الأساسية للصراع ستكون كلها حضارية» (ص22 من المقال ~~المذكور) ويحدد هنتنجتون سبع أو ثماني حضارات كبرى ستشكل صورة العالم ~~على نطاق واسع. هذه الحضارات في رأيه هي الحضارة الغربية، والصينية ~~الكونفوشيوسية، واليابانية، والإسلامية، والهندية، والسلافية ~~الأرثوذوكسية، والأمريكية-اللاتينية، وربما أمكن إضافة الحضارة ~~الأفريقية إليها. ويذكر صاحب المقال أن «أهم» العوامل التي تميز ~~الحضارات بعضها عن بعض هو عامل «الدين» (ص25). # لن أستطيع الدخول في تفصيلات المناقشات التي أعقبت نشر مقال ~~هنتنجتون، ولا أن ألخص الانتقادات التي وجهت للفرض الذي طرحه. يكفي ~~القول في هذا السياق إن هنتنجتون يؤكد نقطة مهمة بتشديده على أهمية ~~تحديد الهوية الذاتية في توجه البشر ومواقفهم من الحياة، وكذلك على ~~أهمية الحضارة والدين بوصفهما عنصرين أساسيين في تحديد تلك الهوية. فلا ~~شك في أن الناس يشعرون بالحاجة الشديدة إلى الاعتماد على القوى التي لا ~~تأتي من الخارج، وإنما تنبع من داخلهم وتعبر عن شخصيتهم الأصيلة ~~المتفردة، ويستندون فيها إلى «سند من تراثهم الخاص» كما يقول أستاذي ~~فالتر براونه. # 3 # وفي تقديري أن هنتنجتون يبالغ مبالغة شديدة في حديثه عن تأثير هذين ~~العاملين على الممارسة السياسية في العالم. فمن الصحيح - فيما يتعلق ~~بالإسلام - أن اقتناع المسلمين جميعا بأنهم يكونون جماعة أو «أمة»، قد ~~وحد بينهم على الدوام في الشعور بالتضامن والتكافل. ولكن من الصحيح ~~أيضا أن العالم الإسلامي الرحب تعيش فيه شعوب وفئات اجتماعية مختلفة ~~المشاعر والمصالح. وأغلب الظن أن هذه الشعوب والفئات المتعددة ليست على ~~استعداد للتضحية بمصالحها الحيوية في سبيل وحدة إسلامية أعظم. وليس هذا ~~من قبيل المصادفة؛ لأن الدين الإسلامي يتيح للأفراد والجماعات مجالا ~~واسعا وأفقا رحبا للتفسير. ولا توجد كذلك في الإسلام سلطة عليا ~~لتقرير ms060 ما هو التفسير الصحيح، فليس فيه «بابا» ولا «دالاي لاما»، لا ~~مجمع كنسي ولا مجلس مسكوني، والمؤمنون يتمتعون بحرية واسعة في هذا ~~الشأن (أي في حرية التفسير) ما داموا يسعون بإخلاص وصدق للوصول إلى ~~الحقيقة. ومن الممكن، والحال كذلك، أن يتوصل المؤمنون إلى استنتاجات ~~مختلفة عن الموقف الصحيح من قضية معينة، كأن تكون هذه القضية هي قبول ~~أو رفض الحضارة الغربية أو أي حضارة غيرها. وهنالك من جهة أخرى مشاعر ~~الانتماء والتوحد في مصير مشترك، وهي مشاعر تتجاوز حدود الجماعة ~~الدينية ولها مع ذلك تأثير قوي لا يستهان به. وأضرب لهذا مثلا واحدا ~~من العلاقات القوية والحميمة التي تربط بين المسلمين والمسيحيين العرب، ~~وهو مثل لا يفسح له نموذج هنتنجتون عن الحضارات القائمة على الدين أي ~~مكان فيه. لقد تحدى هنتنجتون نقاده أن يقدموا نموذجا أفضل من ~~نموذجه. ويبدو لي أن تقسيم البشر إلى مجتمعات صناعية وأخرى غير صناعية ~~أو في سبيلها إلى التصنيع - وهو الذي تثار حوله المناقشات تحت شعار ~~«الصراع بين الشمال والجنوب» أو غيره من الشعارات - يمكن أن يفي بهذا ~~الغرض. # مجمل القول أن العيب الذي يؤخذ على حجة هنتنجتون عن الحضارات هو أن ~~هذه الحضارات ليست متجانسة بل ولا محددة تحديدا كافيا للتمييز القاطع ~~بينها. والظاهر أن استخدام مفهوم الحضارة مع مفهوم الدين الملازم له ~~باعتبارهما يمثلان الخط الأساسي للتفرقة بين أطراف الصراع الكبرى في ~~عالم اليوم، الظاهر أن هذا لن يساعد كثيرا على تفهم هذه ~~الصراعات. # وينبغي أن نذكر وجها آخر من ~~وجوه الاعتراض على نموذج هنتنجتون. فإعطاء الدين هذا الوزن الكبير ~~واعتباره العامل المحدد لتكوين الجماعات يمكن أن يؤدي إلى نتائج بالغة ~~الخطورة، خصوصا أن هنتنجتون ينظر في الأساس إلى الصراع على أنه يعني ~~الحرب: «إن خطوط الحدود الخاطئة التي تفصل بين الحضارات ستكون هي خطوط ~~المعارك في المستقبل، # 4 # والحرب العالمية القادمة، إذا قامت مثل هذه الحرب، ستكون ~~حربا بين الحضارات.» ويبدو له (أي لهنتنجتون) بوضوح من سيكون هو ~~العدو الأول للغرب في مثل ms061 هذا الصدام بين الحضارات. إنه في نظره هو ~~الإسلام الذي يملك «حدودا دموية»، بل إنه يرى أن «الإسلام والصين ~~الكونفوشيوسية» يشكلان ارتباطا عسكريا لمواجهة القوة العسكرية للغرب ~~(راجع المقال السابق ذكره عن صدام الحضارات ص22، 34، 35، 47). # أود الآن أن أكرر رأيي في أن الحضارة والدين، وإن لم يكونا هما ~~العاملين الوحيدين في تكوين الهوية الجماعية للبشر، فلا شك في أنهما ~~يقومان بدور مهم في تكوين هذه الهوية. ولو سلم الرأي العام في الغرب ~~«المسيحي» - وفقا لتصور هنتنجتون - بأن الإسلام هو عدوه الطبيعي، لما ~~استنتج المسلمون من ذلك سوى أن عليهم ألا يتوقعوا من الغرب غير ~~العدوان عليهم. ذلك على التحديد هو الذي يمكن أن يدفع المسلمين كافة، ~~بصرف النظر عن الاختلافات القائمة بينهم في المشاعر والمصالح، إلى ~~اتخاذ موقف عدائي موحد ضد الغرب، إن هنتنجتون، حتى ولو أخذ حضارات ~~أخرى في الاعتبار، إنما يضع في الواقع إطارا نظريا لاستنفار كل من ~~الإسلام والمسيحية تجاه الآخر. وهكذا نجده يتنبأ بنبوءة يتوقع لها أن ~~تتحقق. # ليس من الخطر الشديد فحسب أن نعطي للدين الدور الأساسي في تحديد تكون ~~الجماعات في نظام عالمي مهيأ للحرب. إنني مقتنع كذلك بأن هذا ببساطة ~~خطأ فادح في التفكير. ولكي أكون أكثر تحديدا فإنني أقول إنه لا ~~المسيحية ولا الإسلام، بحكم طبيعتيهما وماهيتيهما، يريدان الحرب. ونحن ~~نعلم من التاريخ أن كليهما قد استغل في بعض العهود لتبرير الحرب ~~وتعبئة جماهير المؤمنين بهما للقتال. ولكن لا ينبغي أبدا أن نعتبر أن ~~ذلك كان هو هدفهما الحقيقي، ذلك أن ظاهرة الحرب الدينية يجب دائما أن ~~تفسر في إطار سياق تاريخي. وقد ذكرت من قبل أن ظهور عداوة عامة من ~~جانب الغرب تجاه الإسلام يمكن كذلك أن يدفع المسلمين من جانبهم إلى ~~اتخاذ موقف عدواني موحد ضد الغرب. غير أن رد الفعل هذا لن يكون ~~نابعا من نزعة عدوانية أساسية في داخل الإسلام، بل سيكون نتيجة مترتبة ~~على مجموعة من العوامل التاريخية وعلى الأفعال وردود الأفعال من كلا ~~الطرفين. # إن هنتنجتون ms062 يبني آراءه، بقصد أو بغير قصد، على افتراض مؤداه أن ~~الأديان يواجه بعضها البعض بطريقة لا بد أن تؤدي بالضرورة إلى كل أنواع ~~الصراع، بما في ذلك الصراعات العنيفة. وأنا في الحقيقة أرفض هذا ~~الافتراض رفضا تاما: صحيح أن الأديان يمكن أن تقود إلى الصراع، ~~ولكن حدوث هذا ليس أمرا حتميا. وإذا أردنا للصراع ألا يتفجر، ~~فينبغي أن نفكر تفكيرا هادئا في هاتين «الاستراتيجيتين»: ~~(1) # تجنب تكوين التكتلات السياسية التي تساعد على تفجر ~~الصراعات المصبوغة باللون الديني. ~~(2) # وأن نعمل على زيادة التفاهم المتبادل وإيجاد الأرض ~~المشتركة بين أتباع الديانات المختلفة بغية التقليل من ~~إمكانات الصراع. # وقد سبق أن أبديت بعض الملاحظات عن الاستراتيجية الأولى، أما عن ~~الثانية فأود أن أشير بصددها إلى النشاط الملحوظ في تبادل المعلومات ~~والخبرات والآراء الذي يطلق عليه في هذه الأيام اسم حوار ~~الأديان. # ويعد حوار الأديان في نظر دوائر واسعة من الرأي العام أمرا جديرا ~~بالثناء، كما أن هناك من يقول إن مساندته «تصرف سياسي سليم» ... ولكن هذه ~~المواقف لا ينبغي أن تقودنا إلى الظن بأنه ليس في حاجة إلى التشجيع. ~~فبينما يحمل مؤيدوه عن طريق الكلام في أغلب الأحيان أفكارا سطحية عنه، ~~نجد من ناحية أخرى مقاومة رهيبة له، وهي مقاومة ترتكز على اقتناعات ~~عميقة الجذور في الوجدان. ونستطيع أن نميز في أصحاب هذا الفريق بين ~~مجموعتين؛ إحداهما ترى أن حوار الأديان عمل عقيم ، والأخرى تخشى أن يؤدي ~~هذا الحوار إلى تخريب الدين الذي تؤمن به. ولنبدأ «حوارنا» معهما ~~بالفريق الأول. # يمكننا أن نميز، بين أصحاب الرأي القائل بعقم الحوار بين الأديان، ~~مجموعتين اثنتين. فالمجموعة الأولى تزعم أن الدين - بما هو دين - شيء ~~لا وزن له، ومن ثم فإن رفض أصحابها للدخول في حوار الأديان هو ~~نتيجة منطقية لموقفهم الذي لا يمكن قبوله من الناحية التاريخية ولا ~~يستحق مجرد مناقشته. أما أصحاب المجموعة الثانية فيحترمون الدين، أو ~~على الأقل دينهم، أشد الاحترام، ولكنهم يرفضون الدخول في حوار مع أصحاب ~~الأديان الأخرى. وقد قام أحد زملائي ms063 المستشرقين منذ وقت قريب بنشر كتاب ~~عن تاريخ العقيدة الإسلامية، وهو كتاب بالغ الأهمية يصف المؤلف في ~~مقدمته الحوار بين الأديان بأنه ظاهرة دالة على «روح العصر»، وإن كان ~~هو نفسه لا يحب أن ينخرط فيها أو يلتزم بها. وهو يشرح أسباب هذا الموقف ~~الرافض بقوله: إنه لشيء «مرعب» أن يحاول معلمو الدين «أن يجدوا، أو ~~يخترعوا، أقصى ما يمكنهم إيجاده أو اختراعه من سمات مشتركة بين أديان ~~العالم، وذلك رغبة منهم في إلغاء أسباب التوتر عن طريق الافتعال السطحي ~~للتجانس بينها»؛ ولهذا نجده يقول عن نفسه: «إنه يحجم عن التسرع باكتشاف ~~أوجه تناظر أو تشابه بين كل من الإسلام والمسيحية»؛ لأن مثل هذه ~~المحاولة تقود، من حيث المبدأ، إلى الضلال. # 5 # يتضح من هذه النصوص المقتبسة أن الآراء التي يعبر عنها أصحاب هذه ~~المجموعة تمتد جذورها في موقفهم الذي ربما لا ينكر وجود سمات مشتركة ~~بين الأديان، ولكنه يعتبر هذه السمات أقل أهمية بكثير من الخلافات ~~القائمة بينها. # إن من الواضح أن الأديان يختلف بعضها عن بعض من وجوه كثيرة اختلافات ~~مهمة. ولكننا لو أمعنا النظر فيها عن قرب لتأكد لدينا كذلك أنها تتحد ~~في عدد من السمات المشتركة ذات الأهمية البالغة. وتصدق هذه الملاحظة ~~على مستوى البشرية بوجه عام، ولكنها تصدق بدرجة أكبر على الأديان ~~الإبراهيمية الثلاثة، وهي اليهودية والمسيحية والإسلام. # إن الدين يستجيب لحاجة عميقة في الإنسان . ولو شئنا أن نعبر عن هذا ~~بمصطلحات الفلسفة الوجودية لقلنا إنها هي الحاجة لقوة الوجود التي تهزم ~~اللا-وجود الذي نلقاه ونعانيه في تجارب الموت، والعذاب، والإخفاق، ~~والظلم، والإثم، وفقدان المعنى. ولو شئنا أن نعبر بلغة بسيطة مألوفة ~~لقلنا إن الدين يستطيع أن يمدنا «بالمعنى الأخير للحياة» ... بمصدر ~~وجودنا وغايته، أي بالإجابة عن السؤالين الخالدين: من أين؟ وإلى أين؟ ~~وهو يستطيع أيضا أن يضمن لنا «قيما عالية ومعايير غير مشروطة ... أي ~~علة مسئوليتنا والهدف منها». والأديان «حريصة على سعادة الإنسان»، ~~وذلك بتقديم التوجه الديني الأساسي؛ أي السند، والعون، والأمل، ومنحنا ~~الكرامة ms064 الإنسانية، والحرية الإنسانية، والحقوق الإنسانية ... أي الأساس ~~الذي يرتكز عليه العمق النهائي. # 6 # والنصوص الأخيرة قد صاغها «هانز كينج» بقلمه، وهو عالم لاهوت ~~كاثوليكي، يؤمن بأن الديانات العالمية تشارك في المبادئ السابقة، ~~وينطلق من هذا الإيمان لوضع مشروعه العظيم عن «أخلاق كوكبية» يمكن أن ~~يتفق على مبادئها جميع المؤمنين في جميع الأديان - بل وأصحاب النزعة ~~الإنسانية من غير المتدينين - ويكونوا تحالفا مشتركا لخير البشرية، ~~ومن فكرة كينج هذه خرج «الإعلان عن الأخلاق العالمية» الذي أقره ~~برلمان الأديان العالمية الذي انعقد في شيكاغو سنة 1993م، وهذا ~~البرلمان ليس مؤسسة رسمية، كما أن أعضاءه لا يمثلون سلطات دينية رسمية. ~~ولكن هذا لا يجرد الإعلان من أهميته، وإنما يؤكد أن أفكار «كينج» ~~تلقى ترحيبا واسعا وتقدم إمكانية حقيقية للتفكير بصورة تتفق اتفاقا ~~كاملا مع المبادئ التي تقوم عليها الأديان المختلفة. # 7 # ولو رجعنا للحديث عن الأديان الإبراهيمية الثلاثة، وهي اليهودية ~~والمسيحية والإسلام، لتأكدنا من وجود أرض مشتركة بينها، تقوم على ~~العلاقة التاريخية التي تربط الأديان الثلاثة، وتدعمها حقيقة كونها ~~ديانات تنتسب إلى أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، كما تتفق جميعها ~~على الإيمان بعقيدة التوحيد. إن المسيحية تعترف بالكتاب المقدس ~~لليهودية، والإسلام يعترف بالكتب المقدسة لليهودية والمسيحية. وقد قامت ~~على مر التاريخ علاقات وثيقة وعميقة بين المؤمنين بالأديان الثلاثة، ~~أدت إلى مناقشات مستفيضة لأفكارهم وإلى تبادل الخبرات والتجارب ~~بينهم. ولا يعني هذا عدم وجود اختلافات أساسية كثيرة بين الديانات ~~الإبراهيمية الثلاث، فالمتوقع من الباحثين المتخصصين في هذه الأديان أن ~~يحددوا هذه الاختلافات، والمتوقع منهم أيضا أن يبينوا أوجه التشابه ~~والتناظر المشتركة بينها. # والواقع أن الاختلاف والتشابه كثيرا ما يكونان متداخلين، ومسألة ~~العلاقة بين الإنسان والله هي أحد الأمثلة الواضحة على هذا التداخل. # 8 # فاليهودية والمسيحية تسلمان بما جاء في التوراة (سفر ~~التكوين 1، 26-27) من أن الله قد خلق الإنسان على صورته (أي على صورة ~~الله سبحانه). ومن المستحيل على الإسلام الذي يتحاشى النزعة التشبيهية ~~بالإنسان «الأنثروبومورفيزم» ويفزع منها، أن يسلم بالعبارة السابقة. ~~ومع ذلك فقد عرف المسلمون العبارة ms065 على صورة حديث شريف ورد فيه ما معناه ~~أن الله قد خلق آدم على صورته. ولكنهم (أي المسلمين) فهموا النص بطريقة ~~مختلفة، إذ قالوا إن الله سبحانه قد اختار أن يسوي آدم على إحدى ~~الصور التي في علمه جل شأنه. وهكذا بقيت الآية الكريمة # ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير ~~(الشورى: 11) فوق كل نقاش. # هل نستنتج من هذا، فيما يتصل بالعلاقة بين الله والإنسان، وجود فجوة ~~سحيقة بين الإسلام والديانتين الإبراهيميتين الأخريين؟ ربما يبدو الأمر ~~كذلك. ولكننا لو عرفنا أن خلق الإنسان على صورة الله، كما يتصوره ~~اليهود والمسيحيون، لا يمكن أن يفهم منه التشابه في الشكل، بل يجب أن ~~يفسر بوصفه استعارة تدل على علاقة وثيقة وحميمة هي علاقة القرب من ~~الله، فإن المسلمين لن يختلفوا على ذلك. وآية ذلك أن الإمام الغزالي ~~العظيم يذهب إلى وجود «مناسبة باطنة» بين الإنسان والله، أي علاقة قرب ~~لا يصح أن تختلط مع التشابه في المنظر أو الشكل. ويذكرنا الغزالي في ~~هذا السياق بوصية الصوفية: «تخلقوا بأخلاق الله» بما يفترض فيمن يأخذ ~~بهذه الوصية الاستعداد والشوق للقرب من الله. # بيد أن أهم استعارة تشير إلى قرب الإنسان من الله تنطوي على فكرة أن ~~الله قد جعل الإنسان خليفته على الأرض. والجدير بالملاحظة أن هذه ~~الفكرة لا تستند إلى نص حرفي من القرآن الكريم، وإنما تعتمد على تفسير ~~النص. وقد جاء في آيات كثيرة أن الله قد جعل البشر خلفاء على الأرض. ~~وكلمة «الخليفة» تعني «اللاحق» أو «النائب». ومن المعروف أنها قد أطلقت ~~على من رأس الجماعة الإسلامية الكبرى بعد انتقال محمد (عليه الصلاة ~~والسلام) إلى الرفيق الأعلى، وذلك على معنى «خليفة رسول الله». وربما ~~وجب فهم الاستخدام القرآني لكلمة «خليفة» بمعنى مشابه: فالله قد جعل ~~آدم أو داود على سبيل المثال، أو غيرهما من البشر، «خلفاء» لأشخاص، أو ~~جماعات، أو أجيال عاشت قبلهم. ولا يوجد في القرآن الكريم أي نص يوجب ~~فهم كلمة «الخليفة» بطريقة لا لبس فيها بأنه «نائب» عن الله ms066؛ إذ إن من ~~الواضح أن الله جل شأنه لا يمكن أن يخلفه أحد أو أن يكون له «خليفة». ~~ومع ذلك كله فإننا نجد لدى بعض العلماء المسلمين اتجاها واضحا، تزايد ~~نموه مع الزمن، لتفسير كلمة «الخليفة» كما وردت في القرآن الكريم بحيث ~~تدل على «نائب الله» في أرضه. وفي الوقت الذي كانت فيه الكلمة لا تشير ~~في البداية إلا إلى «خليفة رسول الله»، تزايد الميل مع مرور الزمن إلى ~~الاستناد للقرآن الكريم في تفسيرها بحيث تعني أن الله سبحانه قد جعل ~~بعض الناس، أو بعض المسلمين، «خلفاء» أو نوابا له على الأرض. # لا شك في أن المجال يتسع لفهم وضع «خليفة» أو «نائب» الله على معان ~~مختلفة. وقد تساءلت من قبل عما إذا كانت الكلمة تشير إلى البشر عامة ~~أو إلى المسلمين فحسب. وأعود إلى الغزالي الذي ذهب إلى أن «المناسبة ~~الباطنة» - أو علاقة القرب الحميم - بين الإنسان والله التي تؤهل ~~الإنسان لكي يكون نائبا لله على الأرض تتضمن بوضوح معنى البشر عامة. ~~وفي العصر الحديث نجد مفكرين مرموقين، مثل محمد عبده ومحمد إقبال، ~~يتخذون موقفا مشابها، حين يؤكدان تفوق الإنسان على سائر المخلوقات. ~~غير أننا نجد «أبو الأعلى المودودي» ينسب صفة «نائب الله» لجماعة ~~المسلمين الذين يلتزمون التزاما صارما بشريعة ثابتة لا تترك لهم سوى ~~قدر ضئيل من حرية تشكيل العالم. كذلك نجد أن أحمد مصطفى المراغي يوجه ~~الأنظار إلى أن إمكان تعيين نائب لله أمر مقصور على فرد واحد أي إلى ~~حاكم معين. ومن جهة أخرى نرى المفكر التركي «زيا جو كالب» يعلن أن ~~«الشعب» (أو «الناس») هم ممثلو الله على الأرض. ويذهب «علي شريعتي» إلى ~~حد اعتبار أن «الناس» والله في القرآن الكريم مترادفان، وأنهما ~~مصطلحان يمكن أن يحل أحدهما محل الآخر في كل ما يتعلق بقضايا المجتمع. ~~إن عبارة «الحكم لله» تعني في رأيه أن الحكم للشعب، كما أن عبارة ~~«المال لله» (أي الملك أو الثروة) معناها أنه ملك للشعب. # يتبين لنا الآن أن التفسيرات السابقة ms067 تختلف من مفكر إلى آخر حسب ~~مواقفه الدينية والسياسية، وأن الذي يجمع بينهم هو فكرة أن الإنسان ~~يحتل منزلة أسمى بكثير من سائر المخلوقات، وأنه شديد القرب من الله جل ~~شأنه. وحتى إذا كان وصف الإنسان بأنه على صورة الله أو أنه يشبهه لا ~~يزال أمرا غير مقبول لدى المسلمين، فإن صورة الإنسان عندهم لا تبدو ~~مختلفة تمام الاختلاف عن صورته في اليهودية والمسيحية. وليس صحيحا، ~~كما ذهب البعض إلى ذلك أحيانا، أن الإسلام يرى أن الله سبحانه بعيد ~~بعدا لا متناهيا عن الإنسان (لأن ذلك قد نتج عن فهم متطرف لفكرة ~~تعالي الله أو علوه). وليس من الصحيح كذلك أن الإسلام لا يفتح ~~الأبواب واسعة أمام أساليب التفكير ذات النزعة الإنسانية. # وأود الآن أن أقدم مثلا آخر يمكن أن يساعدنا على تبين السمات ~~المشتركة بين الديانات الإبراهيمية الثلاث، ولذلك أطرح هذا السؤال ثم ~~أحاول الإجابة عنه: ما الذي يعطي الإنسان الأمل في الخلاص أو النجاة؟ ~~ما الذي يحرره من الخطيئة والإثم ومن اللعنة والعذاب الأبدي؟ # ربما نتوقع من علم العقيدة الإسلامي - على أساس أن الإسلام دين جاء ~~بشريعة منزلة - أن يعتبر أن أعمال الإنسان هي أهم معيار يحتكم إليه في ~~تقرير خلاصه أو نجاته. غير أن الحال يختلف عن ذلك، كما بينت في مقال ~~نشر في هذا الكتاب الذي صدر تكريما لذكرى صديقنا الراحل الأب فريد جبر. # 9 # فحتى المفكرون الذين يقيمون وزنا كبيرا للأعمال، يضعون ~~الإيمان في منزلة أعلى منها. ونجد على سبيل المثال أن حسن البنا يعلن ~~في أحد كتبه التعليمية أن «العقيدة» هي أساس العمل، وأن عمل القلب أهم ~~بكثير من عمل الجوارح. وبلوغ الكمال في كليهما أمر يقتضيه الشرع. أما ~~الشيخ محمد الغزالي فيعتبر أن العمل هو أساس الإيمان، وأن الاعتقاد ~~الخاطئ بأن الأعمال يمكن إهمالها هو علة الأزمة التي وقع فيها الدين في ~~هذه الأيام - ومع ذلك فهو يسلم بأن المؤمن يمكن أن يرتكب الخطايا من ~~دون أن يفقد الإيمان - ولكنه إذا تفاخر بخطيئته واستخف ms068 بإهماله لأداء ~~الفرائض فإنه يكون قد تخلى عن الإسلام وحقت عليه اللعنة. وهناك إجماع ~~على الاعتقاد بأن المؤمن يمكنه أن يتيقن من أن رحمة الله سوف تنقذه في ~~كل الأحوال، ما دام قد بقي على إيمانه. # ومناقشة علماء اللاهوت المسيحي لهذه المشكلة معروفة ومألوفة، فهي ~~المشكلة القديمة التي تتعلق بما إذا كان الخاطئ «يبرر» من خلال أعماله ~~أم من خلال إيمانه، وما إذا كان من الممكن أن يتيقن من الخلاص أم يقتصر ~~على أن يأمل فيه، وكلها أسئلة كان لها دور كبير في تعاليم مارتن لوثر ~~في بداية عصر الإصلاح الديني وما زالت تناقش إلى اليوم. # يتبين من المثلين اللذين قدمناهما أن أوجه التناظر والتشابه بين ~~المسيحية والإسلام لا يمكن إنكارها. ونستطيع أن نقرر على سبيل التعميم ~~أن كثيرا من الأسئلة التي تثار في الديانتين واحدة، على حين أن ~~الإجابات عنها مختلفة. ويلاحظ في معظم الأحيان أنه لا توجد إجابة ~~إسلامية واحدة، لأن الإسلام يفسح مجالا واسعا للتفسير والاختلاف في ~~الآراء والاجتهادات. ولو نظرنا للقضية من هذه الزاوية، لرفضنا قبول ~~الزعم القائل بعدم وجود أرضية مشتركة والتذرع به لرفض الحوار بين ~~الأديان. ولا بد الآن من الإجابة عن الاعتراضات التي يثيرها أولئك ~~الذين يخشون الحوار بحجة أنه يمكن أن يفسد الدين الذي يؤمنون ~~به. # لا شك في أن الحوار بين الأديان يمكن أن يصبح شيئا عقيما أو أسوأ ~~من ذلك إذا لم يتجنب الأطراف المشاركون فيه بعض المواقف التي يمكن أن ~~تفسده منذ البداية. فالاتجاه الطويل لتحويل الطرف الآخر عن دينه أمر ~~يتعارض مع روح الحوار. ويصدق الأمر نفسه على غياب الاحترام لمعتقدات ~~الطرف الآخر بسبب الجهل بأهميتها القصوى بالنسبة إليه أو عدم الاعتراف ~~بها. وكل محاولة ل «كسب النقاط» على حساب الطرف الآخر - حتى لو اقتصر ~~ذلك على دائرة النقاش - سيؤدي حتما إلى إفساد جو الحوار. والحقيقة أن ~~الصعوبة الأساسية في الحوار بين الأديان تكمن على وجه الدقة في أن ~~الاقتناعات والاعتقادات الدينية ليست قابلة للنقاش أو للتفاوض على ms069 ~~الإطلاق، أي لا يجوز أن تتعرض للمهانة أو التنازل أو غيرهما من ~~التغيرات المشابهة في المواقف. # ويبدو من المناسب الآن أن نرجع لعلماء اللاهوت لتوضيح الموقف الذي ~~نحن بصدده. وقد فحص «هانز كينج»، في كتابه السابق الذكر عن الأخلاق ~~العالمية الجديدة، هذه المسألة فحصا دقيقا. فهو لا يريد ولا يتوقع من ~~أي طرف من أطراف الحوار أن يتخلى عن معتقداته التي يؤمن بها، بل يقول ~~على العكس من ذلك إن أي حوار لن تكون له في الأساس أي فائدة إذا افتقد ~~تدين أي طرف من أطراف الحوار إلى «العنصر المعياري والمحدد تحديدا ~~نهائيا» في دينه أو في تدينه (ص101 من كتابه السابق الذكر عن ~~المسئولية الكوكبية)، كما لا يجوز في رأيه أن تسطح مسألة الحقيقة أو ~~أن يضحى بها، ولو كان ذلك في سبيل «يوتوبيا» عالم مستقبلي موحد أو ~~ديانة عالمية واحدة (ص97) ويرفض كينج نزعة «اللامبالاة» التي تتساوى في ~~نظرها قيم الأشياء، كما يستنكر النزعة النسبية التي ترفض الاعتراف بأي ~~وجود مطلق، والنزعة التوفيقية التي تخلط بين كل ما هو ممكن وما هو ~~مستحيل (ص96). # ويطالب كينج من ناحية أخرى أطراف الحوار بأن يجمعوا بين أصدق ولاء ~~ممكن لمعتقداتهم وبين أقصى انفتاح ممكن على الآخرين (ص100) وإذا كان من ~~الطبيعي أن يتمسك كل طرف بدينه ويعتبر أنه هو الدين الوحيد الحق، فإن ~~ذلك لن يؤدي بالضرورة إلى استبعاد الحقيقة من الأديان الأخرى، بل يمكن ~~أن يؤيد صحتها وصحة وصفها بأنها ديانات حقيقية. وما دامت الأديان ~~الأخرى لا تتناقض مع الرسالة المسيحية تناقضا مباشرا، ففي إمكانها أن ~~تضيف إلى الديانة المسيحية وتصححها وتزيدها عمقا (ص99): «ينبغي علينا، ~~انطلاقا من التزام مسيحي أصيل واستعداد دائم للتعلم، أن نستمر في ~~تغيير أنفسنا على طريقتنا، وأن نسمح لأنفسنا بأن ننصلح من خلال ما ~~نتعلمه من الأديان الأخرى، بحيث لا يؤدي ذلك إلى تدمير إيماننا العريق، ~~بل إلى إثرائه» (ص103). # ومن الطبيعي ألا تكون هذه المطالب موجهة إلى المسيحيين وحدهم، فهي ~~توجه بالمثل إلى ms070 غير المسيحيين. ويعلم الأستاذ كينج مدى الاختلاف ~~الشاسع بين موقف المسيحية المتماهية على نطاق واسع مع الغرب المهيمن ~~والعدواني، وبين موقف «عالم ثالث لم ينس على الإطلاق تاريخ الاستعمار ~~وتاريخ حركات التبشير التي امتزجت به. وإذا توقع البعض أن يتخلى الناس ~~هناك (أي في العالم الثالث) عن شيء من معتقداتهم الإيمانية القديمة، ~~فلا شك في أن ذلك سينظر إليه بحق على أنه تهديد لهويتهم الحضارية ~~والدينية» (ص97). والمهم في نهاية التحليل أن كينج، الذي يتكلم كمسيحي، ~~تحركه دوافع مستمدة من ظروفنا التاريخية المعقدة: «في عصرنا الجديد - ~~عصر ما بعد الكولونيالية (الاستعمار) وتعدد المراكز، وما بعد الحداثة - ~~حان أوان إقامة الحوار بين المسيحية والأديان العالمية على أساس عريض ~~وعلى نطاق واسع» (ص104). # إن حوارا يتم بهذه الروح السمحة يبدو أمرا ممكنا ومفيدا. ومع ~~ذلك فلا يجوز أن نطالبه بما هو فوق طاقته. فالصراعات الكبرى في عصرنا ~~لا ترجع في الواقع لخلافات دينية، ولذلك فإن الأديان ستجد نفسها في ~~موقف يتعذر معه أن تتمكن من حلها بصورة فعالة. ومع ذلك فإن الحوار ~~بينها يمكن أن يصلح الأجواء ويمهد لإيجاد الحلول وإزالة العقبات. ~~ولعل أهم نتيجة يمكن أن تتمخض عن مثل هذا الحوار هي في تقديري أن تتأكد ~~جميع الأطراف المشتركة فيه من أن الأطراف المتعارضة لا تريد أن تدمرها ~~أو تؤذيها، وأنها لا تهدف إلى الصدام معها، وإنما تسعى إلى تفهم ~~الآخرين والتوصل إلى أسس مشتركة يقوم عليها التعايش البناء والتعاون ~~المثمر. ومثل هذا الحوار ينبغي أن يتم على جميع المستويات الممكنة، ~~كما ينبغي بطبيعة الحال أن يدور بين الممثلين الرسميين للجماعات ~~الدينية المختلفة (ولذلك أعتقد أن الجهود الأخيرة التي بذلت بهذه الروح ~~بين أئمة الجماعات الدينية في لبنان تستحق الثناء العظيم والمساندة ~~القوية) وينبغي أخيرا على رجال السياسة والاقتصاد أن يضعوا الحوار بين ~~الأديان في تقديرهم ويجعلوه أحد اهتماماتهم في أثناء اللقاءات التي تتم ~~بينهم، لا سيما عندما يلتقون لحل المشكلات الدولية. بل ينبغي أن يدور ~~الحوار بين كل شعوب الديانات ms071 المختلفة الذين يلتقون ويتناقشون كل يوم ~~وكل ساعة على مستوى العالم بأسره، وفي جميع المناسبات الممكنة، في ~~الزيجات المختلطة والمشروعات الاجتماعية المشتركة، في الاحتفالات ~~الدينية أو في المبادرات السياسية (ص138). # وأعتقد أخيرا أن هناك دورا خاصا يقع عبء القيام به على أكتاف ~~الباحثين، ولا يقتصر الأمر في ذلك على علماء اللاهوت. بل يشمل ~~المتخصصين في الأديان المختلفة والمعنيين بالدراسات المقارنة. صحيح أن ~~الأمر يقتضي، حين تظهر الحاجة إلى الحصول على معلومات دقيقة عن أحد ~~الأديان، أن يتوجه الناس في المقام الأول إلى أصحاب هذا الدين الذين ~~يمكنهم أن يتحدثوا عنه «من داخله». غير أن الخبراء الذين يتحدثون «من ~~الخارج» لهم كذلك أدوار ووظائف يمكنهم القيام بها. ومن الطبيعي ألا ~~ننتظر الموضوعية الكاملة من كلا الفريقين، فتفكير الباحثين، شأنهم في ~~هذا شأن جميع البشر، يتأثر بالضرورة بالبيئة المحيطة بهم ومعتقداتهم ~~(التي يمكن أن تكون ديانة أخرى يعتنقونها أو اقتناعا بأن الأديان في ~~مجموعها لا قيمة لها أو أنها ضارة ومؤذية)، ولكن إذا كان هؤلاء ~~الباحثون على درجة طيبة من الكفاءة، فإنهم سيسعون على الأقل للوصول إلى ~~قدر من الموضوعية، وسيمارسون النقد الذاتي على أفكارهم وآرائهم، ~~وسيكونون قادرين على التعبير عن معارفهم بلغة بسيطة يمكن أن تفهم ~~بسهولة بدلا من اللغة التقليدية التي يستخدمها أبناء ديانة معينة ~~يتحدثون عنها «من داخلها». ويستطيع الباحثون فضلا عن ذلك كله أن ~~يستخدموا المناهج المتبعة في أنظمة معرفية أخرى، وبذلك يتمكنون من وضع ~~كل ظاهرة في سياقها التاريخي الخاص، ومن تصحيح الطرق غير التاريخية في ~~النظر والإدراك كما فعل هنتنجتون في كتابه عن صدام الحضارات. # وأخيرا أذكر بأن ما قلته عن دور الباحثين العلميين يجب ألا يفهم ~~منه أنه يسير في اتجاه واحد. فالمستشرقون الغربيون ليسوا هم وحدهم ~~المطالبين بالمساهمة في حوار الأديان بدراستهم لأديان الشرق وحضاراته ~~ولغاته. # إن الباحثين «الشرقيين» ينبغي عليهم أيضا - بوصفهم مستغربين أو ~~دارسين للغرب - أن يعكفوا على دراسة المسيحية والحضارة الغربية بحيث ~~يمكنهم، من الخارج، أن يتعرفوا على مشكلات الغرب ويشاركوا ms072 على هذا ~~الأساس بدورهم في الحوار. والواقع أن هذا التطور قد حدث منذ وقت طويل، ~~والدليل على هذا أن عددا غير قليل من الباحثين العرب قد دبجوا بحوثا ~~قيمة وجديرة بكل التقدير عن التاريخ الأوروبي والآداب الغربية ... إلخ. ~~ومن الواجب أن تجد مثل هذه البحوث الأخيرة المزيد من الالتفات ~~والتشجيع. # وأخيرا فسوف يسعدني كل السعادة أن يجد أعضاء المعهد الشرقي في ~~بيروت، وأصدقاؤه وضيوفه، في هذه الملاحظات التي عبرت عنها شيئا يدفعهم ~~إلى البحث والمناقشة، مع أطيب تمنياتي القلبية للمعهد ومشروعاته ~~العلمية المقبلة. # الفصل الثالث # | عشر قضايا عن الأصولية الإسلامية # (1991م) ~~«إذا اعتبرنا أن الأصولية الإسلامية هي رد فعل لموقف تاريخي ~~محدد، فلا يجوز أن نتوقع لها أن تفقد أهميتها وتأثيرها قبل أن ~~يتغير الموقف تغيرا جذريا.» # شتيبات # يلاحظ منذ وقت غير بعيد أن الحركات الأصولية قد استفادت أكثر من ~~غيرها من مناخ الديموقراطية الذي أخذ ينتشر في بعض البلاد الإسلامية ~~ويقطع خطوات طيبة إلى الأمام. وهذه الظاهرة تلزمنا بأن نتدبرها ونفكر ~~في المواقف التي ينبغي علينا أن نتخذها منها: ~~(1) # إن «الأصولية» لا توجد في الإسلام وحده، وإنما هي موجودة ~~في غيره من الديانات والأيديولوجيات. وتندرج تحت هذا ~~المصطلح حركات متفرقة تجمع بينها الاتجاهات الثلاثة ~~التالية: ~~(أ) # الشمولية: وهي مفهوم مأخوذ عن الكاثوليكية، ~~وتعبر عن وجهة النظر التي تقول بأن جميع ~~الأسئلة التي تطرحها الحياة الخاصة والعامة ~~تتوافر الإجابات عنها في العقيدة أو بالأحرى ~~في تعاليم الدين أو الأيديولوجية. ~~(ب ) # النصوصية: أي الرأي القائل بأن النصوص ~~المقدسة ينبغي ألا تمس، وينبغي أن تفهم ~~فهما حرفيا أو لفظيا. ~~(ج) # الانحياز المطلق: أي رفض أي مناقشة للمبادئ ~~التي يعتنقها الأصولي والتعصب تجاه أي وجهة ~~نظر أخرى مخالفة. ~~(2) # إن الإسلام، كظاهرة تاريخية، ليس بحكم طبيعته أصوليا ~~على الإطلاق؛ صحيح أنه ديانة ذات شريعة ويقدم للإنسان ~~التعاليم التي توجه حياته بأكملها، ولكنه كان يضطر على ~~الدوام للدخول في حوار مع الواقع التاريخي، ونصوصه المقدسة ~~- وهي القرآن الكريم والسنة المشرفة - قد احتاجت على ~~الدوام إلى ms073 التفسير. ومن أجل ذلك طورت الشريعة الإسلامية ~~عددا من القواعد التي تتسم بمرونة شديدة، وذلك مثل ~~الضرورات تبيح المحظورات، والتعاليم الشرعية تتغير بتغير ~~الزمن، مع التأكيد المستمر بأن الشرع يجب أن يكون في خدمة ~~المصلحة العامة، إلى جانب صياغة مجموعة كبيرة من «مقاصد ~~الشرع»: كحماية الحياة، والعقل، والذرية، والملكية. وهكذا ~~سمح الإسلام، في كل العصور، بالتفكير في مبادئه تفكيرا ~~عقلانيا مع وضع الواقع دائما موضع الاعتبار. ~~(3) # إن الأصولية تنشأ في وضع تاريخي محدد، وقد قام الأستاذ ~~مارتن ريزنبروت، المتخصص في علم الاجتماع الديني، ببحث ~~مقارن بين الأصولية المسيحية والأصولية الإسلامية، توصل ~~منه إلى هذه النتيجة: «إن الفكر الأصولي يعبر عن تجربة ~~عميقة بالأزمة، وهو يرى أن سبب الأزمة التي يمر بها ~~المجتمع هو الانحراف عن المبادئ الخالدة التي نزل بها ~~الوحي الإلهي ودونت في الكتب المقدسة وتحققت بالفعل في ~~جماعة مثالية. والطريق الوحيد للخلاص من الأزمة الراهنة هو ~~الرجوع إلى هذه المبادئ والتعاليم الإلهية.» ولا شك أن ما ~~جاء في العبارات السابقة ينطبق تماما على الأصولية الإسلامية. # 1 ~~(4) # لم تكن ردود فعل المجتمعات الإسلامية في العصر الحديث ~~على تفوق الغرب وأطماعه التسلطية، في كل الأحوال، ردود فعل ~~ذات طابع أصولي؛ فقد بذلت معظم المجتمعات الإسلامية جهودا ~~متصلة لمواجهة هذه التحديات، وما زالت تبذل مثل هذه ~~الجهود. ولم تبدأ الجماعات الأصولية في القيام بدور مؤثر ~~إلا في القرن العشرين، كما لم تظهر على الساحة ظهورا ~~بارزا إلا منذ منتصف القرن العشرين. ويترتب على ذلك ضرورة ~~البحث عن أسباب الأزمة التي يشعر بها المسلمون الآن شعورا ~~واعيا. ~~(5) # إن الشعور الحالي بالأزمة عند المسلمين قد نجم عن مجموعة ~~من الإحباطات التي فجرته وغذته، وسوف نجملها في العناصر ~~التالية: ~~(أ) # محاولات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ~~التي بقيت حتى الآن قاصرة وعاجزة. فقد ظهر أن ~~الاندماج في السوق العالمية لم يجلب معه غير ~~الإضرار بالسوق المحلية، والاقتصاد القومي لم ~~يستطع أن يتغلب على حالة التخلف، والإنتاج ~~القومي لا ينمو نموا كافيا ولا يوزع ~~توزيعا عادلا، والشباب يكاد ms074 لا يرى في الأفق ~~أي أمل في حياة طيبة ووجود جدير بكرامة ~~الإنسان. ~~(ب) # السخط على الحكومات المسئولة عن تعثر مشاريع ~~التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وعن حرمان ~~الشعب من المشاركة في القرارات السياسية ~~المهمة، وفي تبادل السلطة أو السماح له بذلك ~~في أضيق الحدود. ولا بد أن نقرر، بغير الدخول ~~في موضوع التقاليد الديموقراطية وتاريخها في ~~البلاد الإسلامية، أن الشعوب في هذه البلاد ~~تشعر اليوم بأن الخضوع لهذه الحكومات الفاشلة ~~يمثل عبئا ثقيلا عليها، وأنها لا تكف عن ~~التطلع إلى المشاركة في تحديد مصيرها. ~~(ج) # النظام العالمي الظالم: لقد روجت القوى ~~الغربية التي تهيمن على العالم لعدد من القيم ~~والمثل العليا، مثل حق الشعوب في تقرير ~~مصيرها، والشرعية التي يقوم على أساسها النظام ~~العالمي الجديد. غير أن الواقع يدل على أن هذه ~~القوى لا تسعى إلا لتحقيق مصالحها الأنانية، ~~وأنها تلجأ عند تطبيق هذه المثل إلى معايير ~~مزدوجة تضر بمصالح الشعوب الإسلامية ~~والعربية. والدليل الواضح على ذلك هو موقفها ~~من مشكلة الصراع في الشرق الأدنى، أو مشكلة ~~الصراع بين العرب وإسرائيل، ولو أمكن التوصل ~~إلى حل لهذا الصراع لكان ذلك الحل بداية تحول ~~نفسي عام. # ولا مراء في أن المآسي التي عاناها مسلمو البوسنة تقدم ~~دليلا جديدا على أن العالم يعامل المعتنقين للإسلام ~~معاملة ظالمة. ~~(6) # إن عناصر الإحباط الثلاثة السابقة ليس لها أدنى علاقة ~~مباشرة بالدين. فجو اليأس والقنوط الذي تخلفه يؤثر في ~~المسيحيين العرب تأثيره في المسلمين سواء بسواء. ولكن من ~~الطبيعي أن يعبر المسلمون عن ردود أفعالهم من خلال ~~المفاهيم المألوفة لديهم والمستمدة من ديانتهم. ~~(7) # لا يمكن الحديث عن حركة متجانسة للأصولية الإسلامية. ~~فالواقع أن هناك اتجاهات وتنظيمات عديدة تكمن وراءها دوافع ~~مختلفة بحيث نستطيع أن نميز بينها ثلاثة اتجاهات رئيسية: ~~(أ) # فالمتطرفون بشكل مطلق يطالبون بنظام إسلامي ~~لإنقاذ العالم. وهم يرفعون شعار التكفير ~~والهجرة ليعلنوا أن المخالفين لهم في الرأي ~~ملحدون، وجميع الدول الراهنة في رأيهم ~~«كافرة»، لأنها جميعا لا تطبق شرع الله. ~~وينبغي، في نظرهم، على جميع ms075 المؤمنين أن ~~يوحدوا صفوفهم في جماعة نشطة ويقضوا على الكفر ~~عن طريق «الجهاد» أو الحرب المقدسة. وقد قامت ~~هذه الجماعة في سنة 1981م باغتيال الرئيس ~~المصري أنور السادات. والواقع أن هذا الاتجاه ~~المتطرف ليس له أنصار كثيرون، كما أن الآراء ~~ووجهات النظر التي يتبناها مرفوضة من جانب عدد ~~كبير من المسلمين ذوي التفكير الأصولي. ومع ~~ذلك فإن جرأتهم وصراحتهم تضمنان لهم قدرا من ~~الاهتمام والتأثير الذي يتخطى الدائرة ~~المحدودة لأعضائهم العاملين. ~~(ب) # والاتجاه الثاني يمثله المطالبون بتطبيق ~~الشريعة الإسلامية، فهذا هو الاسم المشترك ~~الذي يطلق على عدد كبير من جماعات الأصوليين ~~وأنصارهم الذين لا يرتبطون في الحقيقة ~~بأيديولوجية واضحة وموحدة. إن الشريعة، في ~~نظرهم، هي التي توفر للمؤمنين نظاما ثابتا ~~ومحددا يهديهم إلى الحق في مواجهة المشكلات ~~الحاضرة؛ لأنها نظام نابع من مصادر إلهية، ولا ~~يشغل أصحاب هذا الاتجاه أنفسهم كثيرا بأن ~~النصوص المقدسة كانت تحتاج دائما إلى ~~التفسير، كما أنهم يرفضون المناقشات المتحذلقة ~~للفقهاء المتقدمين. ومع ذلك فقد تشتعل ~~المجادلات العنيفة في بعض الأحيان حول ماهية ~~الحل الإسلامي الصحيح. ويتفق جمهور الأصوليين ~~في إحساسهم المشترك بأن الإسلام مهدد من ~~الأعداء الذين يريدون القضاء عليه. ومن هؤلاء ~~الأعداء اليهود والمسيحيون (على الرغم من أن ~~هؤلاء يعتبرون من أهل الكتاب، ومن ثم فهم ~~قريبون من الإسلام بحكم انتمائهم لديانة ~~سماوية منزلة) ومنهم كذلك الشيوعيون، ~~وأحيانا الرأسماليون، والعلمانيون، بل إنهم ~~يضعون الوطنيين أيضا في صفوف الأعداء. ~~(ج) # أما الاتجاه الأصولي الثالث، فيمثله أولئك ~~الذين يمكن تسميتهم بالباحثين عن الهوية. وهم ~~لا يعتبرون مخالفيهم في الرأي من الأعداء ~~لمجرد أنهم قد تنكبوا طريق الله، بل لأنهم ~~يطالبون بالتبعية العقلية والحضارية ~~للغرب. # وفي غمرة الشعور القاهر بضرورة التكيف مع نظام عالمي ~~تهيمن عليه المجتمعات الصناعية الحديثة الغريبة عنهم، ~~نجدهم يحسون بالحاجة الشديدة إلى نظام خاص بهم، ~~يميزهم عن كل ما هو أجنبي، ويمدهم بالقدرة على تأكيد ~~ذواتهم، وتشتد هذه الحاجة ويزداد هذا الإحساس لدى المسلمين ~~الذين تضطرهم ظروف حياتهم للحياة بعيدا عن أوطانهم ووسط ms076 ~~مجتمعات أجنبية، ولهذا ليس من المستغرب أن ينضم الكثيرون ~~من هؤلاء المسلمين إلى صفوف الحركات الأصولية. ~~(8) # إن الإسلام لا يمثل أي تهديد للعالم. بل العكس من ذلك هو ~~الصحيح: فالكثير من المسلمين يشعرون في عالمنا الحاضر ~~بأنهم مهددون. ربما يتسبب هذا الشعور في ظهور بعض ~~الاتجاهات اللاعقلية أو التصرفات العدوانية. ولكننا إذا ~~اعتبرنا أن الأصولية الإسلامية هي رد فعل لموقف تاريخي ~~محدد، فلا يجوز أن نتوقع لها أن تفقد أهميتها وتأثيرها قبل ~~أن يتغير الموقف تغيرا جذريا. ~~(9) # إذا انسقنا تحت تأثير ظواهر الأصولية الإسلامية إلى رسم ~~صورة الإسلام كعدو لنا؛ فسوف تترتب على ذلك ثلاث نتائج ~~وخيمة العواقب: ~~(أ) # إن هذه الصورة ستحول بيننا وبين البحث في ~~الأسباب التي أدت إلى الأصولية الإسلامية ~~وتدبر الوسائل التي تساعدنا على استبعاد هذه ~~الأسباب. ~~(ب) # وإذا روجنا هذه الصورة عن الإسلام كعدو ~~فسوف يؤكد ذلك شعور المسلمين بأنهم محاطون ~~بقوى معادية تتربص بالإسلام وتسعى للقضاء ~~عليه. إننا بذلك ندفع المسلمين دفعا إلى ~~الأصولية. ~~(ج) # إن تصوير الإسلام في صورة العدو سيكون ~~بطبيعة الحال أشبه بصب مياه جديدة في طواحين ~~العداء للأجانب الذي تقاسي منه ~~مجتمعاتنا. ~~(10) # إن أهم شيء يجب علينا أن نراعيه في تعاملنا مع الأصوليين ~~الإسلاميين هو أن نتفهم الدوافع التي تحركهم تفهما ~~عميقا، وأن نبين للمسلمين بوجه عام أننا نريد أن ~~نفهمهم، لا أن نحاربهم. # الفصل الرابع # | العلمانيون والإسلاميون ... محاولة مصرية لتصنيفهم1 # (1991م) ~~«إن المتأمل من الخارج لما يجري في بلاد المسلمين يحسن صنعا ~~بتجنب التعميمات السطحية المتسرعة التي تصور الإسلام في صورة ~~العدو.» # شتيبات # الأصولية، التكاملية أو الشمولية، الصحوة الإسلامية، البعث أو ~~الإحياء الإسلامي ... كثيرة هي المصطلحات التي تطلق على الحركات التي ~~ظهرت في العقود الأخيرة وأخذت تؤكد دور الإسلام وأهميته المتزايدة في ~~التوجيه الروحي والعقلي للبشر، ولكن تعدد المصطلحات والأوصاف يوحي بقدر ~~غير قليل من الاضطراب في التعريف، بالإضافة إلى قدر أكبر من الغموض ~~الذي يصعب معه أن نتبين حقيقة الأمر في هذه الحركات، وهل نحن بصدد ~~ظاهرة موحدة ms077 أم نواجه في الواقع حركات مختلفة ومتفرقة. لهذا تستحق ~~محاولة تصنيف هذه الحركات التنويه والإشادة بها، لا سيما حين تجيء بقلم ~~كاتب إسلامي معروف، ومفكر غير نمطي ولا تقليدي. # ويتعلق الأمر في الحقيقة بمقال نشره محمد عمارة تحت عنوان «الحوار ~~بين العلمانيين والإسلاميين»، في عدد شهر سبتمبر سنة 1990م من مجلة ~~الهلال الشهرية المعروفة التي تصدر بالقاهرة (من صفحة 94 إلى صفحة ~~105)، وقد أسس هذه المجلة الأديب المسيحي جورجي زيدان # 2 # في سنة 1892م، ويمكن القول بوجه عام إنها تتبع منذ بداية ~~ظهورها قبل قرن من الزمان اتجاها تنويريا متميزا. والرئيس الحالي ~~لدار الهلال، وهو مكرم محمد أحمد، هو كذلك رئيس تحرير مجلة المصور، وقد ~~توجهت إليه الأنظار وتحدثت عنه الصحف ووكالات الأنباء عندما تعرض في ~~سنة 1987م لحادث اعتداء فاشل على حياته من أحد الإسلاميين. # 3 # وقد نشر المقال المذكور في «الهلال» في باب «دائرة ~~الحوار»، وربما يوحي هذا بأن المجلة لا توافق على مضمونه تمام ~~الموافقة. # قلنا إن محمد عمارة كاتب إسلامي مرموق، # 4 # ولد سنة 1931م في إحدى القرى المصرية، ولم يدخل المدارس ~~الحكومية بل التحق بكتاب لتحفيظ القرآن الكريم، ثم واصل دراسته في ~~المدارس الأزهرية وتخرج من دار العلوم التي أصبحت إحدى كليات جامعة ~~القاهرة منذ عام 1946م. كان عمارة في سنوات الطلب قريبا من الاتجاهات ~~اليسارية، ثم اشتهر بعد ذلك بعدد كبير من مؤلفاته في الفلسفة الإسلامية ~~- لا سيما عن المعتزلة وابن رشد - من ناحية، وفي القضايا والمشكلات ~~الإسلامية والعربية من ناحية أخرى. ولا بد هنا من الإشادة بفضله في نشر ~~مجموعة كبيرة من الأعمال الكاملة لعدد من رواد التنوير مثل رفاعة رافع ~~الطهطاوي وعلي مبارك وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين ~~وعبد الرحمن الكواكبي. # يلاحظ من عنوان المقال نفسه أن المؤلف يضع الإسلاميين في مقابل ~~العلمانيين، وهو يشير في البداية إلى أن مصطلح «الإسلاميين» مصطلح قديم ~~الاستخدام في الفكر الإسلامي، وقد ورد في عنوان الكتاب الشهير لأبي ~~الحسن الأشعري «مقالات الإسلاميين»، وفي كتاب آخر، بالعنوان نفسه، ~~لواحد ms078 من أئمة المعتزلة وهو أبو القاسم البلخي، وكلاهما يتحدث عن الفرق ~~الإسلامية والجماعات التي تمثل تيار الفكر الإسلامي، ويتبنى المؤلف ~~المعنى المحدد لهذا المصطلح الذي شاع، ويشيع، استخدامه في الأدبيات ~~الحديثة عنوانا على طلائع وتنظيمات ومؤسسات وعلماء ومفكري الصحوة ~~الإسلامية، أولئك الذين يجتهدون ويجاهدون على مختلف جبهات الاجتهاد في ~~سبيل «إعادة الصبغة الإسلامية والمعايير الإسلامية لتحكم تصورات الفكر ~~وحركة الواقع في حياة المسلمين» (ص95). # ومن جهة أخرى يعرف عمارة مصطلح «العلمانيين» في نشأته الغربية بأنه ~~عنى، ويعني، أولئك الذين رفضوا تدخل الكنيسة، أو سيطرتها، في شئون ~~الدولة، وجعلوا، ويجعلون، «العالم والواقع والدنيا» المنطلق الوحيد ~~والمصدر الأوحد للفكر والممارسات الدنيوية (ص95). ومعنى هذا بوضوح أنه ~~- كما يدل التاريخ اللفظي للمصطلح المسيحي العربي «علماني» # 5 ~~- لا يقصد به بالضبط أولئك الذين ليسوا خبراء مختصين في ~~شئون الدين، وإنما يقصد به «العلمانيون»، بالمعنى الواسع لهذه ~~الكلمة. # يضع عمارة نفسه في صفوف «الإسلاميين» (ص96)، ولكنه يعبر عن إيمانه ~~بأن التناقض الرئيسي والحاد والملح في ظروف الصراع، الذي تعيشه أمتنا ~~(هكذا بغير تحديد دقيق!) ليس هو التناقض بين الإسلاميين والعلمانيين من ~~أبنائها، وإنما هو الصراع بين الأمة، بتياراتها المختلفة والمتعددة من ~~جهة، وبين الهيمنة الغربية بصورها المتعددة: الحضارية، والسياسية، ~~والاقتصادية، والعسكرية ... إلخ، من جهة أخرى. والواقع أن الهدف الحقيقي ~~الذي يسعى عمارة إلى تحقيقه هو «وضع مشروع حضاري لاستقلال الأمة ~~ونهضتها»، وهو هدف لا بد أن يخدمه الحوار بين الإسلاميين ~~والعلمانيين. وهو يلجأ - في سبيل إنجاح هذا الحوار - إلى إقامة تفرقة ~~دقيقة بين الشرائح أو الفصائل المختلفة داخل التيارين الأساسيين، ولهذا ~~نجده يميز داخل العلمانيين بين ثلاث جماعات: ~~(أ) # العلمانيون الثوريون: وهم لا يقفون عند حدود المطالبة ~~بالفصل بين الدين والدولة، وإنما يريدون - على أساس فلسفة ~~مادية ذات نزعة إلحادية - اقتلاع الدين والتدين من المجتمع ~~بأسره. ومعنى هذا أن الخلاف بينهم وبين الإسلاميين هو خلاف ~~في «الأصول» وليس في «الفروع»؛ ويترتب على هذا أن هذه ~~الشريحة من شرائح العلمانيين يمكن أن تكون طرفا في عمل ~~مشترك ms079 حول نقاط متفق عليها في برامج تطبيقية، ولكنها غير ~~مؤهلة على الإطلاق لأن تكون طرفا في حوار فكري مع ~~الإسلاميين حول معالم المشروع الحضاري الذي سبق ~~ذكره. ~~(ب) # الداعون بوعي لتبعيتنا للغرب: وهؤلاء قد يدعون إلى ~~الاستقلال السياسي أو إلى قدر من الاستقلال الاقتصادي، ~~لكنهم يعادون «الاستقلال الحضاري»، أي استقلال الهوية ~~المتميزة عن هوية الغرب، بل إن الاستقلال الذي يدعون إليه ~~هو في حقيقته استقلال «الوطن - الإقليم» عن ماضيه وتراثه ~~ومكوناته الإسلامية ومحيطه الإسلامي، وذلك لإلحاقه بدلا ~~من ذلك ب «المركز الحضاري الغربي». هؤلاء «عملاء» لحضارة ~~الغرب، وهم في الأساس من غير المسلمين، ويكنون العداء ~~للإسلام ولرابطة الجامعة الإسلامية. # ويذكر عمارة كمثال لهم الجنرال يعقوب الذي قاد فرقة من ~~الأقباط في خدمة نابليون والحملة الفرنسية على مصر، وكذلك ~~بعض المثقفين الموارنة. والمهم أن هذه الشريحة من شرائح ~~العلمانيين غير مؤهلة أيضا لأن تكون طرفا في ~~الحوار. ~~(ج) # دعاة فصل الدين عن الدولة من العلمانيين الوطنيين ~~والقوميين: وهذا الفصيل من فصائل العلمانيين هم، في ~~جملتهم، مسلمون يتدينون بعقائد الإسلام، وهم عندما يدعون ~~إلى الفصل بين الدولة والدين إنما يختلفون عن الإسلاميين ~~في «الفروع» لا في «الأصول»، وهم لا يجحدون الشريعة ولا ~~يدخلون في إطار الكافرين. إنهم ينطلقون من الاعتقاد - الذي ~~كونه لديهم الفكر الغربي - بأن نهضة الأمة لا تتم إلا ~~على النحو العلماني الذي تمت عليه حضارة الغرب. ويفسر ~~عمارة موقفهم بأن «الخيار الحضاري الغربي» بتقدمه العلمي ~~وازدهاره الفكري والأدبي والفني هو في الواقع أكثر جاذبية ~~وأدعى للانبهار به من الخيار الحضاري في صورته ~~المملوكية-العثمانية، وهو الذي حسبوه الخيار الإسلامي ~~الوحيد. ومع ذلك فهناك عدد متنام من أعلام المفكرين ~~والعلماء في هذا التيار الذين انتقد بعضهم موقف الانبهار ~~بالغرب وعادوا إلى تبني الخيار الإسلامي مثل محمد حسين ~~هيكل ومنصور فهمي. # 6 # وينبغي على الإسلاميين أن يدخلوا في حوار مع ~~هذه الشريحة من العلمانيين الوطنيين والقوميين لا مع ~~«العائدين» وحدهم. # ويقسم عمارة التيار الإسلامي على الجانب المقابل إلى أربع مجموعات: ~~(أ) # النصوصيون ms080: هنا يبدو أن استخدام مصطلح «الأصوليين» أمر ~~ممكن ومشروع، لأن صاحب المقال يعرفهم بأنهم لا يرون أبعد ~~من ظواهر النصوص وحرفيتها، كما أنهم يتعاملون مع «التراث» ~~بالقدسية التي يتعاملون بها مع الوحي الإلهي المنزل ~~والسنة النبوية الثابتة. إنهم، في رأيه، يعيشون في الماضي ~~أكثر مما يعيشون في العصر، ويهملون نعمة العقل أو يغضون من ~~شأنها. ولما كانوا لا يعترفون بالآخر حتى من الإسلاميين، ~~فلا سبيل إلى حسابهم كطرف من أطراف الحوار. ~~(ب) # فصيل الغلو: وهم الذين علا صوتهم بحركة الصحوة ~~الإسلامية، ورفعوا شعارات من مثل «التكفير» و«الجاهلية» ~~وحكموا بهما على الأمة الإسلامية أو على دولها ونظمها ~~ومجتمعاتها. ويفسر عمارة اتجاه هذا الفصيل بأنه يمثل رد ~~الفعل المغالي والغاضب على تيار التغريب، ويرى أنه عاجز عن ~~تقديم البديل العملي للنموذج الغربي، وعن صياغة المعالم ~~الحقيقية لخلاص الأمة من المأزق الذي يأخذ منها ~~بالخناق. # والواقع أن هذا الفصيل الذي لا يعترف ب «الآخر» حتى من ~~فصائل الإسلاميين، لا يصلح بسبب غلوه وغضبه، للدخول في ~~الحوار. ~~(ج) # الحركات الإسلامية الكبرى: يرى عمارة أن هذه الحركات - ~~في أغلبها - حركات اعتدال تقترب في أغلب مواقفها من موقع ~~«الوسطية الإسلامية» التي تمثل منهج الإسلام وحقيقته ~~الجوهرية (مصداقا للآية الكريمة من سورة البقرة: # وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا # الآية (2: 143))، وهو يعترف بوجود مفكرين لامعين ومتميزين ~~في بعض هذه الحركات، هم في طليعة علماء المسلمين المؤهلين ~~لتمثيل الطرف الإسلامي في هذا الحوار المرجو. ولكن ~~الالتزام التنظيمي أو الحزبي لأعضاء هذه الحركات الإسلامية ~~يمثل عائقا دون توافر المرونة اللازمة على الأقل للمراحل ~~الأولى في الحوار، كما أن «الثارات السياسية» - بين عدد من ~~هذه الحركات وكثير من العلمانيين - سوف تسمم جو الحوار. ~~ولهذا لا يحبذ مؤلف المقال - على الأقل في المراحل ~~الأولى - أن يترك لممثلي هذه الحركات إدارة الحوار. ~~(د) # فصيل الاجتهاد والتجديد لحضارة الإسلام: وهو الفصيل الذي ~~تشهد عبارات المؤلف عنه شهادة واضحة بأنه ينتمي إليه، كما ~~يرى أنه أكثر فصائل ms081 الصحوة الإسلامية قدرة وصلاحية ليكون ~~الداعي والبادئ لهذا الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين. ~~وإذا كان هذا الفصيل لم يتبلور بعد، كتيار واحد أو متحد، ~~فقد استطاع - من خلال نشر الكثير من الأعمال الجادة ~~والمتميزة في العقود الأخيرة - أن يثبت إبداعه واجتهاده ~~وتجديده في ميدان الفكر الإسلامي، وأن يبدأ محاولة صياغة ~~الإسلام نموذجا وخيارا حضاريا بديلا للنموذج ~~الغربي. # لا شك في أن الاقتراح الذي يقدمه محمد عمارة لإقامة حوار بين ~~الإسلاميين والعلمانيين هو اقتراح جاد غاية الجد وليس مجرد تمرين ~~بلاغي أو خطابي. ومن الواضح أيضا أنه يرسم الحدود التي ينبغي أن يتم ~~الحوار في إطارها بحيث لا يتجاوزها فيفقد معناه. وأحد هذه الحدود - ~~وهذا أمر غير مستغرب - يمثل موقف الفصيل أو الجماعة التي يطلق على ~~أعضائها اسم العلمانيين الثوريين وهو اقتلاع الدين والتدين من المجتمع. ~~وتبدو القضية أكثر إشكالية عندما يرفض الحوار مع دعاة التبعية للغرب، ~~لأنه يضع أعضاء هذه الجماعة في صفوف غير المسلمين، بل ويسوي بينهم ~~وبين أعداء الإسلام. والواقع أن تبادل الخبرات مع غير المسلمين، الذين ~~يواجهون كذلك مشكلة العلمانية والعلمنة، يمكن أن يكون أمرا مفيدا على ~~الرغم من اختلاف المنطلقات عند طرفي الحوار، أما بالنسبة للمسيحيين من ~~أهل البلاد فإن الحدود التي يضعها يمكن أن تؤدي إلى استبعادهم من ~~الجماعة أو إلى اختزال وجودهم وحصره في نطاق الأقلية التابعة. وربما ~~يؤكد هذا أن هدف التصور الإسلامي عند عمارة يهدف في الأساس إلى تحقيق ~~الاستقلال الحضاري والازدهار والنهضة ل «الأمة»، وذلك دون تحديد نوعي ~~دقيق لمعنى هذه الكلمة التي يتكرر استخدامها في المقال، أي بدون توضيح ~~كاف لما يقصده منها، وهل يريد بها «الجماعة الإسلامية» أم «الأمة ~~العربية» أم «الأمة المصرية». مهما يكن الأمر فإن عمارة لا يتحدث عن ~~إصلاح ديني ل «الأمة»، وإنما يتحدث بصراحة وبصورة متكررة عن «مشروع ~~حضاري» يحقق استقلال الأمة وازدهارها ويضمن حماية هويتها. وهو يقول ~~صراحة إن شروط هذه النهضة وعلومها وموادها «ليست كلها دينا خالصا»، ~~وإن الإسلاميين، الذين تعد علوم الشريعة هي ms082 «أغلب بضاعة أغلبيتهم»، ~~لا يملكون وحدهم كل حقائقه (أي حقائق المشروع الحضاري الكبير) وعلومه ~~وفنونه وخبراته ومهاراته (ص82) ويترتب على هذا ألا يقتصر الأمر على ~~قبول العلمانيين الوطنيين كأطراف مشاركين في الحوار، لأنهم لم يغادروا ~~أرض الإسلام على الرغم من تصورهم الدنيوي للدولة، بل إنهم - بوصفهم ~~علمانيين - سيشاركون في الحوار ويساهمون في العمل المشترك في المشروع ~~الحضاري للأمة. والواقع أن هذا يبدو نوعا من «الاجتهاد» الذي ييسر ~~قيام الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين بشكل بناء. # يضاف إلى ما سبق أن تقسيم المعسكر أو الجناح الإسلامي إلى فصائل ~~وجماعات مختلفة يمكن من ناحية أخرى أن يكتسب أهمية خاصة. فالأصوليون ~~«النصوصيون»، وكذلك المتطرفون من «فصيل الغلو»، لا يمكنهم في رأي عمارة ~~أن يساهموا بشيء في المشروع الحضاري، لأن استنكارهم ورفضهم لأي وجهة ~~نظر مخالفة لوجهة نظرهم تجعلهم غير جديرين ولا صالحين للدخول في ~~الحوار. ويعني هذا ضمنا أن جماعة الاجتهاد وتجديد حضارة الإسلام التي ~~ينتمي إليها عمارة تعتبر أن مواقف العلمانيين الوطنيين قابلة للنقاش، ~~وأن العمل المشترك معهم أمر نافع ومفيد. والنصيحة التي يقدمها عمارة ~~بألا يترك للإسلاميين الملتزمين تنظيميا أو حزبيا أي دور رئيسي في ~~الحوار مع العلمانيين (وهو اقتراح ربما يقصد به الإخوان المسلمين في ~~مصر) تعتبر في الحقيقة نصيحة يقرها العقل العملي. # لا شك في أن التصنيف الذي قام به محمد عمارة للعلمانيين والإسلاميين ~~يمكن أن يكون أكثر دقة ورهافة مما هو عليه، كما أن تطبيق معايير أخرى ~~للتقسيم يمكن أن تكون له فائدته. ولكن يبدو من الجدير بالملاحظة أن يجد ~~كاتب ، يصف نفسه بأنه إسلامي، أن هذا التقسيم أمر ضروري. كذلك يلفت ~~النظر أن تصوره للنزعة الإسلامية لا يضفي أهمية كبرى على فكرة تطبيق ~~الشرع التي كثيرا ما تبرز إلى المقدمة ويلح عليها معظم الإسلاميين، ~~بل يعلن أن هدفه الأساسي هو تأكيد المجتمع لذاته والحفاظ على هويته ~~الحضارية. # من الطبيعي ألا تعبر وجهة النظر هذه عن موقف جميع الاتجاهات ~~الإسلامية، ولكنها توضح على كل حال مدى اتساع مجال العمل ms083 أمام الحركات ~~الإسلامية. والواقع أن المناقشات الدائرة في الوقت الحاضر بين المسلمين ~~عن الدور المنوط بدينهم في العالم المعاصر تتم بصور أكثر دقة وعقلانية ~~مما تتصور وسائل الإعلام وخبراؤه الذين يتعرضون للكلام عنها. وتشير ~~الشواهد العديدة إلى أن الحركات الإسلامية تكتسب شعبية متزايدة في تلك ~~البلاد الإسلامية التي يسودها جو ديموقراطي يسمح كثيرا أو قليلا ~~بحرية التعبير. وإزاء هذه الحقيقة الواقعة فإن المتأمل من الخارج لما ~~يجري في بلاد المسلمين يحسن صنعا بتجنب التعميمات السطحية المتسرعة ~~التي تصور الإسلام في صورة العدو، وتقدير الاختلافات في وجهات النظر ~~وفي الدوافع والمصالح التي تكمن وراء الحركات الإسلامية والنظر إليها ~~بعين الاعتبار. # الفصل الخامس # | «الإيمان يعطي الأمل في النجاة» (مناقشات ~~معاصرة في الكتابات الإسلامية الواسعة الانتشار)1 # (1989م) ~~«الإيمان وحده هو الذي يضمن النجاة في نهاية المطاف.» # شتيبات # هناك أعداد هائلة من الكتب، والكتيبات، والدوريات التي تقدم لجمهور ~~القراء في البلاد الإسلامية وتنتشر بكثرة في المكتبات وعلى منصات بيع ~~الصحف والمجلات، وكلها تتناول موضوعات دينية بأسلوب شعبي ~~مبسط. # وقد وضع معظم هذه المطبوعات لتعريف المؤمنين بأمور دينهم، كما كتب ~~بعضها للدفاع عن العقيدة أو للبحث في موضوعات يمكن للقارئ غير المسلم - ~~الذي تعود أن يفصل الدين عن السياسة - أن يعتبرها من الكتب السياسية. ~~ولكن هناك أيضا عددا لا يستهان به من الكتب التي تعالج موضوعات دينية ~~بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، أي القضايا الكبرى المتعلقة بعلاقة ~~الإنسان بالله. # وإحدى هذه القضايا يمكن صياغتها في هذا السؤال المهم: # ما الذي ينقذ الإنسان من العذاب المقيم في النار ويؤدي به إلى الجنة ~~والنعيم الأبدي؟ أو بصيغة أخرى مجردة لمفكر مسيحي معاصر: ما الذي يجلب ~~الخلاص من السلب المطلق، من فقدان الغاية الباطنة من وجود الإنسان، وما ~~الذي يحقق الهدف النهائي الأسمى للحياة الخالدة؟ # 2 # ويعبر الكتاب الإسلاميون الواسعو الانتشار عن هذا ~~بكلمات بسيطة وبليغة حين يسألون: # ما الذي يعطي الأمل، بل ربما اليقين، في أن الإنسان سيصير في النهاية ~~لا إلى الخلود في النار، بل إلى جنة الخلد ms084؟ # إن القرآن الكريم يكرر على الدوام وعد الله بالجنة لأولئك «الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات». ومعنى هذا أن إجابة السؤال السابق ~~تعتمد على الإيمان والعمل معا. ولكن هل الواحد منهما يعادل الآخر في ~~أهميته؟ وما هو الإيمان على وجه التحديد؟ وما هو مبلغ اليقين في وعد ~~الله بالجنة إذا كان لا يجوز عليه سبحانه أن يتقيد بأي وعد، لأنه جل ~~شأنه «يهدي من يشاء ويضل من يشاء؟» # لقد بدأت المناقشات الحامية ~~لهذه المشكلة في فترة مبكرة من التاريخ الإسلامي. وتنوعت تعاليم ~~المدارس والفرق الشرعية والكلامية المختلفة بطرق وأساليب مركبة تمخضت ~~عن صيغ شديدة التعقيد. ونحن نشعر من كتابات المحدثين بأنهم يكرهون تلك ~~المجادلات المدرسية القديمة ويحذرون من تكرارها. ويشارك في هذا الموقف ~~كتاب إسلاميون ينتمون إلى معسكرات أخرى مختلفة. فها هو ذا الشيخ محمد ~~الغزالي - الذي يتكلم باسم الإخوان المسلمين في مصر - يعلن سخطه الشديد ~~على الخصومات المفتعلة التي تدور على هامش المجتمع لأسباب تتعلق ~~بالطموح الشخصي أو التآمر السياسي، ويحذر المسلمين المعاصرين من الوقوع ~~مرة أخرى في شراك هذه الخصومات والمنازعات (راجع كتابه عقيدة المسلم، ~~ص221 وما بعدها)، وفي الوقت نفسه نجد الشيخ محمود شلتوت - شيخ الأزهر ~~من سنة 1958 إلى سنة 1963م - يتناول الموضوع من الناحية المنهجية ويتخذ ~~موقفا وضعيا صارما حين يفسر ذلك بقوله إن النقاط المعرفية التي ~~لا تصاغ بطريقة واضحة لا لبس فيها، أو التي تسمح بفهمها بطرق مختلفة ~~بحيث يمكن أن يختلف العلماء حولها، هذه النقاط ليست من مواد الإيمان ~~التي فرضها الدين (راجع كتابه الإسلام عقيدة وشريعة، ص51). # وفي الوقت الذي تعتبر فيه المجادلات القديمة غير ذات قيمة أو تعتبر ~~ضارة، فإن بعض موضوعاتها - على الأقل - ما زالت تبدو مهمة، كما أن ~~الصيغ التي طورتها المدارس والفرق القديمة ما زالت تؤثر بوضوح في ~~الكتابات المعاصرة عن تلك الموضوعات، بل إن هذه الكتابات كثيرا ما ~~تشير إلى المدارس القديمة وإن كانت تفعل ذلك بطريقة مسرفة في التبسيط. ~~والكتاب المعاصرون، فيما يتصل بالمشكلة التي نحن بصددها، يبدءون ms085 ~~عروضهم عادة بذكر وجهتي نظر متطرفتين. ووجهة النظر الأولى هي الرأي ~~القائل بأن الأعمال جزء من الإيمان، بحيث إن كيف الأعمال التي يقوم بها ~~الفرد وكمها يحددان درجة الإيمان التي وصل إليها. فمرتكب الكبيرة لا ~~ينظر إليه باعتباره مؤمنا، بل يعتبر مرتدا إلى الكفر بحيث يحق عليه ~~العذاب الأبدي في النار. وهذا هو موقف جماعتين قديمتين هما الخوارج ~~والمعتزلة. وأصحاب الرأي المضاد يقولون إن الأعمال ليست جزءا من ~~الإيمان الذي يقوم على «الإقرار» باللسان والتصديق بالقلب. بذلك لا ~~يكون الإيمان على درجات، لأنه حالة مطلقة يشعر بها الإنسان أو لا يشعر ~~بها، ومرتكب الكبيرة يمكن أن يبقى على إيمانه، وأصحاب هذا الموقف ~~المتطرف يزعمون أنه «حيث يكون الإيمان، فإن الفاحشة أو الإثم لا ضرر ~~منه» وينسب هذا الموقف إلى المرجئة. # 3 # ويعد المرجئة، مثلهم مثل ~~الخوارج والمعتزلة، خارج نطاق الإسلام السني، ولذلك فلا عجب أن ترفض ~~آراؤهم. ولكن يوجد بين مواقفهم المتطرفة مجال واسع للآراء العديدة التي ~~يمكن قبولها باعتبارها آراء سنية. وقد تسنى لي أن أفحص عدة أقوال عن ~~أهمية الإيمان وعدة كتب لمؤلفين معاصرين مختلفين ذكرت أسماءهم في نهاية ~~هذا المقال. ولا أزعم بالطبع أنهم يعكسون جميع الآراء التي قال بها أهل ~~السنة، ولكنهم يعبرون عن وجهات نظر تختلف اختلافا ملحوظا في أمور ~~أخرى. لكن الأمر الجدير حقا بالتنويه هو أنهم يجمعون على نقطة ~~واحدة، وهي أن الإيمان وحده هو الذي يضمن النجاة في نهاية ~~المطاف. # ونبدأ الأمثلة التي سنذكرها على الصفحات التالية بمتابعة تفكير ~~الدكتور محمد نعيم ياسين، فهو مؤلف مصري يبدو أنه يتخذ موقفا معتدلا ~~بوجه عام، كما أنه يعتمد اعتمادا واضحا على العلماء الأقدمين. وهو ~~يقتبس في رسالته «الإيمان، أركانه - حقيقته - نواقضه» صيغة مهمة من ~~الفقيه الحنفي أحمد بن محمد الطحاوي (من 239 إلى 321 للهجرة، ومن 853 ~~إلى 933 للميلاد) يفرق فيها تفرقة واضحة بين الموقف السني والمواقف غير ~~السنية: «إننا لا نكفر أحدا من أهل القبلة (أي الذين يدينون بدين ~~الإسلام) بسبب إثم ارتكبه ما لم يعلن أنه ms086 أمر مسموح به، ونحن لا نذهب ~~إلى أن المؤمن إذا ارتكب إثما لا يضار بسببه.» ويفسر المؤلف ذلك ~~بإيراد فقرة من شرح الفقيه الشافعي يحيى بن شرف النواوي (631-676 ~~للهجرة/1233-1277 للميلاد) على صحيح مسلم يقول فيها إن كل من يموت ~~موحدا فسوف يدخل الجنة في كل الأحوال. ويصدق هذا في حالتين: (أ) كل ~~شخص بريء من الإثم، كالصغير والمجنون وكل من تاب عن إثمه توبة نصوحا، ~~أو أنعم الله عليه بفضله فلم يغوه الإثم على الإطلاق، سيدخل الجنة ~~مباشرة. (ب) كل شخص ارتكب الكبيرة ومات بغير أن يتوب عنها فهو خاضع ~~لمشيئة الله، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة (مثل أعضاء الفئة أ) وإن ~~أراد عاقبه كما يشاء، ثم أدخله الجنة بعد ذلك. وهكذا لا يخلد في النار ~~من مات على دين الإسلام، مهما تكن الفواحش والآثام والكبائر التي ~~ارتكبها في حياته الدنيا، ومن جهة أخرى لا يدخل الجنة من مات وهو كافر، ~~مهما تكن الأعمال الصالحة التي قدمها (ياسين، المرجع السابق الذكر، ~~ص123، والنواوي، المرجع السابق، الجزء الأول، ص217 وبعدها). # نلاحظ هنا وجود إجماع عام على العقاب الأبدي للكفار، مع استثناء واحد ~~يمثله الشيخ محمود شلتوت في كتابه «الإسلام عقيدة وشريعة» الذي يتابع ~~النهج الوضعي الذي أشرنا إليه من قبل، فيؤكد أنه لا يوجد في القرآن ~~الكريم نص واضح عن خلود النار، فإذا كان من الواضح أن الكفار لن ~~يغادروا جهنم ما بقيت نيرانها مشتعلة، فليس من الواضح أن عقابهم سيكون ~~عقابا أبديا # 4 ~~(ص19). # ونرجع إلى الدكتور ياسين فنجد أن تقديره الكبير للإيمان في مقابل ~~الأعمال يخفف منه اعتباره للجدل القديم حول العمل بالجوارح، وهل هو جزء ~~من الإيمان أم هو - كما قال أبو حنيفة - مجرد مقتضى ولازمة من لوازمه، ~~أي نوع من الجدل اللفظي الذي لا نفع فيه (المرجع السابق ص85)، ونجده من ~~ناحية أخرى يذهب إلى حد اعتبار بعض الأعمال والمواقف من الأمور التي ~~تبطل إيمان الإنسان وتجعل منه كافرا (راجع نواقض الإيمان، ص100 ~~وبعدها) ومع ذلك فإنه ms087 يظل حريصا على اعتناق المبدأ القائل بأن ~~الإيمان، لا الأعمال، هو الذي يقرر نجاة الفرد وخلاصه. # وثمة مثل آخر يقدمه الشيخ محمد ~~الغزالي في موقفه الذي يؤكد فيه أهمية الأعمال تأكيدا شديدا، فهو يصف ~~العمل في عنوان أحد فصول كتابه «عقيدة المسلم» بأنه أساس الإيمان ~~(ص153)، وهو يهاجم الرأي القائل بأن «حسن الصلة بالله قد يجبر النقص في ~~بقية الواجبات المفروضة، وأن مجرد الإيمان يغني عن أداء هذه الفرائض» ~~(ص160 وبعدها). إن هناك في رأيه صلة وثيقة بين الخير الذي يفعله ~~الإنسان في هذه الدنيا وبين الثواب في الآخرة، بين الشر الذي يرتكبه ~~والعقاب الذي سيلقاه (ص285 وبعدها)، والاعتقاد الخاطئ بأن الأعمال يمكن ~~إهمالها، بما يتضمن قطع هذه الصلة الوثيقة بين العمل والجزاء، هو في ~~رأي الشيخ الغزالي علة الأزمة التي وقع فيها الدين في أيامنا، والقوة ~~التي اكتسبها الإلحاد (ص157، 161، 294). وعلى الرغم من القيمة العظيمة ~~التي يضفيها الغزالي على الأعمال، فإنه يعترف بأن الإيمان لا يفترض ~~التحرر من الإثم. فقد يرتكب المؤمن الإثم دون أن يفقد الإيمان، ولكنه ~~إذا تفاخر بإثمه وخطيئته، واستهزأ بإهماله للفروض الواجبة عليه، فإنه ~~يتخلى في هذه الحالة عن الإسلام (ص187 وبعدها وص192). ومن الواضح من ~~هذا أنه يرفض مذهب الخوارج في أن مرتكب الكبيرة يبطل إيمانه (ص207)، إن ~~المسلمين سيساقون إلى النار بسبب أعمالهم السيئة، ولكن رحمة الله يمكن ~~أن تنقذهم منها (ص289 وبعدها)، ومعنى هذا كله في رأي الغزالي أن ~~الإيمان - بعد العقاب والشفاعة، ومع التسليم بحرية الله المطلقة في ~~قراراته - هو الذي يؤدي إلى النعيم الخالد، بينما يقود الكفر - الذي ~~يترتب على الإصرار على ارتكاب الفواحش والآثام - إلى اللعنة ~~الأبدية. # ويتفق هذا مع قول حسن البنا (1906-1949م) في إحدى رسائله: «إن ~~العقيدة هي أساس العمل. وفعل القلب أهم بكثير من فعل الجوارح. وبلوغ ~~الكمال في كليهما مطلوب بحكم الشرع، حتى ولو تفاوتت الرتب والدرجات.» # 5 # إذا اعتمد المؤمن الآثم في نجاته من النار على إرادة الله، فإن ~~المشكلة القديمة عن العلاقة بين قدرة ms088 الله المطلقة ومسئولية الإنسان ~~ستظل قائمة. وهناك إجماع تام على أن الله سبحانه يخلق أعمال الإنسان، ~~وأن الإنسان «يكتسب» أعماله بعد ذلك (هنا تستخدم الصيغة الأشعرية ~~القديمة) بإرادته الحرة بحيث يحاسب عليها ويصبح مسئولا عنها. ولكن هل ~~ثمة دلائل تهدينا إلى التنبؤ بما سوف يقرره الله جل شأنه - بقدرته ~~وحريته اللذين لا حد لهما - في مصير المؤمن الآثم؟ # إن الإجابة عن هذا السؤال متفاوتة الظلال والأبعاد. فالشيخ محمد ~~الغزالي، الذي يؤكد على الصلة التي تربط بين العمل والجزاء، يصر على أن ~~حساب الله الأخير لن يغفل - مصداقا للآية القرآنية الكريمة - مثقال ~~ذرة من خير ولا مثقال ذرة من شر في أعمال الإنسان (المرجع السابق ص93)، ~~بل إنه يتحدث عن «قواعد» أو «قوانين» الجزاء (ص288)، فهل يمكن أن يخضع ~~سبحانه لأي قاعدة أو قانون؟ إن الغزالي يتجنب الخوض في مثل هذا التناقض ~~الواضح، ويقرر أن رحمة الله تنقذ المؤمن الآثم، وإذا لم تكن آثامه من ~~الكبائر، فإن شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام يمكن أن تساعده. # ويضع عبد الرحمن حبنك الميداني - مدير التعليم الشرعي في وزارة ~~الوقف السورية، في كتابه العقيدة الإسلامية المؤلف من جزأين - يضع ~~الأمور وضعا آخر. فهو يتحدث أيضا عن «قوانين» أو «قواعد» أقامها الله ~~سبحانه ويتبعها في خلقه. ولكنه - فيما يتصل بالمشكلة التي نحن بصددها - ~~يضع قانون العدل الإلهي جنبا إلى جنب مع قانون الفضل الإلهي (الجزء ~~الثاني، ص310 وبعدها) ويرى الميداني أن دين الإنسان بالشكر لله على ~~نعمه التي أسبغها عليه يبلغ من العظم حدا يجعله عاجزا كل العجز عن ~~رده بما يعمله طوال حياته، بل إنه لأعجز من ذلك عن ادعاء أي حق في ~~مطالبته بأي ثواب أو مكافأة عنها. فالله سبحانه إذا وعد الإنسان بأن ~~يكافئه على إيمانه وأعماله الصالحة، فإنما يفعل ذلك وفقا لقانون ~~المثوبة الذي وضعه بفضله ورحمته. ومن جهة أخرى سيعاقب الإنسان على كفره ~~وعصيانه وفقا لقانون العدل الإلهي. ويقتبس الميداني الآية الكريمة: # من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها ومن جاء بالسيئة ms089 فلا يجزى إلا ~~مثلها وهم لا يظلمون ~~(الأنعام: 160) ثم يقول ~~إن الحد الأعلى لهذا الجزاء مكافئ للعمل السيئ، ولكن ليس له حد ~~أدنى لأننا ندخل هنا في دائرة فضل الله. ولما كان فضل الله بلا حد، ~~فيمكننا القول إن المرتبة الوسطى في هذه الدائرة هي مرتبة التفضل ~~بالعفو الكامل التي يمكن بعدها أن يسبغ بفضله وكرمه على الإنسان المزيد ~~من آلائه ونعمه. وهكذا يمحو الفضل الإلهي ما يقتضيه العدل الإلهي ~~(المرجع السابق، ص312). # والواقع أنني لم أجد في أي كتاب من الكتب الأخرى، التي رجعت إليها، ~~مثل ما وجدت في كتاب الميداني من تأكيد قوي لرحمة الله وفضله. ربما ~~يكثر غيره من الكلام عن رحمة الله وغفرانه، ولكن الفكرة التي تقول إن ~~الله قد أسبغ على الإنسان من النعم ما لا يستحقه، وآخرها وأسماها هي ~~النجاة من عذاب الآخرة، هذه الفكرة تتلاءم أيضا مع أفكارهم وتصوراتهم، ~~وهذا في الحقيقة هو معنى الفضل الإلهي. # وهنالك أيضا إجماع تام، على الأقل بشكل عام، على وضع المؤمن والكافر ~~والمواقف التي ينبغي أن تتخذها الجماعة الإسلامية منهما. فيجب في ~~المقام الأول عدم التسرع بتكفير أي إنسان. صحيح أن مظاهر الكفر ينبغي ~~أن تسمى باسمها، ولكن الحرص والحذر الشديدين مطلوبان تجاه الشخص ~~المقصود؛ إذ يجب ألا يعلن أنه كافر حتى تتوافر جميع المقتضيات الشرعية ~~في الشهادة، وهي الوفاء بالشروط وغياب الموانع. وقد تكون هناك أعذار ~~تبرر سلوك الشخص أو أسباب كافية تجعله يستحق عفو الله، ولذلك كان الزعم ~~بأن الله سيعاقبه بالعذاب في النار خرقا خطيرا لقوانين العدل والرحمة ~~الإلهية (ياسين: المرجع السابق، ص120 وبعدها). # وهناك من جهة أخرى إجماع على وجوب التفرقة بين معاملة الشخص المشتبه ~~في كفره في هذه الدنيا ومعاملته في الآخرة، فلا يجوز بطبيعة الحال أن ~~يدعي أحد أنه مطلع على أسرار القلوب؛ لأن هذا من حق الله وحده، ولا بد ~~أن يترك له سبحانه الحكم على هذا الشخص في الدار الآخرة. ولكن الأحكام ~~التي تتعلق بهذا العالم هي شأن من ms090 شئون الناس. فإذا وجدوا، اعتمادا ~~على أعمال شخص معين، أنه قال أو فعل شيئا يبطل إيمانه، فيتحتم عليهم ~~أن يطبقوا عليه قوانين الشرع ليمنعوه من ممارسة «بدعه» التي تستلزم ~~تكفيره (ياسين، ص88، 98، 121 وبعدها). # هذا المبدأ العام، وإن يكن مهما في ذاته، إلا أنه لا يوضح طبيعة ~~الإجراءات المرتبطة بتنفيذه، وتلك مسألة اهتمت بها التيارات المتطرفة ~~والمعتدلة على اختلاف مواقفها من قضية التكفير. وقد ذكر ياسين - الذي ~~تتبعنا عرضه لهذا المبدأ - مثلا ملموسا لتطبيقه على الشخص الذي يشتبه ~~في ارتداده عن الدين؛ فلا بد أن يطلب منه التوبة، فإذا لم يفعل وجب ~~قتله (المرجع السابق، ص121-122) ويبدو أن هذا الكاتب يريد أن يحول دون ~~الوصول إلى هذه النتيجة المؤلمة أو يجعل الوصول إليها أمرا صعبا، فهو ~~يضيف إلى ما سبق أن مثل هذه الأمور لا ينبغي أن يبت فيها عامة ~~المسلمين، بل أولئك الذين يملكون وسائل الحكم واتخاذ القرار في الدولة ~~الإسلامية، وفي حالة الحكم بالإعدام ينبغي أن يترك الأمر للإمام (أو ~~رئيس الدولة) نفسه (ص122). # ويظهر كذلك الميل إلى الرفق واللين عندما يتم التوسع في حدود ما هو ~~مقبول من المؤمن. فالدكتور محمد شامة، وهو أستاذ بجامعة الأزهر وأتم ~~دراسته في ألمانيا، يصرح بأن الإنسان لا يقع في الكفر إذا أعطى نفسه ~~حرية تفسير دلالة القرآن، لأن النص وحده هو الذي يؤخذ به ويرجع إليه ~~كشيء نهائي (ص31 من كتابه الذي جمع فيه أحاديثه في الإذاعة تحت عنوان: ~~الإسلام كما ينبغي أن نعرفه) ويقلب الشيخ محمود شلتوت الموقف لصالح ~~المرتد حين يعلن أن الشخص الذي تخلى عن دين الإسلام لا تجري عليه ~~أحكام المسلمين في هذه الدنيا، أي إنه لا يطالب بالعبادات ولا يحظر ~~عليه شرب الخمر وأكل لحم الخنزير أو التجارة فيهما، ومن ناحية أخرى لا ~~يغسل المسلمون جثمانه حين يموت ولا يصلون عليه، كما أن قريبه المسلم لا ~~يرثه ولا هو يرث قريبه (المرجع السابق، ص12) والمهم على كل حال أن هذا ~~الرأي يتفق أيضا على أن الإيمان ms091 لا يشمل الفرد وحده وعلاقته بربه، بل ~~يمتد كذلك إلى عضويته في جماعة المؤمنين. # وهناك ظلال اختلاف أوضح حول الموقف من غير المسلمين في مقابل ~~المرتدين. فثمة شبه إجماع على أنهم أيضا من الكفار. وعلى الرغم من ~~حرصه الشديد في مسألة التكفير، فإن «ياسين» يقرر أن اليهود والنصارى قد ~~عرفوا بأنهم كفار، وأن من الكفر إنكار ذلك (المرجع السابق، ص106)، ~~وشروحه في هذا الموضوع مصبوغة صبغة قوية بتجارب المسلمين في العالم ~~الحديث مع غير المسلمين. # فهو ينتقد أي موالاة لهم انتقادا حادا، لأن هذه الموالاة تعني ~~بالضرورة العداء للإسلام. وينبغي على الحكام المسلمين بوجه خاص ألا ~~يستعينوا بهؤلاء الكفرة كمستشارين لهم، ولا يشجعوا الجماعة الإسلامية ~~على تقليدهم في أمور الحياة، ولا يتبنوا قوانينهم ومناهجهم (والخوف من ~~القوى العظمى ليس مبررا للانصياع لهم (ص106 وبعدها)). # ويبدو بوضوح أن «محمد شامة» يفكر في أمثال هؤلاء من غير المسلمين ~~عندما يذهب إلى أن النجاح المادي للكفار في هذه الدنيا لا يعني أن الله ~~راض عن موقفهم من العقيدة الإسلامية. ولكنه يجد نفسه مضطرا إلى ~~التفرقة بين فئات مختلفة من الكفار، والاعتراف بأن بعضهم يعمل أعمالا ~~صالحة لخير مواطنيه وللبشرية. ولما كان الإيمان هو الأمر الحاسم في ~~النهاية، فإن هذا لن ينجيهم من النار. ولكن النار، كالجنة، فيها مراتب ~~ودرجات، والأخيار من الكفار سيوضعون فيها بحيث يقاسون من العذاب أقل ~~مما يقاسيه الأشرار (المرجع السابق، ص55 وبعدها). # ويبدي «حبنك الميداني»، الذي يبين أيضا أن الكفار ينبغي تصنيفهم ~~حسب مواقفهم من الإيمان وحسب أعمالهم (المرجع السابق، المجلد الثاني، ~~ص410)، يبدي قدرا من الرفق واللين نحو اليهود والنصارى حين يؤكد أن ~~الديانات السماوية كانت منذ البداية ديانة واحدة، بحيث يمكن أن نطلق ~~عليها جميعا صفة الإسلام. ومع أنه يضطر إلى التسليم بأنها قد أصبحت ~~ديانات منفصلة بسبب التغيير والإفساد اللذين أصاباها، فإنه يتجنب وصف ~~أصحابها بالكفار (المجلد الأول، ص84 وبعدها). # ويعود الشيخ شلتوت فيذهب إلى أبعد مدى في نفوره من الحكم على أصحاب ~~الديانات الأخرى بأنهم ms092 كفار، وفي ذلك يقول إن الشعوب النائية التي لم ~~تبلغها عقيدة الإسلام، أو بلغت إليهم بصورة سيئة منفرة، أو لم ~~يفهموا حججها وأدلتها على الرغم من الجهود التي بذلوها في دراستها، هذه ~~الشعوب النائية آمنة من عقاب الكفار في الآخرة، ولا يطلق عليها اسم ~~الكفار (المرجع السابق، ص13). # وأخيرا فعلى الرغم من وجود خلافات كبيرة بين الاتجاهات العديدة في ~~الفكر الإسلامي، فلا يملك القارئ إلا أن ينبهر بالقدر الكبير الذي ~~توصلت إليه من الاتفاق على مجموعة من المسائل المهمة، ونخص بالذكر منها ~~اليقين بأن المسلم يضمن نعمة الخلود في الجنة بفضل إيمانه. والواقع أن ~~الأحكام التي يصدرها أحيانا بعض المجادلين المسيحيين بأن الإسلام يؤمن ~~بالتبرير عن طريق الأعمال، أو أن الأخلاق الإسلامية لا تمد جذورها في ~~قلب الإنسان، هي أحكام بعيدة كل البعد عن الحقيقة. وأن النتائج التي ~~توصلت إليها هذه النخبة الكبيرة من المفكرين الإسلاميين لتتجاوب بكل ~~تأكيد مع النزوع الديني العميق الكامن في الإسلام. # الكتب التي ناقشها البحث: # محمد الغزالي، عقيدة المسلم، القاهرة، 1965م (وقد ذكره ~~ر. ب ميتشيل في كتابه جماعة الإخوان المسلمين، لندن، ~~1969م، ص332 وظهرت طبعته الثالثة في سنة 1952م. # R.P Mitchell, the ~~society of the Muslim Brothers, London, 1969, P ~~332). # عبد الرحمن حبنك الميداني، العقيدة الإسلامية وأسسها، في ~~مجلدين، دمشق، 1966م. # محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، القاهرة، ~~1959م. # محمد شامة، الإسلام كما ينبغي أن نعرفه، القاهرة، ~~1983م. # محمد نعيم ياسين، الإيمان، أركانه - حقيقته - نواقضه. ~~الإسكندرية، دون تاريخ (حوالي 1980م). # الفصل السادس # | خليفة الله: قراءات عن صورة الإنسان في الإسلام1 # (1989م) ~~«الواقع أن الاعتراف بالديموقراطية يصبح موضع شك عندما يأتي من ~~جانب حركات منظمة تنظيما صارما من حيث تراتب وظائفها ~~وقيادتها.» # شتيبات # إن السؤال الأنثروبيولوجي عن وضع الإنسان في الكون والتاريخ لا يمكن ~~الإجابة عنه في ديانات التوحيد إلا بالرجوع إلى الله. فالإنسان مخلوق ~~لله. ولكن ليس معنى هذا - بالنسبة لله جل شأنه - أنه مجرد شيء أو ~~موضوع. فقد رفع منزلة الإنسان فوق سائر المخلوقات عندما تجلى له ودخل ~~التاريخ معه. ويدل هذا - في اللاهوت المسيحي ms093 - على أن الله قد جعل ~~الإنسان «شخصا». # 2 # وهذه العبارة ينبغي أيضا أن تكون مقبولة في علم العقيدة الإسلامية، ~~لأن الإنسان، بما هو فرد، مسئول عن أفعاله أمام الله. والتاريخ، كما ~~يصفه القرآن الكريم، يتكون من مجموعة من «العهود والمواثيق» بين الله ~~والبشر، وهذه العهود والمواثيق تفرض واجبات على البشر، ولكنها تتضمن في ~~الوقت نفسه أن الله سبحانه يعتبرهم مشتركين معه، وهذا يصدق أيضا على ~~الديانتين الأخريين. # هل يمكننا أن نحدد منزلة الإنسان في الإسلام بالنسبة إلى الله ~~تحديدا أكثر دقة؟ إن هذه المنزلة تختلف اختلافا كبيرا عما هي عليه ~~في اليهودية والمسيحية. ذلك أنهما تصدقان بما جاء في الكتاب المقدس ~~(سفر التكوين 1، 26-27) من أن الله قد خلق الإنسان على صورته. ويستحيل ~~على الإسلام أن يقبل هذه الصيغة، وذلك بسبب نفوره الشديد من أي نزعة ~~تشبيهية بالإنسان (أي النزعة الأنثروبومورفية). وقد عرف المسلمون ~~الصيغة أو العبارة السابقة في صورة حديث شريف يقول: «خلق الله آدم على صورته»، # 3 # ولكنهم غيروا معناها، ففي رأي ابن حزم على سبيل المثال ~~أنها (أي العبارة) لا تقول إن آدم قد خلق على صورة الله، وإنما تقول إن ~~الله سبحانه قد اختار لآدم إحدى الصور الكثيرة التي في علمه لكي يطبعها ~~عليه ويسويه طبقا لها. # 4 # ومن ثم فلا بد أن تحتفظ الآية الكريمة الآتية بصدقها ~~المطلق: # ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير ~~(الشورى: 11). # ونجد في القرآن الكريم كلمة تعد مفتاحا مهما لتحديد منزلة ~~الإنسان أو مرتبته في العقيدة الإسلامية، ويؤكد هذا ما نلاحظه من تغير ~~وتطور في تفسير معناها: تلك هي كلمة «خليفة» بمشتقاتها، وذلك حين تطبق ~~على آدم وغيره من البشر. ويرد على الذهن معنى كلمة «خليفة»، في صيغتها ~~الأصلية الكاملة، وهي «خليفة رسول الله» أو في اللقب الذي كان يحمله ~~بعض الخلفاء الأمويين وهو «خليفة الله». ويجب في هذه الحالة أن يترجم ~~بعبارة «النائب عن الله»؛ لأن الله سبحانه لا يمكن أن يخلفه أحد. وفي ~~الحالتين السابقتين يكون المقصود بتلك الصيغة هو الرئيس الأعلى للأمة ms094 ~~الإسلامية. غير أننا لا نعثر في القرآن الكريم على معنى واضح عمن ~~يخلفه هذا الإنسان الذي يطلق عليه اسم «الخليفة». وقد توصل المستعرب ~~الألماني «رودي باريت» في ترجمته الدقيقة لمعاني القرآن الكريم إلى أن ~~القرآن يشير في كل الأحوال التي ترد فيها كلمة «خليفة» أو مشتقاتها إلى ~~«الخلفاء» أو «اللاحقين» للأجيال السالفة أو الجماعات السابقة. وفي ~~رأيه أن الآية الكريمة (في سورة البقرة: 30) التي يخاطب فيها رب ~~العزة الملائكة: # وإذ قال ربك ~~للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ~~ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني ~~أعلم ما لا تعلمون ~~- في رأي باريت - أن هذه ~~الآية الكريمة يجب - على الأرجح - أن تفهم بمعنى أن آدم (ومعه البشر) ~~سيخلفون في المستقبل الملائكة (أو الكائنات الروحية بوجه عام) ويسكنون الأرض. # 5 # وليس من الضروري هنا أن نختبر مدى صحة رأي باريت في جميع النصوص التي ~~وردت فيها كلمة «خليفة». ولكن لعلي أذكر أن هذه الكلمة تظهر مرة واحدة ~~على الأقل بجوار إشارة إلى وظيفة الحكم التي يتولاها إنسان. ففي سورة ~~ص: 26، نجد أن الله سبحانه يطلب من داود، بعد أن جعله خليفة في الأرض، ~~أن يحكم بين الناس بالحق: # يا داوود إنا ~~جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ~~بالحق ولا تتبع الهوى ... ~~(الآية)، ويترجم ~~باريت الكلمة بمعنى يقضي بالحكم أو يصدر حكما بين الناس بالحق، ولكن ~~الفعل «حكم» يعني كذلك «الحكم» بالمعنى السياسي الذي تأتي منه كلمة ~~الحاكم. # والمهم في هذا السياق أن الطبري، وهو الحجة في التفسير، يؤيد رأي ~~باريت في معنى كلمة «خليفة» كما ترد في القرآن الكريم، مع بعض الإضافات ~~الشيقة. # يقرر الطبري في تفسيره الكبير ~~أن كلمة «خليفة» بمعنى «اللاحق» «إذا قام مقامه فيه بعده»، أي اللاحق ~~للأفراد والقرون (أو الأجيال) أو الجماعات السابقة، ومن ثم يستبعد ~~معنى «النائب». وهو يذكر استخدام كلمة «خليفة» للدلالة على السلطان ~~الأعظم مع شرح الكلمة بمعنى «اللاحق للسابق»، وذلك دون أن يشير إلى ~~أصلها الوارد ms095 في صيغة «خليفة رسول الله». ثم إن الطبري - في شرحه للآية ~~الكريمة التي يخاطب فيها الله الملائكة (البقرة: 30) ويخبرهم أنه سيجعل ~~آدم في الأرض خليفة - يثبت شرحين يسمحان بتأويلهما على أن الله جعل على ~~الأرض «خليفة» له أو «خليفة» ينوب عنه في الحكم بين خلقه، أي على حد ~~تعبير الطبري نفسه «خليفة» مني يخلفني في الحكم بين خلقه بحكمه. # 6 # ومع ذلك كله فإن الطبري يتمسك بفهمه لكلمة «الخلافة» بمعنى ~~تتابع الأجيال أو «القرون». # ربما يمكننا الآن أن نستخلص هذه النتيجة: إن استخدام كلمة «الخليفة» ~~للدلالة على حاكم الدولة الإسلامية العالمية كان أمرا مألوفا وشائعا ~~في عصر الطبري (القرن الثالث الهجري والتاسع الميلادي)، ولعل علماء ~~الدين في ذلك العصر كانوا يتذكرون محاولات الخلفاء الأمويين لتفسير ~~لقبهم - وهو خليفة الله - بأنه «النائب عن الله». # وربما بدا طبيعيا - بسبب استخدام الكلمة بهذا المعنى - أن يضفي على ~~كلمة «خليفة» المعنى نفسه الذي وردت به في بعض نصوص القرآن الكريم. ومن ~~ناحية أخرى نلاحظ أن الوعي الشديد بالمسافة الشاسعة التي تفصل الإنسان ~~عن الله، قد جعل أغلب العلماء ينفرون من أن يعطوا للإنسان مثل هذه ~~المنزلة الرفيعة (أي منزلة النائب عن الله)؛ ولذلك أصروا على فهم كلمة ~~«خليفة» كما جاءت في القرآن الكريم بمعنى «التالي أو اللاحق ~~للسابقين». # ربما يجدر بنا الآن أن نتتبع تطور معاني الكلمة بشيء من التفصيل. ~~وسوف أمثل لذلك - على سبيل المصادفة - بتفسير كلاسيكي متأخر هو تفسير ~~البيضاوي، الذي يرجع إلى القرنين السابع الهجري والثالث عشر الميلادي، ~~أي إلى أربعمائة سنة بعد الطبري. ونحن نجد منذ البداية أن البيضاوي ~~يفسر كلمة «خليفة» على المعنيين معا، أي اللاحق والنائب، حين يقول ~~بوضوح: «من يخلف غيره وينوب منابه.» وهو يقدم عدة احتمالات لتفسير ~~المعاني الممكنة للكلمة كما ذكرت في مواضع مختلفة من القرآن الكريم من ~~دون أن يفضل - فيما يبدو - أحدها على الآخر: ~~(1) # اللاحق للجماعات والأجيال السابقة. ~~(2) # من يخلف الحكام السابقين. ~~(3) # خليفة الله في أرضه (أي نائبه)، وإن كان يضيق المعنى ~~بحيث يدل ms096 على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - الذين ~~يتوسطون بين الله والناس، بحيث يصبح آدم هو أول الأنبياء، ~~لا أول البشر فحسب. ~~(4) # خلائف الأرض (كما جاء في سورة الأنعام: 165: # وهو الذي جعلكم خلائف ~~الأرض ورفع بعضكم فوق بعض ~~درجات ... ~~(الآية)) ويمكن أن ينصرف معناها ~~إلى «خلفاء الله في أرضه يتصرفون فيها». # 7 # وهكذا يجوز لنا الآن أن ننظر ~~فيما إذا كان من الممكن اعتبار البشر نوابا لله على الأرض، حتى ولو ~~لاحظنا استمرار النفور من نسبة هذه المرتبة إلى البشر عامة وقصرها على ~~الأنبياء عليهم السلام. والاتجاه الذي سار فيه تطور معاني الكلمة تؤيده ~~حقيقة أن حجة الإسلام الغزالي - الذي سبق البيضاوي بقرنين من الزمان - ~~قد ذهب إلى أبعد مما ذهب إليه الأخير عندما تصور وجود «مناسبة باطنة» ~~بين الإنسان والله، وهي مناسبة لم تقتصر على جعل الإنسان يحب الله، بل ~~جعلت وضع الإنسان كنائب عن الله في أرضه أمرا معقولا وقابلا للتصديق، # 8 # وبهذا لم يفكر الغزالي في قصر هذه المرتبة - أو العلاقة مع ~~الله - على الأنبياء وحدهم. أضف إلى هذا أنه وجد في «المناسبة الباطنة» ~~تفسيرا للحديث المنسوب للرسول # صلى الله عليه وسلم # أو للقول المأثور بأن الله خلق ~~آدم على صورته، أي على صورته الباطنة لا صورته الظاهرة، مما يدل - فيما ~~يدل عليه - على قرب الإنسان من مولاه وبارئه في الصفات التي فرض عليه ~~تقليدها، وفي قبول الفضائل الخلقية التي يوصف بها جل شأنه. والصوفية ~~وحدهم هم الذين يمكنهم أن يجدوا ويسموا عناصر أخرى في هذه العلاقة ~~(إحياء علوم الدين، الموضع السابق). ومن الواضح أن تصور الغزالي ~~للإنسان كان أسبق بكثير من أغلب فقهاء عصره من أهل السنة، وإن كان يرجع ~~إليه الفضل في تمهيد الطريق لهم. ولو قفزنا فوق عصر الغزالي والبيضاوي ~~ووصلنا إلى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، لاكتشفنا أن تصور الإنسان ~~باعتباره النائب عن الله في أرضه قد حاز الاعتراف العام به. طبيعي أن ~~الفهم القديم لكلمة «خليفة» كما وردت في القرآن الكريم بمعنى «اللاحق ~~للجماعات أو الأجيال ms097 السابقة» قد ظل قائما؛ إذ لا يستطيع أي مفسر ~~للقرآن الكريم أن يتجاهل الطبري ... ولكن المدهش حقا - في تقديري على ~~الأقل - أن هذا الفهم القديم قد أزيح جانبا، وأن التفسير الجديد هو ~~الذي أصبح يستخدم كأساس تبنى عليه المناقشات والنتائج. # ويصدق هذا على المصري العظيم ~~الشيخ محمد عبده (1849-1905م)، الذي سجل تلميذه محمد رشيد رضا محاضراته ~~التي ألقاها في الأزهر الشريف عن القرآن الكريم من سنة 1899م حتى وفاته ~~في «تفسير المنار». فهو في شرحه للآية الكريمة رقم 30 من سورة البقرة ~~يلفت الأنظار إلى المعنيين السابقين لكلمة «خليفة» دون تفضيل واضح ~~لأحدهما على الآخر، # 9 # ولكن من الجلي أنه يضفي على التفسير الأحدث قيمة أكبر. ~~والواقع أن النظر على هذا النحو إلى منزلة الإنسان أمر يتسق مع التصور ~~الديني لمحمد عبده بوجه عام. # 10 # لقد زود الله سبحانه عند بدء الخلق جميع الكائنات الحية، ~~سواء كانت فيزيقية أو ميتافيزيقية (أي ملائكة) باستعدادات محدودة، ~~ومعرفة محدودة، ووظائف محدودة، وذلك باستثناء الإنسان وحده. والحق أن ~~الله تعالى قد خلق الإنسان كذلك ضعيفا وجاهلا. ولكنه عندما ينمو فإن ~~إحساسه وشعوره ينموان معه أيضا، كما أنه قد وهب ملكة العقل التي ~~تمكنه من استغلال الملكتين السابقتين لمد سلطانه على سائر الكائنات. ~~وقد شاء الله أن تكون قدرة الإنسان على التصرف بلا حدود، والأحكام ~~والشرائع التي سنها الله للبشر إنما تهدف لتقييد أعمالهم وأخلاقهم ~~بحيث لا يسيء بعضهم إلى بعض، وبحيث يساعدهم على بلوغ الكمال بهداية ~~عقولهم وتنميتها. # 11 # وفي هذا السياق تعطي أهمية خاصة لما جاء في الآية الكريمة ~~(31) من سورة البقرة من أن الله قد علم آدم الأسماء كلها # 12 # وعلم آدم الأسماء كلها ثم ~~عرضهم على الملائكة ~~(الآية). ويقول الشيخ ~~محمد عبده إن الله سبحانه قد أتاح لنا من خلال هذه القصة أن نعرف ~~قيمتنا وما جبل في طبيعتنا بحيث يميزها عن طبائع سائر ~~المخلوقات. # وينبغي علينا إذن أن نسعى لبلوغ الكمال عن طريق العلوم التي هيأنا ~~لها عند بدء الخلق وقدمنا على الملائكة وسائر المخلوقات ms098 لكي تتجلى ~~فينا حكمة الله. # 13 # في مثل هذا التصور عند محمد عبده وتلاميذه (قارن تفسير أحمد مصطفى المراغي) # 14 # يعني جعل الإنسان نائبا عن الله أن الإنسان يملك قدرة غير ~~محدودة على التصرف في كل ما هو مخلوق، قدرة ترتكز أساسا على المعرفة، ~~أي على الإحساس والعقل. لا شك في أن الإنسان، وهو يمارس سلطانه، إنما ~~يتبع مشيئة الله وتدبيره، ولكنه إذا ظل مهتديا بشرع الله فإن هذا يلعب ~~دورا ثانويا في توجهه (إلى السيطرة عن طريق العلم والمعرفة). ونلاحظ ~~وراء هذا التصور موقفا شديد التفاؤل، وشعورا حيويا # 15 # تحدده الإنجازات الثقافية والحضارية الكبرى للبشرية، وقد ~~سبقت هذه التصورات والأفكار نشوب الحرب العالمية الأولى بوقت غير قصير. ~~ويلاحظ أيضا أن تفسير المنار لا يثير السؤال عما إذا كانت هذه ~~الإنجازات قد تمت على أيدي المسلمين أم غير المسلمين. # 16 # ولكن يبدو أن «النيابة عن الله» لم توهب لأتباع دين ~~معين، بل للبشرية في مجموعها. # ويترجم محمد إقبال (1873-1938م) - وهو الممثل المرموق للتحديث ~~الإسلامي في الهند، والأب الروحي للدولة الإسلامية في باكستان - يترجم ~~مطلع الآية الكريمة (رقم 30 من سورة البقرة) على هذه الصورة: حقا ~~إنني سأضع من ينوب عني على الأرض. # 17 # وهو يربط بين هذه الآية الكريمة وبين الآية رقم 72 من سورة ~~الأحزاب التي جاء فيها أن الإنسان قبل أن يتحمل «الأمانة» التي عرضها ~~الله سبحانه على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان. # 18 # ويفسر إقبال هذه الأمانة على معنيين. فهي من ناحية تدل ~~دلالة دقيقة على وظيفة النائب عن الله. # 19 # وقد كتب على الإنسان أن يشكل مصيره ومصير الكون، سواء ~~بالتلاؤم مع قواه أو بتوجيه كل طاقته نحو استغلال هذه القوى لتحقيق ~~أغراضه وغاياته. # وعندما يأخذ هذه المبادرة «يصبح الله شريكا له». # 20 # ولكن هذا التعبير عن الثقة الشديدة للإنسان في نفسه لا ~~يعني الغرور ولا الغطرسة التي لا حد لهما، لأننا نجد من ناحية أخرى أن ~~إقبال يفسر «الأمانة» التي عرضها الله سبحانه على الإنسان بأنها هي عبء ~~الشخصية التي ms099 تمنحه حرية الاختيار بين الخير والشر، وتفتح أمامه آفاق ~~تحقيق الخلود الشخصي عن طريق الجهد الذاتي (تجديد الفكر الديني، 119 ~~وما بعدها) والواقع أن المنزلة العظيمة التي يرفع إقبال الإنسان إليها ~~هي ثمرة تطور روحي هائل وتحتاج إلى الكفاح المستمر للوصول إلى الكمال ~~(شيميل، المرجع السابق الذكر، صفحة 108، 111، 113، 253). # 21 # والمهم أن تصور إقبال ينطوي على رؤية اجتماعية بناءة. ~~فوظيفة الإنسان كنائب عن الله سبحانه يفترض أن تتحقق في دولة إسلامية ~~مثالية، تكون فيها الأرض كلها (أي وسائل الإنتاج) ملكا لله، في الوقت ~~الذي يكون فيه واجب الإنسان أن ينتج الثروة لمصلحة البشرية كلها (أحمد، ~~المرجع السابق، ص159). # لو اتجهنا الآن من التحديثيين إلى الأصوليين - أو من يسمون أحيانا ~~بالشموليين، وهم الذين يرون أن الدين فيه الإجابة عن كل أسئلة الحياة ~~الخاصة والعامة - فسوف يدهشنا أن نجدهم كذلك يعتبرون أن الإنسان هو ~~النائب عن الله في أرضه. ويقرر سيد قطب (1906-1966م)، # 22 # ولعله أهم علماء الدين في جماعة الإخوان المسلمين (في ~~تفسيره للآية الكريمة # وإذ قال ربك ~~للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ... ~~(الآية 30 من سورة البقرة)) يقرر أن الإرادة العليا قد سلمت مقاليد ~~الأرض للإنسان وأعطته حرية التصرف، «ووكلت إليه إبراز مشيئة الخالق في ~~الإبداع والتكوين والتنويع والتركيب»، ومنحته الملكات والقدرات التي ~~يحتاجها لأداء هذه المهمة. بذلك تمت الوحدة والتنسيق بين نواميس الكون ~~وبين القوانين والأحكام المفروضة على الإنسان. وبذلك أيضا بلغ الإنسان ~~منزلة رفيعة في نظام الكون في مجموعه. # 23 # ويواصل سيد قطب شرحه للآية الكريمة السابقة الذكر، ولكنه - على العكس ~~من محمد عبده ومحمد إقبال - لا يتعمق في مسألة تشكيل الإنسان للعالم ~~بعقله وإرادته الحرة المستقلة؛ إذ يبدو أن الأهم في نظره هو التوفيق ~~بين جعل الإنسان نائبا عن الله في الأرض، وبين حقيقة أن الله سبحانه ~~قد ترك آدم وحواء يقعان في الخطيئة قبل إرسالهما إلى الأرض، وأن ~~الملائكة تتنبأ - بحق - بأن الإنسان سيفسد في الأرض ويسفك فيها الدماء. ~~ويذهب سيد قطب إلى أن العقل البشري محدود، وأنه لا يستطيع أن ms100 يدرك هذه ~~الحقائق الميتافيزيقية. ومع ذلك فإن المؤمنين مدعوون لقبول البيان ~~القرآني - كما يتجلى في الآية الكريمة السابقة - ليكون مرشدا لهم ~~ويهديهم في سلوكهم واعتقادهم. # 24 # ويصبح موقف الأصوليين - أو الشموليين - في تضييق حدود القدرات ~~والإمكانات البشرية أكثر وضوحا عند أبي الأعلى المودودي (1903-1979م)، ~~زعيم «جماعتي إسلامي» في الهند وباكستان. وهو فيما يبدو يرى أيضا أن ~~من الأمور البديهية أن يكون الإنسان هو نائب الله على أرضه. غير أن ~~الإنسان الذي يقوم بهذه الوظيفة لا يبقى، فحسب، خاضعا للقانون أو ~~الشرع الإلهي، ولكن هذا القانون ثابت ثبوتا مطلقا وصادق صدقا أبديا. # 25 # صحيح أن المودودي يعترف نظريا بالقياس، والاجتهاد، ~~والاستحسان، بل يعترف كذلك بالتأويل، ولكن المجال الذي يفسحه لتطبيق ~~هذه المناهج على القانون (الشرع) الإسلامي يبلغ من الضيق حدا يجعلها ~~عديمة التأثير من الناحية العملية. # 26 # ومن الإنصاف أن ننوه بالدولة الإسلامية التي تقوم - في تصور ~~المودودي - على أسس ديموقراطية: فهو يفترض أن النيابة عن الله لا ينهض ~~بأمانتها فرد ولا دولة ولا طبقة، بل تتولاها الجماعة الإسلامية المهيأة ~~للوفاء بشروط هذه الرتبة الرفيعة، كما أن كل عضو من أعضاء هذه الجماعة ~~مشارك في تحمل تلك الأمانة وحملها. وتستطيع الجماعة أن تعهد بأمانة هذه ~~النيابة لشخص يتمتع بثقتها، ولكنه إذا فقد هذه الثقة فلا بد أن يستقيل ~~من مهمته. # 27 # وإذا أمعنا النظر في هذه الجماعة التي يتصورها المودودي وجدنا أنها ~~لا يمكن أن تتألف إلا من مسلمين خاضعين للقانون (أو للشرع) كما يفهمه. ~~فالديموقراطية في نظره ديموقراطية إسلامية. وكل من يتصور أن التعاليم ~~الإلهية يمكن أن تعدل أو تبدل أو تنبذ بحكم بشري، سواء كان فرديا ~~أو جماعيا، فلن يكون له مكان في الجماعة الإسلامية، ولن يكون مهيأ ~~للمواطنة في الدولة الإسلامية. # 28 # وطبيعي أن غير المسلمين سينحصر وضعهم في هذه الحالة في ~~الوضع الذي بينه الشرع لأهل الذمة؛ سيكون عليهم أن يدفعوا الجزية، ~~وسيكون من حقهم أن يصلحوا أماكن عبادتهم دون أن يصرح لهم ببناء أماكن ~~أخرى جديدة، كما لا يحق لهم أن ms101 يمثلوا في البرلمان. # 29 # بذلك لا تكون النيابة عن الله من شأن البشر عامة، بل تقتصر ~~على المسلمين، وحتى هؤلاء لن يترك لهم الفهم الضيق للشرع سوى حرية ~~محدودة لتشكيل العالم. # والواقع أن الاعتراف بالديموقراطية يصبح موضع شك عندما يأتي من ~~جانب حركات منظمة تنظيما صارما من حيث تراتب وظائفها وقيادتها، كما ~~هي الحال في «جماعتي إسلامي» في الهند وباكستان، وفي جماعة الإخوان ~~المسلمين في مصر، على الأقل في المرحلة الأولى من تاريخهما. # مهما يكن الأمر فإننا نصادف ~~حتى العصور الحديثة تصريحات بأن تعيين نائب عن الله يمكن أن يقتصر على ~~فرد واحد، أي على حاكم معين. ويقول أحمد مصطفى المراغي، على سبيل ~~المثال، بأن تعيين إنسان في هذا المنصب يعني أن الله سبحانه يختار ~~طائفة من الناس ليبلغ قوانينه وأحكامه على لسانهم، وبذلك يرفعهم إلى ~~مرتبة الخلافة فوق غيرهم من البشر. # 30 # ومن جهة أخرى يشعر المرء بأن هناك عددا محدودا من المفكرين ~~المحدثين الذين لا يهتمون بموضوع النيابة عن الله إلا لكي يستمدوا منها ~~أفكارهم الديموقراطية في السياسة والمجتمع. وقد أعلن المفكر التركي ظيا ~~جوكالب - وسط معمعة المناقشات التي دارت حول إحلال دولة وطنية حديثة ~~محل الإمبراطورية العثمانية، واستبدال النظام الجمهوري بالسلطنة ~~والخلافة - أعلن في عام 1922م أن «الشعب هو النائب عن الله في الأرض، ~~وأن السلطة للشعب وليست للسلطان ... فله السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية.» # 31 # كذلك نجد خلال المناقشات التي دارت حول الدستور الباكستاني ~~أصواتا تذهب إلى أن الخلافة القائمة على القرآن الكريم يجب أن تكون هي ~~حكومة الشعب. # 32 # ولست أدري إن كان محمد إقبال قد صاغ هذه الفكرة، ولكنها ~~تتسق قطعا مع أفكاره. # ويلاحظ الوقوف في صف الديموقراطية عند «علي شريعتي» (1933-1977م)، # 33 # الذي ساهمت أفكاره مساهمة كبيرة في التمهيد لقيام الثورة ~~الإسلامية في إيران سنة 1978-1979م، حتى ولو كانت الجمهورية الإسلامية ~~التي أعلنت بعد ذلك لم تتأثر بأفكاره تأثرا يذكر. # والحقيقة أن شريعتي يضع النزعة الإنسانية الإسلامية - التي وجد أسسها ~~في القرآن الكريم - في مواجهة النزعة الإنسانية الأوروبية التي ms102 نمت - ~~في تقديره - حتى أصبحت هي أساس الحضارة الغربية الحديثة بسبب معارضتها ~~لمسيحية العصر الوسيط. لقد خلق الله الإنسان من طين مهين، وهو أحط رموز ~~التعاسة والحقارة والخسة، ولكنه سبحانه نفخ من روحه في هذا الطين ~~فخلق الإنسان وجعله نائبه على الأرض. # ويفسر شريعتي «الأمانة» التي ~~عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأشفقن منها وحملها الإنسان ~~تفسيرا يذكرنا بإقبال؛ فالأمانة - عند شريعتي - هي حرية الإرادة التي ~~تميز الإنسان عن سائر المخلوقات جميعا؛ في إمكان الإنسان أن يختار ~~بين أن يكون شبيها بالطين أو بالله. بذلك لا يكون الإنسان في الإسلام ~~محتقرا عند الله، وإنما هو شريكه وحبيبه. # 34 # كذلك يذكرنا شريعتي مرة أخرى بإقبال ودولته الإسلامية المثالية (التي ~~تكون فيها جميع وسائل الإنتاج ملكا لله وينبغي أن تستغل لمصلحة ~~البشرية بأسرها كما سبق القول) أقول يذكرنا به عندما يعهد إلى الإنسان ~~بإقامة جنة بشرية على الأرض أو في الطبيعة. # 35 # ويمضي شريعتي في تأملاته إلى أبعد من هذا، حيث تتبع ازدواجية التاريخ ~~الاجتماعي للبشرية بين قطبي هابيل وقابيل. فهابيل يرمز إلى الاقتصاد ~~الزراعي والاشتراكية البدائية قبل ظهور الملكية، إلى بناء اجتماعي فيه ~~الجماعة سيدة نفسها ويكون العمل كله للمصلحة العامة. أما قابيل فيرمز ~~إلى الزراعة، وللملكية الفردية أو الاحتكارية، أي إلى بناء اجتماعي ~~يكون فيه الأفراد هم سادة المجتمع. # 36 # هكذا يمثل قابيل قطب الحاكم، والمالك، والطبقات المستغلة ~~أما هابيل فيمثل قطب الشعب - والله ... # ويرى شريعتي أن كلمتي «الناس» و«الله» في القرآن الكريم وفي الإسلام ~~مترادفتان، وأن إحداهما تقوم مقام الأخرى عندما يتعلق الأمر بقضايا ~~المجتمع. وعبارة «الحكم لله» معناها عنده أن «الحكم للشعب»، كما أن ~~عبارة «الملك لله» تعني أن الملكية للشعب، لا للأفراد، أي إنها للمجتمع ~~في مجموعه، # 37 # وسواء استطاع هذا التفسير أن يصمد للاختبار اللغوي ~~والدلالي أم لم يصمد، فإنه يعيدنا مرة أخرى إلى تصور يتساوى فيه - ~~بمعنى خاص - الله والبشر، ولكن بشرط أن نفهم من هذا أن المقصود بالبشر ~~ليسوا هم الأفراد، بل هو المجتمع العادل والمنظم وفقا ms103 لمشيئة الله. ~~بهذا يصبح تعيين الإنسان نائبا عن الله هو أساس الاشتراكية الإسلامية. # 38 # وأخيرا فإن النصوص السابقة قد جمعت - بشكل أو آخر - بطريقة ~~عشوائية. إنها لا تصف التطور المباشر أو المستقيم لصورة موحدة عن ~~الإنسان في الإسلام في العصر الحديث. ولكن الجدير بالتنويه أن المسلمين ~~على مر العصور، وفي العصر الحديث بوجه خاص، قد اتجهوا إلى تصور ~~للإنسان يزيد فيه عن أن يكون (بالنسبة إلى الله) مجرد شيء أو موضوع، ~~فهو مخلوق مكلف بأداء وظائف إلهية معينة، ومن ثم فهو شبيه بالله ~~من بعض النواحي، أي إنهم اتجهوا إلى تصور الإنسان نائبا عن الله ~~سبحانه في أرضه. ولا شك في أن اللافت للنظر في تكوين هذا التصور وتطوره ~~هو إعادة تفسير مصطلح قرآني بما يخالف معناه الأصلي. ولا بد أن ~~المسلمين قد شعروا بحاجة ملحة إلى بلوغ هذه المرتبة الرفيعة. وحتى لو ~~سلمنا بهذا التفسير الجديد للنص القرآني، فإن التصور العام للإنسان في ~~القرآن قد سمح بمثل هذا التغير والتطور في الفهم والتفسير. ولا نزاع في ~~أن الفحص الدقيق للاتجاهات التي سيسير فيها المسلمون، بعد أن أعطوا ~~لأنفسهم حرية إعادة تفسير كلمات الوحي الإلهي، سيكون أمرا بالغ ~~الضرورة والأهمية. # الفصل السابع # | نحو تنظيم موحد للمسلمين في ألمانيا # (1989م) ~~«المأمول أن ينتفع المسلمون من معرفة التجارب التاريخية التي ~~مر بها المسيحيون واليهود.» # شتيبات # يبدو أن الوقت قد حان للتفكير الجدي في اتخاذ خطوات ملموسة على ~~الطريق إلى تكوين تنظيم موحد للمسلمين في ألمانيا الاتحادية وبرلين ~~الغربية. والمشكلة واضحة ومعروفة؛ فلا يمكن أن يتوقع المسلمون أن تعترف ~~بهم الدولة اعترافا كاملا ما لم يواجهوها باعتبارهم مؤسسة أو تنظيما ~~موحدا. وبصرف النظر عن هذه المهمة القانونية، فهناك مهام موضوعية ~~عديدة لا يستطيع المسلمون أن يحققوها - أو لا يستطيعون أن يحققوها ~~بصورة مرضية - بغير وجود مثل تلك المؤسسة أو ذلك التنظيم الذي يجمع ~~شملهم. وأول ما يخطر على بالي من هذه المهام هو التعليم الديني الذي ~~يستحب على المدى الطويل أن يرسخ وجوده في ms104 المدارس العامة، والذي لن ~~يستغني عن الاستعانة بالمعلمين الناطقين باللغة الألمانية، ومن الأمور ~~الطبيعية أن يكون إنشاء هذا التنظيم من شأن المسلمين أنفسهم. ولكني ~~أرجو ألا يعد تعبير صديق من غير المسلمين عن خواطره حول هذا الموضوع ~~نوعا من التدخل المزعج في شئونهم. ويبدو لي أن الأمر يحتاج إلى تأكيد ~~مبدأين أساسيين هما: ~~(1) # يجب أن يكون التنظيم دوليا أو بالأحرى متجاوزا للحدود ~~القومية. والواقع أن هذا لا يمثل من الناحية النظرية أي ~~مشكلة؛ لأن الإسلام لا يعترف بوجود أي حدود أو حواجز قومية ~~بين المؤمنين. ولكن المشكلة الكبرى، من الناحية العملية، ~~هي كيفية تجميع مسلمين أتراك، وأكراد، وإيرانيين، وعرب من ~~مختلف البلاد العربية مع مسلمين ألمان في تنظيم واحد، ~~فمجرد اختلاف اللغة يمثل عائقا لا يستهان به في سبيل ~~التفاهم بينهم، هذا إذا تغاضينا عن أن الناس في كل مكان قد ~~تعلموا على الدوام أن يحددوا هوياتهم من خلال انتمائهم ~~لأوطان معينة، وأن يضعوا مصالحهم في إطارات وطنية أو ~~قومية. ولما كان الدين الإسلامي بطبيعته دينا عالميا، ~~فلن يتعذر إيجاد أشكال عملية وعادلة لإطار دولي يضم في ~~داخله جميع الأطراف. ~~(2) # يجب أن يكون التنظيم متسامحا، وذلك بمعنى أن يجعل ~~التجاور والتعاون بين التصورات والاتجاهات والمذاهب ~~الإسلامية المختلفة أمرا ممكنا. ربما كان هذا على ~~المستوى النظري أمرا عسيرا، فالمؤمن الواثق من إيمانه ~~يميل على الدوام إلى الاعتقاد بأن تصوره عن الدين هو وحده ~~التصور الصحيح، وأن التصورات المختلفة عنه باطلة. وتوجد في ~~صميم الجوهر الخاص بالأديان حدود يعتبر كل من يتخطاها ~~منفصلا عن جماعته الدينية، والمسلمون وحدهم هم القادرون ~~على تعيين هذه الحدود التي لا يجوز للمسلم أن يتعداها. ~~ولكن العظمة التاريخية للإسلام ترتكز إلى حد كبير على ~~توسيعه لهذه الحدود إلى أقصى درجة ممكنة وضم مختلف ~~الاتجاهات والتصورات والمذاهب داخل إطاره الرحب. وربما لا ~~ترجع عبارة «اختلافهم رحمة» إلى النبي عليه السلام نفسه، ~~ولكنها تعبر عن الروح الحقيقية السمحة للإسلام. ولهذا ~~ينبغي على جميع المسلمين على اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم أن ms105 ~~يتقبلوا بعضهم بعضا، ويتناقشوا بعضهم مع بعض، ويشتركوا ~~معا في التعبير عن مصالحهم. وفي اعتقادي أن المسلمين من ~~الألمان ستقع عليهم مسئولية كبيرة وسيؤدون دورا رئيسيا ~~داخل التنظيم الذي يناط به تحقيق المهام السابقة. ولا أقصد ~~بطبيعة الحال أن يقوم هؤلاء المسلمون الألمان بإضفاء ~~الطابع «الجرماني» على التنظيم المقترح، وإنما أقصد أنهم ~~سيكونون مؤهلين للقيام بدور الوسيط بين الدولة الألمانية ~~والرأي العام الألماني من ناحية، وبين الجماعة الإسلامية ~~من ناحية أخرى، وربما أمكنهم أيضا أن يتوسطوا بين ~~الاتجاهات والمذاهب المختلفة لإخوانهم في العقيدة ~~والإيمان. وأخيرا فإن لهم دورا خاصا في تعليم الدين ~~الإسلامي بالمدارس باللغة الألمانية، وتأهيل المعلمين ~~الأكفاء للقيام بهذه المهمة الجليلة. وينبغي على المؤمنين ~~بديانتي التوحيد الأخريين أن يقفوا مع المسلمين في كل هذه ~~الأمور ويمدوهم بالرأي والعون. ولعل إبداء الرأي ~~والمشورة هو الأهم في هذا السياق. فلا ينتظر من أحد أن ~~يقدم للمسلمين وصفة خاصة من عنده تضمن لهم النجاح الأكيد ~~(لا ننسى أن المسيحية قد انتظمت في كنائس عديدة، وأن في ~~اليهودية اتجاهات مختلفة ذات تنظيمات متباينة) ولكن ~~المأمول أن ينتفع المسلمون من معرفة التجارب التاريخية ~~التي مر بها المسيحيون واليهود، ومن متابعة المناقشات ~~التي تدور في هذه الأيام بين المسيحيين واليهود واستخلاص ~~الدروس المفيدة منها. # الفصل الثامن # | الذين آمنوا ولم يهاجروا ... البدو كجماعة ~~هامشية في المجتمع الإسلامي1 # (1986م) ~~«حارب الإسلام النزعة القبلية لدى البدو الأعراب، وطالب ~~المؤمنين، على المستوى الفكري، بالخضوع لأوامر الإله ~~الواحد.» # شتيبات # من بين الفريقين اللذين تكونت منهما الجماعة الإسلامية في المدينة، ~~نجد تعريفا واضحا للأنصار بأنهم سكان المكان الذي وقف أهله مع الرسول # صلى الله عليه وسلم # وساندوه. أما الفريق الآخر، وهم المهاجرون، فقد كان يتألف ~~من أصحابه في الهجرة من مكة إلى المدينة. ولكن المشتركين في الهجرة ~~المبكرة إلى الحبشة ينبغي أيضا أن يحسبوا من المهاجرين. وقد سمح بعد ~~ذلك للمؤمنين الجدد بأن ينضموا لفريق المهاجرين، وإن لم يشترط فيهم ~~جميعا القيام بالهجرة من «دار الشرك» إلى دار الإسلام؛ إذ ms106 عرف بعضهم ~~باسم المهاجرين مع السماح لهم بالبقاء حيث كانوا يعيشون. وهكذا نجد أن ~~كلمة «مهاجر» أو «مهاجري» أصبحت صفة لوضع قانوني، بعد أن كانت مجرد وصف تاريخي. # 2 # وقد كان «المهاجرون من قريش» - طبقا لدستور المدينة - ~~يظهرون في مجموعهم (كما أوضح مونتجومري وات) في وضع شبيه بوضع عشيرة ~~دخلت في حلف مع عشائر المدينة. # 3 # وعلى هذا الأساس كانت الجماعة الإسلامية، أو «الأمة»، ~~تحالفا بين عشائر، ولم تكن تجمعا لأفراد. # 4 # صحيح أنه كان هناك اتجاه للمضي إلى أبعد من ذلك. فمن خلال ~~«المؤاخاة» ألف النبي # صلى الله عليه وسلم # بين كل مهاجر وواحد من الأنصار. ويرى ~~«وات» أن هذا قد تم على الأرجح قبل غزوة بدر، # 5 # ولكن يبدو أن هذه المؤاخاة كانت تنطوي على شيء أكبر من ~~مجرد التزام الإخوة بالوقوف معا في القتال، فقد قام بين أولئك الإخوة ~~- كما يفهم من بعض الأحاديث الشريفة - نوع من «الخلافة» المتبادلة. # 6 # ومع ذلك فقد أثبتت صلة الدم والرحم على المدى الطويل أنها ~~كانت أقوى من الروابط الجديدة في داخل الأمة، ويقال إن «الخلافة ~~المتبادلة» بين المهاجرين والأنصار قد أبطلها القرآن الكريم، وذلك كما ~~جاء في سورة النساء: # ولكل جعلنا ~~موالي مما ترك الوالدان والأقربون ~~والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن ~~الله كان على كل شيء شهيدا ~~(الآية 33)، أو ~~كما جاء في سورة الأحزاب: # وأولو الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من ~~المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى ~~أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب ~~مسطورا ~~(الآية 6)، وفضلا عن ذلك فقد بقي الزواج من ~~بين الفريقين أمرا «نادرا». # 7 # وإلى جانب المهاجرين والأنصار نجد فريقا ثالثا عرف بهم القرآن ~~الكريم ولم يجدوا الاهتمام الكافي من قدامى المؤرخين. فالقرآن الكريم ~~يقابل (في سورة الأنفال: الآية 72) بين # الذين ~~آمنوا ولم يهاجروا # وبين الذين # آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله ~~، أي المهاجرين، و # الذين آووا ونصروا ~~، أي الأنصار، ~~وتصف الآية الكريمة كلا الفريقين (أي المهاجرين والأنصار) بأنهم # أولئك بعضهم أولياء بعض ~~. ثم ~~يخاطب عز وجل المهاجرين ms107 والأنصار معا ويبلغهم أنه لا ولاية لهم ~~على الفريق الثالث، أي على # الذين آمنوا ~~ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ~~حتى يهاجروا ~~، ولكنهم إن سألوكم العون واستنصروكم في ~~الدين فعليكم أن تناصروهم، إلا أن يكون ذلك ضد من يكون بينكم وبينهم ~~حلف أو ميثاق: # وإن استنصروكم في ~~الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق ~~(الآية). # من الواضح أن الآية الكريمة تشير إلى فريق من الناس الذين يحسبون من ~~المؤمنين وإن لم يكونوا من المهاجرين ولا من الأنصار. والعلامة التي ~~تميزهم من غيرهم هي أنهم لم يهاجروا (مع النبي وأصحابه رضي الله ~~عنهم) أو لم يقوموا بأي هجرة. وإذا نظرنا في سياق الآية الكريمة وعرفنا ~~أن الهجرة أصبحت تدل على وضع قانوني، فلن يكون لدينا أي شك في أن ~~تعريف الفريق الثالث قد أصبح له كذلك طابع قانوني. والكلمتان ~~الأساسيتان في الآيات الكريمة هما أولياء (جمع ولي) وولاية (بفتح ~~الواو وكسرها) وكلاهما مشتق من ولي. وتستخدم الكلمة الأخيرة بمعان ~~مختلفة، ولكن معناها الأصلي هو «القريب أو المقرب». والطبري في ~~تفسيره يعطي للكلمة معنى النصير والمعين وابن العم والنسيب (أي ~~القريب) والوريث، وإن كان يستبعد المعنى الأخير في حالتنا هذه، # 8 # وهو المعنى الذي لا نستطيع - في تقديري - أن نستبعده إذا ~~تذكرنا ما سبق قوله عن «الخلافة المتبادلة» بين المهاجرين والأنصار. ~~وقد سبق أن نبه ريتشارد بيل، في ترجمته الإنجليزية للقرآن الكريم، # 9 # إلى أن معنى «ولي» ينصرف إلى القريب الحميم الذي يلقى ~~على كاهله واجب الأخذ بالثأر، وذلك وفقا لما جاء في «دستور المدينة» ~~(ولي المقتول)، والمهم على كل حال أن الحد الأدنى للمعنى الذي يمكننا ~~أن نأخذ به هو أن «ولي» و«ولاية» تفيدان الإلزام بالعون والمساعدة. وما ~~يجدر ذكره أن مثل هذا الإلزام للمهاجرين والأنصار نحو أفراد الفريق ~~الثالث لم يتم إنكاره كل الإنكار، بل لقد فرض عليهما في حالة طلب العون ~~أو الاستنصار في أمر من أمور الدين، اللهم إلا إذا كان المهاجرون ~~والأنصار مقيدين بحلف ms108 أو ميثاق مع أولئك الذين يستنصرون ~~عليهم. # ولكن من هم أولئك «الذين آمنوا ولم يهاجروا»؟ يبدو أن ~~الطبري والمفسرين الأوائل الذين استشهد بهم في تفسيره يجمعون على ~~أنهم كانوا من البدو أو الأعراب. أضف إلى هذا أن مفسري القرآن الكريم - ~~وذلك بقدر ما أعلم - لا يذكرون حادثة تاريخية محددة وراء نزول الوحي ~~بالآية الكريمة السابقة، كما أن الباحثين المحدثين من الأجانب قد ~~اختلفت آراؤهم إلى حد التناقض عن توقيت نزولها، فبينما يضعها «بلا شير» # 10 # و«باريت» # 11 # بعد الهجرة مباشرة، نجد «نولدكه» # 12 # يجعل تاريخها بعد غزوة بدر، ويوافقه بيل # 13 # على ذلك وإن كان يرجح أن تكون عبارة # الذين آمنوا ولم يهاجروا # قد أضيفت في وقت ~~لاحق. # والواقع أن الآية الكريمة تتسق مع موقف حتم على القيادة الإسلامية ~~أن تشعر بنوع من التوزع بين العمل على تحقيق الهدف الديني، وهو بناء ~~الجماعة الجديدة على أساس من العقيدة الخالصة والتوجه السليم من ناحية، ~~وبين الضرورة السياسية التي تقتضي كسب أكبر عدد ممكن من الحلفاء من بين ~~القبائل العربية من ناحية أخرى، مع العلم بأن معظم هذه القبائل لم يكن ~~لديهم الاستعداد الكافي للتجاوب مع ذلك الهدف الديني أو حتى مجرد فهمه. ~~ولعل هذا التوزع هو الذي يفسر المحاولات العديدة لتصنيف البدو بطريقة ~~تبين أن من الممكن، على الرغم من أن الحياة القبلية القديمة كانت ~~متعارضة مع روح الإسلام، إيجاد الوسائل التي تساعدهم على التكيف مع ~~الدين الجديد والانضمام إلى جماعته. ولا عجب أن تؤدي تلك المحاولات ~~لتصنيف البدو حسب مواقفهم من الإسلام إلى بعض النتائج التي لم تكن ~~مقنعة، بل كان بعضها يتسم بقدر غير قليل من التناقض. خذ على سبيل ~~المثال ذلك الحل الوسط الذي كان يرى إضفاء الوضع القانوني للهجرة على ~~جماعات قبلية لم تقم في الواقع بأي هجرة حقيقية. وخذ كذلك الوعد بالجنة ~~(في سورة التوبة: الآية 10) لا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ~~فحسب، بل كذلك ل # الذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد ~~لهم جنات تجري تحتها ms109 الأنهار ... # إلى آخر ~~الآية الكريمة التي يقال عنها إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم ~~يكن يشعر بالارتياح لمد رحمة الله وفضله على # الذين اتبعوهم بإحسان ~~، # 14 # أو خذ أخيرا الآية الكريمة # 15 # من سورة الحجرات التي تنكر على أعراب البدو إيمانهم ~~وتبين أنهم لم يؤمنوا ولكن قالوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبهم: # قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم ... # إلى آخر الآية، في الوقت ~~الذي تصف فيه الآية الكريمة (72 من سورة الأنفال) أولئك الأعراب الذين ~~لم يهاجروا بأنهم # الذين ~~آمنوا ~~. # ويزيد من غموض أوضاع هؤلاء «الذين آمنوا ولم يهاجروا» ~~أننا لا نكاد نعرف شيئا عن حقيقة تلك الأوضاع أثناء حياة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام. ومبلغ علمي أن هذه الجماعة لم تذكر إلا ضمن محاولة ~~أخرى لتصنيف أعضاء «الأمة»، وهذه المحاولة تنسب لواحد من أهم المفسرين ~~للقرآن الكريم، وهو ابن عباس رضي الله عنهما، ولأحد أتباعه وهو ~~«الضحاك»، وقد أثبتها الطبري في تفسيره. # 16 # وتقول هذه الرواية المنسوبة لابن عباس إن المؤمنين على عهد ~~الرسول عليه الصلاة والسلام كانوا مقسمين إلى «منازل» ثلاث أو أربع: ~~المهاجرين، والأنصار، والأعراب المؤمنين أو الأعراب المسلمين الذين ~~آمنوا ولم يهاجروا، إلى جانب أصحاب المنزلة الرابعة الذين يتألفون - ~~إذا ذكروا أصلا - من «التابعين بإحسان» (وفقا للآية الكريمة رقم 10 ~~من سورة التوبة التي سبق ذكرها). ولما لم يكن هناك ذكر لأي واقعة ~~تاريخية محددة عنهم، فيبدو من الممكن القول إن هذا التصنيف لا يعدو أن ~~يكون مجرد اجتهاد في تفسير نصوص الآيات القرآنية الكريمة. # 17 # مهما يكن الأمر فإن البدو المسلمين يظهرون مرة أخرى في وقت متأخر، ~~وذلك في سياق مناقشة دارت بين الفقهاء المتقدمين وتعكس فيما يبدو واقعة ~~تاريخية جرت بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام. ولعل أهم ما في هذه ~~المناقشة هو الحديث الشريف المنسوب إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي الذي ~~يذكر فيه بعض توجيهات النبي عليه السلام لقواد الحملات التي أرسلها ~~لقتال الكفار، وأمرهم فيها بأن يخيروا أعداء ms110 الدين بين أمور ثلاثة: ~~(1) # أن يدخلوا في الإسلام ويهاجروا إلى دار ~~المهاجرين. ~~(2) # أو أن يدخلوا في الإسلام بدون أن يهاجروا. ~~(3) # أو أن يدفعوا الجزية في حالة رفضهم الدخول في دين ~~الله. # فإذا اختاروا الأمر الثاني، أي الدخول في الإسلام بغير هجرة، فإنهم ~~«يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ~~ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.» # 18 # وقد عثرت على حالة واحدة نسب فيها الحديث السابق إلى زيد بن أرقم لا ~~إلى بريدة، كما وجدت حديثا آخر به توجيهات مماثلة للرسول عليه الصلاة ~~والسلام وذلك برواية سلمان الفارسي. # 19 # وهناك فقرة من كتاب الخراج «لأبي يوسف» # 20 # ترد بها تلك التوجيهات بصورة مبسطة ولا تنسب للرسول عليه ~~الصلاة والسلام بل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما أنها ليست برواية ~~بريدة بل برواية ابنه سليمان الذي يذكر اسمه في بعض الروايات الكاملة ~~لتلك التوجيهات بعد اسم أبيه مباشرة. والرواية المنسوبة إلى عمر بن ~~الخطاب تعرض على الكفار الخيارات الثلاثة المذكورة نفسها في الحديث ~~الذي تنسب روايته لبريدة، وذلك دون ذكر للبدو. ومن المرجح أن رواية أبي ~~يوسف تقدم النص الأصلي، الذي نسب فيما بعد إلى النبي عليه الصلاة ~~والسلام لإضفاء المصداقية عليه، كما أنها تلقي الضوء على أولئك الذين ~~دخلوا في الإسلام ورفضوا الهجرة حينما تقارنهم بالبدو المسلمين. # والواقع أن المناقشة الفقهية التي يثار فيها الجدل حول وضع البدو ~~المسلمين لا تتطرق للتوجيهات الخاصة بالجهاد، وإنما تهتم بمناقشة الحق ~~في الحصول على نصيب من ذلك النوع من الغنيمة الذي يطلق عليه اسم ~~«الفيء»، أي الموارد التي تأتي من البلاد التي فتحها المسلمون وتوزع ~~عليهم في صورة «عطاءات» منتظمة. وقد كان أول من نظم توزيع هذه العطاءات ~~هو الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أمر بإثبات أسماء ~~المستحقين لها في قوائم سميت بالدواوين # 21 ~~(جمع ديوان)، ومع أن عمر بن الخطاب ينسب إليه أنه وضع ~~المبدأ القائل بحق جميع المسلمين في تلك العطاءات، # 22 # فمن ms111 السهل أيضا القول إن ذلك المبدأ لم يدخل أبدا حيز ~~التنفيذ. والتعبير العام عن هذه المناقشة الفقهية يمكن أن نلتمسه فيما ~~قيل فيها عن المعيار الذي حل محل الهجرة لبيان أحقية شخص في أن ~~يكون عضوا كاملا في الجماعة الإسلامية أو في «الأمة»، وذلك بعد أن ~~أبطل فتح مكة معيار الهجرة مصداقا للعبارة المشهورة: لا هجرة بعد ~~الفتح. ومن ثم كان من السهل على من يريد أن يكون عضوا كاملا في ~~الأمة أن يعلن أن إسلامه كاف لتحقيق ذلك الغرض، # 23 # بينما طالب الجانب المقابل بتعهد أو ضمان بالمشاركة في الجهاد. # 24 # ليس من الممكن الدخول هنا في تفصيلات هذا التطور، ولكن يمكن أن ~~نستنتج من الحديث الذي رواه بريدة وسبق أن تناولناه بالبحث، أن هناك ~~جماعة مهمة سرعان ما استبعدت استبعادا نهائيا من فئة المستحقين ل ~~«العطاءات»، وهي جماعة البدو الذين لم يشاركوا في الجهاد. وقد وجد ~~الفقهاء بعد ذلك تفسيرا متسقا لهذا القرار؛ فيقول الماوردي الشافعي ~~إن المسلمين بعد فتح مكة انقسموا إلى فئتين هما المهاجرون والبدو، ~~وهاتان الفئتان هما «أهل الفيء» - أي أصحاب الحق في المشاركة فيه - ~~و«أهل الصدقة»؛ أي المستحقون لضريبة الصدقة وحدها. وهو يعرف أعضاء ~~الفئة الأولى بأنهم هم «ذوو الهجرة الذابون عن البيضة والمانعون عن ~~الحريم والمجاهدون للعدو»، بينما يوصف العضو في الجماعة الأخرى، أي ~~أعراب البدو، بأنه «من لا هجرة له وليس من المقاتلة عن المسلمين ولا من ~~حماة البيضة». # 25 # ولا شك في أن لهذه التفرقة منطقها؛ لأن ضريبة الصدقة ~~تحصل من جميع المسلمين وتخصص قبل كل شيء لإنفاقها على الجماعة المحلية، # 26 # بحيث لا يمكن أن يحرم منها البدوي المسلم. # 27 # أما «الفيء» فهو غنيمة حرب مخصصة للمقاتلين في سبيل الله ~~أو للأمة في مجموعها، وطبيعي أن تحرص الأمة من جانبها على إنفاقها على ~~المقاتلين. # والحق أن تعبير الماوردي متسق غاية الاتساق، وأن غيره من الفقهاء لم ~~يذهب إلى الحد الذي ذهب إليه . فأبو حنيفة لم يقصر إنفاق «الفيء» ~~و«الصدقة» على الفئتين السابقتين من ms112 المسلمين. # 28 # أما أحمد بن حنبل فقد اعتبر أن «الفيء» ليس من حق جماعة ~~مخصوصة، بل هو من حق المسلمين أجمعين. # 29 # وأما الفقيه الذي فحص المسألة فحصا دقيقا وشاملا فهو ~~أبو عبيد (المتوفى سنة 228 للهجرة/838 ميلادية)، وقد أقر بصحة الحديث ~~الشريف الذي رواه بريدة وتضمن استبعاد البدو المسلمين من غير المهاجرين ~~لفترة زمنية محددة من أن يكون لهم نصيب في الفيء، ولكنه وجد أن كلا ~~من الحديث والأوامر والتعاليم المرتبطة بالهجرة قد بطل العمل بهما بعد ~~ذلك بحيث أصبح من حق المسلمين جميعا، بما فيهم غير المهاجرين، أن ~~يحصلوا على أنصبتهم من مال «الفيء». ولكن «أبو عبيد» # 30 # قصر حق البدو في الحصول على هذا المال على الحالات الطارئة ~~والمفاجئة المترتبة على هجوم المشركين وعلى المجاعة والأخذ بالثأر، كما ~~قرر أن «أهل الحاضرة» من السكان المقيمين الذين دافعوا عن الإسلام هم ~~وحدهم الذين يستحقون العطاءات المنتظمة. ويبدو أخيرا أن الإمام ~~الشافعي (المتوفى سنة 204ه/820م) كان محقا كل الحق عندما قال: لم ~~يختلف أحد ممن قابلتهم على أن البدو الذين يستحقون الصدقة لا حق لهم في العطاءات. # 31 # هكذا كان من المهم لأغراض عملية، وبعيدا عن صيغ الفقهاء وتعبيراتهم ~~الدقيقة، أن يستثنى البدو من حق الحصول على العطاءات - لا بالفعل ~~فحسب، بل كذلك من الناحية القانونية أو الشرعية - وذلك بحكم كونهم لم ~~يشتركوا مع الجيوش الإسلامية في الجهاد. وهذا يتسق تماما مع الموقف ~~التاريخي. فقد حارب الإسلام النزعة القبلية لدى البدو الأعراب، وطالب ~~المؤمنين، على المستوى الفكري، بالخضوع لأوامر الإله الواحد بدلا من ~~السعي وراء تحقيق الحياة والذات عن طريق المشاركة في أمجاد القبيلة، ~~كما طالب البدو - على المستوى الاجتماعي - بترك القبيلة والانضمام إلى ~~الجماعة الإسلامية العالمية، وإذا كان بعض البدو قد منحوا الوضع ~~الشكلي للهجرة بغير القيام بهجرة حقيقية، فإن مثل هذه الحالات بقيت ~~مجرد حلول وسط استثنائية. فالواقع أن غير المهاجر قد نظر إليه بوجه ~~عام بوصفه مسلما من الدرجة الثانية . وعندما بدأ المد الإسلامي، ~~حلت المشاركة في الجهاد محل الهجرة ms113 وأصبحت هي المعيار الذي يقاس ~~عليه إيمان المسلم الصحيح. والواقع أن هذا لم يكن شيئا متعارضا مع ~~أسلوب الحياة البدوية، فالمحاربون - الذين يفترض فيهم أن يكونوا دائما ~~على أهبة الاستعداد وتحت الطلب - كانوا ملزمين بالعيش داخل «الأمصار» ~~أو «مدن العسكر». # وعندما تحولت العطاءات التي كانت تمنح لكل مسلم صحيح الإسلام مع مرور ~~الزمن إلى أجور للجند، فقدت التفرقة الشكلية بين المسلم الصحيح والبدوي ~~الكثير من أهميتها، وقد تزامن ذلك التطور مع بروز ظاهرة أخرى، وهي خضوع ~~أعداد ضخمة من سكان الريف للحكم الإسلامي، الأمر الذي جعل فقهاء المدن ~~يعتبرون من وجهة نظرهم أن العلاقة بين هؤلاء الريفيين أو الفلاحين وبين ~~الجماعة الإسلامية شبيهة بعلاقة البدو بها. وقد لاحظ أبو عبيد على سبيل ~~المثال، في سياق المناقشة السابقة الذكر، أن «من سكن القرى والسواد (أي ~~الأرض الزراعية) والجبال» ينطبق عليهم الوضع الشرعي نفسه الذي للبدو. # 32 # ومع ذلك فقد استمر عزل البدو واعتبارهم الجماعة الهامشية ~~بالذات داخل المجتمع الإسلامي. # الفصل التاسع # | الدور السياسي للإسلام # (1983م) ~~«لن ينصف الإسلام من يزعم أنه يطالب المؤمنين بمثل هذا الخضوع ~~الأعمى.» # شتيبات # إن الحركة الإسلامية الكبيرة في هذه الأيام، وأقصد بها الموجة التي ~~يطلق عليها اسم «البعث أو الإحياء الإسلامي» أو «الصحوة الإسلامية»، ~~تتكون في حقيقة الأمر من مجموعة متنوعة من الحركات الفردية التي تحددها ~~الظروف المختلفة في البلاد الإسلامية. وليس من شك في أن العنصر ~~الإسلامي الكامن في هذه الحركات، بل المصطلح الذي تعبر به عن أفكارها ~~وأهدافها، يمثل بعض السمات المشتركة بينها، ومن أبرز هذه السمات ذلك ~~الشعور المتجدد بالتضامن أو التكافل الإسلامي الذي يجمع بينها. ومع ذلك ~~فلو نظرنا نظرة أعمق، لوجدنا أنها تشترك أيضا في عنصر أهم وأخطر، ~~يتجاوز دائرة الشعوب الإسلامية ليشمل الشعوب النامية، وذلك هو الموقف ~~التاريخي العام لكل الشعوب التي ما زالت متخلفة بالقياس إلى الأمم ~~الصناعية الحديثة، وما زالت تجد نفسها معتمدة عليها وتابعة لها، وإن ~~كانت تسعى اليوم بكل السبل للتحرر من هذه التبعية. # ولست في حاجة ms114 للحديث عن الأسباب التي عملت على ظهور هذا الموقف: كيف ~~وضعت الدول الأوروبية، وتبعتها بعد ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، ~~بقية دول الأرض تحت سيطرتها الاقتصادية والحضارية، وكيف أحكمت هذه ~~السيطرة بعد ذلك بفرض هيمنتها السياسية على معظم هذه الشعوب. ويجب أن ~~نكون على وعي تام بأن هذه السيطرة السياسية الأجنبية على معظم أجزاء ~~الأرض لم تنته إلا منذ وقت قصير نسبيا، وأن التخلف الاقتصادي ~~والحضاري، الذي يعني التبعية، لم يزل قائما كما كان، بل لم يزل من ~~الصعب أن نتبين معالم الطرق التي يمكن أن تؤدي إلى تجاوز ذلك ~~التخلف وتلك التبعية. # والواقع أن الشعوب المقصودة على وعي كامل بهذا الموقف، ويرجع هذا إلى ~~أن معظمها لم يتخلص من السيطرة السياسية الأجنبية إلا منذ عهد قريب، ~~ومن الطبيعي أن تتفاوت الأشكال التي يظهر بها هذا الوعي وأن تختلف من ~~شعب إلى شعب. # لننظر، على سبيل المثال، إلى الشعوب العربية، فقد تصورت، بعد انتهاء ~~الحرب العالمية الثانية، أنها قد وجدت الطريق إلى الاستقلال الحقيقي في ~~القومية العربية الشاملة تحت زعامة جمال عبد الناصر. ولكن خيبة الأمل ~~سرعان ما نشرت ظلالها الكئيبة بعد حقبة غمرتها فيها نشوة وطنية عارمة. ~~إن دولة إسرائيل، وهي جسم غريب زرع في المنطقة العربية (وقد كان ولا ~~يزال هو أقوى حافز لتحقيق القومية العربية) لا تزال قائمة، ولا يبدو في ~~الأفق أي فرصة واقعية للخلاص منها وتجنب خطرها. بل إن الجبهة العربية ~~الموحدة ضد إسرائيل قد تمزقت بعد خروج مصر منها. # 1 # أضف إلى هذا أن الوحدة العربية قد أصبحت اليوم في وضع أكثر ~~إشكالية من أي وقت مضى، كما أن حركة المقاومة الفلسطينية - التي ~~استطاعت بغير شك أن تحافظ على طموحات الشعب الفلسطيني - قد عجزت عن ~~تحقيق الأمل أن تكون نواة تجديد شامل للكيان العربي. وأما حزب البعث ~~العربي - الذي كان مهيأ قبل غيره من الأحزاب لتولي زمام حركة القومية ~~العربية بعد وفاة عبد الناصر - فهو عاجز حتى عن تحقيق الوحدة بين ~~القطرين اللذين يحكمهما وهما سوريا ms115 والعراق. ووصلت الأزمة في لبنان إلى ~~حد نشوب حرب أهلية طاحنة لم تطفأ نيرانها إلى اليوم. # 2 # وها هي الصراعات العربية تشتعل في الشمال الأفريقي حول ~~الصحراء الغربية، كما تتفجر الخلافات بين تونس وليبيا. # ويرجع جزء من هذه الظواهر المقلقة، في علاقات بعض الدول العربية ~~ببعضها، بصورة مباشرة للتأثيرات الأجنبية، ولكن من الواضح أن جزءا ~~كبيرا منها (أي من تلك الظواهر المقلقة) قد نجم عن تعثر خطوات التنمية ~~والتقدم داخل تلك المجتمعات، وإن كانت أسباب ذلك غير مقطوعة الصلة ~~بالتبعية للقوى الأجنبية. ويصدق هذا أيضا على التطورات السياسية ~~والاجتماعية في تلك الدول. صحيح أن معظم البلاد العربية قد مرت ~~بفترات ليبرالية تحكمت فيها قوانين السوق الحرة في الاقتصاد، وعرفت ~~فيها الحياة السياسية النظام البرلماني والنظم الحزبية. ولكن الاقتصاد ~~الليبرالي أدى إلى تفاقم حدة الفروق الاجتماعية، والنظام البرلماني ~~أثبت فشله وعجزه عن توجيه خطط التنمية ومشروعات التطوير لمصلحة المجتمع ~~بأكمله، وكانت نتيجة ذلك أن حلت محل النظم الليبرالية نظم عسكرية ~~ارتكزت على نظام الحزب الواحد وتبنى معظمها الأهداف الاشتراكية، ومع ~~ذلك بقيت النجاحات الاقتصادية لهذه النظم موضع شك من جوانب كثيرة، ~~كما أنها عجزت عن التغلب بصورة فعالة على الفروق الاجتماعية، وذلك ~~فضلا عن تولد الانطباع بأن تلك النظم العسكرية مرتبطة ارتباطا ~~شديدا بسيطرة البيروقراطية، وقمع الحريات المدنية، والإجراءات ~~البوليسية المخيفة. ويبدو اليوم أن ذكرى تلك الوصمات ما زالت تجثم ~~بثقلها على عهد عبد الناصر الذي يمثل ذروة القومية العربية. وما دمنا ~~نواصل الكلام عن الحالة في مصر، فيمكن القول إن نظام أنور السادات - ~~الذي يحاول أن يجمع بين السلطوية والليبرالية - لا يمثل بديلا مقنعا ~~عن النظام الناصري. # والواقع أن هذه الأحكام السلبية عن التاريخ المعاصر للبلاد العربية ~~لم تأت نتيجة تحليل موضوعي يمكن أن يكون أكثر دقة وتفصيلا. فهي تكتفي ~~بتقديم فكرة موجزة عن الوعي العام لدى العرب، وتستند هذه الفكرة إلى ~~الشواهد العديدة المستمدة من الأدب والصحافة، ومنها ذلك الحوار ~~المستفيض الذي دار في الفترة الأخيرة عن «ربع قرن من ms116 حركة التحرر ~~العربي» منذ استيلاء الضباط المصريين على دفة الحكم في سنة 1952م. # 3 # ولا يختلف عن ذلك حال البلاد الإسلامية الأخرى التي سادها مثل هذا ~~الوعي العام الذي وصفناه. صحيح أن عناصر هذا الوعي قد تشكلت بصورة ~~أخرى، ولكنها بقيت في مجموعها قائمة. لقد بدأ العصر الحديث في تركيا ~~تحت ظل الروح الكمالية (نسبة إلى الثورة العلمانية لمصطفى كمال ~~أتاتورك) باقتصاد الدولة وحزب الدولة. ثم ما لبثت أن أعقبتها حقبة ~~تبادلت فيها الأحزاب الرأسمالية والأحزاب الاجتماعية الديموقراطية ~~مقاليد السلطة تحت رقابة العسكريين، وذلك دون أن تنجح في حل مشكلات ~~التنمية حلا مرضيا. وكان من نصيب المبادرات الأولى لبناء نظم ~~برلمانية في إيران أن تقضي عليها الحكومات الملكية المستبدة التي فشلت ~~سياسات التحديث التي شرعت فيها - وكان من الممكن بفضل الدخول الضخمة من ~~بيع النفط أن تحقق تقدما ملحوظا - فشلا ذريعا في التأثير في جماهير ~~الشعب العريضة وتحسين أوضاعها. # والواقع أن خيبة الأمل المريرة - التي يسهل أن تتحول إلى التمرد ~~والثورة - لم توجه في الأساس إلى التحديث في ذاته، بل إلى نوع من ~~التحديث الذي لم يجلب على الناس نفعا ولم يشعرهم بأي تقدم ملموس، ~~وإنما جلب عليهم الضرر الشديد وزاد من إحساسهم بالضياع. ويرتبط بخيبة ~~الأمل في مثل ذلك النوع من التحديث الفاشل والثورة عليه شعور بالتمرد ~~والاحتجاج على مصادره والممثلين له، أي على القوى الصناعية الغربية ~~التي لم تكتف بجعل الشعوب الأخرى تابعة لها، بل إن مخترعاتها، ~~وأفكارها، وخططها في التنمية قد جرت عليهم الشقاء والتعاسة. ويقترن ~~بهذا شعور آخر بالتمرد والاحتجاج على الطبقات «المتغربة» داخل ~~المجتمعات الإسلامية ذاتها، وهي الطبقات التي سعت - سواء بحسن نية أو ~~مدفوعة بأطماع أنانية - إلى إدخال تلك المخترعات والأفكار والخطط إلى ~~بلادها وإغراء الشعوب بتبنيها. # ومن الطبيعي - إزاء تلك التبعية للقوى الأجنبية وخيبة الأمل في ~~التصورات والأفكار الأجنبية - أن يتوجه الناس إلى المألوف لديهم، ~~ويستمدوا القوة من منابعهم، ويلتمسوا «السند» في ما هو خاص بهم - وذلك ~~على نحو ما عبر المستشرق فالتر براونه ms117 في كتابه عن الشرق الإسلامي بين ~~الماضي والمستقبل. # 4 # هذا المألوف وهذا السند الخاص - بالنسبة للشعوب الإسلامية ~~- هو الدين الإسلامي. # وليس هذا شيئا جديدا على الجماهير العريضة؛ إذ كان الإسلام دائما ~~هو العلامة الأساسية المميزة لهويتها الجماعية، وكان الانتماء للجماعات ~~الدنيوية الأخرى، كالوطن أو الطبقة، أمرا ثانويا يضاف للانتماء ~~الإسلامي. أما الشعوب التي لا توجد بها أقليات دينية تستحق الذكر، ~~فيلتقي عندها الوعي الوطني والهوية الدينية في وحدة واحدة، ويصدق هذا ~~أيضا على الوعي الطبقي، خصوصا عندما تبدو الطبقات العالية متغربة ~~ومنبتة عن الإسلام. وتنشأ الصراعات بين الهويات المختلفة عندما يعلن ~~أبناء الديانات الأخرى انتماءهم الصريح للوطن أو للطبقة، ولكن هذه ~~الصراعات ظلت تكبت بوجه عام، بحيث لا يتم حسمها بوضوح ولا توجيهها وجهة ~~جديدة. # وتختلف الظروف عن ذلك بالنسبة للمثقفين؛ إذ تميل هذه الفئة بحكم ~~طبيعتها للتأمل في إشكالية التطورات الحديثة. لذلك سرعان ما أدرك ~~المثقفون ضرورة التعلم من الأجانب المتفوقين والتكيف مع نظامهم العالمي ~~الجديد ولو في حدود معينة، بينما أحسوا في الوقت نفسه بالحاجة الشديدة ~~للجوء إلى «السند الخاص». وقد أدى الوعي بهذه المعضلة إلى مناقشات ~~وخلافات في الرأي يمكن أن نميز فيها أربعة اتجاهات رئيسية، # 5 # وإن لم يكن من المستطاع الفصل بينها في الحالات الفردية ~~فصلا قاطعا: ~~(1) # الاتجاه الأول هو اتجاه أصحاب «النزعة التراثية» أو ~~النزعة التقليدية الذين يسعون بكل ما في وسعهم للحفاظ على ~~النتائج التي توصل إليها العصر الوسيط الإسلامي، وهذا ~~الموقف المحبب إلى أصحاب التدين الفطري من أبناء الطبقات ~~الشعبية العريضة يمثله علماء الدين بصور متفاوتة في ~~فاعليتها. وهذه الفئة التي شغل أصحابها مراكز مرموقة وقوية ~~التأثير في المجتمع التقليدي، تجد نفسها في الوقت الحاضر ~~وقد زحزحت عن أماكنها، ويكفي لكي نفهم موقفها أن نفكر في ~~النظام القانوني والقضائي وفي نظام التعليم. والواقع أن كل ~~ما يهم هذه الفئة هو استعادة تأثيرها القديم. ~~(2) # أصحاب «النزعة الأصولية»، وينبغي أن نفرق بين أصحاب هذه ~~النزعة وبين الممثلين للنزعة السابقة (التراثية أو ~~التقليدية)؛ لأن الأصوليين بوجه عام ms118 ينفرون من علماء الدين ~~التقليديين، بل ويحملونهم إلى حد كبير مسئولية الأوضاع ~~المتردية للمسلمين. ويرجع السبب في هذا إلى أن الأصوليين ~~يرفضون التاريخ (الإسلامي) الوسيط، ويرون أنه يمثل عملية ~~تدهور مستمر للإسلام. ولهذا يدعون للرجوع إلى «الإسلام ~~الأصلي» كما بلغ النبي (عليه الصلاة والسلام) رسالته ~~وأدى أمانته وحققه في عهده. ولما كانت الأصولية تعد ~~الناس بتغييرات حاسمة، فقد عملت في أحيان كثيرة على تكوين ~~منظمات نشطة وحركات شعبية ذات تأثير واسع. ويتميز الاتجاه ~~الأصولي بتقديره لدور التعليم الحديث، ولذلك نجد بين ~~أنصاره عددا كبيرا من المهندسين والأطباء والضباط ~~والمعلمين ... إلخ، وقبل كل شيء من طلاب الجامعات ~~الحديثة. ~~(3) # أصحاب الاتجاه «الحداثي» يتفقون مع أصحاب الاتجاه ~~الأصولي السابق في رفض التاريخ الإسلامي الوسيط، ولكنهم لا ~~يرفضونه رغبة منهم في إحياء «الإسلام الأصلي» والرجوع ~~إليه، بل للتحرر من عبئه التاريخي الضخم، ومحاولة تحقيق ~~مبادئ الإسلام المتعالية على التاريخ في العصر الحاضر. ~~ويكافح أفضل ممثلي الاتجاه الحداثي لتفسير الإسلام تفسيرا ~~جديدا ونابعا من المعارف المكتسبة في العصر الحاضر ومن ~~حاجاته الملحة. لا شك في أن هذه مهمة صعبة، وأنها تقابل ~~في كثير من الأحيان بالسخط والنفور من جانب الشعب. ويكتفي ~~بعض السطحيين من الحداثيين بنوع من التنوير الرومانسي ~~للإسلام، فيؤكدون - بنبرة دفاعية - أن الإسلام ينطوي منذ ~~نشأته على العقلانية، والعلم الحديث، والديموقراطية، ~~والاشتراكية ... إلخ، بحيث لا يحتاج المسلمون إلا لإحياء هذه ~~العناصر الكامنة في دينهم وبعث النشاط فيها لكي يثبتوا ~~وجودهم في العالم. ~~(4) # وهناك عدد لا يستهان به من المثقفين المسلمين الذين ~~يتبنون «الاتجاه العلماني» ويؤمنون بأن على الإنسان في ~~العالم الحديث أن يهتدي في كثير من مجالات العمل والحياة ~~بالأطر الدنيوية والعلمانية، ويرى عدد كبير من العلمانيين ~~ألا تناقض بين الدعوة لهذا الاتجاه وبين إيمانهم الشخصي ~~بالإسلام، فهم يفصلون مجال الدين عن مجال العلم والعالم، ~~على نحو ما تعلمنا، نحن المسيحيين، أن نفعل منذ زمن طويل. ~~ولكن من الطبيعي أن نجد بين العلمانيين من لا يعنيهم الدين ~~في شيء، أو من يرفضونه وينكرونه ms119 تماما. # إن العلمانيين والحداثيين يبذلون جهودهم لتقديم أفكار وتصورات تؤدي ~~إلى التماهي مع الجماعات العلمانية كالوطن والطبقة. ولكن المثقفين ~~والسياسيين من أصحاب الاتجاهين السابقين قد أصبحوا اليوم ضحايا خيبة ~~الأمل الكبيرة في النتائج التي تمخضت عنها التطورات الحديثة، ولذلك ~~يتهمون - باعتبارهم يمثلون النخب المثقفة ثقافة غربية - بتحمل قدر ~~كبير من الذنب أو من المسئولية عما حدث من فشل أو تراجع وانتكاس. ولهذا ~~يميل اليوم عدد كبير من ممثلي هذه النخب إلى مداراة العناصر العلمانية ~~في أفكارهم ومشروعاتهم وتأكيد العناصر الإسلامية بصورة متزايدة، إما ~~كإجراء «تكتيكي»، وإما عن اقتناع بضرورة الاقتراب من الجماهير وبأن لا ~~سبيل لتحقيق أي تقدم ملموس إلا بالوقوف مع الشعب لا ضده، وإما، أخيرا، ~~بسبب شعورهم أيضا بخيبة الأمل الكبيرة فيما أسفرت عنه التطورات ~~الحديثة من نتائج، ومحاولتهم البحث عن طريق أو توجه جديد، والواقع أن ~~المشاركة المتزايدة للنخب الحديثة تمثل العنصر الجديد بحق في الحركات ~~الإسلامية المعاصرة كما تضفي عليها دون شك قدرا كبيرا من النشاط ~~والفاعلية. # إن اتخاذ مواقف مؤيدة لسياسة إسلامية أمر يتفق مع التصور التقليدي ~~بأن الدين والسياسة في الإسلام لا ينفصلان. والواقع أن الجماعة ~~الإسلامية لم تكن منذ البداية - أي منذ هجرة المسلمين من مكة إلى ~~المدينة في عام 622م الذي يبدأ به التاريخ الهجري - جماعة دينية وحسب، ~~وإنما كانت دولة كذلك (على العكس من المسيحية التي لم تصبح ديانة ~~للدولة إلا بعد ثلاثة قرون ونصف القرن من نشأتها). ولكن كيف يكون شكل ~~الدولة الإسلامية؟ إن المصادر الأولى للدين الإسلامي لا تقول إلا ~~القليل في الإجابة عن هذا السؤال. أما القرآن الكريم فلا نجد فيه إلا ~~الأمر الإلهي بطاعة أولي الأمر العادلين: # يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم ~~(سورة النساء: ~~الآية 59)، وكذلك الأمر الإلهي بأن يتشاور المؤمنون فيما بينهم: # وشاورهم في الأمر ~~(سورة آل عمران: ~~الآية 159)، # وأمرهم شورى ~~بينهم ~~(الآية الكريمة 38 من سورة الشورى) والمؤسسات ~~«الحكومية» التي أوجدها الرسول، عليه الصلاة والسلام، في أثناء حياته ~~مرتبطة أشد ms120 الارتباط بالظروف التاريخية بحيث لا يمكن - إلا بصورة عامة ~~جدا - أن تكون نموذجا لدستور دولة حديثة. لذلك فلا مفر من أن تكون ~~الإجابة عن السؤال عن شكل الدولة الإسلامية في العصر الحاضر من شأن ~~الناس أنفسهم. والحركة الإسلامية نفسها هي وحدها التي يمكنها تقديم ~~الجواب لمن يسألها عن أهدافها. ولكن سيتضح لمن يطرح السؤال - كما سبق ~~القول - أنه لا توجد حركة واحدة بل عدة حركات. # بيد أن هناك نقطة واحدة يبدو أن الإجماع ينعقد عليها، وهي أن مهمة ~~الدولة الإسلامية هي تطبيق الشريعة. والواقع أن الشريعة ذات أهمية عظمى ~~في الإسلام إلى حد أن التعريف التقليدي (أو الكلاسيكي) للمسلم هو أنه ~~ذلك الإنسان الذي يتمسك بالشريعة الإسلامية. والشريعة تطمح إلى أن تكون ~~شمولية، أي أن تنظم حياة الإنسان بأكملها، سواء في ذلك صلاته أو سلوكه ~~في المجتمع. ويلاحظ من جهة أخرى أن الدول الحديثة في العالم الإسلامي ~~قد عمدت - متأثرة في ذلك بالغرب - في مجالات قانونية كثيرة إلى إدخال ~~قوانين معتمدة كل الاعتماد على نماذج غربية، ولا يستثنى من هذا سوى ~~قوانين الأسرة والميراث (أي قوانين الأحوال الشخصية) التي بقيت في ~~جوهرها قوانين إسلامية، وهكذا يعتبر الرجوع إلى الشريعة الإسلامية - ~~بطموحها الشمولي - مشروعا بالغ الضخامة والأهمية، ومع ذلك فمما ييسر ~~الأمر أن الشريعة الإسلامية ليست نظاما جامدا، صحيح أن الله وحده هو ~~المشرع، وأن التعاليم الشرعية التي نزل بها الوحي الإلهي في القرآن ~~الكريم تعاليم أبدية ثابتة؛ ولكن المسلمين، وعلى الرغم من ذلك، سرعان ~~ما وجدوا أنفسهم مضطرين بحكم الضرورة للتوسع في هذه التعاليم، وذلك عن ~~طريق الاقتداء بالسلوك الأمثل للنبي عليه الصلاة والسلام، ومن خلال ~~الإجماع واللجوء، في كثير من الحالات، إلى قياس الشبيه. وبذلك أحسوا ~~بالحاجة الشديدة إلى الاجتهاد في تفسير التعاليم التي جاء بها القرآن ~~الكريم، ووجدوا الطرق والوسائل التي تعينهم على ذلك. # لنأخذ، على سبيل المثال، مسألة قطع اليد عقابا للسارق. فالآية ~~الكريمة تقول بوضوح: # والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من ~~الله والله ms121 عزيز حكيم ~~(سورة المائدة: 38) ولكن ~~علماء الشريعة حددوا مجموعة من الشروط التي تجعل تنفيذ تلك العقوبة ~~القاسية أمرا عسيرا. وهم يرجعون في ذلك - فيما يرجعون إليه - إلى قول ~~الخليفة عمر بن الخطاب (وهو الرمز المجسد للعدالة الإسلامية) بألا ~~تقطع يد في مجاعة، ثم يستخلصون القاعدة العامة التي تنص على إعفاء ~~المحتاج من تلك العقوبة. # 6 # والمثل السابق يلقي الضوء على المستوى الرفيع لعلم الشريعة في ~~الإسلام، وعلى قدرته الفائقة على أخذ الظروف الفردية والاجتماعية ~~الخاصة بعين الاعتبار، وقد أكد هذا العلم على مقاصد الشرع والمصلحة ~~العامة وجعلهما معيارين مهمين لتفسير النصوص، كما وضع مبادئ قيمة، مثل ~~مبدأ تغيير التعاليم الشرعية وفقا لتغير العصور والأزمان، بما يعني ~~وضع الشريعة في التاريخ أو الإقرار ب «تاريخيتها». بذلك أصبح التوصل - ~~على مستوى آخر لا يقل أهمية، ومع الإجماع الكامل من حيث المبدأ على ~~ثبات الأسس القرآنية وعلوها على الزمن - إلى تشريعات خلاقة وشديدة ~~التنوع أمرا «ممكنا» وضروريا، كما نشأت في الوقت نفسه مشكلة كبيرة ~~تتعلق بتحديد أولئك الذين يملكون الكفاءة والصلاحية لإصدار مثل هذه ~~التشريعات الخلاقة. # كان الحل التقليدي المألوف لهذه المشكلة هو إسناد هذه الصلاحية ~~لعلماء الشرع. والإسلام لا يعرف نظام الكهانة، ولكنه يعرف العلماء ~~الذين يملكون العلم المطلوب لتفسير الشرع، صحيح أنهم فقدوا إلى حد كبير ~~تلك المكانة المرموقة التي حظوا بها على مر التاريخ، ولقد كانوا في بعض ~~الأحيان يجندون علمهم لوضع حد لسلطة الحكام والتدخل بذلك في أمور ~~السياسة، ولكنهم صاروا في العهود المتأخرة تابعين للحكام الذين ~~استغلوهم لتأييد مصالحهم. وفي العصر الحديث، كما سبق القول أدت ~~«علمنة» الحياة إلى انكماش تأثيرهم. ومع ذلك فما زال علماء الإسلام، في ~~نظر الجماهير الشعبية العريضة التي تستمد هويتها من الإسلام، يتمتعون ~~بقدر كبير من الهيبة والاحترام والتأثير الذي قد يستغل أحيانا لأغراض ~~سياسية. # مهما يكن الأمر فهناك دولة إسلامية واحدة قامت في إيران على أساس تلك ~~الهيبة وذلك الاحترام. ويمكن تفسير هذا من خلال الظروف الخاصة السائدة ~~هناك. فالاتجاه الشيعي المهيمن يتيح ms122 لعلماء الشريعة وضعا أسمى بكثير ~~من وضعهم في البلاد التي يسودها الاتجاه السني. والواقع أن السلطة ~~العليا عند الشيعة يمثلها الإمام المعصوم الذي وهبه الله المعرفة ~~العميقة بالمعاني الخفية للقرآن الكريم. وهذا الإمام المعصوم هو وحده ~~الذي يمكنه أيضا أن يتولى مقاليد الحكم لدولة شرعية. غير أن هذا ~~الإمام الثاني عشر والأخير قد اختفى، في نظر المذهب الشيعي، ولن يعود ~~مرة أخرى لكي يحكم الأرض إلا في آخر الزمان، وحتى يحين ذلك الوقت فلا ~~يمكن، أولا: أن توجد دولة شرعية كما يجب، ثانيا: على المؤمنين أن ~~يسترشدوا في سلوكهم بعلماء الشرع الذين ينوبون عن الإمام المعصوم، بل ~~يجب على كل مؤمن أن يتبع أحد علماء الشرع الأحياء ويجعله مرجعه ~~وحجته. # بذلك استطاع علماء الشيعة أن يحتلوا مكانة مرموقة، ويمارسوا تأثيرا ~~غير عادي. وقد استطاعوا أيضا أن يحافظوا على تلك المكانة ويثبتوا ذلك ~~التأثير بنجاحهم في الاستقلال عن الدولة القائمة التي اعتبروها - بصورة ~~قبلية - دولة غير شرعية، وبتحصيلهم لضرائب خاصة بهم، ووضعهم كل ثروتهم ~~تحت إشرافهم ورقابتهم. وهكذا أمكنهم - وهم في ذلك يمثلون الجماعة ~~الوحيدة في الإسلام - أن يقيموا ما يشبه الكنيسة أو المؤسسة الدينية ~~التي تحافظ على استقلالها في مواجهة الدولة. # ولما ازداد اغتراب الجماهير العريضة عن الدولة واتخذ صورا عنيفة، ~~تقدمت هذه «المؤسسة الدينية الشيعية» لقيادة الحركة الشعبية الثائرة ~~على الدولة التي كان رئيسها الأعلى، وهو الشاه، يعد عدوا ل ~~«الدين». ومن ناحية أخرى خرجت من بين صفوف علماء الدين شخصية زعيم مقنع ~~هو آية الله الخميني الذي نجح نجاحا مذهلا في معارضته للشاه. وقد ~~استطاع الخميني، من خلال وعيه برسالته، أن يصبغ التصور الشيعي عن مهمة ~~علماء الشرع بصبغة جديدة. فلم تقتصر مهمة العلماء على إصدار التعليمات ~~الشرعية، بل امتدت إلى تولي مهام الحكم. وقد عبر دستور الجمهورية ~~الإسلامية في إيران عن هذا التصور الجديد تعبيرا واضحا في المادة ~~الخامسة التي تقول: ~~«في زمن غياب الإمام المعصوم (أي الإمام الثاني عشر في ترتيب الأئمة ~~المعصومين) - عجل الله تعالى ms123 بعودته - يعهد بسلطة الحكم في جمهورية ~~إيران الإسلامية وبقيادة الجماعة لواحد من علماء الشرع يتصف بالعدل، ~~وتقوى الله، والشجاعة، والحكمة والبصيرة، بحيث تعترف به الجماعة وتقبله ~~زعيما لها. وإذا لم يوجد عالم شرعي توافق عليه الأغلبية، يتولى مهمته ~~زعيم أو مجلس زعماء مكون من صفوة علماء الشرع، وذلك وفقا للمادة 107 ~~من الدستور.» # هكذا يكون عالم الشرع قد وصل إلى أعلى سلطة، وتولى رئاسة الدولة ~~وأضفى عليها الشرعية التي كانت تفتقدها. والواقع أن التركيب الملفت ~~للنظر لهذه الدولة يعتمد اعتمادا مباشرا على المذهب الشيعي - أو ~~بالأحرى على صورة خاصة من هذا المذهب - ولكنه كذلك يضم الشعب الذي ~~يتحتم أن يعترف بالزعيم الديني، حتى لو كان ذلك الاعتراف بشكل غير ~~رسمي؛ إذ يقتصر إجراء الانتخاب للزعيم أو لمجلس الزعامة على الحالات ~~المشكوك فيها. ويعد صوت الشعب هنا بمثابة صوت الله، وتلك فكرة يبدو ~~أنها تملكت وجدان آية الله خميني بحيث جعلته يهتم أعظم اهتمام ~~بالانتخابات والمظاهرات الشعبية أو بالطلاب الذين قاموا باحتلال مبنى ~~السفارة الأمريكية في طهران. وقد أثبت الدستور - في المادة 56 - مبدأ ~~السيادة الشعبية، وينتظر كذلك تشكيل نظام من المستشارين على المستوى ~~المحلي والمستوى الوطني بحيث يشارك السكان في تنظيم الشئون العامة وفي ~~رئاسة المجلس الوطني الذي يملك الحق في تشريع القوانين (وذلك حسب ~~المادة 71). وإذا بدا هذا مناقضا للمعتقد الإسلامي الذي يقرر أن الله ~~وحده هو المشرع، فإن المشكلة تحل بوضع جميع القوانين التي أقرها ~~المجلس الوطني أمام «مجلس مراقبين» مكون من علماء الشرع الذين يفحصون ~~هذه القوانين ويحكمون بمطابقتها للشرع أو مخالفتها له (المادة ~~91). # من الواضح أن تركيب الجمهورية الإسلامية لا يخلو من مشكلات. فماذا ~~يحدث مثلا لو اختلفت آراء أغلبية الأعضاء المنتخبين من الشعب عن آراء ~~علماء الشرع؟ # والمشكلة الأعقد من ذلك تأتي من تدخل الزعيم الديني تدخلا «مباشرا» ~~في المسئولية السياسية؛ إذ يجب عليه - بحكم الدستور - أن يقر تعيين ~~رئيس الدولة بعد انتخابه من قبل الشعب وكذلك إعفاءه من منصبه ، إذا ~~اقتضت الضرورة، كما يجب عليه أيضا ms124 أن يشغل أعلى المناصب التشريعية ~~والعسكرية بل أن يتولى وظيفة القائد الأعلى للجيش (المادة 110) وفي هذه ~~النقطة بالذات لا يتوفر الإجماع بين علماء الشيعة. وقد جاءت أقوى ~~الاعتراضات على أفكار آية الله خميني من جانب الزعيم الشيعي اللبناني ~~محمد جواد مغنية. فهو يعتقد أن صلاحية العالم الشرعي - وذلك على العكس ~~من الإمام المعصوم - تقتصر على أمور شرعية محددة تحديدا دقيقا، وليس ~~لأي إنسان من سلطان على أي إنسان آخر فيما يتجاوز هذه الأمور. والواجب ~~على المسلمين أن يتخذوا قراراتهم السياسية بأنفسهم، بشرط أن يتم ذلك ~~بطبيعة الحال في إطار الشرع. # 7 # ويبدي آية الله شريعة مداري - وهو يمثل القطب الديني ~~المعارض للخميني - آراء مشابهة لرأي الزعيم اللبناني - وإذا غضضنا ~~الطرف عن المبررات الدينية لهذه الاعتراضات، أمكننا القول بأنها تنطلق ~~من الخوف من أن يؤدي انخراط علماء الدين في الأحداث السياسية الجارية ~~إلى ضياع هيبتهم وسلطتهم. والواقع أننا نلمس لدى الخميني نفسه ميلا ~~واضحا «للاعتكاف بعيدا عن القضايا والأحداث اليومية، وذلك على الرغم ~~من إصراره على ترك الباب مفتوحا» للتدخل بنفسه في أي وقت يشاء. # يتضح مما سبق أن الجمهورية الإسلامية تجمع بين العناصر التقليدية ~~والأصولية والحداثية. وهي تمد جذورها في الأفكار والتصورات الشيعية ~~القديمة عن عدم شرعية الدولة الدنيوية وعن الوظيفة الأساسية لعلماء ~~الشرع. ولكنها طورت تلك الأفكار والتصورات وأضافت إليها - ولو في حدود ~~معينة - فكرة السيادة الشعبية، والتمثيل النيابي، والمشاركة الشعبية. ~~ونحن لا نعثر على الخطوات التمهيدية لهذه الإضافات الجديدة إلا في ~~الدستور الفارسي الذي يرجع لعام 1906-1907م، ويتضح من هذا الدستور ~~الأخير أننا بصدد تصورات ليبرالية مأخوذة عن أصول غربية، بل إن هذا ~~ليتضح أيضا في الشكل الذي كتب به ذلك الدستور. وأيا كان الأمر ~~فالمؤكد أننا أمام تطور إيراني - شيعي - من نوع خاص. # وقد يجدر بنا أن نتوقع وجود النموذج الأمثل للدولة الإسلامية في ~~باكستان، وهو النموذج الذي انبثق عن رغبة مسلمي الهند في أن يحددوا ~~مصيرهم في دولة خاصة بهم. ولكن يظهر هنا أيضا للعيان مدى صعوبة ms125 ~~الاتفاق على ماهية الدولة الإسلامية وما ينبغي أو ما يمكن أن تكون ~~طبيعتها في ظل الظروف الواقعية الملموسة في عصرنا الحاضر. لقد نشأت ~~الحركة الباكستانية في الفترة الزمنية الواقعة بين الحربين العالميتين ~~كرد فعل على محاولات إضفاء الطابع الهندوسي على الروح الوطنية الهندية، ~~أي على المحاولات المستمرة للتوحيد بين هذه الروح الوطنية وبين الديانة ~~الهندوسية. ولقد خرجت الطليعة الداعية للحركة الباكستانية من صفوف ~~الطبقة الوسطى المثقفة ثقافة غربية، وقد تصوروا أن الجماعة التي يمكن ~~أن تضم جميع مسلمي الهند لا يمكن أن تتحقق أو أن يكتب لها البقاء إلا ~~في إطار دولة وطنية حديثة، غير أن الجماعات الإسلامية الأخرى وقفت ضد ~~هذا التصور واعتبرته شكلا «من أشكال» العلمانية «ونوعا» من التخلي عن ~~التصور القديم للجماعة الإسلامية العالمية. وقد كان من بين أعضاء هذا ~~الاتجاه المعارض مثقفون أصوليون وبعض علماء الدين التراثيين أو ~~التقليديين الذين تخوفوا من أن تؤدي مثل هذه الدول الحديثة إلى إضعاف ~~تأثيرهم وتهديد مكانتهم. واستمرت الخلافات والصراعات بين الطرفين دون ~~أن يجري تجاوزها أبدا. وتسببت هذه الصراعات في أن تغير باكستان حتى ~~الآن ثلاثة دساتير، وأن تنشق بنجلاديش عنها، وأن لا تعرف الدولة ~~الباكستانية المتبقية بعد ذلك الانشقاق أي شكل من أشكال ~~الاستقرار. # إن التصورات السياسية للحداثيين - في باكستان وفي غيرها - تستحق وقفة ~~تأمل عن كثب، لأنها تبين - بصورة أوضح مما حدث في الجمهورية ~~الإسلامية في إيران - أن الإيمان الثابت بالإسلام يتسق مع السيادة ~~الشعبية والديموقراطية ولا يتعارض معهما. والواقع أن هؤلاء الحداثيين ~~أو المحدثين ينطلقون من تصور عن الإنسان يقوم على أساس أن البشر جميعا ~~متساوون أمام الله سبحانه، كما يؤكد بالإضافة إلى ذلك - ووفقا للآيتين ~~الكريمتين اللتين سبق الحديث عنهما # وإذ قال ~~ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ~~... ~~(إلى آخر الآية 30 من سورة البقرة)، و # وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ~~... ~~(إلى آخر الآية 165 من سورة الأنعام) - أن الله جل ~~شأنه قد جعل الإنسان خليفته أو نائبه على أرضه . يضاف إلى ذلك أيضا فهم ~~جديد ms126 لأحد مصادر التشريع القديمة الثابتة، وهو الإجماع، فلا يمكن أن ~~يتسق مع الإيمان بعدالة الله أن يسمح سبحانه بأن يجتمع المسلمون على ~~ضلال أو خطأ. ويترتب على هذا أن يكون التشريع الذي تجمع عليه عامة ~~المسلمين جزءا «من التشريع الإلهي»، وإذا بحثنا الأمر من منظور التصور ~~التقليدي وجدنا أن مثل هذا الإجماع ينبغي من ناحية أن يتوصل إليه علماء ~~الشرع وحدهم، وأنه من ناحية أخرى أبدي ثابت مثله في ذلك مثل الشرع في ~~مجموعه. ويعترض الحداثيون على هذين المبدأين فيفترضون أن كل إنسان يملك ~~الحق والقدرة على المشاركة في تكوين الإجماع، وأن الإجماع نفسه محدد ~~بزمن معين، بحيث لا يكون على الأجيال المقبلة أن تتقيد به، بل ~~ينبغي عليها أن تجد الإجماع الخاص بها. بذلك ينطبع الإجماع بالطابع ~~التاريخي والديموقراطي، ومن ثم تكون المؤسسة الكفيلة بتحقيق ~~الإجماع هي البرلمان. # استطاع الحداثيون الباكستانيون في البداية ومن حيث المبدأ أن ~~يروجوا لهذا التصور. ولكن الأصوليين والعلماء التقليديين عارضوهم ~~معارضة مريرة وتوصلوا إلى بعض التنازلات التي لم يرضوا عنها في النهاية ~~رضاء تاما. صحيح أن الدساتير الباكستانية قد أقرت ضرورة اتفاق ~~جميع القوانين مع تعاليم الإسلام، كما تشكل مجلس من علماء الدين مهمته ~~فحص هذه القوانين والتأكد من شرعيتها، غير أن هذا المجلس لم يكن يتمتع ~~- على العكس من نظيره في إيران - بحق الاعتراض (الفيتو). لذلك لم يكن ~~غريبا أن يبدو التنويه بالإسلام في منطوق القوانين مجرد زخرف جمالي ~~خال من أي مغزى أو مضمون فعلي. ولذلك انهالت الاتهامات على الحداثيين ~~بأنهم لا يختلفون في شيء عن العلمانيين، بل إن هؤلاء يستغلونهم في ~~إخفاء رغبتهم الحقيقية في فصل الدين عن الدولة. أضف إلى هذا أن ~~البرلمان لم تكد تقوم له قائمة؛ إذ دأبت الحكومات على التدخل في شئونه ~~لتحقيق أغراضها، بل طالما لجأت إلى إلغائه. ومن ثم تعذر أن يصبح ~~التمثيل النيابي تجسيدا للإجماع الذي يمكنه أن يضيف إضافات خلاقة ~~للتشريع الإلهي. # وفي عام 1977م استولت جماعة من ~~الضباط على مقاليد الحكم وسارت ms127 على نهج أصولي واضح لكسب القاعدة ~~الشعبية، التي كانت تفتقر إليها، إلى صفوفها. وقد استند القائمون ~~بالانقلاب قبل كل شيء ل «جماعتي إسلامي» أي الجماعة الإسلامية التي ~~تعتبر أهم منظمة إسلامية في باكستان. وقد سار الأصوليون إلى حد ما على ~~المبادئ الدينية نفسها التي يسير عليها الحداثيون، ولكنهم توصلوا إلى ~~نتائج مختلفة. فالمؤسس الأول ل «جماعتي إسلامي» والمفكر الرئيسي فيها، ~~وهو أبو الأعلى المودودي، يعتقد أيضا أن الإنسان هو خليفة الله على ~~أرضه، ويبرر بذلك إقامة شكل برلماني وانتخاب الحاكم انتخابا شعبيا. ~~ولكنه يخضع الوظيفة التشريعية للبرلمان لحدود الشرع الإلهي وتعاليمه ~~بصورة أكثر صرامة مما يفعل الحداثيون، كما يرفض فكرة إمكان التوسع في ~~هذا الشرع عن طريق الإجماع. أما عن الحاكم المنتخب فإن المودودي يجعل ~~له من الناحية الفعلية سلطة مطلقة، ويرى أنه ليس في حاجة إلا إلى ~~استشارة البرلمان، وأن قراراته يجب أن تطاع، وأما عن مطالبة الحاكم ~~بضرورة التخلي عن منصبه إذا فقد ثقة الشعب، فإنها تظل مسألة نظرية ~~بحتة. والواقع أن تصورات المودودي تلتقي في نقاط كثيرة مع تصورات ~~الجمهورية الإسلامية في إيران، والفارق الأساسي بينهما هو أن الدور ~~الذي يقوم به علماء الدين عند المودودي ليس دورا مهما. والجدير ~~بالذكر أن المودودي نفسه لم يكن من علماء الدين، وأنه يعارض مع ~~الأصوليين - الذين يعد واحدا منهم - التأثير الكبير لعلماء الدين. ~~وهكذا تصبح للحاكم سلطة يصعب وضع حدود لها أو الرقابة عليها والتحكم فيها. # 8 # وفي ليبيا نجد صورة جذرية متطرفة للأصولية عند العقيد معمر ~~القذافي. إنه يذهب في مراجعته للمصادر الإسلامية الأولى إلى حد عدم ~~الاعتراف إلا بالقرآن الكريم وإهمال كل ما عداه حتى السنة النبوية ~~الشريفة. وليس في وسع القذافي من حيث المبدأ أن ينكر السنة كمعيار ~~ومصدر أساسي للتشريع ولحياة المسلمين، وإلا اعتبر ذلك نوعا من ~~الإلحاد. ولكنه يرى أن المأثور السني لا يمكن الاطمئنان إليه، ولا يمكن ~~اعتباره مصدرا أساسيا للتشريع. والواقع أن شكوكه حول المأثور من ~~الأحاديث النبوية قد يكون لها ما يبررها ms128، وعلماء السنة أنفسهم يعرفون ~~حق المعرفة أن هناك عددا كبيرا من الأحاديث والأخبار المكذوبة عن ~~كلام الرسول، عليه الصلاة والسلام، وعن حياته وأعماله. ولكنهم (أي ~~علماء السنة) قد وجدوا الحل لهذه المشكلة؛ إذ اعترفوا بأصالة عدد ~~محدد من المجموعات التي تضم تلك الأخبار والأحاديث الصحيحة الإسناد ~~واعتمدوا عليها، وقد أدى تجاهل القذافي للسنة إلى أن يعلن أن تفسير ~~العلماء التقليديين للسنة غير ملزم، وبذلك أعطى لنفسه مجالا واسعا ~~لتفسير القرآن الكريم تفسيرا خاصا. # 9 # والجدير بالذكر أن القذافي بدوره يعتبر أن الشعب هو خليفة الله في ~~أرضه، وقد أقام على هذه الفكرة تصورا عجيبا للديموقراطية: فهو ~~يستنكر النظام النيابي بأعضائه وأحزابه وبرلمانه ويشيد بدلا منه ~~نظاما للديموقراطية المباشرة يتكون من بناء معقد من المؤتمرات الشعبية ~~واللجان الشعبية التي يحرص المشرفون عليها على أن يبقى المسئولون ~~الكبار في الدولة خاضعين للإرادة الشعبية. وقد بدأ، إلى جانب ذلك، ~~تغيير الأبنية الاقتصادية والاجتماعية تغييرات ذات صبغة اشتراكية؛ ~~فنظام الأجور والمرتبات يستبدل به نظام تعاوني مشترك. وعلى الرغم من ~~عدم المساس بالملكية الخاصة، فقد أمر بألا يملك أحد أكثر مما يحتاج ~~إليه حاجة ضرورية. وهو يضع برنامجه الإصلاحي في مقابل الرأسمالية ~~والشيوعية ك «نظرية ثالثة». والواقع أن أهداف القذافي تستحق الاهتمام، ~~ولكن جهوده لجعل نظريته أو برنامجه نموذجا لبلاد أخرى تظل جهودا ~~محدودة التأثير بدرجة كبيرة، ويرجع ذلك إلى أن المصلح الليبي - بفضل ~~الثروة النفطية لبلاده - لا يكترث بأي عائد يمكن في الظروف العادية أن ~~يجنيه من وراء أهدافه الطموح، ولذلك يتعذر على غيره أن يجاريه. ثم إن ~~من الصعب أن نعرف مدى تجذر أفكار القذافي في الدين الإسلامي، وأخيرا ~~فمما لا شك فيه أن وعي هذا القائد والمصلح برسالته يحمل صبغة إسلامية، ~~ولا بد أن حرصه على وصف أفكاره وتصوراته - بأنها إسلامية - يضمن ~~شرعية طموحه للزعامة وتعبئة الجماهير الشعبية العريضة. # إن الدول الثلاث التي رصدنا أحوالها، وهي إيران وباكستان وليبيا، ~~تطمح كل على طريقتها إلى أن تمد جذور أنظمة حكمها في العقيدة ~~الإسلامية. ولا ms129 يسري هذا على الدول الأخرى التي تتألف غالبية سكانها من ~~المسلمين، وإن كان عليها أن تحسب حساب هذه الأغلبية وتأخذها بعين ~~الاعتبار. ذلك أن الرغبة الملحة في التمسك بأشكال الحياة الإسلامية، ~~وربما أكثر من ذلك برموز الهوية الإسلامية، هي رغبة قوية وملحوظة في كل ~~وقت وفي كل مكان على وجه التقريب من العالم الإسلامي. ولقد طال ما حاول ~~المسلمون وبصور متكررة أن ينظموا أنفسهم لكي يحولوا تلك الرغبة إلى ~~واقع فعلي. # وأشهر تلك المنظمات هي جماعة الإخوان المسلمين التي نشأت في مصر في ~~أواخر العشرينيات وتحولت في خلال الأربعينيات إلى حركة جماهيرية واسعة. ~~ثم دخلت في صراع مع عبد الناصر الذي ضربها بقوة، ولكنها انتشرت في بلاد ~~أخرى وما زالت قائمة في مصر على عهد السادات. ومع ذلك فلم يعد الإخوان ~~المسلمون يمسكون بزمام الحركة الإسلامية؛ إذ يوجد إلى جانبهم عدد كبير ~~من الحركات الصغيرة التي تفوقهم عنفا وتطرفا، مثل الحركة التي عرفت ~~باسم «جماعة التكفير والهجرة»، وهي تكفر المجتمع القائم وتدعو إلى ~~الهجرة بعيدا عنه. وقد تحولت الأصولية عند هذه الجماعة إلى «نحلة» أو ~~«فرقة»، فأعضاؤها لا يتزوجون إلا من داخل الجماعة؛ إذ لا يعترفون بوجود ~~مسلمين إلا في جماعتهم، ويعتبرون كل من عداهم من الكفار. وهم يرفضون ~~قبل كل شيء أن تكون لهم أي علاقة مع الدولة المصرية، ويحظرون على ~~أبنائهم دخول المدارس الحكومية أو الالتحاق بالخدمة العسكرية. وهدفهم ~~هو تدمير الدولة وتدبير الخطط ووسائل العنف اللازمة لذلك، بل لقد قاموا ~~بالفعل بتنفيذ بعض الهجمات الإرهابية. # 10 # وحركة المقاومة الدينية التي دخلت في سوريا في صراع شديد ~~مع الحكومة تحت اسم «الإخوان المسلمين» تدل على وجود مثل هذه الظاهرة ~~وارتباطها في عدد من البلاد الإسلامية بحركات مشابهة. # ومن الواضح أن خيبة الأمل الكبيرة وراء هذه التطورات تتمثل في ثورة ~~الغضب على أسلوب الحياة الحديث كله، والسخط على «المجتمع الاستهلاكي» ~~الذي لا يقوم على أسس أخلاقية، والبحث عن «حياة بديلة» أصبحنا نبحث ~~عنها أيضا في أوروبا وأمريكا. وتبقى لهذه الأشكال ms130 المتطرفة أهميتها ~~كأعراض مرضية قبل كل شيء، لأنها لم تكن لتظهر أصلا لو لم توجد مواقف ~~وحركات أخرى مقاربة لها - وإن تكن أقل منها تطرفا - في دوائر شعبية ~~واسعة، لا سيما بين الشباب. # وتحاول حكومات الدول «الدنيوية» بطبيعة الحال أن تقمع الحركات ~~المتطرفة، كما تحاول في الوقت نفسه أن تستجيب لحاجة الطبقات الشعبية ~~العريضة إلى تحقيق هويتها الإسلامية، وذلك لإبعادها عن التطرف وتقريبها ~~من الدولة. ويتضح هذا بالفعل في نصوص الدساتير، وذلك باستثناء الدولة ~~الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة وهي تركيا التي ينص دستورها على أنها ~~علمانية ولا تفسح للدين أي مكان في مؤسساتها الرسمية. # وأما في إندونيسيا فنجد الدستور ينص على نوع من الارتباط العام ~~بالدين، وذلك عندما يعلن أن الإيمان بالله هو الأساس الذي تقوم عليه ~~الدولة. ونلاحظ باستثناء هاتين الدولتين أن القاعدة العامة هي النص على ~~أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، وذلك حتى في البلد المصبوغ بصبغة ~~ماركسية واضحة، وهو اليمن الجنوبي (راجع دستور الجمهورية الشعبية ~~اليمنية الذي يرجع لعام 1970م، المادة 46). # 11 # أما في سوريا، التي يحافظ فيها عدد كبير من السياسيين على ~~التراث العلماني، فقد تحاشى الدستور منذ وقت طويل الإعلان عن دين ~~الدولة، وإن كان قد اشترط أن يكون رئيس الدولة المنتخب مسلما، كما ~~نص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر، أو أحد مصادر، التشريع ~~الأساسية. وقد مر وقت على سوريا منعت فيه الإشارة في الدستور إلى دين ~~رئيس الدولة (دستور 1969م). وفي مصر لم ينص على دين الدولة (دستور ~~الجمهورية العربية المتحدة لعام 1958م)، ولكن الدولة اضطرت بعد ذلك في ~~كلتا الحالتين إلى النص على أن دين الدولة هو الإسلام، وذلك ترضية ~~للشعب واستجابة لمشاعره. # وطبيعي ألا تقنع الحركات الإسلامية بالاكتفاء بالنص على الإسلام في ~~الدساتير، فمطالبتها «بأسلمة» المجتمع والسياسة والدولة (أو صبغها ~~بالصبغة الإسلامية) تذهب إلى أبعد من ذلك، وعلى الرغم من تفرق أهدافها ~~وعدم وضوحها، فإنها تمارس على الحكومات ضغوطا شديدة. ومع ذلك فهناك ~~حدود تقف عندها هذه الضغوط مهما كان تأثيرها ms131، وثمة حقائق واقعية تصد ~~محاولات الأسلمة أو تعمل على الأقل على التصرف معها بطرق ~~مختلفة. # لنلق الآن نظرة أخرى على مصر. فبعد وفاة عبد الناصر ساد جو بدا ~~مناسبا ل «الأسلمة». صحيح أن دستور سنة 1971م قد أعلن - بشكل حذر ~~نسبيا - أن «مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع» ~~(المادة رقم 2)، ولكن ذلك فتح الباب أمام المطالبة الملحة بجعل الشريعة ~~الإسلامية نفسها هي أساس التشريع بأكمله. ولما بلغت الإثارة ذروتها في ~~سنة 1977م، وساد الانطباع بأن الحكومة ستنظر في تلك المطالب، أعلن ~~الأقباط احتجاجهم بكل حزم. وقد اعترضوا بوجه عام على أسلمة التشريع ~~وبوجه خاص على المناقشات التي دارت حول تنفيذ عقوبة الإعدام في حالة ~~الارتداد عن الإسلام، وهو إجراء لم يكن في الحقيقة موجها ضد المسلم ~~المرتد عن دينه، لأن هذا أمر لا وجود له من الناحية العملية، بقدر ما ~~تصور الأقباط أنه موجه ضد المسيحيين الذين كانوا لأسباب شخصية بحتة ~~يتحولون بصورة مؤقتة إلى الإسلام، وذلك - على سبيل المثال - لتيسير ~~أحوال الطلاق، وسرعان ما نبه الاحتجاج القوي للكنيسة القبطية كبار ~~المسئولين في الدولة إلى وضع حد لأي إثارة لهذه النقطة. ومع أن حركات ~~الإثارة من جانب الإسلاميين المتطرفين لم تتوقف، فإنهم لم يستطيعوا في ~~سنة 1979م منع إصدار مجموعة من التعديلات المهمة في قانون الأحوال ~~الشخصية لتحسين أوضاع المرأة فيما يتعلق بتعدد الزوجات، والطلاق، وسلطة ~~الزوج ... إلخ (وهي التي صدر بها القانون رقم 44 لسنة 1979م)، وقد أكدت ~~الحكومة تأكيدا «قاطعا» أن التعديلات الجديدة لا تتعارض مع تعاليم ~~الشرع، وطالبت أكبر علماء الدين بتأييدها، ومن الواضح أن جميع ~~الاجتهادات الحديثة في التفسير قد طبقت بغية الوصول إلى حلول متطورة. # 12 # لعل المثل السابق من مصر يوضح لنا كيف أنه لم يعد من الممكن، في ~~الأوطان ذات التاريخ الحضاري العريق، تجاهل مصالح الأقليات غير المسلمة ~~أو إغفالها عند اتخاذ القرارات والمواقف السياسية الحاسمة. # وربما كانت الحقيقة الأهم من كل ما سبق هي أنه توجد اليوم أكثر من أي ~~وقت مضى مجالات ms132 حيوية واسعة لا يقدم فيها الدين توجيها كافيا «للحسم ~~في قضايا ومشكلات جزئية لا حصر لها وتفرضها ضرورات الحياة اليومية.» ~~وهنا يكون ربط هذه القضايا والمشكلات بالدين أمرا ممكنا عندما يتوسع ~~أصحاب القرار في تفسير المبادئ الدينية توسعا شديدا. وإذا كان من ~~الأمور الطبيعية والمفهومة أن يجد المسلمون في الإسلام «السند الخاص» ~~الذي يلجئون له ويطمئنون إليه، فمن الخطر الشديد عليهم أن يتوهموا ~~أنهم سيجدون الحل المناسب لمشكلات العصر كبيرها وصغيرها في الانصياع ~~بلا تدبر كاف لتعاليم كساها القدم برداء الجلال والوقار. ولن ينصف ~~الإسلام من يزعم أنه يطالب المؤمنين بمثل هذا الخضوع الأعمى. فالواقع ~~أن الإسلام لا يسلب الإنسان حق البحث عن القرار الصحيح والكفاح في سبيل ~~التوصل إليه. # وأخيرا فقد حاولت أن أقدم بعض التأملات في الدور السياسي للإسلام في ~~عصرنا الحاضر. وإني لأتمنى أن أكون قد وفقت على الأقل في توضيح نقطتين: ~~(1) # ليس الإسلام هو القوة الأصلية المحركة لموجة البعث ~~الإسلامي التي نلاحظها اليوم في العالم. صحيح أن الدين ~~المشترك هو أساس الشعور بالتضامن بين الشعوب الإسلامية ~~كافة. ولكن العامل المشترك بين الحركات الإسلامية الراهنة ~~لا يأتي من الدين، وإنما يأتي من الموقف التاريخي الذي تجد ~~نفسها فيه مع كثير من الشعوب غير الإسلامية: وهو موقف ~~التبعية للدول الصناعية الغربية، والبحث اليائس عن توجه ~~يعينها على التحرر من تلك التبعية. ~~(2) # وبصرف النظر عن هذا العامل المشترك الذي يجمع بين الشعوب ~~الإسلامية والشعوب غير الإسلامية، فلا يمكن الحديث عن حركة ~~إسلامية واحدة. إن العقيدة الإسلامية ليست على الإطلاق ~~نظاما جامدا متصلبا يقسر المؤمنين به على سلوك محدد - ~~كأن يقسرهم مثلا على الرجوع للعصور الوسطى كما يقول أحد ~~الأحكام المتحيزة المنتشرة لدينا - إن العكس من ذلك ~~تماما هو الصحيح، فأمام المسلم مجال واسع لتقديم تفسيرات ~~خاصة للعقيدة والشريعة، ولاتخاذ قرارات خاصة قد تتقدم به ~~إلى الأمام أو ترجع به إلى الوراء. ولقد تكونت لدى ~~الشعوب المختلفة كما تكونت لدى الجماعات المتباينة حركات ~~واتجاهات شديدة التنوع، وكلها تجد في الإسلام ms133 الثقة ~~بالذات ، والهداية، والشرعية، والقوة الدافعة لها على حل ~~مشكلاتها وتحقيق مصالحها. وهي جميعا تستحق من الغرباء ~~عنها أن ينظروا إليها بعين الاحترام ويبذلوا الجهد الكافي ~~لفهمها. # الفصل العاشر # | عمر الأول1 # (1972م) ~~«أجل، إني لأهرب من مشيئة الله إلى مشيئة الله.» # عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) # ولد ثاني الخلفاء الراشدين عمر الأول (عمر بن الخطاب بن نوفل، الملقب ~~بالفاروق عمر، أي الذي يفصل بين الحق والباطل) حوالي سنة 590 ميلادية ~~في مكة، ودخل في الإسلام حوالي سنة 618م، وهاجر مع الرسول، عليه الصلاة ~~والسلام، وأصحابه سنة 622م إلى المدينة حيث أسست الدولة الإسلامية ~~الأولى. كان عمر، رضي الله عنه، أقرب الصحابة إلى النبي، عليه السلام، ~~وإلى أول خلفائه أبي بكر الصديق الذي توفي سنة 634م، فتولى عمر الخلافة ~~من بعده، وخلال السنوات العشر التي قضاها في الحكم فتحت جيوش المسلمين ~~مناطق واسعة من الدولتين المجاورتين، وهما الدولة البيزنطية والدولة ~~الفارسية، وبذلك وضع حجر الأساس للدولة الإسلامية العالمية. وقد سقطت ~~دمشق، التي احتلت لأول مرة سنة 635م لفترة قصيرة، بعد الانتصار الحاسم ~~على البيزنطيين في معركة اليرموك سقوطا نهائيا في يد المسلمين بعد ~~ذلك بسنة واحدة. ومع احتلال القدس وأنطاكية تم فتح سوريا في سنة ~~638م، وفي أثناء ذلك مهد الانتصار على الفرس في القادسية لفتح بلاد ~~الرافدين، ثم تم فتح بلاد فارس بعد معركة نهاوند حوالي سنة 640م، وفي ~~سنة 639م دخل أحد جيوش المسلمين مصر البيزنطية، وتم الاستيلاء على ~~الإسكندرية سنة 642م، وعلى طرابلس الليبية سنة 643م. ترك عمر إدارة هذه ~~المعارك لقواده، بينما أمسك بيده مقاليد السلطة المركزية وطبع شخصيته ~~الحازمة على الدولة الإسلامية بأسرها. وفي سنة 644م قتل عمر لأسباب ~~غير معروفة بيد عبد مسيحي، وانتقلت الخلافة بعده إلى عثمان بن ~~عفان. # تتعرض الديانات والدول لامتحان قاس عندما يموت مؤسسوها الأوائل. وقد ~~قامت السلطة التي بلغ بها النبي محمد رسالته واتخذ قراراته الحاسمة ~~على الوحي الإلهي، ولذلك كانت بالنسبة للمؤمنين بالإسلام سلطة مطلقة ~~ومؤكدة، ولم يكن لأحد ms134 من الخلفاء الراشدين أن يزعم لنفسه سلطة تقاربها ~~أو تقارن بها، وذلك لأن الوحي الإلهي نفسه قد وصفه بأنه # خاتم النبيين ~~: # ما ~~كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول ~~الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء ~~عليما ~~(سورة الأحزاب: 40). # ما الذي كان يمكن أن تستند إليه الجماعة الإسلامية بعد انتقال الرسول ~~إلى الرفيق الأعلى؟ كان الوحي الذي أنزل على محمد، وهو القرآن الكريم، ~~موجودا بطبيعة الحال، ولكنه لم يكن قد دون بعد، كما كان يحتاج إلى ~~التفسير والتطبيق على المشكلات المتجددة للحياة اليومية. لقد تضمن ~~تعاليم عامة جدا لهداية الجماعة وتنظيمها. ولكن الجماعة، كوحدة ~~اجتماعية وسياسية، كانت منذ البداية عنصرا أساسيا من عناصر الدين ~~الإسلامي. لقد نشأت المسيحية قبل ذلك بستة قرون ونمت في إطار النظام ~~السياسي العلماني للدولة الرومانية التي كانت تفسح المجال لديانات ~~مختلفة ولا تشترط عليها إلا أن تعطي لقيصر ما لقيصر. أما في البنية ~~الاجتماعية لبلاد العرب فقد بقيت العوامل الدينية والسياسية متداخلة ~~ومتشابكة بحيث لا يمكن الفصل بينها. وهكذا أتيحت لمحمد الفرصة واقتضت ~~الضرورة أيضا أن يجعل من الإسلام نظاما دينيا وسياسيا متكاملا. ~~وقد تحقق له هذا عن طريق الارتفاع بالإسلام والجماعة الإسلامية «فوق» ~~الوحدات القائمة في بيئته، أي فوق القبائل العربية. كانت الجماعة هي ~~التجسيد الأرضي للدين. وكانت أي محاولة للفصل بينهما - على أساس نظرية ~~الدولتين مثلا - أمرا مستحيلا. فقد كان حل الجماعة معناه القضاء ~~على الدين. # وكان أخطر الأمور التي واجهت المسلمين أن محمدا، عليه السلام، لم ~~يترك وراءه خليفة ولا تعليمات بكيفية تحديد خليفة بعده. وكان على ~~الجماعة أن تتولى هذه المهمة بنفسها. وكان من الطبيعي أن يرجع المسلمون ~~إلى الإجراء الذي كانت تتبعه القبائل العربية لاختيار رئيس القبيلة؛ أي ~~إلى اختيار الرجال الأحرار من أبناء القبيلة. ولم تكن جميع الأصوات ~~بطبيعة الحال ذات وزن واحد، فنتيجة الانتخاب كانت تعكس التفاوت في نفوذ ~~الناخبين. # تبين بعد وفاة الرسول، عليه الصلاة والسلام، في سنة 632م أن الجماعة ~~الإسلامية منقسمة إلى أحزاب مختلفة ms135. وكان أحد هذه الأحزاب يتكون من ~~«المهاجرين»، أي من المسلمين الأوائل الذين آمنوا بالرسول والتفوا حوله ~~في مكة، ثم هاجروا معه إلى المدينة في سنة 622م حيث أسس هناك أول دولة ~~إسلامية. وكان الحزب الثاني يتألف من «الأنصار»، وهم من قبائل المدينة ~~الذين شاركوا في وضع الأسس الأولى للدولة. ثم ظهر، في البداية على ~~الأقل، حزب ثالث من بني هاشم، أي من أقرب أقارب الرسول، سواء منهم من ~~هاجر معه أو من لم يهاجر. كان مرشحهم هو علي، ابن عم الرسول الذي كان ~~بغير شك يتمتع بقدر عظيم من الهيبة والاحترام، ولكن يبدو أن نفوذ ~~الهاشميين في ذلك الوقت لم يكن كافيا لإشراكه في المنافسة بشكل جدي. ~~وأعلن الأنصار، الذين آزروا النبي على مدى عشر سنوات، عن رغبتهم في ~~أن يكون واحد منهم هو خليفته. غير أنهم عجزوا عن تحقيق هذه الرغبة، لا ~~سيما وأنهم لم يستطيعوا التغلب على الخلافات القبلية التي كانت لا تزال ~~محتدمة بينهم. وهكذا انحصر مجال الاختيار بين زعيمي المهاجرين، وهما ~~أبو بكر وعمر. وتنازل عمر لأبي بكر الذي يكبره في السن، فبايعه ~~المسلمون أول خليفة لرسول الله. ولما توفى أبو بكر بعد ذلك بسنتين، ~~تولى عمر بن الخطاب الخلافة دون أي صعوبة تذكر. # 2 # وصفت أجيال المسلمين اللاحقة أبا بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان ~~بن عفان وعلي بن أبي طالب بالخلفاء الراشدين، واعتبر بعض المتشددين أن ~~هؤلاء الأربعة هم الخلفاء الحقيقيون وكل من عداهم ممن جاء بعدهم مجرد ~~ملوك دنيويين. ولكن حتى عثمان وعلي بن أبي طالب كانا، في أثناء ~~حياتهما، موضع خلاف بين أنصارهما والخارجين عليهما، ولهذا يحتل أبو ~~بكر وعمر في الوعي التاريخي للمسلمين مكانة فريدة، بل إن عمر يتفوق على ~~سلفه بكثير، ربما بسبب طول فترة حكمه التي امتدت عشر سنوات وثبتت ~~فيها دعائم الدولة الإسلامية العالمية. وتزخر مؤلفات المؤرخين ~~المسلمين، بل كذلك كتب علوم الدين والشريعة والأدب، بأخبار مستفيضة عن ~~أعماله وأقواله وقراراته الحازمة. # ومع ذلك فليس من السهل تكوين صورة ms136 عن عمر يمكن أن تصمد أمام الشروط ~~التي يتطلبها المؤرخ النقدي الحديث. فلم تكن الأخبار التاريخية عند ~~الرواة المسلمين الأوائل غاية في ذاتها، بل انحصرت قيمتها في تكوين ~~صورة تاريخية دالة ومتسقة مع معتقداتهم وتوقعاتهم، أو صورة تتوافق فيها ~~الوقائع مع هذه المعتقدات والتوقعات. لذلك كان قدر كبير من الأخبار ~~والمعلومات التي وصلتنا عن عمر نوعا من «حكايات الخوارق» أو الروايات ~~التي تروى عن الأبطال والعظماء وتهدف لاستخلاص العبرة والموعظة منها. ~~أضف إلى ذلك أن الكثير من تلك الأخبار لا يخرج عن كونه مجرد تهيؤات أو ~~تخيلات تشريعية تلبي حاجة المسلمين إلى معايير يقينية يهتدون بها في ~~سلوكهم. لقد كانوا يستندون عن طيب خاطر للنموذج والقدوة العالية ~~للخليفة العظيم، وذلك في الأحوال التي يصعب عليهم فيها أن يجدوا نصا ~~واضحا في الكتاب الكريم أو في السنة المشرفة. بل إننا لنكتشف في بعض ~~الحالات أن القاعدة أو التنظيم الذي ينسب إلى عمر (رضي الله عنه) ليس ~~سوى نوع من التنظيم المنهجي ومن التثبيت أو التأكيد لممارسة عملية ظهرت ~~وتطورت في عصر لاحق، وإن كان عمر هو الذي وضع أسسها الأولى، بذلك، ~~أدى هذا «الحجاب» المنسوج من الحكايات الخارقة والتخيلات التشريعية ~~إلى حجب الصورة «الحقيقية» لعمر وجعل الوصول إليها أمرا بالغ الصعوبة. ~~ومع ذلك فلا شك في أن الصورة التي كونها المسلمون عنه صورة شديدة ~~التأثير ومن ثم على قدر كبير من الواقعية. # كان عمر بن الخطاب بن نوفل ينتمي إلى نفس القبيلة التي ينتمي إليها ~~النبي، عليه السلام، وهي قريش وإن لم يكن من ذوي قرباه. وقد كان واحدا ~~من زعماء عشيرة «عدي»، كما كان يشارك مثل الكثيرين من أثرياء مكة في ~~تجارة القوافل مع سوريا. ولم يكن عمر من أوائل المؤمنين بالإسلام، بل ~~يقال إنه ساهم فترة غير قصيرة في اضطهادهم. ولما دخل الرجل المرموق في ~~الإسلام - وكان ذلك قبل الهجرة بسنوات قليلة - كان ذلك كسبا كبيرا ~~للجماعة الإسلامية الصغيرة ودفعة قوية لها. كانت قوته الجسدية وقوامه ~~الطويل الفارع تظهرانه ms137 في صورة المحارب المهاب. وقد شارك بالفعل في بعض ~~المعارك الإسلامية المبكرة، ولكن دوره الرئيسي يقوم على كونه هو ~~الصحابي المقرب من الرسول، عليه السلام، وموضع مشورته، ومع ذلك فقد ~~تقدم عليه - وفاقه في الاضطلاع بهذا الدور - أبو بكر الصديق الذي نشأ ~~في الظروف نفسها، كما كان أكبر منه سنا وأسبق منه في الدخول في ~~الإسلام. وقد اتخذ النبي، عليه السلام، من بنتيهما زوجين له. # ومما يشهد على قدرة النبي، عليه السلام، على القيادة وموهبته الفذة ~~فيها، كما يدل كذلك على الخلق الرفيع لأبي بكر وعمر، أنه لم يقم بينهما ~~أبدا أي نوع من المنافسة، وبعد تولي أبي بكر أمر الخلافة، استمرت ~~الصلة الوثيقة بينه وبين عمر الذي كان له حتى في ذلك الوقت - بفضل ~~شخصيته القوية - تأثير كبير في تدبير شئون الدولة. وربما يكون هذا ~~الرجل العنيف، الذي لم يخل في بعض الأحيان من فظاظة، قد تعلم الكثير ~~من أبي بكر الأهدأ منه طبعا والأكثر حكمة. وليس من شك في أن الاثنين ~~كانا هما الخلفين الطبيعيين للنبي، عليه السلام، كما كانا أفضل وأقدر ~~من كل منافسيهما على تسيير شئون الجماعة الإسلامية على نفس الطريق ~~وبالمعنى نفسه الذي أراده الرسول. # لم يستطع القرار السريع الناجح - في حسم موضوع الخلافة بعد وفاة ~~النبي - أن يحل جميع مشكلات الجماعة الإسلامية؛ كانت أكثر القبائل ~~العربية، في العامين الأخيرين من حياة النبي، عليه السلام، قد اعترفت ~~اعترافا كليا أو جزئيا بنبوته وقيادته وانضمت إلى صفوف الدولة ~~الإسلامية. ولكن الالتزامات والواجبات التي ترتبت على ذلك، من تنفيذ ~~للأوامر وتحمل للنفقات، بدت للكثيرين بمنزلة عبء ثقيل الوطأة عليهم. ~~فلما انتقل محمد إلى الرفيق الأعلى، انتهز عدد من القبائل الفرصة ~~للخروج على الإسلام، وقامت سلسلة من حركات الردة تحت قيادة بعض ~~«الأنبياء» الكذابين. وقد زخرت الفترة القصيرة لحكم أبي بكر (من 632 ~~إلى 634م) بالجهود الشاقة التي استهدفت سحق هذه الحركات والقضاء على ~~مدبريها. ولم يتطلب ذلك قوة عسكرية متفوقة فحسب، وإنما تطلب كذلك حنكة ~~دبلوماسية عظيمة؛ إذ ms138 كان من أهم الأمور ألا تدفع القبائل للسير في طريق ~~العداوة الأبدية، بل أن تعود مرة أخرى - أو لأول مرة - إلى الإسلام، ~~وقد نجح كل من أبي بكر وعمر في ذلك نجاحا رائعا. # وعلى المدى الطويل أصبح من الأمور الضرورية، لإدماج القبائل في صفوف ~~الجماعة الإسلامية، أن تلبى مطالبها، وتروض طاقاتها، وقد تم هذا ~~بالفعل عن طريق الفتوح الإسلامية التي بدأت في ذلك الحين. والواقع أن ~~عقيدة التوحيد لا ترتبط بالضرورة بالطموح الديني العالمي، ويتضح هذا في ~~الديانة اليهودية التي اتسمت بصفة دائمة بالتوتر والصراع بين المبدأ ~~العالمي ل «إله السماء والأرض» وبين المبدأ الخاص بالديانة الشعبية ~~«إله إسرائيل». ونحن نجد في الإسلام عناصر من كلا المبدأين. فمن ناحية ~~أرسل الله محمدا، عليه السلام، إلى البشر كافة # وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ~~(الأنبياء: 107)، كما أنه عليه السلام هو خاتم الأنبياء الذين أرسلهم ~~الله سبحانه بوحي إلهي موحد، وفي الحالين تتضح عالمية الرسالة ~~المحمدية. ومن ناحية أخرى لا نجد أبدا في الإسلام أي ذكر ل «إله عربي» ~~أو «إله للعرب». ولكن القرآن الكريم هو الوحي الإلهي الذي أنزله الله ~~باللغة العربية: # إنا أنزلناه قرآنا ~~عربيا لعلكم تعقلون ~~(يوسف: 2)، كما أن ~~محمدا، عليه الصلاة والسلام، قد اتجه بطبيعة الحال برسالته إلى ~~شعبه. # إذا كان التوسع العربي-الإسلامي قد بدأ بعد وفاة الرسول وزلزل الأرض ~~كلها، فقد كان أهم الدوافع لذلك هو الشعور بالتفوق والوعي بالرسالة ~~اللذين استمدهما العرب من الديانة الجديدة، كما استمدوا منها القوة ~~والقدرة على التنظيم. وينبغي مع ذلك ألا نغفل عن أن قسما من الجيوش ~~الإسلامية لم يحركها الإيمان وحده، بل كذلك الرغبة في الحصول على ~~الغنائم. لقد عرفت القبائل العربية منذ القدم الحروب المستمرة في سبيل ~~المرعى الشحيح، وملأت هذه الحروب حياة الرجال وحدت من النمو السكاني. ~~فلما أراد الإسلام أن يجمع هذه القبائل في دولة واحدة، وجد نفسه ~~مضطرا لإنهاء الحروب المشتعلة بينها وإقامة «سلام إسلامي» # 3 # تستظل بظله. بذلك نشأت الحاجة الملحة لإيجاد عمل جديد يشغل ~~المحاربين ms139 من رجال القبائل، والاهتمام بتوفير الغذاء الكافي للعدد ~~المتزايد من سكان شبه الجزيرة العربية. وكان أبسط حل لهذه المشكلة هو ~~فتح بلاد أخرى عن طريق الحرب. # ربما يكون محمد، عليه الصلاة والسلام، قد سبق إلى التفكير بهذا ~~المنطق. فقد بدأ سياسة التوسع نحو الشمال - أي في المنطقة التي تقع تحت ~~نفوذ الدولة البيزنطية - قبل فتح مكة بقليل. وقد مني بالفشل أول زحف ~~كبير على شرق الأردن في عام 629م، ولكن الحملة التي أرسلت في العام ~~التالي استطاعت الاستيلاء على أجزاء من تلك المنطقة ووضعت مدينة ~~«إيلياء» (إيلات) الواقعة على خليج العقبة تحت سيطرة المسلمين. وحشد ~~النبي، عليه السلام، قبل وفاته مباشرة جيشا آخر للزحف نحو الشمال، ولم ~~يكد أبو بكر يأذن له بالانطلاق حتى اضطرته الحرب مع القبائل المرتدة ~~إلى استدعائه على وجه السرعة. وفي خلافة أبي بكر، رضي الله عنه، بدأت ~~المعارك الأولى للمسلمين مع الفرس، كما بدأ الإعداد المنظم لفتح سوريا ~~البيزنطية. ولكن الفتوح الإسلامية لم تبلغ ذروتها إلا في عهد عمر، رضي ~~الله عنه (634-644م). ولدى وفاة عمر، كانت تقع في أيدي المسلمين - ~~بالإضافة إلى شبه الجزيرة العربية - سوريا والعراق بأكملهما والمناطق ~~الغربية من بلاد فارس من ناحية، ومصر وليبيا من الناحية الأخرى. وبذلك ~~وضعت أسس الدولة الإسلامية العالمية. # هكذا واجه الإسلام تحديا تاريخيا كبيرا بالمعنى الذي قصده توينبي، # 4 # فانتصاراته العسكرية المذهلة على الدولتين العالميتين ~~المتفوقتين عليه في المدنية والقوة، وهما بيزنطة وفارس، يمكن تفسيرها ~~من خلال الظروف المواتية آنذاك، ولم تكن هاتان الدولتان قد استهلكت ~~قواهما في الحرب المدمرة بينهما فحسب، بل كانت عوامل الضعف بسبب ~~الصعوبات والمشكلات الداخلية قد دبت فيهما. # 5 # والأهم من ذلك أن سكان الأقاليم والولايات التي بدأ ~~المسلمون بالزحف عليها، لم يكونوا يحسون بأي ولاء تجاه الحكومات ~~المحلية للدولتين الكبيرتين. فالجماعات المسيحية في سوريا ومصر كان ~~ينظر إليها من جانب الكنيسة الرسمية في بيزنطة على اعتبار أنها جماعات ~~ملحدة أو آبقة، كما كانت تتعرض للقمع والاضطهاد. وسكان سوريا والعراق ~~كانوا يشعرون، من ms140 خلال لغتهم الآرامية السامية، بأنهم أقرب إلى العرب ~~منهم إلى الإغريق والفرس. ولهذا لم تستطع الدولتان القديمتان الاعتماد ~~على قواتهما المحلية في حربهما مع الجيوش الإسلامية، كما أن السكان ~~نظروا في أكثر الأحيان إلى المسلمين نظرتهم إلى المحررين لهم من قهر ~~السلطة الكريهة التي كانت تحكمهم. # لو كان المسلمون اقتصروا على إحلال حكم عربي أجنبي محل حكم بيزنطي ~~وفارسي لظل انتصارهم العظيم بالتأكيد محدودا وقصير الأجل. ولكن في ~~اللحظة نفسها التي تخطى فيها الإسلام حدود شبه الجزيرة العربية نشأ وضع ~~حاسم تمت فيه الغلبة منذ ذلك الحين للعناصر العالمية على العناصر ~~العربية والقومية، وكانت الإجابة عن مشكلة التحدي التاريخي تتلخص في ~~إيجاد مجتمع جديد وحضارة جديدة لا يقتصران على عرب شبه الجزيرة، بل ~~يشملان شعوبا وحضارات أخرى. ومن الطبيعي أن الطريق المؤدي لتحقيق هذا ~~الهدف لم يكن منذ البداية واضح المعالم. فقد ظلت المصلحة القومية ~~العربية، التي كان لها دور حاسم في تحقيق التوسع الإسلامي، قوة مؤثرة ~~دخل معها مبدأ عالمية الإسلام في صراع مستمر، وبين التطور التاريخي ~~اللاحق أن المستقبل قد أثبت صدق هذا المبدأ، وذلك إلى أن ظهر وضع جديد ~~مع ظهور القومية العربية في العصر الحديث. # بعد القضاء على حركات الردة وانتشار الإسلام في شبه الجزيرة ~~العربية بأكملها، بدا الأمر وكأن الدين الجديد قد أصبح هو والعروبة ~~شيئا واحدا. # 6 # وقد عمل على تأكيد هذا أن عمر، رضي الله عنه، أبعد ~~الجماعات غير الإسلامية عن شبه الجزيرة العربية، وهي الجماعات التي كان ~~النبي، عليه السلام، قد أقر صراحة بوجودها. كان النبي قد دخل في صراع ~~مع اليهود بعد أن أخلفوا وعدهم بالاعتراف بنبوته، وكان قد طردهم من ~~المدينة، واحتل مساكنهم في بعض الواحات وصادر أراضيهم، ولكنه تركهم ~~يعيشون في أراضيهم القديمة ليزرعوها ويعطوا المسلمين نصف المحصول. أما ~~عمر فأمر بتهجيرهم إلى سوريا. وكانت تعيش في نجران التي تقع إلى الجنوب ~~من بلاد العرب جماعة مسيحية كبيرة أعلنت خضوعها للنبي وعقدت معه معاهدة ~~تضمن لها حماية استقلالها وأملاكها في ms141 مقابل دفع الجزية وتقديم ~~المساعدة في وقت الحرب. ولكن عمر أمر بتهجير هذه الجماعة أيضا إلى ~~العراق وسوريا. والأخبار التي وصلتنا عن هذا الموضوع توحي بأن المؤرخين ~~الذين جاءت هذه الأخبار على لسانهم لم يكونوا مستريحين لمخالفة عمر ~~للقرارات الواضحة التي اتخذها النبي، عليه السلام، بشأن هذه الجماعات ~~من «أهل الكتاب». ومن الواضح أن اهتمام عمر كان موجها قبل كل شيء نحو ~~حماية وتأمين وحدة بلاد العرب الدينية والسياسية التي تم التوصل ~~إليها بعد جهود مضنية، والتي كانت في نظره هي الشرط الأساسي لوجود ~~الإسلام، وذلك عن طريق استبعاد العناصر الدخيلة بشكل نهائي. # والواقع أنه لم يكن هناك أي وجود لسياسة كسب أنصار جدد للإسلام. فقد ~~تم تهجير اليهود والمسيحيين الذين كانوا يعيشون في بلاد العرب، ~~ولكنهم لم يكرهوا أبدا على الدخول في الإسلام، لقد كان من الممكن ~~الترحيب بدخولهم فيه طواعية، كما حدث في بعض الحالات التي بلغتنا ~~أخبارها، ولكن إكراههم على ذلك كان أمرا مستبعدا تماما، وأما عن ~~الكفار فكان فرض الإسلام عليهم يعتبر أمرا واجبا، وإذا كان ذلك لم ~~يتبع بوضوح في عهد الرسول، فقد أصبح هو القاعدة منذ حروب الردة. ذلك ~~أن الإسلام دخل منذ بدايته في صراع مع الكفار العرب، أما اليهود ~~والمسيحيون فقد شعر النبي على الدوام بالعلاقة الوثيقة التي تربطه بهم، ~~وذلك من خلال وحدة الوحي الإلهي التي يشاركون فيها. لقد كانوا من «أهل ~~الكتاب»، أي أصحاب كتب منزلة، كما كانوا موحدين مثل المسلمين. وقد ~~أضيفت إلى ذلك مع مرور الزمن اعتبارات سياسية عملية؛ فلما تبين أن أي ~~محاولة لإكراه الزرادشتيين في الدولة الفارسية على الدخول في الإسلام ~~ستكون عقيمة، شأنها في ذلك شأن أي محاولة مع المسيحيين في الدولة ~~البيزنطية، فقد وضع الزرادشتيون - مع الاستشهاد بالنبي ولكن عمليا ~~منذ عهد عمر - على قدم المساواة مع «أهل الكتاب» (وكذلك مع مشركي الهند ~~في مرحلة لاحقة). # وإذا كان الإسلام قد جعل ل «أهل الكتاب» وضعا خاصا، فلم يكن معنى ~~ذلك طمس الحدود القائمة بينه ms142 وبينهم. وحيثما أرادت جماعات أهل الكتاب ~~أن تعيش في ظل الحكم الإسلامي، كان عليها أن تخضع لشروطه وأحكامه. وكان ~~النظام المعبر أوضح تعبير عن هذا الوضع هو نظام دفع الجزية للدولة ~~الإسلامية. وعند هذه المرحلة تبين منذ البداية بأجلى صورة أن الإسلام ~~والعروبة ليسا شيئا واحدا. كانت الجزية تطلب أيضا من المسيحيين ~~العرب، وكان هذا مبدأ جديدا لم يستطع الذين طبق عليهم أن يفهموه ~~فهما تاما. فالأمير جبلة بن الأيهم - الذي كان آخر أمراء دولة ~~الغساسنة العربية الذين حكموا منذ نهاية القرن الخامس دولة مسيحية ~~صغيرة على الحدود السورية للدولة البيزنطية - هذا الأمير أثبت في صراعه ~~مع المسلمين أنه خصم خطر، على الرغم من الهزيمة التي كان قد مني بها ~~أمامهم مع حلفائه البيزنطيين. وقد كان على استعداد لإعلان خضوعه ~~للخليفة لو وافق على إعفائه من الجزية، ولكن عمر أصر على موقفه، ~~وصمم على التمسك بالمبدأ حتى ولو رجع جبلة للانضمام إلى صفوف ~~البيزنطيين. كذلك رفضت قبيلة بني تغلب المسيحية أداء الجزية المفروضة ~~على غير المسلمين، كما هددت هي الأخرى باللجوء إلى البيزنطيين. ولما ~~كان بنو تغلب قد اشتهروا بأنهم محاربون أشداء، فقد عمد عمر إلى نوع من ~~التنازل الشكلي، إذ أمر بأن تعتبر الجزية زكاة شبيهة بالزكاة المفروضة ~~على المسلمين وإن جعل قيمتها مساوية لقيمة الجزية. ونحن لا نعلم إن ~~كانت هذه الأخبار تتفق في تفاصيلها مع الوقائع التاريخية، ولكنها ~~تعبر، على كل حال، عن الصعوبات التي واجهها التصور الإسلامي الجديد ~~الذي لا يحدد الوضع القانوني بالانتماء إلى الشعب بل بالانتماء ~~للدين. # أما عن معاملة السكان غير المسلمين في المناطق التي تم فتحها فقد ~~أوجدت الدولة الإسلامية نظاما بسيطا وعمليا، وهو نظام ظل متبعا ~~حتى العصر الحديث، بل ما زال محتفظا ببعض ملامحه حتى يومنا الحاضر. ~~فكما أن المسلم لم يكن في البداية يواجه الدولة بوصفه فردا، بل بتوسط ~~القبيلة ومن خلال انتمائه إليها، فكذلك لم يتوجه الإسلام لسكان البلاد ~~المفتوحة باعتبارهم أفرادا، بل توجه إلى المجموع أو إلى ms143 الجماعة ~~الدينية. وقد تم هذا بشكل طبيعي بسبب لجوء المسئولين عن السلطة في ~~أغلب الأحوال إلى الهرب، بينما بقي رجال الكنيسة المحلية - الذين عاشوا ~~في ظل الدولة البيزنطية في حالة صراع مع الدولة الأرثوذكسية - مع ~~جماعاتهم الدينية وكانوا هم الممثلين لها في التعامل مع الفاتحين ~~الجدد. وقد عقد المسلمون مع الجماعات الدينية معاهدات تضمن حمايتها، ~~ويتعهد فيها المغلوبون بدفع الجزية للدولة الإسلامية في مقابل عدم ~~المساس بممتلكاتهم ولا التدخل في شئونهم الخاصة. وكان رجال الدين ~~مسئولين أمام الدولة عن الالتزام بنصوص المعاهدة، كما أصبحوا بذلك هم ~~الرؤساء المدنيين لجماعاتهم. كان القانون الديني هو المعمول به داخل ~~هذه الجماعات، وفي القرون اللاحقة اتخذت سلسلة من القرارات ~~والتعليمات التي أكدت الوضع المتدني لغير المسلمين تمييزا لهم من ~~المسلمين. وعلى سبيل التمحك في السلطة التي كان يتمتع بها الخليفة ~~العظيم سميت هذه التعليمات «شروط عمر»، ولكن الأمر الثابت المؤكد هو أن ~~الخليفة العادل لم يكن له أي شأن بها لا من قريب ولا من بعيد. صحيح أن ~~المسيحيين واليهود لم يكونوا متساوين في الحقوق تماما مع المسلمين، ~~ولكنهم في العهود السابقة لم يتمتعوا في معظم الأحيان بأي مساواة في ~~الحقوق مع البيئة التي كانت تحيط بهم، ولذلك شعروا في ظل الدولة ~~الإسلامية بتحسن أوضاعهم نتيجة عدم تدخلها في شئونهم. أما بالنسبة ~~للفرس فقد سار التطور في مسار آخر مختلف؛ إذ لم تلجأ طبقة النبلاء أو ~~الكبراء من ملاك الأراضي إلى الهرب من المسلمين، وإنما أعلنت خضوعها ~~لهم وأسرعت بالدخول في الإسلام لكي تحتفظ بسلطتها ونفوذها. بذلك اندمجت ~~بلاد فارس بسرعة نسبية في المجتمع الإسلامي. # والجدير بأن يذكر أن التنظيم القبلي العربي ظل قائما في هذا ~~المجتمع. فالمسلم العربي كان بطبيعته ينتمي إلى الإسلام عن طريق ~~قبيلته، أما غير العربي الذي دخل في الإسلام فلم يكن ليستطيع أن يفعل ~~ذلك إلا من خلال انتمائه أو بالأحرى تبعيته لإحدى القبائل العربية. ومع ~~ذلك فلم يكن هذا سوى إطار تمت فيه مع مرور الزمن تغييرات جوهرية ms144. كان ~~معنى الإسلام هو الخلاص من الشرك والوثنية ومن الصراعات القبلية، أي ~~كان معناه الخروج من المجتمع البدوي والرعوي على الإطلاق. وفي ظل ~~الإسلام توجه العرب بعيدا عن الصحراء وفي اتجاه المدينة. وكلمة ~~الهجرة، التي تدل على هجرة النبي، عليه الصلاة والسلام، وصحبه من مكة ~~إلى المدينة، سرعان ما استخدمت بعد ذلك للدلالة على تخلي إنسان عن ~~الحياة القبلية ودخوله في الجماعة الإسلامية، وكان هذا يحدث له بوجه ~~عام بصفته محاربا، ولم تكن الحياة في أثناء الحملات العسكرية لتختلف ~~كثيرا عن حياة البدو خلال الغارات التي اعتادوا أن يشاركوا فيها سعيا ~~وراء الغنائم. ولكن الفرق بين الحالين كان يتضح بعد الانتهاء من الحرب. ~~وقد أمر عمر، رضي الله عنه، الجيوش الإسلامية أن تؤسس مدنا جديدة في ~~المناطق المفتوحة وتقيم فيها. وبهذه الطريقة نشأت مدن البصرة والكوفة ~~والموصل في العراق، كما نشأت في مصر مدينة الفسطاط التي صارت بعد ذلك ~~نواة القاهرة. # ومن المحتمل أن القوات الإسلامية كانت تقوم في أثناء الحملات ~~العسكرية بإطعام نفسها بنفسها، ولكنها عندما كانت تضطر إلى لزوم المدن ~~العسكرية كانت الدولة هي التي تتولى مهمة إمدادها بالمؤن التي تحتاجها. ~~وقد طور عمر نظام توزيع الغنائم - الذي كانت الدولة قد أخذته عن شيوخ ~~القبائل - وجعل منه نظاما ضريبيا شديد الإحكام؛ إذ كانت الدولة تقوم ~~بدفع هبات من دخولها للمستحقين للإعالة والرعاية. وكان من حق كل مسلم ~~حر من حيث المبدأ أن يكون واحدا من هؤلاء المستحقين، ولكن هذه الهبات ~~كانت من الناحية العملية مقصورة على المحاربين المقيمين في المدن ~~العسكرية وعلى عائلاتهم، بالإضافة إلى سكان العاصمة التي كانت في ~~المدينة المنورة. وقد أمر عمر - رضي الله عنه - بإعداد قوائم تسجل ~~فيها أسماء المستحقين لإعالة الدولة، وكانت هذه القوائم منظمة تنظيما ~~دقيقا حسب أسماء القبائل. # وقد أدت إعالة الدولة للمسلمين وتركيزهم في المدن الجديدة المعسكرة ~~إلى عزلهم عن المجتمعات المحلية. وكان هذا أمرا ضروريا عندما كان ~~يتحتم وضعهم على أهبة الاستعداد وتحت تصرف الدولة. وينسب إلى عمر إصدار ms145 ~~قرار يحظر على المسلمين الاستيلاء على أراض زراعية في المناطق التي ~~فتحت، بل يحظر عليهم الاشتغال بحرفة الزراعة، وإذا كان من المحتمل أن ~~مثل هذا القرار لم يصدر أبدا، فمن المؤكد أن عددا كبيرا من المسلمين ~~من بين القادة والجنود البسطاء قد استولوا على أراض زراعية كبيرة ~~وصغيرة وقاموا بفلاحتها. والمهم أن هذا الخبر يدل على وجود بعض ~~المناقشات التي كانت تدور حول سياسة الحكومة. وقد كان من حق الدولة، ~~تبعا للتقاليد البدوية، أن تحتفظ بنصيب محدد من الغنائم، وأن تقوم ~~بتوزيع الأنصبة المتبقية. ولكن الدولة اتجهت بدلا من ذلك إلى تعظيم ~~مواردها لتتمكن من الوفاء بمهامها وواجباتها المتنامية. ومن هنا نشأت ~~بعد ذلك النظرية التي تقول إن كل الأراضي التي فتحت ملك للدولة، وذلك ~~لكي تستطيع أن تفيد جميع المسلمين - بما فيهم الأجيال التالية - من ~~خراجها، وقد أرجع هذا التنظيم أيضا إلى عمر، رضي الله عنه. # كانت أقل التنظيمات التي أقامتها الدولة الإسلامية المبكرة قدرة على ~~البقاء هي تلك التي استهدفت عزل العرب. وكانت المزايا التي تعود على ~~المرء من الدخول في الإسلام قد شجعت الأعداد الكبيرة من الفرس ~~والسوريين والمصريين على الإسراع بالدخول في الإسلام. واندفع سكان ~~المناطق المحيطة بمدن العسكر الجديدة للإقامة فيها، كما وجد العرب من ~~مصلحتهم أن يعيشوا في المدن العريقة بالأقاليم المفتوحة. وبعد وفاة عمر ~~بوقت قصير انتقل مركز الثقل للدولة من المدينة إلى دمشق ذات التاريخ ~~التليد. ونما المجتمع الإسلامي الجديد وازدهرت حضارته في مراكز المدن ~~الواقعة خارج شبه الجزيرة العربية. والواقع أن جذور هذا التطور ممتدة ~~في السياسة التي انتهجها عمر، كما هي موجودة بشكل خاص في تلك الحقيقة ~~التي تقول إنه في حقبة الفتوح الإسلامية التي بدأت على يديه لم يسمح ~~أبدا - بالرغم من حرصه على المصالح العربية - بأن يوحد بين الإسلام ~~والعروبة، بل تمسك بالطابع العالمي الشامل للإسلام. ولعل شيئا لم ~~يؤثر في تطور الإسلام منذ ظهوره مثل هذه السياسة التي يرجع الفضل فيها ~~لعمر بن الخطاب. # من المشكوك فيه ms146 أن يكون الخليفة العظيم قد فكر في النتائج المترتبة ~~على سياسته، وقد نجد هنا مادة جديدة تصلح لمناقشة السؤال القديم عن ~~التاريخ وهل هو من صنع الأفراد أو الأبطال؟ والمؤكد أن عمر لم يكن ~~ليتابع مثل هذه المناقشة أو يفهمها، فهو في القرارات الحاسمة التي ~~أصدرها لم يكن مجرد فرد حر، وإنما كان يشعر بأنه مجرد أداة لتنفيذ خطة ~~إلهية. ولكنه اتخذ قرارات فاصلة. وعندما اتهم ذات مرة بضعف الإيمان ~~لأنه رفض أن يذهب إلى مكان انتشر فيه وباء الطاعون أجاب بقوله: «أجل، ~~إني لأهرب من مشيئة الله إلى مشيئة الله!» وهذه العبارة تلخص جهود علم ~~الكلام عند المسلمين في التوفيق بين ضرورة الفعل الإنساني من ناحية، ~~وبين الإيمان بالقدرة الإلهية المطلقة من ناحية أخرى. وكون عمر هو الذي ~~نطق بهذه العبارة لهو دليل كاف على شخصية هذا الخليفة القدوة والنموذج ~~الصانع للمعايير. وسواء صدقت نسبة العبارة إليه أو لم تصدق؛ فإنها تتسق ~~مع شخصيته التاريخية. # لقد كان من أهم عوامل ضعف الإسلام في العصور المتأخرة أنه تشبث ~~بالتراث بشكل عبودي. وربما كانت القدرة الفائقة على استلهام المواقف ~~والقرارات الجديدة الحاسمة من التراث، وعلى ضوء المصلحة العامة للجماعة ~~- أي على ضوء العقل وحده - ربما كانت هذه القدرة الفائقة هي أعظم خصال ~~هذا الخليفة العظيم. وربما كان هو الذي أطلق الدفعة الأولى لجمع الوحي ~~الإلهي في القرآن الكريم، وإن كان يروى عنه في الوقت نفسه أنه اعترض ~~على تدوين الأخبار المتعلقة بأعمال النبي، عليه السلام، وأقواله لكي ~~يحول دون وجود شيء ينافس القرآن الكريم. # وقد كان قرار عمر بتهجير غير المسلمين كافة خارج شبه الجزيرة العربية ~~- وذلك على خلاف التعاليم المأثورة عن النبي عليه السلام - دليلا ~~تاريخيا آخر على تلك القدرة على اتخاذ القرار الحر. وليس من قبيل ~~الصدفة أن نجد خلال التاريخ الممتد للشريعة الإسلامية أن أولئك الذين ~~يستشهدون بعمر أو يهيبون به هم دائما الذين يبحثون عن طرق جديدة ~~لاختراق التراث الذي تزايد جموده مع الزمن، والذين يعطون الصدارة ms147 ~~لمتطلبات التطور التاريخي، والمصلحة العامة، والعقل. # الفصل الحادي عشر # | المسلم والسلطة # (1965م) ~~«إن مهمة إقامة وإدارة دولة تتفق مع مبادئ الدين تضع الإسلام في ~~معضلة من نوع خاص.» # شتيبات # إن البحث عن العوامل التي تحدد علاقة المسلم بالسلطة يستلزم منا أن ~~ننطلق من الحقيقة التي تقول إن تأسيس الدين الإسلامي كان يعني منذ ~~البداية تأسيس دولة. # 1 # وثمة دلالة بالغة العمق في حقيقة كون التوقيت (أو التأريخ) ~~الإسلامي يبدأ بالهجرة، أي بهجرة الجماعة الإسلامية الصغيرة من مكة إلى ~~المدينة، حيث تولى محمد، عليه الصلاة والسلام، رئاسة كيان سياسي دنيوي ~~(يمثل أول دولة إسلامية). # وفي السنوات المكية التي بدأ الدين الجديد يتشكل فيها بالتدريج، غلبت ~~على الرسالة المحمدية الأفكار التي تؤكد خضوع الإنسان للخالق العلي ~~القدير واعتماده الكامل عليه، بحيث بدا العالم نفسه كأنه عديم الأهمية. ~~ولكن بعد الهجرة أخذ النبي، عليه السلام، في الاهتمام بالعالم والسعي ~~إلى تشكيله. ولم يكن هذا الاهتمام، بالتدخل في أمور الدنيا، مجرد ~~استجابة لضرورة إيجاد حياة طيبة للجماعة. فقدرة الله تعالى وقضاؤه ~~يظلان في نظر الإسلام هما المقصد والغاية الأخيرة، ولكنه يعترف كذلك ~~بالدنيا (أو بالعالم)، ويعرف أن واجبه ومهمته هي تنظيمه وتوجيهه نحو ~~هذه الغاية. بهذا تكون الدولة الإسلامية الأولى هي أول مؤسسة اجتماعية ~~وأول تجسيد واقعي أو دنيوي للدين الإسلامي. # ولا نزاع في أن هذا قد خلق موقفا مختلفا اختلافا مبدئيا عما ~~نجده، على سبيل المثال، في المسيحية التي لم ترتبط بدولة إلا بعد ~~تأسيسها بثلاثة قرون، والمسيحي يمكنه الفصل بين الدين والدولة، وهو ~~يستطيع أن «يدع لقيصر ما لقيصر، عندما يدع كذلك لله ما هو لله». (إنجيل ~~متى: إصحاح 22، آية 21)، أما المسلم فلا يمكن أن يقوم بهذا الفصل. إننا ~~نجد بطبيعة الحال في الإسلام اتجاها للهروب من العالم، والانصراف عن ~~الدنيا الدنية، وقد تبنت هذا الاتجاه في بعض الأوقات فئات عريضة من ~~المؤمنين بالإسلام. وليس في الإسلام جهة عليا تختص بتقرير ما يتفق مع ~~الدين وما يخرج عليه، ولكن هناك مجالا وسطيا واسعا ms148 يمكن وصفه بأنه ~~«سني»، لأنه استقطب مع الزمن أغلبية المسلمين. هذا الاتجاه أو المذهب ~~السني في الإسلام يدين الهروب من العالم والانصراف عن الدنيا، وهو يفعل ~~هذا لأسباب دينية معقولة. # والأمر الأهم هو أن للإسلام شريعة ينبغي تحقيقها أو تطبيقها في ~~العالم. من أجل ذلك يجب تنظيم العالم وفق مبادئ الإسلام. وكل من لا ~~يسلم بذلك يترك أرض الدين الإسلامي كما أسسه محمد، عليه الصلاة ~~والسلام. والإمام الغزالي - في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد - يبرر ~~ضرورة وجود السلطة بكلمات شديدة الوضوح: «إن السلطان ضروري في نظام ~~الدنيا، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز ~~بسعادة الآخرة.» # 2 # إن مهمة إقامة وإدارة دولة تتفق مع مبادئ الدين تضع ~~الإسلام في معضلة من نوع خاص؛ فمثل هذه الدولة تنتمي لمملكة المثل ~~العليا التي قد يتاح للإنسان أن يرى ظلها في هذا العالم، ولكن ليس في ~~وسعه تحقيقها في الواقع. إن الدين الإسلامي يفرض على المؤمن مهمة ~~سياسية تتخطى حدود طاقته. # والحق أن النهوض بهذه المهمة يصبح منذ البداية أمرا سهلا وصعبا في ~~آن واحد، والسبب في ذلك أنه لا توجد لها صيغة واضحة. والوحي الإلهي ~~الذي أنزل على محمد في القرآن الكريم لا يحتوي على مشروع دستور مفصل، ~~كما أن علماء الدين والشريعة المبكرين لم يهتموا بالتفكير في بنية ~~الدولة تفكيرا منهجيا منظما. إن الشريعة الإسلامية تنظم علاقات ~~الفرد بالله وعلاقته بغيره من الناس، ولكن ميدان القانون العام لا يحظى ~~منها بالاعتبار. ومطالب الدين من الدولة مطالب ذات طابع عام. وتتطور ~~الأفكار المتعلقة بكيفية تشكيل الدولة في توتر مستمر بين هذه المطالب ~~العامة والمطلقة للدين من ناحية، وبين الواقع التاريخي من ناحية أخرى. ~~ويصدق هذا على الدولة التي أسسها محمد، عليه الصلاة والسلام، وتولى ~~تسيير أمورها بنفسه، ونظرت إليها الأجيال التالية نظرة الإجلال ~~والتمجيد بوصفها تحقيقا للدولة الإسلامية المثالية. والواقع أن تلك ~~الدولة تنطوي بوضوح على بعض السمات المستمدة من البيئة التاريخية التي ~~أحاطت بها: من مجتمع القبائل البدوية العربية ms149، ومن المدن الزراعية ~~والتجارية، ومن مظاهر التكيف مع المتطلبات العملية للسياسة في ذلك ~~الحين. # لنبدأ الآن بالنظر في العناصر الأساسية التي تعبر عن متطلبات الدين: ~~فالمشرع هو الله، وقد أنزل الشريعة مرة واحدة وإلى الأبد في القرآن ~~الكريم، وليس في استطاعة البشر أن يغيروها، ولكنهم يستطيعون فحسب أن ~~يفسروها، ولا يقتصر الحق في هذا التفسير للشريعة على فئة خاصة، وإنما ~~هو حق لكل مسلم يمتلك المعارف العلمية والمواهب العقلية المطلوبة لذلك. ~~وبهذا يمكن من الناحية المبدئية لأي إنسان حائز الشروط السابقة أن يكون ~~قاضيا يحكم بين الناس. إن السلطة كلها في يد الله العلي القدير، وهو ~~يفوض فيها إنسانا يتوسط بينه وبين الناس، وهو النبي الذي يخلفه ~~بعد وفاته الإمام أو الخليفة (أي خليفة رسول الله). ويترتب على عقيدة ~~التوحيد وعلى عالمية الإسلام أنه لا يمكن أن توجد إلا دولة واحدة، ولا ~~يمكن أن يوجد في زمن محدد إلا خليفة واحد، ولا يمكن تصور وجود سلطات ~~شرعية أخرى إلا إذا استمدت سلطتها من الخليفة الذي استمدها بدوره من ~~الله. # ويصف لوي ماسينيون هذه الدولة الإسلامية بأنها دولة العلمانيين ~~الدينية القائمة على المساواة، # 3 # فهي دولة دينية (ثيوقراطية) لأن القوة كلها والسلطة كلها ~~لله وحده، وهي دولة دينية للعلمانيين لأن الإسلام لا يعرف نظام ~~الكهنوت، ولا يعترف بوجود أحد يستأثر أو ينفرد بالتعمق في أسرار الدين. ~~وهي أخيرا دولة دينية قائمة على المساواة لأن الناس جميعا، حتى ~~الخليفة نفسه، متساوون أمام قدرة الله وأمام شرع الله، هذه المساواة ~~بين الناس جميعا أمام الله والشرع، ومن ثم في النظام السياسي ~~والاجتماعي، هي في الحقيقة فكرة ثورية جاء بها الإسلام إلى العالم. وهي ~~تقوم بغير شك على أساس مثل أعلى متضمن في «دستور» القبيلة العربية ~~القديمة، حيث كان لجميع الرجال الأحرار من الناحية المبدئية حقوق ~~متساوية، ولكن الإسلام يذهب إلى أبعد من ذلك حين لا يقصر المساواة على ~~قبيلة معينة ولا على فئة الرجال الأحرار داخل القبيلة، وإنما يمدها ~~لتتسع لجميع المؤمنين. وتتجلى ثورية ms150 مبدأ المساواة الإسلامي بشكل أعظم ~~بالنسبة لبنية الدول الشرقية العظمى القديمة بتفرقتها الحادة بين وضع ~~الحاكم ووضع الرعية، وعندما يضع الإسلام الحاكم والرعية داخل نظام واحد ~~من الحقوق والواجبات، فإنه يكاد يجعل أفراد الرعية أو المحكومين ~~مواطنين بالمعنى الذي نفهمه اليوم من كلمة المواطن. ويبدو أن هذا ~~الطابع الديني، إلى جانب طابع المساواة اللذين يميزان الدولة ~~الإسلامية، يضعان حدودا ضيقة تقيد قوة السلطة وتحكمها. لا شك في ~~أننا نقرأ في القرآن الكريم قول الله تعالي: # يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم ~~(النساء: 59) كما ~~نقرأ كذلك قوله عز من قائل: ~~... ولا تطع من ~~أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان ~~أمره فرطا ~~(الكهف: 28). # وهناك أحاديث شريفة تضع واجب الطاعة وحدودها جنبا إلى جنب، وذلك في ~~حديث شريف يقول ما معناه: # 4 # على المسلم شاء ذلك أو لم يشأ أن يسمع ويطيع إلا في معصية ~~الله، كما في حديث آخر: «لا طاعة لمن عصى الله». # 5 # من الأمور البديهية الواضحة إذن، أنه ليس من الواجب على المسلم طاعة ~~السلطة إلا إذا كانت أوامرها في إطار الشرع، بل ربما لا تجب عليه هذه ~~الطاعة إلا إذا كانت هذه السلطة مطيعة لله بوجه عام لا في الأحوال ~~الخاصة فحسب. أما ما هي الطاعة لله وما هي المعصية، فذلك ما يستطيع كل ~~مؤمن أن يحدده. ومن أهم الواجبات الاجتماعية للمسلم أن يراقب مدى ~~الالتزام بالشرع، وأن «يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر». صحيح أن هذه هي ~~في المقام الأول مهمة السلطة، ولكن السلطة أيضا، ووفقا للمبدأ نفسه، ~~تخضع لرقابة الجماعة وتصحيحها لها. # 6 # ويقيم علماء الدين على هذه الأسس العقائدية كيانا مثاليا يثبت - ~~من الناحية النظرية - اعتماد السلطة على الجماعة بشكل قانوني. والواقع ~~أن التصور الملتزم بالدين التزاما حرفيا لم تتم صياغته أبدا بشكل ~~موحد، ومع ذلك يمكننا أن نبين معالمه على الوجه التالي: # 7 # إن الخليفة، وهو رمز السلطة، يتبوأ منصبه بناء على تعاقد ~~منظم. ويحدد علماء الدين الشروط التي يجب توافرها في المرشح ms151 لمنصب ~~الخلافة؛ فلا بد أن يكون حائزا خصالا أخلاقية وعقلية وجسدية عالية، ~~وأن يكون من قريش. ومن بين الذين يلبون هذه الشروط يكون تعيين الخليفة ~~عن طريق الانتخاب. ويشترط كذلك في الناخبين أن تتوافر فيهم بعض الصفات ~~البسيطة: الأهلية الشرعية الكاملة، معرفة شروط منصب الخلافة والحكمة ~~الضرورية لانتخاب المرشح الصالح له. وبعد انتخاب الخليفة يكتمل التعاقد ~~بإعلان الجماعة بيعتها له. ويكون على الخليفة في هذه الحالة أن يؤدي ~~عددا من المهام المحددة: المحافظة على الدين، تنفيذ الشرع والأحكام ~~الشرعية، حماية النظام والأمن، التنظيم الداخلي للدولة، الدفاع عن ~~أراضي الدولة والتوسع فيها. وعليه في كل هذه المهام ألا يتخذ قراراته ~~بمفرده، بل يستشير فيها أهل الرأي والمشورة. ومن جهة أخرى يجب على ~~المؤمنين طاعته وتأييده، فإن لم يفعلوا كان من حقه إجبارهم عليهما. ~~ويلزم عن مبدأ التعاقد أن يسقط التعاقد عندما يخل أحد الطرفين ~~بالالتزام بشروطه، أي إن الخليفة يمكن إعفاؤه من منصبه إذا فرط في ~~واجبات منصبه أو قام بها بصورة غير مرضية. # لا شك في أن مبدأ الانتخاب والتعاقد يمد جذوره التاريخية في ~~ممارسات القبائل العربية التي كانت تقضي بأن يقوم أعضاء القبيلة ~~المرموقون بانتخاب شيخ القبيلة أو رئيسها الأعلى الذي كان يكلف كذلك ~~بمهام محددة. # 8 # أضف إلى ذلك الأساس الاعتقادي الذي تقوم عليه المساواة بين ~~جميع المؤمنين أمام الله والشرع. وخضوع الخليفة خضوعا مطلقا للشرع مع ~~الرقابة المفروضة عليه من الجماعة، وانتخاب الخليفة، وقيام منصبه على ~~أساس التعاقد مع إمكان خلعه، والتزام الخليفة بأخذ مشورة أهل المشورة ~~المستقلين؛ كل هذا لا يعني أبدا أن الدولة الإسلامية المثالية كانت ~~ديموقراطية بالمعنى الحديث الذي نفهمه من هذه الكلمة. فالخليفة لا يصبح ~~عن طريق الانتخاب ممثلا للشعب، والمنتخبون هم في الحقيقة أدوات لله ~~ينفذون مشيئته بانتخابهم للخليفة، كما أن الخليفة في حكمه لا ينفذ ~~بدوره إلا إرادة الله ومشيئته. ومع ذلك كان من الممكن على أساس المبادئ ~~المذكورة أن تقوم دولة ذات سلطة مقيدة ومحدودة القوة، وتخضع أيضا ~~لتأثيرات لا يستهان ms152 بها من جانب المواطنين. # لكن هذا المثل الأعلى للدولة لم يكن من الممكن أن يتحقق في الواقع ~~التاريخي؛ فالضرورات المترتبة على حكم دولة إسلامية شاسعة الأرجاء، ~~وطموحات القوة وأطماع السلطة عند من تولوا أمورها، قد حالت دون ~~تحقيقها. ولما كان هذا المثل الأعلى يستند إلى الوحي الإلهي، فلا ~~يستطيع المؤمنون أن يسلموا بعدم إمكان تحقيقه. ولما كانت دولة الخلافة ~~هي التجسيد الاجتماعي الوحيد للدين، وكان من الضروري أن يطبق فيها ~~الشرع الإلهي، فلا بد من أن تكون تلبية الدولة لمطالب الدين، وتحقيقها ~~لتعاليمه، وشرعية السلطة الحاكمة، من القضايا الملحة عند المسلمين. ومن ~~هنا كانت الاتجاهات السياسية المختلفة في العصر الإسلامي المبكر ذات ~~طابع ديني على الدوام، كما ارتبطت الاتجاهات الدينية المختلفة باستمرار ~~بحركات سياسية متنوعة. ومن هنا يتضح أيضا أن مثال الدولة يجب أن ~~يفسر منذ البداية من خلال الممارسة العملية، وأن العلماء الذين عهد ~~إليهم القيام بهذه المهمة، وجدوا أنفسهم منذ البداية أيضا مضطرين ~~لإنقاذ المثال عن طريق التوفيق بينه وبين الواقع. والمثال الذي يتغير ~~بهذه الصورة يؤثر بدوره من خلال وعي الناس على التاريخ السياسي. ~~والواقع أن تطور الدولة الإسلامية من الناحيتين العملية والنظرية لا ~~يمكن أن يفهم إلا عن طريق هذا التأثير المتبادل. # لقد انطلق أول وأكبر انقسام في الإسلام من النزاع حول الخلافة بعد ~~مقتل عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين. ومما يؤكد بوضوح أن الأمر ~~لم يكن مجرد خلاف سياسي خالص، أن هذا النزاع قد أدى إلى نشأة حركتين ~~غير ملتزمتين بالسنة (أو بالروح المعتدلة والملتزمة بحرفية النص ~~وظاهره وبجوهر التدين الأصلي) وهما الشيعة والخوارج، ولكل من هاتين ~~الحركتين تصورها الديني والسياسي للدولة. فالشيعة تلتف حول الإمام ~~الروحي الذي تجلله هالة من السحر والكرامة، # 9 # ولا بد أن يكون من سلالة الرسول، عليه السلام، كما أن الله ~~سبحانه قد وهبه العصمة. ويفترض مونتجومري وات افتراضا لا يخلو من ~~جاذبية آسرة، عندما يرجح أن يكون هذا التصور مستمدا من القبائل ~~العربية الجنوبية التي كان لديها تراث عريق ms153 من تقديس الملكية والملوك. # 10 # وعلى العكس من ذلك يرى الخوارج أن الجماعة أكثر أهمية من ~~الإمام، وأنها هي حاملة السحر والكرامة والجلال والعصمة. وهناك فريق من ~~الخوارج الذين لا يرون أي ضرورة على الإطلاق في وجود خليفة، كما يتفق ~~جميع الخوارج في أن الانتماء لقريش ليس شرطا لازما للتعيين في منصب ~~الخلافة، وأن الأهم من ذلك هو اختيار أصلح الناس له أيا كان الأصل ~~الذي يتحدر منه. والواقع أن هذا الرأي يتفق أتم اتفاق مع مبدأ ~~المساواة في الإسلام، وعندما يعلن الخوارج أن الثورة أو الخروج على ~~الخليفة الظالم ليس مجرد حق بل واجب حتمي على الجماعة، وعندما يصل ~~الأمر بهم إلى حد المطالبة بإعدامه، فإن هذا كله يعد تطورا ~~منطقيا، وإن يكن حاسما ومتطرفا، للمثل الإسلامي الأعلى للدولة. # 11 # ولما كانت هذه الآراء تتعارض بسبب تطرفها الشديد مع واقع ~~الحياة السياسية الإسلامية تعارضا شديدا، فقد اتهمت كذلك بالخروج ~~على الدين، وبأنها من البدع، شأنها في ذلك شأن التصور الشيعي الأغرب ~~منها. # وقد سبق ذلك الانقسام إلى شيعة وسنة انقسام ديني وسياسي خطير في ~~أوساط المسلمين المعتدلين الذين يوصفون بأهل السنة. وقد بدأت بوادر ~~هذا الانقسام بعد عودة النبي، عليه السلام، من المدينة إلى مكة وإدماجه ~~لمدينته وموطنه الأصلي (مكة) في الدولة الإسلامية الجديدة، وكانت هذه ~~خطوة مهمة على الطريق إلى الدولة الإسلامية الكبرى، بمعنى أنها أدخلت ~~في بنية الدولة عناصر عملت بالتدريج على طبعها بالطابع الدنيوي أو ~~العالمي. ومن المسلم به أن أثرياء مكة الأرستقراطيين لم يعلنوا ~~إيمانهم بالإسلام عن دوافع انتهازية فحسب، # 12 # بل لأنهم كذلك قد تأثروا تأثرا حقيقيا بالدين الجديد ~~وأخذوا بحيويته الرائعة. وإذا كانوا قد اهتموا قبل كل شيء بانتشار ~~الإسلام في العالم، فإنما أكدوا بذلك عنصرا قائما في الدعوة ~~المحمدية. ولكنهم وضعوا أنفسهم بذلك في مواجهة دينية وسياسية حادة مع ~~الصحابة الأولين أو أهل الورع الذين كانوا يعيشون في المدينة ويوجهون ~~أبصارهم إلى الآخرة فيشتد حرصهم على الشرع واهتمامهم بالمحافظة على ~~الشريعة. # استطاع محمد، عليه الصلاة ms154 والسلام، ومن بعده أبو بكر وعمر أن يحافظوا ~~على تماسك هاتين القوتين المتعارضتين، وذلك بوضع فضائل كل منهما في ~~خدمة الدولة الإسلامية الفتية؛ فبينما كان أثرياء مكة - ولا سيما أبناء ~~بني أمية - يعملون خارج شبه الجزيرة كقادة للجيوش وولاة على الأقاليم ~~التي تم فتحها، كان الصحابة وأهل الورع من المدينة يمارسون تأثيرا ~~كبيرا على الحكام وأهل السلطة الذين كانوا يحرصون على الاستنارة ~~برأيهم ومشورتهم، والحقيقة أن الانقسام والتوتر كان قد بدأ منذ وصول ~~الأموي عثمان إلى الخلافة ومحاباته الشديدة لعشيرته، ثم قام بعد ذلك ~~بدور كبير في الاضطرابات اللاحقة، وذلك بجانب الخلافات القبلية ~~والعشائرية القديمة والصراعات المستمرة مع الشيعة والخوارج. وإذا كان ~~الأمويون قد عادوا للاستيلاء على الخلافة بعد وفاة علي رابع الخلفاء ~~الراشدين في سنة 661م، فإن ذلك كان معناه انتصار الاتجاه «الدنيوي» بين ~~أهل السنة. كان علي بن أبي طالب قد ترك العاصمة القديمة في المدينة، ~~ونقل الأمويون مقر الخلافة والحكم طوال القرن التالي إلى دمشق، # 13 # وبذلك ابتعدوا بأنفسهم وبإدارة الدولة عن تأثير أهل الورع ~~في المدينة. وتمثلت المعارضة بعد ذلك في الأتقياء الورعين من ناحية، ~~والثوريين المتهمين بأنهم من أهل البدع (أي الشيعة والخوارج) من ناحية ~~أخرى، وذلك بعد أن شعر الطرفان بأنهم قد فقدوا وزنهم السياسي. ووصلت ~~المعارضة إلى حد الحرب الأهلية. ولم يقتصر الخوارج والشيعة على إعلان ~~خلفاء منافسين ينازعون الحكم الأموي بكل الوسائل، بل شاركهم في ذلك ~~قدامي الصحابة وأهل الورع. اتهم الخلفاء الأمويون من جانب خصومهم ~~بأنهم قد حولوا «خلافة رسول الله» إلى ملكية دنيوية، بل وثنية. والصحيح ~~أنهم خلعوا على الدولة الإسلامية طابعا جديدا، فقد ساروا على سياسة ~~الأسر الحاكمة التي يتعذر التوفيق بينها وبين مبدأ انتخاب الخليفة، ~~ونقلوا مقر حكمهم إلى دمشق بعيدا عن تأثير أهل الورع، واستلهموا ~~التراث البيزنطي الذي تجاوب تصوره عن الدولة العالمية تحت حكم الملك الشامل # 14 # مع طموحهم للقوة والسلطة، كما بدءوا أيضا في التعلم من ~~التقاليد القديمة للدولة الفارسية الكبرى. غير أنهم بالرغم من كل ذلك ms155 ~~لم يفكروا أبدا في التنكر للإسلام، بل كان العكس من ذلك هو الصحيح؛ ~~فقد شعر الخلفاء الأمويون بأنهم حملة رسالة أو أمانة تفرض عليهم أن ~~يثبتوا دعائم قوة الإسلام في الأرض ويبسطوا نفوذه ويتوسعوا فيه. لذلك ~~كان عليهم أن يعتبروا أي معارضة وأي محاولة للتمرد على حكمهم معارضة ~~للإسلام نفسه وتمردا عليه وتهديدا لوحدة الجماعة التي تقع تحت ~~قيادتهم. ومن هنا وقفوا في وجه خصومهم - سواء كانوا من أهل السنة ~~الورعين أو من فرق الشيعة والخوارج - بكل حزم وحاربوهم بكل قسوة. بل ~~إنهم لم يتورعوا عن فرض الحرب على المدينة ومكة، ومما له دلالة على ~~وحشيتهم الدموية أن القائد الأموي الحجاج بن يوسف لم يتردد، أثناء ~~حصاره لمكة في عام 72 بعد الهجرة، عن ضرب الحرم المكي بالمقاليع ~~الحجرية الضخمة، وذلك للقضاء على الخليفة المنافس عبد الله بن ~~الزبير. # كشفت الصراعات المريرة التي خاضتها جميع الأطراف عن مدى اهتمام ~~المؤمنين بمشكلة شرعية السلطة. وقد لعبت هذه المشكلة دورا أساسيا في ~~الحفز على الشروع في المناقشات الدينية، وبذل الجهود المضنية في صياغة ~~العقيدة الإسلامية. وإذا كان العلماء قد بدءوا في ذلك الوقت في جمع ~~الحديث النبوي الذي سيصبح مصدرا أساسيا لعلوم الدين والشريعة، فقد ~~كانت المواقف المختلفة في الصراعات السياسية عاملا حاسما في ~~ذلك. # وكان من الطبيعي أن يجد كل طرف من الأطراف المتصارعة، أو يوجد، ~~أحاديث تتفق مع وجهة نظره. فالجناح الورع من أهل السنة ينشر في المقام ~~الأول أحاديث تبين حدود الالتزام بواجب الطاعة. ومن هذه الناحية يوصف ~~المؤمن، الذي يسقط خلال الصراع مع الحاكم الظالم، بأنه شهيد. # 15 # ومن ناحية أخرى يروج أنصار الخليفة الأموي أن من خرج على ~~البيعة فقد خرج على الجماعة وهدد أمن المؤمنين، ولذلك يستحق أن يعتبر كافرا. # 16 # بل لقد نشأت فرقة كلامية تؤيد الأمويين وتبرر الطاعة ~~والإخلاص للخلفاء تبريرا دينيا، وهي فرقة المرجئة. والفكرة الأساسية ~~لهذه الفرقة تذهب إلى أن المسلم لا يمكن أن يفقد إيمانه بسبب وقوعه في ~~الإثم، وأن الحكم على الخارج على ms156 الجماعة الإسلامية ينبغي أن يؤجل إلى ~~يوم الدين. وهكذا يبقى الحاكم مسلما حتى ولو ارتكب الكبائر، كما تبقى ~~الجماعة مدينة له بالطاعة. # 17 # هذا التصور الذي ذهبت إليه المرجئة سرعان ما امتد تأثيره وتعاظم. فقد ~~تبناه من الناحية العملية الاتجاه الوسطي في الإسلام، وهو الاتجاه الذي ~~يسعى إلى التوسط بين وجهات النظر المتطرفة والتوفيق بينها. وهذا ~~الاتجاه لا يتجاهل آثام الحكام وخطاياهم، ولا ينكر المبادئ القديمة ~~التي تقوم عليها الدولة الإسلامية الشرعية. ولكنه يعلن أن نظام الدولة ~~ووحدة الجماعة يتطلبان أن يطيع الناس في كل الأحوال صاحب السلطة ~~الفعلي، حتى ولو كان من الناحية الشخصية أحط الناس وأحقرهم. «سلطان ~~(إمام أو أمير) ظالم غشوم خير من فتنة تدوم»، هكذا يقول نص حديث شريف ~~نشره أصحاب هذا الاتجاه الوسطي. # 18 # أو كما يقول نص آخر (ينسب - في رأي السيوطي - لعلي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه لا إلى النبي عليه السلام): «حتى مع الأمير ~~الآثم يؤمن الله الطرق. ويقاتل الأعداء في الجهاد، ويحصل الضرائب، وتحت ~~حكم أمير آثم تنفذ الحدود، ويتم الحج إلى مكة، ويستطيع المسلم حتى ~~وفاته أن يؤدي شعائر دينه.» # 19 # وإذا وجد المسلم أن هذا الموقف يتعارض مع واجبه في النهي ~~عن المنكر، فإن الحديث الشريف ينصفه ويعطيه الحق في الوقوف مع الواجب ~~ولو كان ذلك بقلبه وحده: «من رأى منكم منكرا فليغيره (أو فلينكره) ~~بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعف الإيمان.» # 20 # وأخيرا فإن السلطة من الله، وإذا أثمت، كان الأمر في ذلك ~~بينها وبين الله: «لا تسبوا الولاة: فإنهم إن أحسنوا كان لهم الأجر ~~وعليكم الشكر، وإن أساءوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر، وإنما هم نقمة ~~ينتقم الله بها ممن يشاء، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية والغضب، ~~واستقبلوها بالاستكانة والتضرع.» # 21 # والمعنى من كل ما سبق أن علماء الدين يحرمون على المؤمن ~~الخروج على الحاكم أو التمرد عليه، ويفرضون عليه الطاعة لأوامر السلطة ~~بغير أن يسأل عن شرعية هذه السلطة. صحيح أننا يمكن أن نفترض أن واجب ms157 ~~الطاعة لا ينسحب على الأوامر بالسيئات، ولكن هذا الجانب من جوانب ~~المشكلة كاد أن يسكت عنه، بل يبدو إلى حد كبير وكأنما أزيح عن الوعي، ~~وهكذا نشأ في الإسلام السني اتجاه واضح للخضوع للسلطة خضوعا يكاد أن ~~يكون غير مشروط، أي نشأت حالة «التقية» المبررة من الناحية ~~الدينية. # وتعاظم الاتجاه السني على مر التاريخ من خلال الجهود التي بذلها ~~علماء الدين للتوفيق بين النظرية والواقع، وذلك حرصا منهم على إنقاذ ~~النظرية، وبالتالي إنقاذ المثل الأعلى للدولة الدينية، ذلك أن الواقع ~~لم يقترب من المثال، بل أخذ يبتعد عنه بصورة مستمرة. كانت المشكلة في ~~البداية تتمثل في اصطدام الخلفاء الأمويين مع متطلبات المثل الأعلى ~~القديم للدولة الإسلامية، ودخولهم في صراع مع «أهل الورع» من علماء ~~الصحابة الذين شعروا بأنهم حفظة ذلك المثال والحراس عليه. ولما أسقط ~~العباسيون الدولة الأموية وانتزعوا الخلافة، حاولوا جاهدين - عن قصد ~~ووعي - أن يضفوا عليها الطابع الديني، وأن يتقربوا من أهل الورع ~~ويقربوهم من دولتهم. غير أنهم لم يرجعوا إلى المثل الأعلى القديم، بل ~~تخلوا عن مبدأ المساواة الإسلامي بأكثر مما فعل السابقون عليهم؛ إذ ~~ولوا وجوههم نحو التراث الفارسي القديم عن الدولة العظمى وتقاليدها، ~~ففصلوا بين الحكام والمحكومين وجعلوهما طبقتين منفصلتين. أضف إلى ذلك ~~تمزق الدولة وضياع وحدتها. فقد هرب أحد الأمويين إلى إسبانيا وأسس هناك ~~خلافة منافسة لم يكن من الممكن قهرها، إذ أثبتت قدرتها على البقاء. وفي ~~وقت لاحق أقام الفاطميون خلافة شيعية. ونشأت فضلا عن ذلك في أرجاء ~~العالم الإسلامي إمارات مستقلة بالفعل، وإن لم يمنعها ذلك من الاعتراف ~~الشكلي بالسلطة العليا للخليفة. وأخيرا أصبح الخلفاء العباسيون أنفسهم ~~في عاصمتهم بغداد تابعين تبعية صريحة للقواد الأجانب من المرتزقة الذين ~~كانوا قد لجئوا إليهم واستدعوهم لحمايتهم. وهكذا لم يكد يبقى شيء من ~~فكرة الدولة العالمية التي يفترض أن «خليفة» الله مكلف بحكمها بشرع ~~الله. # وقد بدأت الصياغة المنهجية للقانون الدستوري الإسلامي في غمرة هذا ~~التدهور التاريخي للدولة الإسلامية. وفي منتصف القرن الخامس للهجرة، ~~حوالي ms158 سنة 1030م، كتب القاضيان البغداديان الماوردي وأبو يعلى كتابين ~~شاملين عن قواعد الحكم أو - على حد تعبيرهما - عن الأحكام السلطانية. # 22 # في هذا الوقت الذي وضع فيه الكتابان كان قد مضى على ~~العباسيين ما يقرب من قرن كامل تحت وصاية البويهيين الذين كانوا من ~~الشيعة، ولم يكن لديهم أي مسوغ ديني مباشر للاعتراف بسلطة الخليفة ~~السني، حتى ولو كان ذلك على سبيل الاعتراف الشكلي. ولعل الخليفة كان ~~يحاول من جانبه التخلص من وصاية أولئك القواد والحكام الشيعة أو على ~~الأقل الحد من سلطاتهم. وقد بين المستشرق الإنجليزي «هاملتون جيب» ~~أن الماوردي ألف رسالته السابقة الذكر بناء على رغبة الخليفة. # 23 # أما رسالة «أبو يعلى»، التي لم يهتم بها البحث العلمي حتى ~~الآن اهتماما كافيا، فيبدو من الواضح أنها قد وضعت في السياق ~~التاريخي نفسه، وهي تتفق مع رسالة الماوردي اتفاقا كبيرا، وإن كانت ~~تؤكد في بعض المواضع وجهة نظر المذهب الحنفي - الذي ينتمي إليه أبو ~~يعلى - حيثما وجد اختلاف بينه وبين وجهة نظر المذهب الشافعي الذي يعبر ~~عنه الماوردي. وهناك أفكار مشابهة يمكن أن تجدها في كتابين تم تأليفهما ~~في التوقيت نفسه تقريبا، وهما كتابا عبد القاهر البغدادي # 24 # وابن حزم # 25 # الذي كان يعيش في الطرف الآخر من العالم الإسلامي وعاصر ~~بنفسه تفكك الدولة الأندلسية. وسوف نحاول في الصفحات التالية أن نستخلص ~~من الكتب السابقة الموقف العام لأهل السنة في تلك الحقبة ~~المهمة. # يلاحظ من المؤلفات السابقة ~~الذكر أن أصحابها قطعوا أشواطا لا بأس بها في محاولة التوفيق بين ~~المثل الأعلى للدولة الإسلامية وبين الواقع الفعلي. إنهم يحافظون من ~~الناحية المبدئية على مبدأ انتخاب الخليفة. ولكنهم يعترفون للخليفة إلى ~~جانب ذلك بحقه في تحديد خليفته، وهو ما يعد تبريرا للحكم الوراثي. ~~ولما وجدوا أن هذا كله لا يكفي لتفسير الإجراءات السائدة في «صناعة ~~الخلفاء»، فقد أمكنهم العثور على حلول أخرى؛ ففي موضوع الانتخاب كان ~~الشك يحيط دائما بإمكان مشاركة الشعب فيه، ولذلك تم التغاضي عنها ~~لأسباب عملية، وقصر حق الانتخاب على «أهل الحل ms159 والعقد» - وهو في ~~الحقيقة تعبير غامض، قصد به علماء الدين بوجه عام، بل عدد محدود منهم. ~~والغريب أن الماوردي يذهب إلى حد القول إن «شخصا واحدا» يكفي لانتخاب الخليفة. # 26 # أما ابن حزم فيرى أن يقتصر الحق في تحديد الخليفة على أقل ~~عدد ممكن من الأشخاص. # 27 # وأخيرا يصر أبو يعلى على تدخل «أهل الحل والعقد» جميعا ~~في هذا الأمر، ولكنه يخفف على الفور من إصراره عندما يقول إن انتخاب ~~الخليفة وتعيينه بموجب التعاقد يمكن الاستغناء عنهما معا. صحيح أنه ~~يطالب بحق «أهل الحل والعقد» في الموافقة على تعيين الخليفة، ولكنه ~~يوجب عليهم ألا يتأخروا في إعلان هذه الموافقة. # 28 # وهكذا يبرر كلا الرأيين في النهاية أي شكل من أشكال تعيين ~~الخليفة في منصبه، حتى ولو تم ذلك عن طريق القوة والقهر ... أما عن ~~الشروط الواجب توافرها في الخليفة، فإن المؤلفين المذكورين يتمسكون بما ~~قال به السابقون عن الخصائص والخصال المؤهلة لتولي الخلافة. ولكن «أبو ~~يعلى» وحده يبدي استعداده للاستغناء عن جميع الشروط باستثناء شرط واحد ~~هو ضرورة الانتماء لقريش - أما تفوق الخليفة وتميزه في العلم أو ~~التقوى والورع أو حتى في السلوك في حياته سلوكا لا غبار عليه - فإن كل ~~ذلك لا يبدو أمرا ضروريا عند «أبو يعلى». # 29 # ويرى العلماء الأربعة الذين وضعوا الكتب السابقة أن خلع الخليفة أمر ~~ممكن. وهم متفقون على ذلك في الحالات التي يصاب فيها الخليفة بعيب جسدي ~~أو مرض عقلي يجعله عاجزا عن أداء مهام منصبه. والواقع أن أقوالهم في ~~ذلك لم تكن مجرد أقوال علمية أو نظرية خالصة؛ إذ طالما اعتدى المغتصبون ~~للسلطة على بعض الخلفاء وسملوا أعينهم. # ويتحدث الماوردي والبغدادي وابن حزم عن ضياع هيبة الخلافة إذا كان ~~الخليفة فاجرا في حياته وسلوكه أو بدر منه ما يدل على الإلحاد أو ~~الخروج عن الشرع. # 30 # ولكن «أبو يعلى» يرى على العكس من ذلك أن هاتين الحالتين ~~لا تمنعان الخليفة من الاستمرار في منصبه. # 31 # أما في الحالات التي يفقد فيها الخليفة حريته، فإن ~~الماوردي وأبو يعلى يرجعان ms160 لوجهة النظر نفسها؛ فإذا وضع الخليفة تحت ~~وصاية أحد «معاونيه» - أي أحد القواد أو الوزراء - دون أن يظهر هذا ~~علانية، فإن الخلافة لا تضار من ذلك. وإذا تماشت أعمال «الوصي» مع ~~تعاليم الدين ومقتضيات العدل، فعلى الخليفة أن يقر هذه الأعمال حتى ~~لا يضار الشرع فتضار الجماعة. أما إذا لم يتيسر ذلك فيجب على الخليفة ~~أن يلتمس العون والمساعدة للتخلص من «الوصي» عليه، بهذا يكون خضوع ~~العباسيين للبويهيين قد تم تبريره، كما ينبه البويهيون في الوقت ~~نفسه بوضوح إلى أن وصايتهم على الخلافة لا يمكن أن يعترف بها ~~اعترافا غير مشروط، فالحبس المستمر في يد الأعداء يؤدي إلى فقد منصب ~~الخلافة. ويستثنى من ذلك أن يكون هؤلاء الأعداء من المسلمين الثائرين ~~الذين لم يعينوا عليهم خليفة بعد، فالأمر في هذه الحالة مشابه للحالة ~~السابقة التي يكون فيها الخليفة «تحت الوصاية»، أي إن على الخليفة أن ~~يقر بشرعية الأعمال التي يقوم بها قاهروه ولا تتعارض مع الدين. # 32 # واللافت للنظر حقا هو رأي الماوردي وأبو يعلى في أن من واجب ~~الخليفة أن يقر بالإمارة للغاصب (أي مغتصب السلطة) الذي ينجح في ~~السيطرة بالقوة على بلد ما، وذلك مرة أخرى للحفاظ على القانون والشرع، ~~ولسبب آخر كذلك، وهو حفز الغاصب على إعلان الطاعة. وإذا تصادف أن كان ~~الغاصب لا يصلح لتولي الإمارة، فينبغي أن يعين له معاون كفء يقوم ~~بالممارسة الفعلية للسلطة. والغريب أن الماوردي وأبو يعلى لا يقولان ~~لنا كيف يمكن الحد من سلطة الغاصب أو معاونه، فالواقع أن القاعدة ~~السارية هنا هي أن «الضرورات تبيح المحظورات». # 33 # هكذا سار أهل السنة - في سبيل ~~حماية الجهاز الإداري والنظام الشرعي والقانوني من أي اضطراب - على ~~طريق يؤدي إلى التضحية بالشرعية الحقيقية للرئيس الأعلى للدولة، ثم ~~استمر السير على هذا الطريق. # 34 # فعندما حل السلاجقة السنيون بعد ذلك بنصف قرن محل ~~البويهيين الشيعيين بحيث توافرت العناصر السنية التي يمكن أن تقوم ~~بالوصاية على الخليفة، نجد الإمام الغزالي نفسه يعترف بأن خليفة رسول ~~الله (أو خليفة الله ms161 كما يصفه الغزالي أحيانا) # 35 # قد أصبح في حالة تبعية كاملة لقوى أرضية أو دنيوية أخرى. ~~ولهذا يعلن أن افتقار الخليفة (أو الإمام ) للشروط المطلوبة فيه يمكن أن ~~يعوضه معاونون أكفاء، وأن حرمانه من الحمية والقدرة على القتال ~~يعوضه قائد شجاع، وقلة خبرته بفن الحكم والسياسة يعوضه وزير ~~محنك، وجهله بأمور الدين يعوضه من يقدم له الرأي والمشورة من أهل ~~العلم والورع. # 36 # وفي هذا كله يقول الغزالي في «الإحياء» (ما معناه): ~~«إن سلطة الحكم تعتمد الآن على القوة العسكرية وحدها، ومن يقف قائد ~~القوات في جانبه فهو الخليفة. ومن يملك زمام القوات في يده ويعترف، في ~~صلاة الجمعة وفي صك النقود، بالخليفة اعترافا مبدئيا فهو سلطان ~~يمارس الحكم والقضاء حسب الشرع.» ولكن الغزالي يستطرد بعد ذلك قائلا: ~~«إن السلطان الظالم ينبغي قبوله؛ إذا استطاع أن يستند إلى العسكر بحيث ~~يصعب خلعه، وإذا أدى تغيير الحكم إلى الفتنة الفظيعة، فيجب تركه في ~~مكانه والإقرار له بالطاعة.» # 37 # ولما أطاحت عاصفة المغول - بعد ذلك بقرنين من الزمان - بخلفاء بغداد ~~وطردتهم إلى القاهرة ليعيشوا فيها حياة بائسة، وجدنا الفقيه «ابن ~~جماعة» يسلم مقاليد الخلافة بغير قيد ولا شرط لأصحاب القوة، ويقول في ~~ذلك ما معناه: ~~«عندما يطمع في الخلافة من لا يستحقها، ويقهر الناس بقوته وقواته، ~~وذلك بغير اعتراف شرعي ولا دليل على خلافته، فينبغي الاعتراف بشرعيته ~~ووجوب الطاعة له، وذلك للحفاظ على نظام الجماعة الإسلامية ووحدتها. ~~وعندما يأتي شخص آخر ويقهر الأول بقوته وقواته، فإن الأول يخلع ويكون ~~الثاني هو الخليفة، وذلك على أساس ما بيناه من مصلحة الجماعة.» # 38 # ويحرص ابن جماعة من الناحية النظرية على المطالبة بأن يكون من حق ~~الخليفة تعيين الأمير الدنيوي، ولكنه بوجه عام يعتبره مسئولا أمام ~~الله مسئولية مباشرة. # 39 # هكذا يكون الاتجاه السني الأساسي في نظرية الدولة الإسلامية قد أفرغ ~~تصورها القديم من مضمونه، وهل بقي هناك معنى للقول إن الخليفة يحافظ ~~على شريعة الله إذا كان هذا الخليفة تابعا تبعية تامة للقوة المسيطرة؟ ~~الواقع أنه قد أصبح من ms162 الممكن الاستغناء عنه من الناحية العملية وتكليف ~~القائمين على السلطة الفعلية - مع ما في ذلك من تضحية بالوحدة السياسية ~~للإسلام - بالمحافظة على الشريعة. ولا بد أنه قد وجد - تحت حكم المغول ~~- من يرى أن الأمير الكافر العادل خير من الأمير المسلم المستبد بطغيانه، # 40 # أي إن الشريعة الإسلامية قد صارت مهددة بأن تحل محلها ~~شريعة غير إسلامية. بيد أن المسلمين لم يتعرضوا لهذا الخطر؛ لأن المغول ~~دخلوا في الإسلام، كما لم يبق في أرجاء العالم الإسلامي حاكم واحد لم ~~يدخل في الإسلام. وقد بذل بعض مفكري الإسلام، بعد أن فقدت الفكرة ~~القديمة عن الخلافة قيمتها، ما في وسعهم للإبقاء على ارتباط الأمراء بالشريعة، # 41 # كما أن المسلمين لم يكفوا أبدا من الناحية العملية عن ~~قياس السلطات المهيمنة عليهم بهذا المقياس، ولكن النتائج الملموسة التي ~~ترتبت على ذلك قد خيم عليها في معظم الأحيان ظل الفكرة الراسخة بأن ~~من الواجب إطاعة السلطة دون سؤال عن شرعيتها، كيف أمكن أن تتحول ~~الصراعات السياسية العنيفة في صدر الإسلام إلى هذه «التقية»؟ ... من ~~الممكن بطبيعة الحال أن نرجع ذلك لأسباب تاريخية. فالصراعات العنيفة ~~التي دارت في العصر الإسلامي المبكر بعثت في النفوس الخوف من تفكك ~~الجماعة الإسلامية وانتشار الفوضى والاضطراب، كما جعلت النظام والوحدة ~~هدفين جديرين بالسعي إلى تحقيقهما. ولم توجد في داخل الدولة المنظمة ~~والموحدة مؤسسات أو تنظيمات يمكن أن يلجأ إليها الناس وتكون أداة ~~لإرادتهم السياسية، ولما كان الإسلام منذ البداية دولة، فقد حال هذا ~~دون قيام تنظيم ديني، كالكنيسة المسيحية التي كانت في العصور الوسطى، ~~تواجه الدولة القائمة كقوة مضادة تراقبها وتعارضها في وقت واحد. أضف ~~إلى هذا أن الدولة الإسلامية لم توجد التنظيمات الكفيلة بتحقيق المبادئ ~~التي ارتكز عليها التصور القديم للدولة المثالية، فتتولى على سبيل ~~المثال تنظيم انتخاب الخليفة، وتعيين الأشخاص الذين يستشيرهم، أو تتولى ~~خلعه عند الضرورة من منصبه. وكان الجيش في البداية يمثل حلقة الوصل بين ~~الشعب والدولة، ثم جاء العباسيون وأقاموا جيشا من المرتزقة الأجانب ~~الذين زادوا من ms163 انفصال الشعب عن الدولة. ولما كانت أغلبية الأمراء ~~والسلاطين قد خرجت من صفوف هذا الجيش، فقد كان لذلك أكبر الأثر على ~~الرعية التي فقدت بالتدريج اهتمامها بالسلطة الحاكمة. وقد تأثر ~~العباسيون كذلك بالتقاليد الفارسية القديمة عندما أوجدوا طبقة ~~بيروقراطية من الموظفين الذين سعوا إلى تحقيق مصالحهم، وعملوا على فصل ~~الخلافة عن الشعب بدلا من أن يعملوا على الربط بينهما. # وينبغي علينا في هذا الموضع أن نقول كلمة عن تلك الفئة التي كتب ~~عليها فيما يبدو أن تكون حلقة وصل دائمة بين الشعب والحاكم، وأعني بها ~~فئة «العلماء» أو علماء الدين الذين يملكون الخبرة والقدرة على تفسير ~~الشرع، وهو حق ثابت لكل مسلم، والذين كان لهم الفضل - باعتبارهم أهل ~~الحل والعقد - في أن تؤثر «النظرية» في الواقع الفعلي وتقوم بدور مهم ~~في الحياة العامة. وقد رأينا كيف وقفت أغلبية «أهل الورع» أو العلماء ~~المبكرين موقف المعارضة للدولة الأموية. ولما حاول العباسيون بعد ذلك ~~أن يضفوا على دولتهم طابعا دينيا صريحا، بذلوا كل جهدهم في تقريب ~~العلماء منهم. وقد اهتموا قبل كل شيء بتأسيس دور للقضاء يشغل فيها ~~العلماء مناصب القضاة وينطقون فيها باسم الشرع، لكن هذا القضاء لم يكن ~~مؤسسة مستقلة تمام الاستقلال عن الخلافة، إذ كان القضاة خاضعين ~~لتعليمات السلطة. كذلك كان من عادة الخلفاء العباسيين أن يتدخلوا في ~~الخلافات والمناقشات الدينية والكلامية، ويحددوا ما يتفق مع الشرع وما ~~يخرج عليه، ويكافئوا الأتقياء الصالحين ويضطهدوا الزنادقة وأهل البدع. ~~صحيح أن هذا قد اجتذب الغالبية من فئة العلماء إلى صفوف الدولة، ولكنه ~~جعل منهم موظفين خاضعين وتابعين لإرادتها وأدوات لتحقيق أغراضها. ومع ~~ذلك كان هناك عدد كبير من «أهل الورع» الذين ابتعدوا بأنفسهم عن الدولة ~~ولم يقبلوا أن يكونوا أدوات لها. وعندما ضعفت الدولة وبدأت بالتدريج ~~تفقد قوتها وسلطتها، انصرف العلماء عن الوقوف بجانبها وأخذوا يسيرون في ~~طريقهم ويبحثون بأنفسهم عن رزقهم. وهكذا لم تؤد «السياسة الكنسية» - ~~كما يصفها جولدتسيهر # 42 ~~- التي انتهجها العباسيون إلى الاقتراب من المثل الأعلى ~~للدولة الإسلامية، بل ms164 مهدت لتلك الحقبة المتأخرة من العصر الوسيط ~~التي حاول فيها العلماء أن يحققوا هدف الإسلام ومطلبه الثابت - وهو ~~المحافظة على الشرع وعلى وحدة الجماعة بعيدا عن الانخراط في السياسة. ~~وقد رأى «جب» أن فشل العباسيين في إقامة دولة قوية حية على أساس فكرة ~~الخلافة هو السبب الرئيسي في فشل التصور الإسلامي القديم عن الدولة ~~بوجه عام، وفي انتصار نزعة التقية بوجه خاص في الإسلام، # 43 # مما جعل معظم العلماء وأهل الورع ينضوون تحت سقف كل سلطة، ~~حتى ولو كانت هي تلك التي لا تفكر أدنى تفكير في تحقيق المثل الأعلى ~~للدولة الإسلامية. # ومع ذلك فلم يخل الأمر أبدا من علماء أتقياء وشجعان لم يترددوا عن ~~توجيه النقد للسلطة، ولا عن التمسك ببسالة برأيهم وعقيدتهم ولو أدى ~~الأمر إلى استشهادهم. وأشهر الأمثلة على ذلك هو الموقف الصامد لأحمد بن ~~حنبل عندما وقف في وجه «محكمة التفتيش» العباسية التي حاولت أن ترغمه ~~على الاعتراف بأن القرآن الكريم مخلوق وليس قديما. ومع ذلك فإن أحمد ~~بن حنبل نفسه، الذي لا ينكر أحد شجاعته في تلك «المحنة»، قد رفض أن ~~يعلن غضبه على الخلفاء الذين اضطهدوه أو حتى أن يمتنع عن الاعتراف بهم، ~~وذلك على الرغم من أنهم كانوا في رأيه على ضلال. والواقع أن السياق ~~التاريخي لا يكفي وحده لتفسير هذا الموقف الذي يعد سابقة خطيرة أسهمت ~~بدور كبير في تطور النزعة إلى «التقية» في الإسلام. لذلك ينبغي علينا ~~الرجوع مرة أخرى إلى النظر في بعض العناصر الأساسية في الدين ~~الإسلامي. # وأول هذه العناصر هو عقيدة التوحيد الصارمة التي نشأ عنها النزوع ~~الأساسي في الإسلام إلى الوحدة والعالمية الشاملة، وهو عنصر متكامل مع ~~جوهر الإسلام نفسه بوصفه الدين الذي جاء معه بشريعة تنظم كل أعمال ~~الإنسان المؤمن وتحدد بذلك علاقته بالله. # والجماعة الواحدة ترتبط بالإله الواحد برباط نظام قانوني واحد هو ~~الشريعة التي يفترض في الخليفة وفي الدولة الدينية المثالية أن يحافظا ~~عليها. هذه الدولة - كما سبق القول - تمثل التجسيد الدنيوي للدين ~~الإسلامي. والواقع ms165 أنه لم يكن أمام العصر الإسلامي المبكر - على حد ~~تعبير جب - سوى اختيار أحد البديلين: فإما الدولة التي تحتكر السلطة، ~~وإما الفوضى والاضطراب. # 44 # ومن ثم كان أي تهديد لدولة الخلافة تهديدا مباشرا ~~للدين. وإزاء هذا الموقف رأى الكثيرون من أهل الورع أن من الضروري تحمل ~~كل شيء لتجنب مثل ذلك الخطر المهدد. وهذا الموقف مع موقف الأتقياء من ~~أهل الورع الذي ترتب عليه، قد تعاونا معا في الحيلولة دون التوصل من ~~الناحية العملية إلى تقسيم السلطات والفصل بينها، كما أنهما قد حالا في ~~وقت لاحق دون إقامة مؤسسات أو تنظيمات مستقلة بجانب دولة الخلافة، أو ~~حتى الاعتراف بالتنظيمات المحلية وما شابهها من منظمات كانت قائمة ~~بالفعل، وكان من الممكن أن تصبح نقط انطلاق مهمة لتكوين بناء سياسي فعال. # 45 # بيد أن التأثير الأعظم على الموقف السياسي للمسلم يأتي من فكرة القوة ~~في الإسلام. # 46 # فالله هو القادر على كل شيء، والإنسان يسلم له أمره كله ~~لعلمه أن كل شيء من عنده. ولهذا لا يحتاج إلى التفرقة بين القوة ~~والسلطة؛ من يملك القوة يملكها بإرادة الله، ومن ثم فهو يملك ~~السلطة أيضا، والقوة هي علامة ودليل على السلطة. ربما يذكرنا هذا إلى ~~حد ما بفكرة السلطة عند مارتن لوثر. ولكن المسيحية تفصل بين الدنيا ~~والدين، أي إن المسيحي يمكنه أن يفهم بسهولة أن السلطة الدنيوية ظالمة، ~~وذلك على الرغم من أن السلطة - كسلطة - إنما ترجع لإرادة الله ومشيئته. ~~أما الإسلام فإنه يتدخل في العالم ويريد أن يتحقق فيه سياسيا، ولهذا ~~يعتبر المسلم أن الدولة والدين شيء واحد، أو ينبغي أن يكونا كذلك. وحين ~~لا يجد مفرا من اعتبار السلطة ظالمة، فلا بد أن يبدو نظام العالم ~~في نظره شديد الاضطراب. وهكذا يدفعه هذا الموقف إلى البحث عن تبرير ~~لوجود السلطة لأطول مدة ممكنة. # لا شك في أن العرض السابق لموقف الإسلام «الكلاسيكي» من السلطة قد ~~لحقته تغييرات كثيرة على مر التاريخ، ولكنه لا يزال يحتفظ بأهميته ~~ومعناه بالنسبة للعالم الإسلامي المعاصر. وهو على ms166 أي حال يبين لماذا ~~تنظر الجماهير المرتبطة بالتراث في العالم الإسلامي إلى الدولة نظرتها ~~إلى سلطة أبوية في بعض الأحيان، أو إلى قوة معادية في أحيان أخرى، وذلك ~~دون أن ترى بصيص أمل في قدرتها على تغييرها. وربما يفسر العرض السابق ~~أيضا لماذا تخضع هذه الجماهير للدولة على الرغم من أنها لا تلبي ~~مصالحهم، ولماذا يقابلون الثورات والانقلابات بعدم اكتراث. ونرجو من ~~هذه الناحية أن يلقي البحث شيئا من الضوء على تركيب الدول الحديثة في ~~الشرق الإسلامي، وربما يساعد أيضا على فهم مشكلة هذا التركيب والأسباب ~~التي جعلته شديد التعقيد والصعوبة. # | المصادر والمراجع # أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، كتاب الخراج. # أبو عبيد القاسم بن سلام، كتاب الأموال. # أحمد بن يحيى البلاذري، فتوح البلدان. # خليفة بن خياط، تاريخ ابن خياط. # محمد بن سعد، الطبقات الكبرى. # محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك. # أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي. # C. B rockelmann, Geschichte der Islamischen ~~Volker und Staaten, Munchen-Berlin ~~1943. # C. Cahen. Der Islam, Bd. I, Vom Ursprung ~~bis Zu den Anf?ngen des Osmanen-reiches, Frankfurt 1968 ~~(Fischer-Weltgeschichte, Bd. 14). Ph. K. Hitti, History of the Arabs from the ~~earliest times to the Present, London ~~196. Ph. K. Hitti, Makers of Arab History, ~~New-york 1968. # G. Levi della Vida, Omar b. al-Khattab, in: ~~Enzyklo padie des Islam, Bd. 3, Leiden - Leipzig ~~1936. # A. Muller, der Islam in Morgen - und ~~Abendland in: Allgemeine Geschichte in Einzel - ~~Darstellungen. #.4. Hrsg. von W. Bncken, Berlin 1885, ~~87. # K. de Planhol, Les Fondements geographique ~~de L, Islam, Paris 1968. # G. R. Puin, Der Diwan von Umar ibn ~~al-Khattab. Ein Beitrag zur Fruh islamischen ~~Verwaltungsgeshichte, Diss. Bonn ~~197. # B. Spuler, Geschichte der islamischen Lan ~~der, I. Absch nitt: Die chalifevzeit. Entstehung und ~~Zerfall des islamischen Welt Reichs, Leiden 1952 ~~(Handbuch der Orientalistik 4, ~~1). # F. Teschner, Geschichte der arabischen ~~Welt, Stuttgart 1964. # W. M. Watt, Islam and the Integration of ~~Society, London 1961. # J. Wellhau sen, Das Arabische Reich und ~~sein Sturz, Berlin 196. ms167