#####OpenITI# #META# title: متن فصوص الحكم #META# author: محي الدين ابن العربي #META# source: https://ibnalarabi.com/fusus/matn.php #META#Header#End# ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب # خطبة كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محمد ابن العربي الطائي الحاتمي # بِسم اللَّهِ الرحمن الرحِيم‏ # الحمد للَّه منزل الحِكَم على قلوب الكَلِم بأحديَّة الطريق الأمَم من المقام ~~الأقدم وإن اختلفت النحل والملل لاختلاف الأمم. وصلى اللَّه على مُمِدِّ الهمم، من ~~خزائن الجود والكرم، وبالقيل الأقوم، محمد وعلى آله وسلم . # أما بعد: فإني رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم في مُبشِّرة أُرِيتُها ~~في العشر الآخِر من محرم‏ سنة سبع وعشرونَ وستمائة بمحروسة دمشق، وبيده صلى اللَّه ~~عليه وآله وسلم كتاب، فقال لي: هذا «كتاب فصوص الحكم» خذه واخرج به إلى الناس ~~ينتفعون به، فقلت: السمع والطاعة للَّه ولرسوله وأولي الأمر منا كما أُمِرْنا. ~~فحقَّقْتُ الأمنية وأخلصت النيَّة وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما ~~حدَّه لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم من غير زيادة ولا نقصان، وسألت ~~اللَّه تعالى أن يجعلني فيه وفي جميع أحوالي من عباده الذين ليس للشيطان عليهم ~~سطانٌ، وأن يَخُصَّني في جميع ما يرقمُهُ بَنَانِي وينطق به لساني وينطوي عليه ~~جَناني بالإلقاء السُّبُوحي والنَّفْث الروحي في الرُّوعِ النفسي بالتأييد ~~الاعتصامي، حتى أكون مترجمأ لا متحكماً، ليتحقق من يقف عليه من أهلِ اللَّه أصحاب ~~القلوبِ‏ أنه من مقام التقديس المنزَّه عن الأغراض‏ النفسية التي يدخلها التلبيس. # وأرجو أن يكون الحق‏ لمَّا سمع دعائي قد أجاب ندائي، فما أُلقي إلا ما يُلْقِي ~~إليَّ، ولا أُنزل في هذا المسطور إلَّا ما ينزِّل به عليَّ. ولست بنبيّ رسول ~~ولكنِّي وارث ولآخرتي حارث. # فمن اللَّه فاسمعو %~% وإلى اللَّه فارجعوا # فإذا ما سمعتم م %~% أتيت به فَعُوا # ثم بالفهم فَصِّلو %~% مجمل القول وأجمعوا # ثم مُنُّوا به على‏ %~% طالبيه لا تمنعوا # هذه الرحمة التي‏ %~% وَسِعتكم فوسِّعوا # ومن اللَّه أرجو أن أكون ممن أُيِّد فتأيد وقُيِّد بالشرع المحمدي المطهّر فتقيد ~~وقيَّد، وحشرنا في زمرته كما جعلنا من أمته. # فأول ما ألقاه المالك على العبد من ذلك: # . # %~% الموضوع الســـابق ### | فص حكمة إلهية في كلمة آدمية ### | 01- فص حكمة إلهية في كلمة آدميَّة للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ~~، وإن شئت قلت أن يرى عينه، في كونٍ جامع يحصر الأمر كلَّه‏ ، لكونه متصفاً ~~بالوجود، ويظهر به سرّه إليه: فإن رؤية الشي‏ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته‏ نَفْسَه ~~في أمرٍ آخر يكون له كالمرأة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه ~~مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجلّيه له . # وقد كان الحق سبحانه‏ أوْجَد العالم كله وجود شبحٍ مَسوًّى‏ لا روح فيه، فكان ~~كمرآة غير مجلوَّة. ومن شأن الحُكمْ الإلهي أنه ما سوَّى محلًأل ويقبل‏ روحاً ~~إلهيّا عَبّر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة ~~لقبول الفيض التجلي‏ الدائم الذي لم يزل ولا يزال. وما بَقي إلا قابلٌ، والقابل لا ~~يكون إلا من فيضه الأقدس . فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه، «وَ إِلَيْهِ ~~يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ»، كما ابتدأ منه. فاقتضى الأمرُ جلاء مرآة العالم، فكان ~~آدم عينَ جلاء تلك المرآة و روح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة ~~التي هي صورة العالم المعبَّر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير». # فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية. فكل قوة ~~منها محجوبة بنفسهألا ترى أفضل من ذاتها، وأَنَّ فيها، فيما تزعم، الأهلية لكل منصب ~~عالٍ ومنزلة رفيعة عند اللَّه، لما عندها من الجمعية الإلهية مما يرجع من ذلك إلى ~~الجناب‏ الإلهي، وإلى جانب حقيقة الحقائق، و- في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف- إلى ~~ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله . # وهذألا يعرفه عقل بطريق نظر فكري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف ~~إلهي منه يُعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه. فسمِّي هذا المذكور إنسان ~~وخليفة، فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحصره‏ الحقائق كلّها. وهو للحق بمنزلة إنسان ~~العين من العين الذي يكون به‏ النظر، وهو المعبَّر عنه بالبصر. فلهذا سمي إنساناً ~~فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم . # فهو الإنسان الحادث الأزلي والنش‏ء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة ، ~~قيام‏ العالم بوجوده، فهو من العالم كفصّ الخاتم من الخاتم، وهو محل النقش‏ ~~والعلامة التي بها يختم بها الملك على خزانته. وسماه خليفة من أجل هذا، لأنه تعالى ~~الحافظ به خلقَه‏ كما يحفظ الختم الخزائن. فما دام ختم الملك عليهألا يجسر أحد على ~~فتحهألا بإذنه فاستخلفه في حفظ الملك‏ فلا يزال العالم محفوظاً ما دام فيه هذا ~~الإنسان الكامل. ألا تراه إذا زال و فُكَّ من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه ~~الحق فيه وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعض، وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان خَتْماً ~~على خزانة الآخرة ختماً أبديّاً ؟ فظهر جميع ما في الصور الإلهية من الأسماء في هذه ~~النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة للَّه ~~تعالى على الملائكة. فتحفَّظْ فقد وعظك اللَّه بغيرك، سأنظر من أين أُتي على من ~~أُتي عليه‏ . فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، ولا وقفت مع ما ~~تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ~~ذاتُهُ، وليس للملائكة جمعية آدم، ولا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها، وسبحت ~~الحق به وقدسته، وما علمت أن للَّه أسماءً ما وصل علمها إليها، فما سبحته به ولا ~~قدَّسته تقديس آدم . فغلب عليها ما ذكرناه، وحكم عليها هذا الحال فقالت من حيث ~~النشأة: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها»؟ وليس إلا النزاع وهو عين ما وقع ~~منهم. فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق. فلو لا أن نشأتهم تعطي ذلك ما ~~قالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون. فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، ولو علموا ~~لعُصِمُوا. ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح ~~والتقديس. وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبحت ربها به ~~ولا قدسته عنها تقديس آدم وتسبيحه. # فوصف الحق لنا ما جرى‏ لنقف عنده ونتعلم الأدب مع اللَّه تعالى فلا ندَّعي ما نحن ~~متحققون به وحاوون عليه‏ بالتقييد، فكيف أن‏ نُطْلِق في الدعوى فنعمَّ بها ما ليس ~~لنا بحال ولا نحن‏ منه على علم فنفتضح؟ فهذا التعريف الإلهي مما أدَّب الحق به ~~عبادَه الأدباءَ الأمناءَ الخلفاءَ. ثم نرجع إلى الحكمة فنقول: اعلم أن الأمور ~~الكلية وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي ~~باطنة- لا تزال- عن الوجود العيني . # ولها الحكم والأثر في كل ما له وجود عينيٌ، بل هو عينهألا غيرها أعني أعيان ~~الموجودات العينية، ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها. ف هي الظاهرة من حيث أعيان ~~الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليتهَا. فاستناد كل موجود عيني لهذه الأمور ~~الكلية التي لا يمكن رفعها عن العقل، ولا يمكن وجودها في العين‏ وجوداً تزول به عن ~~أن تكون معقولة. وسواء كان ذلك الوجود العيني مؤقت وغير مؤقت، نسبة المؤقت وغير ~~المؤقت إلى هذا الأمر الكلي المعقول نسبة واحدة. غير أن هذا الأمر الكلي يرجع إليه ~~حكمٌ من الموجودات العينية بحسب ما تطلبه حقائق تلك الموجودات العينية، كنسبة العلم ~~إلى العالم، والحياة إلى الحي. فالحياة حقيقة معقولة والعلم حقيقة معقولة متميزة عن ~~الحياة ، كما أن الحياة متميزة عنه. ثم نقول في الحق تعالى إن له علم وحياة فهو ~~الحي العالم. # ونقول في المَلَك‏ إن له حياة وعلماً فهو العالم والحي. ونقول في الإنسان إن له ~~حياة وعلماً فهو الحي العالم. وحقيقة العلم واحدة، وحقيقة الحياة واحدة، ونسبتها ~~إلى العالم و الحي نسبة واحدة. ونقول في علم الحق إنه قديم، وفي علم الإنسان إنه ~~محدث. فانظر ما أحدثته الإضافة من الحكم في هذه الحقيقة المعقولة، وانظر إلى هذا ~~الارتباط بين المعقولات والموجودات العينية. # فكما حَكَمَ العلمُ على مَنْ قام به أنْ يقال فيه‏ عالم، حكم‏ الموصوف به على ~~العلم أنه‏ حادث في حق الحادث، قديم في حق القديم. فصار كل واحد محكوماً به محكوماً ~~عليه. # ومعلوم أن هذه الأمور الكلية وإن كانت معقولة فإنها معدومة العين موجودة الحكم، ~~كما هي محكوم عليها إذا نسبت إلى الموجود العيني. فتقبل‏ الحكم في الأعيان الموجودة ~~ولا تقبل التفصيل ولا التجزّي فإن ذلك محال عليها، فإنها بذاتها في كل موصوف بها ~~كالإنسانية في كل شخص من هذا النوع الخاص لم تتفصَّل‏ و لم تتعدَّد بتعدد الأشخاص ~~ولا برحت معقولة. وإذا كان الارتباط بين من له وجود عيني وبين من ليس له وجود عيني ~~قد ثبت، وهي نسب‏ عدمية، فارتباط الموجودات بعضها ببعض أقرب أن يعقل لأنه على كل ~~حال بينها جامع- وهو الوجود العيني- وهناك فما ثَمَّ جامع. وقد وُجِدَ الارتباط ~~بعدم الجامع فبالجامع أقوى وأحق. ولا شك أن المحدث قد ثبت حدوثه وافتقاره إلى محدِث ~~أحدثه لإمكانه لنفسه. فوجوده من غيره، فهو مرتبط به ارتباط افتقار. ولا بد أن يكون ~~المستندُ إليه واجبَ الوجود لذاته غنياً في وجوده بنفسه غير مفتقر، وهو الذي أعطى ~~الوجود بذاته لهذا الحادث فانتسب إليه. ولما اقتضاه لذاته كان واجباً به. ولما كان ~~استنادُه إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شي‏ء ~~من اسم وصفة ما عدا الوجوبَ الذاتيَّ فإن ذلك لا يصح في الحادث وإن كان واجب الوجود ~~ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه. ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره ~~بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث وذكر أنه أرانا آياته فيه ~~فاستدللنا بنا عليه. فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص ~~الذاتي . فلما علمناه بن ومنا نَسَبْنَا إليه كل ما نسبناه إلينا. # وبذلك وردت الإخبارات‏ الإلهية على ألسنة التراجم إلينا. فوصف نفسه لنا بنا: فإذا ~~شهدناه شهدنا نفوسنا، و إذا شَهِدَنَا شهد نفسه. ولا نشك أنّا كثيرون بالشخص ~~والنوع، وأن وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعاً أن ثَمَّ فارقاً به تميزت ~~الأشخاص بعضها عن بعض، و لو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد. # فكذلك أيضاً، وإن وَصَفَنَا بما وصف‏ نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، وليس‏ ~~إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقف وجودنا عليه لإمكانن وغناه عن مثل ما افتقرنا ~~إليه. فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن ~~عدم. فلا تُنسَبُ إليه الأوليّة مع كونه الأول. # ولهذا قيل فيه الآخِر. فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون ~~الآخِرَ للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها. وإنما ~~كان آخراً لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوّليته، ~~والأول في عين آخريّته . # ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن‏ ، فأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك ~~الباطنَ بغيبن والظاهر بشهادتنا. ووصف نفسه بالرض والغضب، وأوجد العالم ذا خوف ~~ورجاء فيخاف غضبه ويرجو رضاه. # ووصف نفسه بأنه جميل وذو جلال فأوجَدَنَا على هيبة وأُنْسٍ. وهكذا جميع ما ينسب ~~إليه تعالى ويُسَمّى به. فعبّر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق ~~الإنسان الكامل لكونه الجامعَ لحقائق العالم ومفرداته. فالعالم شهادة و الخليفة ~~غيب، ولذا تحجَّبَ‏ السلطان. ووصف الحق نفسه بالحُجُب الظلمانية وهي الأجسام ~~الطبيعية، والنورية و هي الأرواح اللطيفة. فالعالم‏ بين‏ كثيف ولطيف، وهو عين ~~الحجاب على نفسه، فلا يدرك الحقَّ إدراكَه نَفْسَه . فلا يزال في حجاب لا يُرْفَع ~~مع علمه بأنه متميز عن موجِده بافتقاره. ولكن لا حظَّ له في الوجوب‏ الذاتي الذي ~~لوجود الحق، فلا يدركه أبداً. فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق ~~وشهود، لأنه لا قَدَم للحادث في ذلك. فما جمع اللَّه لآدم بين يديه إلا تشريفاً. ~~ولهذا قال لإبليس: «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ»؟ وما هو ~~إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم وصورة الحق، وهما يدا الحق. و إبليس جزء من ~~العالم لم تحصل له هذه الجمعية. ولهذا كان آدم خليفة فإن‏ لم يكن ظاهراً بصورة من ~~استخلفه فيما استخلفه‏ فيه فما هو خليفة، وإن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا ~~التي اسْتُخْلِفَ عليها- لأن استنادها إليه فلا بدّ أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه- ~~وإلا فليس بخليفة عليهم. فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة ~~من حقائق العالم وصُوَرِه‏ وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى، ولذلك قال فيه ~~«كنت سمعه وبصره» ما قال كنت عينه وأُذُنَهُ: ففرّق بين الصورتين. وهكذا هو في كل ~~موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود. ولكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة، ~~فما فاز إلا بالمجموع. # ولو لا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لو لا تلك ~~الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكمُ في الموجودات العينيَّة. ومن هذه الحقيقة كان ~~الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده: # فالكل مفتقر ما الكل مستغن‏ %~% هذا هو الحق قد قلناه لا نَكني‏ # فإن ذكرت غنيّألا افتقار به‏ ‏ %~% فقد علمت الذي بقولنا نَعْنِي‏ # فالكل بالكل مربوط فليس له‏ ‏ %~% عنه انفصالُ خذوا ما قلته عني # فقد علمت حكمة نشأة آدم أعني صورته الظاهرة، وقد علمت نشأة روح آدم أعني صورته ~~الباطنة، فهو الحق الخلق‏ . وقد علمت نشأة رتبته وهي المجموع الذي به استحق ~~الخلافة. فآدم هو النفس الواحدة التي خلق منها هذا النوع الإنساني، وهو قوله تعالى: ~~«يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ~~وخَلَقَ مِنْها زَوْجَه وبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِير ونِساءً». فقوله‏ اتَّقُوا ~~رَبَّكُمُ‏ اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم، واجعلوا ما بطن منكم، وهو ربكم، وقاية ~~لكم: فإن الأمر ذمٌ و حمدٌ: فكونوا وقايته في الذم واجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا ~~أدباء عالمين . # ثم إنه سبحانه وتعالى أطْلَعَهُ على ما أوْدع فيه وجعل ذلك في قبضتَيْه: # القبضةُ الواحدة فيها العالم، والقبضة الأخرى فيها آدم وبنوه. وبيَّن مراتبهم ~~فيه. # قال رضي اللَّه عنه: ولما أطلعني اللَّه سبحانه وتعالى في سري على ما أودع في هذا ~~الإمام الوالد الأكبر، جعلت في هذا الكتاب منه ما حدَّ لي لا ما وقفت عليه، فإن ذلك ~~لا يسعه كتاب ولا العالم الموجود الآن. فمما شهدته مما نودعه في هذا الكتاب كما ~~حَدّه‏ لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: # حكمة إلهية في كلمة آدمية، وهو هذا الباب. # ثم حكمة نفثية في كلمة شيئية. # ثم حكمة سبُّوحيَّة في كلمة نُوحِيَّة. # ثم حكمة قدوسية في كلمة إدريسيَّة. # ثم حكمة مُهَيَّميَّة في كلمة إبراهيمية. # ثم حكمة حَقية في كلمة إسحاقية. # ثم حكمة عليَّة في كلمة إسماعيلية. # ثم حكمة روحية في كلمة يعقوبية. # ثم حكمة نورية في كلمة يُوسفية. # ثم حكمة أحدية في كلمة هودية. # ثم حكمة فاتحية في كلمة صالحية. # ثم حكمة قلبية في كلمة شُعَيبيَّة. # ثم حكمة ملكية في كلمة لوطية. # ثم حكمة قَدَرِية في كلمة عُزَيْرية. # ثم حكمة نبوية في كلمة عيسوية. # ثم حكمة رحمانية في كلمة سليمانية. # ثم حكمة وجودية في كلمة داودية. # ثم حكمة نَفَسِيَّة في كلمة يونسية. # ثم حكمة غيبية في كلمة أيوبية. # ثم حكمة جلالية في كلمة يحياوية. # ثم حكمة مالكية في كلمة زكرياوية. # ثم حكمة إيناسية في كلمة إلياسية. # ثم حكمة إحسانية في كلمة لقمانية. # ثم حكمة إمامية في كلمة هارونية. # ثم حكمة علوية في كلمة موسوية. # ثم حكمة صمدية في كلمة خالدية. # ثم حكمة فردية في كلمة محمدية. # وفص كل حكمة الكلمة التي تنسب‏ إليها. فاقتصرت على ما ذكرته من‏ هذه الحِكَم في ~~هذا الكتاب على حد ما ثبت في أم الكتاب. فامتثلت ما رسم لي، ووقفت عند ما حُدَّ لي، ~~ولو رمت زيادة على ذلك ما استطعت، فإن الحضرة تمنع من ذلك و اللَّه الموفق لا رب ~~غيره. # ومن‏ ذلك # . # %~% ### | فص حكمة نفثية في كلمة شيثية ### | 02 - فص حكمة نفثية في كلمة شيثيَّة للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # اعلم أن العطاي والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم على ~~قسمين: منها ما يكون عطايا ذاتية وعطايا أسمائية وتتميز عند أهل الأذواق، كما أن ~~منها ما يكون عن سؤال في معيَّن وعن سؤال غير معيّن. # ومنها مألا يكون عن‏ سؤال سواء كانت الأعطية ذاتية وأسمائية. # فالمعيَّن كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعيِّن أمراً مألا يخطر له سواه وغير ~~المعيّن كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي- من غير تعيين- لكل جزء من ذاتي من لطيف ~~وكثيف. # والسائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا. # والصنف الآخر بعثه على السؤال لِمَا علم أنَّ ثَمَّ أموراً عند اللَّه قد سبق ~~العلم بأنهألا تُنَال إِلا بعد السؤال‏ ، فيقول: فلعل‏ ما نسأله فيه‏ سبحانه يكون ~~من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان: وهو لا يعلم ما في علم ~~اللَّه ولا ما يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل ~~زمانٍ فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان. # ولو لا ما أعطاه الاستعدادُ السؤالَ ما سأل. # فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون‏ فيه، ~~فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان وأنهم ما قبلوه إِلا ~~بالاستعداد. # وهم صنفان: صنف يعلمون مِنْ قبولهم استعدادَهم، وصنف يعلمون من استعدادهم ما ~~يقبلونه. هذا أتَمُّ ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف. ومن هذا الصنف من ~~يسأل لا للاستعجال ولا للإِمكان، وإِنما يسأل امتثالًا لأمر اللَّه في قوله تعالى: ~~«ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ». # فهو العبد المحض، وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه من معيَّن وغير معين، ~~وإِنما همته في امتثال أوامر سيِّده. فإِذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية و إِذا ~~اقتضى التفويض والسكوت سكت فقد ابتُلِيَ أيوب عليه السلام وغيره وما سألوا رفع ما ~~ابتلاهم اللَّه تعالى به، ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه ~~اللَّه عنهم. # والتعجيل بالمسئول‏ فيه‏ والإبطاء للقَدَرِ المعين له عند اللَّه. # فإِذا وافق السؤالُ الوقتَ أسرع بالإجابة، وإِذا تأخر الوقت إِما في الدني وإِما ~~إِلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبَّيك من اللَّه ~~فافهم هذا. # وأما القسم الثاني وهو قولنا: «و منها مألا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال ~~فإِنما أُريد بالسؤال التلفظ به، فإِنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إِما باللفظ و ~~بالحال وبالاستعداد. # كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إِلا في اللفظ، وأما في المعنى فلا بد أن يقيده ~~الحال. فالذي يبعثك على حمد اللَّه هو المقيِّد لك باسمِ فِعْلٍ و باسم تنزيه. ~~والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ويشعر بالحال لأنه يعلم الباعث وهو الحال. # فالاستعداد أخفى سؤال . وإِنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن اللَّه فيهم سابقة ~~قضاء. # فهم‏ قد هيَّئوا مَحَلّهم لقبول ما يرد منه وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم‏ . # ومن هؤلاء من يعلم أنّ علم اللَّه به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت ~~عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إِلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما ~~كان عليه في حال ثبوته، فيعلم‏ علم اللَّه به من أين حصل. # وما ثَمَّ صنف من أهل اللَّه أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سِرِّ ~~القدر وهم على قسمين: منهم من يعلم ذلك مجملًا، ومنهم من يعلمه مُفَصَّلًا، والذي ~~يعلمه مفصلًا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملًا، فإِنه يعلم ما في علم اللَّه فيه ~~إِما بإِعْلام اللَّه إِياه بما أعطاه عينُه من العلم به، وإما أن يكشف له عن‏ عينه ~~الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إِلى‏ مألا يتناهى‏ وهو أعلى: فإِنه يكون في علمه ~~بنفسه بمنزلة علم اللَّه به لأن الأخذ من معدن واحد إِلا أنه من جهة العبد عناية من ~~اللَّه سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إِذا أطْلَعَه اللَّه ~~على ذلك، أي أحوال عينه، فإِنه ليس في وسع المخلوق‏ إِذا أطْلَعَه اللَّه على أحوال ~~عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطَّلع في هذه الحال على اطلاع الحق ~~على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نِسَب ذاتية لا صورة لها. # فبهذا القدْر نقول إِن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه‏ المساواة في إِفادة ~~العلم. ومن هنا يقول اللَّه تعالى: «حَتَّى نَعْلَمَ» وهي كلمة محققة المعنى ما هي ~~كما يتوهمه من ليس له هذا المشْرَب. # وغاية المنزه أن يجعل‏ ذلك الحدوث في العلم للتعلق‏ ، وهو أعلى وجه يكون للمتكلم ~~بعقْله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائداً على الذات فجعل التعلق له لا ~~للذات. وبهذا انفصل عن المحقق من أهل اللَّه صاحبِ الكشف والوجود . # ثم نرجع إِلى الأعطيات فنقول: إِن الأعطيات إِما ذاتية وأسمائية. # فأما المِنَح و الهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدألا عن تجل إِلهي. # والتجلي من الذات لا يكون أبدألا بصورة استعداد المتجلَّي‏ له وغير ذلك لا يكون. # فإِذن المتجلَّي له ما رأى سِوَى صورته في مرآة الحق، وما رأى الحق ولا يمكن أن ~~يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إِلا فيه: كالمرآة في الشاهد إِذا رأيت الصورة ~~فيهألا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصُّوَرَ وصورتك إِلا فيها. # فأبرز اللَّه ذلك مثالًا نصبه لتجليه الذاتي‏ # ليعلم المتجلَّى له أنه‏ ما رآه. وما ثَمَّ مثال أقرب ولا أشبَه بالرؤية والتجلي ~~من هذا. # وأجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرْم المرآة لا تراه أبداً ~~البتة حتى إِن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إِلى أن الصورة المرئية بين ~~بصر الرائي وبين المرآة. # هذا أعظم ما قَدَرَ عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إِليه. # وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإِذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية ~~في حق المخلوق. # فلا تطمع و لا تتعب نفسك في أن ترقى في‏ أعلى من هذا الدرج‏ فما هو ثَمَّ أصلًا، ~~وما بعده إِلا العدم المحض. # فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته‏ أسماءه وظهور أحكامه وليست سوى ~~عينه. # فاختلط الأمر وانبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: «و العجز عن درك الإدراك إِدراك، ~~ومنا من علم فلم يقل مثل هذ وهو أعلى القول، بل أعطاه العلمُ السكوتَ، ما أعطاه ~~العجز. # وهذا هو أعلى عالمٍ باللَّه. # و ليس هذا العلم إِلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء و ~~الرسل إِلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إِلا من مشكاة الولي‏ ~~الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه- متى رأوه- إِلا من مشكاة خاتم الأولياء: فإِن ~~الرسالة والنبوة- أعني نبوة التشريع، ورسالته- تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً. # فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إِلا من مشكاة خاتم الأولياء ، ~~فكيف من دونهم من الأولياء؟ # وإِن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك ~~لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إِليه، فإِنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه ~~يكون أعلى. # وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إِليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم‏ ~~فيهم، وفي تأبير النخل. # فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شي‏ء وفي كل مرتبة، وإِنما نظرُ الرجال ~~إِلى التقدم في رتبة العلم باللَّه: هنالك مطلبهم. # و أما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها، فتحقق ما ذكرناه. ولمَّا مثّل النبي ~~صلى اللَّه عليه وسلم النبوة بالحائط من اللَّبِن وقد كَمُلَ سوى موضع لبنَة، فكان ~~صلى اللَّه عليه وسلم تلك اللبنة. غير أنه صلى اللَّه عليه وسلم لا يراها كما قال ~~لبِنَةً واحدةً. # وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا، فيرى ما مثله به رسول اللَّه صلى ~~اللَّه عليه وسلم، ويرى في الحائط موضع لبنَتين‏ ، واللّبِنُ من ذهب وفضة. فيرى ~~اللبنتين اللتين‏ تنقص الحائط عنهم وتكمل بهما، لبنة ذهب ولبنة فضة. # فلا بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين، فيكون خاتم الأولياء تينك ~~اللبنتين. # فيكمل الحائط. # والسبب الموجِب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر وهو موضع ~~اللبنة الفضة ، وهو ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو آخذ عن‏ اللَّه في السر ~~ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه، لأنه يرى الأمر عَلَى ما هو عليه، فلا بد أن يراه ~~هكذ وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن، فإِنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك ~~الذي يوحي‏ به إِلى الرسول. # فإِن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع بكل شي‏ء . # فكل نبي من لدن آدم إِلى آخر نبي ما منهم أحد يأخذ إِلا من مشكاة خاتم النبيين، و ~~إِن تأخر وجود طينته، فإِنه بحقيقته موجود، وهو قوله صلى اللَّه عليه وسلم: «كنت ~~نبي و آدم بين الماء والطين». # وغيره من الأنبياء ما كان نبياً إِلا حين بُعِثَ. # وكذلك خاتم الأولياء كان ولي وآدم بين الماء والطين، وغيره من الأولياء ما كان ~~وليألا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الاتصاف بها من كون اللَّه ~~تعالى تسمّى «بالولي الحميد ». # فخاتم الرسل من حيث ولايته، نسبته‏ مع الخاتم للولاية نسبة الأنبياء والرسل معه، ~~فإِنه الولي الرسول النبي. # وخاتم الأولياء الولي الوارث الآخذ عن الأصل المشاهد للمراتب. # وهو حسنة من حسنات خاتم المرسل محمد صلى اللَّه عليه وسلم مقدَّمِ الجماعة وسيد ~~ولد آدم في فتح باب الشفاعة. # فعيّن حالًا خاصاً ما عمم. وفي هذا الحال الخاص تقدم على الأسماء الإلهية ، فإِن ~~الرحمن ما شفع‏ عند المنتقم في أهل البلاء إِلا بعد شفاعة الشافعين. ففاز محمد صلى ~~اللَّه عليه و سلم بالسيادة في هذا المقام الخاص. # فمن فهم المراتب والمقامات لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام. # وأما المنح الأسمائية: فاعلم‏ أن مَنْحَ اللَّه تعالى خلقه رحمةٌ منه بهم، وهي ~~كلها من الأسماء. # فإِما رحمة خالصة كالطيِّب من الرزق اللذيذ في الدنيا الخالص يوم القيامة، ويعطى ~~ذلك الاسمُ الرحمنُ. # فهو عطاء رحماني. وإِما رحمة ممتزجة كشرب الدواء الكرِهِ الذي يعقب شربه الراحةُ، ~~وهو عطاء إِلهي، فإِن العطاء الإلهي لا يتمكن إِطلاق عطائه منه من غير أن يكون على ~~يدي سادن من سدنة الأسماء. # فتارة يعطي اللَّه العبد على يدي الرحمن فيَخْلُصُ العطاء من الشوب الذي‏ لا ~~يلائم الطبع في الوقت ولا يُنِيلُ الغرض وما أشبه ذلك. وتارة يعطي اللَّه‏ على يدي ~~الواسع فيعم، وعلى‏ يدي الحكيم فينظر في الأصلح في الوقت، وعلى يدي الوهاب‏ ، فيعطي ~~ليُنْعِمَ لا يكون مع الواهب‏ تكليف المعطَى له بعوض على ذلك من شكر وعمل، وعلى ~~يدي‏ الجبار فينظر في الموطن وما يستحقه، وعلى يدي‏ الغفار فينظر المحل وما هو ~~عليه. # فإِن كان على حال يستحق العقوبة فيستره عنها، و على حال لا يستحق العقوبة فيستره ~~عن حال يستحق العقوبة فيسمى معصوم ومعتنى به و محفوظ وغير ذلك مما شاكل هذا النوع. # والمعطي هو اللَّه من حيث ما هو خازن لما عنده في خزائنه. # فما يخرجه‏ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ‏ على يدي اسم خاص بذلك الأمر. # «ف أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ‏» على يدي العدل وإِخوانه‏ # . وأسماء اللَّه لا تتناهى لأنها تعْلَم بما يكون عنها- وما يكون عنها غير ~~متناهٍ- وإِن كانت ترجع إِلى أصول متناهية هي أمهات الأسماء وحضرات الأسماء . # و على الحقيقة فما ثَمَّ إلا حقيقة واحدة تقبل جميع هذه النِّسَبِ والإضافات التي ~~يكنَّى عنها بالأسماء الإلهية. # والحقيقة تعطي أن يكون لكل اسم يظهر، إِلى مألا يتناهى، حقيقة يتميز بها عن اسم ~~آخر، تلك‏ الحقيقة التي بها يتميز هي الاسم‏ عينه لا ما يقع فيه الاشتراك، كما أن ~~الأعطيات تتميز كل أعطية عن غيرها بشخصيتها، و إِن كانت من أصل واحد، فمعلوم أن هذه ~~ما هي هذه الأخرى، وسبب ذلك تميُّز الأسماء. # فما في الحضرة الإلهية لاتساعها شي‏ء يتكرر أصلًا . # هذا هو الحق الذي يعوَّل عليه. وهذا العلم كان علم شيث عليه السلام، وروحه هو ~~الممد لكل من يتكلم في‏ مثل هذا من الأرواح ما عدا روحَ الخاتم‏ فإِنه لا يأتيه ~~المادة إِلا من اللَّه لا من روح من الأرواح، بل من روحه تكون المادة لجميع ~~الأرواح، وإِن كان لا يَعْقلُ ذلك من نفسه في زمان تركيب جسده العنصري. # فهو من حيث حقيقته ورتبته عالم بذلك كله بعينه، من حيث ما هو جاهل به من جهة ~~تركيبه العنصري. # فهو العالم الجاهل، فيقبل الاتصاف بالأضداد كما قَبِلَ الأصلُ الاتصاف بذلك، ~~كالجليل والجميل‏ ، وكالظاهر والباطن والأول والآخِر وهو عينه ليس‏ غير. # فيعلَم لا يعلم، ويدري لا يدري، ويشهد لا يشهد. # وبهذا العلم سمي شيث لأن معناه هبة اللَّه. فبيده مفتاح العطايا على اختلاف ~~أصنافه ونِسَبِهَا، فإِن اللَّه وهبه لآدم أول ما وهبه: وما وهبه إِلا منه لأن ~~الولد سرُّ أبيه. فمنه خرج و إِليه عاد. # فما أتاه غريب لمن عقل عن اللَّه. وكل عطاء في الكون على هذا المجرى. # فما في أحد من اللَّه شي‏ء، وما في أحد من سوى نفسه شي‏ء وإِن تنوعت عليه الصور. # وما كل أحد يعرف هذا، وأَنَّ الأمر على ذلك، إِلا آحاد من أهل اللَّه. # فإِذا رأيت من يعرف ذلك فاعتمد عليه فذلك هو عين صفاء خلاصة خاصة الخاصة من عموم ~~أهل اللَّه تعالى. فأي صاحب كشف شاهد صورة تلقِي إِليه ما لم يكن عنده من المعارف ~~وتمنحه‏ ما لم يكن قبل ذلك في يده، فتلك الصورة عينه لا غيره. # فمن شجرة نفسه جنى ثمرة علمه، كالصورة الظاهرة منه في مقابلة الجسم الصقيل ليس ~~غيرَه، إِلا أن المحل والحضرة التي رأى فيها صورة نفسه تلقى إِليه تنقلب‏ من وجه ~~بحقيقة تلك الحضرة، كما يظهر الكبير في المرآة الصغيرة صغير والمستطيلة مستطيلًا، ~~والمتحركة متحركاً. # وقد تعطيه‏ انتكاس صورته من حضرة خاصة، وقد تعطيه عينَ‏ ما يظهر منها فتقابل ~~اليمينُ منها اليمينَ من الرائي، وقد يقابل اليمينَ اليسارَ وهو الغالب في المرايا ~~بمنزلة العادة في العموم: وبخرق العادة يقابل اليمينُ اليمينَ ويَظهر الانتكاس. # وهذا كله من أعطيات حقيقة الحضرة المتجلَّى فيها التي أنزلناها منزلة المرايا. # فمن عرف استعداده عرف قبوله، وما كل من عرف قبوله يعرف استعداده إِلا بعد القبول، ~~وإِن كان يعرفه مجملًا. # إِلا أن بعض أهل النظر من أصحاب العقول الضعيفة يرون أن اللَّه، لَمَّا ثبت عندهم ~~أنه فعَّال لما يشاء، جوزوا على اللَّه تعالى ما يناقص الحكمة وما هو الأمر عليه في ~~نفسه. # ولهذا عدل بعض النظار إِلى نفي الإمكان وإِثبات الوجوب‏ بالذات وبالغير. # والمحقق يثبت الإمكان ويعرف حضرته، والممكنَ ما هو الممكن ومن أين هو ممكن وهو ~~بعينه واجب بالغير، ومن أين صح عليه اسم الغير الذي اقتضى له الوجوب. # ولا يعلم هذا التفصيل إِلا العلماء باللَّه خاصة. # وعلى قدم شيث‏ يكون آخر مولود يولد من هذا النوع الإنساني . # وهو حامل أسراره، وليس بعده ولد في هذا النوع. فهو خاتم الأولاد. # وتولد معه أخت له فتخرج قبله ويخرج بعدها يكون‏ رأسه عند رجليها. # ويكون مولده بالصين ولغته لغة أهل‏ بلده. # ويسري العقم في الرجال والنساء فيكثر النكاح من غير ولادة ويدعوهم إِلى اللَّه ~~فلا يجاب. # فإِذا قبضه اللَّه تعالى وقبض مؤمني زمانه بقي من بقي مثل البهائم لا يحِلُّون ~~حلالً ولا يحرمون حراماً، يتصرفون بحكم الطبيعة شهوة مجردة عن العقل والشرع فعليهم ~~تقوم الساعة. # . # %~% ### | فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية ### | 03 - فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # اعلم أيدك‏ اللَّه بروح منه‏ أن التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين ~~التحديد والتقييد. فالمنزه إما جاهل وإما صاحب سوء أدب. ولكن إذا أطلقاه وقالا به، ~~فالقائل بالشرائع المؤمن إذا نزه ووقف عند التنزيه ولم يَرَ غير ذلك فقد أساء الأدب ~~وأكذب الحقَّ والرسلَ صلوات اللَّه عليهم وهو لا يشعر، ويتخيل أنه في الحاصل وهو من ~~الفائت‏ . # وهو كمن آمن ببعض وكَفَرَ ببعض، ولا سيم وقد علم أنَّ أَلْسِنَةَ الشرائع الإلهية ~~إذا نطقت في الحق تعالى بما نطقت إنما جاءت به في العموم على المفهوم الأول، وعلى ~~الخصوص على كل مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللفظ بأي لسان كان في وضع‏ ذلك اللسان. # فإن للحق في كل خلق ظهوراً : فهو الظاهر في كل مفهوم، وهو الباطن عن كل فهم إلا ~~عن فهم من قال إن العالم صورته وهويته: وهو الاسم الظاهر، كما أنه بالمعنى روح ما ~~ظهر، فهو الباطن. فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبِّر للصورة . # فيؤخذ في حد الإنسان مثلًا ظاهره وباطنه، وكذلك كل محدود. فالحق محدود بكل حد ، ~~وصور العالم لا تنضبط ولا يحاط به ولا تعلم حدود كل صورة منهألا على قدر ما حصل لكل ~~عالم من صورته‏ . # فلذلك‏ يُجْهَل حدُّ الحق، فإنه لا يُعْلَم حدُّه إلا بعلم حد كل صورة، وهذا محال ~~حصوله: فحد الحق محال. # وكذلك من شبّهه وما نزَّهه فقد قيَّده وحدده وما عرَفه. # ومن جمع في معرفته بين التنزيه والتشبيه بالوصفين على الإجمال- لأنه يستحيل ذلك ~~على التفصيل لعدم الإحاطة بما في العالم من الصور- فقد عرَفه مجملًألا على التفصيل ~~كما عرَف نفسه مجملًألا على التفصيل. # ولذلك ربط النبي صلى اللَّه عليه وسلم معرفة الحق بمعرفة النفس فقال: «من عرف ~~نفسه عرف‏ ربه». وقال تعالى: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ» وهو ما خرج عنك‏ ~~«وَ فِي أَنْفُسِهِمْ» وهو عينك، «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ» أي للناظر «أَنَّهُ ~~الْحَقُّ» من حيث إنك صورته وهو روحك. # فأنت له كالصورة الجسمية لك، وهو لك كالروح المدبر لصورة جسدك. والحدُّ يشمل ~~الظاهر والباطن منك: فإن الصورة الباقية إذا زال عنها الروح المدبر لها لم تبق ~~إنساناً، ولكن يقال فيها إنها صورة الإنسان، فلا فرق بينه وبين صورة من خشب وحجارة. # ولا ينطلق‏ عليها اسم الإنسان‏ إلا بالمجاز لا بالحقيقة. # وصور العالم لا يمكن‏ زوال الحق عنها أصلًا. # فحد الألوهية له بالحقيقة لا بالمجاز كما هو حد الإنسان إذا كان حياً. # وكما أن ظاهر صورة الإنسان تثني بلسانها على روحه ونفسه والمدبرِ لها، كذلك جعل ~~اللَّه صورة العالم تسبح بحمده ولكن لا نفقة تسبيحهم لأنألا نحيط بما في العالم من ~~الصور. # فالكل ألسِنَةُ الحق ناطقة بالثناء على الحق. # ولذلك قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»* أي إليه يرجع عواقب الثناء، ~~فهو المثني‏ والمثْنَى عليه: # فإن قلت بالتنزيه كنت مقيداً %~% وإن قلت بالتشبيه كنت محدداً # وإن قلت بالأمرين كنت مسدداً %~% وكنت إماماً في المعارف سيداً # فمن قال بالإشفاع كان مشركاً %~% ومن قال بالإفراد كان موحداً # فإياك والتشبيه إن كنت ثانياً %~% وإياك والتنزيه إن كنت مفرداً # فما أنت هو: بل أنت هو وتراه %~% في‏ عين الأمور مسرَّح ومقيداً # قال اللَّه تعالى‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فنزه، «وَ هُوَ السَّمِيعُ ~~الْبَصِيرُ» فَشبَّه. # وقال تعالى‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فشبه وثنى، «وَ هُوَ السَّمِيعُ ~~الْبَصِيرُ» فنزَّه وأفرد. # لو أن نوحاً عليه السلام‏ جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه: فدعاهم جهاراً ثم ~~دعاهم إسراراً، # ثم قال لهم: «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً». # وقال: «دَعَوْتُ‏ قَوْمِي لَيْلً ونَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا ~~فِراراً». # وذكر عن قومه أنهم تصامموا عن دعوته لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته. # فعلم العلماء باللَّه ما أشار إليه نوح عليه السلام في حق قومه من إجابة دعوته. # فعلم العلماء باللَّه ما أشار إليه نوح عليه السلام في حق قومه من الثناء عليهم ~~بلسان الذم، وعلم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان، والأمر قرآن لا ~~فرقان، ومن أقيم في القرآن لا يصغي إلى‏ الفرقان وإن كان فيه‏ . # فإن القرآن يتضمن الفرقان والفرقان لا يتضمن القرآن. # ولهذا ما اختص بالقرآن إلا محمد صلى اللَّه عليه وسلم وهذه الأمة التي هي خير أمة ~~أخرجت للناس. # «ف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» يجمع‏ الأمرين في أمر واحد. # فلو أن نوحاً يأتي بمثل هذه الآية لفظاً أجابوه، فإنه شبَّهَ ونزَّهَ في آية ~~واحدة، بل في نصف آية. # ونوح دعا قومه‏ «لَيْلًا» من حيث‏ "رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي‏" عقولهم ~~وروحانيتهم فإنها غيب. # «وَ نَهاراً» دعاهم أيضاً من حيث ظاهر صورهم وحِسِّهم، وما جمع في الدعوة مثل‏ ~~«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان فزادهم فراراً. # ثم قال عن نفسه إنه‏ دعاهم ليغفر لهم ، لا ليكشف لهم، وفهموا ذلك منه صلى اللَّه ~~عليه وسلم. # لذلك‏ «جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ» وهذه كلها ~~صورة الستر التي دعاهم إليها فأجابوا دعوته بالفعل لا بلبيك. # ففي‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» إثبات المثل ونفيه، وبهذا قال عن نفسه صلى ~~اللَّه عليه وسلم إنه أوتي جوامع الكلم. فما دعا محمد صلى اللَّه عليه وسلم قوَمه ~~ليلً ونهاراً، بل دعاهم ليلًا في نهار ونهاراً في ليل. # فقال نوح في حكمته لقومه: «يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً» وهي المعارف ~~العقلية في المعاني والنظر الاعتباري، «وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ» أي بما يميل ~~بكم إليه فإذا مال بكم إليه رأيتم صورتكم فيه. # فمن تخيل منكم أنه رآه فما عرف، ومن عرف منكم أنه رأى نفسه فهو العارف. فلهذا ~~انقسم الناس إلى غير عالِم وعالِم. # «وَ وَلَدُهُ» وهو ما أنتجه لهم نظرهم الفكري. # والأمر موقوف علمه على المشاهدة بعيد عن نتائج الفكر. # «إِلَّا خَساراً، فما ربحت تجارتهم» فزال عنهم ما كان في أيديهم مما كانوا ~~يتخيلون أنه ملك لهم: وهو في المحمديِّين‏ «وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ ~~مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ»، وفي نوح‏ «أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا» فأثبت ~~المُلْكَ لهم والوكالة للَّه فيهم. فهم مستخلفون فيه‏ . # فالملك للَّه وهو وكيلهم، فالملك لهم وذلك ملك الاستخلاف. # وبهذا كان الحق تعالى‏ مالك‏ الملك كما قال الترمذي رحمه اللَّه. # «وَ مَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً»، لأن الدعوة إلى اللَّه تعالى مكر بالمدعوِّ ~~لأنه ما عَدِمَ من البداية فيدعي إلى الغاية. # «أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ» فهذا عين المكر، «عَلى‏ بَصِيرَةٍ» فنبَّه أن الأمر له ~~كله، فأجابوه‏ مكراً كما دعاهم . # فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى اللَّه ما هي من حيث هويته و إنما هي من حيث ~~أسماؤه فقال: «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً» فجاء بحرف ~~الغاية وقرنها بالاسم، فعرفنا أن العالم كان تحت حيطة اسمٍ إلهي أوجب عليهم أن ~~يكونوا متقين. # فقالوا في مكرهم: «وَ قالُوألا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ولا تَذَرُنَّ وَدًّ ولا ~~سُواع ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْراً»، فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما ~~تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجهاً يعرفه مَنْ يعرفه ويجهله من يجهله. # في المحمديين: «وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوألا إِيَّاهُ» أي حكم. فالعالم ~~يعلم من عُبِدَ، وفي أي صورة ظهر حتى عبدَ، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة ~~المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عُبدَ غير اللَّه في كل معبود. # فالأدنى من تخيل فيه الألوهية، فلو لا هذا التخيل ما عبد الحجر ولا غيره. # ولهذا قال‏ : «قُلْ سَمُّوهُمْ»، فلو سموهم لسموهم حجارة وشجر وكوكباً. # ولو قيل لهم من عبدتم لقالوا إلهاً ما كانوا يقولون اللَّه ولا الإله. # والأعلى ما تخيل‏ ، بل قال هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر. # فالأدنى صاحب التخيل يقول: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ ~~زُلْفى‏» والأعلى العالم يقول: # «فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا» حيث ظهر «وَ بَشِّرِ ~~الْمُخْبِتِينَ» الذين خبَتْ نار طبيعتهم، فقالوا إله ولم يقولوا طبيعة، "وَ قَدْ ~~أَضَلُّوا كَثِيراً"، أي حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب. # «وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ» لأنفسهم. «الْمُصْطَفَيْنَ‏ » الذين أورثوا الكتاب، ~~أول الثلاثة. # فقدمه على المقتصد والسابق‏ . «إِلَّا ضَلالًا» إلا حيرة المحمدي. # «زدني فيك تحيراً»، «كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وإِذا أَظْلَمَ ~~عَلَيْهِمْ قامُوا». # فالحائر له الدور والحركة الدورية حول القطب فلا يبرح منه، وصاحب الطريق المستطيل ~~مائل خارج عن المقصود طالبٌ ما هو فيه صاحب خيال إليه غايته: فله مِنْ وإلى وما ~~بينهما. # وصاحب الحركة الدورية لا بدءَ له فيلزمَه «مِنْ» ولا غاية فتحكُمَ عليه «إلى»، ~~فله الوجود الأتمُّ وهو المؤتى جوامع الكلم والحِكَم. # «مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ» فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم باللَّه، وهو ~~الحيرة، «فَأُدْخِلُوا ناراً» في عين الماء في المحمديين. «وَ إِذَا الْبِحارُ ~~سُجِّرَتْ»: سَجَرْت التنور إذا أوقدته. # «فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً» فكان اللَّه عين أنصارهم ~~فهلكوا فيه إلى الأبد. # فلو أخرجهم إلى السِّيف، سيف الطبيعة لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة، وإن كان ~~الكل للَّه وباللَّه بل هو اللَّه. # «قالَ نُوحٌ رَبِّ» ما قال إلهي، فإن الرب له الثبوت والإله يتنوع بالأسماء فهو ~~كل يوم في شأن. فأراد بالرب ثبوت التلوين إذ لا يصح إلا هو. # «لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ» يدعو عليهم أن يصيروا في بطنها. # المحمدي «لو دليتم بحبل لهبط على اللَّه»، «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي ~~الْأَرْضِ»*. # وإذا دفنت فيها فأنت فيه وهي ظرفك: «وَ فِيها نُعِيدُكُمْ ومِنْها نُخْرِجُكُمْ ~~تارَةً أُخْرى‏» لاختلاف الوجوه. # «مِنَ الْكافِرِينَ» الذين‏ «اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ‏ و جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ ~~فِي آذانِهِمْ‏» طلباً للستر لأنه‏ «وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ ~~الْأَخْيارِ» «فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سابِقٌ ~~بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ» «دعاهم ليغفر لهم» والغفر الستر. # «ديَّاراً» أحداً حتى تعم المنفعة كما عمت الدعوة. # «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ» أي تدعهم وتتركهم‏ «يُضِلُّوا عِبادَكَ» أي يحيروهم ~~فيخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرار الربوبية فينظرون أنفسهم أرباباً بعد ما ~~كانوا عند أنفسهم عبيداً، فهم العبيد الأرباب. # «وَ لا يَلِدُوا» أي ما ينتجون ولا يظهرون‏ «إِلَّا فاجِراً» أي مظهراً ما ستر، ~~«كَفَّاراً» أي ساتراً ما ظهر بعد ظهوره. # فيظهرون ما سُتِرَ، ثم يسترونه بعد ظهوره، فيحار الناظر ولا يعرف قصد الفاجر في ~~فجوره‏ ، ولا الكافر في كفره، والشخص واحد. # «رَبِّ اغْفِرْ لِي» أي استرني واستر من أجلي فيجهل قدري ومقامي كما جهل قدرك في ~~قولك: «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ»*. # «وَ لِوالِدَيَّ»: من كنت نتيجة عنهم وهما العقل والطبيعة. # «وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ» أي قلبي. «مُؤْمِناً» مصدقاً بما يكون فيه من ~~الإخبارات الإلهية وهو ما حدَّثت به أنفسهَا. # «وَ لِلْمُؤْمِنِينَ» من العقول‏ «وَ الْمُؤْمِناتِ» من النفوس. # «وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ»: من الظلمات أهل الغيب المكتنفين خلف الحجب ~~الظلمانية. # «إِلَّا تَباراً» أي هلاكاً، فلا يعرفون نفوسهم لشهودهم‏ وجه الحق دونهم. # في المحمديين. «كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» والتبار الهلاك. # ومن أراد أن يقف على أسرار نوح فعليه بالرقيِّ في فلك نوح‏ ، وهو في التنزلات ~~الموصلية لن واللَّه يقول الحق‏ . # . # %~% ### | فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية ### | 04 - فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # العلو نسبتان، علو مكان وعلو مكانة. فعلو المكان‏ «وَ رَفَعْناهُ مَكاناً ~~عَلِيًّا». # وأعلى الأمكنة المكان الذي تدور عليه رحى عالم الأفلاك وهو فلك الشمس، وفيه مقام ~~روحانية إدريس عليه السلام‏ . وتحته سبعة أفلاك وفوقه سبعة أفلاك وهو الخامس عشر. # فالذي فوقه فلكُ الأحمر و فلك المشترى وفلك كيوان وفلك المنازل والفلك الأطلس فلك ~~البروج‏ وفلك الكرسي وفلك العرش. # والذي دونه فلك الزهرة وفلك الكاتب، وفلك القمر، و كرة الأثير، وكرة الهوى، وكرة ~~الماء، وكرة التراب . # فمن حيث هو قطب الأفلاك هو رفيع المكان. # وأما علو المكانة فهو لنا أعني المحمديين. # قال اللَّه تعالى‏ «وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ» في هذا العلو، ~~وهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة. # ولما خافت نفوس العمَّال منا أتبع المعية بقوله‏ «وَ لَنْ يَتِرَكُمْ ~~أَعْمالَكُمْ»: فالعمل يطلب المكان والعلم يطلب المكانة، فجمع لنا بين الرفعتين ~~علوّ المكان بالعمل وعلو المكانة بالعلم. # ثم قال تنزيهاً للاشتراك بالمعية «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» عن هذا ~~الاشتراك المعنوي. # ومن أعجب الأمور كون الإنسان أعلى الموجودات، أعني الإنسان الكامل، وما نسب إليه ~~العلو إلا بالتبعية، إما إلى المكان وإما إلى المكانة وهي المنزلة. فما كان علوه ~~لذاته. # فهو العلي بعلو المكان وبعلو المكانة. فالعلو لهما. فعلو المكان. # «ك الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏» وهو أعلى الأماكن. وعلو المكانة «كُلُّ ~~شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ»، و «إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ‏ »، «أَ ~~إِلهٌ مَعَ اللَّهِ»*. # ولما قال اللَّه تعالى‏ «وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا» فجعل «علياً» نعتاً ~~للمكان، «وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ ~~خَلِيفَةً»، فهذا علو المكانة. # وقال في الملائكة «أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ» فجعل العلو ~~للملائكة. # فلو كان لكونهم ملائكة لدخل الملائكة كلهم في‏ هذا العلو. # فلما لم يعم، مع اشتراكهم في حد الملائكة، عرفنا أن هذا علو المكانة عند اللَّه‏ ~~. # وكذلك الخلفاء من الناس لو كان علوهم بالخلافة علواً ذاتياً لكان لكل إنسان. # فلما لم يعم عرفنا أن ذلك العلو للمكانة. ومن أسمائه الحسنى العلي. # على من وما ثم إلا هو؟ فهو العلي لذاته. # وعن ما ذ وما هو إلا هو؟ فعلوه لنفسه. # وهو من حيث الوجود عين الموجودات. فالمسمى محدثات هي العليَّة لذاته وليست إلا ~~هو. # فهو العلي لا علو إضافة، لأن الأعيان التي لها العدم الثابتة فيه ما شمَّت رائحة ~~من الموجود، فهي على حالها مع تعداد الصور في الموجودات. # والعين واحدة من المجموع في المجموع . # فوجود الكثرة في الأسماء، وهي النسب، وهي أمور عدمية. # وليس إلا العين الذي هو الذات. فهو العلي لنفسه لا بالإضافة . # فما في العالم من هذه الحيثية علو إضافة، لكن الوجوه الوجودية متفاضلة. # فعلو الإضافة موجود في العين الواحدة من حيث الوجود الكثيرة. # لذلك نقول فيه هو لا هو، أنت لا أنت. # قال‏ الخراز رحمه‏ اللَّه تعالى، وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن ~~نفسه بأن اللَّه تعالى لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها. # فهو الأول والآخر و الظاهر والباطن. فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال ~~ظهوره. # وما ثَمَّ من يراه غيره، وما ثم من يبطن عنه، فهو ظاهر لنفسه باطن عنه. وهو ~~المسمى أبا سعد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات. # فيقول الباطن لا إذا قال الظاهر أنا، و يقول الظاهر لا إذا قال الباطن أنا. # وهذا في كل ضد، والمتكلم واحد وهو عين السامع. يقول النبي صلى اللَّه عليه وسلم: ~~«و ما حدَّثَتْ به أنفُسَها» فهي المحدثة السامعة حديثها، العالمة بما حدثت به ~~أنفسها ، والعين واحدة واختلفت الأحكام. # ولا سبيل إلى جهل مثل هذا فإنه يعلمه كل إنسان من نفسه وهو صورة الحق. # فاختلطت الأمور وظهرت الأعداد بالواحد في المراتب‏ المعلومة. # فأوجد الواحد العدد، وفصَّل العددُ الواحدَ، وما ظهر حكم العدد إلا المعدود و ~~المعدود منه عدم ومنه وجود، فقد يعدم الشي‏ء من حيث الحس وهو موجود من حيث العقل. # فلا بد من عدد ومعدود، ولا بد من واحد ينشئ ذلك فينشأ بسببه. # فإن كل‏ مرتبة من العدد حقيقة واحدة كالتسعة مثلً والعشرة إلى أدنى وإلى أكثر إلى ~~غير نهاية، ما هي مجموع، ولا ينفك عنها اسم جمع‏ الآحاد. # فإن الاثنين حقيقة واحدة والثلاثة حقيقة واحدة ، بالغاً ما بلغتْ هذه المراتب، ~~وإن كانت واحدة. # فما عين واحدة منهن عين ما بقي. فالجمع يأخذها فنقول بها منها، ونحكم بها عليها. # قد ظهر في هذا القول عشرون مرتبة، فقد دخلها التركيب فما تنفك تثبت عينَ ما هو ~~منفيٌّ عندك لذاته. # ومن عرف ما قررناه في الأعداد، وأن نفيها عين إثباتها ، علم أن الحق المنزّه هو ~~الخلق المشبه، وإن كان قد تميز الخلق من الخالق. فالأمر الخالق المخلوق، والأمر ~~المخلوق الخالق. # كل ذلك من عين واحدة، لا، بل هو العين الواحد وهو العيون الكثيرة. # فانظر ما ذا ترى‏ «قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ»، والولد عين أبيه. فما ~~رأى‏ يذبح سوى نفسه. # «و فداه بذبح عظيم»، فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان. # وظهر بصورة ولد: # لا، بل بحكم ولد من هو عين الوالد. «وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها»: فما نكح‏ سوى ~~نفسه. # فمنه الصاحبة والولد والأمر واحد في العدد. # فَمَن الطبيعةُ ومَنِ الظاهر منها ، وما رأيناها نقصت بما ظهر منه ولا زادت بعدم ~~ما ظهر؟ # وما الذي ظهر غيرها: وما هي عين ما ظهر لاختلاف الصور بالحكم عليها : فهذا بارد ~~يابس وهذا حار يابس: فجمع باليبس وأبان بغير ذلك. والجامع الطبيعة، لا، بل العين ~~الطبيعية. # فعالم الطبيعة صور في مرآة واحدة، لا، بل صورة واحدة في مرايا مختلفة. # فما ثم إلا حيرة لتفرق النظر. ومن عرف ما قلناه لم يحر. # وإن‏ كان في مزيد علم فليس إلا من حكم المحل ، والمحل عين العين الثابتة: فيها ~~يتنوع‏ الحق في المجلى فتتنوع‏ الأحكام عليه، فيقبل كل حكم، وما يحكم عليه إلا عين ~~ما تجلى فيه، وما ثَمَّ إلا هذا: # فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبرو %~% وليس خلقاً بذاك الوجه فادكرو # من يدر ما قلت لم تخذل بصيرته‏ %~% وليس يدريه إلا من له بصر # جمِّع وفرِّق فإن العين واحدة %~% وهي الكثيرة لا تبقى ولا تذر # فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب ~~العدمية بحيث لا يمكن أن يفوته نعت منها، وسواء كانت‏ محمودة عرف وعقلً وشرع و ~~مذمومة عرف وعقلً وشرعاً. # وليس ذلك إلا لمسمى اللَّه تعالى خاصة. # وأما غير مسمى اللَّه مما هو مجلى له و صورة فيه، فإن كان مجلى له فيقع التفاضل- ~~لا بد من ذلك- بين مجلى ومجلى، وإن كان صورة فيه فتلك‏ الصورة عين الكمال‏ الذاتي ~~لأنها عين ما ظهرت فيه. # فالذي لمسمى اللَّه هو الذي لتلك الصورة. ولا يقال هي هو ولا هي غيره . # وقد أشار أبو القاسم بن قسّي في خَلْعِه إلى هذا بقوله: إن كل اسم إلهي يتسمى ~~بجميع الأسماء الإلهية وينعت بها. وذلك‏ أن كل اسم يدل على الذات وعلى المعنى الذي ~~سيق له ويطلبه. # فمن حيث دلالته على الذات له جميع الأسماء، ومن حيث دلالته على المعنى الذي ينفرد ~~به، يتميز عن غيره كالرب والخالق والمصوِّر إلى غير ذلك. # فالاسم المسمى من حيث الذات، والاسم غير المسمى من حيث ما يختص به من المعنى الذي ~~سِيق له. # فإذا فهمت أن العليّ ما ذكرناه علمت أنه ليس علو المكان ولا علو المكانة، فإن علو ~~المكانة يختص بولاة الأمر كالسلطان والحكام والوزراء والقضاة وكل ذي منصب سواء كانت ~~فيه أهلية لذلك‏ المنصب ولم تكن، والعلو بالصفات ليس كذلك، فإنه قد يكون أعلم الناس ~~يتحكم فيه من له منصب التحكم وإن كان أجهل الناس. # فهذا عليٌ بالمكانة بحكم التبع ما هو عليٌ‏ في نفسه. # فإذا عزل زالت رفعته والعالِم ليس كذلك. # . # %~% ### | فص حكمة مهيمنية في كلمة إبراهيمية ### | 05 - فص حكمة مُهَيَّمية في كلمة إِبراهيمية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي ~~الحاتمي # إِنما سمي الخليل‏ خليلًا لتخلله وحصره جميع ما اتصفت به الذات الإلهية. قال ~~الشاعر: # قد تخللت مسلك الروح مني‏ %~% وبه سمى الخليل خليلً # كما يتخلل اللونُ المتلون، فيكون العَرَضُ بحيث جوهره ما هو كالمكان والمتمكن، # و لتخلل‏ الحق وجود صورة إِبراهيم عليه السلام‏ . # وكل حكم يصح من ذلك، فإِن لكل حكم موطناً يظهر به لا يتعداه. # ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات، وأخبر بذلك عن نفسه، وبصفات النقص # وبصفات الذم؟ # ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق من أولها إِلى آخره وكلها حق له كما هي صفات # المحدثات‏ حق للحق . # «الحمد للَّه»: فرجعت إِليه عواقب الثناء من كل حامد ومحمود. # «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» فعمَّ ما ذُمَّ وحُمِدَ، وما ثَمَّ ~~إِلا محمود ومذموم. # اعلم أنه ما تخلل شي‏ء شيئألا كان محمولًا فيه. # فالمتخلِّل‏ - اسم فاعل- محجوب بالمتخلَّل- اسم مفعول. فاسم المفعول‏ هو الظاهر، ~~واسم # الفاعل هو الباطن المستور. # وهو غذاء له كالماء يتخلل الصوفة فتربو به وتتسع. فإِن كان الحق هو الظاهر فالخلق # مستور فيه، فيكون الخلق جميع أسماء الحق سمعَه وبصرَه وجميعَ نسبه وإِدراكاته. # وإِن كان الخلق هو الظاهر فالحق مستور باطن فيه، فالحق سمع الخلق وبصره # ويده ورجله وجميع قواه كما ورد في الخبر الصحيح‏ . # ثم إِن الذات لو تعرَّت عن هذه النسب لم تكن إِلهاً. # وهذه النسب أحدثتها أعياننا: فنحن جعلناه بمألوهيتنا إِلهاً، فلا يعرف حتى نعرف. # قال عليه السلام: «من عرف نفسه عرف ربه» وهو أعلم الخلق باللَّه. # فإِن بعض‏ الحكماء وأبا حامد ادعوا أنه يُعْرَف اللَّه من غير نظر في العالم وهذا ~~غلط. # نعم تعرف ذات‏ قديمة أزلية لا يعرف أنها إِله حتى يعرف المألوه. # فهو الدليل عليه. # ثم بعد هذا في ثاني حال يعطيك الكشف أن الحق نفسه‏ كان عين الدليل على نفسه # وعلى أُلوهيته، وأن العالم ليس إِلا تجليه في صور أعيانهم الثابتة التي يستحيل # وجودها بدونه‏ ، وأنه يتنوع ويتصوّر بحسب حقائق هذه الأعيان وأحوالها، # وهذا بعد العلم به منا أنه إِله لنا. # ثم يأتي الكشف الآخر فيظهر لك صورنا فيه، فيظهر بعضنا لبعض‏ في الحق، فيعرف # بعضنا بعضاً، ويتميز بعضنا عن بعض . فمنا من يعرف أن في الحق وقعت هذه المعرفة ~~لنا بنا، ومنا من يجهل الحضرة التي وقعت فيها هذه المعرفة بنا: أعوذ باللَّه أن ~~أكون من الجاهلين. # وبالكشفين معاً ما يحكم علينألا بنا، لا، بل نحن نحكم علينا بن ولكن فيه، ولذلك ~~قال‏ # «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ»: يعني على المحجوبين إِذ قالوا للحق لِمَ ~~فعلت بنا كذ # وكذا مما لا يوافق أغراضهم، «فيكشِفُ لهم عن ساق»: وهو الأمر الذي كشفه # العارفون هنا، فيرون أن الحق ما فعل بهم ما ادعوه أنه فعله‏ وأن ذلك منهم، # فإِنه ما علمهم إِلا على ما هم عليه، فتدحض‏ حجتهم وتبقى الحجة للَّه تعالى ~~البالغة. # فإِن قلت فما فائدة قوله تعالى: «فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» قلن «لو ~~شاء» لو حرف # امتناع لامتناع: فما شاء إِلا ما هو الأمر عليه. # ولكن عين الممكن قابل للشي‏ء ونقيضه في حكم‏ دليل العقل، وأي الحكمين المعقولين # وقع، ذلك هو الذي كان عليه الممكن في حال ثبوته. # ومعنى «لَهَداكُمْ‏ » لبيَّن لكم: وما كل ممكن من العالم فتح اللَّه عين بصيرته ~~لإدراك الأمر # في نفسه على ما هو عليه: فمنهم العالم والجاهل. # فما شاء ، فما هداهم أجمعين، ولا يشاء، وكذلك‏ «إِنْ يَشَأْ»*: فهل يشاء؟ # هذا مألا يكون‏ . # فمشيئته أحدية التعلق وهي نسبة تابعة للعلم والعلم نسبة تابعة للمعلوم‏ # «فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَأْتِ ~~بِخَلْقٍ جَدِيدٍ»* # والمعلوم أنت وأحوالك. # فليس للعلم أثر في المعلوم، بل للمعلوم أثر في العلم‏ فيعطيه من نفسه ما هو عليه ~~في # عينه. # وإِنما ورد الخطاب الإلهي بحسب ما تواطأ عليه المخاطبون وما أعطاه النظر العقلي، # ما ورد الخطاب على ما يعطيه الكشف. ولذلك كثر المؤمنون وقل العارفون أصحاب # الكشوف. # «وَ ما مِنَّألا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ»: وهو ما كنت به في ثبوتك ظهرت به في ~~وجودك، هذ # إِن ثبت أن لك وجوداً. # فإِن ثبت أن الوجود للحق لا لك، فالحكم لك بلا شك في وجود الحق. # وإِن ثبت أنك الموجود فالحكم لك بلا شك. وإِن كان الحاكم الحق، فليس له إِلا ~~إِفاضة # الوجود عليك والحكم‏ لك عليك. # فلا تحمد إِلا نفسك ولا تذم إِلا نفسك، وما يبقى للحق إِلا حمد إِفاضة الوجود لأن ~~ذلك له # لا لك. # فأنت غذاؤه بالأحكام، وهو غذاؤك بالوجود. # فتعين عليه ما تعين عليك . فالأمر منه إِليك ومنك إِليه . # غير أنك‏ تسمى مكلَّف وما كلَّفك إِلا بما قلت له كلفني بحالك وبما أنت عليه. ولا ~~يسمَّى # مكلَّفاً: اسم مفعول. # فيحمدني وأحمده‏ %~% ويعبدني وأعبده‏ # ففي حال أقرُّ به‏ %~% وفي الأعيان أجحده‏ # فيعرفني وأنكره‏ %~% وأعرفه فأشهده‏ # فأنى بالغنى‏ وأن %~% أُساعده فأسعده؟ # لذاك الحق أوجدني‏ %~% فأعلمه فأوجده‏ # بذا جاء الحديث لن %~% وحقق فيَّ مقصده # ولما كان للخليل‏ هذه المرتبة التي بها سمي خليلًا لذلك سنّ القِرَى‏ ، وجعله ابن ~~مَسَرّة # مع ميكائيل‏ للأرزاق ، وبالأرزاق يكون تغذي المرزوقين‏ . # فإِذا تخلل الرزق ذات المرزوق بحيث لا يبقى فيه شي‏ء إِلا تخلله، فإِن الغذاء ~~يسري # ‏ في جميع أجزاء المغتذي كله وما هنالك‏ أَجزاء فلا بد أن يتخلل جميع المقامات ~~الإلهية # المعبر عنها بالأسماء فتظهر بها ذاته جل وعل # فنحن له كما ثبتت‏ %~% أدلتن ونحن لن # وليس له سوى كوني‏ %~% فنحن له كنحن بن # فلي وجهان هو وأن %~% وليس له أنا بأن # ولكن فيَّ مظهره‏ %~% فنحن له كمثل إِن # واللَّه يقول الحق وهو يهدي السبيل. # . # %~% ### | فص حكمة حقية في كلمة إسحاقية ### | 06 - فص حكمة حقية في كلمة إِسحاقية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # فداء نبي ذَبْح لقربان‏ %~% وأين ثؤاج الكبش من نوس إِنسان‏ # وعظمه اللَّه العظيم عناية‏ %~% بن وبه لا أدر من أي ميزان‏ # ولا شك أن البُدْن أعظم قيمة‏ %~% وقد نزلت عن ذبح كبش لقربان‏ # فيا ليت شعري كيف ناب بذاته‏‏ %~% كبيش عن خليفة رحمان‏ # لم تدر أن الأمر فيه مرتب‏‏ %~% وفاء لإرباح ونقص لخسران؟ # فلا خلق أعلى من جماد وبعده‏‏ %~% نبات على قَدْرٍ يكون وأوزان‏ # وذو الحس بعد النبت والكل عارف‏‏ %~% بخلاف كشف وإِيضاح برهان‏ # وأما المسمى آدما فمقيد‏ %~% بعقل وفكر وقلادة إِيمان‏ # بذا قال سهل‏ والمحقق مثلنا‏ %~% لأن وإِياهم بمنزل إِحسان # فمن شهد الأمر الذي قد شهدته‏‏ %~% يقول بقولي في خفاء وإِعلان‏ # ولا تلتفت‏ قولًا يخالف قولنا‏ %~% ولا تبذر السمراء في أمر عميان‏ # هم الصم والبكم الذين أتى بهم‏‏ %~% لأسماعنا المعصوم في نص قرآن # اعلم أيدنا اللَّه وإِياك أن إِبراهيم الخليل عليه السلام قال لابنه: «إِنِّي ~~أَرى‏ فِي الْمَنامِ أَنِّي # أَذْبَحُكَ» والمنام حضرة الخيال فلم يعبرها. # وكان كبش‏ ظهر في صورة ابن إِبراهيم في المنام فصدَّق إِبراهيم الرؤيا، ففداه ربه ~~من # وَهم إِبراهيم بالذبح‏ العظيم الذي هو تعبير رؤياه عند اللَّه تعالى وهو لا يشعر. # فالتجلي الصوري في حضرة الخيال محتاج‏ إِلى علم آخر يدرك به ما أراد اللَّه تعالى # بتلك الصورة. # ألا ترى كيف قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لأبي بكر في تعبير الرؤيا: # «أصبت بعض وأخطأت بعضاً» فسأله أبو بكر أن يعرِّفه ما أصاب فيه وما أخطأ فلم # يفعل. # وقال اللَّه تعالى لإبراهيم عليه السلام حين ناداه: «أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ ~~صَدَّقْتَ الرُّؤْيا» # وما قال له صَدَقْتَ‏ في الرؤيا أنه ابنك: لأنه ما عبرها، بل أخذ بظاهر ما رأى، ~~والرؤي # تطلب التعبير. # ولذلك قال العزيز «إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ‏ ». # ومعنى التعبير الجواز من صورة ما رآه إِلى أمر آخر. فكانت البقر سنين في المَحْل # والخصب. # فلو صدَق في الرؤيا لذبح ابنه، وإِنما صدّق الرؤيا في‏ أن ذلك عين ولده، وما كان # عند اللَّه إِلا الذِّبحَ العظيم في صورة ولده ففداه لما وقع في ذهن إِبراهيم ~~عليه السلام: # ما هو فداء في نفس الأمر عند اللَّه‏ . # فصوّر الحس الذِّبح وصور الخيال ابن إِبراهيم عليه السلام. فلو رأى الكبش في ~~الخيال # لعبَّره‏ بابنه وبأمر آخر. # ثم قال‏ «إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ‏ » أي الاختبار المبين أي الظاهر ~~يعني الاختبار في # العلم: هل يعلم ما يقتضيه موطن الرؤيا من التعبير أم لا؟ # لأنه يعلم أن موطن الخيال يطلب التعبير: فغفل فما وفَّى الموطن حقه، وصدّق الرؤي # لهذا السبب كما فعل تقي بن مخلد الإمام صاحب المسند، سمع في الخبر الذي ثبت # عنده أنه عليه السلام قال: «من رآني في النوم فقد رآني في اليقظة فإِن الشيطان # لا يتمثل على صورتي» فرآه تقي بن مخلد وسقاه النبي صلى اللَّه عليه و سلم في هذه # الرؤيا لبناً فصدّق تقيُّ بن مخلد رؤياه فاستقاء فقاء لبناً. ولو عبَّر رؤياه ~~لكان ذلك # اللبن علماً. # فحرمه اللَّه علماً كثيراً على قدر ما شرب‏ . # ألا ترى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أُتِيَ‏ في المنام بقدح لبن: «فشربته ~~حتى خرج # الرِّي من أظافيري‏ ثم أعطيت فضلي عمر». # قيل ما أوَّلته يا رسول اللَّه؟ # قال العلم، وما تركه لبناً على‏ «إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ» # صورة ما رآه لعلمه بموطن الرؤي وما تقتضيه‏ من التعبير. # وقد عُلِمَ أن صورة النبي صلى اللَّه عليه وسلم التي شاهدها الحس أنها في المدينة # مدفونة، وأن صورة روحه ولطيفته‏ ما شاهدها أحدٌ من أحدٍ ولا من نفسه‏ . # كل روح بهذه المثابة فتتجسد له روح النبي في المنام بصورة جسده كما مات عليه # لا يخرم‏ منه شي‏ء. # فهو محمد صلى اللَّه عليه وسلم المرئي من حيث روحه في صورة جسدية تشبه # المدفونة لا يمكن للشيطان أن يتصور بصورة جسده صلى اللَّه عليه وسلم عصم # من اللَّه في حق الرائي. # ولهذا من رآه بهذه الصورة يأخذ عنه جميع ما يأمره وينهاه عنه‏ ويخبره كم # كان يأخذ عنه في الحياة الدنيا من الأحكام على حسب ما يكون منه اللفظ الدال # عليه من نص وظاهر ومجمل وما كان‏ فإِن أعصاه شيئاً فإِن ذلك الشي‏ء هو الذي # يدخله التعبير، فإِن خرج في الحس كما كان في الخيال فتلك رؤيألا تعبير لها. # وبهذا القدر وعليه اعتمد إبراهيم عليه السلام وتقي بن مخلد. # ولما كان للرؤيا هذان الوجهان، وعلمنا اللَّه: فيما فعل بإِبراهيم وما قال له: ~~الأدب # لما يعطيه مقام النبوة، عَلِمْنَا في رؤيتنا الحق تعالى في صورة يردها الدليل ~~العقلي # أنْ نعبِّر تلك الصورة بالحق المشروع إِما في حق حال الرائي و المكان الذي رآه # فيه وهما معاً. # وإِن لم يردها الدليل العقلي أبقيناها على ما رأيناها كما نرى الحق في الآخرة ~~سواء. # فللواحد الرحمن في كل موطن‏‏ %~% من الصور ما يخفي وما هو ظاهر # فإِن قلت هذا الحق قَدْ تَكُ‏ صادقاً‏ %~% وإِن قلت أمراً آخراً أنت عابر # وما حكمه في موطن دون موطن‏‏ %~% ولكنه بالحق للخلق سافر # إِذا ما تجلى للعيون ترده‏‏ %~% عقول ببرهان عليه تثابر # ويُقْبَل في مجلَى العقول وفي الذي‏‏ %~% يسمى خيالً والصحيح النواظر # يقول أبو يزيد في هذا المقام لو أن العرش وما حواه مائة ألف ألف مرة في زاوية # من زوايا قلب العارف ما أحس بها . # وهذا وسع أبي يزيد في عالم الأجسام. بل أقول لو أن مألا يتناهى وجوده يقدَّر # انتهاء وجوده مع العين الموجدة له في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس # بذلك في علمه. # فإِنه قد ثبت أن القلب وسع الحق ومع ذلك ما اتصف بالري فلو امتلأ ارتوى. # و قد قال ذلك أبو يزيد. ولقد نبهنا على هذا المقام بقولنا: # يا خالق الأشياء في نفسه‏‏ %~% أنت لما تخلقه جامع‏ # تخلق مألا ينتهي كونه فيه‏‏ %~% بك فأنت الضيق الواسع‏ # لو أن ما قد خلق اللَّه ما لا‏ %~% ح بقلبي فجره الساطع‏ # من وسع الحق فما ضاق عن‏‏ %~% خلق فكيف الأمر يا سامع؟ # بالوهم يخلق كل إِنسان في قوة خياله مألا وجود له إِلا فيها، وهذا هو الأمر ~~العام. # والعارف يخلق بالهمة ما يكون له وجود من خارج محل الهمة ولكن لا تزال الهمة # تحفظه. ولا يئودها حفظه، أي حفظ ما خلقته. # فمتى طرأ على العارف غفلة عن حفظ ما خلق عُدِمَ ذلك المخلوق، إِلا أن يكون العارف # قد ضبط جميع الحضرات وهو لا يغفل مطلقاً، بل لا بد من حضرة يشهدها. # فإِذا خلق العارف بهمته ما خلق وله هذه الإحاطة ظهر ذلك الخلق بصورته‏ في كل # حضرة، وصارت الصور يحفظ بعضها بعضاً. # فإِذا غفل العارف عن حضرة م وعن حضرات وهو شاهد حضرة ما من الحضرات، # حافظٌ لما فيها من صورة خلقه، انحفظت‏ جميع الصور بحفظه تلك الصورة الواحدة # في الحضرة التي ما غفل عنها، لأن الغفلة ما تعم قط لا في العموم ولا في الخصوص. # وقد أوضحت هنا سراً لم يزل أهل اللَّه‏ يغارون على مثل هذا أن يظهر لما فيه من # رد دعواهم أنهم الحق، فإِن الحق لا يغفل و العبد لا بد له أن يغفل عن شي‏ء دون ~~شي‏ء. # فمن حيث الحفظ لما خلق له أن يقول «أنا الحق»، ولكن ما حفظه لها حفظ الحق: # وقد بينا الفرق. # ومن حيث ما غفل عن صورة م و حضرتها فقد تميز العبد من الحق. # ولا بد أن يتميز مع بقاء الحفظ لجميع الصور بحفظه صورة واحدة منها في الحضرة # التي ما غفل عنها. # فهذا حفظ بالتضمن، وحفظ الحق ما خلق ليس كذلك بل حفظه لكل صورة على التعيين. # وهذه مسألة أُخبرت أنه ما سطرها أحد في كتاب لا أن ولا غيري إِلا في هذا الكتاب: # فهي يتيمة الدهر وفريدته. فإِياك أن تغفل عنها فإِن تلك الحضرة التي يبقي لك ~~الحضور # فيها مع‏ الصورة، مثلها مثَلُ الكتاب الذي قال اللَّه فيه‏ «ما فَرَّطْنا فِي ~~الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ» # فهو الجامع للواقع وغير الواقع. # ولا يعرف ما قلناه إِلا من كان‏ قرآنا في نفسه فإِن المتقي اللَّه «يجعل له ~~فرقاناً» # وهو مثل ما ذكرناه في هذه المسألة فيما يتميز به العبد من الرب. # وهذا الفرقان‏ أرفع فرقان. # فوقتاً يكون العبد رباً بلا شك‏‏ %~% ووقتاً يكون العبد عبداً بلا إِفك‏ # فإِن كان عبداً كان بالحق واسعاً‏ %~% وإِن كان رباً كان في عيشة ضنك‏ # فمن كونه عبداً يرى عين نفسه‏‏ %~% وتتسع الآمال منه بلا شك‏ # ومن كونه رباً يرى الخلق كله‏‏ %~% يطالبه من حضرة المُلك والمَلك‏ # ويعجز عمَّا طالبوه بذاته‏‏ %~% لذا تر بعض العارفين به يبكي‏ # فكن عبد رب لا تكن ربَّ عبده‏‏ %~% فتذهب بالتعليق في النار والسبك # . # %~% ### | فص حكمة علية في كلمة إسماعيلية ### | 07 - فص حكمة علية في كلمة إسماعيلية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # أعلم أن مسمى اللَّه‏ أحديٌّ بالذات كلٌ بالأسماء. # وكل موجود فما له من اللَّه إِلا ربه خاصة يستحيل أن يكون له الكل‏ . # وأما الأحدية الإلهية فما لواحد فيها قدم، لأنه لا يقال لواحد منها شي‏ء # ولآخر منها شيء، لأنها لا تقبل التبعيض. فأحديته مجموع كله بالقوة . # والسعيد من كان عند ربه مرضياً، وما ثَمَّ إِلا من هو مرضي عند ربه لأنه الذي ~~يبقي عليه ربوبيته، فهو عنده مرضي فهو سعيد. # ولهذا قال سهل‏ إِن للربوبية سراً- وهو أنت: يخاطب‏ كل عين- لو ظهر # «فلكل شخص اسم هو ربه‏ ‏ %~% ذلك الشخص جسم هو قلبه» # لبطلت الربوبية . فأدخل عليه «لو» وهو حرف امتناع لامتناع‏ ، وهو لا يظهر فل تبطل ~~الربوبية لأنه‏ لا وجود لعين إِلا بربه. والعين موجودة دائماً فالربوبية لا تبطل ~~دائماً. # وكل مرضي محبوب، وكل ما يفعل المحبوب محبوب، فكله مرضي، لأنه لا فعل للعين، # بل الفعل لربها فيها فاطمأنت العين أن يضاف إِليها فعل، فكانت «راضية» # بما يظهر فيه وعنها من أفعال ربها، «مرضية» تلك الأفعال لأن كل فاعل وصانع راض # عن فعله وصنعته، فإِن وفَّى فعله وصنعته حقَّ ما عليه‏ «أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ ~~خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏» أي بيَّنَ أنه أعطى كل شي‏ء خلقه، فلا يقبل النقص ولا ~~الزيادة. # فكان إِسماعيل‏ بعثوره على ما ذكرناه عند ربه مرضياً. # وكذا كل موجود عند ربه مرضي . # ولا يلزم إِذا كان كل موجود عند ربه مرضياً على ما بيَّنَّاه أن يكون مرضياً # عند رب عبد آخر لأنه ما أخذ الربوبية إِلا من كلٍ لا من واحد. # فما تعين له من الكل إِلا ما يناسبه، فهو ربه. # ولا يأخذه أحد من حيث أحديته. # ولهذا منع أهل اللَّه التجلي في الأحدية ، فإِنك إِن نظرته به‏ فهو الناظر نفسه ~~فما زال # ناظراً نفسه بنفسه، وإِن نظرته بك فزالت الأحدية بك، وإِن نظرته به وبك‏ فزالت # الأحدية أيضاً. # لأن ضمير التاء في «نظرتَه» ما هو عين المنظور، فلا بد من وجود نسبة ما اقتضت # أمرين ناظر ومنظوراً، فزالت الأحدية وإِن كان لم ير إِلا نفسه بنفسه. # ومعلوم أنه في هذا الوصف ناظر ومنظور. فالمرضي لا يصح أن يكون مرضياً مطلق # إلا إِذا كان جميع ما يظهر به من‏ فعل الراضي فيه. فَفَضَل إِسماعيل غيرَه من ~~الأعيان # بما نعته الحق به من كونه عند ربه مرضياً. # وكذلك كل نفس مطمئنة قيل لها «ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ» فما أمرها أن ترجع إِلا ~~إِلى ربه # الذي دعاها فعرفته‏ من الكل، «راضِيَةً مَرْضِيَّةً». # «فَادْخُلِي فِي عِبادِي» من حيث ما لهم هذا المقام. فالعباد المذكورون # هنا كل عبد عرف ربه تعالى واقتصر عليه ولم ينظر إِلى رب غيره # مع أحدية العين: لا بد من ذلك‏ «وَ ادْخُلِي جَنَّتِي» التي بها سِتْري . # وليست جنتي سواك فأنت تسترني‏ بذاتك. # فلا أُعْرَف إِلا بك كما أنك لا تكون إِلا بي. فمن عرفك عرفني وأنا لا أُعرف # فأنت لا تعرف. # فإِذا دخلت جنته دخلت نفسك فتعرف نفسك معرفة أُخرى غير المعرفة التي # عرفتها حين عرفت ربك بمعرفتك إِياها. # فتكون صاحب معرفتين‏ : معرفة به من حيث أنت، ومعرفة به بك من حيث # هو لا من حيث أنت . # فأنت عبد وأنت ربٌ‏ %~% لمن له فيه أنت عبد # وأنت رب وأنت عبد‏ %~% لمن له في الخطاب عهد # فكل عقد عليه شخص‏‏ %~% يحله من سواه عقد # فرضي اللَّه عن عبيده، فهم مرضيون، ورضوا عنه فهو مرضي. فتقابلت # الحضرتان‏ تقابل الأمثال والأمثال أضداد لأن المثلين‏ لا يجتمعان إِذ لا يتميزان # وما ثم إِلا متميز فما ثم مثل، فما في‏ الوجود مثل، فما في‏ الوجود ضد، # فإِن الوجود حقيقة واحدة والشي‏ء لا يضاد نفسه. # فلم يبق إِلا الحق لم يبق كائن‏‏ %~% فما ثم موصول وما ثم بائن‏ # بذا جاء برهان العيان فما أرى‏‏ %~% بعيني إِلا عينه إِذ أُعاين‏ # «ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ‏ » أن يكونه‏ لعلمه بالتمييز. # دلنا على ذلك جهل أعيان في الوجود بما أتى به عالم. فقد وقع التمييز بين العبيد، # فقد وقع التمييز بين الأرباب. # ولو لم يقع التمييز لفُسِّر الاسم الواحد الإلهي من جميع وجوهه بما يفسر الآخر. # والمعز لا يفسر بتفسير المذل إِلى مثل ذلك، لكنه هو من وجه الأحدية # كما تقول‏ في كل اسم إِنه دليل على الذات وعلى حقيقته من حيث هو. # فالمسمى واحد: فالمعز هو المذل من حيث المسمى، والمعز ليس المذل من حيث نفسه # وحقيقته، فإِن المفهوم يختلف‏ في الفهم في كل واحد منهم: # فلا تنظر إِلى الحق‏‏ %~% وتعريه عن الخلق‏ # ولا تنظر إِلى الخلق‏‏ %~% وتكسوه سوى الحق‏ # ونزهّه وشبّهه‏‏ %~% وقم في مقعد الصدق‏ # وكن في الجمع إِن شئت‏‏ %~% وإِن شئت ففي الفرق‏ # تحزْ بالكل- إِن كل‏‏ %~% تبدى- قصب السبق‏ # فلا تفنى ولا تبقى‏‏ %~% ولا تفني ولا تبقي‏ # ولا يلقى عليك الوحي‏‏ %~% في غير ولا تلقي # . الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد، والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود # بالذات فيثني عليها بصدق الوعد لا بصدق الوعيد، بل بالتجاوز. # «فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ» # «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ» # لم يقل ووعيده، بل قال‏ «وَ نَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ» مع أنه توعد على ذلك. # فأثنى على إِسماعيل بأنه كان صادق الوعد. # وقد زال الإمكان في حق الحق لما فيه من طلب المرجح. # فلم يبق إِلا صادق الوعد وحده‏‏ %~% وما لوعيد الحق عين تعَايَن‏ # وإِن دخلوا دار الشقاء فإِنهم‏‏ %~% على لذة فيها نعيم مباين‏ # نعيمَ جنان الخلد فالأمر واحد‏ %~% وبينهما عند التجلي تباين‏ # يسمى عذاباً من عذوبة طعمه‏‏ %~% وذاك له كالقشر والقشر صاين # . # %~% ### | فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية ### | 08 - فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # الدين دينان، دين عند اللَّه وعند من عرَّفه الحق تعالى ومن عرَّف من عرفه الحق. ~~ودين عند الحق، وقد اعتبره اللَّه‏ . فالدين الذي عند اللَّه هو الذي اصطفاه اللَّه ~~وأعطاه الرتبة العليا على دين الخلق فقال تعالى‏ : # «وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ ~~اصْطَفى‏ لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّأ وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»: أي ~~منقادون إِليه. # وجاء الدين بالألف واللام للتعريف والعهد، فهو دين معلوم معروف وهو قوله تعالى‏ ~~«إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» وهو الانقياد. فالدين عبارة عن ~~انقيادك. والذي من عند اللَّه‏ تعالى هو الشرع الذي انقدت أنت إِليه. فالدين ~~الانقياد ، والناموس هو الشرع الذي شرعه اللَّه تعالى. فمن اتصف بالانقياد لما شرعه ~~اللَّه له فذلك الذي قام بالدين وأقامه، أي أنشأه كما يقيم الصلاة. فالعبد هو ~~المنشئ للدين والحق هو الواضع للأحكام. فالانقياد هو عين فعلك، فالدين‏ من فعلك. ~~فما سعدت إِلا بما كان منك. فكما أثبت للسعادة لك ما كان فِعْلَكَ‏ كذلك ما أثبت ~~الأسماء الإلهية إِلا أفعالهُ وهي أنت وهي المحدثات. # فبآثاره سُمِّي إِله وبآثارك‏ سميت سعيداً. فأنزلك اللَّه تعالى منزلته إِذا أقمت ~~الدين وانقدت إِلى ما شرعه لك. وسأبسط في ذلك إِن شاء اللَّه ما تقع به الفائدة بعد ~~أن نبين الدين الذي عند الخلق الذي اعتبره اللَّه. فالدين كله للَّه وكله منك لا ~~منه إِلا بحكم الأصالة. قال اللَّه تعالى‏ «وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها» وهي ~~النواميس الحكمية التي لم يجي‏ء الرسول المعلوم بها في العامة من عند اللَّه ~~بالطريقة الخاصة المعلومة في العرف. فلما وافقت الحكمة والمصلحةُ الظاهرةُ فيها ~~الحكمَ الإلهي في المقصود بالوضع المشروع الإلهي، اعتبرها اللَّه اعتبار ما شرعه من ~~عنده تعالى، «و ما كتبها اللَّه عليهم». ولم فتح اللَّه بينه وبين قلوبهم باب ~~العناية والرحمة من حيث لا يشعرون جعل في قلوبهم تعظيم ما شرعوه- يطلبون بذلك رضوان ~~اللَّه- على غير الطريقة النبوية المعروفة بالتعريف الإلهي فقال: «فَما رَعَوْها»: ~~هؤلاء الذين شرعوه وشرعت لهم: «حَقَّ رِعايَتِها» «إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ ~~اللَّهِ» وكذلك اعتقدوا، «فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا» بها «مِنْهُمْ ~~أَجْرَهُمْ‏» «وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ»: # أي من هؤلاء الذين شرع فيهم هذه العبادة «فاسِقُونَ» أي خارجون عن الانقياد إِليه ~~والقيام بحقها. ومنْ لم ينْقَد إِليها لم ينقد مشرِّعه‏ بما يرضيه. لكن الأمر يقتضي ~~الانقياد: وبيانه أن المكلَّف إِما منقاد بالموافقة و إِما مخالف، فالموافق المطيع ~~لا كلام فيه لبيانه، وأما المخالف‏ فإِنه يطلب بخلافه الحاكِمِ عليه من اللَّه أحد ~~أمرين إِما التجاوز والعفو، وإِما الأخذ على ذلك، ولا بد من أحدهما لأن الأمر حق في ~~نفسه. فعلى كل حال قد صح انقياد الحق إِلى عبده لأفعاله وما هو عليه من الحال. ~~فالحال هو المؤثر. # فمن هنا كان الدين جزاء أي معاوضة بما يسرُّ وبمألا يسر: فبما يسر «رَضِيَ ~~اللَّهُ عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ» # هذا جزاء بما يسر، «وَ مَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً» هذا ~~جزاء بمألا يسر. # «وَ نَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ» هذا جزاء . فصح أن‏ الدين هو الجزاء، وكما أن ~~الدين هو الإسلام والإسلام عين الانقياد فقد انقاد إِلى ما يسر وإِلى مألا يسر وهو ~~الجزاء. # هذا لسان‏ الظاهر في هذا الباب. وأما سره وباطنه فإِنه تجلٍ‏ في مرآة وجود الحق: ~~فلا يعود على الممكنات من الحق إِلا ما تعطيه‏ ذواتهم في أحوالها، # فإِن لهم في كل حال صورة، فتختلف صورهم لاختلاف أحوالهم، فيختلف التجلي لاختلاف ~~الحال، فيقع الأثر في العبد بحسب ما يكون. # فما أعطاه الخير سواه ولا أعطاه ضد الخير غيره، بل هو منعم ذاته ومعذبها. فلا ~~يذمَّنَّ إِلا نفسه ولا يحمدنَّ إِلا نفسه. «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ» في ~~علمه بهم إِذ العلم يتبع المعلوم. ثم السر الذي فوق هذا في مثل هذه المسألة أن ~~الممكنات على أصلها من العدم، وليس وجودٌ إِلا وجود الحق بصور أحوال ما هي عليه ~~الممكنات في أَنفسه وأعيانها. فقد علمت من يلتذ ومن‏ يتألم وما يعقب كل حال من ~~الأحوال وبه سمي عقوبة وعقاباً وهو سائغ في الخير والشر غير أن العرف سماه في الخير ~~ثواب وفي الشر عقاباً، و بهذا سمى وشرح الدين بالعادة، لأنه عاد عليه ما يقتضيه ~~ويطلبه حاله: فالدين العادة: # قال الشاعر: # كدِينِك من أم الحويرث قبله أي عادتك. # ومعقول العادة أن يعود الأمر بعينه إِلى حاله: وهذا ليس ثَمَّ فإِن العادة تكرار. ~~لكن العادة حقيقة معقولة، والتشابه في الصور موجود: # فنحن نعلم أن زيداً عين عمرو في الإنسانية وما عادت الإنسانية، إِذ لو عادت تكثرت ~~وهي حقيقة واحدة والواحد لا يتكثر في نفسه. ونعلم أن زيداً ليس عين عمرو في ~~الشخصية: فشخص‏ زيد ليس شخص‏ عمرو مع تحقيق وجود الشخصية بما هي شخصية في الاثنين. ~~فنقول في الحس عادت لهذا الشبه، ونقول في الحكم الصحيح لم تعدْ. فما ثَمَّ عادة ~~بوجه وثَمَّ عادة بوجه، كما أن ثَمَّ جزَاءً بوجه وما ثم جزاء بوجه فإِن الجزاء ~~أيضاً حالٌ في الممكن من أحوال الممكن. وهذه‏ مسألة أغفلها علماء هذا الشأن، أي ~~أغفلوا إِيضاحها على ما ينبغي لا أنهم‏ جهلوها فإِنها من سر القَدَر المتحكم في ~~الخلائق . # واعلم أنه كما يقال في الطبيب إِنه خادم الطبيعة كذلك يقال في الرسل والورثة ~~إِنهم خادمو الأمر الإلهي في العموم، وهم في نفس الأمر خادمو أحوال الممكنات. و ~~خِدْمتهم من جملة أحوالهم التي هم عليها في حال ثبوت أعيانهم. # فانظر ما أعجب هذا! إِلا أن الخادم المطلوب هنا إِنما هو واقف عند مرسوم مخدومه ~~إِما بالحال وبالقول، فإِن الطبيب إِنما يصح أن يقال فيه خادم الطبيعة لو مشى بحكم ~~المساعدة لها، فإِن الطبيعة قد أعطت في جسم المريض مزاجاً خاصاً به سمِّي‏ مريضاً، ~~فلو ساعدها الطبيب خدمة لزاد في كمية المرض‏ بها أيضاً، وإِنما يردعها طلباً الصحة- ~~والصحة من الطبيعة أيضاً- بإِنشاء مزاج آخر يخالف‏ هذا المزاج. فإِذن ليس الطبيب ~~بخادم للطبيعة، وإِنما هو خادم لها من حيث إِنه لا يصلِحُ جسم المريض # ولا يغير ذلك‏ المزاج إِلا بالطبيعة أيضاً. ففي حقها يسعى من وجه خاص غير عام لأن ~~العموم لا يصح في مثل هذه المسألة. فالطبيب خادم لا خادم أعني للطبيعة، وكذلك الرسل ~~والورثة في خدمة الحق. والحق‏ على وجهين في الحكم في أحوال المكلَّفين ، فيَجرِي ~~الأمر من العبد بحسب ما تقتضيه إِرادة الحق، وتتعلق إِرادة الحق به بحسب ما يقتضي‏ ~~به علم الحق، ويتعلق علم الحق به على حسب ما أعطاه المعلوم من ذاته: فما ظهر إِلا ~~بصورته. فالرسول والوارث خادم الأمر الإلهي بالإرادة، لا خادم الإرادة . فهو يردُّ ~~عليه به طلباً لسعادة المكلَّف‏ فلو خدم الإرادة الإلهية ما نصح وما نصح إِلا بها ~~أعني بالإرادة. فالرسول والوارث طبيب أُخْروي للنفوس منقاد لأمر اللَّه حين أمره، ~~فينظر في أمره تعالى وينظر في إِرادته تعالى، # فيراه قد أمره بما يخالف إِرادته ولا يكون إِلا ما يريد، ولهذا كان الأمر. فأراد ~~الأمر فوقع، وما أراد وقوع ما أمر به بالمأمور فلم يقع من المأمور، فسمي مخالفة ~~ومعصية. فالرسول مبلِّغ: # ولهذا قال شيبتني «هودٌ» وأخواتها لما تحوي عليه من قوله‏ «فَاسْتَقِمْ كَما ~~أُمِرْتَ» فَشَيَّبَه «كَما أُمِرْتَ‏ » فإِنه لا يدري هل أُمرت بما يوافق الإرادة ~~فيقع، وبما يخالف الإرادة فلا يقع. و لا يعرف أحد حكم الإرادة إِلا بعد وقوع المراد ~~إِلا من كشف اللَّه عن بصيرته فأدرك أعيان الممكنات في حال ثبوتها على ما هي عليه، ~~فيحكم عند ذلك بما يراه. وهذا قد يكون لآحاد الناس في أوقات لا يكون مستصحباً. قال: ~~«ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ» فصرح بالحجاب، وليس المقصود إِلا أن يطلع ~~في أمر خاص لا غير . # . # %~% ### | فص حكمة نورية في كلمة يوسفية # 09 - فص حكمة نورية في كلمة يوسفية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # هذه الحكمة النورية انبساط نورها على حضرة الخيال وهو أول مبادئ الوحي الإلهي # في أهل العناية. # تقول عائشة رضي اللَّه عنها: "أول ما بدى‏ء به رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ~~من‏ # الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيألا خرجت مثل فلق الصبح "تقول لا خفاء بها. # وإلى هنا بلغ علمهألا غير. وكانت‏ المدة له في ذلك ستة أشهر ثم جاءه‏ المَلَك، # وما علمت أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قد قال: «إن الناس نيام فإذا ماتوا ~~انتبهو # »، وكل ما يرى في حال النوم فهو من ذلك القبيل، وإِن اختلفت الأحوال. # فمضى قولها ستة أشهر، بل عمره كله في الدنيا بتلك المثابة: # إنما هو منام في منام. وكل ما ورد من هذا القبيل فهو المسمى عالم الخيال ولهذا ~~يُعَبَّر، # أي الأمر الذي هو في نفسه على صورة كذا ظهر في صورة غيرها، فيجوزُ العابرُ من # هذه الصورة التي أبصرها النائم إلى صورة ما هو الأمر عليه إن أصاب كظهور # العلم في صورة اللبن. # فعبَّر في التأويل من صورة اللبن إلى صورة العلم فتأوَّلَ أي قال: مآل‏ هذه ~~الصورة # اللبنية إلى صورة العلم. # ثم إنه صلى اللَّه عليه وسلم كان إذا أُوحي إليه أُخِذَ عن المحسوسات المعتادة ~~فسجي # ‏ وغاب عن الحاضرين عنده: # فإذا سُرِّي عنه رُدَّ. فما أدركه إلا في حضرة الخيال، إلا أنه لا يسمى نائماً. # وكذلك إذا تمثل له المَلَك رجلًا فذلك من حضرة الخيال، فإنه ليس برجل وإنما هو ~~ملك # ، فدخل في صورة إنسان. # فعبَّره‏ الناظر العارف حتى وصل إلى صورته الحقيقية، فقال هذا جبريل أتاكم ~~يعلمكم‏ # دينكم. # وقد قال لهم ردوا عليَّ الرجل فسماه بالرجل من أجل الصورة التي ظهر لهم فيها. # ثم قال هذا جبريل فاعتبر الصورة التي مآل هذا الرجل المتخيل إليها. فهو صادق في # المقالتين: # صدق للعين‏ في العين الحسِّية، وصدق في أن هذا جبريل، فإنه جبريل بلا شك. # وقال يوسف عليه السلام: «إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَب والشَّمْسَ ~~والْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي # ساجِدِينَ»: فرأى إخوته في صورة الكواكب ورأى أباه وخالته في صورة الشمس والقمر. # هذا من جهة يوسف، ولو كان من جهة المرئي لكان ظهور إخوته في صورة الكواكب # وظهور أبيه وخالته في صورة الشمس والقمر مراداً لهم. فلما لم يكن لهم علم بما رآه # يوسف كان الإدراك من يوسف في‏ خزانة خياله ، وعَلِمَ ذلك يعقوب حين قصها عليه # فقال: «يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى‏ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ ~~كَيْداً» ثم برأ أبناءه عن ذلك # الكيد وألحقَهُ بالشيطان، وليس إلا عين الكيد، فقال: # «إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ» أي ظاهر العداوة. ثم قال يوسف ~~بعد ذلك في آخر # الأمر: «هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا» أي ~~أظهرها في الحس بعد م # كانت في صورة الخيال، # فقال‏ النبي محمد صلى اللَّه عليه وسلم: «الناس نيام»، # فكان قول يوسف: «قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا» بمنزلة من رأى في نومه أنه قد ~~استيقظ من # رؤيا رآها ثم عبرها. # ولم يعلم أنه في النوم عينه ما بَرح، فإذا استيقظ يقول رأيت كذا ورأيت كأني ~~استيقظت # وأوَّلها بكذا. هذا مثل ذلك. # فانظر كم بين إدراك محمد صلى اللَّه عليه وسلم وبين إدراك يوسف عليه السلام في # آخر أمره حين قال: # «هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا». # معناه حساً أي محسوساً، وما كان إلا محسوساً، فإن الخيال لا يعطي أبداً إل # المحسوسات، غير ذلك ليس له. # فانظر ما أشرف علم ورثة محمد صلى اللَّه عليه وسلم. # وسأبسط من القول في هذه الحضرة بلسان يوسف المحمدي ما تقف عليه إن شاء اللَّه # فنقول: اعلم أن المقول عليه «سوى الحق» ومسمى العالم هو بالنسبة إلى الحق كالظل ~~للشخص، وهو ظل اللَّه ، وهو عين نسبة الوجود إلى العالم لأن الظل موجود بلا شك في ~~الحس‏ ، ولكن إذا كان ثم من يظهر فيه ذلك الظل: حتى لو قدرت عدم من يظهر فيه ذلك. # الظل: كان الظل معقولًا غير موجود في الحس، بل يكون بالقوة في ذات الشخص # المنسوب إليه الظل. # فمحل ظهور هذا الظل الإلهي المسمى بالعالم إنما هو أعيان‏ الممكنات: عليها امتد ~~هذ # الظل، # فتدرك من هذا الظل بحسب ما امتد عليه من وجود هذه الذات. # ولكن باسمه النور وقع الإدراك وامتد هذا الظل على أعيان الممكنات في صورة الغيب # المجهول . # ألا ترى الظلال تضرب إلى السواد تشير إلى ما فيها من الخفاء لبعد المناسبة بينه ~~وبين # أشخاص من هي ظل له؟. # وإن كان الشخص أبيض فظله‏ بهذه المثابة. # ألا ترى الجبال إذا بعدت عن بصر الناظر تظهر سوداء وقد تكون في أعيانها على غير # ما يدركها الحس من اللونية، # وليس ثم علة إلا البعد؟. وكزرقة السماء. # فهذا ما أنتجه البعد في الحس في الأجسام غير النيرة. # وكذلك أعيان الممكنات ليست نيرة لأنها معدومة وإن اتصفت بالثبوت لكن لم تتصف # بالوجود إذ الوجود نور . # غير أن الأجسام النيرة يعطي فيها البعد في الحس صغراً ، فهذا تأثير آخر للبعد. # فلا يدركها الحس إلا صغيرة الحجم وهي في أعيانها كبيرة عن ذلك القدر وأكثر كميات # ، كما يعلم بالدليل أن الشمس مثل الأرض في الجرم مائة و ستين‏ مرة، وهي في الحس # على قدر جرم الترس مثلًا. فهذا أثر البعد أيضا. # فما يعلم من العالم إلا قدر ما يعلم من الظلال، ويجهل من الحق على قدر ما يجهل من # الشخص الذي عنه كان ذلك الظل. # فمن حيث هو ظل له يُعْلَم، ومن حيث ما يُجْهَل ما في ذات ذلك الظل من صورة شخص # مَنْ امتد عنه بجهل من الحق. # فلذلك نقول إن الحق معلوم لنا من وجه مجهول‏ لنا من وجه: «أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ ~~رَبِّكَ كَيْفَ # مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً». # أي يكون فيه بالقوة. # يقول ما كان الحق ليتجلى للممكنات حتى‏ يظهر الظل فيكون كما بقي من الممكنات # التي ما ظهر لها عين في الوجود. # «ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا» وهو اسمه النور الذي قلناه، ويشهد ~~له‏ الحس: # فإن الظلال لا يكون لها عين بعدم النور. # «ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً»: # وإنما قبضه إليه لأنه ظله، فمنه ظهر وإليه يرجع الأمر كله‏ . فهو لا غيره. فكل م # ندركه‏ فهو وجود الحق في أعيان الممكنات. # فمن حيث هوية الحق هو وجوده، ومن حيث اختلاف الصور فيه هو أعيان الممكنات. # فكمألا يزول عنه باختلاف الصور اسم الظل، كذلك لا يزول باختلاف الصور اسم العالم # و اسم سوى الحق. # فمن حيث أحدية كونه ظلا هو الحق، لأنه الواحد الأحد. ومن حيث كثرة الصور هو # العالم، فتفطن وتحقق ما أوضحته لك. # وإذا كان الأمر على ما ذكرته لك فالعالم متوهم ما له وجود حقيقي، وهذا معنى ~~الخيال . # أي خيِّل لك أنه أمر زائد قائم بنفسه خارج عن الحق وليس كذلك في نفس الأمر. # ألا تراه في الحس متصلًا بالشخص الذي امتد عنه، ويستحيل عليه الانفكاك عن ذلك # الاتصال لأنه يستحيل على الشي‏ء الانفكاك عن ذاته؟ فاعرف عينك ومن أنت وما هويتك # وما نسبتك إلى الحق، وبما أنت حق وبما أنت عالمٌ وسوى وغيرٌ وما شاكل هذه # الألفاظ. وفي هذا يتفاضل العلماء، فعالم وأعلم. # فالحق بالنسبة إلى ظل خاص صغيرٍ وكبيرٍ، وصافٍ وأصفى، كالنور بالنسبة إلى # حجابه عن الناظر في الزجاج‏ يتلون بلونه، وفي نفس الأمر لا لون له. ولكن هكذا ~~تُراهُ. # ضَرْب مثال‏ لحقيقتك بربك. # فإن قلت: إن النور أخضر لخضرة الزجاج صدقت وشاهِدُكَ الحس، وإن قلت إنه ليس # بأخضر ولا ذي لون لِمَا أعطاه لك الدليل، صدقت وشاهدك النظر العقلي الصحيح. # فهذا نور ممتد عن ظل وهو عين الزجاج فهو ظل نوري لصفائه. # كذلك المتحقق منا بالحق تظهر صورة الحق فيه أكثر مما تظهر في غيره. # فمنا من يكون الحق سمعه وبصره وجميع قوة وجوارحه بعلامات قد أعطاها الشرع # الذي يخبر عن الحق. # مع هذا عين الظل موجود، فإن الضمير من سمعه يعود عليه : وغيرُهُ من العبيد ليس # كذلك. # فنسبة هذا العبد أقرب إلى وجود الحق من نسبة غيره من العبيد. # وإذا كان الأمر على ما قررناه‏ فاعلم أنك خيال وجميع ما تدركه مما تقول فيه ليس # أنا خيال. # فالوجود كله خيال في خيال، والوجود الحق إنما هو اللَّه‏ خاصة من حيث ذاته وعينه # لا من حيث أسماؤه، لأن أسماءه لها مدلولان: المدلول الواحد عينه وهو عين المسمى، ~~والمدلول الآخر ما يدل عليه مما ينفصل الاسم‏ به من هذا الاسم الآخر ويتميز. # فأين الغفور من الظاهر ومن الباطن، وأين الأول من الآخر.؟ # فقد بان لك بما هو كلُّ اسم عينُ الاسم الآخر وبما هو غير الاسم الآخر. # فبما هو عينه هو الحق، وبما هو غيره هو الحق المتخيَّل الذي كنا بصدده . # فسبحان من لم يكن عليه دليل سوى نفسه ولا ثبت كونه إلا بعينه. # فما في الكون إلا ما دلت عليه الأحدية. وما في الخيال إلا ما دلت عليه الكثرة. # فمن وقف مع الكثرة كان مع العالم ومع الأسماء الإلهية وأسماء العالم. # ومن وقف مع الأحدية كان مع الحق من حيث ذاته الغنية عن العالمين . # وإذا كانت غنية عن العالمين‏ فهو عين غنائها عن نسبة الأسماء لها، لأن الأسماء له # كما تدل عليها تدل على مسميات أخر يحقق‏ ذلك‏ أثرُها. # «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» من حيث عينه: «اللَّهُ الصَّمَدُ» من حيث استنادنا ~~إليه: «لَمْ يَلِدْ» من # حيث هويته ونحن، «وَ لَمْ يُولَدْ» كذلك، «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» ~~كذلك. # فهذا نعته فأفرد ذاته بقوله: «اللَّهُ أَحَدٌ» وظهرت الكثرة بنعوته المعلومة ~~عندنا . # فنحن نلد ونولد ونحن نستند إليه ونحن أكفاء بعضنا لبعض. # وهذا الواحد منزه عن هذه النعوت فهو غني عنها كما هو غني عنا. و ما للحق نَسَبٌ # إلا هذه السورة، سورة الإخلاص، وفي ذلك نزلت. # فأحدية اللَّه من حيث الأسماء الإلهية التي تطلبنا أحدية الكثرة، وأحدية اللَّه ~~من حيث # الغنى عن وعن الأسماء أحدية العين، وكلاهما يطلق عليه الاسم الأحد ، فاعلم ذلك. # فما أوجد الحق الظلال وجعلها ساجدة متفيئة عن اليمين والشمال‏ إلا دلائل لك‏ عليك # وعليه لتعرف من أنت وما نسبتك إليه وما نسبته إليك حتى تعلم من أين ومن أي # حقيقة إلهية اتصف ما سوى اللَّه بالفقر الكلي إلى اللَّه، وبالفقر النسبي بافتقار ~~بعضه # إلى بعض، وحتى تعلم من أين ومن أي حقيقة اتصف الحق بالغناء عن الناس والغناء # عن العالمين، واتصف العالم بالغناء أي بغناء بعضه عن بعض من وجهِ ما هو عين # ما افتقر إلى بعضه به. # فإن العالم مفتقر إلى الأسباب بلا شك افتقارا ذاتيا. # وأعظم الأسباب له سببية الحق: ولا سببية للحق يفتقر العالم إليها سوى الأسماء # الإلهية . # والأسماء الإلهية كل اسم يفتقر العالم إليه‏ من عالم مثله وعين الحق. فهو اللَّه ~~لا غيره ، ولذلك قال: «يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ ~~واللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ». # ومعلوم أن لنا افتقاراً من بعضنا لبعضنا. # فأسماؤنا أسماء اللَّه تعالى إذ إليه الافتقار بلا شك، وأعياننا في نفس الأمر ظله ~~لا غيره‏ . # فهو هويتنأ لا هويتنا، وقد مهدنا لك السبيل فانظر . # . # %~% ### | فص حكمة أحدية في كلمة هودية ### | 10- فص حكمة أحدية في كلمة هودية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # إن للَّه الصراط المستقيم %~% ظاهر غير خفي في العموم‏ # في صغير وكبير عينه‏ %~% وجهول بأمور وعليم‏ # ولهذا وسعت رحمته‏ %~% كل شي‏ء من حقير وعظيم‏ # «ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ ~~مُسْتَقِيمٍ». # فكل ماش فعلى صراط الرب المستقيم. فهو غير مغضوب عليهم من هذا الوجه ول # ضالون. فكما كان‏ الضلال عارضاً كذلك الغضب الإلهي عارض، والمآل إلى الرحمة # التي وسعت كل شي‏ء، وهي السابقة . # وكل ما سوى الحق دابّةٌ فإنه ذو روح. # وما ثمَّ من يدب بنفسه وإنما يدب بغيره. فهو يدب بحكم التبعية للذي‏ هو على ~~الصراط # المستقيم، فإنه لا يكون صراط إلا بالمشي عليه. # إذا دان لك الخلق‏ %~% فقد دان لك الحق‏ # وإن دان لك الحق‏ %~% فقد لا يتبع الخلق‏ # فحقق قولنا فيه‏ %~% فقولي كله الحق # فما في الكون موجود %~% تراه ما له نطق‏ # وما خلق تراه العين‏ %~% إلا عينه حق‏ # ولكنْ مودَعٌ فيه‏ %~% لهذا صُورُهُ حُق‏ # اعلم أن العلوم الإلهية الذوقية الحاصلة لأهل اللَّه‏ مختلفة باختلاف القوى ~~الحاصلة منه # مع كونها ترجع إلى عين واحدة . # فإن اللَّه تعالى يقول‏ : «كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي # يبطش به ورجله التي‏ يسعى بها". # فذكر أن هويته هي عين الجوارح التي هي عين العبد. # فالهوية واحدة و الجوارح مختلفة. # ولكل جارحة علم من علوم الأذواق يخصها من عين واحدة تختلف باختلاف الجوارح، # كالماء حقيقة واحدة مختلف في الطعم باختلاف البقاع، فمنه عذب فرات ومنه # ملح أُجاج، وهو ماء في جميع الأحوال لا يتغير عن حقيقته وإن اختلفت طعومه. # وهذه الحكمة من علم الأرْجُل وهو قوله تعالى في الأكل لمن أقام كتبه: «وَ مِنْ ~~تَحْتِ # أَرْجُلِهِمْ». # فإن الطريق الذي هو الصراط هو للسلوك‏ عليه والمشي فيه، والسعي لا يكون إل # بالأرجل. فلا ينتج هذا الشهود في أخذ النواصي بيد من هو على صراط مستقيم إلا هذ # الفن الخاص من علوم‏ الأذواق. # «فيسوق المجرمين» وهم الذين استحقوا المقام الذي ساقهم إليه بريح الدبور التي # أهلكهم عن نفوسهم بها، فهو يأخذ بنواصيهم والريح تسوقهم- وهو عين الأهواء # التي كانوا عليها- إلى جهنم، وهي البعد الذي كانوا يتوهمونه. # فلما ساقهم إلى ذلك الموطن حصلوا في عين القرب فزال البعد فزال مسمى جهنم في # حقهم، ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق لأنهم مجرمون. # فما أعطاهم هذا المقام الذوقي اللذيذ من جهة المِنَّة، وإنما أخذوه‏ بما استحقته ~~حقائقهم # من أعمالهم التي كانوا عليها، وكانوا في السعي في أعمالهم على صراط الرب # المستقيم لأن نواصيهم كانت بيد من له هذه الصفة. # فما مشوا بنفوسهم وإنما مشوا بحكم الجبر إلى أن وصلوا إلى عين القرب . # «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ ولكِنْ لا تُبْصِرُونَ‏»: وإنما هو يبصر ~~فإنه مكشوف الغطاء # «فبصره حديد». # وما خص ميتاً من ميت أي ما خص سعيداً في القرْب‏ من شقي. # «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» وما خص إنساناً من إنسان. # فالقرب الإلهي من العبد لا خفاء به في الإخبار الإلهي. # فلا قرب أقرب من أن تكون هويته عين أعضاء العبد وقواه، وليس العبد سوى هذه # الأعضاء والقوى فهو حق مشهود في خلق متوهم . # فالخلق معقول والحق محسوس مشهود عند المؤمنين وأهل الكشف والوجود. # وما عدا هذين الصنفين فالحق عندهم معقول والخلق مشهود. # فهم بمنزلة الماء الملح‏ الأجاج، والطائفة الأولى بمنزلة الماء العذب الفرات ~~السائغ # لشاربه. # فالناس على قسمين: من الناس من يمشي على طريق يعرفها ويعرف غايتها، فهي # في حقه صراط مستقيم‏ . # ومن الناس من يمشي على طريق يجهله ولا يعرف غايته وهي عين‏ الطريق التي # عرفها الصنف الآخر. # فالعارف يدعو إلى اللَّه على بصيرة، وغير العارف يدعو إلى اللَّه على التقليد ~~والجهالة. # فهذا علم خاص يأتي من أسفل سافلين، لأن الأرجل هي السفل من الشخص، # و أسفل منها ما تحته وليس إلا الطريق. # فمن عرف أن‏ الحق عين الطريق عرف الأمر على ما هو عليه، فإن فيه جل وعلا تسلك # وتسافر إذ لا معلوم إلا هو، وهو عين الوجود والسالك والمسافر. # فلا عالم إلا هو فمن أنت؟ فاعرف حقيقتك وطريقتك، فقد بان لك الأمر على لسان # الترجمان إن فهمت. # وهو لسان حق فلا يفهمه إلا مَنْ فهمُهُ حق: فإن للحق نسباً كثيرة ووجوهاً مختلفة: # ألا ترى عاداً قومَ هود كيف‏ «قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا» فظنوا خيراً باللَّه ~~تعالى # وهو عند ظن عبده به، فأضْرَبَ‏ لهم الحق عن هذا القول فأخبرهم بما هو أتم وأعلى ~~في القرب، فإنه إذا أمطرهم فذلك حظ الأرض وسقى الحبّة فما يصلون إلى نتيجة ذلك ~~المطر إلا عن بعد فقال لهم: «بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها ~~عَذابٌ أَلِيمٌ». # فجعل الريح إشارة إلى ما فيها من الراحة فإن بهذه‏ الريح أراحهم من هذه الهياكل # المظلمة والمسالك الوعرة والسدف المدلهمة، وفي هذه الريح عذاب أي أمر يستعذبونه ~~إذا ذاقوه، إلا أنه يوجعهم لفرقة المألوف. # فباشرهم العذاب فكان الأمر إليهم أقرب مما تخيلوه فدمرت كل شي‏ء بأمر ربها، # "فأصبحوأ لا يُرى إلا مساكنهم» وهي جثتهم التي عمرتها أرواحهم الحقِّية. # فزالت حقية هذه النسبة الخاصة وبقيت على هياكلهم الحياة الخاصة بهم من الحق # التي تنطق بها الجلود والأيدي والأرجل وعذبات الأسواط والأفخاذ . # وقد ورد النص الإلهي بهذا كله، إلا أنه تعالى وصف نفسه بالغيرة، ومن غيرته # «حرَّم‏ الفواحش» وليس الفحش إلا ما ظهر. وأما فحش ما بطن فهو لمن ظهر له . # فلما حرم الفواحش أي منع أن تعرف حقيقة ما ذكرناه، وهي أنه عين الأشياء، # فسترها بالغيرة وهو أنت من الغير. # فالغير يقول السمع سمع زيد، والعارف يقول السمع عين الحق، وهكذا ما بقي من # القوى والأعضاء. فما كل أحد عرف الحق: # فتفاضل الناس وتميزت المراتب فبان الفاضل والمفضول‏ . # واعلم أنه لما أطلعني الحق وأشهدني أعيان رسله عليهم السلام وأنبيائه كلهم # البشريين من آدم إلى محمد صلى اللَّه عليهم وسلم أجمعين في مشهد أُقِمْتُ فيه # بقرطبة سنة ست وثمانين وخمسمائة، ما كلمني أحد من تلك الطائفة إلا هود عليه # السلام فإنه أخبرني بسبب جمعيتهم، ورأيته رجلًا ضخماً في الرجال حسن الصورة # لطيف المحاورة عارفاً بالأمور كاشفاً لها. # ودليلي‏ على كشفه لها قوله: «ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها ~~إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ # مُسْتَقِيمٍ». # وأي بشارة للخلق أعظم من هذه؟ ثم مِن امتنان اللَّه علينا أن أوصل إلينا هذه ~~المقالة # عنه في القرآن، ثم تمها الجامع للكل محمد صلى اللَّه عليه وسلم بما أخبر به عن # الحق بأنه عين السمع والبصر واليد والرِّجل واللسان: أي هو عين الحواس. # و القوى الروحانية أقرب من الحواس. فاكتفى بالأبعد المحدود عن الأقرب المجهول # الحد. # فترجم الحق لنا عن نبيه هود مقاتله لقومه بشرى لنا، وترجم رسول اللَّه صلى اللَّه ~~عليه # وسلم عن اللَّه مقالته بشرى: فكمل العلم في صدور الذين أوتوا العلم‏ # «وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنألا الْكافِرُونَ» فإنهم يسترونه وإن عرفوها حسداً منهم ~~ونفاسة # وظلماً. # وما رأينا قط من‏ عند اللَّه في حقه تعالى في آية أنزله وإخبار عنه وصَله إلينا ~~فيم # يرجع إليه إلا بالتحديد تنزيهاً كان وغير تنزيه . # أوله‏ العماء الذي ما فوقه هواء وما تحته هواء. فكان الحق فيه قبل أن يخلق الخلق. # ثم ذكر أنه استوى على العرش، فهذا أيضاً تحديد. ثم ذكر أنه ينزل إلى السماء الدني # فهذا تحديد. # ثم ذكر أنه في السماء وأنه في الأرض وأنه مَعَنَا أينما كنا إلى أن أخبرنا أنه ~~عينا. # ونحن محدودون، فما وصف نفسه إلا بالحد. وقوله‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ حدٌ ~~أيضاً إن # أخذنا الكف زائدة لغير الصفة. # ومَنْ تميز عن المحدود فهو محدود بكونه ليس‏ عين هذا المحدود. # فالإطلاق عن التقيد تقييد ، والمطلق مقيد بالإطلاق لمن فهم. وإن جعلنا الكاف ~~للصفة # فقد حددناه، وإن أخذنا «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» على نفي المثل تحققنا ~~بالمفهوم وبالإخبار # الصحيح أنه عين الأشياء، والأشياء محدودة وإن اختلفت حدودها. # فهو محدود بحد كل محدود . # فما يُحَدُّ شي‏ء إل وهو الحق. فهو الساري في مسمى المخلوقات والمبدَعات، # ولو لم يكن الأمر كذلك ما صح الوجود. # فهو عين الوجود، «و هو عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَفِيظٌ»* بذاته، «وَ لا يَؤُدُهُ» ~~حفظ شي‏ء. # فحفظه تعالى للأشياء كلها حفظه لصورته أن يكون الشي‏ء غير صورته‏ . # ولا يصح إلا هذا، فهو الشاهد من الشاهد والمشهود من المشهود. # فالعالم صورته، و هو روح العالم المدبر له فهو الإنسان الكبير. # فهو الكون كله‏ %~% وهو الواحد الذي‏ # قام كوني بكونه‏ %~% ولذا قلت يغتذي‏ # فوجودي غذاؤه‏ %~% وبه نحن نحتذي‏ # فبِهِ منه إن نظرت‏ %~% بوجهٍ تعوذي # ولهذا الكرْب تنفس، فنسب النَّفَسَ إلى الرحمن لأنه رحم به ما طلبته النسب ~~الإلهية # من إيجاد صور العالم التي قلنا هي ظاهر الحق إذ هو الظاهر، وهو باطنها إذ هو # الباطن، وهو الأول إذ كان ولا هي، وهو الآخر إذ كان عينها عند ظهورها. # فالآخر عين الظاهر والباطن عين الأول، و «هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» لأنه ~~بنفسه عليم. # فلما أوجد الصور في النَّفَس وظهر سلطان النسب المعبر عنها بالأسماء صحَّ النَّسب # الإلهي للعالَم فانتسبوا إليه تعالى فقال: «اليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي» أي آخذ # عنكم انتسابكم إلى أنفسكم وأردكم إلى انتسابكم إليّ. أين المتقون؟ # أي الذين اتخذوا اللَّه وقاية فكان الحق ظاهرهم أي عين صورهم الظاهرة، وهو أعظم # الناس وأحقه و أقواه عند الجميع. وقد يكون المتقي من جعل نفسه وقاية للحق # بصورته إذ هوية الحق قوى العبد. # فجعل مسمى العبد وقاية لمسمى الحق على الشهود حتى يتميز العالمُ من غير العالم. # «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما ~~يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» وهم # الناظرون في لب الشي‏ء الذي هو المطلوب من الشي‏ء. # فما سبق مقصر مجدّاً كذلك لا يماثل أجيرٌ عبداً. وإذا كان الحق وقاية للحق بوجه # والعبد وقاية للحق بوجه . # فقل في الكون ما شئت: إن شئت قلت هو الخلق، وإن شئت قلت هو الحق، وإن شئت # قلت هو الحق الخلق، وإن شئت قلت لا حق من كل وجه ولا خلق من كل وجه، # وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك فقد بانت المطالب بتعيينك المراتب. # ولو لا التحديد ما أخبرت الرسل بتحول الحق في الصور ولا وَصَفَتْهُ بخلع الصور # عن نفسه . # فلا تنظر العين إِلا إِليه‏ %~% ولا يقع الحكم إِلا عليه‏ # فنحن له وبه في يديه‏ %~% وفي كل حال فإِنا لديه‏ # لهذا ينكر ويعرَف وينزه ويوصف. فمن رأى الحق منه فيه بعينه فذلك العارف، # ومن رأى الحق منه فيه بعين نفسه‏ فذلك غير العارف. ومن لم ير الحق منه ولا فيه # وانتظر أن يراه بعين نفسه‏ فذلك الجاهل. # وبالجملة فلا بد لكل شخص من عقيدة في ربه يرجع بها إِليه ويطلبه فيها فإِذا تجلى ~~له‏ # الحق فيه وأقرَّ به، وإِن تجلى له‏ في غيرها أنكره‏ وتعوذ منه وأساء الأدب عليه # في نفس الأمر وهو عند نفسه أنه قد تأدب معه فلا يعتقد معتقد إِلهألا جَعَلَ في ~~نفسه، # فالإله في الاعتقادات بالجعل، فما رأوألا نفوسهم وما جعلوا فيها. فانظر: # مراتب الناس في العلم باللَّه تعالى هو عين مراتبهم في الرؤية يوم القيامة. # وقد أعلمتك بالسبب الموجب لذلك. # فإِياك أن تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير كثير بل يفوتك العلم ~~بالأمر # على ما هو عليه. فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها فإِن اللَّه‏ تعالى أوسع # وأعظم من‏ أن يحصره عقد دون عقد فإِنه يقول‏ «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ ~~وَجْهُ اللَّهِ» وما ذكر # أيناً من أين. # وذكر أن ثَمَ‏ وجه اللَّه، ووجه الشي‏ء حقيقته. # فنبه بذلك قلوب العارفين‏ لئلا تشغلهم العوارض في الحياة الدنيا عن استحضار مثل # هذا فإِنه لا يدري العبد في أي نَفَسٍ يُقْبَض، فقد يقبض‏ في وقت غفلة فلا يستوي # مع من قبض على حضور. # ثم إِن العبد الكامل مع علمه بهذا يلزم في الصورة الظاهرة والحال المقيّدة ~~التوجُهَ # بالصلاة إِلى شطر المسجد الحرام ويعتقد أن اللَّه في قبلته‏ حال صلاته، وهو بعض # مراتب وجه لحق من‏ «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ». # فشَطْر المسجد الحرام منها، ففيه وجه اللَّه. # ولكن‏ لا تقل هو هنا فقط، بل قف عند ما أدركت والزم الأدب في الاستقبال شطر # المسجد الحرام‏ والزم الأدب في عدم حصر الوجه في تلك الأبنية الخاصة، بل هي من # جملة أينيات ما تولى متولٍ إِليها. # فقد بان لك عن اللَّه تعالى أنه في أينية كل وجهة، وما ثَمَّ إِلا الاعتقادات. # فالكل مصيب، وكل مصيب مأجور وكل مأجور سعيد وكل سعيد مرضي عنه وإِن شقي # زماناً ما في الدار الآخرة. فقد مرض وتألم أهل العناية- مع علمنا بأنهم سعداء # أهل حق- في الحياة الدنيا. # فمن عباد اللَّه من تدركهم تلك الآلام في الحياة الأخرى في دار تسمى جهنم، ومع هذ # لا يقطع أحد من أهل العلم الذين كشفوا الأمر على ما هو عليه أنه لا يكون لهم في ~~تلك # الدار نعيم خاص بهم، إِما بفقد ألم كانوا يجدونه‏ فارتفع عنهم فيكون نعيمهم ~~راحتهم # عن‏ وجدان ذلك الألم، ويكون نعيم مستقل‏ زائد كنعيم أهل الجنان في الجنان واللَّه ~~أعلم . # . # %~% ### | فص حكمة فتوحية في كلمة صالحية ### | 11- فص حكمة فتوحية في كلمة صالحية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # من الآيات آيات الركائب‏ %~% وذلك لاختلاف في المذاهب‏ # فمنهم قائمون‏ بها بحق‏‏ %~% ومنهم قاطعون بها السباسب‏ # فأما القائمون فأهل عين‏‏ %~% وأما القاطعون هم الجنائب‏ # وكل مِنْهُمْ يأتيه منه‏‏ %~% فتوح غيوبه من كل جانب # اعلم وفقك اللَّه أن الأمر مبني في نفسه على الفردية ولها التثليث، فهي من ~~الثلاثة # فصاعداً. فالثلاثة أول‏ الأفراد. وعن هذه الحضرة الإلهية وجد العالم # فقال تعالى‏ «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ ~~فَيَكُونُ» # وهذه‏ ذاتٌ‏ ذاتُ إِرادة وقول. فلو لا هذه الذات وإِرادته وهي نسبة التوجه ~~بالتخصيص # لتكوين أمر ما، ثم لو لا قوله عند هذا التوجه كن لذلك الشي‏ء ما كان ذلك الشي‏ء. # ثم ظهرت الفردية الثلاثية أيضاً في ذلك الشي‏ء، وبها من جهته صح تكوينه واتصافه # بالوجود، وهي شيئيته وسماعه وامتثاله أمر مكونه بالإيجاد. # فقابل‏ ثلاثة بثلاثة: # ذاته الثابتة في حال عدمها في موازنة ذات موجدها، # وسماعه في موازنة إِرادة موجده، # وقبوله بالامتثال لما أُمِرَ به من التكوين في موازنة قوله كن، فكان . # هو فنسب التكوين إِليه فلو لا أنه من- قوته التكوين من نفسه عند هذا القول ما ~~تكوَّن. # فما أوجد هذا الشي‏ء بعد أن لم يكن عند الأمر بالتكوين إِلا نفسه. # فأثبت الحق تعالى أن‏ التكوين للشي‏ء نفسه لا للحق، والذي للحق فيه أمره خاصة. # وكذلك‏ أخبر عن نفسه في قوله‏ «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ ~~نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» # فنسب التكوين لنفس الشي‏ء عن أمر اللَّه وهو الصادق في قوله. # وهذا هو المعقول في نفس الأمر. # كما يقول الآمر الذي يُخَافُ فلا يعصى لعبده قمْ فيقوم العبد امتثالًا لأمر سيده. # فليس للسيد في قيام هذا العبد سوى أمره له بالقيام، والقيام من فعل العبد لا من ~~فعل # السيد . # فقام أصل التكوين على التثليث أي من الثلاثة من الجانبين، من جانب الحق ومن جانب # الخلق. # ثم سرى ذلك في إِيجاد المعاني بالأدلة: # فلا بد من الدليل أن يكون مركباً من ثلاثة على نظام مخصوص وشرط مخصوص، # وحينئذ ينتج لا بد من ذلك، وهو أن يركب الناظر دليله من مقدمتين كل مقدمة تحوي‏ # على مفردين فتكون أربعة واحد من هذه الأربعة يتكرر في المقدمتين لتُرْبَط إِحداهم # بالأخرى كالنكاح فتكون ثلاثة لا غير لتكرار الواحد فيهما . # فيكون المطلوب إِذا وقع هذا الترتيب على الوجه المخصوص وهو ربط إِحدى المقدمتين # بالأخرى بتكرار ذلك الواحِد المفرِد الذي به يصح‏ التثليث. # والشرط المخصوص أن يكون الحكم أعمَّ من العلة ومساوياً لها، وحينئذ يصدق، # وإِن لم يكن كذلك فإِنه ينتج نتيجة غير صادقة . # وهذا موجود في العالم مثل إِضافة الأفعال إِلى العبد معراة عن نسبتها إِلى ~~اللَّه‏ وإِضافة # التكوين الذي نحن بصدده إِلى اللَّه مطلقاً . # والحق ما أضافه الا إِلى الشي‏ء الذي قيل له كن. # ومثاله إِذا أردنا أن ندل أن وجود العالم عن سبب فنقول كل حادث فله سبب فَمَعَنَ # الحادث والسبب. # ثم نقول‏ في المقدمة الأخرى والعالم حادث فتكرر الحادث في المقدمتين. # والثالث قولنا العالم، فأنتج أن العالم له سبب، وظهر في النتيجة ما ذكر في ~~المقدمة # الواحدة وهو السبب. # فالوجه الخاص‏ هو تكرار الحادث، والشرط الخاص‏ عموم العلة لأن العلة في وجود # الحادث السبب، وهو عام في حدوث العالم عن اللَّه أعني الحكم. # فنحكم‏ على كل حادث أن له سبباً سواء كان ذلك السبب مساوياً للحكم ويكون الحكم ~~أعم # منه فيدخل تحت حكمه، فتصدق النتيجة. # فهذا أيضاً قد ظهر حكم التثليث‏ في إِيجاد المعاني التي تقتنص بالأدلة. # فأصل الكون التثليث، ولهذا كانت حكمة صالح عليه السلام التي أظهر الله في تأخير # أخذ قومه ثلاثة أيام وعْداً غير مكذوب، فأنتج صدق وهو الصحيحة التي أهلكهم ~~اللَّه‏ # بها فأصبحوا في ديارهم جاثمين. # فأول يوم من الثلاثة اصفرت وجوه القوم، وفي الثاني احمرت وفي الثالث اسودت. # فلما كملت الثلاثة صح الاستعداد فظهر كون الفساد فيهم فسمى ذلك الظهور هلاكاً، # فكان اصفرار وجوه الأشقياء في موازنة إِسفار وجوه السعداء # في قوله تعالى‏ «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ» من السفور وهو الظهور، كما كان‏ ~~الاصفرار # في أول يومٍ ظهورَ علامة الشقاء في قوم صالح. # ثم جاء في موازنة الاحمرار القائم بهم قوله تعالى في السعداء «ضاحِكَةٌ»، # فإِن الضحك من الأسباب المولدة لاحمرار الوجوه، فهي في‏ السعداء احمرار الوجنات. # ثم جعل في موازنة تغير بشرة الأشقياء بالسواد قوله تعالى‏ «مُسْتَبْشِرَةٌ» وهو ~~ما أثره‏ # السرور في بشرتهم كما أثر السواد في بشرة الأشقياء. # ولهذا قال في الفريقين بالبشرى، أي يقول لهم قولًا يؤثر في بشرتهم فيعدل به # إِلى لون لم تكن البشرة تتصف به قبل هذا. # فقال في حق السعداء «يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ ورِضْوانٍ» # وقال في حق الأشقياء «فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ». # فأثر في بشرة كل طائفة ما حصل في نفوسهم من أثر هذا الكلام. # فما ظهر عليهم في ظاهرهم إِلا حكم ما استقر في بواطنهم من المفهوم. # فما أثر فيهم سواهم كما لم يكن التكوين إِلا منهم. فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ ~~الْبالِغَةُ . # فمن فهم هذه الحكمة وقررها في نفسه وجعلها مشهودة له‏ أراح نفسه من التعلق بغيره # وعلم أنه لا يؤتى عليه بخير ولا بشر إِلا منه. # وأعني بالخير ما يوافق‏ غرضه ويلائم طبعه ومزاجه، وأعني بالشر ما لا يوافق غرضه # ولا يلائم طبعه ولا مزاجه. # ويقيم صاحب هذا الشهود معاذير الموجودات كلها عنهم وإِن لم يعتذروا، و يعلم أنه ~~منه # كان كل ما هو فيه كما ذكرناه أولًا في أن العلم تابع للمعلوم، # فيقول لنفسه إِذا جاءه مألا يوافق غرضه: يداك أوْكَتَ وفوك نفخ. # واللَّه يقول الحق و هو يهدي السبيل. # . # %~% ### | فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية ### | 12 - فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # اعلم أن القلب- أعني قلب العارف باللَّه- هو من رحمة اللَّه، وهو أوسع منها، ~~فإِنه وَسِعَ الحق جل جلاله ورحمته لا تسعه: هذا لسان العموم‏ من باب الإشارة، ~~فإِن‏ الحق راحم ليس بمرحوم فلا حكم للرحمة فيه . وأما الإشارة من لسان الخصوص فإِن ~~اللَّه‏ وصف نفسه بالنَّفَس وهو من التنفيس: # وأن الأسماء الإلهية عين المسمى وليس‏ إِلا هو، وأنها طالبة ما تعطيه من‏ الحقائق ~~وليس الحقائق التي تطلبها الأسماء إِلا العالم. فالألوهية تطلب المألوه، والربوبية ~~تطلب المربوب ، وإِلا فلا عين لهألا به وجود و تقديراً. والحق من حيث ذاته غني عن ~~العالمين. والربوبية ما لها هذا الحكم. # فبقي الأمر بين ما تطلبه الربوبية وبين ما تستحقه الذات من الغنى عن العالم. # وليست الربوبية على الحقيقة والاتصاف‏ إِلا عين هذه الذات. # فلما تعارض الأمر بحكم النسب ورد في الخبر ما وصف الحق به‏ نفسه من الشفقة على ~~عباده . فأول ما نفَّس عن الربوبية بِنَفَسه المنسوب إِلى الرحمن بإِيجاده العالم ~~الذي تطلبه الربوبية بحقيقته وجميع الأسماء الإلهية. # فيثبت‏ من هذا الوجه أن رحمته وسعت كل شي‏ء فوسعت الحق، فهي أوسع من القلب ~~ومساوية له في السعة. هذا مَضَى‏ ، ثم لتعلم أن الحق تعالى كما ثبت في الصحيح يتحول ~~في الصور عند التجلي، وأن الحق تعالى إِذا وسعه القلب لا يسع معه غيره من المخلوقات ~~فكأنه يملؤه. ومعنى هذا أنه إِذا نَظَرَ إِلى الحق عند تجليه له لا يمكن أن ينظر ~~معه إِلى غيره. وقلب العارف من السَّعة كما قال أبو يزيد البسطامي «لو أن العرش وما ~~حواه مائة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به». وقال الجنيد في ~~هذا المعنى: إِن المحدَث إِذا قرن بالقديم لم يبق له أثر، وقلب يسع القديم كيف يحس ~~بالمحدث موجوداً . وإِذا كان الحق يتنوع تجليه في الصور فبالضرورة يتسع القلب ويضيق ~~بحسب الصورة التي يقع فيها التجلي الإلهي، فإِنه لا يفضل شي‏ء عن صورة ما يقع فيها ~~التجلي. فإِن القلب من العارف والإنسان الكامل بمنزلة محل فص الخاتم من الخاتم لا ~~يفضل بل يكون على قدره وشكله من الاستدارة إِن كان الفص‏ مستدير ومن التربيع ~~والتسديس والتثمين وغير ذلك من الأشكال إِن كان الفص مربع ومسدس ومثمن وما كان من ~~الأشكال، فإِن محله من الخاتم يكون مثله لا غير . وهذا عكس ما يشير إِليه الطائفة ~~من أن الحق يتجلى على قدر استعداد العبد. وهذا ليس كذلك، فإِن العبد يظهر للحق على ~~قدر الصورة التي يتجلى له‏ فيها الحق. وتحرير هذه المسألة أن للَّه تجليين. تجلي ~~غيب وتجلي شهادة، فمن تجلي الغيب يعطي الاستعداد الذي يكون عليه القلب، وهو التجلي ~~الذاتي الذي الغيب حقيقته، وهو الهوية التي يستحقها بقوله عن نفسه «هو». فلا يزال ~~«هو» له دائماً أبداً . فإِذا حصل له- أعني للقلب‏ - هذا الاستعداد، تجلى‏ له ~~التجلِّي الشهودي‏ في الشهادة فرآه فظهر بصورة ما تجلى له كما ذكرناه‏ . فهو تعالى ~~أعطاه الاستعداد بقوله‏ «أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ»، ثم رفع الحجاب بينه وبين ~~عبده فرآه في صورة معتقده‏ ، فهو عين اعتقاده. فلا يَشْهَد القلبُ ولا العينُ ~~أبدألا صورة معتقده في الحق . فالحق الذي في المعْتَقَد هو الذي وسع القلب صورته، ~~وهو الذي يتجلى له فيعرفه. فلا ترى العين إِلا الحق الاعتقادي. ولا خفاء بتنوع ~~الاعتقادات: فمن قيده أنكره في غير ما قيده به، وأقر به فيما قيده به إِذا تجلَّى. ~~ومن أطلقه عن التقييد لم ينكره وأقر به‏ في كل صورة يتحول فيه ويعطيه من نفسه قدر ~~صورة ما تجلى له إِلى مألا يتناهى، فإِن صور التجلي ما لها نهاية تقف عندها. وكذلك ~~العلم باللَّه‏ ما له غاية في العارف‏ يقف عندها، بل هو العارف في كل زمان يطلب ~~الزيادة من العلم به. # «رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» ، «رَبِّ زِدْنِي عِلْماً»، «رَبِّ زِدْنِي عِلْماً». ~~فالأمر لا يتناهى من الطرفين . هذا إِذا قلت حق وخلق، فإِذا نظرت في قوله‏ «كنت ~~رِجْلَه التي‏ يسعى به ويده التي‏ يبطش به ولسانه الذي يتكلم به» إِلى غير ذلك من ~~القوى، ومحلها الذي هو الأعضاء، لم تفرق فقلت الأمر حق كله وخلق كله. فهو خلق بنسبة ~~وهو حق بنسبة والعين واحدة. فعين صورة ما تجلى عين صورة من‏ قَبِل ذلك التجلي، فهو ~~المتجلِّي والمتجلي له. فانظر ما أعجبَ أمرَ اللَّه من حيث هويته، ومن حيث نسبته ~~إِلى العالم في حقائق أسمائه الحسنى. # فَمَن ثَمَّ وما ثمه‏ %~% وعين ثم هو ثمه‏ # فمن قد عمه خصه‏ ‏ %~% ومن قد خصه عمَّه‏ # فما عين سوى عين‏ ‏ %~% فنور عينه ظلمه‏ # فمن يغفل عن هذ ‏ %~% يجد في نفسه غمه‏ # وما يعرف ما قلن ‏ %~% سوى عبد له همه # «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» لتقلبه في أنواع الصور ~~والصفات ولم يقل لمن كان له عقل، فإِن العقل قيد فيحصر الأمر في نعت واحد والحقيقة ~~تأبى الحصر في نفس الأمر. فما هو ذكرى لمن كان له عقل وهم أصحاب الاعتقادات الذين ~~يكفر بعضُهم بِبعض ويَلعَنُ بعضهُم بعضَ وما لَهُمْ مِنْ نَاصرين. فإِن إِله‏ ~~المعتقِد ما له حكم في إِله‏ المعتقد الآخر: فصاحب الاعتقاد يذُبُّ عنه أي عن الأمر ~~الذي اعتقده في إِلهه و ينصره، وذلك في اعتقاده لا ينصره، فلهذألا يكون له أثر في ~~اعتقاد المنازع له. و كذا المنازع ما له نصرة من إِلهه الذي في اعتقاده، فَمَا ~~لَهُمْ مِنْ نَاصِرِين، فنفى الحق النُّصْرَة عن آلهة الاعتقادات على انفراد كل ~~معتقد على حدته، والمنصور المجموع، والناصر المجموع. فالحق عند العارف هو المعروف ~~الذي لا ينكر. # فأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة. فلهذا قال‏ «لِمَنْ كانَ لَهُ ~~قَلْبٌ» فَعَلِمَ تقلب الحق في الصور بتقليبه في الأشكال. فمن نفسه عرف نَفْسَه‏ ، ~~وليست نفسه بغير لهوية الحق، ولا شي‏ء من الكون مما هو كائن‏ ويكون بغيرٍ لهوية ~~الحق، بل هو عين الهوية. فهو العارف‏ والعالم والمُقَرُّ في هذه الصورة، وهو الذي ~~لا عارف ولا عالم، وهو المنْكَرُ في هذه الصورة الأخرى. هذا حظ من عرف الحق من ~~التجلي والشهود في عين الجمع، فهو قوله‏ «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» يتنوع في ~~تقليبه. وأما أهل الإيمان وهم المقلدة الذين قلدوا الأنبياء والرسل فيما أخبروا به ~~عن الحق، لا من قلد أصحاب الأفكار والمتأولين الأخبار الواردة بحملها على أدلتهم ~~العقلية، فهؤلاء الذين قلدوا الرسل صلوات اللَّه عليهم وسلامه هم المرادون بقوله ~~تعالى‏ «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ» لما وردت به الأخبار الإلهية على ألسنة الأنبياء ~~صلوات اللَّه وسلامه عليهم، وهو يعني هذا الذي ألقى السمع شهيد ينبه على حضرة ~~الخيال واستعمالها، وهو قوله عليه السلام في الإحسان «أن تَعبد اللَّه كأنكَ تراه»، ~~واللَّه في قبلة المصلي، فلذلك‏ هو شهيد. ومن قلد صاحب نظر فكري وتقيد به فليس هو ~~الذي ألقى السمع، فإِن هذا الذي ألقى السمع لا بد أن يكون شهيداً لما ذكرناه. ومتى ~~لم يكن شهيداً لما ذكرناه فما هو المراد بهذه الآية. فهؤلاء هم الذين قال اللَّه ~~فيهم‏ «إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا» والرسل لا ~~يتبرءون من أتباعهم الذين اتبعوهم . فحقِّقْ يا ولي‏ ما ذكرته لك في هذه الحكمة ~~القلبية. وأما اختصاصها بشُعَيْب، لما فيها من التشعب، أي شعبه ألا تنحصر، لأن كل ~~اعتقاد شعبة فهي شعب كلها، أعني الاعتقادات فإِذا انكشف الغطاء انكشف لكل أحد بحسب ~~معتقده، وقد ينكشف بخلاف معتقده في الحكم، وهو قوله‏ «وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ~~ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ». فأكثرها في الحكم كالمعتزلي يعتقد في اللَّه ~~نفوذ الوعيد في العاصي‏ إِذا مات على غير توبة. فإِذا مات‏ وكان مرحوماً عند اللَّه ~~قد سبقت له عناية بأنه لا يعاقب، وجد اللَّه غفوراً رحيماً، فبدا له من اللَّه ما ~~لم يكن يحتسبه. # وأمَّا في الهوية فإِن بعض العباد يجزم في اعتقاده أن اللَّه كذ وكذا، فإِذا ~~انكشف الغطاء رأى صورة معتقده وهي حق فاعتقدها. وانحلت العقدة فزال الاعتقاد وعاد ~~علماً بالمشاهدة. # وبعد احتداد البصر لا يرجع كليل النظر، فيبدو لبعض العبيد باختلاف التجلي في ~~الصور عند الرؤية خلاف معتقده‏ لأنه‏ لا يتكرر، فيصدق عليه في الهوية «وَ بَدا ~~لَهُمْ مِنَ اللَّهِ» في هويته‏ «ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» فيها قبل كشف ~~الغطاء. وقد ذكرنا صورة الترقي بعد الموت في المعارف الإلهية في كتاب التجليات لنا ~~عند ذكرنا من اجتمعنا به من الطائفة في الكشف وما أفدناهم في هذه المسألة بما لم ~~يكن عندهم. ومن أعجب الأمور أنه في الترقي دائم ولا يشعر بذلك للطافة الحجاب ودقته ~~وتشابه الصور مثل قوله تعالى‏ «وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً». وليس هو الواحد عين ~~الآخر فإِن الشبيهين عند العارفِ أنَّهما شبيهان، غيران‏ ، وصاحب التحقيق يرى ~~الكثرة في الواحد كما يعلم أن مدلول الأسماء الإلهية، وإِن اختلفت حقائقه وكثرت، ~~أنها عين واحدة. فهذه كثرة معقولة في واحد العين. فتكون في التجلي كثرة مشهودة في ~~عين واحدة، كما أن الهيولى تؤخذ في حد كل صورة، وهي‏ مع كثرة الصور واختلافِهَا ~~ترجع في‏ الحقيقة إِلى جوهر واحد هو هيولاها. فمن عرف نفسه بهذه المعرفة فقد عرف ~~ربه فإِنه على صورته خلقه، بل هو عين هويته وحقيقته. ولهذا ما عثر أحد من العلماء ~~على معرفة النفس وحقيقتهألا الإلهيون من الرسل والصوفية. # وأما أصحاب النظر وأرباب الفكر من القدماء والمتكلمين‏ في كلامهم في النفس ~~وماهيتها، فما منهم من عثر على حقيقتها، # ولا يعطيها النظر الفكري أبداً. فمن طلب العلم بها من طريق النظر الفكري فقد ~~استسمن ذا ورم ونفخ في غير ضرم. لا جرم أنهم من‏ «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ~~الْحَياةِ الدُّنْي وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً». فمن طلب ~~الأمر من غير طريقه فما ظفر بتحقيقه، وما أحسن ما قال اللَّه تعالى في حق العالَم ~~وتبدله مع الأنفاس. # «في خلق جديد» في عين واحدة، فقال في حق طائفة، بل أكثرِ العالم، «بَلْ هُمْ فِي ~~لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ». فلا يعرفون تجديد الأمر مع الأنفاس. # لكن قد عثرت عليه الأشاعرة في بعض الموجودات وهي الأعراض، وعثرت عليه ~~الحِسْبَانية في العالم كله . وجهَّلهُمْ أهل النظر بأجمعهم. # ولكن أخطأ الفريقان: أما خطأ الحسبانية فبكونهم ما عثروا مع قولهم بالتبدل في ~~العالم بأسره على أحدية عين الجوهر الذي قَبِلَ هذه الصورة ولا يوجد إِلا بها كمألا ~~تعقل إِلا به. فلو قالوا بذلك فازوا بدرجة التحقيق في الأمر. وأما الأشاعرة فما ~~علموا أن العالم كله مجموع أعراض فهو في الأمر. وأما الأشاعرة فما علموا أن العالم ~~كله مجموع أعراض فهو يتبدل‏ في كل زمان إِذِ الْعَرَضُ لا يبقى زمانين. ويظهر ذلك ~~في الحدود للأشياء، فإِنهم إِذا حدوا الشي‏ء تبين في حدهم كونه‏ الأعراض، وأن هذه ~~الأعراض المذكورة في حده # عين هذا الجوهر وحقيقته القائِمِ‏ بنفسه. ومن‏ حيث هو عرض لا يقوم بنفسه. فقد جاء ~~من مجموع مألا يقوم بنفسه من يقوم بنفسه‏ كالتحيز في حد الجوهر القائم بنفسه ~~الذاتي‏ وقبوله للأعراض حدٌّ له ذاتي . ولا شك أن القبول عرض إِذ لا يكون إِلا في ~~قابل لأنه لا يقوم بنفسه: وهو ذاتي للجوهر. والتحيز عرض لا يكون إِلا في متحيز، فلا ~~يقوم بنفسه. وليس التحيز عرض لا يكون إِلا في متحيز، فلا يقوم بنفسه. وليس التحيز ~~والقبول بأمر زائد على عين الجوهر المحدود لأن الحدود الذاتية هي عين المحدود و ~~هويته، فقد صار مألا يبقى زمانين يبقى زمانين‏ وأزمنة وعاد مألا يقوم بنفسه يقوم ~~بنفسه. # ولا يشعرون لما هم عليه، وهؤلاء هم في لَبْسٍ من خلق جديد. وأما أهل الكشف فإِنهم ~~يرون أن اللَّه‏ يتجلى في كل نَفَسٍ ولا يكرر التجلي، ويرون أيضاً شهوداً أن كل ~~تجلٍ يعطي خلقاً جديد ويذهب بخلق. فذهابه هو عين الفناء عند التجلي والبقاء لما ~~يعطيه التجلي الآخر فافهم. # . ### | فص حكمة ملكية في كلمة لوطية ### | 13 - فص حكمة مَلْكية في كلمة لوطية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # المَلْكُ الشدة والمليك الشديد: يقال ملكت العجين إذا شددت عجينه. # قال قيس بن الحطيم‏ يصف طعنة: # ملكت بها كفي فانهرتُ فتقه %~% يَرى قائمٌ من دونها ما وراءه # أي شددت بها كفي يعني الطعنة. فهو قول اللَّه تعالى عن لوط عليه السلام‏ «لَوْ ~~أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً وآوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ». فقال رسول اللَّه صلى ~~اللَّه عليه وسلم يرحم اللَّه أخى لوطاً: لقد كان يأوي إلى ركن شديد. # فنبه صلى اللَّه عليه وسلم أنه كان مع اللَّه من كونه شديداً. والذي قصد لوط عليه ~~السلام القبيلةُ بالركن الشديد: والمقاومة بقوله‏ «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً» ~~وهي الهمة هنا من البشر خاصة. فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فمن ذلك ~~الوقت- يعني من الزمن الذي قال فيه عليه السلام‏ «أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ» ~~ما بعث نبيٌ‏ بعد ذلك إلا في منعة من قومه، فكان يحميه قبيله‏ كأبي طالب مع رسول ~~اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. فقوله‏ «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً» لكونه عليه ~~السلام سمع اللَّه تعالى يقول‏ «اللَّهُ‏ الَّذِي‏ خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ» ~~بالأصالة، "ثم جعل من بعد ضعف قوة" فعرضت القوة بالجعل فهي قوة عرضية، «ثُمَّ ~~جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْف وشَيْبَةً» فالجعل تعلق بالشيبة، وأما الضعف فهو ~~رجوع إلى أصل خلقه وهو قوله‏ خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ‏، فرده‏ لما خلقه منه كما قال‏ ~~«يُرَدُّ إِلى‏ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً». ~~فذكر أنه رُدَّ إلى الضعف الأول فحكم الشيخ حكم الطفل في الضعف. وما بُعِثَ نبي إلا ~~بعد تمام الأربعين وهو زمان أخذه في النقص والضعف. فلهذا قال‏ «لَوْ أَنَّ لِي ~~بِكُمْ قُوَّةً» مع كون ذلك يطلب همة مؤثرة. فإن قلت وما يمنعه من الهمة المؤثرة ~~وهي موجودة في السالكين من الاتباع، والرسل أولَى بها؟ قلنا صدقت: ولكن نَقَصَكَ ~~علم آخر، وذلك أن المعرفة لا تترك للهمة تصرفاً. فكلما علت معرفته نقص تصرفه بالهمة ~~، وذلك لوجهين: الوجه الواحد لتحققه‏ بمقام العبودية ونظرِهِ إلى أصل خلقه الطبيعي، ~~والوجه الآخر أحدية المتصرِّف و المتصرَّف فيه: فلا يرى على مَنْ يرسِل همته فيمنعه ~~ذلك. وفي هذا المشهد يرى أن المنازع له ما عدل عن حقيقته التي هو عليها في حال ثبوت ~~عينه وحال عدمه. فما ظهر في الوجود إلا ما كان له في حال العدم في الثبوت، فما ~~تعدى‏ حقيقته ولا أخلَّ بطريقته. فتسميةُ ذلك نزاعاً إنما هو أمر عرضي أظهره‏ ~~الحجاب الذي على أعين الناس كما قال اللَّه‏ فيهم «وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا ~~يَعْلَمُونَ: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْي وهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ ~~هُمْ غافِلُونَ‏»: وهو من المقلوب فإنه من قولهم‏ «قُلُوبُنا غُلْفٌ»* أي في غلاف ~~وهو الكنُّ الذي ستره عن إدراك الأمر على ما هو عليه. فهذ وأمثاله يمنع العارف من ~~التصرف في العالم قال الشيخ أبو عبد اللَّه بن قايد للشيخ أبي السعود بن الشبل‏ ~~لِمَ لا تتصرف؟ فقال‏ أبو السعود تركت الحق يتصرف لي كما يشاء: يريد قوله تعالى ~~آمِراً «فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» فالوكيل هو المتصرف ولا سيم وقد سمع اللَّه تعالى ~~يقول‏ «وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ». فعلم أبو السعود ~~والعارفون أن الأمر الذي‏ بيده ليس له وأنه مستخلف فيه. ثم قال له الحق هذا الأمر ~~الذي استخلفتك فيه و ملَّكتك إياه: اجعلني واتخذني وكيلًا فيه، فامتثل أبو السعود ~~أمر اللَّه فاتخذه‏ وكيلًا. فكيف‏ يبقى لمن يشهد هذا الأمر همة يتصرف بها، والهمة ~~لا تفعل إلا بالجمعية التي لا متسع‏ لصاحبها إلى غير ما اجتمع عليه؟ وهذه المعرفة ~~تفرَّقهُ عن هذه الجمعية. فيظهر العارف‏ التام المعرفة بغاية العجز والضعف. قال بعض ~~الأبدال للشيخ عبد الرزَّاق‏ رضي اللَّه عنه قل للشيخ أبي مدين بعد السلام عليه يا ~~أبا مدين لم لا يعتاص علينا شي‏ء وأنت تعتاص عليك الأشياء: ونحن نرغب في مقامك وأنت ~~لا ترغب في مقامنا؟ و كذلك كان مع كون أبي مدين رضي اللَّه عنه كان عنده ذلك المقام ~~وغيره: ونحن أتم في مقام الضعف والعجز منه. ومع هذا قال له هذا البدل ما قال. وهذا ~~من ذلك القبيل أيضاً. وقال صلى اللَّه عليه وسلم في هذا المقام عن أمر اللَّه له ~~بذلك‏ «ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ ~~إِلَيَّ». فالرسول بحكم ما يوحى إليه به‏ ما عنده غير ذلك. فإن أُوحِيَ إليه ~~بالتصرف بجزم‏ تصرَّفَ: وإن منِعَ امتنع، وإن خُيِّر اختار ترْك‏ التصرف إلا أن ~~يكون ناقص المعرفة. قال أبو السعود لأصحابه المؤمنين به إن اللَّه أعطاني التصرف ~~منذ خمس عشرة سنة وتركناه تظرفاً. هذا لسان إدْلال‏ . وأما نحن فما تركناه تظرفاً- ~~وهو تركه إيثاراً- وإنما تركناه لكمال المعرفة، فإن المعرفة لا تقتضيه بحكم ~~الاختيار. فمتى تصرف العارفُ بالهمة في العالم فعن أمر إلهي وجبر لا باختيار . ولا ~~نشك‏ أن مقام الرسالة يطلب التصرف لقبول الرسالة التي جاء بها، فيظهر عليه ما يصدقه ~~عند أمته وقومه ليظهر دين اللَّه. والولي ليس كذلك. ومع هذا فلا يطلبه الرسول في ~~الظاهر لأن للرسول‏ الشفقة على قومه، فلا يريد أن يبالغ في ظهور الحجة عليهم، فإن ~~في ذلك هلاكهم: # فيبقي عليهم. وقد علم الرسول أيضاً أن الأمر المعجز إذا ظهر للجماعة منهم من يؤمن ~~عند ذلك ومنهم من يعرفه ويجحده ولا يظهر التصديق به ظلم وعلُوّ وحسداً، و منهم من ~~يُلْحِق ذلك بالسِّحر والإبهام. فلما رأت الرسل ذلك وأنه لا يؤمن إلا من‏ أنار ~~اللَّه قلبه بنور الإيمان: ومتى لم ينظر الشخص بذلك النور المسمى إيماناً فلا ينفع ~~في حقه الأمر المعجز. فقصرت الهمم عن طلب الأمور المعجزة لما لم يعم أثرها في ~~الناظرين ولا في قلوبهم كما قال في حق أكمل الرسل وأعلم الخلق وأصدقهم في الحال‏ ~~«إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ». ولو ~~كان للهمة أثر ولا بد، لم يكن أحد أكمل من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ولا ~~أعلى ولا أقوى همة منه، وما أثَّرتْ في إسلام أبي طالب عمِّه، وفيه نزلت الآية التي ~~ذكرناها: # ولذلك قال في الرسول إنه ما عليه إلا البلاغ، وقال‏ «لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ~~ولكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ». وزاد في سورة القصص‏ «وَ هُوَ أَعْلَمُ ~~بِالْمُهْتَدِينَ» أي بالذين أعطوه العلم بهدايتهم في حال عدمهم بأعيانهم الثابتة. ~~فأثبت‏ أن العلم تابع للمعلوم. فمن كان مؤمناً في ثبوت عينه وحال عدمه ظهر بتلك ~~الصورة في حال وجوده. وقد علم اللَّه ذلك منه أنه هكذا يكون، فلذلك قال‏ «وَ هُوَ ~~أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ». # فلما قال مثل هذا قال أيضاً «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» لأن قولي على حد ~~علمي في خلقي، «وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» أي ما قدَّرت عليهم الكفر الذي ~~يشقيهم ثم طلبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به. # بل ما عاملناهم إلا بحسب ما علمناهم، وما علمناهم إلا بما أعطونا من نفوسهم مما ~~هم عليه، فإن كان ظلم فهم الظالمون. ولذلك‏ قال‏ «وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ ~~يَظْلِمُونَ». فما ظلمهم اللَّه. كذلك ما قلنا لهم إلا ما أعطته ذاتنا أن نقول لهم، ~~وذاتنا معلومة لنا بما هي عليه من أن نقول كذ ولا نقول كذا. فما قلنألا ما علمنا ~~أنَّا نقول. فَلَنا القول منا، ولهم الامتثال وعدم الامتثال مع السماع منهم‏ # فالكل من ومنهم‏ %~% والأخذ عن وعنهم‏ # إن لا يكونون من %~% فنحن لا شك منهم # فتحقق يا ولي هذه الحكمة الملكية في‏ الكلمة اللوطية فإنها لباب المعرفة # فقد بان لك السر %~% وقد اتضح الأمر # وقد أُدرج في الشفع‏ %~% الذي‏ قيل هو الوتر # . # %~% ### | فص حكمة قدرية في كلمة عزيرية ### | 14 - فص حكمة قَدَرِيَّة في كلمة عُزَيْرية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي ~~الحاتمي # اعلم أن القضاء حكم اللَّه‏ في الأشياء، وحكم اللَّه‏ في الأشياء على حد علمه به ~~وفيها. وعلم اللَّه في الأشياء على ما أعطته المعلومات مما هي عليه في نفسها. ~~والقدر توقيت ما هي عليه الأشياء في عينها من غير مزيد. فما حَكَمَ القضاء على ~~الأشياء إلا بها. وهذا هو عين سر القدر «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ‏ وأَلْقَى‏ ~~السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ». «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ» . فالحاكم في ~~التحقيق تابع لعين المسألة التي يحكُمُ فيها بما تقتضيه ذاتها. فالمحكوم عليه بما ~~هو فيه حاكم على الحاكم أن يحكم عليه بذلك. فكل حاكم محكوم عليه بما حَكَمَ به ~~وفيه: كان الحاكم‏ من كان. فتحقق هذه المسألة فإن القدر ما جُهِلَ إلا لشدة ظهوره، ~~فلم يُعرَف وكثر فيه الطلب والإلحاح. واعلم أن الرسل صلوات اللَّه عليهم- من حيث هم ~~رسل لا من حيث هم أولياء وعارفون- على مراتب ما هي عليه أممهم. فما عندهم من العلم ~~الذي أُرسِلُوا به إلا قدر ما تحتاج إليه أُمة ذلك الرسول: لا زائد ولا ناقص. # والأمم متفاضلة يزيد بعضها على بعض. فتتفاضل الرسل في علم الإرسال بتفاضل أممها، ~~و هو قوله تعالى‏ «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ» كما هم ~~أيضاً فيما يرجع إلى ذواتهم عليهم السلام من العلوم والأحكام متفاضلون بحسب ~~استعداداتهم، وهو قوله‏ «وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ». ~~وقال تعالى في حق الخلق‏ «وَ اللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ فِي ~~الرِّزْقِ». والرزق منه ما هو روحاني كالعلوم، وحسيٌّ كالأغذية، وما ينزله الحق إلا ~~بقَدَر معلوم، وهو الاستحقاق الذي يطلبه الخلق: فإن اللَّه‏ «أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ ~~خَلْقَهُ» فينزِّل بقدر ما يشاء، وما يشاء إلا ما عَلِمَ فحكم به. وما علم- كما ~~قلناه‏ - إلا بما أعطاه المعلوم‏ . فالتوقيت في الأصل للمعلوم، والقضاء والعلم ~~والإرادة والمشيئة تبع للقدر . فسرُّ القدر من أجلِّ العلوم، وما يفهِّمه اللَّه ~~تعالى إلا لمن اختصه بالمعرفة التامة. فالعلم به يعطي الراحة الكلية للعالم‏ به، ~~ويعطي العذاب الأليم للعالم به أيضاً . فهو يعطي النقيضين. # وبه وصف الحق نفسه بالغضب والرضا ، وبه تقابلت الأسماء الإلهية . فحقيقته تحكم في ~~الوجود المطلق والوجود المقيد، لا يمكن أن يكون شي‏ء أتمَّ منها ولا أقوى ولا أعظم ~~لعموم حكمها المتعدي وغير المتعدي. ولما كانت الأنبياء صلوات اللَّه عليهم لا تأخذ ~~علومهأ لا من الوحي الخاص الإلهي، فقلوبهم ساذجة من النظر العقلي لعلمهم بقصور ~~العقل من حيث نظره الفكري، عن إدراك الأمور عَلَى ما هي عليه. # والإخبار أيضاً يقصر عن إدراك مألا ينال إلا بالذوق. فلم يبق العلم الكامل إلا في ~~التجلي الإلهي وما يكشف الحق عن أعين البصائر والأبصار من الأغطية فتدرك الأمور ~~قديمه وحديثها، وعدمه ووجودها، ومُحَاله وواجبه وجائزها على ما هي عليه في حقائقه ~~وأعيانها. فلما كان مطلب العُزَيْر على الطريقة الخاصة، لذلك وقع العَتْب عليه كما ~~ورد في الخبر. فلو طلب الكشف الذي ذكرناه ربما كان‏ لا يقع عليه عتب‏ في ذلك. ~~والدليل عَلَى سذاجة قلبه قوله في بعض الوجوه‏ «أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ ~~بَعْدَ مَوْتِها». وأما عندنا فصورته عليه السلام في قوله هذا كصورة إبراهيم عليه ~~السلام في‏ قوله‏ «رَبِ‏ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏». ويقتضي ذلك الجوابَ ~~بالفعل الذي أظهره الحق فيه في قوله تعالى‏ «فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ ~~بَعَثَهُ» فقال له‏ «وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها ~~لَحْماً» فعاين كيف تنبت الأجسام معاينة تحقيق، فأراه الكيفية. فسأل عن القَدَر ~~الذي لا يدرك إلا بالكشف للأشياء في حال ثبوتها في عدمها، فما أُعْطِيَ ذَلك فإن ~~ذلك من خصائص الاطلاع الإلهي، فمن المحال أن يعلمه إلا هو فإنها المفاتح‏ الأوَل، ~~أعني مفاتح‏ الغيب التي لا يعلمهألا هو. وقد يطلع اللَّه من شاء من عباده علَى بعض ~~الأمور من ذلك. # واعلم أنها لا تسمى مفاتح‏ إلا في حال الفتح، وحال الفتح هو حال تعلق التكوين ~~بالأشياء، وقل إن شئت حال تعلق القدرة بالمقدور ولا ذوق لغير اللَّه‏ في ذلك. فلا ~~يقع فيها تجلّ ولا كشف، إذ لا قدرة ولا فعل إلا للَّه‏ خاصة، إذ له الوجود المطلق ~~الذي لا يتقيد. فلما رأينا عتب الحق له عليه السلام في سؤاله في القدر علمنا أنه ~~طلب هذا الاطلاع، فطلب أن يكون له قدرة تتعلق بالمقدور، و ما يقتضي ذلك إلا مَنْ له ~~الوجود المطلق. فطلب مألا يمكن وجوده في الخلق ذوقاً، فإن الكيفيات لا تدرك إلا ~~بالأذواق. # وأما ما رويناه مما أوحى اللَّه‏ به إليه لئن لم تنته لأمحون‏ اسمك من ديوان ~~النبوة، أي أرفع عنك طريق الخَبرِ وأعطيك الأمور على التجلي، و التجلي لا يكون إلا ~~بما أنت عليه من الاستعداد الذي به يقع الإدراك الذوقي، فتعْلَم أنك ما أدركت إلا ~~بحسب استعدادك فتنظر في هذا الأمر الذي طلبْتَ، فإذا لم تره تعلم أنه ليس عندك ~~الاستعداد الذي تطلبه وأن ذلك من خصائص الذات الإلهية. # و قد علمت أن اللَّه أعطى كل شي‏ء خلقه: ولم يعطك هذا الاستعداد الخاص، فما هو ~~خلْقَك، ولو كان خلَقَك لأعطاكه الحق الذي أخبر أنه‏ «أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ ~~خَلْقَهُ». فتكون أنت الذي تنتهي عن مثل هذا السؤال من نفسك، لا تحتاج فيه إلى نهي ~~إلهي. وهذه عناية من اللَّه بالعزيْر عليه السلام عَلِمَ ذلك من علمه وجهله من ~~جهله. # واعلم أن الولاية هي الفلك‏ المحيط العام ، ولهذا لم تنقطع، ولها الإنباء العام. # وأما نبوة التشريع والرسالة فمنقطعة . وفي محمد صلى اللَّه عليه وسلم قد انقطعت، ~~فلا نبي بعده: يعني مشرِّع ومشرَّعاً له، ولا رسول وهو المشرع. وهذا الحديث قَصَمَ ~~ظهور أولياء اللَّه لأنه يتضمن انقطاع ذوق العبودية الكاملة التامة. فلا ينطلق عليه ~~اسمها الخاص بها فإن العبد يريد ألَّا يشارك سيده- وهو اللَّه‏ - في اسم، واللَّه‏ ~~لم يتسمَ‏ بنبي ولا رسول، وتسمى بالولي واتصف بهذا الاسم فقال‏ «اللَّهُ‏ وَلِيُّ ~~الَّذِينَ آمَنُوا»: وقال‏ «هُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ». # وهذا الاسم باقٍ جار على عباد اللَّه دني وآخرة. فلم يبق اسم يختص به العبد دون ~~الحق بانقطاع النبوة والرسالة: إلا أن اللَّه لَطَفَ‏ بعباده، فأبقى لهم النبوة ~~العامة التي لا تشريع فيها، وأبقى لهم التشريع في الاجتهاد في ثبوت الأحكام، وأبقى ~~لهم الوراثة في التشريع فقال «العلماء ورثة الأنبياء». وما ثَمَّ ميراث في ذلك إلا ~~فيما اجتهدوا فيه من الأحكام فشرَّعوه. فإذا رأيت النبي يتكلم بكلام خارج عن ~~التشريع ف من حيث هو ولي‏ وعارف ، ولهذا، مقامه من حيث هو عالم أتم وأكمل من حيث هو ~~رسول وذو تشريع و شرع. فإذا سمعت أحداً من أهل اللَّه يقول وينْقَل إليك عنه أنه ~~قال الولاية أعلى من النبوة، فليس يريد ذلك القائل إلا ما ذكرناه. ويقول إن الولي ~~فوق النبي و الرسول، فإنه يعني بذلك في شخص واحد: وهو أن الرسول عليه السلام- من ~~حيث هو ولي- أتم من حيث هو نبي رسول‏ ، لا أن الولي التابع له أعلى منه، فإن التابع ~~لا يدرك المتبوع أبداً فيما هو تابع له فيه‏ ، إذ لو أدركه لم يكن تابعاً له فافهم. ~~فمرجع الرسول والنبي المشرع إلى الولاية والعلم. ألا ترى اللَّه تعالى قد أمره بطلب ~~الزيادة من العلم لا من غيره فقال له آمِراً «وَ قُلْ‏ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً». ~~وذلك أنك تعلم أن الشرع تكليف بأعمال مخصوصة ونهي عن أفعال مخصوصة ومحلها هذه الدار ~~فهي منقطعة، والولاية ليست كذلك إذ لو انقطعت لانقطعت من حيث هي كما انقطعت الرسالة ~~من حيث هي. وإذا انقطعت من حيث هي لم يبق لها اسم. والولي اسم باق للَّه تعالى، فهو ~~لعبيده تخلق وتحقق وتعلقاً . فقوله للعزير لئن لم تنته عن السؤال عن ماهية القَدَر ~~لأمحون‏ اسمك من ديوان النبوة فيأتيك الأمر على الكشف بالتجلي ويزول عنك اسم النبي ~~و الرسول، وتبقى له ولايته. إلا أنه لما دلت قرينة الحال أن هذا الخطاب جرى مجرى ~~الوعيد علم من اقترنت عنده هذه الحالة مع الخطاب أنه وعيد بانقطاع خصوص بعض مراتب ~~الولاية في هذه الدار، إذ النبوة والرسالة خصوص رتبة في‏ الولاية على بعض ما تحوي ~~عليه الولاية من المراتب. فيعلم أنه أعلى من الولي الذي لا نبوة تشريع عنده ولا ~~رسالة. ومن اقترنت عنده حالة أخرى تقتضيها أيضاً مرتبة النبوة، يثبت عنده أن هذا ~~وعد لا وعيد. # فإن سؤاله عليه السلام مقبول إذ النبي هو الولي الخاص. ويَعْرِف بقرينة الحال أن ~~النبي من حيث له في الولاية هذا الاختصاص محال أن يُقْدِمَ على ما يَعْلَم أن ~~اللَّه يكرهه منه، ويقدم على ما يعلم أن‏ حصوله محال. فإذا اقترنت هذه الأحوال عند ~~من اقترنت عنده‏ وتقررت عنده، أخرج هذا الخطاب الإلهي عنده في قوله «لأمحون‏ اسمك ~~من ديوان النبوة» مخرج الوعْد، وصار خبراً يدل على‏ علو رتبةٍ باقية، وهي المرتبة ~~الباقية على الأنبياء والرسل في الدار الآخرة التي ليست بمحلٍ لِشَرْع‏ يكون عليه ~~أحد من خلق اللَّه في جنة ولا نار بعد دخول الناس فيهما. وإنما قيدناه بالدخول في ~~الدارين- الجنة والنار- لما شرع يوم القيامة لأصحاب الفترات والأطفال الصغار ~~والمجانين ، فيحشر هؤلاء في صعيد واحد لإقامة العدل والمؤاخذة بالجريمة و الثواب ~~العملي في أصحاب الجنة. فإذا حُشِروُا في صعيد واحد بمعزل عن الناس بعث فيهم نبي من ~~أفضلهم وتمثل لهم نار يأتي بها هذا النبي المبعوث في ذلك اليوم فيقول لهم أنا رسول ~~الحق إليكم، فيقع عندهم التصديق به ويقع التكذيب عند بعضهم. # ويقول لهم اقتحموا هذه النار بأنفسكم، فمن أطاعني نج ودخل الجنة، ومن عصاني و ~~خالف أمري هلك وكان‏ من أهل النار. فمن امتثل أمره منهم ورمى بنفسه فيها سعد ونال ~~الثواب العملي ووجد تلك النار برد وسلاماً. ومن عصاه استحق العقوبة فدخل النار ونزل ~~فيها بعمله المخالف ليقوم العدل من اللَّه في عباده. وكذلك قوله تعالى‏ «يَوْمَ ~~يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ» أي أمر عظيم من أمور الآخرة، «وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ» ~~وهذا تكليف وتشريع. فمنهم من يستطيع ومنهم من لا يستطيع، وهم الذين قال اللَّه‏ ~~فيهم‏ «وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ» كما لم يستطع في ~~الدنيا امتثالَ أمر اللَّه‏ بعضُ العباد كأبي جهل وغيره. فهذا قدر ما يبقى‏ من ~~الشرع في الآخرة يوم القيامة قبل دخول الجنة والنار، فلهذا قيدناه. والحمد للَّه‏ . # . # %~% ### | فص حكمة نبوية في كلمة عيسوية ### | 15- فص حكمة نَبَوِيَّة في كلمة عيسوية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي ~~الحاتمي # عن ماء مريم وعن نفخ جبريل %~% في صورة البشر الموجود من طين‏ # تكوَّن الروح في ذات مطهرة %~% من الطبيعة تدعوها بسجين‏ # لأجل ذلك قد طالت إقامته‏ %~% فيها فزاد على ألْفٍ بتعيين # روح من اللَّه لا من غيره فلذ %~% أحيا الموات وأنشا الطير من طين # حتى يصح له من ربه نَسَبٌ‏ %~% به يؤثر في العالي وفي الدون‏ # اللَّه طهره جسم ونزهه‏ %~% روح وصيَّره مثلًا بتكوين‏ # اعلم أن من خصائص الأرواح أنهألا تطأ شيئألا حَيِيَ ذلك الشي‏ء وسَرَت الحياة ~~فيه. ولهذا قبض السامري قبضة من أثر الرسول الذي هو جبريل عليه السلام وهو الروح . ~~وكان السامري عالماً بهذا الأمر. فلما عرف أنه جبريل، عرف أن الحياة قد سَرَتْ فيما ~~وطئ عليه، فقبض قبضة من أثر الرسول بالصاد وبالضاد أي بمل‏ء وبأطراف أصابعه، فنبذها ~~في العِجْلِ فخار العجل، إذ صوْتُ البقر إنما هو خُوَار، ولو أقامه صورة أخرى ~~لنُسِبَ إليه اسم الصوت الذي لتلك الصورة كالرغاء للإبل والثؤاج للكباش‏ واليُعَار ~~للشياه والصوت للإنسان والنطق والكلام. فذلك القدر من الحياة السارية في الأشياء ~~يُسمى‏ لاهوت والناسوت هو المحل القائم به ذلك الروح. فسمي‏ الناسوت روحاً بما قام ~~به. فلما تمثل الروح الأمين الذي هو جبريل لمريم عليهما السلام بشراً سويّا تخيلت ~~أنه بشر يريد مواقعتها، فاستعاذت باللَّه منه استعاذة بجمعية منها ليخلصها اللَّه ~~منه لما تعلم أن ذلك ممألا يجوز. فحصل لها حضور تام مع اللَّه وهو الروح المعنوي . ~~فلو نفخ فيها في ذلك الوقت على هذه الحالة لخرج عيسى لا يطيقه أحد لشكاسة خُلقِهِ ~~لحال أُمِّه. فلما قال له «إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ» جئت‏ «لِأَهَبَ لَكِ ~~غُلاماً زَكِيًّا» انبسطت عن ذلك القبض وانشرح صدرها. # فنفخ فيها في ذلك الحين‏ عيسى: فكان جبريل ناقلًا كلمة اللَّه‏ لمريم كما ينقل ~~الرسول كلام اللَّه‏ لأمته، وهو قوله‏ «وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ ~~ورُوحٌ مِنْهُ». فسرت الشهوة في مريم: # فخُلِقَ جسم عيسى من ماء محقق من مريم ومن ماء متوهم من جبريل ، سرى‏ في رطوبة ~~ذلك النفخ لأن النفخ من الجسم الحيواني رطبٌ لما فيه من ركن الماء. # فتكوَّن جسم عيسى من ماء متوهم وماء محقق، وخرج على صورة البشر من أجل أُمه، ومن ~~أجل تمثل جبريل في صورة البشر حتى لا يقع التكوين في هذا النوع الإنساني إلا على ~~الحكم المعتاد . فخرج عيسى‏ يُحْيِي الموتى لأنه روح إلهي، وكان الإحياء للَّه‏ ~~والنفخ لعيسى، كما كان النفخ لجبريل والكلمة للَّه. فكان إحياء عيسى للأموات إحياء ~~محققاً من حيث ما ظهر عن نفخه كما ظهر هو عن صورة أُمه. وكان إحياؤه أيضاً متوهماً ~~أنه منه وإنما كان للَّه. فجمع بحقيقته التي‏ خلق عليها كما قلناه أنه مخلوق من ماء ~~متوهم وماء محقق: # ينسب إليه الإحياء بطريق التحقيق‏ من وجه وبطريق التوهم‏ من وجه، فقيل فيه من ~~طريق التحقيق‏ «هُوَ يُحْيِ الْمَوْتى‏»، وقيل فيه من طريق التوهم‏ «فَتَنْفُخُ ~~فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي» فالعامل في المجرور «يكون» لا قوله‏ «تنفخ». ~~ويحتمل أن يكون العامل فيه تنفخ، فيكون طائراً من حيث صورته الجسمية الحسية . ~~وكذلك‏ «تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ والْأَبْرَصَ» وجميع ما ينسب‏ إليه وإلى إذْنِ اللَّه ~~وإذْنِ الكناية في مثل قوله‏ بِإِذْنِي‏ و بِإِذْنِ‏ اللَّهِ‏. # فإذا تعلق المجرور «بتنفخ» فيكون النافخ مأذوناً له في النفخ ويكون الطائر عن‏ ~~النافخ بإذن اللَّه. وإذا كان النافخ نافخألا عن الإذن، فيكون التكوين للطائر ~~طائراً بإذن اللَّه، فيكون العامل عند ذلك «يكون». فلو لا أن في الأمر توهم و ~~تحققاً ما قَبِلَتْ هذه الصورة هذين الوجهين. بل لها هذان الوجهان لأن النشأة ~~العيسوية تعطي ذلك. وخرج عيسى من التواضع إلى أن شُرِّعَ لأمته أن‏ «يُعْطُوا ~~الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهُمْ صاغِرُونَ» وأن أحدهم إذا لطم في خده وضع الخدَّ الآخر ~~لمن لطمه، ولا يرتفع عليه ولا يطلب القصاص منه. هذا له من جهة أمه، إذ المرأة لها ~~السِّفَل، فلها التواضع لأنها تحت الرجل حكم وحساً. وما كان فيه من قوة الإحياء ~~والإبراء فمن جهة نفخ جبريل في صورة البشر. فكان عيسى يحيي الموتى بصورة البشر. ولم ~~يأت جبريل في صورة البشر و أتى في صورة غيرها من صور الأكوان العنصرية من حيوان ~~ونبات وجماد لكان عيسى لا يحيى إلا حتى يتلبس بتلك الصورة ويظهر فيها. ولو أتى ~~جبريل أيضاً بصورته النورية الخارجة عن العناصر والأركان- إذ لا يخرج عن طبيعته ~~لكان‏ عيسى لا يحيي الموتى إلا حتى يطهر في تلك الصورة الطبيعية النورية لا ~~العنصُرية مع الصورة البشرية من جهة أمه. فكان يقال فيه عند إحيائه الموتى هو لا ~~هو، وتقع الحيرة في النظر إليه كما وقعت في العاقل عند النظر الفكريِّ إذا رأى ~~شخصاً بشرياً من البشر يحيي الموتى، وهو من الخصائص الإلهية، إحياء النطق لا إحياء ~~الحيوان، بقي الناظر حائراً، إذ يرى الصورة بشراً بالأثر الإلهي. # فأدى بعضهم فيه إلى القول بالحلول، وأنه هو اللَّه بما أحيا به من الموتى، ولذلك ~~نُسبوا إلى الكفر وهو الستر لأنهم ستروا اللَّه الذي أحيا الموتى بصورة بشرية عيسى ~~. فقال تعالى‏ «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ~~ابْنُ مَرْيَمَ» فجمعوا بين الخط والكفر في تمام الكلام كله لأنه‏ لا بقولهم هو ~~اللَّه، ولا بقولهم ابن مريم، فعدلوا بالتضمين من اللَّه من حيث إحياء الموتى إلى ~~الصورة الناسوتية البشرية بقولهم ابن مريم وهو ابن مريم بلا شك. فتخيل السامع أنهم ~~نسبوا الألوهية لصورة وجعلوها عين الصورة وما فعلوا، بل جعلوا الهوية الإلهية ~~ابتداء في صورة بشرية هي ابن مريم، ففصلوا بين الصورة والحكم‏ ، لا أنهم جعلوا ~~الصورة عين الحكم كما كان جبريل في صورة البشر ولا نفخ، ثم نفخ، ففصل بين الصورة ~~والنفخ وكان‏ النفخ من الصورة، فقد كانت ولا نفخ، فما هو النفخ من حدها الذاتي . ~~فوقع الخلاف بين أهل الملل في‏ عيسى ما هو؟ فمَنْ نَاظَرَ فيه من حيث صورته ~~الإنسانية البشرية فيقول هو ابن مريم، ومن ناظر فيه من حيث الصورة الممثلة البشرية ~~فينسبه‏ لجبريل، ومن ناظر فيه من حيث ما ظهر عنه من إحياء الموتى فينسبه إلى اللَّه ~~بالروحية، فيقول روح اللَّه، أي به ظهرت الحياة فيمن نفخ فيه. فتارة يكون الحق فيه ~~متوهَّماً- اسم مفعول- وتارة يكون المَلَكُ فيه متوهماً، وتارة تكون البشرية ~~الإنسانية فيه متوهمة: فيكون عند كل ناظر بحسب ما يغلب عليه. # فهو كلمة اللَّه وهو روح اللَّه وهو عبد اللَّه، وليس ذلك في الصورة الحسية ~~لغيره، بل كل شخص منسوب إلى أبيه الصوري لا إلى النافخ روحه في الصورة البشرية. # فإن اللَّه إذا سوَّى الجسم الإنساني كما قال تعالى‏ «فَإِذا سَوَّيْتُهُ» نفخ ~~فيه هو تعالى من روحه فنسب الروح في كونه وعينه إليه تعالى . وعيسى ليس كذلك، فإنه ~~اندرجت تسوية جسمه وصورته البشرية بالنفخ الروحي، وغيره كما ذكرناه لم يكن مثله. ~~فالموجودات كلها كلمات اللَّه التي لا تنفد ، فإنها عن «كن» وكن كلمة اللَّه. فهل ~~تنسب الكلمة إليه بحسب ما هو عليه فلا تعلم ماهيتها، ويَنْزِل هو تعالى إلى صورة من ~~يقول «كن» فيكون قول كن حقيقة لتلك الصورة التي نَزَل إليه وظهر فيها؟ فبعض ~~العارفين يذهب إلى الطرف الواحد، و بعضهم‏ إلى الطرف الآخر، وبعضهم يحار في الأمر ~~ولا يدري. وهذه مسألة لا يمكن أن تُعْرَف إلا ذوقاً كأبي يزيد حين نفخ في النملة ~~التي قتلها فحييت فعلم عند ذلك بمَنْ ينفخ فنفخ فكان عيسوي المشهد. # وأما الإحياء المعنوي بالعلم فتلك الحياة الإلهية الدائمة العليَّة النورية التي‏ ~~قال اللَّه فيه « ومَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي ~~بِهِ فِي النَّاسِ» فكلُّ من أحيا نفساً ميتة بحياة علمية في مسألة خاصة متعلقة ~~بالعلم باللَّه، فقد أحياه به وكانت له نوراً يمشي به في الناس أي بين أشكاله في ~~الصورة. # فلولاه ولولان %~% لما كان الذي كان # فإنا أعْبُدُ حقاً %~% وإن اللَّه مولان # وإنا عينه فاعلم‏ %~% إذا ما قلت إنسان # فلا تُحْجَبْ بإنسان‏ %~% فقد أعطاك برهان # فكن حق وكن خلقاً %~% تكن باللَّه رحمان # وغذ خلقه منه‏ر %~% تكن رَوْح وريحان # فأعطيناه ما يبدو %~% به فين وأعطان # فصار الأمر مقسوم %~% بإياه وإيان # فأحياه الذي يدري‏ %~% بقلبي حين أحيان # فكنا فيه أكواناً %~% وأعيان وأزمان # وليس بدائم فين %~% ولكن ذاك أحيان # ومما يدل على ما ذكرناه في أمر النفخ الروحاني مع صورة البشر العنصري هو أن الحق ~~وصف نفسه بالنَّفَس الرحماني ولا بد لكل موصوف بصفة أن يتبع الصفةَ جميعُ ما ~~تستلزمه تلك الصفة. وقد عرفت أن النَّفَسَ في المتنفس ما يستلزمه. فلذلك قبِل ~~النَّفَس الإلهي صور العالم . فهو لها كالجوهر الهيولاني، وليس إلا عين الطبيعة. ~~فالعناصر صورة من صور الطبيعة . وما فوق العناصر وما تولد عنها فهو أيضاً من صور ~~الطبيعة وهي الأرواح العلوية التي فوق السموات السبع. وأما أرواح السموات السبع ~~وأعيانها فهي عنصرية ، فإنها من دخان‏ العناصر المتولد عنها، وما تكوَّن‏ عن كل ~~سماء من الملائكة فهو منها، فهم عنصريون ومَنْ فوقهم طبيعيون: ولهذا وصفهم اللَّه ~~بالاختصام- أعني الملأ الأعلى- لأن الطبيعة متقابلة، والتقابل الذي في الأسماء ~~الإلهية التي هي النِّسَب، إنما أعطاه النَّفَس. ألا ترى الذات الخارجة عن هذا ~~الحكم كيف جاء فيها الغِنَى عن العالمين؟. فلهذا أُخْرِجَ العالم على صورة من ~~أوجدهم، وليس إلا النَّفَس الإلهي . فبما فيه من الحرارة علا، وبما فيه من البرودة ~~والرطوبة سَفُلَ، وبما فيه من اليبوسة ثبت ولم يتزلزل. فالرسوب للبرودة والرطوبة. ~~ألا ترى الطبيب إذا أراد سَقْيَ دواء لأحد ينظر في قارورة مائه، فإذا رآه راساً علم ~~أن النضج قد كمل فيسقيه الدواء ليسرع في النجح‏ . # وإنما يرسب لرطوبته‏ وبرودته الطبيعية. ثم إن هذا الشخص الإنساني عَجَنَ‏ طينته ~~بيديه وهما متقابلتان وإن كانت كلتا يديه يميناً ، فلا خفاء بما بينهما من الفرقان، ~~ولو لم يكن‏ إلا كونهما اثنين أعني يدين، لأنه لا يؤثر في الطبيعة إلا ما يناسبه ~~وهي متقابلة. فجاء باليدين: ولما أوجده باليدين سماه بَشَراً للمباشرة اللائقة بذلك ~~الجناب باليدين المضافتين إليه. وجعل ذلك من‏ «ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ ~~وهِيَ دُخانٌ» عنايته بهذا النوع الإنساني فقال لمن أبى عن السجود له‏ «ما مَنَعَكَ ~~أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ» على من هو مثلك- يعني ~~عنصرياً- أم كنت من العالين- عن‏ العنصر ولست كذلك. ويعني بالعالين من علا بذاته عن ~~أن يكون في نشأته النورية عنصري وإن كان طبيعياً. فما فَضَل الإنسانُ غيرَه من ~~الأنواع العنصرية إلا بكونه بشراً من طين، فهو أفضل نوع من كل ما خلق‏ من العناصر ~~من غير مباشرة. والإنسان في الرتبة فوق الملائكة الأرضية والسماوية، و الملائكة ~~العالون خير من هذا النوع الإنساني بالنص الإلهي. فمن أراد أن يعرف النَّفَسَ ~~الإلهي فليعرف العالم فإنه من عرف نفسه عرف ربه الذي ظهر فيه: أي العالم ظهر في ~~نَفَسِ الرحمن الذي نفَّس اللَّه به عن الأسماء الإلهية ما تجده من‏ عدم ظهور ~~آثارها. فامتنَّ على نفْسه بما أوجده في نَفَسِه، فأول أثر كان للنَّفَس إنما كان ~~في ذلك الجناب، ثم لم يزل الأمر ينزل بتنفيس العموم إلى آخر ما وجد . # فالكل في عين النَّفس‏ %~% كالضوء في ذات الغلس‏ # والعلم بالبرهان في‏ %~% سلخ النهار لمن نعس‏ # فيرى الذي قد قلته‏ %~% رؤيا تدل على النَّفَس‏ # فيريحه من كل غم‏ر %~% في تلاوته «عبس» # ولقد تجلى للذي‏ %~% قد جاء في طلب القبس‏ # فرآه نار وهو نور %~% في الملوك وفي العسس # فإذا فهمت مقالتي‏ %~% تعلم بأنك مبتئس‏ # لو كان‏ يطلب غير ذ %~% لرآه فيه وما نكس‏ # وأما هذه الكلمة العيسوية لما قام لها الحق في مقام‏ «حَتَّى نَعْلَمَ» ويعلم، ~~استفهما عما نسب إليها هل هو حق أم لا مع علمه الأول بهل وقع ذلك الأمر أم لا فقال ~~له‏ «أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ ~~اللَّهِ». فلا بد في الأدب من الجواب للمستفهم لأنه لما تجلى له في هذا المقام وهذه ~~الصورة اقتضت الحكمة الجواب في التفرقة بعين الجمع، فقال: وقدَّم التنزيه‏ ~~«سُبْحانَكَ» فحدد بالكاف التي تقتضي المواجهة والخطاب‏ «ما يَكُونُ لِي» من حيث ~~أنا لنفسي دونك‏ «أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ» أي ما تقتضيه هويتي ولا ~~ذاتي. «إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ» لأنك أنت القائل، ومن قال أمراً ~~فقد علم ما قال، وأنت اللسان الذي أتكلم به كما أخبرنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه ~~وسلم عن ربه في الخبر الإلهي فقال «كنت لسانه الذي يتكلم به». فجعل هويته عين لسان ~~المتكلم، ونسب الكلام إلى عبده. # ثم تمم العبد الصالح الجواب بقوله‏ «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي» والمتكلم الحق، ولا ~~أعلم ما فيها. فنفى العلم عن هوية عيسى من حيث هويته لا من حيث إنه قائل وذو أثر. # «إِنَّكَ أَنْتَ» فجاء بالفصل‏ والعماد تأكيداً للبيان واعتماداً عليه، إذ لا ~~يعلم الغيب إلا اللَّه. ففرق‏ وجمع، ووحَّد وكثر، ووسَّع وضيَّق ثم قال متمماً ~~للجواب‏ «ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ» فنفى أولًا مشيراً إلى أنه ~~ما هو . ثم أوجب القول‏ أدباً مع المستفهم، ولو لم يفعل ذلك‏ لاتصف بعدم علم ~~الحقائق وحاشاه من ذلك، فقال‏ «إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ» وأنت المتكلم على لساني ~~وأنت لساني. # فانظر إلى هذه التنبئة الروحية الإلهية ما ألطفه وأدقها ، «أَنِ اعْبُدُوا ~~اللَّهَ» فجاء بالاسم «اللَّه» لاختلاف العبَّاد في العبادات واختلاف الشرائع، لم ~~يخص اسماً خاصاً دون اسم، بل جاء بالاسم الجامع للكل. ثم قال‏ «رَبِّي ورَبَّكُمْ»، ~~ومعلوم أن نسبته إلى موجود ما بالربوبية ليست عين نسبته إلى موجود آخر، فلذلك فصّل ~~بقوله‏ «رَبِّي ورَبَّكُمْ» بالكنايتين كناية المتكلم وكناية المخاطب. # «إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ» فأثبت نفسه مأمور وليست سوى عبوديته‏ ، إذ لا يؤمر ~~إلا مَنْ يتصوَّر منه الامتثال وإن لم يفعل . ولما كان الأمر ينزل بحكم المراتب، ~~لذلك ينصبغ كل من ظهر في مرتبةٍ ما بما تعطيه حقيقة تلك المرتبة: # فمرتبة المأمور لها حكم يظهر في كل مأمور، ومرتبة الآمر لها حكم يبدو في كل آمر. ~~فيقول الحق‏ «أَقِيمُوا الصَّلاةَ»* فهو الآمر والمكلّف والمأمور. ويقول العبد ~~«رَبِّ اغْفِرْ لِي»* فهو الآمر والحق المأمور. فما يطلب الحق من العبد بأمره هو ~~بعينه يطلبه‏ العبد من الحق بأمره‏ . ولهذا كان كل دعاء مجاباً ولا بد، وإن تأخر ~~كما يتأخر بعض المكلفين ممن أقيم مخاطباً بإقامة الصلاة فلا يصلي في وقت فيؤخر ~~الامتثال ويصلي في وقت آخر إن كان متمكناً من ذلك. فلا بد من الاجابة ولو بالقصد. ~~ثم قال‏ «وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ» ولم يقل على نفسي معهم كما قال ربي وربكم. ~~«شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ» لأن الأنبياء شهداء على أممهم ما داموا فيهم. ~~«فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي»: أي رفعتني إليك وحجبتهم عني‏ وحجبتني عنهم‏ «كُنْتَ ~~أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ» في غير مادتي، بل‏ في موادهم إذ كنت بصرهم الذي ~~يقتضي المراقبة. فشهود الإنسان نفسه شهود الحق إياه. و جعله بالاسم الرقيب لأنه جعل ~~الشهود له فأراد أن يفصل بينه وبين ربه حتى يعلم أنه هو لكونه عبداً وأن الحق هو ~~الحق لكونه ربّاً له، فجاء لنفسه بأنه شهيد وفي الحق بأنه رقيب، و قدمهم في حق نفسه ~~فقال‏ «عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ» إيثاراً لهم في التقدم وأدباً، ~~وأخّرَهم في جانب الحق عن الحق في قوله‏ «الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ» لما يستحقه الرب ~~من التقديم بالرتبة. ثم أَعلم‏ أن للحق الرقيب الاسمَ الذي جعله عيسى لنفسه وهو ~~الشهيد في قوله‏ عَلَيْهِمْ شَهِيداً. فقال‏ «وَ أَنْتَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ ~~شَهِيدٌ». فجاء «بكل» للعموم و«بشي‏ء» لكونه أنكر النكرات. وجاء بالاسم الشهيد، فهو ~~الشهيد على كل‏ مشهود بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك المشهود. فنبه على أنه تعالى هو ~~الشهيد على قوم عيسى حين قال‏ «وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ». # فهي شهادة الحق في مادة عيسوية كما ثبت أنه لسانه وسمعه وبصره. ثم قال كلمة ~~عيسوية ومحمدية : أما كونها عيسوية فإنها قول عيسى بإخبار اللَّه عنه في كتابه، و ~~أما كونها محمدية فلموقعها من محمد صلى اللَّه عليه وسلم بالمكان الذي وقعت منه، ~~فقام بها ليلة كاملة يرددها لم يعدل‏ إلى غيرها حتى مطلع الفجر. «إِنْ ~~تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ ~~الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ». و«هم» ضمير الغائب كما أن «هو» ضمير الغائب‏ . # كما قال‏ «هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» بضمير الغائب، فكان‏ الغيب ستراً لهم عما ~~يراد بالمشهود الحاضر . فقال‏ «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ» بضمير الغائب وهو عين الحجاب ~~الذي هم فيه عن الحق. # فذكرهم اللَّهَ قبل حضورهم حتى إذا حضروا تكون الخميرة قد تحكمت في العجين فصيرته ~~مثلها . «فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ» فأفرد الخطاب للتوحيد الذي كانوا عليه. ولا ذلة ~~أعظم من ذلة العبيد لأنهم لا تصرف لهم في أنفسهم. فهم‏ بحكم ما يريده‏ بهم سيدهم ~~ولا شريك له فيهم فإنه قال «عبادك» فأفرد. والمراد بالعذاب‏ إذلالهم ولا أذل منهم ~~لكونهم عباداً. فذواتهم تقتضي أنهم أذلاء، فلا تذلهم فإنك لا تذلهم بأدون مما هم ~~فيه من كونهم عبيداً. «وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ» أي تسترهم عن إيقاع العذاب الذي ~~يستحقونه بمخالفتهم‏ أي تجعل لهم غفراً يسترهم عن ذلك ويمنعهم منه. # «فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ » أي المنيع الحمى. وهذا الاسم إذا أعطاه الحق لمن ~~أعطاه من عباده تسمى الحق بالمعز، والمعطَى له هذا الاسم بالعزيز. فيكون منيع الحمى ~~عما يريد به المنتقم و المعذب من الانتقام والعذاب. وجاء بالفصل والعماد أيضاً ~~تأكيداً للبيان ولتكون الآية على مساق واحد في قوله‏ «إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ ~~الْغُيُوبِ» وقوله‏ «كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ». فجاء أيضاً «فَإِنَّكَ ~~أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ». # فكان سؤالًا من النبي عليه السلام وإلحاحاً منه على ربه في المسألة ليلته الكاملة ~~إلى طلوع الفجر يرددها طلباً للإجابة. فلو سمع الإجابة في أول سؤال ما كرَّر. # فكان الحق يعرض عليه فصول ما استوجبوا به العذاب عرضاً مفصلًا فيقول له في‏ عرْض ~~عرْض‏ وعين عين‏ «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ~~فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ». فلو رأى في ذلك العرض ما يوجب تقديم الحق ~~وإيثار جنابه لدعا عليهم لَا لَهُمْ. فما عرض عليه إلا ما استحقوا به ما تعطيه هذه ~~الآية من التسليم للَّه والتعريض لعفوه‏ . وقد ورد أن الحق إذا أحب صوت عبده في ~~دعائه إياه أخر الاجابة عنه حتى يتكرر ذلك منه حباً فيه لا إعراضاً عنه، ولذلك‏ جاء ~~بالاسم الحكيم، والحكيم هو الذي يضع الأشياء مواضعها ولا يَعْدِل بها عما تقتضيه ~~وتطلبه حقائقها بصفاتها. فالحكيم العليم‏ بالترتيب. فكان صلى اللَّه عليه وسلم ~~بترداد هذه الآية على علم عظيم من اللَّه تعالى. فمن تلا فهكذا يتلو، وإلا فالسكوت ~~أولى به. وإذا وفق اللَّه عبداً إلى النطق‏ بأمر ما فم وفقه اللَّه إليه إل وقد ~~أراد إجابته فيه وقضاء حاجته، فلا يستبطئ أحد ما يتضمنه ما وُفق له، وليثابر مثابرة ~~رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على هذه الآية في جميع أحواله حتى يسمع بأذنه ~~وبِسَمْعِهِ كيف شئت وكيف أسمعك اللَّه الاجابة. # فإن جازاك بسؤال اللسان أسمعك بأذنك، وإن جازاك بالمعنى أسمعك بسمعك. # . # %~% ### | فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية ### | 16 - فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي ~~الحاتمي # «إِنَّهُ» يعني الكتاب‏ «مِنْ سُلَيْمانَ، وإِنَّهُ» أي مضمون الكتاب‏ «بِسْمِ ~~اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ». فأخذ بعض الناس في تقديم اسم سليمان على اسم ~~اللَّه تعالى ولم يكن كذلك . وتكلموا في ذلك بمألا ينبغي ممألا يليق بمعرفة سليمان ~~عليه السلام بربه. وكيف يليق‏ ما قالوه‏ وبلقيس تقول فيه‏ «أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ ~~كَرِيمٌ» أي يكْرم عليها . وإنما حملهم على ذلك ربما تمزيق كسرى كتاب رسول اللَّه ~~صلى اللَّه عليه وسلم، و ما مزقه حتى قرأه كله وعرف مضمونه. فكذلك كانت تفعل بلقيس ~~لو لم توفق لما وقفت له. فلم يكن يحمي الكتابَ عن الإحراق لحرمة صاحبه تقديم اسمه ~~عليه السلام على اسم اللَّه عز وجل ولا تأخيره. # فأتى سليمان بالرحمتين: رحمة الامتنان ورحمة الوجوب اللتان هما الرحمن الرحيم . # فامتن بالرحمن وأوجب بالرحيم. وهذا الوجوب من الامتنان. فدخل الرحيم في الرحمن ~~دخول تضمن. فإنه‏ كتب على نفسه الرحمة سبحانه ليكون ذلك للعبد بما ذكره الحق من ~~الأعمال التي يأتي بها هذا العبد، حقاً على اللَّه تعالى أوجبه له على نفسه يستحق ~~بها هذه الرحمة- أعني رحمة الوجوب. ومن كان من العبيد بهذه المثابة فإنه يعلم مَنْ ~~هو العامل منه . والعمل مقسَّم على ثمانية أعضاء من الإنسان. # وقد أخبر الحق أنه تعالى هُوِيّة كل عضو منها، فلم يكن العامل غير الحق، والصورة ~~للعبد، والهوية مدرجة فيه أي في اسمه لا غير لأنه تعالى عين ما ظهر. وسمي خلق و به ~~كان الاسم الظاهر والآخِر للعبد، وبكونه لم يكن ثم كان. وبتوقف ظهوره عليه و صدور ~~العمل منه كان الاسم الباطن والأول. فإذا رأيت الخلق رأيت الأول والآخر و الظاهر ~~والباطن. وهذه معرفة لا يغيب عنها سليمان، بل هي من المُلْك الذي لا ينبغي لأحد من ~~بعده، يعني الظهور به في عالم الشهادة . # فقد أُوتي محمد صلى اللَّه عليه وسلم ما أوتيه سليمان وما ظهر به: فمكَّنه اللَّه ~~تعالى تمكين قهر من العفريت الذي جاءه بالليل ليفتك‏ به فهمَّ بأخذه وربطه بسارية ~~من سواري المسجد حتى يصبح فتلعب به ولدان المدينة، فذكر دعوة سليمان عليه السلام ~~فرده اللَّه‏ خاسئاً. فلم يظهر عليه السلام بما أُقْدِرَ عليه وظهر بذلك سليمان‏ . ~~ثم قوله «مُلْكاً» فلم يعم، فعلمنا أنه يريد ملكاً ما. ورأيناه قد شورك في كل جزء ~~من الملك الذي أعطاه اللَّه، فعلمنا أنه ما اختص إلا بالمجموع من ذلك، وبحديث‏ ~~العفريت، أنه ما اختص إلا بالظهور. وقد يختص بالمجموع والظهور. ولو لم يقل صلى ~~اللَّه عليه وسلم في حديث العفريت «فأمكنني اللَّه منه» لقلنا إنه لما همَّ بأخذه ~~ذكره‏ اللَّه دعوة سليمان ليعلم أنه لا يُقْدِره اللَّه على أخذه. فرده اللَّه ~~خاسئاً. فلما قال فأمكنني اللَّه منه علمنا أن اللَّه تعالى قد وهبه التصرف فيه. ثم ~~إن اللَّه ذكره فتذكر دعوة سليمان فتأدب معه، فعلمنا من هذا أن الذي لا ينبغي لأحد ~~من الخلق بعد سليمان الظهورُ بذلك في العموم. وليس غرضنا من هذه المسألة إلا الكلام ~~و التنبيه على الرحمتين اللتين ذكرهما سليمان في الاسمين اللذين تفسيرهما بلسان ~~العرب الرحمن الرحيم. فقيد رحمة الوجوب وأطلق رحمة الامتنان في قوله تعالى‏ «وَ ~~رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ» حتى الأسماء الإلهية، أعني حقائق النسب. فامتن ~~عليها بنا. فنحن نتيجة رحمة الامتنان بالأسماء الإلهية والنسب‏ الربانية. ثم أوجبها ~~على نفسه بظهورنا لن وأعلمنا أنه‏ هويتنا لنعلم أنه ما أوجبها على نفسه إلا لنفسه. ~~فما خرجت‏ الرحمة عنه. فعلى من امتن وما ثَمَّ إلا هو؟ إلا أنه لا بد من حكم لسان ~~التفصيل لما ظهر من تفاضل الخلق في العلوم، حتى يقال إن هذا أعلم من هذا مع أحدية ~~العين. # ومعناه معنى نقص تعلق الإرادة عن تعلق العلم، فهذه مفاضلة في الصفات الإلهية، ~~كمال تعلق الإرادة وفضله وزيادتها على تعلق‏ القدرة. وكذلك السمع‏ والبصر الإلهي. ~~وجميع الأسماء الإلهية على درجات في تفاضل بعضها على بعض. كذلك تَفَاضُلُ ما ظهر في ~~الخلق من أن يقال هذا أعلم من هذا مع أحدية العين. وكما أن كل اسم إلهي إذا قدمته ~~سميته بجميع الأسماء ونعتَّه بها، كذلك فيما يظهر من الخلق فيه أهلية كل ما فوضل ~~به. فكل جزء من العالم مجموع العالم، أي هو قابل للحقائق متفرقات‏ العالم كله‏ ، ~~فلا يقدح قولنا إن زيداً دون عمرو في العلم أن تكون هوية الحق عين زيد وعمرو، و ~~تكون في عمرو أكمل وأعلم منه في زيد، كما تفاضلت الأسماء الإلهية وليست غير الحق. ~~فهو تعالى من حيث هو عالم أعم في التعلق من حيث ما هو مريد وقادر، وهو هو ليس غيره. ~~فلا تعلمه هنا يا ولي وتجهله هنا، وتثبته هن وتنفيه هنألا إن أثبتَّه بالوجه الذي ~~أثبت نفسه. # ونفيتَه عن كذا بالوجه الذي نفى نفسه كالآية الجامعة للنفي والإثبات في حقه حين‏ ~~قال‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فنفى، «وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» . # فأثبت بصفة تعم كل سامع بصير من حيوان وما ثَمَّ إلا حيوان إلا أنه بطن في الدنيا ~~عن إدراك بعض الناس، وظهر في الآخرة لكل الناس، فإنها الدار الحيوان ، وكذلك الدنيأ ~~لا أن حياتها مستورة عن بعض العباد ليظهر الاختصاص و المفاضلة بين عباد اللَّه‏ بما ~~يدركونه من حقائق العالم. فمن عم إدراكه كان الحق فيه أظهر في الحكم ممن ليس له ذلك ~~العموم . فلا تُحْجَب بالتفاضل وتقول لا يصح كلام من يقول إن الخلق‏ هوية الحق بعد ~~ما أريتك التفاضل في الأسماء الإلهية التي لا تشك أنت أنها هي الحق و مدلولُهَا ~~المسمى به وليس إلا اللَّه تعالى. ثم إنه كيف يقدِّم سليمانُ اسمه على اسم اللَّه ~~كما زعمو وهو من جملة من‏ أوجدته الرحمة: فلا بد أن يتقدم الرحمنُ الرحيم ليصح ~~استناد المرحوم. هذا عكس الحقائق: تقديم من يستحق التأخير وتأخير من يستحق التقديم ~~في الموضع الذي يستحقه. ومن حكمة بلقيس وعلو علمها كونها لم تذكر من ألقى إليها ~~الكتاب، وما عملت‏ ذلك إلا لتعلِّم أصحابها أن لها اتصالًا إلى أمور لا يعلمون ~~طريقها، وهذا من التدبير الإلهي في الملك، لأنه إذا جُهِلَ طريق الإخبار الواصل ~~للمَلِك خاف أهل الدولة على أنفسهم في تصرفاتهم، فلا يتصرفون إلا في أمر إذا وصل ~~إلى سلطانهم عنهم يأمنون غائلة ذلك التصرف. # فلو تعين لهم على يدي مَنْ تصل الأخبار إلى ملكهم لصانعوه‏ وأعظموا له الرِّشا ~~حتى يفعلوا ما يريدون ولا يصل ذلك إلى ملكهم. فكان قوله «أُلْقِيَ إِلَيَّ» ولم تسم ~~من ألقاه سياسة منها أورثت الحذر منها في أهل مملكته وخواص‏ مدبّريها ، وبهذا ~~استحقت التقدم‏ عليهم. وأما فضل العالِم من الصنف الإنساني على العالِم من الجن ~~بأسرار التصريف وخواص الأشياء، فمعلوم بالقدر الزماني : فإن رجوع الطرف إلى الناظر ~~به‏ أسرعُ من قيام القائم من مجلسه، لأن حركة البصر في الإدراك إلى ما يدركه أسرع ~~من حركة الجسم فيما يتحرك منه، فإن الزمان الذي يتحرك فيه البصر عين الزمان الذي ~~يتعلق بمبْصَره مع بعد المسافة بين الناظر والمنظور : فإن زمان فتح البصر زمان ~~تعلقه بفلك الكواكب الثابتة، وزمان رجوع طرفه إليه هو عين زمان عدم إدراكه. والقيام ~~من مقام الإنسان ليس كذلك: أي ليس له هذه السرعة. # فكان آصف ابن برخيا أتم في العمل من الجن، فكان‏ عين قول آصف بن برخيا عين الفعل ~~في الزمن الواحد. فرأى‏ في ذلك الزمان بعينه سليمانُ عليه السلام عرشَ بلقيس ~~مستقراً عنده لئلا يتخيل أنه أدركه وهو في مكانه من غير انتقال، ولم يكن عندنا ~~باتحاد الزمان انتقال، وإنما كان إعدام وإيجاد من حيث لا يشعر أحد بذلك إلا من ~~عرَّفه و هو قوله تعالى‏ «بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ . # ولا يمضي عليهم وقت لا يرون فيه ما هم راءون له. وإذا كان هذا كما ذكرناه، فكان‏ ~~زمان عدمه (أعني عدم العرش) من مكانه عين وجوده عند سليمان، من تجديد الخلق مع ~~الأنفاس. ولا علم لأحد بهذا القدر، بل الإنسان لا يشعر به من نفسه أنه في كل نَفَس ~~لا يكون ثم يكون . # ولا تقل «ثُم» تقتضي المهلة، فليس ذلك بصحيح‏ ، وإنما «ثم» تقتضي‏ تقدم الرتبة ~~العِليَّة عند العرب في مواضع مخصوصة كقول الشاعر: # كهز الرديني ثم اضطَرَبْ‏ # وزمان الهز عين زمان اضطراب المهزوز بلا شك. وقد جاء بثم ولا مهلة. # كذلك تجديد الخلق مع الأنفاس: زمان العدم زمان وجود المثل كتجديد الأعراض في دليل ~~الأشاعرة. فإن مسألة حصول عرش بلقيس من أشكال المسائل إلا عند من عرف ما ذكرناه ~~آنفاً في قصته. فلم يكن لآصف من الفضل في ذلك إلا حصول التجديد في مجلس سليمان عليه ~~السلام. فما قطع العرشُ مسافة، ولا زويت له أرض ولا خرقها لمن فهم ما ذكرناه. و كان ~~ذلك على يدي بعض أصحاب‏ سليمان ليكون أعظم لسليمان عليه السلام في نفوس الحاضرين من ~~بلقيس وأصحابها. # وسبب ذلك كون سليمان هبة اللَّه تعالى لداود من قوله تعالى‏ «وَ وَهَبْنا ~~لِداوُدَ سُلَيْمانَ». والهبة عطاء الواهب بطريق الإنعام لا بطريق الوفاق ~~والاستحقاق. فهو النعمة السابغة والحجة البالغة والضربة الدامغة. وأما علمه فقوله ~~تعالى‏ «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» مع نقيض الحكم ، وكلا آتاه اللَّه حكم وعلماً. # فكان علم داود علماً مؤتى آتاه اللَّه، وعلم سليمان علم اللَّه في المسألة إذ كان ~~الحاكم بلا واسطة. فكان سليمان ترجمان حق في مقعد صدق. كما أن المجتهد المصيب لحكم ~~اللَّه الذي يحكم به اللَّه في المسألة لو تولاها بنفسه وبما يوحِي به لرسوله له ~~أجران، والمخطئ لهذا الحكم المعين له أجر مع كونه علم وحكماً. # فأعطيت هذه الأمة المحمدية رتبة سليمان عليه السلام في الحكم، ورتبة داود عليه ~~السلام. فما أفضلها من أمة. ولما رأت بلقيس عرشها مع علمها ببعد المسافة واستحالة ~~انتقاله في تلك المدة عندها، «قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ»، وصدقت بما ذكرناه من تجديد ~~الخلق بالأمْثال‏ ، وهو هو، وصدق الأمر، كما أنك في زمان التجديد عين ما أنت في ~~الزمن الماضي. ثم إنه من كمال علم‏ سليمان التنبيه الذي ذكره في الصرح. فقيل له ~~«ادْخُلِي الصَّرْحَ» وكان صرحاً أملس لا أمت‏ فيه من زجاج. فلما رأته حسبته لجة أي ~~ماء ، «وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها». حتى لا يصيب الماء ثوبها. فنبهها بذلك على أن ~~عرشها الذي رأته من هذا القبيل. وهذا غاية الانصاف. فإنه أعلمها بذلك إصابتها في ~~قوله «كَأَنَّهُ هُوَ». فقالت عند ذلك‏ «رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأَسْلَمْتُ ~~مَعَ سُلَيْمانَ»: # أي إسلام سليمان: «لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ». فما انقادت لسليمان وإنما انقادت ~~للَّه رب العالمين، وسليمان من العالمين. فما تقيدت في انقيادها كمألا تتقيد الرسل ~~في اعتقادها في اللَّه، بخلاف فرعون فإنه قال‏ «رَبِّ مُوسى‏ وهارُونَ» وإن كان ~~يلحق بهذا الانقياد البلقيسي من وجه، ولكن لا يقوى قوته فكانت أفْقَهَ من فرعون في ~~الانقياد للَّه وكان فرعون تحت حكم الوقت حيث قال «آمنت بالذي آمنت به بنو ~~إسرائيل». فخصص، وإنما خصص لما رأى السحرة قالوا في إيمانهم باللَّه‏ «رَبِّ مُوسى‏ ~~وهارُونَ». فكان إسلام بلقيس إسلام سليمان إذ قالت‏ «مَعَ سُلَيْمانَ‏» فتَبِعَتْه. ~~فما يمر بشي‏ء من العقائد إلا مرت به معتقدة ذلك. كما نحن على الصراط المستقيم الذي ~~الرب عليه لكون نواصينا في يده‏ . # ويستحيل مفارقتنا إياه. فنحن معه بالتضمين، وهو معنا بالتصريح ، فإنه قال‏ «وَ ~~هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ». ونحن معه بكونه آخذاً بنواصينا. # فهو تعالى مع نفسه حيثما مشى‏ بنا من صراطه. فما أحد من العالم الا على صراط ~~مستقيم، وهو صراط الرب تعالى. وكذا عَلِمَتْ بلقيس من سليمان فقالت‏ «لِلَّهِ رَبِّ ~~الْعالَمِينَ» وما خصصت عالماً من عالم. وأما التسخير الذي اختص به سليمان وفَضَل ~~به غيره و جعله‏ اللَّه له من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده فهو كونه عن أمره. ~~فقال‏ «فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ». فما هو من كونه تسخيراً، ~~فإن اللَّه يقول في حقنا كلنا من غير تخصيص‏ «وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ ~~وما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ». وقد ذكر تسخير الرياح والنجوم وغير ذلك ولكن ~~لا عن أمرنا بل عن‏ أمر اللَّه. فما اختص سليمان- إن عقلت- إلا بالأمر من غير جمعية ~~ولا همة، بل بمجرد الأمر. وإنما قلنا ذلك لأنا نعرف أن أجرام العالم تنفعل لهمم‏ ~~النفوس إذا أُقيمت في مقام الجمعية. وقد عاينا ذلك في هذا الطريق. فكان من سليمان ~~مجرد التلفظ بالأمر لمن أراد تسخيره من غير همة ولا جمعية. واعلم أيدنا اللَّه و ~~إياك بروح منه، أن مثل هذا العطاء إذا حصل للعبد أي عبد كان فإنه لا ينقصه‏ ذلك من ~~ملك آخرته، ولا يحسب عليه، مع كون سليمان عليه السلام طلبه من ربه تعالى. فيقتضي ~~ذوق الطريق أن يكون قد عُجِّل له ما ادُّخر لغيره ويحاسبُ به إذا أراده في الآخرة. ~~فقال اللَّه له‏ «هذا عَطاؤُنا» ولم يقل لك ولا لغيرك، «فَامْنُنْ» أي أعط «أَوْ ~~أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ». فعلمنا من ذوق الطريق أن سؤاله ذلك كان عن أمر ربه. ~~والطلب إذا وقع عن الأمر الإلهي كان الطالب‏ له الأجر التام على طلبه. والباري ~~تعالى إن شاء قضى حاجته فيما طلب‏ منه وإن شاء أمسك، فإن العبد قد وفّى ما أوجب ~~اللَّه عليه من امتثال أمره فيما سأل ربه فيه، فلو سأل ذلك من نفسه عن غير أمر ربه ~~له بذلك لحاسبه به. وهذا سار في جميع ما يسأل فيه اللَّه تعالى، كما قال لنبيه محمد ~~صلى اللَّه عليه وسلم‏ «قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً». فامتثل أمر ربه فكان يطلب ~~الزيادة من العلم حتى كان إذا سيق له لبن‏ يتأوله‏ علماً كما تأول رؤياه لما رأى في ~~النوم أنه أوتي بقدح لبن فشربه وأعطى فضله عمر بن الخطاب. قالوا فما أوَّلتَه قال ~~العلم. وكذلك لما أُسْرِيَ‏ به أتاه الملك بإناء فيه لبن وإناء فيه خمر فشرب اللبن ~~فقال له المَلَك أصبت الفطرة أصاب اللَّه بك أمتك. فاللبن متى ظهر فهو صورة العلم، ~~فهو العلم تمثل في صورة اللبن كجبريل تمثل‏ في صورة بشر سويٍ لمريم. ولما قال عليه ~~السلام «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » نبَّه على أنه كل ما يراه الإنسان في ~~حياته الدنيا إنما هو بمنزلة الرؤيا للنائم: خيال فلا بد من تأويله. # إنما الكون خيال‏ %~% وهو حق في الحقيقة # والذي يفهم هذ ‏ %~% حاز أسرار الطريقة # فكان صلى اللَّه عليه وسلم إذا قدَّم له لبن قال «اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه» ~~لأنه كان يراه صورة العلم، وقد أُمِرَ بطلب الزيادة من العلم، وإذا قدم له غير ~~اللبن قال اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه. فمن أعطاه اللَّه ما أعطاه بسؤال ~~عن أمر إلهي فإن اللَّه لا يحاسبه به في الدار الآخرة، ومن أعطاه اللَّه ما أعطاه ~~بسؤال عن غير أمر إلهي فالأمر فيه إلى اللَّه، إن شاء حاسبه وإن شاء لم يحاسبه. ~~وأرجو من اللَّه في العلم خاصة أنه لا يحاسبه به. فإنَّ أمره لنبيه عليه السلام ~~يطلب الزيادة من العلم عين أمره لأمته: فإن اللَّه يقول‏ «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي ~~رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ». وأي أسوة أعظم من هذا التأسِّي لمن عقل عن ~~اللَّه تعالى. ولو نبَّهنا على‏ المقام السليماني على تمامه لرأيت أمراً يهولك ~~الاطلاع عليه فإن أكثر علماء هذه الطريقة جهلوا حالة سليمان ومكانته وليس الأمر كما ~~زعموا. # . ### | فص حكمة وجودية في كلمة داودية ### | 17- فص حكمة وجودية في كلمة داودية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # اعلم أنه لما كانت النبوة والرسالة اختصاصاً إلهياً ليس فيها شي‏ء من الاكتساب: # أعني نبوة التشريع، كما كانت عطاياه تعالى لهم عليهم السلام من هذا القبيل مواهب ~~ليست جزاء : ولا يُطْلَبُ عليها منهم جزاء. فإعطاؤه إياهم على طريق الإنعام و ~~الإفضال. فقال تعالى‏ ووَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ ويَعْقُوبَ - يعني لإبراهيم الخليل ~~عليه السلام، وقال في أيوب‏ «وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ ومِثْلَهُمْ مَعَهُمْ»، ~~وقال في حق موسى‏ «وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا» إلى ~~مثل ذلك. فالذي تولاهم أوَّلًا هو الذي تولاهم في عموم أحوالهم وأكثرها، و ليس إلا ~~اسمه الوهاب. وقال في حق داود «وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا» فلم يقرن ~~به جزاء يطلبه منه، ولا أخبر أنه أعطاه هذا الذي ذكره‏ جزاء. # ولما طلب الشكر على ذلك العمل طلبه من آل داود ولم يتعرض لذكر داود ليشكره‏ الآل ~~على ما أنعم به على داود. فهو في حق داود عطاء نعمة وإفضال، وفي حق آلِهِ على غير ~~ذلك لطلب المعاوضة فقال تعالى‏ «اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْر وقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ ~~الشَّكُورُ». وإن كانت الأنبياء عليهم السلام‏ قد شكروا اللَّه على ما أنعم به ~~عليهم ووهبهم، فلم يكن ذلك على طلب من اللَّه، بل تبرعوا بذلك من نفوسهم كما قام ~~رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حتى تورمت قدماه شكراً لمَّا غفر اللَّه له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر. فلما قيل له في ذلك قال «أ فلا أكون عبداً شكوراً»؟ وقال في ~~نوح‏ «إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً». # فالشكور من عباد اللَّه تعالى قليل. فأول نعمة أنعم اللَّه بها على داود عليه ~~السلام أن أعطاه اسماً ليس فيه حرف من حروف الاتصال، فقطعه عن العالم بذلك إخباراً ~~لنا عنه بمجرد هذا الاسم، وهي الدال والألف والواو. # وسَمَّى محمداً صلى اللَّه عليه وسلم بحروف الاتصال والانفصال، فوصله به وفصله عن ~~العالم‏ فجمع له بين الحالين‏ في اسمه كما جمع لداود بين الحالين‏ من طريق المعنى، ~~ولم يجعل ذلك في اسمه، فكان ذلك اختصاصاً لمحمد عَلَى داود عليهما السلام، أعني ~~التنبيه عليه باسمه. فتم له الأمر عليه السلام من جميع جهاته، وكذلك في اسمه أحمد، ~~فهذا من حكمة اللَّه تعالى. ثم قال في حق داود- فيما أعطاه على طريق الإنعام عليه- ~~ترجيع الجبال معه التسبيحَ، فتسبح لتسبيحه ليكون له عملها. وكذلك الطير. وأعطاه ~~القوة ونعته بها، وأعطاه‏ الحكمة وفصْل الخطاب. ثم المنة الكبرى والمكانة الزلفى ~~التي خصه اللَّه بها التنصيص على خلافته. ولم يفعل ذلك مع أحد من أبناء جنسه وإن ~~كان فيهم خلفاء فقال‏ «يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ~~فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الْهَوى‏» أي ما يخطر لك في ~~حكمك من غير وحي مني‏ «فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» أي عن الطريق الذي أُوحِي ~~بها إلى رسلي. ثم تأدب سبحانه معه فقال‏ «إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ ~~اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ» ولم يقل له فإن ضللت ~~عن سبيلي فلك عذاب شديد. فإن قلت وآدم عليه السلام قد نُصَّ على خلافته. قلنا ما نص ~~مثل التنصيص على داود، وإنما قال للملائكة «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ ~~خَلِيفَةً»، ولم يقل إني جاعل آدم خليفة في الأرض. ولو قال، لم يكن مثل قوله‏ ~~«جَعَلْناكَ خَلِيفَةً» في حق داود، فإن هذا محقق وذلك‏ ليس كذلك. وما يدل ذكر آدم ~~في القصة بعد ذلك على أنه عين ذلك الخليفة الذي نص اللَّه عليه. فاجعل بالك ~~لإخبارات الحق عن عباده إذا أخبر. وكذلك في حق إبراهيم الخليل‏ «إِنِّي جاعِلُكَ ~~لِلنَّاسِ إِماماً» ولم يقل خليفة، وإن كنا نعلم أن الإمامة هنا خلافة، ولكن ما هي ~~مثلها، لأنه ما ذكرها بأخص أسمائه وهي الخلافة. ثم في داود من الاختصاص بالخلافة أن ~~جعله خليفةَ حكم، و ليس ذلك إلا عن اللَّه فقال له فاحكم بين الناس بالحق، وخلافة ~~آدم قد لا تكون من هذه المرتبة: فتكون خلافته أن‏ يخلُفَ من كان فيها قبل ذلك، لا ~~أنه نائب عن اللَّه في خلقه بالحكم الإلهي فيهم، و إن كان الأمر كذلك وقع، ولكن ليس ~~كلامنألا في التنصيص عليه والتصريح به. # وللَّه في الأرض خلائف عن اللَّه، وهم الرسل. وأما الخلافة اليوم فعن الرسول‏ لا ~~عن اللَّه، فإنهم ما يحكمون إلا بما شَرَعَ لهم الرسول لا يخرجون عن ذلك. # غير أن هنا دقيقةً لا يعلمها إلا أمثالنا، وذلك في أخذ ما يحكمون به مما هو شرع ~~للرسول عليه السلام. فالخليفة عن الرسول من يأخذ الحكم بالنقل عنه‏ صلى اللَّه عليه ~~وسلم و بالاجتهاد الذي أصله أيضاً منقول عنه صلى اللَّه عليه وسلم. وفينا من يأخذه ~~عن اللَّه فيكون خليفة عن اللَّه بعين ذلك الحكم، فتكون المادة له من حيث كانت ~~المادة لرسوله صلى اللَّه عليه وسلم. فهو في الظاهر متبع لعدم مخالفته في الحكم، ~~كعيسى إذا نزل فحكم، وكالنبي محمد صلى اللَّه عليه وسلم في قوله‏ «أُولئِكَ ~~الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ»، وهو في حق ما يعرفه من صورة ~~الأخذ مختصّ موافق، هو فيه بمنزلة ما قرره النبي صلى اللَّه عليه وسلم من شرع من ~~تقدم من الرسل بكونه قرره فاتبعناه من حيث تقريره لا من حيث إنه شرع لغيره قبله. ~~وكذلك أخذُ الخليفة عن اللَّه عينُ ما أخذه منه الرسول. فنقول فيه بلسان الكشف ~~خليفة اللَّه وبلسان الظاهر خليفة رسول اللَّه. ولهذا مات رسول اللَّه صلى اللَّه ~~عليه وسلم وما نص بخلافة عنه إلى أحد. # ولا عَيَّنَه لعلمه أن في أُمته من يأخذ الخلافة عن ربه فيكون خليفة عن اللَّه مع ~~الموافقة في الحكم المشروع. فلما علم ذلك صلى اللَّه عليه وسلم لم يحجر الأمر. # فلله خلفاء في خلقه يأخذون من معدن الرسولِ والرسلِ ما أخذته الرسلُ عليهم ~~السلام، ويعرفون‏ فضل المتقدم هناك لأن الرسول قابل للزيادة: وهذا الخليفة ليس ~~بقابل للزيادة التي لو كان الرسولَ‏ قبلها. فلا يعطِي من العلم والحكم فيما شَرَّع ~~إلا ما شُرِّع‏ للرسول خاصة، فهو في الظاهر متَّبع غير مخالف، بخلاف الرسل. ألا ترى ~~عيسى عليه السلام لما تخيلت اليهود أنه لا يزيد على موسى، مثل ما قلناه في الخلافة ~~اليوم مع الرسول، آمنوا به وأقروه: فلما زاد حكم ونسخ حكماً قد قرره موسى- لكون ~~عيسى رسولًا- لم يحتملوا ذلك لأنه خالف‏ اعتقادهم فيه؟ وجهلت اليهود الأمر على ما ~~هو عليه فطلبت قتله، فكان من‏ قصته ما أخبرنا اللَّه في كتابه العزيز عنه وعنهم. ~~فلما كان رسولًا قَبِلَ الزيادة، إما بنقص حكم قد تقرر، وزيادة حكم. على أن النقص ~~زيادة حكم بلا شك. والخلافة اليوم ليس لها هذا المنصب وإنما تنقص وتزيد على الشرع ~~الذي تقرر بالاجتهاد لا على الشرع الذي شُوفِهَ‏ به محمد صلى اللَّه عليه وسلم، فقد ~~يظهر من الخليفة ما يخالف حديثاً ما في الحكمَ فيُتخَيَّل أنه من الاجتهاد وليس ~~كذلك: وإنما هذا الامام لم يثبت عنده من جهة الكشف ذلك الخبر عن النبي صلى اللَّه ~~عليه وسلم، ولو ثبت لحكم به. و إن كان الطريق فيه العدل عن العدل فما هو معصوم من ~~الوهم ولا من النقل على المعنى. # فمثل هذا يقع من الخليفة اليوم، وكذلك يقع من عيسى عليه السلام، فإنه إذا نزل ~~يرفع كثيراً من شرع الاجتهاد المقرر فيبين برفعه صورة الحق المشروع الذي كان عليه ~~عليه‏ السلام، ولا سيما إذا تعارضت أحكام الأئمة في النازلة الواحدة. فنعلم‏ قطعاً ~~أنه لو نزل وحي لنزل بأحد الوجوه، فذلك هو الحكم الإلهي. وما عداه وإن قرره الحق ~~فهو شرع تقرير لرفع الحرج‏ عن هذه الأمة واتساع الحكم فيها. وأما قوله عليه السلام ~~إذا بويع الخليفتين فاقتلوا الآخِر منهما هذا في الخلافة الظاهرة التي لها السيْف. # وإن اتفقا فلا بد من قتل أحدهما. بخلاف الخلافة المعنوية فإنه لا قتْل فيها. ~~وإنما جاء القتل في الخلافة الظاهرة وإن‏ لم يكن لذلك الخليفة هذا المقام، وهو ~~خليفة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إن عدل- فمِنْ حكم الأصل الذي به تُخُيِّل ~~وجود إلهين، «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا»، وان اتفقا: ~~فنحن نعلم أنهما لو اختلفا تقديراً لنفذ حكم أحدهما، فالنافذ الحكم هو الإله على ~~الحقيقة، والذي لم ينفذ حكمه ليس بإله‏ . ومن هنا نعلم أن كل حكم ينفذ اليوم في ~~العالم أنه حكم اللَّه عز وجل، وإن خالف الحكم المقرر في الظاهر المسمى شرعاً إذ لا ~~ينفذ حكم إلا للَّه في نفس الأمر، لأن الأمر الواقع في العالم إنما هو على حكم ~~المشيئة الإلهية لا علم حكم الشرع المقرر، وإن كان تقريره من المشيئة. و لذلك نفذ ~~تقريره خاصة فإن‏ المشيئة ليست لها فيه إلا التقرير لا العمل بما جاء به. فالمشيئة ~~سلطانها عظيم، و لهذا جعلها أبو طالب‏ عرش الذات ، لأنها لذاتها تقتضي الحكم. فلا ~~يقع في الوجود شي‏ء ولا يرتفع خارجاً عن المشيئة، فإن الأمر الإلهي إذا خولف هنا ~~بالمسمى معصية، فليس إلا الأمر بالواسطة لا الأمر التكويني‏ . فما خالف اللَّه أحدٌ ~~قط في جميع ما يفعَله من حيث أمر المشيئة، فوقعت المخالفة من حيث أمر الواسطة ~~فافهم. وعلى الحقيقة فأمر المشيئة إنما يتوجه على إيجاد عين الفعل لا على من ظهر ~~على يديه ، فيستحيل ألَّا يكون. ولكن في هذا المحل الخاص، فوقتاً يسمى به‏ مخالفة ~~لأمر اللَّه، ووقتاً يسمى موافقة وطاعة لأمر اللَّه. ويتبعه لسان‏ الحمد والذم على ~~حسب ما يكون . ولما كان الأمر في نفسه على ما قررناه، لذلك كان مآل الخلق إلى ~~السعادة على اختلاف أنواعها. فعبر عن هذا المقام بأن الرحمة وسعت كل شي‏ء، وأنها ~~سبقت الغضب الإلهي. والسابق متقدم، فإذا لحقه هذا الذي حكم عليه المتأخر حكم عليه ~~المتقدم فنالته الرحمة إذ لم يكن غيرها سبق. فهذا معنى سبقت رحمته غضبه، لتحكم على ~~ما وصل إليها فإنها في الغاية وقفت و الكل سالك إلى الغاية. فلا بد من الوصول ~~إليها، فلا بد من الوصول إلى الرحمة و مفارقة الغضب، فيكون الحكم لها في كل واصل ~~إليها بحسب ما تعطيه حال الواصل إليها . # فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلناه %~% وإن لم يكن فهم فيأخذه عن # فما ثم إلا ما ذكرناه فاعتمد %~% عليه وكن بالحال فيه كما كن # فمنه إلينا ما تلونا عليكم‏ %~% ومنا إليكم ما وهبناكم من # وأما تليين الحديد فقلوب قاسية يلينها الزجر والوعيد تليينَ النار الحديد. وإنما ~~الصعب قلوب أشد قساوة من الحجارة، فإن الحجارة تكسره وتكلسها النار ولا تلينها. وما ~~ألَانَ‏ له الحديد إلا لعمل الدروع الواقية تنبيهاً من اللَّه: أي لا يُتّقى الشي‏ء ~~إلا بنفسه، لأن الدرع يُتّقى بها السنان والسيف والسكين والنصل، فاتّقَيْت الحديد ~~بالحديد. فجاء الشرع المحمدي بأعوذ بك منك، فافهم. # فهذا روح تليين الحديد فهو المنتقم الرحيم واللَّه الموفق. # . ### | فص حكمة نفسية في كلمة يونسية ### | 18 - فص حكمة نَفْسيَّة في كلمة يونُسية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي ~~الحاتمي # اعلم أن هذه النشأة الانسانية بكمالها روح وجسم ونفساً خلقها اللَّه على صورته، ~~فلا يتولى حل نظامهألا مَنْ خلقها، إما بيده- وليس إلا ذلك‏ - وبأمره. ومن تولاها ~~بغير أمر اللَّه فقد ظلم نفسه وتعدى حد اللَّه فيه وسعى في خراب من أمَرَهُ اللَّه ~~بعمارته. وأعلم أن الشفقة على عباد اللَّه أحق بالرعاية من الغَيْرة في اللَّه. ~~أراد داود بنيان البيت المقدس فبناه مراراً، فكلما فرغ منه تهدَّم، فشكا ذلك إلى ~~اللَّه فأوحى اللَّه إليه أن بيتي هذألا يقوم على يدي من سفك الدماء. # فقال داود يا رب ألم يكن ذلك في سبيلك؟ قال بلى! ولكنهم أليسوا عبادي؟ قال يا رب ~~فاجعل بنيانه على يدي من هو مني، فأوحى اللَّه إليه أن ابنك سليمان يبنيه. فالغرض ~~من هذه الحكاية مراعاة هذه النشأة الانسانية، وأن إقامتها أولى من هدمها. ألا ترى ~~عدو الدين قد فرض اللَّه في حقهم الجزية والصلح إبقاءً عليهم، و قال‏ «وَ إِنْ ~~جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَه وتَوَكَّلْ عَلَى‏ اللَّهِ»؟ ألا ترى من‏ وجب ~~عليه القصاص كيف شُرِّع لولي الدم أخذُ الفدية والعفو، فإن أَبى حينئذ يقتل؟ ألا ~~تراه سبحانه‏ إذا كان أولياء الدم جماعة فرضي واحد بالدية وعفا، وباقي الأولياء لا ~~يريدون إلا القتل، كيف يراعَى من عف ويرجَّح على من لم يعف فلا يقتل‏ قصاصاً؟ ألا ~~تراه عليه السلام يقول في صاحب النِّسعة «إنْ قَتَلَه كان مثله»؟ ألا تراه يقول‏ ~~«وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها؟» فجعل القصاص سيئة، أي يسوء ذلك‏ الفعل ~~مع كونه مشروعاً. «فَمَنْ عَف وأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ» لأنه على صورته. ~~فمن عفا عنه ولم يقتله فأجره على من هو على صورته لأنه أحق به إذ أنشأه له، وما ظهر ~~بالاسم الظاهر إلا بوجوده فمن راعاه إنما يراعي الحق. وما يُذَمُّ الإنسان لعينه ~~وإنما يذم الفعل منه، وفعله ليس عينه، وكلامُنَا في عينه. # ولا فعل إلا اللَّه، ومع هذا ذُمَّ منها ما ذم وحُمِدَ منها ما حمد. ولسان الذم ~~على جهة الغرض مذموم عند اللَّه. فلا مذموم إلا ما ذمه الشرع، فإنَ‏ ذم الشرع‏ ~~لحكمة يعلمها اللَّه ومَنْ أَعْلَمه اللَّه، كما شرع القصاص للمصلحة إبقاء لهذا ~~النوع وإرداعاً للمعتدي حدود اللَّه فيه. «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا ~~أُولِي الْأَلْبابِ» وهم أهل لب الشي‏ء الذين عثروا على سر النواميس الإلهية ~~والحِكمية. # وإذا علمت أن اللَّه راعى هذه النشأة وإقامتها فأنت أولى بمراعاتها إذْ لَكَ بذلك ~~السعادة، فإنه ما دام الإنسان حياً، يرجى له تحصيل صفة الكمال الذي خلق له. ومن سعى ~~في هدمه فقد سعى في منع وصوله لما خلق له. وما أحسن ما قال رسول اللَّه صلى اللَّه ~~عليه وسلم «ألا أنبئكم بما هو خير لكم وأفضل من أن تلقوا عدوكم فتضربوا رقابهم ~~ويضربون رقابكم؟ ذكر اللَّه» . وذلك أنه لا يعلم قدر هذه النشأة الإنسانية إلا من ~~ذكر اللَّه الذكر المطلوب منه، فإنه تعالى جليس من ذكره، والجليس مشهود للذاكر. ~~ومتى لم يشاهد الذاكر الحقَّ الذي هو جليسه‏ فليس بذاكر. فإنَّ ذكر اللَّه سارٍ في ~~جميع العبد لا مَنْ ذَكَرَه بلسانه خاصة. # فان الحق لا يكون في ذلك الوقت إلا جليس اللسان خاصة، فيراه اللسان‏ من حيث لا ~~يراه الإنسان: بما هو راءٍ وهو البصر . فافهم هذا السِّر في ذكر الغافلين‏ . ~~فالذاكر من الغافل حاضر بلا شك، والمذكور جليسه، فهو يشاهده. والغافل من حيث غفلته ~~ليس بذاكر: فما هو جليس الغافل. # فالإنسان‏ كثير ما هو أحدى العين، والحق أحدى العين كثير بالأسماء الإلهية: # كما أن‏ الإنسان كثير بالأجزاء: وما يلزم من ذكر جزءٍ ما ذكر جزء آخر. # فالحق جليس الجزء الذاكر منه والآخر متصف بالغفلة عن الذكر. ولا بد أن يكون في ~~الإنسان جزء يَذكُرُ به يكون‏ الحق جليس ذلك الجزء فيحفظ باقي الأجزاء بالعناية. ~~وما يتولى الحقُّ هدمَ هذه النشاة بالمسمى موتاً، و ليس بإعدام وإنما هو تفريق، ~~فيأخذه إليه، وليس المراد إلا أن يأخذه الحق إليه، «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ ~~كُلُّهُ» فإذا أخذه إليه سوّى له مركباً غير هذا المركب من جنس الدار التي ينتقل‏ ~~إليها، وهي دار البقاء لوجود الاعتدال: # فلا يموت أبداً، أي لا تُفَرَّق أجزاؤه. وأما أهل النار فمآلهم إلى النعيم، ولكن ~~في النار إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب أن تكون برد وسلاماً على من ~~فيها. وهذا نعيمهم. فنعيم أَهل النار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل اللَّه حين ~~أُلقِيَ في النار فإنه عليه السلام تعذب برؤيته وبما تَعَوّد في علمه وتقرر من‏ ~~أنها صورة تؤلم من جاورها من الحيوان. وما علم مراد اللَّه فيه ومنها في حقه. # فبعد وجود هذه الآلام وجد برد وسلاماً مع شهود الصورة اللونية في حقه، وهي نار في ~~عيون الناس. فالشي‏ء الواحد يتنوع في عيون الناظرين: هكذا هو التجلي الإلهي. فإن ~~شئت قلت إن اللَّه تجلى مثل هذا الأمر، وإن شئت قلت إن العالَم في النظر إليه و فيه ~~مثلُ الحق في التجلي، فيتنوع في عين الناظر بحسب مزاج الناظر ويتنوع مزاج الناظر ~~لتنوع التجلي: وكل هذا سائغ في الحقائق. # ولو أن الميت والمقتول- أيَّ ميت كان وأيَّ مقتول كان- إذا مات وقُتِلَ لا يرجع ~~إلى اللَّه، لم يقض اللَّه بموت أحد ولا شرع قتله. فالكل في قبضته: فلا فقدان في ~~حقه. # فشرع القتل وحكم بالموت لعلمه بأن عبده لا يفوته: فهو راجع إليه على أن قوله‏ «وَ ~~إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» أي فيه يقع التصرف، وهو المتصرف، فما خرج عنه ~~شي‏ء لم يكن عينه، بل هويَّتُهُ هو عين‏ ذلك الشي‏ء وهو الذي يعطيه الكشف في قوله‏ ~~«وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ». # . ### | فص حكمة غيبية في كلمة أيوبية ### | 19 - فص حكمة غيبية في كلمة أَيوبية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # اعلم أن سر الحياة سرى في الماء فهو أصل العناصر والأركان، ولذلك جعل اللَّه‏ ~~«مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ»: وما ثم شي‏ء إلا وهو حي، فإنه ما من شي‏ء إلا ~~وهو يسبح بحمد اللَّه ولكن لا نفقة تسبيحه إلا بكشف إلهي. ولا يسبِّح إلا حي. # فكل شي‏ء حي. فكل شي‏ء الماء أصله. ألا ترى العرش كيف كان على الماء لأنه‏ منه ~~تكوَّن فطفا عليه فهو يحفظه من تحته، كما أن الإنسان خلقه اللَّه عبداً فتكبر على ~~ربه وعلا عليه، فهو سبحانه مع هذا يحفظه من تحته بالنظر إلى علو هذا العبد الجاهل ~~بنفسه، وهو قوله عليه السلام «لو دليتم بحبل لهبط على اللَّه». فأشار إلى نسبة ~~التحت إليه كما أن‏ نسبة الفوق‏ إليه في قوله‏ «يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ ~~فَوْقِهِمْ»، «وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ» . فله الفوق والتحت. ولهذا ما ~~ظهرت الجهات الست إلا بالإنسان، وهو على صورة الرحمن. ولا مطعم إلا اللَّه، وقد قال ~~في حق طائفة «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ والْإِنْجِيلَ»، ثم نكر وعمَ‏ ~~فقال‏ «وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ»، فدخل في قوله‏ «وَ ما أُنْزِلَ ~~إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ» كل حكم‏ منزل على لسان رسول وملهم، «لَأَكَلُوا مِنْ ~~فَوْقِهِمْ» وهو المطعم من الفوقية التي نسبت‏ إليه، «وَ مِنْ تَحْتِ ~~أَرْجُلِهِمْ»، وهو المطعم من التحتية التي نسبها إلى نفسه على لسان رسوله المترجم ~~عنه صلى اللَّه عليه وسلم. ولو لم يكن العرش على الماء ما انحفظ وجوده، فإنه ~~بالحياة ينحفظ وجود الحي. ألا ترى الحي إذا مات الموت العرفي تنحل أجزاء نظامه ~~وتنعدم قواه عن ذلك النظم الخاص؟ قال تعالى‏ لأيوب‏ «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا ~~مُغْتَسَلٌ»، يعني ماء، «بارِدٌ» لما كان عليه من إفراط حرارة الألم، فسكَّنه ~~اللَّه ببرد الماء. ولهذا كان الطب النقص من الزائد والزيادة في الناقص. والمقصود ~~طلب الاعتدال، ولا سبيل إليه إلا أنه يقاربه. وإنما قلن ولا سبيل إليه- أعني ~~الاعتدال- من أجل أن الحقائق والشهود تعطي التكوين مع الأنفاس على الدوام، ولا يكون ~~التكوين إلا عن ميل في الطبيعة يسمى انحراف وتعفيناً ، وفي حق الحق إرادة وهي ميل ~~إلى المراد الخاص دون غيره. والاعتدال يؤذن بالسواء في الجميع، وهذا ليس بواقع، ~~فلهذا مَنَعْنَا من حكم الاعتدال. وقد ورد في العلم الإلهي النبوي اتصاف الحق بالرض ~~والغضب، و بالصفات. والرضا مزيل للغضب، والغضب مزيل للرضا عن المرضي عنه والاعتدال ~~أن يتساوى الرض والغضب، فما غضب الغاضب على من غضب عليه وهو عنه راض. فقد اتصف بأحد ~~الحكمين في حقه وهو ميل. وما رضي الراضي عمن رضي عنه وهو غاضب عليه، فقد اتصف بأحد ~~الحكمين في حقه وهو ميل. وإنما قلنا هذا من أجل من يرى أن أهل النار لا يَزَال غضب ~~اللَّه عليهم دائماً أبداً في زعمه . فما لهم حكم الرضا من اللَّه، فَصَحَّ ~~المقصود. # فإن كان كما قلنا مآل أهل النار إلى إزالة الآلام وإن سكنوا النار، فذلك رضا: ~~فزال الغضب لزوال الآلام‏ ، إذا عين الألم عين الغضب إن فهمت. فمن غضب فقد تأذَّى، ~~فلا يسعى في انتقام المغضوب عليه بإيلامه إلا ليجد الغاضب الراحة بذلك، فينتقل ~~الألم الذي كان عنده إلى المغضوب عليه. والحق إذا أفردته عن العالم يتعالى علواً ~~كبيراً عن هذه الصفة على هذا الحد. وإذا كان الحق هُوِيَّة العالم، فما ظهرت ~~الأحكام كلهألا منه وفيه، و هو قوله‏ «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» ~~حقيقة وكشفاً «فَاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ» حجاب وستراً . فليس في الإمكان ~~أبدع من هذا العالم لأنه على صورة الرحمن، أوجده اللَّه أي ظهر وجوده تعالى بظهور ~~العالم كما ظهر الإنسان بوجود الصورة الطبيعية. فنحن صورته الظاهرة، وهويته روح هذه ~~الصورة المدبرة لها. # فما كان التدبير إلا فيه كما لم يكن إلا منه. فهُوَ «الْأَوَّلُ» بالمعنى‏ «وَ ~~الْآخِرُ» بالصورة وهو «الظَّاهِرُ» بتغير الأحكام والأحوال، «وَ الْباطِنُ» ~~بالتدبير، «وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» فهو على كل شي‏ء شهيد، ليعْلَم عن ~~شهود لا عن فكر. # فكذلك علم الأذواق لا عن فكر وهو العلم الصحيح وما عداه فحدس وتخمين ليس بعلم ~~أصلًا. ثم كان لأيوب عليه السلام ذلك الماء شراباً لإزالة ألم العطش الذي هو من ~~النُّصْبِ والعذاب الذي مسه به الشيطان ، أي البعد عن الحقائق أن يدركها على ما هي ~~عليه فيكون بإدراكها في محل القرب. فكل مشهود قريب من العين ولو كان بعيداً ~~بالمسافة. فإن البصر يتصل به من حيث شهوده ولو لا ذلك لم يشهده، ويتصل المشهود ~~بالبصر كيف كان. فهو قرب بين البصر والمبصَر. ولهذا كنَّى أيوب في المس، فأضافه إلى ~~الشيطان مع قرب المس فقال البعيد مني قريب لحكمه‏ فيّ. وقد علمت أن البعد والقرب ~~أمران إضافيان، فهما نسبتان لا وجود لهما في العين مع ثبوت أحكامها في البعيد ~~والقريب. واعلم أن سر اللَّه في أيوب الذي جعله‏ عبرة لن وكتاباً مسطوراً حالياً ~~تقرؤه هذه الأمة المحمدية لتعلم ما فيه فتلحق بصاحبه تشريفاً لها. فأثنى اللَّه ~~عليه- أعني على أيوب- بالصبر مع دعائه في رفع الضر عنه. # فعلمنا أن العبد إذا دعا اللَّه في كشف الضر عنه لا يقدح في صبره وأنه صابر وأنه ~~نعم العبد كما قال تعالى‏ «إِنَّهُ أَوَّابٌ» أي رجاع إلى اللَّه لا إلى الأسباب، ~~والحق يفعل عند ذلك بالسبب لأن العبد يستند إليه، إذ الأسباب المزيلة لأمر ما كثيرة ~~والمسبِّب واحد العين. فرجوع العبد إلى الواحد العين المزيل بالسبب ذلك الألم أولى ~~من الرجوع إلى سبب خاص ربمألا يوافق‏ علم اللَّه فيه، فيقول إن اللَّه لم يستجب لي ~~وهو ما دعاه، وإنما جنح إلى سبب خاص لم يقتضه الزمان ولا الوقت . # فَعَمِلَ أيوب بحكمة اللَّه إذ كان نبياً، لِمَا عَلِمَ أن الصبر الذي هو حبس ~~النفس عن الشكوى عند الطائفة ، وليس ذلك بحد للصبر عندنا. وإنما حده حبس النفس عن ~~الشكوى لغير اللَّه لا إلى اللَّه. فحجب الطائفةَ نظرُهم في أن الشاكي يقدح بالشكوى ~~في الرضا بالقضاء، وليس كذلك، فإن الرضا بالقضاء لا تقدح فيه الشكوى‏ إلى اللَّه ~~ولا إلى غيره، وإنما تقدح في الرضا بالمقضي. ونحن ما خوطبنا بالرضا بالمقضي. والضر ~~هو المقضي ما هو عين القضاء. وعلم أيوب أن في‏ حبس النفس عن الشكوى إلى اللَّه في ~~رفع الضر مقاومَةَ القهر الإلهي، وهو جهل بالشخص إذ ابتلاه اللَّه بما تتألم منه ~~نفسه، فلا يدعو اللَّه في إزالة ذلك الأمر المؤلم، بل ينبغي له عند المحقق أن يتضرع ~~ويسأل اللَّه في إزالة ذلك عنه، فإن ذلك إزالة عن جناب اللَّه عند العارف صاحب ~~الكشف: فإن اللَّه قد وصف نفسه بأنه يؤذي فقال‏ «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ~~ورَسُولَهُ». وأي أذىً أعظم من أن يبتليك ببلاء عند غفلتك عنه وعن مقام إلهي لا ~~تعلمه لترجع إليه بالشكوى فيرفعه عنك، فيصح الافتقار الذي هو حقيقتك، فيرتفع عن ~~الحق الأذى بسؤالك إياه في رفعه عنك، إذ أنت صورته الظاهرة. # كما جاع بعض العارفين فبكى فقال له في ذلك من لا ذوق له في هذا الفن معاتباً له، ~~فقال العارف «إنما جوعني لأبكي». يقول إنما ابتلاني بالضر لأسأله في رفعه عني، و ~~ذلك لا يقدح في كوني صابراً. فعلمنا أن الصبر إنما هو حبس النفس عن الشكوى لغير ~~اللَّه، وأعني بالغير وجهاً خاصاً من وجوه اللَّه. وقد عين اللَّه الحق‏ وجهاً ~~خاصاً من وجوه اللَّه وهو المسمى وجه الهوية فتدعوه من ذلك الوجه في رفع الضر لا من ~~الوجوه الأخر المسماة أسباباً، وليست إلا هو من حيث تفصيل‏ الأمر في نفسه. فالعارف ~~لا يحجبه سؤاله هويَّةَ الحق في رفع الضر عنه عن أن تكون جميع الأسباب عينه من ~~حيثية خاصة. وهذألا يلزم طريقته إلا الأدباء من عباد اللَّه الأمناء على أسرار ~~اللَّه، فإن للَّه أمناء لا يعرفهم إلا اللَّه ويعرف بعضهم بعضاً. وقد نصحناك‏ ~~فاعمل وإياه سبحانه فاسأل. # . ### | فص حكمة جلالية في كلمة يحيوية ### | 20 - فص حكمة جلالية في كلمة يحيوية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # هذه حكمة الأولية في الأسماء، فإن اللَّه سماه يحيى أي يحيا به ذكر زكريا. # و «لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا» فجمع بين حصول الصفة التي فيمن ~~غَبَرَ ممن ترك ولداً يحيا به ذكرُه وبين اسمه بذلك. # فسماه يحيى فكان اسمه يحيى كالعلم الذوقي، فإن آدم حيي ذكره بشيث ونوحاً حيي ذكره ~~بسام، وكذلك الأنبياء. # ولكن ما جمع اللَّه لأحد قبل يحيى بين الاسم العَلم منه وبين الصفة إلا لزكريا ~~عناية منه إذ قال‏ «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا» فقدم الحقَّ على ذكر ولده ~~كما قدمت آسية ذكر الجار على الدار في قوله «عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ» ~~فأكرمه اللَّه بأن قضى حاجته وسماه بصفته حتى يكون اسمه تذكاراً لما طلب منه نبيه ~~زكريا، لأنه عليه السلام آثر بقاء ذكر اللَّه في عَقِبِه إذ الولد سر أبيه، فقال‏ ~~«يَرِثُنِي ويَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» وليس ثَمَّ موروث في حق هؤلاء إلا مقام ذكر ~~اللَّه والدعوة إليه. ثم إنه بشره بما قدمه من سلامه عليه يوم‏ ولد ويوم يموت ويوم ~~يبعث حياً. فجاء بصفة الحياة وهي اسمه وأعلم بسلامه عليه، و كلامُهُ صدق فهو مقطوع ~~به، وإن كان قول الروح‏ «وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ ~~ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا» أكمل في الاتحاد، فهذا أكمل في الاتحاد والاعتقاد وأرفع ~~للتأويلات . فإن الذي انخرقت‏ فيه‏ العادة في حق عيسى إنما هو النطق، فقد تمكن عقله ~~وتكمل في ذلك الزمان الذي أنطقه اللَّه فيه. ولا يلزم للمتمكن من النطق- على أي ~~حالة كان- الصدقُ فيما به ينطق، بخلاف‏ المشهود له كيحيى. فسلام الحق على يحيى من ~~هذا الوجه أرفع للالتباس الواقع في العناية الإلهية به من سلام عيسى على نفسه، وإن ~~كانت قرائن الأحوال تدل على قربه‏ من اللَّه في ذلك وصدقه، إذ نطق في معرض الدلالة ~~على براءة أمه في المهد. فهذا أحد الشاهدين، والشاهد الآخر هو الجذع اليابس فسقط ~~رطباً جنيًّا من غير فحل ولا تذكير، كما ولدت مريم عيسى من غير فحل ولا ذكر ولا ~~جماع عرفي معتاد، لو قال نبي آيتي ومعجزتي أن ينطق هذا الحائط، فنطق الحائط وقال في ~~نطقه تكذب ما أنت رسول اللَّه، لصحت الآية وثبت بها أنه رسول اللَّه، ولم يلتفت إلى ~~ما نطق به الحائط. فلما دخل هذا الاحتمال في كلام عيسى بإشارة أمه إليه وهو في ~~المهد، كان‏ سلام اللَّه على يحيى أرفع من هذا الوجه‏ . فموضع الدلالة أنه عبد ~~اللَّه من أجل ما قيل فيه إنه ابن اللَّه- وفرغت الدلالة بمجرد النطق- وأنه عبد ~~اللَّه عند الطائفة الاخرى القائلة بالنبوة. وبقي ما زاد في حكم الاحتمال في النظر ~~العقلي حتى ظهر في المستقبل صدقه في جميع ما أخبر به في المهد فتحقق ما أشرنا إليه. # . # %~% ### | فص حكمة مالكية في كلمة زكراوية # 21 - فص حكمة مالكية في كلمة زكرياوية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # اعلم أن رحمة اللَّه وسعت كل شي‏ء وجود وحكماً ، وأن وجود الغضب من رحمة اللَّه ~~بالغضب. فسبقت رحمته غضبه أي سبقت نسبة الرحمة إليه نسبة الغضب إليه. ولما كان لكل ~~عين وجود يطلبه من اللَّه، لذلك عمت رحمته كل عين، فإنه برحمته التي رحمه بها ~~قَبِلَ‏ رغْبته في وجود عينه، فأوجدها. # فلذلك قلنا إن رحمة اللَّه وسعت كل شي‏ء وجود وحكماً. والأسماء الإلهية من ~~الأشياء، وهي ترجع إلى عين واحدة. فأول ما وسعت رحمة اللَّه شيئية تلك العين ~~الموجدة للرحمة بالرحمة، فأول شي‏ء وسعته الرحمة نَفْسُها ثم الشيئية المشار إليها، ~~ثم شيئية كل موجود يوجد إلى مألا يتناهى دني وآخرة، وعرض وجوهراً، ومركَّب و بسيطاً ~~. ولا يعتبر فيها حصول غرض ولا ملاءمة طبع، بل الملائم وغير الملائم كله وسعته ~~الرحمة الإلهية وجوداً . وقد ذكرنا في الفتوحات‏ أن الأثر لا يكون إلا للمعدوم لا ~~للموجود، وإن كان للموجود فبحكم المعدوم : وهو علم غريب ومسألة نادرة، ولا يعلم ~~تحقيقها إلا أصحاب الأوهام، فذلك بالذوق عندهم. وأما من لا يؤثر الوهم فيه فهو بعيد ~~عن هذه المسألة. # فرحمة اللَّه في الأكوان سارية %~% وفي الذوات وفي الأعيان جارية # مكانة الرحمة المثلى إذا علمت‏ %~% من الشهود مع الأفكار عالية # فكل من ذكرته‏ الرحمة فقد سعد، وما ثم إلا من ذكرته الرحمة. # وذكر الرحمة الأشياء عين إيجادها إياها. # فكل‏ موجود مرحوم. ولا تحجب يا ولي عن إدراك ما قلناه بما ترى من أصحاب البلاء ~~وما تؤمن به من آلام الآخرة التي لا تفتر عمن قامت به. # واعلم أولًا أن الرحمة إنما هي في الإيجاد عامة. # فبالرحمة بالآلام‏ أوجد الآلام‏ . # ثم إن الرحمة لها أثر بوجهين: أثر بالذات، وهو إيجادها كل عين موجودة. # ولا تنظر إلى غرض ولا إلى عدم غرض، ولا إلى ملائم ولا إلى غير ملائم: فإنها ناظرة ~~في عين كل موجود قبل وجوده. # بل تنظره‏ في عين ثبوته، ولهذا رأت الحق المخلوق في الاعتقادات عيناً ثابتة في ~~العيون الثابتة فرحمته بنفسها بالإيجاد . ولذلك قلنا إن الحق المخلوق‏ في ~~الاعتقادات أول شي‏ء مرحوم بعد رحمتها نفسها في تعلقها بإيجاد الموجودين. # ولها أثر آخر بالسؤال ، فيسْأل المحجوبون الحق أن يرحمهم في اعتقادهم، وأهل الكشف ~~يسألون رحمة اللَّه أن تقوم بهم ، فيسألونها باسم اللَّه فيقولون يا اللَّه ارحمنا. # ولا يرحمهم إلا قيام الرحمة بهم‏ ، فلها الحكم، لأن الحكم إنما هو في الحقيقة ~~للمعنى القائم بالمحل. فهو الراحم على الحقيقة. فلا يرحم اللَّه عباده المعتنى بهم ~~إلا بالرحمة، فإذا قامت بهم وجدوا حكمها ذوقاً. # فمن ذكرته الرحمة فقد رَحِمَ. # واسم الفاعل هو الرحيم والراحم. # والحكم‏ لا يتصف بالخلق لأنه أمر توجبه المعاني لذواتها . # فالأحوال لا موجودة ولا معدومة، أي لا عين لها في الوجود لأنها نسب‏ ، ولا معدومة ~~في الحكم لأن الذي قام به العلم يسمى عالم وهو الحال. # فعالم ذات موصوفة بالعلم، ما هو عين الذات ولا عين العلم، وما ثم إلا علم وذات ~~قام بها هذا العلم. # وكونه عالماً حال لهذه الذات باتصافها بهذا المعنى. # فحدثت‏ نسبة العلم إليه، فهو المسمى عالماً. # والرحمة على الحقيقة نسبة من الراحم، وهي الموجبة للحكم، وهي الراحمة . # والذي أوجدها في المرحوم ما أوجدها ليرحمه به وإنما أوجدها ليرحم بها من قامت به‏ ~~. # وهو سبحانه ليس بمحل للحوادث، فليس بمحل لإيجاد الرحمة فيه. # وهو الراحم، ولا يكون الراحم راحمألا بقيام الرحمة به. فثبت أنه عين الرحمة. # ومن لم يذق هذا الأمر ولا كان له فيه قدم ما اجترأ أن يقول إنه عين الرحمة وعين ~~الصفة، فقال ما هو عين الصفة ولا غيرها. # فصفات الحق عنده لا هي هو ولا هي غيره، لأنه لا يقدر على نفيه ولا يقدر أن يجعلها ~~عينه، فعدل إلى هذه العبارة وهي‏ حسنة، وغيرها أحق بالأمر منه وأرفع للإشكال، وهو ~~القول بنفي أعيان الصفات وجوداً قائماً بذات الموصوف. # وإنما هي نسب وإضافات بين الموصوف به وبين أعيانها المعقولة. # وإن كانت الرحمة جامعة فإنها بالنسبة إلى كل اسم إلهي مختلفة ، فلهذا يُسْألُ ~~سبحانه أن يَرْحَم بكل اسم إلهي. فرحمة اللَّه والكناية هي التي وسعت كل شي‏ء. # ثم لها شعب كثيرة تتعدد بتعدد الأسماء الإلهية . # فما تعم بالنسبة إلى ذلك الاسم الخاص الإلهي في قول السائل رب ارحم، وغير ذلك من ~~الأسماء. # حتى المنتقم له أن يقول يا منتقم ارحمني، وذلك لأن هذه الأسماء تدل على الذات ~~المسماة، وتدل‏ بحقائقها على معان مختلفة. # فيدعو بها في الرحمة من حيث دلالتها على الذات المسماة بذلك الاسم لا غير، لا بما ~~يعطيه مدلول ذلك الاسم الذي ينفصل به عن غيره ويتميز. # فإنه لا يتميز عن غيره وهو عنده دليل الذات، وإنما يتميز بنفسه عن غيره لذاته، إذ ~~المصطلح عليه بأي لفظ كان حقيقةٌ متميزة بذاتها عن غيرها: # وإن كان الكل قد سيق‏ ليدل على عين واحدة مسماة . # فلا خلاف في أنه لكل اسم حكم ليس للآخر، فذلك أيضاً ينبغي أن‏ يعتبر كما تعتبر ~~دلالتها على الذات المسماة. # ولهذا قال أبو القاسم بن قسي في الأسماء الإلهية إن كل اسم إلهي على انفراده مسمى ~~بجميع الأسماء الإلهية كلها: # إذا قدمته في الذكر نعتَّه بجميع الأسماء، وذلك لدلالتها على عين واحدة، وإن ~~تكثرت الأسماء عليه و اختلفت حقائقها، أي حقائق تلك الأسماء. # ثم إن الرحمة تُنَال على طريقين، طريق الوجوب، وهو قوله‏ «فَسَأَكْتُبُها ~~لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ» وما قيَّدهم به من الصفات العلمية ~~والعملية . # والطريق الآخر الذي تنال به هذه‏ الرحمة طريق الامتنان الإلهي الذي لا يقترن به ~~عمل وهو قوله‏ «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ» ومنه قيل‏ «لِيَغْفِرَ لَكَ ~~اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ»، ومنها قوله «اعمل ما شئت فقد ~~غفرت لك» فاعلم ذلك. # . # %~% ### | فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية ### | 22- فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # إلياس هو إدريس كان نبياً قبل نوح، ورفعه اللَّه مكاناً علياً، فهو في قلب ~~الأفلاك ساكن وهو فلك الشمس. ثم بعث إلى قرية بعلبك، وبعل اسم صنم، وبك هو سلطان ~~تلك القرية. وكان هذا الصنم المسمى بعلًا مخصوصاً بالملك. وكان إلياس الذي هو إدريس ~~قد مُثِّل له‏ انفلاق الجبل المسمى لبنان- من اللبنانة، وهي الحاجة- عن فرس من نار، ~~وجميع‏ آلاته من نار . فلما رآه ركب عليه فسقطت عنه الشهوة، فكان عقلًا بلا شهوة، ~~فلم يبق له تعلق بما تتعلق به الأعراض النفسية. فكان الحق فيه منزهاً، فكان على ~~النصف من المعرفة باللَّه، فإن العقل إذا تجرد لنفسه من حيث أخذه العلوم عن نظره، ~~كانت‏ معرفته باللَّه على التنزيه لا على التشبيه. وإذا أعطاه اللَّه المعرفة ~~بالتجلي كملت معرفته باللَّه، فنزه في موضع وشبه في موضع، ورأى سريان الحق في الصور ~~الطبيعية والعنصرية. وما بقيت له صورة إل ويرى‏ عين الحق عينها. وهذه المعرفة ~~التامة التي جاءت بها الشرائع المنزلة من عند اللَّه، وحكمت بهذه المعرفة الأوهام ~~كلها. # ولذلك كانت الأوهام أقوى سلطاناً في هذه النشأة من العقول، لأن العاقل ولو بلغ في ~~عقله ما بلغ لم يخل من حكم الوهم عليه والتصوُّر فيما عقل. فالوهم هو السلطان ~~الأعظم في هذه الصورة الكاملة الإنسانية، وبه جاءت الشرائع المنزلة فشبهت ونزهت، ~~شبهت في التنزيه بالوهم، ونزهت في التشبيه بالعقل. فارتبط الكل بالكل، فلم‏ يتمكن ~~أن يخلو تنزيه عن تشبيه ولا تشبيه عن تنزيه: قال تعالى‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ ~~شَيْ‏ءٌ» فنزَّه وشبَّه، «وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» فشبه. وهي أعظم آية تنزيه ~~نزلت‏ ، ومع ذلك لم تخل عن التشبيه بالكاف. فهو أعلم العلماء بنفسه، وما عبَّر عن ~~نفسه إلا بما ذكرناه. ثم قال‏ «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا ~~يَصِفُونَ» وما يصفونه إلا بما تعطيه عقولهم. فنزه نفسه عن تنزيههم إذ حدوده بذلك ~~التنزيه، و ذلك لقصور العقول عن إدراك مثل هذا. ثم جاءت الشرائع كلها بما تحكم به ~~الأوهام. فلم تُخْلِ عن صفة يظهر فيها. كذا قالت، وبذا جاءت. فعملت الأمم على ذلك ~~فأعطاها الحق التجلي فلحقت بالرسل وراثةً ، فنطقت بما نطقت به رسل اللَّه‏ «اللَّهُ ~~أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ‏ . «فاللَّه أعلم» موجَّه: له وجه بالخبرية ~~إلى رسل‏ اللَّه، وله وجه بالابتداء إلى أعلمُ حيث يجعل رسالاته . وكلا الوجهين ~~حقيقة فيه، ولذلك قلنا بالتشبيه في التنزيه وبالتنزيه في التشبيه. وبعد أن تقرر هذا ~~فنرخي الستور ونسدل الحجب على عين المنتقد والمعتقد ، وإن كانا من بعض صور ما تجلى ~~فيها الحق. ولكن قد أُمِرْنا بالستر ليظهر تفاضل استعداد الصور، وأن المتجلي في ~~صورة بحكم استعداد تلك الصورة، فينسب إليه ما تعطيه حقيقته ولوازمهألا بد من ذلك: ~~مثل من يرى الحق في النوم ولا ينكر هذ وأنه لا شك الحق عينه فتتبعه لوازم تلك ~~الصورة وحقائقها التي تجلى فيها في النوم، ثم بعد ذلك يعبَّر- أي يجاز- عنها إلى ~~أمر آخر يقتضي التنزيه عقلًا. فإن كان الذي يعبرها ذا كشف وإيمان‏ ، فلا يجوز عنها ~~إلى تنزيه فقط، بل يعطيها حقها في التنزيه ومما ظهرت فيه . # فاللَّه على التحقيق عبارة لمن فهم الإشارة. وروح هذه الحكمة وفصها أن الأمر ~~ينقسم إلى مؤثر ومؤثَّر فيه وهما عبارتان: فالمؤثِّر بكل وجه وعلى كل حال وفي‏ كل ~~حضرة وهو اللَّه‏ . والمؤثِّر فيه بكل وجه وعلى كل حال وفي كل حضرة هو العالم‏ فإذا ~~ورد . فألحِقْ كل شي‏ء بأصله الذي يناسبه ، فإن الوارد أبدألا بد أن يكون فرعاً عن ~~أصل‏ كما كانت المحبة الإلهية عن النوافل من العبد . فهذا أثر بين مؤثِّر ومؤثَّر ~~فيه: وكما كان الحق سمع العبد وبصره وقواه عن هذه المحبة. فهذا أثر مقرر لا ~~يُقْدَرُ على إنكاره لثبوته شرعاً إن كنت مؤمناً. وأما العقل السليم، فهو إما صاحب ~~تجل إلهي في مجلى طبيعي فيعرف ما قلناه، وإما مؤمن مسلم يؤمن به كما ورد في الصحيح. ~~ولا بد من سلطان الوهم أن‏ يحكم على العاقل‏ الباحث فيما جاء به الحق في هذه الصورة ~~لأنه مؤمن بها. وأما غير المؤمن فيحكم على الوهم بالوهم فيتخيل بنظره الفكري أنه قد ~~أحال على اللَّه ما أعطاه ذلك التجلي في الرؤيا، والوهْمُ في ذلك لا يفارقه من حيث ~~لا يشعر لغفلته عن نفسه ، ومن ذلك قوله تعالى‏ «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ». قال ~~تعالى‏ «وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ~~الدَّاعِ إِذا دَعانِ» إذ لا يكون مجيب ألا إذا كان‏ من يدعوه، وإن كان عينُ الداعي ~~عينَ المجيب. فلا خلاف في اختلاف الصور، فهما صورتان بلا شك. وتلك الصور كلها ~~كالأعضاء لزيد: فمعلوم أن زيداً حقيقة واحدة شخصية، وأن يده ليست صورة رجله ولا ~~رأسه ولا عينه ولا حاجبه. فهو الكثير الواحد: الكثير بالصور ، الواحد بالعين. ~~وكالإنسان: واحد بالعين بلا شك. ولا نشك‏ أن عَمْراً ما هو زيد ولا خالد ولا جعفر، ~~وأن أشخاص هذه العين الواحدة لا تتناهى وجوداً. فهو وإن كان واحداً بالعين، فهو ~~كثير بالصور والأشخاص . وقد علمت قطعاً إن كنت مؤمناً أن الحق عينه يتجلى يوم‏ ~~القيامة في صورةٍ فيعْرَف، ثم يتحول في صورة فينكر، ثم يتحوَّل عنها في صورة ~~فيعْرَف، وهو المتجلِّي- ليس غيره- في كل صورة. ومعلوم أن هذه الصورة ما هي تلك ~~الصورة الأخرى: فكأنَّ العين الواحدة قامت مقام المرآة، فإذا نظر الناظر فيها إلى ~~صورة معتقده في اللَّه عَرَفَه فأقرَّ به. وإذا اتفق أن يرى فيها معتقد غيره أنكره، ~~كما يرى في المرآة صورته وصورة غيره. فالمرآة عين واحدة والصور كثيرة في عين ~~الرائي، وليس في المرآة صورة منها جملة واحدة، مع كون المرآة لها أثر في الصور بوجه ~~وما لها أثر بوجه: فالأثر الذي لها كونها تُرَدُّ الصورة متغيرة الشكل من الصغر ~~والكبر والطول والعرض، فلها أثر في المقادير، وذلك راجع إليها. وإنما كانت هذه ~~التغيرات‏ منها لاختلاف مقادير المرائي: فانظر في المثال مرآة واحدة من هذه ~~المرايا، لا تنظر الجماعة، وهو نظرك من حيث كونه ذاتاً: فهو غني عن العالمين، ومن ~~حيث الأسماء الإلهية فذلك الوقت يكون كالمرايا: فأي اسم إلهي نظرت فيه نفسك ومن ~~نظر، فإنما يظهر في الناظر حقيقة ذلك الاسم: فهكذا هو الأمر إن فهمت . فلا تجزع ولا ~~تخف فإنَّ اللَّه يحب الشجاعة ولو على قتل حية، وليست الحية سوى نفسك. والحية حية ~~لنفسها بالصورة والحقيقة. والشي‏ء لا يقتل‏ عن نفسه. وإن أفسدت الصورة في الحس‏ فإن ~~الحد يضبطه والخيال لا يزيلها. وإذا كان الأمر على هذا فهذا هو الأمان على الذوات ~~والعزةُ والمنعةُ، فإنك لا تقدر على فساد الحدود. وأي عزة أعظم من هذه العزة؟ ~~فتتخيل بالوهم أنك قتلت، وبالعقل والوهم لم تزل الصورة موجودة في الحد . و الدليل ~~على ذلك‏ «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ اللَّهَ رَمى‏» : والعين ما أدركت ~~إلا الصورة المحمدية التي ثبت لها الرمي في الحس، وهي التي نفى اللَّه الرمي عنها ~~أولًا ثم أثبته لها وسطاً، ثم عاد بالاستدراك أن اللَّه هو الرامي في صورة محمدية. ~~ولا بد من الإيمان بهذا. فانظر إلى هذا المؤثر حتى أنزل الحق في صورة محمدية . ~~وأخبر الحق نفسُهُ عباده بذلك، فما قال أحد منا عنه ذلك بل هو قال عن نفسه. و ~~خَبَرُهُ صدق والإيمان به واجب، سواء أدركت علم ما قال ولم تدركه: فإما عالم و إما ~~مسلم مؤمن . ومما يدلك على ضعف النظر العقلي من حيث فكره، كون العقل يحكم على العلة ~~أنهألا تكون معلولة لمن هي علة له : هذا حكم العقل لا خفاء به، وما في علم التجلي ~~إلا هذا، وهو أن العلة تكون معلولة لمن هي علة له. والذي حكم به العقل صحيح مع ~~التحرير في النظر، وغايته في ذلك أن يقول إذا رأى الأمر على خلاف ما أعطاه الدليل ~~النظري، إن العين بعد ثبت أنها واحدة في هذا الكثير، فمن حيث هي علة في صورة من هذه ~~الصور لمعلول ما، فلا تكون معلولة لمعلولها، في حال كونها علة، بل ينتقل الحكم ~~بانتقالها في الصور، فتكون معلولة لمعلولها، فيصير معلولها علة لها. هذا غايته إذا ~~كان قد رأى الأمر على ما هو عليه، ولم يقف‏ مع نظره الفكرى. وإذا كان الأمر في ~~العلية بهذه المثابة، فما ظنك باتساع النظر العقلي في غير هذا المضيق؟ فلا أعقل من ~~الرسل صلوات اللَّه عليهم وقد جاءوا بما جاءوا به في الخبر عن الجناب الإلهي، ~~فأثبتوا ما أثبته العقل وزادوا مألا يستقل العقل بإدراكه، وما يُحِيلُه‏ العقل رأس ~~ويُقِرُّ به في التجلي‏ . فإذا خلا بعد التجلي بنفسه حَارَ فيما رآه : فإن كان عبد ~~رب رد العقل إليه، وإن كان عبد نظر رد الحق إلى حكمه‏ . وهذأ لا يكون إلا ما دام في ~~هذه النشأة الدنيوية محجوباً عن نشأته الأخروية في الدنيا. فإن العارفين يظهرون هنا ~~كأنهم في الصورة الدنيا لما يجري عليهم من أحكامها، واللَّه تعالى قد حوَّلهم في ~~بواطنهم في النشأة الأخروية، لا بد من ذلك. فهم بالصورة مجهولون إلا لمن كشف اللَّه ~~عن بصيرته فأدرك. فما من عارف باللَّه من حيث التجلي الإلهي إل وهو على النشأة ~~الآخرة: قد حشر في دنياه ونشر في قبره ، فهو يرى مألا ترون، ويشهد مألا تشهدون، ~~عناية من اللَّه ببعض عباده في ذلك. فمن أراد العثور على هذه الحكمة الإلياسية ~~الإدريسية الذي أنشأه اللَّه نشأتين، فكان نبياً قبل نوح ثم رفع ونزل رسولًا بعد ~~ذلك، فجمع اللَّه له بين المنزلتين فلينزل عن حكم عقله إلى شهوته، ويكون حيواناً ~~مطلقاً حتى يَكْشِفَ ما تكشفه كل دابة ما عدا الثقلين، فحينئذ يعلم أنه قد تحقق ~~بحيوانيته. وعلامته علامتان الواحدة هذا الكشف، فيرى من يعذب في قبره ومن ينعم، و ~~يرى الميت حي والصامت متكلم والقاعد ماشياً. والعلامة الثانية الخرس بحيث إنه لو ~~أراد أن ينطق بما رآه لم يقدر فحينئذ يتحقق بحيوانيته. وكان لنا تلميذ قد حصل له ~~هذا الكشف غير أنه لم يحفظ عليه الخرس فلم يتحقق بحيوانيته. ولما أقامني اللَّه في ~~هذا المقام تحققت بحيوانيتي تحققاً كلياً، فكنت أرى وأريد النطق‏ بما أشاهده فلا ~~أستطيع، فكنت لا أفرق بيني وبين الخرس الذين لا يتكلمون. # فإذا تحقق بما ذكرناه انتقل إلى أن يكون عقلًا مجرداً في غير مادة طبيعية، فيشهد ~~أموراً هي أصول لما يظهر في صور الطبيعة فيعلم من أين ظهر هذا الحكم في صور الطبيعة ~~علماً ذوقياً. فإن كوشف على أن الطبيعة عين نَفَسِ الرحمن فقد أوتي خيراً كثيراً، و ~~إن اقتُصِرَ معه على ما ذكرناه فهذا القدر يكفيه من المعرفة الحاكمة على عقله: ~~فيلحق‏ بالعارفين ويعرف عند ذلك ذوقاً «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكِنَّ اللَّهَ ~~قَتَلَهُمْ»: وما قتلهم إلا الحديد والضارب، والذي خلف هذه الصور. فبالمجموع وقع ~~القتل و الرمي، فيشاهد الأمور بأصوله وصورها، فيكون تاماً. فإن شهد النَّفَسَ كان ~~مع التمام كاملًا: فلا يرى إلا اللَّهَ عينَ ما يرى. فيرى الرائي عين المرئي . وهذا ~~القدر كاف، واللَّه الموفق الهادي. # . # %~% ### | فص حكمة إحسانية في كلمة لقمانية ### | 23- فص حكمة إحسانية في كلمة لقمانية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # إذ شاء الإله يريد رزقاً %~% له فالكون أجمعه غذاء # وإن شاء الإله يريد رزقاً %~% لنا فهو الغذاء كما يشاء # مشيئته إرادته فقولو %~% بها قد شاءها فهي المشاء # يريد زيادة ويريد نقصاً %~% وليس مشاءَه إلا المشاءُ # فهذا الفرق بينهما فحقق‏ %~% ومن وجه فعينهما سواء # قال تعالى‏ «وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ: ومَنْ يُؤْتَ‏ الْحِكْمَةَ ~~فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً». فلقمان بالنص ذو الخير الكثير بشهادة اللَّه ~~تعالى له بذلك. # والحكمة قد تكون متلفظاً به ومسكوتاً عنها مثل قول‏ لقمان لابنه‏ «يا بُنَيَّ ~~إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ وفِي ~~السَّماواتِ وفِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ». فهذه حكمة منطوق بها، وهي أن ~~جعل اللَّه هو الآتي بها، وقرر ذلك اللَّه في كتابه، ولم يردّ هذا القول على قائله. ~~وأما الحكمة المسكوت عنه وعُلِمَتْ بقرينة الحال، فكونه سكت عن المؤتَى إليه بتلك ~~الحبة، فما ذكره، وما قال لابنه يأت بها اللَّه إليك ولا إلى غيرك. فأرسل الإتيان ~~عام وجعل المؤتَى به في السموات إن كان وفي الأرض تنبيهاً لينظر الناظر في قوله‏ ~~«وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وفِي الْأَرْضِ». فنبه لقمان بما تكلم وبما سكت ~~عنه أن الحق عين كل معلوم، لأن المعلوم أعم من الشي‏ء فهو أنكر النكرات . ثم تمم ~~الحكمة واستوفاها لتكون النشأة كاملة فيها فقال‏ «إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ‏ » فمن ~~لطفه ولطافته أنه في الشي‏ء المسمى كذا المحدود بكذا عينُ ذلك الشي‏ء، حتى لا يقال ~~فيه إلا ما يدل عليه اسمه بالتواطؤ والاصطلاح. فيقال هذا سماء وأرض وصخرة و شجر ~~وحيوان وملك ورزق وطعام. والعين واحدة من كل شي‏ء وفيه. كما تقول الأشاعرة إن ~~العالم كله متماثل بالجوهر: فهو جوهر واحد، فهو عين قولنا العين واحدة. ثم قالت و ~~يختلف بالأعراض، وهو قولن ويختلف ويتكثر بالصور والنسب حتى يتميز فيقال هذا ليس هذا ~~من حيث صورته وعرضه ومزاجه كيف شئت فقل. وهذا عين هذا من حيث جوهره، و لهذا يؤخذ ~~عين الجوهر في كل حد صورة ومزاج: فنقول نحن‏ إنه ليس سوى الحق، ويظن المتكلم‏ أن ~~مسمى الجوهر وإن كان حقاً، ما هو عين الحق الذي يطلقه أهل الكشف والتجلي. فهذا حكمة ~~كونه لطيفاً. ثم نعت فقال «خبيراً» أي عالماً عن اختبار وهو قوله‏ «وَ ~~لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ» وهذا هو علم الأذواق. فجعل الحق نفسه مع علمه ~~بما هو الأمر عليه مستفيداً علماً. و لا نقدر على إنكار ما نص الحق عليه في حق ~~نفسه: ففرَّق تعالى ما بين علم الذوق و العلم المطلق، فعلم الذوق مقيد بالقوى. وقد ~~قال عن نفسه إنه عين قوى عبده في قوله «كنت سمعه»، وهو قوة من قوى العبد، «و بصره» ~~وهو قوة من قوى العبد، «و لسانه» وهو عضو من أعضاء العبد، «و رجله ويده». # فما اقتصر في التعريف‏ على القوى فحسب حتى ذكر الأعضاء: وليس العبد بغير لهذه‏ ~~الأعضاء والقوى. فعين مسمى العبد هو الحق، لا عين العبد هو السيد، فإن النسب متميزة ~~لذاتها، وليس المنسوب إليه متميزاً، فإنه ليس‏ ثَمَّ سوى عينه في جميع النسب. فهو ~~عين واحدة ذات نسب وإضافات وصفات. فمن تمام حكمة لقمان في تعليمه ابنه ما جاء به في ~~هذه الآية من هذين الاسمين الإلهيين «لطيفاً خبيراً»، سَمَّى بهما اللَّه تعالى. # فلو جَعَلَ ذلك في الكون- وهو الوجود- فقال «كان» لكان أَتَمَّ في الحكمة وأبلغ. ~~فحكى اللَّه قول لقمان على المعنى كما قال: لم يزد عليه شيئاً- وإن‏ كان قوله‏ ~~إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ من قول اللَّه- لما علم اللَّه من لقمان أنه‏ لو نطق ~~متمماً لتمم بهذا. وأما قوله‏ «إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ» لمن هي ~~له غذاء، وليس إلَّا الذَّرَّة المذكورة في قوله‏ «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ~~ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ». فهي أصغر ~~متغذٍ والحبة من الخردل أصغر غذاء. ولو كان ثم أصغر لجاء به كما جاء بقوله تعالى‏ ~~«إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ~~». ثم لما علم أنه ثَمَّ ما هو أصغر من البعوضة قال‏ «فَما فَوْقَها» يعني في ~~الصغر. وهذا قول اللَّه- والتي في «الزلزلة» قول اللَّه أيضاً. فاعلم ذلك فنحن نعلم ~~أن اللَّه تعالى ما اقتصر على وزن الذرة وثَمَّ ما هو أصغر منها، فإنه جاء بذلك على ~~المبالغة واللَّه أعلم. وأما تصغيره اسم ابنه فتصغير رحمة: ولهذا أوصاه‏ بما فيه ~~سعادته إذا عمل بذلك. وأما حكمة وصيته في نهيه إياه أن‏ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ~~إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏ ، والمظلوم المقام حيث نعته بالانقسام وهو عين ~~واحدة، فإنه لا يشرك معه إلا عينه وهذا غاية الجهل. وسبب ذلك أن الشخص الذي لا ~~معرفة له بالأمر على ما هو عليه، و لا بحقيقة الشي‏ء إذا اختلفت‏ عليه الصور في ~~العين الواحدة، وهو لا يعرف أن ذلك الاختلاف‏ في عين واحدة، جعل الصورة مشاركة ~~للأخرى في ذلك المقام فجعل لكل صورة جزءاً من ذلك المقام. ومعلوم في الشريك أن ~~الأمر الذي يخصه مما وقعت فيه المشاركة ليس عَين‏ الآخر الذي شاركه، إذ هو للآخر . ~~فإذن ما ثم شريك على الحقيقة، فإن كل واحد على حظِّه مما قيل فيه إن بينهما مشاركة ~~فيه. وسبب ذلك الشركةُ المشاعة، وإن كانت مشاعة فإن التصريف من أحدهما يزيل ~~الإشاعة. «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ وادْعُوا الرَّحْمنَ‏» هذا روح المسألة. # . # %~% ### | فص حكمة إمامية في كلمة هارونية ### | 24- فص حكمة إمامية في كلمة هارونية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # اعلم أن وجود هارون عليه السلام كان من حضرة الرحموت بقوله تعالى‏ «وَ وَهَبْنا ~~لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا» يعني لموسى‏ «أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا». فكانت نبوته من حضرة ~~الرحموت فإنه أكبر من موسى سِنّا، وكان موسى أكبر منه نبوَّة. ولما كانت نبوَّة ~~هارون من حضرة الرحمة، لذلك قال لأخيه موسى عليهما السلام‏ «يَا بْنَ أُمَّ» فناداه ~~بأمه لا بأبيه إذ كانت الرحمة للأم دون الأب أوفر في الحكم. ولو لا تلك الرحمة ما ~~صبرت على مباشرة التربية. ثم قال‏ «لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي‏ و فَلا ~~تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ». فهذا كله نَفَسٌ من أنفاس الرحمة. وسبب ذلك عدم التثبت ~~في النظر فيما كان في يديه من الألواح التي ألقاها من يديه. فلو نظر فيها نظر تثبت ~~لوجد فيها الهدى والرحمة. فالهدى بيان ما وقع من الأمر الذي أغضبه مما هو هارون ~~بري‏ء منه. والرحمة بأخيه، فكان لا يأخذ بلحيته بمرأى من قومه مع كبره وأنه أسن ~~منه. فكان‏ ذلك من هارون شفقة على موسى لأن نبوة هارون من رحمة اللَّه، فلا يصدر ~~منه إلا مثل هذا. ثم قال هارون لموسى عليهما السلام‏ «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ ~~فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ» فتجعلني سبباً في تفريقهم‏ فإن عبادة العجل ~~فرقت بينهم، فكان منهم من عبده اتباعاً للسامري وتقليداً له، و منهم من توقف عن ~~عبادته حتى يرجع موسى إليهم فيسألونه في ذلك. # فخشي هارون أن ينسب ذلك الفرقان بينهم‏ إليه، فكان‏ موسى أعلم بالأمر من هارون ~~لأنه علم ما عبده أصحاب العجل، لعلمه بأن اللَّه قد قضى ألَّا يُعْبَد إلا إياه: ~~وما حكم اللَّه بشي‏ء إلا وقع. فكان عتب موسى أخاه هارون لِمَا وقع الأمر في إنكاره ~~وعدم اتساعه. فإن العارف من يرى الحق في كل شي‏ء، بل يراه كل شي‏ء. فكان موسى يربي ~~هارون تربية علم وإن كان أصغر منه في السن. ولذا لما قال له هارون ما قال، رجع إلى ~~السامري فقال له‏ «فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ» يعني فيما صنعت من عدو لك إلى صورة ~~العجل على الاختصاص، وصنعك هذا الشبح من حلي القوم حتى أخذت بقلوبهم من أجل ~~أموالهم. فإن عيسى يقول لبني إسرائيل «يا بني إسرائيل قلب كل إنسان حيث ماله، ~~فاجعلوا أموالكم في السماء تكن قلوبكم في السماء». # وما سمي المال مالًا إلا لكونه بالذات تميل القلوب إليه بالعبادة. فهو المقصود ~~الأعظم المعظم في القلوب لما فيها من الافتقار إليه. وليس للصور بقاء، فـ لابد من ~~ذهاب صورة العجل لو لم يستعجل موسى بحرقه. فغلبت عليه الغيرة فحرقه ثم نسف رماد تلك ~~الصورة في اليمِّ نسفاً. وقال له‏ «انْظُرْ إِلى‏ إِلهِكَ» فسماه إلهاً بطريق ~~التنبيه للتعليم، لما علم أنه بعض المجالي الإلهية : «لَنُحَرِّقَنَّهُ» فإن ~~حيوانية الإنسان لها التصرف في حيوانية الحيوان لكون اللَّه سخرها للإنسان، ولا سيم ~~وأصله ليس من حيوان، فكان أعظم في التسخير لأن غير الحيوان ما له إرادة بل هو بحكم ~~من يتصرف فيه من غير إبائه. وأما الحيوان فهو ذو إرادة وغرض فقد يقع منه‏ الإباءة ~~في بعض التصريف: فإن كان فيه قوة إظهار ذلك ظهر منه الجموح لما يريده منه الإنسان ~~وإن لم يكن له هذه القوة ويصادف‏ غرضَ الحيوان انقاد مذلَّلًا لما يريده منه، كما ~~ينقاد مثلُهُ لأمر فيما رفعه اللَّه به- من أجل المال الذي يرجوه منه- المعبَّر عنه ~~في بعض الأحوال بالأجْرة في قوله‏ «وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ‏ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ~~لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ‏ بَعْضاً سُخْرِيًّا». فما يسخر له من هو مثله إلا من ~~حيوانيته لا من إنسانيته: فإن المثلين ضدان، فيسخره الأرفع في المنزلة بالمال ~~وبالجاه بإنسانيته ويتسخر له ذلك الآخر- إما خوف وطمعاً- من حيوانيته لا من ~~إنسانيته: فما تسخر له مَنْ هو مثله ألا ترى ما بين البهائم من التحريش‏ لأنها ~~أمثال؟ فالمثلان ضدان، ولذلك قال ورفع بعضكم فوق بعض درجات: # فما هو معه في درجته. فوقع‏ التسخير من أجل الدرجات. والتسخير على قسمين: تسخيرٌ ~~مراد للمسخِّر، اسم فاعل قاهر في تسخيره لهذا الشخص المسخَّر كتسخير السيد لعبده ~~وإن كان مثله في الإنسانية، وكتسخير السلطان لرعاياه، وإن كانوا أمثالًا له فيسخرهم ~~بالدرجة. والقسم الآخر تسخير بالحال كتسخير الرعايا للملك‏ القائم بأمرهم في الذب ~~عنهم وحمايتهم وقتال من‏ عاداهم وحفظه أموالهم وأنفسهم عليهم. وهذا كله تسخير ~~بالحال من الرعايا يسخرون في ذلك مليكهم، ويسمى على الحقيقة تسخير المرتبة. ~~فالمرتبة حكمت عليه بذلك. فمن الملوك من سعى‏ لنفسه، ومنهم من عرف الأمر فعلم أنه ~~بالمرتبة في تسخير رعاياه، فعلم قدرهم وحقهم، فآجره اللَّه على ذلك أجر العلماء ~~بالأمر على ما هو عليه وأجر مثل هذا يكون على اللَّه في كون اللَّه في شئون عباده. ~~فالعالَم كله مسخِّر بالحال من لا يمكن أن يطلق عليه أنه مسخَّر . قال تعالى‏ ~~«كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ». فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب ~~العجل بالتسليط على العجل كما سُلِّط موسى عليه، حكمةً من اللَّه تعالى ظاهرة في ~~الوجود ليُعْبَد في كل صورة. وإن‏ ذهبت تلك الصورة بعد ذلك فما ذهبت إلا بعد ما ~~تلبست عند عابدها بالألوهية. ولهذا ما بقي نوع من الأنواع إل وعبد إما عبادة تأله ~~وإما عبادة تسخير . فلا بد من ذلك لمن عقل‏ . وما عبد شي‏ء من العالم إلا بعد ~~التلبس‏ بالرفعة عند العابد والظهور بالدرجة في قلبه: ولذلك تسمى‏ الحق لنا برفيع ~~الدرجات، ولم يقل رفيع الدرجة. فكثَّر الدرجات في عين واحدة. فإنه قضى ألَّا يعبد ~~إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة أعطت كل درجة مجلى إلهياً عُبِدَ فيها. وأعظم مجلى ~~عُبِدَ فيه وأعلاه «الهوى» كما قال‏ «أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ» ~~وهو أعظم معبود، فإنه لا يعبد شي‏ء إلا به، ولا يعبد هو إلا بذاته، وفيه أقول: # وحق الهوى إن الهوى سبب الهوى‏ %~% ولو لا الهوى في القلب ما عُبِدَ الهوى‏ # ألا ترى علم اللَّه بالأشياء ما أكمله، كيف تمم في حق‏ من عبد هواه واتخذه إلهاً ~~فقال‏ «وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى‏ عِلْمٍ» والضلالة الحيرة: وذلك أنه لما رأى هذا ~~العابِدَ ما عَبَدَ إلا هواه بانقياده لطاعته فيما يأمره به من عبادة من عبده من ~~الأشخاص، حتى إن عبادته للَّه‏ كانت عن هوى أيضاً، لأنه لو لم يقع له في ذلك الجناب ~~المقدس هوى- وهو الإرادة بمحبةٍ - ما عبد اللَّه ولا آثره على غيره. وكذلك كل من ~~عبد صورة ما من صور العالم و اتخذها إلهاً ما اتخذهألا بالهوى. فالعابد لا يزال تحت ~~سلطان هواه. ثم رأى المعبودات تتنوع في العابدين، فكل عابدٍ أمراً ما يكفِّر من ~~يعبد سواه، والذي عنده أدنى تنبه‏ يحار لاتحاد الهوى، بل لأحدية الهوى، فإنه عين ~~واحدة في كل عابد. «وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ» أي حيّره‏ «عَلى‏ عِلْمٍ» بأن كل عابد ما ~~عبد إلا هواه ولا استعبده إلا هواه سواء صادف الأمر المشروع ولم يصادف. والعارف ~~المكمَّل من رأى كل معبود مجلى‏ للحق يعبد فيه «و لذلك سمَّوه كلهم إلهاً مع اسمه ~~الخاص بحجر وشجر وحيوان و إنسان وكوكب وملك. هذا اسم الشخصية فيه. والألوهية مرتبة ~~تخيل‏ العابد له أنها مرتبة معبوده، وهي‏ على الحقيقة مجلى الحق لبصر هذا العابد ~~المعتكف على هذا المعبود في هذا المجلى المختص. ولهذا قال بعض من عرف مقالة جهالة ~~«ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏» مع تسميتهم إياهم ~~آلهة حتى قالوا «أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ». ~~فما أنكروه بل تعجبوا من ذلك، فإنهم وقفوا مع كثرة الصور ونسبة الألوهة لها. فجاء ~~الرسول ودعاهم إلى إله واحد يعرَفُ ولا يُشْهَد، بشهادتهم أنهم أثبتوه عندهم ~~واعتقدوه في قولهم‏ «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏» ~~لعلمهم بأن تلك الصور حجارة. ولذلك قامت الحجة عليهم بقوله‏ «قُلْ سَمُّوهُمْ»: فما ~~يسمونهم إلا بما يعلمون أن تلك الأسماء لهم حقيقة. وأما العارفون بالأمر على ما هو ~~عليه فيظهرون بصورة الإنكار لما عبد من الصور لأن مرتبتهم في العلم تعطيهم أن ~~يكونوا بحكم الوقت لحكم الرسول الذي آمنوا به عليهم الذي به سموا مؤمنين. فهم ~~عبَّاد الوقت مع علمهم بأنهم ما عبدوا من تلك الصور أعيانها، وإنما عبدوا اللَّه ~~فيها لحكم سلطان التجلي الذي عرفوه منهم‏ ، وجَهِلَه المنكِرُ الذي لا علم له بما ~~تجلى، ويستره‏ العارف المكمل من نبي ورسول ووارث عنهم. فأمرهم بالانتزاح عن تلك ~~الصور لما انتزح عنها رسول الوقت اتباعاً للرسول طمعاً في محبة اللَّه إياهم بقوله‏ ~~«قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ». ~~فدعا إلى إله يُصْمَد إليه ويُعْلَم من حيث الجملة، ولا يشهد «و لا تُدْرِكُهُ ~~الْأَبْصارُ»، بل‏ «هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ» لِلُطفه وسريانه في أعيان الأشياء. ~~فلا تدركه الأبصار كما أنهألا تدرك‏ أرواحَهَا المدبرةَ أشباحَهَ وصورَها الظاهرة. ~~«وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» والخبرة ذوق، والذوق تجل، والتجلي في الصور. فلا ~~بد منه ولا بد منه، فلا بد أن يعبده من رآه بهواه إن فهمت، وعلى اللَّه قصد السبيل. # . # %~% ### | فص حكمة علوية في كلمة موسوية # حكمة قتل الأبناء من أجل موسى ليعود إليه بالإمداد حياة كل من قُتِل من أجله لأنه ~~قتل على أنه موسى. وما ثَمَّ جهلٌ‏ ، فلا بد أن تعود حياته على موسى أعني حياة ~~المقتول من أجله- وهي حياة طاهرة على الفطرة لم تدنسها الأغراض‏ النفسية، بل هي على ~~فطرة «بلى». فكان موسى مجموع حياة من قتل على أنه هو، فكل ما كان مهيئاً لذلك ~~المقتول مما كان استعدادُ روحه له، كان في موسى عليه السلام. وهذا اختصاص إلهي ~~بموسى لم يكن لأحد من قبله: فإن حِكَمَ موسى كثيرة وأنا إن شاء اللَّه أسرد منها في ~~هذا الباب على قدر ما يقع به الأمر الإلهي في خاطري. فكان هذا أول ما شوفهتُ به من ~~هذا الباب، فما ولد موسى إل وهو مجموع أرواح كثيرة جمع قوى فعَّالة لأن الصغير يفعل ~~في الكبير. ألا ترى الطفل يفعل في الكبير بالخاصية فينزل الكبير من رياسته إليه ~~فيلاعبه ويزقزق‏ له ويظْهَر له بعقله. # فهو تحت تسخيره وهو لا يشعر، ثم شغله بتربيته وحمايته وتفقد مصالحه وتأنيسه‏ حتى ~~لا يضيق صدره. هذا كله من فعل الصغير بالكبير وذلك لقوة المقام، فإن الصغير حديث ~~عهد بربه لأنه حديث التكوين‏ والكبير أبعد. فمن كان من اللَّه أقرب سخَّر من كان من ~~اللَّه أبعد، كخواص المَلِك للقرب منه يسخِّرون الأبعدين. كان رسول اللَّه صلى ~~اللَّه عليه وسلم يبرز بنفسه‏ للمطر إذا نزل ويكشف رأسه له حتى يصيب منه ويقول إنه ~~حديث عهد بربه. فانظر إلى هذه المعرفة باللَّه من هذا النبي ما أجلَّهَ وما أعلاه ~~وأَوضَحَها. فقد سخَّر المطرُ أفضل البشر لقربه من ربه فكان مِثْلَ الرسول الذي ~~ينزل بالوحي عليه، فدعاه‏ بالحال بذاته فبرز إليه ليصيب منه ما أتاه به من ربه فلو ~~لا ما حصلت له منه الفائدة الإلهية بما أصاب منه، ما برز بنفسه إليه. فهذه رسالة ~~ماء جعل اللَّه منه كل شي‏ء حي فافهم. # وأما حكمة إلقائه في التابوت ورميه في اليمِّ: فالتابوت ناسوته، واليم ما حصل له ~~من العلم بواسطة هذا الجسم مما أعطته القوة النظرية الفكرية والقوى‏ الحسية ~~والخيالية التي لا يكون شي‏ء منه ولا من أمثالها لهذه النفس الإنسانية إلا بوجود ~~هذا الجسم العنصري. فلما حصلت النفس في هذا الجسم وأُمِرَت بالتصرف فيه وتدبيره، ~~جعل اللَّه لها هذه القوى آلات يُتَوَصَّل‏ بها إلى ما أراده اللَّه منها في تدبير ~~هذا التابوت الذي فيه سكينة الرب . # فرُمِي به في اليم ليحصُلَ بهذه‏ القوى على فنون العلم‏ فأعلمه بذلك أنه وإن كان ~~الروح المدبر له هو المَلِك، فإنه لا يدبره إلا به. فأصحبه هذه القوى الكائنة في ~~هذا الناسوت الذي عبر عنه بالتابوت‏ في باب الإشارات والحِكَم. # كذلك تدبير الحق العالَم ما دبَّره إلا به وبصورته، فما دبَّره إلا به كتوقف ~~الولد على إيجاد الوالد ، والمسببات على ‏أسبابها، والمشروطات على شروطها، و ~~المعلولات‏ على عللها ، والمدلولات على أدلتها، والمحقَّقات‏ على حقائقها. وكل ذلك ~~من العالم وهو تدبير الحق فيه. فما دبره إلا به. وأما قولن وبصورته- أعني صورة ~~العالم- فأعني به الأسماء الحسنى والصفات العلى التي تَسمّى الحق به واتصف بها. فما ~~وصل إلينا من اسم تَسَمّى به إلا وجدنا معنى ذلك الاسم وروحه في العالم. فما دبر ~~العالم أيضألا بصورة العالم. # ولذلك قال في خلق آدم الذي هو البرنامج الجامع لنعوت الحضرة الإلهية التي هي ~~الذات والصفات والأفعال «إن اللَّه خلق آدم على صورته». وليست صورته سوى الحضرة ~~الإلهية. فأوجد في هذا المختصر الشريف الذي هو الإنسان الكامل جميع الأسماء الإلهية ~~وحقائق‏ ما خرج عنه في العالم الكبير المنفصل، وجعله روحاً للعالم فسخر له العلو ~~والسفل لكمال الصورة . فكما أنه ليس شي‏ء من‏ العالم إل وهو يسبح بحمده، كذلك ليس ~~شي‏ء من‏ العالم إل وهو مسخر لهذا الإنسان لما تعطيه حقيقة صورته. فقال تعالى‏ «وَ ~~سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ». فكل ما في ~~العالم تحت تسخير الإنسان، عَلِمَ ذلك من علمه- وهو الإنسان الكامل- وجهل ذلك من ~~جهله، وهو الإنسان الحيوان. فكانت صورة إلقاء موسى في التابوت، وإلقاء التابوت في ~~اليم صورة هلاك، وفي الباطن كانت نجاة له من القتل. فحيي كما تحيا النفوس بالعلم من ~~موت الجهل، كما قال تعالى‏ « ومَنْ كانَ مَيْتاً» يعني بالجهل‏ «فَأَحْيَيْناهُ» ~~يعني‏ بالعلم، «وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ» وهو الهدى، ~~«كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ» وهي الضلال‏ «لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها» أي لا ~~يهتدي أبداً: فإن الأمر في نفسه لا غاية له يوقف‏ عندها . فالهدى هو أن يهتدي ~~الإنسان‏ إلى الحيرة، فيعلم‏ أن الأمر حيرة والحيرة قلق وحركة، والحركة حياة. فلا ~~سكون، فلا موت، ووجود، فلا عدم. وكذلك في الماء الذي به حياة الأرض وحركَتُها، قوله ~~تعالى‏ «اهْتَزَّتْ» وحَمْلُهَا، قوله‏ «وَ رَبَتْ»، وولادَتُهَا قوله‏ «وَ ~~أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ». أي أنها ما ولدت إلا من يشبهها أي طبيعياً ~~مثلها. فكانت الزوجية التي هي الشفعية لها بما تولد منه وظهر عنها. كذلك وجود الحق ~~كانت الكثرة له وتعداد الأسماء أنه كذ وكذا بما ظهر عنه من العالم الذي يطلب بنشأته ~~حقائق الأسماء الإلهية. فثبت‏ به وبخالقه‏ أحدية الكثرة، وقد كان أحدي العين من حيث ~~ذاته كالجوهر الهيولاني أحدي العين من حيث ذاته، كثير بالصور الظاهرة فيه التي هو ~~حامل لها بذاته. كذلك الحق بما ظهر منه من صور التجلي، فكان مجلى صور العالم مع ~~الأحدية المعقولة . فانظر ما أحسن هذا التعليم الإلهي الذي خص اللَّه بالاطلاع عليه ~~من شاء من عباده. ولما وجده آل فرعون في اليمِّ عند الشجرة سماه فرعون مُوسى: والمو ~~هو الماء بالقبطية والسَّا هو الشجرة ، فسماه بما وجده عنده، فإن التابوت وقف عند ~~الشجرة في اليم. فأراد قتله فقالت‏ امرأته- وكانت مُنْطَقَةً بالنطق الإلهي- فيما ~~قالت‏ لفرعون، إذ كان اللَّه تعالى خلقها للكمال كما قال عليه السلام عنها حيث شهد ~~له ولمريم بنت عمران بالكمال الذي هو للذُّكران‏ - فقالت لفرعون في حق موسى إنه‏ ~~«قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ». فبه قرَّت عينها بالكمال‏ الذي حصل لها كما قلنا، وكان ~~قرة عين لفرعون‏ بالإيمان الذي أعطاه اللَّه عند الغرق. # فقبضه طاهراً مطهراً ليس فيه شي‏ء من الخبث لأنه قبضه عند إيمانه قبل أن يكتسب ~~شيئاً من الآثام. والإسلام يَجُبُ‏ ما قبله. وجعله آية على عنايته سبحانه بمن شاء ~~حتى لا ييأس أحد من رحمة اللَّه، «فإنه‏ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ‏ إِلَّا ~~الْقَوْمُ الْكافِرُونَ». فلو كان فرعون ممن‏ يئس ما بادر إلى الايمان. # فكان موسى عليه السلام كما قالت امرأة فرعون فيه «إنه‏ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ ~~لا تَقْتُلُوهُ عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا». وكذلك وقع فإن اللَّه نفعهما به عليه ~~السلام وإن كانا ما شعرا بأنه هو النبي الذي يكون على يديه هلاك ملك فرعون وهلاك ~~آله. ولما عصمه اللَّه من فرعون‏ «أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى‏ فارِغاً» من الهم ~~الذي كان قد أصابها. ثم إن اللَّه حرم عليه المراضع حتى أقبل على ثدي أمه فأرضعته ~~ليكمِّل اللَّه لها سرورها به. كذلك‏ علم الشرائع، كما قال تعالى‏ «لِكُلٍّ ~~جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومِنْهاجاً» أي طريقاً. ومنهاجاً أي من تلك الطريقة جاء ~~. فكان هذا القول إشارة إلى الأصل الذي منه جاء. فهو غذاؤه كما أن فرع الشجرة لا ~~يتغذى إلا من أصله. # فما كان حراماً في شرع يكون حلالًا في شرع آخر يعني في الصورة: أعني‏ قولي يكون ~~حلالًا، وفي نفس الأمر ما هو عين ما مضى، لأن الأمر خلق جديد ولا تكرار. فلهذا ~~نبهناك. فكنَّى عن هذا في حق موسى بتحريم المراضع: # فأمه على الحقيقة من أرضعته لا من ولدته، فإن أم الولادة حملته على جهة الأمانة ~~فتكوَّن فيه وتغذى بدم طمثها من غير إرادة لها في ذلك حتى لا يكون لها عليه امتنان، ~~فإنه ما تغذى إلا بما لو لم يَتَغَذَّ به ولم‏ يَخْرُج عنها ذلك الدم لأهلكه ~~وأمرضها. فللجنين المنة على أمه بكونه تغذى بذلك الدم فوقاها بنفسه من الضرر الذي ~~كانت تجده لو امتسك ذلك الدم عنده ولا يخرج ولا يتغذى به جنينها. والمرضعة ليست ~~كذلك، فإنها قصدت برضاعته حياته وإبقائه. فجعل اللَّه ذلك لموسى في أم ولادته، فلم ~~يكن لامرأة عليه فضل إلا لأم ولادته لتقر عينها أيضاً بتربيته وتشاهد انتشاءه‏ في ~~حجرها، «وَ لا تَحْزَنَ». ونجاه اللَّه من غم التابوت، فخرق ظلمة الطبيعة بما أعطاه ~~اللَّه من العلم الإلهي وإن لم يخرج عنها، وفتنه فتوناً أي اختبره في مواطن كثيرة ~~ليتحقق في نفسه صبره على ما ابتلاه اللَّه‏ به. فأول ما أبلاه اللَّه به‏ قتله ~~القبطي بما ألهمه اللَّه وو فقه له في سِرِّه‏ وإن لم يعلم بذلك، ولكن لم يجد في ~~نفسه اكتراثاً بقتله مع كونه ما توقف حتى يأتيه أمر ربه بذلك، لأن النبي معصوم ~~الباطن من حيث لا يشعر حتى يُنَبَّأ أي يخبر بذلك. و لهذا أراه الخضر قتل الغلام ~~فأنكر عليه قتله ولم يتذكر قتله القبطي فقال له الخضر «ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي» ~~ينبهه‏ على مرتبته قبل أن ينبأ أنه كان معصوم الحركة في نفس الأمر وإن لم يشعر ~~بذلك. و أراه أيضاً خرق السفينة التي ظاهرها هلاك وباطنها نجاة من يد الغاصب. جعل ~~له ذلك‏ في مقابلة التابوت له الذي كان في اليمِّ مُطبقاً عليه. فظاهره هلاك وباطنه ~~نجاة. # وإنما فعلت به أمه ذلك خوفاً من يد الغاصب فرعون أن يذبحه صبر وهي تنظر إليه، مع ~~الوحي الذي ألهمها اللَّه به من حيث لا تشعر. فوجدت في نفسها أنها ترضعه فإذا خافت ~~عليه ألقته في اليم لأن في المَثَل «عين لا ترى قلب لا يفجع» . فلم تخفْ عليه خوف ~~مشاهدة عين، ولا حزنت عليه حزن رؤية بصر، وغلب على ظنها أن اللَّه ربما ردَّه إليها ~~لحسن‏ ظنها به. فعاشت بهذا الظن في نفسها، والرجاء يقابل الخوف واليأس، وقالت حين ~~أُلْهِمَتْ لذلك‏ لعل هذا هو الرسول الذي يهلك فرعون والقبط على يديه. فعاشت ~~وسُرَّتْ بهذا التوهم والظن بالنظر إليها، وهو علم في نفس الأمر. ثم‏ إنه لما وقع ~~عليه الطلب خرج فارّاً- خوفاً في الظاهر، وكان في المعنى حبًّا للنجاة. فإن الحركة ~~أبداً إنما هي حبِّية، ويُحْجب‏ الناظر فيها بأسباب أخر ، وليست تلك . وذلك لأن ~~الأصل حركة العلم من العدم الذي كان ساكناً فيه إلى الوجود، ولذلك يقال إن الأمر ~~حركة عن سكون: فكانت‏ الحركة التي هي وجود العالم حركة حب. وقد نبَّه رسول اللَّه ~~صلى اللَّه عليه وسلم على ذلك بقوله «كنت كنزاً لم أُعْرَف فأحببت أن أُعْرف‏ ». ~~فلو لا هذه المحبة ما ظهر العالم في عينه. فحركته من العدم إلى الوجود حركة حب ~~الموجِد لذلك: ولأن العالم أيضاً يحب شهود نفسه وجوداً كما شهدها ثبوتاً، فكانت بكل ~~وجه حركته من العدم الثبوتي إلى الوجود حركة حبٍ من جانب الحق وجانبه: فإن‏ الكمال ~~محبوب لذاته، وعلمه تعالى بنفسه من حيث هو غني عن العالمين، هُوَ لَهُ‏ . وما بقي ~~إلا تمام مرتبة العلم بالعلم‏ الحادث الذي يكون من هذه الأعيان، أعيان العالم، إذا ~~وجدت. فتظهر صورة الكمال بالعلم المحدَث والقديم فتكمل مرتبة العلم بالوجهين، وكذلك ~~تكمل مراتب الوجود: فإن الوجود منه أزلي وغير أزلي وهو الحادث. فالأزلي وجود الحق ~~لنفسه، وغير الأزلي وجود الحق بصورة العالم الثابت. فيسمى‏ حدوثاً لأنه ظهر بعضه ~~لبعضه وظهر لنفسه بصور العالم. فكمل الوجود فكانت حركة العالم حبيَّة للكمال فافهم ~~. ألا تراه كيف نفَّس عن الأسماء الإلهية ما كانت تجده من عدم ظهور آثارها في عين‏ ~~مسمى العالم، فكانت الراحة محبوبة له‏ ، ولم يوصل إليهألا بالوجود الصوري الأعلى ~~والأسفل. فثبت أن الحركة كانت للحب، فما ثَمَّ حركة في الكون إل و هي حبيَّة. فمن ~~العلماء من يعلم ذلك ومنهم من يحجبه السبب الأقرب لحكمه‏ في الحال واستيلائه على ~~النفس. فكان الخوف لموسى مشهوداً له بما وقع من قتله القبطي، وتضمَّن الخوفُ حبَّ ~~النجاة من القتل . ففر لمَّا خاف، وفي المعنى ففر لمَّا أحبَّ النجاة من فرعون ~~وعمله به. # فذكر السبب الأقرب المشهود له في الوقت الذي هو كصورة الجسم للبشر. # وحب النجاة مُضَمن‏ فيه تضمين الجسد للروح المدبر له. والأنبياء لهم لسان الظاهر ~~به يتكلمون لعموم الخطاب، واعتمادهم على فهم العالِمِ السامع. # فلا يَعْتَبر الرسل إلا العامة لعلمهم بمرْتبة أهل الفهم، كما نبه عليه السلام ~~على‏ هذه المرتبة في العطايا فقال «إني لأعطي الرجل وغيرُهُ أَحب إليّ منه مخافة أن ~~يكبه اللَّه في النار». فاعتبر الضعيف العقل والنظر الذي غلب عليه الطمع والطبْع. ~~فكذا ما جاءوا به من العلوم جاءوا به وعليه خِلْعَة أدنى الفهوم ليقف من لا غوْصَ‏ ~~له عند الخلعة، فيقول ما أحسن هذه الخلعة ويراها غاية الدرجة. ويقول صاحب الفهم ~~الدقيق الغائص على درر الحِكَم- بما استوجب هذا- «هذه الخلعة من الملك». فينظر في ~~قدر الخلعة وصنفها من الثياب، فيعلم منها قدر من خلعت عليه، فيعثر على علم لم يحصل ~~لغيره ممن لا علم له بمثل هذا. # ولما علمت الأنبياء والرسل والورثة أن في العالم وأممهم‏ من هو بهذه المثابة، ~~عمدوا في العبارة إلى اللسان الظاهر الذي يقع فيه اشتراك‏ الخاص والعام، فيفهَم منه ~~الخاص ما فهم العامة منه وزيادة مما صح له به اسم أنه‏ خاص، فيتميز به عن العامي. ~~فاكتفى‏ المبلغون‏ العلوم بهذا. فهذا حكمة قوله عليه السلام‏ «فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ ~~لَمَّا خِفْتُكُمْ»، ولم يقل ففررت منكم حباً في السلامة والعافية. فجاء إلى مدين ~~فوجد الجاريتين‏ «فَسَقى‏ لَهُما» من غير أجر، «ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ» ~~الإلهي فقال‏ «رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» فجعل عين ~~عمله‏ السقي عين الخير الذي أنزله اللَّه إليه، ووصف نفسه بالفقر إلى اللَّه في ~~الخير الذي عنده. فأراد الخضر إقامة الجدار من غير أجر فعتبه‏ على ذلك، فذكره ~~سقايته من غير أجر، إلى غير ذلك مما لم‏ يذكر حتى تمنى صلى اللَّه عليه وسلم أن ~~يسكت موسى عليه السلام ولا يعترض حتى يقص‏ اللَّه عليه من أمرهما فيعلم بذلك ما وفق ~~إليه موسى من غير علم منه. إذ لو كان على‏ علم ما أنكر مثل ذلك على الخضر الذي قد ~~شهد اللَّه له عند موسى وزكاه وعدَّله‏ . ومع هذا غفل موسى عن تزكية اللَّه‏ وعما ~~شرطه‏ عليه في اتباعه، رحمة بنا إذا نسينا أمر اللَّه. ولو كان موسى عالماً بذلك ~~لما قال له الخضر «ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً» أي إني على علم لم يحصل لك عن ذوق ~~كما أنت على علم لا أعلمه أنا . فأنْصَفَ. وأما حكمة فراقه فلأن الرسول يقول اللَّه ~~فيه‏ «وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا». فوقف ~~العلماء باللَّه الذين يعرفون قدر الرسالة والرسول عند هذا القول. وقد علم الخضر أن ~~موسى رسول اللَّه فأخذ يرقب ما يكون منه ليوفي الأدب حقه مع الرسول‏ : فقال له‏ ~~«إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي» فنهاه عن صحبته. فلما ~~وقعت منه الثالثة قال: «هذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ». ولم يقل له موسى لا تفعل ~~ولا طلب صحبته لعلمه بقدر الرتبة التي هو فيها التي نطقته بالنهي عن أن يصحبه. فسكت ~~موسى ووقع الفراق. فانظر إلى كمال هذين الرجلين في العلم وتوفيقة الأدب الإلهي حقه ~~وإنصاف الخضر فيما اعترف به عند موسى عليه السلام حيث قال له «أنا على علم علمنيه ~~اللَّه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه اللَّه لا أعلمه أنا». فكان هذا الإعلام ~~في الخضر لموسى دواء لما جرحه به في قوله‏ «وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ ~~تُحِطْ بِهِ خُبْراً» مع علمه بعلو رتبته بالرسالة، وليست تلك الرتبة للخضر. وظهر ~~ذلك في الأمة المحمدية في حديث إبَار النخل، فقال عليه السلام لأصحابه «أنتم أعلم ~~بمصالح دنياكم». # ولا شك أن العلم بالشي‏ء خير من الجهل به: ولهذا مدح اللَّه نفسه بأنه بكل‏ شي‏ء ~~عليم‏ فقد اعترف صلى اللَّه عليه وسلم لأصحابه بأنهم أعلم بمصالح الدنيا منه لكونه ~~لا خبرة له بذلك فإنه علم ذوق وتجربة ولم يتفرغ عليه السلام لعلم ذلك، بل كان‏ شغله ~~بالأهم فالأهم. فقد نبهتك على أدب عظيم تنتفع به إن استعملت نفسك فيه. وقوله‏ ~~«فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً» يريد الخلافة، «وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ» ~~يريد الرسالة : فما كل رسول خليفة. # فالخليفة صاحب السيف والعزل والولاية. والرسول ليس كذلك: إنما عليه بلاغ‏ ما ~~أُرسل به: فإن قاتل عليه وحماه بالسيف فذلك الخليفة الرسول. فكما أنه ما كل نبي ~~رسول، كذلك ما كل رسول خليفة- أي ما أُعْطِيَ الملك ولا التحكم فيه. وأما حكمة سؤال ~~فرعون عن الماهية الإلهية فلم يَكن‏ عن جهل، وإنما كان عن اختبار حتى يرى جوابه مع ~~دعواه الرسالة عن ربه- وقد علم فرعون مرتبة المرسلين في العلم- فيستدل بجوابه على ~~صدق دعواه. وسأل سؤال إيهام‏ من أجل الحاضرين حتى يعرِّفهم من حيث لا يشعرون بما ~~شعر هو في نفسه في سؤاله: فـ إذا أجابه جواب العلماء بالأمر أظهر فرعون- إبقاء ~~لمنصبه- أن موسى ما أجابه على سؤاله، فيتبين عند الحاضرين- لقصور فهمهم- أن فرعون ~~أعلم من موسى. ولهذا لما قال له في الجواب ما ينبغي- وهو في الظاهر غير جواب ما سئل ~~عنه، وقد علم فرعون أنه لا يجيبه إلا بذلك- فقال لأصحابه‏ «إِنَّ رَسُولَكُمُ ~~الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ» أي مستور عنه علم ما سألته عنه، إذ لا ~~يتصور أن يعلم أصلًا. فالسؤال صحيح، فإن السؤال‏ عن الماهية سؤال عن حقيقة المطلوب، ~~ولا بد أن يكون على حقيقة في نفسه‏ . # وأما الذين جعلوا الحدود مركبة من جنس وفصل، فذلك في كل ما يقع فيه الاشتراك، و ~~مَنْ لا جنس له لا يلزم ألّا يكون على حقيقة في نفسه لا تكون لغيره. فالسؤال صحيح ~~على مذهب أهل الحق والعلم الصحيح والعقل السليم، والجواب عنه لا يكون إلا بما أجاب ~~به موسى. وهنا سر كبير، فإنه أجاب بالفعل لمن سأل عن الحد الذاتي، فجعل الحد الذاتي ~~عين إضافته إلى ما ظهر به من صور العالم، وما ظهر فيه من صور العالم. فكأنه قال في ~~جواب قوله‏ «وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ»- قال- الذي يظهر فيه صور العالمين من علو- ~~وهو السماء- وسفل وهو الأرض: «إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ»، ويظهر هو بها. فلما قال ~~فرعون لأصحابه «إنه لمجنون» كما قلنا في معنى كونه مجنوناً، زاد موسى في البيان‏ ~~ليَعْلم فرعون رتبته‏ في العلم الإلهي لعلمه بأن فرعون يعلم ذلك: فقال: «رَبُّ ~~الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ» فجاء بما يَظْهَر ويُسْتَر، وهو الظاهر والباطن، وما ~~بينهم وهو قوله‏ «بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ»*. «إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ»* : أي إن ~~كنتم أصحاب تقييد، فإن العقل يقيد . فالجواب الأول جواب الموقنين وهم أهل الكشف ~~والوجود. # فقال له‏ «إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ» أي أهل كشف ووجود، فقد أعلمتكم بما تيقنتموه ~~في شهودكم ووجودكم، فإن‏ لم تكونوا من هذا الصنف، فقد أجبتكم في الجواب الثاني إن ~~كنتم أهل عقل وتقييد و حصر. ثم الحقُّ فيما تعطيه أدلة عقولكم. فظهر موسى بالوجهين ~~ليعلم فرعون فضله و صدقه. وعلِمَ موسى أن فرعون علم ذلك‏ - ويعلم ذلك- لكونه سأل عن ~~الماهية، فعلم أنه ليس سؤاله على اصطلاح القدماء في السؤال بما ، فلذلك‏ أجاب. ولو ~~علم منه غير ذلك لخطَّأه في السؤال. فلما جعل موسى المسئول عنه عين العالم، خاطبه ~~فرعون بهذا اللسان‏ والقوم لا يشعرون. فقال له‏ «لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي ~~لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ». # والسين في «السجن» من حروف الزوائد: أي لأسترنك: فإنك أجبت بما أيدتني به أن أقول ~~لك مثل هذا القول. فإن قلت لي: فقد جهلت يا فرعون بوعيدك إياي، والعين واحدة، فكيف ~~فرقت، فيقول فرعون إنما فرَّقَتْ المراتب‏ العينَ، ما تفرقت العين ولا انقسمت في ~~ذاتها. ومرتبتي الآن التحكم فيك يا موسى بالفعل، وأنا أنت بالعين وغيرك بالرتبة. ~~فلما فهم‏ ذلك موسى منه أعطاه حقه في كونه‏ يقول له لا تقدر على ذلك، والرتبة تشهد ~~له بالقدرة عليه وإظهار الأثر فيه: لأن الحق في رتبة فرعون من الصورة الظاهرة، لها ~~التحكم على الرتبة التي كان فيها ظهور موسى في ذلك المجلس. فقال له، يظهر له المانع ~~من تعديه عليه، « ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ‏ءٍ مُبِينٍ». فلم يسَعْ فرعونَ إلا أن يقول ~~له‏ «فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ» حتى لا يظهر فرعون عند الضعفاء ~~الرأي من قومه‏ بعدم الإنصاف فكانوا يرتابون فيه، وهي الطائفة التي استخفها فرعون ~~فأطاعوه‏ «إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ»: أي خارجين عما تعطيه العقول ~~الصحيحة من إنكار ما ادعاه فرعون باللسان الظاهر في العقل، فإن له حداً يقف عنده ~~إذا جاوزه‏ صاحب الكشف واليقين. ولهذا جاء موسى في الجواب‏ بما يقبله الموقن ~~والعاقل خاصة . «فَأَلْقى‏ عَصاهُ»*، وهي صورة ما عَصَى به فرعونُ موسى في إبائه عن ~~إجابة دعوته، «فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ»* أي حيَّة ظاهرة. فانقلبت المعصية ~~التي هي السيئة طاعة أي حسنة كما قال‏ «يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» ~~يعني في الحكم. فظهر الحكم هنا عيناً متميزة في جوهر واحد . فهي العص وهي الحية و ~~الثعبان الظاهر، فالتقم أمثاله من الحيَّات من كونها حية والعصيَّ من كونها عصاً. ~~فظهرت‏ حجة موسى على حجج فرعون في صورة عِصيّ وحيات وحبال، فكانت للسحرة الحبال‏ ~~ولم يكن لموسى حبل. والحبل التل الصغير: أي مقاديرهم بالنسبة إلى قدر موسى بمنزلة ~~الحبال من الجبال الشامخة. فلما رأت السحرة ذلك علموا رتبة موسى في العلم، وأن الذي ~~رأوه ليس من مقدور البشر: وإن كان من مقدورا لبشر فلا يكون إلا ممن له تميز في ~~العلم المحقَّق عن التخيل والإيهام. فآمنوا برب العالمين رب موسى وهارون: أي الرب ~~الذي يدعو إليه موسى وهارون، لعلمهم بأن القوم يعلمون أنه ما دعا لفرعون. و لما كان ~~فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت، وأنه الخليفة بالسيف- وإن جار في العرف الناموسي- ~~لذلك قال‏ «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏»: أي وإن كان الكل أرباباً بنسبة ما فأنا ~~الأعلى منهم بما أُعْطِيته في الظاهر من التحكم فيكم. ولما علمت السحرة صدقه في ~~مقاله لم ينكروه وأقروا له بذلك فقالوا له: إنما تقضي هذه الحياة الدنيا فاقض ما ~~أنت قاض‏ ، فالدولة لك‏ . فصح قوله‏ «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏». وإن كان عين‏ ~~الحق فالصورة لفرعون. فقطع الأيدي والأرجل وصلب بعين حق في صورة باطل لنيل مراتب لا ~~تنال إلا بذلك الفعل. فإن الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها لأن الأعيان الثابتة ~~اقتضتها، فلا تظهر في الوجود إلا بصورة ما هي عليه في الثبوت إذ لا تبديل لكلمات ~~اللَّه. وليست كلمات اللَّه سوى أعيان الموجودات ، فينسب إليها القدم من حيث ~~ثبوتها، وينسب إليها الحدوث من حيث وجوده وظهورها. كما تقول حدث عندنا اليوم إنسان ~~وضيف، ولا يلزم من حدوثه أنه ما كان له وجود قبل هذا الحدوث. لذلك‏ قال تعالى في ~~كلامه العزيز أي في إتيانه مع قدم كلامه‏ «ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ ~~رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وهُمْ يَلْعَبُونَ»: «ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ~~ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ». والرحمن‏ لا ~~يأتي إلا يأتي إلا بالرحمة. ومن أعرض عن الرحمة استقبل العذاب الذي هو عدم الرحمة. ~~وأما قوله‏ «فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ ~~اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ» إلا قوم يونس، فلم يدل ذلك على أنه لا ~~ينفعهم في الآخرة لقوله‏ في الاستثناء إلا قوم يونس، فأراد أن ذلك لا يرفع عنهم ~~الأخذ في الدنيا، فلذلك أخذ فرعون مع وجود الإيمان منه. هذا إن كان أمره أمر من ~~تيقن بالانتقال في تلك الساعة. وقرينة الحال تعطي أنه ما كان على يقين من الانتقال، ~~لأنه عاين المؤمنين يمشون في الطريق اليَبَس الذي ظهر بضرب موسى بعصاه البحر. فلم ~~يتيقن فرعون بالهلاك إذ آمن، بخلاف‏ «فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ، إِنَّما تَقْضِي ~~هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا» # المحتضر حتى لا يلحق به. فآمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل على التيقن‏ بالنجاة، ~~فكان كما تيقن لكن على‏ غير الصورة التي أراد. # فنجاه اللَّه من عذاب الآخرة في نفسه، ونجَّى بدَنه كما قال تعالى‏ «فَالْيَوْمَ ~~نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً»، لأنه لو غاب بصورته ربما ~~قال قومه احتجب. فظهر بالصورة المعهودة ميتاً ليُعْلَم أنه هو. فقد عمته النجاة حس ~~ومعنى. ومن حَقَّت عليه كلمة العذاب الأخروي لا يؤمن و لو جاءته كل آية حتى يروا ~~العذاب الأليم، أي يذوقوا العذاب الأخروي. فخرج فرعون من هذا الصنف. هذا هو الظاهر ~~الذي ورد به القرآن. ثم إنّا نقول بعد ذلك: والأمر فيه إلى اللَّه، لما استقر في ~~نفوس عامة الخلق من شقائه، وما لهم نص‏ في ذلك يستندون إليه. وأما آله فلهم حكم آخر ~~ليس هذا موضعه. ثم لتعلم أنه ما يقبض اللَّه أحدأل وهو مؤمن أي مصدِّق بما جاءت به ~~الأخبار الإلهية: وأعني من المحتضرين : ولهذا يُكرَه موت الفجاءة وقتل الغفلة. فأما ~~موت الفجاءة فحدُّه أن يخرج النفس الداخل ولا يدخل النفس الخارج. فهذا موت الفجاءة. ~~وهذا غير المحتضر. و كذلك قتل الغفلة بضرب عنقه من ورائه وهو لا يشعر: فيقبض على ما ~~كان عليه من إيمان وكفر. ولذلك قال عليه السلام «و يحشر على ما عليه مات‏ » كما أنه ~~يُقْبَض على ما كان عليه. والمحتضر ما يكون إلا صاحب شهود، فهو صاحب إيمان بما ~~ثَمَّة . فلا يقبض إلا على ما كان عليه، لأن «كان» حرف وجودي‏ لا ينجر معه الزمان ~~إلا بقرائن الأحوال: فيفرق بين الكافر المحتَضَر في الموت وبين الكافر المقتول غفلة ~~والميت فجاءة كما قلنا في حد الفجاءة. وأما حكمة التجلي و الكلام‏ في صورة النار، ~~فلأنها كانت بغية موسى . فتجلى له في مطلوبه ليُقْبِلَ عليه ولا يعرض عنه. فإنه لو ~~تجلى له في غير صورة مطلوبه أعرض عنه لاجتماع همه‏ على مطلوب خاص. ولو أعرض لعاد ~~عمله عليه وأعرض‏ عنه الحق، وهو مصطفىً مقرب. فمن قربه أنه تجلى له في مطلوبه وهو ~~لا يعلم. # كنار موسى رآها عين حاجته‏ %~% وهو الإله ولكن ليس يدريه‏ # . ### | فص حكمة صمدية في كلمة خالدية ### | 26- فص حكمة صمدية في كلمة خالدية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # وأما حكمة خالد بن سنان فإِنه أظهر بدعواه النبوةَ البرزخيةَ، فإِنه ما ادَّعى ~~الإخبار بما هنالك إلا بعد الموت: فأمر أن ينبش عليه ويسأل فيخبر أن الحكم في ~~البرزخ على صورة الحياة الدنيا. # فيعلم بذلك صدق الرسل كلهم فيما أخبروا به في حياتهم الدنيا. فكان غرض خالد صلى ~~اللَّه عليه وسلم إيمان العالم كله بما جاءت به الرسل ليكون رحمة للجميع: فإنه ~~تشرف‏ بقرب نبوته من نبوة محمد صلى اللَّه عليه وسلم، وعلم أن‏ اللَّه أرسله رحمة ~~للعالمين. ولم يكن خالد برسول، فأراد أن يحصل من هذه الرحمة في الرسالة المحمدية ~~على حظ وافر. ولم يؤمر بالتبليغ، فأراد أن يحظى بذلك في البرزخ ليكون أقوى في العلم ~~في حق الخلق. فأضاعه قومه. ولم‏ يصف النبي صلى اللَّه عليه وسلم قومه‏ بأنهم ضاعو ~~وإنما وصفهم بأنهم أضاعوا نبيهم حيث لم يبلغوه مراده، فهل بلَّغه اللَّه أجر ~~أمنيته؟ فلا شك ولا خلاف أن له أجر الأمنية ، وإنما الشك والخلاف في أجر المطلوب: ~~هل يساوي تمني وقوعه عدمَ‏ وقوعه بالوجود أم لا. فإن في الشرع ما يؤيد التساوي في ~~مواضع كثيرة: كالآتي للصلاة في الجماعة فتفوته الجماعة فله أجر من حضر الجماعة، ~~وكالمتني مع فقره ما هم عليه أصحاب الثروة والمال من فعل الخيرات‏ فله مثل أجورهم. ~~ولكن مثل أجورهم في نياتهم وفي عملهم‏ فإنهم جمعوا بين العمل والنية؟ ولم ينص النبي ~~عليهما ولا على واحد منهما. فالظاهر أنه لا تساوي بينهما. ولذلك طلب خالد بن سنان ~~الإبلاغ حتى يصح له مقام الجمع بين الأمرين فيحصل على الأجرين واللَّه أعلم‏ . # . # الموضوع التـــــــالي %~% ### | فص حكمة فردية في كلمة محمدية ### | 27- فص حكمة فردية في كلمة محمدية للشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # إنما كانت حكمته فردية لأنه أكمل موجود في هذا النوع الإنساني، ولهذا بُدِئَ به ~~الأمر وختم : فكان نبي وآدم بين الماء والطين، ثم كان بنشأته العنصرية خاتم ~~النبيين. وأولُ الأفراد الثلاثةُ، وما زاد على هذه الأولية من الأفراد فإنها عنها. # فكان عليه السلام أدلَّ دليل على ربه، فإنه أوتي جوامع الكلم التي هي مسمّيات ~~أسماء آدم، فأشبه الدليل في تثليثه، والدليل دليل‏ لنفسه . ولما كانت حقيقته تعطي ~~الفردية الأولى بما هو مثلث النشأة ، لذلك قال في باب المحبة التي هي أصل الموجودات ~~«حُبِّبَ إليّ من دنياكم ثلاث» بما فيه من التثليث، ثم ذكر النساء والطيب وجعلت قرة ~~عينه في الصلاة. فابتدأ بذكر النساء وأخَّر الصلاة، وذلك لأن‏ المرأة جزء من الرجل ~~في أصل ظهور عينها. ومعرفة الإنسان بنفسه مقدَّمة على معرفته بربه، فإن معرفته بربه ~~نتيجة عن معرفته بنفسه. لذلك قال عليه السلام «من عرف نفسه عرف‏ ربه». فإن شئت قلت ~~بمنْع المعرفة في هذا الخبر والعجز عن الوصول فإنه سائغ فيه، و إن شئت قلت بثبوت ~~المعرفة. # فالأول أن تعرفَ أنَّ نفسك لا تعرفها فلا تعرف ربك: والثاني أن تعرفها فتعرف ربك. ~~فكان محمد صلى اللَّه عليه وسلم أوضح دليل على ربه، فإن كل جزء من العالم دليل على ~~أصله الذي هو ربه فافهم . فإنما حُبِّب إليه النساء فحنَّ إليهن لأنه من باب حنين‏ ~~الكل إلى جزئه، فأبان بذلك عن الأمر في نفسه من جانب الحق في قوله في هذه النشأة ~~الإنسانية العنصرية «وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي»*. ثم وصف‏ نفسه بشدة الشوق إلى ~~لقائه فقال للمشتاقين‏ «يا داود إني أشد شوقاً إليهم» يعني المشتاقين إليه. وهو ~~لقاء خاص: فإنه قال في حديث الدَّجَّال إن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت، فلا بد من ~~الشوق لمن هذه صفته. فشوق الحق لهؤلاء المقربين مع كونه يراهم فيحبُ‏ أن يروه ويأبى ~~المقام ذلك. فأشبه قوله‏ «حَتَّى نَعْلَمَ» مع‏ كونه عالماً. فهو يشتاق لهذه الصفة ~~الخاصة التي لا وجود لهألا عند الموت، فيبل بها شوقهم إليه كما قال تعالى في حديث ~~التردد وهو من هذا الباب «ما ترددت في شي‏ء أنا فاعله ترددي في قبض عبدي‏ المؤمن ~~يكره الموت وأكره‏ مساءته ولا بد له من لقائي». فَبشَّرَه‏ وما قال له لا بد له من ~~الموت لئلا يغمه بذكر الموت. # ولما كان لا يلقى الحقَّ إلا بعد الموت كما قال عليه السلام «إن أحدكم لا يرى ربه ~~حتى يموت» لذلك قال تعالى «و لا بد له من لقائي». فاشتياق الحق لوجود هذه النسبة: # يحن الحبيب إلى رؤيتي‏ %~% وإني إليه أشد حنين # وتهفو النفوس ويأبى‏ القض %~% فأشكو الأنين ويشكو الأنين # فلما أبان أنه نفخ فيه من روحه، فما اشتاق إلا لنفسه. ألا تراه خلقه على صورته ~~لأنه من روحه؟ ولما كانت نشأته من هذه الأركان الأربعة المسماة في جسده أخلاطاً، ~~حدث‏ عن نفخه اشتعال‏ بما في جسده من الرطوبة، فكان روح الإنسان ناراً لأجل نشأته. ~~ولهذا ما كلم اللَّه موسى إلا في صورة النار وجعل حاجته فيها. فلو كانت نشأته ~~طبيعية لكان روحه نوراً. وكَّنى عنه بالنفخ يشير إلى أنه من نَفَس الرحمن، فإنه ~~بهذا النفس الذي هو النفخة ظهر عينه، وباستعداد المنفوخ فيه كان الاشتعال نارألا ~~نوراً. فبطن‏ نَفَس الرحمن‏ فيما كان به الإنسان إنساناً . ثم اشتق له منه‏ شخصاً ~~على صورته سماه امرأة، فظهرت بصورته فحنَّ إليها حنين الشي‏ء إلى نفسه، وحنت إليه ~~حنين الشي‏ء إلى وطنه. فحببت‏ إليه النساء، فإن اللَّه أحب مَنْ خلقه على صورته ~~وأسجد له ملائكته النوريين على عظم قدرهم ومنزلتهم وعلو نشأتهم الطبيعية. فمن هناك ~~وقعت المناسبة. والصورة أعظم مناسبة وأجله وأكملها: فإنها زوْجٌ أي شفعت وجود الحق ~~، كما كانت المرأة شفعت بوجودها الرجل فصيرته زوجاً. فظهرت الثلاثة حق ورجل وامرأة، ~~فحن الرجل إلى ربه الذي هو أصله حنين المرأة إليه. فحبب إليه‏ ربه النساء كما أحب ~~اللَّه من هو على صورته. فما وقع الحب إلا لمن تكوَّن عنه، وقد كان حبه لمن تكوَّن‏ ~~منه وهو الحق. فلهذا قال «حُبِّبَ» ولم يقل أحببت من نفسه لتعلق حبه بربه الذي هو ~~على صورته حتى في محبته لامرأته، فإنه أحبها بحب اللَّه إياه تخلقاً إلهياً. ولما ~~أحب الرجل المرأة طلب الوصلة أي غاية الوصلة التي تكون في المحبة، فلم يكن في صورة ~~النشأة العنصرية أعظم وصلة من النكاح، ولهذا تعم الشهوة أجزاءه كلها، ولذلك أُمِرَ ~~بالاغتسال منه، فعمت الطهارة كما عم الفناء فيها عند حصول الشهوة. فإن الحق غيور ~~على عبده أن يعتقد أنه يلتذ بغيره، فطهره‏ بالغسل ليرجع بالنظر إليه فيمن فني فيه، ~~إذ لا يكون إلا ذلك . فإذا شاهد الرجل الحق في المرأة كان شهوداً في منفعل، وإذا ~~شاهده في نفسه- من حيث ظهور المرأة عنه- شاهده في فاعل، وإذا شاهده‏ في‏ نفسه من ~~غير استحضار صورة ما تكوَّن عنه كان شهوده‏ في منفعلٍ عن الحق بلا واسطة. فشهوده ~~للحق في المرأة أتم وأكمل، لأنه يشاهد الحق من حيث هو فاعل منفعل، ومن نفسه من حيث ~~هو منفعل خاصة . فلهذا أحب صلى اللَّه عليه وسلم النساء لكمال شهود الحق فيهن، إذ ~~لا يشاهد الحق مجرداً عن المواد أبداً، فإن اللَّه بالذات غني عن العالمين. # وإذا كان الأمر من هذا الوجه ممتنعاً، ولم‏ تكن الشهادة إلا في مادة، فشهود الحق ~~في النساء أعظم الشهود وأكمله. وأعظم الوصلة النكاح وهو نظير التوجه الإلهي على من ~~خلقه على صورته ليخلفه فيرى فيه‏ نفسَه‏ فسوَّاه وعَدَله ونفخ فيه من روحه الذي هو ~~نَفَسُهُ، فظاهره خلق وباطنه حق. و لهذا وصفه بالتدبير لهذا الهيكل، فإنه تعالى به‏ ~~«يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ» وهو العلو، «إِلَى الْأَرْضِ»، وهو أسفل ~~سافلين، لأنها أسفل الأركان كلها. وسماهن بالنساء وهو جمع لا واحد له من لفظه، ~~ولذلك قال عليه السلام «حُبِّب إلي من دنياكم ثلاث: النساء» ولم يقل المرأة، فراعى ~~تأخرهن في في الوجود عنه‏ ، فإن النُّسْأة هي التأخير قال تعالى‏ «إِنَّمَا ~~النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ». والبيع بنسيئة يقول بتأخير، ولذلك‏ ذكر ~~النساء. فما أحبهن إلا بالمرتبة وأنهن محل الانفعال‏ فهن له كالطبيعة للحق التي فتح ~~فيها صور العالم بالتوجه الإرادي والأمر الإلهي الذي هو نكاح في عالم الصور ~~العنصرية، وهمة في عالم الأرواح النورية، وترتيب مقدمات في المعاني للإنتاج. وكل ~~ذلك نكاح الفردية الأولى في كل وجه من هذه الوجوه. فمن أحب النساء على هذا الحد فهو ~~حب إلهي، ومن أحبهن على جهة الشهوة الطبيعية خاصة نقصه علم هذه الشهوة، فكان صورة ~~بلا روح عنده، وإن كانت تلك الصورة في نفس الأمر ذاتَ روح ولكنها غير مشهودة لمن ~~جاء لامرأته- ولأنثى حيث كانت- لمجرد الالتذاذ، ولكن لا يدري‏ لمن. فجهل من نفسه ما ~~يجهل الغير منه ما لم يسمِّه هو بلسانه حتى يُعْلم كما قال بعضهم: # صح عند الناس أني عاشق‏ %~% غير أن لم يعرفوا عشقي لمن‏ # كذلك هذا أحبَّ الالتذاذ فأحب المحل الذي يكون‏ فيه وهو المرأة، ولكن غاب عنه روح ~~المسألة. فلو علمها لعلم بمن التَذَّ ومن التَذّ وكان كاملًا. # وكما نزلت المرأة عن درجة الرجل بقوله‏ «وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» نزل ~~المخلوق على الصورة عن درجة من أنشأه على صورته مع كونه على صورته. فبتلك‏ الدرجة ~~التي تميز بها عنه، بها كان‏ غنياً عن العالمين وفاعلًا أوَّلًا، فإن الصورة فاعل ~~ثان. فما له الأولية التي للْحق. فتميزت الأعيان بالمراتب‏ : فأعطى كل ذي حق حقه ~~كلُّ عارف . فلهذا كان حب النساء لمحمد صلى اللَّه عليه وسلم عن تحبب إلهي وأن ~~اللَّهَ‏ «أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ» وهو عين حقه‏ . فما أعطاه إلا باستحقاق ~~استحقه بمسماه: أي بذات ذلك‏ المستحق. وإنما قدم النساء لأنهن محل الانفعال، كما ~~تقدمت الطبيعة على من وجد منها بالصورة. وليست الطبيعة على الحقيقة إلا النفَس‏ ~~الرحماني، فإنه فيه انفتحت صور العالم أعلاه وأسفله لسريان النفخة في الجوهر ~~الهيولاني في عالم الأجرام خاصة. # وأما سريانها لوجود الأرواح النورية والأعراض‏ فذلك سريان آخر . ثم إنه عليه ~~السلام غلَّب في هذا الخبر التأنيث على التذكير لأنه قصد التهمُّمَ‏ بالنساء فقال ~~«ثلاث» ولم يقل «ثلاثة» بالهاء الذي هو لعدد الذكران، إذ وفيها ذكر الطيب وهو مذكر، ~~وعادة العرب أن تغلب التذكير على التأنيث فتقول «الفواطم وزيد خرجوا» ولا تقول ~~خرجن. فغلبوا التذكير - وإن كان واحداً- على التأنيث وإن كن جماعة. وهو عربي، ~~فراعى‏ صلى اللَّه عليه وسلم المعنى الذي قُصِدَ به‏ في التحبب إليه ما لم يكن يؤثر ~~حبَّه. فعلمه اللَّه ما لم يكن يعلم وكان فضل اللَّه عليه عظيماً. فغلّب التأنيث ~~على التذكير بقوله ثلاث بغير هَاءٍ. فما أعلَمَه صلى اللَّه عليه وسلم بالحقائق، ~~وما أشد رعايته للحقوق! ثم إنه جعل الخاتمة نظيرة الأولى في التأنيث وأدرج بينهما ~~المذكر . فبدأ بالنساء وختم بالصلاة وكلتاهما تأنيث، والطيب بينهما كهو في وجوده، ~~فإن الرجل مدرج بين ذات ظهر عنه وبين امرأة ظهرت عنه، فهو بين مؤنثين: تأنيث ذات و ~~تأنيث حقيقي. كذلك النساء تأنيث حقيقي والصلاة تأنيث غير حقيقي، والطيب مذكر بينهما ~~كآدم بين الذات الموجود عنها وبين حواء الموجودة عنه وإن شئت قلت الصفة فمؤنثة ~~أيضاً، وإن شئت قلت القدرة فمؤنثة أيضاً. فكن على أي مذهب شئت، فإنك لا تجد إلا ~~التأنيث يتقدم حتى عند أصحاب العلة الذين‏ جعلوا الحق علة في وجود العالم. والعلة ~~مؤنثة . وأما حكمة الطيب وجعله بعد النساء، فلما في النساء من روائح التكوين، فإنه ~~أطيب الطيب عناق الحبيب. كذا قالوا في المثل السائر. ولما خُلِقَ عبداً بالاصالة لم ~~يرفع رأسه قط إلى السيادة، بل لم يزل ساجداً واقفاً مع كونه منفعلًا حتى كوَّن ~~اللَّه عنه ما كوَّن. فأعطاه رتبة الفاعلية في عالم الأنفاس التي هي الأعراف‏ ~~الطيبة. فحبب إليه الطيب: فلذلك جعله بعد النساء. فراعى الدرجات التي للحق في قوله‏ ~~«رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ» لاستوائه عليه باسمه الرحمن. فلا يبقى فيمن ~~حوى عليه العرش من لا تصيبه الرحمة الإلهية: وهو قوله تعالى‏ «وَ رَحْمَتِي ~~وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ»: والعرش وسع كل شي‏ء، والمستوِي‏ الرحمن. فبحقيقته يكون ~~سريان الرحمة في العالم كما بيناه في غير موضع من هذا الكتاب، وفي‏ الفتوح المكي. ~~وقد جَعَلَ الطيبَ- تعالى‏ - في هذا الالتحام النكاحي في براءة عائشة فقال‏ ~~«الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ، والطَّيِّباتُ ~~لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ، أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا ~~يَقُولُونَ». فجعل روائحهم طيبة: لأن القول نَفَس، وهو عين الرائحة فيخرج بالطيب ~~والخبيث‏ على حسب ما يظهر به في صورة النطق. فمن حيث هو إلهي بالأصالة كله طِيبٌ: # فهو طَيِّبٌ، ومن حيث ما يحمد ويذم فهو طيّب وخبيث. فقال في خبث الثوم هي شجرة ~~أكره ريحه ولم يقل أكرهها. فالعين لا تُكرَه، وإنما يُكْرَه ما يظهر منها. و ~~الكراهة لذلك إما عرفاً بملاءمة طبع وغرض، وشرع، ونقص عن كمال مطلوب وما ثَمَّ غير ~~ما ذكرناه. ولما انقسم الأمر إلى خبيث وطيّب كما قررناه، حُبِّب إليه الطيب دون ~~الخبيث ووصف الملائكة بأنها تتأذى بالروائح الخبيثة لما في هذه النشأة العنصرية من ~~التعفن‏ ، فإنه مخلوق من صلصال من حمإ مسنون أي متغير الريح. فتكرهه الملائكة ~~بالذات، كما أن مزاج الجُعَل يتضرر برائحة الورد وهي من الروائح الطيبة. فليس الورد ~~عند الجعل بريح طيبة. ومن كان على مثل هذا المزاج معنى وصورة أضرَّ به الحقُّ إذا ~~سمعه وسُرَّ بالباطل: وهو قوله‏ «وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وكَفَرُوا ~~بِاللَّهِ»، ووصفهم بالخسران فقال‏ «أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ‏ %~% الَّذِينَ ~~خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ»*. فإن من لم يدرك الطيب‏ من‏ الخبيث فلا إدراك له. فما ~~حُبّب إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلا الطيب من كل شي‏ء وما ثَمّ إلا هو ~~. وهل يتصور أن يكون في العالم مزاج لا يجد إلا الطيب من كل شي‏ء، لا يعرف الخبيث، ~~أم لا؟ قلنا هذألا يكون: # فإنا ما وجدناه في الأصل الذي ظهر العالم منه وهو الحق ، فوجدناه يكره ويحب، و ~~ليس الخبيث إلا ما يُكْرَه ولا الطيب إلا ما يُحَبُّ. والعالم على صورة الحق، ~~والإنسان على الصورتين فلا يكون ثمَّ مزاج لا يدرك إلا الأمر الواحد من كل شي‏ء، بل ~~ثم مزاج يدرك الطيب من الخبيث، مع علمه بأنه خبيث بالذوق طيب بغير الذوق، فيشغله ~~إدراك الطيب منه عن الإحساس بخبثه‏ . هذا قد يكون. وأما رفع الخبث‏ من العالم- أي ~~من الكون- فإنه لا يصح. ورحمة اللَّه في الخبيث والطيب. والخبيث عند نفسه طيب ~~والطيب عنده خبيث. فما ثم شي‏ء طيب إل وهو من وجه في حق مزاج ما خبيث: # وكذلك بالعكس. وأما الثالث الذي به كملت الفردية فالصلاة. فقال «و جعلت قرة عيني ~~في الصلاة» لأنها مشاهدة: وذلك لأنها مناجاة بين اللَّه وبين عبده كما قال: ~~«فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ». وهي عبادة مقسومة بين اللَّه وبين عبده بنصفين: # فنصفها للَّه ونصفها للعبد كما ورد في الخبر الصحيح عن اللَّه تعالى أنه قال ~~«قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين‏ : فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل. # يقول العبد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏: يقول اللَّه ذكرني عبدي. يقول ~~العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏: يقول اللَّه حمدني عبدي. يقول العبد ~~الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏: يقول اللَّه أثنى علي عبدي. يقول العبد مالِكِ يَوْمِ ~~الدِّينِ‏: يقول اللَّه مجدني عبدي: فوَّض إليَّ عبدي. فهذا النصف كله له تعالى ~~خالص. ثم يقول العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏ : يقول اللَّه هذه ~~بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فأوقع الاشتراك في هذه الآية. يقول العبد اهْدِنَا ~~الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ~~الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولَا الضَّالِّينَ‏: يقول اللَّه فهؤلاء لعبدي ولعبدي‏ ما ~~سأل. فخلُصَ هؤلاء لعبده كما خَلُصَ الأول له تعالى. فعلم من هذا وجوب قراءة الحمد ~~للَّه رب العالمين. فمن لم يقرأها فما صلى الصلاة المقسومة بين اللَّه وبين عبده. # ولما كانت مناجاة فهي ذكر، ومن ذكر الحقَّ فقد جالَسَ الحق وجَالَسَهُ الحقُّ، ~~فإنه صح في الخبر الإلهي أنه تعالى قال أنا جليس من ذكرني. ومَنْ جالس من ذكره و هو ~~ذو بصر رأى جليسه. فهذه مشاهدة ورؤية. فإن لم يكن ذا بصر لم يره. فمن هنا يعلم ~~المصلي رتبته هل يرى الحق هذه الرؤية في هذه الصلاة أم لا. فإن لم يره فليعبده ~~بالإيمان كأنه‏ يراه فيخيله في قبلته عند مناجاته، ويلقي السمع لما يردُّ به عليه ~~الحق‏ . فإن كان إماماً لعالَمِهِ الخاص به وللملائكة المصلين معه- فإن كل مصلٍ فهو ~~إمام بلا شك، فإن الملائكة تصلي خلف العبد إذا صلى وحده كما ورد في الخبر- فقد حصل ~~له رتبة الرسل في الصلاة وهي النيابة عن اللَّه. إذا قال سمع اللَّه لمن حَمِدَه، ~~فيخبر نفسه ومنْ خلْفَه بأن اللَّه قد سمعه فتقول الملائكة والحاضرون‏ ربن ولك ~~الحمد. # فإن اللَّه قال على لسان عبده سمع اللَّه لمن حمده. فانظر علو رتبة الصلاة وإلى ~~أين تنتهي بصاحبها. فمن لم يحصِّل درجة الرؤية في الصلاة فما بلغ غايته ولا كان له ~~فيها قرة عين، لأنه لم ير من يناجيه. فإن لم يسمع ما يرد من الحق عليه‏ فيها فما هو ~~ممن ألقى سمعه‏ . ومن لم يحضر فيها مع ربه مع‏ كونه لم يسمع ولم ير، فليس بمصلّ ~~أصلًا، ولا هو ممن أَلقى السمع وهو شهيد. # وما ثَمَّ عبادة تمنع من التصرف في غيرها- ما دامت- سوى الصلاة. # وذِكْرُ اللَّه فيها أكبر ما فيها لما تشتمل عليه من أقوال وأفعال- وقد ذكرنا صفة ~~الرجل الكامل في الصلاة في الفتوحات المكية كيف يكون‏ - لأن اللَّه تعالى يقول‏ ~~«إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ»، لأنه شُرِعَ للمصلي ألا ~~يتصرف في غير هذه العبادة ما دام فيه ويقال له مصلٍ. «وَ لَذِكْرُ اللَّهِ ~~أَكْبَرُ» يعني فيها: أي الذكر الذي يكون من اللَّه لعبده حين يجيبه في سؤاله. # والثناء عليه أكبر من ذكر العبد ربه فيها، لأن الكبرياء للَّه تعالى. ولذلك قال: # «وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ» وقال‏ «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ ~~شَهِيدٌ». فإلقاؤه السمع هو لما يكون من ذكر اللَّه إياه فيها. ومن ذلك أن الوجود ~~لما كان عن حركة معقولة نقلت العالم من العدم إلى الوجود عمت الصلاة جميع الحركات ~~وهي ثلاث: حركة مستقيمة وهي حال قيام المصلي، وحركة أفقية وهي حال ركوع المصلي، ~~وحركة منكوسة وهي حال‏ سجوده. فحركة الإنسان مستقيمة، وحركة الحيوان أفقية، وحركة ~~النبات منكوسة، وليس للجماد حركة من ذاته: فإذا تحرك حجر فإنما يتحرك بغيره. وأما ~~قوله «و جعلت قرة عيني في الصلاة- ولم‏ ينسب الجعل إلى نفسه- فإنَّ تجلي الحق ~~للمصلي إنما هو راجع إليه تعالى لا إلى المصلي: فإنه لو لم يذكر هذه الصفة عن نفسه ~~لأمره بالصلاة على غير تجل منه له. فلما كان منه ذلك بطريق الامتنان، كانت المشاهدة ~~بطريق الامتنان. فقال وجعلت قرة عيني في الصلاة. وليس إلا مشاهدة المحبوب‏ التي ~~تقرُّ بها عين المحب، من الاستقرار : فتستقر العين عند رؤيته فلا تنظر معه إلى شي‏ء ~~غيره في شي‏ء وفي غير شي‏ء . ولذلك نُهِيَ عن الالتفات في الصلاة، وأن الالتفات ~~شي‏ء يختلسه الشيطان من صلاة العبد فيحرمه مشاهدة محبوبه. بل لو كان محبوبَ هذا ~~الملتفت، ما التفت في صلاته إلى غير قبلته بوجهه. والإنسان يعلم حاله في نفسه هل هو ~~بهذه المثابة في هذه العبادة الخاصة أم لا، فإن «الإنسان‏ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ~~ولَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ». فهو يعرف كذبه من صدقه في نفسه، لأن الشي‏ء لا يجهل ~~حاله فإن حاله له ذوقي. ثم إن مسمى الصلاة له قسمة أخرى، فإنه تعالى أمرنا أن نصلي ~~له وأخبرنا أنه يصلي علينا. فالصلاة من ومنه. فإذا كان هو المصلي فإنما يصلي باسمه ~~الآخِر، فيتأخر عن وجود العبد: وهو عين الحق الذي يخلقه‏ العبد في قلبه بنظره ~~الفكري وبتقليده وهو الإله‏ المعتَقَد. ويتنوع بحسب ما قام بذلك المحل من الاستعداد ~~كما قال الجنيد حين سئل عن المعرفة باللَّه والعارف فقال لون الماء لون إنائه. وهو ~~جواب سادّ أخبر عن الأمر بما هو عليه. فهذا هو اللَّه الذي يصلي علينا. وإذا صلينا ~~نحن كان لنا الاسم الآخر فكنا فيه‏ كما ذكرنا في حال من له هذا الاسم، فنكون عنده‏ ~~بحسب حالنا، فلا ينظُرُ إلينألا بصورة ما جئناه‏ بها فإن المصلي هو المتأخر عن ~~السابق في الحلبة . وقوله‏ «كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ» أي رتبته في ~~التأخر في عبادته ربه، وتسبيحه الذي يعطيه من التنزيه استعداده، فما من شي‏ء إل وهو ~~يسبح بحمد ربه الحليم‏ الغفور. ولذلك لا يُفْقَه‏ تسبيح العالم على التفصيل واحداً ~~واحداً. وثمَّ مرتبة يعود الضمير على العبد المسبح فيها في قوله‏ «وَ إِنْ مِنْ ~~شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» أي بحمد ذلك الشي‏ء. فالضمير الذي في قوله ~~«بحمده» يعود على الشي‏ء أي بالثناء الذي يكون عليه كما قلنا في المعتقد إنه إنما ~~يثني على الإله الذي في معتقده وربط به نفسه. وما كان من عمله فهو راجع إليه، فما ~~أثنى إلا على نفسه، فإنه مَنْ مَدَحَ الصنعة فإنما مدح الصانع بلا شك، فإن حسنه ~~وعدم حسنها راجع إلى صانعها. وإله المعتقد مصنوع للناظر فيه، فهو صنعه: فثناؤه على ~~ما اعتقده ثناؤه على نفسه. ولهذا يَذُمُّ معتَقَد غيره، ولو أنصف لم يكن له ذلك. # إلا أن صاحب هذا المعبود الخاص جاهل بلا شك في ذلك لاعتراضه على غيره فيما ~~اعتقده‏ في اللَّه، إذ لو عرف ما قال الجنيد لون الماء لون إنائه لسلّم لكل ذي ~~اعتقاد ما اعتقده، وعرف اللَّه في كل صورة وكل مُعتَقَد. فهو ظان‏ ليس بعالِم، ~~ولذلك‏ قال‏ «انا عند ظن عبدي بي» لا أظهر له إلا في صورة معتقده: فإن شاء أطلق وإن ~~شاء قيَّد. فإله‏ المعتقدات تأخذه الحدود وهو الإله الذي وسعه قلب عبده، فإن الإله ~~المطلق لا يسعه شي‏ء لأنه عين الأشياء وعين نفسه: والشي‏ء لا يقال فيه يسع نفسه ~~ولألا يسعها فافهم‏ واللَّه يقول الحق وهو يهدي السبيل. # تم بحمد اللَّه وعونه وحسن توفيقه، والحمد للَّه وحده وصلى اللَّه على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وكان الفراغ منه في عاشر شهر جمادي الآخرة سنة تسع ~~وثلاثين وثمانمائة أحسن اللَّه عاقبتها بمحمد وآله آمين. # .