#####OpenITI# #META# title: شرح على متن فصوص الحكم #META# author: مؤيد الدين الجندي #META# source: https://ibnalarabi.com/fusus/jandi.php #META#Header#End# ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | فهرس موضوعات كتاب شرح فصوص الحكم لمؤيد الدين الجندي تلميذ الشيخ صدر الدين ~~القونوي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي ### | الفهرس . # مقدمة الناشر .. # مقدمة الشارح … # مقدمة الكتاب .. # البحث الأول من مباحث خطبة الكتاب . # البحث الثاني من مباحث خطبة الكتاب تحقيق في وجوه تسمية اسم الله . # البحث الثالث من مباحث خطبة الكتاب . # البحث الخامس من المباحث الكلية التي تحويها خطبة الكتاب # البحث السادس من مباحث الخطبة سر الكلم. # البحث السابع من مباحث خطبة الكتاب . # البحث الثامن منها أي من المباحث الكلية الستة عشر . # البحث التاسع منها أي من المباحث الكلية الستة عشر. # البحث العاشر من الستة عشر: في إمداد الهمم القابلة للترقي . # البحث الحادي عشر من الستة عشر : في الهمم. # البحث الثاني عشر من الستة عشر . # البحث الثالث عشر من الستة عشر. # البحث الرابع عشر من الستة عشر . # البحث الخامس عشر من الستة عشر. # البحث السادس عشر من الستة عشر آخر شرح الخطبة # 01. فص حكمة إلهية في كلمة آدمية . # فهرسة الشيخ الأكبر لكتاب فصوص الحكم .. # 02. فص حكمة فنية في كلمة شيثية .. # 03. فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية . # 04. فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية. # 05. فص حكمة مهيمية في كلمة إبراهيمية . # 06. فص حكمة حقية في كلمة إسحاقية. # 07. فص حكمة علنية في كلمة إسماعيلية . # 08. فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية. # 09. فص حكمة نورية في كلمة يوسفية. # 10. فص حكمة أحدية في كلمة هودية. # 11. فص حكمة فاتحية في كلمة صالحية. # 12. فص حكمة قلبية في كلمة شعبية . # 13. فص حكمة ملكية في كلمة لوطية. # 14. فص حكمة قدرية في كلمة نميرية. # 15. فص حكمة نبوية في كلمة عيسوية. # 16. فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية . # 17. فص حكمة وجودية في كلمة داوودية . # 18. فص حكمة نفسية في كلمة يونسية. # 19. قص حكمة غيبية في كلمة أيوبية. # 20. فص حكمة جلالية في كلمة يحيوية . # 21. فص حكمة مالكية في كلمة زگریاوية. # 22. فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية. # 23. فص حكمة إحسانية في كلمة لقمانية. # 24. فص حكمة إمامية في كلمة هارونية. # 25. فص حكمة علوية في كلمة موسوية. # 26. فص حكمة صمدية في كلمة خالدية . # 27. فص حكمة فردية في كلمة محمدية . # مقدّمة الناشر للتعريف بالشارح الشيخ مؤيد الدين الجندي # من الأمور التي لا تخفى على العرفاء وسالكي هذا الطريق أهمية وموقع كتاب فصوص ~~الحكم وتفرّده في مجال العرفان النظري . # فقد ترك مؤلفه العارف الكبير محيي الدين بن عربى أثرا كبيرا على العرفاء الذين ~~تلوه ، فلا يوجد عارف إلَّا واغترف من هذا المنهل العذب وتزوّد من هذه المائدة ~~الشهيّة . # ويعتبر العذب استيعاب هذا الكتاب وفهم مضامينه من الأمور المشكلة من دون ~~الاستعانة بأستاذ ماهر وملازمة شخص كالخضر عليه السلام يبيّن له مرامي الكلام ~~ومقاصده . # وبهذا الشأن يقول الشهيد مرتضى المطهّري ما مضمونه : إنّ هذا الكتاب رغم صغر حجمه ~~فإنّه يعتبر من أدقّ وأعمق المتون العرفانية ، وربّما وجد في كلّ عصر شخصان أو ~~ثلاثة يقدرون على فهم وتحليل مضامينه العميقة . # ويعدّ صدر الدين محمد بن إسحاق القونوي من أبرز تلاميذ محيي الدين ابن العربي ~~الذين شرحوا هذا الكتاب ، نتيجة لحضوره درس أستاذه وتقريره له . # أمّا مؤيد الدين جندي الذي هو من ألمع تلامذه صدر الدين القونوي فهو يذكر بأنّه ~~درس متون فصوص الحكم بحضرة أستاذه القونوي ، وما إن أتمّ ذلك حتى شرع بشرح فصوص ~~الحكم . # وربّما كان السبب في التطويل والإطناب في شرح مقدمة الفصوص هو اعتقاد القونوي أنّ ~~كلّ مطالب الكتاب قد اجتمعت في المقدمة بشكل مركز . # وكلّ من قرأ الفصوص على يد القونوي كان أقرب إلى معرفة نظريات ابن عربي في هذا ~~المجال . # والسمات الرئيسية في « شرح فصوص الحكم » يمكن تلخيصها في شيئين : # الأول : أنّ هذا الكتاب هو الأول من نوعه الذي كتب حول فصوص الحكم ، فقد اختصّ ~~بالسبق التأريخي دون غيره من الشروح . # الثاني : استفادة مؤلَّفه واستيعابه لكلّ محتويات الكتاب بسبب تتلمذه على أوثق ~~وأدقّ تلامذة محيي الدين بن عربي ، صدر الدين القونوي الذي عرف نكات هذا الكتاب ~~ودقائق الأمور فيه . # وفي شرح مقدمة هذا الكتاب التي شغلت الحيّز الأكبر فيه تناول المؤلَّف المباحث ~~العرفانية المتعددة ، التي منها مبحث الحمد ، الاسم الحقيقي والاسم الأعظم ، ~~اللطائف الإنسانية السبعة ، الرؤيا ، الوراثة ، التعيّن الأول . . . إلى آخر ما ~~هنالك . # في خدمة علوم آل محمد صلَّى الله عليه وسلم ونشر ثقافتهم الإسلامية الأصيلة ، ~~إنّه حسبنا ، عليه توكَّلنا ، وهو نعم المولى ونعم النصير . # . ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | مقدّمة الشارح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم للشيخ الأكبر محي ~~الدين ابن العربي الحاتمي الطائي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي ### | بسم الله الرحمن الرحيم ابتدأت ، وعليه توكَّلت في جميع أموري . # حمد الحمد أحقّ محامد الحق ، وأحمدها في مجامع الصدق ، وأجمع مناهج المحقّق ~~المحقّ . وحق الحقّ أن يحمد بالأحرى والأحقّ ، ويصدّق في الأعلى والأشقّ ، ويعبد ~~بخالص العبودية والرقّ ، عن شائبة الربوبية وشانئة الحرّية والعتق . # هو الحامد ذاته بذاته في ذاته وحقائق ذاته ، برقائق أسمائه وصفاته ، في حدائق ~~حضرات تجلَّياته ، ودقائق نسب درجاته . # يحمد هويّته الكبرى وإنّيّته العظمى ، بتعيّنات باطن هويّاته ، وتنوّعات ظاهر ~~إنّيّاته ، حمدا جامعا بين التسبيح والتحميد ، مطلقا عن التسريح والتقييد ، ~~بالتجريد وتشبيه التحديد والتجديد ، محيطا بكثرة التوحيد وأحدية التعديد . # هو الحامد الحميد ، والماجد المجيد ، باطن هويّته ظاهر بإنانيّته ، أوّل في غيب ~~غيبه ، آخر في عين غيبه ، مطلق التعيّن في كلّ متعيّن بأنّه متبيّن بإنّيّته . # أوّليته ، وآخريته وباطنيته وظاهريته وأزليته وأبديته وأحديته وصمديته نسبه ~~الذاتيّة لا ذاتيته ، فغيب غيبه هويته ، وتعيّن عينه إنّيّته ، وباطن باطنه ذاتيته ~~، وظاهر باطنه إنائيّته . # وظاهر ظاهره إلهيته ، وشهادة ظاهره ربوبيته وحقيقته ، وظاهر مظهره مربوبيته ~~وخلقيته ، وجميع هذه النسب تقتضيها حقيقته . # فسبحان الله الواحد الأحد ، الذي لا يقدح في أحديته كثرة ما يتعدّد ، ولا يمدح ~~أبدا بوحدانيته الخاصّة أحد ، وهو يتعالى أن يوحّد بوحدة محدودة يداخل حد العدّ ، ~~وخارج العدد . # في الأزل والأبد ، حوله لا بأحد ، قوّته لا بعدد ، دوامه ممد المدد ، وبقاؤه يفني ~~المدد ، وسرمديّته لا باعتبار أمد إطلاقه لا يتقيّد بالمطلق والمقيّد ، ووجوده ~~قيّوم ما وجد ويوجد ، أبدا الأبد ، وسرمد السرمد . # والصلاة على السيد العبد ، حامل لواء الحمد ، صاحب المطلع والحدّ . # معدّ نون المدّ ، وممدّ ألف القدّ ، ومحيط حدّ خاء الخدّ ، يعيّن ، أحدية المحبّة ~~والودّ ، وغير غيرية العدّ ، منزّل أحدية جمع الحكم والأسرار ، ومحصّل جمع جميع ~~الكلم والأنوار . # ومفصّل جوامع الجمل في عيون مجامع الأعيان والأغيار ، حامي حريم السرّ بحكمة ~~الستر ، ما حي أثر الشرك وعين الكفر ، حاشر حروف المعاني الشهودية ، من قبور ~~الكلمات الوجودية ، إلى أرض حشر الرشح بالرشحات الجودية ، والنفحات النفسية ~~الودودية . # عين أعيان العناية ، وحرف حروف الهداية ، وكلمة كلم الخصوص ، وحكمة حكم النصوص ، ~~مسمّى الأسماء واسم الذات ، والمثل المنزّه عن مثليّة المتماثلات ، رفات "كاسر" ~~الخرافات المتقابلات المتخالفات ، وأشكال "الزينة" أشكال المتشاكلات المؤتلفات . # محمد المصطفى لفتح أبواب الشفاعة الكبرى ، وختم نبوّات الشريعة المثلى ، سيد ~~الأنبياء والمرسلين ، وسند الأولياء الكاملين المكمّلين ، أحد جمع حقائق الكمّل ، ~~زبدة خلاصة المفصّل والمجمل ، وعلى آله وأهله الأطهار ، وإخوانه الكاملين الأخيار . # مراكز أفلاك المحيط الأشمل ، وعلى سائر صحابته وأتباعه نقطة دوائر العلم والعمل. # خصوصا على وارثه الأكمل ، ومظهره الأتمّ الأجمع الأفضل ، شيخ الكمّل ، الإمام ~~العلَّام ، المخصوص بالوراثة الآخريّة وختمية الخصوص ، والمنصوص على أكملية وراثته ~~عن خاتم نبوّة الشريعة والنصوص ، واضع أوضاع الحكم في مواضعها من نقوش الفصوص . # مبرّز صفوف عبيد الاختصاص الإلهي بين يدي الحقّ كأنّهم بنيان مرصوص . # علم العالمين بالله في العالمين ، عمدة الورثة الكاملين المكمّلين ، أبي الأولاد ~~الإلهيّين ، خاتم الأولياء المحمّديّين ، محيي الحق والدين ، أبي عبد الله ، محمد ~~بن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن العربيّ الطائيّ الأندلسيّ رضي الله عنه وأرضاه ~~به منه وعلى إخوانه وأولاده الإلهيّين أجمعين إلى يوم الدين . # أمّا بعد : # فإنّ كتاب « فصوص الحكم في خصوص الكلم » من منشآت هذا الكامل الخاتم ، مفخر بني ~~طيّئ وآل حاتم جليل القدر ، عظيم الشأن والأمر . # يروي غليل الصدر ، ويشفي عليل الطلب والشوق لاستجلاء هذا النور ، واستحلاء ما فيه ~~من الذوق والسرور ، يحتوي على كلمات أذواق الحضرات الأسمائية ، وينطوي على أمّهات ~~أسرار الحرم النبوية الاصطفائية ، وأنوار الحصص والنسب الأحدية الجمعية الكمالية . # ويتضمّن نصوص مشارب الكمّل من الأنبياء والمرسلين ، وخصوص مآخذهم من التوحيد ~~ومواجيد الأفاضل منهم والكاملين. # وهو مخصوص بيان ذوق كلّ نبي كامل من الخلفاء الإلهيّين ، ولكن من الوارث المحمدي ~~الختمي ومشرب خاتم النبيّين ، على التخصيص والتعيين ، لا من ورثة غيره من كمّل ~~الأنبياء المذكورين ، صلوات الله عليه وعليهم أجمعين . # وليس كذلك ذوق سائر أولياء الورثة المقرّبين على ما سيرد عليك في متن هذا الكتاب ~~، وضمن ما يحوي من الصفاوة واللباب ، إن شاء الله ربّ العالمين . # ولهذا السرّ نهى الشيخ رضي الله عنه أن يجمع بين هذا الكتاب وبين غيره من الكتب ~~في جلد واحد . # سواء كان من مصنّفاته أو مؤلَّفات غيره من أفاضل أصحاب التحقيق ، وأما جد أرباب ~~الطريق ، لأنّ مشرب مقام النبوّة وحماها ، يجلّ ويعلو ويعظم وينبو عمّا سواه . # والأنسب أن تكون أذواقها الخصيصة بمشاربها ، وعلومها المسيسة بمآربها مرفوعة ~~ومعزّزة ، ولا يخلط بينها وبين غيرها ، فتبقى محفوظة ومحرزة مميّزة . # فمن فهم ما أودع مضمونه ، علم من علم النبوة مكنونه ، وفهم من سرّها مضمونة ~~ومصونة . # ومن تدبّر من أهل حكمه وحكمه أنواعه وفنونه ، فجر الله من سرّه وقلبه ينابيع ~~الذوق وعيونه ، وحصّل من مشربه الخاصّ به ميزانه وقانونه ، وكشف الله له من كلّ ~~مقام من المقامات النبوية الكمالية والدعوة الحقّة إلى الله مشهوره ومخزونه . # ولطالما تطاولت أعناق الهمم المتعالية المتغالبة إلى أسوار ، أسرارها وحسرت عن ~~سواعدها ، وحدقت بابصارها ، فتقاصرت عند تطاولها ، عن تناولها بأيد قصيرة ، وانقلبت ~~بأبصارها عن استجلاء أنوارها حسيرة . # فقنعت عن غور فوائدها ر ممّا تحت بحث معاني كلامه ، ومغاني بديع نظامه ، من حقائق ~~كثيرة ، ومعان خطيرة ، ودقائق خفيّة حفيّة ومستنيرة ، لا يظفر بها إلَّا من كان من ~~أمرها على بصيرة ، فإنّها لا تنال إلَّا بالكشف والإلهام ، وتجلَّي التعريف ~~والإعلام . # ولقد ندبنى إلى شرح معضلاتها وحلّ معقّدتها أكابر علماء الأعلام ، ورغب إليّ في ~~كشف مشكلاتها ، وتفصيل مجملاتها ، وتحصيل محتملات إشاراتها أقوام بعد أقوام . # وطلب إيضاحها واستشراحها من الأصحاب والأقران الكرام ، والأحباب والإخوان الأماجد ~~العظام كلّ إمام علام . # فكنت أكل في كلّ ذلك أمره إلى الله ، وأقدّم الاستخارة والاستجازة على سنّة أهل ~~الله ، عارفا بصعوبة اطَّلاع كلّ سالك على مسالك طريقه ، عالما بضيق عطف كلّ ذي ~~مقام ووطن عن اتّساع ممالك تحقيقه . # لارتفاع مآخذها ومشاربها عن أوكار الأفكار والأفهام ، وامتناع مداركها ومآربها عن ~~أكثر العقول والأوهام. # وربما استصغرني عن هذا الشأو كلّ مستكبر ، واستعظم ذلك عن قدري كلّ مستحقر مستهتر ~~، ويجلّ منزلته عن رواية مثله عنّي كلّ معجب بنفسه متكبّر . # ولا سيّما وأهل الزمان في هذا الطور الكشفي ، والتحقيق الشهودي الوهبي بين جاهل ~~بقدرة وبحقّه جاحد ، وبين مستشعر بعلوّ مكانته من وراء حجاب الفكر وعليه حاسد ، ~~فيستنكف في زعمه أن يصعب عليه حلَّه ، أو يرتفع عن حلّ مثله محلَّه . # ويغمض عليه كثره وقلَّه ، ويدقّ عن فهمه دقّه وجلَّه لأنّه في زعمه علم في علم ~~العربية بالموازين النظرية ، والقوانين المنطقية الحكمية . # وعليه مدار العلوم الطبيعية والرياضية ، مشار اليه في الأصول الإلهية وسائر ~~الفصول الحكمية . # وعليه مدار العلوم الكلامية والفقهية ، عالي الرواية في الأحاديث والأخبار ~~النبوية والآثار المصطفوية ، جامع دقائق التفاسير المأثورة ، حاوي حقائقها المشهورة ~~والمستورة . # وهذه هي أصول العلوم الكافية الوافية ، وعن أمراض أنواع الجهالات والضلالات هي ~~الشافية ، ولجميع الشكوك والشبه نافية . # فأنّى يخفى عليه ويبقى لديه من علوم الحقائق وإشارات الصوفيّة خافية باقية ؟ # ثمّ النفوس مع هذا مغراة بمعاداة ما تجهل ، مضرّاة بمناواة من ترى أنّه أفضل . # وهي مجبولة على مماراة من تتحقّق الفضيلة في مباراته ، لا بمداراة من تتبيّن ~~الشرف في مجاراته بالجدل. # وقد ظنّت الكمال في المنافسة في الأعلى والأكمل ، والمناقشة في الأولى والأمثل . # فكبّر كلّ كل أحد بما عنده من المعتقد ، الذي أول أوّلا برأيه ، وعوّل عليه ثانيا ~~واعتمد فحجب إمّا بالعجب عمّا لم يجد ، أو بالعجب بما أدرك في زعمه ووجد . # فهؤلاء ينكرون عليّ ما ينكرون ، أو يستكثرون ويتوهّمون عدم صحّة ما لا يفهمون . # " كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ "آية 14 سورة ~~المطففين. # ثم يوم القيامة " بَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ " آية 47 ~~سورة الزمر. # " بَلْ قُلُوبُهُمْ في غَمْرَةٍ من هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ من دُونِ ذلِكَ هُمْ ~~لَها عامِلُونَ " آية 63 سورة المؤمنون . # " كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ " آية 53 سورة المؤمنون . # فكلّ منهم على عبادة هواه عاكف ومقيم ، قد اتّخذ إلهه هواه وهو مليم ، يرغب عن ~~الصحيح القويم ، إلى المعتلّ السقيم ، وينكب عن الرجيح المستقيم ، إلى المختلّ ~~العقيم . # ويجنح إلى ما يرجّح في زعمه ومبلغ علمه ، فيهتمّ به وفيه يهيم ، ويحتجّ بما يختلج ~~في وهمه وغاية فهمه بتسهيل شيطانه الرجيم ، ولا يتذكَّر أنّ " فَوْقَ كُلِّ ذِي ~~عِلْمٍ عَلِيمٌ " آية 76 سورة يوسف. # " وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا به فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ " آية 11 سورة ~~الأحقاف . # هذا ، وإنّ لكلّ ذي فهم صحيح ، وصاحب بحث رجيح ، من ذوي القلوب وأرباب الألباب ، ~~في ظاهر عبارات هذا الكتاب . # وسائر إشاراته إلى سائر ما يحويه من اللباب فوائد كثيرة ، وزوائد عزيزة غريزة ، ~~يتوهّم بذلك أنّه على أوفر حظَّ ونصيب . # وأنّ سهمه في حقيقة الأمر مصيب ، وأنّ شعبه في شعب هذا المرتع المريع خصيب . # ولو رزق الاتّصاف بالإنصاف ، ورفق على الاستشراح والاستكشاف ، وجانب طريق ~~المجادلة والاعتساف ، ولم يصدفه عن التعلَّم بتعليم العلم صادف الاستنكاف ، ولم ~~يصرفه عن التسلَّم والتسليم صارف الخفّة والاستخفاف . # لفاز بالاطَّلاع والاستشراف على أشرف الأوصاف وأوصاف كلّ الأشراف ، وحاز جواهر ~~عوارف المعارف بالاعتراف ، عند الاغتراف عن بحور نحور معارف رجال الأعراف . # وتحقّق أنّ الوقوف على حقيقة المراد والفحوى ، بعيد والله عن مرمى أهل الرعونة ~~والدعوى ، وأنّ العثور على المعنى المعنيّ من كلّ لفظ ومعنى ، هو المقصد الأسهمى ~~والغاية القصوى . # فلمّا كان الأمر على ما ذكرت ، بكَّرت وفكَّرت في الإقدام على ملتمسهم ، والإحجام ~~على مقترحهم ، ونكَّرت وأقبلت وأدبرت وذكَّرت كلَّا منهم صعوبة ذلك . # وأنكرت واستكبرت ، وأخبرت إلى بعد ما خبرت الأمر ، واختبرت وتخيّرت تحيّرت ، فكلّ ~~منهم رماني بسهام ملامه ، وادّعى أنّه استعلم الأمر من عند علَّامه ، وأنّي آثم عند ~~الله إن أقصرت عن تعليمه أو قصّرت في إعلامه ، وأعرضت عن إيصاله إلى بغيته ومرامه . # فلمّا ألحّوا عليّ كلّ الإلحاح ، وأقبلوا عليّ بوجوه الحق الصراح ، في هذا ~~الاقتراح بالاستشراح ، فلم أجد مساغا ولا سبيلا إلى التصدّي للصدود والانتزاح ، ولا ~~مجالا ودليلا في تعدّي حدود الصلاح والاستصلاح. # فاستجرت بالله تعالى واستنجزت واستبصرت واستنصرت ، فأيّدت بروح منه ونصرت ، فشرعت ~~بحمد الله في بيانه بعد تبيانه . # ورشحت بشرحه في أوانه وإبّانه ، وسمحت بتعيين المقصود بعد عيانه ، واستفتحت ~~الكلام بلسان الفتّاح العلَّام ، واستنجحت كشّاف المشكلات على أتمّ نهج وأحسن نظام ~~. # وهو وليّ التعليم والإعلام ، والمليّ بحقائق الأفهام للإفهام ، بتجلَّي التعريف ~~والإلهام ، والموفّق لإتمام الكلام على أتمّ ختام . # والحمد لله أوّلا وآخرا وباطنا وظاهرا ، وعلى أكمل رسله أفضل صلاة وسلام . # تمهيد ذكر ألقاب شيخه صدر الدين القونوي # ولقد كان سيّدي وسندي وقدوتي إلى الله تعالى ، الإمام العلَّام ، علم العلماء ~~الأعلام ، شيخ مشايخ الإسلام ، حجّة الله في الأنام ، سلطان المحقّقين ، كهف ~~العارفين الواصلين. # ذخر العالمين بالله في العالمين ، إمام الورثة المحمدّيين ، مكمّل الأفراد والندر ~~من الأولاد الإلهيّين ، أبو المعالي ، صدر الحق والدين ، محيي الإسلام والمسلمين ، ~~محمد بن إسحاق بن محمد بن يوسف القونوي رضي الله عنه وأرضاه به منه . # شرح لي خطبة الكتاب وقد أظهر وارد الغيب عليه آياته ، ونفح النفس الرحمانيّ ~~بنفحاته ، واستغرق ظاهري وباطنى روح نسماته ، وفوح نفائس أنفاسه ونفثاته . # وتصرّف بباطنه الكريم تصرّفا عجيبا حاليا في باطني ، وأثّر تأثيرا كماليا في ~~راحلي وقاطني ، فأفهمني الله من ذلك مضمون الكتاب كلَّه في شرح الخطبة ، وألهمني ~~مصون مضمون أسراره عند هذه القربة . # فلمّا تحقّق الشيخ رضي الله عنه منّي ذلك . # وأنّ الأمر الإلهي وقع بموقعه من هنالك ، ذكر لي أنّه استشرح شيخنا المصنّف رضي ~~الله عنه هذا الكتاب ، فشرح له في خطبته لباب ما في الباب ، الأولي الألباب . # وأنّه رضي الله عنه تصرّف فيه تصرّفا غريبا علم بذلك مضمون الكتاب ، فسررت بهذه ~~الإشارة ، وعلمت أنّ لي أوفر حظَّ من تلك البشارة . # ثم أشار إليّ بشرحه ، وأمرني برعاية الطالب في ذلك ونصحه . # فكتبت عن أمره بمحضر منه شرح الخطبة في الحال ، على ما شرح بالمقال ، ورشح بالوقت ~~والحال ، امتثالا لأمره ، وإجلالا لقدره ، وفعالا بنفسه المبارك وحكمه ، وتيمّنا ~~بلطفه المتبرّك ، مستمدّا من علمه وسرّه ، وأودعت في ذلك مجملات القواعد والضوابط ~~الكلَّية ، وأمّهات الحكم والأسرار العلَّية الإلَّيّة ، وتفصّل المجمل في سرّي . # ثم أشغلني عن إتمام الشرح تفرّغي لأمره لا عن أمري ، وفجئتني أوامر الحق التي لا ~~رادّ لها من حيث أدري ومن حيث لا أدري ووكلت إليه أمر ذلك إلى أن يعيّن لذلك صفاء ~~وقت وحال من خلاصة عمري ، حتى توفّي الشيخ رضي الله عنه في بلاد الروم . # وانتقلت بعده إلى دار السلام ، وهجم الحقّ عليّ فيها كلّ الهجوم ، ولزمت باب ~~الانقطاع إلى الله والخلوة أيّ لزوم ! . # وفتح الله لي أبواب رحمته فيها أطلب وأروم ، ووفّقت على شرح بعضه بإلحاح بعض ~~الأفاضل ، ممّن له عليّ بذلك حقّ الفواضل . # ثم سافرنا من دار السلام ، قبل الإتمام ، ولم يرد بعد ذلك ، الوارد عليّ بالإلهام ~~للتمام والختام ، إلى أن آن أوانه ، وحان من عند الله إبّانه ، وأذن الله بإتمامه ~~على أكمل نظامه ، وأتمّ ختامه . # القصيدة الدالية : # مؤيّد لا يقنع بمشهود شاهد %~% ففي غيبه أقصى مقاصد قاصد # ولست بتال إن تجده بكلّ م %~% فقدت ، فقد حصّلت كلّ المقاصد # وكن صمديّ القصد أقصد مقصد %~% إلى الصمد القيّوم عزمة صامد # وشاهد تشاهد ، فالمشاهد جاهد %~% مشاهده مشهودة في المجاهد # فإن جذبة جدتك عن كل جاذب %~% وجادت بوصل فوق طوق المجاهد # فلا تكن وازن لما فوق طوره %~% ولا تتركن الجد واجهد وجاهد # وكن جامعا بين الوصولين واصل %~% بجذبة مجذوب مجاهد جاهد # وحاقق وحقق - إن تحققت شاهدة %~% لعينك من غیب۔ جميع الشواهد # فإن تتبين أن حق حقيقة %~% تعيين في مجلاك، فأثبت وشاهد # وأي تجل كان من أي حضرة %~% إلهية أو باطن الذات وارد # فحق لحق أن يقوم بحقه %~% أحق قیام قائما بالقواعد # وإن كان روحا، روح القلب ریحه %~% بروح وريحان وعين الفوائد # ونفس عن النفس النفيسة كربه %~% بأنفس أنفاس الوجود وساعد # فما النفس إلا أنفس النفس الذي %~% تنفسها الرحمن من نفس واجد # وإن هي أهوت للهوى يد بيعة %~% فعظها وتهنهها وخذ بالمراشد # وإن أولت من أول الأمر، سولت %~% كوعد لوعده في المواعد واعد # فلا تطمعن أو طمعن أن تطيعه %~% وتعطيها منك انقياد المعاضد # وإن كان روحاني أهل طريقن %~% فصدق وصادقه و واعد وعاود # وكن أنت نورا إن تروحت بينهم %~% وخل خلال الأنس وأنس وصاعد # وإن كان خدنا تابعا فمبایع %~% وإن كان شيطانا عنيدا، فعاند # فلا تله في لهو وله متأله %~% وباللهو لا توله ولا تتبالد # فكل تجل في تجل، وكل م %~% تراه تحل في تحل فشاهد # ولاته بالأشكال عن مشكل به %~% فهي للاشكال تشكیل واحد # نقوش واشكال تراءت كما ترى %~% على سطح وجه البحر كالمشاهد # وقل : موجد الأعدام وجدا بجوده ! %~% ومظهر أعيان الغيوب لشاهد ! # أعذني وعدلي بالعناية واعدلي %~% عدوّ عدوّ راصد لي مراصد # وكن لك بي كونا وكن في كناية %~% وكنني بلا كوني كما كنت واعدى # وكن ظاهرا بي ، باطنا لي بلا أن %~% أكن لك عين الكلّ والكلّ فاقدي # فإنّي امرؤ قد خمّر الله طينتي %~% بسرّ هواه قبل أوّل والدي # ألفت هواه قبل تأليف تالف %~% وخلَّد في خلد الحقائق خالدي # ولبي له قلبي ولبّى قبل أن %~% ينادى يناديه طريفي وتالدي # ومالي محيد عنه عذرا ولست عن %~% طريق الهوى العذريّ عمري بحائد # وعهدي به أنّي أهيم بحبّه %~% وفيّ وفى لي بعهد معاهد # عصيت عذولي طاعة لغرامه %~% فأسلم " شيطانى " وآمن "ماردي " # وعشق جرى في عرق روحي بقاصد %~% لقتلي ومن عرق بعينيّ قاصد # حشى في الحشى حاشاك يا جنّة المنى %~% جهنّم شوق للمواقد واقد # تنهّدت من شوق الذي أبدا معي %~% تنهّد مثلي ، لا لأجل النواهد # حضوري به حيّ وصبري ميّت %~% بشاهد طرف باهت غير راقد # حياتي بحيّ لا يموت ، وإن أمت ، %~% أمت بهواه وهو عيشى بحاشد # ومالي فداء بعد ما قد أفادني %~% فؤادا فئيدا فيه إن فاد فائدي # وإذ بحياة الحيّ حيّ حقيقتي %~% فلا بأس إن في حبّه باد بائدي # ولي غوص في الله عن كلّ مطلب %~% وما فاتني منّي به منه عائدي # تنهّدت لمّا انهدّ طوري بطوره %~% وينهدّ من أجلي ، أجل كلّ ناهد # سقى بعهاد الأنس معهد عهدن %~% ولم آنس إنسا بين تلك المعاهد # يقظت لإدراك النباهة لا ترى %~% لها أثرا عين غفت في المراقد # لئن طاف بي طيف الحبيب وعادني %~% فمن عادتي أنّ الوصيد وسائدي # فلو أرم وصلي بالتنزّل فجأة %~% فذلك مأمولي وأنهى مقاصدي # يصادفني عما سوى الحق صادف %~% بجانب صدقي كاذبات المواعد # وإن عرج الإسراء نحو حماه بي %~% عرجت ولم أرجع رجوع القواعد # فإني إذا أزمعت في السير نحوه %~% أسر لم أعرج بالنجوم الرواكد # فلو ساقني الإقبال نحو فنائه %~% وصلت إليه بقطع الفدافد # فشوقي إلى من كان بالأصل شائقي %~% وشوقي إليه سائقي وهو قائدي # وإن يتفق قصدي إليه وقصده %~% إلي لأصل الباعث المتوارد # فقد عاد عيدي جمعة والتقيته %~% منازله الأوساط للموافد # وإن القه فوق المواسط إنه %~% حتي تدلي الرب أكرم وافد # وإن القه دون المواسط إنه %~% تدان لدان بعد وهم التباعد # فخذها مقامات اللقاء مرتب %~% عليها تلقى ما يلقى لرائد # أخذت من العلام علمي، فماله %~% نفاد وما من عنده غير نافد # فرائد نفسي من فرائده وم %~% فرائد قوم من نفوس فرائد # فهم أخذوا عن ميت ميتا فل %~% صفاء ولا ماء مكاء لسامد # وعيدي جديد كل آن وإن أبت %~% عناكب ذبان أتت بقدائد # ومن عنده للعبد في كل لحظة %~% عوائد أنعام عليه عوائد # بقلبي ورأسي من گراس نوره %~% كراسي جبال راسخ غير مائد # وبصرني بالحق كل محقق %~% بصیر بأسرار الحقائق ناقد # وقيدت بالشرع المطهر حكمتي %~% وأطلقت عقلي عن عقال العقائد # ورضت سباع النفس علما فما طغت %~% وأمست أسارى في قيود القائد # بيت على علم الحقائق فهي لي %~% وبي إن أجادل دونه أو أجالد # وفي مهدها نيطت علي تمائمي %~% وعني بأيديها أميطت معاضدي # وإن أنا بالتحقيق ناضلت أمة %~% وناظرتهم فالكل فيد الطرائد # يناقض علمي جاهل بي بناقص %~% من الرأي في الرابي بما لم يضادد # فيجهل علمي أني عالم به %~% ويجهل جهلا عنده في التزايد # فاركب من علمي براق مشاهدي %~% ويركب في جهل ترب فاسد # تجاهلت للجهال علما بجهلهم %~% علي وعلم في ذوي الجهل كاسد # وناسبت اضدادي بودي وضد م %~% اتوا؛ إذ أبوا فضلي بفضل زوائد # بعيني أرى في ضد عيني مناسب %~% العيني وأنفي فيه عين مضاددي # وأشهد في الأضداد سر تماثل %~% وضدية لم تبد فيمن يواددي # ففي كل شيء كل شيء كما أرى %~% سرى الكل في كل بكل فوائد # ومن كادني ما كادني كاد أن %~% يعود إليه بي مكائد كئدي # فقد شد أزري الحق بالحق دونهم %~% وركني شديد عند شد الشدائد # لي العزة العظمی بربي، وذلتي %~% الذاتي بعيدا نيتي في المعائد # وإن يرض أرضا نور عيني لوطئه %~% سما في سماء العين أسماء صاعدي # ولي نفس خاف هو من الخوف خافت %~% على رمق من خشية الصد حامد # بماء حياة الوصل حادت سماؤه %~% على میت كالأرض بالذل هامد # أذلل نفسي لا لذلي؛ فإنني %~% مشاهد عز في أعز مشاهد # جميع الأماني من وصالي واصلي %~% وكل مراد من م رادي رائد # وأعطى سرير الملك قوما وإن أرد %~% سلبتهم تيجانهم بالمعاقد # مناهل س ري بالتجلي أواهل %~% صفت أو ضفت منها موارد وارد # يريد بأني لا أريد وإن أرد …… يرد مرادي من جميع الموارد # روي عطاش الكشف فيض صبابتي …… ويشبع غرثى العلم فضل مزاود # أقيد بالتقييد أيدي تصرفي …… وأطلق بالإطلاق ألن حامدي # فشف آذان الزمان قصائدي …… وشرف أجياد الوجود قلائدي # بطبع كماء السلسبيل سلاسة …… وفكر كفعل النار للماء عاقد # جريدة قد جردتها لخرائد …… وأبكار أفكار تزین جرائدي # وإن حنت بالحسن كل خريدة …… لقد حست حسن الحسان خرائدي # وواسطة للعقد كل فريدة …… فرادى لأفراد الورى من فرائدي # وشاد بإنشاد تشيدي يشدد …… لأركان بنيان المعارف شائد # ومن صادر مني إلي و وارد …… برائد غیب نحو عيني برائد # ورأس برأسي أن بين حقائقي …… دقائق فرق راودتها مراودي # فلو صورتاژوح شريف منور …… وجسم نحیف كاسف اللون كامد # ومن حيث إني برزخ لحقائقي …… على طرفي شطري لست بزائد # ومطرد مي انعكاس أشعتي …… علي بنور للضلالات طارد # لأني بإنسانيتي وحقيقتي …… مع أعيان الشهود الشواهد # وإني لذات الذات إنسان عينه …… وناظر عين العالم المتوالد # ولدت أبي من قبل أمي وأمه …… وأنكحتها إياه حين توالدي # وقد خال عمي أنني ابن أخ له …… ألم يدر أني جد ام الموالد؟ # وإني أبو الآباء قبل بوتي …… لهم وهم في نشأة لي ولائدي # وكنت أبا للأمهات وجده …… وبعلي وعرسي إن فهمت مقاصدي # وأرضعني الرحمن من ضرع نوره …… وتربيتي في حجره ومقاعدي # وإذ قمت بالفيوم قامت قيامتي …… وقل بحد الجد عقد تقاعدي # وهل يغلب الورقاء مني عقابه …. وعنقاء قافي في شراك المصائد؟ # ومن يتفكير في عواقب أمره …. بدافي مباديه بوادي المراشد # أردت ارتياد الاصطياد وإنني …. أرى الصيد في جوف المصائد صائدي # ضنيت فأغناني الضني عن مراقبي …. فليس يراني مدبرا في عيون حواسدي # فأخفي مكاني خلف ع حجابه …. فلم اتبين في عيون حواسدي # محا اسمي ورسمي والمسمى هو اسمه …. وذا الرسم وسم في أصح المواجد # وقد فنيت إني في هوية …. إحاطية ذاتية لم تشاهد # هويته بقي فناء هويتي …. فإني به فيه عدیم الواجد # فكلي كقلب للتجلي مؤهل …. بكل تحل للتحلي معاقد # يسمع لأقوال الحقائق منصت …. وطرف لآيات الوجود مشاهد # حضوري بقلب فيه عني غائب …. وشاهد طرف شاخص فيه شاهد # بعيني حمدت الحق من حيث حمده …. له مطلقا من كل حمد وحامد # وكل مديحي في سواه فإنه …. له وهو أبهی مقصدي في قصائدي # هداي ضلالي فيه عني وغيره …. فلا يهتدي نحوي مدارك ناشدي # يصل إليه بي بعين صلاته …. علي فمعبودي له عين عابدي # قيامي به عين الركوع وإنه …. تشهد مسجودي على عين ساجدي # فيشهدني فيه بعيني عينه …. ويشهده بي عين غيبي وشاهدي # وأشهده عين الشهادة شاهد …. وعين عيون الغيب فانظر شاهد # وأجمع بين المشهدين بجمعه …. وإطلاقه عن قيد إطلاق عاقد # وإن ينحصرني أمهات مشاهدي …. فلا يتناهی فیضه بالزوائد # كاني وإياه بجمع حقيقة …. إحاطية في واحد ضرب واحد # سلالة سلسال من الماء سال في …. إناء من النور المجد جامد # ومتحد أبصارنا ببصائر …. الإبصار وجه الحق حقا حدائد # وإني ونور لاری متبرقع …. بسبعين ألفا من حجاب و زائد # سوى أنه قد أخرقت سبحاته …. فلا شيء منها عن شهود بزائد # وليس لنا لبس للبس ملابس ….. يلابس لبس بعد لبس جدائد # فمالي حجاب عنه وهو مواجهي ……. بوجه محيط بالجهات مراود # فكلي عيون شاهدات وكله …… وجوه تجل لايغيب وشاهد # يحدثني طول النهار وإنه …… سيأمرني طول الليالي الخوالد # وكلي له عند الحديث مسامع ….. بكل قلوب في تلقي الموارد # وكلي لسان إن اقل عنه أو به ….. بكل ثناء فيه كل المحامد # وقدر علينا كل ليل بوجهه …… ولي كل يوم منه بالعيد عائد # فحمدا له دوا وعودا وعائد ….. إليه جميع الحمد من كل حامد # هذه الغراء الدالية، صدرتها في هذا الشرح كالعلاوة. # وفيها من غرائب المعاني ولطائف الإشارات والعبارات البديعة ما لا يخفى على ~~المتأمل المحقق والمستبصر المدقق. # وتتضمن أحوال أذواق التوحيد المذكورة في هذا الكتاب من مشارب مخمل الأنبياء ~~المذكورين . # وغير ذلك مما يختص بالمشرب الكمالي الجمعي الأحدي المحمدي الختمي. # وتستكشف ما أشكل منها من الحواشي التي ربما أومأنا إليها بها، إن شاء الله تعالى. # وقد حان أن نشرع في شرح خطبة الكتاب ، وما تحويه من الخلاصة واللباب. # وقد ذكرت في كل كلمة كلمة من متن الخطبة مباحث كثيرة، وعلومة عزيزة خطيرة، وقواعد ~~مهمة جليلة علمية، وضوابط كلية جلية. # وذلك في نفسه بمفرده كتاب جامع ، وبحر واسع، والله الموفق للطالب المؤمل، والراغب ~~في التدبر والتأمل. # على ما دسست في خباياه، وضمنت مطاويه من الأسرار، لأولي الأيدي والأبصار، وأرباب ~~الاعتبار والاستبصار . # والحمد لله أولا وآخرا وباطنا وظاهرا وجامعا محيطا حاصرا. # وصلى الله على الصفوة من عباده كافة، وعلى محمد خاتم الرسل، وفاتح الأبواب ~~والسبل، وآله الطيبين الطاهرين، وإخوانه الكاملین، والصحابة أجمعين، والتابعين لهم ~~في السنة المحمدية المطهرة إلى يوم الدين خاصة . # . ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | البحث الأوّل من مباحث خطبة الكتاب "في الحمد" للشارح مؤيد الدين قبل البدء ~~بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قال الشيخ رضي الله عنه : « الحمد لله منزل الحكم ، على قلوب الكلم ، بأحديّة ~~الطريق الأمم ، من المقام الأقدم ، وإن اختلفت النحل والملل لاختلاف الأمم ، وصلَّى ~~الله على ممدّ الهمم ، من خزائن الجود والكرم ، بالقيل الأقوم ، محمّد وآله وسلَّم ~~» . # قال المؤيّد رحمه الله : # في خطبة الكتاب ستّ عشرة كلمة تحتوي على مثلها مباحث كلَّية . # وإن استلزمت مباحث أخر ضمنيّة تفصيليّة على ما سيرد عليك ذكرها ، وينكشف عند ~~التدبّر والتأمّل سرّها . # التفصيل في مباحث خطبة الكتاب # البحث الأوّل من مباحث خطبة الكتاب في الحمد # الأوّل منها في الحمد وفيه عشرة أبحاث - يتضمّن العاشر منها عشرة - : # البحث الأوّل : في حقيقة الحمد وتعريفه # اعلم أيّدك الله بروح منه : أنّ الحمد في عرف التحقيق تعريف المحمود بنعوت الكمال ~~، وذكره للمخاطب بما هو عليه من الفضائل ومحاسن الخصال ، فكلّ حمد من كلّ حامد على ~~كلّ محمود تعريف للحامد من المحمود بما يستحقّه ، وذكر له بفضائل هي خلقه وحقّه . # كقولك : « إنّ زيدا عالم ، عادل ، حكيم ، جواد ، كريم » . فعرّفته بالعلم والحكمة ~~والعدل والجود والكرم ، عند المخاطب . # البحث الثاني : في تقاسيم الحمد # وهو ينقسم بالقسمة الأولى إلى قسمين : # أحدهما : أن يكون الحامد هو الحقّ . # والثاني : أن يكون الحامد هو الخلق . # ثمّ إنّ كلّ واحد من القسمين ينقسم إلى قسمين # بأن يكون المحمود في كلّ واحد منهما أيضا هو الحقّ أو الخلق كذلك . # فإن كان الحامد والمحمود هو الحقّ ، فهو سبحانه يحمد نفسه لنفسه من حيثيّتين أو ~~حيثيات ، فيكون معرّفا في حضرة أو مرتبة لنفسه من حيث ظهوره في أخرى. # فهو يحمد نفسه ويعرّفها بما يستحقّه من الكمالات الذاتية والإلهية والأسمائية ~~وغيرها . # وفي هذا القسم مباحث : # البحث الثالث # وهو أن يحمد نفسه من حيث هويّته العينيّة واللاتعيّنيّة ، وإطلاقه وغيب ذاته غيبة ~~الغيبيّة ، ويتّحد الحمد والحامد والمحمود في هذا المقام . # ويستحيل تعقّل تميّز الحامد عن الحمد والمحمود ، إذ لا لسان فيه ، ولا وصف ولا ~~نعت ولا حكم أصلا ، لقهر الأحدية الذاتية كثرة في تميّز الحمد عن الحامد والمحمود ، ~~وغاية العبارة الإشارة إلى التعريف . # والحمد الخاصّ بهذه المرتبة هو بكمال الإطلاق عن كلّ تعيّن ونسبة ، وأنّه الكامل ~~بالذات على الإطلاق . # وقد يقال : # إنّه لأحمد من هذه المرتبة ، والمراد نفي النعت ، وسلب تميّز الحمد عن الحامد ~~والمحمود . # والحقّ أنّه يعرّف ويحمد بإطلاق حمد الحمد الذاتي المطلق مجملا كما مرّ بلا تفصيل ~~، فافهم . # البحث الرابع # حمده -سبحانه نفسه من حيث تعيّنه الأوّل ، المحيط بجميع التعيّنات . # فحمده له فيه تعريف وحمد مستغرق جميع المحامد ، ويستوعب جميع المحاسن والكمالات ، ~~ويحيط بسائر الفضائل والنعوت تماما ، وأنّه منه تنبعث الكمالات والمحامد ، وينفصل ~~آخر ما يتحصّل ، وفيه يتّحد في الأوّل ويتأصّل . # وهو تعريف وحمد ذاتي للذات ، في أعلى مراتب حمد الحمد القائم بالذات ، تعالت ~~وتقدّست فهو يحمد ذاته المطلقة بعين تعيّنه أوّلا . # ويعرّفها بأنّها أصله لأنّ التعيّن بحقيقته يدلّ على أنّه مسبوق باللاتعيّن ، ~~وأنّ وراءه ما لا يتعيّن ، ويعظم أن تعيّن أو تبيّن . # ومنه ظهر المتعيّن ويعيّن ويميّز من وجه عن ذلك الأصل وتبيّن فيعرّف ذاته المطلقة ~~في هذا المقام بمحامد سلبية وكمالات تنزيهية ، ويعرّف ذاته المتعيّنة بالتعيّن ~~الأوّل بأحديّة جمع جميع الكمالات الثبوتية والسلبية ، فافهم . # البحث الخامس # هو حمده سبحانه ذاته بعلمه الذاتي بأنّ جميع الكمالات والنعوت والأسماء والصفات ~~والنسب والإضافات على التعيين والتفصيل ثابتة له كلّ الإثبات . # والمحامد من هذه المرتبة صفاتية ، وفيما فوقها ذاتية ، في تعرّف نفسه بكشفه ~~وإحاطته بجميع التعيّنات العلمية على التمييز والتعيين حسب المعلومات . # وأنّه هو المعلوم الحقيقي المتعيّن في أعيان المعلومات ، فيعرّف ويحمد ذاته بأنّه ~~محيط بعلمه الذاتي بما يعلم منه ، ومحيط إحاطة ذاتية بعلم ما لا يعلم ولا يحاط به ~~بأنّه كذلك لا يعلم ولا يحاط به . # البحث السادس # هو أن يحمد الحقّ ويعرّف ذاته ، بحقائق ذاته ، ويعرّف أيضا حقائق ذاته بذاته جمعا ~~وفرادى بأنّ ذاته أحدية جمعها ، وأنّها شؤونه الذاتية وحقائق تفاصيل كمالاته ~~الذاتية . # وأنّها في الذات عينها ، فهي هي فيها على الأحدية . # وأنّه فيها أي في حقائق ذاته أو شؤون ذاته متكثّر الأسماء والصفات والنعوت ~~والإضافات ، وأنّ جميعها ثابتة له على أكمل وجوه الإثبات عند العلماء الأثبات . # البحث السابع # حمد الحقّ حقائقه المؤثّرة الفعّالة الوجوبية - وهي أسماء الألوهية والربوبية – ~~بأنّها هي المؤثّرة في الكائنات ، وأنّ الألوهية والربوبية تثبت للذات بحقائق هذه ~~النسب والصفات . # فهي أركان الألوهية وقواعد بنيان الربوبية وربّات الحقائق الانفعالية الإمكانية . # وكذا يعرّف ويحمد أيضا بحقائق الوجوب والفعل والتأثير حقائق الانفعال والتأثّرات ~~الكيانية بأنّها مجال تجلَّياتها ، ومحالّ تنزّلاتها ، ومظاهر تعيّناتها ، وحقائق ~~متعلَّقاتها ، وأنّ تحقّق جميع هذه النسب الربانية يتوقّف على هذه الحقائق الكيانية ~~. # البحث الثامن # أن يحمد الحقّ هذه الحقائق كلَّها بأنّها أحواله الذاتية ، وشئونه العينية ~~النفسية ، ونسبه الغيبية الإنّيّة ، وهي فيه عينه لا تتميّز عنه ولا تغايره ولا ~~توجب كثرة منافية لأحدية الذات . # ولا ظهور ولا تعيّن للذات إلَّا بها وفيها وبحسبها أزلا وأبدا ، وأنّ ظهور الذات ~~بها متنوّع التعيّن ، وتجلَّي الوجود فيها مختلف التميّز والتبيّن . # وكذلك توحّدها في الذات واستهلاكها في أحديتها ذاتيّ للذات ، اقتضت بحقيقتها ~~الأمرين معا ، فهما ثابتان له أزلا وأبدا عند التفات الأثبات . # البحث التاسع # هو حمد الحقّ من كونه عين الوجود الظاهر المشهود نفسه من كونه باطنا لأنّه عين ~~الظاهر والباطن فهو سبحانه يحمد بظاهريته ومظهريته التي هي مجلى لغيبه فهو بإنّيّته ~~الظاهرة التفصيلية المتعيّنة بإنّيّات الموجودات . # يعرّف ويحمد هويّاته الباطنة الغيبية العينيّة ، وكذلك يعرّف ويحمد بكلّ عين عين ~~من الأعيان - الغيبية المعنوية الثابتة في عرصة العلم الذاتي الأزلي . # مظاهره ومرائيه ومناظره ومجاليه الخصيصة بها في الوجود بأنّها صور أنانيّاتها ، ~~وأنّ الأعيان وإن كانت معاني هويّات تلك الأنانيّات فإنّها صور إنّيّات الذات ~~الغيبيّة ، فافهم . # وافرق بين التاسع والثامن ، ولا يعسر عليك إن شاء الله تعالى . # البحث العاشر # مشتمل على أقسام حمد الخلق للحق ، وحمد الحق خلقه من كونه خلقا و « سوى » بثبوت ~~ما به امتياز مرتبة الخلقية عن مرتبة الحقّيّة الواجبيّة الربّانية . # بثبوت الافتقار الذاتي للخلق ، وثبوت وجوب الوجود بالذات لمرتبة الألوهية ، وهو ~~القسم الثاني من التقسيم الأوّل ، أخّرناه ليتمّ أقسام القسم الأوّل . # والتقسيم الكلَّي الحاصر للحمد في هذا التقسيم من خمسة أوجه في جانب الحقّ ، ~~وجانب الخلق كذلك بمثله وهي أمّهات الحضرات الخمس الأخر - : # ا لأوّل : من حيث عالم المعاني وهي صور معلوميّات الأشياء لله تعالى ومعنويّاتها ~~أزلا ، ويسمّيها أهل الله الأعيان الثابتة . # ومحامد هذه المعاني والحقائق للحق تكون بألسنتها الغيبية واستعداداتها غير ~~المجعولة وخصوصياتها الحقيقية بأنّها شؤونه المعنوية . # وأنّ الحق مسمّى بها وظاهر فيها بحسبه كما مرّ وأنّها معيّنات الأسماء الإلهيّة ~~الوجوبية ، ونسب الربوبية ، ويختلف هذا القسم بمقتضى خصوصيات الأعيان . # الثاني : حمد الحق لعالم الأرواح وتعريفها وحمدها للحق يكون بالتنزيه والتسبيح ~~والتقديس والطهارة والوحدة والبساطة والشرف والنورية طردا وعكسا ، جمعا وفرادى ، ~~كقوله : سبحان الله ، وسبّوح قدّوس ، ربّ الملائكة والروح . ومثله . # الثالث : من حيث عالم المثال وصوره ومحامده للحق ومحامد الحق لها فيه إنّما تكون ~~بتجسيد التجلَّيات ، وتشخيص الأعيان المعنويات ، وتصوير الأسماء والصفات ، وإظهار ~~المعاني والأرواح متمثّلات في الأشكال والهيئات بأنّ لها قوّة التجسّد والتشكَّل ~~والتمثّل محسوسة كالجسمانيات والتحيّزات وإن لم يكن كذلك في الذوات . # الرابع : محامد الأرواح والمعاني للحق ، ومحامد الحق لها أيضا بتمثيلها وتشكيله # المشاهد بأنّها أشكال شئوناتها ، وصورها المعنوية العقلية بحسب اللوازم ولوازم ~~اللوازم بما بينها من المناسبات والمباينات والنسب والإضافات وصور الجمعيات ، ~~ولكنّها مقيّدة بالقوّة المتخيّلة في الحسّ المشترك من كلّ حيوان له قوّة التخيّل ~~والتصوّر . # والفرق بين الأوّل والثاني أنّ الأوّل صور تمثيلية وأشكال وهيئات أول يتمثّل ~~ويتنزّل فيها الأرواح والمعاني والتجلَّيات بحقائقها وبأنفسها هي لها قوالب وهياكل ~~روحانية ونورانية بخصوص مقتضياتها ، لا بالنسبة إلى الشاهد ، وفي حسّه المشترك . # وفي الثاني بحسب المتخيّل ومرتبته وشهوده . # الخامس : عالم الأجسام والجسمانيات ، وهي جمعا وفرادى تحمد الحقّ بذواتها ~~ووجوداتها ومراتبها وأرواحها وقواها وألسنة أحوالها واستعداداتها بموجب علوم ومعارف ~~آتاها الله وتعريفاتها للحق بالكمالات الثبوتية الوجودية الخصيصة بالجسمية الكلَّية ~~وبكلّ جسم جسم منها وبكلّ موجود موجود من المتحيّزات الجسمانية . # والوجودات الخلقية الكيانية من حيث حقائقها ومعانيها ، ومن حيث أرواحها ومثانيها ~~روحيّها وعقليّها ونفسيّها ونوريّة معانيها . # ومن حيث تمثّلاتها وتشخّصاتها وتجسّداتها الروحانية ومبانيها المثالية العقلية ~~النورانية والمثالية والخيالية والجسمانية طبيعيّها وعنصريّها تحمد الحقّ وتعرّفه ~~بذواتها ومراتبها وأفعالها وأحوالها ونسبها وإضافاتها دائما . # والنوع الإنساني بأنواع لغاتها وتسبيحاتها وتحميداتها وتمجيداتها وتهليلاتها ~~وتكبيراتها أيضا يعرّف الحق ويحمده على ما عرفت وقد دوّن في ذلك الكتب . # وتعريف ذواتها وحمدها للحق يكون من وجهين : # أحدهما : بتنزيه الحق وتقديسه عن خصائص النقائص التي هي عليها من حيث كونه غنيّا ~~عن العالمين ، وسلبها عنه . # والثاني : تعريفه ونعته تعالى بما هي عليه من أنفسها وأعيانها من الكمالات ~~الخصيصة بأنّها ثابتة له من حيث هي على الوجه الأكمل . # فهذه أمّهات تحميدات الموجودات بألسنة مراتبها الكلية الوجودية للحق ، وتعريف ~~الحق لهم بأنّها ملابس نوره ومرايا ترائي وجهه وشعوره وقصور حوره. # ولو شرعت في التعديد والتفصيل ، لأدّي إلى التطويل . # وهذه إشارات كلَّية إجمالية إلى أقسام الحمد وأنواع المحامد مشحونة في مطاوي ~~الكتب المنزلة كالصحف والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان . # وفي الأحاديث والأخبار والقصص والآثار ، وفي الدعوات المأثورة ، والأقسام ~~والكمالات النبوية المنقولة المشهورة ، وذلك أمر لو سكتّ عنه كيفيّته فسكتنا عن ~~إيرادها في هذا الكتاب وتعدادها . # ومن جملة هذا القسم حمد الخلائق بعضها للبعض وتعريفها عرفا بالمدح والثناء . # وذلك أيضا تعريف لذلك المثنى عليه بفضائل خصيصة به ، وأقسامها أيضا مع كثرتها ~~وعدم تناهيها مشهورة مذكورة ولا حاجة بنا إلى تحديدها وتعديدها . # وفي مشرب الكمال كلّ ذلك حمد للحق من الحق من حيث كون الحق باعتبار الوجود الظاهر ~~بالكلّ في الكلّ - عين الكلّ -فافهم . # كما قلنا شعر : # وكلّ مديح في سواه فإنّه له %~% وهو أنهى مقصدي في قصائدي # وقد تمّت المباحث العشرة التي يتضمّن العاشر منها عشرة ولم يذكره . # وذلك أنّ المحامد الكلَّية الخلقية تنضاف إلى الخلق من كون الخلق حامدا للحق ~~ولبعضه من البعض من حيث هذه الحضرات الخمس . # فمن قبل الخلق خمس مراتب حمدية ، ومن جهة الحق المتعيّن بالوجود الخلق في كلّ عين ~~عين من الأعيان الخلقية - لها خمس أخرى . # فكل واحدة من حقيقتي الحق والخلق الظاهر كلّ منهما بكلّ منهما تحمد الأخرى ~~وتعرّفها بما هي عليه من المحامد . # وأمّا العاشر المحيط بالعشرة فهو حمد الحمد القائم بالحق والإنسان الكامل في كلّ ~~عصر . # وبيان ذلك : # أنّ كلّ كمال ظاهر وقائم بالحق أو الخلق والإنسان الكامل في الذات والأسماء ~~والصفات والأحوال والأخلاق والنسب والإضافات في جميع المواطن والمراتب والمقامات ~~يحمد ويعرّف من قام به بنفس قيامه به . # وليس كلّ ذلك بأمر زائد على سرّ التجلَّي الإلهي الجمعي الأحدي ، الذي ظهر ~~بالإنسان الكامل الجامع الواحد جمعا أحديّا وتفصيلا جمعيّا قرآنيا . # وبالإنسان المفصّل الفرقاني ، الذي هو العالم جمعا وفرادى بموجب الحضرات ~~الأسمائية وبمقتضى النسب العلمية والشؤون التي هي الأعيان الثابتة . # فيكون كل واحد من الإنسان الكامل الجامع والعالم حامدا ومثنيا على الحق وعلى كل ~~واحد منهما جمعا وفرادى ، إجمالا وتفصيلا من كل واحد وبكل اعتبار بنفس الدلالة على ~~أصل منبعه ومنبعث مهيعه من الجناب الإلهي . # ومعرّفا للحق من تلك الجهة وذلك الاعتبار إمّا تفصيلا وجوديا في العالم من مفردات ~~الوجود وفي كلّ عين عين من أعيان العالم ، وإمّا باعتبار أحدية جمع الجمع الكمالي ~~الإنساني في الإنسان الكامل مدّة في مقامات المضاهاة العظمى والمثليّة المثلى. # من حيث ظهوره بالصورة الإلهية ، وهي أمانة الله عنده ، حملها الإنسان حيث قصر ~~وعجز عن حملها غيره من الموجودات الكونية ، كما قال عزّ من قائل" إِنَّا عَرَضْنَا ~~الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ " وهي كلّ من له سموّ من المراتب الكلية " وَالأَرْضِ ~~" وهي السفلى " وَالْجِبالِ " وهي التعيّنات العالية " فَأَبَيْنَ أَنْ ~~يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الإِنْسانُ " . # وثانيا كرّة أخرى عن مقام المباهاة الكبرى ، التي ظهر بها الإنسان الكامل أيضا من ~~حيث ظهوره بكل كمال ونعت وصفة وحكم تعيّن في العالم في الفرق . # فإنّه ظهر به وفيه على الوجه الأكمل الأجمع ، ومن حيث ظهوره بنقائص أيضا هي نقائض ~~الكمالات المذكورة آنفا . # فحمده التفصيلي هو أنّ كلّ حقيقة حقيقة من حقائق ذاته روحا ونفسا وقلبا وسرّا ~~وجسما وكلّ لازم وقوّة ونعت وحكم لكلّ من ذلك . # بما ينطوي عليها ذاته ويحتوي عليها نشأته يحمد الحقّ ويعرّفه من حيث الاسم الإلهي ~~، الذي تستند إليه تلك الحقيقة أو القوّة أو الصفة وغيرها ، وترتبط به من خشيته وبه ~~ظهر فيه وتعيّن الوجود الحق . # وحمده وتعريفه له بكل منها بالألسنة الخمسة المذكورة وهي : # لسان الذات ، ولسان المرتبة ، ولسان الحال ، ولسان الاستعداد ، ولسان أحدية جمعه ~~الكمالي ، فمحيط وجامع بجميع دلالات الأسماء والصفات والعوالم والحضرات والنسب ~~المرتبيّة والإضافات بمحامد لا تتناهى ، ويسمّى حمد الحمد من مقام أحدية جمع الجمع ~~الكمالي الإنساني ، فافهم . # وذلك أنّه لمّا كانت التجلَّيات الذاتيّة والإلهية والرحمانية دائمة الوصول ~~بأجناس النعم وأنواع العطايا وأصناف المواهب إلى الإنسان الكامل من جميع المراتب ~~الذاتية والأسمائية . # تعيّنت هذه النعم والآلاء من لسان أحدية جمع الجمع الكمالي الذي للإنسان الكامل ~~حمدا كلَّيا إحاطيّا كماليّا جامعا لجميع المحامد بنفس قيامها وظهورها به وفيه في ~~مقابلة تلك النعم والمواهب المحيطة الأحدية الجمعية ، من حيث إنّه بالذات والمرتبة ~~والوجود محمد ويعرّف الحق ويعرفه بالحق والعالم وبه معرفة وحمدا وتعريفا جامعا بين ~~الحمدين دائما في كل حالة ، لا في حالتين ، وعن هذا الحمد يعبّر بحمد الحمد . # فافهم والله الموفّق. # تتمّة للمباحث الحمدية # منها : أنّ جميع هذه المحامد إن كان - مقيّدا أو متعيّنا من المحامد في مقابلة ما ~~وصل إليه ومجازاة ما أنعم الله عليه من النعماء والآلاء بالمشار إليها من حيث كليات ~~مراتبها ، فإنّه يخصّ ب « الشكر » . # وإن لم يكن في مقابلة شيء منها ولا معاوضة ولا مجازاة - كما مرّ - بل حمدا ~~وتعريفا بما هو عليه من الكمالات والفضائل والاستحقاق والأهلية ، فإنّه يخصّ بلفظ « ~~الحمد » . # وإن كان من خلق ثناء وتعريفا لخلق آخر من حيث خلقيته ، يسمّى « مدحا » إن كان بما ~~هو فيه من الكمالات ، وإن كان بما ليس فيه ، فذلك « مده » بالهاء . # ومنها : # أنّ تعريف كلّ معرّف وحمد كل حامد باللسان والقلب قصدا لكلّ من يحمده ويعرّفه ~~إنّما يكون بحسب معرفته به أوّلا ، حتى يتأتّى له التعريف به عند من لا معرفة له ~~بالمحمود ، وتعريفا بمعرفته بالمحمود ثانيا . # فكلّ من كانت معرفته بالله أتمّ وأكمل ، كان حمده له أتمّ وأفضل وأعمّ وأشمل ، ~~وتفاضل الحامدين المعرّفين لله في محامدهم وتعريفاتهم بحسب تفاوت معرفتهم بالله . # فحامد له تعالى من حضرة أو حضرتين أو أكثر بحسب جمعيّته الإنسانية . # والحمد الأكمل المحيط الأشمل هو لأكمل الناس من حيث الحق وبه ، أو حمد الحق لنفسه ~~من حيث هذا الكامل جمعا وفرادى ، كما مرّ . فتذكَّر . # ومنه أنّ الحمد على أنحاء ثلاثة : # فإن كان بصفة تنزيه ، فهو « تسبيح » . # وإن كان بصفة ثبوت ، فهو « الحمد » . # وإن كان بصفة فعل ، فهو « شكر » . # فإنّ حمد كل حامد وتعريفه للمحمود إمّا أن يكون بصفة تنزيه ، أو صفة ثبوتية قائمة ~~بالمحمود يستحسنها الحامد فيعرّف المحمود بها . # أو يحمده بصفة فعل ، وعلى أيّ نحو كان فإنّه لسان من ألسنة الكمال ، يشير إلى ~~كمال في المحمود قصد الحامد إظهاره أوّلا ، وإلى معرفة الحامد به كما مرّ ثانيا . # وفي الآخر إلى كمال غايتي قصد الحامد والإخبار به ، فيقع التصديق بصحّة ما أخبر ، ~~ببرهان وحجّة . # ومنها : # أنّ الحمد من حيث إطلاقه لا لسان له إلَّا لسان الذات من كون كل واحد من الحامد ~~والمحمود والحمد عين الآخر . # كما مرّ فلا يقع حمد مطلق من حامد إلَّا لفظا ، وإن أضيف الحمد المطلق إلى الاسم ~~الجامع وهو « الله » فلا يكون ذلك إلَّا من حيث حضرة خاصّة من حضرات الأسماء . # وذلك لأنّ الإطلاق الحقيقيّ هو الذي لأحدية جمع الجمع ، والإطلاق يقتضي سقوط ~~النسب والإضافات ، ويفضي إلى استهلاك الأسماء والصفات . # واضمحلال سائر الإشارات والعبارات الثبوتية والسلبية ، فلا حمد فيه ولا اسم ولا ~~صفة ولا رسم ، بل الذات مطلقة عن جميع الاعتبارات الثبوتية والسلبية . # وهذا وإن كان معرفة وتعريفا فإنّه آخر مراتب العلم والمعرفة بالله إجمالا كما مرّ ~~، فافهم . # وإن قلنا : « الحمد لله » مطلقا من غير تقييد ، فإنّ حال الحامد حين الحمد يقيّد ~~الحمد ولا بدّ ، فلا يبقى إلَّا إطلاق اللفظ . # ومنها : # أنّ تعريف الحامد بحمد لله يكون بذاته ، أو بمرتبته ، أو بوجوده ، أو بأحدية جمع ~~المرتبة والوجود ، وأحدية جمع الجمع . # فمرتبة الحق : الألوهية ووجوب الوجود الذاتي والفعل والتأثير والسلطان . # ومرتبة الخلق : العبودية والافتقار والانفعال والتأثّر وامتثال الأوامر والنواهي ~~، وتعيّن الوجود في كل مرتبة بحسبها . # فهي حامدة ومعرّفة لأصلها الذي منه انبعثت وهو التعيّن الأوّل وحقيقة الحقائق ~~الكبرى ، فافهم . # ونختم الكلام على أسرار الحمد ، وكلّ هذه المباحث في لفظ « الحمد » . # وحان لنا أن نشرع الآن في العلوم والأسرار والمباحث التي يحتوي عليها البحث ~~الثاني من المباحث الستّة عشر على ما بنينا عليه . # . ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | البحث الثاني من مباحث خطبة الكتاب تحقيق في وجوه تسمية اسم "الله" .للشارح ~~مؤيد الدين قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # الجزء الأول # فنقول : # الاسم « الله » ويكنى عنه في عرف أهل الطريق ب « الجلالة » ، تعظيما لذكره فيه من ~~أمّهات القواعد وكلَّيات الضوابط والأصول التي نذكر ها هن # أبحاث عشرة : # الأوّل : في الاختلاف الوارد بين علماء الرسوم # ذهب الخليل وسيبويه والمبرّد من علماء العربية إلى أنّه اسم علم للذات . # ومن علماء الشريعة أبو حنيفة والشافعي والغزّالي والإمام محمّد بن عمر الخطيب ~~الرازي وأبو زيد البلخيّ والقفّال الشاشيّ والخطَّابي من المتكلَّمة والنظَّار - ~~رحمة الله عليهم - إلى أنّه علم . # وكلَّهم اختاروا القول بعلميّته . # ثم اختلفوا في أنّه عربي أو عبري فذهب أبو زيد وجماعة من المتكلَّمين إلى أنّه ~~مأخوذ من اللغة العبرانية لأنّ اليهود والنصارى يقولون في الاسم العلم « إلها » ~~فحذفت العرب الألف التي بعد الهاء طلبا للتخفيف ، كما فعلوا في " اليوم " و " النور ~~" و " الروح " فإنّها أيضا منقولة من اللغة العبرانية وكانت " نورا " و " يوما " و ~~" روحا " # فحذفوا الألفات من هذه الكلمات ، فقالوا فيها : # " يوم " # و " # نور # " و " # روح # " . # وبطلان ما ذهبوا إليه بيّن لأنّا نقول : # لا نسلَّم أنّ هذه الكلمات عبرية ، بل عربية في أصل الوضع ، وليست مأخوذة للغة ~~العرب من لغة أخرى . # بل هي ممّا تواطأت فيه اللغتان ، وكثيرا ما يقع مثل ذلك من التواطؤ بين اللغات ، ~~والتواطؤ فيها بين اللغتين لا يوجب الجزم بكونها مأخوذة من إحداهما للأخرى ، ولا ~~كون إحداهما أقدم من الأخرى ، وإن أوهم احتمال ذلك ، فلا يوجب الجزم ، بل المواطأة ~~وقعت فيها بينها لسرّ نذكره . # وأيضا : # لأنّ الواضع الحقيقي وهو الله وضع هذا الاسم علما للموجد لما علم في حروفها ~~وتركيبها من الحقائق والأسرار الدالَّة عليه سبحانه ، ثم أوحى إلى واضعي اللغات من ~~قدماء البشر . # أو ألهمهم وضع هذه الألفاظ لهذه المعاني على التواطؤ من غير مواضعه ولا مشاورة ~~بين الواضعين ، ولا سيّما وهذا الاسم مخصوص عند العرب بالموجد الخالق للعالمين . # قال تعالى # : " وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ من خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ ~~وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ الله " .آية 61 سورة العنكبوت # وأيضا : # لو قلنا : إنّه مأخوذ من لغة غير لغة العرب ، لكان غير عربي وقد أخبر الله بأنّ ~~القرآن عربي قال # الله تعالى : # " إِنَّا أَنْزَلْناه ُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ". آية 2 سورة يوسف. # وقال الله تعالى # : # " إِنَّا جَعَلْناه ُ قُرْآناً عَرَبِيًّا " آية 3 سورة الزخرف. # ولو كان عبريا ، لما كان عربيا ، هذا باطل وكفر بالله لما فيه من التكذيب . # وأيض # : فإنّ لغة العرب أوسع وأكمل من سائر اللغات ، فإن كانت في الاسم " الله " الذي ~~هو أوّل الأسماء والمسمّيات مفتقرة إلى غيرها من اللغات ، لكان فيها من النقص ~~والضيق ما لا يخفى ، ولا سيّما وقد ذكر الله كونه عربيا في مقام مدح القرآن ، فيجب ~~أن يكون عربيا . # والأصحّ الأرجح أنّه اسم عربي وقعت المواطأة فيه بين اللغتين لشدّة مناسبة ~~الحقائق الحرفية التركيبية وحقائق مسمّاه على ما سيأتيك نبؤه - إن شاء الله - عن ~~قريب . # البحث الثاني : في حجج القائلين بعلميّته # وما يرد عليها من الردّ والمنع وهي من وجوه : # منها : # أنّ الله تعالى أقام هذا الاسم مقام الذات موضوعا لسائر الأسماء والصفات ، وحمل ~~سائر الأسماء عليه ، فقال : " وَلِلَّه ِ الأَسْماءُ الْحُسْنى " آية 180 سورة ~~الأعراف . # فأضاف جميع الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم ، ووضعه موضع المسمّى . # وقال أيضا : # " هُوَ الله الَّذِي لا إِله َ إِلَّا هُوَ " . " لَه ُ الأَسْماءُ الْحُسْنى " ~~آبة 22-24 سورة الحشر . # فقدّمه على سائر الأسماء ، وحمله على هويّته الذاتية المقدّسة ، ثم بعد نفي ~~الألوهية عن غيره أثبتها له بالاستثناء ، ووصفه بسائر الأسماء وسمّاه بها فكان هذا ~~الاسم مسمّى لجميعها وهي أسماء له ، فلو لم يكن علما للذات لم يكن كذلك . # ويجاب عن هذا : # بأنّه إنّما يلزم بما ذكرتم أنّه سمّي بسائر الأسماء وأقيم مقام المسمّى ، ولا ~~يلزم أن يكون علما للذات . # وممّا احتجّ به مثبتو علميّته : # أنّ المشتقّ عبارة عن اسم موصوف بصفة يدلّ عليها الاشتقاق اللفظي ، وتفهم منه ، ~~وحينئذ يكون المفهوم منه كلَّيا لا يمنع نفس تصوّره عن وقوع الشركة فيه ، وعلى هذا ~~تكون لفظة « الله » كلَّية غير ممتنعة عن وقوع الشركة فيه ، وذلك باطل لما فيه من ~~الشركة . # ويجاب عنه : # بأنّه لو كانت الألوهية صفة كلَّية يشترك فيها كثيرون ، لكان ما ذكرتم واردا ، ~~ولكنّا لا نسلَّم ذلك ، بل هي صفة أحدية جمعية جامعة لحقائق هي مخصوصة بذات الموجد ~~. # ولا نسلَّم أيضا أنّ دلالته جزئية مخصوصة بصفة معيّنة ، بل يدلّ على عدّة معان ~~بالاشتقاق اللفظي وكلَّها موجودة لذات واجب الوجود ، فلا تقع فيها الشركة لعدم وجود ~~تلك المعاني في ذات غيره . # وأيضا : # لا نسلَّم أنّ كلّ مشتقّ كلَّيّ كما ذكرتم غير مانع عن وقوع الشركة ، بل إذا كان ~~بحقيقته يقتضي الاشتراك في الوضع والدلالة كلفظة # " العين " # ، بل هو مخصوص بحقيقة الموجد . # كالشمس مخصوصة بالنيّر الأعظم مع دلالتها على الشموس وهو الارتفاع والعلوّ ~~والإباء وشدّة التسخين وهي معان مخصوصة الجمعية في الشمس . # وإن كان كل واحد منها موجودا في غير النيّر الأعظم ، ولكن أحديّة جمع جميع هذه ~~المعاني في النيّر الأعظم ، فكذلك دلالة هذا الاسم دلالة أحدية جمع جميع ما في قوّة ~~دلالة اسم « الله » من المعاني . # وممّا احتجّ به مثبتو العلميّة أيضا : # أنّه لو كان مشتقّا ، لكان من أسماء الصفات ، وحينئذ لم تكن إقامته مقام الموصوف ~~أولى من غيره ، ولكن هذا الاسم موصوف ومنعوت بسائر الأسماء دون غيره ، فهو اسم علم ~~للمسمّى . # والجواب # : # أنّه لا تلزم من هذا علميّته فقد يكون بعض الأسماء والصفات أجمع وأعمّ وأكمل ~~وأتمّ في معناه لحقائق الموجدية . # فيندرج سائره تحت حيطته ، فيقام مقام المسمّى ويوصف بالجمع ، ولا يكون علما للذات ~~، ونحن ما نعني بالعلم إلَّا الاسم الدالّ على حقيقة الذات ، وذاته تعالى لا تنحصر ~~في مدلول معيّن ، فلا يجوز أن يكون لها اسم علم ، بل هو اسم مقدّم على جميع الأسماء ~~، جامع لمعاني الكلّ وهو الاسم « الله » ومع هذا فغير ممتنع أيضا أن يحمل هذا الاسم ~~على غيره من الأسماء . # وقد قيل : # إنّ كل واحد من الأسماء الإلهيّة يقام مقام المسمّى موضوعا ، ويحمل عليه هذا ~~الاسم ، كما ذهب إليه ابن قسيّ رضي الله عنه فيقال مثلا : # " الرحمن الله " # ، و # " # الرحيم الله " # ، و # " الكريم الله " # ، وهذا صحيح ، غير ممتنع شرعا وعقلا وكشفا ، وقد ورد هذا النمط في الأدعية ~~المأثورة ، وأصله في القرآن كثير وإن لم يهتد إليه إلَّا أهله . # كما يقع في جواب الاستفهام مثل قوله : " قُلْ من رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ~~وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ " "فَسَيَقُولُونَ الله آية 86 – 87 سورة المؤمنون . # معناه : ربّ السماوات السبع وربّ العرش العظيم الله ، فافهم . # فهذه محصول كلَّيات أقوال المثبتين لعلميته ، وجوابها بلسان التحقيق والإيجاز . # البحث الثالث : في حجج مثبتي الاشتقاق # ذهب جمع كثير من العلماء بالعربية ، والأشاعرة ، وجمهور المعتزلة إلى أنّ هذا ~~الاسم مشتقّ . # واحتجّوا بحجج : # منها : أنّ وضع الاسم العلم يتوقّف على معرفة حقيقة الذات ، وذاته - تعالى - غير ~~معلومة للخلق ، فوضع العلم لها محال . # وقد أجيب عنه : # بأنّه وإن لم تكن ذاته معلومة للخلق ، وليس لهم أن يضعوا لها اسما علما ، لكن ~~ذاته - تعالى - معلومة له فلا يمتنع عليه أن يضع اسما علما لذاته تعالى . # والجواب عن هذا : أنّ الهوية الذاتية مطلقة بالإطلاق الحقيقي وهي تقتضي بحقيقتها ~~أن لا تعلم ولا تنحصر ولا تعرف ولا تتناهى ولا تحدّ ، وحقيقة العلم الإحاطة ~~بالمعلوم وكشفه على سبيل التمييز عن غيره فحقيقة العلم لا تتعلَّق بها وحقيقة الذات ~~تقتضي أن لا تعلم ، والشيء إذا اقتضى أمرا لذاته ، فإنّه لا يزال عليه ما دامت ذاته ~~، فلو وضع الحق لنفسه اسما علما لا يفهم منه إلَّا خصوص الذات ، لكان محصورا في ~~دلالة ذلك الاسم ، وصارت الذات المطلقة مقيّدة به ، وهذا محال . # وأيضا : # ليس في قوّة لفظ من الألفاظ أن يدلّ على الذات المطلقة دلالة إطلاقية . # لكون أيّ لفظ فرض مقيّدا بتركيب خاصّ وليس في قوّة المقيّد أن يعطي غير ما في ~~حقيقته ، ولا في قوّة حقيقة العلمية أن تحيط بما لا يقتضي الإحاطة به لذاته. # لأنّ العلم سواء أضيف إلى الخلق أو إلى الحق فإنّ الإضافة لا تخرجه عن حقيقته . # والحقائق لا تتبدّل فلا تطلق حقيقة مقيّدة بالحقيقة ولا تتقيّد حقيقة مطلقة من ~~كونها كذلك . # والعلم على كل حال نسبة من نسب الذات ، متميّزة عن غيرها وهي وإن كانت نسبة محيطة ~~بالمعلوم فإنّها محيطة بالذات المنضبطة المحصورة المقيّدة المتميّزة عن غيرها ~~بحدّها . # وليس في قوّة نسبة من نسب الذات أن تحيط بالذات غير المحاطة ، وإلَّا لزم قلب ~~الحقائق ، وخرجت الذات عن مقتضياتها الذاتية ، وذلك بيّن البطلان . # فإن قيل : # العلم الذاتي عين الذات ، فلا يكون من هذا الوجه غيرها ، فلا يمتنع على العلم ~~الذاتي الإحاطة بالذات . # قلنا : # فعلى هذا لا تكون الإحاطة للنسبة العلمية من حيث هي كذلك ، بل تكون الإحاطة للذات ~~، ومرادنا قصور النسبة العلمية في حقيقتها من كونها نسبة من النسب الإلهية عن ~~الإحاطة بكنه الذات المطلقة . # وعلى كل تقدير فإنّ الإحاطة بالذات المطلقة محال ، فلا تعلم أصلا ، فليس لها اسم ~~علم لفظي ، فافهم . # وممّا احتجّ به مثبتو الاشتقاق : # أنّ العلم يقوم مقام الإشارة إلى ذات المسمّى وحقيقته ، وحقيقته - تعالى - لا ~~يشار إليها ، لما في الإشارة من التعيين والتمييز والتحديد فوضع الاسم عليه محال . # وأجيب عن هذا : # بأنّه وإن امتنعت الإشارة الحسيّة إليه تعالى لامتناع انحصاره في جهة حسّيّة ، ~~ولكن لا تمتنع الإشارة العقلية إليه . # كما قال تعالى : " قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ " آية 1 سورة الإخلاص. # وقال : " فَذلِكُمُ الله رَبُّكُمُ الْحَقُّ " آية 32 سورة يونس. # وقال : " ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ " آية 9 سورة فصلت . # و « هو » و « ذلك » و « ذلكم » إشارات عقلية ، فلا يمتنع وضع الاسم العلم عليه ~~بهذا الاعتبار . # والجواب : # أنّا لا نسلَّم عدم امتناع الإشارة العقلية إلى الذات المطلقة ، وإلَّا لكانت ~~متعيّنة غير مطلقة ، وهي غير متعيّنة من جميع الوجوه. # فلا تتعيّن الإشارة إليها ، وإن قيل بالإشارة المطلقة العقلية ، فليست إلَّا إلى ~~إطلاق الذات لا إليها. # وجميع ما وردت من الإشارات المذكورة سواء كانت من الحق أو الخلق إشارات إلى نسبه ~~الذاتية وحقائق أسمائه ومسمّياته وحيثيات صفاته ، كالأحدية والربوبيّة والهويّة . # وليست إلى حقيقة ذاته تعالى فإنّ حقيقة ذاته تعالى لا يشار إليها ، ولا تعلم ، ~~ولا يحاط بها . # ولا تتعيّن تعيّنا تنحصر فيه لكون كلّ متعيّن متميّزا عن غيره وكلّ متميز عن شيء ~~أو أشياء . # فإنّه محدود مخصوص مقيد بكونه متميزا عن غيره ، وخارجا عنه ، وعدم كونه عين غيره ~~، وما لا يتعيّن ولا يعلم ولا يجهل ولا يشار إليه على سبيل الحصر. # فلا يوضع اسم علم له ، سواء كان الواضع خلقا أو فرض حقّا فإنّ الحقيقة تأباه . # ولا يقال : # يوضع لفظ إذا ذكر يفهم تلك الذات المطلقة من غير دلالة اشتقاقية على سبيل الإجمال ~~والإيماء ، فيكون علما لها . # فإنّا نقول : # لا فائدة في وضع ما لا يدلّ على الذات التي لا تعلم به ولا تسمّى ، وما لا دلالة ~~فيه فلا يفهم إذا الفهم مبنيّ على الدلالة ، فما لا يدلّ لا يفهم منه ، وما لا ~~يستدلّ عليه لا دلالة عليه ، فلا يفهم كذلك بوضع ما لا يدلّ عليه ، فافهم . # وهذا تمام البحث في هذا الاختلاف الوارد ، وسيتحقّق لك سرّه إن شاء الله عن قريب ~~بلسان غريب . # البحث الرابع : في وجوه الاشتقاق على قول القائلين # وهي من عشرة أوجه صحّحت من حيث اللغة العربية : # أحدها : # أنّه مأخوذ من أله يأله : إذا فزع ولجأ ، وأصله « إلاه » على وزن فعال بمعنى ~~مفعول لكونه مفزع كلّ فزع وملجأ كل جزع . # فلمّا أدخلت لام التعريف ، حذفت الهمزة طلبا للتخفيف ، وأدغمت لام التعريف في لام ~~الأصل وفخّمت للتعظيم ، فقيل : الله . # والثاني : # من الوله وهو شدّة المحبّة ، بمعنى أنّه تعالى هو المحبوب بأشدّ ما يكون من ~~المحبّة . # كما قال تعالى : "وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّه " آية 165 سورة ~~البقرة . # وقد وصف الله -تعالى بالمحبّيّة والمحبوبية في قوله : " يُحِبُّهُمْ ~~وَيُحِبُّونَه ُ " آية 54 سورة المائدة. # وقد روّينا في الأحاديث الإلهية عن الله تعالى أنّه قال : " كنت كنزا مخفيّا ~~فأحببت أن أعرف ". # وفي رواية أخرى : « أردت » عوض " أحببت " والإرادة طلب حبّي . # والأصل فيه « ولاه » فأبدل الواو همزة ، كما في " إشاح " و " إساد ط ، فإنّهما " ~~وشاح " و " وساد " فاستثقلوا الابتداء بحرف العلَّة ، فأبدلوا الواو بالهمزة ، ثم ~~عرّفت الكلمة وأدغمت وفخّمت كما مرّ . # والوجه الثالث : # أنّه مشتق من « لاه يلوه » : إذا احتجب لأنّه تعالى محتجب -برداء كبريائه وإزار ~~عظمته عن إدراك أبصار العيون ، وإبصار أعين البصائر " لا تُدْرِكُه ُ الأَبْصارُ ~~وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ " آية 103 سورة الأنعام . # الرابع # : # أنّه مأخوذ من « لاه » : إذا ارتفع وذلك لأنّ الرفعة الحقيقية لله ، وهو الرفيع ~~الرافع ، ولكن رفعته لا بالمكان ولا بالمكانة ، بل بالذات وإطلاقه عن التقييد برفعة ~~المكان والمكانة ، وبكونه معطيا للرفعة . # الخامس # : # أنّه مأخوذ من قولهم : « ألهت بالمكان » : إذا أقام بالمكان . # قال الشاعر : # ألهت بدار ما %~% بين رسومه # ويكون هذا المعنى بالنسبة إليه تعالى كناية عن الدوام والثبات والبقاء الذاتية له ~~، وفيها معنى اللزوم والإقامة على مقتضى ذاته . # وأيض # : لأنّ الألوهية ملزومة العالم فلا يتصوّر وجود الألوهية بلا مألوه ، ولا وجود ~~الربوبية بلا مربوب وجودا وتقديرا ، فهو إشارة إلى اللزوم الذي بين الإله والمألوه ~~والربّ والمربوب . # السادس # : # أنّه مشتق من الإلهيّة ، وهي القدرة على الإيجاد والاختراع ، وهي ذاتية لله تعالى ~~. # ولم ترد الإلهية بهذا المعنى ، والاشتقاق ماض لا مستقبل ، وهذه الحقيقة خصوص ذات ~~الموجد . # وقيل : هي أحقّ هذه الوجوه بالحق . فافهم . # السابع : # من أله يأله : إذا تحيّر لأنّ ذاته محيّرة - اسم فاعل - ومقام الحيرة الكبرى ~~حضرته فقد حيّرت عقول أولي الألباب ، والحيرة في الله أعلى درجات العلماء به . # قال بعض العارفين : « يا حيرة يا دهشة يا خوفا لا تتقرّي » . # الثامن : # أ # نّه مشتق من الإلاهة وهي العبادة من أله يأله : إذا عبد . # وقرأ ابن عبّاس "ويذرك وإلهتك" آية 127 سورة الأعراف ، أي عبادتك . # وتألَّه : إذا تعبّد ، والله تعالى هو المعبود على الحقيقة في نفس الأمر ، سواء ~~عرفه العارف أو لم يعرف ، وقصده أو لم يقصده . " أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا ~~إِيَّاه ُ " آبة 40 سورة يوسف . # وهو المعبود أيضا في كلّ ما عبد من الأصنام ، والكفر في الحصر وستر وجه الحق ~~الموجد في شيء معيّن ، ليس له ذلك ، وهو هواه وخياله . # التاسع : # من وله الفصيل بأمّه : إذا أولع ، والمعنى أنّ الخلق مولهون ومولعون بالله في ~~التضرّع إليه ، والسؤال عنه على كل حال . # العاشر # : # أنّ الأصل في هذا الاسم هو هاء الكناية عن غيب ذاته وهويّته غير المتعيّنة إذ ~~الهاء - كناية الغائب - # إشارة # إلى غيب هويته ، ثم زيد فيه لام الملك أو لام التخصيص إذ الكلّ له تعالى وهو مالك ~~الكلّ بالتخصيص. # فاللام إشارة إلى أنّ ملكية الكلّ من عالمي الملك والملكوت له تعالى ثم زيد فيه ~~على لام الملك لام التعريف نفيا لتوهّم إمكان وقوع الشركة في كناية الغائب وفي ~~الملكية عرفا شرعيا لا حقيقة . # لأنّ كل ما هو مشهود من العالم ملك لذات غيبية إلهية حقيقة . # وإن ظهر بعضها في العرف الشرعي ملكا للعبد ،وتلك الذات الغيبيّة لا يحاط بها علما ~~وشهودا ومعرفة ووجودا ثم فخّموه تعظيما ، فصار « الله » على ما ترى. # فهذه هي الوجوه العشرة الاشتقاقية المشهورة ، التي ذهب إليها القائلون بأنّ « ~~الله » اسم مشتق من أهل العربية والكلام . # ذهب إلى كل واحد من هذه الوجوه طائفة من علماء الرسوم ، وأوردت في ذلك على كل وجه ~~منها شبه وشكوك ، وأجيب عنها . # إنّنا لسنا بصدد التعرّض لذكر تفصيلها من الطرفين في هذا الموضع بأكثر ممّا ذكرنا ~~، " وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ " آية 4 سورة الأحزاب. # البحث الخامس : في إشارة جمليّة إلى العلمية يقتضيها هذا الاسم بما فيه من ~~الاختصاص . # اعلم : # أنّ هذا الاسم في مشرب التحقيق علم للذات الموجدة الموصوفة بالألوهية والربوبية ~~وسائر النعوت والصفات الوجوبية ، لا مطلقا من حيث إطلاق الذات بل من حيث إنّه يدلّ ~~بموجب اشتقاقاتها على أحد جمع جميع هذه المعاني . # فإنّ ذات الإله الموجد من كونها إلها تستحقّ هذه الحقائق بالذات ، كما يستقصى ~~فيها الكلام فيما بعد # إن شاء الله تعالى فهو علم للإله الموجد ، لا للذات الغيبية الغنيّة عن العالمين ~~. # فإنّ الذات من حيث إطلاقها عن الموجدية والموصوفية بالأسماء والصفات لا تتعيّن ~~إليها إشارة ، ولا تعلم. # ولا يكون لها اسم معيّن علم لا يفهم منه غير الخصوصية الذاتية . # فليس « الله » علما للذات من كونها لا تعلم ولا يحاط بها ، بل علم للموجد من حيث ~~ارتباط العالم به وارتباطه بالعالم . # ولأنّ الدالّ على ذاته الأحدية وهويّته الغيبية وبساطته الحقيقية لا يكون اسما ~~مركَّبا تركيبا خاصّا من حروف متعدّدة ، بل الدالّ على البسيط الحقيقي يجب أن يكون ~~بسيطا كذلك . # وأحقّ الحروف البسيطة التي يشاربها إلى غيب ذات الله حرف الهاء . # فإنّه ضمير الغائب في الدلالة بالوضع الأصلي ، وكذلك الهاء شكل الإحاطة لفظا ~~وخطَّا في الوضع العربي . أمّا خطَّا فظاهر . # وأمّا لفظا فإنّها تبتدئ من وسط الصدر ، فتمرّ على جميع المخارج ، فتحيط بخواصّ ~~سائر الحروف كإحاطة غيب الذات على مراتب تعيّناتها إحاطة ذاتية أحدية جمعية . # فيتعين من حضرة العلم الذاتي ويمتدّ على الملكوت وملكوت الملكوت والجبروت إلى ~~عالم الملك والشهادة ثم ترجع بعد مرورها عليها في امتدادها بكرورها راجعة . # كذلك إلى مخرج الهمزة في الوضع العربي الكامل مكمّلة لدورية الروحانية الإحاطية ، ~~فافهم . # وعلى هذا فعلميّة « الله » الجلالة جلَّت وتعالت ليست لكنه الذات المطلقة من حيث ~~لا تعيّنها وإطلاقها. # ولكن من كون هذا الاسم اسما لواجب الوجود بالذات ، موجد الذوات الكائنات ، والنسب ~~والإضافات ، مبدع العلويات الروحانيات ، خالق السفليات الجسمانيات ، مفيض الوجود ~~على الماهيات الكيانيات فهو اسم علم للمرتبة الأحدية الجمعية الموجدة الجامعة ~~للمعاني المذكورة في وجوه الاشتقاق كلَّها . # لا للذات المطلقة باعتبار تجرّدها وإطلاقها عن النسب والإضافات ، وسائر الأسماء ~~والصفات فإنّ اعتبار الذات المطلقة تعالى سابق على اعتبار كونه موصوفا بالألوهيّة . # مسمّى بأسماء الربوبية والنسب الوجوبية ، كالموجدية والعلَّيّة والمبدئيّة ~~والإلهيّة ، فافهم . # فإن قيل : # على ما ذكرتم يكون مشتقّا لكونه دالَّا على هذه المعاني ، وهي معان زائدة على ~~الذات . # قلنا : # ا # لذات الموجدة حقيقة واحدة أحدية جامعة لهذه المعاني والنسب بالذات فهي فيها هي ، ~~ليست زائدة عليها ، وإن تعقّلت كذلك فليس ذلك إلَّا في التعقّل ، وكذلك الذات ~~المطلقة أيضا تتعقّل مطلقة عنها ، وليست في الوجود مجرّدة عن هذه النسب ، ولا هي ~~زائدة عليها . # ولكنّ العقل ينتزع الحقائق الجمعية الأحدية ، ويتعقّل كلّ واحدة على حدتها ~~ويتعقّلها مجموعة وأحديّة ، بمعنى استهلاك الكثرة التي انتزعت عن الوجود تعقّليّتها ~~فرادى ولكن ليس للعقل أن يحكم عليها أنّها زائدة على الذات في الوجود فليس كذلك ~~إلَّا في التعقّل ، ولكنّ العقول الضعيفة تغلط وهو موضع الغلط المضرّ في علوم ~~الحقيقة ، فتحفّظ إن شاء الله العزيز . # فالاسم « الله » وإن كان مشتقّا باعتبار ، فهو علم باعتبار آخر لذات ذات أحدية ~~جمعية لجميع هذه المعاني ، فالله - تعالى - مفيض الوجود على كل موجود ، فالكلّ ~~مستند إليه ، مستمدّ منه ، مفتقر إليه ، في حضرة الجود يقتضي الشهود . # فله الرفعة الذاتية بالذات بالمرتبة والشرف والوجود الذاتي ، على ما دونه من ~~الموجودات ، وهو محتجب بكنه كبريائه وكمال عظمته عن العقول البشرية ، والمدارك ~~الفكرية النظرية ، والإحاطة العلمية الفكرية وهو ملجأ الكلّ ، ومفزع الفرع والأصل ، ~~في حالتي الصدع والفصل ، والجمع والوصل . # [right]وهو المستجار والمجير ، الذي يستجير إليه الفزع الفقير ، والجزع الحقير ، ~~ومنه الفزع ، وإليه المهرب والمفزع الصغير والكبير . # وكذلك هو تعالى إله يوله به ويتولَّه فيه العالمون العالمون ، فيشتدّ ولههم به أو ~~ولهه به منهم وفيهم وبهم ، فهم به ولهون ، وفيه والهون ، وبه مولهون ، وهو المحبّ ~~المحبوب ، والطالب المطلوب ، والموجودات بالالتجاء إليه مولعون . # وكذلك توله وتحار فيه العقول ، ويذهب فيه إليه منه كلّ مذهب في الفروع والأصول ، ~~والوصول بلا حصول محصول . # وكذلك يتولَّع الكلّ بالتضرّع إليه ، والسؤال منه وممّا بيديه وعنده ولديه ~~،والتعويل عليه . # وكذلك إله معبود بكلّ مكان في كل ما عبد ويعبد ، مسجود له كلّ أوان وزمان في كل ~~ما إليه يسجد ، ممّا يتخيّل ويتمثّل ويعقل ويشهد . # وكذلك إله قادر بالذات ، قدير على الاختراع وإبداع المبدعات ، مقتدر على إيجاد ~~الذوات واختراع المخترعات ، من الأجناس والأنواع والشخصيات ، إلى ما لا يتناهي من ~~الممكنات لعدم تناهي التجلَّيات . # وكذلك هو إله ، له ما في الأرضين والسماوات ، وما بينهما وما فوقهما وتحتهما من ~~الأفلاك المحيطات ، والنفوس الروحانيات ، والأرواح النورانيات ، والتجلَّيات ~~الجليّات والخفيّات ، والحقائق العلَّية العلمية المعنوّيات ، والأعيان الثابتات ، ~~والنسب والإضافات. # فعلميّة هذا الاسم لذات ذات أسماء وصفات ، ونسب و اعتبارات ، لا للذات المطلقة عن ~~جميع هذه القيود والسمات ، وعن السلب والإثبات . # البحث السادس : في تتمّة هذا الأصل بالتنصيص على صريح الحق . # قد علمت - أيّدك الله بروح منه - فيما سلف أنّ للذات في ذاتيّتها « 2 » اعتبارين ~~هي أحديّة جمعها : # أحدهما : ا عتبار إطلاقها عن كل حكم ، وتجرّدها عن كل صفة واسم ، وعدم انحصارها ~~ولا تعيّنها في إحاطة كل علم ، وتنزيهها عن كل نسبة ورسم ، وعن دخولها تحت إشارة أو ~~عبارة ووسم فليس له سبحانه لهذا الاعتبار اسم دالّ عليه دلالة مطابقة إطلاقية ~~للحقيقة المطلقة عن الألفاظ المركَّبة من الحروف . # ولا عن الحروف البسائط الخالية عن التركيب . # والذي ذكرنا من دلالة بعض الحروف البسيطة عليه كدلالة هاء كناية الغائب وألف ~~الوحدانية على ما سيذكر. إنّما هي دلالة على نسب الذات ، لا على الذات من حيث هي هي ~~. # فدلالة الهاء بمعناها على غيب الذات وبصورتها اللفظية والرقمية على إحاطتها ~~بالغيب والشهادة . # ودلالة الألف على لا تعيّنه بمرتبة من المراتب على التعيين والتقييد ، كلا تعيّن ~~الألف في مخرج من المخارج ، فافهم . # والاعتبار الثاني للذات : اعتبار النسبة والإضافة والارتباط ، أي ذات ذات أسماء ~~وصفات ، ونسب وإضافات ، وحيثيات وتعيّنات وتجلَّيات وعلميّة الجلالة - أعني الاسم « ~~الله » - بهذا الاعتبار الثاني ، فهو علم لذات الألوهية ، لا للذات المطلقة عن ~~الاعتبارات وسائر النسب والإضافات ، فافهم . # البحث السابع : في سبب اختصاص هذا الاسم بالتقدّم والموصوفية على غيره وكونه ~~مسمّى بما عداه من الأسماء والصفات والنسب والإضافات . # اعلم : أنّه لمّا كان كل اسم اسم من الأسماء - مع اشتراك الكلّ في الدلالة على ~~العين الواحدة المسمّاة بالجميع - دالَّا على مفهوم ومدلول مخصوص دلالة تميّزه عن ~~مدلول اسم آخر مفهوم منه ، كدلالة « العليم » على ذات الألوهية من حيث إحاطته ~~بالمعلومات كشفا وتمييزا . # ودلالة « القدير » عليها من حيث الإيجاد وإيقاع الأثر ، ودلالة « المريد » على ~~تخصيص بعض المعلومات بأمر دون أمر بموجب التعيين والتمييز العلمي . # وذلك المعنى هو حقيقة تلك النسبة بموجب الاشتقاق اللفظي من السلب والإثبات ، ولم ~~يكن في اسم منها دلالة جمعية أحدية على خصوصيات سائر الأسماء بالاستلزام والتضمّن ، ~~بخلاف اسم " الله " فإنّ له أحدية جمع جميعها باشتمال الألوهية على حقائق كليّة هي ~~أمّهات الجميع . # وهي : الحياة ، والعلم ، والإرادة ، والقدرة لعدم تحقّق حقيقة الألوهية إلَّا ~~لذات ذات حياة وعلم وإرادة وقدرة ولعدم تصوّرنا الإله إلَّا كذلك ولاستيعاب هذه ~~الحقائق الأربع لسائر الأسماء والصفات والنسب والإضافات ، فاستحقّ لما هذا الاسم ~~دون غيره التقدّم والموصوفية لأنّ ما عداه نسبه وأسماؤه وصفاته ، ولم يقو غيره على ~~ذلك . # فإن قيل : قد ورد النصّ بدلالة المساواة بين سائر الأسماء معه من حيث الاسمية في ~~قوله - تعالى - : "قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا ~~فَلَه ُ الأَسْماءُ الْحُسْنى " 110آية سورة الاسراء . # فإنّ الضمير في « له » عائد إلى هويّته -تعالى المسمّاة بالجميع ، الزائدة على ~~مدلول الاشتقاق بأحدية الجمع ، ولهذا ألزم الله بحجّته البالغة الغالبة عبدة ~~الأصنام من المشركين الذين نسبوا الإلهية إلى غير هذه الهوية الأحدية الجمعية بقوله ~~تعالى: " قُلْ سَمُّوهُمْ " آبة 33 سورة الرعد . # لعلمه بأنّهم إذا سمّوا ما يعبدون ، سمّوها بأسمائها الخصيصة بها ، كالشمس والقمر ~~والخشب والحجر ، فيتحقّق عندهم إذ ذاك أنّ ما يعبدون غير الله . # ومن جمعية هذا الاسم أيضا أنّه جامع بين العلمية والاشتقاق ، لكونه علما لذات ~~مسمّاة بجميع الأسماء من كونه جامعا لخصائص جميع المدلولات المختلفة الكثيرة ~~المتماثلة منها والمتقابلة . # كما قيل لأبي سعيد الخرّاز رحمه الله « بم عرفت الله ؟ » # قال : " بجمعه بين الأضداد ". # فإنّ كون الهوية الواحدة من جميع الوجوه مسمّاة بالأسماء الكثيرة المتقابلة ~~المتماثلة يقتضي عجز العقول فيها عن إدراكها . # فلمّا دلّ هذا الاسم دون ما عداه من الأسماء على الأحدية الجمعية الكليّة الحاصرة ~~لحقائق الربوبية المتقابلة منها والمتماثلة كما يدلّ الأسماء الأعلام على مسمّياتها ~~استحقّ التقدّم عليها ، فافهم . # البحث الثامن : في إشارات كشفية إلى حقائق حرفية يعطيها هذا الاسم من حروفها ~~وتركيبها في طور التحقيق # ويشتمل على أبحاث عشرة : # أحدها : أنّ هذا الاسم في قاعدة المشرب الكمالي الختمي مركَّب من ستّة أحرف : # الهمزة ، واللامين ، وألف بعدهما ، وهاء ، وواو بعدها ، وهذه صورته « ال ل اه و » ~~. # فالهمزة : إشارة إلى التعيّن الأوّل ، والقطع - دون الاتّصال - إشارة إلى انفصال ~~التعيّن الأوّل عن اللاتعيّن بامتياز الاسم « الظاهر » محيطا بما احتواه من ~~التعيّنات العينية والشؤون المظهرية . # والألف الخفيّة في الهمزة لفظا كخفاء الهمزة في الألف رقما إشارة إلى أحدية نفس ~~النفس المتعيّن بالتعيّن الأوّل لأنّ العين المتعيّنة بالتعيّن الأوّل - . # من حيث هي كذلك متميّزة عن العين غير المتعيّنة في التعيّن الأوّل باللَّاتعيّن ~~من حيث لا تعيّنها الذاتي إذ العين من حيث هي تقتضي اللاتعيّن في مرتبة إطلاقها ~~وبطونها العيني الحقيقي . # والتعيّن أيضا في مرتبة الظهور وهي المتعيّنة في المرتبتين معا . # وهي في كلّ من المرتبتين أو النسبتين كيف قلت عينهما فهما حرف واحد. # ولكنّ العين المتعيّنة بالتعيّن الأوّل باطنة ، والتعيّن ظاهر ، فظهرت الهمزة في ~~اللفظ وخفيت الألف فيها ولأنّ الألف صورة العين المتعينة بالتعين . # وغير المتعينة في اللاتعين ، لم يظهر لها عين في المخرج اللفظي تمتاز به عن حرف ~~آخر لأنّه لا مخرج للألف أصلا إذ هي أخت الفتحة ونفس النفس الممتدّ من أيّ مخرج ~~حرفيّ فرض . # ومشاركة الألف لباقي الحروف إنّما هي بحسب المرتبة ، وهو التعين الأوّل فيما نحن ~~بصدده ، فتعيّن الألف لأجل ذلك إنّما هو بالهمزة في اللفظ . # ولأنّ المرتبة حقيقة معقولة لا تعيّن لها في الحسّ ، ولا تحقّق لها بدون المتعين ~~به وفيه ، كان وجود الهمزة بوجود الألف رقما كوجود المرتبة بوجود ذي المرتبة ~~والتعيّن بوجود المتعيّن . # ولهذا السرّ وما ذكر لم يظهر للألف في النفس الرحماني ومراتبه ، وفي النفس ~~الإنساني ومخارجه . # تعيّن تميّز به عن غيرها من الحروف لأنّها عين النفس الممتدّ من باطن القلب لمخرج ~~الهمزة التي هي نظيرة التعيّن الأوّل الجامع لجميع التعيّنات ولأنّ الألف عين النفس ~~المتعيّن في جميع المخارج الحرفية ظاهر بصور الحروف كلَّها . # كان قيامها به وهو قيوم ، والحروف في مشرب التحقيق هو فيها عينها وهي صور تفصيله ~~، كما أنّ الحروف في أحدية النفس عينه ، فهي فيه هو ، كما أنّه فيها هي . # تكملة : ولأنّ التعيّن الأوّل من حيث قطع النظر عمّا تعيّن به وفيه - وهو الوجود ~~الحق ليس إلَّا نسبة لا تحقّق لها بدون المتعيّن به وفيه ، لم يظهر للهمزة التي هي ~~إشارة إليه في عالم الرقم الإنساني . # الذي هو نظير عالم الملك والشهادة وجود ، وكذلك المراتب من حيث هي مراتب لا وجود ~~لها إلَّا بالتعينات المترتّبة فيها وجودا يتميّز به عن المتعين بها وفيها . # وكما أنّ الألف لا تعيّن لها في عالم اللفظ الذي هو نظير العالم الروحاني الكلامي ~~القولي . # كما قال تعالى : "إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه ُ أَنْ نَقُولَ لَه ُ ~~كُنْ فَيَكُونُ " آية 40 سورة النحل. # وذلك لأنّ الألف عين الكلّ كالنفس الرحماني عين كلّ من نفّس عنه ، والكلّ من كونه ~~كلَّا لا تعيّن له يشار إليه . # كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : " وإنّ الملأ الأعلى " وهم ~~الروحانيون " ليطلبونه كما تطلبونه أنتم " ، يعني الملأ الأسفل وهم الجسمانيون وذلك ~~لأنّ الألف وهو النفس الواحد عين الحروف العلوية والسفلية ، والحروف لا يجدونه و " ~~هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا " آية 7 سورة المجادلة . # " وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْه ِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ " آية 16 سورة ق . # فالهمزة ظاهرة في اللفظ ولها تعيّن مخرجي من أعلى الصدر ممّا يلي القلب عندنا . # وعند القرّاء : # هي من الحروف الحلقية ، والألف باطنة فيها وهي الظاهرة في الرقم وإن خفيت في ~~اللفظ ، ككون النفس الرحماني عين الأرواح المروّحة بالنفس الرحماني المحمول في ~~أعيانهم . # ككون الكلمة محمولة في الروح الأمين كذلك الألف عين كل حرف في كل مخرج وهي ~~المسمّاة بأسماء الحروف الظاهرة بأعيانها ، فهي لها كالقوالب والظروف. # وكذلك الواحد الذي هو روح الألف في العدد - ليس له وجود في العدد لكونه غير معدود ~~، فما هو داخل من كونه واحدا في مراتب العدد إذ لا يصحّ إطلاق اسم العدد إلَّا على ~~ما يتعدّد . # والواحد له الأوّلية والقبلية الذاتية والمرتبيّة على مرتبة العدد . # البحث الثاني من الثامن : اعلم : أنّ التعيّن صورة في المتعين بذلك التعين وفيه # فما له وجود بلا أمر متعيّن فيه ، وذلك الأمر فيما نحن بصدده النفس ، والنفس ~~مادّة وهيولى للصور الحرفية . # والحروف إنّما هي تعيّنات نفسية في المراتب المخرجية ، كما أنّ صور الموجودات ~~الكونية إنّما هي تنوّعات تجلَّيات النفس الرحماني . # وكما أنّ نفس الإنسان إنّما ينبعث من القلب ، فله تعيّن في القلب غير متميّز عن ~~المتعيّن ، وهو فيه عين المتعين . # وهذا الاعتبار سابق على اعتبار امتداده إلى المخارج ، وتعيّنه فيها يوجب تلك ~~المدارج في التنزّلات والمعارج ، وهو اعتبار إجمال الألف وأحديّتها الجمعية النفسية ~~. # وذلك لأنّ الألف وهو الواحد ، أو النفس الإنساني ، أو النفس الرحماني ، أو الوجود ~~الحق الساري في حقائق الموجودات له ثلاثة مراتب : # إحداها : قبل امتداده ، وهو مرتبة إجماله واندماجه وانجماده وأحديّته قبل تعيّن ~~آحاده ، فالحروف والأعداد والموجودات والمعدودات فيها مندمجة وفيها مضمّنة ومندرجة ~~مجملة متّحدة ، وهي مرتبة استهلاكها فيها استهلاكا لا تظهر أعيانها ولا تتميّز ~~فيتأتّى تبيانها ولا يتأتّى بيانها . # وفي هذه المرتبة لا يمكن لممكن شهودها وعيانها كاعتبارنا للنفس الإنساني والنفس ~~الرحماني والواحد الأحد في تعيّنه الكياني ، أو غيب القلب الإنساني ، أو غيب عين ~~التعين الأوّل الكمالي الذاتي الإلهي الإنساني . # قبل التنفّس وامتداد النفس من قبل المتنفّس ، وقبل تفصيل مجملات التعينات من ~~التعين الأوّل فإنّ النفس للمتنفّس واجب التحقّق - والعين المتعيّنة بالتعين الأوّل ~~ثابتة له فيه ، والواحد في أحديته أصل للواحد الذي هو مبدأ العدد - وإن لم يتنفّس ~~بالفعل أدنى زمان . # والواحد بهذا الاعتبار أحد تنتفي عنه الكثرة الوجودية والنسبية ، وهو مقام « كان ~~الله ولا شيء معه » . # ومقام استهلاك الكثرة الأسمائية في الأحدية الذاتية . # ومقام كون النفس في قبضة قلب المتنفّس ، ولا معيّة لأعيان الحروف بالنفس ~~لاستهلاكها فيه كاستهلاك النفس أيضا في نفس المتنفّس لعدم النفس قبل الامتداد إلى ~~الإيجاد ، وبهذا الاعتبار تكون الألف في عالم الرقم عين النقطة في النقطة ، ككون ~~الحروف في الألف التي في النقطة ، فافهم . # والاعتبار الثاني : اعتبار مرتبة امتداد النفس الإنساني والرحماني بالإيجاد إلى ~~أعيان الحروف ، وحروف الأعيان حال تعيّناتها في مخارجها وتنزّلاتها في مدارجها ~~ورجوعها إلى الباطن في مراجع معارجها . # وفي هذه المرتبة تحقّق وجود عين الألف. # وهو نفس ممتدّ ، له من حيث امتداده اعتبارات ثلاثة أيضا لأنّه: # إمّا عارج من أسفل سافلين إلى أعلى علَّيّين # أو هابط من الأعلى إلى الأسفل # أو جامع بين النزول والعروج ، والدروج والخروج. # وهو باعتبار طلوعه وعروجه يكون أخت الفتحة في العرف العربي . # وباعتبار هبوطه يكون أخت الكسرة كذلك ، ويسمّى ياء . # وبالاعتبار الجمعي أخت الضمّة ، ويسمّى واوا فالألف والواو والياء صور الألف ، ~~الذاتية الوجودية النفسية في مراتبها الكلَّية . # فهي ألفات كلَّها في طور التحقيق لأنّها أنفاس ممتدّة ، وليست الاعتبارات ~~المخرجية وتعيّناتها من وجه مخرجة لها عن الحقيقة الألفيّة حين امتدادها إلى العلو ~~والسفل والجمع . فهي كتعيّن الألف من مخرج الهمزة . # وفي التحقيق لا مخرج لهذه الحروف أعني حروف المدّ واللَّين ، وهذا الاعتبار ~~اعتبار واحدية الواحد " وَإِلهُكُمْ إِله ٌ واحِدٌ " آية 163 سورة البقرة. # فهو نصف الاثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة وخمس الخمسة ، جزء من أيّ عدد فرضنا ~~وبهذا الاعتبار يكون الواحد مبدأ للعدد ولا يتنزّه عن الكثرة النسبية . # ويستلزم الربّ المربوب والإله المألوه ، وينشئ الواحد من نسب ذاته تعيّنات ~~تجلَّياته وتنوّعات تعدّداته ، وإنّما لا يتنزّه الواحد من هذا الوجه عن الكثرة ~~النسبية لأنّه مبدأ النسب والإضافات ومسمى الأسماء وموصوف الذات . # فلو تنزّه وترفّع عنها ، لما كان مبدأ لها ولا مبدئا منشئا بذاته إيّاها . # وهو بهذا الاعتبار داخل بالقوّة في العدد لا بالفعل ، فهو بالقوّة والصلاحية نصف ~~وثلث وربع وخمس وغيرها . # وإذا شاء إنشاء العدد بالفعل ، تعيّن بذاته في مراتب تعيّناته وتعدّداته ، فكان ~~مع كونه عين الكلّ نصفا وثلثا وربعا وغيرها بالفعل ، وهذه النسب ونسب النسب إلى ما ~~لا يتناهى معقولة التحقّق في ذات الواحد . # والواحد بهذا الاعتبار من كونه مبدأ للعدد سابق على مرتبة التعين العددي ، مسبوق ~~بالإطلاق الذاتي الأحدى ، وهو اعتبار « الله » من حيث قيام الألوهية به متجلَّيا ~~للموجدية والربوبية ، فافهم . # فهو الواحد الأحد ، الذي أظهر بوجوده أعيان الموجودات في مراتب العدد . # الاعتبار الثالث : اعتبار مرتبة تعيّن النفس في المخارج وصور الحروف ، وتشكلَّه ~~بأشكال هذه المعاني والظروف ، وتجلَّيات الواحد في أعيان الآحاد ، وتعدّداته في ~~عقود مراتب الأعداد ومسمّياتها بأسمائها ، التي لا تحصى ولا تتناهى ، ظاهرا ~~بإنّيّاتها ومظهرا ومظهرا لأنبائها وآياتها . # وهي أيضا مراتب تعيّنات التجلَّي النفسي الرحماني الإلهي الوجودي والفيض الذاتي ~~الجودي ، المنبعث من غيب باطن القلب وهو التعيّن الأوّل إلى حضرة أحدية جمع الجمع ~~والوجود ، على ظاهرية الاسم الظاهر المشهود المعهود الموجود . # فما ثمّ إلَّا هو ، هو الأوّل الأحد ، والآخر أبد الأبد ، والظاهر بالعدد ، ~~والباطن عمّا تعدّد ، والجامع بين ما تأحّد وتوحّد وتجدّد ، فتعدّد وتقيّد وتحدّد ~~فالوجود الواحد الحق في هذه المرتبة لاتّصافه بالمحدثات المتجدّدة والتعينات ~~المتكثّرة المتعدّدة يظهر بأوصافها ونعوتها متكثّر التعدّد والتعيّن . # متجدّد التجلَّي والتّبين فإنّه في كلّ ماهية ماهية بحسبها لا بحسبه ، خارجا عنها ~~في حقيقته المطلقة لكون كلّ مطلق في كلّ مقيّد متقيّدا كذلك ، ككون اللون في الأبيض ~~أبيض ، وفي الأسود أسود ، وفي الحمرة حمرة ، وفي الخضرة خضرة على التعيين والتقييد ~~، مع إطلاقه في عينه لا في أينه ، فافهم . # البحث الثالث منه أي من البحث الثامن : # ولأنّ مبدأ الانبعاث النفسيّ الرحماني الذي انفتحت فيه صور الحروف الشهودية ~~والكلمات والسور والآيات الوجودية ، وهو الهيولى لهذه الصور الحرفية ، كما أومأنا ~~إلى ذلك إنّما هو التعيّن الأوّل. # الذي هو نظير القلب من النشأة الإنسانية للنفس الإنساني ، ومخارجه مخرج الهمزة من ~~قربه . # وقبل حصول الامتداد النفسي الرحماني والإنساني معا في المراتب والمخارج لا ظهور ~~لعينه ، فهو خفيّ الحكم لاستهلاك إحدى نسبتي الواحد وهي واحديّته ومبدئيته في ~~أخراهما ، وهي أحدية الأحد . # لهذه الإشارة لم يظهر للألف في التلفّظ بـ « الله » عين وقامت الهمزة مقامها ~~ونابت منابها ، كقيام المظهر مقام الظاهر ، وظهور الخليفة بصورة المستخلف . # بحيث لا يظهر للمنوب عين يمتاز بها عن عين النائب إذ هو فيه عينه ، فالأثر والحكم ~~منه فيه ، فافهم . وصورة الفتحة التي في همزة « الله » إشارة إلى أنّ التعيّن ~~الأوّل مفتاح مفاتيح الغيب . # وبه ومنه فتح باب التعيّنات النفسية والصور الوجودية الأنفسية والتجلَّيات ~~الشؤونية الشهودية الأقدسية . # ولأنّ ألف النفس ، له ثلاثة أوجه # : # أحدها : # نزاهتها ولا تعيّنها في كل مخرج مخرج له عن إطلاقه وأحديته . # والثاني : # اعتبار تعيّنه بحسب المبدئية والأوّلية للتعينات . # والثالث : # اعتبار برزخيّته وجمعيته بهويته بين التعين واللا تعين ، من كونه عينهما وعين ~~الظاهر والباطن ، والأوّل والآخر . # وهذه الوجوه غير الاعتبارات الثلاثة الأول المذكورة ، فلا يشتبه عليك . # لا جرم ظهر مثالا لهذا السرّ في عالم الرقم الرسمي في الوضع الكامل العربي الأحدي ~~الجمعي ، شكل الألف أحدية جمع نقط ثلاث وهو الخطَّ إذ النقطة أصل الخطَّ والسطح ~~والسمك . # وهي إشارة إلى معقولية نسبة التعين ومع قطع النظر عن النقطة ، فلا خطَّ وإذ لا ~~خطَّ فلا سطح فلا سمك ، وما ثمّ إلَّا بياض مطلق لا تعيّن فيه ، فنفس التعين حقيقة ~~النقطة وهي صورته ومثاله في الرقم ، وهو عالم الحسّ والمحسوس . # ثمّ إن كلّ نقطة رقمتها بالأسود مثلا أو بأيّ لو كان ، إذا وضعت في سطح البياض ، ~~فلا بدّ أن تقع على مثلها من جرم البياض المطلق ، # فتكون نقطتين : # نقطة ذات لون # ونقطة لا لون له # فذات اللون منهما إشارة إلى التعيّن وهي الحجابية الظاهرية المظهرية ، والبياض ~~مثلا في النقطة التي لا لون لها إشارة إلى النور الحق المتعين بالتعين الأوّل من ~~البياض الإطلاقي اللاتعيّني. # وباتّصال النقطتين يتحقّق # الوجود الثالث البرزخي # لذي أوجب أحديّتهما وهو عينهما وأحدية جمعهما . # والخطَّ وهو الألف عبارة عن الهيئة الاجتماعية من مجموع النقط الثلاث ، وكذلك ~~الخطَّ ، له في وضع الرسم ورسم الخط والرقم حركات ثلاث واعتبارات كذلك بحسبها لازمة ~~لوجود الخطَّ : # أحدها : # الحركة المستقيمة باعتبار التعالي والرفعة الذاتية وهي مرتبة النزاهة والقدس ~~والغنى وانقطاع النسبة من الغير كما أشرنا إليه في الحركات النفسية الألفية ~~الروحانية . # وبهذا الاعتبار لا يتّصل الألف بحرف أصلا إلَّا من حيث أوليّته لأنّه آخر كل آخر ~~فلا آخر بعده إذ الوجود الحق هو الباقي الدائم بعد فناء كل تعين وتجدّد سرّ " كُلُّ ~~شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ " آية 88 سورة القصص . # والاعتبار الثاني : # اعتبار التنزّل والتجلَّي وتعيّن الفيض الإيجادي بصورة التدلَّي والارتباط ~~المرتبي ، كالعلَّة مع المعلول ، والألوهة مع المألوه ، والربوبية مع المربوب ، ~~وبهذا الاعتبار يرفع الألف من اتّصل به ، فإنّ الألف وإن لم يتّصل هو بغيره ، فإنّه ~~يوصل من اتّصل به ويصله ويطلقه بالفتح ألا ترى اتّصال جميع الحروف بالألف بهذا ~~الاعتبار من العلو إلى السفل . # ثم الحركة المستقيمة إمّا من الفوق إلى التحت أو من التحت إلى الفوق ، فإنّ الربّ ~~سبحانه على الصراط المستقيم ، ونسبة الفوق والتحت إليه على السواء . # كما أشار إلى ذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله : " لو دلَّيتم بحبل ، ~~لهبط على الله " هذا في نسبة التحت إلى الله . # وأمّا نسبة الفوق إليه بقوله - تعالى - : " يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ " آية ~~10 سورة الفتح . # وقوله : " وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إِله ٌ وَفي الأَرْضِ إِله ٌ " آية 84 ~~سورة الزخرف. # واكتفى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن الخرساء بإشارتها إلى السماء في ~~الجواب عن سؤاله عنها : # " أين ربّنا ؟ " # فهذا نسبة الفوق إليه تعالى . # واعتبار الحركة الألفيّة من الفوق إلى التحت إشارة إلى تنزّل المطلق بالتجلَّي ~~تحقيقا لارتباط المطلق بالمقيّد ولإيجاد أعيان الحروف . # واعتبار حركته من التحت إلى الفوق إشارة إلى عود التجلَّي المقيّد إلى إطلاقه ~~الأوّل بعد التقيد بخصوص القابل وعروجه من الظاهر إلى الباطن ، # ورجوعه من السفل إلى العلو ، # وذلك بثلاثة أوجه : # أحدها : # بالمعراج والانسلاخ على قانون طريق أهل هذا الشأن . # والثاني : # بالموت ومفارقة الجوهر النفساني عن هذا الجوهر الكثيف الظلماني " من كانَ ~~يَرْجُوا لِقاءَ الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لَآتٍ " آية 8 سورة العنكبوت . # والثالث : # بطريق النوم " الله يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ ~~في مَنامِها " آية 42 سورة الزمر . # والحركة الثالثة الألفيّة في العرض ، وهي على ثلاثة أنحاء أيضا : # أحدها : # دورية إحاطية ، وفي هذه الحركة تتّصل نقطته الآخرية بنقطته الأوّلية وتكون عينها ~~فإنّ المحيط أوّل وآخر بعين ما به أوّل ، وذلك عند كمال الدائرة فإن لم تكمل ، فهو ~~في درجات الهلالية القمرية الارتقائية - إن كان في مراتب الخروج والدروج - أو في ~~درجات الأهلَّة السرارية في مراتب الرجوع والعروج ، كما سنستقصي القول في ذلك عند ~~ذكرنا أسرار هاء الله . # والثاني : # حركته من اليمين إلى اليسار ، وهو إشارة إلى تمثّل الأرواح وتجسّد الملائكة ~~وتشخّص التجلَّي . # والثالث : # من اليمين وذلك عند رجوع النفوس الروحانية عن القوالب والقوابل الجسمانية إلى ~~عالم الأرواح بالموت في العموم ، وتروحن البشر وانحلال الصور التركيبية الثقلية إلى ~~الصور الروحانية . # البرزخية والمثالية والنورانية والعقلية والعلمية الإلهية في الخصوص . # وكل هذه الحركات الألفيّة في هذه المرتبة الثالثة لنسبة بيان مراتب العدد والحروف ~~والموجودات العينية ، فافهم . # البحث الرابع من البحث الثامن : # الألف الممتدّة في العرض باء # وهو أوّل معلول ظهر من الحضرة الوحدانية الألفية ، كذلك روح الباء وهو عدده أوّل ~~معلول الواحد وهو أوّل الأعداد باء بيان مراتب العدد الأصالة المطلق الواحد الأحد . # وإبانة المتعين المقيد بعين تعيّنه وتقيّده إنّه عن سابق مطلق لا يتقيد ، غير ~~متعين بالأزل والأبد عن كل أمد . وإذا اتّصل ألف « الله » المتنزّل بالتجلَّي ~~والتدلَّي بباء عبدانيّة التعين المظهري الكمالي ، ظهرت صورة لام الملكوت الأعلى . # وعند التحقيق يتحقّق أنّه لا يتّصل الألف المتجلَّي بسرّ التدلَّي والتولَّي ~~إلَّا بالألف المعترّض للتعرّض والتلقّي بحقائق التجلَّي بعد التجلَّي . # فما ثمّ إلَّا نفس رحماني جوديّ ، وفيض تجلّ وجودي من امتداد ألف شهودي ، بتعيّن ~~في لام لوح قابلية القابل ، وبعد التعين يكون قابلا مبيّنا مبيّنا للتجلَّي الثاني ~~معيّنا معيّنا ، فالأوّل بهذا الاعتبار هو الظاهر ، والباطن هو الآخر لتأخّر تعيّنه ~~في قابلية الأوّل . # ولهذا السرّ كانت صورة اللام في الخطَّ العربي الكامل مركَّبا من ألف نازل متّصل ~~تعريضه بألف معترض ، وهو الباء في ثاني المرتبة الألفية الإلهية المتجلَّية سرّ ~~التدلَّي متعرّضا للتلقّي . # واللام لأمان : # لام الملكوت الذي بيده ، ولام الملك الذي " لِلَّه ِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ " آية ~~16 سورة المؤمنون . # وكذلك « اللام » يتضمّن ألفا من بسائطه ، وكذلك في " الألف " لام إشارة إلى ~~استلزام الربّ للمربوب والإله للمألوه . # والألف الذي في « اللام » إشارة إلى الوجود الحق المتعيّن في قابلية الباء الذي ~~هو العقل الأوّل القابل لمجملات العلوم الحقّية الملكوتية في ألواح المظاهر ~~الخلقية. # فاللام الأوّل من # « الله » # لام لوح تفصيل الملكوت . # والثاني الذي في ألف لام الملكوت هو لام لوح تفصيل الملك الذي هو مظاهر ومجال ~~لتفصيل الملكوت . # فلام الملكوت لام لوح تفصيل الألف الإلهي . # ولام الملك لام لوح تفصيل الملكوت و فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ ~~كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) سورة يس. # والألف ملكوت الملكوت وملك الملك والملك والملكوت وملكوت الملكوت أو ملك ملكوت ~~ملكوت لله ، وهو هو هو هو المليك والملك الملكوت للملك والمالك للملك. # فاللامان إشارتان إلى أنّ الملك والملكوت # له تعالى # بالاعتبارات الثلاثة المعتبرة عند أهل العربية ، يعني لام الملك والتخصيص ~~والإضافة ، واللام في هذه الاعتبارات الثلاثة مجال ظهور آثار الملك وإحكام أحكام ~~قدرة المالك . # وإشارة إلى تفصيل ما كان مجملا في الألف من عوالم الحروف والكلمات . # فاللام لام لوح تفصيل الألف الواحد الأحد في سائر مراتب العدد والكثرة الحرفية ، ~~منفصلة ومتّصلة في الكلمات والسور والآيات والكتب المنزلة بمداد المدد ولأنّ لوح ~~هذا التفصيل على وجهين : ظاهر وباطن . # وإن شئت فقل : # غيب وشهادة ، أو صورة ومعنى أو ملك وملكوت كيف قلت فكل هذه العبارات والاعتبارات ~~سائغة . # فاللام الأولى الملكيّة من وجه بالنسبة إلينا # ، الساكنة المدغمة هي لام لوح التفصيل الملكي العيني الظاهر ، المدغمة في لام لوح ~~التفصيل الملكوتي العيني الباطن ، وسكون لام الملك الظاهر القابل إلى لام الملكوت ~~الباطن المقبول مدغمة . # إشارة إلى أنّ القابل الذي هو الظاهر أو الشهادة أو الملك مدرج من وجه في الباطن ~~، والغيب محيط بالشهادة. # وإن كان اعتبارنا من وجه آخر بالعكس فإنّ الظاهر يستلزم الباطن ، والباطن مدرج في ~~الظاهر ، والغيب محمول في الشهادة ، والملك حامل للملكوت . # فلام لوح تفصيل الملكوت مدغم في لام لوح تفصيل الملك ، وهذا ظاهر تعرفه العقول . # والوجه الأوّل # أولى وأوجه فإنّ الظاهر والشهادة والملك ظهرت عن باطن سابق ، وغيب متقدّم ، ~~وملكوت محيط أوّل . # فافهم سرّ إدغام أحد اللامين في الآخر ، طردا وعكسا ، إن كنت ممّن له قلب ، أو ~~ألقى السمع وأنت شهيد وهو غايتك . # وكما أنّ مرتبة الغني الذاتي تقتضي الارتباط ، وتقضي بعدم التجلَّي وانقطاع ~~النسبة وما للتراب وربّ الأرباب من النسبة . # فكذلك ألف « الله » لم يتّصل بلامي الملك والملكوت لعدم الرابطة وانقطاع المناسبة ~~بين المطلق من حيث إطلاقه وبين المقيد من كونه مقيدا ، ولانقطاع اللاتعيّن عن ~~التعين . # وانفراد « الله » مستقلَّا بكماله الذاتي عن الاتّصال بالتعيّن الأسمائي والصفاتي ~~، وبما دونه من تعيّنات صور الجلال والجمال ، اللذين هما لوحا تفصيل الألف الذاتي ~~الإلهي المطلق النزيه المنزّه المقدّس تعالى . # وكما أنّه لا ارتباط بين الوجود والعدم ، ولا اجتماع بين الإطلاق والتقييد من وجه ~~واحد وبين التعيّن واللاتعيّن . # فكذلك لا ارتباط بين الألف واللام الأوّل ، ولكنّ اللام إذا اتّصل بالألف رفعه ~~الألف إلى مقام الإطلاق بالفتح الغيبي . # كما هو لفظ « اللام » في الوضع العربي المعتبر عندنا ، وفيما نحن بصدده فإنّه ~~بهذا الاعتبار لام وألف وميم ، فالألف منقطع عن الميم ساكن قد اتّصل اللام به ، ~~ففتحه للرفع ورفعه بالفتح إلى إطلاقه ، فلم يبق له حظَّا في اتّصال ميمه . # واللام الثاني هو لام لوح تفصيل الملكوت # متّصل بالتجلَّي الوجودي بالنسبة الأولى لقبول حقائق لام لوح تفصيل الملكوت نور ~~الفيض النفسي الوجودي ، وتجلَّي التعيّن الجودي . # في مقام العيني العياني الشهودي قبل عوالم الملك فإنّ عوالم الملكوت والمجرّدات ~~في زعم من يقول به من الأرواح والعقول والنفوس ، قبلت الوجود الفائض الواصل ~~بالتجلَّي الألفي النازل . # والتدلَّي النفسيّ الحاصل في الروح القابل من الموجد المتجلَّي أوّلا قبولا أحديا ~~جمليّا كلَّيا بلا واسطة وجودية عين نور التجلَّي النفسي الألفي الرحماني . # ثم فاض منها على ما أدغم فيها ، فلمّا سرى فيها ، كمّلها ورفعها وحملها وأوصلها ~~إلى إطلاقه ، فافهم . # البحث الخامس من البحث الثامن : # في وصل هذا الأصل # اعلم # أ # نّ الملكوت ، له نسبتان : نسبة إلى الملك ، وأخرى إلى المالك . # فبنسبته إلى الملك تظهر آثار المالك في الملك ، والملك في الملك ، ومن حيث نسبته ~~إلى المالك يتّصل به ويوصل من اتّصل به ويكمل من استكمل به ومنه . # فسكون لام الملك بهذا الاعتبار في تابوت سكينة لام الملكوت تحت إلقاء ألف التعيّن ~~الأوّل الإلهي المتلقّى من ألف النفس ، وبسكون القابل المتجلَّى له تحت حكم الملقي ~~الملقى نزل ألف التجلَّي سرّ التدلَّي ، ويحصل القبول والتلقّي لأسرار الترقّي ~~والتولَّي . # وفي هذا المقام يكون المطلق عين المقيد وبحسبه ، ويكون الألف عين اللام الأوّل ~~الساكن باتّصال الألف بتعريفيه إلى رأس الباء ووجود حقيقة لام لوح الملك. # لأنّ الألف المتجلَّى له ينقل بوجوده المقيّد وبماله ونفسه وبهويته ، فغني عنها ، ~~وخرج عن جميع ما يلزم الوجود من الحياة والعلم والإرادة والقدرة ونسبها ولوازمها ~~وعوارضها ولواحقها وعن نفسه وعينه وهويته وإنّيّته . # فأحبّ الله التجلَّي إذ ذاك ، وحمله على عرش الألف الأوّل الذي لا يوصل إليه ، ~~وهو منقطع النسبة بالغني عن لوحي لامي تفصيلي الملك والملكوت . # فكان سمعه وبصره ويده ورجله وجميع جوارحه وقواه وعينه ، ككون الظاهر عين المظهر ، ~~ولا حظَّ للَّام إذ ذاك من الحركة إلَّا السكون وهو الجزم فإنّ الوجه القابل من ~~المظهر ، للصورة الظاهرة فيه لا يظهر لاستهلاكه في عين الظاهر . # واعلم : أنّه لمّا وقع نور التجلَّي الألفي الخفيّ في همزة التعيّن الأوّل من ~~مطلق مرتبة التعين ، ولم يكن قابل ، فرجع في نفسه وانثنى ودار دورة نفسية وتثنّى ~~على حاقّ مركزه الأسنى ، وثنى إلى طلب القابل عنان عنايته وعيانه وثنّى . # ولمّا كان التجلَّي حبّيّ ، ودار بنفسه في نفسه دورا إحاطيا ، على جميع الأعيان ~~النّفسية والنسب العلمية والشؤون الذاتية التعينية . # حصلت بالعروج إلى أقصى مراتب الشهود ، والرجوع إلى منبعث التجلَّي من حضرة الجمع ~~والوجود دورة تامّة إحاطيّة في نفسه . # وانبعث بسراية أنوار التجلَّي الألفي الخفيّ حركة عشقية بين الحقائق التي للكثرة ~~النسبية المستهلكة قبل التجلَّي في قهر أحدية الواحد الأحد . # وهي نسب الملك والإضافة والتخصيص المذكورة في بيان الحركات الثلاث اللاميّة ~~فارتبط الإله بالمألوه والربّ بالمربوب والملك بالملك والملكوت بالمالك ، فوجدت ~~اللام الساكنة وهو لام الملك والشهادة مدغمة في لام الملكوت بهذا الاعتبار ، فلمّا ~~حصل الارتباط وظهر للألف لاتّصال اللام به الجمعية والانضباط. # رفع الألف واللام الثاني ، فارتفع بارتفاعه ، واعتلى وانطلق باعتلائه واتّساعه ~~إلى العلوّ الذاتي الألفي فإنّ الألف أخت الفتحة وأوصله بحركة الفتح إلى ألف « الله ~~» المتجلَّي . # وفي مقام شهود الألف وشهادته لا يظهر له بعد اللام الملكي المدغم في اللام ~~الملكوتي المفتوح بالألف الذي اتّصل به عين ولا حظَّ في الخطَّ . # والرقم الأحدية شكل اللام لأنّه أفناه عنه بالكليّة ولم يبق منه بقية ، حتى يظهر ~~وجود الألف لفظا لعدم ظهور سطح المرآة عند شهود الصورة فيها لأنّ الألف النفسي في ~~اللامين عينهما ومع كونه عينهما فإنّه غير متعيّن في عين تعيّنهما به وتعيّنه بهما ~~وفيهما تعيّنا يميّزه عنهما . # فلا يظهر له وجود في الرقم ، ولكن اعتبار اندغام لام الملك في لام الملكوت بتغليب ~~القوى والحقائق الروحانية الملكوتية على أحكام حقائق الملك والشهادة . # وبكمال تبعيّة الظاهر للباطن وانفتاح لام الملكوت القلبي إلى فوقيّته المطلقة ~~يظهر عين الألف غير المتعيّن في أعيان اللامين ، فيتّصلان به ويرفعهما بحركة الفتح ~~إلى العلو وإلى الفوقية الألفية ، فافهم قوله تعالى على لسان الكامل : # " من اتّصل بي رفعته ، ومن تقرّب إليّ شبرا ، تقرّبت منه ذراعا ، ومن تقرّب إليّ ~~ذراعا ، تقرّبت إليه باعا ، ومن أتاني يمشي ، أتيته هرولة ". # " وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ " آية 4 سورة الأحزاب. # البحث السادس من البحث الثامن : # في أسرار هاء « الله » تعالى وهي الكناية عن الغيب الذاتي الإلهي # والهوية المحيطة بالملك والملكوت ، والظاهر والباطن ، والغيب والشهادة . # وبيانه : أنّ الخطَّ الألفيّ النفسيّ ، إذا كان دوريا إحاطيا ، فإنّه تتّصل نقطته ~~الآخرية بنقطته الأوّلية إشارة إلى أنّ التجلَّي النفسي المستجنّ في الروح الإضافي ~~. # والألف الإلهية المستوية على عرش القلب الإنساني المؤمني التقويّ متّصل بالألف ~~الإلهية الذاتية الأوّلية الغيبيّة آخرا في صورة اللام المتّصل بالألف أحد الألفين ~~ظاهر والآخر باطن . # فتتحصّل للألف إحاطته بالظاهر والباطن ، والغيب والشهادة ، والملك والملكوت . # وهذه صورة الهاء التي للهوية الغيبيّة والعينية ، فهو الأوّل الخفيّ في اللفظ ، ~~الجليّ في الرقم ، وهو الباطن في همزة عين التعيّن الأوّل لفظا والآخر الظاهر بعد ~~اللامين لفظا لا خطَّا . # وهذا مقام اضمحلال أحوال السائرين واستهلاك مقامات السالكين وفناء أعيان الإنّيّة ~~الوجودية في الهوية الأحدية الجمعيّة الإحاطية بالأوّلية والآخرية والظاهرية ~~والباطنية . # حتى فني ما لم يكن ، وبقي من لم يزل ، كما قلنا في هذا المشهد : شعر : # هويّته أبقت فناء هويّتي %~% وإنّي به فيه عديم لواجد # وقد فنيت إنّيّتي في هويّة %~% إحاطية ذاتية لم تشاهد # ولأحدية العين الواحدة - التي لا عين غيرها - أنفة وغيرة من مقام الغيرية ، فلا ~~غير يثبت ، لظهورها ، ولا ظلام يقوم ، لنورها . # عطس رجل بحضرة الجنيد قدّس سرّه فقال : « الحمد لله » . # قال الجنيد : « قل كما قال الله تعالى : " الْحَمْدُ لِلَّه ِ رَبِّ الْعالَمِينَ ~~" * آية 2 سورة الفاتحة . # فقال الرجل : « ومن العالم حتى يذكر مع الله ؟ ! » # فقال الجنيد : " الآن يا أخي فقل فإنّ المحدث إذا قرن بالقديم ، لم يبق له أثر ". # وهذا مقام الوله الذي لأهل الفناء في الله تعالى . # ولكنّ الفاني إذا تحقّق بعد تعدّي مراتب فنائه وهي سبع على ما عرف وتحقّق فناء ~~فنائه ، تحقّق ببقاء الحق في هاء هوية الوجه الباقي في قوله : " كُلُّ شَيْءٍ ~~هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ " آية 88 سورة الفرقان . # حينئذ قال : " الْحَمْدُ لِلَّه ِ رَبِّ الْعالَمِينَ ". # كما قال الله تعالى وأشار إليه الجنيد رضي الله عنه -هو الأستاد المحقّق . # وهذا مقام الورثة في اللامقام وهو أعلى من مقام الأوّل بدرجات كثيرة ومراتب خطيرة ~~أثيرة لأنّه شهود محض ، لا يتحرّك معه لسان ولا يضطرب فيه جنان ، ولا يبلغه بيان ، ~~فافهم . # ثم نرجع إلى ما كنّا بصدده فنقول : # اللام الثاني لام عرش الألف ، والعرش ظلّ الله كما قال تعالى : " أَلَمْ تَرَ ~~إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ " آية 45 سورة الفرقان . # وبامتداد الظلّ الإلهي الذي هو لام لوح تفصيل الملكوت إلى الفوقية الإطلاقية ~~والعلوّ الألفي يظهر نون عين الألف . # والنون نونان ، قوسان لدائرة الهاء المحيطة باللامين ويتّصل الألف الآخر بالألف ~~الأوّل لكون النهاية منعطفة على البداية بعد انتهائه إلى الغاية والآخريّة متّصلة ~~بالأوّلية . # ويبقى لاما لوحي الملك والملكوت والظاهر والباطن متّصلتين ، فظهرت صورة الهاء ~~المحيطة بواوها الباطن . # وجزء الاتّصال بين اللام والهاء إشارة إلى سنّة الارتباط الذي به تقع المشاهدة ~~وهو مركز ألف لام العلم ، ومقام اضمحلال العدد في الواحد الأحد . # وفناء عين العبد فيمن أوجد « كان الله ولا شيء معه » وهو الآن على ما عليه كان . # والجزء الموصل بين لام الملك والشهادة ولام الغيب والملكوت مركز العالم الأوسط ، ~~ومحيط البسيط الأوسط ، وهو عالم الجبروت ، الثالث . # البحث السابع من البحث الثامن : في التتمّة انقطاع الألف الإلهي ظهور سرّ "كان ~~الله ولا شيء معه " # وتحقيقه في عالم الرقم والحروف المشاكلة للألف في عدم الاتّصال بما بعدها بعدد ~~الحقائق العالية العامّة لأنّها هي السلطان في وجودها . # وهي مظاهر التجليات الألفية المتدلَّية ياء ، ومناظر الهويات اليائية وهو فيها ~~وهي # : الدال ، والذال ، والراء ، والزاي ، والواو . # فالدال حقيقة الجسم الكلَّي . # والذال المتغذّي . # والراء هو الحسّاس المتحرّك . # والزاي الناطق . # والواو لحقيقة المرتبة الإنسانية . # وانحصرت حقائق حقائق عالم الملك والشهادة الظاهرة بعالم الكون والفساد في هذه ~~الحروف ، وهي لا تتصل بغيرها لأنّها حقائق الأجناس العالية . # فهي لا تتصل بغيرها -لكنّ الأشخاص تتّصل بها أجزاء ولكن يتّصل بها غيرها من غيبها ~~وما قبلها لأنّ العلم بالملك والشهادة من العالم متقدّم بالنسبة إلى العالم من ~~العالم على العلم بالملكوت وألواح الأرواح . # فلمّا تمّمت الهوية الأوّلية والآخرية والظاهرية والباطنية أراد الله تعالى أن ~~يظهر في المنتهى صورة المبتدأ في تقديم ألفه الأزليّ الأوّل المنقطع المنزّه عن ~~الاتّصال بما بعده من الحروف من كلّ وجه . # فأوجد هاء « الهو » متّصلا بواوه منقطعا عن ألف لام لوح الملكوت لفظا المتّصل ~~بلامه رقما وخطَّا ، فبقيت الهاء بواوها مستقلَّة في اللفظ ، منقطعة عن اللام . # ولأنّ مركز ألف العلم بالملكوت ولامه متّصل بألف الآخرية المنقطعة عن ألف ~~الأوّلية ، لظهور الحقيقة الإحاطية الهائية الغيبية وجد في عالم التخطيط لام لوحي ~~تفصيلي الملكوت المفتوحة لوجود الألف اللفظي النفسي متّصلة بصورة الهاء خطَّا ~~منقطعة بألفها عن الهاء لفظا . # وعن عالم الأنفاس تحقيقا لانفصال الحقّيّة عن الخلقية ، ففني المحدث بظهور القديم ~~. # فبقي ألفان : ألف الذات وألف العلم لأنّ الأوّلية والآخرية ، والظاهرية والباطنية ~~فنيت بفناء لام الملك في لام الملكوت ، كفناء لام الملكوت في ألف العلم المحيط . # فلم يبق إلَّا ألفان على أنفسهما منقطعتان بقيامهما عن رقدتهما وانحلالهما عن ~~عقدتهما ، فلمّا اتّصلتا ، فني كلّ منهما في الآخر وكذلك فنيت الأوّلية في الآخرية ~~والآخرية في الأوّلية . # وكذلك الظاهرية في الباطنية والباطنية في الظاهرية التي كان وجودها بألفي لامي ~~لوحي تفصيلي الملك والملكوت ، فحصل ألف واحد محيط بما بين بدايته ونهايته على شكل ~~الهاء ، وبظهور شكل الهاء المحيط الكلي الأحدي الجمعي علم أنّ الله أحاط بكلّ شيء ~~علما . # وأحصى كلّ شيء عددا ، فعاد الأمر آخرا ، كما كان أوّلا فإنّ التجلَّي الحبّي ~~الإلهي في بدء التجلي الإيجادي خرج من باطن قلب التعيّن الأوّل ودرج في الألف ~~النفسي ومرّ على حضرة أحدية الجمع في العلم الذاتي على جميع حقائق الشؤون الذاتية ~~والحقائق الفعلية الإلهية إلى أن يبلغ غاية حضرة الإمكان . # فلم يجد محلّ تعيّن التجلَّي تماما ، فرجع قهقرى إلى باطن القلب ، فتمّت دورة ~~التجلَّي ، فتنفّس بألف النفس المحيط كإحاطة التجلَّي الحبّي ، فلمّا كان ما كان ، ~~وبان ما بان ، بسرّ هذا الشأن ، عاد الأمر دوريا كما كان ، فما في الوجود إلَّا ~~الله العظيم الشأن " كُلُّ من عَلَيْها فانٍ . وَيَبْقى وَجْه ُ رَبِّكَ ذُو ~~الْجَلالِ وَالإِكْرامِ"آية 26-27 سورة الرخمن. # البحث الثامن من البحث الثامن في تكملة هذه التتمّة # أعلم : أنّ الحركات الإعرابية إشارات إلى النعوت والأحكام والصفات والنسب ~~والإضافات ، وإلى اللوازم # ولوازم اللوازم والتوابع واللواحق والعارضات . وكما أنّ الذوات تتميّز بالصفات ، ~~فكذلك بالحركات الإعرابية تتميّز الكلمات . # ولأنّ الأصل في هاء الله الذي هو ضمير الهوية الذاتية الإلهية إنّما هو الرفع ~~لكون الرفعة ذاتية لها ، وتوارد النصب والجرّ عليها إنّما هو بحسب القوابل . # فيستلزم الهاء وجود الواو بالضرورة لأنّ الواو أخت الضمّة ، والهاء محلّ التعيين ~~وحروف الاسم « الله » على عموم وجوهها من وصل وقطع هي الهمزة الأولى والهاء الأخرى ~~مخرجها من قرب القلب عندنا . # ثم إنّ اللام مخرجه اللسان الذي هو ترجمان القلب بين الهمزة والهاء لأنّ لام لوح ~~التفصيل ترجمان تعيّن الألف النفسي ولكون اللسان ترجمان القلب . # لا ما التفصيلين بين حرفي القلب كحصول مخرج اللام - وهو اللسان - بين الهمزة ~~والهاء ومخرجهما من حوالي القلب . # وواو « الهو » إشارة إلى الجمعية الأحدية الإنسانية الأخيرة التي للمرتبة وجودها ~~بالهاء المتّصل بها من غيبها وما قبلها . # ولمّا أفنت اللام اللوحية التفصيلية الملكوتية اللام اللوحية الملكية وأخذتها ~~عنها ، وأوصلها بحركتها الفتحية إلى الألف ، فوهبها الإطلاق الألفيّ والإحاطية ~~الهائية ، فظهرت مرتبة الحقيقة الأحدية الجمعية الإنسانية في واو الهاء ، فافهم . # البحث التاسع من البحث الثامن في واو الهوية # اعلم : أنّ الواو للمرتبة الإنسانية الكمالية الجمعية الأحدية من جهتين كلَّيتين ~~: # إحداهما : أنّ الواو ضمير الجمع في علم العربية . # والثانية : أنّ الواو ، لها الإحاطة والشمول بخصوصيات الحروف المترتّبة في ~~المراتب المخرجية إذ الواو تبتدئ ممّا بين الشفتين ابتداء جميعا في النفس . # ثم تمتدّ كذلك عارجة من الشفتين إلى الصدر ، ثم تعود إلى ما منه بدأت ، فتمرّ على ~~مخارج الحروف كلَّها في دورتها الإحاطية الجمعية ، فتنصبغ بأحكامها في تلك الدورة . # وأيض : الواو أخت الضمّة وهي الجمع ، وكما أنّ للواو الإحاطة والجمعية الباطنة ~~المعنوية ، فكذلك الهاء ، لها الإحاطة الظاهرة . # والواو باطن الهاء ، وابتداء حركة الهاء ومخرجها من باطن الصدر يمتدّ بها النفس ~~إلى ظاهر الشفتين ، ثم يعود إلى ما منه بدأ ، وتتمّ دورته محيطا بما مرّ عليه من ~~خصائص المخارج الحرفية ، فالهاء ظاهر الواو وحركة الواو من عالم الشهادة والملك إلى ~~غيب النفس . # ثم العود كذلك إلى ما بدأ منه ، فالهاء خارج في عروجه ، دارج في رجوعه ودروجه ، ~~والواو دارج في عروجه ، خارج في رجوعه بعد دروجه ، وعروجه بخروجه ، فهما منطبقان ~~أحدهما على الآخر انطباقا لا ينفكّ أحدهما عن الآخر كاعتناق اللام بالألف ، لا ~~يقتضي الانفكاك والطلاق عبوديّة لا تقبل الحرّيّة والعتاق . # ثم اعلم : أنّ الواو والهاء والألف والياء ، كلَّها مراتب تعيّنات الألف في ~~ألفيّته ، من كونه تعيّنا ممتدّا لا من حيث تعيّنه في المخارج ومناصب تبيّناته ~~ومخارج تجلياته ومدارج تنوّعات تعيناته ، فالألف المستقيم لعلوّه وفتحه وخروجه عن ~~القيود المخرجية الحرفية بعروجه ، والياء لانكساره وانخفاضه بتدلَّيه وتنزّله ~~وتجلَّيه بدروجه ، والواو لجمعه الباطن الجامع بين دخوله وخروجه ، والهاء لجمعه ~~وأحدية جمعه برجوعه وعروجه . # وفي تركيب هذه الحروف المقدّسة المحيطة الجامعة بعضها مع بعض على اختلاف أوضاعها ~~تكون الأسماء الإلهية المتصرّفة في الكون لأصحاب العلوم الروحانية في العوالم ~~العلوية والسفلية الجسمانية ، ولها معان في اللغة السريانية والعبرانية القديمتين . # وإذا عرفت هذا فاعلم : أنّ الوجود ظاهر النفس الرحماني ، والجمعية المرتبيّة ~~باطنته ، والنفس الرّحمانيّ مادّة الحروف الوجودية كلَّها وهو الألف وأوّل مبدئيّة ~~التعين الأوّل الموجب لانفصال الظاهرية والشهادة بالتعيّن عن الغيب المطلق كتعيّن ~~ألف "الله " في الهمزة ، واللام الأوّل للملك والثاني للملكوت. # إشارة إلى أنّ عالمي الملك والملكوت لوحان تفصّل فيهما الألف المجمل في الأزل ، ~~وبعد تفصيل الصورة الألفيّة في الظاهر والباطن والغيب والشهادة ، فلا بدّ من الجمع ~~والإحاطة الألفية الأولى أن يظهر آخرا بعد التفصيل وهو الإنسان الكامل . # وكما أنّه لا يكتفى من الإنسان بالنسبة إلى مراد الحق الذي هو كمال الجلاء ~~والاستجلاء على الصورة الظاهرة ، بل المراد جمعيّته الباطنة المرتبيّة التي هي ~~أحدية الجمع الكمالي . # بمعنى أنّ الإنسان الكامل يتحقّق بالبرزخيّة بين حضرة الوجوب وحضرة الإمكان آخرا ~~كما أنّ التعين الأوّل في الأوّل جامع بين حقائق الوجوب الحقّيّة وبين حقائق ~~الإمكان الخلقية جمعا أحديا قبل التفصيل فكذلك بعد تفصيل ارتباط حقائق الوجوب ~~بحقائق الكيان في مرتبة الإمكان . # فلا بدّ من جمع أحديّ يجمع جميع الحقّيات الألوهية الوجوبية الحقّيّة والجمعيّات ~~الكونية الخلقية ، وصورة هذه الجمعية هو الإنسان الكامل بالفعل ، فافهم . # البحث العاشر من البحث الثامن : # اعلم أيّدك الله بروحه ، وأمدّك بفتح لوحه وفتوحه من نور يوحيه : أنّ نفس الحقيقة ~~المطلقة - التي هي حقيقة الحقائق الكبرى # التي نظيرها النقطة في مطلق البياض إذا جاش بنفسها في نفسها فامتدّ للتفصيل ~~بحقيقة النفس ، كان في مبدأ الامتداد وحدانيا جمعيّا مشتملا على حقيقتي الظاهرية ~~والباطنية ، والفعل والانفعال . # ولأنّ القابل غير خارج عنه ينعطف الفيض النفسي على نفسه ، فيحصل بالعروج والرجوع ~~صورة الإحاطة بحقيقة فلك الإشارة . # والنصف الأعلى من هذا الفلك المحيط لعماء الربّ ، وفيه صور الربوبية وأشخاص ~~الحقائق الإلهية النورية الوجوبية ، كما أشار إليه رسول الله صلَّى الله عليه ~~وسلَّم عند سؤال أبي رزين العقيلي منه عليه السّلام : " أين كان ربّنا قبل أن يخلق ~~خلقه ؟ " # قال : " كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء " . # على ما سيأتيك نبؤه إن شاء الله تعالى . # والنصف الأسفل عماء الكون ، وأسميّه « غماء » بالغين المعجمة ويشتمل على الصور ~~الكيانية وموجودات الحقيقة الإمكانية ما بين المعنويّات الشأنية والكيانية. # ومجرّداتها العقلية والنفسية الروحانية ، وطبيعتها الجسمانية وعنصريّتها ~~الأركانية ، وسماويّها العلويّ وأرضيّها السفليّ وروحانيّتها الملكية والجنّيّة . # وغير ذلك من الصور المثالية المطلقة والخيالية المقيدة الحيوانية ، والصور ~~الذهنية واللفظية والرقمية ، فافهم . وما أظنّك تفهم ولكن تتخيّل وتتوهّم ، والله ~~الملهم والمعلم . # فالهمزة للتعيّن الأوّل ، والألف المنبعثة من التعيّن الأوّل هو النفس الممتدّ ~~وحدانيا قبل انفصال أحد العماءين عن الآخر . # وحكم هذه الحكمة يظهر فيمن يظهر الألف بالمدّتين : # الألف واللام من الله ، وذلك عند تلقين الشيخ ، وهكذا تلقّنت الذكر بالجلالة ~~جلَّت وعزّت من الشيخ رضي الله عنه ولنا في المدّات النفسية الإنسانية عند الغناء ~~وفي مدّات أصوات الشابّات وانعقادات الأنفاس بحسب الألحان والنغمات ، أسرار ~~وتجلَّيات وإلقاءات وتلقّيات لطيفة من حضرة اللطيف الخبير ، وسرّه ما ذكرت من سريان ~~سرّ النفس الرحماني في عالم الأنفاس ، فتذكَّر . # فاللامان لهذا الاعتبار عماء الربّ وغماء المربوب ، ولا شكّ أنّ غماء العبد مدغم ~~في عماء الربّ ، إذ الأرباب تستلزم المربوبين من وجه وتتضمّنهم من وجه. # وكذلك الإله المألوه ، والعلَّة المعلول ، والخالق المخلوق ، والرازق والمرزوق ~~وجودا وتقديرا إذ المتضايفان لا يعقل أحدهما بدون الآخر أصلا ورأسا ، ولا تحقّق ~~لأحدهما إلَّا مع الآخر وجودا وتقديرا . # فاللام الأوّل مدغم في الثاني لهذا السّر ، وباجتماع بحري العماءين في عين بحر ~~النفس المحيط بالكلّ تتحقّق أحدية جمع بحري الوجوب والإمكان بالصورة الإلهية التي ~~حذيت صورة آدم عليها ، فهي مجمع البحرين : بحر الغيب وبحر الشهادة ، وبحر الإمكان ~~وبحر الوجوب . # وإذا تعيّنت هذه الصورة الإلهية الجمعية إحاطيّة ، تعيّنت مرتبة الإنسان الكامل ~~في برزخ الجمع بين الحضرتين ، فيتحقّق للمحقّق المحقّ والمدقّق المدقّ أنّ الوجود ~~من مبدئه إلى منتهاه مراتب تجلَّيات الله فما في الوجود على الحقيقة إلَّا الله ، ~~كما قلنا : شعر : # هو الواحد الموجود في الكلّ وحدة %~% سوى أنّه في الوهم سمّي بالسوى # فإذا قلن : « الله » نشهد التعيّن الأوّل من الهمزة ، ومن المدّ النفسي الألفي - ~~الذي بعد الهمزة في صورة من يقول به - النفس الرحمانيّ وامتداده إلى أقصى مراتب ~~الجمع # والوجود ، ومن اللام الأوّل المدغم لوح تفصيل الملك . # ومن اللام الثاني المفتوح لوح تفصيل الملكوت ، ومن فتحه فتح باب الفتوحات الإلهية ~~والتجلَّيات النفسية الألفية الرحمانية من لوح التفصيل في أحد العالمين : # الملكي أو الملكوتي بأحد الاعتبارين المذكورين إن تذكَّرت . # ومن الألف الثاني الذي يظهر بعد اللام الثاني تحقّق وجود الحق وبقائه الدائم ~~الأزلي الإلهي ، بعد فناء حجابية العالمين : بـ " كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا ~~وَجْهَه ُ " آية 88 سورة القصص. # كما أشار إليه أيضا في ظهور وجود الله بعد تحقّق فناء عين السراب في شهود العطشان ~~"كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُه ُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَه ُ لَمْ يَجِدْه ~~ُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِنْدَه ُ فَوَفَّاه ُ حِسابَه ُ " آية 39 سورة النور . # وشهدنا أيضا من هاء الله إحاطة أحدية جمع الجمع الإلهي والعبدانيّ الملكي ~~والملكوتي بالإحاطة الكلية المشار إليها بقوله : " أَلا إِنَّه ُ بِكُلِّ شَيْءٍ ~~مُحِيطٌ " آية 54 سورة فصلت . # بجميع الإنّيّات الشأنية والكائنة ، ربّانيّها وكيانيّها . # ونشهد من الواو المتّصل بالهاء أحديّ جمع الجمع المرتبي الإنساني الكمالي . # فمجموع ما في الوجود ظاهر بالله ومظهره ، ناطق به ، وهو قوله وكلامه وفيه مسكه ~~وختامه ، ومنه فتحه ونظامه وبه قوامه وقيامه ، وهو قيّامه ، هو هو لا إله إلَّا هو ~~، سبحانه أن يكون معه غيره في الوجود وهو العزيز الحكيم . # وصل متمّم للبحث السابع في الإشارة إلى الاسم # العلم الحقيقي الوجودي المركَّب من الحروف النفسية الرحمانية ، وهو الاسم الأعظم ~~الذي به يكون التصرّف والتصريف في الأكوان والعوالم . # اعلم : # أنّ الاسم كما قيل كلمة مفردة دالَّة على معنى مفرد بالوضع غير مقترن بأحد ~~الأزمنة الثلاثة . # من خواصّ الاسم أن يخبر عنه ويخبر به ، ويدخله لام التعريف وتنوين التنكير . # والعلم من ذلك ما لا يدخله التعريف لاستغنائه عن ذلك . # ولمّا لم يوجد دالّ على الذات المطلقة تباركت من لفظ مفرد في النفس الإنساني ~~إلَّا هذا الاسم ، بدلالة الأحدية الجمعية والتركيبية الحرفية على ما تقدّم ووجدنا ~~في النفس الرحماني والوضع الإلهي كلمة تامّة الدلالة بحقيقتها وذاتها ووجودها ~~ومرتبتها وأحدية جمعها الكمالية على الذات المطلقة الإلهية . # دلالة مفردة أحدية جمعية غير مقترنة بالحدوث الزماني وهو الإنسان الكامل لكمال ~~دلالة ذاته على الذات ، وكمال دلالة أسمائه وصفاته على الأسماء والصفات. # أمّا ذاته فلأنّها جامعة لخصوصيات الذوات جميعها ، بل هي أحدية جمع جمعها الأوّل ~~والآخر ، على ما نذكره إن شاء الله في الفصّ الآدمي . # وأمّا صفاته فلأنّ الإنسان الكامل مسمّى بأحدية جمع جميع الأسماء الربانية ~~الحقّيّة والأسماء الكيانية الخلقية ، وموصوف منعوت بسائر الأسماء والنعوت الوجوبية ~~والإمكانية . # وأمّا مرتبته فأحدية جمع جميع المراتب الفعلية والانفعالية والوجودية والمظهرية ~~فإنّه البرزخ بين بحري الوجوب والإمكان ، والحدّ الفاصل بين التعين واللا تعين ، ~~والتقييد والإطلاق . والإنسان الكامل من حيث كماله ، له أحدية جمع جميع هذه ~~الجمعيات كلَّها بالفعل . # فلمّا دلّ بذاته ومرتبته وجمعيته على الجمعية الإلهية الكمالية ، دلالة جمعية ~~أحدية مطابقة لأحدية جمع جميع التعين الأوّل ، والحقيقة المطلقة الجامعة لجميع ~~الحقائق الكلَّية ، واستوعبت دلالته لجميع الحقائق الذاتية. # وأحاطت جمعيّته بالإطلاق والتعين والوحدة والأحدية والكثرة النسبية والوجودية ، ~~ولم يكن من الموجودات العينية موجود تكون له هذه الدلالة المحيطة الكلية المطابقة ~~للإحاطة والإطلاق الذاتيين . # تعيّنت علميّته الاسمية ، وقام هذا الاسم الأعظم مقام الإشارة إلى الذات المطلقة ~~الإلهية وأخّر بحقيقته من حقيقة الله ، فهو الاسم العلم للذات الموجدة للعوالم ~~كلَّها ، وهو الاسم الأعظم الذي هو مطلق التصرّف والتحكَّم على العوالم ، فافهم . # البحث الكلَّيّ : في المتمّمات والمكمّلات والخواتيم لهذه الأصول . # اعلم : أنّ فلك الحقيقة الإنسانية الكمالية كمرآة كريّة مجلوّة مسوّاة متمكَّنة ~~في مركزية دائرة الوجود المطلق العامّ ، وهي فلك الإشارة المحيطة بالموجودات كلَّها ~~، وحقيقتها هاء الهوية الكبرى التي تنقطع دونها الإشارات وتنتهي إليها الكنايات . # وهذا الفلك الأعظم محيط بفلكين عظيمين : # أحدهما : فلك حضرة الوجوب والإلهية والربوبية . # والثاني : فلك الحضرة الخلقية والحقائق الكونية . # وكلّ واحد من فلكي حضرة الوجوب والإمكان مركز دائرته ، وفلكه في أحد ربعي النصف ~~الواحد من قوسي دائرة الهوية الكبرى المشار إليها ، والنصف الآخر منه مطلق أبدا ~~إطلاقا فعليا حقيقيا لا حصر فيه . # ولا ينبغي أن يتصوّر من قولنا : « فلك » أو « دائرة » معنى الانحصار والتناهي ~~والتقيّد ، كما في محيط كلّ دائرة أو فلك جسماني . # فإنّ ذلك التناهي والانحصار بالنسبة إلى ما في ضمن المحيط لا للمحيط ، ولا يلزم ~~أن يكون كلّ محيط متناهيا أو واجهة مخصوصة . # فإنّ ذلك إنّما يكون في محيط غير مطلق الإحاطة ، ونحن لا نعني بهذه الدائرة ~~وفلكها إلَّا الوجود الحق المطلق غير المضاف المحيط الذي لا يتعقّل تناهيه من جهة ~~أصلا ورأسا ، فافهم . # وهذا الفلك المحيط أحد شطريه عالم الإطلاق واللاتعيّن وغيب الغيب والبياض المطلق ~~. # والشطر الآخر وهو نون القوس الثاني محيط على حضرتي الوجوب والإمكان وفلكيهما . # فنون هذا القوس من هذا الكتاب المحيط الأعظم نونان : # أحدهما : نون قوس دائرة الوجوب . # والثاني : نون قوس دائرة الإمكان . # ونسبة هذين القوسين أو النونين معا من الدائرة الكبرى نسبة النصف ونسبة كل واحد ~~من فلكي الوجوب والإمكان إلى الفلك الأعظم المحيط نسبة الربع إلى الكلّ. # وقد اشتملت دائرة فلك الوجوب في أحد الأرباع الأربعة من الفلك الأعظم على جميع ~~نسب الربوبية وحقائق الألوهية وأحاطت بصفات الذات الكلَّية ، وهذه الدائرة في سطح ~~عماء الربّ الذي ما فوقه هواء ولا تحته هواء . # وفي ضمن هذه الدائرة دائرة الإمكان محيطة على الحقائق الكيانية ، ومشتملة على ~~الأعيان والموجودات الإمكانية ، وكلّ واحدة من الدائرتين مرتبطة بالأخرى. # ومنضبطة بحيث إنّ كلّ نقطة في محيط دائرة كلّ واحد من مركزي فلك حضرة الوجوب ~~وحضرة الإمكان تحت نقطة من نقط محيط الآخر ، وذلك باعتبار تلازم إحداهما الأخرى . # ولكن بالنسبة إلى محيط الدائرة العظمى كلّ منهما في ربع يحاذي ويقابل الأخرى ، ~~وتلازم هذين الفلكين - محيطا أحدهما بالآخر تلازم ذاتي لا يقبل الانفكاك ، كما بين ~~حقيقتي الربّ والمربوب والإله والمألوه فإنّ الرازقية بلا مرزوق والخالقية بلا ~~مخلوق وجودا وتقديرا لا تحقّق لهما . # ودائرة كلّ واحدة من حضرتي الوجوب والإمكان تتحرّك إلى الأخرى بحركة عشقية غير ~~الحركة المتطابقة لحركة الأخرى فإنّ حركة فلك الوجوب والإلهية إلى حضرة الإمكان ~~للإحداث والإيجاد بالفعل والاقتدار والتأثير والإحاطة . # وحركة الفلك الخلقية إلى مركز فلك الوجوب والربوبية بالانفعال والانكسار ~~والافتقار والذلَّة والعجز والتأثّر والحدوث والتجدّد والانحصار . # وكلّ واحدة واحدة من الحقائق الكلَّية الكيانية والحروف الانفعالية الإمكانية ~~متوجّهة بافتقارها الذاتي إلى حقيقة كلَّية ربّانية وصورة إلهية حقّانية . # كتوجّهها إليها كذلك باقتدارها وتأثيرها وفيضها الجوديّ وانبعاث تجلَّيها الوجودي ~~إلى كل حقيقة حقيقة هي محاذيتها وربّها ، والفلك المحيط بالكلّ الذي هو فلك الأفلاك ~~الإلهية دائرة هاء الهوية الكبرى التي تتحرّك حركة محيطة كلية أحدية جمعية قهرية ~~دائمة ، يندرج في حركتها الحركتان المذكورتان لفلكي الوجوب والإمكان . # وكواكب هذه الأفلاك وأنوارها صور حقائق الربوبية ، وأنوار النسب الإلهية الوجوبية ~~، ونقط حقائق محيط فلك الذات الإلهية . # ولكل حقيقة كلية فلك يدور على مركز حقيقتها وبحركتها تتعيّن نقط محيط فلكها وهي ~~حقائق النسب الفرعية ، وهذه الأفلاك متداخل بعضها في البعض بحسب حقائقها ، ودرج ~~مراتبها ودقائقها ، وبحسب توجّهاتها إلى مظاهرها وامتداد دقائقها لإمدادها من ~~خلائقها . # وبتفصيل عظيم ليس هاهنا موضع تشكيلها ورسمها على تفصيلها ، نذكرها بإذن الله في ~~كتاب الألوهية ، إن شاء الله تعالى وهو الموفّق . # وصل في وصل # وإذا تقرّر ما ذكرنا ، فاعلم : أنّ المرآة - الكلَّية الكريّة الإنسانية المجلوّة ~~المذكورة أوّلا - هي في حاقّ المركزية التي للدائرة العظمى ، ومالها حركة أصلا ، بل ~~على تمكَّنها المركزي القطبي . # ولكنّ الدائرة المحيطة الهائية الكلَّية تقابل في حركتها الكلية المحيطة بكل ~~حقيقة حقيقة من حقائق العالمين في كل آن من الزمان كلّ جزء جزء فرضناه من هذه ~~الأكرة المذكورة . # فتظهر بالضرورة في ذلك الجزء من المرآة صورة الحقيقة المقابلة من دائرة الهوية ~~فيكون أحد طرفي الكرة المجلوّة - دائما - جامعا محيطا بجميع النقوش والصور والنقط ، ~~الذي يحاذيه من دائرة الهاء الكبرى . # فأحد شطري أحد شطريه وسع جميع ما في حضرة الوجوب من الحقائق الأسمائية والنسب ~~الربانية ، وكذلك وسع ثانيهما جميع ما في حضرة الإمكان من صور الأكوان ، فهو من هذا ~~الوجه حق خلق دائما ، واجب ممكن ، جامع بين الحقّية والخلقية ، # وهو من جهة أحد شطرية الآخر مطلق على جميع هذه الأمور الربانية والنقوش الكيانية ~~في محاذاة الإطلاق الذاتية ، ولا إحاطة ولا جمعية فوق هذه الإحاطة والجمعية. # فاستحقّ الإنسان الكامل لهذه الأسرار بهذا الاعتبار أن يكون دالَّا على ذات ~~الموجد دلالة مطابقة علميّة يقوم مقام الإشارة إليها لعموم نشأته وإحاطة حقيقته ~~وكمال جمعيته ، فهو قائم - لحقيقته في حاقّ مركزية فلك الكمال وبرزخ البحرين - مقام ~~العلمية ، وأغنى عن دخول لام التعريف . فافهم . # تتمّة للوصل # قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حكاية عن الله تعالى : « ما وسعني أرضي ~~ولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن » # وقال : « المؤمن مرآة المؤمن » ، فالعبد المؤمن هو المرآة المجلوّة التي تعطي ~~بسعتها لصورة الناظر الإلهي فيها الأمان عن التغيّر والتحريف . # فالصورة الظاهرة فيها ظاهرة في مرآة قلبه القابلة للصور والحقائق الإلهية ~~الوجودية ، وأمّهات أسماء الربوبية ، فقلبه نظير التعين الأوّل ، وحقيقة الحقائق ~~الإلهية والكيانية ، وحرف الحروف الخلقية والحقّانية. # ونفسه نظير النفس الرحماني الذي هو مادّة صور حروف الحقائق كلَّها ، كما أنّ نفس ~~الإنسان مادّة الحروف الإنسانية جميعها . # فهو إشارة إلى ألف الله ، والتعيّن النفسي من قلبه بالهمزة يشير إلى التعين ~~الأوّل ، وباطن قلبه يشير إلى لام لوح تفصيل الملكوت ، وظاهر صورته يشير إلى لام ~~تفصيل الملك . # وسرّه الوحداني وحقّه المستجنّ في قلبه وحقيقته ومظهريته الكاملة إشارة إلى الألف ~~الإلهي الذي بعد لام لوح التفصيل الملكوتي ، وهو بهويته الكلَّية الجامعة بين جميع ~~الجمعيات. # إشارة إلى الهاء التي هي آخر حروف الاسم « الله » فافهم . # فإذا فهمت هذا ، علمت أنّ الله قد نظم كليات نشأة الإنسان الكامل على مطابقة حروف ~~الاسم « الله » فهو إذن عرش الله ، كما أنّ محدّد الجهات عرش الاسم « الرحمن » ~~والكرسيّ الكريم عرش الاسم « الرحيم » إذ لكلّ واحدة من الحقائق الكلَّية الربانية ~~عرش كلي من الحقائق الكلية الخلقية الكيانية . # وهي حقائق الأجناس والأنواع العالية والمتوسّطة والسافلة بحسب عموم حيطتها وسعة ~~فلكها ، وعرش الاسم « الله » هو قلب الإنسان الكامل الذي وسعه حين ضاق عنه فسيح ~~عالم السماوات والأرض . # فهو الاسم العلم المشاربة إلى الله في الكشف الأتمّ والشهود الأعمّ ، كما قلنا في ~~مدح كامل عصره : شعر # لو كان فينا للألوهة صورة %~% هي أنت لا أكني ولا أتردّد # ولهذا لم يظهر دعوى الربوبية والألوهية إلَّا في هذا النوع ، وظهر أيضا فيه ضدّ ~~ذلك ، حتى لم يبق من الموجودات ما لم يعبده هذا النوع من العلويات والسفليات . ~~فافهم . # تكملة # المراد من وضع الاسم العلم هو الإشارة بذكره إلى المسمّى ، لا الإشارة إلى الاسم ~~أنّه هو هو ، فلا تكون الإشارة إلى هذا المذكور الكامل - لأنّه الاسم الأعظم العلم ~~إشارة إلى الله سبحانه فلا تغلط ، وافهم ، ما المراد ؟ - # بل وجوده في العالم إشارة من الله إلى الله ، فهو المثل المضروب بوجوده للمثل ~~المقدّس المنزّه عن الشبه # والمثل في قوله تعالى : " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ " آية 11 سورة الشورى . # "وَلِلَّه ِ الْمَثَلُ الأَعْلى " آية 60 سورة النحل . # ولمّا كان المراد من وضع الاسم العلم هو الإشارة بذكره إلى المسمّى . # فلو كان للذات المطلقة اسم علم لفظيّ ، لكان المراد من ذكره مع غيره تعريفها ~~وتعيينها فكل تعريف فإنّه مسبوق بالمعرفة . # والثابت أنّ الذات المطلقة لا تعرف ولا تعرّف ، فليس في وضع الاسم العلم من حيث ~~هذا الوجه فائدة ولأنّ تعريف ما من شأنه أن لا يعرف ، والإشارة إلى ما لا يتعيّن ~~للإشارة محال . # وأيضا : وضع الاسم العلم إنّما يكون فيما يدرك بالحواسّ ، أو يتصوّر في الوهم أو ~~ينضبط في العقل ، والذات المطلقة - تباركت وتعالت - لذاتها تقتضي عدم الانضباط في ~~المدرك ، وتمتنع عن إدراك الحواسّ وتصوّر الأوهام ، فوضع الاسم العلم لها من ألفاظ ~~النفس الإنساني ممتنع . # وأيض : لمّا كانت العلَّة الغائيّة من وضع الاسم العلم هو أن يتميّز المسمّى عمّا ~~يشاركه في نوعه أو جنسه أو صنعه وفنّه ، ويتعالى الجناب الإلهي عن الدخول تحت جنس ~~أو نوع أو يشاركه شيء ، فيتعالى أن يوضع له اسم علم من عالم الكلمات والحروف ~~النفسية الإنسانية ، ولا سيّما والاسم العلم لا يوضع إلَّا لما كان معلوما وهو من ~~حيث هو هو لا يعلم - كما مرّ مرارا - فيمنع عن وضع الاسم العلم عليه . # وأيضا : الأسماء والألفاظ دالَّات على المشخّصات الذهنية لا على أعيان الموجودات ~~العينية لأنّها تدلّ على المعاني ، وهي أمور ذهنية عناها العاني . # والذات المنزّهة تجلّ وتعظم عن جميع التشخّصات والتصوّرات والتعينات الخارجية ~~والذهنية والعقلية ، وليس من عالم اللفظ اسم مفرد مركَّب من حروف يسيرة تركيبا ~~جزئيا تقييديا ، له دلالة تامّة على الذات المطلقة على سبيل المطابقة . # فليس لها منه اسم علم ، وإنّما الممكن للعارفين به - سبحانه - والعالمين أن ~~يعرّفوه بالألفاظ الدالَّة على نسبته الذاتية وحقائقه الصفاتية لا غير . # خاتمة للتكملة في الاسم الأعظم # اعلم : أنّ الاسم الأعظم الذي اشتهر ذكره ، وطاب خبره ونشره ، ووجب طيّه عن علوم ~~الخلق ، وحرم تعريفه ونشره - من عالم الحقائق والمعاني حقيقة ومعنى ، ومن عالم ~~الصور والألفاظ صورة ومعنى . # أمّا حقيقته فهي أحدية جمع جمع الحقائق الجمعية الكمالية . # وأمّا معناه فهو الإنسان الكامل في كل عصر ، وهو قطب الأقطاب ، حامل الأمانة ~~الإلهية ، خليفة الله ونائبه الظاهر بصورته التي خلق عليها آدم عليه السّلام . # وأمّا صورته حسّا فهي صورة كامل ذلك العصر . # وهذا العلم الذي ذكرناه كان محرّما على جميع الأمم قبل نبيّنا صلَّى الله عليه ~~وسلَّم ، وأنّه كان محرّما على سائر الأمم قبلنا لأنّ الحقيقة الإنسانية الكمالية ~~لم تكن ظهرت بعد في أكمل صورتها . # بل كانت في ظهورها بحسب قابلية كامل ذلك العصر فحسب ، فلمّا وجد معنى الاسم ~~وصورته حقيقة بوجود رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أباح الله العلم به أعني ~~بمعنى الاسم الأعظم في أمّته التي هي خير أمّة # "كنتم خير أمة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ " آية 110 سورة آل عمران. كرامة لنبيّنا ~~صلَّى الله عليه وسلَّم . # وأمّا صورته اللفظية فإنّها مركَّبة من أسماء وحروف تركيبا خاصّا على وضع خصيص به ~~يعلمه من أعلمه الله به إمّا بلا واسطة : رؤيا أو كشفا أو تجلَّيا ، أو بواسطة ~~مظهره الكامل . # وقد اختلف العلماء الظاهرية فيه اختلافا لا يتدارك ولا يتلافى . # والصحيح أنّ الله تعالى طوى علم ذلك عن أكثر هذه الأمّة لما يعلم سبحانه في طيّه ~~من الحكم والمصالح ، ولم يأذن للكمّل والأقطاب الذين تحقّقوا بهذا الاسم حقيقة . # ومعنى وصورة أن يعرّفوا الخلق من هذا الاسم الأعظم إلَّا بعض أسمائه وحروفه التي ~~يشتمل عليها هيئاته التركيبية ويحتوي عليها وضعها وتركيبها الخاصّ المنتج لأنواع ~~التسخيرات والتأثيرات . # وأصناف التصريفات والتصرّفات في الكون من الولاية والعزل والإحياء والقتل والشفاء ~~والتمريض وغير ذلك . # فمن أسماء الله هذا الاسم هو " الله " و " المحيط " و " القدير " و " الحيّ " و ~~"القيّوم " ، # ومن حروفه « ، د ، ذ ، ر ، ز ، و ، لا » . # كما ذكره الشيخ رضي الله عنه في جواب مسائل سألها الحكيم محمد بن علي الترمذي ، ~~صاحب النوادر رضي الله عنه من جملتها قوله : # « ما الاسم الأعظم ؟ # وما حروفه ؟ # وما كلماته ؟ » فافهم ، والله الموفّق . # وهذا آخر كلامنا في هذا الاسم وهي الجلالة جلَّت وتباركت وتعالت في هذا الكتاب . # " وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ " آية 4 سورة الأحزاب . # . ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | البحث الثالث من مباحث خطبة الكتاب في سرّ " إنزال الحكم ".للشارح مؤيد الدين ~~قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # اعلم : أنّ « الإنزال » إنّما يتعقّل تحقّقه من علو إلى سفل . والعلوّ قد يكون ~~بالمكان وقد يكون بالمكانة ، فإنّ علوّ كلّ حقيقة اتّصفت بالعلوّ إنّما يكون بما ~~يليق بها ، وكذلك الإنزال والنزول والعروج حقائق نسبية لا تتصوّر إلَّا بحسب النازل ~~والعارج والعالي والدارج . # فإنزال الحكم من الحضرات العالية الإلهية المطلقة إلى مرتبة التعيّن والتقيّد في ~~حقائق القلوب الإنسانية الكمالية لأنّ العلوّ الحقيقي للإطلاق الذاتي وحضرة ~~الربوبية الفعّالية ، والتقييد والانفعال والنزول والانتقال للمرتبة العبدانية ~~القابلة للأثر . # وإن اعتبرنا الإنزال والنزول فيما نحن بصدده وهو" إنزال الحكم" من علو المكان ، ~~كان من السماوات وما فوقها من العرش والكرسيّ . # والحقيقة تقبل الاعتبارين جميعا على كثرة أنحائها وجهاتها واختلاف درجاتها ~~وطبقاتها فإنّ الحكم الإلهية تنزل من الحضرات الأسمائية المتعينة في أفلاكها ~~وسماواتها ، وأنّ لكلّ اسم أو أسماء فلكا وسماء فيها عرشه ، وهو يتجلَّى فيها وينزل ~~حكمته الخاصّة به من تلك السماء . # وذلك الفلك الخصيص به على أيدي سدنته الروحانية الملكية والنورية الكوكبية على ~~قلب "قلوب" الكلم # الكاملة المحمولة في الروح الإضافي الخاصّ المنفوخ في صورة النبيّ الكامل أو ~~الوليّ الذي هو مظهر ذلك الاسم ، وقلبه عرش الله المتعيّن في تلك الحضرة ، فافهم . # و " الحكمة " عبارة عن العلم بحقائق المراتب وترتيب المعلومات المترتّبة فيها . # فهو خصوص مرتبة في العلم ، كما أنّ « المعرفة » خصوص علم بالذوات والحقائق ~~المجرّدة من جهة حقّيّتها وتجرّدها عن اللوازم والعوارض واللواحق لا غير . # و « العلم » عبارة عن الإحاطة بحقيقة المعلوم كما هو ، مع لوازمها وعوارضها ~~ولواحقها ومراتبها فعلم أنّ الحكمة علم خاصّ بترتيب الحقائق في مراتبها الوجودية ~~الأزليّة الأبدية حسب تعيّنها في أعيان مراتبها العلمية الأزلية ، ووضع الأشياء في ~~مواضعها اللائقة بها ، فافهم . # فهذه حقائق العلم ، والمعرفة ، والحكمة من حيث هي هي ، سواء اعتبرت مضافة إلى ~~الحق أو الخلق ، ولها باعتبار الإضافة إلى حضرة الحق خصائص ، وكذلك بحسب الإضافة ~~إلى المرتبة الخلقية خصائص تقتضيها الإضافة لا بحسب الحقائق ، ليست كالأخرى فهي في ~~الحضرة الإلهية الوجوبية مطلقة ، محيطة ، قديمة ، دائمة ، فعلية ، غير متغيّرة ولا ~~متجدّدة ، كاملة ، مكمّلة . وهي بالنسبة إلى العالم مقيّدة ، محدثة ، مستفادة ، ~~انفعالية ، قابلة للتغيّر والنفاد والفناء والذهاب بحسب المرتبة التي أضيفت إليه ، ~~فافهم . # وإذا تحقّقت هذا فاعلم : # أنّ الحكيم الرحيم تجلَّى بحكمته الكلية الرحمانية السارية سرّ أحدية الجمع في ~~حقائق الأسماء وحضرات المسمّيات . # فلكلّ حضرة من حضرات الأسماء الكلية الكمالية وحضرات الأسماء التالية الفرعية ~~والنسب الحرفية أيضا حكمة خصيصة بها . # يقبض الله لها أهلا يفيض تلك الحكمة عليه ولكل حضرة من الحضرات عالم خصيص بها ~~يظهر آثارها وأفعالها وعلومها وحكمها وأحكامها وتجلَّياتها إتماما في عالمه . # وجميع الأسماء والحضرات أعوانها وأتباعها في كل ذلك ، ولا تستغني حضرة عن حضرة ، ~~ولا تنفرد بالاستبداد في الإمداد عن الاستمداد بالكلّ . # ولكنّ الغالب في كل عالم حكم حضرة خاصّة به على ما سواه ، وللكل في الكلّ بالكل ~~تعيّن كمالي ، فافهم # ولكل حضرة من هذه الحضرات إنسان كامل في كل عصر هو حامل حكمتها . # فكانت كمّل الأنبياء من آدم إلى محمد صلَّى الله عليه وسلَّم في دورة فلك النبوّة ~~، حملة أحكام هذه الحكم ، والحكم الجامع لجميع الأحكام الحكمية كلَّها . # والحكمة الأحدية الجمعية الكمالية لجميع الحكم إنّما هي في كلمة خاتم النبيين على ~~ما يأتي إن شاء الله . # ولمّا كانت الأفلاك الإلهية محيطة بأفلاك النبوّة ، وأفلاك النبوّة ظاهريّات ~~أفلاك الولاية ، كانت لهذه الحكم مظاهر وحملة من الأولياء بعد انقراض نبوّة التشريع ~~بخاتم النبيين ، محمد بن عبد الله المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم فلكل نبيّ وليّ ~~من هذه الأمّة كامل محمديّ قائم بمقامه وعلمه وحاله. # وحكم ذلك النبي المنزلة عليه من حضرة اسم « المتولَّي » إيجاده و « المفيض » ~~بتجلَّياته ، عليه عند ذلك الوليّ . # ويعرف بين أهل التحقيق مثلا بأنّه محمديّ المقام ، أو موسوي المقام والعلم والحال ~~، أو غيرهما كذلك . # ثم الأولياء والأقطاب الذين هم حملة تلك الحكم على أصناف : # صنف يأخذون الحكم عن أرواح أولئك الأنبياء الأوّل ولا يتعدّونهم أصلا ، وهؤلاء هم ~~ورثة الأنبياء المسمّون بأسمائهم والقائمون بأحوالهم وأعمالهم وعلومهم من حيث هم . # وصنف أعلى وهم يأخذون الحكم من الحضرات الأسمائية ، كما أخذتها الأنبياء بكمال ~~الاستعداد وقدم الصدق والعناية الإلهية . # وصنف لهم الجمع ، وهم المحمديّون الآخذون حكمة كل حضرة ونبيّ من الحضرة المحمدية ~~الجمعية الكمالية ،ويعرفون بالمحمديّين بعد نبيّهم إلى سائر الأنبياء. # فيقال : فلان موسوي ومحمدي وعيسوي كذلك عيسى بن محمد ، أو محمد بن عيسى مثلا وذلك ~~لأنّ سرّ أحدية الجمع المحمدي الإلهي سار في كل حضرة ومقام وحكمة ، فافهم . # وصل : في تتمّة هذا الأصل # اعلم : أنّ الحقّ تعالى و أولياؤه الذين آتاهم الله علوما وكتبا أمرهم بتصنيفها ~~وأملى على قلوبهم بألسنة الإلهام والإعلام مسائل تأليفها . # أجرى الله سبحانه سنّته وسنّتهم في كتبهم أن يحمدوا الله وينعتوه بالمحامد ~~والأوصاف الكمالية الخصيصة بعلوم ذلك الكتاب . # والمطابقة لمضمون ما فيه من فصل الخطاب لا بغيرها من المحامد بما لا يناسب حال ~~المصنّف الحامد فيما هو بصدده من الوارد والشاهد . # وذلك مثل ما نعت الله نفسه في مقام تعريف ربوبيّته العامّة المطلقة بربّ العالمين ~~. # فقال : " الْحَمْدُ لِلَّه ِ رَبِّ الْعالَمِينَ"آية 2 سورة الفاتحة . # ولمّا كان في مقام بيان إيجاد الذوات والصفات العلوية السمائية والسفلية الأرضيّة ~~، قيّد حمد الله بنعت « الخلق » و « الجعل » لكون الخلق إيجاد الذوات ، والجعل ~~إيجاد الصفات. # فقال : " الْحَمْدُ لِلَّه ِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ ~~الظُّلُماتِ وَالنُّورَ " آية 41 سورة الأنعام. # ولمّا كان في بيان أنّ القرآن منزل على محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - من الله ~~، قال : "الْحَمْدُ لِلَّه ِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِه ِ الْكِتابَ " آية 1 ~~سورة الكهف. # وكذلك المحقّقون من مشايخنا يتّخذون هذا الأصل في تصانيفهم ويتأسّون بسنّة الله ~~في كتبه المنزلة على الرسل وعلى الخصوص ، شيخنا وإمامنا مصنّف الفصوص ، وأولاده ~~الإلهيون من ورثة ختمية الخصوص. # ولهذا وصف الله تعالى بعد الحمد بأنّه منزل الحكم لكونه رضي الله عنه بصدد بيان ~~الحكم المنزلة على كمّل الأنبياء لأنّه تعالى أنزل الحكم من إطلاقها الإلهي من ~~الحضرات العالية إلى قلوب الأنبياء والأولياء وأرواحهم وأسرارهم . # فتعيّنت الحكم في مظاهرها وتبيّنت مقيّدة بخصوص مجاليها ومنازله . # . ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | البحث الخامس من مباحث خطبة الكتاب في ما وقع على "قلوب الكلم" .الشارح مؤيد ~~الدين الجندي قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # البحث الرابع مفقود فى الكتاب والمخطوطات فلنمضي بالبحث الخامس من المباحث ~~الكلَّية التي تحويها خطبة الكتاب # قال الشيخ - رضي الله عنه - : " على قلوب الكلم " . # يقال : أنزل إليه وأنزل عليه ، قال الله تعالى : " إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ ~~الْكِتابَ " آية 105 سورة النساء. # وقال : " هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ " آية 7 سورة آل عمران. # قال العبد : العلم بحقيقة القلب من أغمض العلوم الحقيقية ، وقد وقع خبط عظيم ~~قبلنا في تعريف المتقدّمين لحقيقة القلب وحقيقة الروح وحقيقة السرّ والنفس . # فمذهب الجمهور من المشايخ والحكماء والعارفين من أصحاب الرسوم والمترامين إلى طور ~~التحقيق - أنّ هذه العبارات والألفاظ مترادفة على حقيقة واحدة ، سمّيت بهذه الأسماء ~~في مراتبها ومقاماتها فسمّيت تارة روحا ، وأخرى نفسا ، ومرّة قلبا . # والكشف والتحقيق يقضيان بأنّها حقائق متمايزة بخصوصيات تميّز كلَّا منها عن الآخر ~~، ونحن نشير إلى حقائق هذه الأسماء والألفاظ ومدلولاتها بما يقضي به حقّ التحقيق ~~ويقتضيه الكشف والله وليّ التوفيق . # ونقدّم لذلك مقدّمة نافعة : # في سعة عالم المعاني وإحاطته # فنقول : عالم المعاني والحقائق أوسع وأعظم من سائر العوالم لعدم خلوّ عالم من ~~العوالم العلوية والسفلية جمليّا كان أو تفصيليا عن معان كثيرة قائمة . # بل التحقيق الأتمّ هو أنّ « العالم » عبارة عن معان قائمة بالوجود الظاهر بها ~~وعالم المعاني عبارة عن صور علم الحق بحقائق الأشياء . # ولا خفاء في سعة الحضرة العلمية وهي حضرة تعيّن معنويات الأشياء فكان عالم ~~المعاني أعظم سعة وأوسع فلكا وحيطة . # ثم العوالم بعدها في الوجود بعضها أوسع من البعض ممّا دونه في عالم الملكوت وهو ~~عالم الأرواح أوسع فلكا وأعظم حيطة من عالم الخلق والملك والشهادة . # ثم من عالم الخلق أيضا العرش والكرسي والأفلاك والسماوات أعظم وأوسع من عالم ~~الكون والفساد وبعض عالم الكون والفساد أيضا كذلك أوسع وأعظم ممّا دونه ، وهذا بيّن ~~بين أهل النظر . # ولمّا كان الأعلى أوسع وأعظم ممّا دونه ، فبالأولى والأحقّ والأخرى أن يكون عالم ~~الألفاظ والعبارات أقلّ وأضيق فلكا من عالم المعاني والحقائق . الذي هو أوسع ~~العوالم وأعلاها وأوّلها وأولاها. # فلو كانت هذه الألفاظ والعبارات أوسع فلكا وأعظم حيطة من عالم المعاني وذلك بيّن ~~البطلان على ما مرّ لكانت الألفاظ والعبارات أكثر من المعاني ووجدت ألفاظ لا معاني ~~لها ، وليس الأمر كذلك . # ولا يقال : قد يركَّب من الحروف ألفاظ لا معاني لها لكوننا لم نضعها لمعان . # لأنّا نقول : هب أنّكم لم تضعوها لمعان في زعمكم ومبلغ علمكم ، ولكن لم قلتم بأنّ ~~حروفها والتركيبات الخاصّة الواقعة فيها ممّا ركَّبتموها وما لم تركَّبوها . # وهي محتملة الوقوع فيها على اختلاف أنواع الأوضاع وكثرة أنحائها ليس في صلاحيتها ~~الدلالة على معان علمها الحقّ الذي هو الواضع الأصل الأوّل ، الذي يضع منها ما شاء ~~في نفوسكم وأذهانكم أن يضعوها على معان يعنونها . # فإنّ المعاني تعقّلات عناها العاني ؟ # بل المعاني والحقائق في علم البارئ وعلم أرباب علم الحروف موضوعات بإزاء الألفاظ ~~والعبارات . # وهي بحقائقها وبسائط حقائقها تطلب أنواع الأوضاع والتراكيب الواقعة فيها .. # وفيها دلالات ذاتية على المعاني والحقائق واللوازم والعوارض واللواحق عرفها ~~الواضع منّا أو لم يعرف وعدم علومكم بها لا يدلّ على عدم دلالتها على المعاني . # وأنّها غير ذوات المعاني إذ لا تعيّن لها في عرصة العلم الإلهي فإنّا نجد تراكيب ~~حرفية وهيئات فيها اجتماعية تعطي خواصّ غريبة وآثارا عجيبة في التكوينات والتصريفات ~~والتسخيرات . # كما تحقّق عند علماء علوم الأسرار والروحانيات والطَّلسمات ، ممّا لا يشكَّكنا في ~~آثارها المشهودة مشكَّك . # فتحقّق لنا بهذا وغيره أنّ أنواع التراكيب الواقعة والمحتملة الوقوع في الحروف ، ~~لها معان ومدلولات وإن لم نعلمها ولم نعثر عليها علمها الخلَّاق العليم بها . # فأنزل منها البعض في التعقلات والأذهان ووضع لها أن تضعها لمعان بعينها وتعقّلات ~~تعتبرها وتدبّر بها ،فيضعها الواضعون المصطلحون كذلك. # ويظنّون أنّها أوضاع أول لعدم علمها وكشفها في عالم المعاني التي هي صور معلومات ~~الحق ومعاني نسب علمه الأزلي القديم بالأشياء. # بل أوضاعنا لهذه الألفاظ بإزاء ما نعني من المعاني إنّما هي أوضاع ثوان وقعت بحسب ~~تلك الأوضاع الأول المعنوية العلمية الأزلية الأوّلية ،بموجب الحقائق الحرفية. # عرف ذلك العارف المحقّق ، وكشفه الكاشف المدقّق ، وتحقّق بحقيّة ذلك ، المحقّق ~~المحقّ ، وجهلها أهل الحجاب ، فلم يعثروا عليها وهم معذورون من وجه . # ولهذا السرّ قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - : « الألقاب تنزل من ~~السماء » . # وفي هذا المقام وجميع الألفاظ المترادفة في زعم القائلين بذلك وفي الألفاظ ~~المتواطئة والمشتركة أيضا لنا مع عامّة علم المعاني والبيان وظاهرية المنطقيين خلاف ~~قديم ، ونظر قويم ، وبحث مستقيم . # ليس هذا موضع تفصيله ، وفيما ذكرنا غنية لمؤهّل الكشف . فينحلّ بما ذكر أنّ هذه ~~الألفاظ المذكورة كالروح والقلب والنفس وغيرها هي ألفاظ دالَّات على حقائق متمايزة ~~ومعان متغايرة . # ولا يتحقّق الترادف والتواطؤ حقيقة إلَّا مجازا ، وبعد تقرير هذا الأصل نرجع إلى ~~ما كنّا بصدد بيانه . # بيان وجوه الفرق بين اللطائف السبعة الإنسانية # فنقول : اعلم : أنّ الإنسان في حقيقته وهيئته جمعية أحدية من جوهرين هم جسمه ~~وروحه : # أحدهما وهو الجسم : # جوهر ، متحيّز ، مظلم ، كثيف ، مركَّب ، عنصريّ ، ثقيل ، ميّت ، منفعل ، سافل ، ~~حادث ، متغيّر . # والثاني وهو الروح : # جوهر غير متحيّز يروّح الجوهر - المظلم الكثيف الميّت - عن ظلمته وكثافته وموته ~~بنوره الذاتي وحياته الحقيقية وبساطته الوحدانية وحركته وخفّته . # وهذا الجوهر الثاني غير المتحيّز لا يفتقر إلى متحيّز في تقوّم حقيقته وتحقّق ~~وجوده في عينه ، ويسمّى هذا الجوهر روحا مروّحا لجسمه عن خصائصه العدمية . # وبين الجوهرين تباين كلَّي في الحقائق ، فلا جامع غير الوجود والجوهر . # فأوجد الله من هذا الجوهر بهذه الحيثية والاعتبار جوهرا ثالثا هو النفس ، وهي ~~جوهر غير متحيّز وغير متقوّم بالمتحيّز ، له تعلَّق التدبير والتعمير والتسخير ~~بالمتحيّز ، وهو الجسم . # وذلك لأنّ النفوس الناطقة وإن كانت جواهر وحدانية نورانية فإنّها مشتملة على قوى ~~كثيرة وخصائص وحقائق كذلك . # ظهورها متوقّف على تعلَّق التدبير والتسخير والتعمير والتنوير بجعل الله تعالى ~~هذه الجواهر النفسانية الإنسانية وسائط بين الجوهر النيّر الحيّ الشريف الوحداني ~~القدسي الروحي ، وبين الجوهر الآخر المظلم الميّت المركَّب. # الكثير لمناسبتها الجوهرين بجهتيه : # الوحدانية المطلقة والكثرة النسبية. # والتقيّد بالتعلَّق بالمتعلَّق . # فأوصلت فضائلها القدسية وأنوارها الكمالية الروحية إلى الجوهر الآخر يحيا بها ، ~~وتنوّر وتروحن واكتسب الفضائل كلَّها . # فالنفس جوهر غير متحيّز ، له تعلَّق التدبير بالمتحيّز للتعمير ، والتشريف ~~بالتسخير والتصريف . # فحقيقة روح الإنسان نور التجلَّي النفسي الرحماني المتعيّن في ماهية القابل ~~الإنساني يروّحه بنسيم القدس ، وينفّس عنه كرب الطمس والليس ، فافهم . # وأمّا النفس فنفس رحماني متعيّن من روح نوراني في مزاج جسماني إنساني وغيره . # فهذا الجوهر هو المدبّر للبدن والمتصرّف فيه أنواعا من التصرّف بقواها الذاتية ~~لها ،كالقوّة العلمية والقوّة العملية اللتين هما ذاتيتان للنفوس. # وبهما تدبّر أجسامها وهياكلها ، وتظهر أحكامها وآثارها وقواها ، فبالقوّة العلمية ~~تعلم ما فيه مصالحها ومصالحه . # وتدبّر في موجبات ما به قوام جسدها وبقاؤه ، وبالقوّة العملية تعمل الأعمال ~~والصور . # ولها قوى كثيرة جزئية لازمة لهاتين القوّتين تظهر منها إذا تعيّنت في المزاج ~~العنصري بالإشراف عليه ، وفي قواه . # وهذه المباحث معلومة في الحكمة الحقيقة الكشفية لا الوهمية الرسمية . # وهي أعني النفس متعيّنة من النفوس الكلَّية المتعينة بالأفلاك وفيها ، متعيّنة في ~~الأمزجة القابلة لتعيّنها فيها من عالم الكون والفساد . # فبعد تعينها في المزاج وامتزاج الخواصّ والحقائق والقوى البدنية المزاجية ~~بالحقائق والقوى والخواصّ النفسانية وتفاعل بعضها في البعض ، تحصل منها هيئة ~~اجتماعية هي أحدية جمع حقائق الجوهرين جميعا . # وذلك لأنّ لكلّ واحدة من حقيقتي النفس والبدن خصوصيات وحقائق ليست في الأخرى . # وكما أنّ كل واحدة منهما متميّزة عن الأخرى بخصوصياتها الذاتية الجوهرية . # فكذلك بينهما وبين حقائقهما الذاتية ولوازمهما العرضية مناسبات هي ما به الاشتراك ~~والإيجاد والجمع ، كالإمكان والحدوث والوجودية والجوهرية والافتقار إلى أحدية الجمع ~~والوجود في ظهور آثارهما وأحكامهما وخواصّهما . # فكذلك لكل واحدة منهما قابلية واستعداد خاصّ تقبل به فيضا خاصّا وتجلَّيا معيّنا ~~من الحق يتعين في مظهريته وقابليته من الحضرات الأسمائية الخصيصة به فإنّه ما ~~استعدّ قابل كياني لتجلّ ربّاني إلَّا وفاض عليه من الرحمة الفائضة الوجودية ~~الجودية ما يخصّه ويناسبه . # ولا يحجبك ما يحصل في زعمك أنّ الجواهر الروحانية والنفسانية إنّما قبلت الفيض ~~الوجودي الذي وجدت به وقبلت الكمال الخاصّ بها كاملة دفعة واحدة في أوّل الإبداع . ~~واستقلَّت بذلك أبدا فإنّ هذا وهم من القائلين به . # بل هذه الموجودات وإن قبلت الوجود على الوجه الأكمل وصارت بذلك واجبة الوجود . # ولكن ذلك لم يخرجها عن الحقائق الإمكانية ونسبها العدمية فإنّ كلَّا منها مع قطع ~~النظر عن الوجود الفائض عليه وترجيح الموجد لجانب وجوده معدومة لأعيانها فإنّ ~~نسبتها العدمية الإمكانية تطلبها ، ولكنّ الله يوالي ويتابع عليها التجلَّيات مع ~~الآنات ، والتجلَّي الدائم بالوجود على ماهيات العقل والنفس والروح هو الذي يوجب ~~دوامها لا غير . # فهي بوجوداتها التي قبلت أوّلا تستعدّ لتجلَّيات أخر أبدا دائما ، وكل ما دخل في ~~الوجود لا يقبل العدم . # ولمّا تعيّنت الأرواح الجزئية والنفوس البشرية والملكية وغيرهما في أمزجتهما ~~الخصيصة بهما ، وتداخلت خصائص الكلّ في الكلّ ، وتمازجت الحقائق الروحانية والعقلية ~~بالحقائق والأحكام البدنية المزاجية بأحدية جمع الخصوصيات والأحكام التي للحقيقة ~~الروحية والحقائق والقوى والخواصّ والنسب الجسمانية ، فإنّ الهيئة الاجتماعية بين ~~خصائص الجوهرين الجمع بين حقائق الطرفين . # ثم إنّ لها بحسب كل نسبة وحكم من أحكام الجانبين نسبة وحكما خصوصيا جميعا أحديا ، ~~ليست في كل واحد من الطرفين ، تستهلك فيها صور الخصوصيات ، مع بقاء خواصّها في ~~الحكم القلبي الجمعي . # فالقلب حقيقة جامعة بين الحقائق الجسمانية والقوى المزاجية الجسمانية وبين ~~الحقائق الروحانية والخصائص والأحكام النفسانية . # والتجلَّي الخصيص بحقائق الجوهر النفساني والروحاني تجلّ متعيّن من حضرة القدس ~~والنزاهة والوحدة والعلوّ والفعل والشرف والحياة والنورية . # والتجلَّي المخصوص بالجسم متعيّن بأضداد ما للروح والنفس ، وذلك كتعين التجلَّي ~~في كل قابل بحسبه . # فلمّا ظهرت الحقيقة القلبية بأحدية الجمع ، استعدّت لقبول تجلّ إلهي وفيض جمعي ~~كمالي إحاطي ثالث لا يمكن تعيّنه في كلّ واحد من الجوهرين ولا في خصائص كلّ منهما ~~وحقائقهما على الانفراد . # وهذا الفيض المخصوص بالقلب الإنساني إنّما يكون تعيّنه من الحضرة الإلهية ~~الكمالية الجمعية وأصل حقيقة التعيّن الأوّل وهو المتعين بذلك التعين من كونه ~~مروّحا له عن نسبه العدمية ولأنّ المتعيّن بالتعين عن الحقيقة المتحققة في الإطلاق ~~واللا تعين . # وفي التعين كذلك ، كان للروح نسبة الأحدية والبساطة والحياة والنور والشرف ~~والنزاهة من جهة إطلاق التعين ، وحقيقة الجسمية من حقيقة الحقائق الإمكانية ~~المظهرية ، ولهذا غلب عليها التركيب والكثرة والظلمة . # والحقيقة القلبية الكمالية ، لها الجمع بين البسيط الشريف العالي النزيه المنيف ~~وبين المركَّب السافل الكثيف السخيف . # قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع ~~الرحمن ». # الإصبع الواحدة نعمة التجلَّي المتعين من حضرة الجلال والقهر والوحشة والستر و " ~~هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيه " آيه 76 سورة يونس . إذ ~~عيب العين ستر على نور السرّ . # والإصبع الأخرى نعمة التجلي المتعين من حضرة الجمال واللطف والأنس والنور والحياة ~~والنشر . # والأوّل يختصّ بجسمانيته . والثاني يتعلَّق بروحانيته . # والإصبع في اللغة العربية هي النعمة. # فقلب المؤمن بين نعم التجلَّيات الجلالية الجمالية الظلمانية الموجبة لسكون ~~النورية الروحية فيها وبين نعم التجلَّيات الجمالية الروحانية النورانية. # ولتحقّق الحقيقة القلبية بأحدية جمع الطرفين تختصّ بأحدية جمع النعمتين ~~والتجلَّيين فلها التجلَّي الكماليّ الجمعي الأحدي الإلهي الإنساني من كمالات ~~الإصبعين . # وهذا التجلَّي الثالث القلبي المتعين بسرّ الأحدية الجمعية الإلهية الكمالية من ~~الله المستوي على عرش أحدية جمعه القلبي الذي وسعه قلب المؤمن حين لم تسعه السماوات ~~والأرض . # وهو من حيث تعيّنه بالقلب يسمّى في عرف القوم بالحق المستجنّ في مظهرية الإنسان ~~الكامل ، كما أشار إليه الكامل - صلَّى الله عليه وسلَّم حكاية عن الله تعالى أنّه ~~قال : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن التقيّ المتّقي الوداع » . # يعني ما وسعه أرض الجسمانيات سماؤها وأرضها ، ولا سماء العلويات ، يعني الموجودات ~~الروحانية العالية لاختصاص كلّ واحد من الطرفين بما يضادّ الآخر في التجلَّي ، ~~وانحصاره في خصوصيته ينافي خصوصية الآخر ، ووسعني قلب عبدي المؤمن ، القابل المصدّق ~~لأخبار التجلَّيين ، فله الجمع بين الحسنيين ، والفوز بالجمع بين الكمالين . # ويسمّى هذا التجلَّي الحاصل لأهل القلوب في عرفهم بالسرّ الإلهي . # وسمّاه بعض المتأخّرين من محقّقيهم بالسرّ الوحدانيّ الذات . # ويسمّى في مشرب الكمال بالحق المستجنّ كما قلنا أي الباطن المستتر بمظهرية القلب ~~، لاستجنانه واستتاره بباطن القلب الإنساني الكمالي ، فافهم . # وإذا فهمت فقد علمت : حقيقة الجوهر الجسماني وحقيقة الجوهر الروحاني النفساني ~~وحقيقة القلب وحقيقة السرّ والحقيقة الإنسانية المتحققة بالكلّ والفرق بينه ، وما ~~به يختصّ كلّ حقيقة وتمتاز عن الأخرى ، وما به تشترك وتتّحد . # وأمّا الروح فهو نفس رحماني يروّح ماهية الممكن وحقيقة المظهر الكياني القابل ، ~~وينفّس عنها كرب العدم وحرج الصدر وضيق الفطن . # فالروح نور من الحق ينفّر ظلمة عدم الكون ، ويروّح القابل ، وينفّس عنه ، وذلك ~~النور نور التجلَّي الوجودي والفيض الجودي المتعين في القابل والمقترن عن أمر الله ~~ماهية الممكن أزلا . # فعلى هذا الروحيّة مرتبة تعمّ العقل والنفس والروح لأنّ حقيقة كل منها من نفس ~~الرحمن وبعد تعيّن الفيض الجودي النوري في القابل أوّل مرّة يصدق اسم الروح عليه . # ثم الروح وهو أوّل وجود القابل إمّا أن يقبل ويضبط التجلَّي المتوالي عليه لإبقاء ~~عينه ، ويعقل المتجلَّى عليه بذلك النور . # ويعقل ذاته وإمكانه وهو العقل ، وإمّا أن لا يعقل ذاته وإمكانه ، واستهلكه شهود ~~التجلَّي ، وأخذه التجلَّي عنه ، فهو الروح المهيّم . # وتقرير هذا التقسيم بوجه آخر : # هو أنّ التجلَّي النفسيّ الفائض من النور : إمّا أن يغلب العين القابلة ، ويقهر ~~الحقيقة الممكنة ، فلا تقوى على ضبطه ، فتستهلك في التجلَّي ماهيّة المتجلَّي له. # أو يكون القابل أغلب ، فلا يستهلك التجلَّي عينه ويقاومه بل يتعين التجلَّي فيه ~~بحسبه ، فيكون الغالب على التجلَّي حكم المحلّ القابل ، أو لا يغلب حكم أحدهما على ~~الآخر . # فالأوّل : عالم الأرواح المهيّمة تجلَّى لهم الله في جلال جماله ، فهاموا فيه ، ~~فلا يعرفون أنفسهم لكون التجلَّي أفناهم منهم . # والقسم الثاني : وهو ما غلب فيه حكم المحلّ والمظهر على حكم التجلَّي هم على ~~درجات : # فمنهم : من لم يغلب فيه حكم كثرة الإمكان على وحدة النور الفائض ، ولكنّه توحّد ~~به لكمال مناسبة القابل للتجلَّي ، وهذا شأن العقل الأوّل . # ومنهم : من غلب فيه حكم كثرة الممكن على وحدة التجلَّي ، فتعيّن النور فيه مفصّلا ~~تفصيلا لا يغلب فيه حكم الكدر على حكم النور ، بل يكون النور والروحيّة غالبا على ~~الظلمة العدمية الإمكانية ، وهذا شأن النفس الكليّ وهو اللوح المحفوظ . # ومنهم : من غلبت حجابية الكثرة على نورية التجلَّي وهو عالم الجسم ، فالروحية إذن ~~مرتبة محيطة بالعقول والنفوس والأرواح ، والعقل والنفس ، لهما خصوص مقام في الروح ~~وقد قال بعض المحقّقين عن العقل : إنّه الروح الأعظم . # وهذا المقدار الذي ذكرنا في بيان هذه الحقائق وضّح للمستبصر المنوّر الفهم حقيقة ~~القلب والعقل والنفس والروح والفرق المميّز بينها ، فلا يقع له خبط بين الحقائق ~~والمراتب إذ لا خبط في التحقيق . # وإذا تحقّقت ذلك فاعلم : # أنّ إنزال الحكم من حضرة الأحدية الجمعية الإلهية إنّما يكون على القلوب الأحدية ~~الجمعية الكمالية الإنسانية بين حقائق الروح والنفس والجسم . # . ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | البحث السادس من مباحث الخطبة سرّ" الكلم " .الشارح مؤيد الدين الجندي قبل ~~البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # وهي جمع كلمة ، والكلمة في عرف التحقيق هيئة اجتماعية حرفية من حروف النفس ~~الرحماني . # والكلم هاهنا فيما نحن بصدده عبارة عن الأرواح الإنسانية الكمالية الأحدية ~~الجمعية المتعينة من التجلَّيات النفسية الرحمانية بأحديّات الجمعيات الحرفية ~~الكمالية الإلهية . # قال الله - تعالى ” :إِلَيْه ِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ “ آية 10 سورة ~~فاطر. # أي الأرواح الطاهرة ، إمّا بالمعارج والانسلاخ من قانون الطريقة الخاصّة بخلاصة ~~خاصّة الأولياء ، أو على مدرجة العامّة في الموت أو النوم " الله يَتَوَفَّى ~~الأَنْفُسَ " آية 42 سورة الزمر. # أي الأرواح الناطقة " حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ "آية 42 سورة الزمر. # » يتوفّاها في منامها . # وقال الله تعالى في المسيح عليه السّلام : إنّه "كلمة " # " إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ ~~مَرْيَمَ "آية 45 سورة آل عمران. # " إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ ~~أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ " آية 171 سورة النساء # لكونه روح الله . # ولمّا كانت محالّ تنزّلات الحكم الإلهية هي أحدية جمع قابلية الكلم الجامعة بين ~~حروف عالم الطبيعة وبين حروف عالم الأرواح ، جعل إنزال الحكم على قلوب الكلم . # لأنّ الكلم في عرف العربية ثلاث يصحّ إطلاقها على الاسم . # والاسم " يقصد هنا الكلمة الأولى" في طور التحقيق هو الفاعل أو القابل فإنّ كلَّا ~~منهما يخبر به ويخبر عنه ، # وهو لفظ مفرد من الألفاظ النفسية الرحماني ة ، دالّ على معنى مفرد بالوضع الإلهي ~~أو الذاتي ، غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة . # إذ الفاعل هو الحق المتعين في أيّ مظهر وقابل من الأعيان الثابتة فرض . # وهو فرد أزلي ليس تعيّنه باقتران الزمان لكون كلّ اسم اسم إلهي متعيّنا في العين ~~الثابتة أزلا قبل وجود جزئيات الأزمنة . # وكذلك القابل لفظ أوّل ذاتيّ مفرد بعينه ليس بالزمان الشخصي ، وكل منهما يخبر به ~~ويخبر عنه ويعرّفان وينكَّران أحدهما بالآخر بأنّ كلَّا منهما لا يستغني عن الآخر ~~في تحقّق وجودهما ، لا في تحقّق أعيانهما . # الكلمة الثانية هو الفعل ، فيخبر به إذا التجلَّي وهو فعل المتجلَّي يخبر به عن ~~الفاعل المتجلَّي بموجب التجلَّي ، وعن القابل أنّه على خصوصيّة قضت بهذا الحكم ~~والتعيّن والتجلَّي ، ولا يخبر عنه من كونه فعلا ، وهو اعتبار التعين فقط مع قطع ~~النظر عن المتجلَّي . # فإن أخبر عنه كما يخبر عن الأفعال أنّها ماضية أو غيرها فذلك باعتبار المتجلَّي ~~وكون التجلَّي عينه . # والثالثة الحرف وهو الرابط ، وهو في طور التحقيق إشارة إلى النسب التي لا تحقّق ~~لها في أعيانها إلَّا بطرفيها . # والحكم لا تنزل ولا تتعيّن إلَّا في الأحدية الجمعية الكمالية ، ولا تظهر إلَّا ~~بها وفيه ، لا على مفرد مفرد لفظا ومعنى فافهم . # فلهذا أضاف إنزال الحكم وأسندها إلى « قلوب الكلم » لا على الكلم لما في القلوب ~~من الأحدية الجمعية الإلهية القابلة للحكم الجمعية الكمالية الأحدية لاختصاص هذا ~~الكتاب بذكر خصوص مشارب أهل الكمال . # " وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ " آية 33 سورة الأحزاب # . ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | البحث السابع من مباحث خطبة الكتاب "أحديّة الطريق الأمم" .الشارح مؤيد الدين ~~الجندي قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قال الشيخ - رضي الله عنه - : " بأحديّة الطريق الأمم " . # قال العبد أيّده الله : الطرق إلى الله كما قيل بعدد أنفاس الخلائق ، كثرة ~~الطرائق إنّما هي بحسب الطارقين والمتطرّقين من السالكين والسائرين والطائرين ~~والصائرين من الحقائق فإنّه ما من حقيقة كيانية أو ربّانية إلَّا وهي سالكة على ~~طريق خاصّة ونهج خصيص بها من عموم. # قوله - تعالى - : " لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً " آية 45 ~~سورة المائدة. # وهي التي منها جاء ، وهي مؤدّية لها إلى كمالها الخصوصي ، والطرق وإن كانت كما ~~ذكرنا فإنّها ترجع إلى طريقين كلَّيّين مشتملين على طرق لا تتناهى بعدد الأنفاس غير ~~المتناهية إلى الأبد : # يسمّى أحدهم في عرف التحقيق طريق سلسلة الترتيب ، والوسائط التي في مراتب الوجود ~~من العقل إلى القلم إلى اللوح إلى الطبيعة إلى الهباء إلى الجسم إلى العرش والكرسيّ ~~والفلك والسماوات والأرضين والأركان والمولَّدات إلى مرتبة الإنسان الذي هو آخر ~~الأنواع . # والثاني يسمّى طريق الوجه الخاصّ في عرف القوم ، ويسمّى أيضا طريق السرّ ، ولا ~~مدخل فيه بواسطة أصلا فإنّ الوجه الذي يرتبط كل موجود بالحق تعالى منه ارتباطا ~~ذاتيا لا بتوسّط واسطة ، فإنّ حقيقة المربوب مرتبطة بحقيقة الربّ ارتباطا لا يقبل ~~الانفكاك . # والارتباط أيضا على وجهين : # ارتباط من حيث الوجود العامّ ، وذلك في طريق سلسلة الترتيب ، وارتباط من حيث ~~العين الثابتة التي لكل موجود ، والتجلَّيات الحاصلة للعبد من هذا الوجه ذاتية ~~إلهية تقرب الأين ، ويقربها العين ، وترفع من البين البين ، وتجلو عن عين العبد ~~الغين والرين . # ومن هذا الطريق تكون الجذبة لأهلها وهو الطريق الأقرب الأمم . # والطريق الأوّل هو الطريق العامّ ، الذي تكون فيه الحجب والعقبات ، والوسائط التي ~~أشار إليها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله : " إنّ لله تعالى سبعين ألف ~~حجاب من نور وظلمة ، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدرك بصره " . # فالحجب الظلمانية مراتب عوالم الأجسام ووسائطها . # والحجب النورية مراتب عالم الأرواح النورية . # وهذه مراتب الخلقية الكيانية التي ذكرنا أصولها من كونها وسائط وأسبابا خلقية بين ~~الحق وبين السالكين إليه بقطع المقامات وطيّ المنازل والمسافات المعنوية المعقولة ~~والمحسوسة الصورية . # والعوالم الروحانية من الجواهر المجرّدة العقلية والأرواح والنفوس التي بين العبد ~~والحق ، فهي مراتب الحجب . # ما لم يتجاوزها السالك إلى الحق ، لم يصل إلى الحق فإنّه كما قال تعالى : " ~~وَالله من وَرائِهِمْ مُحِيطٌ "آية 20 سورة البروج. وهذا هو الطريق الأبعد . # والقاصدون من هذا الطريق وإن كثروا ، فالواصل منهم قليل جدّا ، وبالنادر يكون ~~الوصول . # وبعد حصول الوصول المتوهّم يحتاج إلى الرجوع في طلب الحق الذي رحل عنه في المنزل ~~الأوّل وجهله ولم يعرف ، كما قال بعض التراجمة : # ربّ امرئ نحو الحقيقة ناظر %~% برزت له فيرى ويجهل ما يرى # لأنّ الحق المحيط بكلّ شيء " وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ " آية 4 سورة ~~الحديد . # وأمّا طريق السرّ من جهة الوجه الخاصّ فهو الذي يحصل منه التجلَّي لأهل الجذبات ~~وهو الطريق الأقصد - أي الأقرب - للقصّد ، والأمم الموصل لمن أمّه من الأمم . # والسالك على هذين الطريقين : # إمّا حق أو خلق # والحق سلك على الطريق الأوّل إلى عبده الأكمل في الفضاء الأوسع الأشمل بالتجلَّي ~~الوجودي والفيض الجودي ، وسلوك الحق عليه إنّما يكون بتجلَّيه النفسي الرحماني ~~الأحدي الجمعي من حضرة العلم الذاتي بالتعين الأوّل إلى العين . # وأوّل منازله الكونية العقل الأوّل وهو القلم الأعلى والأرواح المهيّمة في فلك ~~الإشارة المشار إليها آنفا . # ثم النفس الكلية وهو اللوح المحفوظ . # ثم الهباء وهو الهيولى . # ثم الصورة . # ثم الجسم الكلّ إلى آخر الأنواع كما ذكر . # ثم الإنسان الكامل ، وله أحدية جمع جميع الكمالات كلَّها . # والمرتبة الأولى أحدية جمع جمع الحقائق كلَّه ، والتجلَّي الإلهيّ الوجودي يسلك ~~من التعين الأوّل إلى الإنسان الكامل بحصول كمال الجلاء والاستجلاء في غاية هذا ~~الطريق . # والحكم العامّة الظاهرة تنزل فيها وتتعين في كلّ مرتبة مرتبة وتنصبغ بكيفية ~~محلَّها وتتكيّف بحكمها إلى أن تصل إلى الإنسان الكامل. # والسالكون هنا إلى حضرة القدس واللاهوت إنّما يسلكون في معاريجهم على هذا الطريق ~~، وهو مترتّب بحسب حضرات الأسماء . # والضرب الثاني طريق الوجه الخاصّ الذي لا مدخل فيه لواسطة أصل ، كما ذكره . # وهو الوجه الذي به يكون الحق في سلوكه عين العبد وسمعه وبصره وجوارحه وقواه ~~الروحانية . # ثم يكون العبد عين الحق وسمعه وبصره ولسانه ويده ورجله ، ثم يجمع له بين ~~التحقيقين ، ثم يكون له مقام جمع الجمع والإطلاق . # والعبد السالك إلى الله على الطريق الأوّل" # إنّما يسلك على المقامات والمنازل بتسليك المرشد الكامل . # وهو وإن كان شاقّا وبعيدا وفيها من العقبات والحجب والمجاهدات ما لا يحصى ، ~~ولكنّه إذا وصل ، واصل إلى الله عليها كان كاملا يقتدى به. # وفيه من المعارف والفوائد والمنافع ما لا يعدّ ولا يحدّ ، وقليل ما هم مع كثرة ~~الخائضين فيه والسالكين عليه. # وذلك لأنّ السالك يحتاج إلى التحقّق بحقائق جميع الوسائط وتعدّيها إلى حضرة الله ~~الذي هو " # " من وَرائِهِمْ مُحِيطٌ " آية 20 سورة البروج. وهو طريق المعراج . # كما قال تعالى : "سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِه ِ لَيْلًا " آية 1 سورة ~~الإسراء. # أي في ليل الغيب الذي في سرّ كل عبد " من الْمَسْجِدِ الْحَرامِ " وهو قلب العبد ~~الكامل الذي حرّمه الله على غيره ، فلا موضع للغير في قلب العبد الكامل لكون الحق ~~ملأه. # " إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى " وهو الحضرة الألوهة الذاتية ، لا الألوهيّة ~~السارية في الحقائق بسراية الصورة. # " لِنُرِيَه ُ من آياتِنا " وهي حقائق العوالم والوسائط وصورها ورقائق نسب ~~الأسماء والروابط وآثارها. # " إِنَّه ُ هُوَ السَّمِيعُ " بعبده ما يوحي إليه من هذه الآيات و " الْبَصِيرُ " ~~بكمال استعداد العبد الذي به يسمع خطابه في الطريق ويبصر آياته. # فهو سمع الحق وبصره ، في عين كون الحق سمعا وبصرا له في كل ذلك . # وإذا سلك العبد بالحق على الطريق ، أو سلك الحق بعبده جمعا وفرادى على طريق ~~الجذبة من جهة رفع الوسائط والحجب كما أشار إليه صلَّى الله عليه وسلَّم : " زويت ~~لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها " عنى طويت لي أرض عالم الإمكان وحجابيات وسائط ~~الأكوان ، فأريت مشارقها التي تطلع منها الأنوار الأسمائية ، ومغاربها التي تغرب ~~فيها تجليات السبحات الوجهية ، فافهم . # تجلَّى الحقّ للعبد في هذا الوجه من عين العبد . # فإذا أشرقت سبحات وجهه عنه عليه ، أحرقت حجابية العين ، واستوى على عرش العرش . # وفي هذا السلوك يكون عين العبد طريقا للحق في سلوكه إليه ، وفي سلوك العبد إلى ~~الحق يكون عين الطريق وعين السالك ورجله التي يمشي عليها ، فافهم . # ففيه مباحث الطريق وأقسامه ، والسالكين على اختلاف طبقاتهم ، وغير ذلك . # والله الموفّق . # . ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | البحث الثامن من خطبة الكتاب "من المقام الأقدم وإختلفت النحل والملل لاختلاف ~~الأمم " .الشارح مؤيد الدين الجندي قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قال الشيخ رضي الله عنه : # « من المقام الأقدم وإن اختلفت النحل والملل لاختلاف الأمم » # قال العبد : # إنزال الحكم على وجهين كما ذكر من مقامين أحدهما أقدم من الآخر ، لأقدم الزمان ، ~~المعلوم لعلماء الرسوم ، بل تقدّم المرتبة والذات : # المقام الواحد : مقام حضرة الألوهية والربوبية ، ويكون إنزال الحكم من حيث هذا ~~المقام تفصيليا متعدّدا بحسب تعدّدات الحضرات الإلهية . # فحكمة حضرة : اللطيف ، والجميل ، والمحسن ، والعطوف ، والرؤوف ، وأخواتهم تباين ~~حكمة حضرات : القاهر ، والجليل ، والشديد العقاب ، والمعذّب ، والمنتقم ، المتكبّر ~~. # والمقام الثاني : هي حضرة الأحدية الذاتية ، ويكون إنزال الحكم من حيث هذا المقام ~~حكمة واحدة ينتفي عنها الكثرة الوجودية الأسمائية . # ولهذا قال رضي الله عنه :" بأحدية الطريق الأمم " ، يعني طريق الوجه الخاصّ . # وإنزالها من المقام المذكور أوّلا وهو الأخير رتبة من حضرات الأسماء على طريقة ~~سلسلة الترتيب والوسائط إلى قلوب الأنبياء والأولياء الذين هم مظاهرها الخصيصة بها ~~اختصاصا يقيّدهم بها . # وإنزالها من المقام الثاني في الذكر وهو المقام الأقدم في الرتبة ، مقام الحضرة ~~الذاتية الإلهية المسمّاة بأحدية جمع جميع الحضرات الأسمائية والمتجلَّية بأحدية ~~الجمع الثاني الإلهي منها وعليها بأحدية الطريق الأمم إلى قلوب الكلم من الحضرة ~~المحمدية الجمعية الأحدية الكمالية الختمية خاصّة . # فالحضرات الأسمائية الإلهية من كونها ذاتية للذات اللاهوتية وإن كانت كلَّها ~~قديمة ولكن اعتبار أحدية الذات أقدم بالرتبة وذلك لأنّ الأحدية والواحدية ذاتيّتان ~~للواحد للذات # فأمّا أحديّتهما فمقام انقطاع الكثرة النسبية والوجودية واستهلاكها في أحدية ~~الذات " قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ " فنفى العدد ونعت بهاء الهوية " الله الصَّمَدُ " ، ~~لأنّه المبدأ ، وإليه يقصد ويصمد ، وعليه المعتمد . # وأمّا واحديّتها وإن انتفت عنه الكثرة الوجودية ، ولكنّ الكثرة النسبيّة متعلَّقة ~~التحقّق فيها إذا الواحد من كونه مبدأ للعدد نصف الاثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة ~~، وجزء من أيّ عدد فرضت . # وهذه النسب ذاتيّة التحقيق للواحد ، ولكن ظهورها مشروط بتعدّد الواحد بذاته في ~~تفاصيل مراتب العدد وجودا وعلما . # فافهم تفهم تقدّم مقام الأحدية على مقام الواحدية والحضرات الأسمائية ، إن شاء ~~الله تعالى . # والحكم الإلهية الأحدية الجمعية وإن كانت منزلة على قلوب الكلم الكمالية بأحدية ~~الطريق الأمم ، ولكنّ الشرائع والمذاهب والأديان والملل مختلفة جدّا . # كما قال الشيخ رضي الله عنه : " وإن اختلفت النحل والملل لاختلاف الأمم " وذلك ~~لأنّ المتديّنين والمتشرّعين من الأمم مختلفون في أمزجتهم وأحوالهم ومراتبهم وعرفهم ~~وعاداتهم ومآخذ نظرهم ومعتقداتهم ، فتختلف الحكمة الواحدة والكلمة إلى حكم كثيرة في ~~كلمة كثيرة كذلك . # والحكمة في حقيقتها الأحدية واحدة ، والكلمة واحدة ، والدين واحدة ، والأنبياء مع ~~كثرتهم دعوتهم إلى ربّ واحد ، وهم على إلّ واحد . # قال الله تعالى - : " شَرَعَ لَكُمْ من الدِّينِ ما وَصَّى به نُوحاً وَالَّذِي ~~أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا به إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا ~~الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه " آبة 13 سورة الشورى. # فصرّح أنّ دعوة الكلّ إلى إقامة الدين الواحد والأمر بأخذه والنهي عن التفرّق فيه ~~، وهو سرّ التوحيد ، ولكن ظهور هذا السرّ الواحد في الكثيرين إنّما يكون بحسب ~~الكثيرين . # وذلك لأنّ أهل كل عصر يختصّون في الأحوال والأعمال والعلوم والأخلاق والعرف ~~والعادات والاعتقادات بأمور لا يشاركهم فيها أهل عصر آخر. # وإن اشتراك أكثرهم بعضهم من البعض في أمور أخر ، ولكنّ الخصوصيات تقتضي تعيّن ~~الدين الواحد الإلهي والحكمة الإلهية المنزلة إلى قلب كامل ذلك العصر بحسب ما تقتضي ~~استعدادات أمّته وأحوالهم وعاداتهم وعلومهم واعتقاداتهم . # وتستدعي من تلك الحكمة المنزلة حكما مناسبا إصلاحها دنيا وآخرة وتكون معجزات ذلك ~~الكامل وكراماته بفضائل خارقة لما اعتادوا من الكمالات والفضائل الحاصلة لهم . # خارجة عن قوّة إدراك أفاضلهم سواه ، كما كانت معجزات موسى في زمان السحرة بأمر ~~خارق العادات السحرة وعرفهم فيما أتى به موسى على نبيّنا وعليه السلام خارج عن ~~مداركهم وعلومهم ، مع كونها موهمة بأنّها من قبيل ما علموا وعملوا وعرفوا من علم ~~التصريف و التكوين في رأي العين . # كما كانت معجزات عيسى عليه السّلام في زمان الحكماء والأطبّاء والطبيعيّين من ~~الفلاسفة كجالينوس وغيره ، خارقة لعاداتهم وخارجة عن إدراكاتهم وعلومهم ومفهوماتهم ~~. # مع كون ذلك من قبيل ذلك كإبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى ، التي ليس في ~~قوّة الطبيب الإبراء عنها بالأدوية والأشربة والمعاجين التي في عرفهم ومعرفتهم . # وغير ذلك من المعالجات المنتجة للبرء والشفاء عنه ، فلمّا جاء عيسى بما ليس في ~~قوّة الطبيب الإتيان به في علاج ما ليس عندهم الشفاء عنها كالموت وهو الداء العضال ~~وإحياء الموتى وإبراء الأبرص ، فآمنت أفاضل الحكماء الطبيعيّين ، ومن لم يؤمن به ~~غلبت حجة الله عليه بذلك . # وكذلك لمّا كان الغالب في زمان محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم الفصاحة والبلاغة ~~والخطابة والكهانة والشعر ، نزل القرآن بالفصاحة المعجزة للمفوّهين من الفصحاء ~~المعلَّقين والبلغاء ، فأعجزهم عن الإتيان بمثله قال تعالى : " قُلْ لَئِنِ ~~اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا ~~يَأْتُونَ بِمِثْلِه ِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً " آية 88 سورة ~~الإسراء. # فتكاثرت الكلمات والآيات والحكم والعلوم والأذواق والمفهومات # والأديان والملل والنحل لاختلاف الأمم المختلفة والأشخاص والأحوال والصفات ~~والذوات والمدارك والعرف والعادات والعلوم والاعتقادات ، فافهم . # ففي هذا البحث من العلوم والمباحث أكثر ممّا التزمت في هذه الخطبة . # " وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ " # . ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | البحث التاسع من مباحث خطبة الكتاب وصلَّى الله على "ممدّ الهمم" .الشارح ~~مؤيد الدين الجندي قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | البحث العاشر من مباحث خطبة الكتاب "في إمداد الهمم القابلة للترقي" .الشارح ~~مؤيد الدين الجندي قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # وذلك لأنّ الحقيقة المحمدية بأحدية جمعها وبرزخيّتها تمدّها من جميع الحضرات ، ~~حتى تقبل أسراره ، وتعدّها للتجلَّي التنزّلي بإسرار تلك الحكم إلى قلوب الكلم ، ~~الكلَّية الجامعة النبوية من صور تفصيل النشأة المحمدية . # وإمداد الهمم على وجهين : # أحدهم بترتيب المقام الذي تعشّقت به الهمم ، والحال التي تخلَّقت بها ، والكمال ~~الذي تعلَّقت به . # فيبيّن للمستعدّين وجوه النقض الوارد عليه والنقص الواقع فيه والفساد الذي في ~~التقيّد بذلك المقام والتعشّق بتلك الحال ، حتى ينقلع تعلَّق همّته عمّا تقيّدت به ~~، وطيّة الغاية والنهاية . # فإذا انقلع وانقطع عمّا يعشق به ، عالجه المرشد بالوجه الثاني . # الُثاني : وهو التعريف بما هو أعلى وأشرف وأفضل من المقامات ، وبيان الحالة التي ~~هي أعزّ وأكمل وأجمع وأشمل من حالتها الأولى . # وتعليم العلم الذي هو أتمّ وأعظم وأعمّ وأجمع وأنفع من علمه بالمقام الأوّل ، ~~وترقية همّته إلى الاتّصال بذلك والاتّصاف به ، وهذا في مقام البيان ، والإرشاد ~~بالكلام واللسان . # وأمّا إمداده صلَّى الله عليه وسلَّم بالهمّة : # فإنّ همّة الحقيقة المحمدية الكمالية سارية بسرّ الملإ من حضرة أحدية جمع الجمع ~~والعدد ، ونون مدّات المداد النفسي الرحماني أبدا لأبد . # في جميع الهمم المتعلَّقة بجميع الكمالات ما انطلق منها وما تقيّد ، وما تكثّر ~~وتعدّد فتجدّد فتحدّد ، وما توجد وتأبّد إلى أبد الأبد . # منتهى الأمد وغاية السرمد وذلك لأنّ الإمداد إنّما تصل وتتعيّن مرتبته الأزلية ~~الأبدية ، وهي برزخيّته الكبرى الجامعة بين الإطلاق والتعيين الذاتيين . # وأحدية جمعه بين الغيب الذاتي الباطن أبدا وبين الشهادة المتعيّنة بالتعيّن ~~الأوّل المحيط بجميع التعينات الوجودية والذاتية الشهودية . # والنون الأوّل: الجمعي الذاتي الذي منه جميع المدّات المدادية ، وانبعاث الأنفاس ~~الرحمانية الإمدادية ، فمن حقيقته صلَّى الله عليه وسلَّم يتعين الإمداد ، ولكن ~~ظهورها من حضرة الرحمن بالنفس الرحماني . # فالنون وهو الدواة لغة ها هنا مجتمع المدّات المدادية ، ومنبعث إمداد التجليات ~~الإمدادية . # وللنون الذي هو مجتمع مداد الموادّ الحرفية النفسية الرحمانية من كونه أمّ الكتاب ~~خمس مراتب : # أحدها : التعيّن الأوّل الذي هو جمع جميع الحقائق الكيانية والربّانية ، والحروف ~~الفعلية المؤثّرة الوجوبية ، والمنفعلة المتأثّرة الإمكانية ، وهو أمّ الكتاب ~~الأكبر . # والنون الثاني : دواة المدّات المدادية التي هي مادّة الحروف الإلهية النورية ، ~~وهيولى الصور الفعلية الوجوبية ، وعماء الربوبية . # والنون الثالث : هو حقيقة الحقائق الكونية التي هي أحدية جمع جميع الكائنات ~~المشار إليها بـ « أوّل ما خلق الله الدرّة » وفي رواية " البرّة " . # وهو مجتمع مدّات الحروف الكونية ، وهو أمّ الكتاب المسطور في الرقّ الوجودي ~~المنشور . # و الرابع : أمّ الكتاب المبين وهو اللوح المحفوظ المصون ، ويسمّيها أهل الحكمة ~~العرفية النفس الكلَّية ، ومحلّ تعيّنه من عالم الأجسام في الفلك الثامن من فلك ~~الكرسيّ الكريم ، وفيه تفاصيل تعيّنات المظاهر الكاملات من الكلمات والآيات والسور ~~والكتب كلَّه . # والخامس : نور الأقدار وهو أمّ الكتاب الموضوع في روحانية القمر روحانيات فلكه . # فهو مجتمع الأضواء والأنوار والأشعّة والاتّصالات والانفصالات ، فهذه مراتب ~~النونات التي منها الإمداد ، وهي المرآة لصور الآحاد والأعداد والاستعداد ، ~~والإعداد لأهل الاسترشاد . # . ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | البحث الحادي عشر من مباحث خطبة الكتاب "في الهمم" .الشارح مؤيد الدين الجندي ~~قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # وهي جمع « الهمّة » من همّ : إذا اندفع في القصد . # والهمم هي البواعث الطلبية المنبعثة من النفوس والأرواح لمطالب كمالية ومقاصد ~~غائيّة جمالية أو جلالية. # وتتفرّع الهمم وتختلف بحسب تنوّع أهلها واختلافهم واختلاف مداركهم وعلومهم ~~ومراتبهم ودرجاتهم وطبقاتهم : # فمنهم : من يهتمّ ويتهمّم بالمهمّات الدنياوية وغايات متعلَّقات هذه الهمم ~~والكمالات الدنياوية المنحصرة أحوالها في الملابس والمآكل والمشارب والمناكح ~~والبنين والأموال والجاه الدنياوي . # وعلوّ هذه الهمم عند أهلها بالتكاثر ممّا ذكر والتفاخر فيها فالأكثر مالا وبنين ~~وجاها وملكا ، فهمّته أعلى فيما توهّمه كمالا . # ومنهم : من همّته متعلَّقة بالكمالات الروحانية الأخراوية المترتّبة بين أهلها . # كما قال تعالى : " وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا " آية ~~21 سورة الأسراء . لأنّها أكثر كمالات وأكثر تفصيلا . # وهؤلاء من قبلهم من أهل الدنيا وأهل الآخرة . # ومنهم : من تتعلَّق هممهم بالله وبما عند الله ، والتفاوت بالتفاضل بين هؤلاء ~~الرجال في حظوظهم من الله ، وهم أضعاف ما تقدّم منهم على كثرة بين الصنفين ~~الأوّلين. # قال تعالى : " وَفي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ " آية 26 سورة ~~المطففين. # و " لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ " آية 61 سورة الصافات . # وهؤلاء هم أهل الحظوظ من الله ، وأرباب الحظوة منه بحسب علوّ متعلَّقات هممهم من ~~العلم والمعرفة والكشف والشهود والتجلَّي والقربات والمقامات والمراتب الكمالية ~~الاختصاصيّة . # كالولاية والنبوّة والرسالة والخلافة والكمال ودرجات الأكملية . # ومن تعلَّقت همّته من هؤلاء بأمر منها ، فهو مطلبه الغائي وإليه غايته وغاية ~~همّته إن قدّر له الوصول إليه ، وإلَّا فهو سالك فيه وإليه . # والأكمل منهم من لا تعلَّق لهمّته بغير الحق الصرف الخالص من غير نظر والتفات ~~عشقي إلى أمر ممّا ذكر . والواصلون إلى ما ذكر من قبل هم من هؤلاء الذين لا تعلَّق ~~لهممهم إلَّا بالله ، وهو أهل الله خاصّة . # وإمداد جميع هذه الهمم إنّما هو من الحضرة المحمدية الكمالية الكلَّية ، كما قال ~~الله تعالى: " كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ من عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ ~~عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً " ىية 20 سورة الإسراء. # فافهم ، وتدبّر ، واعتبر من أيّ صنف أنت ؟ # ولا تتعشّق بأمر متعيّن غير الحق المطلق من كونه فوق الحظوظ المتعيّنة لأربابها ، ~~والله الموفّق . # . ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | البحث الثاني عشر من مباحث خطبة الكتاب "خزائن الجود والكرم" .الشارح مؤيد ~~الدين الجندي قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قال الشيخ رضي الله عنه : « من خزائن الجود والكرم » وهي الحضرات الأسمائية ~~الإلهية . # مع أنّ الحضرات وأرباب الحضرات إنّما تصل إليهم وإليها الموادّ الإمدادية من ~~المراتب النونية المذكورة ، فإنّها متعيّنة في الحضرات بحسبها . # وبعد تعيّنها في الحضرات تنبعث وتندفق في رقائق متّصلة بحقائق المستمدّين فإنّ ~~تعيّن النفس الرحماني بالإمداد ، والإمداد من الحضرات ، فافهم ذلك لئلَّا يشتبه ~~عليك . # وأمّا خزائن هذه الحضرات والحقائق فهي الحقائق المرتبيّة المقتضية لتعيّنات ~~الحضرات وتجلَّياتها ونعمها وهيئاتها ، وهي حقائق الحروف والشؤون الكلَّية ، وكلّ ~~ما في جميع العوالم من النعماء والآلاء والتجليات والأعطيات والهبات إنّما هي من ~~حضرات الأسماء والذات . # وتختلف بحسب اختلاف خصوصيات الحضرات من المنعم الواحد الأحد في العين والذات ، ~~على كثرة في حضرات الأسماء والصفات . # ولهذه الخزائن الأسمائية خزائن منها تتعيّن وبها تتحقّق وتبيّن ، وهي حقائق ~~الحروف والكلمات الكيانية . # لأنّ الأسماء تتعين عن إطلاق أحدية المسمّى الذاتي لها بمعيّناتها . # والمعيّن هو القابل للفيض المطلق بعينه بخصوص ماهيته واستعداده . # فالمعيّن وهو حرف حقيقة القابل يسمّى الوجود الحقّ الفائض من ينبوع الهوية ~~اللاهوتية الرحموتية. # والوجود هوية المسمّى باسم خاصّ يعطيه القابل فإنّ المخلوق لمخلوقيته يعيّن ~~خالقية الخالق. # والمنفعل بانفعاله يبيّن فاعلية الفاعل فكل واحدة من الفاعلية والمنفعلية إذا ~~أنعمت النظر متوقّفة التحقّق على الآخر . # فافهم تفهم أنّ حقائق العالم وماهياتها هي المؤثّرة للتعيّن والنعت والوصف في ~~الوجود الواحد الفائض ، والتجلَّي النفسيّ الساري في جميع الحروف والحقائق . # وأنّها هي خزائن الأسماء والحضرات والصفات ، ثم الأسماء وحضراتها خزائن للنعم ~~الفائضة من منبع الجود والكرم . # واعلم : أنّ الجود ذاتي للجواد ، وعطاؤه لا يكون باعتبار استحقاق القابل ولا عن ~~سؤال. # والكرم هو ما يكون عن سؤال وباعتبار استحقاق . # والهبة قد تكون لعوض أو عن عوض وقد لا تكون كذلك . # والسماح ما يكون عن طيبة نفس وبشاشة وجه . # والسخاوة ما يكون لمصلحة ورعاية حالة . # فافهم . # . ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | البحث الثالث عشر من مباحث خطبة الكتاب "القيل الأقوم" .الشارح مؤيد الدين ~~الجندي قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قال الشيخ رضي الله عنه : " بالقيل الأقوم " . # قال العبد : القيل الأقوم هو ما يكون أعدل الأقوال بين تعريض وتصريح . # وكتم وإفشاء ، جامعا بين إيجاز وإسهاب ، محيطا بالأغراض والمقاصد . # وآخذا بالقلوب والألباب ، حاويا لبشارة بشير وإنذار نذير ، بين تيسير وتحذير . # وفصاحة في تحرير ، وبلاغة في تقرير . # كما كان قول محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم "بجوامع الكلم" على نهج قول الله ، فهو ~~أقوم الأقوال ، الدالّ على الاعتداد والكمال. # . ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | البحث الرابع عشر من مباحث خطبة الكتاب "محمّد وآله وسلَّم" .الشارح مؤيد ~~الدين الجندي قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قال الشيخ رضي الله عنه : " محمّد وآله وسلَّم " . # وأمّ " محمّد " فاسمه مبالغة في التحميد لكون الحقيقة الإنسانية الكمالية أحدية ~~جمع جميع المحامد . # في حميد المجامع والمشاهد ، بإيجاد الله المحمود الحامد في ذاته من ذاته جميع ~~كمالاته وممّا جعله صلَّى الله عليه وسلَّم حاملا لواء حمد الحمد . # فقامت المحاسن والمحامد الإلهية والكونية كلَّها بذات محمد صلَّى الله عليه ~~وسلَّم وقامت الحقيقة المحمدية أيضا بجميع المحامد التفصيلية القائمة في صور تفصيل ~~نشأته النبوية. # فحمدت به المحامد وحمدت الحقّ بعين قيامها بذات محمد وحمدت أيضا محمدا بالحق ~~الظاهر به فيها . # ثم محمد حمد الله بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وأنبائه ، وبأحواله واختلافه في ~~عوالم أرضه وسمائه بجميع هذه المحامد جمعا وتفصيلا. # فبهذا الاعتبار والأسرار سمّيت الحقيقة الإنسانية الكمالية محمدا صلَّى الله عليه ~~وسلَّم. # . ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | البحث الخامس عشر من مباحث خطبة الكتاب في " الآل " .الشارح مؤيد الدين ~~الجندي قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # وأمّ # " الآل " # فعبارة عن الأقارب الذين يؤول إليهم أموره صلَّى الله عليه وسلَّم # ومواريثه العلمية والمقامية والحاليّة ، # وهم على أقسام أربعة كليّة : # منهم : من هو آله في الصورة والمعنى تمام ، وهو الخليفة والإمام القائم مقامه ~~حقيقة . # ومنهم : من يكون آله في المعنى دون الصورة ، كسائر الأولياء الذين هم محمديّون في ~~الكشف والشهود والجمع والوجود ، وإن لم يكونوا شرفاء صورة ، ومنهم الخلفاء والأمناء ~~الكمّل أيضا . # ومنهم : من يكون آله صلَّى الله عليه وسلَّم في الصورة دون المعنى ، بأن صحّت ~~نسبته إليه صلَّى الله عليه وسلَّم من حيث الطينة العنصرية ، ولكنّهم اشتغلوا عن ~~الوراثة المعنوية الروحانية العلمية ، والكشفية الشهودية والحالية والمقامية ، وعن ~~الإقبال على الله بحطام الدنيا . # ومنهم : من يكون له حظَّ يسير في المعنى والخلق ، وهو من السادات والشرفاء ، ~~والكلّ آل ، وذلك لأنّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - له صورة طينية عنصرية ~~، وله صورة دينية شرعية وصورة نورية روحية ، وحقيقة معقولة معنوية . # فمن قام بصورته الدينية ، وصحّت نسبته إلى صورته النورية الروحية ، وتحقّق ~~بحقيقته المعنوية ، ورثه علما ومقاما وحالا ، وهو له كالولد الصلبيّ حقيقة. # وفي هذه القرابة والنسبة تفاوت المقامات والدرجات ، وفيها ترتيب الأولياء ~~المحمديّين ، وهم أنبياء الأولياء بالنبوّة العامّة ، لا بالنبوّة الخاصّة ~~التشريعية المنقطعة المختومة برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. # وإذا انضاف إلى هذه القرابة الدينية قرابة طينته الطيّبة الطاهر كالمهديّ عليه ~~السّلام والأئمّة الكاملين الطيّبين الطاهرين ، فذلك أكمل وأجمل وأفضل . # وإن انفردت القرابة الطينية ، وصحّت النسبة من صورته العنصرية صلَّى الله عليه ~~وسلَّم تخلَّعت النسبة الروحانية والمعنوية ، فسوف يؤول إلى ذلك ولا بدّ لأنّ الولد ~~على كل حال سرّ أبيه . # وإذا صحّت النسبة ، فلا بدّ أن يكون معها من أخلاقه وعلومه وأحواله سرّ معنوي ، ~~وإن وقعت منهم مخالفة في الصورة الدينية الشرعية ، فلا يجوز لمؤمن أن ينظر إليهم ~~إلَّا بنظر التعظيم والتبجيل والسيادة ، وإن كانوا على خلاف الشريعة ظاهرا ، فقد ~~يكون منهم أهل الابتلاء بحالة المخالفة . # ثم الأحوال لا بدّ لها أن تحول ، وللحقيقة أن ترجع إلى طهارتها الأصلية وتئول ، ~~فافهم واعمل بذلك تعلم أسرارا في هذا المقام مكتّمة ، وتلمح أنوارا على أهل الحجاب ~~محرّمة ، وقد استقصينا القول في ذلك في شرح مواقع النجوم ، وفيما ذكرنا مقنع . # " وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ". # . ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | البحث السادس عشر من مباحث خطبة الكتاب "التسليم على رسول الله" .الشارح مؤيد ~~الدين الجندي قبل البدء بشرح خطبة كتاب فصوص الحكم ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي ### || : # وأمّا التسليم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو طلب التحيّة استدعاء ~~بالسلام من الله له . # فهو من الله تجلّ مخصوص من حضرة الاسم "السلام ". # يسلَّم إليه فيه حقائق الكمال ، ويعطيه السلامة عن سطوات تجليات الجلال ، ويظهره ~~بصورة الخلافة والإمامة والشفاعة الكلية ، ويعطيه لواء حمد الحمد ومجامع المحامد ~~الإلهية الكمالية ، ويهبه السلامة عن الانحرافات والتحقّق بحقائق المرتبة ~~الاعتدالية . # وهو من الأمّة عبارة عن التسليم الكليّ والاستسلام للأمر الوارد في شرعه صلَّى ~~الله عليه وسلَّم . # كما قال الله تعالى : " فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما ~~شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ~~وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً " آية 65 سورة النساء. # قال تعالى : " وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ " آيه 4 سورة ~~الأحزاب. # قال العبد مؤيد بن محمود بن صاعد بن محمد بن محمود بن محمد بن سليمان أصلحه الله ~~واستصلحه له : نجّز بحمد الله شرح الخطبة على ما التزمته ، وقد دسست للمستبصر ، ~~فيها أسرارا عزيزة غريزة . # ونشرت في مطاويها للمتدبّر المعتبر علوما وحكما كثيرة أثيرة توصيلا للطالبين إلى ~~ما سيذكر. # وتسهيلا لسبيل التحقيق لمن يتأمّل ويتفكَّر . # . ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي لخطبة كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ~~ابن العربي الحاتمي الطائي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # ولنشرع الآن - بعد حمد الله أوّلا وآخرا وباطنا وظاهرا ، # والصلاة والسلام على الختوم الكمّل ، وعلى إخوانهم من كل إمام مكمّل وهمام مؤمّل ~~. # ولا سيّما على سيّدهم محمد المصطفى ، وعلى عباده الذين اصطفى . # في شرح باقي الكتاب ، والله الموفّق للصواب . # قال الشيخ - رضي الله عنه -: " أمّا بعد ، فإنّي رأيت رسول الله - صلَّى الله ~~عليه وسلَّم - في مبشّرة أريتها في العشر الأخير من محرّم سنة سبع عشر وستّمائة [ ~~617 ] بمحروسة دمشق " . # قال العبد أيّده الله له : صحّ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنّه قال : « ~~من رآني فقد رآني فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي » # وفي رواية « لا يتكوّنني » أي ليس في قوّته أن يتظاهر بصورتي ، ولا يتمكَّن في ~~الترائي للأمّة بها . والتكوّن هو التكلَّف في الشخص أن يكون على صورته التي كان ~~عليها حال حياة الدنيا . # فمن رآه في تلك الصورة كامل الخلقة ، فقد رآه حقيقة ، وليس للشيطان أن يظهر بها ~~أبدا . # مع أنّ الشيطان قد يتظاهر بصورة الربوبية ودعوى الإلهية ، وذلك لسعة الحضرة ~~والصورة الإلهية المحيطة بصورة الاسم الهادي المرشد . # وصورة الاسم المضلّ فإنّ الله - تعالى - كما هو ربّ للمهتدين والمؤمنين والهادين ~~، فكذلك هو ربّ الضالَّين والمضلَّين والكافرين والمشركين ، لا إله إلَّا هو ، ~~ولذلك جعله من المنظرين ، وأعطاه التمكين في الإضلال والإغواء . # فقال : " وَاسْتَفْزِزْ من اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ ~~عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ في الأَمْوالِ وَالأَوْلادِ ~~وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً " آية 17 سورة الإسراء . # والشيطان يظهر للضالَّين والكفرة والمشركين والفجرة والملحدين بصورة الاسم المضلّ ~~وهو اسم # من أسماء الله تعالى قال الله تعالى : " يُضِلُّ من يَشاءُ وَيَهْدِي من يَشاءُ " ~~ية 8 سورة فاطر. # - وسائر الأسماء في حضرة المضلّ بحسبها كما هو الأمر في غيرها من الحضرات ، ولكن ~~ليس للشيطان أن يظهر بصورة الاسم الهادي ولا بصورة الاسم الجامع المحيط المتجلَّي ~~بصورة الهادي الذي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على صورته قال الله - ~~تعالى - : # "وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . صِراطِ الله الَّذِي لَه ُ ما في ~~السَّماواتِ وَما في الأَرْضِ " آية 52-53 سورة الشوري. # فإنّ الضدّ لا يظهر بصورة الضدّ أبدا ، هذا ما لا يكون . # وكذلك النقيض لا يظهر بصورة نقيضه عصمة من الله في حقّ الرائي ، وإلَّا لجاز ~~انقلاب الحقائق ، وتغيّرت الفصول ، وانخرمت الأصول ، وانحرفت العقول ، فافهم هذا ~~السرّ فإنّه من لباب التحقيق . وفي هذا المقام أسرار أخر غامضة جدّا ليس لعقول ~~البشر ، وأرباب الفكر والنظر أن يحيطوا بها إلَّا بنور الوهب والكشف والتأييد ، ~~والله وليّ التوفيق والتسديد . # وأمّا من رأى صورة في الرؤيا ، وتيقّن في تلك الحالة أنّه رأى رسول الله صلَّى ~~الله عليه وسلَّم أو يقال : إنّه هو ، ولا يطابق ما رآه صورته الأصلية صلَّى الله ~~عليه وسلَّم في الصور ، وسلَّم الثابتة في الصحيح من الأحاديث ، أو يكون مخالفا ، ~~أو مطابقا من وجه ومخالفا من وجه ، فذلك صورة نسبة الرائي من الصورة الشرعية ~~المحمدية . # فمن كان مقتديا به صلَّى الله عليه وسلَّم من كلّ وجه ، مهتديا بهديه صلَّى الله ~~عليه وسلَّم على الوجه الأكمل ، واتّبعه حقّ المتابعة في العلم والعمل ، وكان له ~~ورث تامّ من حاله ومقامه . # يكون ما يرى في وقائعه يقظة ومناما وما بينهما أكمل في المطابقة وأبين وأوضح في ~~الشخص والتمثّل في شهوده ورؤيته لكمال اتّباع الرائي الوارث له في جميع الأخلاق ~~والأوصاف والأحوال والسير والأعمال . # ويصحّ من مثله أن يقول : رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . # وأمّا من رآه على صورته الخصيصة به فما رآه ، وما رأى إلَّا صورة نسبية لا غير . # ثم اعلم : أنّ الرؤية أعمّ من الإبصار لأنّه شهود المبصرات بحاسّة البصر ، ~~والرؤية شهود المشهودات كلَّها - سواء كان مبصرا أو متخيّلا أو ممثّلا أو معقولا أو ~~معلوما رؤية غير متقيّدة بحاسّة البصر . # بل بعين البصيرة والعلم والقلب ، ويصدق الإبصار في المتخيّلات والمتمثّلات لكونها ~~مدركة بقوّة الإبصار ، وإن كان بصره مكفوفا عن ملاقاة سطح المبصر . # فلمّا قال رضي الله عنه : « رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم » وهو أعلم ~~القوم بالحقائق علمنا أنّه رآه حقيقة . # فرآه بعين البصيرة ما منه صلَّى الله عليه وسلَّم مشهود بعين البصيرة والقلب ، ~~وهو صورته الحقيقية والمعنوية . # ورآه بعين روحه رضي الله عنه صورته الروحانية . # ورآه بعينه النورانية الإلهية صورته النورانية الإلهية ، ورأى بباطن بصره صورته ~~المتمثّلة المحسوسة المبصرة فإنّ له ذلك على التعيين. # ولرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يظهر لمن كملت درايته منه - محسوسا مبصرا ~~في عالم الحسّ لأنّه لا يتقيّد في عالم وليس محبوسا في برزخ من البرازخ. # وكذلك وارثه وكلّ من كملت وراثته منهما ، وصحّت نسبته معهما في العلم والحال ~~والمقام والخلق والعمل ، وتوجّه إلى أرواحهما ولم يعرج إلى برازخهما ، نزلا إليه ~~لطفا وعطفا ، وفي هذه الرواية والتنزّل تتفاوت مراتب الورثة . # سمعت سيّدي الشيخ صدر الدين محمد بن يوسف رضي الله عنه : # أنّه اجتمع هو والشيخ إسماعيل بن سودكين تلميذ الشيخ خاتم الأولياء مع شيخ الشيوخ ~~سعد الدين محمد بن المؤيّد الحموي بمحروسة دمشق في سماع . # فقام الشيخ سعد الدين رضي الله عنه في أثناء السماع والناس في مواجيدهم إلى صفّة ~~في ذلك البيت . # وبقي واقفا واضعا يديه على نحره مطرقا إطراق إجلال وتعظيم ، متأدّبا إلى أن انقضى ~~السماع وقد سرى سرّ جمعيته وحاله في ذلك الجمع. # ثم قال في آخر المشهد وقد غمّض عينه : # "أين صدر الدين ؟ أين شمس الدين إسماعيل ؟ " # قال الشيخ رضي الله عنه فبادرنا إليه أنا والشيخ شمس الدين إسماعيل فتعانقنا ~~وضمّنا إلى صدره . # ثم فتح عينه في وجوهنا ولحظنا مليّا ، وقال : "حضر رسول الله - صلَّى الله عليه ~~وسلَّم - فوقعت بين يديه كما رأيتموني الآن فلمّا انصرف ، أحببت أن أفتح عيني في ~~وجوهكما ، فقد كانت في شهود وجه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم " . # وأمّا خاتم الأولياء الخصوصي فقد رأته بعد وفاته رضي الله عنه من بان له رضي الله ~~عنه بها عناية من بعض سراريه وهي على الباب . # فلمّا رأته ، قالت : سيّدي ، سيّدي . # فقال لها الشيخ : كيف أنت ؟ # وعبّر عنها ، فصاحت ، واجتمع أهل البيت عليها . # فقالت : عبر سيّدي عليّ إلى هذا الصوب فنسبها من لا تحقيق له إلى الجنون . # وأمّا أنا فكنت في دار السلام بغداد حرسها الله تعالى ، وكان نزيلي شخصا ادّعى ~~أنّه المهديّ عليه السّلام وقال لي : اشهد لي . # فقلت : أشهد عند الله أنّك غيره ولست إلَّا كذّابا ، فعاداني وجمع عليّ الملاحدة ~~والنصرية ، وآثار عليّ جماعة منهم وقصد إيذائي. # فلجأت إلى روحانية خاتم الأولياء ، وتوجّهت إليه رضي الله عنه بجمعية كاملة ، ~~وراقبته في ذلك ، فرأيته رضي الله عنه وقد أخذ بيديه يدي ذلك المدّعي ورجله اليمنى ~~وشماله: # وقال : أضربه على الأرض ؟ # فقلت : يا سيّدي لك الأمر والحكم ، فانصرف عنّي وقمت وخرجت إلى المسجد ، فإذا ~~المدّعي مع أتباعه مجتمعين مجمعين على ما نووا ، فلم أتلفت إليهم وجزت إلى المحراب ~~وصلَّيت صلاتي ، ثم لم يقدروا عليّ ، ودفع الله عنّي شرّه ، ثم تاب على يدي وسافر ~~عنّي ، والحمد لله . # فهؤلاء الكمّل يظهرون في عالم الحسّ مهما شاؤوا بأمر الله ، وقد أقدرهم الله على ~~ذلك ، وليس غيرهم من النفوس البشرية ، المفارقة كذلك فإنّ الأكثر الأغلب محبوسون في ~~برازخهم ، لا يظهرون ولا يتشخّصون إلَّا في المنام أو يوم القيامة ، فافهم هذا إن ~~كان لك قلب ، أو ألق السمع وأنت شهيد ، وآمن فلا تكن من الممترين والمفترين . # واعلم : أنّ هذه الرؤية الأحدية الجمعية الكمالية الجامعة لجميع مقامات الرؤية ~~بالنسبة إلى الحق وأكمل الخلق - صلَّى الله عليه وسلَّم وسائر الكمّل وغيرهم مخصوصة ~~بالختمين وورثتهما من الأولاد الإلهيين والندّر من الأفراد المكمّلين ، والحمد لله ~~ربّ العالمين . # قال الشيخ رضي الله عنه : « في مبشّرة أريتها في العشر الآخر من المحرّم سنة سبع ~~وعشرين وستّمائة [ 627 ] ". # قال العبد : « المبشّرة » فيما عرفها الناس وتعارفوها هي الرؤيا الصالحة يراها ~~المؤمن لنفسه أو يرى لغيره . # كما نطقت به النبوّة الختمية للجمهور ، ومشرب التحقيق الختمي الكمالي الخاصّ يقضي ~~بأنّها أعمّ. # فقد يبشّر الله أولياءه بغير الرؤيا يقظة وإلقاء وإعلاما وتجلَّيا كفاحا وواردا ~~إلهيّا روحانيّا ملكيّا وغير ذلك على ما يعرفها أهلها ويتعارفونها بينهم . # وقوله : « أريتها » دالّ على أنّ الله أراها قصدا خاصّا اختصّه الله بذلك . # والمحرّم من المشهور اختصّ بهذه المبشّرة لأنّه - رضي الله عنه - فتح له في أوائل ~~فتحه في المحرّم أيض ع لى ما روّيناه عن الشيخ رضي الله عنه بالخلوة الخلق أوّل ~~مبشّرة في إشبيليّة من بلاد أندلس تسعة أشهر لم يظهر فيها ، دخل في غرّة المحرّم ، ~~وأمر بالخروج يوم عيد الفطر ، وبشّر بأنّه خاتم الولاية المحمدية ، وأنّه وارثه ~~الأكمل في العلم والحال والمقام . # قال رضي الله عنه : « وبيده كتاب ، فقال لي : هذا كتاب فصوص الحكم ، خذه واخرج به ~~إلى الناس ، ينتفعون به " . # قال العبد : « اليد » مظهر العطاء والمنع والقبض والبسط والأعمال الصالحة ، وهي ~~صورة القدرة . # وكون الكتاب بيده إشارة إلى أنّ هذه العلوم والحكم التي يتضمّنها هذا الكتاب من ~~خصوص أذواق كمّل الأنبياء - صلَّى الله عليه وسلَّم - بيده وقبضه من كون أحدية جمع ~~جمع الختمية النبويّة جامعة ومحيطة بها جميعا على التخصيص . # و " الكتاب" فعال - بكسر الفاء - يعني به المكتوب من الكتب وهو الجمع لكون كلّ ~~كتاب جامعا بين جمل وفصول ، وفروع وأصول ، ومعان وعبارات ، وسور وآيات ، وحروف ~~وكلمات ، وحقائق ودقائق وإشارات . # وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم : « هذا كتاب فصوص الحكم » المنزلة على الكمّل ~~المذكورين . # وفيه إجمال مضمون الكتاب لمن عقل عن الله وذلك أنّ الفصوص تدلّ على معان وحقائق ~~معلومة للخاصّة. # ككون الفصوص محالّ النقوش والعلامات الاسمية التي يختم بها على الخزانة . # وأنّ النقوش التي في هذه الفصوص إنّما هي نقوش الحكم الإلهية الكلَّية الكمالية ~~الأحدية الجمعية الختمية المحمدية المتفصّلة في قابليّات قلوب كمّل الأنبياء ~~المذكورين في الكتاب . # فإنّ هذه النقوش الحكمية وإن نزلت على قلوبهم من الحضرات الإلهية الأسمائية بحسب ~~استعداداتهم الخصيصة بكل حضرة حضرة منها . # ولكن أحدية جمع هذه الحكم والنقوش من حيث الأصل والمحتد في قبضة خاتم الرسل صلَّى ~~الله عليه وسلَّم ، وتفصيلها وتبيينها وتوصيلها وتعيّنها . # إنّما يكون على يدي خاتم الأولياء المحمدي الخاصّ خاصّة . # لكون هذه الحكم إنّما تؤخذ من الوراثة الخاصّة المحمدية الختميّة ، وكونه رضي ~~الله عنه هو وارثه صلَّى الله عليه وسلَّم في هذه الختمية الخصوصية . # وإن كان الكاملون جميعا ورثته في المقامات الكلَّية المحمدية المتفصّلة في جميع ~~الأنبياء والأولياء لكن هذه الوراثة الختمية وارثة خاصّة ، لها ذوق خاصّ ، منه يعرف ~~أذواق جميع الأنبياء والأولياء. # ولا يعرف من ذوق أحدهم ولا من أذواق الكلّ ، ويوجد في ذوقه مزيد أسرار وحكم على ~~أذواق أهل المقامات . # يعرف ما أشرت إليه المحيط بأذواقهم ومشاربهم أوّلا ، الجامع لزوائد ما جاء به هذا ~~الخاتم رضي الله عنه ثانيا ، والله الموفّق . # قال الشيخ رضي الله عنه : « خذه واخرج به إلى الناس ، ينتفعون به ". # قال العبد : أمره عليه السّلام بأخذ هذا الكتاب إشارة إلى أنّه رضي الله عنه هو ~~الخاتم المخصوص بختمية ولأنّه المخصوص . # وذلك لأنّ الحكم التي في ضمن " فصوص الحكم " المخصوصة بمقامات الختمية المحمدية ~~المتعيّنة في كل مقام من مقامات الكمالات الخصيصة بالحضرات الأسمائية الإلهية التي ~~هي لهؤلاء الأنبياء المذكورين فيه جملة تجلَّياتها وعلومها وأحكامها ، فأمر خاتم ~~الأنبياء بإخراج هذه الحكم الختمية يجب أن يكون لوارثه الأكمل في الختمية الجمعية ~~إذ حقائق الختمية وعلومها لا تكون إلَّا للمتحقّق بالختمية ، فافهم الإشارة فإنّها ~~لطيفة . # وهو مثل قوله تعالى لموسى بن عمران " فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ ~~يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها " . # يعني في زعمهم ومبلغ علمهم ، وإلَّا فكلّ ما فيها أحاسن ومنها تنبعث المحامد ~~والمحاسن . # وقوله : « واخرج به إلى الناس ينتفعون به » # إشارة إلى أنّ هذه الحكم الأحدية الجمعية الكمالية المحمدية الختمية إنّما يظهرها ~~الله به وعلى يديه ولسانه صلَّى الله عليه وسلَّم . # وسياق الكلام يقتضي ظاهرا أن يكون قوله : « ينتفعون به » مجزوما بإسقاط نون " ~~ينتفعون " لكونه جواب الأمر ، وهو ظاهر ، ولكنّه صلَّى الله عليه وسلَّم بشّر الشيخ ~~رضي الله عنه بأنّ الناس أي المتحقّقين بالإنسانية إلى يوم القيامة ينتفعون به، ~~ويخرّج على أنّه ليس جواب الأمر ، ولكنّه إخبار ابتدائي منه صلَّى الله عليه وسلَّم ~~بذلك . # أي بصورة الحال الجارية لمزيد إعلام وبشارة . # فهو جواب سؤال مقدّر لو سئل صلَّى الله عليه وسلَّم : إنّ هذه الحكم تعلو وتجلّ ~~عن فهم الناس الحيوانيين بأنّ فيهم ناسا مؤهّلين للكمال ينتفعون به . # قال الشيخ رضي الله عنه : "فقلنا السمع والطاعة لله ورسوله ولأولي الأمر منّا ، ~~كما أمرنا " . # المفهوم الظاهر ظاهر ، وهو امتثال أمر الله ورسوله وأولي الأمر بعد الرسل من ~~المؤمنين والخلفاء والأئمة الذين يلون الأمر وباطنه وسرّه . # إنّه رضي الله عنه أشار في كلّ ذلك إلى طاعة الله الظاهر المتجلَّي في المظهر ~~المحمدي الأكمليّ ، وإلى طاعته أيضا من حيث إنّه رسول الله. # ثم من كونه صلَّى الله عليه وسلَّم وليّ الأمر على جميع الكمّل ، فيخرّج أنّ ~~طاعته رضي الله عنه أيضا في هذه الوجوه الثلاثة كلَّها لله في أكمل مظاهره وهو رسول ~~الله من ثلاث حسنات كلَّية ، فافهم . # قال الشيخ رضي الله عنه : "فحقّقت الأمنيّة وأخلصت النيّة " . # قال العبد : تحقيق كلّ شيء إدراك حقيقته ، والبلوغ إلى حقّيّته ، وإظهار حقيقته ~~وحقّيّته عند الغير وله . # وقد يكون بمعنى أن يجعله حقّا ، كما قال تعالى حكاية عن يوسف عليه السّلام : " ~~هذا تَأْوِيلُ رُؤيايَ من قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا " آية 100 سورة يوسف ~~. # أي كانت رؤيا مشهودة في حضرة الخيال ، فجعلها ربّي موجودة في الحسّ يقظة . # وحقّيّة كلّ رؤيا وصورة ممثّلة أن توجد في العين وتتحقّق في الحسّ . # فمعنى قوله : « حقّقت الأمنية » أظهرتها في الحسّ . # وتسوغ إضافة الأمنيّة إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وإلى الشيخ رضي الله ~~عنه فبمعنى أنّ الرؤيا له ، وأنّه هو المتكفّل ببيانها والمتفرّد بتبيانها وعيانها ~~، وهي أمنيّته فحقّقها . # أي أظهرها على ما أمر به في رؤياه ، فالأمنية على هذا ذات جهتين حقيقيّتين : # جهة إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالأصالة ومن كونه آمرا بذلك . # وجهة إلى الشيخ رضي الله عنه لكونه هو المحقّق لها في الوجود الحسّي . # قال رضي الله عنه : "وجرّدت القصد والهمّة إلى إبراز هذا الكتاب " . # قال العبد : تجريد القصد والهمّة هو أن يكون أحديّ التوجّه والعزيمة فيما همّ به ~~ونوى من غير أن يتخلَّله متخلَّل في ذلك . # قال رضي الله عنه : " كما حدّه لي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من غير ~~زيادة ولا نقصان » لكونه ممتثلا أمره على ما أمره ، وعلى الوجه الذي أراده والحدّ ~~الذي عيّنه ورسم - صلَّى الله عليه وسلَّم - فإنّ مقام الأمانة لا يحتمل الزيادة ~~والنقصان ". # قال رضي الله عنه : "وسألت الله أن يجعلني فيه و في جميع أحوالي من عباده الذين ~~ليس للشيطان عليهم سلطان ، وأن يخصّني في جميع ما يرقمه بناني ، وينطق به لساني ، ~~وينطوي عليه جناني بالإلقاء السبّوحي والنفث الروحي في الروع النفسي بالتأييد ~~الاعتصامي " . # يشير رضي الله عنه إلى قوله تعالى : " وَما أَرْسَلْنا من قَبْلِكَ من رَسُولٍ ~~وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِه ِ ~~فَيَنْسَخُ الله ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آياتِه ِ "آية 22 سورة ~~الحج . # يعني رضي الله عنه : لمّا تمنّيت ما منّاني رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم ~~فإنّي أرجو من الله أن لا يكون للشيطان عليّ سلطان . # وقوله : « أرجو » لسان أدب مع الله فإنّه على اليقين ممّن قال الله فيهم : " ~~إِنَّه ُ لَيْسَ لَه ُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ ~~يَتَوَكَّلُونَ " آية 99 سورة النحل . # لكونه رضي الله عنه مستكملا درجات الإيمان ، فحائز منه إلى حقيقة الشهود والإحسان ~~، متحقّقا على مقامات التوكَّل على الإيقان والإتقان . # فيخرج قوله : « أرجو » مخرج قوله : إنّ في الحقيقة درجة واحدة لا يصلح أن تكون ~~إلَّا لرجل واحد ، وأرجو أن أكون ذلك الرجل فإنّه محقّق عند المحقّقين أنّه - صلَّى ~~الله عليه وسلَّم ذلك الرجل على التعيين ، ولكنّ الأدب مع الله أعلى مقامات ~~المحقّقين ، وأكمل درجات الكمّل المقرّبين . # ولأنّ مواضع إلقاء الشياطين - التي يستعيذ بالله منها جميع العائذين - إنّما تكون ~~في النطق عند التلاوة ، أو حال كتابة إلقاء الله ووحيه إلى أهل وحيه ، أو في الخاطر ~~والهاجس ، وذلك في الجنان وهو محلّ الضمائر من القلب في ظاهره ، لأجل ذلك . # قال رضي الله عنه: « في جميع ما يرقمه بناني » . # يعني عند الكتابة « وينطق به لساني » في الكلام « وينطوي عليه جناني » حتى يعمّ ~~مواضع الإلقاء أجمع. # فلم يترك محلَّا مخلَّى يتخلَّل منه شيطان ولكن هذا أيضا لسان أدب في العموم من ~~أهل الإلقاءات ، وإلَّا فإنّ الكامل الملقى إليه من الله قد وسع الله قلبه ووسعه ~~فأملأه ، فليس لغيره فيه موضع أو مطمع . # والهواجس إنّما تهجس في ظاهرية القلب ممّن لم يطهّر محلّ الإلقاء . # ولكنّه رضي الله عنه محفوظ معصوم في أعلى درجات الحفظ والعصمة من مبدأ أمره وفتحه ~~فقد بقي سبعة أشهر بلا خاطر كونيّ ، فلم يخطر له في هذه المدّة المديدة ولم يرو عن ~~غيره من المتقدّمين والمتأخّرين مثل ذلك - على ما سيتلى عليك في موضعه . # ولكن هذا سرّ للخواصّ ، وهو أنّه لمّا كان الكامل بحيث ليس شيء إلَّا وله نسبة ~~إليه ورقيقة منه رابطة في جميع العوالم . # ومن تلك الرقيقة تصل إليه المادّة من الفيض الإلهي ، وإلَّا لانعدم ذلك الشيء ، ~~والشيطنة مرتبة كلَّية عامّة لمظاهر الاسم « المضلّ » ، فلا بدّ من نسبة ورقيقة بها ~~تجيء حقائقهم في وجودهم ، فطردها رضي الله عنه بأمر الله الذي لا يردّ عن مواضع ~~إلقاء الله التي للشيطان فيها مدخل . # فلهذا ولأنّه بصدد كتابة ما يلقي الله إلى قلبه وينطلق به ويكتبه ، سأل الله ~~تعالى أن يخصّه في كلّ ذلك بالإلقاء السبّوحي. # أي من حضرة الطهارة والنزاهة فإنّ الإلقاء يكون من جميع الحضرات الأسمائية ، فسأل ~~أن يخصّه الله في كل ذلك بالإلقاء الذي يكون من حضرة السبّوح ، فيخلص لله طاهرا ~~مقدّسا عن كلّ شرب . # وأمّا النفث فهو إرسال النفس بجمعية الباطن والعزيمة ظاهرا عند الدعوات ، وهاهنا ~~هو صورة كلام روحاني يظهر في باطن النفس من الأرواح الكلَّية العالية . # أشار إلى ذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : « إنّ روح القدس نفث في روعي ~~أنّ أحدا لن يموت ، حتى يستكمل رزقه » وقد يكون الوحي والإلقاء والنفث من الأرواح ~~الخبيثة الشيطانية في النفوس الملوّثة بالأغراض النفسية . # وقد استعاذ من ذلك وأمر بالاستعاذة منه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله : ~~« ومن همزة ولمزة ونفثه ونفخه » . # ولولا صحّة ثبوت تلك الرقيقة والنسبة التي منها تصل المادّة الوجودية إلى هذه ~~الصور الشيطانية الانحرافية وتحقّقها من الإنسان الكامل ، لما استعاذ ، و لما أمر ~~بالاستعاذة لتحقّق التنافي والتضادّ وعدم الاحتياج لعدم الجامع ، كما في الملائكة ~~مع الشياطين ، فافهم . # فنفث الشيطان كإلقائه إلى أوليائه ، كما قال تعالى : " وَإِنَّ الشَّياطِينَ ~~لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ " # ولمّا اختصّ رضي الله عنه بالإلقاء السبّوحي ، فكان جميع ما ألقي إليه مدّة عمره ~~في جميع تصانيفه من حضرة الله السبّوح القدّوس . # أو من التجلَّيات الذاتية الاختصاصية وإن لم يكن سند الإلقاء العلمي للذات ~~المطلقة من حيث هي هي ، ولكنّ القدس الذاتي والتنزيه الإطلاقي سار في جميع الحضرات ~~التي منها يلقي الله إليه . # والنفث الروحي إشارة إلى روح الله الملقى في صورة روحانية محمّد - صلَّى الله ~~عليه وسلَّم - . # قال رضي الله عنه : « في الروع النفسي » يعني في محلّ نفث الروح ، وهو باطن النفس ~~وظاهر القلب ، فيكون نفث الروح من باطن القلب إلى ظاهره في باطن النفس حتى يردعها ~~عن الرذائل وينزعها ويروعها ، ويودعها الرغبة في الفضائل ، ويضعها فيها فتنفعها . # فيكون من الله العاصم للمعتصمين به بالعصمة الإلهية الفرقانية من علم الهداية عن ~~الإلقاءات النفسانية والشيطانية . # كما قال الله تعالى: " وَمن يَعْتَصِمْ بِالله فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ ~~مُسْتَقِيمٍ ". # قال رضي الله عنه : "حتى أكون مترجما لا متحكَّما ليتحقّق من يقف عليه من أهل ~~الله أصحاب القلوب " . # يعني رضي الله عنه مترجما عن المقامات بموجب الشهود والعيان ، أو عن رسول الله ~~صلَّى الله عليه وسلَّم بمقتضى نصّ القرآن . # لا متحكَّما عن مأخذه الرسول بالزيادة أو بالنقصان إذ لو زاد أو نقص على ذلك ، ~~لكان متحكَّما من تلقاء نفسه أو بإلقاء رأيه وحدسه ، ولم يكن قد وفي حقّ مقام ~~الوراثة وهو وارث ممتثل أمر نبيّه في إخراج هذه الحكم من الغيب إلى الشهادة ، فهو ~~ترجمان رسول الله ، خاتم النبيّين . " من أهل الله أصحاب القلوب " . # قال العبد : يريد بأهل الله من له مشرب الكمال الأحدي الجمعي الإلهي ، لا ~~المتقدّرين بالمشارب والأذواق الجزئية التقييدية الأسمائية ، فمن كان له قلب ينقلب ~~مع الحقّ كيف تجلَّى ، ووسعه ، فما أنكره ولا أعرض عنه في تنوّعات ظهوره بشؤونه ، ~~ولا يولَّي . # قال رضي الله عنه : "أنّه من مقام التقديس المنزّه عن الأعراض النفسية التي ~~يدخلها التلبيس" أي يتحقّق أنّه كذلك . # قال رضي الله عنه : " وأرجو أن يكون الحقّ لمّا سمع دعائي قد أجاب ندائي فما ألقي ~~إلَّا ما يلقي إليّ ، ولا أنزل في هذا المسطور إلَّا ما ينزّل به عليّ . ولست بنبيّ ~~ولا رسول ، ولكنّي وارث ، ولآخرتي حارث " . # قال العبد : يشير رضي الله عنه إلى ما سبق ذكره من سؤاله العصمة عن إلقاء الشيطان ~~، وقد صرّح أيضا بأنّ « أرجو » من مثله لسان أدب في عين الإخبار المحقّق عن إجابة ~~الحق نداءه بقوله : "فما ألقي إلَّا ما يلقي إليّ " . # وفي إضافة السمع إلى الدعاء ، والإجابة إلى النداء ، قد يقع لبعض الناس أنّ العكس ~~أنسب عرفا لكون المراد من النداء الإسماع ، ومن الدعاء الإجابة . # كما قال الله تعالى : "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ " . # ولكنّه رضي الله عنه مقيّد في جميع أحواله وأقواله بالله ورسوله . # فاعتبر فيما قال قوله تعالى : " إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ " . # ولمّا تحقّق الإجابة من الله تعالى قال : « فما ألقي إلَّا ما يلقي إليّ » من ~~علوم ما تضمّنه هذا الكتاب. # والله الملقي إليّ من الحضرة المحمدية الختمية الكمالية الإلهية « ولا أنزل في ~~هذا المسطور » يعني بالتدريج في كلّ فصّ فصّ وحكمة حكمة. # « إلَّا ما ينزّل » الله الظاهر في الصورة المحمدية الكمالية الختمية " به عليّ " # ولمّا علم رضي الله عنه سبق الأوهام إلى أنّ في قوله : " ينزّل به عليّ " تراميا ~~إلى النبوّة أو الوحي لضعف الأفهام ، أو تقييدهم بظاهر الكلام ، أعقب بقوله : « ~~ولست بنبيّ ولا رسول ، ولكنّي وارث ، ولآخرتي حارث » نفيا لأوهامهم ، وتوصيلا إلى ~~مراده أوهامهم لإفهامهم . # وتأصيلا لأهل التحصيل أنّ الإنزال من الله إلى العبيد الكمّل مطلقا غير محجور ولا ~~مهجور ، بل ذلك إنزال خاصّ يتعلَّق بتشريع وتأصيل للأوامر والنواهي والأحكام ، ~~وتفصيل وتفريع ، فافهم .و « الوارث » هو الذي يرث من قبله من الأنبياء علومه ~~وأحواله ومقاماته ، فيقوم بمقاماته ، وتظهر عليه أحواله بآياته ، ويظهر هو حقائق ~~علوم الله التي أظهرها بذلك النبيّ في زمانه بتجلَّياته . # وهاهنا مباحث شريفة متعلَّقة بتحقيق قوله : « العلماء ورثة الأنبياء ، ما ورّثوا ~~دينارا ولا درهما ، وإنّما ورّثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظَّ وافر » يعني أخذه عن ~~الله وذلك لأنّ الوراثة لا تتحقق إلَّا في عين مال المورّث أو عوضه ، وكانت علوم ~~الأنبياء إلهية وهبية وكشفية بالتجلَّي لا بالكسب والتعمّل. # فوجب أن تكون الوراثة الحقيقية كذلك وهبية لا نقلية ولا عقلية كذلك ، فيرث الوارث ~~منّا العلم من المعدن الذي أخذ عنه النبيّ أو الرسول . # فليس العلم ما يتناقله الرواة بأسانيدهم الطويلة فإنّ ذلك منقول يتضمّن علوما لا ~~يصل إلى حقيقتها وفحواها إلَّا أهل الكشف والشهود . # والنبيّ الرسول إنّما أخذ العلم عن الله لا عن المنقول فالوارث الحقيقي إنّما هو ~~في الأخذ عن الله لا عن المنقول كما أشار إلى ذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ~~بقوله : « ربّ مبلَّغ - بفتح اللام - أوعى من سامع ». # وبقوله : « ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه » والناقل إنّما ينقل ألفاظا وعبارات ~~حاملة معاني متشبّثة بها فحواها ، والمعنيّ بها العلم ، والمبلَّغ إليه منّا يفقه ~~باطن المعنى المعنيّ . # والفحوى المطويّ في المنقول المرويّ ، والأكثر لا يفقهون ولا يعلمون ، والأقلّ ~~الذي يفقه ذلك فهو منّا ، وداخل عنّا بحكم التوسّع والمجاز لا بالتحقيق ذاته إنّما ~~أخذ العلم الحاصل له من الألفاظ لا من الحق ، فافهم. # ودقّق النظر فيه ، حتى لا يشتبه عليك ، وهذا فيمن يفقه والكلام في الحامل الذي لم ~~يفقه ما يفقه وإن تقدّمنا بأزمنة متطاولة ، وإن لم يخل عن فهم وفقه بحسبه وبحسب ~~استعداده . # وبعد هذا التحقيق والتدقيق والمحاقّة فإنّ علم الأفقه المذكور في نصّ رسول الله ~~صلَّى الله عليه وسلَّم مأخوذ من المنقول المحمول في عبارة الرسول ، وبهذا صدق عليه ~~أنّه وارثه توسّعا ومجازا . # فإنّ الوراثة إنّما هي في العلم المأخوذ عن الله والحال والمقام ، وعلم الأفقه ~~المذكور بعد المسامحة إنّما هو وراثة في العلم المودع في المنقول لا في حال الآخذ ~~ومقامه . # وإنّما خصّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم العلم في قوله : « وإنّما ورّثوا ~~العلم » بالعلم بالله وبمضمون النبوّات وفحواها لعلمه صلَّى الله عليه وسلَّم بعدم ~~علوم عموم المخاطبين سرّ الحال والمقام ذوقا إلَّا خواصّهم فراعى الأغلب. # ولأنّ العلم إذا كان مأخوذا عن الله ، فإنّه يتضمّن الحال والمقام ، فما كان ~~مراده صلَّى الله عليه وسلَّم إلَّا العلم # المأخوذ عن الله ، كما صرّح بذلك نصّ القرآن قال الله تعالى : " بَلْ هُوَ آياتٌ ~~بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ". # فالعلم المذكور في نصّ الحديث هو العلم المؤتى والمأخوذ عن الله ، وهو المراد في ~~فهم خواصّ أهل الله ، قال الأستاد أبو يزيد البسطاميّ قدّس سرّه لبعض علماء الرسوم ~~ونقلة الأخبار والأحكام والآثار : « أخذتم علمكم ميّتا عن ميّت ، وأخذنا علمنا عن ~~الحيّ الذي لا يموت » واعلم ذلك إن شاء الله . # في ذكر مباحث أخر ضمنية تفصيلية # البحث الأول الوراثة في التحقيق ليست إلَّا لله تعالى # بحث آخر # اعلم : أنّ الوراثة في التحقيق ليست إلَّا لله تعالى فإنّ الله هو خير الوارثين ~~فإنّه وارث المورّثين والورثة أجمعين . # ثم يأخذ الوارثون الآخرون العلم والمقام عن الله تعالى ، وهذا من جوده الذاتي ~~وعطائه الأسمائي ، فأهل الله الآخرون إنّما أخذوا العلوم عن الله تعالى ، فقاموا ~~بالعلوم المختصّة بكلّ مقام من حيث مقامهم بإقامة الله إيّاهم في ذلك المقام ، كما ~~أقام من قبله من المورّثين وأعطاه العلم الخصيص بذلك المقام والحال . # والآخذ والوارث منهم إنّما يأخذ ما يأخذ عن الله لا عن غيره ، فيورّثه الله ذلك ~~العلم والمقام والحال عن ذلك النبيّ الذي قد قبلها قبله أي يعطيه إيّاها ويهبه كما ~~أعطاها من قبله . # فنسبة ذلك العلم والحال والمقام إلى هذا الآخر كنسبته إلى الأوّل ، فافهم فإنّه ~~غامض ويتضمّن أغمض منه ، والله الموفّق . # البحث الثاني الحقائق الثلاث للوراثة # بحث آخر # لمّا كنّا في بيان حقيقة الوراثة وهي تشتمل على المقام والعلم والحال # أردنا أن نتكلَّم في هذه الحقائق الثلاث : # أمّا العلم : # فقد ذكرنا حقيقته بتعريف ذوقي بلسان التقحيق الكشفي ، وسنزيد ذلك تتمّة وتكملة في ~~الموضع الأليق به . # وأمّا الحال : # فحالة حالة بذي الحال تحيله عن الحالة التي قبلها ، وتحول بينها وبين ما ينافيها ~~، ويغيّره عن غيرها إلى ما فيها ، ثم تحول وتئول كحال العلَّة . # وحال الوصل والفصل ، والتخلَّي بالخاء المعجمة - والتحلَّي بالحاء المهملة - ~~والتجلَّي - بالجيم - ، والانسلاخ والاستغراق والانزعاج ، والقبض والبسط وغيرها . # وأمّا المقام : # فمرتبة عبدانيّة للعبد السالك في مظهرية حضرة من الحضرات الإلهية الأسمائية ، ~~وكلَّيات المقام ألف وواحد على عدد الحضرات الأسمائية الكلَّية في مظهريّاتها ، وهي ~~منقولة مشهورة بين أهلها ليس هذا موضع تفصيلها . # وقد اختلف الجمهور من الصوفية في التفضيل بين الحال والمقام ، فمن مفضّل للحال ~~على المقام ، ومن قائل بالعكس . # وكان الحقّ أن يحقّقوا النظر في الحقيقتين أوّلا ، ثم يتكلَّموا في الأفضلية ، ~~والرافع للخلاف هو بيان الفرق بين الحال والمقام . # فنقول : كلّ ما حال وتغيّر من الواردات على السالكين يخصّ باسم « الحال ». # وكلّ ما يوجب الثبات والإقامة فهو المقام . # ويسمّى مقاما - بفتح الميم - بالنسبة إلى المحمديين الذين لا يقيمون فيما أقاموا ~~فيه منها وإن ثبتوا فيه . # والمقام - بضمّه - بالنسبة إلى من أقام فيه وانحصر ووقف . # ثم الأحوال تبدو في كلّ مقام للسالك حال قيامه وثباته فيه ، ثم إذا جاوزه ظهر حال ~~آخر بحسب ما فوقه من المقام . # فلا يخلو السالك من الحال والمقام ، والحال يوجب المقام وبحسبه . # وليس المقام بحسب الحال ، ومتحقّق عند التحقّق بالمقام صاحب المقام بالحال الخصيص ~~به ، فإذا ظهر عليه حال خصيص بمقام ، عرف أنّه أهل ذلك المقام . # وبهذا الاشتباه وقع الخلاف ، ولا خلاف عند التحقيق ، فافهم والله الموفّق . # فإذا أقام الله أحدا في مقام آتاه حالا وعلما يتعلَّقان به ، وهذه المقامات ~~معمورة دائما بأربابها فلا بدّ # فيقال في الآخرين القائمين فيها وبها من حيث إنّ أمّة قبلهم كانوا غمّاز تلك ~~المقامات والعلوم والأحوال - : إنّ الآخرين ورثة الأوّلين ، فإن لم يأخذوها عن الله ~~كما أخذ الأوّلون عنه . # بل حفظوا كلماتهم ومقاماتهم ورووها عنهم ، فليسوا وارثين على الحقيقة ولكن ~~بالمجاز . # ومثل الأفقه منهم كالوارث عوض ما ضاع وتبدّل من مال المورّث لا عين المال ، ولكنّ ~~الحافظ الفقيه إذا عمل بموجب ما علم من المحفوظ المنقول ، فقد يورّثه الله الأخذ ~~عنه بعد ذلك ، فيكون وارثا حقيقة ، فافهم . # تتمّة في الباب # ثم الوراثة في العلم والحال والمقام ، إمّا أن تكون محمدية أو غير محمدية . # فغير المحمدي كمن يرث عن موسى وعيسى وإبراهيم وغيرهم في العلم والحال والمقام . # أو في العلم دون الحال والمقام ، أو في العلم والحال دون المقام ، كذي مقام آخر ~~ينصبغ بحال ذي حال في مقام يوجب ذلك . # العلم والحال إمّا بتأثير الروحاني أو بكلامه وإرشاده ، فسرى فيه العلم والحال ، ~~ثم إذا سرى عنه انصبغ بحال مقام هو فيه . # فهؤلاء الوارثون يأخذون هذه العلوم والأحوال والمقامات عن أرواح الأنبياء الذين ~~كانوا فيها قبلهم ، ووصل إمداد هؤلاء من أرواحهم . # ومنهم من يأخذها كما ذكرنا عن الله ، إمّا في موادّ تلك الرسل والأنبياء ، أو في ~~الحضرات الإلهية ممّن قبلهم . # والوارث المحمدي يأخذ العلوم النبويّة عن روح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ~~بحسب نسبته منه في صورة نسبية كذلك . # والأعلى يأخذ عن الله في الصورة المحمدية النورانية أو الروحانية ، أو عن روح ~~خاتم الولاية الخاصّة المحمدية ، أو عن الله فيه كذلك . # فالمقامات الإلهية والأحوال والعلوم مغمورة أبدا بعد الأنبياء بالورثة المحمديين ~~وغير المحمديين . # ويسمّيهم المحقّق أنبياء الأولياء ، كما أشار إلى ذلك رسول الله صلَّى الله عليه ~~وسلَّم بقوله : « علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل » وفي رواية " أنبياء بني ~~إسرائيل " بلا كاف التشبيه ، والروايتان صحيحتان فالآخذون عن أرواح الرسل من كونهم ~~رسلا ليست علومهم وأحوالهم ومقاماتهم جمعية أحدية محيطة . # والآخذون علومهم عن الله في الصورة المحمدية والختمية هم الكمّل من أقطاب ~~المقامات ، وأكمل الكمّل وراثة أجمعهم وأوسعهم إحاطة بالمقامات والعلوم والأحوال ~~والمشاهد . # وهو خاتم الولاية الخاصّة المحمدية في مقامه الختمي ، فوراثته أكمل الوراثات في ~~الكمال والسعة والجمع والإحاطة بعلوم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأحواله ~~ومقاماته وأخلاقه يقظة ومناما. # ويطابقه في الجميع حذو القذّة بالقذّة ، حتى أنّه جرى عليه ومنه رضي الله عنه ~~مندوحة ، فما جرى على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومنه كما سيأتيك في الفصّ ~~الشيثي ، فافهم إن شاء الله تعالى . # ثم الوراثة قد تكون كلَّية ، وقد تكون جزئية ، فالكلَّية لأقطاب المقامات ~~المحمدية ، والجزئية لأقطاب المقامات الأسمائية ، والجامع للوراثات كلَّها هو ~~الأكمل . # وآخر مقامات الوراثة الأدب والأمانة ، ولهذا قال رضي الله عنه : إنّه لا يزيد ولا ~~ينقص عمّا نصّ عليه مورّثه صلَّى الله عليه وسلَّم . # قال الشيخ رضي الله عنه : # فمن الله فاسمعو %~% وإلى الله فارجعو # يعني : لمّا لم يكن لي تصرّف في ذكر ما أذكره في هذا الكتاب ، فلا تسمعوا منّي ~~واسمعوا من الله الذي فنيت فيه فناء لا ظهور لي أبدا ، وإذا اشتبه عليكم شيء منه ، ~~فارجعوا فيه إلى الله . # قال : " فإذا ما سمعتم " أي من الله " ما أتيت به " أو ما أتيتم " فعوا " أي ~~احفظوه في وعاء القلوب . # قال : ثم بالفهم فصّلو %~% مجمل القول واجمعوا # يعني : أنّي أجملت القول في المقامات الكمالية ، وذكرت في أثناء ذوق كل نبيّ ~~بحقيقة الأمر على ما هو عليه في نفسه ، وهو أعلى مراتب الرحمة وأكملها وأفضلها . # قال الشيخ رضي الله عنه : « ومن الله أرجو أن أكون ممّن أيّد ، فتأيّد ، وأيّد ، ~~وقيّد بالشرع المطهّر المحمدي ، فتقيّد ، وقيّد " . # قيّد رجاءه رضي الله عنه بالله بعد تقديمه تعالى على رجائه إيثارا لجنابة وتخصيصا ~~بالحقّ أن يقيّده الله بالتأييد الاعتصامي . # فهو مؤيّد من الله ومؤيّد من آمن بالله وبما جاء ، فيقوى وتأيّد ، وأيّدنا ~~وتأيّدنا ، فنحن المؤيّدون معاشر الأولاد الإلهيّين ، وتقيّد بالشرع المحمدي ~~المطهّر بما قيّده به الله . # وقيّدنا بذلك كذلك وإنّ الأمر إطلاق التقييد المحمدي ، فهو أكمل الأمّة أبدا ، ~~فتقيّد وقيّدنا - من حيث النفس والطبيعة - بهذه الشريعة الكاملة المحمدية التي لا ~~أكمل منها أبدا ، على ما سيفضي القول فيه . # فانطلقت عقولنا و أسرارنا و أحوالنا وقلوبنا عن قيود التعشّق بالعقائد الجزئية ~~التقييدية ، وأسرحت في فسح فيحاء فضاء الكشف والشهود ، و أحدية الجمع والوجود ، عن ~~علوم الرسوم التقليدية ، مقتضيات المدارك والأفكار النظرية البشرية التحديدية . # قال رضي الله عنه : " وأن يحشرنا في زمرته كما جعلنا من أمّته " . # يعني رضي الله عنه الحشر في الأنبياء فإنّ زمرة النبيّ الأنبياء والأولياء ~~الكاملون ، كما جعلنا من أمّته . # اللهم آمين آمين آمين # . ### | فص حكمة إلهية في كلمة آدمية ### | 01 . فصّ حكمة إلهية في كلمة آدميّة .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي ~~على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي01 . فصّ حكمة ~~إلهية في كلمة آدميّةقال رضي الله عنه : ( وأوّل ما ألقاه المالك على العبد من ذلك ~~) .خصّص رضي الله عنه إضافة الإلقاء إلى المالك إشارة إلى أنّه محكوم مأمور أمين ~~على ما يذكره ، فقد ملَّكه الله المالك في الصور المحمدية ، فهو يتلقّى ما يلقى ~~إليه .ويلقي ، ويلقى منه وإليه وعليه : يملي ويملى ، فأوّل ما تعيّن من النقوش ~~الحكميّة نقش الحكمة الإلهية الأحدية الجمعية .قال رضي الله عنه : ( فصّ حكمة إلهية ~~في كلمة آدميّة ).قد سبق الكلام في الفصّ والحكمة ، وأمّا اختصاصها بآدم فهو أنّ ~~كلّ واحدة من " الحكمة " و "الكلمة " حقيقة ظاهر الأحدية الجمعية الكمالية الكلَّية ~~في مرتبتي الفاعل والقابل .فالحكمة الإلهية ظاهرية أحدية جمع الحكم الكمالية ~~الأسمائية الكلَّية في الحقائق العقلية المؤثّرة.والكلمة الآدمية ظاهرية جمع ~~المظهريات الجمعية الكمالية الإنسانية البشرية فإنّه أبو البشر ، والبشر منسوبون ~~موصوفون ببنوّته وهو منعوت بأبوّتهم ، وكلَّهم أولاده ، وجميع هذه الأشخاص البشرية ~~صور تفصيل بشريّته وآدميّته .وهو أحديّة جمعهم قبل التفصيل إذ للأحدية الجمعية ~~الكمالية مرتبتان إحداهما قبل التفصيل لكون كلّ كثرة مسبوقة بواحد هي فيه بالقوّة ، ~~هو يذكَّر قوله تعالى :"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ من بَنِي آدَمَ من ظُهُورِهِمْ ~~ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ " آية 172 سورة الأعراف.فإنّه ~~لسان من ألسنة شهود المفصّل في المجمل مفصّلا ، ليس كشهود العالم من الخلق في ~~النواة الواحدة النخيل الكامنة الكائنة فيها بالقوّة فإنّه شهود المفصّل في المجمل ~~مجملا لا مفصّلا .وشهود المفصّل في المجمل مفصّلا يختصّ بالحقّ وبمن شاء الحقّ أن ~~يشهد من الكمّل ، وهو خاتم الأولياء وخاتم الأنبياء وورثتهما ، فافهم .فكما أنّ ~~الإلهية في حقائق الأسماء عينها آخرا ، والأسماء فيها عين الإلهية كذلك أوّلا قبل ~~التفصيل الوجودي وبعده هو فيهم هم ، كما قال تعالى : " خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ ~~واحِدَةٍ " آية 1 سورة النساء.وقد ذكر سرّ أحدية الجمع في مواضع من هذا الشرح على ~~ما سيأتيك في شرح الفصّ الشيثي إن شاء الله تعالى .قال الشيخ رضي الله عنه : ( لمّا ~~شاء الحقّ سبحانه) أضاف المشيّة إلى الاسم « الحقّ » لكون هذه المشيّة متعلَّقة ~~بالإيجاد ، حتى تتحقّق الأسماء في مظهريته موجودة في أعيانها ، وتظهر في مظاهرها ، ~~وتظهر آثارها محقّقة مشهودة في محالّ مناظرها ومجالي محالَّها ومظاهرها لأنّ الاسم ~~" الحق " يعطي الحقّيّة بالتحقيق والوجود ، والأسماء الإلهية كانت في قبضة قهر ~~الأحدية الجمعية الإلهية الذاتية أحدية لا ظهور لها لعدم مظاهرها في أعيانها .وهي ~~العوالم « و كان الله ولا شيء معه غيره » وكانت كثرة الأسماء " كنت كنزا مخفيّا " ~~أشار إلى عينه من حيث تعيّنه بكناية حرف التاء وهو تعيّنه بذات اللاهوت كنزا جامعا ~~لجواهر حقائق الأسماء والمسمّيات.إذ الكنز ذهب وفضّة وجواهر مجتمعة في الغيب ~~.والكنز مخفيّ عن الأغيار وإن كان ظاهر التحقّق والتعيّن في عينه « فأردت أن أعرف ~~».أي يعرفني كلّ تعيّن تعيّن من تعيّناتي في مظاهري ومرائيّ ومجاليّ التي ليست ذات ~~الألوهية بل نسبتها ، فهذه المشيّئة تجلّ من الله من حيث حقائق التعيّنات الأسمائية ~~المستهلكة للأعيان. فشاء الحقّ من حيث الأسماء أن يعطيها التحقّق في أعيانها ~~بالوجود والإيجاد ، والتحقّق في حاقّ حقائقها للشهود والإشهاد على رؤوس الأشهاد ~~ولأنّ تحقّق هذه المشيّة مسبوق بتحقّق الذوات في نفسها ، وتحقّق المشيّة المطلقة ~~مطلق للذات وعينها .ولهذا أشار بقوله : " لمّا شاء " فإنّ هذه العبارة دالَّة على ~~المسبوقية في الرتبة والحقيقة والعين ، لا في الزمان والوجود الظاهر ، فافهم .قال ~~الشيخ رضي الله عنه : ( من حيث أسمائه الحسني التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى ~~أعيانها وإن شئت قلت : أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كلَّه لكونه متّصفا ~~بالوجود) .فصرّح أنّ هذه المشيّة من قبل الأسماء وحقائقها من كونها فيه هو .وفي ~~قوله : " لا يبلغها الإحصاء " يشير إلى أنّ شخصيات الأسماء لا تحصى فإنّها لا ~~تتناهى لكون الأسماء تعيّنات إلهية في حقائق الممكنات التي لا تتناهى على ما يأتيك ~~إن شاء الله تعالى وإن كانت أمّهات الأسماء محصاة من حيث تعيّناتها الكلَّية.وهي ~~مائة إلَّا واحدا هو عين الكلّ ، أو ألف وواحد فأضاف المشيّة إلى الاسم « الحق » من ~~حيث أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء لأنّ هذه الإضافة إلى الاسم « الحق » ~~أحقّ إذ هو حق كلّ اسم ، وبه حقيقة ذلك الاسم وتحقّقه .والاسم هو الحق المتعيّن في ~~أيّة مرتبة إلهية كان بالوجود .ثم الاسم يستدعي تسمية ومسمّى ومسمّيا .والمسمّى اسم ~~مفعول هو الحق ، والمسمّي اسم فاعل هو القابل المعيّن للوجود الواحد المطلق عن قيد ~~التعيّن من حيث ما فيه صلاحية قبول التعيّن لا من حيث اللاتعين والإطلاق مطلقا ~~.والتسمية هي التعيين لفعل القابل وتأثيره في الوجود المطلق والفيض الخالص الحقّ ~~بالتعيين والتقييد ، فالاسم علامة على المسمّى بخصوص حقيقته التي بها يمتاز عن ~~غيرها من الحقائق .ولكل اسم اعتباران :اعتبار من حيث الذات المسمّاة ،واعتبار من ~~حيث ما به يمتاز كل اسم عن الآخر وهو حجابية الاسمية .فإن اعتبرنا المسمّى ، فهو ~~الحق المتعيّن في مرتبة ما من المراتب التعيّنية ، وإن اعتبرنا الاسمية ، فعلامة ~~خاصّة ودلالة معيّنة معيّنة للمدلول المطلق بخصوص مرتبتها ، فنفس تعيّن الوجود ~~الحقّ بالإلهية في كل قابل قابل هو الاسم .ولمّا كانت تعيّنات الوجود الحقّ ~~وتنوّعات تجلَّيه وظهوره في قابليات الممكنات غير المتناهية غير متناهية .لذلك قال ~~رضي الله عنه: « لا يبلغها الإحصاء » لأنّ الذي يبلغها الإحصاء متناه ، والتعيّنات ~~الوجودية بالنفس الرحماني لا تتناهى ، فلا تحصى فلا يبلغها الإحصاء .وأمّا أسماء ~~الإحصاء ، فهي كلَّيات حقائق الوجوب والفعل والتأثير ، فهي مائة إلَّا واحدا .وبيان ~~سرّ ذلك أنّ الأسماء في حقائقها تنقسم إلى أسماء ذاتية ، وإلى أسماء صفاتية ، وإلى ~~أسماء فعلية.فإذا ضربنا الثلاثة الفردية في نفسها للتفصيل والبسط ، خرجت تسعة ، وهي ~~آخر عقود الآحاد في مرتبة الأعداد .والتسعة في مرتبة العشرات تسعون ، وهي مرتبة ~~المجازاة الثانية ، فإنّ الواحدة بعشر أمثالها .كما قال تعالى :"من جاءَ ~~بِالْحَسَنَةِ فَلَه ُعَشْرُ أَمْثالِها " لكون المجازاة لها المرتبة الثانية من ~~عمل الإحصاء.إذ المجازاة إنّما تقع من الأسماء الإلهية المحصاة في أعيان أعمال ~~العباد ، والعشرة نظير الواحد في المجازاة .ونسبة الواحد إلى العشرة كنسبة العشرة ~~إلى المائة ونسبة المائة إلى الألف كذلك نسبة الواحد إلى العشرة .فالواحد في ~~الحقيقة هو العشرة والمائة والألف في مراتب العشرات والمئات والألوف ، ولهذا وقع في ~~الواقع في الأعداد الهندسيّة إشارة من باب الإشارات .فلمّا كانت أسماء الإحصاء هي ~~المجازية للعبيد المتخلَّقين والمتحقّقين بها ، والعشرة هي الكاملة في المجازاة ، ~~ظهرت التسعة في مرتبة العشرة تسعين ، وأضيفت إلى الأصل وهي التسعة الحاصلة من ضرب ~~الثلاثة المرتبيّة في نفسها كما مرّ فكانت تسعة وتسعين ، فافهم .ولأنّ هذه الأسماء ~~من وجه عين المسمّى بها ، ومن وجه غيرها ، كان المسمّى وهو الحقّ الظاهر في مراتب ~~وجوده ، والمتعيّن بالتجلَّي في عين القابل المتجلَّى له وتعديده وتعيينه وتقييده ~~وتكييفه وتحديده.كان المسمّى بهذه الأسماء التي هو مدلولها تمام المائة من حيث ~~كونها غيرها ، وغير محصى بالتعيين لكونها عينها .فلهذا قال : « إنّ لله تعالى مائة ~~اسم إلَّا واحدا » ، فهذا الواحد هو عين التسعة والتسعين ، وعين الألف والواحد على ~~ما روي في مرتبة الإحصاء أنّها ألف وواحد ، ظهر في آخر كلَّيات مراتب العدد ، كما ~~خفي في أوّلها وأوسطها .وهو أيضا كذلك عين الأسماء التي لا يبلغها الإحصاء فإنّها ~~التعينات الوجودية النورية ، وتنوّعات التجلَّيات النفسية الجودية ، والكمالات ~~الإلهية لا تنفد ، ولا يبلغها الإحصاء ، ولا يحصرها تعديد النعماء والآلاء ، فافهم ~~.واعلم : أنّ الحقّ من حيث هذه التجلَّيات والتعينات الذاتية أزلا وأبدا يريد أن ~~يرى أعيانها في كون جامع يحصر الأمر ، فإنّه كان ظاهرا قبل ظهورها لأنفسها له تعالى ~~، ورؤيتها إيّاها أيضا في مظاهر غير جامعة ولا حاصرة لحقائق السرّ والجهر ودقائق ~~البطن والظهر .وتجلَّيه تعالى في المظاهر النورية الجمالية يخالف تجلَّيه في ~~المجالي الظلالية الجلالية .وظهوره في القوالب السفلية ، وجميع هذه المظاهر غير ~~جامع لرؤيته نفسه ولا حاصر للأمر .ولهذا قال رضي الله عنه : " لمّا شاء الحق " على ~~صيغة تقتضي المسبوقية بعدم هذه المشيّة المقتضية لظهوره له في الكون الجامع ، بعد ~~ظهوره في الأكوان غير الجامعة وإن كانت مشيّته في رؤيته.ورؤيته لأسمائه وصفاته ونسب ~~ذاته سابقة التعلَّق على الظهور الأسمائي في العالم قبل الكون الجامع.ولكن من حيث ~~ظهور الإنسان من حيث الصورة العنصرية لمظهريّتها .فإنّ تعلَّق المشية آخر بموجب ~~الترتيب الحكمي الوجودي .فإنّ الإنسان أوّل بالحقيقة ، والآية في البداية ، آخر في ~~الغاية والنهاية ، ظاهر بالصورة ، باطن بالسرّ والصورة جامع بين الأوّلية والآخرية ~~، والباطنية والظاهرية .وجمعيّته لكونه برزخا جامعا بين بحري الوجوب والإمكان ~~والحقّية والخلقية .وأمّا حصره الأمر فلكونه موجودا بالرتبة الكلَّية الجامعة بين ~~المراتب ، ولكون الأمر محصورا في نفسه بين الوجود والمرتبة .فلمّا كانت مرتبته كلية ~~جامعة بين مرتبتي الحقّية والخلقية ، والربانية والعبدانية ، تمّ بعين الوجود الحق ~~في مظهريته بحسبها كليا جمعيا أحديا ، والمرتبة منحصرة بين الحق الواجب والخلق ~~الممكن ، معمورة بهما ، فالحق أبدا حق ، والخلق أبدا خلق .والوجود في مرتبة الحقية ~~حق ، وفي مرتبة الخلقية خلق ، وفي النشأة الجامعة حق خلق جامع بينهما مطلقا عن ~~الجمع بينهما أيضا ، فالدائرة الوجودية كما سبق محيطة بقوسين ، ومنقسمة بقسمين ، ~~ومنصّفة بشطرين على قطرين :فالشطر الأعلى للحقيّة والوجوب ، فإنّ الفوقية والعلوّ ~~حق الحق.والشطر الأدنى للكون والخلق .والبرزخ يظهر بالنعتين ، ويصدق عليه إطلاق ~~الحكمين ، وله الجمع بين البحرين ، وليس له نعت ذاتي سوى الجمعية والإطلاق فله أن ~~يظهر مظهرية الأسماء والمسمّيات والذات على الوجه الأوفى .وفي حقّه يصحّ أن يقال ~~:يرى أعيانها أو يرى الحقّ نفسه في كون جامع .فإنّ رؤية الحقّ نفسه في كون غير جامع ~~لما هو عليه ليست كرؤيته نفسه في مرآة كاملة جامعة لظهور آثاره وأحكامه تماما .كما ~~قال : ( أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر لكونه متّصفا بالوجود ) فإنّه كان يرى ~~عينه في عينه رؤية ذاتية عينية غيبية ، ويرى حقائق أسمائه وصفاته مستهلكة في ذاته ~~رؤية أحدية ، وشهوده عينه وأعيان أسمائه في الكون الجامع شهود جمعيّ بين الجمع ~~والتفصيل .ويجوز أن يقول :أن يرى أعيانها ، أو يرى عينه فرادى وجمعا .ويجوز أن يقول ~~: الكلمة مبنيّة للمفعول في الوجهين ، فانظر ما ذا ترى .قال رضي الله عنه : ( ويظهر ~~به سرّه إليه ).وفي « يظهر » أيضا يصدق جميع الوجوه المذكورة من الإعراب لكونه عطفا ~~على « يرى » ، ثم الضمير في « إليه » و " به " سائغ العود إلى الحقّ وإلى المظهر ~~الجامع .فإنّ ظهور السرّ الكامل الكامن إنّما يكون بالحق المتجلَّي بالتجلَّي ~~التعريفي في قوله : « أحببت أن أعرف فخلقت الخلق وتعرّفت إليهم فعرفوني ».ولكن في ~~الكون الجامع وبالكون الجامع ، فإنّ الحقّ تعالى شأنه من حيث كونه أحبّ إظهار سرّه ~~الكامن ، وجلا حسنه الباطن إبداء كماله المستحسن بجميع المحامد والمحاسن ، ظهر ~~بالكون الجامع الإنساني والكتاب الأكمل القرآني إلى الحق أو إلى المظهر ، كذلك يجوز ~~على الوجهين ، فافهم .قال رضي الله عنه : ( فإنّ رؤية الشيء نفسه في نفسه ليست مثل ~~رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة فإنّه يظهر له نفسه ) .يعني في المرآة (في ~~صورة يعطيها المحلّ المنظور فيه ، ممّا لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحلّ ولا ~~تجلَّيه له).قال العبد أيّده الله : اعلم شرح الله صدرك بنوره ، وأسرّ إلى سرّك ~~بسروره :أنّ الحقّ الواجب الوجود في كماله الذاتي وغناه الأحديّ يرى ذاته بذاته ~~رؤية ذاتية غير زائدة على ذاته ولا متميّزة عنها ، لا في التعقّل ولا في الواقع ~~.ويرى أسماءه وصفاته ونعوته وتجلَّياته أيضا كذلك نسبا ذاتية لها وشئونا عينيّة ~~غيبية مستهلكة الأحكام تحت قهر الأحدية .غير ظاهرة الآثار ولا متميّزة الأعيان ~~بعضها عن البعض في حيطة جمال الصمدية .وكينونته فيها إنّما هي ككينونة النصفية ~~والثلثيّة والربعية والخمسية وغيرها من النسب في الواحد فإنّ الواحد هو النصف ~~والثلث والربع والخمس كما مرّ مرارا .فهو من حيث صلاحيته لاتّصاف هذه النسب إليه ~~يصحّ إطلاق أسمائها عليه ككون المسمّى بالأسماء المحصاة تمام المائة .والواحد في ~~ذاته ومن حيث إنّ واحديّته غير زائدة عليه مع قطع النظر عن الاثنين والثلاثة ~~والأربعة والخمسة لا نصف ولا ثلث ولا ربع ولا خمس .فكذلك الحقّ من حيث ذاته الأحدية ~~لا ظهور فيه لنسبة من هذه النسب لكنّه إن شاء أن يظهرها من حيث كماله الأسمائي ، ~~أظهرها في مظاهرها ومجاليها ، ونظر إليها في منصّاتها ومرائيها فإنّ ثبوت الكمال ~~الذاتي للحقّ من وجهين :أحدهما : كماله من حيث الذات كما مرّ وهو عبارة عن ثبوت ~~وجودها منها لا من غيرها ، فهي عينه في وجودها وبقائها ودوامها عن سواها ، فمهما ~~تعلَّقت هذه النسب أو أضيفت أو شوهدت في الذات من حيث الكمال الذاتي ، فإنّها تشهد ~~وتعلم أحدية لكون الحقائق المعقولة في كل مرتبة بحسبها .والكمال الثاني : هو كمال ~~نفسي للحق تفصيلي من حيث الأسماء الحسنى وصورها ، فهو كمال صورة الحق ، وذلك يكون ~~بظهور آثار النسب المرتبيّة والحقائق الأسمائية ، وتعود أحكامها في عوالمها ~~ومظاهرها .وهذا الكمال الثاني ثابت للحق من حيث مرتبته الذاتية التي يقتضيها لذات ~~الألوهية ، وهي نسبة كلَّية جامعة لجميع النسب الأسمائية .فشاء الحقّ من حيث أسمائه ~~الحسنى وتجلَّياته العليا تعيّناته القصوى ، فتجلَّت تجلَّيا جمعيا ، وانبعثت ~~انبعاثا حسبيّا إلى المظهر الكلَّي والكون الجامع الأصلي الحاصر للأمر الإلهي ~~فامتدّت رقائق النسب إلى متعلَّقاتها واشرأبّت حقائق الوجود إلى متعلَّقاتها ، ~~فطلبت الربوبية المربوب ، والإلهية المألوه المحبوب .فقامت بظاهرياتها مظاهر ~~لباطنها ، وبشهادتها مجالي لغيبها ، فهي الظاهرة بمظاهر هي عينها ، والناظرة من ~~مناظر هي عينها ، وفيها أينها ، فظهرت الحقائق الوجوبية والنسب التي اقتضته ~~الربوبية في متعلَّقاتها ومظاهرها ومجاليها. وزهرت أنوار التجلَّيات في مراتبها ~~ومرائيها ، فرأت أنفسها متمايزة الأعيان والآثار ، متغايرة الظلم والأنوار ، ~~وتعيّنت أحكامها ولوازمها ممتازة ، وتبيّنت عوارضها ولواحقها إلى أحيازها منحازة ~~.فأعيان الموجودات العلوية وأشخاص المخلوقات السفلية مظاهر النسب الوجوبية ومجالي ~~تعيّنات أسماء الربوبية ، فيرى الحقّ فيها حقائق الأسماء وأعيان الاعتلاء مستوية ~~على عروشها ، ومحتوية على جنودها وجيوشها ، فما منّا إلَّا له من الحق مقام معلوم ، ~~ومن الوجود رزق مقسوم ، فانظر الفرق بين الرؤيتين والشهودين ، والتفاصيل بين ~~الكمالين والوجودين .ثمّ اعلم : أنّ المناظر والمجالي والمظاهر والمرائي التي يرى ~~الحقّ فيها نفسه إنّ لم تكن لها حيثيّة خصيصة واستعداد معيّن تمتاز بها عن الظاهر ~~فيها ، كان الظاهر الحقّ فيها غير متغيّر عن عينه .وإن لم تكن كذلك ، ظهرت الصورة ~~بحسب المحلّ كظهور الحق في مرتبة من المراتب جزئية كانت أو كلَّية إنّما يكون بحسب ~~المحلّ .ولا يكون ذلك المظهر بحسب الحق فإنّ ظهور الحق مثلا في العالم الروحاني ليس ~~كظهوره في العالم الطبيعي .فإنّه في الأوّل بسيط ، نوري ، فعلي ، نزيه ، شريف ، ~~وحداني .وفي الثاني ظهوره على خلاف ذلك من التركيب ، والظلمة ، والانفعال ، والخسّة ~~، والكثرة ، والكدر.ومن المظاهر ما ليس له حسب معيّن وحسبيّة يوجب انصباغ الظاهر ~~فيه بصبغه ، ولا يكسب الحقّ المتجلَّي فيه أثرا من خصوص وصفه وصفة عينه بحيث يخرجه ~~عن طهارته الأصلية ومقتضى حقيقته الكلَّية كالمظاهر الإنسانية الكمالية الكلَّية ~~البرزخية ليست لها حسبيّة تخرج الحقّ عن مقتضى حقيقته لما بيّنّا أنّ البرازخ ما ~~لها حقيقة تمتاز بها عن الطرفين .وهذا هو سرّ الإمامة ولا يصل كلّ واحد من الطرفين ~~إلَّا ما تقتضيه حقيقته ، بخلاف المظاهر البرزخية فإنّها تقبل ما يصلح للجمعية ~~.وكلّ موجود من العوالم الأمرية الروحانية والأعيان الجسمانية الملكية مظهر ومرآة ~~لاسم مخصوص وصفة جزئية أو كلَّية من الأسماء والصفات الإلهية والحقائق الذاتية ~~الكلَّية .وإن كان لسائر الأسماء في ذلك مدخل بحكم التتبّع كالطالع من الفلك يقتضي ~~لصاحبه خصوص حكم مع شركة سائر البروج .وليس شيء منها علوا وسفلا مظهرا تامّا كاملا ~~للذات المطلقة الكاملة الجزء الجزئية في حقيقته ، وإلَّا لانقلبت الحقائق وخرجت عن ~~ذاتياتها ، فصار المطلق مقيّدا وبالعكس ، فظهور الحق بالوجود فيها لا يكون إلَّا ~~بقدر قابليته واستعداده .وهو سبحانه وتعالى يقتضي لذاته أن يظهر بالكلّ ويظهر به ~~الكلّ ظهورا أحديا جميعا ، وظهوره في الكلّ بحسب الكلّ ، فلا يظهر الحق لنفسه بدون ~~مظهر منها بما يقتضيه المظهر ، بل بالمظهر .فهذا معنى قوله : « فإنّه يظهر لنفسه في ~~صورة يعطيها المحلّ ممّا لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحلّ » .كما أنّ الناظر ~~في المرآة المتشكَّلة بشكل خاصّ من الطول والتدوير وغيرهما لا تظهر صورته بذلك ~~إلَّا بحسب المحلّ لا بحسب الذات خارج المرآة .فافهم من هذا المثال ظهور الحق في ~~كلّ شيء بحسبه " وَلِلَّه ِ الْمَثَلُ الأَعْلى " وهاهنا أسرار " وَالله يَهْدِي من ~~يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ " .قال رضي الله عنه : ( وقد كان الحقّ سبحانه أوجد ~~العالم وجود شبح مسوّى لا روح فيه ، فكان كمرآة غير مجلوّة ) .يعني رضي الله عنه : ~~أنّ المراد المطلوب والعلَّة الغائيّة المقصودة من إيجاد العالم ظهور الحق وإظهاره ~~نفسه لنفسه ظهورا وإظهارا فعليا تفصيليا كما اقتضت ذاته المطلقة تكميلا لمرتبتي ~~الجمع والفرقان ، والغيب والشهادة ، والإخفاء والإعلان ، فكمال الجلاء والاستجلاء ~~وإحاطة الشهود بالغيب والشهادة هو السرّ المطلوب والعلَّة الغائيّة من العالم .فإذا ~~لم يحصل كمال الظهور والإظهار على النحو المطلوب ، لم يكن له سرّ وروح ، والعالم ~~كلَّه أعلاه وأسفله ، وأمره وخلقه ، ظلمانيته ونورانيته كما قلنا مظاهر الأسماء ~~الإلهية ، فما من موجود منها إلَّا والغالب على وجوده حكم بعض الأسماء على سائرها ~~.فذلك البعض سنده وإليه مستنده ، والحق من حيث ذلك الاسم ربّه ومعبوده ، ومن حضرته ~~فاض عليه وجوده وهو عند التجلَّي مشهوده .فظهور الحق وإن وجد قبل الكون الجامع ~~والمظهر الكامل والمجلى الشامل نحوا من الظهور تفصيليا فرقانيا ، ولكنّ المطلوب ~~بالقصد الأوّل هو كمال الجلاء والاستجلاء ، فحيث لم يوجد كمال الظهور في المظهر ~~الأكمل ، لم يحصل المراد المطلوب من إيجاد العالم لعدم قابلية العالم بدون الإنسان ~~لذلك ، وقصوره عن كمال مظهريته تعالى ذاتا وصورة جمعا وتفصيلا ، ظاهرا وباطنا ، ~~فكان كمرآة غير مجلوّة ، أي غير قابلة لروح التجلَّي المطلوب والمراد المقصود ~~المرغوب ، فكان العالم بمنزلة شبح مسوّى لا روح فيه لأنّ الروح إنّما يتعيّن في ~~المحلّ بعد التسوية ، كما قال تعالى مقدّما للتسوية على النفخ في قوله : " فَإِذا ~~سَوَّيْتُه ُ وَنَفَخْتُ فِيه ِ من رُوحِي ".فالتسوية عبارة عن حصول القابلية في ~~المحلّ للنفخ الإلهي ، وهو عبارة عن التوجّه النفسي الرحماني بالفيض الوجودي والنور ~~الجودي. كما قال الشيخ رضي الله عنه : (ومن شأن الحكم الإلهي أنّه ما سوّى محلَّا ~~إلَّا ولا بدّ أن يقبل روحا " إلهيا عبّر عنه بالنفخ فيه وما هو إلَّا حصول ~~الاستعداد من تلك الصورة المسوّاة لقبول الفيض التجلَّي الدائم الذي لم يزل ولا ~~يزال . وما بقي إلَّا قابل ، والقابل لا يكون إلَّا من فيضه الأقدس ) .يعني رضي ~~الله عنه : ليست تسوية الحقّ للمحلّ لقبول الروح إلَّا حصول الاستعداد ، ف " هو " ~~في قوله : « وما هو لسان الحكم الإلهي » .وفي قوله : " عبّر عنه " يعود الضمير إلى ~~الروح ، لا بمعنى أنّ الروح هو النفخ ، بل بمعنى أنّ الله ذكر تعيّن الروح في ~~المحلّ بعد التسوية بهذه العبارة ، فقال :" وَنَفَخْتُ فِيه ِ من رُوحِي " .ثمّ ~~اعلم : أنّ تسوية الحق للمحلّ أن يعطيه الاستعداد والقابلية ، أي يظهر استعداده ~~الذاتيّ غير المجعول ، فإنّه إن لم يكن له استعداد ذاتي لقبول هذا الاستعداد ~~المجعول هذه الصورة المذكورة هيولى مستعدّة لقبول صورة بعدها إلى أن تنتهي في ~~الصورة الإنسانية الكمالية * ( ."ثُمَّ الله يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ " 29 ~~سورة العنكبوت. وكلّ هذه الصور صور مراتب التسوية والإعداد لقبول تجلّ بعدها .وكذلك ~~صورة الحنطة هيولى مسوّاة لقبول صورة الدقيق ، وهي هيولى لصورة العجين ، وهي أيضا ~~هيولى مسوّاة لصورة الخبز ، وهي هيولى لصورة الكيلوس أو الكيموس.وكذلك إلى الصورة ~~الدمويّة ، ثم اللحمية والعظمية وغيرها ممّا يطول ذكرها ، كذلك العالم صورة مسوّاة ~~لقبول تجلّ كلَّي فرقاني تفصيلي أسمائي .وبعده يستعدّ لقبول تجلّ كلَّي إنساني ~~قرآني إلهي ذاتي ، وأسمائي جمعي بين الجمع والتفصيل أحديّ ، وهذا السرّ سار في جميع ~~الصور ، فتدبّرها تدقيقا وتحقيقا ، إن شاء الله .ثمّ اعلم : أنّ التسوية والتعديل ~~لا يكونان إلَّا بأحدية فيما به الاشتراك بين الأجزاء الكلَّية ، المتميّز بعضها عن ~~البعض بالذات والخصوصيات .وتوحّد الجميع لسراية الوجود بالوحدة في حقائق المراتب ، ~~وتوحيد تعديداتها وتمييزاتها بالوجود الواحد الظاهر بها والظاهرة هي به وفيه .فإذا ~~توحّدت الآحاد والأفراد بالوجود الواحد الموحّد بسرّ أحدية الجمع السارية في حقائق ~~القابل والمقبول ، والحامل والمحمول ، والظاهر والمظهر ، والمتجلَّي والمجلى ، ~~اضمحلَّت أحكام ما به المباينة والامتياز والاثنينيّة .وتلاشت آثار النسب التعديدية ~~حين استعداد القابل لقبول نفخ الروح الإلهي بالتوجّه النفسي الرحماني ، فلمّا ظهر ~~الحق بأسمائه في العالم بصورة الكثرة الفرقانية التفصيلية ، استعدّ لنفخ روح ~~الأحدية الجمعية الإنسانية ، فما بعد التفصيل إلَّا الجمع ، فافهم .وقول الشيخ رضي ~~الله عنه : ( لقبول الفيض التجلَّي الدائم ) إن كان"الدائم" مجرورا ، فـ "التجلَّي" ~~بدل عن « الفيض » .بمعنى أنّ التجلَّي الدائم هو الفيض ، أو عطف بيان ، ويسوغ إسقاط ~~لام التعريف من « الفيض » وإضافته إلى « التجلَّي » فيقال :لقبول فيض التجلَّي ~~ويجوز أيضا إبقاء اللام في « الفيض » بحالها ونصب الياء من" التجلَّي " ورفع محلّ " ~~الفيض " المجرور بإضافة « قبول » إليه.يعني أنّ الفيض الأوّل المعدّ لقبول التجلَّي ~~يكون هو القابل للتجلَّي ثانيا .والفيض بعد تعيّنه في قابلية الماهية القابلة له ~~بحسبها يستعدّ استعدادا ثانيا وجوديا قابلا للتجلَّي ، فيكون حينئذ قابل الحقّ ~~إنّما هو الحقّ .والفيض الأوّل الذي وجد به القابل أوّل مرّة يقبل التجلَّي الدائم ~~الذي لم يزل ولا يزال لكون الحق المتجلَّي دائم التجلَّي بالاقتضاء الذاتي ، فإنّه ~~فيّاض النور أبدا الآبدين .وقوله رضي الله عنه : (وما بقي إلَّا قابل ، والقابل من ~~فيضه الأقدس) بعد ذكر ما ذكر وإن أوهم أهل الوهم أنّه كالتكرار ، ولكن ليس كذلك ، ~~ولكن ما ذكر إنّما ذكر بالضمن .وهذا عطف على قوله : « وكان الحق أوجد العالم » وما ~~بقي إلَّا قابل .وما ذكر في البين هو حشو اللوزينج لزيادة البيان .ولمّا كان الفيض ~~دائما والقبول كذلك أيضا ، وجب لقابل الفيض أن يقبل بعد التلبّس بأحكام ماهية ~~العالم وحقيقته ، والانصباغ بأحكام حقائقه تجلَّيات أخر لا تتناهى دائما أبدا ~~الآبدين فإنّ ما دخل في الوجود ، وصار واجب الوجود بالوجود الحق الدائم ، فإنّه لا ~~ينقلب عدما ، ولكنّ التعيّنات والظهورات والنشآت تنقلب عليه .فإنّ قيل : قوله تعالى ~~: " كُلُّ من عَلَيْها فانٍ "، وانقراض المشهود من الدنيا دليل صريح على انعدام ~~الموجودات .قلنا : متعلَّق الانعدام والفناء إنّما هو التعيّن الشخصي لا الوجود ~~المتعيّن في الحقيقة المعيّنة ، فيفنى تعيّن الوجود في مادّة تعيّن ، ويظهر في أخرى ~~برزخيّ وحشريّ وجناني ، أو جهنّمي أو كينيّ ، هكذا إلى الأبد .فالقابل والمقبول ~~باقيان دائمان بالحق الدائم الباقي ، فافهم إن شاء الله تعالى فهاهنا مزلَّة أقدام ~~الكثيرين من الأوّلين والآخرين ، والله يثبّتنا وإيّاك بالقول الثابت الحق إنّه ~~عصمة المعتصم به وهو حسبنا وكفى ، والحمد لله .وأمّا كون القابل من فيضه الأقدس فهو ~~، يعني : أنّ الحقائق والأعيان الثابتة في العلم الإلهي الأزلي قوابل الفيض الوجودي ~~العيني ، وهي شؤون ذاتية وتجلَّيات ذاتيات اختصاصيات ، وتعيّنات علميات ، فإنّ مبدأ ~~تعيّنات التجلَّيات الذاتيات .هذه التعيّنات العلمية بأعيان العالم ، وحقائقها ~~ومعنوياتها معان مجرّدة ونسب علمية متمايزة بالخصوصيات ، كتمايز النصفيّة والثلثية ~~والربعية والخمسية في علم العالم بالواحد في مراتب العدد فتعيّن بهذا التجلَّي ~~العلمي تميّز كلّ عين عين من الأعيان عن غيرها بموجب الخصوصيات الذاتية.فتعيّن ~~المعلومات في العلم الأزلي أزلا إنّما هو بالفيض الذاتي الأوّل الأقدس أوّلا ، ~~فحصلت بهذا الفيض الأقدس الأوّل على وجود علمي وثبوت أزلي .أعني تحقّق العلم ~~بالمعلومات المعيّنة ، فتعيّنت الأعيان الثابتة من عين الأعيان بهذا الفيض الأوّل ~~الأقدس ، كما أشرنا إلى ذلك في الغرّاء التائيّة بقولنا شعر :وإذ عيّن الأعيان في ~~علم ذاته %~% على صور علمية أزليةتعيّن بي معنى المعاني بعينه %~% وعيني حرف الأحرف ~~المعنويةثم تعلَّقت النسبة المخصّصة للإيجاد ، وهي المشيّة والإرادة الكليّة ~~الذاتية ، وهي التعرّف والظهور التّام ثم تعلَّقت النسبة الاقتدارية أيضا ~~بمتعلَّقها وهو المقدور بالتدبير والإعداد للتمكَّن عن قبول ما يفيض عليه النسبة ~~الجودية الوهبيّة الذاتية للإيجاد.ثم تداخلت كلَّيات النسب في أمّهاتها ، واشتكت ~~وانتسبت الصورة الإلهية بأسمائها .وتمثّلت الصورة المثلية المثالية فرقانية تفصيلية ~~في مثال العالم ، وقرآنية جمعية كمالية في الصورة التي حذي عليها آدم ، فوجدت ~~العوالم في أعيانها ، وشهدت الحقائق ، وزهرت الأنوار والأزهار والشقائق ، في الدرج ~~والدقائق .وثبتت الحروف في ألواح الوجود ، وارتسمت بحسب ما تعيّنت في صفحة أمّ ~~الكتاب العلمي الأنفس بالفيض النفسي القدسي ، وارتقمت فكتبت الآيات البيّنات ، ~~وسطرت الكلمات التامّات والسور الكاملات ، وملئت الصحف الزاهرات الطاهرات ، ~~بالألسنة الإلهية الوجودية الظاهرات.فالفيض الأوّلي في أوّل الانبعاث النفسي ~~الرحماني ، تجلّ ذاتي نفسيّ في حضرتي العلم والشهود الذاتيين للحق ، وكما تعلَّقت ~~النسبة العلمية والنسبة الشهودية بالمعلومات والمشهودات ، علم الحق بعضها قابلا ~~للوجود ، وشهده حريّا بالفيض والإحسان والجود .فأعطاه التمكَّن من القبول ، ~~والتهيّؤ والاستعداد لقبول الوجود العيني الكمالي ، حتى قبل الوجود في عينه لنفسه ، ~~وفي التجلَّي العلمي الأوّل كان وجوده وتحقّقه للحق في الحق لا في عينه ولا لعينه ~~فالفيض الوجودي الأوّل العيني المقبول هو القابل ثانيا للتجلَّي الوجودي العيني ~~الوارد عليه ، فافهم .فهذا معنى قوله : " والقابل من فيضه الأقدس " فإنّ الأقدسية ~~مبالغة في القدس وهو النزاهة والطهارة والتجليات الأسمائية الموجبة لوجود العالم ~~كلَّها قدسيّة ، ولكنّ التجلَّي الذاتيّ والفيض الغيبيّ من غيوب الشؤون الذاتية وهو ~~الفيض الأقدس ، فافهم .قال رضي الله عنه : ( فالأمر كلَّه منه ، ابتداؤه وانتهاؤه " ~~وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه ُ " ، كما ابتدأ منه ) .يعني رضي الله عنه : ~~مبدأ أمر الوجود ومنتهاه من الحق ، وهذا غير مناف لكون المنتهى إليه فإنّه منه بدأ ~~وإليه يعود ، وما ثمّ إلَّا هو ، فهو القابل من حيث ظاهريته ومظهريته ، وهو المقبول ~~من حيث باطنه وعينه ، فالوجود المقبول المتعيّن ، والمرتبة القابلة المتعيّنة له ~~للمتبيّن.والأمر محصور بين الوجود والمرتبة ، والمرتبة المظهر ، والمتعيّن بها ~~الظاهر الوجود الحقّ الباطن ، والظاهر مجلى للباطن ، والباطن عين الظاهر بالمظاهر ~~وفيها ، والكلّ من العين الغيبيّة .ثم دائما من الغيب إلى الشهادة ، ومن الشهادة ~~إلى الغيب ، ومن العلم إلى العين ومن العين إلى العين ، وما ثمّ إلَّا هو ، هو هو ، ~~إليه المصير .قال الشيخ رضي الله عنه : ( فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم ، فكان آدم ~~عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة ) .قال العبد : ولمّا كان المراد بالإيجاد هو ~~كمال الجلاء والاستجلاء ولم يحصل إلَّا بالإنسان وفي الصورة الإنسانية المثلية ~~الكمالية الإلهية التي حذاها الله حذو صورته المقدّسة.كما قال رسول الله صلَّى الله ~~عليه وسلَّم : " خلق الله آدم على صورته ". وفي رواية " على صورة الرحمن ".وجاء في ~~أوّل التوراة كما ذكرنا أوّلا : " نريد أن نخلق إنسانا على مثالنا وشكلنا وصورتنا ~~".كما قال الله تبارك وتعالى ، وكما أنّ صورة الرحمن مستوية على عرش الوجود .كذلك ~~صورة الله مستوية على عرش قلب العبد المؤمن ، كشفا وشهودا وإيمانا وصدقا وحقّا ~~موجودا . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حكاية عن الله تعالى : "ما وسعني ~~أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن ".فالعبد المؤمن هو القابل للكلّ ، والكون ~~الجامع الإلَّيّ الذي يظهر به الأسماء والصفات والذات على ما هي عليها من الكمال ~~يؤمن بقابليّته الكلَّية المحيطة .ويعطي الأمان صور الذات والأسماء والصفات الظاهرة ~~في مظهريته عن التغيّر والتحريف ، فيظهر صورها في مرآته الكاملة كاملة ومؤمن أيضا ، ~~أي معطي الأمان صور النسب وحقائقها أيضا من عدم ظهور آثارها من خفاء حكم الغيب ~~والعدم .بإظهارها في محالّ أحكامها وأسرارها في حقائق مظهرياته المعنوية والروحانية ~~والطبيعية والعنصرية والمثالية .فالإنسان هو المظهر الكلَّي والمقصد الغائي الأصلي ~~، حامل الأمانة الإلهية ، وصاحب الصورة المثلية المنزّهة عن المثلية .فقبوله ~~للتجلَّي الإلهي أكمل القبول ، لأنّه ما من قابل من القوابل يقبل الفيض على نحو من ~~القبول وتعيّن الصورة الإلهية بمظهريته إلَّا وفي الإنسان الكامل مثال ذلك على ~~الوجه الأكمل والأتمّ فروحانيته أتمّ الروحانيات وأكملها ، وطبيعته العنصرية أجمع ~~الأمزجة وأعدلها .ونشأته أوسع النشآت وأفضلها وأشملها ، واستعداده لظهور الحق ~~وتجلَّيه أعمّ المظهريات والاستعدادات وأقبلها .وتعيّن صورة الحق والخلق في مظهريته ~~أكمل التعيّنات وأجلَّها ، وبه حصل كمال الجلاء والاستجلاء ، وبه اتّصل كمال الذات ~~بكمال الأسماء .وكان آدم عليه السّلام أوّل الصورة الإنسانية العنصرية ، فهو عين ~~جلاء تلك المرآة المسوّاة شبحا لا روح فيه قبل وجود هذه النشأة الإنسانية الكمالية ~~، وجلى الحقّ هذا المجلى الأتمّ والمظهر الأعمّ ، وجلا به الصدأ الذي كان في شخص ~~العالم .وتجلَّى له فيه تجلَّيا كاملا ، فرأى نفسه فيه ، كما تقتضيه ذاته الكمالية ~~، وظهر لنفسه فيه ظهورا جامعا بين الكمال الأسمائي والكمال الذاتي ، وكمل به العالم ~~أيضا .فظهر الحق به على أكمل صورة لأنّه على صورة آدم الذي هو على صورة الحق ، فكان ~~آدم عين قابلية العالم وإنسان عينه وعين جلاء قلبه القابل للتجلَّي الكمالي الجمعي ~~الإلهي. فالصورة الإلهية الظاهرة في مرآتيته هي روح العالم ، والمظهرية الإنسانية ~~هو القلب القابل المؤمن لصورة الحق الظاهر فيه وبه عن التغيّر والتحريف عمّا هي ~~عليه في نفسها ، فافهم .قال الشيخ رضي الله عنه : (وكانت الملائكة من بعض قوى تلك ~~الصورة التي هي صورة العالم المعبّر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير ) .قال ~~العبد أيّده الله به : اعلم : أنّ الملائكة هي أرواح القوى القائمة بالصورة ~~الحسّيّة الجسمية ، والأرواح النفسية والعقلية القدسية ، وتسميتها ملائكة لكونها ~~روابط وموصلات للأحكام الربانية والآثار الإلهيّة إلى العوالم الجسمانية فإنّ الملك ~~في اللغة هو القوّة والشدّة ، فلمّا قويت هذه الأرواح بالأنوار الربانية ، وتأيّدت ~~واشتدّت بها ، وقويت النسب الربانية والأسماء أيضا بها وعلى إيقاع أحكامها وآثارها ~~وإيصال أنوارها وإظهارها ، سمّيت ملائكة .وهم ينقسمون إلى: علويّ روحاني . وسفلي ~~طبيعي . وعنصري .ومثالي نوراني .فمنهم المهيّمون ، ومنهم المسخّرون ، ومنهم ~~المولَّدة من الأعمال والأقوال والأنفاس ، والصافّون والحافّون والعالمون .ثم ~~العلوي الروحاني :إمّا مجرّد عن المادّة والطبيعة وهم عالم العقول والمهيّمة ، ~~وإمّا متعلَّقة بالمادّة ، والمتعلَّق بالمادّة إمّا متعلَّق بمادّة معيّنة ، أو ~~بمادّة غير معيّنة وللمحقّق المكاشف .هاهنا بحث مع غير المكاشف منهم وذلك أنّ مشرب ~~التحقيق الأتمّ يقضي أن لا تخلو الأرواح عن مادة ما فإنّ الصور لا تستغني في الوجود ~~عن المادّة.فكذلك الصور الروحية والصور العقلية المتمايز بعضها عن بعض والمتغاير ~~بعضها بعضها لا بدّ لها من مادّة صالحة لتصوّر تلك الصورة.ولكن لا يلزم أن تكون ~~مادتها طبيعية أو عنصرية ، بل تكون مادّتها من نور النفس الرحماني ، أو تكون مادتها ~~من نور التجلَّي الوجودي ، أو نفس النفس ، أو من العماء الآتي حديثه فيما بعد وغيره ~~والمقدّم أيضا ذكره فيما سلف في أسرار حروف الاسم" الله " فتذكَّر .فالعقول ~~والأرواح العالية المجرّدة عند الحكيم المكاشف إنّما هي وجودات متعيّنة في الماهيات ~~والحقائق البسيطة ، صوّرها الله من العماء. وهو النفس المتضاعف المتكاثف بتوالي ~~الفيض النفسي الرحماني المنفّس عن القابل ، والقابل من تأثير القابل المتعيّن ~~والانفعال والانعقاد صورا نورية .فمادّة هذه الصور العقلية والأرواح العليّة ~~الإلَّيّة هي العماء ، حقيقة الحقائق وجوهر الجواهر وهويّة الكلّ وأصلها وهيولاها ~~الحاملة لصور وجوبها وإمكانها ، وهي الهيولى السابقة .ولقد استقصينا القول فيه في ~~هذا الكتاب ،وسنعيد الكلام عليه ، فلا تظنّها تكرارا ،لعلّ الله يجود بلائحة من ~~علمها لأهل الاستعداد ، والله الموفّق للرشاد .فإنّ العلم بها لا يحصل إلَّا بتعليم ~~الحق وتجلَّيه وتعريفه بما يخصّ به بعض عبيده الصالحين ، ولا يعرفه العقلاء بالفكر ~~النظري والقانون الفكري من تركيب المقدّمات وترتيب المفردات.بل بالتخلَّي عن ~~الشواغل والعلائق ، والتوجّه التامّ بأحدية العزيمة ، وصمود القلب إلى الموجد ~~المتجلَّي بالعلم الحقيقي والبرهان الكشفي والاطَّلاع الشهودي والتعريف الإلهي ~~الوجودي بعد المناسبة الذاتية والمرتبية .ثم الملائكة العالية الموجودة من المادّة ~~العمائيّة هم الأرواح العالية المهيّمة .ومنهم العقل الأوّل أبو العقول وهو القلم ~~الأعلى ، وفي مرتبته النفس الكلَّيّة من وجه ، وهي اللوح المحفوظ في العرف الشرعي ، ~~والمادّة العمائية التي قبلت هذه الصور النورية الروحية هي النون أعني الدواة التي ~~أقسم الله بها في القرآن العزيز بقوله : " ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ". ودون ~~هذه المرتبة الأرواح التي مادّتها مثاليّة نورانية مطلقة ، وطبيعية نورانية ، ~~وعنصرية غير نورانية ، ومثالية مقيّدة خيالية .يوجدها الله من الأعمال والأنفاس ~~والأخلاق وهي الملائكة المولَّدة .فعلى هذا لا يخلو روح عن مادّة يفعل فيها ما يشاء ~~من الصور ، فإمّا أنفسيّة حقيقية ، وإمّا ربّانية إلهية حقانية وذلك في عماء الربّ ~~وإمّا عمائيّة كيانية .إمّا نفسية رحمانية ، أو مثالية نورانية ، أو طبيعية كلَّية ~~عرشية محيطة وفلكية كذلك ، أو عنصرية سماوية أو كوكبيّة أسطقسّيّة مائية وهوائية ~~ونارية وأرضية ، والموادّ من الأرضية ما يغلب على نشأته الأرضية وكذلك غيرها .ثم ~~اعلم : أنّ الملائكة لا تنحصر عددا إلَّا بسدنة الأسماء الإلهيّة التي لا تنحصر ، ~~والكلمات والآيات التي لا تنفد ولا تتناهى .وهي أرواح القوى المنبثّة في العوالم ~~العلوية والسفلية ، والخواصّ المنتشرة اللازمة للأعيان الوجودية المتصوّرة ~~المتعيّنة بحسب الخصوصيات ، وبمقتضى القوابل غير مجعولة الاستعداد ، لكل قوّة من ~~هذه القوى روح من الأرواح له صورة نورية طبيعية وعنصرية على اختلافها وكثرتها ، وقد ~~يتوسّع في إطلاق بعض صورها روحا للبعض الآخر بالأشرفية والأفضلية المرتبية .كما أنّ ~~الروح الملكي الذي هو روح درجة الطالع أفضل وأشرف وأصفى وأنور وأقرب إلى الوحدة ~~والبساطة من الروح المدبّر لهذا الهيكل العنصري من وجه لأنّ علَّته وسببه أفضل ~~وأعلى وأقدم وأبقى ، والأرواح المدبّرة للأجسام العنصرية فائضة من الأرواح العلوية ~~السماوية .وإن كان بعض الأرواح المدبّرة لبعض الأجسام البشرية أكمل من سائر الأرواح ~~العلوية والسفلية ، فإنّ ذلك لا ينافي ما ذكرنا لكون ذلك باعتبار حصول التجلَّي ~~الكمالي الإلهيّ الأحدي الجمعي .وأمّا الأرواح المدبّرة للأجسام البشرية من نوع ~~الإنسان الحيوان فلا خلاف في قصورها مطلقا عن درجة أيّ روح فرضنا من الأرواح ~~الملكية والفلكية ، فاعلم ذلك .ولمّا كانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي ~~صورة العالم ، تبيّن فيما سلف أن ليس فيها قوّة القيام بمرآتية الذات من حيث هي هي ~~ولا من حيث أحدية جمع الذات ، ولا بمظهرية الأسماء جمعا وفرادى .وأنّ المظهر الكامل ~~الجامع لمظهريات التجلَّيات الذاتية الكمالية الكلَّية هو الإنسان الكامل الجامع ~~بين مظهرية الذات المطلقة بإطلاق قابليته الكلَّية ، وبين مظهرية الأسماء والصفات ~~والأفعال.بما في نشأته الكلَّية من الجمعية والاعتدال ، وبما في مظهريته من الحيطة ~~والسعة والكمال ، وهو كذلك جامع أيضا بين الحقائق الحقيّة الوجوبية ونسب الأسماء ~~الإلهيّة الربوبية ، وبين الحقائق الإمكانية والأعيان الكيانية. وأمّا كماله ~~فلإحاطته بين الحقيقتين ، وشموله لجميع ما في العالمين ولجمعه كذلك بين البحرين ، ~~فهو المظهر الأتمّ ، والمنشأ الجامع الأعمّ ، والبحر المحيط الزاخر الخضمّ ، والطود ~~الراسخ الأشمخ الأشمّ.فكانت الملائكة صور قواه الروحانية لأنّ فيها قوى كثيرة غير ~~القوى التي للملائكة المنبثّة في العالم صورها التفصيلية .فإنّ الأرواح الخبيثة ~~والشياطين والعفاريت والمردة أيضا من صور بعض قواه ، وكذلك جميع الحيوانات الماشية ~~الساعية والسابحة والطائرة .وكذلك الأسماء الإلهية صور قوى هذا الإنسان ، وكذلك ~~الدوابّ والبهائم والحشرات والسباع وغير ذلك ممّا لا نذكره اعتمادا على فهمك " ~~وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ".قال الشيخ رضي الله عنه : ( ~~فكانت الملائكة له كالقوّة الحسيّة والروحانية التي في النشأة الإنسانية .وكلّ قوّة ~~منها محجوبة بنفسها ، لا ترى أفضل من ذاتها ) .قال العبد أيّده الله به : القوى ~~الحسّية التي في نشأة الإنسان هي التي متعلَّقاتها المحسوسات كالإبصار والسماع ~~والشّم والذوق واللمس وما تحت هذه الكلَّيات من الأنواع والشخصيات .وأمّا القوى ~~الروحانية فكالمتخيّلة والمفكَّرة والحافظة والذاكرة والعاقلة والناطقة .وهذه القوى ~~الكلَّية وشخصياتها في حيطة الروح النفساني ، ومنشؤها ومجاري تصرّفاتها وأحكامها ~~وآثارها الدماغ ، فكالقوى الطبيعية مثل الجاذبة والماسكة والهاضمة والغاذية ~~والمنمية والمربيّة والمولَّدة والمصوّرة والدافعة وشخصياتها راجعة إلى الروح ~~الطبيعي .وكالعلم والحلم والوقار والإناءة والشجاعة والعدالة والسياسة والنخوة ~~والرئاسة وغيرها ممّا تحتها من المشخّصات والأنواع بالمماثلة والمشاكلة والمباينة ~~والمنافرة عائدة إلى الروح الحقيقي الحيواني والنفساني .وكما أنّ هذه القوى منبثّة ~~في أقطار نشأة الإنسان وإن كان لكل جنس وصنف ونوع من هذه القوى محلّ خصيص بها . هو ~~محلّ ظهور أحكامه وآثاره ومنشأ حقائقه وأسراره ، ولكن حكم جمعيّة الإنسان سار في ~~الكلّ بالكل فكذلك العالم الذي هو الإنسان الكبير في زعمهم .كلَّيات هذه القوى ~~وأمّهاتها بجزئياتها وأنواعها وشخصياتها منتشرة ومنبثّة في فضاء السماوات والأرضين ~~وما بينهما وما فوقهما من العوالم ، وتعيّنات هذه القوى والأرواح في كلّ حال بما ~~يناسبه ويوافقه على الوجه الذي يلائمه ويطابقه .وبها ملاك الأمر النازل من حضرات ~~الربوبية ، وهي في الحقيقة صور متعلَّقات للنسب الربانية ، وبها يقوى الوجود النفسي ~~على التعيّنات وتنوّعات الظهور والتجلَّيات ، فافهم .ولأنّ كلّ قوّة منها مجلى ~~لتجلَّي الأحدية الجمعية ، ولكن تعيّن سرّ الجمع والأحدية فيه ليس إلَّا بحسبه ، ~~وظهور التجلَّي فيه يقتضي خصوصيّته ، فكانت كل قوّة منها لهذا محجوبة بنفسها .لا ~~ترى أفضل من ذاتها ، وذلك كذلك ، لكون الكلّ في الكلّ ولكنّها غابت عن أشياء كثيرة ~~بمحبّتها لنفسها ، كما قال : « حبّك الشيء يعمي ويصمّ » فإنّ كون الكلّ في كل منها ~~بحسبه لا بحسب الكلّ ، وظهور الكلّ بحسب الكلّ لا يكون إلَّا في الكلّ .ولكنّ الكلّ ~~له ثلاث مراتب :الأولى : مرتبة جمع الجمع والأحدية ، وهي الحقيقة الإنسانية الإلهية ~~التي حذي آدم عليها .والثانية : صورة التفصيل الإنساني الإلهيّ ، أعني العالم بشرط ~~وجود الإنسان الكامل في العالم .والثالثة : صورة أحدية جمع الجمع الإنساني الكمالي ~~، فظهور الكلّ في مرتبة جمع الجمع الأحدي لا تفصيل فيه ، وأنّه مرتبة الإجمال.وظهور ~~الكلّ في مرتبة أحدية جمع الجمع الإنساني ظهور كامل جامع بين الجمع والتفصيل ، ~~والقوّة والفعل ، فإنّ الكلّ في الكلّ إنسان كامل بالقوّة دفعة بالفعل في كل زمان ~~بالتدريج ، كما قال المترجم ، شعر :تجمّعت في فؤاده همم %~% ملء فؤاد الزمان ~~إحداهفإن أتى دهره بأزمنة %~% أوسع من ذا الزمان أبداهقال الشيخ رضي الله عنه : ( ~~وأنّ فيها ) يعني في كلّ قوّة منه ( فيما تزعم الأهلية لكل منصب عال ، ومنزلة رفيعة ~~عند الله ، لما عندها من الجمعية الإلهية بين ما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي ، ~~وإلى جانب حقيقة الحقائق ) .قال العبد : يعني رضي الله عنه : أنّ كلّ قوّة من هذه ~~القوى والأرواح الملكية تزعم في نفسها أنّ لها أهلية كلّ منزلة عالية وفضيلة سامية ~~عند الله من القيام بمظهريات الأسماء والصفات والشؤون والتجلَّيات والسمات والسبحات ~~.لما تحقّق في نفسها أنّ لها مرتبة الجمعية الإلهية بين ما هو راجع من تلك المناصب ~~والمنازل الرفيعة إلى الحضرة الإلهية الوجوبية وحقائق نسب الربوبية ، وبين ما يرجع ~~منها إلى جانب حقيقة الحقائق المظهرية الكيانية .فإن لحقيقة حقائق العالم وحضرة ~~الإمكان جمعية خصيصة بها ، ولكلّ منها خصوص في جمعية ليس للآخر كما ستعلم . وقد ~~علمت أنّ الكمالات في الجمع والاستيعاب والإحاطة .فلمّا رأت وظنّت كلّ قوّة منها ~~أنّ فيها الجمعية بين الجمعية الإلهية والجمعية الكيانية ، زعمت أنّ لها أهلية كلّ ~~فضيلة وكمال فحبست بهذا الزعم عن كمال الحق الظاهر في الكلّ بعين الكلّ ، فزكَّت ~~نفسها وجرحت غيرها وخرجت عن الإنصاف .قال الشيخ رضي الله عنه : ( و في النشأة ~~الحاملة لهذه الأوصاف إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلَّية التي حصرت قوابل العالم كلَّه ~~أعلاه وأسفله ) .عطف على قوله : " إلى جانب الحق ، وإلى جانب حقيقة الحقائق " وإلى ~~ما تقتضيه الطبيعة الكليّة في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف . وفيه تقديم وتأخير ~~.والطبيعة الكلّ هي الطبيعة الكليّة و « الكلّ » في هذه العبارة بدل أو عطف بيان ، ~~بمعنى أنّ الكلّ طبيعة واحدة والطبيعة التي هي الكلّ والطبيعة الكلَّية في مشرب ~~التحقيق إشارة إلى الحقيقة الإلهية الكلَّية الحاصرة لقوابل العالم وموادّها ~~الفعّالة للصور كلَّها .وهي ظاهرية الألوهية وباطنها الإلهية ، وهذه الحقيقة تفعل ~~الصور الأسمائية بباطنها في المادّة العمائية وهي منها وعينها ، ولا امتياز بينهما ~~إلَّا في التعقّل لا في العين ، فإنّ النشأة واحدة جامعة بحقيقتها للصور الحقّانية ~~الوجوبية والصور الخلقية الكونية .ثم اعلم أنّ الحقائق ثلاث :الأولى : حقيقة مطلقة ~~بالذات ، فعّالة ، مؤثرة ، واحدة ، عالية واجب لها [ الوجود ] بذاتها من ذاتها ، ~~وهي حقيقة الله سبحانه وتعالى .والثانية : حقيقة مقيّدة ، منفعلة ، متأثّرة ، سافلة ~~، قابلة للوجود من الحقيقة الواجبة بالفيض والتجلَّى وهي حقيقة العالم .وحقيقة ~~ثالثة : أحدية جامعة بين الإطلاق والتقييد ، والفعل والانفعال ، والتأثير والتأثّر ~~، فهي مطلقة من وجه ونسبة ، ومقيّدة من أخرى ، فعّالة من جهة ، منفعلة من أخرى . ~~وهذه الحقيقة أحدية جمع الحقيقتين ، ولها مرتبة الأوليّة الكبرى والآخرية العظمى ، ~~وذلك لأنّ الحقيقة الفعّالة المطلقة في مقابلة الحقيقة المنفعلة المقيّدة ، وكلّ ~~مفترقين فلا بدّ لهما من أصل هما فيه واحد مجمل ، وهو فيهما متعدّد مفصّل ، إذ ~~الواحد أصل العدد والعدد تفصيل الواحد .وكل واحدة من هذه الحقائق الثلاث حقيقة ~~الحقائق التي تحته ، ولمّا سرت أحدية جمع الوجود في كل حقيقة من الجزئيات والشخصيات ~~، انبعثت إنائيّة كلّ تعيّن تعين بأنّ له استحقاق الكمال الكلَّي الأحدي من حيث ما ~~أشرنا إليه وما تحقّقت من أنّ تعيّن الكمال الأحدي الجمعي الأكبر إنّما يكون بحسب ~~القابل واستعداده كما مرّ .قال الشيخ رضي الله عنه : ( وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر ~~فكريّ بل هذا الفنّ من الإدراك لا يكون إلَّا عن كشف إلهي منه يعرف ما أصل صور ~~العالم القابلة لأرواحه ).قال العبد أيّده الله به : هذا إشارة إلى علم الطبيعة ~~الكلّ التي حصرت قوابل العالم أعلاه وأسفله ، والطبيعة الكلَّية إشارة إلى ظاهرية ~~الحقيقة الفعّالة للصور ، كما ذكرنا .واعلم : أنّ الصور أعمّ ممّا عرفت عرفا في ~~تعريف العرف الفلسفي الظاهر والنظر الرسمي ، والكشف والتحقيق يقضيان بأنّها اعمّ ~~ممّا عرفوا وعرّفوا ، ولا تختصّ بالجسمانية ، بل قد تكون الصور عقلية وخيالية ~~وذهنية ونورية وروحانية وإلهية.كما جاء في الصحيح : « إنّ الله خلق آدم على صورته » ~~فللَّه تعالى صورة إلهية نورية لائقة بجنابه تعالى.ويقال : صورة المسألة وصورة ~~الحال .وقال : " رأيت ربّي في أحسن صورة ". وكان الروح الأمين يأتي رسول الله صلَّى ~~الله عليه وسلَّم في صورة " دحية " وغيره .وقد تمثّل لمريم " بَشَراً سَوِيًّا " مع ~~تحقّق أنّ الأرواح غير متحيّزة .فكان ظهور روحانيّ في صورة مثالية ، وحقيقة الصورة ~~هيئة اجتماعية من أوضاع شكلية في أي مادّة فرضت في أيّ أجزاء قدّرت ومثّلت ، فافهم ~~.وإذا تحقّقت حقيقة الصورة ، علمت أنّها أعمّ ممّا قيل ، والصور في طور التحقيق ~~الكشفي علوية وسفلية :والعلوية حقيقية وهي صور أسماء الربوبية والحقائق الوجوبية ، ~~ومادّة هذه الصور وهيولاها عماء الربّ ، والحقيقة الفعّالة ، لها أحدية جمع ذات ~~الألوهة ، وظاهرها الطبيعة الكلية . والعلوية الإضافية هي حقائق الأرواح العقلية ~~والأرواح المهيّمة والأرواح النفسية والملكية المهيّميّة ، ومادّة هذه الصور ~~الروحانية في مشرب التحقيق والكشف النور .وأمّا الصور السفلية الإمكانية من الحقائق ~~الكيانية مطلقة فهي صور الحقائق الإمكانية والنسب المظهرية الكيانية .وهذه الصور ~~أيضا منقسمة إلى علوية وسفلية ، فالعلوية منها ما ذكرنا من عالم الأمر أنّها علوية ~~إضافية ، فإنّها علوية بالنسبة إلى الحقائق الجسمانية ، وموادّها وهيولاها عماء ~~المربوب والكون من النفس الرحماني ، ويسمّى هذا العماء عماء ، لكونه مشوبا بالظلمة ~~.ومن الصور العلوية الكونية صور عالم المثال المطلق والمقيّد وعالم البرازخ ، ~~ومادّة هذه الصور وهيولاها الأنفاس والأعمال والأخلاق والملكات والنعوت والصفات ~~.وأمّا السفلية الكونية فهي صور عالم الأجسام ، وهي أيضا علوية وسفلية :فالعلويات ~~هي العرش والكرسي والأفلاك والكواكب والسماوات ، ومادّتها الجسم الكلَّي .والسفلية ~~الجسمانية منها فهي العناصر والعنصريات ، وهي أيضا علوية وسفلية :فالعلوية منها هي ~~صور الأرواح الهوائية والنارية والمارجية ، ومادّة هذه الصور الهواء والنار وما ~~اختلط منهما مع باقي الثقلين من الأركان المغلوبين في الخفيفين كما ذكرنا في الموضع ~~الأنسب بذلك.والسفلية الحقيقية هي ما غلب في نشأته الثقيلان وهما الأرض والماء على ~~الخفيفين وهما النار والهواءوهي ثلاث :صور معدنية .وصور نباتية .وصور حيوانية .وكل ~~عالم من هذه العوالم يشتمل على صور شخصيات لا تتناهى ولا يحصيها إلَّا الله تعالى ~~.والطبيعة هي الحقيقة الحاملة لهذه الصور كلَّها من كونها عين المادّة من وجه ، ومن ~~وجه أخرى الفعّالة لهذه الصور كلَّها ، وحقيقتها هي الأحدية الجمعية الذاتية ~~الفعّالة لصورتها في نفسها بنفسها . فالطبيعة الكلّ وإن كانت مظهر الفعل الذاتي ~~الإلهي .ولكن حقيقتها حقيقة أحدية جمع الصور الفعلية والانفعالية في العوالم ~~الربانية والعوالم الكيانية ، والصورة الكلية المطلقة منفعلة على الإطلاق في ~~المادّة العمائية الكلَّية الكبرى عن هذه الحقيقة الفعلية الذاتية للحقيقة الإلهية ~~الكامنة في التعيّن الأوّل ، وهي منه وفيه ، والفاعل هو الله .والطبيعة باعتبار آخر ~~من قوى النفس الكليّة سارية في الأجسام الطبيعية السفلية والأجرام العلوية ، فاعلة ~~لصورها المنطبعة في موادّها الهيولانية المعلومة لحكماء الرسوم .وبالاعتبار الأوّل ~~قوّة كلَّية من قوى النفس الإلهية الفعّالة للصور كلَّها معنويّها العلمية الإلهية ~~الأزلية والعقلية والروحانية والنفسانية والمثالية والنورية والطبيعية والعنصرية ~~والخيالية والذهنية والتصوريّة واللفظية النفسية الإنسانية من صور الحروف والكلمات ~~، والرقية كذلك ، فافهم .وما أظنّك تفهم فادرج ، فليس نفسك إن كنت مقيّدا للحق .وقد ~~أشار الله تعالى إلى نفسه التي من قوّتها هذه الطبيعة الكلَّية بقوله :" ~~وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَه " , " وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي " .فالطبيعة الكلية ~~بهذا الاعتبار قوّة من قوى النفس الإلهية الذاتية الكلية التي لا يعلم ولا يحيط بما ~~فيها إلَّا الله .كما قال الله تعالى إخبارا وحكاية عن العبد الصالح : " تَعْلَمُ ~~ما في نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ ". وكما قال رسول الله صلَّى الله عليه ~~وسلَّم : " أنت كما أثنيت على نفسك لا أحصي ثناء عليك لا أبلغ كلّ ما فيك " .فلمّا ~~كانت أحدية الجمعية الإلهية ، وأحدية الجمعية التي بحقيقة الحقائق ، وأحدية الجمع ~~التي للطبيعة الكلية في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف كلَّها من الحقيّة والخلقية ~~وما تحتهما سارية بالنفس الرحماني إلى الحقائق والقوى كلَّها بالكمالات والمناصب ~~الراجعة إلى هذه الجمعيات وفي كل ملك ملك. وقوّة قوّة وصورة صورة ، زعمت أنّ لها ~~أهلية هذه الكمالات كلَّها ، وأنّى لها ذلك ؟وما لكلّ منها إلَّا مقام معلوم ، ~~فافهم .فإنّ هذا الكشف من أصعب العلوم الخصيصة بكشف مرتبة الكمال المحمدي الختمي ، ~~ولا يناله إلَّا من ورث خاتم النبيين ومشكاة خاتم الأولياء المحمديين .حقّقنا الله ~~والإخوان والأودّاء الإلهيين بعلومه ومقاماته وأحواله ومشاهده ومنازلاته ومعاريجه ، ~~إنّه عليم قدير حكيم خبير .ثم اعلم : أنّ الكشف عبارة عن رفع الحجب الظلمانية ~~والنورية التي بين الحقيقة وبين المدرك منّا ، فإن كان المدرك النفس أو العقل ، ~~والمدارك قواهما النفسانية النظرية والفكرية بطريق ترتيب المقدّمات وترتيب المبادئ ~~والمفردات على الوجه المؤدّي إلى الغايات. فهو طريق البرهان والاستدلال باللوازم ~~القريبة والبعيدة على الملزومات ، فهي وإن كانت في زعم أهلها موصلة إلى إدراك ~~الحقائق ، فليست موصلة إلى الحقائق من حيث هي هي في العلم الأزلي مجرّدة عن النسب ~~والإضافات .بل من كونها موجودات وملزومات ومعروضات للعوارض ولوازم ، لا من حيث هي ~~حقائق مطلقة فإنّ ذلك لا يكون إلَّا بكشف حجب هذه اللوازم والعوارض من حيث هي ~~حجب.كذلك فإنّ الملزومية والعارضية والمعروضية نسب عارضة على الحقائق عند تلبّسها ~~بالوجود العيني ، فإنّها في علم الله حقائق غيبيّة معنوية عريّة عن الوجود العيني ~~.أو قل : هي نسب علمية أزليّة ، أو صور معلوميّات الأشياء ، أو حروف الكلمات ~~النفسية الرحمانية ، أو شؤون ذات اللاهوت ، أو الأعيان الثابتة في العلم الذاتي ، ~~أو الماهيات ، أو هويات الموجودات من شأنها أنّها إذا وجدت لأعيانها ، كان بعضها ~~ملزومات ومعروضات ، وبعضها لوازم وعوارض ولواحق .كلّ هذه الاعتبارات والعبارات ~~صادقة ، ويتداولها طائفة من المحقّقين في عرفهم الخاصّ بهم ، وهي في عرصة العلم ~~الذاتي متمايزة بخصوصياتها الذاتية يدركها المكاشف عند رفع الأستار ، والتجلَّي ~~والشهود متمايزة الحقائق لخصوصياتها ، ولا يدركها المفكَّر كذلك .بل إنّما يدرك هذه ~~الحقائق متلبّسة بالوجود العيني الموجب للتوحيد ، والرافع للتمييز والتعديد ، ونظنّ ~~أنّها لم تزل على هذا ، وليس ذلك كذلك .فإذا انشرحت العقول عن حجابيّات قيود ~~العادات ، وانطلقت عن عقال ضمنيات الكائنات ، ويخلص السرّ الإلهيّ من أحكام التعيّن ~~وآثار القيود الحجابية ، وانكشفت عن بصائرها وأبصارها الأستار ، حينئذ تأتّى للمدرك ~~أن يدرك الحقائق على ما هي عليها في عالم الحقائق والمعاني .وقد يظنّ العامّة من ~~ظاهرية المتفلسفة ، أنّ علم الحقائق على ما هي عليها عبارة عن إدراكها في هذه ~~اللوازم والعوارض واللواحق وأنّها لا تحقّق لحقائق بدونها في الخارج .وهذا المتفلسف ~~المدّعي للحكمة ما عرف الفرق بين حقائق الأشياء وبين أعيانها فإنّه ما أدرك إلَّا ~~أعيان الموجودات ولم يدرك الحقائق من حيث إطلاقها وباطنها الحقيقية مجرّدة عن هذه ~~العوارض واللوازم واللواحق ، وهو معذور لكون هذا العلم والشهود فوق طور العقل ، ~~وراء طور الفكر ، والفرق بين المقامين بيّن ، فانظر ما ذا ترى ؟وإذا تحقّقت ما ~~ذكرنا ، علمت أنّ من الكشف ما هو عقلي وهو الذي يدركه العقل بجوهره النوري المطلق ~~عن قيود الفكر والمزاج .ومنه ما هو نفسانيّ وهو ما يحصل للنفوس المطلقة عن قيودها ~~المزاجية بإدمان الرياضات والمجاهدات من النفوس الكلَّية العالية ، بكشف حجاب ما به ~~المباينة والممايزة .ومن الكشف ما هو روحاني ، وذلك بعد كشف الحجب النفسانية ~~والعقلية ومطالعة الروح الإنساني لمطالع الأنفاس الرحمانية .ومن الكشف ما هو رباني ~~بطريق التجلَّي ، إمّا بالتنزّل والتدلَّي ، أو بالمعراج والتسلَّي ، أو بالمنازلات ~~بأسرار التولَّي والتجلَّي ، أو بالجمع والتجلَّي بعد التخلَّي من الربّ المتولَّي ~~.وهو متعدّد بحسب تعدّدات الحضرات الأسمائية فإنّ للحق تجلَّيا من كل حضرة ، ومن ~~الحضرات.وأعلى التجلَّيات الأسمائية هو التجلَّي الإلهيّ الجمعيّ الأحديّ الذي يعطي ~~المكاشفات الكلَّية الأحدية الجمعية ، وليس كلّ كشف كذلك.وفوقها التجلَّي الذاتيّ ~~الاختصاصيّ الذي يعطي الكشف بحقيقة الحقائق ومراتبها ، وبحقيقة النفس والعلماء ، ~~وبالحقيقة الإلهية ، وبحقيقة الطبيعة الكلَّية ، فافهم واعرف قدر ما دسّيت لك من ~~الأسرار ، والله وليّ التوفيق والتحقيق .ثمّ أعلم : أنّ « الحقيقة » يصدق إطلاقها ~~على كل ما له تحقّق في الجملة بالإطلاق العامّ ، فثمّ حقيقة تحقّقها بذاتها وهي ~~حقيقة الحق ، وقد تكون حقيقة تحقّقها لا بذاتها .بل تحقّقها بما هو متحقّق بذاته من ~~ذاته ، إمّا في العلم أو في العين أو في بعض مراتب الوجود أو في جميعها دائما أو لا ~~دائما ، بل في وقت دون وقت .وعلى هذا يصدق إطلاق الحقيقة على الحق والخلق وعلى ~~النسب والإضافات والجواهر والأعراض ، إن قلنا إنّ الخلق له تحقّق ، وقد تكون ~~الحقيقة واحدة وكثيرة ، ومطلقة ومقيّدة ، فاعلم ذلك .قال الشيخ رضي الله عنه : ( ~~فسمّي هذا المذكور إنسانا وخليفة . فأمّا إنسانيته فلعموم نشأته وحصره الحقائق ~~كلَّها .وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي به يكون النظر وهو المعبّر عنه ~~بالبصر ، فلهذا سمّي إنسانا فإنّه به ينظر الحقّ إلى خلقه ، فيرحمهم ) .يعني رضي ~~الله عنه : أنّ اعتبار الحقيقة الإنسانية على وجه يكون الاشتقاق اللفظي محفوظا فيه ~~، إن كان بمعنى الأنس من كونها مؤنسة للحقائق ومأنوسة.وليس سائر الحقائق كذلك لكون ~~كلّ حقيقة غيرها ممتازة عن غيرها بخصوصها المباين الموجب للغيرية بخلاف الحقيقة ~~الإنسانية فإنّها أحدية جمع جميع الحقائق الحقيّة والخلقية والبرزخية .فما امتازت ~~الحقيقة الإنسانية عنها إلَّا بأحدية جمع الجمع والإحاطة ، وبها أنست بالكلّ ، وأنس ~~بها الكلّ بعضه بالبعض .ولهذا لم يكن مثله شيئا لعموم نشأته جميع النشئات ، وعدم ~~عموم غيرها لأنّها ما من نشأة من النشآت إلَّا وفي نشأته نظيرتها .وما من حقيقة من ~~الحقائق إلَّا وفي الحقيقة الإنسانية محتدها وأصلها لأنّ العوالم كلَّها على صورة ~~الإنسان .كما أنّ الإنسان على صورة الله فما من عرش ولا كرسي ولا فلك ولا روحاني ~~ولا كوكب ولا منازل ولا بروج ولا سماوات ولا أرضين ولا نار ولا هواء ولا تراب ولا ~~ماء ولا مولَّد من معدن ونبات وحيوان ماش أو ساع أو سائح أو طائر أو ناش إلَّا وفي ~~النشأة الإنسانية أمثالها ونظائرها .ولهذا قيل : الإنسان هو العالم الصغير .وقالوا ~~: العالم الإنسان الكبير .وفيه نظر على ما سنبيّنه في موضعه ، فهو بصورته الطبيعية ~~وبروحه جامع لخصائص عالم الأرواح من المهيّمة ومن العقول والنفوس والملائكة والجنّ ~~، وكذلك يجمع بحقيقته الإنسانية البرزخية بين بحريّ الوجوب والإمكان وبين الإطلاق ~~والتعيّن .وقابليته أجمع القابليات ، ومظهريته أكمل المظهريات ، وما يخصّه من الفيض ~~والتجلَّي أتمّ وأكمل وأعمّ وأشمل .وبهذا استحقّ الخلافة وسجود الملائكة فإنّ ~~السجود هو الدخول في الطاعة والتذلَّل والانقياد والخضوع.فلمّا جمعت النشأة ~~الإنسانية الكمالية بسعة قابليته وحيطة دائرة استعداده جميع الحقائق والقوى القائمة ~~بصور العالم ، والمنتشرة والمطويّة منها في أعلاه وأسفله ، سجدت الملائكة التي هي ~~عبارة عن صور أرواحها لآدم هو أوّل مظهر إنساني لافتقار العالم في كماله إلى وجوده ~~واستغناء الإنسان بنشأته الكاملة عن العالم وما فيه .فهو على حدته مغن عن العالم ، ~~أو كان في مظهرية التجلَّي الذاتي الأحدي الجمعي والأسماء التفصيلية الفرعية ~~.والعالم بلا إنسان كامل غير كامل ولا كاف فيما ذكر .ولهذا ما عرفته الملائكة إلَّا ~~أسماء حين سألهم الحق عنها بقوله : " أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ ~~كُنْتُمْ صادِقِينَ " ، أي هؤلاء النسب والحقائق الإلهية الزمانية ، إشارة إلى ~~حقائق الأسماء متجلَّية في صورها النورية وحقائق الموجودات القابلة لتلك التجليات ~~.فلمّا لم يعرف الملائكة أسماء تلك الصورة النورانية والحقائق المعنوية من حيث ~~التمايز والخصوصيات التي تقوّمت بها نشأتهم ، قال الله تعالى : " يا آدَمُ ~~أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ " أي أعلمهم وأخبرهم بأسمائهم .أي بيّن المظاهر وأسماء ~~الحق ، التي هم مستندون إليها في وجودهم فإنّ كلّ واحد منهم مظهر لحقيقة مخصوصة من ~~حقائق أسماء الواجب الوجود ، وخادم لاسم معيّن ، وسادن لنسبة ربانية من النسب ~~الإلهية ، فكلّ منهم لا يعرف الحقّ إلَّا من حيث مظهريته المعيّنة وقابليته الجزئية ~~واستعداداته الخصوصية.فالحق المسمّى بفتح الميم وآدم المسمّى بكسر الميم والملائكة ~~لا يعرفون الحق ولا أنفسهم ولا ما يستند إليه من الأسماء إلَّا من وجه جزئي تعيّنيّ ~~.ولهذا لمّا أنبأهم آدم بأسمائهم في الحضرات الأسمائية ، وأظهر خصوصيات عبدانيات ~~كلّ واحد منهم لاسم هو ربّه ، وأنبأهم بأسماء الحق ، التي هم مستندون إليها التي ~~لها السلطان والحكم عليها. قالوا : " سبحانك لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا ~~إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ". فلهذا أنس بهذه الحقيقة الإنسانية الكلّ ، ~~وأنس بالكلّ ، فسمّي الوجود الحق المتعيّن في هذه الحقيقة الكلَّية المطلقة إنسانا ~~.وهو « فعلان » من الأنس على صيغة المبالغة .وسمّي أيضا إنسان العين إنسانا بهذا ~~الاعتبار لأنّ العين تأنس بكلّ ما تقع عليه ولا يناسبه أيضا نور الحق المتعيّن ~~بالجمع في نار الفرق .وإيناس النور في النور مؤنس يعطي الأنس لناظر الناظر ، ولأنّ ~~الإنسان من عين الإنسان آلة النظر ، وإدراك ظاهرية المبصرات وإبصار كلّ ذي بصر ~~إنّما هو بحسبه .وكان نظر الله أحديا جمعيا بأحدية جمع العلم والشهود لظاهرية أحدية ~~جمعيات الحقائق والأشياء ، ولم يكن في الموجودات والحقائق حقيقة جمعية أحدية جامعة ~~لجميع الجمعيات إلَّا هذا المظهر الأعمّ الأكمل ، والمنظر الأتمّ الأجمع الأوسع ~~الأشمل ، به نظر الله في إبصاره لظاهريات الحقائق كلَّها ، فهو مجلى النظر الإلهي ~~وإنسان العين المنزّهة ، فسمّاه بهذه الاعتبارات إنسانا .قال الشيخ رضي الله عنه : ~~( فهو الإنسان الحادث الأزلي ، والنشء الدائم الأبدي ) .قال العبد أيّده الله به : ~~أمّا حدوثه فهو من جهة صورته العنصرية خاصّة فإنّ له صورا علويّة فيما فوق ~~العنصريات فقديمة ، علمية ونورية ، نفسية وروحية ، عقلية ونفسية ، ومثالية وطبيعية ~~، عرشية وملكية .فالعلمية أزلية قائمة بقيام العلم ودائمة بدوام العالم الحق ~~المشاهد الناظر بهذا الإنسان .معنى قولهم : " الإنسان أزلي " وأمّا أزليّته فلأنّه ~~العلَّة الغائيّة من التجلَّي الإيجادي.وبه كمال الجلاء والاستجلاء ، والظهور الكلي ~~المطلق بالإظهار والإنباء .فهو أزليّ بأزليّة علم العالم ، كما أنّ العلم عين ~~العالم ، فيصدق عليه أنّه أزليّ نسبة إلى الأزل ، وهو الضيق والضنك الذي كان لحقائق ~~المعلومات حين استهلاكها في عين الذات العالم بها .وأمّا كونه نشئا دائما أبدا ~~فلأنّ الحقيقة الإنسانية هي المرآة الكلَّية الإلهية الأحدية ، والنشأة الدائمة ~~الأبدية . وكما أنّه أحدية الجمع الأوّل الأزليّ .فكذلك هو تفصيل ذلك الجمع وأحدية ~~جمع جمع التفصيل والجمع ، وما ثمّ إلَّا هو ، فهو النشء الدائم الذي لا أوّل له إذ ~~هو الأوّل والأبدي الذي لا آخر له إذ هو الآخر بعين ما هو الأوّل ، فهو الدائم . ~~والنشء الذي هو الارتفاع في النموّ ، والازدياد والربوّ باعتبار أنّ العين الواحدة ~~بتعيّنها في جميع مراتبها فرع زاد على اعتبار الأصل .الذي هو عين الذات الواحدة ~~التي اندمجت وتوحّدت فيها التعيّنات غير المتناهية لعدم تناهي التجلَّيات ، فبظهور ~~ما كان كامنا في العين من أعيان النسب غير المتناهية تتحقّق حقيقة البشر لتلك العين ~~الواحدة المنفصلة ، في مراتب الأعداد ، وكمال نشئها بكمال النشأة الإنسانية .بل ~~جميع مراتب النشء له فهو النشء الدائم ، وأوّل مراتب النشء الذاتيّ الدائم مرتبة ~~النفس الرحماني بالنور الوجودي والفيض الجودي المنبعث من باطن قلب التعيّن الأوّل ، ~~حاويا محيطا بجميع ما ينطوي عليه التعيّن الأوّل .وينفعل انبعاث النفس الأحدي ~~الجمعي وامتداده وتعاليه إلى الغاية المطلوبة التي تعلَّق بها التعيّن الأوّل الذي ~~هو تاء الكناية في قوله :" أردت " أو " أحببت " ، وهو كمال الجمع بين كمال الظهور ~~وكمال البطون ، والكمال الذاتي والأسمائي ينشئ مراتب الوجود وذلك لأنّ النفس بخار ~~هوائي أو هواء بخاري خارج من بطن المتنفّس إلى ظاهر الهواء .هذا في الأنفاس ~~المعهودة الجسمانية ، فاعلم في النفس الرحماني مثل ذلك فإنّ القلب الذي هو التعيّن ~~الأوّل منطو على حقائق المظهرية والظاهرية والانفعالية التي هي الأجزاء الأرضية ~~نظائرها .وعلى خصائص النسب الوجودية وحقائق أسماء الربوبية التي بها ومنها حياة ~~الحقائق المظهرية ولبنها ، وهي ضرب مثل للأجزاء الماديّة في نشء النفس والبخار لكون ~~كل بخار أحدية جمع الأجزاء :الهوائية ، والمائية ، وما تشبّث بهما من الأجزاء ~~الأرضية المحلولة ، والنارية المذيبة الحلَّالة لتلك الأجزاء .فامتدّ النفس ~~الرحماني جامعا لحقائق الفعل والانفعال في حق حضرة الإمكان مقيّدة ، عقده برودة ~~القوابل الأرضية المظهرية التي في عين الجوهر النفسي فإنّ فيها الفاعل والقابل ~~.فانعقدت الصور العمائية في هذا البخار المعنوي النوري ، فظهر النشء العمائي الأكبر ~~، فامتدّ النشء بسبب حقائقة الثلاث الذاتية على أنحاء ثلاثة في جهات ثلاث معنوية ، ~~علوا وسفلا ووسطا ، جميعا أحديا برزخيا .وتعيّن في عين النفس جميع الحقائق الفعلية ~~والانفعالية ، فتعيّنت في النفس المتعالي الحقائق الإلهية المؤثّرة الفعّالة ~~المنوّرة الشريفة صورا إلهية ربانية وتعيّنات وجوبية حقّانية ، وامتدّ النشء النفسي ~~الممتدّ المنطوي على الحقائق المظهرية الأرضية الانفعالية إلى التحت والسفل ~~بالطبيعة لما تقتضيه مرتبة الانفعال والتأثّر المظهري الكياني .فملأ العماء بصورة ~~المذكورة محيط فلك الإشارة ، وعقدها برودة جوّ الإمكان ، وانعقدت صور كيانية ، ~~وتعيّنات وجودية إمكانية ، وتنوّعات تجلَّيات تقييدية روحانية ، وجسمانية ملكية ~~وملكوتية ، غيبية وعينية وجبروتية .فانتشأ النشء الكوني والعالم الخلقي ، وأوّل هذا ~~النشء الكوني العقل والقلم واللوح والعرش والكرسي ، ثم طبقات السماوات ، ثم ~~الأرضيّات على الترتيب المذكور .حتى حصلت النشأة البشرية الإنسانية ، وجميع هذه ~~النشآت نشأة هذا المسمّى إنسانا ومع قطع النظر عن الإنسان ، فإنّ الذات المطلقة مع ~~تجلّ عن النشء والانتشاء .فالإنسان الحقيقي هو النشء الدائم الأزلي الأبدي ، فما ~~ثمّ إلَّا نشأة الإنسان في عالم الفرقان ، وفي مقام الجمع والقرآن .قال الشيخ رضي ~~الله عنه : ( والكلمة الفاصلة الجامعة ) .يشير رضي الله عنه إلى ما بيّنّا فيما ~~تقدّم أنّ الكلام ثلاث :كلمة جامعة لحروف الفعل والتأثيروأخرى جامعة لحروف الانفعال ~~والتأثّروكلمة جامعة لحروف الجمع البرزخي الرابط بين الأعلى والأسفل ، والظاهر ~~والباطن .وهذه الحقائق والحروف والكلمات البرزخية جامعة بين حقائق الوجوب وحقائق ~~الإمكان من وجه ، وفاصلة بينها أيضا باعتبار .ومع كونها جامعة وفاصلة ليست لها عين ~~زائدة ممتازة عن الطرفين امتيازا خارجا مخرجا عن كونها أحدية جمعها ، فهو الجامع ~~الفاصل بهذا الاعتبار .قال الشيخ رضي الله عنه : ( فتمّ العالم بوجوده ، فهو من ~~العالم كفصّ الخاتم من الخاتم وهو محلّ النقش والعلامة ) .يشير رضي الله عنه إلى ما ~~سلف آنفا أنّه لولا الإنسان في العالم ، لم يحصل كمال الجلاء والاستجلاء ، الذي هو ~~العلَّة الغائية من الإيجاد .وأمّا قوله : « تمّ العالم بوجوده » ولم يقل « به » ~~فلأنّ الإنسان له تعيّن أزلي علمي وبانسحاب الفيض الجودي العيني عليه تكمل مراتب ~~ظهوره ونشره .وأمّا كونه فصّ الخاتم فلأنّه محلّ نقش الحكمة الكلية المنقوشة بأحدية ~~جمع نقوش الفصوص الحكمية كلَّها ، كما سبق ، فتذكَّر .قال الشيخ رضي الله عنه : ( ~~هو محلّ النقش ، والعلامة التي بها يختم الملك على خزانته وسمّاه خليفة من أجل هذا ~~لأنّه تعالى الحافظ خلقه كما يحفظ الختم الخزائن ، فما دام ختم الملك عليها لا يجسر ~~أحد على فتحها إلَّا بإذنه ، فاستخلفه في حفظ العالم ، فلا يزال العالم محفوظا ما ~~دام فيه هذا الإنسان الكامل ) .قال العبد أيّده الله به : « نقش الفصّ » هو الكلام ~~المحتوي على الحكمة التي اقتضت وجود العالم على الترتيب المشهود والنظام الموجود .و ~~« العلامة » هي خصوص المقام المحمدي من تلك الحضرة التي منها بحسبها تنزل الحكمة ~~الخاصّة بذلك الفصّ فإنّ قلب كل نبيّ كامل هو محلّ نقش الحكمة .والعلامة هي خصوص ~~الحكمة المحمدية الإلهية من ذلك الاسم الذي تستند إليه حكمته المنزلة عليه ، وعلامة ~~هذه الحكمة الإلهية أحدية جمع جميع التجلَّيات الأسمائية .وبها يختم الملك بقوّته ~~وشدّته ، فما يسدّ الخلل الذي تقتضيه التفرقة المباينة التي في حقائق العالم من ~~الخصوصيات التي بها يتميّز بعضها عن بعض إلَّا بأحدية الجمع الجامع لصدعها ، ~~والموجود لتفرقة جمعها .وبها يقوى على حفظ خزائن العالم فيها ، وبها سرى سرّ أحدية ~~الجمع النفسي الرحماني بالتجلَّي الوجودي الإحساني ، وجمع بين الحقائق المتبوعة ~~وتوابعها .والنسب الملزومة ولوازمها وعوارضها ولواحقها بعد التمييزات الذاتية التي ~~لها في عالم المعاني من حضرة العلم الذاتي ، فإذا جمعها الوجود الواحد في هذه ~~المثاني والمعاني ، وراب صدعها ، وشعب شعثها وجمعها .انحفظت العوالم كلَّها ما دامت ~~الخزائن مختومة بختم علامة أحدية الجمع الخصيص بالحكمة التي هي معنوية النقش المحيط ~~بجميع النقوش الحكمية التفصيلية فتلك العلامة عبارة عن الإنسان الكامل الذي هي ~~أحدية جمع جميع الجمعيات لأنّه الاسم الأعظم .والاسم الأعظم هو العلامة على مسمّاه ~~، فهو ظاهرية الإنّيّة الإلهية ، والله هويّته وباطنه ، ولهذا سمّاه خليفة إذ ~~الخليفة ظاهر بصورة مستخلفه في حفظ خزائنه .والله تعالى هو الحافظ لخلقه بختمه على ~~خزائنه ، فما دام هذا الختم الأحدي الجمعي عليها لا تتسلَّط على فتحها الحقائق ~~المباينة والمتمايزة التي في حقائق خزائن العالم إلَّا بإذن الله .فإذا أذن لهذا ~~الخاتم الإنساني الكمالي الأحدي الجمعي بالخروج عن الدنيا ، وأمره بالانفكاك عن ~~جزئيتها إلى الأخرى ، انتهت الجزئية وخرجت عنها السكينة .وأمّا تسمية العالم ~~بالجزئية فلما ذكرنا في شرح الخطبة أنّ حقائق العالم القابلة لتعيّنات التجلَّيات ~~الوجودية بخصوصياتها هي التي تحقّقت بها حقائق الأسماء والصفات التي هي خزائن ~~الآلاء والهبات ، ومنها ومن حضراتها تتنزّل البركات . فحقائق العالم خزائن هذه ~~الخزائن الأسمائية ، فلا تزال خزائن العالم محفوظة ما دام فيها الإنسان الكامل ، ~~فافهم .قال الشيخ رضي الله عنه : ( ألا تراه إذا زال وفكّ الختم عن خزانة الدنيا ، ~~لم يبق فيها ما أخزنه الحق ، وخرج ما كان فيها ، والتحق بعضه ببعضه ، وانتقل الأمر ~~إلى الآخرة ، وكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا ) .قال العبد : اعلم : أنّ دار ~~الوجود واحدة ، وانقسامها إلى الدنيا والآخرة بالنسبة إليك لأنّهما صفتان للنشأة ~~الإنسانية ، فأدنى نشأته الوجودية العينية النشأة العنصرية ، فهي الدنيا لدناءتها ~~بالنسبة إلى نشأتها النورية الإلهية ، أو لدنوّها من فهم الإنسان الحيوان .ولمّا ~~كانت النشأة الإنسانية الكليّة في الدنيا نشأتين : نشأة فرقانية تفصيلية ، ونشأة ~~أحدية جمعية قرآنية ، وهذه النشأة الدنياوية كثيفة ، وصورتها مقيّدة سخيفة من مادّة ~~جامعة بين الظلمة والنور ، مشوبة فيها بأكدار الغصص والمحن نوريّة السرور .وهي أيضا ~~من قبيل النفس الناطقة ، والنفس الناطقة من بعض قواها القوّة العملية ، وهي ذاتية ~~لها ، وبها يعمل الله لأجلها في كلّ نشأة وموطن صورة هيكلية ينزّل معانيها فيها ، ~~ويظهر قواها وخصائصها وحقائقها بها ، ويحفظها ، ويقيها .وكانت هذه النشأة الجامعة ~~بين النور والظلمة لا تقتضي الدوام على هذه النظام والقوام ، ولا بدّ لها من ~~الانخزام والانصرام ، لأنّ قوى مزاجه العنصرية غير وافية ، ولا لجميع ما في النفس ~~من الحقائق والدقائق بكافية .وهذه الحقيقة على العقول المنوّرة الصافية غير خافية ~~فإنّ في النفس من الحقائق ما لا يظهر بهذه النشأة العنصرية الثقيلة ، مثل كون صورته ~~روحانية نورانية لطيفة ملائمة للروح ، وخصائصه بحسب الروح لا بحسب المزاج ، بخلاف ~~هذه النشأة العنصرية السفلية الثقيلة فإنّ الروح والنفس فيها بحسبها ، وكذلك ~~خواصّهما وحقائقهما .فلمّا لم تف هذه النشأة بذلك لكونها من مادّة متنافرة متضادّة ~~وهيولى متباينة متحادّة ، وقد حصل لها بحمد الله في مدّة عمرها التي كانت تعمر فيها ~~أرض جسدها من الأخلاق الفاضلة ، والملكات الكاملة والعلوم والأعمال الصالحة الحاصلة ~~كمال فعلي لما صار لها جميع ما كان بالقوّة بالفعل .فينشئ الله تعالى من ذلك ~~بالقوّة العملية الذاتية للنفس ما إذا فكّ عن خزانة الدنيا ، وقبض الله إليه أنوار ~~أسمائه التي هي حقائق خزائن النعم والآلاء الإلهية ، وأسرار خزائن خزائنه المذكورة ~~قبضا يسيرا ، فتقلَّصت أنوار التجلَّيات إلى الحضرات .والأرواح الجزئية المدبّرة ~~إلى كلَّيات أرواح السماوات ، والتحق كلّ فرع في هذه النشأة إلى أصله الذي منه ~~انبعث ، ولم يبق فيها مخزونات نعم الأسرار والأنوار ، وأرزاق الأحكام والآثار ~~لاختلال القابل ، وزوال المظهر الزائل كما ذكرنا صورة أخراوية روحانية ملائمة للنفس ~~الناطقة في جميع أفاعيلها وخصائصها بحسبها من مادّة روحانية حاصلة للنفس من تلك ~~الأخلاق والأعمال والقوى والملكات الصالحة .فتظهر بحقائقها وخصائصها وآثارها في تلك ~~الصورة ظهورا يقتضي الدوام إلى الأبد غير مقيّدة بأجل معيّن وأمد معين واحد لأنّ ~~مادّتها روحانية وحدانية نورية ، بخلاف هذه النشأة العنصرية الثقيلة المظلمة ~~الحاصلة للنفس من عناصر مختلفة متباينة متضادّة تقتضي لحقائقها الانفكاك لولا جمع ~~أحدية الجمع النفسي النفسي لها بحياته الروحية النورية الباقية .فاقتضت تلك النشأة ~~الروحانية البقاء والدوام لرسوخ حقائقها وأصولها الروحانية في جوهر الروح أعني ~~الأخلاق والنعوت والصفات والعلوم ودوام التجلَّي النفسي الإلهي فيها فإذا انتقل ~~الأمر إلى الآخرة ، وظهرت النفوس والأرواح الإنسانية في صورها الروحانية البرزخية ~~والمثالية والحشرية ، وغلبت الروحية على الصورية ، والنورية على الظلمة ، واختزن ~~الحق الأسرار والأنوار والحقائق في تلك الصور الأخراوية ، " وَإِنَّ الدَّارَ ~~الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ ". كان الإنسان بأحدية جمعه ختما على تلك النشأة ~~الأخراوية إلى الأبد ، فافهم .قال رضي الله عنه : ( فظهر جميع ما في الصورة الإلهية ~~من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية ) .يعني رضي الله عنه على الوجه الأفضل الأكمل ~~، فإنّ ظهور الحقائق الأسمائية في الصور الكليّة الأحدية الجمعية الكمالية ظهور ~~جمعي أحدي كمالي ، بخلاف ظهورها في الصور التفصيلية الفرقانية فإنّ ظهورها فيها ~~متفرّق تفصيليّ .بمعنى أنّ ظهور الحقائق الأسمائية الإلهية في كل كامل كامل جمعي ~~أحدي كلي بحسب المظهر الأجمع الأكمل ، وظهورها في كل جزء من العالم جزئي بحسبه ~~كذلك.وقد لا يظهر في أكثر أجزاء العالم أكثر الأسماء فضلا عن أن تظهر تماما بكمالها ~~، وذلك في أسماء مخصوصة بالإنسان ، وظهورها في الإنسان تماما على الوجه الأكمل .قال ~~رضي الله عنه : ( فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود ، وبه قامت الحجّة لله ~~تعالى على الملائكة ) .يعني رضي الله عنه : في قوله تعالى : " أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ ~~إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ " .قال رضي الله عنه : ( فتحفّظ ~~بما وعظك الله بغيرك ، وانظر من أين أتي على من أتي عليه ) .يريد إتيان المعاتبة ~~وتوجّه المطالبة من قبل الحقّ على الملائكة في اعتراضهم على الحق وجرحهم لآدم ~~وتزكيتهم أنفسهم .قال رضي الله عنه : ( فإنّ الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذه ~~الخليفة ، ولا وقفت مع ما تعطيه حضرة الحق من العبادة الذاتية ، فإنّه ما يعرف أحد ~~من الحق إلَّا ما تعطيه ذاته وليس للملائكة جمعية آدم ).يريد رضي الله عنه عدم وقوف ~~الملائكة مع الأدب الذي تقتضي مرتبة خليفة الله تعالى بعد إخباره تعالى لهم : أنّه ~~" جاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً " . وتعطيه نشأته الأحدية الجمعية من الكمال ~~والإحاطة ، وعدم وقوفهم أيضا على ما توجب مرتبة الألوهية من الأدب والوقوف عند ~~الأمر الإلهي ، فاعترضوا على الحق تعالى .كما قال جلّ وعلا حكاية عنهم : "قَالُوا ~~أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ ~~بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"فجمعوا بين ~~الاعتراض على الله والجرح والطعن فيمن عدّله الله وزكَّاه عندهم ، وبين تزكيتهم ~~أنفسهم ، وكلّ هذه الأمور منافية لنشأتهم المقتضية أن لا يعصوا ما أمرهم الله به ، ~~ويفعلوا ما يأمرهم به . والذي يقتضيه الأدب والتحقيق من العبيد بالنسبة إلى الحق أن ~~لا يعترضوا عليه في أوامره ونواهيه ويمتثلوها .والذي تقتضي نشأة الخليفة هو النزول ~~إليه والدخول تحت حكم خلافته وجمعيّته ، لا الجرح والطعن فيه ، ولا سيّما ونشأتهم ~~على ما ادّعوا من التسبيح والتقديس تقتضي عدم الاعتراض وحسن القبول والتلقّي لما ~~يلقى إليه ويلقى .فإن نشأتهم وحدانية بسيطة روحانية نورانية ، لا تقتضي الاعتراض ، ~~فإنّه نزاع والنزاع من مقتضى التضاد والتباين والتنافر ، بل مقتضى نشأتهم الإيمان ~~والطاعة والعبادة الذاتية والتنزيه والتقديس والخير لا غير .إذ ليس لهم ولا لغيرهم ~~أن يعرفوا كلّ ما في نفس الحقّ ، بل ما فيه من الحق ، ويعرفون الحق من حيث ما هم ~~عليه "وليس للملائكة جمعيّة آدم" كما مرّ .فكان الأوجب والأولى والأوجه والأحرى أن ~~يتّصفوا بالإنصاف ، وينصفوا له بالاعتراف ، لا الاستنكاف والاعتساف لإحاطته ~~وجمعيّته وسعته ، دونهم .قال رضي الله عنه : ( ولا وقفت إلَّا مع الأسماء الإلهيّة ~~التي تخصّها وسبّحت الحقّ بها وقدّسته) .يعني أسماء التنزيه والتقديس :كالسبّوح ، ~~والقدّوس ، والطيّب ، والطاهر ، والنور ، والواحد ، والأحد ، والعليّ ، وأخواتهم « ~~وما علمت أنّ لله أسماء ما وصل علمها إليها . كالخالق ، والرازق ، والمصوّر ، ~~والسميع ، والبصير ، والمطعم ، وغير ذلك ممّا يتعلَّق بالتدبير والتسخير والملك ~~والسلطان والنعيم والعذاب والموت والهلاك والسقم والشفاء ، وسائر الأسماء التي تخصّ ~~عالم الأجسام والطبيعة " فما سبّحت الحقّ بها ولا قدّسته ، فغلب عليها ما ذكرناه ~~.يعني رضي الله عنه ما عندها من الجمعية السارية في نشأتها بالنفس الرحماني الأحدي ~~الجمعي وحكم عليها هذا الحال ، فقالت من حيث النشأة .يعني : بلسان التنافي والتنافر ~~الذي بين الوحدة والبساطة الملكيّتين وبين الكثرة والتركيب الجسمانيّين . ~~"أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها " وليس إلَّا النزاع . يعني موجب الفساد وسفك ~~الدماء وما شاكلهما وهو النزاع ." وهو عين ما وقع منهم " في الاعتراض " فما قالوه ~~في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق " والاعتراض على الله عين النزاع مع من لا ~~منازع له ، وجرح آدم عين سفك دمه لأنّه طلب عدم خلقه وإيجاده .ثم قال رضي الله عنه ~~: ( فلولا أنّ نشأتهم تعطي ذلك ، ما قالوا في حق آدم ما قالوه ) .يعني رضي الله عنه ~~: النزاع والاعتراض من حيث ما ذكرنا من سراية أحدية جمع النشأة الطبيعية الكليّة ، ~~« وهم لا يشعرون » بذلك لغلبة الحال وحكم البساطة والوحدة بالفعل ظاهرا ، وأعطى ذلك ~~هذا الاعتراض والسعي في الجرح ، فقالوا في حق آدم ما قالوه وهم لا يشعرون .قال رضي ~~الله عنه : ( فلو عرفوا نفوسهم ، لعلموا ولو علموا لعصموا ) .أي إنّ مقتضى ذاتهم ~~ونوريّتهم وبساطتهم هو عدم الاعتراض والاعتساف ، والاتّصاف بحقائق الإنصاف . لعصموا ~~عن وقوع المنازعة .قال رضي الله عنه : ( ثمّ لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في ~~الدعوى بما هم عليه من التقديس والتسبيح .وعند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن ~~الملائكة تقف عليها فما سبّحته بها ، ولا قدّسته عنها تقديس آدم وتسبيحه) .قال ~~العبد : اعلم : أنّ التسبيح تعريف الحق والثناء عليه بأسماء السلب والتنزيه ، ولمّا ~~كان في نشأة آدم من حقائق الكمال ونقائضها من النقائص التي ليست في نشآت الملكية ~~.فما أثبت الملائكة على الحق أي وما عرفته من حيث تلك الكمالات الخصيصة بالجمعية ~~الإنسانية ، ولا نزّهت الحقّ ولا قدّسته ولا سبّحته عن نقائض تلك الكمالات من ~~النقائص تسبيح ذوق وتقديس حال .تقديس آدم وتسبيحة لكونه جامعا لحقائق الكمالات ~~ونقائضها وعدم جمعية الملائكة ، فافهم .قال الشيخ رضي الله عنه : ( فوصف الحقّ لنا ~~ما جرى لنقف عنده ونتعلَّم الأدب مع الله تعالى ، فلا ندّعي ما أنا متحقّق به وحاو ~~عليه بالتقيّد فكيف أن نطلق في الدعوى ، فنعمّ بها ما ليس لي بحال ، ولا أن منه على ~~علم ) .يعني رضي الله عنه : كما ادّعت الملائكة مطلقا في التسبيح . " فنفتضح ؟ ! " ~~عند المطالبة ، ونتعرّض المعاتبة .قال رضي الله عنه : ( فهذا التعريف الإلهي ممّا ~~أدّب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء . ثم نرجع إلى الحكمة فنقول ) .مقام ~~الأدبقال العبد : اعلم : أنّ مقام الأدب أعلى المقامات ، ويقتضي المعاملة مع الحق ~~والخلق بحسب ما تقتضي مراتبهما ، ولا يتحقّق به إلَّا أهل الأمانة الإلهية .وهي ~~صورة الله تعالى التي حذي آدم عليها حين عرضها على سماوات الروحانية وأرض ~~الجسمانيات " فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها " أي لم يطقن ذلك .ولم يستطعن لعدم ~~أحدية جمع الجمع عند منها " وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الإِنْسانُ ".الكامل ~~الحامل لواء الحمد ، وأحدية جمع جميع حقائق السيد والعبد ، " إِنَّه ُ كانَ ~~ظَلُوماً " ، لعدوله عن العدل في استهلاك استعداده الكمال الكلَّيّ في أمور جزئية ~~وأحوال ناقصة ." جَهُولًا " برتبته أنّه هو المظهر الأتمّ الأشمل ، والخليفة الأكبر ~~الأكمل فتعيّن اتّصافه بهذا الظلم والجهل بسبح الحقّ عنهما ولحمده بنقائضهما ، من ~~الكمال على الوجه الأكمل .فالأمناء هم الأدباء أهل الأمانة الإلهية وهم الخلفاء ~~الذين استخلفهم الله في حفظ خزائنة وخزائن خزائنه ، فتذكَّر .قال الشيخ رضي الله ~~عنه : ( اعلم أنّ الأمور الكلَّية وإن لم يكن لها وجود في عينها ، فهي معقولة ~~معلومة بلا شكّ في الذهن فهي باطنة لا تزال عن الوجود العيني ، ولها الحكم والأثر ~~في كلّ ماله وجود عيني ، بل هو عينها لا غيرها ، أعني أعيان الموجودات العينية ) ~~.قال العبد : اختلفت النسخ وفي البعض منها : " لا تزول " .فإن قلنا : « لا تزال » ~~فـ « باطنة » منصوب ، وفيه تقديم وتأخير ، والتقدير : " فهي لا تزال باطنة عن ~~الوجود العيني " ، أي لا تظهر أعيانها . وإن كانت موجودة في العلم الإلهي وبالنسبة ~~إلى الحق .وإن قلنا « لا تزول » فظاهر .يعني : أنّ الأمور الكليّة وإن لم تكن ~~موجودة في أعيانها لكونها إذ ذاك مشخّصة ، وإذا تشخّصت لم تكن كلَّية ، فهي لا تزول ~~عن الوجود العيني لظهور أحكامها وآثارها في كل ماله وجود عيني .فإنّ الأمور العامّة ~~كالوجود والعلم والحياة التي تعمّ الحق والخلق وإن لم توجد في الأعيان لكونها ~~كلَّيات لا يمنع نفس تصوّر معناها عن وقوع الشركة فيها .فإنّها من حيث هي هي مع قطع ~~النظر عن إضافتها إلى الحق أو الخلق حقائق كلَّية تطلق على كل من اتّصف بها ، وقامت ~~به من حق أو خلق ، فهي من كونها كلَّية مطلقة عن الإضافة لا تزال باطنة إذ لا توجد ~~في الأعيان .ومع كونها كذلك باطنة ، فإنّها لا تزول عن الوجود العيني لوجود آثارها ~~وأحكامها في أعيان الموجودات ، بل هي تحقيقها في كل ماله وجود عيني .فإنّها لا تبطن ~~ولا تزال باطنة من كونها كلَّية ، وكونها كلَّية اعتبار ثان مسبوق باعتبار حقائقها ~~مجرّدة عن كونها موصوفة بالكلَّية أو غيرها ، فهي بحقائقها في كل من قامت به لا ~~بكلَّيتها فإنّ الوجود في القديم والمحدث هو هو ، والعلم في كل عالم عالم علم.وكذلك ~~الحياة فهي في كل موجود عيني عينها غير زائدة عليها وجودا وشهودا ، لا عقلا فإنّ ~~العقل ينتزع عن الموجود وجوده ويتعقّله زائدا على الموجود ، وليس ذلك إلَّا في ~~التعقّل لا في العين ، فأمعن النظر وأنعم .قال رضي الله عنه : ( ولم تزل ) تلك ~~الحقائق الكليّة ( عن كونها معقولة في نفسها فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات ~~كما هي الباطنة من حيث معقوليّتها ) .قال العبد : أمّا كونها ظاهرة فمن حيث إنّها ~~في كل موجود عينيّ بماهيتها وحقيقتها ، وهي فيه عينه غير زائدة عليه لعدم امتيازها ~~عنه في الوجود .وأمّا كونها باطنة فلأنّها من حيث تعقّلها الأمور الكلَّية عامّة ~~ينتزعها العقل ويأخذها كلية لا يمنع نفس تصوّرها عن وقوع الشركة فيها .فهي من كونها ~~كذلك باطنة معقولة لا وجود لها إلَّا في العقل .قال رضي الله عنه : ( فاستناد كلّ ~~موجود عيني لهذه الأمور الكلَّية ) .يعني : استناد الموجودات من كونها موجودة ، ~~والعلماء من كونهم علماء ، والإحياء من كونهم إحياء إلى هذه الكلَّيات العامّة .قال ~~رضي الله عنه : ( التي لا يمكن رفعها عن العقل ) .أي لا تزال من كونها كلية معقولة ~~.قال : ( ولا يمكن وجودها في العين ) أي لا يتشخّص من كونها كلية ( وجودا تزول به ~~عن أن تكون معقولة ) .يعني : أنّ هذه الكلَّيات وإن كانت في كل موجود عينيّ عينه ، ~~فذلك لا يخرجها عن كونها معقولة فإنّ كونها معقولة باطنة هو من كونها كلَّية ، ~~وكونها عين كل موجود عينيّ هو بحقائقها لا بكلَّيتها لوجود تميّز تعقّل كلَّيّتها ~~عن تعقّل حقيقتها في العقل .وعدم تميّز حقيقتها عن الوجود العيني ، ولا يخرجها أيضا ~~كذلك كونها معقولة وكلية عن كونها بحقيقتها في كل موجود عينيّ عينه ، بمعنى أنّها ~~لا تزيد عليه ولا تمتاز عنه .قال رضي الله عنه : ( وسواء كان ذلك الموجود العيني ~~موقّتا أو غير موقّت إذ نسبة الموقّت وغير الموقّت إلى هذا الأمر الكلَّي واحدة ~~).يريد رضي الله عنه بالموقّت الحادث الفاني من العالم ، فظهور هذه الأمور الباطنة ~~المعقولة الكليّة بالأعيان الحادثة التي وجودها موقّت غير مؤبّد يكون موقّتا .كذلك ~~غير مؤبّد كوجود زيد مثلا وعلمه وحياته ، كهو غير أبدية بل هو موقّته ، وظهورها لمن ~~ليس وجوده موقّتا ولا متناهيا غير موقّت ولا متناه لانضياف هذه الحقائق الكلَّية ~~النسبيّة المعقولة إلى كل موجود عينيّ وظهورها فيه بحسبه وبموجب ما تعطيه ذاته .قال ~~رضي الله عنه : ( غير أنّ هذا الأمر الكلَّيّ يرجع إليه حكم من الموجودات العينية ~~بحسب ما تطلبه حقائق تلك الموجودات العينيّة ، كنسبة العلم إلى العالم والحياة إلى ~~الحيّ فالحياة حقيقة معقولة ، والعلم حقيقة معقولة متميّزة عن الحياة ، كما أنّ ~~الحياة متميّزة عنه ،ثم نقول في الحق تعالى: إنّ له علما وحياة ، فهو الحيّ العالم ~~.ونقول في الملك : إنّ له علما وحياة فهو الحيّ العالم .ونقول في الإنسان : إنّ له ~~حياة وعلما فهو الحيّ العالم .وحقيقة العلم واحدة ، وحقيقة الحياة واحدة ونسبتها ~~إلى العالم والحيّ نسبة واحدةونقول في علم الحق : إنّه قديم ، وفي علم الإنسان : ~~إنّه حادث ،فانظر ما أحدثته الإضافة من الحكم في هذه الحقيقة المعقولة ) .قال العبد ~~أيّده الله به :اعلم : أنّ الحقائق الكلَّية مطلقة ، لها من حيث هي هي خصوصية ذاتية ~~لا تخرجها عن تلك الخصوصية الذاتية إضافتها إلى الموجودات العينية كحقيقة العلم ~~مثلا معنى قائم بالذات العالمة ، به تسمّى عالمة ، وهو في طور التحقيق عبارة عن ~~إدراك المعلوم .وكشفه بما هو به وهو وبما هو عليه في عينه على وجه الإحاطة والتمييز ~~عن غير هذه حقيقة العلم ، وليست إضافتها ونسبتها إلى الحق أو إلى الخلق مخرجة لها ~~عن هذه الحقيقة المخصوصة ، ولكن يعود إليها من إضافتها إلى كل موجود عيني إذا أضيفت ~~إليه أن تكون فيه بحسبه. فإن كان المضاف إليه موجودا قديما مطلقا ، كان علمه قديما ~~مطلقا كذلك ، وإن كان المضاف إليه حادثا ، مقيّدا ، موقّت الوجود .كان علمه حادثا ~~مقيّدا كذلك ، وهذا ممّا اقتضت هذه الحقائق بشرط الانضياف ، فهي لا تزال على ذلك ما ~~دام ذلك الشرط مقترنا بها ، وهذا ظاهر .قال رضي الله عنه : ( وانظر إلى هذا ~~الارتباط بين المعقولات والموجودات العينية ، فكما حكم العلم على من قام بهبأن يقال ~~فيه : إنّه عالم ، كذلك حكم الموصوف به على العلم بأنّه حادث في حق الحادث ، قديم ~~في حق القديم ، وصار كل واحد ) يعني من المضاف والمضاف إليه ( محكوما به و محكوما ~~عليه ) يعني من جهتين مختلفتين .قال رضي الله عنه : (ومعلوم أنّ هذه الأمور وإن ~~كانت معقولة ) أي لها وجود في العقل والعلم(فإنّها معدومة العين موجودة الحكم ) ~~يعني في الوجود العيني ، لأنّها لم تتعيّن في الوجود تعيّنا شخصيا غيرها من الأعيان ~~الموجودة . وإلَّا لكانت شخصية ، وأشير إليها ، ولم تكن كلَّية .قال رضي الله عنه : ~~( كما هي محكوم عليها إذا نسبت إلى الموجود العيني .فتقبل الحكم في الأعيان ~~الموجودة ) فإنّ ظهورها في الأعيان بحسبه ( ولا تقبل التفصيل ولا التجزّي فإنّ ذلك ~~محال عليها فإنّها بذاتها في كل موصوف بها ) .يعني : أنّ الإضافة والنسبة لا تخرجها ~~عن حقائقها كما قرّرنا .قال رضي الله عنه : ( كالإنسانية في كلّ شخص شخص من هذا ~~النوع الخاصّ لم تتفصّل ولم تتعدّد بتعدّد الأشخاص ، ولا برحت معقولة ) .يعني : ~~أنّها لو تفصّلت وتعدّدت بتعدّد الأشخاص ، لكانت عن أصل كثرة فيها وهي واحدة في ~~حقيقتها .قال رضي الله عنه : (وإذا كان الارتباط بينها وبين من له وجود عيني قد ثبت ~~، وهي نسب عدمية ، فارتباط الموجودات بعضها ببعض أقرب أن يعقل لأنّه على كل حال ~~بينها جامع وهو الوجود العيني وهناك ، فما ثمّ جامع . وقد بعد الارتباط بعدم الجامع ~~، فبالجامع أقوى وأحقّ ) .يعني رضي الله عنه : أنّ هذا الأمر العامّ من حيث عدم ~~تعيّنه في الوجود العيني متميّز ، وتميّزه عن الأعيان الوجودية في الخارج أمر عدمي ~~، وهو معدوم العين. ومهما ساغ الارتباط بينها مع كونها معدومة الأعيان وبين ~~الموجودات العينية ، فوجود الارتباط بين الموجودات أولى وأحقّ ، وعلى هذا يكون ~~الارتباط بين الموجود القديم الحق ، وبين الحادث الخلق ثابتا صحيحا ، وهو المطلوب ~~.قال رضي الله عنه : ( ولا شكّ أنّ المحدث قد ثبت حدوثه وافتقاره إلى محدث أحدثه ~~لإمكانه لنفسه ، فوجوده من غيره ، فهو مرتبط به ارتباط افتقار ، ولا بدّ أن يكون ~~المستند إليه واجب الوجود لذاته غنيّا في وجوده بنفسه ، غير مفتقر ، وهو الذي أعطى ~~الوجود بذاته لهذا الحادث فانتسب إليه ولمّا اقتضاه لذاته كان واجبا به ).قال العبد ~~أيّده الله :كون العالم ممكنا في حقيقته يقتضي أن يكون في ذاته مفتقرا إلى المرجّح ~~في الوجود لأنّ الممكن من حيث هو ممكن مع قطع النظر عن المرجّح نسبته إلى الوجود ~~والعدم بالسواء .فهو من حيث هو ممكن ليس بأولى أن يوجد ، وإلَّا لكان واجبا ، ولا ~~أن لا يوجد وإلَّا لكان ممتنعا وكلّ ممتنع الوجود فليس بممكن وإلَّا لكان الممكن ~~باللاوجود أولى ولم يكن ممكنا ، وكذلك كل واجب الوجود فليس بممكن بالإمكان الخاصّ ~~.وإن صدق إطلاق الإمكان العامّ عليه عرفا خاصّا ، فإنّا لا نعني بالإمكان العامّ ~~إلَّا عدم الامتناع ، فلمّا لم تكن للممكن أولويّة الانحياز إلى أحد النقيضين ، ~~افتقر في تعيّنه إما في الوجود أو في العدم إلى المرجّح ، وعلى جميع التقادير ثبت ~~افتقاره إلى المرجّح .وهو الحق الواجب الوجود لذاته لأنّ المفتقر إليه إن لم يكن ~~واجب الوجود ، لزم أن يكون ممكنا أو ممتنعا ، فإن كان ممكنا فالقول فيه كالقول في ~~كل ممكن ، ولزم إمّا الدور وإمّا التسلسل في العلَّة ، وهما باطلان عقلا ، وإن كان ~~ممتنعا .فلا يصلح أن يكون واجب الوجود ما لا وجود له ، ولا قابلا للوجود ، فلم يبق ~~إلَّا أن يكون المرجّح الواهب للوجود واجب الوجود لذاته غنيّا في وجوده بذاته عن ~~الغير ، غير مفتقر إليه .وليس المراد من الواجب إلَّا ذاتا لا افتقار بها في وجودها ~~إلى الغير ، فوجودها إذن من ذاتها ضروري واجب .فإن قيل : الوجوب في تعقّله مفتقر ~~إلى تعقّل ما ليس بضروري الوجود واجبة ، فهو إذن من الحقائق النسبية ، وفيه رائحة ~~الافتقار ، وتوقّف تعقل الوجوب على الامتناع أو الإمكان كتوقّف تعقّله على تعقّل ~~غيره .قلنا : لا يلزم من توقّف تعقّل الواجبية على تعقّل غيرها توقّف تحقّقه في ~~ذاته على تحقّق ما ليس كذلك ، أو على عدم تحقّق غيره كذلك فإنّ ثبوت الوجود بالذات ~~أمر ذاتي للواجب الوجود بالذات ، فلا يفتقر في ذلك إلى غيره ولا يتوقّف عليه .ولكنّ ~~الواجب الوجود مفيض من وجوده ووجوبه على ما ليس كذلك ، ومستلزم له في الوجود ~~المستلزم لوجود غيره والموجب له لا يتأخّر في تحقّقه عن لازمه في الوجود لتوقّف ~~وجود اللازم على الملزوم ، ولكن عدم اللازم قد يستلزم عدم الملزوم في الدلالة .وإذا ~~ثبت وجوب الوجود لذات من عينها ونفسها ، وثبت افتقار غيرها في وجوده إليها ، فمهما ~~وجد ذلك الغير فوجوده من فيض وجود واجب الوجود بالذات ، فبالضرورة ينسب ذلك الغير ~~في وجوده إلى من أفاض عليه الوجود .ولا بدّ أن تكون الإضافة ذاتية للواجب الوجود ~~بالذات ، فيوجب وجود المفاض عليه المفتقر في وجوده عنه إليه ، والمقتضي أمرا لذاته ~~لا يزال عليه ما دامت ذاته .فلمّا اقتضى الحق الواجب الوجود فيضه وهو الوجود المطلق ~~أن يفيض الوجود على الخلق المقيّد ، كان واجبا به بالضرورة إذ الإله يقتضي وجود ~~المألوه .والربّ يوجب المربوب ، والخالق يستلزم وجود المخلوق وذلك من كونه إلها ~~ربّا موجدا أو مفيضا للوجود بالذات وعلَّة ، لا من حيث ذاتية الذات المطلقة عن كل ~~وصف ونعت ، الغنيّة عن العالمين ، فإنّ اعتبار ذاتية الذات سابق ومتقدّم على جميع ~~الاعتبارات .ولمّا كان وجوده عين ماهيته ، فلا تلزم مساوقة وجود الحادث لوجود ~~القديم ، ولكنّه من كونه مفيضا للوجود وموجدا لهذا الحادث يوجد عنه الحادث ، ~~فالارتباط من قبل الحادث بالافتقار الذاتي إلى محدث يحدثه ويوجده على التعيين ، ومن ~~قبل الموجد بالإيجاد والاستلزام .قال رضي الله عنه : ( ولمّا كان استناده إلى من ~~ظهر عنه لذاته ، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شيء من اسم وصفة ) ~~.يعني : من حيث اقتضائه أن يكون على صورته بحيث لا يخرج الاسم والصفة من حقيقتها ~~الخاصّة ، وإن أوجبت الإضافة نعتا ، ليس لها بالفعل ، بل بالصلاحية وبشرط الإضافة ~~كما ذكر في حقيقة العلم والحياة .قال رضي الله عنه : ( ما عدا الوجوب الذاتيّ فإنّ ~~ذلك لا يصحّ في الحادث وإن كان واجب الوجود ، ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه ) .يعني ~~رضي الله عنه :لمّا كان العبد على صورة سيّده ، وجب أن يكون واجبا ، ولكن وجود ~~العبد ووجوبه مستفاد من الواجب بذاته الموجب لوجود هذا الحادث ، فما له قدم في ~~الوجوب الذاتي لكون وجوب وجود العبد لا بذاته لا بذات مطلقة منها ذاته ، أو وجود ~~مطلق منه وجوده .قال رضي الله عنه : ( ثم لتعلم أنّه لمّا كان الأمر على ما قلناه ~~من ظهوره ، بصورته ، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث ، وذكر أنّه ~~أرانا آياته فين فاستدللنا بنا عليه ، فما وصفناه بوصف إلَّا كنّا نحن ذلك الوصف ) ~~.يعني رضي الله عنه :لمّا قرّر أنّ الخليفة ظاهر بصورة المستخلف فيما استنابه فيه ، ~~ونسبه إليه ، وملَّكه إيّاه ، لا جرم أنّه تعالى أحاله في العلم به على النظر في ~~الحادث في كل ما نسب إليه من صورة على صورة القديم.فإذا عرفنا المخلوق على الصورة ~~بنسبه ولوازمه الثبوتية كماليّها وغير كماليّها استدللنا بكمالاتنا الثبوتية التي ~~أعطانا الكامل بالذات على ثبوت الكمالات له على الوجه الأكمل .واستدللنا أيضا ~~بنقائصنا ونسبنا غير الكمالية على أنّها منتفية عن موجدنا وثابتة له نقائض ~~تلكالنقائص من الكمالات ، وفي الحقيقة ما وصفناه بوصف إلَّا كنّا نحن ذلك الوصف ~~.والتحقيق يقتضي أنّه ليس لنا من الأمر شيء ، بل كل ما لنا فمنه ، كما قال : "وَما ~~بِكُمْ من نِعْمَةٍ فَمِنَ الله " فما وصفناه بنا إلَّا من حيث كوننا به فيه منه له ~~.قال رضي الله عنه : ( إلَّا الوجوب الخاصّ الذاتي ، فلمّا علمناه بنا ومنّا ، ~~نسبنا إليه كلّ ما نسبناه إلينا ) .يعني رضي الله عنه :من حيث إنّ نسبة نسبة الشيء ~~نسبة لذلك الشيء ولازم لازمه بالوسط .قال رضي الله عنه : ( وبذلك وردت الأخبار ~~الإلهية على ألسنة التراجم إلينا ، فوصف نفسه لنا بن ، فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا ، ~~وإذا شهدنا شهد نفسه ) .قال العبد أيّده الله تعالى به : اعلم : أنّ الله علم نفسه ~~ذات نسب مستهلكة الأعيان في أحدية ذاته وهويّته المطلقة ، وأراد أو أحبّ أن يظهرها ~~في الوجود العيني ، أو يظهر هويّتها فيها بحسبها ، وكانت متمايزة الأعيان في التعين ~~بالعلم الذاتي كعلم الواحد العالم بأنّه ذو نسب ونسب نسب . فلمّا تعلَّقت المشيّة ~~بإظهار هذه النسب في الوجود ، تجلَّى الله الجواد الرحمن المحسن الوهّاب بإفاضة ~~الوجود من ينبوع الجود ، فأوجدها في أعيانها لها في عرصة الشهود. وبعد تحقّق هذه ~~النسب الحقيقة ، إنّ الحقائق النسبية فما لها أن تدلّ على الحق المطلق ، أو نشهده ~~إلَّا من خصوصها وبها ، قد ظهر الوجود فيها بحسبها .فلولا أنّ في الوجود صلاحية ~~الظهور في كل حقيقة أو نسبة منها بحسبها وعلى صورتها ، لما ظهر بذلك كذلك ، ويضاف ~~إذ ذاك إلى الوجود الحق الظاهر في كل حقيقة منها على صورتها ما يضاف إلى تلك الصورة ~~، فافهم . إذا فهمت ، فهمت .فاعلم أنّا نحن صور تلك النسب الذاتية والشؤون الغيبية ~~، اقتضانا بالذات من كونه إلها موصوفا بالموجدية ، منعوتا بالربوبية ، فلمّا وصف ~~نفسه لنا بنا أعني بالنسب والأسماء والصفات التي نحن صورها وأحالنا في المعرفة ~~والعلم به علينا بقوله الحق ، على لسان رسول الصدق :"من عرف نفسه فقد عرف ربّه ~~".فعلمنا به أنفسنا ، وعلمنا من علمنا بنا علمنا به ، فما علمناه إلَّا بنا وما ~~علمنا ما علمنا إلَّا به ، فما علمنا إلَّا إيّاه به منه فيه .وما علمنا أنفسنا ~~إلَّا فيه عينه ، فنحن فيه هو عينه ، وهو فينا نحن أعياننا ، لأنّا فيه شؤونه ~~الذاتية ونسب نسب الإنّيّة الغيبية ، وهي الهوية العينية ، فإذا شهدنا فيه شهد نفسه ~~.وإذا شهدناه فيه أو فينا شهدنا أنفسنا ، فما نحن إلَّا وجودات تعيّنية وتجلَّيات ~~وجوديّة ، نفسية ، ظاهرة بخصوصيات أعياننا وماهياتنا التي هي شؤونه الذاتية ونسبه ~~أو نسب نسبه الغيبية الوحدانية ، فافهم .قال رضي الله عنه : ( ولا نشكّ أنّا كثيرون ~~بالشخص والنوع ، وأنّا وإن كنّا على حقيقة واحدة تجمعنا ، فنعلم قطعا أنّ ثمّ فارقا ~~، به تميّزت الأشخاص بعضها عن بعض ، ولولا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد ) .يعني : ~~رضي الله عنه :أنّ هذه الشؤون وإن اشتركت في أنّ كلَّا منها شأن ذاتي له أو نسبة من ~~نسب الألوهية ، ولكنّه لا بدّ أن تكون لكلّ شأن منها خصوصية ، بها يتميّز عن غيره . ~~فتلك الخصوصيات هي التي أوجبت تعدّد الأشخاص وتمايزها بشخصياتها عند وجودها العيني ~~بموجب وجودها العلمي ، فالوجود وإن كان موجودا للكلّ ، ولكنّ الخصوصيات الذاتية ~~تعيّن الوجود الواحد بحسبها . فيختلف ظهور الوجود الحق الواحد الأحد في جميع مراتب ~~العدد ، ويتكثّر بحسب القوابل المختلفة المتكثّرة . ولولا هذا السرّ ، لم تظهر ~~الكثرة المتعقّلة في الواحد ظهورا وجوديا ، ولا الكثرة الوجودية في أحدية الجمع ، ~~كما نقول : " مدينة واحدة " مع اشتمالها على البيوت والدور الكثيرة ، وكقولنا : « ~~كتاب واحد » مع أنّه ذو حروف وكلمات كثيرة ، و « شخص واحد » مع أنّه ذو أجزاء ~~وأعضاء كثيرة .قال رضي الله عنه : ( فكذلك أيضا ، وإن وصفنا بما وصف به نفسه من ~~جميع الوجوه ، فلا بدّ من فارق وهو افتقارنا إليه في وجودنا ، وتوقّف وجودنا عليه ~~لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه . فبهذا صحّ له الأزل والقدم الذي انتفت عنه ~~الأوّلية التي لها افتتاح الوجود عن عدم فلا تنسب إليه الأوّلية مع كونه الأوّل . ~~ولهذا قيل فيه :الآخر ، فلو كانت أوّليته أوّلية وجود التقييد ، لم يصحّ أن يكون ~~الآخر للمقيّد لأنّه لا آخر للممكن لأنّ الممكنات غير متناهية ، فلا آخر لها ~~.وإنّما كان آخرا لرجوع الأمر كلَّه إليه بعد نسبة ذلك إلينا ) .قال العبد أيّده ~~الله :كما أنّا وإن كنّا مشتركين في الاستناد إلى الحق والدلالة عليه وفي القيام ~~بوجوده الواحد ، ولكنّا كثيرون بالأشخاص والخصوصيات الذاتية ، والتفرقة فيما بيننا ~~ظاهرة . فكذلك إذا دللنا عليه فإنّ دلالة كلّ منّا بخصوصية ليست في الآخر . وكذلك ~~وإن وصفنا بما وصف به نفسه وأعطانا الاتّصاف بأوصافه جميعا والتسمّي بأسمائه طرّا ، ~~فلا بدّ من فارق بيننا وبينه لا نشاركه فيه أصلا ، وهو وجوبه الذاتي الذي انفرد به ~~من ذاته دوننا ، وأمّا الفارق من قبلنا الذي خصّصنا به دونه فهو افتقارنا جميعا ~~إليه على التعين في الوجود وذلك لإمكاننا الذاتي ، كما مرّ ، فتذكَّر .واعلم : أنّ ~~في الإمكان سرّا شريفا ذكرنا في موضعه ، فاطلبه من هناك ، إن لم تعثر عليه من هاهنا ~~، فقد أومأنا إليه في مواضع ممّا سلف وفيما خلف .وقوله : « عن مثل ما افتقرنا إليه ~~» يدلّ على شمول الافتقار ومرتبتي الوجود أعني مرتبتي الحق والخلق لكون الوجود ~~يشملهما ، والحق من حيث ذاته ووجوده الذاتي غنيّ عنّا ونحن مفتقرون إليه بذواتنا في ~~وجودنا . ولكنّ الربوبية من كونها تقتضي المربوب بحقيقتها ، والخالقية لا تتعقّل ~~بدون المخلوق وجودا وتقديرا فثبت الافتقار للنسب الإلهية في تعيّنها الوجودي ~~والتعقلي إلى متعلَّقاتها ضرورة توقّف الأمور الإضافية والنسبية على طرفيها ~~وافتقارها إليها . ولا يقدح ذلك في الغنى الذاتي فإنّ الله غنيّ بذاته في وجوده ~~أزلا وأبدا .وهذا الافتقار المذكور ليس إلَّا في النسب الأسمائية فإنّ الألوهية ~~والربوبية والخالقية والرازقية وغيرها حقائق يتحقّق وجودها بالمألوه والمربوب ~~والمخلوق والمرزوق ، والغنى لله في ذاته لكون وجوده من ذاته ، وعين ذاته .ولهذا ~~السرّ صحّ له الأزل والقدم ، يعني نفي الأوّلية والمسبوقية عن وجوده الذاتي ، فلا ~~أوّل له سابقا عليه ، بل هو الأوّل السابق بوجوده المطلق الذاتي على التعينات ~~الوجودية التقييدية .وليس متعلَّق الحدوث والقدم حقيقة الوجود ، بل تعيّنه بحسب ~~الأزمان والأوقات والمواطن والمراتب لا غير ، والتعيّن نسبة عدمية أيضا مع قطع ~~النظر عن المتعيّن .فسبحان الذي وسع بجوده ورحمته وعلمه وحكمته كلّ شيء حتى النسب ~~العدمية ، أحدثها وأعطاها ضربا من الوجود ، وأظهرها موجودة للشهود المعهود .فلو ~~كانت أوّلية الحق من حيث الوجود العيني المقيّد ، لم يصحّ أن يكون هو الآخر لأنّه ~~لا آخر للممكنات لأنّها غير متناهية ، فلو كانت متناهية ، صحّ أن يكون لها آخر ~~.فليست أوّليّته تعالى بمعنى أوّلية وجود التقييد ، ولا آخريّته بمعنى أنّه إذا ~~انتهت الممكنات غير المتناهية ، كان هو آخرها .فكان آخر وجود التقييد ، بل أوّليّته ~~وآخريته بمعنى أنّه لا موجود إلَّا هو ، فالكلّ منه إليه " لا إِله َ إِلَّا هُوَ ~~إِلَيْه ِ الْمَصِيرُ " .بمعنى أنّه المطلق غير المتعيّن في عين كونه عين الكلّ ~~أوّلا بداية ، والمتعيّن في عين لا تعيّنه وإطلاقه بتجلَّيات غير متناهية آخرا لا ~~إلى غاية ونهاية .قال رضي الله عنه : ( فهو الآخر في عين أوّليّته ، والأوّل في عين ~~آخريّته ) .يعني رضي الله عنه :أنّ الوجود المطلق هو الأوّل على الإطلاق ، ثم إن ~~تعيّن وتقيّد الوجود بتنوّع التجلَّي في مراتب تعيّناته فهو في حقيقته على أوّل ~~الإطلاق الأصلي .لأنّ التعين والتقيد نسبتان لا تقدحان في إطلاقه الحقيقي الذي ليس ~~في مقابلة التقييد ، بل هو معنى ذاتيّ للذات .نعم ، الإطلاق والتعيّن يستلزم ~~تعقّلهما انتفاء البداية والنهاية ، والافتتاح والاختتام ، شمل بنور هويّته ~~وإنّيّته المطلق والمقيّد .فإنّ العين المطلق عين المطلق اللامتعيّن وعين المتعيّن ~~غير المتناهي في تعيّنه ، لا إلى أبد أبدا الأبد ، فهي هي في اللاتعيّن الأوّل ~~الباطن وفي التعيّن الآخر الظاهر .فما ثمّ إلَّا هو هو ، فهو الأوّل في عين آخريته ~~والآخر في عين أوّليته .قال رضي الله عنه : ( ثمّ لتعلم أنّ الحق وصف نفسه بأنّه ~~ظاهر باطن وأوجد العالم عالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر بشهادتن . ~~ووصف نفسه بالرضا والغضب ، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء ، فنخاف غضبه ونرجو رضاه.ووصف ~~نفسه بأنّه جميل وذو جلال ، فأوجدنا على هيبة وأنس ، وهكذا جميع ما ينسب إليه ~~ويسمّى به . ثم عبّر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجّهنا على خلق الإنسان ~~الكامل لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته ).قال العبد أيّده الله به : اعلم : ~~أنّه لمّا كان الإطلاق الذاتي الذي تستحقّه الذات ليس في مقابلة التقييد والتحديد ، ~~بل إطلاق عن التقييد بالإطلاق الذي في مقابلة التقييد .فهو إطلاق عن التقييد وعن ~~الإطلاق بجمعه الذاتي بينهما جمعا ، غير متقيّد أيضا بالجمع ، بل مطلقا عن كل ~~اعتبار ، ولا لسان في هذا المقام ولا حكم ولا اسم ولا صفة ، بل بهت بحت ، وخرس صرف ~~.وبتحقّق التعيّن الأوّل مفتاح مفاتيح الغيب يتعيّن للعين المطلقة تعيّن ولا تعيّن ~~، وإطلاق وتقييد ، ووحدة وكثرة ، وفعل وانفعال ، فتعيّن بالتعيّن الأوّل النسب ~~الذاتية. وهي : الأوّلية والآخرية ، والباطنية والظاهرية .وهو من حيث التعيّن بلا ~~اعتبار التعين واللا تعين لا أوّل ولا آخر ، ولا باطن ولا ظاهر ، ولا نسبة هذه ~~النسب ولا لا نسبتها أحقّ وأولى .ولكنّه تعالى من حيث إطلاقه باطن ، وقد جعل الباطن ~~بحجاب عزّ غيبه عن أن يحاط به أو يتناهى ، أو يكون له بداية ، فله الجلال .وهو من ~~حيث تعيّنه ظاهر جميل بجمل القصد إليه والاستناد من كونه مبدأ للتعينات الشؤونية ~~الكلَّية مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلَّا هو .يعني ليس علمها إلَّا للهوية ~~المطلقة الكبرى التي للمعيّن ، وهي فيه هو ، وهو فيها هي فظهرت الاثنينية بالتعين ~~الأوّل للعين الواحدة بالوحدة الحقيقية. وهي من حيث حضرتها الجلالية تقهر أعيان ~~الأغيار ، وتغضب عليها غيرة أحدية ، ولكنّها من حيث التعين ترضى عن كلّ معيّن قابل ~~ومتعيّن مقبول رضى خصيصا بخصوصيته لكونه جهده واستطاعته ، كما قال :مالي سوى الروح ~~خذه %~% جهد الفقير المقلّوقد ورد الوارد في هذا البيت عليّ بمعنى مخترعا في المحتد ~~والمشرب عند المبصر المستبصر ، فقال :مالي سوى أنت خذ بي %~% جهد الفقير ~~المذلّفتأمّل أيّها المتأمّل .وبموجب هاتين اليدين اللتين لهما القبض والبسط ، ~~والعطاء والمنع ، والرفع والوضع ، أوجدنا ذوي خوف ورجاء ، وقبض وبسط ، وهيبة وأنس ، ~~فنهاب جلاله ، ونأنس بجماله ، ونخاف غضبه ، ونرجو رضاه . فظهرت فينا أحكام ~~الاثنينية ، المذكورة في اليدين .كما أشار إليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ~~بقوله : " وخلق آدم بيديه " الحديث .وقال الله تعالى لإبليس " ما مَنَعَكَ أَنْ ~~تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ".وكما أظهر الله من هاتين اليدين المباركتى لآدم ~~عند تجلَّيه .فقال له : اختر أيّتها شئت . فقال آدم : اخترت يمين ربّي ، وكلتا يدي ~~ربّي يمين مباركة . ففتح سبحانه يمينه ، فإذا فيه آدم وذرّيّته ، ولذلك خمّر الله ~~بيديه طينة آدم أربعين صباحا .فكان ربّنا تبارك وتعالى يتجلَّى على صورته التي خلق ~~آدم عليها ويخمّر طينته بيديه المباركتين حتى تخمّر فيها ببركة توجّهه الكلي الجمعي ~~الإلهي سرّ أحدية الجمع الذاتي الإلهي بين يديه .حتى بدت فظهرت في طينته ، صورته ~~المباركة على أحسن تقويم ، وأكمل تعديل وترسيم ، فظهرت فيه جميع الحقائق الجلالية ~~القهرية والجمالية اللطفية ، وكمل به .وفيه سرّ الإطلاق والتقييد ، والتعيّن ~~واللاتعيّن ، فكان أكمل كون وأجمعه وأتمّه ، وأفضل مظهره وأوسعه وأعمّه .قال الشيخ ~~رضي الله عنه : ( فعالم شهادة والخليفة غيب ، ولهذا احتجب السلطان ووصف الحق نفسه ~~بالحجب الظلمانية وهي الأجسام العنصرية الكثيفة والنورانية وهي الأرواح والعقول ~~والنفوس وعالم الأمر والإبداع ، والعالم بين لطيف وكثيف ، فهو عين الحجاب على نفسه ~~فلا يدرك الحق إدراكه نفسه ولا يزال في حجاب لا يرفع مع علمه بأنّه متميّز عن موجده ~~بافتقاره و لكن لا حظَّ له في وجوب الوجود الذاتي الذي للحق ، فلا يدركه أبدا .فلا ~~يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود لأنّه لا قدم للحادث في ذلك ) ~~.قال العبد أيّده الله به :خلق الله آدم على صورة الرحمن ، كما نطق به الصادق الذي ~~ما ينطق عن الهوى لأنّ الخليفة على صورة مستخلفه فيما استخلف فيه واستنيب ، وإن لم ~~يظهر بصورة مستخلفه فما هو بخليفة .ثم خلق الله العالم على صورة آدم لما ذكرنا أنّ ~~العالم صورة تفصيل النشأة الإنسانية ، والإنسان صورة جمعها الأحدية فهو غيب العالم ~~.والعالم شهادته وظاهره لكون الكثرة والتفرقة حجابا ظاهرا ، والجمعية الأحدية غيبا ~~باطنا ، فالإنسان روح العالم وقلبه وسرّه الباطن ولبّه .ولهذا السرّ وجد احتجاب ~~السلاطين والخلائف ضرب مثال للأمر ، حتى يكون غيبا ، كما أنّ اللبّ غيب في القشر ، ~~وذلك أليق بعزّة الخليفة وعظمته ، كما أنّ الله تعالى وصف نفسه على لسان رسولنا ~~بالحجب .فقال صلَّى الله عليه وسلَّم : " إن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة " ، ~~فالاحتجاب بالحجب من مقتضيات السلطنة والخلافة .ولمّا كان العالم بين لطيف وكثيف ، ~~جسم وروح ، قد تعيّن الوجود الحق عامرا لعوالمهما وكثراتهما غير المتناهية ، وكلّ ~~من العالمين حجاب على الآخر ، فتحجّب اللطيف بالكثيف ، والكثيف باللطيف ، واللطيف ~~باللطيف والكثيف .فالعالم عين حجابه على نفسه ، فلا يدرك الحق أبدا إلَّا من وراء ~~هذه الحجب الكثيفة واللطيفة وذلك لأنّه لا حظَّ له في الوجوب الذاتي ولأنّه مفتقر ~~في الوجود إلى من يتوهّم أنّه غيره ، فلا يزال في حجاب الغيرية ما بين كثيف نسمّيه ~~جسما ، ولطيف نسمّيه روحا أو عقلا أو نفسا أو معنى ، وهي فيما بينها أغيار لوجود ~~المغايرة بين التعيّنات الحقيقية والخصوصيات الذاتية ، فلو شهد العالم العين ~~المحتجبة بحجب الغيرية عن أعين أعيان الأغيار أنّها بالحقيقة عين هذه الأغيار ، ~~لزال عن عينها الغين والحجاب ، ولكنّ العزّة والغيرة أوجبتا الغيرية ، ولا بدّ ، " ~~وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ من ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ ~~يَعْمَهُونَ ".قال الشيخ رضي الله عنه : ( فما جمع الله لآدم بين يديه إلَّا تشريفا ~~، ولهذا قال لإبليس : " ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ". وما ~~هو إلَّا عين جمعه بين الصورتين : صورة العالم وصورة الخلق ، وهما يدا الحقّ . ~~وإبليس جزء من العالم ، لم تحصل له هذه الجمعية .ولهذا كان آدم خليفة ، فإن لم يكن ~~ظاهرا بصورة من استخلفه فيما استخلفه فيه ، فما هو خليفة ، وإن لم يكن فيه جميع ما ~~تطلبه الرعايا التي استخلف عليها لأنّ استنادها إليه ، فلا بدّ أن يقوم بجميع ما ~~تحتاج إليه وإلَّا فليس بخليفة عليهم ).وذلك لأنّ الكمال في أحدية جمع الجمع ، ثم ~~الكمالات كلَّها إنّما تفيض من أحدية جمع هاتين اليدين المباركتين الإلهيتين .فوجب ~~أن تكون الكمالات المنبعثة من اليدين مجتمعة فيه مع أضعافها إذ الهيئة الجمعية ~~الأحدية تعطي في الجامع أن يظهر فيه كلّ حقيقة من حقائق اليدين بهيئة الجمع .ولهذا ~~توجّهت المطالبة والمؤاخذة على إبليس الذي هو جزء من العالم في امتناعه عن سجود آدم ~~لكون الواجب على كلّ قوّة من القوى الروحية والقوى الطبيعية جمعا وفرادى .هو ~~الإذعان والانقياد والطاعة والدخول تحت حكم صاحب الجمعية بين اليدين اللتين في ~~قبضتهما عالم الأرواح اللطيفة وعالم الطبيعة الكثيفة ، وإبليس في إحداهما .ولكنّ ~~حقيقة إبليس منافية لحقيقة آدم بالحقيقة والطبع لأنّ حقيقة آدم عليه السّلام صورة ~~ظاهرية أحدية جمع الجمعيات الإلهية والجمعيات الكونية .وإنّما جمع الله له بين ~~اليدين لأنّ الإنسانية التي هي حقيقته تقتضي الاعتدال وكمال الجمع بين التعين ~~والإطلاق ، والكثرة والوحدة ، وعدم الانحصار في تعيّن جزئي .بخلاف حقيقة إبليس ، ~~فإنّها صورة الانحراف التعيّني الحجابي إلى الأنانية الجزوية المتقيدة بالاستعلاء ~~والاستكبار ، والظهور والعلوّ على حقيقة العين إذ التعيّن يكفر العين ويحجبه ويعلو ~~عليه .وهذه الحقيقة تقتضي التفرقة النارية المعتلية على باقي العناصر .فلمّا تباينت ~~الحقيقتان ، وقعت المضادّة والمحادّة والمعاداة في عالم الصورة بسبب المضادّة ~~الحقيقية في الحقيقة وبحسبها .ولأنّ نشأة كلّ واحد منهما تضادّ نشأة الآخر في الجزء ~~الأعظم فإنّ الجزء الأعظم في نشأة الإنسان الماء ، ثم الأرض ، وهما يعطيان ~~بحقائقهما وصورهما وقواهما وروحانياتهما اللين والإذعان والطاعة والقبول والانقياد ~~والإيمان والثبات والوقار والتّؤدة والسكينة والخشوع والاستكانة والعبودية ~~والتذلَّل والعلم والحلم والإناءة وما شاكل ذلك . والجزء الأعظم في نشأة إبليس ~~والشياطين النار ، وهي بحقيقتها وصورتها وروحانيتها تعطي الاستعداد والاستكبار ~~والخفّة والطيش والسفوف والكبر والخيلاء والتسلَّط والجبروت والكفر والجحود والحقد ~~والحسد لأنّه صورة الانحراف العنصري التعيّني .كما قلنا : إنّ التعيّن يعلو على ~~المتعيّن فيه ، ويطغو ويكفره أي يستره وما له ثبات فإنّ نور العين المتعيّنة في ~~حجابية كلّ تعيّن يخرقه ويحرقه ، ومن حق التعيّن أن يلعن ويطرد وينفي عن وجه العين ~~المتعيّنة في ذلك التعين.لكونه حجابا على من تعيّن به وفيه من وجه وإن كان دالَّا ~~عليه من وجه آخر ، فمن كان مشهوده أنّ وراء التعيّن أمرا هو منه يشاهد الحقيقة في ~~الحجاب .ومن لم يشاهد إلَّا حجابية التعيّن ، حجب به ، والتعيّن حجاب على نفسه ، ~~فلا يرى العين المحتجبة به أبدا ، كظهر المرآة لا يظهر فيه مثال صورة الرائي ~~المنطبع في باطنه إلَّا أن يلعن حقيقة الحجاب عن وجه المحتجب .ولهذا كلّ تعيّن ~~يدّعي أنانيّة هو بها محجوب عن غيره وعن عينه وعين الكلّ التي بها قيام الكلّ وهو ~~قيّام الكلّ وقد أشرنا إلى هذا السرّ في الغرّاء الرائية واللامية أيضا بقولنا : ~~شعر :لا يحجبنّك أشكال يشاكله %~% عمّن يشكَّل فيها فهي أستاروكن به فطنا في أيّ ~~مظهره %~% بدء ففي الأمر إظهار وأسراركالبحر بحر على ما كان في قدم %~% ثمّ الحوادث ~~أمواج وأنهارومن حجب بالتعيّن ، طلب الاستبداد والتفرّد بتعيّنه الجزئي إذ لا قدم ~~له في الكلَّية والأحدية الجمعية الإلهية. ولعن الحضرة الإنسانية لإبليس إذ الجزئية ~~التعيّنية حجاب على العين الكلَّية الأصلية ، والتعيّن طار ولا يكون إلَّا من جهة ~~غلبة جزء من أجزاء ظاهرية المتعيّن أو المعيّن ، فافهم .فلمّا جمع الله لآدم بين ~~الصورتين صورة الحقّ وصورة الخلق .فكان له مرتبة جمع الجمع ، فهي على صورة الله ~~ضرورة كون الحقيقة الإلهية أحدية جمع الحقائق الوجوبية كلَّها المقتضية بالذات لجمع ~~جميع الحقائق الكونية . وبهذه الجمعية صحّت له الخلافة ، كما نطقت الحقيقة على لسان ~~بعض تراجم الحقائق ، شعر :أتته الخلافة منقادة %~% إليه تجرّر أذيالهفلم تكن تصلح ~~إلَّا له %~% ولم يكن يصلح إلَّا لهولو رامها أحد غيره %~% لزلزلت الأرض ~~زلزالهفالإنسان حامل الأمانة التي هي الصورة الإلهية التي حذي آدم عليها .فإن لم ~~يظهر الخليفة بصورة المستخلف في الرعايا ، لم يطيعوه ، وكان قاصرا عن درجة الخلافة ~~، فلم يصلح لها ، وإذا لم يكن عنده جميع ما تطلبه الرعايا ، لم يطيعوه ولم يوصل ذلك ~~إلى الجميع جمعا وفرادى ولم يكن خليفة .وإذ قد جمع الله لآدم بين يديه المبسوطتين ~~بجميع الآلاء والنعماء التي يطلبها الكلّ واستوت الحقيقة الأحدية الجمعية والوجوبية ~~الإلهية على عرش الحقيقة الأحدية الجمعية الإنسانية الكمالية ، ظهر بصورة الله ~~تعالى .فأوصل نعم الله وآلاءه المخزونة في خزائنه عنده وفيه التي هي حضرات الأسماء ~~وخزائن خزائنة التي هي حقائق القوابل والمظاهر إلى العالم الأعلى الربّاني والعالم ~~الأسفل الكياني ، روحانيّتها وجسمانيّتها ، سماويّها وأرضيّها .وظهرت جميع الحقائق ~~الوجوبية والنسب الإلهية والربوبية في مظاهرها تماما ، وظهرت أيضا بها الحقائق ~~الخلقية المظهرية في جميع مرائيها ومراتبها ومناظرها ومجاليها الروحانية والمثالية ~~والطبيعية تماما ظهورا فرقانيا تفصيليا .وكان ظهورها في الخليقة ظهورا جمعيا أحديا ~~كماليا ليس كظهور كلّ منها في كلّ من المظاهر إذ ليس كلّ منها كلّ كلّ منها من كلّ ~~وجه ، فما في بحري الوجوب والإمكان حرف ولا كلمة إلَّا وهي في الإنسان الكامل ~~الفاضل أفضل وأكمل منه ، خارجا عنه .مع حصول فضيلته الخصيصة به له ، فافهم إن كنت ~~تفهم ، والله الملهم والمعلم .فما أكمل الإنسان لو عرف قدره ، وملك أمره ، وكمّل ~~سرّه ، ولم يتعدّ طوره ، ولزم مركزية حقيقة الاعتدال ، وتحقّق بحقيقة الإطلاق في ~~الجمع والكمال ! .حقّقنا الله وإيّاكم معاشر المستعدّين الطالبين لهذه الحقيقة ، ~~والمسترشدين إلى هذه الطريقة بفضله وطوله وقوّته وحوله .وأمّا استناد العوالم التي ~~كنى عنها الشيخ رضي الله عنه بالرّعايا إلى هذا الخليفة .وهي الخليقة : فمن حيث إنّ ~~كلّ حقيقة من حقائق ذات الخليفة ونشأته برزخ من حيث أحدية جمعها بين حقيقة ما من ~~حقائق بحر الوجوب وبين حقيقة مظهرية لها من حقائق بحر الإمكان هي عرشها ، وتلك ~~الحقيقة الوجوبية مستوية عليها .فلمّا ورد التجلَّي الكمالي الجمعي الإلهي على ~~المظهر الكمالي الإنساني ، تلقّاه بحقيقة الأحدية الجمعية الكمالية ، وسرى سرّ هذا ~~التجلَّي في كل حقيقة من حقائق ذات الخليفة ، ثم فاض نور التجلَّي منها على ما ~~يناسبها من العالم . فما وصلت الآلاء والنعماء الواردة بالتجلَّي الرحماني على ~~حقائق العالم إلَّا بعد تعيّنه في الإنسان الكامل بمزيد صبغة لم تكن في التجلَّي ~~قبل تعيّنه في مظهرية الإنسان الكامل .فحقائق العوالم وأعيانها رعايا للملك الحقيقي ~~المالك لهم .وعلى الخليفة رعاية رعاياه على الوجه الأنسب والأليق والأفضل ، وفيه ~~تتفاضل الخلائف بعضهم على بعض ، فاجهد واشهد واكشف ، تشهد ، والله الهادي .قال رضي ~~الله عنه : ( فما صحّت الخلافة إلَّا للإنسان الكامل فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق ~~العالم وصوره ، وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى .ولذلك قال : « كنت سمعه وبصره ~~» ولم يقل : كنت عينه وأذنه ، ففرّق بين الصورتين ) .بيان إيجاد الحق صورة ظاهر ~~الإنسانقال العبد : أمّا إنشاء صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره فمن حيث إنّ ~~ظاهرية الإنسان أحدية جمع جميع الحقائق الكونية وصورها .فما من ذرّة من ذرّات ~~الوجود من العقل الأوّل إلى آخر نوع من أنواع الموجودات الكونية إلَّا وفي نسخة ~~ظاهر الإنسان الكامل نظيرتها ومندوحتها ، ونسبتها إليه كنسبة الأصل إلى الفرع . ~~ونسبة حقائق ذات الإنسان وصورها إلى حقائق العالم وصورها نسبة الأصل إلى الفرع ~~،ولقد ذكرنا نظائر حقائق العالم وصورها من الإنسان الكامل في الشرح الكبير ، وربما ~~يحشو حشو حواشي هذا المختصر شيء من ذلك ، حتى يكون الكتاب كافيا وافيا. والله ~~الموفّق والمؤيّد والمعين .بيان إظهار صورة باطن الإنسان الكاملوأمّا إنشاء الله ~~تعالى صورة باطن الإنسان على صورته تعالى فهو أنّ الإنسان الكامل حاو ، جامع لجميع ~~الأسماء الإلهية الفعلية الوجوبية وجميع نسب الربوبية فإنّه أعني الإنسان الكامل ~~واجب الوجود بربّه. عرش لله بقلبه ، فهو حق ، واجب الوجود ، حيّ ، عالم ، قدير ، ~~مريد ، متكلَّم ، سميع ، بصير وهكذا جميع الأسماء ، ولكن بالله على الوجه الأجمع ~~الأكمل .وصورة الله التي خلق الله آدم عليها هي أحدية جمع جميع هذه الحقائق ~~الربانية الإلهية على الإطلاق ، لا غير ، فباطن الإنسان على صورة الله ، وظاهره على ~~صورة العالم وحقائقه.والظاهر مجلى ومرآة للباطن ، والباطن متعيّن في الظاهر وبه ~~بحسبه كما عيّن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيما أسنده إلى الله تعالى أنّه ~~قال :"كنت سمعه وبصره " ولم يقل عينه وأذنه ، ففرّق بين صورته الظاهرة وصورته ~~الباطنة .يريد رضي الله عنه في هذا ، الحديث ، وإلَّا ففي غيره التعميم والشمول على ~~صورتية الظاهرة والباطنة ، ولا تظنّنّ قولنا : " صورته الظاهرة " جسمانية فقط فليس ~~المراد ذلك .بل خليقته من جسم وروح ، وقوى وعقل ، ومعان وصفات وغيرها ممّا يصدق ~~إطلاق الخليقة وما سوى الله عليه ، فالهيئة الجمعية من جميع ما ذكرنا هي صورته ~~الظاهرة .فبهذا كان الإنسان الكامل بظاهره صورة العالم الأحدية الجمعية .وقيل : فيه ~~العالم الصغير ، أي من حيث الصورة .والذي يتضمّن هذا الحديث من الفرق بين الصورتين ~~والتخصيص فهو أنّ السمع والبصر حقيقتان ملكوتيّتان وإلهيّتان للنفس أو للروح كيف ~~شئت وأمّا العين والأذن فهما آلتا إدراك المبصرات والمسموعات بالنسبة إلى من إدراكه ~~مقيّد بالآلات ما دام كذلك .وأمّا سمع الحق وبصره اللذان تسمّى بهما فغير متوقّف ~~على الآلة والجارحة ، فذكر في هذا الحديث الأليق بجنابه تعالى لأهل العموم بلسانهم ~~.وإلَّا فإنّ الإدراكات بالآلات والجوارح كلَّها ، وقد يسري النور في باطن المحقّق ~~المتحقّق بهذا المقام إلى ظاهره وأعضائه وجوارحه ، كما جاء في اليد والرجل واللسان ~~والقدم والطريق ، والله وليّ التوفيق .قال رضي الله عنه : ( وهكذا هو في كل موجود ~~في العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود ، ولكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة ، فما ~~فاز إلَّا بالمجموع ) .يعني رضي الله عنه :أنّ الحق متعيّن في كل جزء جزء من العالم ~~بحسب خصوصيته لا غير ، فاشترك الكلّ في مطلق المظهرية ، وافترقت في الخصوصيات .ففاز ~~الإنسان بخصوص الجمع بين جميع الخصوصيات المظهرية ، ففاز بظاهره بالاسم « الظاهر » ~~من جميع الوجوه ، وبباطنه بالاسم " الباطن " كذلك ، وكان الجامع لأحديّة جمعها على ~~الوجه الأجمع الأحسن .قال رضي الله عنه : ( ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ~~، ما كان للعالم وجود ، كما أنّه لولا تلك الحقائق المعقولة الكلَّية المذكورة ، ما ~~ظهر حكمها في الموجودات العينية .ومن هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق ~~في وجوده ) .قال العبد أيّده الله به :قد أعلمناك فيما تقدّم أنّ الله خلق آدم على ~~صورته وعلى صورة الإنسان العالم ، وأنّ الصورة التي خلق آدم عليها صورة معقولية ~~أحدية جمع جميع الأسماء ، وأنّ العالم بجميع أجزائه جمعا وفرادى مظاهر الأسماء ، ~~التفصيلية ، وأنّه الصورة الإنسانية الفرقانية ، وأنّ صورة الإنسان الكلي على صورة ~~العالم أو حقائقه تماما ، وأنّ صورة باطنه صورة الله .فتذكَّر « 4 » جميع هذه ~~الأصول ، واعلم أنّه ما من موجود من الموجودات ولا شيء من الأشياء إلَّا وهو مظهر ~~ومرآة ومحلّ ظهور للوجود الحق الظاهر فيها والساري بأحدية جمع الصور الإلهية في ~~الكلّ.إذ النفس الرحماني يقتضي النور الوجودي الإلهي الفائض على المظاهر الكيانية ~~بالصورة الربانية الأحدية الجمعية .ولكن ظهورها في كلّ مجلى وتعيّنها في كلّ مظهر ~~إنّما يكون بحسب القابل لا بحسب الصورة كظهور النور الكبير في المرآة الصغيرة ~~.فإنّه صغير ومتشكَّل بشكلها ، وكان المراد الأوّل الأولى والمقصد الإلهي الأعلى ~~الأجلى من الإيجاد هو التجلَّي الإلهيّ بصورته في أحدية جمع النفس الساري في حقائق ~~العالم .ولولا هذا السريان النوري الوجودي بالصورة المقدّسة الأحدية الجمعية ~~الإلهية في حقائق هذا المجلى المشهود الموجود ، ما وجد موجود ، ولا شهود ~~مشهود.فافتقار العالم إلى الموجد من أهل هذه الحقيقة ، حتى يحصل له شرف المظهرية ~~لصورته تعالى فإنّ المخلوق على الصورة التي هي مخلوقة على الصورة الإلهية يكون على ~~الصورة الإلهية يكون على الصورة .قال رضي الله عنه : شعر :فالكلّ مفتقر ما الكلّ ~~مستغن %~% هذا هو الحق قد قلناه لا نكنيفإن ذكرت غنيّا لا افتقار به %~% فقد علمت ~~الذي من قولنا نعنيفالكلّ بالكلّ مربوط فليس له %~% عنه انفصال خذوا ما قلته ~~عنّيقال العبد - أيّده الله به - : اعلم :أنّ الله - سبحانه وتعالى - بجميع نسبه ~~الذاتية موجب لوجود العوالم والمظاهر ، ومستلزم لمتعلَّقات حقائقة الوجوبية ، ~~ودقائق سائر أسماء الربوبية .وتلك المتعلَّقات هي حقائق المخلوقية والمربوبية ، فهي ~~واجبة الوجود بإيجاب الواجب الوجود بالذات لها ، ولولا هذه الحقائق المظهرية من ~~أكوان عالم الإمكان ، لما ظهرت الصورة الإلهية المقدّسة الأحدية الجمعية الذاتية ~~.فشمل الافتقار نسب الربوبية وحقائق المربوبية ، بيد أنّ افتقار العوالم إلى الحق ~~في التحقيق بالحقيقةوالوجود على التعيين .وليس كذلك افتقار النسب الأسمائية ، فإنّ ~~الوجود هو المسمّى بجميع الأسماء ، المتعيّن بجميع النسب ، فما بها افتقار في ~~الوجود والتحقيق إلى العالم .ولكن في ظهور الآثار والأحكام لا غير ، ومع ذلك فلا ~~افتقار بها إلى عالم معيّن أو مظهر شخصيّ مبيّن ، بل يوجب بالذات لها مظاهر لا على ~~التعيين إلى أبدا الآبدين ، كما هو مقتضى ذاته المقدّسة من الأزل دهر الداهرين . ~~فافهم .واعلم : أنّ فلك الوجود الحقّ محيط بالموجودات العينية والغيبية ، وهويّته ~~المحيطة وأوّل تعيّنه الذاتي بفلك الإلهية ، وهي محيطة بأفلاك الأسماء الإلهية .ثم ~~أفلاك الأسماء محيطات بحقائق مظاهرها الكيانية ، وهي أجناس العوالم وأنواعها ~~وأصنافها وأشخاصها ، ودائرة فلك الهوية الكبرى الذي للوجود الحق فلك محيط بجميع ~~الأفلاك .وجميعها منحصر في أربعة أفلاك :فلك اللاتعيّن والإطلاق الوجودي العيني ~~الحقيقي ، وفلك التعين الأوّل الأحدي الجمعي الأكبر .وهو من الوجود الحق كالقلب من ~~الإنسان ، وهذا الفلك محيط بفلكين عظيمين كلَّيّين محيطين بسائر الأفلاك التفصيلية ~~الآتي حديثها في مواضع ، مواقعها فلك الإلهية المحيطة بجميع نسبها وأسمائه بالفلك ~~الكوني المظهري من المعلول الأوّل إلى آخر صورة توجد من آخر نوع وجد .ثم اعلم : أنّ ~~فلك كل حقيقة من نقط محيط فلك الإلهية وهي عبارة عن نسب الربوبية والحقائق الوجوبية ~~إنّما يتمّ بفلك متعلَّقها من العالم .فكل فلك من أفلاك حضرات الأسماء مقسوم بقوسين ~~كلَّيّين متساويين مساويين مجموعهما من محيط الفلك الدائر .فالقوس الأعلى لنسب ~~حقيقة فلك الاسم « الله » ونسبها ولوازمها نقط محيط دائرة متعلَّقة الحبائل ، ~~متّصلة الرقائق والجداول بنقط محيط القوس الآخر الخصيص بمرتبة الكون المظهري ~~.والمجموع فلك كامل ، فأفلاك الإلهية ونقط محيطها مربوطة بأفلاك العوالم ونقط ~~محيطها ، فالكلّ مفتقر ، ما الكلّ مستغن. وهذا معنى قول الكامل : " فالكلّ بالكلّ ~~مربوط ، فليس له %~% عنه انفصال خذوا ما قلته عنّي " .وأنّى الانفصال والافتراق ~~والحقيقة الكلية مقتضية للاتّصال والاتّفاق والائتلاف والاعتناق ؟" وَكُلَّ إِنسانٍ ~~أَلْزَمْناه ُ طائِرَه ُ في عُنُقِه ِ " .فإذا قامت قيامة التفصيل ، وتمّت مقامات ~~التوصيل والتحصيل ، وبعثرت قبور النشور ، وبسطت أرض الحشر والنشور .فيوم القيامة ~~يلقاه كتابا منشورا ، سنذكر ما يبقى من تتمّة هذا السرّ في الموضع الأليق به ، إن ~~شاء الله تعالى .وأمّا قوله :فإن ذكرت غنيّا لا افتقار به %~% فقد عرفت الذي من ~~قولنا نعنيفإنّه - رضي الله عنه - يشير إلى الغنى الذاتي الحقيقي الأحدي ، القاهر ~~أعيان الأغيار ، والموجد كثرة النظراء والنظَّار " كان الله ولا شيء معه ". " هُوَ ~~الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ ".لم يوجب من حيث ذاته الغنيّة معنى ~~الإنتاج والإيجاد ، ولا يقتضي الإظهار والإشهاد لأنّه بالذات كامل أبدا الآباد " ~~وَلَمْ يُولَدْ " لم ينتج من أصل مقدمات منتجة " وَلَمْ يَكُنْ لَه ُ " لا يكون ~~للهوية الكبرى المحيطة بالكلّ مثل ولا كفؤ من أحد معيّن ، فافهم .قال رضي الله عنه ~~: ( فقد علمت حكمة نشأة جسد آدم أعني صورته الظاهرة ) .التي هي أحدية جمع جميع ~~الحقائق المظهرية الخلقية روحانيّتها العقلية والنفسيّة ، وجسمانيّتها الطبيعية ~~والعنصرية والمثالية والبرزخية والحشرية.( وقد علمت نشأة روحانيّة آدم ، أعنى صورته ~~الباطنة ، فهو الحق الخلق ) أي باطنه حق ، وظاهره خلق .( وقد علمت نشأة رتبته وهي ~~المجموع الذي به استحقّ الخلافة .فآدم هو النفس الواحدة التي خلق منها هذا النوع ~~الإنساني .وهو قوله : " يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي ~~خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا ~~كَثِيراً وَنِساءً ").قال العبد : اعلم :أنّ أبانا عليه السّلام صورته ظاهرية أحدية ~~جمع جميع الجمعيات ، وهو أوّل الختوم في المرتبة الظاهرة ، به ختم صور الأنواع ~~الوجودية ، وهو بمثابة البشرة من وجه الصورة الإلهية ، ولهذا كان أبا البشر ، وجميع ~~الصور البشرية بهذه المثابة من صورة اللاهوت .ولمّا كان صلَّى الله عليه وسلَّم ~~صورة ظاهرية أحدية جمع جميع الجمعيات الإلهية والكونية المنبعثة من جمعية التعين ~~الأوّل الحقيقية والطبيعية الكلَّية والنفسية العمائية .فهو صلَّى الله عليه وسلَّم ~~أوّل صورة أحدية جمع الجمع بين الحقائق الوجوبية بالفعل والتأثير وبين الحقائق ~~الكونية بالانفعال والتأثّر ، وذلك في أوّل النشأة الأحدية الجمعية .وإنّما كان ~~نفسا واحدة لأنّ الواحد أصل العدد ومنشؤه ولعدم صدور غير الواحد عن الواحد .ولمّا ~~كان المراد من خلق آدم وجود الخليفة على الوجه الأكمل الأجمع بين المجموع ~~والمفصّل.أخرج الله من هذا الأصل بعدد ذرّيّته وعدد ما يحويه النفس الواحدة الكلية ~~الإلهية ، صورة أحدية جمع جميع الحقائق الانفعالية القابلة صور الجمعيات الكمالية ~~وسمّاها « حوّاء » من الحواية وهي الجمع على صورة آدم من الطينة الطبيعيّة التي لها ~~الجانب الأيسر . كنى عن هذه الحقيقة بأنّها خلقت من ضلع أعوج لأنّ الطبيعة من ~~حقيقتها الاعوجاج إلى الظهور والتعيّن ، فأظهر الله من هذين الأبوين صور كليات صور ~~أحديات جمعيات جميع الحقائق الجمعية المظهرية الإنسانية . فكانت حوّاء تنتج للأب ~~ولدين في كل بطن بمقتضى الأصل الذي كان في بطنه صور الحقائق الفعلية والانفعالية ~~معا وهو حقيقة الحقائق والتعيّن الأوّل ، فافهم إن شاء الله تعالى .ثم قال رضي الله ~~عنه : ( فقوله : " اتَّقُوا رَبَّكُمُ " اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربّكم ، واجعلوا ~~ما بطن منكم وهو ربّكم وقاية لكم فإنّ الأمر ذمّ وحمد ، فكونوا وقايته في الذمّ ، ~~واجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا أدباء عالمين ) .قال العبد :لمّا كان ظاهرية آدم ~~من مجموع العالم الكياني ، والعالم من حجابيته مجمع النقائص والمذامّ الخصيصة ~~بالمقام الإمكاني ، فالأفعال والأخلاق والأحكام الصادرة عن الإنسان ، إن كانت قبيحة ~~يستحقّ عليها المذمّة إمّا عرفا أو عقلا أو شرعا . فالأحرى والأليق أن ينسبها إلى ~~نفسه أدبار وتحقيقا ، ناظرا في ذلك نظرا دقيقا فإنّ الصادر من الحق خير محض ، وهو ~~الواحد لا غير فإنّه بالنسبة إلى من وجد به خير محض ، والنقائص والقبائح راجعة إلى ~~الكيان من حضرة الإمكان .والعدم الذي يلي أحد جانبي الإمكان بالنسبة إليه أولى ، ~~وما كان فيها من الكمال والفضائل والمحاسن والمحامد أضاف إلى الحق لأنّها في ~~الحقيقة راجعة إلى الوجود الحق .وحينئذ يكون العبد قد جعل نفسه وقاية للحق في ~~إضافته المذامّ إلى نفسه كما قال : " ما أَصابَكَ من حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَما ~~أَصابَكَ من سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ " .والحقّ أنّ الحقّ وقاية لنفسه في إضافة ~~المحامد إليه ونفي المذامّ عنه من وجهين وباعتبارين جمعا وفرادى ، وإليه يرجع عواقب ~~الثناء ، وهذا مقتضى التحقيق الأتمّ ، والكشف الأعمّ ، والأدب الكامل الأهمّ ، ~~ولمثل ذلك فليعمل العاملون .قال رضي الله عنه : ( ثم الله أطلعه على ما أودع فيه ، ~~وجعل ذلك في قبضتيه :القبضة الواحدة فيها العالم ، والقبضة الأخرى فيها آدم وبنوه ، ~~وبيّن مراتبهم فيه ) .قال العبد أيّده الله تعالى به : اعلم :أنّ الكمّل من الصورة ~~الأحدية الجمعية الإنسانية لا بدّ لهم أن يريهم الله ويشهدهم صور تفاصيل ما أودع ~~فيهم تشريفا لهم وتكميلا وتفهيما لهم بحقائقه التي أودعها فيهم وتوصيلا . وكذلك ~~أشهد آدم عليه السّلام صور تفاصيل النشأة الإنسانية في مقامي الجمع والفرق المشار ~~إليهما بالآفاق والأنفس . فأشهد جميع العالم في القبضة الواحدة وهي اليسار عرفا ~~اصطلاحيّا وأشهد آدم وذرّيّته في الأخرى ، وهي اليمين كذلك ، وكلتا يدي ربّي يمين ~~مباركة ، والحديث مشهور .إشارة إلى عناوين فصوص الكتابقال الشيخ رضي الله عنه : ( ~~لمّا أطلعني الله تعالى في سرّي على ما أودع في هذا الوالد الأكبر ، جعلت في هذا ~~الكتاب ما حدّ لي منه ، لا ما وقفت عليه فإنّ ذلك لا يسعه كتاب ، ولا العالم ~~الموجود الآن ) .قال العبد :فكما أطلع الله هذا الوالد الأكبر من كونه أحدية جمع ~~ظاهرية الصورة الجمعية الأحدية الإنسانية الكمالية الإلهية على ما أودع فيه من ~~أسرار مظهريّات الأولاد .كذلك أطلع وأشهد خاتم الولاية الخاصّة المحمدية ، الجامع ~~لجميع الكمالات الأحدية الجمعية الإنسانية ، والجامع لجميع الجمعيات جميع ما أودع ~~في الوالد الأكبر عليه السّلام من صور أحديات جمع الجمعيات الكمالية من بين جميع ~~الكمالات النبوية .ما أمر رضي الله عنه بإظهار حقائق كل ذلك ، ولكن بإظهار ما حدّه ~~له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خاتم نبوّة التشريع .وصورة جمع جميع التفاصيل ~~النبوية والرسالتية ونسب الربوبية وحقائق الأسماء الوجوبية المتعلَّقة بالوضيع ~~والرفيع ، والله يقول الحقّ وهو المجيب البصير السميع .قوله رضي الله عنه : « لا ~~يسعه كتاب ، ولا العالم الموجود الآن » إشارة إلى أنّ العالم أحكم كتاب يعوّل إليه ~~وعليه ، كتبه الله بقلمه الأعلى ، وفسّره في لوحه المحفوظ الأجلى. وحروفه الحقائق ~~الذاتية والوصفية والفعلية والحقيّة والخلقية الربانية والكيانية ، وهو أي العالم ~~الموجود الآن كتاب مبيّن جميع الخفيّات والجليات من الكمالات .وهو وإن حصل على ~~كمالات لا تتناهى فليس إلَّا كتابا واحدا . ولكنّ الله له كتب كثيرة تمثّلها ~~الحقيقة الروحية العلمية الإنسانية الكمالية أبد الآبدين ، ولن يزال خلَّاقا موجدا ~~دهر الداهرين ، وصلَّى الله على محمد خاتم النبيّين ، وعلى ورثته الكمّل المقرّبين ~~.قال الشيخ رضي الله عنه : ( فممّا شهدته ممّا نودعه في هذا الكتاب كما حدّه لي ~~رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حكمة إلهية في كلمة آدمية وهو هذا الباب ) .قال ~~العبد :هذه الحكمة مخصوصة بحضرة الألوهية وإن كانت الحكم كلَّها إلهيّة ، ولكن بين ~~آدم عليه السّلام وبين الله تعالى نسب جامع ، ونسب تعريفك بها لك نافع وذلك أنّ ~~الإلهية كما مرّ أحدية جمع جميع الحقائق الوجوبية ، وآدم أحدية جمع جميع الصور ~~البشرية الإنسانية .وقد ذكر شيخنا الإمام الأكمل أبو الأولاد الإلهيّين الكمّل ، ~~سند الورثة المحمدية ، سيد الإخوان في الوراثة الإلهية الكمالية ، صدر الحق والدين ~~، محيي الإسلام والمسلمين ، أبو المعالي ، محمد بن إسحاق بن محمد بن يوسف رضي الله ~~عنه في كتاب له ، لطيف الحجم ، محيط بكثير من جمل هذا العلم ، قريب المأخذ لأولي ~~الألباب وذوي الفهم .ولم يحضرني عند تعليقي هذا الشرح ، وكان فيه غناء عن شرح هذه ~~التراجم والفهرست ، ولكن وارد الوقت يملي على الكاتب ما يجب البحث عنه ممّا أشار ~~إليه الشيخ ، وممّا يفتح الله للناس من رحمة ." وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ ~~يَهْدِي السَّبِيلَ ".من ذلك : أنّ « الألوهة » و « الألوهية » و " الإلهية " كلمات ~~ثلاث دالَّات على أحدية جمع جميع الكمالات الوجوبية الواجبية الواجبة للنسب الذاتية ~~وأسماء الربوبية وذلك بحسب الاختلاف التركيبي الواقع بين حروفها لفظا مع الاشتراك ~~الأصلي في الدلالة ، كذلك أيضا دلالتها على هذه الحقيقة بحسب مراتبها في مشربنا ~~وذوقنا .فالألوهة : اسم لمعقولية المرتبة المطلقة التي لذات الله الواجب الوجود في ~~مقابلة العبودة الذاتية ، التي هي اسم لمعقولية المرتبة المطلقة الخلقية التي ~~للعالم المقيّد ، فكما أنّ العبودة مرتبة ذاتية للعبد معقولة ، كذلك الألوهة مرتبة ~~لله معقولة سرّا اعتبرناها له متحقّقة به وجودا .أو لم نعتبرها كذلك دالَّة على ~~المرتبة الواجبية الفعّالة الموجدة لا غير ، وهي أحدية جمع جميع النسب الأسمائية من ~~حيث معقوليّاتها وخصوصيّاتها ، ومن كونها في ذات الواجب عينها غير زائدة عليها ~~.والألوهيّة : اعتبار هذه الحقيقة المرتبية قائمة بالذات مضافة إليها ، ودلالتها ~~دلالة أحدية جمعية بين معقولية المرتبة الأحدية الجمعية ، وبين الذات الواجبة من ~~حيث أحديتها الجمعية الذاتية الخاصّة بالله فقط .والإلهيّة : اعتبار هذه الحقيقة ~~لله موجودة الأحكام والآثار ، ظاهرة النسب واللوازم والعوارض بالفعل في جميع ~~الحضرات عرفا تحقيقيا . فاعلم هذه الفروق بين هذه الكلمات فإنّها لطيفة .ومنها : ~~أنّ آدم عليه السّلام كما هو صرة ظاهريّة الأحدية الجمعية الإنسانية البشرية ولهذا ~~سمّي آدم اشتقاقا من أديم الأرض وأديم الوجه ، وهو ظاهرهما .ويكنّى لذلك أبا البشر ~~اشتقاقا من بشره الوجه ، وهي ظاهريته التي تباشرها الأبصار والعيون ، ووجه كل شيء ~~حقيقته الأحدية الجمعية ، ووجه الإنسان مستقبلة وأحدية جمع حواسّه الخمسة الظاهرة ~~كما علمت فالإنسانية الكمالية ، لها من صورة الله مثابة الوجه من صورة الإنسان ، ~~وهي متحقّقة في جميع الختوم الكمّل كما ستعلم ذلك في شرح الحكمة الشيثية .إن شاء ~~الله تعالى والذي يختصّ بآدم من الجمعية الإنسانية الإلهية الكمالية هو ظاهريّتها ~~الظاهرة لا غير ، فهو أبو البشر ، مؤمنهم وكافرهم ، موحّدهم ومشركهم ، أنبيائهم ~~وأوليائهم وكذلك الإلهية ظاهرية المرتبة الأحدية الجمعية الربانية ، بخلاف الألوهية ~~التي هي باطنها ، والألوهة التي هي معقولية المرتبة لا غير .والحكم المنزلة على آدم ~~عليه السّلام الواقعة في صورة حاله من دخوله الجنّة ، ونعيم الحقّ له ولزوجه فيها ~~أوّلا ، ثم هبوطه إلى الأرض .وتشهير نسبته إلى العصيان الظاهر ظاهرا ، وإلى الغواية ~~المذكورة ، وغير ذلك كلَّها أحدية جمعية ظاهرة على الوجه الكمالي الإجمالي .وفيه ~~مترع للبسط فيه مجال ، وفيه أسرار وحكم كثيرة لا نذكرها في هذا الاختصار ، لكونها ~~من الأسرار العالية التي لم يأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خاتم الولاية ~~الخاصّة المحمدية بكتابتها في هذا الكتاب ولكون أكثر الأفهام تنبو عنها لعلوّ ~~مرتبتها ومجدها .ولكن سنكشف هذه الأسرار في كتب توضع لذلك في وقته ، وفيما ذكرنا ~~تنبيه وتلويح وتشويق ، والله وليّ التأييد والتوفيق .قال رضي الله عنه : (ثم حكمة ~~نفثية في كلمة شيثية).قال العبد : اعلم :أنّ الترتيب الواقع في هذا الفهرست ، إنّما ~~هو ترتيب رتبي عيني ، وتأخّر وتقدّم وجودي عيني بين هذه الحكم بموجب المناسبة ~~الرتبية .وفصّ كل حكمة إنّما هو قلب ذلك النبيّ الكامل الذي أسندت تلك الحكمة إلى ~~كلمتها الخصيصة بها ، والحكم نقوش العلوم الخاصّة بالأحكام التي أمر النبي أمّته ~~بها ، وظهرت فيهم على الوجه الذي تقتضي تلك الحضرة ، ولكن ذكرها هاهنا من حيث ~~الحضرة الأحدية الجمعية الكمالية الخصيصة بالمرتبة الختميّة المحمدية في كل حضرة ، ~~فافهم .و « النفث » لغة نوع من النفخ ، وهو إرسال النفس من مخرج حرف الثاء مضموما ~~إرسالا رخوا ، والنفث مخصوص بأهل علم الروحانية والنيرنج والعزائم والرقى شرعيّها ~~وحكمتيّها .وهو بثّ الروحانية وبسطها في النفس على ما ينطوي عليه الباطن من العزائم ~~. قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم : " إنّ روح القدس نفث في روعي أنّ نفسا لن ~~تموت ، حتى تستكمل رزقها " .ولمّا كانت الحكمة الجمعية الأحدية المبدئية الخصيصة ~~بحضرة الألوهية قد كملت بآدم ، وتليه في المرتبة مرتبة الفيض الجودي والوهب الجودي ~~بالنفس الرحماني .وهذه المرتبة الوهبية مخصوصة بالكلمة الشيثية ، فإنّه أوّل إنسان ~~نزلت عليه العلوم الوهبية الدينية ، فنزلت عليه علوم الروحانيات ، والملائكة ~~الخصيصة بالتسخير والتصريف والتصرّف في الأكوان بالأسماء والحروف والكلمات والآيات ~~وما شاكل ذلك. فلهذه المناسبة الأصلية ، ذكر رضي الله عنه حكمة النفث بعد الحكمة ~~الإلهية ، وأضافها إلى شيث عليه السّلام كما أضاف الحكمة الأولى إلى آدم .و « شيث » ~~في اللغة العبرانية هو الهبة ، وكان أوّل من وهبه الله آدم بعد تفجّعه على فقد ~~هابيل ، فعوّض الله له عن هابيل شيثا ، وسيرد في داخل الفصّ تتمّة البحث .قال رضي ~~الله عنه : (ثم حكمة سبّوحية في كلمة نوحيّة.)قال العبد أيّده الله به : أمّا وجه ~~إضافة هذه الحكمة إلى الحضرة السبّوحية فهو أنّ الغالب على الدعوة النوحية التنزيه ~~والتقديس على ما سيجيء في شرح المتن .وأولى تعيّن من المراتب الأسمائية بعد تعيّن ~~المرتبة الإلهية هي مراتب أسماء التنزيه والإطلاق والتقديس ، ثم تتعين النسب ~~الثبوتية .وبعد تعين مرتبة الفيض والنفث ، إنّما وجد أوّلا عالم الأرواح والعقول ~~والمجرّدات التي لها من معرفة الحق قسم التنزيه والتسبيح والتقديس ، ولهذا كان ~~الحكمة الثالثةفالأوّل حكم الجمعوالثاني مرتبة الفيض والوهبوالثالث إيجاد عالم ~~التنزيه والتقديس .ولأنّ الغالب على أمّة نوح عليه السّلام الأمور الظاهرة وعبادة ~~أنواع الأصنام ، وجب أن تكون من الله دعوة نبيّهم إلى التنزيه والتطهير عن التحديد ~~والتجسيم تعليما أنّ ما يعبدون لا يصلح للعبادة .ولهذا نزلت هذه الحكمة على نوح ، ~~وقلبه عليه السّلام محلّ نقش هذه الحكمة ، فهذا ما أردنا من تفسير قوله : فصّ حكمة ~~سبّوحية في كلمة نوحية .قال رضي الله عنه : (ثم حكمة قدّوسيّة في كلمة إدريسية)اعلم ~~: أنّ « التسبيح » كما علمت حمد الحق تعالى والثناء عليه بالأمور السلبية ونفي ~~النقائص عن الجناب الإلهي ، وتنزيهه عن التشبيه والتحديد والتقييد . وكذلك « ~~التقديس » هو التنزيه عن النقائص وعن صلاحية قبول جناب الله تعالى ذلك وإمكانه فيه ~~فإنّ ذلك مستحيل إضافته « 2 » إلى جنابه تعالى لكونه غنيّا عن العالمين ولكون جنابه ~~تعالى أحدية جمع الكمالات الإحاطية وجودا ومرتبة .والفرق بين التنزيه النوحي ~~والإدريسي :أنّ دعوة نوح عليه السّلام وذوقه تنزيه عقلي . وتنزيه إدريس عليه ~~السّلام عقلي ونفسي . فإنّ إدريس عليه السّلام ارتاض حتى غلبت روحانيته على طبيعته ~~ومزاجه وتروحن ، وكان كثير الانسلاخ والمعراج ، وخالط الملائكة والأرواح ، وعاشرهم ~~وخرج عن صنف البشر ستّ عشرة سنة ، لم ينم ولم يأكل حتى بقي عقلا مجرّدا ، وعرج به ~~إلى السماء الرابعة . بخلاف نوح عليه السّلام لأنّه كان قائما بحظَّ النفس والروح ، ~~وتزوّج وولد له .وهو الأب الثاني ، فتنزيه إدريس أبلغ وأتمّ .فإنّه نزّه الحق من ~~حيث تعيّنه في عينه عن أوساخ الطبيعة والجسمانية ، وبقي في نفسه عقلا مجرّدا ، ~~وسقطت عنه شهوته ، كما يرد عليك ، فافهم .قال رضي الله عنه : ( ثم حكمة مهيمنيّة في ~~كلمة إبراهيمية ) .قال العبد :هي شدّة العشق وغلبة الهيمان ، وهو عدم الانحياز إلى ~~غرض معيّن ، بل إلى المحبوب في أيّ جهة كان لا على التعيين .وهذه المرتبة تحقّقت ~~أوّلا في الأرواح العالية المهيّمة ، تجلَّى لهم الحق في جلال جماله ، فهاموا فيه ، ~~وغابوا عن أنفسهم فلا يعرفونها ولا غير الحق ، وغلب على خليقتهم حقيقة التجلَّي ، ~~فاستغرقهم واستهلكهم وملكهم .وتحقّق ذلك فيمن تحقّق من كمّل الأنبياء إبراهيم عليه ~~السّلام لأنّه كان خليل الرحمن .والخليل هو المحبّ الحبيب الذي يتخلَّل في خلال روح ~~المحبّ والمحبّ في الحبيب .كما قال : تخلَّلت مسلك الروح منّي .ولهذا سمّي الخليل ~~خليلا ، والخليل عليه السّلام غلبته محبّة الحق ، حتى تبرّأ عن أبيه في الحق وعن ~~قومه ، وذبح ابنه في سبيل الله ، وخرج عن جميع ماله مع الكثرة المشهورة لله .كما ~~قيل عنه : إنّ ملائكة الله تعالى قالوا : لا بدّ مع هذا الخير والبركة والنعمة ~~والمال والوجاهة والنبوّة والملك والكتاب الذي أعطى الله إبراهيم أن يحبّه وليس ذلك ~~بجنب هذه العطايا كثيرا .فقال الحق لهؤلاء الملائكة : جرّبوه ، فتجسّدوا له في صور ~~البشر .وذكروا الله له بالتنزيه ، فقالوا :سبّوح قدّوس ربّ الملائكة والروح .فلمّا ~~سمع إبراهيم عليه السّلام هذه الكلمات ، أخذه الوجد والهيمان في الله تعالى ، ~~واستدعى منهم أن يعيدوا عليه الكلمات .فطلبوا من ماله أجراء على إعادة الكلمات ، ~~فأعطى ثلث ماله . فذكروا الذكر ، فاستعاده منهم كرّة أخرى ، وأعطاهم الثلث الثاني . ~~فسبّحوا له الله بالمذكور من الذكر ، فطاب وقت إبراهيم وازداد هيمانه فاستعاد ~~الكلمات منهم ، وأعطاهم الثلث الباقي .فأعادوا له ، فلمّا تمّ امتحانهم له ، ذكروا ~~أنّهم ملائكة الله ، فلهذا نسبت هذه الحكمة إلى إبراهيم عليه السّلام .قال رضي الله ~~عنه : ( ثم حكمة حقّيّة في كلمة إسحاقية ) .اعلم : أنّ عالم المثال المقيّد وهو ~~عالم الخيال إذا شوهدت فيه صورة وتجسّد له المعنى أو الروح في صورة مثالية أو ~~خيالية ، ثم إذا رجع إلى الحسّ ، وشاهد حقّية ذلك على الوجه المشهود .فقد جعله الله ~~حقّا ، أي أظهر حقّية ما رأى في الوجود العيني حسّا ، فإنّ الخيال لا حقيقة له ولا ~~ثبات ، كما قال يوسف عليه السّلام : " هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ من قَبْلُ قَدْ ~~جَعَلَها رَبِّي حَقًّا " .وكان هذا حال إبراهيم عليه السّلام في مبدئه ، فكان لا ~~يرى رؤيا إلَّا وجد مصداقها في الحسّ ، ورأي حقيقتها عينا ، فكان عليه السّلام لا ~~يؤوّل رؤياه ، وهو نوع من الكشف الصوري .وسرّ ذلك أنّ الوارد إذا نزل من الخارج على ~~القلب .ثم انعكس من القلب إلى الدماغ ، فصوّرته القوّة المصوّرة في المتخيّلة ~~وجسدّته ، خرج على صورة الواقع لأنّ عكس العكس مطابق للصورة الأصلية ، فيشاهد صاحب ~~الكشف المذكور شاهد الوارد مطابقا للصورة الأصلية على ما رآه في عالم المثال .وقد ~~شاهدت هذا من أبي رحمه الله في صغري كثيرا فكان رحمه الله يرى رؤيا ويحكيها لي ، ثم ~~يقع في الحسّ على ما رأى ، فيتعجّب ويسرّ بذلك .وكان مشاهد إبراهيم عليه السّلام ~~على هذا ، وقد يعود ذلك ، ثم لمّا نقله الله إلى ما هو أعلى ، وتحقّق برتبة الكمال ~~، فصار قلبه محلّ الاستواء الإلهي وينبوع تنوّع التجلَّيات ومنبعث أنوار الواردات ~~الخارجة إلى الكون .فانبعث الوارد بمعنى القربان من قلبه إلى القوّة المتخيّلة ، ~~فصوّرت له المصوّرة ذلك القربان وهو الكبش على صورة إسماعيل لكونه صورة السرّ الذي ~~أوجب عليه القربان .فلمّا استيقظ لم يفسّر رؤياه بموجب مقتضى عالم الخيال ، بل جرى ~~على سيرته الأولى على ما اعتاده.وكان مشهد إسماعيل عليه السّلام أيضا من هذا المشرب ~~.فلمّا قال له : "يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى في الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ " أي لله ~~قربانا ، فلم يزل إسماعيل عن معهود المشهود ، واستصحب الحال.فقال :" يا أَبَتِ ~~افْعَلْ ما تُؤْمَرُ " .فصرّح أنّ الوحي إليه كان بهذا الطريق ، ولهذا السرّ أضيفت ~~هذه الحكمة الحقّية إلى الكلمة الإسحاقية ، وسنذكر في داخل شرح المتن سرّ الحقيقة ~~.قال رضي الله عنه : ( ثم حكمة عليّة في كلمة إسماعيلية ) .إنّما أسندت هذه الحكمة ~~إلى الاسم « العليّ » لما شرّف إسماعيل عليه السّلام بقوله :" وَجَعَلْنا لَهُمْ ~~لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا " ولأنّه كان صادقا في الوعد ، وذلك دليل على علوّ الهمّة ~~في القول والفعل ، كما سنذكر .قال رضي الله عنه : ( ثم حكمة روحية في كلمة يعقوبية ~~) .وحكمة إضافة هذه الحكمة إلى الروحية لأنّ الغالب على ذوق يعقوب عليه السّلام كان ~~علم الأنفاس والأرواح ، حتى ظهر في وصاياه وإخباراته ، مثل قوله : "إِنِّي لأَجِدُ ~~رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ".ووصيّى بنيه فقال : " لا تَيْأَسُوا من ~~رَوْحِ الله إِنَّه ُ لا يَيْأَسُ من رَوْحِ الله إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ " ~~وذوق أهل الأنفاس عزيز المثال ، قد جعل الله لهم التجلَّي والعلم في الشمّ .قال ~~رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : " إنّي لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن ". قيل : ~~إنّه عليه السّلام ، كنى بذلك عن الإبصار وهم صور القوى الروحانية التي نضرتهم على ~~صور القوى الطبيعية ، واليمن أيضا من اليمين ، وهو إشارة إلى الروحية وعالم القدس ~~.قال رضي الله عنه : ( ثم حكمة نورية في كلمة يوسفية ) .أضاف رضي الله عنه حكمة ~~النور إلى الكلمة اليوسفية لظهور السلطنة النورية العلمية المتعلَّقة بكشف الصور ~~الخيالية والمثالية .وهو علم التعبير على الوجه الأكمل في يوسف عليه السّلام فكان ~~يشهد الحقّ عند وقوع تعبيره ، كما قال " قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا " فأشار إلى ~~حقيقة ما رأى ، وأضاف إلى ربّه الذي أعطاه هذا الكشف والشهود .قال رضي الله عنه : ( ~~ثم حكمة أحدية في كلمة هوديّة ) .وجه نسبة هذه الحكمة إلى هود عليه السّلام هو أنّ ~~الغالب عليه شهود أحدية الكثرة ، فأضاف لذلك إلى ربّه أحدية الطريق بقوله : " إِنَّ ~~رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ". وقال :" ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ ~~بِناصِيَتِها " فأشار إلى هوية ، لها أحدية كثرة النواصي والدوابّ .قال رضي الله ~~عنه: ( ثم حكمة فاتحية في كلمة صالحية ) .يشير رضي الله عنه إلى أنّ حكمته منسوبة ~~إلى الفاتح والفتّاح ، فانفلق الجبل له في إعجازه ، ففتح الله له عن الناقة ، وفتح ~~الله له على قومه بذلك ، فكان موجب إيمان بعض أمّته وإهلاك بعضه في وجود الناقة ~~ومدّتها .قال رضي الله عنه : ( ثم حكمة قلبية في كلمة شعيبية ) .كان الغالب على ~~دعوة شعيب الأمر بالعدل وإقامة الموازين والمكاييل والأقدار .كما قال : " وَما ~~أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ " كلّ هذه الإشارات تدلّ على رعاية العدل وأحدية ~~الجمع والاعتدال .وكما أنّ العدل في حفظ صحّة جميع البدن وسقمه إلى القلب ، والقلب ~~له أحدية جمع القوى الروحانية والقوى الجسمانية ومن القلب ينشعب الروح الطبيعي إلى ~~كل عضو عضو من أعلى البدن وأسفله على ميزان العدل ، فيبعث لكل عضو ما يلائمه من ~~الروح الطبيعي ، فافهم .واستفاد منه موسى عليه السّلام علم الصحبة والسياسة ، وأمره ~~بالتخلَّي عن العامّة إلَّا في وقت معلوم وقدر موزون ، وكان الغالب على موسى عليه ~~السّلام الظاهر . فحصل له بصحبته جميع مقام الجمع .قال رضي الله عنه : ( ثم حكمة ~~ملكية في كلمة لوطيّة ) .أضيفت حكمته إلى الملك من طلبه القوّة والركن الشديد ، ~~فإنّ الملك القوّة والشدّة ، كما سيأتيك .قال رضي الله عنه : ( ثم حكمة قدرية في ~~كلمة عزيزيّة ) .أضيفت حكمة عزيرية عليه السّلام إلى القدر لطلبه العثور على سرّ ~~القدر ، وكان الغالب على حاله القدر والتقدير ، " فَأَماتَه ُ الله مِائَةَ عامٍ " ~~ولما سأله الله تعالى : " كَمْ لَبِثْتَ " عن قد ما لبث ، قال بالتقدير : " ~~لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ ". وقوله : " ~~أَنَّى يُحْيِي هذِه ِ الله بَعْدَ مَوْتِها " استفهام استعظام وتعجّب عن كيفية ~~تعلَّق القدر بالمقدور بالنظر الظاهر على ما سيأتيك نبؤه عن قريب .قال رضي الله عنه ~~: ( ثم حكمة نبويّة في كلمة عيسوية ) .أسند الشيخ حكمته إلى النبوّة لكون الغالب ~~على عيسى عليه السّلام الإنباء عن الحق وإنباء الحق عنه له وعن نفسه ولعلوّه ~~وارتفاعه الروحي والإلهي عن أبناء البشر ، كما ستعرف .قال رضي الله عنه : ( ثم حكمة ~~رحمانية في كلمة سليمانية ) .أسندت حكمته إلى الرحمن لكمال ظهور أسرار الرحمة ~~العامّة والخاصّة فيه صلَّى الله عليه وسلَّم على الوجه الأعمّ الأشمل وبالسرّ ~~الأتّم الأكمل ، وجعل الله سعته في أمره وحكمه على أكثر المخلوقات ، وسخّر له ~~العالم جميعا كما وسعت رحمة الرحمن جميع الموجودات ، فافهم .قال رضي الله عنه : ( ~~ثم حكمة وجودية في كلمة داودية ) .إنّما كانت حكمته وجودية لما تمّ في وجوده حكم ~~الوجود العامّ في التسخير ، وجمع الله له بين الملك والحكمة والنبوّة ، ووهبه ~~سليمان الذي آتاه التصرّف في الوجود على العموم ، وخاطبه بالاستخلاف ظاهرا صريحا ، ~~فبلغ الوجود بوجوده كمال الظهور .قال رضي الله عنه : ( ثم حكمة نفسية في كلمة ~~يونسيّة ) .قال العبد : حاله عليه السّلام كان ضرب مثل لتعيّن النفس الناطقة ~~بالمزاج العنصري وأهوال أحوال المزاج الطبيعي . وفيه رواية ، أنّ حكمته مستندة إلى ~~النفس الرحماني بفتح الفاء لما نفّس الله عنه جميع كربه المجتمعة عليه من قبل أهله ~~ونفسه وولده وماله .قال رضي الله عنه : ( ثم حكمة غيبية في كلمة أيّوبية ) .جميع ~~أحواله عليه السّلام من أوّل حالة الابتلاء إلى آخر مدّة كشف الضرّ عنه غيبيّ حتى ~~أنّ الآلام كانت في غيوب جسمه ، وابتلي بغتة غيبا ، ثم كشف عنه الضرّ ، كذلك من ~~الغيب من حيث لا يشعر ، فآتاه الله أهله الذين غيّبهم عنه " وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ~~رَحْمَةً " من الله غيبته ، كما سنومئ إلى ذلك عن قريب .قال رضي الله عنه : ( ثم ~~حكمة إيناسية في كلمة إلياسية ) .نشأته عليه السّلام روحانية على وجه لا يقبل تأثير ~~الموت ، فانفلق له جبل لبنان من لبانته في صورة فرس من نار ، فأنس بها وآنسها ، ~~فأمر بالركوب عليها ، فركبها ، فنسب حكمته إلى إيناس نور أحدية الجمع في صورة نارية ~~الفرق على ما يأتي .قال رضي الله عنه : ( ثم حكمة إحسانية في كلمة لقمانية ) .كان ~~الغالب على حاله في كشفه وشهوده الإحسان ، وأوّل مرتبته الأمر بالعبادة على البصيرة ~~والشهود ، كما أمر لقمان ابنه في وصيّته إيّاه " يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِالله ~~إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " نهاه عن الشرك للإخلاص في عبادته وعبوديته لله ~~.وهو أعلى مرتبة الإحسان ، ثم عرّفه بوصيّته تعالى الإنسان بالإحسان ، ولقد أحسن في ~~بيان إحسان الله تعالى إلى المرزوقين ، كما ستقف على أسراره عن قريب .قال رضي الله ~~عنه : ( ثم حكمة إمامية في كلمة هارونية ) .كان هارون عليه السّلام إمام الأئمّة من ~~الأحبار في بني إسرائيل كلَّهم ، وأمره موسى عليه السّلام أن يؤمّ أمّته ، واستخلفه ~~عليهم ، ولقد صرّح بإمامته في القرآن ، وصرّح هو أيضا بذلك في طلبه الاتّباع ~~والطاعة من قومه في قوله : " فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي " .قال رضي الله ~~عنه : ( ثم حكمة علوية في كلمة موسوية ) .أعلى الله مكانته ، وأخبره أنّه هو الأعلى ~~، فقال : " لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى " وأعلى الله كلمته العليا على من ~~ادّعى العلوّ بقوله : " أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى " و " كانَ عالِياً من ~~الْمُسْرِفِينَ " .ثم قال رضي الله عنه : ( ثم حكمة صمدية في كلمة خالدية ) .دعا ~~إلى الأحد الصمد ، وكان قومه يصمدون إليه ويقصدونه في الملمّات والمهمّات ، فيكشف ~~الله إيّاها عنهم بدعائه عليه السّلام .قال رضي الله عنه : ( ثم حكمة فردية في كلمة ~~محمدية ) .قال العبد :جاء الوارد في هذه الحكمة بعبارتين دالَّتين على حقيقة واحدة ~~:إحداهما : حكمة كلَّية لكونها أحدية جمع جميع الحكم الجمعية الكلَّية المتعيّنة في ~~كلّ كلّ منها كلَّية فهي كلّ كلّ منها .والثانية : حكمة فردية لأسرار وحقائق يكشف ~~لك عن أصولها وفصولها في شرح حكمته صلَّى الله عليه وسلَّم .قال رضي الله عنه : ( ~~وفصّ كلّ حكمة الكلمة التي نسبت إليها ) .يعني رضي الله عنه : أنّ محلّ نقش كلّ فصّ ~~هو قلب ذلك الإنسان الكامل المذكور عند كلّ حكمة منه .قال رضي الله عنه : ( فاقتصرت ~~على ما ذكرته من هذه الحكم في هذا الكتاب على حدّ ما سبق في أمّ الكتاب ، فامتثلت ~~على ما رسم ، ووقفت عندما حدّ لي ، ولو رمت زيادة على ذلك ما استطعت فإنّ الحضرة ~~تمنع عن ذلك ، والله الموفّق لا ربّ غيره ) .قال العبد أيّده الله به : مراتب أمّ ~~الكتاب كثيرة ولكن أمّهاتها الكلَّية خمس : الأولى : أمّ الكتاب الأكبر ، وهو ~~التعيّن الأوّل وحقيقة الحقائق الكبرى .والثانية : أمّ الكتاب الإلهية وهو عماء ~~الربّ الذي كان فيه ربّنا قبل أن يخلق خلقه فتذكَّر ، وهو لله تعالى خاصّة ~~.والثالثة : أمّ الكتاب المبين للاسم « المدبّر » وهو العقل الأوّل والقلم الأعلى ، ~~أعني الكتاب المبين ، وأمّه حقيقة الحقائق الكيانية ، وهو عماء العالم .الرابعة : ~~ثم أمّ الكتاب المفصّل للاسم « المفصّل » بكسر الصاد ، وهو اللوح المحفوظ شرعا ~~والنفس الكلَّية عرفا حكميا .الخامسة : ثم أمّ الكتاب الذي في سماء الاسم « الخالق ~~» وهو في روحانية روح سماء القمر ، فافهم.ثم اعلم : أنّ التعيّن الأوّل الذي هو ~~حقيقة الحقائق الكبرى مرتبة الإنسان الكامل ، وهي أحدية جمع جميع الكتب إلهيّها ~~وكونيّها . وأثبت ثبت هذه الحكم والكتب رضي الله عنه ممّا ثبت في هذه الأمّ من مشرب ~~أحدية جمع جميع الكمالات الختمية المحمدية .وهذه المرتبة هي البرزخية الفاصلة بين ~~التعين واللا تعين ، والغيب الذاتي والشهادة الكبرى ، وبين الحقيّة والخلقية ، ~~وصاحبها صاحب الحدّ ، محمد خاتم الأنبياء . # الذي حدّ منها ما حدّ لخاتم الولاية الخاصّة أن يخرج به إلى الناس ، فينتفعوا به ~~، بل هو الحدّ . فافهم وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ . # . ### | فص حكمة نفثية في كلمة شيثية ### | 02 - فصّ حكمة نفثيّة في كلمة شيثية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قال رضي الله عنه : ( ومن ذلك فصّ حكمة نفثيّة في كلمة شيثية ) . # قد ذكرنا حكمة استناد كلّ حكمة من هذه الحكم إلى الكلمة التي نسبت إليها ، فلا ~~نعيدها إلَّا في مواضع مسيس الحاجة إليها . # وأمّ « الحكمة » فقد قال فيها الشيخ رضي الله عنه : # ( اعلم : أنّ العطايا والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم ~~على قسمين : ومنها عطايا ذاتية وعطايا أسمائية ، وتتميّز عند أهل الأذواق ) . # قال العبد : الهبات والعطايا الإلهية سواء كان وصولها إلى العباد على أيدي العباد ~~بواسطتهم أو لا بواسطة فهي إمّا ذاتية أعني ذوات الألوهية ، وهي تجليات اختصاصية من ~~الله ، أحدية جمع جميع الأسماء الإلهية. # خصيصة بالكمّل المقرّبين وندّر الأفراد الكاملين إذ الذات من حيث هي هي لا تعطي ~~عطاء ولا تتجلَّى تجلَّيا ، لا ذاتية ولا أسمائية من حيث حضرة حضرة بحسب قبول ~~المتجلَّى له وخصوص قابليته ومقامه ، وهذه العطايا والتجلَّيات والأذواق والعلوم ~~والأحوال والأخلاق متميّزة عند أهلها الذين هم أهلها يعرفونها ذوقا وكشفا . # قال رضي الله عنه : ( كما أنّ منها ما يكون عن سؤال معيّن وعن سؤال غير معيّن . ~~ومنها ما لا يكون عن سؤال ، سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية ) . # يعني رضي الله عنه : # أنّ هذه الأعطيات والمنح سواء كانت ذاتية أو أسمائية فإمّا أن تكون عن سؤال سائل ~~، أو لا عن سؤاله ، فإنّها قد تصل إلى العبد بلا سؤال لفظي ، وقد يكون بسؤال لفظي . # قال رضي الله عنه : ( فالمعيّن كمن يقول : يا ربّ أعطني كذا ، فيعيّن أمرا ما لا ~~يخطر له سواه ) . يعني حال التلفّظ بالسؤال . # ( وغير المعيّن ) بكسر الياء اسم فاعل ( كمن يقول : يا ربّ أعطني ما تعلم فيه ~~مصلحتي من غير تعيين لكل جزء من ذاتي ، لطيف وكثيف ) .يعني ما يناسبه ويلائمه . # قال رضي الله عنه : ( والسائلون صنفان : صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي ، ~~فإنّ الإنسان خلق عجولا . والصنف الآخر بعثه على السؤال لما علم أنّ ثمّ أمورا عند ~~الله قد سبق العلم بأنّها لا تنال إلَّا بعد السؤال ، فيقول : فلعلّ ما يسأله يكون ~~من هذا القبيل فسؤاله احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان ، وهو لا يعلم ما في علم ~~الله ، ولا ما يعطيه استعداده في القبول ،لأنّه من أغمض المعلومات الوقوف في كل ~~زمان فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان) . # قال العبد : السائلون للعطايا الإلهية سواء كانت ذاتية أو أسمائية ، أو كانوا ~~معيّنين لسؤالاتهم أو غير معيّنين كما ذكر الأمثلة إمّا أن يكونوا غير عالمين بما ~~في علم الله وتقديره من وقوع المسؤول وعدم وقوعه ، وبما هم مستعدّون له في كل زمان ~~فرد من الأزمنة وفي كل آن من الآنات ، أو عالمين بذلك وبما يعطيه استعدادهم . # فغير العالمين إمّا أن يكون الباعث لهم على الطلب والسؤال الاستعجال الطبيعيّ أو ~~الاستعداد الحاليّ أو الاحتياط ، مع مجمل العلم بأنّ من الأعطيات الإلهية ما سبق ~~علم الله وقدره أن لا ينال إلَّا بالدعاء إمّا بالنسبة إلى هذا السائل أو بالنسبة ~~إليها في كل سائل . # فإن كان الاستعجال الطبيعيّ ، فهو إمّا أن يوافقه الاستعداد الحالي أو لم يوافق ~~ذلك ، فإن وافق ، فلا بدّ من وقوع المسؤول ،وإن لم يوافق ،فقد لا يقع في الحال. # وإن كان الباعث الاستعداد الحاليّ والحال الاستعدادي ، فإنّ المسؤول يقع وينال ، ~~سواء تلفّظ بالسؤال أو لا ، فإنّ السنّة الاستعدادات في السؤال لا تتأخّر عنها ~~الإجابة . # وإن كان الباعث على الطلب والتلفّظ بالسؤال هو العلم بأنّ من المسؤولات والمطالب ~~ما لا يدرك ولا يعطى إلَّا بعد السؤال ، فهو يسأل ويطلب احتياطا ، فقد يقع عين ~~المسؤول إن كان الاستعداد تامّا ، وإن لم يوافق السؤال الاستعداد . # فيلبّي الله له في حال السؤال ، وتتأخّر الإجابة في عين المسؤول ، فإنّ التقدير ~~عدم علم السائل بما في التقدير والاستعداد ، لكنّ الإمكان باق ، فيمكن بالنظر إلى ~~السائل ومبلغ علمه أن يقع ، ويمكن أن لا يقع . # وباقتران الاستعداد للسؤال لا يبقى تأخّر ولا إمكان ، بل يجب وقوع عين المسؤول . # والوقوف في كل آن من الزمان على استعداد الشخص لا يكون إلَّا للكمّل والندّر من ~~الأفراد فليس لكلّ أحد إدراك استعداده في كل آن ، حتى يسأل ما يستعدّ له في الحال ، ~~فيقع . # وقد يكون على حال مستعدّ في زعمه لأمور فيسألها ولا يعلم حقيقة ، بل على وجه ~~الإمكان ، فقد يقع وقد لا يقع ، كما ذكرنا ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( ولولا ما أعطاه الاستعداد السؤال ما سأل ) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ السؤال يدلّ على مطلق استعداد للسائل كامن فيه هو ~~الباعث ، فلو اقترن الحال بالاستعداد ، لظهر ، وعدم الاقتران يوجب التأخّر إلى وقت ~~الاقتران . # قال رضي الله عنه : (فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا) أي لا يعلمون ~~بعلم الله وباستعداد السائل للمسئول. # ( أن يعلموه في الزمان الذي يكونون فيه ، فإنّهم بحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق ~~في ذلك الزمان وأنّهم ما قبلوه إلَّا بالاستعداد # . وهم صنفان : صنف يعلمون من قبولهم استعدادهم ، وصنف يعلمون من استعدادهم ما ~~يقبلونه ، هذا أتمّ ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف ) . # قال العبد : من السائلين الذين لا علم لهم بالاستعداد إذ كانوا أهل حضور ومراقبة ~~، فغايتهم إذا بالغوا في المراقبة واستكملوا مراتب الحضور أن يعلموا في كل آن من ~~الزمان أحوالهم وما يعطيهم الحق من الواردات والتجلَّيات والعلوم والأخلاق ، فإذا ~~تجدّد لهم حال ، وتحقّقوا الحقيقة أخلق إلهي أو أمر كونيّ ؟ أو ورد عليهم وارد ، ~~علموا ذلك ، وعلموا مجملا أنّهم ما قبلوها إلَّا بالاستعداد . # وأهل الحضور والمراقبة على صنفين أيضا : صنف لم يكشفوا عن عالم المعاني والأعيان ~~الثابتة ، فهم لا يعلمون استعداداتهم على التفصيل ، بل يعلمونها مجملا من أحوالهم ~~ووارداتهم ، وصنف اقترن بحضورهم ومراقبتهم الكشف عن عوالم الغيب والحضرات العالية ، ~~فعلموا أعيانهم الثابتة في العلم الأزلي الإلهي القائم بذات الحق ، فعلموا ~~استعداداتهم من خصوصياتهم وقابلياتهم الأصلية الأزلية على وجه الإجمال ، ثم بتعيّن ~~الحال يعلمون اقتران ألسنة استعداداتهم بالحضور والسؤال في الحال ، فيقع ما يسألون ~~في الحال أو بعد تأخّر ، والصنف الثاني أكشف من الأوّل . # قال رضي الله عنه : ( ومن هذا الصنف ) أي الذين لا يعلمون حال السؤال استعدادهم ~~ولا علم الحق فيهم ( من يسأل لا للاستعجال ولا للإمكان ، وإنّما يسأل امتثالا لأمر ~~الله في قوله " ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم" ، فهو العبد المحض . # وليس لهذا الداعي همّة متعلَّقة فيما يسأل فيه من معيّن أو غير معيّن ، وإنّما ~~همّته في امتثال أوامر سيّده ، فإذا اقتضى الحال السؤال ، سأل عبودية ، وإذا اقتضى ~~التفويض والسكوت ، سكت . # فقد ابتلي أيّوب عليه السّلام وغيره وما سألوا رفع ما ابتلاهم الله به ، ثم اقتضى ~~لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك ، فرفعه الله عنهم ) . # قال العبد : هؤلاء عبيد الله الصدّيقون لا يسألون إذا سألوا معيّنا أو غيره ~~استعجالا طبيعيا ، ولا احتياطا رغبة فيما رغبوا به أعني أهل الاحتياط أن يعطيهم ~~الله ذلك لعلمهم بأن لا ينال ذلك إلَّا بالسؤال . # بل سؤالهم امتثال لأمر الله إيّاهم في قوله : "ادْعُونِي " ، حتى أنّ همّتهم غير ~~متعلَّقة بالاستجابة إلَّا إذا كان مراد الله إجابتهم والسؤال . # لكنّهم يدعون الله لمّا أمرهم أن يدعوه لا غير ، فإن أجاب يلقوه بالشكر وبما يجب ~~أن يتلقّوه به ، وإن لم يجبهم علموا أنّ المراد هو الدعاء . # فإن حصلت الإجابة ، علموا بالحال استعدادهم ، وإن لم يجابوا علموا تأخّر لسان ~~الاستعداد إلى وقت آخر ، فأخّروا السؤال إلى ذلك الوقت وقدمّوه كذلك لوقته في الحال ~~الحاضر. # وإن كان القسم الثاني من أهل الاستعداد والعلم به والعلم بالحال من استعداده قد ~~يسأل الله مع علمه باستعداده لما هو أهل له في كل حال امتثالا مع علمه بوقوع ~~المسؤول واقتران الاستعداد الحالي للسؤال . # ولكن لا يقصد الإجابة ، ولا يعلَّق همّته بالوقوع ، بل همّته امتثال أوامر الله ~~ونواهيه ، فهو العبد المحض وهذا الصنف أكمل ممّن تقدّمه ، فافهم . # وإذا اقتضى الحال السؤال ، وأحسّ أنّ المراد الإلهي هو الدعاء والسؤال ، دعا وسأل ~~عبودية ورقّا وامتثالا ، وإن عرف من استعداده الحالي أنّ الابتلاء تمحيص وتكميل ~~ورضوان من الله ، صبر وفوّض إلى الله وسكت عالما بأنّ الله لا يبقى عليه حكم حضرة ~~القهر والجلال دائما . # بل لا بدّ من اضمحلال آثار القهر العرضي في اللطف والرحمة الذاتيين من قوله : « ~~سبقت رحمتي غضبي » فيمن يغضب عليه ، ولا سيّما في حق من سبقت رحمة الله به أزلا ~~بكمال القيام في حقّه ، مثل أيّوب عليه السّلام صبر ولم يسأل رفع الضير عنه ابتداء ~~، لعلمه بالحال والاستعداد الحالي. # وكذلك كلّ محنة وابتلاء يبتلي به الله عباده ليس من باب القهر المحض فإنّها رحمة ~~خاصّة ونعمة في صورة محنة ونقمة ، لا يرغب فيها إلَّا العلماء بمراد الله وعلمه ~~والمطَّلعون على سرّ القدر . # فإذا علموا وصول أوان انفصال الضرّاء والبأساء ، وحصول زمان اتّصال الرخاء ~~والسرّاء ، دعووا الله تعالى ، فرفع عنهم الضرّ ، وبدّل لهم باليسر العسر . # تبرّيا عن توهّم المقاومة والمقاواة للقهر الإلهي في عدم السؤال والمداواة ، ~~فكانوا في حالتي السؤال وعدم السؤال عباد الله الأدباء الناظرين إلى أمر الله وحكمه ~~بموجب إرادته وعلمه . # قال الشيخ رضي الله عنه : " والتعجيل بالمسؤول فيه والإبطاء للقدر المعيّن له عند ~~الله ، فإذا وافق السؤال الوقت أسرع بالإجابة ، وإذا تأخّر الوقت إمّا في الدنيا ~~وإمّا في الآخرة ، تأخّرت الإجابة أي المسؤول فيه ، لا الإجابة التي هي لبّيك من ~~الله . فافهم هذا » . # قال العبد : اعلم : أنّ كل سؤال يسأله العبد من الله فلا بدّ وأن يجيبه فيه لا ~~محالة وقد أوجب على نفسه الإجابة بقوله : “ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ “ وأنّه لا أوفى ~~من الله بعهده ووعده ، فإذا دعاه العبد ، أجابه في الحال بلبّيك ، وذلك في مقابلة ~~ما يلبّى العبد إذا دعاه . # ولكنّ الله تعالى إذا علم من العبد تأخّر ظهور الاستعداد الحالي عن حصول المسؤول ~~، بادره الله في الحال بما يعينه على كمال القابلية والاستعداد ، وبعده لقبول ~~تجلَّي الإجابة في عين المسؤول وذلك لعدم موافقة الاستعداد وقت السؤال . # فإذا جاء الوقت المقدّر لحصول عين المسؤول ، ووافقه السؤال ، أجيب في الحال ، ~~فالإجابة إذن من أوّل وقت السؤال أيّ سؤال كان ، ومن أيّ سائل كان واجبة الوقوع من ~~الله ، ولكن ظهور حكمها عند السائل بقدر استعداده وقابليّته ، وأوان ظهور حكم ~~الإجابة إنّما هو في إعداده وإمداده تكميل استعداده لظهور المسؤول المأمول . # وإذا علم الله من العبد كمال الاستعداد في السؤال بلسانه الحالي والذاتي ~~والاستعدادي قبل سؤاله بلسانه الشخصي ، بعثه على السؤال ، وأجابه في الحال ، فمن لم ~~يعثر على هذا السرّ ظنّ أنّ سؤال بعض العبيد لا تتأخّر عنه الإجابة والبعض غير ~~مجاب. # وليس الأمر كما ظنّ ، بل كان دعاء كلّ داع يدعو الله في شيء فإنّه مجاب ، ولكنّ ~~الأمر كما أمر الله تعالى " وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا ~~بِإِذْنِ الله " 38 سورة الرعد . # وهو الكمال الثاني والقابلية والاستعداد ، " فَإِذا جاءَ أَمْرُ الله قُضِيَ ~~بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ " 78 سورة غافر. # قال الشيخ رضي الله عنه : « وأمّا القسم الثاني وهو قولنا : « ومنها ما لا يكون ~~عن سؤال » فالذي لا يكون عن سؤال فإنّما أريد بالسؤال التلفّظ به ، فإنّه في نفس ~~الأمر لا بدّ من سؤال إمّا باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد ، كما أنّه لا يصحّ حمد ~~مطلق قطَّ إلَّا في اللفظ ، وأمّا في المعنى فلا بدّ أن يقيّده الحال ، فالذي يبعثك ~~على حمد الله هو المقيّد لك باسم فعل أو باسم تنزيه . والاستعداد من العبد لا يشعر ~~به صاحبه ، ويشعر بالحال لأنّه يعلم الباعث وهو الحال " . # يريد : أنّ عطاء الله لمّا كان فيضا ذاتيا دائميا لا انقطاع له ، ولكن حصوله لأحد ~~ووصوله بالحال من يد أحد إذ وغير ذلك إنّما هو بسؤال لسان الاستعداد . # أو بلسان الحال وإن لم يسأل يعني لفظا لأنّ السؤال بلسان الاستعداد. # والحال والمرتبة والذات غير دائم الوقوع ، ولهذا تتأخّر الإجابة ، فإذا وافق لسان ~~القول لسان الاستعداد ، سرعت الإجابة ، ولذلك تحصل الأعطيات والمسؤولات بلا سؤال ~~لفظي ، فيظنّ أنّه ليس عن سؤال أصلا ، وليس ذلك كذلك ، فتذكَّر . # فالسؤال الذاتي هو أنّ الذوات في ذاتياتها سائلة من الله ، وقابلة منه قيامها ~~بذاته وبقاؤها منه . # وأمّا سؤالات ألسنة الاستعدادات فكالذي تتكامل أهليّته وقابليّته لحصول أمر من ~~الله وفيض ، فإنّ ذلك لا يتأخّر أصلا . # وسؤال المرتبة كالنبوّة تسأل من الله بما به وفيه قيامها وقوامها من النبيّ الذي ~~بوجوده دوامها . # وأمّا سؤال لسان الحال فكالجائع يطلب بجوعه الشبع والعطشان يطلب بعطشه الريّ . # وكما أنّ الحمد المطلق غير واقع لتقييد حال الحامد ووصفه ومقامه له حال الحمد # وإن أطلق لفظا ، فكذلك العطاء بلا سؤال غير واقع ، فإن لم يكن سؤال لفظي ، ووقعت ~~الإجابة ، ووصلت الصلات والهبات ، وشملت الرحمة والبركة ، فاعلم أنّ الألسنة ~~المذكورة هي التي استدعتها واقتضتها . # ولكنّ الاستعداد لا يشعر به صاحبه ، لغموضه ، ويشعر بالحال ، لكون الحال باعثا له ~~على الطلب والسؤال ، فيعلم أنّ لسان حاله هو الباعث له على السؤال باللسان ، فافهم ~~. # قال رضي الله عنه : " والاستعداد أخفى سؤال " . # يعني رضي الله عنه : لهذا لا يشعر به صاحبه ، لخفائه وكونه موقوفا على علم القدر ~~المعلوم لأهل الكشف من العلم الإلهي القائم بالحق ، وهو أصعب العلوم وأعزّها منالا ~~، وأعلاها مثالا ، وأنفعها مآلا ، وأرفعها مقاما وحالا . # قال رضي الله عنه : " وإنّما يمنع هؤلاء " يعني الذين لا يسألون :" عن السؤال ~~علمهم بأنّ لله فيهم سابقة قضاء ، فهم قد هيّأوا محلَّهم لقبول ما يرد منه ، وقد ~~غابوا عن نفوسهم وأغراضهم " . # يعني : أوجب عليهم علمهم وتحقّقهم بأنّه لا بدّ من وقوع ما قدّر الله لهم وعليهم ~~بلا تخلَّف بموجب علمه . # قال رضي الله عنه : « ومن هؤلاء من يعلم أنّ علم الله به في جميع أحواله هو ما ~~كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها ، ويعلم أنّ الحق لا يعطيه إلَّا ما أعطاه ~~عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته ، فيعلم علم الله به من أين حصل ، ~~وما ثمّ صنف من أهل الله أعلى وأكشف من هذا الصنف ، فهم الواقفون على سرّ القدر " . # قال العبد أيّده الله به : ومن العلماء بسابق علم الله وقضائه وقدره بجميع ما ~~يجري عليهم صنف هم أكشفهم شهودا وأكملهم علما ووجودا بأنّ جميع أحواله وأفعاله وما ~~يصل إليه من العطايا والمواهب الإلهية. # إنّما يكون بحسب ما أعطته عينه الثابتة التي هي عبارة عن صور معلوميّته لله تعالى ~~أزلا قبل وجوده العيني ،وأنّ العلم الإلهي إنّما تعلَّق بالمعلوم بحسب المعلوم. # ولا تأثير للعلم في المعلوم بما ليس فيه إذ العلم عبارة عن تعيّن العلم في نفس ~~العالم على ما هو عليه ، وكشف العالم للمعلوم كشفا إحاطيا يميّزه عن معلوم آخر ~~بخصوصياته ، فليس للحقيقة العلمية إلَّا الكشف والتمييز على وجه الإحاطة بالمعلوم. # والمعلوم هو يعطي بكونه معلوما صورة تعيّنية ارتساميّة في نفس العالم هي صورة ~~معلوميّته لله تعالى أزلا ، وهي أزليّة أبدية قائمة بقيام العلم الذاتي بالذات ~~الديموميّة القيّوميّة وعلى هذا لا تحكم المشيّة الإلهية بقضاء وقدر على موجود ~~إلَّا بموجب ما سبق به العلم الأزلي . # ولم يتعلَّق العلم الأزلي بكل معلوم إلَّا بحسب ما أعطى المعلوم من عينه الثابتة ~~، فإنّ لكلّ معلوم قدرا تقدّر وتعيّن وتميّز به في خصوصيته عن معلوم آخر ، ولم ~~يتعيّن المعلوم في حضرة العلم الذاتي الإلهي إلَّا بقدره عند الله وقدره الذي يخصّص ~~به . # ومن حصّل هذا الكشف ، علم المأخذ والمعدن الذي لعلم الله بالمعلوم ، فافهم ، فهذا ~~أعلى الكشوف والعلوم والشهود ، وأهله هم الواقفون على سرّ القدر ، جعلنا الله ~~وإيّاك منهم ، إنّه عليم قدير . # قال الشيخ رضي الله عنه : « وهم على قسمين : منهم من يعلم ذلك مجملا ، ومنهم من ~~يعلمه مفصّلا ، والذي يعلمه مفصّلا أعلى وأتمّ من الذي يعلمه مجملا ، فإنّه يعلم ما ~~في علم الله فيه أنّ علم الله به وبأحواله الظاهرة والباطنة بحسبه فيه ، ولكنّ علمه ~~جملي لا تفصيلي ، وكلَّي لا تعيّني ، فلا يعلم تفاصيل أحواله الوجودية قبل وقوعها ~~على التفصيل". # والتفصيل على هذا الصنف لمن يعلم تفاصيل أحواله الوجودية ظاهرها وباطنها ، كما ~~رويت عن سيدي وسندي وقدوتي إلى الله ، الشيخ الكامل المكمّل ، أكمل ورثة المحمديين ~~، صدر الحق والدين ، محيي الإسلام والمسلمين ، أبي المعالي ، محمد بن إسحاق بن محمد ~~بن يوسف رضي الله عنه وكان يتكلَّم معي في هذا المقام من سرّ القدر ، أنّ شيخنا ~~الأكمل ، خاتم الولاية الخاصّة المحمدية ، قال له : « لمّا وصلت إلى بحر الروم من ~~بلاد أندلس ، عزمت على نفسي أن لا أركب البحر إلَّا بعد أن أشهد # تفاصيل أحوالي الظاهرة والباطنة الوجودية ممّا قدّر الله عليّ ولي ومنّي إلى آخر ~~عمري » . # قال رضي الله عنه : « فتوجّهت إلى الله في ذلك بحضور تامّ وشهود عامّ ومراقبة ~~كاملة ، فأشهدني الله جميع أحوالي ممّا يجري ظاهرا وباطنا إلى آخر عمري ، حتى صحبة ~~أبيك « إسحاق بن محمد » وصحبتك وأحوالك وعلومك وأذواقك ومقاماتك وتجلياتك ومكاشفاتك ~~وجميع حظوظك من الله ، ثم ركبت البحر على بصيرة ويقين ، فكان ما كان ويكون من غير ~~إخلال ولا اختلال " . # وكيفيّة هذا الكشف أنّ المكاشف يتحقّق بعينه الثابتة الأزلية ، ويشهدها كشفا ، ~~ويشهد أحوالها في المواطن والمراتب الوجودية والأطوار الشهودية مع أعيان ماهيّاتها ~~ولوازمها ولوازم لوازمها وعوارضها ولواحقها ولواحق اللواحق ، دنيا وآخرة وعند الله ~~، فيعلم من عينه الثابتة التي هي ماخذ العلم الإلهي من حيث إنّها فيه سبحانه عينه ~~وليست غيره ، فيعلم ما في علم الله في الكوائن والحوادث في حقّه وفي حق غيره . وهذا ~~النوع من علم سرّ القدر وكشفه أكمل وأتمّ وأكشف وأعمّ جعلنا الله وإيّاك من عبيده ~~الاختصاصيّين ، إنّه أرحم الراحمين . # قال رضي الله عنه : « إمّا بإعلام الله تعالى إيّاه بما أعطاه عينه من العلم به ، ~~وإمّا بأن يكشف له عن عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى ، وهو ~~أعلى ، فإنّه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به ، لأنّ الأخذ من معدن واحد " . # قال العبد : لمّا قرّر رضي الله عنه مراتب حصول العلم بالأعيان الثابتة وسرّ ~~القدر ، وبأحوال عينه الثابتة ، احتمل أن يكون حصول هذا العلم لهذا الصنف الأكشف ~~الأعلم ، بإعلام الله وإلهامه إيّاهم ، واحتمل أيضا أن يكون طريق حصول ذلك من عين ~~الطريق والمأخذ الذي تعلَّق العلم الإلهي بذلك ، وذلك لأنّ الله يلقي إلى أسرار ~~ربّة عبيده المصطفين ما شاء من العلوم والحقائق ، فيحصل الاطَّلاع على سرّ القدر ، ~~وأحوال العين الثابتة من جملة ذلك . # وأعلى من هذا أن يكشف الله تعالى بعنايته الكاملة الذاتية لهذا العبد عن حضرة ~~العلم وعالم المعاني ، فيشاهد الأعيان الثابتة ثابتة في عين الذات الغيبيّة ~~والحقيقة المطلقة الكلَّية ، وثابتة في أرض المظهريات المحقّقة العلَّية ، ثبوتا ~~أحديا علميّا وتعيّنا ذاتيّا غيبيا ، وإذا شاهد عينه الثابتة وأحوالها حواليها في ~~أطوار الوجود وأقطار الشهود إلى ما لا يتناهى ، كان أخذ العلم بعينه الثابتة من ~~المعدن الذي أحاط فيه به العلم الذاتي ، وهذا أكمل شهود في هذا المقام ، جعلنا الله ~~وإيّاكم من أهله . # قال رضي الله عنه : « إلَّا أنّه من جهة العبد عناية من الله سبقت له ، هي من ~~جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف ، إذا أطلعه الله على ذلك ، أي على أحوال ~~عينه الثابتة ، فإنّه ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه الله على ذلك أي على أحوال عينه ~~الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطَّلع في هذا الحال على اطلاع الحق على هذه ~~الأعيان الثابتة في حال عدمها ، لأنّها نسب ذاتية لا صورة لها ، فبهذا القدر نقول : ~~إنّ العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم " . # قال العبد أيّده الله به : لمّا بيّن رضي الله عنه أنّ هذا العبد الأكشف الأكمل ~~الذي حصل علمه بنفسه وبعينه الثابتة بمنزلة المساواة لعلم الله بعينه الثابتة ~~وأحوالها كذلك ، إنّما حصل عناية إلهية بهذا العبد وصدق قدم في علم قدم ، وهذه ~~العناية الإلهية به أيضا من جملة أحوال عينه الثابتة التي اقتضتها بخصوص استعدادها ~~وقابليتها الخاصّة أن يعلم ذلك كذلك . # فإنّ تعلَّق العناية إنّما يكون بحسب تعلَّق الإرادة الإلهية والمشيّة الربّانيّة ~~، والعناية إرادة حبّيّة بالمعتنى به لتكميله وتوصيله ، ثم تعلَّق المشيّة والإرادة ~~أيضا بموجب تعلق العلم بعينه الثابتة له أزلا وأبدا ، فالخصوصيّات العينية ~~والقابليات الذاتية هي أصل العناية الأزلية وهي قدم الصدق . # وقوله رضي الله عنه : « فإنّه ليس في وسع المخلوق » تعقيب لكلامه الأوّل : « إمّا ~~بإعلام الله . . . وإمّا بأن يكشف » # يعني : لا يجمع لأحد بين الاطَّلاع على الأعيان الثابتة وأحوالها وبين الاطَّلاع ~~على اطلاع الله بعلمه على هذه الأعيان ، لأنّه تعلَّق الشهود بأمرين في حالة واحدة ~~و"ما جَعَلَ الله لِرَجُلٍ من قَلْبَيْنِ في جَوْفِه". # ولأنّ هذه الأعيان نسب ذاتية ، فهي بالنسبة إليها معدومة الأعيان وإن كانت ثابتة ~~للحق ، فلا صورة لها في أعيانها فما هي فيه ، بل هي فيه هو كما قلنا نحن فيه هو ، ~~فاعرفنا به وهو فينا نحن ، فافهم ما نقول . # وهوية الوجود الواحد في أعيان القوابل وإن كانت بحسبها متعدّدة ، فهي أيضا في ~~الهوية الواحدة الوجودية الذاتية كذلك بحسبها أحدية . # فلمّا كانت هذه النسب في العلم الإلهي ثابتة للذات بأنّها شؤونه وأحواله الذاتية ~~ومن حسبها "كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ ". # لم يكن للممكن أن يطَّلع على اطلاع الحق على هذه النسب الكلية الذاتية التي هي ~~مفاتيح الغيب حال عدميّتها في أعيانها تحت قهر الأحدية الذاتية ، فإنّ هذا الاطلاع ~~أحديّ لم يظهر بعد للمشاهد ، والمشاهدة والمشاهد الثابتة عين وجوديّ ، فإنّه إنّما ~~يتأتّى للمكاشف أن يطَّلع عليها من حيث إنّها ثابتة في العلم وجودا علميا ، وحينئذ ~~يتمكَّن المشاهد من شهودها . # قال رضي الله عنه : « ومن هاهنا يقول الله : " حَتَّى نَعْلَمَ " . وهي كلمة ~~محقّقة المعنى ، ما هي كما يتوهّمه من ليس له هذا المشرب " . # قال العبد : هو يشير رضي الله عنه إلى توقّف تحقّق النسبة العلميّة من كونها كذلك ~~على حقائق المعلومات وتحقّقها بأعيانها في الوجود ، لأنّ العلم المضاف إلى الحق من ~~حيث الجمعية الإلهية إنّما يتحقّق بتحقّق العلم بجميع الحقائق العينية والشؤون ~~الغيبية . # فإنّ للحق ظهورا في كلّ شأن شأن ، فالعلم المضاف إلى الحق من حيث ذلك الظهور بذلك ~~الشأن لا يكون إلَّا بعد تحقّق الشأن بعينه في الوجود ، بخلاف العلم الذاتي الإلهي ~~. # فإنّ توقّف العلم على المعلومات ليس من حيث أحديّة الذات ، فإنّ الأحدية الذاتية ~~تقهر الكثرة النسبية العلمية والوجودية العينية ، فلا تظهر لها أعيان أصلا . # والعلم والعالم والمعلوم في أحدية الذات أحدية ، وكذلك في الوجود واحد وحدة حقيقة ~~غير زائدة على ذاتية الذات ، ولكن توقّف تحقّق العلم على المعلوم من حيث إنّ العلم ~~نسبة متعلَّقة بالنسب المعلومية المظهرية من حيث هذه الشؤون والحقائق الأسمائيّة ~~التي تحقّقها بحقائق هذه الشؤون. # فقوله : " حَتَّى نَعْلَمَ " إشارة إلى توقّف العلم المضاف إلى الحق من حيث ~~أسمائه الحسنى وشئونه ونسبه الذاتية العليا بأحوالها وأحكامها وآثارها وتعلَّقاتها ~~ونسبها وإضافاتها ولوازمها وعوارضها ولواحقها ولواحق اللواحق . # من حيث المرتبة والمحلّ والمقام والموطن والحال في الوجود العيني والشهود العياني ~~الكوني ، فهو إذن كلمة محقّقة المعنى ليست كما يتأوّلها بالوهم أهل التنزيه الوهمي ~~. # فإنّ الحق لا يستحقّ من الحق ولا يتنزّه عن مقتضيات ذاته ، ومقتضاها من حيث هذه ~~النسب الذاتية أن لا يظهر كلّ منها إلَّا بكلّ منها في كل منها ، فتوقّف تحقّق ~~الحقيقة العلمية على حقيقة المعلوم كذلك كتوقّفه على حقيقة الوجود ، فالتوقّف إذن ~~بين النسب بعضها على البعض . # وذلك غير قادح في الغنى الذاتي ، ووجوب الوجود للذات بالذات ، وكون هذه النسب ~~أعني العالميّة والمعلومية والعلم كلَّها ذاتية ، فافهم إن شاء الله تعالى . # فإنّ العلم والمعلوم والعالم في أحدية الذات عينها لا غيرها ، والمعلومية ~~كالعالميّة والمظهرية كالظاهرية نسب ذاتية للذات كسائر النسب الذاتية الوجوبية التي ~~العلم من جملتها . # فتوقّف العلم على المعلوم إنّما هو من حيث هذه النسبة العلمية من وجه يغاير ذاتية ~~الذات بالخصوصية وفي التعقّل ، ثم التغاير والتمايز بين الحقائق بالخصوصيات وفي ~~تعقّل المتعقّل لها منّا لا يوجب الكثرة والتعدّد والتوقّف والتجدّد والتغيّر ، في ~~الذات الواحدة التي هي عينها ، فافهم . # قال الشيخ رضي الله عنه : « وغاية المنزّه » أي بوهمه « أن يجعل ذلك الحدوث في ~~العلم المتعلَّق ، وهو أعلى وجه للمتكلَّم بعقله في هذه المسألة ، لولا أنّه أثبت ~~العلم زائدا على الذات ، فجعل التعلَّق له لا للذات وبهذا انفصل عن المحقّق من أهل ~~الله صاحب الكشف والوجود " . # قال العبد : اعلم : أنّه غاية أهل التنزيه الوهمي أن ينسبوا الحدوث في قوله تعالى ~~: # " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ ". إلى التعلَّق ~~العلمي ، فتكون الكثرة والحدوث والتوقّف والتغيّر والتجدّد في التعلَّق ،لا في ~~حقيقة العلم التي هي عين الذات. # ولا يرتفع الإشكال بذلك أيضا ، لكون العلم هو المتعلَّق بذلك التعلَّق الحادث ، ~~ولكون التعلَّق من وجه عين المتعلَّق ، ولا سيّما وقد أثبت العلم زائدا على الذات ~~ولا مخلص له في هذا النظر إلَّا أن يعلم أنّ الحدوث والكثرة في المعلوم المتكثّر ~~المتجدّد المتغيّر الحادث ، والتجدّد في التعيّن والمتعلَّق به من حيث هو كذلك . # أمّا من حيث العلم الذي هو عين العالم الأزلي فتعلَّق وحدانيّ ، لكون ارتباط ~~النسب المتوقّفة التحقّق على الطرفين في كل واحد منهما بحسبه ، فالكثرة والتغيّر ~~والتجدّد في التعلَّق العلمي الوحداني من حيث ما يرتبط به وهو المعلوم المتكثّر ~~المتغيّر المتجدّد ، والوحدة في التعلَّق أيضا من حيث العلم الذاتي الوحداني كهو ، ~~فافهم . # وثمّ نظر آخر وهو أنّ العلم ، له اعتباران : # أحدهما من جهة الحق ، وبهذا الاعتبار هو عين الذات كما تقرّر آنفا . # والثاني من حيث إنّه نسبة متميّزة عن ذاتيّة الذات بخصوصيتها وعن غيرها من النسب ~~، وهذه النسبة حقيقة كلَّية أحدية التعلَّق بالمعلومات من شأنه تميّز المعلومات ~~بعضها عن البعض وكشف حقائقها وحقائق أحوالها على سبيل الإحاطة ، فهي من حيث كونها ~~نسبة كليّة لا تحقّق لها إلَّا بين عالم ومعلوم ، فتكون متوقّفة التعيّن على ~~المعلومات . # وتعيّن المعلومات في عرصة العلم من حيث هذا الوجه يكون بحسب المعلومات ، ومن حيث ~~إنّ العلم عين الذات يكون تعيّن المعلومات فيه بحسب العلم كذلك أحدية ، فافهم . # ولمّا كان المعلوم نسبة والعلم أيضا نسبة ، لم يقدح توقّف النسبة على النسبة من ~~كونها كذلك في العلم الأحدي الذاتي الذي هو عين الذات ، فافهم . # ثم اعلم : أنّ الحضرة العلمية تشتمل على حضرات كلَّية كثيرة وهي : حضرة العلم ، ~~وحضرة المعرفة ، وحضرة الحكمة ، وحضرة الخبرة ، وحضرة التقدير . # فالعلم كما مرّ هو الكشف الإحاطي التمييزي للمعلومات على ما هي عليه من كل وجه ~~للوازمها ولوازم لوازمها . # والمعرفة هي العلم بحقائق المعلومات من حيث حقائقها مجرّدة عن خلقيّاتها وعن ~~اللوازم ولوازم اللوازم وترتّبها في مراتبها لا غير . # والحكمة عبارة عن العلم بالمراتب والحقائق المترتّبة فيها وبالترتيب الواقع بين ~~حقائقها ،أي حقائق المعلومات واللوازم والعوارض واللواحق وبالمواطن والأحوال. # وحضرة الخبرة هي حضرة العلم بظهور آثار الحقائق وأحكامها بموجب الترتيب الحقيقي ~~المذكور بأسبابه وعلله . # وحضرة التقدير هي حضرة العلم بتعيّن أقدار الحقائق وخصوصياتها في العلم بحسبها ~~وعلى أقدارها ، فالتقدير من المقدّر القديم بحسب قدر المقدور وقدره في العلم ، ومن ~~كوشف له بهذه الحضرات كلَّها وأحاط بحقائقها بما به الامتياز وبما به الاشتراك ، ~~كان أكشف المكاشفين ، جعلنا الله وإيّاك منهم ، إنّه قدير . # قال رضي الله عنه : " ثم نرجع إلى الأعطيات فنقول : إنّ الأعطيات إمّا ذاتية أو ~~أسمائية . وأمّا المنح والهبات والعطايا الذاتيّة فلا تكون أبدا إلَّا عن تجلّ إلهي ~~. والتجلَّي من الذات لا يكون أبدا إلَّا بصورة استعداد المتجلَّي له ، وغير ذلك لا ~~يكون " . # قال العبد أيّده الله به : إنّ العطايا والمنح والهبات سواء كانت معاني وحقائق ~~وعلوما ومشاهدات وتجلَّيات إلهيّة كانت أو ربانية أو روحية أو عقلية أو نفسية أو ~~طبيعية أو عنصرية أو مثالية على اختلاف طبقاتها ودرجاتها فإنّها إمّا ذاتية أو ~~أسمائية ، ونعني بالذاتية بحت الوجود ومحض الوجود والجود ، وبالأسمائية ما تكون ~~مخصوصة بصورة حضرة من الحضرات الإلهية . # ثم الأسمائية لا تكون إلَّا بحجاب وهو حجابيّة التعيّن الاسمي بما به يمتاز عن ~~الآخر ويغايره لا غير . # وأمّا الذاتية فإنّها لا تكون إلَّا عن تجلّ إلهي . # ولا تكون أبدا عن الذات الأحدية ، لما عرفت أن لا حكم ولا رسم ولا تجلَّي ولا غير ~~ذلك في الأحدية الذاتية ، فيكون تعيّن التجلَّي الذاتي من حضرة الألوهية ، فيضاف ~~التجلَّي لهذا السرّ إلى ذات الألوهة ، لا إلى مطلق الذات ، فافهم هذا الفرق ، حتى ~~لا يشتبه عليك الحقائق . # ثم إنّ هذه العطايا والمنح الحاصلة بالتجلَّي لا تتعيّن أبدا إلَّا بصورة استعداد ~~المتجلَّي له لأنّ الاستعدادات والقابليّات في الأعيان هي المستدعية للتجلَّيات ~~الذاتية والأسمائية ، والمتجلَّي ، له صورة علمية أزلية على هيئة معنوية مخصوصة ~~بتخصّص التجلَّي الوجودي وبتخصّص الفيض الجودي بموجب ما تعيّن وتخصّص في النور ~~العلمي الأزلي الشهودي بحسب خصوص المتجلَّى له ، فافهم . # قال رضي الله عنه : " فإذن المتجلَّى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق ، وما رأى ~~الحقّ ، ولا يمكن أن يراه مع علمه أنّه ما رأى صورته إلَّا فيه كالمرآة في الشاهد ~~إذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنّك ما رأيت الصورة أو صورتك إلَّا فيها ، ~~فأبرز الله ذلك مثالا نصبه لتجلَّيه الذاتيّ ليعلم المتجلَّى له أنّه ما رآه ، وما ~~ثمّ مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والتجلَّي من هذا . # وأجهد في نفسك عندما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة ، لا تراه أبدا ~~البتّة " . # قال العبد أيّده الله به : اعلم : أنّ أهل التجلَّيات من أصحاب النبوّات وأرباب ~~الولايات إنّما ترد عليهم بحسب استعداداتهم وخصوصية قابلياتهم الوجودية ، وكذلك ~~استعداداتهم في عرصة الوجود العيني إنّما تكون بموجب استعداداتهم الغيبيّة غير ~~المجعولة في حضرة العلم الذاتي . # وقد أسلفنا لك من قبل أنّ صورة معلوميّة كلّ أحد لله تعالى أزلا قبل وجوده العيني ~~هي حقيقته وعينه الثابتة وأنّها من حيث هي كذلك ليست أمورا وجودية مغايرة للعلم ~~مغايرة حقيقية ، ولا زائدة على ذات العالم زيادة توجب الكثرة في وحدته العلمية . # بل هي صورة نسبه ومتعلَّقاته المظهرية وأحواله الغيبيّة وشئونه العينية ، إذ لا ~~معيّة لغيره معه أزلا وأبدا دائما وسرمدا « كان الله ولم يكن معه شيء » وهو الآن ~~على ما هو عليه كان . # والعلم الذاتي أوجب تعيّن المعلومات في حضرة العلم على ما هي عليه ، فهي إذن نسبة ~~ونسب نسبة : كالعلم والعالمية والمعلومية ، والربوبية والمربوبية ، والظاهرية ~~والمظهرية ، والظهور والبطون ، والقيد والإطلاق ، والتعيّن واللا تعين وغير ذلك . # جميع هذه الحقائق نسبه وأحواله النفسيّة ولا توجب كثرة في عين الأحدية ، كما لا ~~توجب النصفيّة والثلثية والربعيّة والخمسية وغيرها من النسب كثرة قادحة في وحدة ~~الواحد . # وإنّما الكثرة في عرصة العلم والتعقّل عندنا لا غير ، فمهما حصل تجلَّي المتجلَّي ~~له في حضرة الوجود العيني ، فإنّما يحصل على صورة استعداد العين الثابتة الأزلية ~~التي لهذا المتجلَّى له أزلا لتعيّن التجلَّي من الشأن الذاتي الذي هو عينه . # وذلك استعداد ذاتي لهذا القابل الأزلي ، غير مجعول ، لأنّ الفرض قبل الإيجاد وقبل ~~الوجود في حضرة الغيب ، فالتجلَّي الغيبي يتعيّن في الذات في غيب قابلية المتجلَّى ~~له أزلا أوّلا بحسب صورة ذلك الاستعداد الغيبيّ غير المجعول . # ثم يظهر في كل وقت وحال للمتجلَّى له في عرصة الوجود العيني على تلك الصورة التي ~~هي صورة الحق في عينه العينّية أو صورة عينه الغيبية في الحق كيف قلت فإنّك في ~~الكلّ مرآته من وجه وباعتبار . # وهو مرآة الكلّ من وجه وباعتبار ، فمهما تجلَّى لك فما رأيت في تجلَّي الحقّ لك ~~إلَّا صورتك الغيبيّة الأزلية إن كان تجلّ ذاتي أو صورة نسبية ذاتية من النسب ، فما ~~رأيت الله من كونه عين الكلّ ظاهرا بصورة الجمع والإطلاق الذاتي أبدا ، وإذا لم تره ~~كذلك ، فما رأيته ، وما دمت أنت أنت ، ولم تكن عين الكلّ. # فلن ترى الحق الذي هو عين الكلّ المطلق عن قيد التعيّن في الكلّ وبالكلّ ، وعن ~~الجمع بين القيد والإطلاق ، فكيف أنت تعلم أنّك متعيّن بصورتك الأزلية الأصلية ~~العلمية في عين صورتك العينية الفصليّة الوصلية الأبدية في مرآتية الوجود الحق ~~والحقّ المطلق ، فكما أنّ الرائي صورته أو صورة غيره في المرآة لا يرى سوى صورة ~~الناظر . # ولا يمكن أن يرى جرم المرآة حال استغراق الشهود والرؤية بالصورة المثالية ~~المرئيّة ، إذ الشهود التعيّني والإبصار الشخصي التشخّصي لا يسع في كل وقت واحد ~~معيّن إلَّا مشهودا واحدا معيّنا كذلك وصورة واحدة شخصية ، مع علمه بأنّ تعيّن ~~الصورة المشهودة وحصول الرؤية وتعلَّق الشهود بما ليس إلَّا في المرآة ، ولهذا تكسب ~~الصورة صفتها ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « حتى أنّ بعض من أدرك مثل هذا في صور المرئيّ ذهب إلى أنّ ~~الصور المرئيّة بين بصر الرائي وبين المرآة . هذا أعظم ما قدر عليه من العلم . ~~والأمر كما قلناه وذهبنا إليه . وقد بيّنّا هذا في الفتوحات المكَّية . # وإذا ذقت هذا ، ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في وسع المخلوق . فلا تطمع ولا ~~تتعب نفسك في أن ترقى في أعلى من هذا الدرج ،فما هو ثمّ أصلا وما بعده إلَّا العدم ~~المحض". # بيان الأقوال في الإبصار # قال العبد : اختلفت الأقوال في كيفيّة تعلَّق الرؤية بالصورة المرئيّة في المرآة ~~: # فمن قائل : إنّ مثال الصورة منطبع في المرآة ، ويتعلَّق به الشهود والرؤية في ~~المرآة . # ومن قائل : إنّ الجسم الصقيل الصلب يوجب انعكاس النظر إلى ما يحاذي المرآة ، ~~فيدركه البصر خارجا عن المرآة . # وقيل له : لو كان ذلك كذلك ، لما أدرك اليمين شمالا ، ولا الصورة على شكل المرآة ~~، بل أدركها كما هي خارجة عن المرآة . # وأجيب عن هذا : أنّ انعكاس النظر والقوّة الباصرة عن الجسم الصلب الصقيل يوجب ذلك ~~في مرآة البصر ، لأنّه انعكس بحسب المرآة فأدّى الصورة منصبغة بموجب محلّ انعكاس ~~النظر أوّلا . # وقال بعضهم : الصورة غير منطبعة في المرآة ، ولكنّها بين بصر الرائي وبين المرئيّ ~~. # وذلك مبلغه من العلم . # وقيل : إنّ الصورة مدركة بعد انعكاس النظر عن الجسم الصقيل في عالم المثال . # والحق أنّ الصورة لو لم تكن منطبعة في المرآة ، لما تكيّفت بكيفيّتها من ~~الاستدارة والاستطالة ، ولم تنعكس أيضا على قول القائلين بالانعكاس كذلك أيض فإنّها ~~إن انعكست إنّما تنعكس بعد الانطباع . # وفي هذا الموضع مباحث شريفة : # منها : أنّ مرآتية الباصرة إن لم تنطبع فيها الصورة المثالية ، لما حصل الإدراك ، ~~فإن كان حصولها في المرآتيّة البصرية بعد انعكاسها في سطح المرآة في الخارج ، لكان ~~اليمين يمينا واليسار يسارا ، لأنّها صورة مثال المثال قد انعكس مساويا للأصل ~~ومشاكلا له في الأصل في صورة مرئيّة في المرآة ، وليس ذلك كذلك . # فالإدراك إذن تعلَّق بالصورة في المرآة منعكسة ، أو انعكست مرآة الباصرة إلى ~~الصورة الخارجة من هذا الجسم الصلب الصقيل على هيئة السطح ، فانعكست أمثلة الصور في ~~مرآة الباصرة ، فأدركته المدركة منعكسة . # كذلك مثل انعكاسها في المرآة الخارجة ، فكان يمينها يسارا للصورة الأصلية ، ~~والأعلى أسفل في بعض الأوضاع ، لتخالف الجهات في مطامح النظر ، فتدركها القوّة ~~الباصرة بنورها الذاتي ومعاونة نور الضوء الخارج فيها بحسبها ، بل بحسب تعيّنها في ~~المرآة ، فافهم . # وإذا تحقّقت بهذه الأصول في الشاهد ، فاعلم : أنّ تعيّن الحق لك في مرآة عينك ~~الثابتة إنّما يكون كذلك بحسبها وبموجب خصوصيتها وصورة استعدادها ، فما ترى الحق في ~~تجلَّيه الذاتي لك إلَّا بصورة عينك الثابتة ، فعينك في رؤيتك للحق المتجلَّي لك ~~مثل باصرة عينك في رؤيتك لصورتك في المرآة ، فلا ترى الحق فيك إلَّا بحسب خصوصيّة ~~عينك الثابتة ولكن في مرآة الوجود الحق وهو مثل للنور الخارجي من وجه . # وهذا أعلى درجات الكشوف والشهود بالنسبة إلى مثلك إلَّا أن يكون عينك عين الأعيان ~~الثابتة كلَّها لا خصوصية لها توجب حصر الصورة في كيفية خاصّة ، بل خصوصية أحدية ~~جمعية برزخية كمالية ، فتعيّن الحق لك حينئذ مثل تعيّنه في عينه ، بل عين تعيّنه ~~لنفسه ، بل أنت عينه ، فافهم . # ودون هذين الشهودين ، شهودك للحق في ملابس الصور الوجودية ، # نوريّها ومثاليّها وروحانيّها ، عقليّها ونفسيّها وطبيعيّها وعنصريّها وخياليّها ~~وذهنيّها وبرزخيّها وحشريّها وجنانيّها وغير ذلك فكلّ ذلك بحسب تجلَّيه من عينك لا ~~من عين غيرك . # فأعلى درجات شهودك الحق هو بعد تحقّقك بعينك الثابتة فإذا اتّحدت أنت بعينك ~~الثابتة فكنت أنت عينك من غير امتياز تعيّنيّ ، رأيت الحق كما يرى نفسه فيك ، ورأيت ~~عينك صورة للحق في الحق ، فافهم ، وما أظنّك تفهم ، إلَّا أن تلهم وتعلم بعلم ما لم ~~تكن تعلم ، وما ثمّ أعلى من هذا في حقّك فلا تطمع ولا تتعب . # وما بعد الحقّ ومرآته ومظهره الذاتيّ وهو عينك الثابتة التي هي صورة معلوميّتك ~~للحق أزلا إلَّا العدم ، لأنّك من حيث عينك الثابتة وصورة معلوميّتك موجود أزلا ~~وأبدا ، وأنت من حيث إمكانك ووجودك العيني معدوم العين أزلا . # قال رضي الله عنه : « فهو مرآتك في رؤيتك نفسك ، وأنت مرآته في رؤيته أسماءه ~~وظهور أحكامها ، وليست سوى عينه ، فاختلط الأمر وانبهم ، فمنّا من جهل في علمه # وقال: العجز عن درك الإدراك إدراك " . # يشير رضي الله عنه # إلى أنّ هويّة الوجود الواحد الحق مرآة لظهور الإنيّات الوجودية العينية فيها ، ~~وبها ظهرت الحقائق الكيانية ، ولولا تجلَّي الوجود الحق ، لما رأيت صورتك العلمية ~~الأزلية الغيبيّة ، فإنّك إنّما ظهرت في نور الوجود الحق بصورتك العينية الوجودية ~~على مثال صورتك العلمية الأزلية الغيبيّة ، فالوجود الحق مرآة لإنّيّتك العينية ، ~~والعلم الحق مرآة لصورة عينك الغيبية الذاتية المعنوية ، وهويّتك الأزلية في شهودك ~~نفسك وعينك . # وكذلك أنت مرآة للحق في تجلَّيه الوجودي ورؤيته وشهوده بصور أسمائه ونسبه الذاتية ~~وصفاته الربانية ، وليست هذه النسب إلَّا عينه لا غيره ، لكونها غير زائدة عليها ~~ولا موجبة للكثرة ، وليست قادحة في وحدة وجوده العيني كما ذكرنا . # فلمّا كان ظاهر الحق وهو أنت مجلى ومرآة لباطنه من وجه ، وفي شهوده ووجوده أيضا ~~مرآة لظهور نسبه الغيبيّة التي هي فيها عينه من وجه آخر ، وكذلك أيضا هذه النسب ~~مراء ومجال لتعيّنات الوجود الواحد ، فصدق على كل واحد من الحق والخلق أنّه مظهر ~~وظاهر وشهادة . # فاختلط الأمر واشتبه على الناظر ، وخفي الشهود ، ودقّ الكشف ، وجلّ الأمر عن ~~الضبط والإحاطة والحصر ، وعزّ التجلَّي ، فاقتضى في بعض المشاهد والمشارب الحيرة ~~والعجز والهيمان ، فأقرّ صاحبه بالعجز ، واعترف بالجهل . # بمعنى أنّ العلم بما لا يعلم أنّه لا يعلم علم ، والعلم بعدم إحاطة العلم بما لا ~~يحاط به علما علم حقيقي به كذلك ، فالعلم بما لا يعلم وهو الجهل بما من شأنه أنّه ~~لا يحيط به العلم غاية العلم به ، وعدم الانحياز إلى جهة معيّنة فيما لا ينحصر فيها ~~هو حقيقة حيرة الكمّل ، والتقاعد والعجز عن إدراك ما يعجز عن إدراكه هو غاية ~~الإدراك . # كما قال أبو بكر رضي الله عنه : والعجز عن درك الإدراك إدراك ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « ومنّا من علم ولم يقل مثل هذا وهو أعلى القول ، بل أعطاه ~~العلم السكوت ، ما أعطاه العجز وهذا هو أعلى عالم بالله ، وليس هذا العلم إلَّا ~~لخاتم الرسل وخاتم الأولياء ، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلَّا من مشكاة ~~الرسول الخاتم وما يراه أحد من الأولياء إلَّا من مشكاة الوليّ الخاتم " . # قال العبد أيّده الله به : # المتحقّق بهذا الشهود في هذا المقام من لا يكون عينه الثابتة وصورة معلوميّته لله ~~أزلا مخصوصة بخصوصية جزوية ، بل تكون محيطة كلَّية في مظهريته إحاطة أحدية جمعيّة ~~تجمع في مظهرية عينه الغيبيّة حقائق المظهريات كلَّها . # فإنّها عين الأعيان وحقيقة الحقائق ، فالتجلَّي الذاتي له وفي قابليته يكون ~~تجلَّيا أحديا جمعيا كماليا بحسب عينه وقابليته الأحدية الجمعية المطلقة ، فيشهد في ~~هذا التجلَّي بظاهره ظاهر الحق وباطنه ، وبباطنه باطن الحق وظاهره ، وبأحدية جمعه ~~القطبي وخصوصه الكمالي الحقّي ، يجمع بين جمعيّتي الظاهر والباطن . # ويشهده الحق أيضا كذلك في عين شهوده إيّاه ، كذلك عينه بعينه شهودا أحديا جمعيا ~~مطلقا عن التعين والحصر في عين واحدة ، فيعطيه التجلَّي في هذا المقام الإحاطة ~~بغاية العلم ، والسكوت وعدم الحيرة ، بل أعطاه التحقّق بالكلّ حقيقة على ما هو عليه ~~الكلّ والسكوت . # وهذا الشهود لا يكون إلَّا للحقيقة الإنسانية الكمالية المحمدية الأزلية الأوّلية ~~والأبديّة الختمية وهي حقيقة الحقائق الأحديّة الجمعية الأزلية الأبدية بين جميع ~~الجمعيات السرمدية ، فافهم . # وإذا رزقك الله فهمه والكشف به أو الإيمان بما قلنا . # فاعلم : # أنّ لهذه الحقيقة الجمعية الأحدية الكمالية تعيّنا أحديا جمعيا كماليا في مرتبة ~~ظاهريّتها و باطنيّتها ، وغيبها وملكوتها ، فظاهريّتها النبوّة ، وباطنيّتها ~~الولاية . ولكل واحد من التعيّن في المرتبتين صورة تفصيل جمعي بجميع التفاصيل ، ~~وصورة جمع الجمع بين التفصيل وأحدية الجمع . وهذه هي الحقيقة المحمدية الكلَّية ~~الكمالية الإحاطية الختمية ، والإنسان الذي يتعيّن به وفيه هو المظهر الأكمل ، ~~والمراة الأجلى ، والمجلى الأشمل لذات الذات الإلهية وصفاتها وأخلاقها ونسبها ~~وإضافاتها وأسمائها وأفعالها وحروفها وأحوالها . # فأمّا ظاهريّتها وهي جهة نبوّتها فمرآة ذات الألوهية ومظهرها ومجلاها ومنظرها ~~وعرش أحديّة الجمعية للحقائق الوجوبية والأحكام الفعلية التي للربوبية . # وباطنها وهي ولايتها مرآة للهوية الحقيقية الأحدية الجمعية المطلقة . # ولكل واحد من مرتبتي النبوّة والولاية جمع وتفصيل . # والجمع جمعان : جمع قبل التفصيل ، وجمع بعد التفصيل . # ولكلّ واحد من الجمعين تعيّن في مرتبتي الفعل والتأثير والوجود ، والانفعال ~~والتأثّر والإمكان وجمع بين الجمعين في أحدية جمع المرتبتين . # فالجمع الأوّل في المرتبة الأولى العليا لحقائق الوجوب والألوهية ورقائق الأسماء ~~والربوبية هو لله الواحد القهّار الأحد ، والمظهر الظاهر لهذا الجمع في مقام ~~التفصيل مجموع العوالم أمريّها وخلقيّها على كثرة أجناسها وأنواعها وتفاصيلها غير ~~المتناهية واتّساعها. # لكون ظهور الآثار الإلهية وأحكام أسماء الربوبية على التمام والتفصيل إنّما هو في ~~العالم كلَّه ، فجميع العوالم مظاهر تفاصيل الأسماء الإلهية ، والألوهية التي لها ~~هذه الجمعية المحيطة بحقائق الفعل والتأثير والوجوب لذاتها تستلزم جمعية جمع ~~الحقائق الكونية الانفعالية التفصيلية على الوجه الأتمّ ، حتى تظهر آثارها وأحكامها ~~. # وهو مجموع العالم ، ومظهره في مرتبة الجمع الأوّل الجامع قبل التفصيل في مرتبة ~~المظهرية الجمعية هو آدم عليه السّلام وهو الإنسان الأوّل ، ومنه يكون التفصيل ~~الأحدي الجمعي ، فكما أنّ الجمع قبل التفصيل الأسمائي لله ، فكذلك أحدية جمع الجمع ~~الأوّل بعد التفصيل المظهري الكياني العالمي لأوّل الإنساني صورة . # والتفصيل الأحدي الجمعي المظهري منه يكون على وجهين : معنويّ وصوري ، إذ كلّ واحد ~~من الجمعين في كل واحدة من مرتبتي الظهور والبطون أعني الولاية والنبوّة إمّا أن ~~يكون جمع الفرق ، أو جمع الجمع ، فالجمعية التي في آدم عليه السّلام جمعية أحدية ~~جمعيات الصور المظهرية العنصرية الإنسانية قبل التفصيل ، فهو صورة جمع تجمع ظاهرية ~~المظاهر الأحدية الجمعية . # ولهذا الجمع في مرتبة التفصيل الجمعي مظاهرهم الكمّل من النوع الإنساني من ~~الأنبياء والأولياء من لدن آدم عليه السّلام إلى الختم الظاهر والختم الباطن . # فتفصيل الجمعية الإلهية جميع الأسماء التي لا يبلغها الإحصاء الظاهرة بالتفصيل في ~~تفاصيل صور العالم الفرقانية كما مرّ ، فصور حجابيّات جمعيات هذا التفصيل الفرقاني ~~الجمعي هم الكفّار المذكورون في القرآن من الفراعنة . # وتفصيل الأحدية الجمعية الإنسانية النورية الحقّية في الأناسيّ الكاملين إلى ~~الختم ، والختم أحدية الجمع الجمعي الإنساني ولهذه المرتبة أحدية جمع جميع المحامد ~~والكمالات الذاتية والإلهية : # فإن كانت في مرتبة ظاهرية الإنسانية الكمالية وهي النبوّة فالإنسان القائم بهذه ~~الأحدية الجمعية الكمالية هو خاتم الأنبياء والرسل ، محمّد بن عبد الله ، المصطفى ، ~~رسول الله وخاتم النبيّين صلَّى الله عليه وسلَّم اصطفاه الله ، لكمال أحدية جمع ~~جمع الحكم الإلهية الربّانيّة والحقائق الوجوبية الفعلية المؤثّرة في المرتبة ~~الكمالية الإنسانية ، وهو حامل لواء احمد وحمد الحمد الذي هو مأوى جميع محامد الجمع ~~ومجامع الحمد . # وهذه الحقيقة الختمية النبويّة تنبئ جميع الحقائق المظهرية الإنسانية بحقائق ~~الجمع الإلهي ، ولهذ « كان نبيّا وآدم بين الماء والطين » فلا تعيّن لحقيقة آدم ~~إلَّا في الماء الإلهي ، وهو ماء الحياة والطهارة الفطرية التي في نفس النبوّة ، ~~فافهم . # وإن كانت أحدية جمع جميع الكمالات والمحامد المذكورة في باطن المرتبة الكمالية ~~الإنسانية الإلهية الذاتية وهي الولاية فالإنسان القائم بباطن أحدية جمع جميع ~~الكمالات ، فإن كانت أحدية جمع الجمع الخصوصي . # فهو خاتم الولاية المحمدية الخاصّة ، وهو أكمل ورثة محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم ~~في المرتبة الختمية ، وإن كانت أحدية جمع جمع العالم في روح باطن الأحدية الجمعية ~~الإنسانية الكمالية فالإنسان القائم بها هو عيسى روح الله وكلمته ، خاتم الولاية ~~العامّة على الإطلاق في آخر نشأته الخصيصة بالولاية . # وإذا عرفت هذه الأصول ، عرفت أنّ اسم الحقيقة الإنسانية الكمالية الجمعية الأحدية ~~على سبيل المطابقة هو " محمّد " فإن كانت الجمعيّة من حيث الظاهرية والنبوّة ، ~~فمظهره أحدية جمع جمع الحقائق الوجوبية والنسب الإلهية والربوبية ، ولهذا الجمع ~~الاختصاصي الختمي روح ومعنى وصورة ، فالصورة تجمع بين الروح والمعنى ، لأنّها أحدية ~~جمع المعنوية والروحية ولوازمها وخصائصها . # فإذا اجتمعت الحقائق والمعاني اجتماعا أحديا ، ظهرت عليها صورة التسوية الإلهية ، ~~ونفخ الله فيها بنفسه الرحماني روح الأحدية الجمعيّة الكمالية التي هي جامعة بين ~~الجمعية الروحية وبين الجمعية المعنوية الحقيقية وبين الجمعية الجسدانية البشرية و ~~هو « محمّد » صلَّى الله عليه وسلَّم والمخصوص بالجمعية الظاهرية أبو البشر . # والمخصوص بجمعية الروح ، الباطنية هو روح الله وكلمته . # والمخصوص بجمعية الجمع بين الجمعيات الأحدية المذكورة في باطن المرتبة المعنوية ~~الحقيقية # ، # هو خاتم ولاية الخصوص محمد بن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن العربيّ منشئ ~~الفصوص رضي الله عنه وجمعية هذا الختم جامعة بين روح الجمعية ومعناها وصورته # ، ومستلزمة لظاهريّتها بحقيقتها وفحواها. # ونسبته إلى خاتم النبوّة نسبة الابن الصلبي حقيقة ونسبة الروح نسبة الابن غير ~~الصلبي ، وختمية البطون والولاية مشتركة بينهما . # ولم يكاشف بمقام هذا الختم الخصوصي من أولياء الله المتقدّمين إلَّا الإمام ~~العلَّامة محمد بن علي الترمذي الحكيم ، صاحب « نوادر الأصول » وهو من مشايخ الطبقة ~~العالية ، فتح له في الاطَّلاع على مقام هذا الختم . # فلمّا ذكره في كتبه ، واشتهر ذلك عنه بين علماء زمانه الأعلام من مشايخ الإسلام ، ~~وإشرأبّت نفوس أهل الدعوى إلى هذا المقام ، وعلم ذلك منهم ، وأنّه : الولاية الخصوص ~~. # أقول : # والجامع بين المرتبة الروحانية الباطنية والظاهرية هو الوليّ المطلق الذي كانت ~~ولايته على قلب الحقيقة المحمدية والمعبّر عنه بالولاية الخاصّة هو عليّ بن أبي ~~طالب باعتبار والمهديّ الموعود باعتبار آخر ، لجمعها بين النسبة المعنوية والظاهرية ~~جلال آشتياني. # ليس لهم ذلك ، وخاف عليهم من دعوى بلا معنى ولا فحوى ، أنشأ كتابا جامعا لمسائل ~~غامضة خصيصة له بالمشرب الختمي . # وذكر أنّه لا يشرحها على ما ينبغي إلَّا خاتم الأولياء # ، وأنّه يطابق اسم هذا الخاتم المجيب اسم الحكيم السائل رضي الله عنه وكذلك اسم ~~أبيه يطابق اسم أبيه ، فلمّا عثر أهل الدعوى على هذا المعنى ، نكصوا على أعقابهم ، ~~ورجعوا إلى الله عن تراميهم إلى مقام الختم وانتسابهم . # ثم لمّا بعث هذا الخاتم في أقصى البلاد وهو المغرب من العرب ، شرح تلك المسائل ، ~~وأوضح الحجج على تلك الدلائل ، وحصلت المطابقة بين الأسماء كما ذكر الحكيم . # فكان ذلك أحد البراهين الدالَّة على ختمية هذا الخاتم الصحيح نسبته من طيّئ إلى ~~الحاتم ، كما قلنا في بعض مدائحه رضي الله عنه في رسالة لنا سمّيناها بالنصوص ~~الواردة بالأدلَّة على ختمية ولاية الخصوص في الغرّاء الميمية من فتوح دار السلام : ~~شعر # وخاتم حاتميّ الأصل من عرب %~% عزّت به من كرام الغرب أعجام # له بحولان أخوال جحاجحة %~% ومن صناديد آل الطيّ أعمام # القصيدة بطولها في الرسالة المذكورة ، فاطلبها منها إن شاء الله تعالى . # ومن الدلائل على ختميته ما روّينا من مشهده الغيبي القلبي # الذي رآه بقرطبة من تنزّل أرواح السيّارات وأرواح منازل القمر وهي ثمانية وعشرون ~~على عدد الحروف وأرواحها أيضا ، فإنّها تنزّلت في صور الجواري الحسان النورانيّات ، ~~وباشرهنّ واقتضّهنّ جميعا ، وهذا المشهد لا يراه إلَّا أكمل ورثة محمّد صلَّى الله ~~عليه وسلَّم في الختمية الخصوصية المذكورة ، على ما استدللنا بذلك على ختميته في ~~تلك الرسالة ، فاعلم ذلك . # ومن دلائل ختميته رضي الله عنه أيضا # أنّه كان بين كتفيه في مثل الموضع الذي كان لنبيّنا خاتم النبيّين صلَّى الله ~~عليه وسلَّم علامة مثل زرّ الحجلة ، ثابتة لهذا الخاتم أيضا تقعير يسع مثل زرّ ~~الحجلة ، إشارة إلى أنّ ختمية النبوّة ظاهرة عليّة فعليّة ، وختميته رضي الله عنه ~~باطنة انفعالية خفيّة . # قال رضي الله عنه في قريض نظمه في بعض مشاهده ، حكاية عنه تعالى لملائكته فيه رضي ~~الله عنه شعر : # ولمّا أتاني الحقّ ليلا مبشّر %~% بأنّي ختام الأمر في غرّة الشهر # وقال لمن قد كان في الوقت حاضر %~% من الملإ الأعلى من عالم الأمر # ألا فانظرا فيه فإنّ علامتي %~% على ختمه في موضع الضرب بالظهر # وفيه : أنا وارث لا شكّ علم محمّد %~% وحالته في السرّ منّي وفي الجهر # وأنّي لختم الأولياء محمّد %~% ختام اختصاص في البداوة والحضر # القصيدة بطولها في الرسالة وفي الديوان . # ومن دلائل ختميته أيضا قال رضي الله عنه في قريض له في أوّل الفتوح المكَّي ، قال ~~ونظمه في عين المشهد ، شعر : # الله أكبر والكبير ردائي %~% والنور بدري والضياء ذكائي # والشرق غربي والمغارب مشرقي %~% وحقائق الخلق الجديد أماني # والنار غربي والجنان شهادتي %~% والبعد قربي والدنوّ تنائي # وإذا انصرفت أنا الإمام وليس لي %~% أحد أخلَّفه يكون ورائي # فهو الخاتم ، وقال فيه مستشهدا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في هذا المشهد ~~الأقدس ، والتجلَّي الأنفس الآنس شعر : # يا سيدي حقّا أقول فقال لي %~% صدقا نطقت فأنت ظلّ ردائي # فاحمد وزد في حمد ربّك دائم %~% فلقد وهبت حقائق الأشياء # من كل حق قائم بحقيقة %~% يأتيك مملوكا بغير شراء # يشير إلى ما ذكرنا من تنزّل الأرواح لسعته حين قطابته . # وقال أيضا : # وأنا ختم الولاية دون شكّ %~% بورث الهاشميّ مع المسيح # ومن ذلك إيراده رضي الله عنه ما أورده في # الفصوص ، من ختميات مقامات الكمال في النبوّة من مشرب الخصوص ، لأرباب صفاء ~~الخلوص . # وهاهنا لا يستقصى ذكر الدلائل على ختميته في هذا الكتاب ، فقد سبق لنا في كتاب ~~النصوص في ختم ولايته الخصوص ما فيه شفاء العليل ، وبرد الغليل . # " وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ". # قال رضي الله عنه : « حتّى أنّ الرسل لا يرونه متى رأوه إلَّا من مشكاة خاتم ~~الأولياء فإنّ الرسالة والنبوّة أعني نبوّة التشريع ورسالته تنقطعان ، والولاية لا ~~تنقطع أبدا ، فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلَّا من مشكاة خاتم ~~الأولياء ، فكيف من دونهم من الأولياء ؟ ! " . # قال العبد أيّده الله به : # مشكاة خاتم الأولياء عبارة عن الولاية الخاصّة المحمدية ، ومشكاة خاتم الأنبياء ~~عبارة عن النبوّة الخاصّة الختمية الشرعية ، وهي اختصاص من الله لرسوله بخصوصية ~~ذاتية له صلَّى الله عليه وسلَّم بهذا المقام أوجبت كونه خاتم النبيّين . # وهي أحدية جمع النبوّات التي كانت متفرّقة في جميع الأنبياء ، وهم صور تفصيلها ، ~~والنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم صورة أحدية جمعها ، ولأنّ النبوّة ظاهر الولاية ، ~~والولاية باطنها ، إذ النبوّة عبارة عن نسبة اختصاصيّة للنبيّ صلَّى الله عليه ~~وسلَّم بين أمّته وبين الله . # من كونه واسطة بينه تعالى وبينهم ، وسمّيت هذه النسبة وسيلة يتوسّل بها إلى الله ~~أمّته ، وولايته عبارة عن النسبة التي بين الله وبين النبيّ من غير وساطة أحد . # أشار إليها بقوله : " لست كأحدكم ، لست كهيئتكم " وسمّاها فضيلة ، وحرّض الأمّة ~~عند الأذان بسؤال هاتين الدرجتين كما تقول له : وأعطه الوسيلة والفضيلة ، فإنّ ~~الفضيلة للنبيّ على أمّته من جهة هذه النسبة التي لا واسطة فيها بين النبيّ وربّه. # ومن حيث هذه النسبة العليّة يأخذ عن الله وينزّل الله عليه الحكم والأحكام ~~الإلهية في نفسه وأمّته بما فيه مصالحهم الظاهرة المعيشية الدنياويّة ومصالحهم ~~الدينية الأخراوية الروحانية . # ثم يوصل من تلك الحكم والأحكام في صور الأوضاع الشرعية الفرعية ، والأوامر ~~والنواهي المرضيّة المرعيّة من حيث النسبة الأولى أعني النبوّة إلى الأمّة ما يليق ~~بأحوالهم ويناسبهم ويدعوهم إلى الله والتعبّد له فيها وبها . # وعلى هذا يكون كلّ نبيّ ينبئ عن الله أمّته بما أمر بإنبائه ممّا أنبأه الله عن ~~نفسه ودينه نبيّا وليّا ، ولا يلزم أن يكون كل وليّ نبيّا ، فالنبيّ إنّما يأخذ ~~نبوّته وأحكام شريعته بولايته ، فإنّ حقيقة الولاية القرب والسلطان والنصرة ، وأنهى ~~درجات القرب ارتفاع الوساطة . # كما قال : « لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل » والنبوّة لا ~~تكون إلَّا بواسطة الملك الذي يوحي إلى النبيّ . # فمشكاة الولاية وإن كانت لرسول الله ، ولكنّها تخصّ بالقائم المتعيّن فيها ، ~~فيقال فيها : إنّها مشكاة خاتم الأولياء . # فهذا معنى قوله : رضي الله عنه : « حتّى أن الرسل لا يرونه متى رأوه إلَّا من ~~مشكاة خاتم الأولياء » يعني إذ أشهد الله الرسل والأنبياء علوما وأسرارا خصيصة ~~بالولاية والقرب ، فإنّما يشهدهم من حيث الولاية الخاصّة بمحمّد صلَّى الله عليه ~~وسلَّم أو من حيث الولاية العامّة . # ولا سيّما وسرّ القدر الذي ينافي ويباين علمه علم مقام الدعوة من الأمر والنهي ، ~~كما أومأ إليه أبو العبّاس الخضر عليه السّلام لموسى عليه السّلام بقوله عليه ~~السّلام : « أنا على علم علَّمنيه الله ، لا تعلم أنت ، وأنت على علم علَّمك الله ~~لا أعلمه أنا » . # أي لا ينبغي لكل واحد منّا الظهور بما يباين مرتبته ومقامه . # والنبيّ يأخذ من الحكم الإلهية ما قدّر له أن يأخذ من جهة ولايته على ثلاثة أنحاء ~~: # حكمة تختصّ به دون أمّته . # وحكمة يشارك فيها أمّته . # وحكمة يختصّ بها أمّته دونه . # ولا يأخذ النبيّ هذه الحكم إلَّا من حيث مشكاة الولاية . # ثم لمّا كانت النبوّة نسبة بين الخلق والنبيّ ، فهي منقطعة ولا بدّ ، يعني أنّه ~~لا ينزل الملك إلى أحد بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بشريعة مخالفة لهذه ~~الشريعة أبدا ، فهي منقطعة لذلك . # وأمّا الولاية فغير منقطعة ، لأنّ الأخذ عن الله وإلقاءه وتجلَّيه وتعليمه ~~وإعلامه وإلهامه غير منقطعة أبدا عن أولياء الله ، لأنّ الله سمّى نفسه بالوليّ ~~الحميد ، ولم يسمّ بالنبيّ ولا الرسول ، وإذا لم يكن هذا السرّ المذكور أيضا من ~~شهوده تعالى بالعين الثابتة مشهودا للرسل والأنبياء إلَّا من مشكاة الخاتم الوليّ ، ~~فبالحريّ والأوجب أن # لا يشهده الأولياء إلَّا من هذه المشكاة ، فافهم # . # قال رضي الله عنه : « وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم ~~الرسل من الشرائع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه ، فإنّه من وجه ~~يكون أنزل ، كما أنّه من وجه يكون أعلى " . # يعني رضي الله عنه : أنّ الاتّباع والاقتداء بشريعة الرسول الخاتم ، لا يقدح في ~~علوّ مقام خاتم الولاية التابع لخاتم الأنبياء ، فإنّ الولاية من أحد وجوهها ~~الاشتقاقية هي كمال التبعية للرسول الإلهي الحقّ ، ونصرته ونصرة شريعته . # والسلطان الذي يعطي ويورث التابع شرف الاطَّلاع والشهود ، فإنه قد يكون من وجه ~~أعلى منه من وجه آخر ، يعني أنّ التابع من حيث النبوّة ، المتبوع من حيث الولاية هو ~~من ولايته أعلى منه من حيث تابعيّته ، كما أنّه من وجه وباعتبار أنزل منه كذلك . ~~ولا تظنّنّ أنّ الوليّ أعلى من الرسول ، فليس كذلك . # بل الأفضلية بين الوليّ التابع من كونه تابعا جامعا لمراتب الولاية وبين نفسه ~~أيضا من كونه متبوعا ، فهو من كونه متبوعا في مقامات الولاية أعلى منه من كونه ~~تابعا في الشريعة الظاهرة ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيّد ما ذهبنا إليه في فضل عمر ~~في أسارى بدر بالحكم فيهم ، وفي تأبير النخل ، فلا يلزم الكامل أن يكون له التقدّم ~~في كلّ شيء وفي كلّ مرتبة " . # قال العبد : لمّا فضّل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رأي عمر في قضيّة ~~الأسارى وقصّتهم على آراء الصحابة ، مع كونه فيهم ، وكذلك قال في تأبير النخل : « ~~أنتم أعلم بأمور دنياكم » فأثبت لهم الفضيلة في العلم بأمور الدنيا ، علمنا أنّ ~~الفضائل الجزوية ممّا لا يكون من مقتضيات النبوّة إذا وجدت في غير النبيّ ، ولم ~~توجد فيه ، فإنّ ذلك لا يقدح في أفضلية الخاصّة من حيث درجة النبوّة ، ولا يوجب ~~أفضلية ذلك الشخص على الرسول مطلقا ، بل في عدم ما ينافي مقام النبوّة وكمالها ~~وأفضليتها ، فافهم . # قال الشيخ رضي الله عنه : « وإنّما نظر الرجال إلى التقدّم في مراتب العلم بالله ~~، هناك مطلبهم . وأمّا حوادث الأكوان فلا تعلَّق لخواطرهم بها ، فتحقّق ما ذكرنا ". # قال العبد : نظر أهل الله وخاصّته من وجهين : # أحدهما : يشترك فيه الأنبياء والأولياء ، كالاختصاص والقربة والرضوان والإخبار ~~والإنباء عن الله تعالى والعلم والمعرفة بالله والشهود والتجلَّي . # والثاني : خصّت به الأنبياء من كونهم متبوعين ومشرّعين ومكلَّفين بالأوامر ~~والنواهي الإلهية يتعبّدون بها الله أممهم ويعبدونه ، وليس لأولياء الله تطَّلع ولا ~~رغبة واستشراف إلى هذه الفضائل من كونهم أولياء ، وإنّما نظرهم وتنافسهم وتفاضلهم ~~في العلم بالله . # فالأعلم بالله هو الأكمل وإذ قد صحّت الأكملية لخاتم الولاية من حيث العلم بالله ~~، فقد صحّت متبوعيّته في ذلك لغيره من الأولياء وغيرهم . # وهذه الفضيلة الخصيصة به لا تنافي كونه تابعا ، ولا توجب متبوعيّته من كل وجه ، ~~كما لا يقدح عدم العلم بتأبير النخل في كمال ختمية الخاتم الرسول ، وهذا الوليّ ~~الخاتم الوارث ، تبعيته لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالمرتبة والذات والحال ~~والخلق والأعمال. # ولو شرعت في المناسبات والمطابقات الواقعة بين هذين الختمين في جميع ما ذكرنا من ~~العلم والمقام والخلق والحال ، لطال المقال ، ومال إلى أهل الميل السأمة والملال ، ~~فلقد كملت وراثة من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في العلم بالله وفي جميع ~~الأعمال المشروعة على الوجه الذي كان النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يعملها بغير ~~زيادة ولا نقصان . # محتسبا في كل ذلك تحرّي كمال بياعه ، حتّى أنّه جرى عليه رضي الله عنه مندوحة من ~~جميع ما عليه من الأحوال ، فكسرت سنّه وشجّت جبهته ، ولم يلتفت في جميع عمره رضي ~~الله عنه عن غرض يلوي عنقه أو جيده إلى جهة. # بل كان رضي الله عنه لا يلتفت وإذا التفت التفت جمعا ، مثل ما كان لرسول الله ~~صلَّى الله عليه وسلَّم يفعلها بالطبع لا بالتكلَّف ، مع انضمام تحرّي الاتّباع له ~~. # ولو طالعت كتاب « الأسرار » لهذا الخاتم ، واطَّلعت على أسراره ، لعلمت أنّه ~~اتّبعه في جميع مقاماته ومشاهده ومعاريجه وبرازخه وتجلَّياته بالمرتبة والذات ~~والعلم والحال والخلق حذو القذّة بالقذّة ، كما عدّدنا بعض ذلك في رسالة النصوص ، ~~والحمد لله . # قال رضي الله عنه : " ولمّا مثل النبيّ النبوّة بالحائط من اللبن وقد كمل سوى ~~موضع لبنة ، فكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تلك اللبنة غير أنّ رسول الله ~~صلَّى الله عليه وسلَّم لا يراها إلَّا كما قال : لبنة واحدة " . # قال العبد : إنّما مثّل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم النبوّة بالحائط ، لأنّ ~~النبوّة صورة الإحاطة الإلهيّة بالأوضاع والأحكام الشرعية والحكم والأسرار الدينيّة ~~الوضعية المرعيّة ، قد وضعها الله على ألسنة رسله وفي كتبه قبل ظهور الشريعة ~~الجمعيّة الأحدية والأوضاع الكمالية المحمدية . # فكملت من حيث صورتها التفصيليّة ولكنّها كانت ناقصة من حيث عوز الوضع الأحدي ~~الجمعي والمقام المحمدي الختمي الذي يستوعب الكلّ ، وكلّ لبنة كانت في تلك الحائط ~~كانت صورة نبيّ من الأنبياء ، فالحائط كالقلادة المشتملة على جواهر الأنبياء. # وكان يعوزهم واسطة القلادة التي تساوي الكلّ ، وهو أحدية جمع الكمّل من الأنبياء ~~، كلَّهم الذين هم صور تفصيله ، فلا بدّ للرسول الخاتم أن يرى نفسه تنطبع في تلك ~~الثلمة ، ويسدّ بذاته تلك الخلَّة ، فيكمل به الحائط ، لأنّه صلَّى الله عليه ~~وسلَّم خاتم النبوّة المبعوث لتتميم مكارم الأخلاق . # ولا بدّ لوارث كل رسول أن يجري عليه أنموذج من جميع أحواله التي جرت على ذلك ~~الرسول الذي هذا الوليّ وارثه وتابعه في أعماله وأحواله وعلومه وأخلاقه ومشاهده ~~ومواجده ، لكونه قد أقامه الله مقام ذلك النبيّ أو الرسول في ولايته كذلك . # ولا بدّ لهذا الوارث المحمدي الأكمل كذلك أن يرى مثل هذه الرؤيا وإلَّا لم يستكمل ~~في ورثة وهو كامل الورث ، فيرى ذلك ولا بدّ . # قال الشيخ رضي الله عنه : « وأمّا خاتم الولاية فلا بدّ له من هذه الرؤيا ، فيرى ~~ما مثّل به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ويرى في الحائط موضع لبنتين ،واللبن ~~من ذهب وفضّة. # فيرى اللبنتين اللتين ينقص عنهما الحائط ويكمل بهما لبنة فضّة ولبنة ذهب ،فلا بدّ ~~أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين،فيكمل ~~الحائط". # قال العبد أيّده الله به اعلم : أنّ الذهب صورة الكمال الحقيقي الذي به تصحّ ~~المتبوعيّة ، وهو باطن النبوّة ومعناها وأصلها الذي بدأت منه ومنتهاها . # فكذلك الذهب باطن الفضّة وهو حقيقتها ، طرأ عليه قبل كماله ونضجه البرد ، فابيضّ ~~، والفضّة أقبل الأجساد للذهبية ، لكمال طهارتها ونوريّتها إلَّا أنّها ستبطل ~~صورتها ، وتحرقها محرقاتها ، بخلاف الذهب ، فإنّه جوهر حافظ صورته النوعية على مرور ~~الزمان وضروب الحدثان . # فلا يتسلَّط عليه النار والتراب والكباريت كما نفذوا على الفضّة التي هي صورة ~~مظهر النبوّة والصفة ، إذ الفساد الطارئ على الأجساد إنّما متعلَّقه الصور لا ~~الحقائق ، فإنّ الحقائق لا تنعدم ولا تتبدّل ، وإنّما متعلَّق الانعدام والتبدّل ~~الصورة لا غير . # كذلك الولاية لا تنقطع ، فإنّ الله هو الوليّ الحميد ، وهو خير الوارثين . # ولمّا كان خاتم الأنبياء والرسل في التخلَّق بأخلاق الله والظهور بأوصاف العبودية ~~وإقامة الشرائع والدين والدعوة إلى الله ونصرته متبوعا للكلّ في الكلّ . # وهو صلَّى الله عليه وسلَّم غير مأمور بكشف الحقائق والأسرار الذاتية ، بل كان ~~مأمورا بسترها في الأوضاع الشرعية والديانات الوضعيّة والسنن الكلَّية الأصلية ~~والجزئية الفرعية . # والنبوّة هي الدعوة إلى كلّ ذلك والظهور بها والاتّصاف بجميعها ، فلهذا مثّل الله ~~له النبوّة المحيطة بسائر النبوّات الجزوية الفرعية والأحكام والنواميس الشرعية في ~~صورة حائط تنقصه صورة لبنة واحدة فضيّة . # إشارة إلى ما كان ينقص النبوّة من تبعية أمّة محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم ولا ~~تنسدّ تلك الخلَّة إلَّا بوجوده صلَّى الله عليه وسلَّم ، لكونه أحدية جمع صورة ~~المتبوعية المحيطة في جميع الأخلاق الإلهية ، وهو المبعوث صلَّى الله عليه وسلَّم ~~لتكميلها وتتميمها ، فيرى نفسه تكون عين تلك اللبنة الفضيّة التي هي صورة أحدية جمع ~~جميع الصفات الإلهية التي بعث لتكميلها إشارة إلى متبوعيّته في الأخلاق الإلهية ~~والأوصاف والنعوت وإن كان تابعا لله تعالى في التخلَّق بكلّ ذلك ، فافهم ، ولهذا ما ~~رآه إلَّا لبنة واحدة ، لأنّه متبوع لا تابع . # والمقام الأحدى الجمعي الحاصل من الجمع بين التبعية والمتبوعية ينتج العلم بأحدية ~~جمع المتبوعية الإلهية الأصلية والتابعية المربوبية العبدانيّة ، ولأحدية جمع الجمع ~~الذاتي الصورة الذهبية من الأجسام والفضّة معنى الصفات الذاتية القابلة من وجه عين ~~ذهبية الموصوف ، وذلك بسريان سرّ الإكسير الكماليّ الأحدي الجمعي في أجزائها . # فلمّا كان هذا الوليّ الكامل التبعية لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كامل ~~الوراثة أيضا في العلم والحال والمقام ، أعطي متبوعية من سواه في العلم بالله ، ~~والتابعية الكبرى من الوراثة المحمدية ، والولاية الخاصّة الجمعية الأحدية ، فلا ~~بدّ أن يرى نفسه تنطبع في موضعي لبنتي الذهب والفضّة اللتين مثّل الله له فيهما ~~النبوّة والولاية والتبعية والمتبوعية ، فيكون عينهما ، وكان ينقص عنهما صورة حائط ~~الكمال الخصيص بالولاية ، فافهم . # [right] قال رضي الله عنه : " والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنّه تابع ومتبوع ~~، تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر وهو موضع اللبنة الفضيّة وهو ظاهره وما يتبعه فيه ~~من الأحكام ، كما هو آخذ عن الله في السرّ ما هو في الصورة الظاهرة متّبع فيه ، ~~لأنّه يرى الأمر على ما هو عليه ، فلا بدّ أن يراه هكذا وهو موضع اللبنة الذهبية في ~~الباطن ، فإنّه أخذ عن المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول " . # قال العبد أيّده الله به اعلم : أنّ لخاتم الولاية الخاصّة ظاهرا أن يتّبع ظاهر ~~الأمر النازل بالشريعة الطاهرة لإقامة ظاهر النشأة الإنسانية البشرية ، وباطنا ~~تأخذه حقيقة الأمر ومعنى السرّ وروحه وكذلك باطن الجمعية الأحدية الكمالية . # فله من حيث تبعيّته الظاهرة لظاهر الشرع الطاهر المقتضي لإقامة ظاهر النشأة ~~الدينية والطينية نسبة الفضّة ، لتبعية الفضّة للذهب في صفائها وصفاتها وطهارتها ~~وكمالها في ذاتها وفي المعاملات والمبايعات العرفية الشرعية في جميع حالاتها . # فإنّ الفضّة تنوب عن الذهب في أكثر مراتب كمالاتها ، ولكنّ الذهب أصل به تعدّ ~~الفضّة ، ويثمّن بأضعاف أضعاف ثمن الفضّة ، ولهذا السبب تتجسّد هذه النسبة الظاهرية ~~الوضعية والوصفية على صورة اللبنة الفضيّة . # ثم الخاتم المذكور رضي الله عنه من كونه آخذا للأمر حقيقة ومعنى بلا واسطة عن ~~المعدن الذي أخذ عنه الملك الموحى إلى الرسول له حقيقة اللبنة الذهبية ، وهي العلم ~~بما هو الأمر عليه في نفسه وعند الله ، فهو عالم به في السرّ ، عامل بموجبه في ~~الجهر من كونه جامعا بين التابعية والمتبوعية ، فافهم. فإنّك إن فهمت هذا حصل لك ~~العلم النافع ، والسرّ الجامع ، والمعنى المحيط الواسع . # قال الشيخ رضي الله عنه : " فإن فهمت ما أشرت إليه ، حصل لك العلم النافع " . # يعني رضي الله عنه لكونه مفيضا إلى كمال التبعية المنتج لكمال التحقّق بالحقيقة ، ~~فإنّ حصول هذا العلم النافع إنّما هو بكمال التبعية لرسول الله صلَّى الله عليه ~~وسلَّم المنتجة لمحبّة الله من قوله تعالى : " فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله ". # فمن كان أكمل في تبعيته والتخلَّق بأخلاقه صلَّى الله عليه وسلَّم فهو الأفضل في ~~التحقّق والأكمل في التخلَّق بحقائق الأخلاق الإلهيّة . # قال رضي الله عنه : " وكلّ نبيّ من لدن آدم إلى آخر نبيّ ما منهم أحد إلَّا يأخذ ~~من مشكاة خاتم النبيّين وإن تأخّر وجود طينته ، فإنّه بحقيقته موجود ، # وهو قوله :" كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » وغيره من الأنبياء ما كان نبيّا ~~إلَّا حين بعث " . # قال العبد أيّده الله به : قد علمت فيما سلف أنّ الحقيقة المحمدية في صورتها ~~الحقيقة التي حذي آدم عليها ، لم تزل قائمة بمظهرية الله في جميع العوالم العلوية ~~الروحانية ، وفوقها قبلها في العوالم النورانية الأسمائية بالقبلية المرتبيّة ~~والذاتية لا الزمانية . # وفوقها قبلها في العوالم النفسية الرحمانية العمائية ، وبعد وجوده وظهوره في ~~الأرواح النورية ، كان روحه روحا كلَّيا جامعا لخصائص عوالم الأمر . # مبعوثا إلى الأرواح البشريّين والملكيّين نبيّا من عند الله بالاختصاص الأحدى ~~الجمعي ، كما أشار إلى ذلك بقوله : « أوّل ما خلق الله نوري » فجمع الله في هذا ~~النور المحمدي جميع الأنوار النبوية وأرواح الأولياء جمعا أحديا قبل التفصيل في ~~الوجود العيني . # وذلك في مرتبة العقل الأوّل ومظهرية الاسم « المدبّر » ثمّ تعيّنت الأرواح في ~~مرتبة اللوح المحفوظ وتميّزت بمظاهر خصائصها وحقائقها النورية . # فبعث الله الحقيقة المحمدية الروحية النورية إليهم نبيّا ينبئهم عن الحقيقة ~~الأحدية الجمعية الكمالية . # فلمّا وجدت الصور الطبيعية العلوية الكلَّية من العرش والكرسي ، ووجدت صور مظاهر ~~تلك الأرواح النبوية والأنوار الكمالية من الخلفاء والأولياء ، ظهر سرّ تلك البعثة ~~المحمدية إليهم أيضا ثانيا ، فآمن من الأرواح من كان مؤهّلا للروحانية الأحدية ~~الجمعية الكمالية الإنسانية الإلهية . # ولمّا وجدت الصور العنصرية ، ظهر حكم ذلك الإيمان في كل النفوس البشرية ، فآمنوا ~~بمحمّد صلَّى الله عليه وسلَّم وكان خير أمّة أخرجت للناس ، كما أشار صلَّى الله ~~عليه وسلَّم إلى هذا السرّ بقوله : « الأرواح جنود مجنّدة ، فما تعارف منها ائتلف ~~وما تناكر منها اختلف » وبهذا المعنى « كان نبيّا وآدم بين الماء والطين ». # أي كان عالما بنبوّته إذ ذاك وإن لم يصدق إطلاق اسم النبيّ عليه السّلام . # ولا يخطر لك أنّ كلّ أحد بهذه المثابة من حيث إنّه كان في علم الله السابق قبل ~~وجوده العيني كذلك ، فليس ذلك كذلك ، لأنّه ليس كل أحد عالما بذلك قبل وجوده العيني ~~، بل بعد وجوده واستكماله شرائط نبوّته بمتمّماتها ، والعلم الأزلي أيضا لم يتعلَّق ~~به أنّه كذلك إلَّا بعد استكماله ما ذكرنا وفي نشأة دون نشأة ، بل هذا النوع من ~~العلم والتذكير مخصوص بالكمّل والأفراد المحمديين الذين يتذكَّرون نشأتهم المقدّمة ~~في عالم الأرواح والسماوات العلى وعوالم الأنوار والأسماء والتجلَّيات . # وهذا سرّ خفيّ جدّا دقّ عن الأفهام إلَّا من شاء الله من الندّر ، فافهم . # قال رضي الله عنه : " وكذلك خاتم الأولياء ، كان وليّا وآدم بين الماء والطين ، ~~وغيره ما كان وليّا إلَّا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الاتّصاف ~~بها من كون الله تسمّى بالوليّ الحميد" . # قال العبد اعلم : أنّ خاتم الأولياء من كونه صورة من الصور المحمدية ختمت بها ~~الولاية الخاصّة بمحمّد صلَّى الله عليه وسلَّم فكان حكمه حكم خاتم الرسل في علمه ~~بكونه وليّا قبل وجوده العنصري ، فإنّ الحقيقة المحمدية الكلَّية المذكورة توجب ~~المظهر الأكمل لتجلَّيها الذاتي بمرتبة الولاية . # كما توجب المظهر الأكمل لتجلَّيها في مرتبة النبوّة ، ولا بدّ من هذين الختمين ، ~~وهما صورتا حقيقة واحدة في مرتبتين هما النبوّة والولاية ، والحقيقة هي الحقيقة ~~المحمدية الكلَّية المذكورة الكمالية الإنسانية ، وحكمها بعكس ما قيل قبل :" نحن ~~روحان حللنا بدنا " . # فإنّ هذا لا يصحّ فيما نحن بصدد بيانه ، ولكن في الاتّحاد والحلول عند من يقول ~~بهما على الوجه الذي يقول بهما ، لا على ما عرف عرفا عاميّا . # ولكن يقال فيها : « نحن روح واحد في جسدين » وهذا الخاتم رضي الله عنه كان يذكر ~~كيف كان حال كون خاتم الرسل نبيّا وآدم بين الماء والطين ، عالما بنبوّته الكاملة ~~والولاية المحيطة الشاملة ، وكان يشهد لخاتم الرسل بالنبوّة والتقدّم على الأرواح ~~الكاملة من الأنبياء والأولياء كما قال في قريضه ، شعر : # شهدت له بالملك قبل وجودن %~% على ما تراه العين في قبضة الذرّ # شهود اختصاص أعقل الآن كونه %~% ولم أك من حال الشهادة في ذعر # لقد كنت مبسوطا طليقا مسرّح %~% ولم أك المحبوس في قبضة الأسر # يعني رضي الله عنه كنت عالما بنبوّته وختميته صلَّى الله عليه وسلَّم إذ ذاك قبل ~~وجودنا العنصري ، وكونه مبسوطا طليقا مسرّحا لا محبوسا ، إشارة إلى مراتب أهل ~~البرزخ في برازخهم ، فإنّهم على اختلاف درجاتهم وائتلاف طبقاتهم وتباين مقاماتهم ~~على قسمين : # أحدهما وهو العامّ أرواح الناس المتقيّدين بالمقامات الجزئية والعلوم والأخلاق ~~التقيّدية الفرعية ، كانوا في نشأتهم الدنياوية متقيّدين بعقائد وعوائد مخصوصة ، ~~متعشّقين بعلوم وأعمال وأخلاق وأحوال جزئية ، فهم بعد المفارقة محبوسون بصور ما هم ~~متعشّقون ، وفي قبضة أسر الأمر الذي هم متقيّدون . # والقسم الثاني صنف من كمّل الإنسان ، قطعوا في نشأتهم الدنياوية برازخهم ، وحشروا ~~قبل الحشر ونشروا قبل النشر وبعثر قبور هياكلهم عن أرواحهم في صور الانسلاخات ~~والمعاريج والإسراءات على ما تحقّق في قواعد الكشف والشهود . # وهؤلاء الكمّل غير مقيّدين بصورهم البرزخية ، بل لهم الإطلاق والسراح والانطلاق ~~والظهور في أيّ عالم شاؤوا ، لكمال نشأتهم وقواهم ، فافهم . # قال رضي الله عنه : " فخاتم الرسل من حيث ولايته ، نسبته مع الختم للولاية نسبة ~~الأنبياء والرسل معه ، فإنّه الوليّ الرسول النبيّ ، وخاتم الأولياء الوليّ الوارث ~~، الآخذ عن الله ، المشاهد للمراتب وهو حسنة من حسنات خاتم الرسل ، محمّد صلَّى ~~الله عليه وسلَّم مقدّم الجماعة ، وسيّد ولد آدم في فتح باب الشفاعة " . # قال العبد أيّده الله به اعلم : # أنّ الولاية المحمدية التي هي مشكاة خاتم الأولياء ، منها مادّة الولايات كلَّها ~~، المتفرّعة في أنبياء الأمم ورسلهم وعامّة الأولياء وخاصّتهم وخلاصة خلاصتهم وصفا ~~خلاصة الخاصّة من حيث إنّ النبوّة لا تخلو عن ولاية هي باطنها . # ومن حيث إنّها صور نسب الولاية الكلية الكمالية المحمدية الإلهية من مرتبة ~~التفصيل من مشكاته المذكورة ، فمنها وصول المادّة إلى الكلّ . # فنسبته في الأخذ عن الله من الوراثة المحمدية للولاية الجمعية الأحدية الكمالية ~~مع محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم كنسبة الأنبياء والرسل في أخذ نبوّاتهم ورسالاتهم ~~عن الله من الحقيقة المحمدية ، على ما تقرّر آنفا ، هذا لسان عموم أهل الذوق في هذا ~~المقام . # سرّ للخواصّ : # لمّا تعيّن في ختمية الولاية الخاصّة المحمدية خاتم الأولياء ، وكانت مشكاته ~~الخصيصة به هي الولاية الخاصّة المحمدية الإلهية الكمالية الختمية الأحدية الجمعية. # كتعيّن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في ختم النبوّة التشريعية المحيطة ~~الكمالية الإلهية ، وهي المشكاة الخاصّة به صلَّى الله عليه وسلَّم وكانت النبوّات ~~كلَّها مترتّبة على الولايات ، فإنّما هي صور أحكام حكم الولايات ، ظهر له نسبة ~~خاتم الرسل إلى ختم الولاية من حيث إنّ نبوّته صلَّى الله عليه وسلَّم ظاهرية مشكاة ~~ختم الولاية ، والولاية خصيصة به كنسبة سائر الرسل في أخذ نبوّاتهم من مشكاة الرسول ~~الخاتم ، وولايتهم من مشكاة خاتم الولاية الخاصّة المحمدية ، فافهم إن شاء الله . # فمن عنده صلَّى الله عليه وسلَّم قسمة أرزاق العلوم والأذواق والمقامات والأحوال ~~والأخلاق كلَّها ، فما تعلَّق منها بالنبوّة واختصّ بالرسالة يوصله الله من هذه ~~المشكاة المحمدية إلى جميع الأنبياء والرسل حال وجودهم في نشأتهم وبعد المفارقة في ~~برازخهم. # وما تعلَّق منها بالولاية وتحقّق بها خاتم الأولياء المحمديين يفيضه الله من ~~مشكاة خاتم الأولياء على سائر الأولياء المحمديين وهم أنبياء الأولياء وعلى أولياء ~~الأنبياء والرسل ، فافهم . # ولا يحجبنّك تأخّر صورته العنصرية الختمية فلا بدّ للختم من الآخرية من حيث صورته ~~الشخصية ، وأنّ له صورة أزلية فاتحية متقدّمة على الكلّ بالحقيقة والمرتبة ، فافهم ~~وتذكَّر ، والله الملهم . # واعلم : # أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جامع بين النبوّة والرسالة والولاية ~~والخلافة ، فهو النبيّ الرسول الخاتم . # وكذلك وارثه الأكمل خاتم الأولياء المحمديين حسنة من حسنات خاتم الرسل ، لكونه ~~جمع له وراثته في الختمية الكمالية وتخيّر من بين أرواح الأولياء لمظهريته الكاملة ~~الأحدية الجمعية في باطن الصورة الإلهية المحمدية الختمية ، ولكنّه صلَّى الله عليه ~~وسلَّم مقدّم جماعة الكمّل في فلك النبوّة وفلك الولاية ، وهو سيّد ولد آدم. # لأنّ الحقيقة الكمالية الجمعية الأحدية في الصورة الإلهية المحمدية هي التي تشفع ~~فرديات الحضرات الأسمائية إذا غلبت الأحدية الجلالية بقهرها على الحضرات ومظاهر ~~الأسماء والتجلَّيات وأمم الأنبياء وأرباب الرسالات ، فإذا شفعتها بفرديّتها . # انضاف الفردي المحمدي إلى الفرد العبداني المستهلك تحت قهر الأحدية الجلالية ~~بقهرها على الحضرات ومظاهر الأسماء والتجليات وأمم الأنبياء وأرباب الرسالات فإذا ~~شفعتها بفرديّتها ، انضاف الفرد المحمدي إلى الفرد العبداني المستهلك تحت قهر ~~الأحدية ، حصلت الشفعية فشفعه الوتر ، وهو أرحم الراحمين . # فكان الشفع بالوتر فردا موجبا لظهور الفتحية ، ففتح الرحمن باب الشفاعة ، فشفع ~~كلّ اسم في عالمه وكلّ نبيّ في أمّته . # قال رضي الله عنه : " فعيّن حالا خاصّا ما عمّم . وفي هذا الحال الخاصّ تقدّم على ~~الأسماء الإلهية ، فإنّ الرحمن ما شفع عند المنتقم في أهل البلاء إلَّا بعد شفاعة ~~الشافعين ، ففاز محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم بالسيادة في هذا المقام الخاصّ فمن ~~فهم المراتب والمقامات ، لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام " # . # قال العبد أيّده الله به : # لمّا كانت الشفاعة في إنقاذ أهل البلاء والجهد أوّلا للمرتبة الأحدية الجمعية ~~الكمالية بفتح باب الرحمة في الإيجاد ، فشفعت الحقيقة المحمدية الجمعية الأحدية ~~حقائق القوابل الأفراد بالتجلَّي الرحماني . # فقرن بها الوجود ، فشفعت بأحدية جمعها وفردانيّتها بين القابل والتجلَّي ، فأنقذت ~~الحقائق من ظلمة العدم ، فيظهر سرّ ذلك آخرا بشفاعته صلَّى الله عليه وسلَّم لأهل ~~المحشر . # فيشفع أوّلا للشفعاء من الأسماء الإلهية والأنبياء ، حتّى يشفّعوا ، فيشفعوا في ~~عوالمهم وأممهم ومتعلَّقات خواطرهم وهممهم ، فله في هذا المقام الخاصّ سيادة على ~~الكلّ . # بإنقاذ مظاهرهم عن الذلّ ، وذلك سلطنة أسماء القهر والجلال ، ك « القاهر » و « ~~المنتقم » و « المعذّب » ، إذا ظهرت في الدنيا والآخرة ، بطنت سلطنة أسماء اللطف ~~والجمال . # فلم يظهر لها حكم إلى أن تنقضي سلطنة أسماء العذاب ، وحينئذ أظهرت الحقيقة ~~المحمدية الإنعامية الكلَّية من خزائنها الأحدية الجمعية حقائق اللطف والجنان ، ~~والعفو والإحسان ، فشفعت بأحدية جمعها فردية الرحيم الرحمن ، فزهرت يفاع بقاع ~~الجنان ، أزهار رياض الفردوس بالحور والقصور والولدان. # وأظهرت سرّ قوله : « سبقت رحمتي غضبي » ففاضت الرحمة وغاضت النقمة " وَقُضِيَ ~~بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّه ِ رَبِّ الْعالَمِينَ" . # قال رضي الله عنه : « وأمّا المنح الأسمائية فاعلم : أنّ منح الله تعالى خلقه ~~رحمة منه بهم ، وهي كلَّها من الأسماء . فإمّا رحمة خالصة كالطَّيب من الرزق اللذيذ ~~في الدنيا ، الخالص يوم القيامة ، ويعطي ذلك ، الاسم الرحمن فهو عطاء رحماني ، ~~وإمّا رحمة ممتزجة كشرب الدواء الكرية الذي بعقب شربه الراحة ، وهو عطاء إلهي ، ~~فإنّ العطاء الإلهي لا يمكن إطلاق عطائه منه من غير أن يكون على يدي سادن من سدنة ~~الأسماء ، فتارة يعطي الله العبد على يدي الرحمن ، فيخلص العطاء من الشوب الذي لا ~~يلائم الطبع في الوقت أولا ينيل الغرض وما أشبه ذلك وتارة يعطي الله على يدي « ~~الواسع » فيعمّ ، أو على يدي « الحكيم » فينظر في الأصلح في الوقت ، أو على يدي « ~~الواهب » فيعطي لينعم ، لا ليكون مع الواهب تكليف المعطى له بعوض على ذلك من شكر أو ~~عمل ، أو على يدي " الجبّار " فينظر في الموطن وما يستحقّه أو على يدي « الغفّار » ~~فينظر في المحلّ وما هو عليه ، فإن كان على حال يستحقّ العقوبة فيستره عنها ، أو ~~على حال لا يستحقّ العقوبة فيستره عن حال يستحقّ العقوبة فيسمّى معصوما ومعتنى به ~~ومحفوظا وغير ذلك ممّا شاكل هذا النوع وأشباه ذلك " # قال العبد أيّده الله به : # « له » تمليك الرقبة ، والمنحة : تمليك الانتفاع دون الرقبة ، كمن يعطى الناقة ~~لتحلب أو لتركب ، أو الأرض لتزرع ، والأغلب فيها المدّة المعيّنة ثم الاسترداد ، ~~وهي لا تكون إلَّا من حضرات الأسماء ، وهي رحمات متخصّصة بحسب خصوص الحضرات ، ~~ومتخصّصة بموجب الاستعدادات . # ثم العطايا والمنح إن كانت من حضرة أحدية الجمع الإلهية ، فهي ذاتية أي من ذات ~~اللاهوت ، ولا يتمكَّن إطلاق عطاياها من حيث هي هي من غير أن يكون التجلَّي الإلهي ~~الأحدى الجملي الذاتي من خصوص حضرة من حضرات الأسماء . # فإن كان التجلَّي من حضرة الرحمن ، خلصت عطايا الله من الشوب والكدر ، وعمّت ~~الدنيا والآخرة والظاهر والباطن ، وإن كان من حضرة الواسع ، عمّ ظاهر المعطى له ~~وباطنه وروحه وطبيعته وغير ذلك ، وتمّت نعمته سابغة في عافية ورفاهية ، وكذلك تكون ~~عطايا الله ممتزجة منصبغة بحكم الحضرة المتجلَّي منها ، فإنّ الحكيم ينظر في الأصلح ~~والأنسب. # كما قد فصّل الشيخ رضي الله عنه خصوصيات الحضرات ، فلا حاجة إلى سنديّة الاسم " ~~الله " و "الرحمن" . # و « المعصوم » و « المحفوظ » هو العبد الذي يحول « العاصم » و « الغفّار » و « ~~الحافظ » و « الواقي » بينه وبين ما لا يرضاه من الذنوب . # و « المعتنى به » أعمّ من المحفوظ والمعصوم ، فقد يكون المعتنى به من لا تضرّه ~~الذنوب ، ويقلَّب المحبّة الإلهية ، والاعتناء الربّاني غيّر سيّئاته حسنات ، ثم ~~المعصوم يختصّ في العرف الشرعي بالأنبياء ، والمحفوظ بالأولياء . # قال رضي الله عنه : « والمعطي هو الله من حيث ما هو خازن لما عنده في خزائنه ». # أي من حيث إنّ ذلك الاسم خازن لما عنده من خزائن الاسم الله " فما يخرجه إلَّا ~~بقدر معلوم " أي بقدر ما تستدعي قابلية المعطى له ويستأهل من خزائنة ، فما يخرج ~~إليه إلَّا بقدر ذلك المعلوم . " على يدي اسم خاصّ بذلك الأمر . # ف " أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَه " على يدي الاسم « العدل » وأخواته لأنّ الحكم ~~العدل يحكم على « الجواد » و « الوهّاب » و « المعطي » أن يعطي ما يعطي بقدر قابلية ~~المعطى له . # قال رضي الله عنه : « وأسماء الله لا تتناهى ، لأنّها تعلم بما يكون عنها ، وما ~~يكون عنها غير متناه وإن كانت ترجع إلى أصول متناهية هي أمّهات الأسماء أو حضرات ~~الأسماء . وعلى الحقيقة فما ثمّ إلَّا حقيقة واحدة تقبل جميع هذه النسب والإضافات ~~التي يكنى عنها بالأسماء الإلهيّة " . # قال العبد : # تحقّق وجود العالم والممكنات في أعيانها موقوف على الأسماء وحضراتها ، ولكنّ ~~العلم بالأسماء موقوف عندنا على القوابل والعوالم والمظاهر . # وعوالم الإمكان من حيث شخصيّاتها وجزويّاتها لا تتناهى ، فالأسماء لا تتناهى ~~لكنّها من حيث أمّهاتها وكلَّياتها منتهية إلى أصول حاصرة لها ، فتعدادها وعدم ~~تناهيها وازديادها إنّما هو من حيث الممكنات والقوابل والمظاهر المتعدّدة غير ~~المتناهية والكلّ تعيّنات وجودية ، وتنوّعات تجلَّيات جودية بحسب خصوصيات القوابل . # فهو من حيث الأصل حقيقة واحدة هي محض الوجود الحق الخالص لا غير . فالتوحيد في ~~الحقيقة ، والتعدّد في الظهور والطريقة ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « والحقيقة تعطي أن يكون لكل اسم يظهر إلى ما لا يتناهى حقيقة ~~يتميّز بها عن اسم آخر ، تلك الحقيقة التي بها يتميّز هي الاسم عينه لا ما يقع فيه ~~الاشتراك ، كما أنّ الأعطيات تتميّز كلّ أعطية عن غيرها بشخصيّتها ، وإن كانت من ~~أصل واحد ، فمعلوم أنّ هذا ما هي هذه الأخرى ، وسبب ذلك تميّز الأسماء " . # وسبب ذلك التميّز تميّز الحقائق ، والذي يقع فيه الاشتراك هو الوجود البحت ، ~~والموجب للتعدّد هو خصوصية القابل ، فتعيّن الوجود الواحد بحسب تلك الخصوصية على ~~وجه مخصوص هو المميّز لذلك المتعيّن بتلك الخصوصية عن تعيّن آخر ، وبعد تعيّن ~~الحضرات الأسمائية وتمايزها لا بدّ أن تتمايز الأعطيات بعضها عن البعض . # وليس ذلك إلَّا من تمايز الحضرات ، فالذي يمتاز به كلّ اسم عن الآخر هو عين الاسم ~~لا ما تتشارك الأسماء فيه ، فإنّه الوجود الحقّ المسمّى بهذه الأسماء ، هو فيها ~~عينها ، وحقيقته هي عين الكلّ ، لا يكون فيها من حيث هي تمثّل كلّ منها عين الآخر ، ~~فتمايزها بخصوصيات هي أعيانها . # قال رضي الله عنه : « فما في الحضرة الإلهيّة لاتّساعها شيء يتكَّرر أصلا . هذا ~~هو الحق الذي يعوّل عليه " . # قال العبد اعلم : # أنّ الفيض ذاتي لواجب الوجود الحقّ من كونه مفيدا للحقائق وجودها الذي به تحقّق ~~المتحقّقات ، ومفيضا نور الحقيّة التي بها وجدت الموجودات وشهدت المشهودات . # ثمّ التعيّن للنور الفائض من ينبوع التجلَّيات ومعدن الوجود ومنبعث الجود ~~والفيضات أيضا ذاتي ، والموجب لذلك هو القابل المعيّن للوجود الحقّ الفائض بحسب ~~خصوصيّته الذاتية غير المجعولة . # فالتمايز بين الحضرات والأسماء إنّما هو بحسب خصوصيات الحقائق ، إذ التعيّن هو ~~الدالّ بالتخصيص على المتعيّن بذلك التعيّن ، والمتعيّن أيضا دالّ على أصله ومنبعه ~~الذي فاض منه ، فالتعيّن اسم للمتعيّن وهو الوجود الحق المسمّى به ، وهو اسم للحقّ ~~المطلق ، وهو المسمّى بجميع هذه الأسماء . # والمسمّى اسم فاعل هو القابل المعيّن للوجود الحق المطلق وهو الفائض . # والتعيين وهو التسمية فعل المعيّن . # ثم الفيض دائم التعين لدوام ذات المفيض . # والمعيّنات القوابل الممكنة وإن لم تكن متناهية من حيث الشخصيات والجزويّات ولكن ~~أمّهات الحقائق المعيّنة لهذا النور الواحد الفائض المتعيّن بها وفيها وبحسبها أصول ~~حاصرة لما تحتها ومنها . # والتعيّنات الكلَّية أيضا وإن انحصرت في أمّهات الحضرات الأسمائية ولكنّها من حيث ~~الشخصية والجزوية غير متناهية كموجباتها . # والتجلَّيات وإن كانت من حيث الأصل تجلَّيا واحدا ، ولكنّ التعيّنات الفيضية ~~النفسية النورية والانفهاقات النورية الشهودية والاندفاقات الوجودية الجودية ما هي ~~في كل عين عين الأخرى . # فما في الحضرة شيء يتكرّر أصلا ، فالتجدّد والتكثّر والحدوث والفناء والعدم إنّما ~~هي للتعيّن لا للمتعيّن بذلك التعين من حيث هو هو ، بل من حيث التعيّن لا غير . ~~هكذا أعطت حضرة الواسع ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « وهذا العلم كان علم شيث عليه السّلام » # يعني علم الأعطيات والمنح والهبات . # قال رضي الله عنه : # « وروحه هو الممدّ لكلّ من يتكلَّم في مثل هذا من الأرواح إلَّا روح الخاتم فإنّه ~~لا تأتيه المادّة إلَّا من الله ، لا من روح من الأرواح ، بل من روحه تكون المادّة ~~لجميع الأرواح ، وإن كان لا يعقل ذلك من نفسه في زمان تركيب جسده العنصري ، فهو من ~~حيث حقيقته ورتبته عالم بذلك كلَّه بعينه من حيث ما هو جاهل به من جهة تركيب جسده ~~العنصري ، فهو العالم الجاهل ، فيقبل الاتّصاف بالأضداد ، كما قبل الأصل الاتّصاف ~~بذلك ، كالجليل والجميل » # يعني على معنييه المتنافيين # « كالظاهر والباطن ، والأوّل والآخر ، وهو عينه ليس غيره فيعلم لا يعلم ، ويدري ~~لا يدري ، ويشهد لا يشهد " . # قال العبد اعلم : # أنّ أرواح الكمّل من الأنبياء لهم الإمداد لأرواح الأولياء الذين هم ورثتهم في ~~أعصارهم وأعصار بعدهم ، وروح شيث عليه السّلام هو الممدّ لأرواح العلماء بالعلوم ~~الوهبية ، وكلّ روح لوليّ من الأولياء له العلم الوهبي . # فيستمدّ من روحه عليه السّلام لكونه صورة الوهب الأوّل لأوّل الآباء إلَّا روح ~~خاتم الأنبياء وروح خاتم الأولياء ، فإنّ روح الختم كما تقدّم روح محيط بالولايات ~~كلَّها كإحاطة من هو وارثه الأكمل وهو ختم الرسل صلَّى الله عليه وسلَّم بالنبوّات ~~كلَّها . # ولأنّه أحدية جمع جميع الولايات المحمدية الأحدية الجمعية الختمية كلَّها ، ~~فأعطيات الولايات من المكاشفات والتجلَّيات والعلوم والأسرار والأحوال والمقامات ، ~~إنّما تكون من خزانة حيطته ، وذلك لأنّ حقيقته حقيقة الحقائق الأول التعيينية ~~كلَّها. # وهو مفتاح المفاتيح الغيبية ، فالمادّة النورية التي بها قوام الأرواح وحياتها من ~~حقيقته تنبعث وتسري في سائر المراتب الروحية ، ولا يستمدّ هو من أحد ، والكلّ ~~مستمدّون من مشكاته . # فالأعطيات وإن كانت من حضرات الأسماء ، ولكنّها من الله ، " وَما بِكُمْ من ~~نِعْمَةٍ فَمِنَ الله " . # إن كان هذا الخاتم لا يتعقّل حال تركيب جسده العنصريّ كيفية إمداده للكلّ في كلّ ~~آن من الزمان الحجابية في المزاج العنصري لا بدّ من ذلك ، حتى يكون جامعا لجميع ~~الكمالات والنقائص . كما أنّ الهوية الواحدية الأحدية الجمعية محمولة عليها الأضداد ~~في قوله : " هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ ". # فالموصوف بالباطنية والظاهرية والأوّلية والآخرية هوية واحدة لا اختلاف فيها ولا ~~تضادّ ، وهي قابلة لأوصاف متنافية ونعوت وأسماء متباينة ومتشاكلة متشابهة ، كذلك ~~الختم يقبل الأوصاف المتنافية المتكثّرة المختلفة ، والنعوت المتناسبة المؤتلفة ، ~~لأنّه أحدية جمع جميع حقائق الوجوب والإمكان ، فيقبل بذاته الاتّصاف بالكلمالات ~~والنقائص . # فهو من حيث التركيب العنصري والغواشي الطبيعي جاهل بما هو عالم به من حيث روحه ~~الممدّ وعينه الجامعة ورتبته الكمالية ، ولكن لا يقدح ذلك في كونه بالرتبة والحقيقة ~~والروح عالما بإمداده للأرواح كما لا يقدح تنافي الزوجية للفردية في العدد ، ولا ~~تضادّ السواد والبياض في اللون المطلق ، لكونه بذاته قابلا لهما ، ولا تنافي الملك ~~للشيطان في الحيوانية ، ولا الحقّية للخلقية في الوجود والحقيقة ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « وبهذا العلم سمّي شيث ، لأنّ معناه الهبة » # أي هبة الله . # " فبيده مفتاح العطايا على اختلاف أوصافها ونسبها ، فإنّ الله وهبه لآدم أوّل ما ~~وهبه وما وهبه إلَّا منه ، لأنّ الولد سرّ أبيه ، فمنه خرج وإليه عاد ، فما أتاه ~~غريب لمن عقل عن الله " . # قال العبد : # إنّما ظهرت العلوم الوهبيّة الجودية والحكم الوجودية الشهودية بالكلمة الشيثيّة ، ~~لأنّ آدم عليه السّلام حزن على فقد « هابيل » حزنا عظيما فسأل الله تعالى أن يهبه ~~ولدا صالحا للإلقاء والوهب الإلهيّ . # فوهبه الله شيثا فسمّاه بهذا الاسم ، يعني هبة الله ، فهو أوّل موهوب لأوّل الصور ~~الإنسانيّة بعد سؤاله الوهب عن الله الوهّاب بمن يكون مؤهّلا للعلم الوهبي ، فظهرت ~~علوم الوهب والإلقاء بشيث عليه السّلام ووهب الحكمة التي في علوم التقابل والتماثل. # ولهذا قال : # « بيده مفتاح العطايا » # وما وهبه الله آدم إلَّا منه ، لأنّ آدم الذي هو صورة أحديّة جمع الحقائق ~~اللاهوتيّة ، ومنه منبعث حقائق الهبات المفاضة على الأولاد في الوجود ، والولد سرّ ~~أبيه ، وسرّ هذه الصورة الأحدية الجمعية هو الفيض والوهب . # فمنه خرج وإليه عاد ، فإنّ الهبات والأعطيات تعود على حقائق القوابل المظهريّة ~~المرتبيّة ، والأمر محصور بين الوجود والمرتبة ، والإحاطة والجمع بحقائقها يقتضيان ~~الحصر فيهما ويقضيان بهما ، ولهذا ذكر الشيخ رضي الله عنه سرّ الختميّة في هذا ~~الفصّ . # ثمّ إنّ صورة الوهب والهبة الإلهيّة إنّما تكون في الواحد متعدّدة ومتكثّرة ، فهو ~~صورة سرّه القابل للوهب ، فما وصل إليه إلَّا منه ولكن بالحق ، فمنه خرج وإليه عاد ~~. # فما أتاه غريب من غيره ولا من الخارج ، ولا سيّما خارج عن صورة أحديّة جمع الكلّ ~~، فلا خروج ولا دخول إلَّا بالنسبة والإضافة ، فما خرج عن صورة أحديّة جمع الكلّ ~~عاد على صور تفصيله في الكلَّية التي هي فيه هو أوّلا وهو فيها هي آخرا . # قال رضي الله عنه : " وكلّ عطاء في الكون على هذا المجرى ، فما في أحد من الله ~~شيء وما في أحد من سوى نفسه شيء وإن تنوّعت عليه الصور " . # قال العبد : # المواهب والعطايا التي تجري على أيدي العبيد والوسائط وبدونها إنّما هي صور ~~استدعتها خصوصيات القوابل من الوجود المتعيّن فيها بحسبها ، والوجود الفائض من الحق ~~ذاتيّ له ، وقبوله للقوابل إنّما هو بحسب الاستعدادات الذاتية غير المجعولة ~~والخصوصيات ، فلولاها لما تعيّنت صور المواهب والعطايا من خزائن الجود الإلهيّة ~~للقوابل بحسبها. # فوصولها وحصولها وإن كان من خزائن الله ولكنّ المستدعي والمعيّن الموجب لتعيّنها ~~إنّما هو من القوابل وتنوّع صور المواهب للمعطي له في عين الفيض الواحد . # والفيض الواحد إنّما هو بحسب صور الاستعدادات ، فما في أحد من الله شيء ، وإلَّا ~~لزمته مفاسد لا تخفى من التبعيض والتجزّي والحلول وغيرها. # وكذلك ليس في أحد من غيره شيء ، إذ صور المواهب من خصوص استعداده ، وحقيقتها ~~الفيض الوجودي وهو عينه لا غيره في الحقيقة ، فافهم ، فما آتاه الله ما آتاه إلَّا ~~منه . # قال رضي الله عنه : « وما كلّ أحد يعرف هذا ، وأنّ الأمر على ذلك ، إلَّا آحاد من ~~أهل الله ، فإذا رأيت من يعرف ذلك ، فاعتمد عليه ، فذلك هو عين صفاء خلاصة خاصّة ~~الخاصّة من عموم أهل الله تعالى " . # قال العبد : # لا يعرف هذا السرّ الخفيّ إلَّا الأفراد الكمّل ، وهم على طبقات والكلّ يرون ~~النعم والمواهب من الله ، لسريان سرّ " وَما بِكُمْ من نِعْمَةٍ فَمِنَ الله ". # وهذا المشهد الذي ذكرنا في ظاهر المفهوم يوهم خلاف هذا ، وليس ذلك كذلك ، لأنّ ~~هؤلاء الطبقات : # منهم : # من يرى النعم كلَّها من الله ولكن بالأسباب التي هي غير الله . # ومنهم : # من لا يرى الأثر للأسباب والوسائط ، وهي سوى الحقّ كذلك في زعمهم . # ومنهم : # من يراها شروطا لا أسبابا ولا عللا ولا وسائط . # ومنهم : # من يرى النعم من الله بلا واسطة . # ومنهم : # من يرى الوسائط والأسباب أيضا من نعم الله . # وجميع هؤلاء الأصناف محجوبون في عين الكشف ، ومشركون في عين التوحيد ، لأنّهم وإن ~~وجدوا الله تعالى في رؤية النعم كلَّها من الله ، ولكنّهم أثبتوا الوسائط والنعم ~~والمنعم عليه والمنعم أغيارا بعضها للبعض ، والحقيقة تأبى إلَّا أن يكون هو الله ~~الواحد الأحد الظاهر الباطن الواحد الكثير . فالمسمّى واحدا هو الوجود الواحد الحق ~~الذي به تحقّق الحقائق من حيث حقيقته ، وهو المسمّى كثيرا أيضا من حيث تعيّناته في ~~القوابل ، والمنعم هو المفيض لذلك الواحد الكثير ، والمنعم عليه هو المعيّن القابل ~~لتعيّنات أخر بعد الوجود . # فالظاهرية والباطنية والأصالة والفرعية نسب ، فإذا وجد من يرى النعم الواصلة إليه ~~في عرصة الوجود العيني من مدرجة عينه الثابتة ، في الحق أزلا وأبدا من حيث إنّ تلك ~~العين الثابتة عين الحق ، فقد جمع بين رؤية النعم كلَّها من الله ورؤية المنعم عليه ~~عين المنعم ، وشهد أحدية الوجود على ما هي عليه الأمر في نفسه ، فكان هو عين صفاء ~~خلاصة خاصّة الخاصّة من عموم أهل الله . # فإنّ العامّة من أهل الله يرون التوحيد وهو ستّة وثلاثون مقاما كلَّيا نطق بها ~~القرآن في مواضع عدّة فيها ذكر " لا إِله َ إِلَّا الله " في كل موضع منها نعت مقام ~~من مقامات التوحيد . # وأمّا الخاصّة فيرون الوحدة فإنّ التوحيد فيه كثرة الموحّد والموحّد والتوحيد وهي ~~أغيار عقلا عاديّا ، والوحدة ليست كذلك . # وأمّا خاصّة الخاصّة فيرون الوحدة في الكثرة ، ولا غيريّة بينهما . # وخلاصة خاصّة الخاصّة يرون الكثرة في الوحدة . # وصفاء خلاصة خاصّة الخاصّة يجمعون بين الشهودين ، وهم في هذا الشهود الجمعي على ~~طبقات : # فكامل له الجمع ، وأكمل منه شهودا أن يرى الكثرة في الوحدة عينها ، ويرى الوحدة ~~في الكثرة عينها كذلك شهودا جمعيا ، ويشهدون العين الأحدية جامعة بين الشهودين في ~~الشاهد والمشهود . # وأكمل وأعلى وأفضل منه أن يشهد العين الجامعة مطلقة عن الوحدة والكثرة والجمع ~~بينهما وعن الإطلاق المفهوم في عين السواء بين ثبوت ذلك كلَّها لها وانتفائه عنها ، ~~وهؤلاء هم صفوة صفاء خلاصة خاصّة الخاصّة ، جعلنا الله وإيّاك منهم بمنّه ، إنّه ~~قدير خبير . # قال رضي الله عنه : « فأيّ صاحب كشف شاهد صورة تلقي إليه ما لم يكن عنده من ~~المعارف ، ومنحته ما لم يكن في يده قبل ذلك ، فتلك الصورة عينه لا غيره ، فمن شجرة ~~نفسه جنى ثمرة علمه ، كالصورة الظاهرة منه في مقابلة الجسم الصقيل ليس غيره ، إلَّا ~~أنّ المحلّ أو الحضرة التي رأى فيها صور نفسه يلقي إليه بتقلَّب من وجه ، لحقيقة ~~تلك الحضرة " # . # قال العبد : يشير رضي الله عنه إلى أنّه مهما يرى المكاشف صورة تلقي إليه من ~~العلوم ما لم يكن يعلمه ، فلا يتوهّم أنّها الله ، ولا سيّما إذا كان التجلَّي من ~~حضرة ذاتية . # وإن قالت الصورة : إنّها هي الله ، فليعلم حقيقة أنّ التجلَّي وإن كان من الله ~~كما نطق به ولكن تعيّن التجلَّي له إنّما كان من عينه الثابتة ، فالمتجلَّي إذن ~~عينه من كونها عين الحق. # فما تجلَّى له الحقّ إلَّا في صورة عينه الثابتة في عين شهود الحق ، فمن شجرة ~~نفسه التي هي للأسماء المعيّنة لله في الوجود الحق وبه من عينه الثابتة المعيّنة ~~لتلك الأسماء من الحضرة وفيها جنى ثمرة علمه التي هي عين العطيّة الإلهية الآتية من ~~حضرة اسمية هي شجرته التي غرسها في أرض حقيقته وعينه الثابتة ، كما أنّ الصورة ~~الظاهرة منه في الجسم الصقيل ليست غيره ، فإنّها لو كانت غيره لكانت فيه بلا هو ~~كذلك . # بل أعطاه محلّ ظهور صورته شهود ذاته ، كذلك ظهوره في الوجود الحق إنّما يكون بحسب ~~ظهور عينه الثابتة في مرآة الحق ، فتعطيه شهود ذاته نفسه في الحق فلا تظنّن أنّها ~~هي الله وإن لم تكن في الحقيقة إلَّا الله ولكنّ الكلّ لا ينحصر في الجزء ، إلَّا ~~أنّ الصورة تنصبغ من وجه بصبغة المحلّ وصبغه فتظهر بحسبه . فكذلك الحق يعطي العين ~~الثابتة من حيث تعيّنها وظهورها فيه حقّيّة هي فيها هي ، وهي بها فيه هو ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « كما يظهر الكبير في المرآة الصغيرة صغيرا أو المستطيلة ~~مستطيلا ، والمتحرّكة متحرّكا ، وقد تعطيه انتكاس صورته من حضرة خاصّة ، وقد # تعطيه عين ما يظهر منها ، فيقابل اليمين منها اليمين من الرائي ، وقد يقابل ~~اليمين منها اليسار من الرائي وهو الغالب في المرائي بمنزلة العادة في العموم ، ~~وبخرق العادة يقابل اليمين اليمين ويظهر الانتكاس . هذه كلَّها من أعطيات حقيقة ~~الحضرة المتجلَّي فيها التي أنزلناها منزلة المرائي ". # قال العبد : # ظهور الكبير في المرآة الصغيرة صغيرا ، ضرب مثل لظهور الحق في مظهرية كلّ عين عين ~~بحسبها . # والمستطيل ضرب مثل لمظهرية عالم الأمر والأرواح فإنّ لها طول العالم والعرض لعالم ~~الصور الجسمانية والمثالية والخيالية من حيث إنّها صور وأمثلة . # والظهور في المتحرّكة متحرّكا ضرب مثل للتجلَّيات والتعيّنات الدائمة الظهور ~~والتنوّع على التوالي حقّا وخلقا ، جمعا وفرقا . # وانعكاس الصورة في المرآة إذا كانت تحت الرائي في الوضع ضرب مثال للحق في الخلق ~~خلقا لا حقّا . # وانعكاسها فيها بعكس ما ذكرنا إذا كانت المرآة فوق الرائي ضرب مثل لظهور الخلق في ~~الحق حقّا لا خلقا . # وتقابل اليمين اليمين ضرب مثل لظهور الحق المطلق في مظهرية الإنسان الكامل كاملا ~~، أو لظهور الحق المطلق في المقيّد المحاذي للمطلق مطلقا من حيث إنّ عكس العكس ~~يستوي بالأصل ، ومن حيث إنّ الحق مع أنّه في كلّ متعيّن عينه فهو غير متعيّن على ~~التعيين في المطلق نفسه في المقيّد المنطلق عن غيره قيّده الفاني عن نفسه مطلقا ، ~~فافهم . # قال رضي الله عنه : " فمن عرف استعداده ، عرف قبوله ،وما كلّ من عرف قبوله عرف ~~استعداده إلَّا بعد القبول وإن كان يعرفه مجملا ". # قال العبد أيّده الله به اعلم : أنّ أهل العلم بالاستعداد على ضربين : # منهم : من يعلم استعداده الذاتيّ غير المجعول الذي به قبل الوجود أوّلا ، فيعرف ~~في ضمن ذلك الاستعداد غير المجعول استعدادات أخر مجعولة تتجدّد له في تطوّره بأطوار ~~الوجود ، عرف قبوله لما يقبله في كلّ آن من الزمان من التجلَّيّات والأعطيات ~~والهبات في كلّ موطن ومقام وحال . وهذا العالم أعلى عالم بالله في هذا المشرب ~~والمشهد ، ويختصّ بالختمين لا غير ، إلَّا من يشاء الله من الكمّل والأفراد الندّر ~~، جعلنا الله منهم بمنّه ويمنه . # ومنهم : من علم قبوله من استعداده المجعول في كلّ وقت وحال ، بمعنى أنّه لمّا ~~استعدّ لقبول تجلّ أو عطاء أو هبة أو حال أو مقام ، وتهيّأت أسباب ذلك في الوجود ، ~~عرف أنّ ذلك الاستعداد الوجوديّ إنّما حصل له من ذلك الاستعداد الذاتيّ الأزلي غير ~~المجعول ، فإنّ الثاني حكم من أحكام الأوّل ، وأنّه قبل به الوجود أوّلا على وجه ~~ينتج ظهور هذا الاستعداد الحالي الوجودي آخرا . # ومنهم : من يعرف استعداده من قبوله بمعنى أنّه إذا حصل له فيض ، وقبل تجلَّيا ، ~~عرف من الحاصل استعداده المستدعي لذلك العطاء من حيث إنّه لو لم يكن له استعداد ، ~~لم يحصل له ذلك القبول وذلك بعد الوقوع ، وقد يعرف الاستعداد بدلالة الحال قبل ~~القبول للتجلَّي وحصوله ، كالكاتب المجد إذا تهيّأت أسبابه وآلاته على الوجه ~~المطلوب ، وحمله باعث الحال على الكتابة ، فإنّه يتحقّق وقوع الكتابة قبل وقوعها ، ~~ويتحقّق الاستعداد المستدعي لذلك . # ومنهم : من يعرف الاستعداد الأصلي المذكور مجملا ، فيعرف كذلك مجملا ما يقبله من ~~الفيض والتجلَّي ، والعالم بالتفصيل له على الكلّ كلّ التفصيل ، مثل ما ذكرنا عن ~~خاتم الأولياء ، وشهوده جميع أحواله وعلومه وتجلَّياته وهيئاته التي أقامه الله ~~فيها إلى آخر عمره حال دخوله في بلاد الشرق ساحل بلاد الروم . # قال رضي الله عنه : « شهدت جميع ذلك حتّى صحبتي مع أبيك ". # يعني أبا الشيخ صدر الدين ، محمد بن إسحاق رضي الله عنه : " وشهدت ولادتك في ~~زمانها ، ومرتبتك عند الله ، وجميع مكاشفاتك وأذواقك وأذواق أولادك الإلهيّين ، ~~ومشاهدهم ومقاماتهم وعلومهم وتجلَّياتهم وأسماءهم عند الله ، وحلية كلّ واحد منهم ، ~~وأحواله وأخلاقه وكلّ ما يجري لك وعليك وعليهم إلى آخر أعماركم وبعد المفارقة في ~~برازخكم وما بعدها ، والحمد لله " . # وهذا النوع من العلم يختصّ بمثله ، وكان لأبي العبّاس الخضر عليه السّلام علم ~~الاستعدادات شهودا وكشفا . # منه علمه باستعداد الصبيّ الذي قتله أنّه لو عاش ظهرت استعدادات فرعيّة وجودية ~~توجب أن يرهق أبويه طغيانا وكفرا ، وأنّه يقتل عن ذلك الاستعداد على الطهارة ~~والفطرة عناية من الله سبقت له بموجب استعداده الأصلي أيضا . # وهو مخصوص بظهور الولاية ، مستور عن عامّة الأنبياء وخاصّتهم من كونهم أنبياء ~~وإذا شهدوها ، شهدوها من جهة الولاية ، وهي المشكاة الخصيصة بخاتم الأولياء ، فافهم ~~وتذكَّر ما ذكَّرت به إن شاء الله تعالى . # قال رضي الله عنه : " إلَّا أنّ بعض أهل النظر من أصحاب العقول الضعيفة يرون أنّ ~~الله لمّا ثبت عندهم أنّه فعّال لما يشاء ، جوّزوا على الله ما يناقض الحكمة » يعني ~~الحكمة الإلهية لا الحكمة العرفية . # قال رضي الله عنه : « وما هو الامر عليه في نفسه ، ولهذا عدل بعض النظار إلى نفي ~~الإمكان وإثبات الوجوب بالذات وبالغير " . # قال العبد أيّده الله به : يشير رضي الله عنه إلى جمع كثير من النظَّار وعلماء ~~الرسوم والمتكلَّمين القائلين بأنّ الله قد يفعل ما يناقض الحكمة ، كإيجاد الشريك ~~والمثل وإعدام الوجود وإيجاد العدم والممتنع والمحال ، واستدلَّوا على ذلك بكونه ~~قادرا على كلّ شيء ، وأنّه يفعل ما يشاء ، وأنّه فعّال لما يريد ، وهذا تنزيه وهميّ ~~بالعقل ، ولكنّهم غفلوا عن الحقيقة ، وما عقلوا أنّ هذه فروض وتقادير ساقطة غير ~~واقعة ، وليس لها لافظة ، وأنّها غير واردة في العقول المنوّرة الصافية الوافية ، ~~والاشتغال بمثل هذه الشبه تضييع الأنفاس . # ونحن نسلَّم أنّ الله قادر على كلّ شيء ، لكنّهم « حفظوا شيئا وغابت عنهم أشياء » ~~وذلك أنّ الله قادر على كل شيء ، ولكن كلّ شيء بشيئية الله ومشيئته ، فإنّه قادر ~~على ما يشاء ، وأنّه ما يشاء خلاف ما يعلم ، ولا يريد خلاف الحكمة ، فإنّه العليم ~~الحكيم ، والحكيم العليم لا يشاء ولا يريد أن يفعل ما يناقض الحكمة . # فقدرة الله تعالى إنّما تتعلَّق بالمقدورات بموجب إرادته ومشيّته تعالى ، ~~والإرادة إنّما تتعلَّق بالمراد على التعيين والتخصيص بموجب ما اقتضته الحكمة ~~والعلم ، والعلم الأزليّ ما تعلَّق بهذه الأمور المذكورة بما يخالف الحكمة على وجه ~~لا يقبل الوجود ، وأنّها لا تستعدّ لقبول الوجود ، بل بموجب العلم والحكمة واستعداد ~~القابل . # والحكيم الأزليّ قد أحكم الأشياء بحكمته قبل إيجادها ، ثم أوجدها بحسب ما رتّبتها ~~الحكمة ووضعتها مواضعها ، فلا جائز في حكمة الله تجويز ما يناقض الحكمة الإلهية . # ولما كثر شغب هؤلاء في تجويز هذه الأمور ، عدل بعض المتحذلقين من النظَّار إلى ~~نفي الجواز والإمكان وإثبات الوجود إمّا بالذات أو بالغير # وقال : ما ثمّ إلَّا واجب الوجود ، والممتنع ممتنع وجوده ، ولكنّ الواجب واجبان : ~~واجب بالذات ، وواجب بالغير ، فما في الوجود إلَّا واجب الوجود ، فانتفى الجواز ~~والإمكان عنده ، فما كان واجبا بالذات فواجب له عدم الامتناع كذلك . # ثمّ الواجب بالغير على زعم من يقول به هو الوجود المتعيّن بحسب القابل فما بقي ~~للإمكان متعلَّق في الحقيقة إلَّا التعيّن . # قال الشيخ رضي الله عنه : " والمحقّق " بعد من " يثبت الإمكان ، ويعرف حضرته ~~والممكن ما هو الممكن ؟ ومن أين هو ممكن وهو بعينه واجب بالغير ؟ من أين صحّ عليه ~~اسم الغير الذي اقتضى له الوجوب ؟ ولا يعلم هذا التفصيل إلَّا العلماء بالله خاصّة ~~" . # قال العبد : يشير رضي الله عنه إلى أنّ الممكن هو الوجود المتعيّن ، فإمكانه من ~~حيث تعيّنه ، ووجوبه من حيث حقيقته ، وذلك أنّ التعيّن نسبة تعقّلية ، فهي بالنسبة ~~إلى المرجّح وجودية واجبة للمتعيّن . # والتعيّن هو حدوث ظهور الوجود على وجه متعيّن يعيّنه القابل المعيّن للوجود بحسب ~~خصوصه الذاتي ، فيمكن بالنظر إلى كل متعيّن حادث للوجود أن ينسلخ الوجود عنه ، ~~ويتعيّن تعيّنا آخر ، وينعدم التعيّن الأوّل. # إذ نفس التعيّن هو الواجب للوجود الحقّ الساري في الحقائق لا التعيّن المعيّن ، ~~ولكن ليس كل تعيّن معيّن واجبا له على التعيين إلَّا بموجباته ، فيمكن أن ينعدم ~~ويتعيّن الوجود تعيّنا آخر ، إذ الوجود المتعيّن لا ينقلب عدما ، بل يتبدّل ~~بتعيّنات أخر عن تعيّنات قبلها فتتحقّق من هذا حقيقة الإمكان للتعيّن المعيّن وهو ~~نسبة عدميّة في الوجود . # فهو بين عدم ووجود ، مهما رجّح الحق إفاضة نور الوجود على ذلك الوجه المعيّن ، ~~بقي موجودا في رأي العين للجمهور ، والكشف يقضي بالتبدّل مع الآنات ، وإن أعرض عنه ~~التجلَّي الوجوديّ ، انعدم وعاد إلى أصله . هذا أصل الإمكان . # وأمّا اسم « الغير » و « السوي » للممكنات فذلك من حيث امتيازاتها النسبية ~~والذاتية بالخصوصيات الأصلية فهي من هذا الوجه أغيار بعضها مع البعض وأمّا غيريّتها ~~للوجود المطلق الحقّ فمن حيث إنّ كلَّا منها تعيّن مخصوص للوجود الواحد بالحقيقة ~~يغاير الآخر بخصوصيّته . # والوجود الحق المطلق لا يغاير الكلّ ولا يغاير البعض ، لكون كلَّية الكلّ وجزويّة ~~الجزء نسبا ذاتيّة ، فهو لا ينحصر في الجزء ولا في الكلّ ، مع كونه فيهما عينهما ، ~~فلا يغاير كلَّا منهما في خصوصهما ، ولكن غيريّته في أحديّة جمعه الإطلاقي في التي ~~تخصّه ، ولا يوجد في الجزء ولا في الكلّ ، فإنّ تلك الأحديّة الجمعيّة الإطلاقيّة ~~مطلقة عن الكليّة والجزئيّة والإطلاق ، فافهم . # وهذا التفصيل لا يعلمه إلَّا العلماء بالله خاصّة ، لكونهم عرفوه في الأصل المطلق ~~في شهودهم أوّلا ، فلم يحجبوا في الفرع الذي هو الوجود المقيّد آخرا ، فما في ~~الحقيقة إلَّا وجود مطلق ووجود مقيّد ، وحقيقة الوجود فيهما واحدة ، والإطلاق ~~والتعيّن والتقيّد نسب ذاتيّة ، فافهم . # قال الشيخ رضي الله عنه : " وعلى قدم شيث عليه السّلام يكون آخر مولود يولد من ~~هذا النوع الإنساني ، وهو حامل أسراره ، وليس بعده ولد في هذا النوع الإنساني فهو ~~خاتم الأولاد يولد معه أخت له فتخرج قبله ويخرج بعدها ، يكون رأسه عند رجليها ، ~~ويكون مولده بالصين ولغته لغة بلده ، ويسري العقم في الرجال والنساء ، فيكثر النكاح ~~من غير ولادة ويدعوهم إلى الله ، فلا يجاب ، فإذا قبضه الله وقبض مؤمني زمانه ، بقي ~~من بقي مثل البهائم لا يحلَّون حلالا ولا يحرّمون حراما ، يتصرّفون بحكم الطبيعة ~~شهوة مجرّدة عن العقل والشرع ، فعليهم تقوم الساعة " . # قال العبد أعلم : أنّ آدم عليه السّلام لمّا كان صورة ظاهريّة أحدية جمع جميع ~~الكمالات الأسمائيّة الإلهيّة الربّانيّة والكيانية ، كان ظهور الوهب الجودي ~~الامتنائي به وفيه وحدانيّا جمعيّا ، ثم ظهور التعيّنات من قبله بحسب الحقائق الأول ~~وحروف الأزل وعلى ترتيبها في وجود الأبناء ، فأوّل التعيّنات بعده كما أومئ إليها ~~من مرتبة الفيض . # ولكن تعيّن الفيض وتحقّقه لا يكون إلَّا بين مفيض للفيض وبين مفاض عليه ، فالمفيض ~~هو الله الفعّال ، وفيضه الذي هو عطاؤه ووهبه # على وجهين : ذاتيّ وأسمائيّ ، والمفاض عليه هو العالم . # والعالم عالمان : عالم جمع وعالم تفصيل . # فظهور الأسماء في عالم التفصيل وظهور الجمع الذاتي في عالم الجمع ولا بدّ لحقيقة ~~الوهب من هذين الوجهين وظهور الوهب من قبل القابل انفعاليّ ، ومن قبل الواهب فعليّ ~~. # ولحقيقة الوهب نسبتان ذاتيّتان إلى الفاعل والمنفعل ، وتعيّن الفيض في مراتب ~~التفصيل إنّما يكون بحسب هذين الوجهين ، فهو من قبل الفاعل تعيّن الأسماء الإلهيّة ~~الكمالية في قابليات كمّل الأنبياء ، ومن قبل الانفعال تعيّن الكمّل الآدميّين في ~~مظهريّة تلك الكمالات الأسمائيّة . # فآدم عليه السّلام مظهر أحدية جمع الأسماء ومظهر النفس الواحدة ومن حيث اعتبار ~~ذاتيّة الذات وإطلاقها لا يكون تجلّ ولا اسم ولا صفة ولا حكم ولا نعت . # والاعتبار الثاني موجديّة الذات ومفيضيّتها ومبدئيّتها ، ويظهر بحسب الإطلاق ~~والتقييد ، والفعل والانفعال ، والأسماء والذات ، فيكون في الأب الثاني وهو شيث ~~عليه السّلام تعيّن سرّ مرتبة الفيّاضيّة والوهب والجود . # ثمّ تعيّن المواهب والحكم الإلهيّة والرحمانية الذاتية في كمل الأنبياء على ما ~~سيأتي بعد شيث عليه السّلام الذي هو مظهر أحدية جمع الفيض الرحماني والعلوم ~~الوهبيّة الروحانيّة النورانية . # فأوّل تعيّن الأسماء في مرتبة الجمعية الإنسانيّة بعد مرتبة الفيض بشيث عليه ~~السّلام . # وإنّما كان بالتجلَّيات التنزيهيّة في نوح عليه السّلام بعد كمال ظهور أسرار ~~التشبيه بقوم نوح ، فنوح صورة أحدية جمع التنزيهات التوحيدية ، ومظهر تجلَّيات ~~الأسماء السلبية المفيضة للنزاهة والطهارة الإلهية ، وأمّته الذين لم يقبلوا دعوته ~~مظاهر التشبيه الذين شبّهوا الصور الجسمانيّة بالصور الأسمائيّة الإلهيّة النبوية . # ثمّ مرتبة التقديس والنزاهة والطهارة بالفعل في إدريس عليه السّلام . # ثمّ تفصّلت الحقائق النبويّة بعد تعيّنها وظهور أحدية جمع كمالاتها في إبراهيم ~~عليه السّلام . # وتحقّق إمامته في أولاده سليمان عليه السّلام في مرتبة ظاهرية أحدية جمع الكمالات ~~الأسمائية. وكملت في داود وسليمان عليه السّلام . # ثمّ ابتدأت بظهور مرتبة الجمع في الباطن ، فيمن بعد سليمان إلى عيسى عليه السّلام ~~حتّى ظهر كمال دعوة البطون فيه . # ثمّ كمل الأمر في مرتبة أحدية جمع جمع الأسماء والذات في مقام الفردية الكمالية ~~البرزخيّة بمحمّد عليه الصلاة والسلام . # ثمّ ابتدأت بالصور الكمالية الأحدية الجمعية في مرتبة الباطن والولاية بآدم ~~الأولياء ، وهو أوّل وليّ مفرد في الولاية المورّثة عن النبوّة الختمية المحمدية ~~وهو عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام فظهرت الحقائق الجمعية الكمالية أحدية ~~جمعيّة في مظاهر الكمالات الإنسانية الأحدية الجمعية من الأولياء والورثة ~~المحمديّين الإلهيّين إلى أن ختمت الولاية العامّة بعيسى بن مريم عليه السّلام . # قال محقق الكتاب : # " فعبّر عنه عليه السّلام بآدم الأولياء ، لأنّ ولاية كلّ وليّ تنتهي إليه عليه ~~السّلام . # لأنّه « كان ونبيا وآدم بين الماء والطين » بحسب الرتبة الجسمانية الزمانية . # وهو سرّ الأنبياء عبارة عن مرتبة ولا يأتهم فهو أب كل الأنبياء معنى وروحا ، وآدم ~~أبونا بحسب الرتبة الجسمانية الزمانية" # وإذا انتهت مراتب التفصيل الوهبي جمعا وتفصيلا في الصور الجمعية الكمالية ~~الإنسانية ، وفي الصور التفصيلية الفرقانية نورانيّها في كمل الأنبياء والأولياء ~~وظلمانيّها في الفراعنة والجبابرة والمردة والعفاريت تماما ، ظهرت ختميّة مرتبة ~~الوهب الذي كان مفتتحه ومختتمه من شيث عليه السّلام في آخر مولود يولد من النوع ~~الإنساني الذي هو صورة ختميّة مرتبة الوهب الأحدي الجمعي الكمالي الإنساني. # فكونه توأما إشارة إلى أنّ الوهب ذاتي وأسمائي ، فالذاتي فعلي على ما ذكر ~~والأسمائي انفعالى سفلي أنثيّ ، وذلك لما فيه من التقابل . # وخروج الأنثى قبل الذكر إشارة إلى أنّ المظاهر الأسمائية ظاهرية الوهب ، وأنّها ~~تظهر وتبدو قبل الوهب الذاتي الأحدي الجمعي ، ولهذا كان أمّ رأسه وهو محلّ أحديّة ~~جمع قواه النفسانيّة ، ومنبت الأعصاب التي بها يكون الحسّ والحركة بين رجليها ، لأن ~~أحدية الجمع يكون بين الجمع الأوّل وهو اثنان في العدد الزوج . # وكما كان افتتاح صور جمع الأوّل الناتجة أوّلا من الأبوين الأوّلين أعني آدم ~~وحوّاء زوجا زوجا ، فكانت تلد لآدم في كل بطن توأما . # إشارة إلى أنّ ظهور مرتبتي الفعل والانفعال الناتجتين من صورة أحدية جمع المظهرية ~~الكماليّة بين مرتبتي الحق والخلق يكون أحديّا جمعيّا ، فكذلك انختمت الصورة ~~البشرية ، الناتجة من هذا النوع أيضا زوجا في صورة أحدية جمعية . # فتولَّد خاتم الأولاد مع أخته توأما ، ضرب مثل إلهي لهذا السرّ وإشارة إلى انختام ~~هذه المرتبة الوهبية والحكمة النفثيّة المفتتحة بها في الكلمة الشيثيّة لا مطلق ~~الوهب . # فإنّ الله وهّاب دائما ، ولكن مرتبة الوهب الحكمي الأحدي الجمعي الكمالي الخصيص ~~بخاتم الصور الوجودية الظاهر أوّلا في شيث ، فخاتم الأولاد آخر صور مثليّة إلهية ~~ضرب مثلا لختميّة هذه المرتبة لمن عقل عن الله ، و " كانَ لَه ُ قَلْبٌ أَوْ ~~أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ". # ولمّا كانت هذه المرتبة الأحدية الجمعية الكماليّة النفسية الخصيصة بأوّل صورة في ~~النوع الأخير ظاهرة في خاتم الصور الوجودية في أقصى مرتبة الوجود وآخر الأنواع كذلك ~~، انختمت المرتبة بخاتم الأولاد الذي ولد في أقصى البلاد ، وهو الصين . # ثمّ منعت عن الظهور فلا يولَّد بعده إنسان ، إشارة إلى أنّ إنزال الحكم المنتجة ~~للكمال الأخير بلغ النهاية ،فانختمت المرتبة فانقطع النوع في هذه النشأة وهذه ~~الدورة. # ثمّ يبقى بعده شرار الخلق لا نزّل الله إليهم الحكم ، فيهم حيوانات في صور إنسان ~~لإظهار كمال الحقائق الحيوانيّة الطبيعية البهيمية والسبعية في الصورة الإنسانية ~~تماما على ما تقتضيه الطبيعة من حيث هي من غير وازع عقلي ولا مانع حكمي أو شرعيّ ، ~~فعليهم تقوم الساعة . # وخاتم الأولاد أكمل زمانه ، وله من العلوم الوهبيّة والحكم النفثية الظاهرة في ~~الكلمة الشيثية أتمّ حظَّ وأوفر نصيب ، ويدعو إلى الله بأحكام حكمته فلا يجاب إلى ~~دعوته ، فيقبضه الله إليه ويقبض معه وبعده مؤمني زمانه . # وولادة أخته قبله إشارة أيضا إلى أن تحقّق المرتبة الفاعليّة بعد تعيّن مرتبة ~~الانفعال ، وولادته بعد أخته تصحيح ختميّته ، لأنّه لو ولد قبلها كانت هي الخاتمة ~~،ولهذا لا يطَّرد هذا الحكم في كل توأم. # وكون رأسه عند رجليها إشارة أخرى أيضا إلى أنّ الأحدية الجمعيّة الكمالية الختمية ~~إنّما تظهر بعد ظهور رتبة التفصيل لتحقّق الآخرية ، فافهم . # واعلم : أنّ هذه الحكمة النفثية تشتمل على مكاشفات عليّة ، وقواعد علميّة ، ~~وقوانين كشفية حكمية ، فتدبّرها بفهمك الثاقب ونور إيمانك الصائب تعثر على كنوز ~~الحكم النازلة على الطريق الأمم ، من المقام الأقدم ، على المظهر الأكمل الأجمع ~~الأتمّ ، والمنظر الأحسن الأعدل الأقوم ، محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم . # . ### | فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية ### | 03 - فصّ حكمة سبوحية في كلمة نوحية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قد سلف في سرّ إضافة هذه الحكمة السبّوحية إلى الكلمة النوحية ما فيه مقنع ~~ومطَّلع على حقائقه ونقول في مرتبة السبّوحيّة وهي النزاهة والطهارة اللازمة مرتبة ~~الواحدية والأحدية والبساطة والنوريّة : # اعلم : أنّ كلّ تنزيه من كل منزّه لكلّ منزّه تحديد منه له بتمييزه إيّاه عمّا ~~تميّزه تنزيهه عنه ، وحصوله فيما عيّنه له من وجوه التنزيه . وكذلك الإطلاق إن يجب ~~أيضا تقييد له بالإطلاق ، فأتم اللامقيّد أعلاه بإطلاقه نظرا عقليّا فكريا . # ثمّ إنّ الله تعالى طلب من الخلق معرفته بقوله : " أحببت وأردت أن أعرف ، فخلقت ~~الخلق وتعرّفت إليهم " أي بألسنة الشرائع المنزلة " فعرفوني " أي على ما عرّفتهم ~~فيما تعرّفت . # وقيل إنزال الشرائع كان العلم به تعالى بوجوه التنزيه عن سمات الحدوث والتركيب ~~والافتقار ، وإطلاق الاقتدار وهو التنزيه المشهور عقلا ، فلا يتعدّاه عقل أصلا . # وأمّا العارف بالله حقيقة فهو جامع بين معرفتين : معرفة يقتضيها العقل والدليل ، ~~ومعرفة يقتضيها الشرع لا يبلغها التأويل . وطريق العقل المنوّر الكامل فيها أن يردّ ~~علم ذلك عن الدليل العقلي وتعليمه إلى الله ويؤمن به وبكلّ ما جاءت به الشرائع ~~المنزلة # على ألسنة الرسل على الوجه الذي أراده الله من غير تأويل بفكره ولا تحكَّم على ~~ذلك برأيه وأمره ، لأنّ الشرائع إنّما أنزلها الله تعالى لعدم استقلال العقول ~~البشرية بإدراك حقائق الأشياء على ما هي عليه في علم الله ، وأنّى لها ذلك وقد ~~تقيّدت بما عندها من إطلاق ما هنا لك ؟ فإن وهبها الله تعالى علما بمراده من ~~الأوضاع الشرعيّة ، ومنحها اطَّلاعها على حكم من الأحكام الدينية الأصلية الأصيلة ~~والفرعية المرعيّة من حقائق الإخبارات الإلهيّة التي يتخيّلها العقل بقوّته الفكرية ~~، فذلك من قبل الفيض الإلهي الرحماني والتعليم السبحاني الربّانيّ . # فلا تضفها إلى فكره ، فتنزيهه الفكري يجب أن يكون مطابقا لما أنزله على ألسنة ~~الرسل عليهم السّلام في كتبه المنزلة عليهم ، وإلَّا فهو منزّه عن تنزيه العقول ~~البشريّة بأفكارها ، فإنّها مقيّدة بأوطارها ، واستعلت على جوّ أو كارها وأكوارها ، ~~وكوشفت وشوفهت بها تحدّث الحقائق عن أخبارها ، فإنّها حينئذ يكشف الغطاء عن بصائرها ~~وأبصارها ، فهي حديدة وتطلع ، فتطَّلع على الحكم المودعة الإلهيّة في صور الأوضاع ~~الشرعيّة وإخباراتها على وجوه سديدة ، وينزّه الحقّ إذ ذاك عن التنزيهات العرفية ~~بالأفكار العاديّة ، # ولهذا قال الشيخ رضي الله عنه : " اعلم : أنّ التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب ~~الإلهي عين التحديد والتقييد ، فالمنزّه إمّا جاهل وإمّا صاحب سوء أدب عن أمور ~~بموجب استحسانه واستقباحه لفكره العاديّ وعقله العرفي ، وخصّه بأمور سواها بحكمه ~~وأمره ، والتنزيه تحديد من المنزّه ، لأنّه تمييز ، والتمييز تحديد ، والتخصيص ~~تقييد له تعالى بما ميّزه عنه وتحديد بما سواه ، وهذا مناف للإطلاق الحقيقي الإلهي ~~الذاتي » . # ثمّ هذا المنزّه إمّا أن يكون عارفا بأنّ الله مطلق الذات بالإطلاق الذي لا ~~يقابله تقييد ، بل بالإطلاق عن الإطلاق والتقييد والجمع بينهما على وجه الحصر ~~والتحديد ، فهو لا ينزّهه إذا عمّا اقتضته ذاته ، فتنزيهه إذن عن شيء مع ذلك سوء ~~أدب وتحكَّم على الحقّ بأن يكون على وجه وهو على خلاف ما عرف من الإطلاق الذي ~~يقتضيه لذاته ، # وإن لم يكن عالما بحقيقة الإطلاق الذاتي المذكور الذي لله تعالى ، فهو جاهل ~~بحقيقته تعالى وبالتنزيه الحقيقي الذي يقتضيه تعالى لذاته بتحكيم رأيه وفكره على ما ~~وردت به الشريعة من أمره ف " ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِه ِ " ، وقدروا الإدراك ~~العقليّ الفكريّ فوق طوره ، فافهم . # قال الشيخ رضي الله عنه : " ولكن إذا أطلقاه وقالا به ، فالقائل بالشرائع المؤمن ~~إذا نزّه ووقف عند التنزيه ، ولم ير غير ذلك ، فقد أساء الأدب ، وأكذب الحق والرسل ~~صلوات الله عليهم وهو لا يشعر ، ويتخيّل أنّه في الحاصل وهو في الفائت ، وهو كمن ~~آمن ببعض وكفر ببعض " . # قال العبد : الجاهل الحقيقة الحقّ وصاحب سوء الأدب إذا أطلقاه في التنزيه ، ~~واقفين على مقتضى معتقدهما من التنزيه ، ولم يشهدا سوى مشاهدهما المعيّنة ، فقد فقد ~~كلّ واحد منهما الحق المطلق بمعلومه ، وحصره في مفهومه ، وأساء الأدب ، وأكذب الحقّ ~~والرسل بالعجب والعجب ، لأنّه تعالى نزّه وشبّه وجمع بين التنزيه والتشبيه في أنّه ~~واحدة فقال : "لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ " فنزّه "وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " ~~فشبّه وهو جمع بينهما . # بل في نصف هذه الآية وهو قوله : " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ " جمع بين التنزيه ~~والتشبيه على قول من يقول منّا : إنّ الكاف في « كمثله » غير زائدة ، فإنّ فيه نفي ~~مماثلة الأشياء لمثله ، فمثله هو المنزّه وهو إثبات للمثل المنزّه ، وهو عين ~~التشبيه في عين التنزيه بمعنى أنّ المثل إذا نزّه فبالأولى أن يكون الحقّ منزّها عن ~~كلّ ما ينزّه عنه مثله ، لأنّ تنزيه المثل المثبت في هذه الآية موجب لتنزيهه ~~بالأحرى والأحقّ . وكذلك النصف الثاني مصرّحا بالتشبيه ظاهرا . # ولكنّه عند التحقيق وتدقيق النظر الدقيق عين التنزيه الحقيقي في صورة التشبيه ~~وصيغته ، لأنّ قوله : " هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " إثبات لخصيص أو لخصيصيّة ~~بإثبات السميعية والبصيرية ، بمعنى أنّه لا سميع ولا بصير في الحقيقة إلَّا هو ، ~~فهو السميع بعين كلّ سمع سميع ، والبصير بعين كلّ بصر بصير . # فهو تنزيهه تعالى عن أن يشتركه غيره في السمع والبصر ، وهو حقيقة تنزيهه لنفسه ~~وتنزيه المحقّقين ، فافهم . # فلمّا أقرّت العقول بالعجز عن إدراك الحقائق على سبيل الإحاطة والحصر إلَّا طائفة ~~جاهلة بحقيقة الأمر ، عادلة عن طريقة السرّ ، فإنّهم قالوا : إنّ العقول كافية في ~~إدراك عقولنا فلا معقول عليه ، مع اعتراف أفاضلهم وأكابرهم بأنّ الفكر قوّة جزويّة ~~. # أنّ ما يصل إليه الإنسان بفكره ليسير بالنسبة إلى ما لم يصل إليه ، وأنّ العقول ~~المتعيّنة في القوى المزاجية ، المقيّدة الجزوية مقيّدة جزوية كذلك بحسبها ، وأنّى ~~للأفكار المقيّدة الجزوية أن تدرك الحقائق المجرّدة المطلقة من حيث هي كذلك ، إلَّا ~~أن تنطلق عن قيودها أو تتقيّد المطلقات المجرّدة بحسب شهودها ووجودها ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « ولا سيّما وقد علم أنّ ألسنة الشرائع الإلهية إذا نطقت في ~~الحق بما نطقت به إنّما جاءت به في العموم على المفهوم الأوّل ، وعلى الخصوص على ~~كلّ مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللفظ بأيّ لسان كان في وضع ذلك اللسان" . # قال رضي الله عنه : "فإنّ للحق في كلّ خلق ظهورا ، فهو الظاهر في كل مفهوم ، وهو ~~الباطن عن كل فهم إلَّا عن فهم من قال : إنّ العالم صورته وهويّته ، وهو الاسم ~~الظاهر". # قال العبد أيّده الله به : اعلم : أنّ المعرفة الحاصلة للعقلاء توجب باتّفاقهم ~~وتقتضي باجتماعهم وإطباقهم تنزيه الحقّ عن صفات المحدثات والجسمانيات ، وسلب ~~النقائص عن جنابه ، ونفي النعوت الكونية الحدوثية عنه ، فالعقول مطبقة على ذلك . # ولو كان المراد الإلهي من معرفته هذا القدر ، لكان بالعقول استغناء واكتفاء عن ~~إنزال الشرائع والكتب ، وإظهار المعجزات والآيات لأهل الحجب ، ولكنّ الحقّ سبحانه ~~وتعالى غنيّ عن تنزيه العقول بمقتضى أفكارها المقيّدة بالقوى المزاجية . # ويتعالى عن إدراكها ما لم تتّصل بالعقول الكلَّية ، فاحتاجت من حيث هي كذلك في ~~معرفتها الحقيقة إلى اعتناء ربّاني «وإلقاء رحمانيّ يهيّئ استعدادا لمعرفة ما لا ~~تستقلّ العقول البشرية بإدراكه مع قطع النظر عن الفيض الإلهي . فلمّا جاءت ألسنة ~~الشرائع بالتنزيه والتشبيه والجمع بينهما. # كان الجنوح إلى أحدهما دون الآخر باستحسان عقلي فكري تقييدا أو تحديدا للحق ~~بمقتضى الفكر والعقل من التنزيه عن شيء أو أشياء أو التشبيه بشيء أو أشياء ، بل ~~مقتضى العقل المنصف المتّصف بصفة نصفة أن يؤمن بكلّ ما وردت به الشرائع على الوجه ~~المراد للحق من غير جزم بتأويل معيّن ولا جنوح إلى ظاهر المفهوم العامّ مقيّدا بذلك ~~، ولا عدول إلى ما يخرجه عن ظاهر المفهوم من كل وجه محدّدا لذلك ، ولكنّ الأحقّ ~~والأولى والأجدر والأحرى أن نأخذ القضيّة شرطيّة . # فنقول : إن شاء الحقّ ، ظهر في كل صورة ، وإن لم يشأ لم تنضف إليه صورة ، بل الحق ~~أنّ الحق منزّه في عين التشبيه ، ومطلق عن التقييد والحصر في التشبيه والتنزيه ، ~~وذلك لأنّ التنزيه عن سمات الجسمانيات وصفات المتحيّزات تشبيه استلزامي ، وتقييد ~~تضمّني بالمجرّدات العريّة عن صفات الجسمانيات من العقول والنفوس التي هي عريّة عن ~~سمات المتحيّزات ، بريّة عن أحكام الظلمانيات . # وإنّ نزّه الحقّ أيضا منزّه عن الجواهر العقليّة والأرواح العليّة والنفوس ~~الكلَّية ، فذلك أيضا تشبيه معنوي بالمعاني المجرّدة عن الصور العقلية والنسب ~~الروحانية والنفسانية . # وإن نزّه عن كل ذلك ، فذلك أيضا إلحاق للحق بالعدم ، إذ الموجودات المتحقّقة ~~الوجود ، والحقائق المشهودة على النحو المعهود منحصرة في هذه الأقسام الثلاثة ، ~~والخارج عنها تحكَّم وهمي ، وتوهّم تخيّلي لا علمي ، وذلك أيضا تحديد عدمي بعدمات ~~لا تتناهى ، وتقييد بعقائد تتباين وتتنافى ، وعلى كل حال ، فهو تحديد وتقييد ، وذلك ~~تنزيه ليس في التحقيق وجه سديد ، وحقيقة الحق المطلق تأباه وتنافيه وتباينه ولا ~~توانيه . ولا سيّما وقد نزلت الشرائع بحسب فهم المخاطب على العموم ولا يسوغ أن ~~يخاطب الحق عبده بما يخرج عن ظاهر المفهوم ، فكما أمرنا أن نكلَّم الناس بقدر ~~عقولهم ، فلا يخاطبهم كذلك إلَّا بمقتضى مفهومهم ومعقولهم ، ولو لم يكن المفهوم ~~العامّ معتبرا من كل وجه ، لكان ساقطا وكانت الإخبارات كلَّها مرموزة ، وذلك تدليس ~~، والحق تعالى يجلّ عن ذلك ، فيجب الإيمان بكل ما أخبر به من غير تحكَّم عقلي ولا ~~تأويل فكري ، إذ " ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَه ُ إِلَّا الله وَالرَّاسِخُونَ في ~~الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا به ". # وحيث أقرّت العقول بالعجز عن إدراك الحقائق فعجزها عن إدراك حقيقة الحق أحقّ في ~~أصحّ المذاهب والطرائق ، فلا طريق لعقل ولا وجه لفكر مفكَّر أن يتحكَّم على الذات ~~الإلهي بإثبات أمر لها أو سلب حكم عنها إلَّا بإخباره عن نفسه . # فإنّ الذات المطلقة غير منضبطة في علم عقلي ولا مدركة بفهم فكري ، ولا سيّما لا ~~وجه للحكم بأمر على أمر إلَّا بإدراك المحكوم به ، والمحكوم عليه ، وبالحكم حقيقة ، ~~وبحقيقة النسبة بينهما . وهذا مقرّر عقلا وكشفا دائما ، فليس لأحد أن يتحكَّم بفكره ~~على إخبارات الحقّ عن نفسه وتأوّلها على ما يوافق غرضه ويلائم هواه ومدركه ، فإنّ ~~الإخبارات الإلهية مهما لم يرد فيها نصّ بتعيّن وجه وتخصيص حكم . # فهي متضمّنة على جميع المفهومات المحتملة فيها من غير تعيين مفهوم دون مفهوم ، ~~وهي إنّما تنزل في العموم على المفهوم الأوّل وفي الخصوص على كل مفهوم يفهمه الخاصّ ~~من تلك العبارات ، والحق إنّما ذكر تلك العبارات عالما بجميع المفهومات ، محيطا بها ~~وجميعها مراد له بالنسبة إلى كل فاهم ، ولكن بشرط الدلالة اللفظية بجميع وجوه ~~الدلالة المذكورة على جميع الوجوه المفهومة عنها في الوضع العربي أو غيره أيّ لغة ~~كانت تلك الإخبارات بها . # لأنّ للحق ظهورا في كل مفهوم ومعلوم وملفوظ ومرقوم ، وفي كل موجود موجود ، سواء ~~كان من عالم الأمر ، أو من عالم الخلق ، أو من عالم الجمع ، فهو الظاهر في الكلّ ~~بالكل ، وعين الكلّ والجزء ، وكل الكلّ ، فهو الظاهر في كل فهم بحسبه غير منحصر فيه ~~ولا في غيره من المفهومات ، وهو الباطن من كل فهم ومفهوم إلَّا من رزقه الله فهم ~~الأمر على ما هو عليه ، وهو أن يرى أنّ العالم صورة الحق وهويّة العالم هويّة الاسم ~~«الظاهر» ، وصورة العالم هو الاسم « الظاهر » ، وهويّة العالم هو الاسم « الباطن » ~~وهو من حيث هو المطلق عن التقيّد بالظاهر والباطن والحصر في الجمع بينهما وهو غير ~~المتعيّن المطلق مطلقا في عين تعيّنه بعين كلّ عين من أعيان العالم ، فافهم . # قال رضي الله عنه : " كما أنّه بالمعنى روح ما ظهر ، فهو الباطن " . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ الحق من حيث كونه عين العالم كان العالم صورته وهويّته ~~، وكان هو الاسم الظاهر عينه من هذا الوجه ، وهو من كونه عين معنى العالم وحقيقته ~~هو روح العالم والاسم الباطن عينه . # قال رضي الله عنه : «فنسبته لما ظهر من صورة العالم نسبة الروح المدبّر لصورته». # قال العبد : لا يسبق إلى فهمك من هذه النسبة المذكورة ، وقوله : « ما ظهر » عالم ~~الأجسام فقطَّ ، بل جميع ما يسمّى عالما من عالم المعاني فما دونه من العوالم ~~العقلية والروحية والنفسية والطبيعة الجسمانية والعنصرية والمثالية والخيالية ~~والبرزخية والحشرية والجنانية والجهنّمية وصور كثيب الرؤية وصور التجلَّيات ~~الجلالية والجمالية والكمالية والجنابية والجهنّمية. # وصور كثيب الرؤية وصور التجلَّيات الجلالية والجمالية والكمالية أبد الآبدين ودهر ~~الداهرين ، كل هذه ظاهريّة الحق ، ونسبته إلى الكل كنسبة الروح المدبّر لهيكله ، ~~فالمسمّى عالما هو صورة الحقّ والحق روحه المدبّر له ، فمن عرف شيئا من العالم ، ~~وعرفه عريّا عن الحق ، فما عرفه ولا عرّفه على ما هو عليه ، وكذلك بالعكس من عرف ~~الحق في زعمه وعرفه بريّا عن العالم وعريّا عنه ، فما عرفه ولا عرّفه . # قال الشيخ رضي الله عنه : « فيؤخذ في حدّ الإنسان مثلا باطنه وظاهره ، وكذلك كل ~~محدود ، فالحق محدود بكل حدّ » أي لكل محدود # قال الشيخ رضي الله عنه : « وصور العالم لا تنضبط ، ولا يحاط بها ولا يعلم حدود ~~كلّ صورة منها إلَّا على قدر ما يحصل لكلّ عالم من صورة ، فلذلك يجهل حدّ الحق ، ~~فإنّه لا يعلم حدّه إلَّا بعلم حدّ كلّ صورة ، وهذا محال حصوله ، فحدّ الحق محال " ~~. # قال العبد : لمّا كانت صورة العالم ظاهرية الحق ، وهويّته باطنه ، لزم أن يكون ~~الحدّ الكامل لكل شيء هو بذكر حدّه آخذا ظاهره وباطنه ، والحق باطن الكلّ ، فإن لم ~~يكن مذكورا في حدّ كل محدود ، لم يكن الحدّ كاملا . # وهو تعالى إنّ حدّ ، حدّ بجميع الحدّ على الحدّ الذي ذكرنا ، لا على الحدّ الرسمي ~~للحدود في عرف الحكمة الرسميّة المنطقيّة ، ولكنّ الحقّ يتعيّن في كل محدود بحسبه ~~وقدره ، فلا ينحصر في حدّ ولا في جميع الحدود المحدودة ، ولا ينحصر حدّه أيضا في ~~الجمع من جميع الحدود إن انحصرت ،ولكنّها لا تنحصر أصلا. # فلا يحدّ الحقّ أبدا ، فهو حدّ كل شيء وليس له حدّ ، فلو حصل لنا الإحاطة بحدود ~~جميع صور العوالم وأرواحها وحقائقها ومعانيها ، وانضبطت لنا حدودها ظاهرة وباطنة ، ~~لتأتّى لنا من حدّه حدّه تعالى ، ولكنّها لا تنضبط ولا يحاط بها أبدا فلا يحدّ الحق ~~. # وأيضا : فإنّ الحق لا يتميّز بخصوصية تفصّله عن خصوصيّة ، وإلَّا لكان محدودا ~~مقيّدا بتلك الخصوصيّة ، ولمّا لم تنحصر الصور ولم تنضبط التعيّنات غير المتناهية ، ~~لم يكن حدّ الكلّ إلَّا بكلَّيّته مجملا ، وذلك أيضا اعتبار يعتبر مجملا ، فلم يكن ~~حدّ الحق . # وأيضا لأنّه تعالى أحديّة جمع جميع الحقائق الخصوصيّة والاشتراكيّة كلَّها ما ~~تناسب وتشاكل وتباين وتنافي وتضادّ وتناقض ، فلا يعلم حدّه ، لكون الحدود مصوّرة ~~للمحدودات ومتحقّقة فيها فهي غير معلومة ، ولا يحاط بها في نفس الأمر ، فلا يلزم من ~~عدم الإحاطة بالحدود والمحدودات ولا من عدم علمنا بالحدود كلَّها على سبيل الحصر ~~كونه تعالى محدودا بحدود المحدودات كلَّها من كونه تعالى عين الكلّ إلى ما لا ~~يتناهى مطلقا عن الانحصار في الحدود والمحدوديّة واللامحدوديّة . ذلك مبلغنا من ~~العلم ولا يبلغ كلّ ما فيه ، وهذا غاية البيان ، والله المستعان . # قال رضي الله عنه : "وكذلك من شبّهه وما نزّهه ، فقد قيّده وحدّده وما عرفه ، ومن ~~جمع في معرفته بين التنزيه والتشبيه ، ووصفه بالوصفين على الإجمال ، لأنّه يستحيل ~~ذلك على التفصيل لعدم الإحاطة بما في العالم من الصور ، فقد عرفه مجملا لا على ~~التفصيل". # قال العبد : وكما تقدّم القول في المنزّه بالتنزيه العقلي أنّه ناقص المعرفة ، ~~لكونه مقيّدا للمطلق ومحدّدا لما لا حدّ له بما يخرجه ويميّزه عن جميع ما ينزّهه ~~عنه ، فكذلك المشبّه من غير تنزيه غالط ، لأنّ التشبيه تقييد وتحديد أيضا للمطلق ~~الذي لا حدّ له بقيده وحصره ، وهو المطلق بالذات والوجود ، لأنّه وصفه بوصف ذي حدّ ~~، وحدّه بحدّ ذي وصف معيّن ، وقيّده بذلك ، ذاهلا عن ضدّ ما قال به أو نقيضه وهو ~~التنزيه ، ولقبوله تعالى الوصفين معا على الوجه الأكمل الأجمع . # وذلك لأنّ المشبّه يشبّهه تعالى بالجسمانيات ، ويحصره في ذلك المنزّه بنزهه عنها ~~كذلك ، فكل واحد منهما يقيّده إذن بمفهومه ، ويحدّده بمعلومه ، وحقيقته تعالى تقتضي ~~الإطلاق والحصر . # ثم إنّ التشبيه يقتضي : مشبّها ، ومشبّها به ، ومشبّها ، وفيه اشتراك للحق بما ~~يشبّه فيه بما يشبّهه به فيما يشبّهه به شبهه ، وحيث ورد التنزيه والتشبيه معا في ~~إخباره تعالى عن نفسه في مفهوم العموم وفي معلوم أهل الخصوص ، أخبر عن نفسه في ~~التشبيه في عين التنزيه والتنزيه في عين التشبيه ، وذلك في كتبه المنزلة ، وعلى ~~ألسنة رسله المرسلة . # فالأخذ بأحدهما دون الآخر كفر به وبما أخبر عن نفسه من حيث أحد الوجهين ، وجنوح ~~عن حق الإيمان ، ولكنّا آمنّا بما جاء عن الحق وشبّهنا كما أخبرنا به تعالى عن نفسه ~~على الوجه الذي أراده من غير تحكَّم عقلي ولا تأويل فكري وعلى مقتضى المفهوم الأوّل ~~من اللفظ والعبارة ، ونزّهنا أيضا من حيث ما ورد التنزيه في القرآن المجيد من غير ~~تحكَّم عقلي ولا تسلَّط فكري ولا تأويل تقييدي بأمر دون أمر ، فقد وفّينا الحقيقة ~~مقتضاها وأعطينا من الله في حق كل مرتبة ما أتاها ، ومن جمع بين المعرفتين منّا ، ~~ولم يحصر الأمر وأطلق ، فهو الإمام العلام ، حسنة الليالي والأيّام . # ثمّ إنّ الواصف للحق بالوصفين إمّا أن يصف بهما إجمالا وهو الممكن في حق العارفين ~~، ولكن منهم من يصفه بهما امتثالا واتّباعا لما جاء به الشرع المطهّر ، وذلك ، ~~المؤمن بكل ما ورد من الله على مراد الله ولم يحصر في أمر دون أمر ، إنّما هو عبد ~~الله لا شائبة فيه للفضول . # ولا شانئة التحكَّم بمقتضى العقول ، ومن وصفه منّا بهما معا محقّقا بأنّ كل ذلك ~~مقتضى الحقيقة وأنّ الهويّة تقبل الأضداد والأمثال لكونها محيطة بالكلّ ، وشاملة ~~للجميع ، حاصرة غير محصورة . # كان كامل المعرفة تامّ الكشف ، عامّ الشهود ، أستاد الطريقة ، كأبي سعيد الخرّاز ~~، حين سئل : بم عرفت الله ؟ # قال : بجمعه بين الأضداد : " أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ " ~~وصف هويته الأحدية الجمعية بالأوليّة والآخرية والباطنية والظاهرية مع ما بين هذه ~~النسب من التضادّ والتنافي ، بقوله تعالى : # "هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ " فجعل هويّته الأحدية ~~موضوعة ، وحمل عليها هذه النسب بلا تقييد ، فهو الوصف بهما إجمالا . # وأمّا وصفه تعالى بالكلّ على التفصيل فليس إلَّا لله إلى ذلك سبيل ، لامتناع ~~تفصيل ما لا يتناهى دفعة واحدة بطريق التوصيل ، ولكنّ الحق يفصّل ويوصل أبد الدهر ~~من غير تناه ولا انقطاع . ولو فرضنا الإحاطة بكلّ ما حصل في الوجود من الحدود . # فوصفه بكل ذلك على الإجمال أو على التفصيل تعريف وتحديد أيضا بالمتناهي المحدود ، ~~لكون الحاصل في الوجود ، إذ ذاك وعنده من الشهود مجملا أو مفصّلا محصورا بانتهائه ~~إلى ما لم يدخل بعد في الوجود ممّا لم يوجد في مرتبة من المراتب . # فالحصول على المعرفة والتعريف ، والوصول إلى التحديد والتوصيف على التفصيل ممتنع ~~مستحيل ، وإن عرف بكل ما دخل في الوجود ما لم يدخل كان مجملا أيضا ، وإن عرف ~~بالتفصيل في الأوّل مفصّلا وفي الثاني الباقي مجملا ، كان مركَّبا من المجمل # والمفصّل ، وما في التحصيل حينئذ تفصيل لتوصيل من كل وجه ، والجمع أكمل وأشمل ، ~~فتحقّقه . # قال رضي الله عنه : « ولذلك ربط النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم معرفة الحق بمعرفة ~~النفس. فقال : « من عرف نفسه ، فقد عرف ربّه » . # وقال تعالى : " سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ " وهو ما خرج عنك "وَفي ~~أَنْفُسِهِمْ " وهو عينك " حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ " أي للناظرين "أَنَّه ُ ~~الْحَقُّ " أي من حيث إنّك صورته وهو روحك . # فأنت له كالصورة الجسمية لك ، وهو لك كالروح المدبّر لصورة جسدك ، والحدّ يشمل ~~الظاهر والباطن منك ، فإنّ الصورة الباقية إذا زال عنها الروح المدبّر لها ، لم يبق ~~إنسانا ، ولكن يقال فيها : # إنّها صورة تشبه صورة الإنسان ، فلا فرق بينها وبين صورة من خشب أو حجارة ، ولا ~~ينطلق عليها اسم إنسان إلَّا بالمجاز لا بالحقيقة " . # قال العبد : معرفة العبد ربّه من معرفة نفسه على وجهين : # أحدهما : معرفة النظير . # والثاني : معرفة النقيض فيعرف ربّه بالكمالات الحاصلة فيه بأنّه للحق على الوجه ~~الأكمل الأحقّ ، ويعرف أيضا بنقائض ما هو عليه من النقائص ، وسلب جميع ما هو عليه ~~من صفات النقص عن الجناب الإلهي . # وهذا أيضا معرفة مجملة بالربّ ، حاصلة من معرفة مجملة أيضا كذلك بالنفس ، فكما لم ~~يعرف النفس على التفصيل ، كذلك لم يعرف الحق على التفصيل ، وإنّما لم يعرف نفسه على ~~التفصيل ، لأنّه على صورة ربّه ، وصورة العالم ، وكلّ واحد منهما غير متناهي ~~التفصيل ، فالمعرفة التفصيلية تستحيل إلَّا ما شاء الله العليم القدير. # ولهذا ربط رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم معرفة الربّ بمعرفة النفس ، لأنّ ~~الإنسان الذي هو أحدية جمع جمع الجميع ، إذا علم حقائق نفسه ، روحانيّها وطبيعيّها ~~مع قواها ولوازمها ولوازم لوازمها وعوارضها ولواحقها على التفصيل أو على الإجمال ، ~~كانت معرفته بربّه كذلك . # فقال : " سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ " وهو ما خرج عنك ظاهرا ، إذ لا خارج ~~عنك معنى "وَفي أَنْفُسِهِمْ" ". # وهو عينهم التي هي صور أحدية جمع الآيات كلَّها . # والمعرفة الحقيقية بالربّ إنّما تكون بالجمع بين المعرفة بالآيات الإلهية في ~~الصور الآفاقية التفصيلية في جميع عوالم الفرق والتفصيل ، وبين المعرفة بأحدية جمع ~~الآيات الأحدية الجمعية التي في الصور الإنسانية ، فإنّ الله خلق آدم على صورة الله ~~تعالى ، وخلق العالم على صورة الإنسان ، فالعالم هو الإنسان الكبير صورة لا معنى ~~والإنسان هو العالم الصغير صورة لا معنى ، والعالم هو الإنسان الصغير معنى الكبير ~~صورة ، والإنسان هو العالم الكبير معنى الصغير صورة ، فافهم . # فالمعرفة الحقيقية في الجمع بين المعرفة التفصيلية الآفاقية وبين المعرفة الأحدية ~~الجمعية ، والجامعة بين معرفة الجمع والتفصيل ، ومن رأى الآيات الربانية المفصّلة ~~في العالم ، علم أنّ له ربّا عليما بحقائقه ، حكيما بأوضاعه وترتيبه في درج مراتب ~~أصله ودقائقه ، ثم رأى من كل آية من تلك الآيات التفصيلية أنموذجا في نفسه . # فرأى في نفسه أحدية جمع تلك الآيات كلَّها ، فيرى ربّه قد استوى على عرش مظهرية ~~الأحدية الجمعية الكمالية استواء أحديّا جمعيا قرآنيا ، واستوى على عرش مظهرية ~~العالم ، استواء تفصيليا فرقانيا ، فتبيّن له أنّه الحق القيّوم بصورتك وصورة ~~العالم بصورتك وهو روح الكلّ وروح روح العالم ، وهو أنت . # فأنت للحق ومنه بمجموع ظاهرك وباطنك وأحدية جمعك كالصورة الجسمانية لك من حيث ما ~~يقوم بمصالحها وتربيتها ، وهو لك كالروح المدبّر لصورتك ، فإنّه مدبّرك بحقائق ذاته ~~وصفاته وتوالي فيضه وتجلَّياته ، كما أنّ روحك يدبّر بإذن الله جثمانك بقواها ~~الباطنة والظاهرة . # وكما أنّ روح العالم وهو الإنسان الكامل مدبّر العالم ، وهو صورته التفصيلية ، ~~وصورة ربوبيّة الربّ للعالمين عين صورة ربوبيّته لك ، وبك يدبّر العالم ويدبّرك ، ~~كما يدبّر روحك جسمانيّتك ، وحدّ الإنسان يشمل ظاهره وباطنه ، لأنّ الحق في مشرب ~~التقحيق الأتمّ والكشف الأخصّ الأعمّ باطنك وهويّتك ، وأنت صورته . # لذلك يجب للمحقّق أن يأخذ الحق في كل حدّ لكل محدود ، وهو المعتبر في مشرب الكمال ~~وإلَّا فليس بحدّ كامل ، بل هو الحدّ المتعارف بين حكماء الرسوم ، حدّ لحجابيات ~~الأعيان لا غير ، فافهم إن كنت تفهم ، وإلَّا فاسكت ، فليس تمسك فادرج إلى غيره ، ~~والله المستعان . # والدليل على أنّ الحدّ يجب أن يكون شاملا للظاهر والباطن أنّ الصورة الإنسانية ~~إذا زال عنها الروح لا يصحّ أن يقال فيها : إنسان ، بل صورة إنسانية ، فلا فرق ~~بينها وبين صورة إنسانية من خشب أو غيره ، وإن أطلق عليها اسم الإنسان فبالمجاز لا ~~بالحقيقة ، فكذلك إن لم يشمل الحدّ للحق الذي هو لك كالروح المدبّر لجسمك ، لم يكن ~~حدّا كاملا . # قال الشيخ رضي الله عنه : « وصور العالم لا يمكن زوال الحق عنها أصلا ، فحدّ ~~الألوهة له بالحقيقة لا بالمجاز كما هو حد الإنسان إذا كان حيّا . # وكما أنّ ظاهر صورة الإنسان تثني بلسانها على روحها ونفسها فالمدبّر لها ، كذلك ~~جعل الله صورة العالم يسبّح بحمده ولكن لا نفقة تسبيحهم ، لأنّا لا نحيط بما في ~~العالم من الصورة). # قال رضي الله عنه :(فالكلّ ألسنة للحقّ ناطقة بالثناء على الحق . ولذلك قال : ~~الحمد لله ربّ العالمين . أي إليه يرجع عواقب الثناء ، فهو المثني والمثنى عليه ») ~~. # قال العبد : لمّا كان الحق باطن الخلق ، والخلق ظاهر الحق ، فلا يمكن فرض زوال ~~الحق عن العالم ، ولا فرض زوال العالم عن الحق ، وإلَّا لانعدم العالم بأسره . # لأنّ الحق تعالى هويّة الكلّ ، وهو المدبّر للكل ، والقيّام به ، وروحه الذي به ~~حياته وبقاؤه ووجوده ، وفيه وبه شهوده ، والعالم مع قطع النظر عن الوجود الحق عدم ~~محض لا يمكن شهوده ، ووجوده بالنظر إليه تعالى ، وترجيحه لجانب الوجود واجب الوجود ~~. # فكما أنّه يؤخذ في حدّ الإنسان الصورة الظاهرة والهويّة الباطنة ، ولا يزول باطن ~~الإنسان عن ظاهره في حدّه ، فكذلك الألوهة لا تزول عن العالم ، لعدم زوال الربّ عن ~~المربوب ، والإله عن المألوه ، والعلَّة عن المعلول . # ولمّا كان العالم عبارة عن مجموع الصورة وأرواحها ، كذلك يثني على أحدية جمعها ~~وجامع فرقها وصدعها بين معاني أصلها وصور فرعها ، وكذا أحدية جمع العالم وهو ~~الإنسان الكامل جمعا وفرقا يثني على الله الذي هو عين أحدية جمع الجميع ، فالكلّ ~~ألسنة الحق يثني بها على نفسه . # وقد استقصينا القول على ذلك في بيان مراتب الحمد في خطبة الكتاب . # فقوله : " الْحَمْدُ لِلَّه ِ رَبِّ الْعالَمِينَ " ثناء من الحق على نفسه بألسنة ~~العالمين ، أو ثناء العالمين على الله بألسنة الحق ، أو ثناء الحق على الحق بألسنة ~~الحق من كونه عين العالمين ومن كون العالمين عين الوجود الحق المتعيّن في أعيان ~~العالمين ، فثناء من العالمين على الحق أو على العالمين من بعضه لبعض ، فتدبّره إن ~~شاء الله تعالى ، فإليه يرجع عواقب الثناء ومصير المحامد على كل وجه . # قال الشيخ رضي الله عنه شعر : # فإن قلت بالتنزيه كنت مقيّد %~% وإن قلت بالتشبيه كنت محدّدا # وإن قلت بالأمرين كنت مسدّد %~% وكنت إماما في المعارف سيّد # قال العبد أيّده الله به : قد أسلفنا أنّ تنزيه الحق عن أشياء وأمور تقييد ، ~~وتمييز عمّا هو له وتجريد ، وأنّ تشبيه ما لا حدّ يحيط به تحديد ، وتعميم الحكم ~~بوصفه بالجمع بينهما على وجه الإطلاق تعريف كامل وتوقيف شامل عند أرباب الوحدة ~~والتوحيد ، وأصحاب الجمع والوجود والتفريد ، لأنّه عدم الحصر في الأمرين ولا في ~~الجمع بين الطرفين . # والعارف المعرّف للحقّ بأحدية جمع الجمع هو الإمام الذي يصف كلّ واحد من الطرفين ~~بما يخصّه ، ويسدّد النظر إلى الحقيقة بكل ما للطرفين من غير تمييز وتعيين وتنقيص ، ~~فهو الفائز بالحسنيين والحائز للمعنيين ، فله السيادة في المعارف على الفريقين ، ~~لكونه جامعا بين المعرفتين . # ولا يقال : إنّ الجامع بين التشبيه والتنزيه يكون محدّدا أو مقيّدا بالجمع بينهما ~~، لأنّ الجامع غير حاصر في أحدهما معيّنا ، ولا مطلقا غير معيّن كذلك ولا فيهما ، ~~بل جمعه إطلاق الأمر عن الحصر في التنزيه والتشبيه والجمع بينهما ، فهو تنزيه ~~بالإطلاق عن حصر تقييد التنزيه وتحديد التشبيه ، فافهم . # قال رضي الله عنه [ شعر ] : # فمن قال بالإشفاع كان مشرّك %~% ومن قال بالإفراد كان مفرّد # يعني - رضي الله عنه - : صاحب شهود الشفع ، وهو الذي يرى حقا وخلقا ، وينزّه الحق ~~عن الخلق ، مثبتا وجودين اثنين ، فهو ثنويّ مشرك قد أشرك الخلق بالحق في الوجود ، ~~وعلى هذا المشرّك - بتشديد الراء - مثبت الشريك. # وقد يؤخذ اشتقاقه من الشرك ، وهو الحبالة ، ويكون حينئذ بمعنى المقيّد للوجود ~~بالإشراك في الشفعية والحقيّة بالخلقية ، وهي الزوجية من العدد ، فهو جاعل للحق ~~ثاني اثنين ، وذلك كفره أي ستره للوحدة الحقيقية بالشفعية العددية الاعتبارية . # ومن أفرد بالتنزيه . # وقال : الشفعية والزوجية للعدد ، والحق يتعالى عن المعدود والعدد ، فقد ميّزه ~~أيضا عن التعديد والعدد ، وأخرجه عنه مع إثباته في الوجود ، ووقع من حيث لا يشعر في ~~عين ما وقع صاحبه المشبّه ، لأنّ كلَّا منهما أثبت ثانيا للحق في الوجود كذلك ، ~~وحيث أخرج الحقّ عن الوجود في عدد الشفع . # فهو كمن قال : إنّه ثالث ثلاثة من حيث لا يدري ، أو رابع أربعة ، لأنّ العدد إمّا ~~زوج أو فرد ، فباعتبار أوّل عدد زوج كان ثالث الثلاثة ، وباعتبار أوّل عدد فرد كان ~~رابع الأربعة. # وإن قال : إنّه ثالث اثنين أو رابع ثلاثة - على أنّه هو الموجود وحده مع اعتبار ~~اثنين عدميّين ما لهما وجود ، أو ثلاثة كذلك - فلم يشرك ولم يكفر ، بل وحّد على ~~الحقيقة . # قال رضي الله عنه شعر : # فإيّاك والتشبيه إن كنت ثاني %~% وإيّاك والتنزيه إن كنت مفرد # يعني رضي الله عنه : إذا قلت بوجود الاثنينية في الوجود بأن تقول : وجود مطلق ، ~~ووجود مقيّد فلا تشبّه المطلق بالمقيّد ، وإلَّا كنت محدّدا للمقيّد بحدّ المطلق ~~وبالعكس . # وإن قلت بإفراد الوجود للحق فلا تنزّهه ، لأنّ الحق الذي ليس معه شيء لا يتنزّه ~~عن نفسه ومقتضى ذاته ، وما ثمّ غيره ، ثمّ التقييد والإطلاق نسبتان - كما علمت - ~~ذاتيتان لوجود الحق ، فهو لا يتنزّه عن مقتضى ذاته . # قال رضي الله عنه شعر : # فما أنت هو ، بل أنت هو وتراه في %~% عين الأمور مسرّحا ومقيّد # يعني رضي الله عنه : اعلم : أنّ وجود الحق وهويّته كناية عن غيبه ولا تعيّنه الذي ~~لا يتعيّن في كلّ تعيّن ، ولا يشهد . # و « أنت » كناية هو عينه المتعيّن في عيان الشاهد ، فنفيه رضي الله عنه « أنت » ~~عن « هو » نفي تقييد التعيّن عن إطلاق الوجود الحقّ من حيث هما كذلك ، وإثباته رضي ~~الله عنه « أنت » عين « هو » من حيث حقيقة الوجود الذي هو في المطلق مطلق وفي ~~المقيّد مقيّد . # فالوجود هو من حيث إطلاق هويّته تعالى ينتفي تقييد التعيين عنه ، وهو من حيث ~~الحقيقة والعين عين للكلّ ، فتارة يوضع المطلق ويحمل عليه المقيّد ، وبالعكس يوضع ~~المقيّد ويحمل عليه المطلق ، وتارة ينفى كلّ منهما عن كلّ منهما باعتبارين مختلفين ~~، وهو من حيث الهويّة التي هي عين المطلق والمقيّد في الشهود - مطلق في الإطلاق ~~والتقييد ، فالمقيّد هو الاسم « الظاهر » وهو العالم والخلق ، والمطلق هو الباطن ~~الحقّ ، وحقيقة الوجود الحقّ وهويّته فيهما عينهما ، تعاليت وتباركت . # ف « تراه في » ، يعني رضي الله عنه : في الحقيقة المحمدية البرزخية الجامعة بين ~~الاسم الظاهر والاسم الباطن « عين الأمور » كلَّه « مسرّحا » مطلقا حقّا و « مقيّدا ~~» خلقا ، لأنّ « أنت » و « أنت » و « هو » و « هي » و « نحن » وكاف المخاطب ، وتاءه ~~، وياء المخاطب المتكلَّم ، كلَّها كنايات عن عين واحدة ما ثمّ غيرها ، ظهرت في ~~مراتب هي مقامات بطونه وظهوره ، ومرائي تجلَّيات نوره ، ومجالي تعيّناته في صور ~~شؤونه وأموره وهويّة العين واحدة في الكلّ ، هو الأوّل الباطن ، والآخر الظاهر . # في الفرع والأصل ، فالحقيقة المتعيّنة في إنّيّة « أنت » عين المتعيّن في هويّة « ~~هو » بحقيقتها وعينها ، ولكنّ الخلق من كونه خلقا غير الحق من كونه حقّا ، وكذلك ~~الظاهر من كونه ظاهرا ما هو الباطن من كونه كذلك . فافهم . # قال الشيخ رضي الله عنه : « قال الله تعالى " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ " فنزّه ~~، " وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " فشبّه » يعني : على مفهوم العموم على أنّ الكاف ~~زائدة ، وأنّ السميعيّة والبصيرية مشتركتان بين الحق والخلق . # ثم قال : « قال الله تعالى " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ " فشبّه وثنّى » . # يعني : أنّ الكاف غير زائدة ، يكون إثبات المثل المنفيّ عنه مشابهة شيء ما من ~~الأشياء ، وذلك عين التشبيه والتثنية . # قال: " وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " فنزّه وأفرد " يعني على السميع البصير هو ~~الحق في كل سميع بصير له الأذن والحدقة ، وليس السمع والبصر الآلة إلَّا ، للحق ، ~~وفيه التنزيه الحقيقيّ وإفراد الوجود الحق بالانفراد . # وقد ذكرنا في أوّل هذا الفصّ ما فيه غنية عن التكرار ، وقد جمع الله تعالى في كل ~~شقّ من الآية تنزيها في تشبيه وتشبيها في تنزيه ، فكان كلّ منهما ذاتيا للحقيقة ~~والعين وهو الحق ، فافهم والله الملهم . # قال الشيخ رضي الله عنه : « لو أنّ نوحا دعا قومه بين الدعوتين لأجابوه فدعاهم ~~جهارا ، ثمّ دعاهم إسرارا ،ثمّ قال لهم "اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّه ُ كانَ ~~غَفَّاراً ". # وقال : "إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي ~~إِلَّا فِراراً ". # قال العبد : نوح عليه السّلام أوّل المرسلين أرسله الله تعالى إلى قومه ، وهم ~~بالله مشركون ، يعبدون ودّا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا ، وعن حجّة محجّة المعبود ~~الحق الواحد خارجون . # فلمّا رأى الله الواحد الأحد ضلالهم عن الهدى ، واتّباعهم للهوى ، وأنّ في دعوتهم ~~إليه وإجابتهم لدعوته كمالهم وبها يصلح في الدنيا والآخرة أحوالهم . # أقام نوحا عليه السّلام ليدلَّهم على أحدية العين ، ويصرفهم عن الإطراق إلى الفرق ~~والبين ، بعبادة التعيّنات الجزوية التقييديّة ، الظاهرة من صور النسب الأسمائية ~~وحجابيّاتها التعديدية ، لكنّ الواجب في العبادة هو الواحد الذي هو أصل الكثير ، ~~فإنّ عبدة الكثير ما لهم من نصير ، إذ الواحد الحق هو موجد الكثرة في عينه الواحدة ~~، فالحق الواجب على الكثرة عبادة الواحد الحق . # لا عبادة الصنميّات و التعيّنات الاسمية ، فلا جرم كانت دعوته ودعوة جميع ~~الأنبياء والرسل والأولياء إلى الله الواحد الأحد ، وكانت دعوة نوح عليه السّلام ~~إلى الأحدية والتنزيه ، عن حجابيّات الكثرة وآلهة التشبيه ، لتصرف وجوههم عن ~~صنميّات العدد ، إلى عبادة الواحد الأحد. # فوعدهم وأوعدهم بما وعد وأوعد والقوم عنه معرضون ، وبتكذيبه مصرّحون ومعرّضون ، ~~وبسخط قهر الأحدية متعرّضون ، لكونهم في خصوص قابليّاتهم مظاهر حجابيّة صور الأسماء ~~، وعبدة صنميّات الأهواء . # فلمّا دعاهم إلى ما يباين شهودهم كلّ المباينة وهم لا يشعرون ، وندبهم إلى ما ~~ينافي معهودهم ومعبودهم فيما يشهدون . # فاستكبروا استكبارا واستكثروا من أذيّته استكثارا ، فلو كانت دعوته عليه السّلام ~~دعوة جامعة بين وحدة الذات وكثرة الأسماء والصفات بالانتزاح من فرق الكثرة في عين ~~الواحدة إلى جمع الوحدة في عين الكثرة المعدّة كما هو الأمر في نفسه لأجابوه ، وما ~~نفروا عنه ، ولا هابوه ، ولا عيّروه ، ولا عابوه ، لأنّ الكثرة ظاهرة في الشهود ، ~~والوحدة باطنة في عين الكثرة والوجود ، فالكثرة على ظاهر الوحدة ، والوحدة في باطن ~~الكثرة . # كبطون الواحد الأحد آخرا فيما يتناهى من العدد ، واشتمال الواحد على النصف والثلث ~~والربع من النسب أوّلا قبل ظهور العدد فيما يتعدّد ، فلو دعاهم على مقتضى الشهود ~~المحمدي الجامع ، لوقعت الإجابة بمقتضى الواقع ، وانقادت ظاهريّاتهم ظاهرا بمناسبة ~~الكثرة الظاهرة التي هم في إظهارها إلى كثرة الأسماء المذكورة في الدعوة الواحدة ~~المشهودة . # وانقادت بواطنهم الأحدية أيضا إلى الوحدة ، لوجود المناسبة المشكورة ، ولكنّه ~~عليه السّلام دعاهم إلى باطن السرّ ، وهم في شهود الظاهر وحجابيّة الأمر ، فأثّرت ~~فيهم دعوته الإجابة بالنقيض ، وأثار بضدّ مراده من الآثار . # فوقعت الإجابة منهم في صورة النفار ، وحصل الإقرار في صورة الإنكار والاستكبار ، ~~لأنّ مضمون دعائه ينفّرهم عمّا هم عليه ملبّون ، ولدواعيه مجيبون وملبّون ، وعلى ~~عبادته مكبّون ، فوجد النفار عمّا إليه دعاهم وهم في إجابة ما استولى عليهم ، ~~فأصمّهم عن غيره وأعماهم ، فلم تكن الدعوة إذن أيضا باطلة ، ومن الإجابة بالكلَّية ~~عاطلة ، وقد دعاهم جهارا ، إلى ما يزيدهم نفارا . # وهم في عين سماع ما جهر به الاسم الإلهي الظاهر ، وأظهره من صنميّات المظاهر ، ~~فإنّ العالم صورة الكلام الإلهي الرباني الذي تكلَّم به في عين النفس الرحماني ، ~~جهر به فسمعه القائمون بظاهريات حجابيات كلامه فأجابوه بالفعل والذات مثل قوم نوح ~~وعاد وثمود وغيرهم من مظاهر حجابيّات الكلمات والآيات ، الذين كانوا في عمارته ~~وعبادته وتكميل أوضاعه وصورته وإسادته ، فأجابوا ظاهر دعوة الاسم الظاهر . # وكتابه المفصّل الفرقاني بظواهرهم ، وهم أهل الحجاب والكفر ، حجبوا عن الحق ~~الواحد فيهم بالستر ، فستروا بكفر كثرتهم وجه أحدية الوجود ، وغلب عليهم الحال حال ~~هذا الشهود ، فهم في عين الكشف محجوبون ، وفي الجهر مسرّون ، وفي عين الإقرار على ~~صورة الإنكار مسرّون ، فما وفّوا المراتب حقّها على ما أراد الله من أمره ، و " ما ~~قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِه ِ " فتوجّهت عليهم المؤاخذة والمطالبة الإلهية . # بإظهار الوحدة السارية في الكثرة الحجابية التي هم صورة تفصيلها الجمعية الظلالية ~~، فلو لا أنّ فيهم الجمعية ، لما طولبوا بما ليس فيهم ، و " لا يُكَلِّفُ الله ~~نَفْساً إِلَّا ما آتاها " ، وتوانيهم ، فلو كانت الدعوة جمعية أحدية بين الكشف ~~والستر ، والإسرار والجهر من الأمر ، لأجابوه إلى ذلك بمناسبة الجمعية التي فيهم ، ~~ولما وقع الدعاء بالواسطة وهم في عين إجابة داعي الأمر المقترن بالإرادة الذاتية من ~~غير واسطة . # لا جرم شغلوا بظاهر الداعي عن باطن الواقعة ، واستغرقهم الأمر الذاتي الإلهي الذي ~~أجابوا له بالذات ، وسمعوه ، وبادروا إليه بالفعل والحال ، وأطاعوه وتبعوه ، لأنّ ~~الأمر كان بلا واسطة كونيّة ولا حجابيّة مثليّة ، بل بتجلّ عينيّ وأمر إرادي ، ~~فأطاعوه بالفعل والحال والذات ، لأنّ الله تعالى لا رادّ لأمره ولا معقّب لحكمه في ~~الكائنات . # فلمّا لم تؤثّر دعوة نوح جهرا إلى سرّ ، وكشفا إلى ستر ، وهو أيضا عنهم بحجابية ~~المثلية مستور ، وبكشف ذلك الستر عنهم مأمور ، فأخذ يدعوهم إلى التوحيد إسرارا ~~خاليا عن الجهر ، فكانت الدعوة إلى السرّ بالسرّ ، فلم تؤثّر فيهم ، لاستغراقهم عن ~~البطن بالظهر ، فكفروا بما جاء به الأمر فجهروا بإيذائه ، وظهروا بردّ دعائه ، وكان ~~من دعوته في المقام الثاني من الإسرار صيانة للأسرار عن الأشرار أن قال : " ~~اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ " الذي كشف لكم حجابيّات الآيات المتلوّة عليكم من هذا ~~الكتاب المسطور الفرقاني في حجابية تعيّنات سور النفس الرحماني في صور الكفر والستر ~~على عين الكشف والجهر "إِنَّه ُ كانَ غَفَّارا". # فاكفروا بهذا الكفر وآمنوا بما فيه من الستر ، يغفر لكم ذنوبكم ، ويكشف عليكم ~~عيونكم ، ويظهر غيوبكم ، فإنّه كإستار الحقائق ذواتكم في غيب عينه « كان الله ولا ~~شيء معه » من كونه ، فلمّا أحبّ أن يعرف ويعرّف إليكم منكم وفيكم بما عرف ، غلب ~~عليكم نور التجلَّي ، وبهركم ما وقر وقرّ فيكم من أسرار التدلَّي والتولَّي ، ~~فانقلبت حقيقة التلقّي ، بصورة الإعراض والتوقّي ، فحجبتم بالنور عن النور . # وكذلك دأب غلبة الوضوح ، وشدّة الظهور تورث في نور الأبصار الضعيفة ظلمة الحجاب ، ~~وتؤثّر صورة الحيرة والارتباك والارتياب ، فاستولت عليكم هذه الحالة في أوّل شرّتكم ~~، فحجبتم عن الوحدة الأصليّة الأصلية المستورة في كثرتكم فكفرتموه بحجابيّاتكم ~~وسترتموه بإنانيّاتكم ، فوجبت المجازاة بالستر والغفران ، في مقابلة ما وقع من ~~الكفر والطغيان ، والانحراف عن حقيقة الاعتدال الوسطي إلى حجابيّة الظاهرية ~~والإطراف بالعصيان ، حتى يستركم عن نادية كثرة الفرقان ، ويجمعكم بجنان الوحدة ~~والجمع من القرآن ، فإنّ في ذلك من الكمال ، ما ليس في ظاهرية الجلال والجمال ، ~~وذلك هو مجتمع الأنوار والضلال ، والأمان من الحيرة والضلال ، فلم يعرفوا ما بيّن ~~وقال ، وبهتوا في النور عن الضلال والاستظلال ، فقال كما قال عنه سلام الله عليه : # " إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا ~~فِراراً " . # قال رضي الله عنه : « وذكر عن قومه أنّهم تصامموا عن دعوته لعلمهم بما يجب عليهم ~~من إجابة دعوته . # قال العبد : فلمّا لم يفهموا عنه لسانه ، ولكنّهم علموا من حيث لا يشعرون شأنه ، ~~عدل نوح عنهم إلى ربّه ،. # فقال بلسان سرّه وقلبه : " إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي " ليالي الغيب وهم في غيبة عن ~~عينهم العينيّ ، وحضور من شهود نورك العيني الغيبيّ ، فلم يجيبوا إلى عبادة ~~وحدانيتك ، وهاموا في كثرة تنوّعات تجلَّيات نورانيتك ، في ملابس حجب ظلمانيّتك ، ~~واشتغلوا بنادية ما استعلوا بعباداتهم من الصور الأسمائية التعيينيّة ، وحجابيّات ~~الكثرة الصنميّة من عزّاهم ولاتهم . # "ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً" في عالم الشهادة إلى شهود الوحدانية نهارا ، ~~والأحدية الجمعية عنهم مستورة سترا لا يقبل الشهود والظهور بالنسبة إلى أن استغرقوا ~~في شهود الكثرة والعدد ، واستهلاك أحدية نور التجلَّي في ظلمة ما يتعدّد ، فلم ~~يصدّقوا حجّتي ، وصرفوا عن قصد محجّتي ، ولم يجيبوا إلى دعوتي " فَلَمْ يَزِدْهُمْ ~~دُعائِي إِلَّا فِراراً " وأخذ بأسماعهم صمم الصلابة والغشاوة عن استماع ندائي ~~ودعوتي ، وعقل ألسنة عقولهم عن الإقرار والإجابة لدعوتي ، ما سمعوا من الكلام الجهر ~~الذاتي الإلهي بلا واسطة ثبوتي . # " وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ " ذنوبهم في عصيانهم وطغيانهم ~~، " جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ في آذانِهِمْ " وهي صور نعمك الجزوية الوجودية ، وأيادي ~~أسمائك الفرعية الشهودية ، ومواهبك التفصيلية الجودية ، في محالّ استمتاع ما أدعوهم ~~إليه من نعم المعاني الأحدية الجمعية وتظاهروا بملابس نعم الجود ، الظاهر الموجود " ~~وَاسْتَغْشَوْا " خلع الكشف الحجابي والشهود ، واحتجّوا فيما احتجبوا من الحجاب ، ~~واستغشوا ظاهرا بصور الثياب بأنّهم مغمورون بنور التجلَّي ، ومعمورون بما يتمكَّن ~~لهم من التمتّع والتملَّي ، " وَأَصَرُّوا " على إلهتهم ، وصبروا على آلهتهم " ~~وَاسْتَكْبَرُوا " في أنفسهم بما عندهم منك "اسْتِكْباراً " واستكثروا من الإفك ~~استكثار " وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّ " ولا تدعنّ على ~~ما تدعون ، وتدعون لود ودّا ، ولا يسوغ لكم أن تسعوا في ترك سواع ، وإلَّا فأنتم في ~~خسار وضياع ، ولا يغوثكم يغوث . # و لا يعوقكم عن مطالبكم يعوق ، ولا يسرّكم من نسر يمن ويسر ، وإنّكم إن أجبتموه ~~إلى ما يدعوكم إليه من التنزيه والتوحيد ، لوجب عليكم القيام بموجب التقليد ، ~~والقعود على قواعد التقييد ، وقبول الإقبال على التوحيد ،والإعراض عن القول بالكثرة ~~والتعديد. # قال الشيخ سلام الله عليه : « فعلم العلماء بالله ما أشار إليه نوح في حق قومه من ~~الثناء عليهم بلسان الذمّ وعلم أنّهم إنّما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان ، ~~والأمر قرآن لا فرقان ، ومن أقيم في القرآن لا يصغي إلى الفرقان وإن كان فيه ، فإن ~~القرآن يتضمّن الفرقان والفرقان لا يتضمّن القرآن » . # قال العبد : علم المحقّقون من هذه الإشارات أنّ قوم نوح إنّما أجابوا لما دعاهم ~~إليه في صورة الإعراض ، وأقرّوا بعين ما ادّعاه في ملابس الإنكار بنوع من الإشارة ~~والإيماض ، وذلك لأنّه دعاهم إلى الاستغفار وهو طلب الغفر فتظاهروا بالاستتار عن ~~تجلَّي الواحد القهّار ، في العكوف على عبادة حجابيّات الأغيار ، ممّا يحبّق من ~~الخشب والأحجار ، فأجابوه بالفعل إلى ما دعاهم من الاستغفار ، فأثنى عليهم نوح عليه ~~السّلام كذلك في صورة الذمّ . # كما ظهروا بصورة الجهل فيما عندهم من العلم لأنّ دعوته لهم كانت إلى التوحيد ~~وتنزيه التجريد ، وذلك تمييز وتقييد ، وفرقان بيّن بين السادات والعبيد ، والضالّ ~~والرشيد ، والغاوي والسديد ، والمقرّ المريد ، والمنكر المريد ، وأنّ سوس الأمر ~~وأساسه على الجمع والقرآن ، ليس على الصدع والفرقان ، لأنّ الوحدة كما عرفت تضادّ ~~الكثرة والتوحيد ينافي التعديد ويحادّ أمره ، والحق سبحانه وتعالى كما لا ضدّ له في ~~ذاته . # فكذلك لا ضدّ له في صفاته ، فهذه الوحدة التي تقابل الكثرة وتضادّها لا تليق أن ~~تكون صفة ذاتية لله تعالى فيحادّها ، وأنّها زائدة على ذات الواحد الموصوف بها ، ~~ووحدة الله عن ذاته ليست عليها زائدة ، وإلَّا كانت عارضة وزائدة ، أو تكون كثرة ~~منها فيها عليه عائدة ، بل هو تعالى منبع الوحدة والكثرة المتقابلتين ، وعين ~~الحقائق المتباينة والمتماثلة ، وفي الحقيقة لا وجود للاثنينيّة إلَّا في التعيّن ~~والتعقّل ، والحقيقة الأحدية تنقلب في صور الكثرة بالتحوّل والتبدّل ، في عوالم ~~التمثّل والتخيّل ، والتصوّر والتشكَّل . # وليس الوجود إلَّا للأحد الصمد ، وأحديّته عين حقيقته فيما تجرّد وتوحّد ، وتنزّه ~~وتفرّد ، وفيما تكثّر وتعدّد ، وتحدّد وتجدّد ، فله تعالى الإطلاق الحقيقي عن ~~التقيّد بإحدى الجهتين ، لكونه أحدي الذات والعين بلامين ، في عين تعيّنه في ~~الصورتين ، فالتنزيه والتشبيه طرفان ، والوحدة الذاتية والكثرة الأسمائية ذاتيّتان ~~للذات الإلهية والعين الجمعية الأحدية ، فلها منها بها أقران ، فيرتقي الفرقان ~~الظاهر في الكفر والإيمان ، والطاعة والعصيان بحقيقة الجمع والقرآن . # ولمّا كشف الله لنوح عليه السّلام عن سرّ ما هم عليه من الجمعية السارية فيهم ~~والأحدية النورية المستهلكة الحكم في مظاهرهم ومرائيهم ، أثنى عليهم بلسان الحقيقة ~~، ولغة منطق طير الطريقة ، ثناء ظاهرا بصورة الذمّ ، وسرورا مستسرّا في هيئة الهمّ ~~والغمّ ، كما يقتضي مقامه وحالهم فيما خصّ وعمّ . # ولمّا كانوا في ظاهرية الفرق ، ووقع منه الدعاء إلى الباطن الحق ، ولا يخلو ~~الظاهر من باطن فيه قاطن ، فلم يكونوا إلَّا على جمع مستهلك فيهم كامن ، فلا بدّ ~~لأهل الجمع المستهلكين في عبدانيّة حقائق الجمع ، الساري في صور الفرق والصدع أن لا ~~يصغوا إلى ما يباين مشهودهم ومعهودهم من الأنباء . # فلم يستطيعوا إجابة نداء الجلاء ، ودعاء الفرق والتمييز والتنزيه والاعتلاء ، ~~فردّوا دعوته إلى التمييز والتنزيه ، والفرق بين العين والعين والحق والخلق ، ~~لكونهم في عين الفرق مجموعين ، وعلى جمع فرق الفرق مجمعين ، وعن إجابة دعاء تمييز ~~التنزيه وعن سمع نداء التجريد والتوحيد معزولين ، فافهم . # قال الشيخ سلام الله عليه : "ولهذا ما اختصّ بالقرآن إلَّا محمّد صلَّى الله عليه ~~وسلَّم وهذه الأمة التي هي خير أمّة أخرجت للناس ف " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ " ~~يجمع الأمر في أمر واحد ، فلو أنّ نوحا أتى بمثل هذه الآية لفظا ، أجابوه ، فإنّه ~~شبّه ونزّه في آية واحدة ، بل في نصف آية " . # قال العبد : قد علمت أنّ سائر عبيد الله الكمّل في المقامات التفصيلية النبوية ~~وحكمهم وحكمهم في شرائعهم منزلة من سماوات الأسماء التفصيلية الفرعية ، فمقتضى ~~الحكم الإلهي الكلَّي في أمم قبلنا إنّما هو الطاعة والدعوة إلى التنزيه وتجريد ~~التوحيد ، لكون القوم ملبّين على عبادة صنميّات الكثرة والتعديد ، وملبّين لدعوة ~~حجابيّات الصور الأسمائية ، ذاهلين بالكلَّية عن الحقيقة الأحدية ، التي هي أصل ~~الكثرة الفرعية والجمعية ، الموجدة الموحّدة للتفرقة العددية ، وحقيقة التحقيق في ~~الجمع بين المرتبتين جمعا إطلاقيا وإطلاقا أحديّا . # وإنّما وقعت واقعة الأصنام ، وعبادة الصور من عالم الأجسام ، لكون التجلَّيات ~~التعيينية ، وظهور النسب المستهلكة للأعيان في عين الأحدية مرادة لله تعالى في أوّل ~~الإرادة ، فظهرت حقائق الأسماء والنسب أوّلا في عالم الشهادة ، لأنّه أراد أن يعرف ~~كمال العرفان ، وأن ينعت ويوصف ويظهر كلّ نسبة من نسب ذاته بلوازمها وإضافاتها ~~وعارضاتها ولاحقاتها في صورة الجمع من عالم الملك والشهادة صورا ظاهرة متمايزة ~~بشخصيّاتها ، متناظرة متشاكلة ومتنافرة بخصوصيّات ليست في صورة مظهرية عالم الأمر ~~والملكوت ، القابلة لتجلَّيات الصور الأسمائية الفرقانية ، وكان في بدو الأمر توجّه ~~المشيّة والإرادة إلى الظاهرية . # فلمّا ظهرت صنميّات حجابيّات الأسماء ، وأخرجت الحضرات ما عندها من التجلَّيات ، ~~وتوجّهت نفوس أهل تلك القرون الأول بمقتضى انبعاث التجلَّي الأوّل إلى عبادة ~~صنميّات صور الأسماء ، وتوفّرت الرغبات إلى تلقّي الأنباء ، من حجابيّات مراتب ~~الإلقاء لظهور سلطنة تلك الأسماء عليهم واستواء تجلَّياته على عروش قابليّاتهم كلّ ~~الاستواء ، واستولى شهود أحديّة الكثرة أو كثرة الأحدية على جموعهم كلّ الاستيلاء ، ~~فوجب لهذا أن تكون الدعوة إلى الكمال الجمعي بالنسبة إليهم مبنيّة على حكم التنزيه ~~والتوحيد ، ومنبئة على التمييز والتجريد ، حتى تكاملت أقسام هذه الدعوة التنزيهية ~~العقلية الروحانية إلى زمان عيسى عليه السّلام ولم يبق بعده إلَّا الدعوات الخاصّة ~~بالجمع . # فكانت حكمة محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم جامعة للأمر على ما هو عليه أحكامه ~~الشرعية أيضا ، جامعة للمصالح الجمعية الكمالية بين ما تعلَّق منها بأرواحهم ، وبين ~~ما اختصّ منها بأجسامهم وأشباحهم ، فجمع شرعه عليه السّلام بين الشرائع كلَّها ، ~~وأتى بزيادات على الجمع عليهما ، فجعلها كلَّها لله لا لهم ، فما أبقى لهم حظوظا ~~نفسانيّة في عين تقريرها وإثباتها لهم . # فقال : " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ " وهو ~~العدل من غير عدول وميل إلى جهة ولا جنوح وحيد إلى طرف من الروحانية والجسمانية ، " ~~شُهَداءَ لِلَّه ِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ" ، ~~فأمرهم بإقامة الشهادة لله بأنّ الذوات والصفات والأفعال والأخلاق والأعمال كلَّها ~~لله ، حتى أنّ أنفسهم ما هي لهم ، بل لله ، فهم قائمون بشهادة الله عزّ وجلّ على ~~أنفسهم وعلى الوالدين وهما : # الروح والطبيعية والأقربين : الحقائق الجسمانية والروحانية ، فجمعت حكمة ~~المحمديين عليهم السّلام بين تنزيه في عين تشبيه ، وتشبيه في عين تنزيه في قوله : " ~~لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ " ، فأثبت المثل ونفى المثليّة عن المثل ، وهو السميع ~~البصير ، فأتى بما يشتركه في العبيد عرفا ، ونزّه أن يكون معه غيره في ذلك ، فوضع ~~هويّته موضوعة ، وحمل عليها السميع والبصير محمولا ، فلو كانت دعوة نوح عليه ~~السّلام جامعة كذلك ، لأجابوه ظاهرا وباطنا ، قولا وفعلا ، ولكن لمّا كانت غير ~~جامعة ، كانت الإجابة في صورة الصدّ والردّ والإنكار ، وعلى وجه النفار والفرار . # قال رضي الله عنه : « ونوح عليه السّلام دعا قومه ليلا ونهارا من حيث عقولهم ~~وروحانيتهم ، فإنّها غيب ، ودعاهم أيضا ظاهرا صورهم وجثّتهم ، وما جمع في الدعوة ~~مثل « ليس كمثله شيء » فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان فزادتهم فرارا » . # قال العبد # الغيب غيبان # : # حقيقي وإضافي # ، # والغيب الإضافي عالم الأمر والإبداع # ومن الأرواح والعقول والنفوس ، ودعوة نوح من هذه الحيثيّة إلى ما تقتضيه النزاهة ~~والقدس والتوحيد والتجريد وموجبات الانسلاخ عن الكدورات البشرية العنصرية والأوساخ ~~. # فهي ليل من وجه باعتبار أنّ الحجب فيها متراكمة ، وأحكام الإمكان كظلمات مدلهمّة ~~، وعالم الإبداع والأمر أيضا ليل من وجه آخر من كونه غيبا بالنسبة والإضافة إلينا ، ~~ونهار باعتبار أنّه أوّل مراتب الظهور والشهادة بالنسبة إلى الغيب الحقيقي وعالم ~~المعاني . # ثمّ النهار بالاعتبار الحقيقي هو عالم الظهور التامّ والملك والشهادة ، ودعوتهم ~~نهارا إنّما تكون بلسان عالم الشهادة بحكمه إحكام أحكام المصالح الجسمانية ، ~~والاهتمام بإقامة إلهام الصورية المعيشية . # وكانت دعوة نوح أوّلا على الوجه الأوّل ، وثانيا على الوجه الثاني ، ولم تكن ~~بلسان الجمع بين الدعوتين في الحالين ، كما مرّ ، فوقعت منهم الإجابة كالدعوة ~~بالفرق فعلا وقولا في صورة الردّ ، فتذكَّر وتدبّر . # قال سلام الله عليه : " ثمّ قال عن نفسه : إنّه دعاهم ليغفر لهم ، لا ليكشف لهم ، ~~وفهموا ذلك منه عليه السّلام . لذلك " جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ في آذانِهِمْ ~~وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ " # قال العبد : أمّة نوح عليه السّلام ومن شاكلهم من عمرة حجابية عالم الملك ~~والشهادة ، وعبدة صنميّات الصور التعيينية والطواغيت الظاهرة كانوا في ستر وحجاب عن ~~ليالي غيبهم وملكوتهم ، وعن كل دعوة تقتضي تغليب طرف الروحانية والقدس والنزاهة ~~والبساطة العقلية والأسرار الروحانية تعين أنوار نهار الكشف ، وشهود جهار التجلَّي ~~من عالم الشهادة والملك ، مقبلين بوجوههم وقلوبهم على مقتضى الحال ومقام التجلَّي ~~الكلَّي العامّ ، المقتضي لبقاء هذا النظام ، من عمارة موطن الدنيا والقيام بصورة ~~المقام . # ولمّا دعاهم نوح عليه السّلام وغيره من الأنبياء عليهم السّلام ليلا يعني بلسان ~~الغيب إلى الغفران والستر ، فهموا عنه ما يجب عليهم من الإجابة ، ولم يفهموا جلية ~~الأمر على وجه الإصابة ، علموا ما يلزمهم من الإقلاع من الهوى ، والاتّباع للهدى . # ولم يعلموا أنّ الدعوة إلى الكشف المعنوي والنهار الحقيقي العقلي والاطَّلاع على ~~حقائق الوحدة والبساطة ، وذلك هو النهار النوري الذي لا يشوبه كدر الظلمة ، لا ~~كنهارهم الحجابي الذي يشينه السدن والظلمات المدلهمّة ، فإنّ النور فيها ممزوج ~~بالظلم ، وجليّات تجلَّيات الوجود والشهود بها في جلباب صورة تمثّلية من نسب لنسب ~~إلى العدم ، وإنّما كانت دعوتهم كذلك إلى التنزيه والوحدة والبساطة لكل الأمم يخطون ~~بسير الكمال الجمعي والإحاطة و " كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه ِ " والمثل يميل ~~إلى شاكلته. # فلمّا كان مقتضى حقائق الأنبياء الظهور بموجب التجلَّي الخاصّ بأهل الكمال من صور ~~أحديّة الجمع الإنساني النبوي في مرتبة الفرقان الروحاني العقلي النوري ، والدعوة ~~إلى النور والوحدة والنزاهة والجمع ، كذلك مقتضى حقائق الكفرة والمردة والفراعنة ~~الظهور في المقابلة بموجب التجلَّي العامّ في عالم الحجاب والكثرة والفرقان والصدع ~~. # فظهروا بصورة الحجاب والستر ، فوقعت الإجابة بالفعل إلى عين ما دعاهم من السّتر ~~والغفران ، ولكن بصورة الردّ والصدّ والنكران ، والكفر والكفران ، فاستغشوا ثيابهم ~~وجعلوا أصابعهم في آذانهم ليستروا عن استماع ندائه ، فلو وقعت الإجابة لدعوته ~~ببواطنهم وعقولهم قولا ، لانقادت ظاهريّاتهم إلى ما استجابت بواطنهم فعلا ، ففازو ~~بسرّ من أسرار الجمع ، ولكن غلب عليهم حكم الفرق والصدع ، فلم يفهموا أنّ الدعوة ~~إلى حضرة الكمال والجمع . # قال الشيخ رضي الله عنه : « وهذه كلَّها صورة الستر الذي دعاهم إليه فأجابوا ~~دعوته بالفعل لا بلبّيك . وفي " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ " إثبات المثل ونفيه ~~وبهذا قال صلَّى الله عليه وسلَّم عن نفسه : إنّه أوتي جوامع الكلم . # فما دعا محمّد عليه السّلام قومه ليلا ونهارا ، بل دعاهم ليلا في نهار ونهارا في ~~ليل " . # يعني رضي الله عنه : أنّ دعوة من أوتي جوامع الكلم تجمع صيغ كلّ دعوة ، وتشرّع ~~صور أوضاع كلّ شرعة ، يدعوهم جهرا إلى الستر ، وسرّا إلى الجهر في عين سرّ في صورة ~~الجهر ، وجهر في صورة الستر . # وغيبا في الشهادة إلى غيب الأمر إلى التنزيه الحقيقي في عين التشبيه ، وإلى ~~التشبيه في عين التنزيه ، والإثبات في النفي ، والعرف في صورة النكر ، بخلاف دعوة ~~غيره من المرسلين . # قال رضي الله عنه : « فقال نوح عليه السّلام في كلمته لقومه : " يُرْسِلِ ~~السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً " وهي المعارف العقليّة في المعاني والنظر ~~الاعتباري » # يعني رضي الله عنه : إن أجبتموني إلى مقتضى التنزيه العقلي ، وحجبتم عن شهود ~~التشبيه الشخصي ، أنزل الله عليكم من سماء العقل والروح صوب المعارف العقلية ، ~~وأمطار المعاني الفكرية والتنزيهية . # قال رضي الله عنه : " وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ " أي بما يميل بكم إليه » . # يعني رضي الله عنه : إذا بلغتم مبلغ العلم العقلي ، فسوف يمدّكم بأيدي أيده ~~الوهبيّ ، فأمالكم إليه عن تصوّر التفرقة الحجابية . # قال : « فإذا مال بكم إليه رأيتم صوركم فيه » يعني صور أعيانكم الثابتة فيه . # "فمن تخيّل أنّه رآه ، فما عرف ، ومن عرف منكم أنّه رأى نفسه فهو العارف " . # يعني رضي الله عنه : لأنّ المتجلَّي في صور أعيانكم الثابتة إنّما يتجلَّى بحسب ~~خصوصياتها لا بحسبه بلا صورة خصوصية ، فالمعرفة الصحيحة بالربّ الحقّ إذن للعبد هي ~~بعين المعرفة بعينه الثابتة وهي نفسه . # قال رضي الله عنه : « ولهذا انقسم الناس إلى غير عالم وعالم » . # يعني رضي الله عنه : فمن رأى الحقّ عينه ، رأى الحق ، ومن رأى أنّه رأى الحق ، ~~فما رأى الحق ولا علمه . # قال رضي الله عنه : « وولده » وهو ما أنتجه له نظره الفكري ، والأمر موقوف علمه ~~على المشاهدة ، بعيد عن نتائج الفكر إلَّا خسارا» . # يعني رضي الله عنه : لم يزد ماله الذي مال به وإليه عن الحق وولده الذي هو من ~~نتائج فكره العرفي العادي إلَّا خسارا ، لما أدّاه إلى التفرقة والصدع ، وأضلَّه عن ~~الأحدية والجمع ، لأنّ الكمال في الشهود ، لا في الكفر والجحود . # قال رضي الله عنه : « فما ربحت تجارتهم فزال عنهم ما كان في أيديهم ممّا كانوا ~~يتخيّلون أنّه ملك لهم » . # يعني رضي الله عنه : لمّا كانت غاية مطامح أبصارهم ، ونهاية مبلغ علومهم بأفكارهم ~~هي الانحراف إلى الإطراف ، والميل بالمال عن الحق والاتّصاف ، بموجب الظلم ~~والاعتساف ، والحقّ في أحدية جمع الاتئلاف والاختلاف ، فكان مثلهم كسراب بقيعة ~~الخيال لاح وراح ، وما كان في أيديهم من غير الحق طاح وزاح "وَقَدِمْنا إِلى ما ~~عَمِلُوا من عَمَلٍ فَجَعَلْناه ُ هَباءً مَنْثُوراً " # قال رضي الله عنه : « وهو في المحمّديين " وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ ~~مُسْتَخْلَفِينَ فِيه ِ " أي من المال الذي ملت بكم إليّ فيه من حيث أعلم ، وملتم ~~أنتم إليه في بفكركم ، فميلوا إلي فيه بها بالاتفاق على الأنفاق . # قال رضي الله عنه : " وفي نوح " أَلَّا تَتَّخِذُوا من دُونِي وَكِيلًا " ، فأثبت ~~الملك لهم والوكالة لله فيه ، فهم مستخلفون فيهم ، فالملك لله ، وهو وكيلهم ، ~~فالملك لهم وذلك ملك الاستخلاف » . # قال العبد : شهود أهل الجحود يقتضي إثبات الملك لهم حقيقة ، وشاهد الحال يقضي ~~بذلك لهم بمقتضى مشهودهم ومعهودهم ، وفي الحقيقة هم لله ، فهم مستخلفون من الله في ~~أنفسهم بحسب ظنونهم ، إذ هو الظاهر بهم وفيهم ، فغلب عليهم الحال ، وتاهوا في تيه ~~الضلال ، من حجابيّات ظنونهم ونيّاتهم وظلمات إنيّاتهم ، فحجبوا عن الحقّ المالك ~~لهم وما في ملكتهم بتمليكه ، وهو مليكهم ومليك الممالك ومالك الملك والملكوت . # وله المالكيّة والملكيّة بالحقيقة على الإطلاق والاستحقاق ، ولم يعلموا أنّهم في ~~مالكيّتهم لأملاكهم وفي أنفسهم مستخلفون ، وكذلك في أموالهم وولدهم ، وأنّ ذلك ~~بتمليك الحقّ لهم من كونه عينهم لا من حيث أنفسهم عندهم من حجابيّاتهم ، ولو فهموا ~~ذلك من دعاة الجمع في عالم الفرق والصدع ، وأنّ الملك والملك للمليك المقتدر الذي ~~له الملك والملكوت بالأصالة ، ولهم من حيث إنّه فيهم أعيانهم بالتمليك والإيالة ~~والإنالة ، على ما تقتضيه حقيقة أحدية جمع اللاهوت من الاستخلاف والأدلة . # وأن لا بقاء لهم ولما في أيديهم إلَّا منه وبه ، ولما كان الكلّ بالأصالة ، وأنّ ~~البقاء لله وحده ، ولا شيء بعده ، لكان الحق لهم في هذا الشهود ملك الملك ، فلم يزل ~~ملكهم إلى الأبد ، ومتّعهم الله به في أعيانهم وبنيهم وأموالهم وأوطانهم إلى حين ~~وأمد . والله على ما يشاء قدير . # قال رضي الله عنه : « وبهذا كان الحقّ ملك الملك » . # قال العبد : لمّا تحقّقنا أنّ ما بنا من نعمة فمن الله ، تحقّق أنّ الوجود الذي ~~هو أفضل النعم وأشرف النسب والقسم من الله ، والوجود الحقّ هو المتعيّن في جميع صور ~~النعماء والآلاء والأيادي ، وفي صور الملاذّ والملاهي ، في الصورة الثبوتية الأمرية ~~والسلبية في المناهي ، وأنّ التعيّنات لا تبقى زمانين إلى أقصى ما أقصى به لا ~~يتناهى . # وأنّ الوجود الحقّ يتبدّل ويتبذّل مع الآنات ملابس تعيّن وظهور وتنوّع بحلي ، ~~وتحلّ وسفور في ستور من سرّ الخلق الجديد الذي هم منه في لبس ملابس من جميع الأمور ~~فكما أنّ حقائق الأشياء مع قطع النظر عن الوجود المتعيّن بها وفيها نسب راجعة إلى ~~العدم ، كذلك الوجود الحقّ يقتضي لحقيقته التجلَّى والظهور والتعيّن بصورة النور في ~~المظاهر والمجالي . # على التواتر والتوالي ، من غير فتور إلى الأبد من أزل وقدم ، فلو كان مشهود ~~العباد هو الحقّ الذي هو قوامهم وقيامهم ، وهو الحيّ القيّوم فيهم وقيّامهم ، فرأوا ~~الملك والمال والولد والنعم لله حقيقة لا لهم دونه ، فإنّهم بل « هو » عدم صرف ~~والعدم لا يملك ، فالملك لله فيهم بالأصالة بلا شريك ، ولهم فيه لا بالحقيقة بل ~~بالتمليك ، وأنّ المرجوع في كل ذلك إلى الله . # " أَلا إِلَى الله تَصِيرُ الأُمُورُ و " هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما ~~كَسَبَتْ " وهو المليك المالك للملك والملكوت ، لكان الحقّ في تجلَّيه لهم بحسب ~~ظنونهم فكان لهم مالا وملكا أبديّا وملكا سرمديّا وهم ملكه ، فهو ملك ملكهم ، إذا ~~زال عنهم ما بأيديهم من مالهم وملكهم ممّا تخيّلوا أنّه لهم بالأصالة من كفرهم ~~وشركهم فحجبوا في عين الكشف ، وسكروا بالوصف ،قبل الشرب والرشف. # قال أبو يزيد البسطاميّ سلام الله عليه في مناجاته إيّاه ومحاضرته لمولاه وقد ~~تجلَّي له المليك المقتدر : « ملكي أعظم من ملك ، لكونك لي وأنا لك ، فأنا ملكك ~~وأنت ملكي ، وأنت العظيم الأعظم وملكي أنت ، فأنت أعظم من ملكك وهو أنا » ، فافهم . # قال الشيخ رضي الله عنه : « كما قال الترمذيّ » . # يعني رضي الله عنه الشيخ الكامل ، الإمام الفاضل ، قدوة الطائفة العالية ، أستاد ~~الطريقة ، وبرهان الحقيقة ، محمّد بن عليّ الترمذيّ الحكيم المؤذّن ، وذلك أنّه ذكر ~~من جملة ما أجمل في مسائله عن الخاتم المحمدي ، خاتم الولاية الخاصّة المحمدية قبل ~~ولادة هذا الخاتم بمائتي سنة ، ثم لمّا ولد وبلغ ، أجابه فيها رضي الله عنه فقال : ~~« مالك الملك » وقد ورد علينا وارد في هذا المقام حالا شهوديّ . شعر : # يا منتهى السؤل أنت القصد والغرض %~% لي فيك عن كلّ شيء فاتني عوض # مالي سواك ومالي في هواك سوى %~% سوء الظنون سواء في السوي عرض # الأبيات بطولها . # قال رضي الله عنه : " وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً " ، لأنّ الدعوة إلى الله مكر ~~بالمدعوّ ، لأنّه ما عدم من البداية فيدعى إلى النهاية " أَدْعُوا إِلَى الله " ~~فهذا عين المكر "عَلى بَصِيرَةٍ " فنبّه أنّ الأمر كلَّه له ، فأجابوه مكرا كما ~~دعاهم مكرا " . # قال العبد : حقيقة الدعوة تقتضي الفرقان والتمييز والبينونة والتحييز ،ولا تتحقّق ~~إلَّا في البين بين اثنين . فيدخل « من » و « إلى » لبداية دعائه في الأين. # وحقيقة المدعوّ عين الأمرين وعين الغاية والبداية في كل عين عين ، فالدعوة من عين ~~أو أعيان مع كون الحقّ عين المدعوّ والمدعوّ عنه إلى الحق من كونه أيضا عينه كذلك ~~مكر ، لكون المدعوّ إليه عين ما منه يدعو إلى عينه في نظر المكاشف وإلى غيره في عين ~~غير المكاشف الواصف العارف ، فجاؤوا بأكبر نوع من المكر ، وهو إجابتهم للداعي لهم ~~مكرا في صورة الردّ ، وإقرارهم بما يدعى الدعوة إليه ، في صور الإنكار والنكر ~~والكفر . # فقابلوا مكر الداعي بهم من حيث لا يشعرون ، فأجابوه بالفعل مكرا في كل ما دعاهم ~~إلى الله كذلك من حيث يعلمون ولا يعلمون . # والذي قال رضي الله عنه : « فنبّه أنّ الأمر كلَّه لله » . # يعني سلام الله عليه : أنّ كلَّا من الداعي والمدعوّ ، مأمور بما هو به ظاهر ، ~~ويحكم سلطنته له تحت أمر قاهر وباهر ، فالداعي مأمور بالدعوة والأمر ، والمدعوّ ~~مأمور بما خلق له ، وكلّ ميسّر لما خلق الله . # ولكنّ الله علم أنّ صلاح المستعدّين المستحيين في الدعوة بالإقلاع عن الانهماك في ~~صور التفرقة والحجاب، وذلك أنّهم تناهوا في الخروج إلى أقاصي عوالم الإمكان ~~والظهور، فلو تابوا إلى الله العالم بأحدية جمع الوحدة الباطنة في أعيان الكثرة. # لحصل لهم الكمال الجمعي في ذلك التناهي بالعروج ، والانتهاء في الرجوع إلى الأصل ~~الباطن الذي منه البروز والخروج والدروج ، ولكنّهما الأهواء عمت فأعمت فأصمّهم الله ~~وأعمى أبصارهم ، وحبّك الشيء يعمي ويصمّ عن غيره ولو بالنسبة والإضافة . # قال رضي الله عنه : " فجاء المحمدي فعلم أنّ الدعوة إلى الله ما تكون من حيث ~~هويّته " , وإنّما هي من حيث أسمائه فقال : " يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى ~~الرَّحْمنِ وَفْداً " فجاء بحرف الغاية وقرنها بالاسم ، فعلمنا أنّ العالم كان تحت ~~حيطة اسم إلهيّ أوجب عليهم أن يكونوا متّقين " . # قال العبد : المشرب المحمدي الجامع لجميع الدعوات النبوية والأحكام التشريعية ~~التكليفية هو أنّ الدعوة من حضرة إلى حضرة ، ومن مقام إلهيّ اسمي إلى آخر ، ~~والمدعوّ إليه الله في الجميع إلَّا أنّ التعيّنات العينية في ملابس الصور العينية ~~المقتضية للتمييز ب « من » و « إلى » يتفاضل بعضها على بعض ، فالتجلَّي من حضرة ~~أحديّة الجمع ليس كالتجلَّي في أحدية الفرق والصدع . # والداعون صنفان : أحدهم يدعو إلى الله بأمر الله ، وهمّه في القيام بما أمر من ~~الدعوة ، ولا يلزمه كشف الحقائق على ما يقتضيها عند الله في نفس الأمر . # والثاني صنفان منهم : # من كشف له الله حقائق ما أمر بتبليغه والدعوة ، # ومنهم : من ليس له ذلك وإنّما هو إنباء وإخبار من الله بذلك وأمر ونهي لا غير . # وهم أيضا على قسمين # : # قسم منهم من يكون إنباء الحق وإخباره له # في الرؤيا والهاتف والوحي بواسطة الملائكة ، وهو غير مأمور بالتبليغ والرسالة . # وصنف مأمور بالتبليغ والرسالة . # وهم صنفان : # أولو العزم الذين أمروا أن يبلغوا إلى الأمم رسالة الله # ، فإن لم يجيبوا بالمعجز قاتلوهم . # وصنف ما عليهم إلَّا البلاغ ، # فإن آمنوا أمنوا من عذاب الله في الدنيا وفي الآخرة أو فيهما معا ، وإن لم يؤمنوا ~~لم يأمنوا كذلك . # والصنف الأوّل الأعلى هم الذين يدعون على بصيرة كمحمّد صلَّى الله عليه وسلَّم ~~والمحمديين من الأنبياء والأولياء عالمين بأنّ الحق موجود في البداية والغاية . # وهو عين المدعوّ والداعي والمدعوّ إليه ، وهو على كشف وبصيرة أنّه مأمور بالدعوة ~~والإبلاغ بأمر الله ومشيّته ، وأنّه تقع الإجابة ممّن شاء الله له ، وعنى منه ~~الإجابة ظاهرا وباطنا ، وممّن لا يكون كذلك ، ولا تقع الإجابة إلى الداعي إلَّا في ~~صورة الردّ والصدّ أو تكون الإجابة ظاهرا لا باطنا أو باطنا لا ظاهرا بالبعض أو ~~بالكلّ ، ولا بدّ من ذلك . # وهو يدعو على بصيرة إلى اسم كلَّي محيط بكلّ مركَّب وبسيط ، وهو الاسم « الله » ~~أو الاسم " الرحمن " ، " قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما ~~تَدْعُوا فَلَه ُ الأَسْماءُ الْحُسْنى " . # وأنّ مصير صور التفرقة والجمع إليه إنّما يكون على وجهين : # أحدهما : يوم نحشر المتّقين الذين اتّخذوا الله وقاية لهم عن آثار الأفعال ~~والأحكام والأوصاف والأخلاق الحميدة في الإضافة فأضافوها إلى الله ، ففازوا بشهود ~~الحق قائما على كل نفس بما كسبت ، وأنّ نواصيهم بيده تعالى والله هو الفاعل بهم ~~وفيهم جميع أفاعيلهم فكلَّها من أعمال الله بهم وفيهم ، كما ثمّ أيضا كذلك. # " وَالله خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ " فأضافوا ما أتوا به من المحامد والمحاسن ~~والفضائل وصالحات الأعمال كلَّها إلى الله ، فخلصوا من ورطات الرياء والسمعة والشرك ~~الخفيّ والجليّ وغير ذلك من العقبات الموجبة للعقوبات ، وجعلوا أنفسهم أيضا وقاية ~~لله في إضافة النقائص والقبائح والمذام من الأعمال والأفعال والأخلاق والنعوت ~~والأوصاف ، فحازوا بذلك أسرار شهود " وَما أَصابَكَ من سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ " ~~بكسر الميم . # وقوله : « والشرّ ليس إلَّا إليك ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلَّا نفسه » ~~فنسبوا كلّ ذلك إلى أنفسهم ولم ينسبوا إلى الله . # ووقفوا وقاية عن إضافة النقائص من نقائص الكمالات التي اتّخذوا الله فيها وقاية ، ~~فصار كل منهما وقاية لصاحبه مع أحدية العين في عين الفرق فبدّل الله سيّئاتهم حسنات ~~، لأنّه لا فاعل في الحقيقة إلَّا الله جمعا وفرقا ، حقّا وخلقا ، ففازوا بحمد الله ~~بدرجة التحقيق وانتهجوا سواء الطريق ، والرحمن الذي وسعهم بحيطة بسط عليهم مضافا ~~إلى ما بهم من النعم من بسطته . # والثاني : من أضاف الأفعال كلَّها إلى نفسه ، وهم على صنفين : منهم من سعد ~~بالأعمال الصالحة والعبادات والطاعات ، فنجا . # ومنهم من شقي بأضداد أفعال أهل السعادة ، فهلك ولم يجد ملتجأ . والصنفان على ~~أصناف لا يتدارك ولا يحصيها إلَّا الله ، وكلَّهم محجوبون ، ولأهل الكشف والحجب ~~تماثيل وأمثله منصوبون ، وعند كشف الغطاء مطالبون ، فافهم والله الملهم . # قال الشيخ رضي الله عنه : " فقالوا في مكرهم : لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرنّ ودّا ~~ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسر "، فإنّهم إذا تركوهم جهلو من الحق قدر ما تركوا من ~~هؤلاء ، فإنّ للحق في كلّ معبود وجها يعرفه من عرفه ، ويجهله من جهله." # قال العبد : لمّا كان الوجود الحقّ المتعيّن في خصوصيات قابليات كل معبود من حجر ~~ومدر وشمس وقمر ظهورا ووجها خاصّا هو الوجه الحق الباقي إذا عادت حجابيّات الأشياء ~~هالكة ، فمن أنكر وجهل وجه الحق في كل شيء ، فقد أنكر الحق المتعيّن في مظهريته ، ~~والمتجلَّي من حقيقته لصور خلقيته. # فهو الظاهر في كل ظاهر ولا ظاهر إلَّا أفعاله ، فلا ظاهر إلَّا الله " وَما ~~رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ الله رَمى " ، فظهرت الألوهية والمألوهية ، ~~والعابدية والمعبودية ، والساجدية والمسجودية في كل عين عين ، فمن عبد حجابيّته ~~وصنميّته ، أو عبد تخيّله وهواه في ذلك المعبود أنّه إله ، فقد عبد هواه ، وعبد ~~الطاغوت ، وعبد صنميّات حجاب اللاهوت . # ومن عبد الله الواحد الأحد في كل ما عبد ، وعبد من غير حصر لله تعالى في صورة دون ~~صورة وتعيينه في شيء دون شيء ، فذلك العارف الكاشف ، والعالم الواصف ، لا يحجبه شيء ~~، ولا يسعه نور ولا فيء ، ولا يحجزه ميّت ولا حيّ ، ولا يضرّه هداية ولا غيّ . # ذلك هو العبد الحقّ " عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ". " في مَقْعَدِ صِدْقٍ " فافهم ~~. # وإذا علمت هذا فاعلم : أنّ لك نسبا في ربّك ليس لغيرك ، هو أحدية جمعك وبصورتك ~~ظهر لك في كل معبود موجود ، وتجلَّى لك في كل مشهود معهود وغير معهود ، ولكن ظهوره ~~بك في كلّ بحسب المظهر لا بحسبه ولا بحسبك ، فأنت حسبه إن كنت بحسبه ، وهو حسبك ~~حسبا ، ونعم النسب التي بها جعل لك منه نسبا فأعطه ماله وهو أنت ، وخذه مالك وهو ~~ربّك ، وقابل لتجلَّياتك لك به ، ولتجلَّياته بك لك من أحديّة جمع مظهريّتك ~~عبدانيّة تناسب التجلَّي ، وقابل بكلَّك كلّ المتجلَّي ، تكن أديبا أريبا محبّا له ~~في الكلّ حبيبا ، وقلبا كلَّيا متقلَّبا معه في شؤونه لبيبا ، تشاهد من تجلَّياته ~~مشهدا غريبا ، وتكشف منك له حالا عجيبا ، والله الموفّق . # قال الشيخ رضي الله عنه : في المحمّديّين : " وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا ~~إِلَّا إِيَّاه ُ ". # أي حكم فالعالم يعلم من عبد ؟ # وفي أيّ صورة ظهر حتى عبد ؟ # وأنّ التفريق والكثرة في الأعضاء كالصورة المحسوسة والقوى المعنويّة في الصورة ~~الروحانيّة ، فما عبد غير الله في كل معبود . # قال العبد : جلّ جناب المعبود الحقّ أن يعبد سواه في كلّ معبود ، أو يوجد إلَّا ~~إيّاه في كل موجود ، لأنّ الحقيقة تقتضي لذاتها أن تتفرّد بالوجود على الإطلاق ، ~~وتقتضي بحقيقتها المعبودية بالاستحقاق ، فحيث وجدت الإلهة والعبادة ، فهي له والحقّ ~~لها . # ولكنّ الكثرة المعهودة والتفرقة المشهودة تحجب العقول المنصبغة بأحكام العرف ~~والعادة عن شهود الوجود الحقّ الواحد الأحد في الغيب والشهادة ، وتكون أحديّته ~~الخصيصة بذاته المطلقة أحدية جمع لا تنافيها الكثرة ، والسلطان هو الواحد الحقّ ~~المستوي ، والوحدة والإطلاق والتقيّد والكثرة هي المظاهر والعروش والأسرّة . # وكما أنّ صورتك المحسوسة واحدة ، لا شكّ في وحدتها جملة واحدة ، ولا تقدح في ~~أحدية جملتك كثرة الأعضاء من حيث الاعتبار النسبي والتعقّل الإضافي المعهود ، لا في ~~الوجود ، ولا في الأمر ، وليست في نفس الأمر كثرة إلَّا بالاعتبار ، عند ذوي العقول ~~الرجيحة والاستبصار. # وكذلك صورتك الروحانية ولطيفتك الإنسانية جوهرة واحدة وحدة حقيقية ما فيها ما ~~ينافيها ، ومع ذلك فوحدتها أحدية جمع أرواح وقوى كثيرة ، ولا تقدح كثرة قواها في ~~أحدية هذه الجوهرة اللطيفة النورانية ،. # فكذلك لا تقدح كثرة مظاهر الأسماء وهم الأرباب في أحدية جمع الإله الربّ المعبود ~~في الكلّ عند ذوي الألباب ، فهو المعبود في كل ما عبد ، والعابد في كل من عبد ، ~~فأقرّ وما عند ، وهو الجاحد العاند فيمن جحد وعند ، فالكلّ منه وفيه وله ، وبه ومنه ~~له ، وله فتنبّه أيّها الأنبل الأنبه ، فأنت المؤمّل المكمّل ، والمعروف المعرّف ~~والمجهول المجهّل. # قال الشيخ رضي الله عنه : « فالأدنى من تخيّل فيه الألوهيّة ، فلو لا هذا التخيّل ~~ما عبد الحجر ولا غيره . # ولهذا قال : " قُلْ سَمُّوهُمْ " ، فلو سمّوهم لسمّوهم حجرا وشجرا وكوكبا . # ولو قيل لهم : من عبدتم ؟ # لقالوا : إلها ما كانوا يقولون : « الله » ول « الإله » . # والأعلى ما تخيّل ، بل قال : هذا مجلى إلهيّ ينبغي تعظيمه ، فلا يقتصر . # والأدنى صاحب التخيّل يقولون : " ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى ~~الله زُلْفى " ، والأعلى يقول : " فَإِلهُكُمْ إِله ٌ واحِدٌ فَلَه ُ أَسْلِمُوا " ~~حيث ظهر " وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ " الذين خبت نار طبيعتهم . فقالو : إلها ، ولم ~~يقولوا : طبيعة " . # قال العبد : العباد والعبّاد انقسموا إلى عارف بالله حيث تجلَّى وظهر ، عالم به ~~كيف تعرّف وتنكَّر ، مشاهد لوجهه الكريم في كل وجهة وجهة تولَّى ونظر ، " ~~فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه ُ الله " الأكرم الأزهر ، محقّق في شهوده ، ~~متحقّق بمشهوده ، فهو الأعلى ، لأنّه العابد ربّه الأعلى . # والأدنى هو أن لا يشهد الحقّ الظاهر في المعبود المشهود ، ولكن يعبده تخيّلا أنّ ~~فيه الألوهيّة ، فهو غالط جاهل بالإله ، فإنّه ما من إله إلَّا إله واحد ، " أَمَرَ ~~أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه ُ " فلمّا لم ير ذلك ، وليس له الكشف بالحق من ~~حيث الشهود العقلي ، فتحيّر وتخيّل تقليدا أنّ فيه الألوهيّة ، فكفر ، أي ستر ~~الألوهية الظاهرة في مألوه ومعبود ، فتخيّل أنّ عبادة هؤلاء في الوجود ليست إلَّا ~~لإلهيّة فيهم ، والحق أنّه ليس من الله في شيء ، وليس هو بكلَّيته فيهم ، فما له ~~تحقيق ولا تحقّق بالحق حيث كان ، فهو الذي عبد تخيّله وتحيّله وعكف على صنمية ~~حجابيّة الطاغوت بالخذلان ، وهو عن الحق المشهود الموجود في الحرمان ، أعاذنا الله ~~وإيّاك بإحسانه إنّه بحسبان . # والأعلى شهوده " أَنَّما إِلهُكُمْ إِله ٌ واحِدٌ " ، فالألوهية رتبة في حقيقتها ~~واحدة لا تقتضيها إلَّا ذات واحدة هي عينها لا زائدة عليها ، فحيث وجدت عبدت ، ~~وأينما شهدت وشوهدت ، شهدت لها بالألوهية ، وسجدت بالهوية اللاهوتية وحكمها من ~~العباد والعبّاد الانقياد الكلَّي والإسلام الجبلَّي والاستسلام الفطري الأصلي . # وكمال الانقياد لله أن نعبده ونطيعه في الكلّ بكل عبادة وطاعة ، ونعرفه ونعرّفه ~~بكل جهد وجدّ واستطاعة ، لكونه لا ينحصر في جهة ، ولا يتقيّد في وجهة ، فمن كان ~~مشهده على هذا الوجه ، فهو الكامل الذي وجهة وجهه وجه الله ، لا يغيب عنه طرفة عين ~~ونظرة ، ولا يحصره ولا يقيّده حضرة دون حضرة تقييد الأدنى صاحب التخيّل ، أو ~~المقلَّد المعتقد الممثّل ، وحصره ، فافهم . # قال الشيخ سلام الله عليه : " وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً " أي حيّروهم في تعداد ~~الواحد بالوجوه والنسب" # قال الشيخ رضي الله عليه :" وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ " لأنفسهم " المصطفين " ~~الذين أورثوا الكتاب ، أوّل الثلاثة ، فقدّمه على السابق والمقتصد " إِلَّا ضَلالًا ~~" أي "حيرة ". # قال العبد : لمّا عدّدوا الواحد وفرّقوا الجمع ، ظلموا الألوهيّة بتفريقها ~~وتكثيرها ، وهي حقيقة واحدة لربّ واحد تقتضي أن لا يكون إلَّا هو ، وهي له فيه هو ، ~~لا إله إلَّا هو . # فلم تك تصلح إلَّا له %~% ولم يك يصلح إلَّا له # ولو رامها أحد غيره %~% لزلزلت الأرض زلزاله # فلمّا شاهدوا من حيث شعروا ولم يشعروا - أحدية الكثرة وأنّ الواحد هو بحقيقته ~~أوجب العدد ، فقد ظلموا ، أي أدخلوا النور في ظلمات لا تتناهى ، فأنارت بنور الوجود ~~الواحد أعيان الظلمات العدميات ، وعدّل الربّ عند عدولهم بالواحد الأحد إلى الكثرة ~~بعدله صور انحرافات الظلامات ، وظلموا أنفسهم أيضا لتضليلها في صور الفرق الحجابي ، ~~عن أحدية الجمع الكتابي ، والفصل الخطابي. # ولكن إنّما ظلموا أنفسهم لأنفسهم ، لكونهم . ما حصروا الألوهيّة في الوحدة ~~المقابلة للكثرة المضادّة للعدّة ، وما انحازوا بما حازوا ، عمّا ميّزوا ومازوا ولا ~~امتازوا ، ولكن حازوا في الجمع بين كثرة النسب العدمية والوجود ، وبين وحدة العين ~~والذات في الإله والمألوه . # فالظالم على هذا هو العبد المصطفى ، والمجلى الأخلص الأصفى ، أعطى الحقّ في كلّ ~~حقيقة حقّه ، ووفى بالأوفى . # ولما كان المصطفى فردا ، ظهر الاصطفاء في هؤلاء الثلاثة الذين أورثوا الكتاب ، ~~أعني كتاب الجمع والوجود ، لكون الثلاثة أوّل الأفراد . # فالظالم عدّد الأحد ، والسابق وحدّ العدد ، والمقتصد الجامع بين شهود الكثرة في ~~الواحد الأحد وشهود وجود الواحد في أعيان العدد . # فالظالم الذي شهوده يكثّر الواحد له الضلال والحيرة أبد الأبد ، وحقّ الظالمين أن ~~لا يزيدهم الله إلَّا ضلالا لهم في عين عين ، وارتفع من البين البين ، فقد ضلَّوا ~~فيه لا إلى أمد ، بل أبد الأبد ، وهدوا إلى أحدية عين من عبد وعبد . # فذلك العبد الأوحد في زمانه ، المؤيّد من الله ببرهانه ، القائم في عبدانيّة ~~الواحد الأحد في جميع شؤونه ، مقبلا على شأنه ، مقتبلا للأمر في إبّانه # قال رضي الله عنه : " المحمّديّ : زدني فيك تحيّرا " . # قال العبد : لأنّ اللذّة في النظر إلى الوجه الكريم في كل مجلّ وتجلّ ، وتدان # وتدلّ ، وإقبال وتولّ ، فكلَّما ازداده المشهود زاد الشهود ، وازدادت لذّات ~~المشاهدة بذات المشاهد المشهود . # قال رضي الله عنه : " كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيه ِ وَإِذا أَظْلَمَ ~~عَلَيْهِمْ قامُوا " فالمحيّرون لهم الدور والحركة الدورية حول القطب فلا يبرح منه ~~" . # يعني رضي الله عنه : أنّ دأب العبد الحقّ المطلق أن لا يبرح عن المركز نظره إلى ~~وجه الحق ، فهو يدور معه حيث دار وتحقّق ، كالحرباء مع الشمس ، والنيلوفر إذا طلعت ~~تفتّح وجنح وصعق ، وإذا غابت أطبق على طبقاته وانطبق ، وكالفرقدين مع القطب يدور ~~حوله أبدا ، فهو كذلك ناظر بعينه إلى عين الحق يضلّ به الناظر ، لكثرة المناظر ، ~~فهو المنظور الناظر ، والمظهر الظاهر ، والأوّل والآخر ، والباطن الظاهر . # قال رضي الله عنه : " و صاحب الطريق المستطيل مائل ، خارج عن المقصود ، طالب ما ~~هو فيه صاحب خيال إليه غايته " . # يعني رضي الله عنه : أنّ طالب الحق في وجهة أو أمر معيّن وجهة مائل بلا شكّ عن ~~المركز إلى المحيط ، فحركته منقطعة لا تحيط ، فيكون له مبدأ حركة ، ونهاية سير ~~وسلوك منه إليها سلكه . # قال رضي الله عنه : فله « من » و « إلى » وما بينهم . # يعني رضي الله عنه : بداية حركة من الحقّ الحاصل المشهود في الوجود إلى غاية ~~تخيّلها ، والحركة الكلَّيّة لها البركة الأصلية ، فلا غاية ولا نهاية لها ، ~~فالمتخيّل للغاية غايته الخيال المتخيّل ، والحجاب عن المشهود المحصّل . # قال رضي الله عنه : " وصاحب الحركة الدوريّة لا بدء له" . # يعني : في شهوده فيلزمه « من » ولا غاية فتحكم عليه " إلى " فله الوجود الأتمّ ~~وهو المؤتى جوامع الكلم والحكم " . # يعني رضي الله عنه : نبيّنا صلَّى الله عليه وسلَّم والمحمّديين من ورثته ، فإنّ ~~مشهدهم "فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه ُ الله " و "يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا ~~مُقامَ لَكُمْ " . " قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ ". # قال رضي الله عنه : " مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ " فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار ~~العلم بالله وهو الحيرة" # يعني رضي الله عنه : أنّ العباد هطت بهم الخطيئات عن خطط تعيّناتهم فأضلَّتهم عن ~~حظوظهم وإنّياتهم ، ففنوا في شهود الواحد الأحد حيث تجلَّى وتعرّف ، وحاروا في ~~أحدية التصرّف والمصرّف والمتصرّف ، كيف صرف وانصرف. # فغرقوا في بحار شهود العين ، عن التعيّن في حرف الغين ، الكائن في البين بين ~~اثنين . # قال رضي الله عنه : " فَأُدْخِلُوا ناراً " في عين الماء " . # يعني رضي الله عنه : لمّا أشهدوا الوحدة في عين الكثرة وبالعكس ، فقد حصلوا في ~~نار تجلَّي نور سبحات وجهه ، المحرقة من عين طوفان بحر حيرة شهود النفس . # قال رضي الله عنه : « في المحمّديّين " وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ " ، من سجرت ~~التنّور إذا أوقدتها ". # يعني رضي الله عنه : أنّ عين الحق الواحد المحيط وهو عين حياة الكثير وهويّته هي ~~المتجلَّية في إنّيّات الصغير والكبير ، فهي تجيش بنار نور تجلَّيه ، فبحارها به ~~مسجّرة ، وخائضوها غرقى محيّرة لا مخيّرة ومسخّرة مسجّرة " وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما ~~يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ " # قال رضي الله عنه : " فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ من دُونِ الله أَنْصاراً " وكان ~~الله عين أنصارهم ، فهلكوا فيه إلى الأبد ، فلو أخرجهم إلى السيف ، سيف الطبيعة ~~لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة ، وإن كان الكل لله وبالله بل هو الله " . # يعني رضي الله عنه : إذا قطعت النظر إلى الحق ، فلا يبقى للعابد فيما عبد من ناصر ~~ينصره ، وإذا تحوّل الحقّ في صور اعتقاد المعتقدين العابدين فيما عبدوا واعتقدوا ، ~~فحينئذ يكون الله قد نصرهم ، بما تجلَّى لهم ونظرهم ، وإلَّا فهم في تبار وخسار . # وإن كان عرفان في نفس إنكار ، وإقبال في عين إدبار ، لكون مصير الكلّ إلى الله ~~الواحد القهّار ، ويؤول كالآل مآله إليه عند إمكان الاعتبار ، ومشرب التحقيق يقتضي ~~أن تصير الأمور عين المصير ويؤوّل تأويله عند التحقّق أنّه هو " حَتَّى إِذا جاءَه ~~ُ لَمْ يَجِدْه ُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِنْدَه ُ " . # وهذا شهود فغرق في بحار الحيرة ، الأخيرة للخيرة ، فلو أخرجهم الله عن هذا البحر ~~الزخّار والتيّار الدوّار ، ورماهم إلى ساحل طبيعة التقيّد والتعيّن ، لنزل بهم إلى ~~الفرق الحجابي عن الجمع الكتابي وإن كان كلّ تعيّن عين المتعيّن به وقائما وظاهرا ، ~~بل هو هو ، ولكن تعيّن المطلق في المقيّد ظهور مقيّد وحدّ محدّد ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « قال : « ربّ » ما قال : إلهي ، فإنّ الربّ ، له الثبوت ، ~~والإله يتنوّع بالأسماء ، فهو كلّ يوم في شأن . # فأراد بالربّ ثبوت التلوين ، إذ لا يصلح إلَّا هو . " لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ " ~~يدعو عليهم أن يصيروا في بطنها " . # يعني رضي الله عنه : أنّهم مسهّرون بالظهور في الفرق ، وهو ظاهر الأرض وذلك عين ~~دعوته لهم إلى الباطن الأحدي الجمعي . # قال رضي الله عنه : « المحمّديّ " لو دلَّيتم بحبل لهبط على الله " . # يريد رضي الله عنه أنّ الحق من كونه عين مركز الكلّ ، والمحيط نسبة الفوق إليه ~~كنسبة التحت ، فكما أنّه عين فوقيّة كلّ فوق فكذلك هو عين تحتية كل تحت . # قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : « لو دلَّيتم بحبل ، لهبط على الله " . # وقال : " لَه ُ ما في السَّماواتِ وَما في الأَرْضِ " # قال رضي الله عنه : فإذا دفنت فيها فأنت فيها ، وهي ظرفك "وَفِيها نُعِيدُكُمْ ~~وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى " لاختلاف الوجوه . # يعني رضي الله عنه : ظهورهم في ظاهرية أرض المظهر بالفرق من جهة كثراتهم ~~بتعيّناتهم في صور الخلق والفرق في أحدية عين الحق . # قال رضي الله عنه : من الكافرين الساترين الذين " اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ " و ~~"جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ في آذانِهِمْ" ، طلبا للستر ، لأنّه « دعاهم ليغفر لهم » . ~~و الغفر :الستر . # " دَيَّاراً " أحدا حتى تعمّ المنفعة ، كما عمّت الدعوة ، " إِنَّكَ إِنْ ~~تَذَرْهُمْ " أي تدعهم وتتركهم " يُضِلُّوا عِبادَكَ " أي يحيّروهم فيخرجوهم من ~~العبوديّة إلى ما فيه من أسرار الربوبيّة ، فينظرون أنفسهم أربابا بعد ما كانوا عند ~~أنفسهم عبيدا ، فهم العبيد الأرباب . # قال العبد : عبّاد صور الأسماء في حجابيّات الأشياء من عمرة مواطن الشقاء لو ~~تركوا مع الأهواء فلا يتحرّكون إلَّا إلى الأطراف الحائرة ، ولا يسكنون إلَّا إلى ~~تعمير بقاع يفاع بقاع الحجابية الغامرة ، ولا يعبدون إلَّا الكثرة والتفرقة في ~~صنميات الطواغيت البائرة ، ويدعون أهل الاستعداد من العباد إلى ما هم فيه من ~~المهالك ، ويكونون عليهم أعوان الشيطان في ذلك ، فإذا رأوا داعي الله يدعو إلى ~~التوحيد وتنزيه التحديد. # فلا يدعونهم بل يدعونهم إلى الكثرة التعديد والتفرقة فيضلَّونهم ضلالا بعيدا ~~ويحيّرونهم تحييرا شديدا ، فيهلكون ويهلكون طلبة الحق ، في فيافي حجابية الخلق ، ~~غرقى في بحار الفرق كلّ الغرق ، ويلبسون عليهم وجوه الرجحان والتمييز والفرق ، ~~فصلاحهم وصلاح من بعدهم أن يسترهم في بطون الأرض ، كما استتروا عن استماع نداء ~~العرض . # ويغرقهم في طوفان بحار الكشف والجمع ، فيرأب ما بهم من الفرق والصدع ، ~~والمستعدّون المؤهّلون لإجابة دعائك ، يتفرّغون لإجابة ندائك ، فلا يحارون في الأمر ~~، ويعبدونك أبد الدهر ، فلا يرون أنفسهم أربابا ، ولا يفتحون في عبادتهم وعبوديّتهم ~~إلى ربوبيّتك أبوابا . # قال رضي الله عنه : " وَلا يَلِدُوا " أي وما ينتجون ولا يظهرون " إِلَّا فاجِر " ~~أي مظهرا ما ستر " كَفَّاراً " اي ساترا ما ظهر بعد ظهوره ، فيظهرون ما ستر ، ثمّ ~~يسترونه بعد ظهوره فيحار الناظر ، فلا يعرف قصد الفاجر في فجوره ، ولا الكافر في ~~كفره والشخص واحد". # يعني رضي الله عنه : أنّ أولاد الكفّار الساترين بتعيّناتهم الإلهية الواحدة ~~ونتائجهم أي صور أسرارهم التي هي إخراج جمع التوحيد إلى التكثير والتحديد لو ~~عمّرتهم للتعمير أبد الدهور ، وغمرتهم بنور الوجود والظهور . # وغمرت إنّيّاتهم بهويّتك في مواطن النور ، ما زادوا غير الفجور ، وهو شدّة الظهور ~~، بما يجب ستره من الأمور ، في مواضع إرخاء الستور ، بتظاهر هم بدعوى الربوبيّة ~~المعرضة الكامنة فيهم بالظلم والزور ، وسترهم عن ربوبيّتك الذاتية الحقيقية بعد ~~كمال الظهور ، بأحدية جمع جميع الأمور بالكفور . # والمراد من الخلق هو أن تعرف ولا تنكر ولا تكفر ، بل لتظهر ، فما خلقتهم إلَّا ~~لتعبد لا لتجحد ، وهؤلاء وإن عبدوك فلم يعبدوك إلَّا في أنفسهم وأهوائهم فرقا ، ~~وجحدوك في أحدية جمع لاهوتك في أفكارهم وآرائهم . # وقد تناهوا في طغيانهم بالفجور ، حتى أظهروا النسب العدمية أعيانا وجودية ، ~~وعبدوها أربابا بكلّ عبودية ، وستروا حقيقة أحدية جمعك في أعيان طواغيت صنميّات ~~الظهور ، خلف الحجب الظلمانية والنورانية والكيانية من الستور ، فانههم عن هذا ~~التناهي في الطغيان ، ونهنههم عن الفجور والكفر والعصيان . # وتداركهم بنور الكشف وطوفان العيان ، وأدركهم بالغرق ، وخلَّصهم عن درك الفرق ، ~~وأطلع ما غاض في أرض تعيّناتهم من النور ، فهي تفور بالتنّور ، وأنزل عليهم ما فاض ~~من العذاب فاض كالبحر المسجور ، ففتحنا عليهم أبواب السماء بماء منهمر وفجّرنا ~~الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر . # قال رضي الله عنه : « " رَبِّ اغْفِرْ لِي " أي استر لي واستر من أجلي فيجهل ~~مقامي وقدري ، كما جهل قدرك في قولك : " وَما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِه ِ ". " ~~وَلِوالِدَيَّ " : من كنت نتيجة عنهما وهما العقل والطبيعة . # " وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ " أي قلبي . " مُؤْمِناً " أي مصدّقا بما يكون فيه من ~~الإخبارات الإلهيّة وهو ما حدّثت به أنفسهم " وَلِلْمُؤْمِنِينَ " من العقول " ~~وَالْمُؤْمِناتِ " من النفوس ". # يعني رضي الله عنه : أنّ النفوس الجزوية البشرية نتائج العقول والنفوس العلوية ، ~~والأمّهات الطبيعية السفلية ، فاستر حقائق القوى الطبيعية وحقائق القوى الروحانية ~~في أحدية جمع قلبي الداخلة تحت حيطته مؤمنا مصدّقا بما ورد عليّ من أسرار الجمع ، ~~وأنوار الخير والنفع ، ممّا يحدث في من الوحي والإلهام ، وتحدّثني بذلك في مناجاة ~~التعليم والإعلام ، وللمؤمنين من القوى العقلية والروحية ، والمؤمنات من القوى ~~النفسانيّة . # قال رضي الله عنه : " وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ " من الظلمات أهل الغيب ~~المكتنفين خلف الحجب الظلمانيّة " إِلَّا تَباراً " أي هلاكا ، فلا تعرفون نفوسهم ~~بشهودهم وجه الحق دونهم . # يعني رضي الله عنه : إذا غرقوا في طوفان نورك الموّاج ، مستغرقا بهياجه لنار ~~الفرق الهيّاج ، فاضمحلَّت معرفتهم بغيريّاتهم ، ودعاويهم في طواغيت صنميّاتهم ، ~~وحجابيّات عرفهم وعاداتهم ومعتقداتهم ، فعادوا غيّبا خلف حجب عزّ عينك كما كانوا في ~~مظهريّاتهم. # قال رضي الله عنه : « في المحمّديّين " كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ " . ~~والتبار :الهلاك. # يعني رضي الله عنه : في المشرب المحمدي شهود كلَّي لاضمحلال كل شيء في عين الحق ، ~~ووجه كل شيء حقيقته وحقيقته عينه الثابتة ، فهي وجه الحق الذي ظهر به وفيه وله ، ~~وهو الباقي منه في قوله : " وَيَبْقى وَجْه ُ رَبِّكَ " ، وتبور الحجب والستور ، ~~ويبقى وجه نور النور ، وإلى الله عاقبة الأمور . # قال رضي الله عنه : « ومن أراد أن يقف على أسرار نوح عليه السّلام فعلية بالرّقيّ ~~في فلك يوح وهو في "التنزّلات الموصليّة" "لنا" . # يعني رضي الله عنه : أنّ أكثر أسرار ما يتعلَّق بكلمة نوح عليه السّلام من الحكمة ~~والمشاهد الغريبة لمن يعرج بروحه إلى فلك الشمس ، فإنّ طوفان انفهاق النور ، من ~~تنّور عينها يفور . # وقد ذكر رضي الله عنه أكثر أسرار مقام نوح في كتاب « التنزّلات الموصليّة » وهو ~~كتاب جليل القدر ، فلتطلب الأسرار النوحيّة منه إنشاء الله تعالى. # . ### | فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية ### | 04 - فصّ حكمة قدّوسية في كلمة إدريسيّة .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على ~~متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قال الشيخ رضي الله عنه : « للعلوّ نسبتان : علوّ مكان وعلوّ مكانة ، فعلوّ ~~المكان " وَرَفَعْناه ُ مَكاناً عَلِيًّا " وأعلى الأمكنة المكان الذي يدور عليه ~~رحى عالم الأفلاك وهو فلك الشمس ، وفيه مقام روحانية إدريس . # يعني سلام الله عليه : أنّ العلوّ المكانيّ لفلك الشمس ، لكونه وسطا ، فهو أعلى ~~الأمكنة ، إذ المركز ، له علوّ المكانة والمكان . # أمّا علوّ المكانة فلأنّه سبب وجود المحيط وأمّا علوّ المكان فلأنّه فوق سبع أكر ~~تحته . وأمّا كونه أعلى الأمكنة فلكونه جامعا بين العلوّين بخلاف غيره من السماوات ~~. # وفي فلك الشمس صورة روحانية إدريس عليه السّلام واجتمع به هذا الخاتم رضي الله ~~عنه هناك ، وجرت بينهما مفاوضات عليّة ، وأسرار كلَّية إلَّيّة ، فاطلبها من كتاب ~~"الأسرار" وكتاب "التنزّلات ". # قال رضي الله عنه : « وتحته سبعة أفلاك ، وفوقه سبعة أفلاك وهو الخامس عشر . # فالذي فوقه : # فلك والأحمر # وفلك المشتري # وفلك كيوان # وفلك المنازل # والفلك الأطلس # وفلك البروج # وفلك الكرسيّ # وفلك العرش . # والذي دونه : فلك الزهرة ، # وفلك الكاتب ، و فلك القمر ، وأكرة الأثير ، وأكرة الهواء ،وأكرة الماء ،وأكرة ~~التراب". # قال العبد : قد أسلفنا لك فيما مضى أنّ الطبيعة هي القوّة الفعّالة للصور كلَّها ~~في المادة العمائية ، وهي منها وفيها ، وأنّ الطبيعة ظاهرية الإلهية ، والإلهية ~~باطنها وهويّتها . والله هو الفعّال للأفعال كلَّها ، وهي أحدية جمع الحقائق ~~الفعلية الوجوبية . # فأوّل صورة وجدت في المادّة العمائية الكونية كانت طبيعة واحدة جامعة للقوى ~~الفعّالة والموادّ المنفعلة في أحدية جمعها الذاتية الطبيعية . # كما أشار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى ذلك بقوله : « أوّل ما خلق الله ~~الدرّة » وهي حقيقة الجسم الكلَّي على أحد معنييها ، وذلك أنّ هويّة المادّة ~~الهيولانيّة لمّا قبلت الكميّة والكيفية ، تجسّمت جوهرا واحدا أحديّا جمليا ، ~~واندمجت فيه جميع الصور الجسمية ، فأحاطت به التجلَّيات الأسمائية ، وطرحت عليه ~~أشعّتها الأنوار الربانية ، وجلَّلتها الأضواء السبحاتية السبحانية فحلَّلتها ، ~~فذابت حياء ، وانحلَّت أجزاؤها ماء . # فاستوى عرش الحياة على ذلك الماء ، قبل وجود الأرض والسماء ، فألحّت عليه حرارة ~~التجلَّيات المتوالية والأنوار والأضواء ، فتبخّر جوهر الماء على صورة الهواء ، ~~فصعد بخار عمائي إحاطي أحدي جمعي ، فاتّصل بنور التجلَّي البسيط ، والمتجلَّي ~~المحيط ، فصار فلكا محيطا وحدانيا بسيطا ، وذلك في أقصى ما في قوّة الجوهر من ~~الصعود ، وجذب نور الرحمن المستولي عليه بالرحمة والجود . # فيكون منه الفلك الأعظم ، وفيه فلك العرش في أعاليه ، ويسمّى هذا الفلك فلك ~~الأفلاك وهو أطلس وحدانيّ إحاطي نوراني وجوهر أبدي فيه مستوى رحمانيّ على طبيعة ~~واحدة أحدية جمعية بين حقائق أربع هي خامسها ، وذلك قبل وجود التضادّ والتنافي ~~والتنافر ، وإحاطة هذا العرش من إحاطة المستوي عليه ، فإنّه أحاط بكلّ شيء رحمة ، ~~وهي نفس الرحمن المستوي عليه ، فالكلمة في العرش من نفس الرحمن ، وهو الأمر الإلهي ~~لإيجاد الكائنات . # قال خاتم الولاية المحمّدية الخاصّة سلام الله عليه : " واعلم أنّ هذا العرش ، له ~~قوائم نورانية أشهدتها ، نورها يشبه نور البرق ، مع هذا رأيت له ظلَّا فيه من ~~الراحة ما لا يقدّر قدرها ، وذلك الظلّ ظلّ مقعّر فلك العرش ، يحجب نور الرحمن ، ~~وفي جوف فلك العرش فلك الكرسيّ كحلقة ملقاة في أرض فلاة ، ومن هذا الكرسي تنقسم ~~الكلمة إلى حكم وخبر ، وهو القدمان الواردان في الخبر كالعرش لاستواء الرحمن ، وله ~~ملائكة قائمون به ، لا يعرفون إلَّا الربّ . # وبعد الربّ توجّه الاسم « الغنيّ » بتجليه ، فوجد فلك الأفلاك وهو الأطلس ، ~~ومحدّبه تحت مقعّر فلك الكرسي واقتضى هذا الاسم أن يكون هذا الفلك أطلس متماثل ~~الأجزاء ، مستدير الشكل ،لا تعرف لحركته بداية ولا نهاية ، بوجوده حدثت الأزمان بعد ~~خلق الله ما في جوفه من العلامات. # ثمّ توجّه الاسم " المقدّر " لإيجاد فلك البروج ، وذلك أنّه لمّا دار فلك العرش ~~جوهرا وحدانيا بما في جوفه من الكرسي ، وفلك الأفلاك نورانيا فألحّت التجلَّيات على ~~باقي الجوهر المنحلّ المائي ، فصعّدته خالصا نوريا كالأوّل ، فصعد فلك كلي محيط ~~وحداني ، وفيه كلّ شيء وحقيقة من الحقائق الكونية الطبيعية المندمجة في الجوهر ~~الأصلي الأوّل الذي هو الجسم الكلَّي من المناسبات وغيرها . # فلمّا أخذ الجوهر الصاعد الرابع مكانه تحت مقعّر فلك الأفلاك ، فيكون فلكا محاطا ~~بما فوقه ، محيطا لما في جوفه حول المركز المنحلّ ، وكانت التجلَّيات المفصّلة لهذا ~~الجوهر المجمل الذي هو مفتاح الباب المقفل مقتضية لتفصيل ما فيها من الحقائق ، ~~وكانت في صعوده غاية التحليل ، وكان محيطا واحدا مشتملا على كثرة التفصيل ، فتقدّرت ~~بتقدير القدير المقدّر منازل النازل من الأنوار التي هي الأسرار الأسماء الإلهية ~~وأنوارها محالّ ومجالي حوامل ، فتعيّنت البروج بحقائقها ، وتبيّنت منازل الأنوار ~~بدقائقها ، وامتدّت حبائل الأسماء وجداول النسب الربانية برقائقها ، وخرجت أصول ~~جواهر الأنوار العلوية الكلَّية الجسميّة بطبيعتها العلية الفعلية خروجا طبيعي # وحدانيا نوريّا ، فأخذت الأرواح والأنفاس المشرقة الإلَّيّة الحاملة لأنوار ~~تجلَّيات السبحات الوجهية الوجهيّة من هذا الفلك الكلَّي مظاهرها ، وأظهرت أسرّتها ~~وعروشها ومناظرها ، وتعيّنت الوجوه التي للعقل الأوّل وهي ثلاثمائة وستّون وجها من ~~مقعّر المحيط الكلي الأطلس في هذا الفلك . والأطلس واحد وحدة كلية ، وبسيط بساطة ~~نسبية مشاكلة لجوهر روحه وهو العقل الأوّل ، وتجلَّت أنوار الرحمة من سبحات وجه ~~الرحمن من عين وجوه العقل الأوّل من حضرة الاسم "المدبّر" . # ولمّا كانت الكلمة الرحمانية في العرش واحدة ، وانقسمت في الكرسيّ بتدلَّي ~~القدمين إلى كلمتين وهما الخبر والحكم ، والحكم خمسة أقسام : لأنّه ينقسم إلى أمر ~~ونهي . وهما إلى خمسة أقسام : وجوب ، وحظر ، وإباحة ، وندب ، وكراهة . # والخبر قسم واحد وهو « ما لم يدخل تحت حكم من هذه الأحكام » فإذا ضربت الاثنين ~~اللذين للقدمين في الستّة ، كان المجموع " اثني عشر " . # ستّة إلهية . وستّة كونية ، لأنّا على الصورة ، فانقسم هذا الفلك على اثني عشر ~~برجا ، كما أنّ الكلمة الإلهية العرشية في قلب العرش وهو الشرع على ما ذكرنا . # ولمّا كان الكرسي موضع القدمين ، لم يعط في الآخرة إلَّا دارين : # هما الجنّة والنار ، فإنّه أعطى للعباد بالقدمين مطلقا دارين وهما الدنيا والآخرة ~~، وأعطى فلكين : # فلك البروج ، وفلك المنازل الذي هو أرض الجنّة . # والمنازل مقادير التقاسيم التي في فلك البروج ، وهي ثمانية وعشرون من أجل حروف ~~النفس الرحماني . # وهي مقسومة على اثني عشر برجا ليكون لكلّ برج في العدد الصحيح وفي الكسور حظَّ ، ~~حتى يعمّ حكمة في العالم ، وكان لكل برج منزلتان وثلث . # وهذه الأفلاك الأربعة وإن وجدت من طبيعة أحدية جمعية ، ولكن ظهر حكم الطبيعة فيها ~~ظهورا تركيبيا وحدانيّا : # فتركَّب الناريّ من حرارة ويبوسة . # والمائيّ من برودة ورطوبة . # والهوائيّ من حرارة ورطوبة . # والأرضيّ من برودة ويبوسة . # وجعلت مثلَّثة كلّ ثلاث أربعا إذا ضربت ثلاثة في أربع كان المجموع أيضا « اثني ~~عشر » وهاهنا تفاصيل ذكرها يؤدّي إلى التطويل يطلبها طالبها من الإخوان والأولاد من ~~كتاب « عقلة المستوفز » للشيخ سلام الله عليه . # وظهرت في هذا الفلك الأنفاس الرحمانية أرواحا للكواكب الثابتة ، لمّا حصلت في هذا ~~الفلك وهو الرابع من فلك العرش ، والرابع من فلك الشمس من الطبيعة أمزجة شريفة ~~جوهرية قابلة للاشتعال بنور التجلَّي النفسي الرحماني . # فتعيّنت فيها أرواح الكواكب أجراما نورانية جامعة لغرائب الطبائع وعجائب البدائع ~~، وتكوّنت الكوائن في هذا التكوين البديع والصنيع الرفيع على وجه لا يقبل الفساد ، ~~واستوت عليه الأنوار الأسمائية وأفلاكها العقلية النورانية في صورة طبيعة نورية ~~مشاكلة لما فوقها من الأنوار والصور العرشية . # ثم دارت الأفلاك الأربعة بما فيها من الأنوار والأرواح والأجرام النورانية ، ~~وألحّت بتجّلياتها ومطارح أشعّتها ، وبما فوقها من العقل والنفس الكلَّيّين ~~والأسماء الإلهية على الباقي من العنصر . # فحلَّلته كلّ التحليل ، وأظهرت منه ما كانت باطنة وكامنة فيه بالتفصيل للتحصيل ~~تحليلا كلَّيا وتفصيلا جمليا ، فتميّزت العناصر الأربعة وفي كلّ منها كلّ منها ، إذ ~~التحليل كان أحديّا كلَّيا ، فظهر كلّ منها جميعا بصورة الكلّ وقوّته ونعته . # ففي الركن الناري جميع العناصر ، ولهذا إذا غلظ صار هواء ، وإذا غلظ الهواء صار ~~ماء ، وإذا غلظ الماء صار أرضا . # وإذا لطفت الأرض صارت ماء ، والماء هواء ، والهواء نارا ، فافهم . # هذا على ذوق أهل الكشف والشهود ، من أرباب مشرب أحدية الجمع والوجود . # ثم دارت الأفلاك فطارت الأرواح والأملاك ، وتوالت التجلَّيات وتجلَّت التجلَّيات ~~وألحّت على هذه الأركان والعناصر ، فصعّدتها مرّة بعد أخرى حتى أطلقت ما فيها من ~~الجواهر والزواهر ، فارتفع أوّلا دخانيّ كلَّي أحدي جمعي من حاقّ المركز تكنفه ستّة ~~أخرى ثلاثة فوقه وثلاثة تحته وهو الرابع * ( فَسَوَّاهُنَّ ) " الله " ( سَبْعَ ~~سَماواتٍ ) . # فخلق على طبيعة الركن البارد اليابس ، سماء كيوان ، واشتعلت من خلاصة هذا الصاعد ~~البارد اليابس زبدته بنور النفس الرحماني الرباني من حضرة الاسم « الربّ » فكانت ~~نفس كيوان . # وظهرت في هذه السماء حقائق الربوبية من التربية والإصلاح والحفظ والبقاء والثبات ~~، واعتلت هذه السماء في ارتفاعها أعلى ما كان في قوّته تحت مقعّر فلك الثوابت ، ~~فكانت لها الغايات والنهايات والعلوّ ، وذلك لحفظ ما تحته كالقشر الصائن لما في ~~جوفه . # ثمّ تجلَّى الاسم العليم العلَّام الكشّاف والقاضي للحاجات بحقائق العلم والكشف ~~والحياة العلمية الطيّبة والصلاح والسعادة والحكم والإناءة والطاعات والخيرات ~~والمبرّات في روح المشتري . # واشتعلت صفاوة الجوهر السمائيّ بنور النفس الرحماني جرما نوريا أو نورا جسميا ، ~~وهو مظهر الاسم « العلَّام » « الكشّاف » وسماؤه خلاصة العنصر الحارّ الرطب . # ثمّ تجلَّى القاهر القويّ الشديد من أعوان القادر لإيجاد سماء الأحمر الحارّ ~~اليابس الناري ، واشتعلت زبدتها وخلاصتها بنور النفس الرحماني من حضرة القادر ~~القاهر القوي الشديد . # وقد يكون في الوسط سماء الشمس وهي أعدل السماوات وأخلص الصفاوات ، واشتعل أخلص ~~الزبد وأصفى الجواهر منها بنور النفس الرحماني من حضرة اللاهوت ، والحياة والنور ~~بحقائق الملك والسلطان من سدنة الاسم " الله " . # ثم تكوّنت سماء الزهرة من خلاصة العنصر البارد الرطب ، واشتعلت زبدة السماء بنور ~~النفس الرحماني من حضرة الاسم "الجميل " و " المصوّر " و « اللطيف » و « الودود » و ~~« المنعم » و « العطوف » وأخواتهم . # ثم تكوّنت سماء الكاتب من تجلَّي نور الاسم « الباري » و « المحصي » و « الحكيم » ~~و « السريع الحساب » وأخواتهم . # ثمّ تكوّنت سماء القمر ، واشتعلت زبدة خلاصتها وصفاوة جوهرها بنور تجلَّي " ~~الخالق " و « المدرك » و « السريع » و « الموحى » و « القابل » و " المحسن " و « ~~الظاهر » وأخواتهم بأنوار البشرى والكرامات . # وتكوّنت هذه السماوات السبع بأنوارها الكوكبية من أخلص العناصر وأصفاها على وجه ~~أعدل وأقوى وأصفى وأبقى . وتكوّن كلّ منها من الكلّ كلَّيا وحدانيا جمعيا . # ولا تظنّنّ أنّ كلَّا منها من عنصر واحد ، فذلك لا يمكن ، ولكنّ الغالب واحد ، ~~والثلاثة الأخر فيه بحسبه ، فتكوّنت من خلاصة جواهر العناصر ، ولهذا لا تتسلَّط ~~عليها حقائق المباينة والمنافرة والتضادّ بالإفساد ، فلا تقبل ذواتها الانخرام . # ولكنّ الفساد سيطرأ عليها من حيث أعراضها الصورية ، وكيفياتها النورية العرضية ~~إذا قامت القيامة ، وطاف طوفان العنصر الأعلى الناريّ ، واستوى على العنصريات فكانت ~~السّماء " وَرْدَةً كَالدِّهانِ " . # فتغيّرت صور طبقاتها وأنوارها دون جواهر حقائقها وذواتها ، فتطوى صور نضد الطبقات ~~كطيّ السجلّ للكتاب دون ذوات السماوات ، فإنّ طبيعتها وحدانيّة ، وقوّتها أقوى ~~وأبقى من سائر الجواهر العنصرية ، ولكن لا يقوى قوّة الأطلس وفلك المنازل والثوابت ~~والجنان والعرش والكرسيّ ، فافهم . # ولهذا بقيت هذه السماوات إلى يوم القيامة ثابتة بصورها ، ودامت بذواتها وجواهرها ~~وحقائقها مع ما هي متشبّثة بها من أنوار الأفلاك والأجرام التي فيها فوقها ببقاء ~~أنوار الحقائق الأسمائية وأفلاكها العقلية النورية المحيطة بملكوت الأجرام والأفلاك ~~والسماوات العلوية الجسمية الطبيعية . # ثم بقيت العناصر السافلة الثابتة كما يقال « الصاعدات » ، فانحازت إلى أحيازها ~~الطبيعية ، وامتازت مميّزاتها وخصوصياتها الذاتية وأحاط بعضها على البعض ، فثبت ~~الأرض في المركز ، ويبست وغلظت وأحاطت بها أكرة الماء ، وأحاط بالماء الهواء ، ~~وأحاط بالهواء النار الأثيرية ، فصارت الأكر مع السماوات إلى فلك الشمس سبع طبقات ، ~~وكذلك فوقها سبعة أفلاك ، منها سماوات ثلاث للقهّار والعليم والربّ ، وأربعة أفلاك ~~للرحمن والرحيم الكريم الشكور والغنّي والمقدّر ، فصار فلك الشمس له المكان الأوسط ~~كالمركز ، فهو عليّ بهذا الاعتبار كما أشار إليه الشيخ رضي الله عنه - # بقوله : « وهو الخامس عشر » فخذ هذه الأصول الكشفية على قانون التحقيق ، المؤيّد ~~بالشرع والنظر الدقيق ، والله ولىّ التوفيق يقول الحقّ وهو يهدي إلى سواء الطريق . # نقل ما ذكره الشيخ أبو ريحان البيرونيّ # وفي هذا المقام علم الهيئة الفلكية والمباحث على مشرب أهل الكشف والشهود سنستقصي ~~القول فيها إن شاء الله ، ورزقنا المهل في الآجل في كتاب مفرز لعلم الهيئة الفلكية ~~والمباحث الطبيعية على قانون علم الحقيقة ، فإنّ الأصول المذكورة في علم الهيئة من ~~الأوضاع الفلكية وأكرة الأرض في كريّة السماوات وكونها أفلاكا محيطات متحرّكات ~~حركات « دولابية » على رأي المتأخّرين من حكماء الرسوم لا توافق مقتضى الحقائق ~~والكشف والشرع ، والبراهين التي استوى عليها علمهم في زعمهم إنّما هي فروض وتقادير ~~، ليس شيء منها في هذه المطالب موجودا واقعا ، ومع هذا فهي واهية ، وجميع براهينهم ~~على كريّة السماوات وفلكيّتها محيطات بمركز الأرض بصفة عروجها كما ذكرها « الشيخ ~~أبو ريحان » في « قانون المسعودي » أكثرها يتعلَّق بإحاطية فلك الثوابت والقطبين . ~~ونحن قائلون بأنّ فلك الثوابت والأطلس فلكان محيطان ، فلا يرد علينا وارد واحد ~~وثلاثة وجوه باقية تتعلَّق بغروب الشمس والكواكب السيّارة ، وهي أيضا مدفوعة ، لفرض ~~حركة منطقة البروج والكواكب السيّارة فيها « حمائليّة » لا « دولابية » على ما ~~نبيّنها فيما يليق بذلك ، إن شاء الله تعالى . # قال رضي الله عنه : « فمن حيث هو فلك الأفلاك هو رفيع المكان . # وأمّا علوّ المكانة فهو لنا أعني المحمّديّين ، قال تعالى : " وَأَنْتُمُ ~~الأَعْلَوْنَ وَالله مَعَكُمْ ". # في هذا العلوّ ، وهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة ، ولمّا خافت نفوس العمّال ~~منّا ، أتبع المعيّة بقوله : " وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ " فالعمل يطلب ~~المكان ، والعلم يطلب المكانة ، فجمع لنا بين الرفعتين : علوّ المكان بالعمل ، ~~وعلوّ المكانة بالعلم . # قال العبد : العلوّ حقيقة نسبية للعالي والعليّ كالرفعة للرفيع ، وهي على قسمين : # حقيقيّة لمن هي منسوبة إليه أو إضافية ، وإن كانت هي في عينها وحقيقتها نسبة ~~ولكنّها قد تكون ذاتية حقيقية كالعلوّ الإلهي الذاتي على ما سنذكر في موضعه ، إن ~~شاء الله تعالى . وقد تكون إضافية ، والإضافية على وجهين : # علوّ بالنسبة إلى المكان العالي كالمتمكَّنات الكائنة أعالي الأمكنة ، أو ~~الكائنات المتمكَّنة في الأماكن العالية كالصور الطبيعية العالية العرشية ، ثم ~~الصور الفلكية التي حول الكرسي وفيه. # وهذا النوع من العلوّ المكاني معلوم عرفا وعقلا وشرع ، والذي ذكره الشيخ رضي الله ~~عنه من علوّ المكان على مقتضى التحقيق الكشفي هو لفلك الأفلاك الحقيقي الكشفي لا ~~المشهور العرفي المتداول في عرف المتفلسفة ، فإنّ فلك الأفلاك عند حكماء الرسوم هو ~~الأطلس الذي فوق الأمكنة كلَّها محيط بها ، وهو ظاهر . # ولكنّ ثمّ سرّا عليّا وتحقيقا إلَّيّا ، وذلك كما ذكرنا أنّ العلوّ الحقيقيّ هو ~~الذاتي ، فإن كان مكان من الأماكن ، له مكانة ذاتية كفلك الشمس الذي مكانه الوسطية ~~التي إليها نسبة جميع الأماكن ، على السواء كالمركز نسبة كلّ جزء من أجزاء المحيط ~~إليه على السواء فكان إذن لهذا المكان علوّ ذاتي على سائر الأماكن ومزية مرتبة ، ~~فهو إذن أعلى الأمكنة والأماكن ، وكذلك للفلك الأطلس من حيث إحاطته بالكلّ والعرش ~~والكرسيّ من حيث المستوي والمتدلَّي ، ولكنّها نسبية إضافية . # وكالفلك الوسطيّ القطبي الشمسي الرابع عرفا والثامن تحقيقا من فوقه ومن تحته ، ~~فإنّ فوقه سبعة وتحته سبعة وهو الثامن من كلّ جهة ، فلهذا المكان المكانة الزلفى ~~والإحاطة المعنوية العليا ، وفيه عرش الإلهية من نور اللاهوت ، والحياة والجود ، ~~ومنها تنفهق الأنوار وتنبعث الأضواء ، علوا وسفلا فاستحقّ هذا الفلك في مشرب ~~التحقيق أن يكون فلك الأفلاك والعلوّ المذكور في إدريس عليه السّلام هو علوّ المكان ~~في قوله تعالى : " وَرَفَعْناه ُ مَكاناً عَلِيًّا " وفي هذا المكان روح إدريس بما ~~تروحن من جسده الشريف عليه السّلام . # وأمّا علوّ المكانة مطلقا فهو للمحمّديّين من قوله تعالى : " وَأَنْتُمُ ~~الأَعْلَوْنَ " # فهو لنا ، لكمال نسبتنا من حضرة الجمع المحمدي . # لكون الأفضلية للعلوّ المرتبي من حيث المكانة على العلوّ المكاني ، وهو تعالى ~~معنا في هذا العلوّ ، لكون مرتبته في الوجود المطلق أعلى من مرتبة الوجود المقيّد ، ~~ولمرتبته أيضا أحدية جمع المراتب كلَّها . # ثمّ إنّه لمّا أثبت الله لنا علوّ المكانة في كتابه الكريم دون العلوّ المكاني ، ~~كما أثبت لإدريس عليه السّلام خافت نفوس من لم يثبت له علوّ المكانة العلمية من ~~العمّال والعبّاد من العباد من هذه الأمّة ، لكون الأعمال جسمانية أن لا يبقى لهم ~~من علوّ المكان حظَّ إلهي ، فأعقب سبحانه وتعالى بقوله : " وَلَنْ يَتِرَكُمْ ~~أَعْمالَكُمْ " ، أي لن يبخسكم وينقصكم من أعمالكم الجسمانية شيئا فإنّ أعمالكم ، ~~لها أعلى الأمكنة ، لأنّ سدرة المنتهى التي إليها تنتهي أعمال بني آدم مترتّبة إلى ~~العرش الذي له أعلى الأمكنة ، فجمع الله لنا من الوارث المحمدي بين العلوّين ، فنحن ~~الأعلون ، والله معنا في هذه الأعلويّة . # قال رضي الله عنه : « ثمّ قال تنزيها للاشتراك بالمعيّة : " سَبِّحِ اسْمَ ~~رَبِّكَ " عن هذا الاشتراك المعنوي " . # يعني رضي الله عنه : أنّ الله تعالى لمّا وصفنا بأنّا الأعلون ، ثم أثبت لهويته ~~تعالى المعيّة معنا بقوله :"وَهُوَ مَعَكُمْ ". # فأوهم بالاشتراك في الأعلويّة ، فأتبع تعالى بقوله : " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ~~الأَعْلَى " ، أي عن هذه الأعلويّة الثابتة لنا ، وعن الاشتراك ، فإنّ درجات ~~الأكملية والأعلوية لا نهاية لها ، فإنّا وإن كنّا الأعلين ، لجمعنا بين علوّ ~~المكان وعلوّ المكانة فإنّه جمع مقيّد بين علوّين مقيّدين ، والحقّ جمع الجمع بين ~~علوّي جميع المكانات والأمكنة من كونه عين الكلّ ، ومن وجه آخر أعلى وهو العلوّ ~~الذاتي ، فإنّ العليّ لذاته مع ماله من أنواع العلوّ كما ذكرنا ، فعلوّه غير منحصر ~~في العلوّ المكاني أو المرتبي أو الجمعي والذاتي ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « ومن أعجب الأمور كون الإنسان أعلى الموجودات أعني الإنسان ~~الكامل ، وما نسب إليه العلوّ إلَّا بالتبعيّة ، إمّا إلى المكان وإمّا إلى المكانة ~~وهي المنزلة ، فما كان علوّه لذاته ، فهو العليّ بعلوّ المكان وبعلوّ المكانة ، ~~فالعلوّ لهما . # فعلوّ المكان ك " الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى " وهو أعلى الأماكن . # وعلوّ المكانة " كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ" و" إِلَيْه ِ يُرْجَعُ ~~الأَمْرُ كُلُّه ُ " و" أَإِله ٌ مَعَ الله ". # يعني رضي الله عنه : أنّ علوّ المكانة الخصيص بالله تعالى من حيث رجوع الأمر كلية ~~، ففني من لم يكن فيمن كان ، ولم يكن معه شيء ، وبقي من لم يزل ، وهو وجه كلّ شيء ، ~~أي حقيقته ، فتحقّقت الحقائق بالحق ، فلا حقيقة ولا تحقّق إلَّا له "أَإِله ٌ مَعَ ~~الله " و" لا إِله َ إِلَّا هُوَ ". # فلو كان اثنان أو أكثر في الوجود ، لم يتحقّق هذا العلوّ لله تعالى وهو له تعالى ~~ثابت متحقّق ، فلا حقيقة ، إلَّا حقيقته ، تعالى أن يكون معه غيره في الوجود . # قال رضي الله عنه : « ولمّا قال الله تعالى : "وَرَفَعْناه ُ مَكاناً عَلِيًّا " ~~فجعل « عليّا » نعتا للمكان". # " وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً " ، ~~فهذا علوّ المكانة . # يعني رضي الله عنه العلوّ الخصيص بالإنسان الكامل وهو علوّ المرتبة الجمعية ~~الكمالية . # قال رضي الله عنه : « وقال في الملائكة : " أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ من ~~الْعالِينَ " فجعل العلوّ للملائكة ، فلو كان لكونهم ملائكة ، لدخلت الملائكة ~~كلَّهم في هذا العلوّ ، فلمّا لم يعمّ مع اشتراكهم في حدّ الملائكة عرفنا أنّ هذا ~~علوّ المكانة عند الله . # وكذلك الخلفاء من الناس لو كان علوّهم بالخلافة علوّا ذاتيا ، لكان لكل إنسان ، ~~فلمّا لم يعمّ ، عرفنا أنّ ذلك العلوّ للمكانة " . # يعني رضي الله عنه : أنّ علوّ الكمّل والملائكة العالين من حيث المكانة ، إذ لو ~~كان العلوّ لهم بالذات ، لاشترك كلّ إنسان في ذلك ، بل ذلك الإنسان موصوف بالخلافة ~~الحقيقية الكمالية لا غير وذلك علوّ مرتبيّ. # وكذلك الملائكة العالون مع اشتراكهم في العلوّ المكاني الذي لملائكة الرحمن معهم ~~من حيث كونهم في المكان العرشي ، فلهم علوّ المكانة من حيث لم يؤمروا بالسجود ، فهم ~~أعلون من أن يؤمروا بالسجود ، لهيمانهم في الحق ، وغيبوبتهم عن غيره ، وفنائهم فيه ~~عنه وعمّا يسمّى سوى الحق . فهم لا يعرفون أنفسهم ولا يعرفون أنّ الله خلق آدم . # قال رضي الله عنه : ( ومن أسمائه الحسنى « العليّ » . عمّن وما ثمّ إلَّا هو ؟ # فهو العليّ لذاته . أو عمّا ذا وما هو إلَّا هو ؟ # فعلوّه لنفسه ، وهو من حيث الوجود عين الموجودات ، فالمسمّى محدثات هي العليّة ~~لذاتها ، وليست إلَّا هو ، فهو العليّ لا علوّ إضافة ، لأنّ الأعيان التي لها العدم ~~الثابتة فيه ما شمّت رائحة الوجود ، فهي على حالها مع تعداد الصور في الموجودات . # والعين واحدة من المجموع في المجموع فوجود الكثرة في الأسماء ، وهي النسب ، وهي ~~أمور عدمية ، وليس إلَّا العين الذي هو الذات ، فهو العليّ لذاته لا بالإضافة.). # قال العبد : لمّا فرغ رضي الله عنه من ذكر العلوّ النسبي والإضافي ، أخذ في بيان # العلوّ الحقيقي الذاتي ، فقوله : " عمّن " إشارة إلى أنّ هذا الاسم ليس علوّه ~~علوّ إضافة فيدخل فيه « عن » و " على " بل هو عليّ بالذات ، ليس علوّه بالمكان ولا ~~بالمكانة النسبيّين ، إذ ليس في الوجود إلَّا الله وحده لا شريك له في الوجود ، فهو ~~عليّ بهذا العلوّ الذاتي لا بالعلوّ الإضافي النسبي ، فهو عليّ بالذات لنفسه . # ثم اعلم : أنّ الوجود الحقّ القيّوم للموجودات عينها ، فمن كونه عينها وكونها ~~عينه ، هي أيضا عليّة بذاتها وهو الوجود الحقّ ، فإنّها مع قطع النظر عن الوجود ~~الحقّ لا غيره ، فالموجودات بهذا الاعتبار عليّة بالذات لا علوّ إضافة ونسبية كما ~~أنّها من حيث هي سوى الحقّ عليّة بالمكان أو بالمكانة علوّا نسبيا إضافيا ليس لها ~~بهذا الاعتبار علوّ ذاتي . # وقوله رضي الله عنه عن الأعيان الثابتة : « إنّها ما شمّت رائحة الوجود » إشارة ~~إلى ما ذكرنا من العلوّ الذاتي ، من حيث إنّ أعيان الموجودات التي لم تكن وكان الله ~~ولم يكن معه شيء هي على حالتها العدمية الأصلية ، فكما أنّ الحق كان ولم يكن معه ~~شيء كذلك الأشياء على ما كانت ، كما هو الآن على ما عليه كان ، فما ثمّ إلَّا الله ~~الواحد الأحد . # قال رضي الله عنه : « فما في العالم من هذه الحيثية علوّ إضافة ، لكنّ الوجوه ~~الوجودية متفاضلة ، فعلوّ الإضافة موجود في العين الواحدة من حيث الوجوه الكثيرة . # لذلك يقول رضي الله عنه فيه :" هو لا هو ، أنت لا أنت" . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ مستند العلوّ الإضافي هو العلوّ الذاتي ، فالعلوّ ~~للحق ذاتي من حيث أحدية العين ، ثم بحسب تغاير التعيّنات والوجوه المتفاضلة في هذه ~~العين الواحدة يظهر العلوّ النسبي ، لتفاضل الوجوه . # ولهذا يقول الأشاعرة في الصفات : إنّها هؤلاء هو . # ويقول أهل الحجاب في العالم : إنّه لا هو . # ويقول العارفون :إنّه هو هو . # ويقول المحقّقون : إنّه هو ، لا هو . # أي يصدق عليه أنّه هو من حيث الوجود الحقّ الذي هو عين الكلّ ، ويصدق عليه أنّه ~~لا هو من حيث الكثرة والعدد التعيّني ، فإنّه كلّ جزء من الكبير صورة غير الآخر ، ~~وإذا كان غيرا فما هو عين ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( قال الخرّاز وهو وجه من وجوه الحق ، ولسان من ألسنته ، ينطق ~~عن نفسه : بأنّ الله لا يعرف إلَّا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها ، فهو ~~الأوّل والآخر ، والظاهر والباطن . # فهو عين ما ظهر ، وهو عين ما بطن في حال ظهوره ، وما ثمّ من يراه غيره ، وما ثمّ ~~من يبطن عنه ، فهو ظاهر لنفسه ، باطن عنه ، وهو المسمّى أبا سعيد الخرّاز وغيره من ~~أسماء المحدثات ) . # قال العبد : يشير رضي الله عنه إلى أحدية العين وكثرة الوجوه ، فهو الواحد الأحد ~~بالذات والعين ، والكثير المتعدّد بالتعيّن والصورة ، وعلى هذا فأبو سعيد الخرّاز ~~وجه من هذه الوجوه وتعيّن من تعيّنات الواحد العين ، فهو من حيث هو يخبر عن نفسه ~~أنّه عرف نفسه بجمعه بين الأضداد . قيل له سلام الله عليه : بم عرفت الله ؟ # قال : بجمعه بين الأضداد . # وذلك لأنّ الهوية الإلهية موضوع لجميع الأضداد والأنداد في قوله : " هُوَ ~~الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ "وهو" الهادي والمضلّ" ، و"اللطيف ~~والشديد" ، و"الغفور والمنتقم" ، وغير ذلك . # وهي أحدية جمع جميع الأسماء والمسمّيات التي تقضي بكمال الاقتدار ، الذي لا يعرف ~~إلَّا بكمال ظهور أثر القدرة ، وكمال القدرة في الجمع بين المتنافيات والمتنافرات ~~والمتشاكلات والمتماثلات تحت حيطتها مع أحدية العين وذات هي جمع جميع المتنافيات ~~والمتباينات والمتشاكلة من وجه أو وجوه . # لا يكون شيء خارجا عن حكمه ولا شيء يشبهه ولا شيء يناقضه ويضادّه ويباينه ويحادّه ~~وإذا كانت العين الواحدة ظاهرة بوجوه كثيرة مختلفة مفترقة ومؤتلفة متّفقة ، وحيثيات ~~متعدّدة متباينة ومتناسبة ، فلا اختلاف إذن في الحقيقة والعين ، بل في الحيثيات ~~التعيّنية والاعتبارات التعقّلية ، فإذا اعتبرنا الحقيقة والعين . قلنا بالأحدية ~~الصرفة ، وإذا اعتبرنا الكثرة بالفرق والجمع ، قلنا بالكثرة . # قال رضي الله عنه : « فيقول الباطن : « لا » إذا قال الظاهر : « أنا » . # ويقول الظاهر : "لا " إذا قال الباطن : « أنا » . وهذا في كلّ ضدّ ، والمتكلَّم ~~واحد وهو عين السامع . # يقول النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " وما حدّثت به أنفسها " . # يعني رضي الله عنه : في مغفرة الله لأمّة محمد صلَّى الله عليه وسلَّم ذنوبهم ~~الظاهرة من الجوارح الجسمانية ، والباطنة الكائنة من القوى الباطنة ، وما حدّثت به ~~أي تفعله من الذنوب وإن لم تفعل . # " فهي المحدّثة السامعة حديثها ، العاملة بما حدّثت به نفسها ، والعين واحدة ، و ~~إن اختلفت الأحكام ، ولا سبيل إلى جهل مثل هذا ، فإنّه يعلمه كل إنسان من نفسه . # يعني رضي الله عنه : أنّها المحدّثة نفسها . # قال : « وهو صورة الحق » يعني كلّ إنسان إنسان بهذه المثابة ، فكذلك في الجانب ~~الإلهي ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( فاختلطت الأمور ، وظهرت الأعداد بالواحد في المراتب ~~المعلومة . فأوجد الواحد العدد . # وفصّل العدد الواحد ، وما ظهر حكم العدد إلَّا بالمعدود ، والمعدود ، منه عدم ، ~~ومنه وجود ، فقد يعدم الشيء من حيث الحسّ وهو موجود من حيث العقل ، فلا بدّ من عدد ~~ومن معدود ، ومن واحد ينشئ ذلك ، فينشأ بسببه ) . # قال العبد : لمّا كانت العين الواحدة التي لا عين إلَّا هي كثيرة التعيّنات ، ~~فتنوّعت ظهوراتها ، وتعدّدت إنّيّاتها ، فكانت واحدة كثيرة ، وحدة في عين كثرة ~~وكثرة في عين وحدة ، فكانت عين الأضداد في الأعداد ، فاختلطت الأمور ، وأشكل على ~~الفكر الوقوف على سرّ ذلك والعثور ، وحار الجمهور ، وخار العقول ، وعسر الوصول ، # وتعذّر عليها الاطمينان إلى ذلك والقبول ، وذلك لسريان العين الواحدة الموجودة ، ~~في مراتبها ومرائيها المشهودة ، إذ لا عين على الحقيقة إلَّا حقيقة واحدة هي ذات ~~الحق ، والمراتب نسب تجليّاتها ، وهي التي غمرتها بنورها ، وعمرتها بتجلَّيه ~~وظهورها . # وتسمّى بالواحد في أوّل مراتب تعيّنه ، وبالعشرة في المرتبة الثانية ، وبالمائة ~~في الثالثة ، وبالألف في الرابعة ، وكلّ حقيقة من هذه الحقائق المرتبية العددية ~~كلَّية تحتوي على بسائط الواحد وهي تسعة ، فمن الواحد من كونه متعيّنا في أوّل ~~مراتب تعيّنه إلى العشرة بسائط الواحد ، من كونه خارجا عن العدد ، ومنشئا لحقائق ~~عقودها ، بمعنى أنّ الواحد عين الاثنين وغيرها . # وتسمّى في ثاني مرتبة الواحد اثنين وهو واحد وواحد جمعا ، و « الاثنان » اسم ~~الهيئة الاجتماعية ، وهي في مرتبتها حقيقة واحدة ، و « الثلاثة » أيضا كذلك واحد ~~وواحد وواحد وهي تعيّن الواحد الذي هو هو في الكلّ . # و تسمّى ثلاثة في ثالث مرتبة ظهوره وتعيّنه ، وهي حقيقة واحدة وإن كانت هيئة ~~اجتماعية من آحاد . # فالواحد من كونه داخلا في مراتب العدد مسمّى بجميع أسماء الأعداد بالغا ما بلغت : ~~اثنان وثاني اثنين ، وثلاثة وثالث الثلاثة ، وأربعة ورابع الأربعة ، وأيّ جزو فرضت ~~من أيّ عدد كان . # ومن كونه خارج الأعداد وليس منها بل هو مبدؤها ومبدئها وموجدها ومنشئها " ما ~~يَكُونُ من نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ ~~سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى من ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ " . # وما ثمّ إلَّا عين واحدة تجلَّى في ثاني مراتبها ، فسمّي من حيث التعيّن ~~والتجلَّي اثنين ، وهكذا إلى ما لا يتناهى ، فما ثمّ إلَّا واحد يفصّل في المراتب ~~تجلَّيه وتعيّنه وتدلَّيه . # ولا تحقّق للعدد إلَّا بالمعدود ، لأنّه نسبة تعيّنية ، فلا وجود لها إلَّا ~~بالمتعيّن المعدود وهو الواحد الذي لا حقيقة إلَّا له ، ولا تحقّق للتعيّن والتعدّد ~~والتجلَّي واللاتعيّن واللاتعدّد واللاتجلَّي إلَّا به ، فافهم إن كنت تفهم ، والله ~~ما أظنّك تفهم إلَّا أن يشاء الله ربّنا ، وسع ربّنا كلّ شيء علما ورحمة وجودا ~~وحكما . # فإن تجلَّى في أحديته الغيبية العينية الذاتية ، بطنت فيه الأعداد غير المتناهية ~~كبطون النصفية والثلثية والربعية وغيره من النسب العددية إلى ما لا يتناهى ، كان ~~الله ولا شيء معه ، فإنّ هذه النسب غير المتناهية في الواحد غير متمايزة ولا وجود ~~لها إلَّا بالمتعدّد والمعدود الذي كانت فيه أحدية مستهلكة الأعيان . # وإن تجلَّى في مراتب تعيّنه وتعدّده ، أظهر الأعداد وأوجد الآحاد وأنشأ الأزواج ~~والأفراد ، وذلك بالتنزّل والتجلَّي والتعيّن والتدلَّي ، وما ثمّ إلَّا هو ، فهذا ~~سرّ إنشاء الواحد العدد ، وتفصيل العدد الواحد الأحد . # قال رضي الله عنه : " فإن كان " كلّ مرتبة حقيقة واحدة كالتسعة مثلا والعشرة إلى ~~أدنى وإلى أكثر إلى غير النهاية ما هي مجموع ". # يعني رضي الله عنه : التسعة والعشر والمائة والألف وغيرها من العقود ، كلّ عقد ~~عقد منها حقيقة واحدة متميّزة عن غيرها ، مسمّاة بغير اسم الآخر ، وتتضمّن غير ما ~~يتضمّنه الآخر ، لا شكّ في أحدية حقيقتها ، وهي أحدية الجمع المعيّن ، ومجموعيّتها ~~اعتبار زائد على حقيقتها العددية الخصيصة بهذا المجموع ، فالاسم اسم الهيئة الجمعية ~~، والأحدية أحديّة الحقيقة والعين . # قال رضي الله عنه : " ولا ينفكّ عنها اسم « جميع الآحاد » ، فإنّ الاثنين حقيقة ~~واحدة ، والثلاثة حقيقة واحدة بالغا ما بلغت هذه المراتب ، وإن كانت واحدة ، فما ~~عين واحدة ، فما عين واحدة منهنّ عين ما بقي ، والجمع يأخذها". # يعني رضي الله عنه لا ينفكّ عن هذه الحقيقة الواحدة جمع آحادها المعيّنة . # قال : « فنقول بها منها » يعني : نقول بأحدية تلك الحقيقة منها أي من الحقيقة هي ~~هيئة اجتماعية من آحاد معيّنة . # " ونحكم بها عليها " أي بالأحدية على الحقيقة . # قال رضي الله عنه :" وقد ظهر في هذا القول : عشرون مرتبة ." # فضرب لما ذكر مثلا : إن كان في القول عشرون مرتبة ، فقد ظهرت حقيقة أحدية جمعية ~~من عشرين من الآحاد ، وهذه الحقيقة وإن كانت أحدية جمع هذه الآحاد المعيّنة ، ~~ولكنّها حقيقة واحدة من حيث المسمّى الظاهر وهو الواحد في هذه الهيئة الجمعية ~~المعيّنة ، فـ « عشرون » اسم لحقيقة هيئة جمعية أحدية كالاسم العلم لهذا الجمع ~~المعيّن ظهرت في مرتبة العشرات ، وأمّهات المراتب العددية أربع ، وبسائطها ~~التركيبية النسبية لا نهاية لها ، فافهم . # قال رضي الله عنه : " فقد دخلها التركيب" . # يعني : إذا قلنا : « عشرون مرتبة » فقد قلنا في حقيقة مرتبة واحدة : إنّها ~~مركَّبة من عشرين مرتبة ، فاشتملت هذه المرتبة الواحدة المسمّاة بعشرين على حقائق ~~بسائطها ، فإذا أشرنا إلى الحقيقة العشرينية ، قلنا : حقيقة واحدة ، لكونها ليست ~~عين ما بقي فإنّك تسمّي ما بقي بأسماء غير العشرين ، وكذلك ما قبل هذا العقد بأسماء ~~غيرها ، كلّ حقيقة منها واحدة في حقيقتها ، فتقول في بسائط تحت عقد العشرين مثلا : ~~تسعة عشر ، وثمانية عشر ، وسبعة عشر ، إلى الواحد ، فتعيّن قولك ، « عشرون » . # فتحقّق أنّ الحقيقة الأحدية الجمعية المسمّاة ، بعشرين وإن كانت مرتبة واحدة ~~فإنّها أحدية جمع ، والواحد من كونه واحدا لا يكون جمعا ، إذ الجمع آحاد مجموعة ، ~~فكل عقد عقد من هذه العقود وحقيقة حقيقة من الحقائق العددية ، يأخذها الجمع ، ~~ويدخلها التركيب . # قال رضي الله عنه : « فما تنفكّ تثبت عين ما هو منفيّ عندك بعينه » . # إذا قلت : « عشرين » فقد أثبتّ العدد ونفيت الأحدية ، وإذا قلت : « مرتبة » أو « ~~حقيقة » فقد أثبتّ أحدية حقيقة العقد المعيّن ونفيت العدد ، لعدم توقّف أحدية ~~الحقيقة أو المرتبة أو العقد على تعقّل العدد إذ ذاك ، فأنت إذن ما تنفكّ عن نفي ما ~~تثبت من وجهين واعتبارين مختلفين . # فإنّ العدد الذي تشتمل عليه حقيقة عقد من العقود العددية منفيّ عن أحدية الحقيقة ~~من حيث كونها أحدية جمع معيّن ، وكذلك تثبت في كل عقد عدد معيّن أحدية هي منفيّة عن ~~العدد من كونه عددا ، فإذا عيّنت فقد عيّنت عقدا واحدا على جملة أعداد مجموعة ، فهو ~~عقد واحد مشتمل على آحاد عدّة معيّنة متناهية ، والتناهي لم يدخل إلَّا من كونه ~~عقدا معيّنا ، والأحدية من كونها منشئة بذاتها لهذه العقود المعيّنة فوقها وتحتها ~~محيطة بها " وَالله من وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ) " ، " ما يَكُونُ من نَجْوى ثَلاثَةٍ ~~إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ " وما ثمّ إلَّا هو ، ~~فافهم . # قال رضي الله عنه : ( ومن عرف ما قرّرناه في الأعداد وأنّ نفيها عين إثباتها ، ~~عرف أنّ الحقّ المنزّه هو الخلق المشبّه ) . # يعني رضي الله عنه : أنّ الواحد من كونه منشأ للأعداد بذاته المتعيّنة في مراتب ~~عدّة سمّي كثيرا ملاحظة للتعدّد ، فالتعدّد نعت لتعين الواحد في مراتب متكثّرة ، لا ~~نعت للواحد من حيث هو واحد . # فانقسم نظر الناظرين في العالم على قسمين : # منهم : من اقتصر على ملاحظة الكثرة والتعدّد والتعيّنات ، فسمّى كلّ هيئة ~~اجتماعية من ظهور الواحد وتعيّنه في مراتب عدّة باسم ، فقال : اثنان ، وثلاثة ، ~~وأربعة ، وخمسة ، وستّة وغير ذلك ، كما نقول : عقل ، ونفس ، وطبيعة ، وهيولى ، ~~وصورة ، وجسم ، وفلك ، وكوكب ، وسماء ، وأرض ، مع أنّ الاثنين واحد وواحد ، ~~والثلاثة واحد وواحد وواحد ، وكذلك الأربعة والخمسة والستّة والسبعة وغير ذلك إلى ~~ما لا يتناهى ، فما ثمّ إلَّا واحد غير متناهي التعيّن والظهور ، وتنوّعهما في ~~مراتب معقولة لا تحقّق لها من حيث هي هي مع قطع النظر عن الواحد المتعيّن فيها وبها ~~. # والقسم الآخر كشفوا الأمر على ما هو عليه في نفسه عند الحق وفي علمه ، فقالوا : # ليس إلَّا واحد تنوّع ظهوره وتعيّنه في مراتبهما المعقولة ، والمراتب والظهور ~~والتعيّن كلَّها نسب للواحد ولا تحقّق لها إلَّا بالواحد وفيه ، فافهم ، فما ثمّ ~~إلَّا حقيقة واحدة محقّقة في # ذاتها وحقيقتها ، وتحقّقت وتعيّنت في العقل متكثّرة متعدّدة ، ليس شيء منها في ~~الحقيقة محقّقا ، والمحقّق هو الحق الواحد تحقّق لك بوجوده متعيّنا في العدد ~~والكثرة ، فأظهر تعيّنات وتجلَّيات وتنوّعات وجمعيّات وأحديات بالعرض ، فهي لا تقدح ~~في أحدية الواحد إن أمعنت النظر وأنعمت ، فافهم ، فإنّه عال غال ، والمتحقّق به ~~أعلى وأغلى ، والله الملهم والمفهم . # قال رضي الله عنه : ( وإن كان قد تميّز الخلق من الخالق ) . # يعني : أنّ الحق من كونه خلقا ليس هو الخالق ، من كونه خالقا ، فإنّ تميّز ~~الخالقية عن المخلوقية ظاهر كتميّز الكثرة عن الأحدية ، والزوجية عن الفردية ، ~~ولكنّ العين في الزوج والفرد والواحد الأحد والكثير المتعدّد عين واحدة ، والعين في ~~مرتبة الأحدية واحدة أحد ، وفي الظهور في مراتب تعيّنه متعدّدة عدد ، فالتعدّد ~~والتعيّن في مراتب العدد ، للوجود الحق الواحد وخارج العدد والكثرة في الواحدية ~~والأحدية . # " فالأمر الخالق المخلوق " سمّيته واحدا أحدا ، وحقّا خالقا في أوّل مراتب تعيّنه ~~بالأحدية والواحدية ، وفي ثانيها اثنين ، وفي ثالثها ثلاثة ، وغيرها ، من شأن ذلك ~~الواحد الحق المتعيّن الظهور أحديا حقّا وكثيرا خلقا ، وهو المسمّى بسائر الأسماء ~~حقّا وخلقا . # فافهم ما أشار إليه الشيخ العارف المحقّق ، أبو الحسين النوري رضي الله عنه لطَّف ~~نفسه فسمّاه حقّا ، وكثّف نفسه فسمّاه خلقا ، فأثبت مع إثبات كونه حقّا في لطافته ~~خلقا في كثافته معا ، إنّ الحقيقة الذاتية الإلهية ، لها أن تظهر حقّا خلقا ، إلها ~~مألوها ، ربّا مربوبا ، فإنّ الحقيقة المطلقة في عينها تتساوى نسبة التعيّن إليها ~~من حيث هي هي ، لتساوي اقتضائها الذاتي لهما معا . # فالأمر الخالق هو المخلوق « والأمر المخلوق الخالق » طردا وعكسا . # قال رضي الله عنه : ( كلّ ذلك من عين واحدة ، لا ، بل هو العين الواحدة وهو ~~العيون الكثيرة . " فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ " ~~والوالد عين ابنه ، فما رأى يذبح سوى نفسه ، وفداه بذبح عظيم ، فظهر بصورة كبش من ~~ظهر بصورة إنسان . # وظهر بصورة ولد ، لا ، بل بحكم ولد من هو عين الوالد "وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها " ~~، فما نكح سوى نفسه ، فمنه الصاحبة والولد ، والأمر واحد في العدد ) . # يعني رضي الله عنه : أنّ الوجود الواحد الحقّ الواحد المتعيّن في الإنسانية ~~المطلقة ، المسمّى إبراهيم في إبراهيم ، والوالد هو المسمّى من حيث تعيّنه في إسحاق ~~أو إسماعيل بإسحاق أو إسماعيل كذلك ، وكذلك المتعيّن في صورة آدم المسمّى بآدم هو ~~المتعيّن في صاحبته المسمّاة بحوّاء ظهر ذلك الوجود الحق الواحد في مراتب عدّة بصور ~~مختلفة ، وصيغ مفترقة ومؤتلفة ، فسمّى في كل مرتبة مرتبة وتعيّن تعيّن باسم غير ~~الآخر ، فمنه الصاحبة ، والوالد ، والولد ، والزوج ، والفرد ، والواحد والعين واحدة ~~، وهو الوجود الحق الذي لا تحقّق إلَّا له في كل متحقّق معيّن ، مع أنّه من كونه ~~متعيّنا بكذا ، مسمّى بكذا غير المتعيّن بتعيّن غيره وغير مسمّى باسم غيره ، ~~فالمسمّى بعلا من حيث تعيّنه ينكح نفسه من كونها متعيّنة في صورة صاحبته ، وكذلك ~~المتعيّن في صورة إبراهيم متعيّن بصورة ولده الذي أراد ذبحه ، وهو الظاهر بصورة ~~الذبح العظيم . # قال رضي الله عنه : ( فمن الطبيعة ؟ ومن الظاهر فيها وما رأيناها نقصت بما ظهر ~~منها ، ولا زادت بعدم ما ظهر ؟ وما الذي ظهر غيرها ؟ في ما هي عين ما ظهر ، لاختلاف ~~الصور بالحكم عليها ، فهذا حارّ يابس ، وهذا بارد يابس ، فجمع باليبس ، وأبان بغير ~~ذلك ، والجامع الطبيعة ) . # يعني رضي الله عنه : كما أنّ الطبيعة حقيقة واحدة فإنّها تختلف بعينها وصورها ~~بحسب المادّة ، فتقبل الحكم عليها بالأضداد . # فيقول : إنّ طبيعة كذا باردة يابسة ، وطبيعة كذا حارّة يابسة ، وطبيعة كذا حارّة ~~رطبة ، وطبيعة كذا باردة رطبة ، فتكون الطبيعة في الأضداد عينها ، فتجمعها بحقيقتها ~~وهي حقيقة واحدة من شأنها الظهور في الأضداد أعيانا متضادّة من حيث التعيّن والظهور ~~، وهي من حيث كلَّيّتها حقيقة واحدة جمعية معقولة مقولة على كثيرين متضادّة في ~~مراتب كثيرة ، والأضداد المختلفة من كونها أضدادا لا تجتمع في مادّة تقبل هذه الصور ~~المتضادّة وليس تعيّنها بأحدها أولى من تعيّنها بغيرها ، وكذلك الطبيعة الجامعة ~~بحقيقتها لكلّ منها ، فإنّها عين الكلّ ، وكذلك الهيولى ، أعني المادّة . # قال رضي الله عنه : " لا ، بل العين الطبيعة ". # يعني رضي الله عنه : العين المظهرة لصور الأضداد في المادّة القابلة لها عين ~~صورها ، عين المادّة ، فإنّ الكلّ في الكلّ ومن الكلّ . # قال رضي الله عنه : ( فعالم الطبيعة صور في مرآة واحدة ، لا ، بل صورة واحدة في ~~مرايا مختلفة ) . # يعني رضي الله عنه : أنّ الطبيعة حقيقة واحدة ، قابلة لظهور الصور المختلفة فيها ~~مختلفة بموجب حقائقها ، فإنّها بحسب الجميع ، فما لها حسب معيّن يوجب تعيّن الكلّ ~~واحدا معيّنا ، فيظهر كلّ من الأضداد فيها بصورتها كظهور حقائق العالم في مرآة ~~الوجود الواحد الحق بموجب خصوصيّاتها المتكثّرة المختلفة المتباينة والمتماثلة. # وبمقتضى حقائقها ، وهذا مشهد الكمّل ، ومشرب المحقّق الراسخ المكمّل ، أو الطبيعة ~~صورة واحدة في مرائي مختلفة كعكس ما ذكرنا من المشهد ، كظهور الوجود الواحد الحق في ~~أعيان الأشياء بحسب خصوصيّاتها ، وهو مشهد الجمهور من أهل الكشف والشهود من ~~المتقدّمين رحمهم الله . # والحقّ أنّ الأمرين صادقان في حالة واحدة ، وموجبان الحيرة العظيمة في مرتبة ~~الفكر عند العقلاء الوارثين للحقائق بموازين الفكر والنظر العقلي . # قال رضي الله عنه : ( فما ثمّ إلَّا حيرة ، لتفرّق النظر ) . # يعني في نظر أهل الحجاب . # قال رضي الله عنه : ( ومن عرف ما قلناه لم يحر ) # يعني رضي الله عنه : إذا عرف أنّ حقيقة الوجود الواحد الحق لذاتها تقبل كلّ ذلك ~~ومن عينها تقتضي الظهور بجميع ذلك ، فإنّه لن يحار أصلا إلَّا الحيرة الأخيرة التي ~~هي عين الشهود الحق # والأمثلة قد تقدّمت ، فانظر وتدبّر ، والله الموفّق ، والعارف ممّا قلنا في مزيد ~~علم ، والله أعلم . # قال رضي الله عنه : (وإذا كان في مزيد علم فليس إلَّا من حكم المحلّ ، والمحلّ ~~عين العين الثابتة ، فيها يتنوّع الحق في المجلى ، فتتنوّع الأحكام عليه ، فيقبل ~~كلّ حكم ، وما يحكم عليه إلَّا عين ما تجلَّى فيه ، ما ثمّ إلَّا هذا ) . # يعني رضي الله عنه : أنّ زيادة علم العارف المحقّق في المشهدين جميعا عائدة إلى # العين الثابتة التي ظهر فيها الوجود الواحد الحق بحسبها ، أو ظهرت الأعيان ~~الثابتة فيه بحسبها أيضا كذلك ، إذ لا حيثية ولا خصوصية للوجود الحق ، كما قرّرنا ~~مرارا ، فهو حقّ كلّ حقيقة ، وبه تحقّقت الأعيان في حقائقها بأحكامها وخصائصها ~~وآثارها . # قال رضي الله عنه : # فالحقّ خلق بهذا الوجه فاعتبرو %~% وليس خلقا بذاك الوجه فادّكرو # يعني رضي الله عنه : أنّ الوجود الواحد الحق من كونه متعيّنا في مرتبة الألوهيّة ~~هو عين الله ، فهو بحسب الله وبحسب الصورة الأحدية الجمعيّة الإلهية ليس خلقا ~~مخلوقا ، بل خالق المخلوقات ، موجد الموجودات ، فليس هو هي ، ولا هي هو. # « ما للتراب وربّ الأرباب ؟ » فادّكر ، ولا تخلَّط بين المراتب ، ولا تخبط خبط ~~عشواء في الحقائق والمذاهب . # ثم الوجود الواحد الحق من كونه متعيّنا في المرتبة الخلقية المنفعلة والأعيان ~~المتأثّرة الكونية ، قابلا لصور الأكوان خلق ليس حقّا كذلك. # ولكنّ الوجود الحق الواحد المطلق من كونه قابلا لصور الحقيقة الإلهية ، وقابلا ~~أيضا لصور الخلقيّة عين الحق والخلق ، فهو فيهما معا حق وخلق . # فيصدق من حيث هذا الوجه وضع كلّ منهما أعني الحقّ والخلق وحمل الآخر عليه . ~~فاعتبر هذه الاعتبارات كلَّها ، ولا تطلق القضايا إلَّا بوجوهها المعتبرة ، ولا ~~تغفل عن الحقيقة الوجودية المطلقة الظاهرة في المراتب كلَّها ، إن شاء الله تعالى . # قال رضي الله عنه : # من يدر ما قلت ، لم تخذل بصيرته %~% وليس يدريه إلَّا من له بصر # جمّع وفرّق ، فإنّ العين واحدة %~% وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر # وعين الوجود الحق واحد ، ولا تحقّق إلَّا له في عينه كما عرفت ، فما ثمّ إلَّا هو ~~، تعيّن في مرتبة الجمع واحدا إلها ، وفي مرتبة التفرقة كثيرا خلقا ، والوحدة ~~والكثرة ، والجمع والفرق ، والحق والخلق ، والإطلاق والتقييد ، والتعيّن واللاتعيّن ~~، والظهور والبطون نسب نفسيّة له ، ولا تحقّق لها بدونه ، فما ثمّ موجود إلَّا هو. # قال رضي الله عنه : ( فالعليّ لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع ~~الأمور الوجوديّة والنسب العدميّة بحيث لا يمكن أن يفوته نعت منها ، وسواء كانت ~~محمودة عرفا وعقلا وشرعا ، أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك إلَّا لمسمّى "الله ~~"خاصّة ) . # يعني رضي الله عنه : أنّ العلوّ الذاتي الحقيقي الذي ليس بالنسبة والإضافة ليس ~~إلَّا للذات المسمّاة بالاسم"الله " فإنّه هو المتحقّق في جميع المراتب والنسب ~~والظهورات والتعيّنات بوجوده ، فإنّ الذات المتعيّنة بالتعيّن الأوّل حقيقة الحقائق ~~، الظاهرة بالإنسان الكامل الحقيقي الواحد الأزلي الأبدي هو المسمّى بالاسم "الله " ~~خاصّة ، وهو الاسم الأعظم لذات الله ، تعالى الدالّ على أحدية جمع الجمع الكمالي ~~الذاتي . # فمسمّى « الله » تعالى من حيث إنّه متعيّن بالحقيقة الإنسانية الكمالية الذاتية ~~مستغرق جميع الذوات الموجودة والنسب العدمية المفقودة والأفعال والأخلاق والنعوت ~~والصفات المذمومة والمحمودة بحيث لا يخرج شيء أصلا عن حيطته ، ولا يسبق لمتوهّم وهم ~~أنّ مسمّى الله هو المتكثّر في هذه الكثرة ، فإنّه يتعالى عن الظهور بما يناقض ~~الكمالات الإلهية ، فإنّ الله أحدية جمع جميع الكمالات الأسمائية المؤثرة والحقائق ~~الفعّالة الوجوبية الوجودية لا غير . # قال رضي الله عنه : ( وأمّا غير مسمّى الله خاصّة ممّا هو مجلى له أو صورة فيه ~~فإن كان مجلى له ، فيقع التفاضل لا بدّ من ذلك بين مجلى ومجلى ) . # يعني : كلّ عين عين من أعيان العالم ، فإنّه مرآته ومجلاه ، يتجلَّى فيه وجوده ، ~~فيتأتّى للمشاهد شهوده . # قال رضي الله عنه : ( وإن كان صورة فيه ، فتلك الصورة عين الكمال الذاتي , لأنّها ~~عين ما ظهرت فيه . فالذي يسمّى الله هو الذي لتلك الصورة ) . # قال العبد يعني : أنّ الصورة الإنسانية الكمالية الذاتية الإلهية هي صورة الذات ~~المسمّاة باسم الله ، وتلك الصورة هي التي تستغرق جميع الصور المعنوية الغيبية ~~الأسمائية الفعلية المؤثّرة والعينية الكونية المتأثّرة المظهرية ، وجميع الصور ~~الروحانية العقلية والنفسية ، وجميع الصور المثالية الجبروتية البرزخية ، والطبيعية ~~الفلكية والعنصرية ، السماوية والأرضية ، والنسب الإضافية العدمية ، فإنّ العالم ~~بكماله وتمامه صورة تفصيل هذه الصور الإنسانية الكمالية الجمعية الذاتية ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( ولا يقال : هي هو ، ولا : هي غيره ) . # يعني : أنّ هذه الصورة صورة للذات المسمّاة بـ « الله » تعالى ، وصورة الشيء ليست ~~هي المتصوّرة بتلك الصورة ، فالصورة لا تعطي إلَّا مدلول لفظ " الصورة " وإن كانت ~~صورة أحدية جمعية ، فإنّ العقل يفرّق بين الصورة وبين ذي الصورة . # ولا يقال أيضا :إنّها غيره من جميع الوجوه ، فإنّها صورة ذاتية ، لا تنفكّ عن ~~مسمّى الله تعالى . # قال رضي الله عنه : « وقد أشار أبو القاسم بن قسيّ في خلعه إلى هذا بقوله : "إنّ ~~كل اسم إلهي يسمّى بجميع الأسماء الإلهيّة وينعت بها . # وذلك هناك أنّ كلّ اسم يدلّ على الذات وعلى المعنى الذي سيق له ويطلبه ،فمن حيث ~~دلالته على الذات له جميع الأسماء ". # يعني رضي الله عنه : أنّ الاسم من حيث ما يدلّ على الذات عينها فله مالها ، ~~فيسمّى وينعت بجميعها ، كهي له ، هو هي من هذا الوجه . # قال رضي الله عنه : « ومن حيث دلالته على المعنى الذي يتفرّد به ، يتميّز عن غيره ~~، كالربّ والخالق والمصوّر إلى غير ذلك . فالاسم المسمّى من حيث الذات ، والاسم غير ~~المسمّى من حيث ما يختصّ به من المعنى الذي سيق له " . # قال العبد : # مذهب ابن القسيّ بفتح القاف وتخفيف السين وتشديد الياء من أكابر شيوخ المغرب ~~مشهور معتبر ، # كان قبل الشيخ رضي الله عنه :" # أنّ أيّ اسم إلهي أخذت من الأسماء الإلهية كالربّ والخالق والهادي والمصوّر ~~وغيرها فوضعته مبتدأ ، وأنّ الاسم « الله » وسائر الأسماء الإلهية تحمل عليه خبرا ~~جمعا وفرادى ، كما ذكرنا ، فتذكَّر ". # وخلعه كتاب من تصانيفه ، اسمه : « خلع النعلين » شرحه الشيخ "الأكبر" رضي الله ~~عنه . # وقال رضي الله عنه : " إذا فهمت أنّ العلي ما ذكرناه ، علمت أنّه ليس علوّ المكان ~~ولا علوّ المكانة ، فإنّ علوّ المكانة يختصّ بولاة الأمر كالسلطان والحكَّام ~~والوزراء والقضاة وكلّ ذي منصب ، سواء كانت فيه أهليّة ذلك المنصب أو لم تكن ، ~~والعلوّ بالصفات ليس كذلك ، فإنّه قد يكون أعلم الناس يتحكَّم فيه من له منصب ~~التحكَّم وإن كان أجهل الناس . فهذا عليّ بالمكانة بحكم التبع ، ما هو عليّ في نفسه ~~، فإذا عزل زالت رفعته ، والعالم ليس كذلك " . # يعني رضي الله عنه : أنّ أعلى مراتب العلوّ هو العلوّ الذاتي كما مرّ ودونه علوّ ~~الصفات ، كالعلم والقدرة وغيرهم . # فمن كان أعلم ، فهو أعلى بصفة العلم ، وفي هذا العلوّ لا يكون الموصوف والظاهر به ~~عليّا بالتبع ، بل بالصفة النفسية ، وقد يكون عليّا بالذات والصفة والمكانة والمكان ~~، ويختصّ به الربّ تعالى ، فإنّ له أعلى المكانات والمراتب وأعلى الأماكن كالعماء ~~والعرش. # وأعلى الصفات وهو الأحدية الجمعية الإلهية ، والإنسان الكامل منه أوفر حظَّ ونصيب ~~، كإدريس عليه السّلام مثلا ، فإنّه من أعلم العلماء ، وهو على الصورة الذاتية ، ~~وله مكانة النبوّة وقد رفعه الله " مَكاناً عَلِيًّا " ، جعلنا الله وإيّاك ممّن ~~جمعت له هذه الحقائق . # . ### | فص حكمة مهيمنية في كلمة إبراهيمية ### | 05 . فصّ حكمة مهيّميّة في كلمة إبراهيمية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على ~~متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قد ذكرنا سبب إسناد حكمة التهيّم إلى كلمة إبراهيم عليه السّلام . # قال رضي الله عنه : ( إنّما سمّي خليلا ، لتخلَّله وحصره جميع ما اتّصف به الذات ~~الإلهية . # قال الشاعر : قد تخلَّلت مسلك الروح منّي %~% وبه سمّي الخليل خليلا ) # يعني رضي الله عنه : لمّا قامت الصفات والأسماء الإلهية بإبراهيم ، وقام بحقّ ~~مظهرياتها حقّ القيام ، فاتّصف بجميعها ، فتخلَّل حضراتها ، وسرت الصورة الإلهية ~~بحقائقها في ذات إبراهيم وحقائقه فتخلَّلته ، وكذلك سرت المحبّة الإلهية الذاتية في ~~جميع حقائقه ، وسرت محبّته أيضا في حقائق الحضرات ، فسمّي خليلا ، فعيلا بمعنى فاعل ~~وبمعنى مفعول . # قال رضي الله عنه : ( كما يتخلَّل اللون المتلوّن ، فيكون العرض بحيث جوهره ، ما ~~هو كالمكان والمتمكَّن ) . # قال العبد : إذا تداخل جسمان أو اجتمعا ، فإن كانا كثيفين كالمكان والمتمكَّن ، # فلا سراية لأجزاء أحدهما في الآخر ، فلا تخلَّل ، وإن كان أحدهما لطيفا والآخر ~~كثيفا ، سرى اللطيف في الكثيف ، وتخلَّله بحسب لطف اللطيف وتخلَّل أجزاء الكثيف ~~وتناسبهما ، وإن اجتمع لطيفان وتناسبا في اللطف والرقّة ، كانت السراية أقوى ~~والتخلَّل أشدّ وأوفى ، وإن اتّفق أن تكون معهما حرارة غريزية تناسبيّة في كل منهما ~~لكل منهما ، ملزمة لانحلال أحدهما في الآخر وتخلَّله ، اشتدّ السريان وقوي التخلَّل ~~، فأدّى إلى اتّحاد هما بحيث يكونان شيئا واحدا لا يتميّز أحدهما عن الآخر ، وفي ~~السراية والتخلَّل والاتّحاد يقع التفاوت بحسب قوّة اللطف والرقّة والمناسبة بين ~~المتخلَّلين ، وهذا في الأجسام وفي الجواهر . # وأمّا الأعراض فإن كانت من اللوازم الجوهرية الذاتية . # فإنّها تكون بحيث جواهرها كالرطوبة والرقّة للماء ، والحرارة واليبوسة للنار ، ~~وإن كان العرض غريبا ليس ذاتيّا للجوهر فبالوساطة الجوهرية الجامعة بينهما ، ~~كتخلَّل اللون الغريب في جوهر غير ذي لون إنّما يكون بواسطة جوهر لطيف متلوّن بذلك ~~اللون الغريب ، فيسري به اللطيف المتلوّن فيما لا لون له. # فإذا سرى اللطيف في جميع أجزائه وتشرّب الكثيف به وفارقه اللطيف ، بقي العرض ~~الغريب في جوهر ما لا لون له ، فعاد متلوّنا بذلك اللون ، وكلّ هذا ضرب مثل لما من ~~الحق في الخلق ولما للحق من الخلق ، وإذا كان الأمر في الأجسام على هذا الوجه ، ففي ~~الروحانيات يكون أتمّ وأعمّ ، وكذلك الجواهر والأعراض ، وذلك بحسب القبول والتناسب ~~والنفوذ . # وكذلك سريان أحكام الحقائق والمعاني والنسب بعضها في البعض بواسطة الوجود الجامع ~~بينهما بحسب شدّة المناسبة وقوّة المحبّة بين المتخلَّل والمتخلَّل . # فلمّا ناسبت مظهرية الخليل عليه السّلام لتعيّن الحق فيه وبه من جميع الوجوه أو ~~أكثرها بحسب مرتبته ومقام مظهريته للحق الذي هو ربّه ، سرى كلّ منهما في الآخر ~~سراية كلَّية في إبراهيم في محبّة ربّه ، أو في ربّه ، فظهر في هوية إبراهيم إنّيّة ~~الحق ، وكذلك يتخلَّل إبراهيم في الحضرات الإلهية ، فقام بجميع المظهريات الإلهية ~~الأسمائية على الوجه الأتمّ ، وظهرت فيه وبه ومنه أيضا حقائق الحضرات بالظهور ~~الأكمل الأعمّ ، فاتّخذه الله خليلا ، وهذه الخلَّة كسراية العرض بالجوهر اللطيف في ~~الكثيف ، حتى يكون بحيث جوهره . # ونذكر قول الخليل عليه السّلام يوم القيامة ، حين يفزع الخلائق إليه في الشفاعة ، ~~فيقولون له : أنت خليل الله اشفع لنا . # أو كما يقولون له. # فيقول : إنّما كنت خليلا من وراء وراء ، والخلَّة المحمّدية أفضل وأكمل ، ونظيره ~~سراية اللطيف المناسب في مثله لطافة ومناسبة بالحرارة المعتدلة ، الحبّية ، الملزمة ~~لكمال تخلَّل أحدهما في الآخر ، وانحلاله ، حتى يرتفع التمايز ويتّحد الخليلان كما ~~ينحلّ ويتخلَّل الأبوان في الصنعة وهما العيان والعروس المطهّران المثبتان ~~المحلولان إذا مزجناهما على ميزان العدل ، وألزمناهما الطبخ الطبيعيّ ، فإنّهما ~~ينحلّ كل منهما في الآخر انحلالا لا مفارقة بعده أبدا ، وينعقدان جوهرا واحدا ، ~~فإذا التقيناه ذاب ذوبانا واحدا وعاص عوصا واحدا ، ولا يطير أحدهما دون الآخر ، ~~فيكون أحدهما عين الآخر . # كما قال تعالى : " الله وَرَسُولُه ُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوه ُ " فأفرد الضمير في ~~الخبر المحمول بعد تثنية المبتدأ الموضوع . # وقال:" من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله " وقال : « هذه يد الله » وأشار ~~إلى يده " وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ الله رَمى " فافهم . # قال رضي الله عنه : ( أو لتخلَّل الحق وجود صورة إبراهيم عليه السّلام وكلّ حكم ~~يصحّ من ذلك ، فإنّ لكلّ حكم موطنا يظهر فيه لا يتعدّاه ، ألا ترى الحقّ يظهر بصفات ~~المحدثات ، وأخبر بذلك عن نفسه ، وبصفات النقص وبصفات الذمّ ؟) # يعني رضي الله عنه : أنّ الحق من حيث تعيّنه بوجوده في صورة إبراهيم يضاف إليه ~~جميع ما يضاف إلى إبراهيم من صفات المخلوق ، ولا يتعدّى إليه في الصورة الإلهية ~~الأزلية ، فإنّه تعالى أخبرنا إنّه ينادي ، ويمكر ، ويستهزئ ، ويسخر ، ويمرض ، ~~ويجوع ، ويظمأ ، على لسان الصادق الذي " ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى . إِنْ هُوَ ~~إِلَّا وَحْيٌ يُوحى " وذلك بظهوره وتعيّنه في إنّيّة العبد ، بوجوده الحقّ ، كما ~~علمت ، فاذكر . # وقوله : ( وكلّ حكم يصحّ من ذلك ، فإنّ لكلّ حكم موطنا يظهر فيه لا يتعدّاه ). # يريد رضي الله عنه أنّ انضياف أصناف الأحكام والأحوال والأخلاق والأفعال والأسماء ~~والنعوت الخلقية التي توهم النقص ، وتوجب الذمّ في مرتبة العقل والشرع أو العرف إلى ~~الجناب الإلهي بالأصالة كما ذكرنا ليس إلَّا من حيث تعيّنه بالوجود في عين هذا ~~العبد الذي به وفيه ظهرت تلك النقائص ، لا من حيث هو هو ، ولا من حيث موطن آخر ، ~~فإنّ موطن الدنيا وظهور الوجود الحقّ بالعبيد في الدنيا يوجب ذلك وعامتها منتفية عن ~~العبد أيضا في الدار الآخرة والمواطن الجنانية فافهم . # قال رضي الله عنه : ( ألا ترى المخلوق يظهر بصفة الخالق من أوّلها إلى آخرها ~~وكلَّها حق له ، كما هي صفات المحدثات حق للحق). # يعني رضي الله عنه : أنّ صفات المحدثات من حيث تعيّن الوجود الحقّ بالمحدثات ~~وفيها بحسبها ينضاف إليه جميع صفات المحدثات وأفعالها وآثارها ، وهي حق له استحقّها ~~من حيث تعيّنه وظهوره فيها وظهورها ووجودها به ، ولأنّ الوجود ، له صلاحية الظهور ~~بها وإظهارها ، وذلك مقتضى حقيقته ، وكذلك من حيث هذا الوجه ، وباعتبار أنّ حقائق ~~المحدثات وأعيانها الثابتة في العلم الذاتي الأزلي هي شؤون الحق ونسبة الذاتية التي ~~هي فيه هو لا غير يثبت أيضا كذلك للمحدثات جميع الأسماء والصفات والنعوت والنسب ~~التي للحق من أوّلها إلى آخرها ، وهي حق له من هذين الوجهين ، فافهم . # قال رضي الله عنه : (الْحَمْدُ لِلَّه ِ " فرجعت إليه عواقب الثناء من كل حامد ~~ومحمود . " وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه ُ " ، فعمّ ما ذمّ وما حمد ، وما ~~ثمّ إلَّا محمود أو مذموم) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ كل حمد من كل حامد لكل محمود فإنّه لله ، لأنّه ~~المحمود بالحقيقة في كل مظهر وموجود بما ظهر فيه من الكمالات والمحامد ، والظاهر ~~بها في ذلك الحامد ، فإذن هو الحامد والمحمود والحمد ، فاذكر أقسام حمد الحمد ، كما ~~ذكرنا في شرح الخطبة . # قال رضي الله عنه : ( اعلم أنّه ما تخلَّل شيء شيئا إلَّا كان محمولا فيه ، ~~فالمتخلَّل باسم فاعل محجوب بالمتخلَّل اسم مفعول فاسم المفعول هو الظاهر ، واسم ~~الفاعل هو الباطن المستور ، وهو غذاء له ، كالماء يتخلَّل الصوفة فتربو به وتتّسع ) ~~. # يعني رضي الله عنه : أنّ إبراهيم عليه السّلام بتخلَّله جميع الحضرات الإلهية ~~يكون محمولا في الحق ، محجوبا ، فهو للحق جميع أسمائه وصفاته الظاهرة عليه ، فهو ~~غذاؤه بالأحكام والنعوت والأسماء والصفات ، وكذلك بتخلَّل الوجود الحق صورة إبراهيم ~~يكون محمولا في إبراهيم ، فيكون الحق سمعه وبصره ولسانه وسائر قواه . # قال رضي الله عنه : ( فإن كان الحق هو الظاهر ، فالخلق مستور فيه ، فيكون الخلق ~~جميع أسماء الحق سمعه وبصره وجميع نسبه وإدراكاته . وإن كان الخلق هو الظاهر ، ~~فالحق مستور ، باطن فيه ، فالحق سمع الخلق وبصره ويده ورجله وجميع قواه ، كما ورد ~~في الخبر الصحيح). # قال العبد : يشير رضي الله عنه : إلى مقامي قرب الفرائض والنوافل ، وذلك أنّ وجود ~~الحق هو الأصل الواجب وهو الفرض ووجود العالم وهو العبد نقل وفرع عليه . # لأنّ الوجود الحق لكمال سعته وسع الحق المطلق ، والخلق المقيّد ، فإذا ظهر الحق ، ~~خفي العبد فيه ، كان الله ولا شيء معه أوّل " لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّه ِ ~~الْواحِدِ الْقَهَّارِ " آخرا ، فكان العبد سمع الحق وبصره وسائر قواه ، كما قال ~~صلَّى الله عليه وسلَّم « إنّ الله قال على لسان عبده : سمع الله لمن حمده . هذه يد ~~الله ، واليد يد محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم وكذلك هو الرامي حقيقة في " إِذْ ~~رَمَيْتَ " ، فيده يد الحق والحق هو الرامي ، لنفيه الرمي عن محمّد في قوله : " ~~وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ " ، وإثباته الرمي للحق بقوله : # " وَلكِنَّ الله رَمى " . # والثاني قرب النوافل ، فهو كون الحق بوجوده محمولا في إنّيّة العبد وهويّته له ~~فهو سمع العبد وبصره ولسانه وسائر قواه ، والحديث الثابت في الصحيح المثبت سرّ ~~المقامين قد ذكر فيما ذكر ، فتذكَّر . # قال رضي الله عنه : ( ثم إنّ الذات لو تعرّت عن هذه النسب ، لم تكن إلها . وهذه ~~النسب أحدثتها أعياننا ، فنحن جعلناه بألوهيّتنا إلها ، فلا يعرف حتى نعرف ) . # يعني رضي الله عنه : أنّ تحقّق أحد المتضايفين يتوقّف على الآخر بالضرورة ~~فالإلهية والربوبية والخالقية لا تتحقّق إلَّا بالمألوه والمربوب والمخلوق وجودا ~~وتقديرا ، فلا يعرف الله من كونه إلها ، حتى يعرف المألوه . # قال رضي الله عنه : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من عرف نفسه فقد عرف ~~ربّه » وهو أعلم الخلق بالله . # فإنّ بعض الحكماء وأبا حامد ادّعوا أنّه يعرف الله من غير نظر إلى العالم ، وهذا ~~غلط . نعم ، تعرف ذات قديمة أزليّة لا يعرف إنّها إله ، حتى يعرف المألوه ، فهو ~~الدليل عليه ). # يعني رضي الله عنه : أنّ الألوهية والربوبية وغيرهما من النسب لا تحقّق لها كما ~~مرّ إلَّا بالمألوهية والمربوبية ، فإنّها حقائق إضافية ، فلا وجود لها إلَّا ~~بالنسبة والإضافة ، ولا تثبت للذات المطلقة إلَّا بشرط موصوفيتها بالإيجاد ~~والربوبيّة ، ولا ربوبية إلَّا بالمربوب ، فالربوبية والإلهية والخالقية ومعرفتها ~~يتوقّف ثبوتها للذات المطلقة على المربوب والمألوه والمخلوق وإن لم يتوقّف وجودها ~~الذاتي على شيء أصلا ، فإنّ الله من حيث ذاته غنيّ عن العالمين وعن الأسماء الإلهية ~~. # قال رضي الله عنه : ( ثمّ بعد هذا في ثاني حال يعطيك الكشف أنّ الحق نفسه كان عين ~~الدليل على نفسه وعلى ألوهيته ، وأنّ العالم ليس إلَّا تجلَّيه في صور أعيانهم ~~الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه وأن يتنوّع ويتصوّر بحسب حقائق هذه الأعيان ~~وأحوالها ، وهذا بعد العلم به منّا أنّه إله لنا ) . # قال العبد : يشير رضي الله عنه : إلى أنّ الواجب على كلّ أن يعرف ربّه وإلهه الذي ~~يعبده ، وذلك لا يكون إلَّا بعد معرفة عبدانيّته ومربوبيته ، فإذا عرف نفسه عبدا ~~مربوبا ، تأتّى له أن يعرف أنّ له إلها هو ربّه خلقه . # ثم بعد هذه المعرفة الصحيحة إن عرف أنّه موجود بالحق ، أو عرف أنّ الموجود هو ~~الحق في عينه وصورته يتنوّع ظهوره بحسب خصوصية المظهر ، عرف أنّ العالم تجلّ منه ، ~~فهو الظاهر بالعالم وفيه بحسب خصوصية حقيقة العالم من القبول ، فهو من حيث ظهوره في ~~العالم المحدث كان دليلا على نفسه أنّه أحدثه وأوجده ، وكان الحق حينئذ من حيث ~~ظهوره فيك دليلا عليه أنّه ربّ ، إله ، خالق لك ، فافهم . # فما أنت إذن أنت على ما كنت في زعمك ، بل تعيّن وتجلّ من تجلَّياته في مرتبة ~~كليّة أو جزوية ، في حقيقة عين ثابتة علميّة أزلية ذاتية من جملة شؤونه الذاتية ~~التي لم توجد ولا شمّت رائحة من الوجود العيني ، بل هي على وجودها العلمي الأزلي ~~الأبدي ، والموجود المشهود منك في الأعيان تجلَّى لظاهر في مظهر ، وكذلك الموجود ~~المشهود من العالم تجلّ كلَّي وتعيّن عيني ظهر في مظاهر ومجال وتراءى في مناظر ~~ومراء كثيرة مختلفة ، فما يشهد ولا يوجد في المرآة إلَّا الحق لا المرئيّ . # فإنّ متعلَّق الشهود والوجود ليس إلَّا المثال الظاهر من ناظر واحد محاذ بصورته ~~لهذه المرائي الكثيرة ، وهي أعيان العالم وحقائقه فانظر ما ذا ترى ، فأنت يا أخي ~~على عدميّتك الأزلية ، والمشهود هو الوجود الحق الظاهر في مظهريّتك ومرآتك ، وهو ~~الدليل على نفسه من جهتين ومرتبتين : # مطلقة ومقيّدة ، فافهم . # قال رضي الله عنه : (ثمّ يأتي الكشف الآخر ، فيظهر لك صورنا فيه ، فيظهر بعضنا ~~لبعض في الحق ، فيعرف بعضنا بعضا ، ويتميّز بعضنا عن بعض ، فمنّا من يعرف أن في ~~الحق وقعت هذه المعرفة لنا بنا ، ومنّا من يجهل الحضرة التي وقعت فيها هذه المعرفة ~~بن "أَعُوذُ بِالله أَنْ أَكُونَ من الْجاهِلِينَ). # قال العبد : أمّا في الكشف الأوّل فشهدت الحق في مجالي : حقائق العالم ومرائي ~~مظهرياته بحسبها ، فكان الشاهد والمشهود هو الحق ، وفي هذا الشهود مرتبتان ~~لأربابهما : # إحداهما : أنّ الحق هو الموجود المشهود في حقائق العالم وأعيان المحدثات وهي ~~مظاهر للحق موجودة في أعيانها ، ظهر الحق بها وفيها وبحسبها ، نحوا من الظهور ، ~~وضربا من التجلَّي . # وفي الثانية : يكون الحق أيضا كذلك هو الموجود المشهود في مراء غير موجودة في ~~أعيانها ، بل هي على عدميّتها العينيّة ووجودها العلمي ، ظهر الوجود الواحد الحق ~~المنسحب عليها بحسب خصوصياتها وقابلياتها ، فظهر الوجود الواحد الحق بهذه المظاهر ~~المختلفة مختلف الصور ، فالمشهود الموجود في الشهودين هو الحق . # وأمّا الكشف الثالث: فيعطي أنّ المشهود نقوش أعيان العالم وصورها وأمثلتها في ~~مرآة الوجود الواحد الحق الموجود هو الحق المشهود في صور نسبه ونقوش شؤونه وأحواله ~~الذاتية العينيّة وهي أعني النسب والشؤون التي هي أعيان العالم لم تنتقل من العلم ~~الذاتي إلى العين ، ولكن أثّرت في مرآة الوجود الحق من حيث قبوله وصلاحيته لتلك ~~الآثار هيئات وصورا منها بحسبها . # قال رضي الله عنه : ( وبالكشفين معا ما يحكم علينا إلَّا بن ، بل نحن نحكم علينا ~~بنا ، ولكن فيه ، فلذلك قال : " فَلِلَّه ِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ " يعني على ~~المحجوبين إذ قالوا للحقّ : لم فعلت بنا كذا وكذا ممّا لا يوافق أغراضهم ، فيكش ف ~~لهم الحق عن ساق ، وهو الأمر الذي كشفه العارفون هنا ، فيرون أنّ الحق ما فعل لهم ~~ما ادّعوه أنّه فعله ، وأنّ ذلك منهم ، فإنّه ما علمهم إلَّا ما هم عليه ، فتدحض « ~~5 » حجّتهم ، وتبقى الحجة لله البالغة) . # قال العبد : إنّ الحاكم علينا نحن على الكشفين معا ، لأنّا على الكشفين معا إمّا ~~تجلّ وحق متعيّن بمقتضيات أعياننا الثابتة ، أو صور أعيان ظهرنا في مرآة الوجود ~~الحق بمقتضيات أعياننا وخصوصياتنا كذلك ، فإذن لم يحكم الحق علينا في كلّ ما حكم ~~علينا ، دنيا وآخرة ، روحا وجسما ، ظاهرا وباطنا ، شقاوة وسعادة ، إلَّا بموجب ما ~~اقتضت خصوصياتنا واستعداداتنا غير المجعولة ، الذاتية ، وقابليّات مظهرياتنا التي ~~استدعت من الحق أن يحكم علينا بما نستأهله ونستحقّه . # والله العليم ، الحكيم ، العدل ، الحكم لا يحكم على كل محكوم عليه بكل حكم حكم ~~عليه إلَّا بموجب علمه بالمحكوم عليه ، وبالحكم الذي يطلبه ويقتضيه بحقيقته وعلمه ~~به على ما هو عليه وبحسبه وبموجب استعداده ، ولا ينسب إلى الحق ما يتوهّمه أهل ~~الجهل أنّ الله قدّر وحكم على الخلائق ، أو كتب عليهم بما ليس فيهم وهو ظلم محض إن ~~يقدّر على أحد ويحكم عليه قبل وجوده في الأزل بأفعال وأحوال وآثار ليست فيهم ومنهم ~~، ثم إذا صدرت منهم في الدنيا بموجب ما قدّر وكتب عليهم ، طالبهم بذلك في الآخرة ، ~~وعاقبهم ، وأخذهم بها ، وعذّبهم . # تعالى الله عمّا يقول الظالمون الجاهلون علوّا كبير ، بل الله يحكم علينا ~~بمقتضيات استعداداتنا وبموجب خصوص قابليّات صور معلوميّاتنا له أزلا ، فلم يحكم ~~علينا إلَّا لما منه أو حكمنا أن يحكم علينا بذلك ، فما حكم علينا إلَّا بحكمنا ~~ونحن صور نسب علمه وشئونه وأحواله الذاتية النفسية ، بل نحن حكمنا علينا بالحق وفيه ~~،فافهم . # قال رضي الله عنه : ( فإن قلت : فما فائدة قوله : " فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ ~~أَجْمَعِينَ ) ؟ # قلنا : " لو " حرف امتناع لامتناع ، فما شاء إلَّا ما هو الأمر عليه . # ولكن عين الممكن قابل للشيء ونقيضه في حكم العقل ، وأيّ الحكمين المعقولين وقع ~~فذلك هو الذي كان عليه الممكن في حال ثبوته . ومعنى « لهديكم » أي لبيّن لكم . # (وما كلّ ممكن من العالم فتح الله عين بصيرته ، فأدرك الأمر في نفسه على ما هو ~~عليه ، فمنهم العالم والجاهل . # فما شاء ، فما هداهم أجمعين ، ولا يشاء . # وكذلك " إِنْ يَشَأْ " فهل يشاء ؟ هذا ما لا يكون ) . # قال العبد : « لو » في « لو شاء لهدى » تعليل عدم الهداية لعدم المشيّة ، فإنّه ~~حرف امتناع لامتناع ما يسند إليه ، فحيث أسند إلى المشيّة بيّن امتناع المشيّة ، ~~وإنّما جاء لعدم الهداية وامتناعها لامتناع المشيّة ، يعني ما هداهم أجمعين ، لأنّه ~~لم يشأ هدايتهم أجمعين ، لعلمه أنّهم لا يستعدّون لقبول الهداية جميعا ، بل البعض . # فشاء بموجب علمه هداية البعض المستعدّين لها ، فهداهم ، ولو شاء هداية الكلّ لهدى ~~الكلّ ، ولكنّه لم يشأ ، لعدم تعلَّق العلم بهداية الكلّ ، لما لم يكن في قابليتهم ~~الاهتداء . # إذ المشيّة وهي تخصيص بعض المعلومات للهداية تابعة للعلم في تعلَّقه بهداية البعض ~~الذين لهم قابلية الهداية ، فما شاء إلَّا ذلك البعض ، لأنّ مشيّة الحكيم العليم لا ~~تتعلَّق إلَّا بما فيه صلاحية ما يشاء ، وإلَّا لكان عبثا ، ويتعالى عن ذلك علوّا ~~كبيرا . # وكذلك " إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ " حرف امتناع وشرط ممتنع دخل على المشيّة ، ~~لامتناع الإذهاب ، فامتنع إذهابهم ، لامتناع تعلَّق المشيّة به ، فهل يشاء الممتنع ~~؟ # هذا لا يكون ، لعدم تعلَّق مشيّة الحكيم بالممتنع . # قال رضي الله عنه : ( فمشيّته أحدية التعلَّق ، وهي نسبة تابعة للعلم ، والعلم ~~نسبة تابعة للمعلوم ، والمعلوم أنت وأحوالك ، فليس للعلم أثر في المعلوم ) . # يعني رضي الله عنه : لأنّه ما جعله على ما هو عليه ، بل تعلَّق به بحسبه ، وهذا ~~ظاهر . # قال رضي الله عنه : ( بل للمعلوم أثر في العلم فيعطيه من نفسه ما هو عليه في عينه ~~) . # يعني رضي الله عنه : أنّ العلم إنّما يتعلَّق بالمعلوم بحسب ما هو المعلوم عليه ~~فهو تابع للمعلوم في تعلَّقه به ، فليس للعلم أثر في المعلوم . # قال رضي الله عنه : ( وإنّما ورد الخطاب الإلهي بحسب ما تواطأ عليه المخاطبون وما ~~أعطاه النظر العقلي ، ما ورد الخطاب على ما يعطيه الكشف . ولذلك كثر المؤمنون وقلّ ~~العارفون أصحاب الكشوف) وَما مِنَّا إِلَّا لَه ُ مَقامٌ مَعْلُومٌ " . # (وهو ما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك ، هذا إن ثبت أنّ لك وجودا ، فإن ثبت ~~أنّ الوجود للحق لا لك ، فالحكم لك بلا شك في وجود الحق ، وإن ثبت أنّك الموجود ، ~~فالحكم لك بلا شكّ . # وإن كان الحاكم الحقّ ، فليس له إلَّا إفاضة الوجود عليك ، والحكم لك عليك ، فلا ~~تحمّد إلَّا نفسك ولا تذّم إلَّا نفسك ، وما يبقى للحق إلَّا حمد إفاضة الوجود ، ~~لأنّ ذلك له لا لك ) . # يعني رضي الله عنه : أنّ الله تعالى إنّما يخاطب عباده على قدر فهمهم وبحسب ما ~~تواطئوا عليه ، إنّ الله لو تعلَّقت مشيّته بهداية الجميع ، أو بإذهاب الجميع ، ~~لهداهم جميعا ، أو أذهبهم جميعا ، هذا مبلغ علوم أهل العموم من المخاطبين ، ~~لاقتصارهم في نظرهم على ظاهر المفهوم من كمال القدرة والإرادة ، وهو نصف البحث ، ~~فلو رزقوا العثور على الشطر الآخر ، لفازوا بإدراك الأمر على ما هو عليه ، وهو ~~مقتضى الكشف بأنّ المشيّة لا تتعلَّق إلَّا بمقتضى الحكمة . # والعلم والحكمة يعطيان أن ليس في قوّة استعداد الجمع وقابليتهم صلاحية الهداية ، ~~بل في البعض ، فتعلَّقت المشيّة بهداية المهتدين بنوره ، لما في استعدادهم لقبول ~~نور الهداية ، والذي لم يستعدّ للهداية في حقيقته وخصوصية عينه الثابتة ، لم ~~تتعلَّق بهدايته المشيّة ، فلم يهتد ، وهذا مقتضى الكشف الصحيح والحقّ الصريح ~~الرجيح . # فرزق الله أهل الكشف والتحقيق الاطَّلاع على هذا السرّ وهو سرّ القدر فنزع بذلك ~~عن قلوبنا غلّ الاعتراض على الله بالجهل ، كما اعترض أهل الحجاب من الجمهور في ~~أفعاله وأوامره وأحكامه ، ونسبوا إلى الله الظلم ، وأجاز بعضهم الظلم من الله تعالى ~~على خلقه ، لأنّهم تحت تصرّفه وهو موجدهم وربّهم ، فله الحكم ، وعدّل منه الظلم ، ~~وكلّ ما قالوا جهل بالحقائق ، لأنّ حقيقة الظلم لا تنقلب عدلا ، ثمّ الحكيم لا يريد ~~ولا يفعل إلَّا ما اقتضته حكمته ، فهو لا يكلَّف نفسا إلَّا وسعها ، ولا يطلبها ~~إلَّا ما آتاها ، وإلَّا فما هو بحكيم ، وحكم بخلاف حكمته وعلمه ، والله تعالى حكيم ~~، فهو لا يسومنا ما ليس فينا ، فافهم. # وهذا بيّن فللَّه الحجّة البالغة ، فما منّا أحد إلَّا له مقام معلوم ، فنحن ~~معاشر أهل الكشف والشهود بحمد الله لم نقف مع علوم هؤلاء المجتهدين ، فكشف لنا بحمد ~~الله ما وراء هذا السرّ ، وذلك بمقتضى أعياننا الثابتة في العلم الأزلي ، فالحكم ~~للعين فينا إن كان لنا وجود حقيقي على ما تقرّر ، وإن لم يكن لنا وجود ، فالحكم لنا ~~علينا أيضا كما مرّ مرارا ، فادّكر ، فما يصل إليك نور الوجود إلَّا بموجب استعدادك ~~. # فإن كان على الوجه الأكمل ، فلا تحمد إلَّا نفسك ، فإنّها صورة شأن إلهي من ~~الشؤون ، وإن وجدت غير ذلك فلا تلومنّ إلَّا نفسك ،وليس لله تعالى إلَّا حمد إفاضة ~~الوجود ، وليس للوجود إلَّا إظهار ما كنت عليه وكان فيك منك أزلا ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( فأنت غذاؤه بالأحكام ) . # يعني : أنّ الوجود الحقّ إنّما يظهر بصورة أحكام عينك ، فقد تغذّى بصورة العين ~~الثابتة وجود ظهر فيك بحسبك . # قال رضي الله عنه : ( وهو غذاؤك بالوجود ) . # يعني : لأنّك ظهرت بالوجود ، فإنّ أحكام عينك الثابتة لا تظهر إلَّا بالوجود ، ~~كما أنّ الوجود لا يتعيّن ولا يظهر إلَّا بحسب تلك الأحكام . # قال رضي الله عنه : ( فتعيّن عليه ما تعيّن عليك وهو حكمك بالأمر منه إليك ومنك ~~إليه غير أنّك تسمّى مكلَّفا ، وما كلَّفك إلَّا بما قلت له : كلَّفنى بحالك وبما ~~أنت عليه ، ولا يسمّى مكلَّفا اسم مفعول ، إذ لا كلفة عليه ) . # يعني : أنّ الحكم منك وإن توجّه على الحق أن يكلَّفك بما حكمت ، فإنّه لا يسمّى ~~مكلَّفا اسم مفعول كما أنّك لا تسمّى مكلَّفا اسم فاعل ، لكون الفعل والتأثير ~~والحكم لله بالأصالة فإنّه أحدية جمع حقائق الوجوب والإيجاب والفعل والتأثير ~~والانفعال والتأثّر والقبول لك بالافتقار الأصلي الذاتي ، كما علمت ، فاذكر ، فهكذا ~~أعطت الحقائق ، فإن حكمت وأثّرت وفعلت ، فلأنّك حقيقة من حقائق الجمع الإلهيّ ، ~~فافهم . # قال رضي الله عنه : # فيحمدني وأحمده %~% ويعبدني وأعبده # يعني رضي الله عنه : يحمدني الحقّ على كمال قابليّتي وحسن قبولي لنور وجوده ، ~~وإظهار صورته على ما هي عليها من غير تغيير . # وأحمده : أعرّفه بالكمالات التي ظهر بها في ، أو ظهرت بها فيه . # ويعبدني ، أي يطيعني لمّا سألته بالإجابة ، كما قال رسول الله - صلَّى الله عليه ~~وسلَّم - حين قال له أبو طالب : ما أطوع لك ربّك يا محمّد ! : « وأنت يا عمّ إن ~~أطعته أطاعك ». # والعبادة : الطاعة على أحد معانيها ، والعبادة : الجحود أيضا . # يقال : عبد حقّه أي جحد ، والعبد يطيع الله في ظهوره بالإلهية والربوبية ، فإذا ~~ظهر في تعيّنه بصورة مخلوق وصفته ، جحده وأنكره . # وقال رضي الله عنه : (ففي حال أقرّ به .. وفي الأعيان أجحده .. فيعرفني وأنكره أي ~~هو من حيث هو يعرفني على كلّ حال .) # وأمّ « أنكره » أي هو من حيث هو يعرفني على كل حال وأنا أنكره حال ظهوره في صور ~~الأعيان المحدثة. # قال رضي الله عنه : ( وأعرفه فأشهده ) . # يعني رضي الله عنه : أنا في نفس الأمر أعرفه وأشهده ، لكون المعرفة والشهود من ~~مقتضى حقيقتي منه ، فهو يعطي المعرفة والشهود . # قال رضي الله عنه : ( وأنّى بالغنى وأن %~% أساعده وأسعده ؟) # يشير رضي الله عنه : إلى توقّف النسب الأسمائية على الأعيان الكونية ، فإنّ ~~الإلهية متوقّفة على العبودية ، فهو - من حيث إنّيّتي العبدانية - يساعده بي ويسعده ~~. # كما قال الله تعالى : " إِنْ تَنْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ ~~أَقْدامَكُمْ ". # والنصر : المساعدة والإسعاد في تحقيق الربوبية والألوهيّة ، وحسن تأتّي القابل في ~~كمال مظهريته لربّه إسعاده له ، فإنّ سعادة الحقائق والنسب الأسمائية أن تظهر ~~آثارها في مظاهرها ، كما قلنا في كتاب « المنازل » لنا :وإذ الحقائق لم تبن آثاره # عدّت من الأموات لا الأحياء. # قال رضي الله عنه : ( لذلك الحقّ أوجدني %~% فأعلمه وأوجده) # يعني : أنّما أوجدني الحق مظهرا له ومظهرا ، فأوجده في العلم صورة مطابقة لما هو ~~عليه في العين . # قال رضي الله عنه : ( بذا جاء الحديث لن %~% وحقّق في مقصده) # جاء في الحديث الثابت عنه عليه السّلام حكاية عن الله - تعالى - : « قد مثّلوني ~~بين أعينهم » أي أوجدوا مثالي في رأي أعينهم علما وشهودا ، فكلّ من كان في علمه ~~بالله أصحّ تصوّرا للحق ، فقد أوجده في علمه وشهوده . # قال رضي الله عنه : ( ولمّا كان للخليل هذه المرتبة - التي بها سمّي خليلا - لذلك ~~سنّ القرى. وجعله ابن مسرّة الجبليّ مع ميكائيل ملك الأرزاق ، وبالأرزاق يكون تغذّي ~~المرزوقين ، فإذا تخلَّل الرزق ذات المرزوق - بحيث لا يبقى فيه شيء إلَّا تخلَّله - ~~فإنّ الغذاء يسري في جميع أجزاء المغتذي كلَّها ، وما هناك أجزاء ،فلا بدّ أن ~~يتخلَّل جميع المقامات الإلهية المعبّر عنها بالأسماء ، فتظهر بها ذاته جلّ وعلا ). # قال العبد : لمّا تخلَّل إبراهيم - بكمال مظهريته وسعتها وحيطة فلك قابليته - ~~جميع المقامات الإلهية - التي ظهر بها المسمّى وتخلَّله - وسرى فيها سراية الرزق في ~~أجزاء بدن المرزوق ، فصار غذاء له ، وكذلك الوجود الحق سرى - بأحدية جمع النفس ~~الساري من حضرة جمع الجمع - في حقائق إبراهيم عليه السّلام وصار غذاء له ، ولولا ~~سرايته فيه بالصورة ، لما وجد ، فغذّى إبراهيم عليه السّلام - من حسن مظهريته وكمال ~~قابليته - بأحكام عينه الوجود الواحد الأحد ، وغذّي أيضا بالوجود الحق حقائق عينه ~~التي هي شؤون الحق وصور أنانيّته العينية ، ظهر لذلك في حاله سرّ هذه الحقيقة ، ~~فسنّ القرى للبادي والحاضر ، وغذّى الخلائق من كلّ وارد وصادر ، وواخى الله بينه ~~وبين ميكائيل ، ملك الأرزاق على مذهب ابن مسرّة الجبليّ ، فإنّ حملة العرش ثمانية ~~يوم الفصل والقضاء ، أربعة منهم الملائكة الأربعة : جبرئيل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، ~~وعزرائيل ، وقد اختلف فيهم وفي الأنبياء الذين هم معه في حوله ، فجعل ابن مسرّة ~~إبراهيم مع ميكائيل . # قال رضي الله عنه : # ( فنحن له كما ثبتت %~% أدلَّتنا ونحن لنا) # يعني : نحن معاشر الكمّل قائمون بالحق على ما ثبتت الأدلَّة الكشفية ، فنحن ~~بحقائقنا الذاتية شؤون الحق وأحوال ، وفيه صور ونسب ذاتية له ، وكذلك من حيث ~~وجوداتنا المشهودة وإنائيّاتنا الظاهرة المعهودة الموجودة نحن لنا من حيث أعياننا ، ~~فإنّا من حيث صورنا العينية تماثيل وأشخاص وجوده لحقائقنا وأعياننا العينية . # قال رضي الله عنه : # (وليس له سوى كوني %~% فنحن له كنحن بنا) # يعني : ليس للحق مظهر أتمّ وأكمل من الإنسان الجامع وهو الإنسان الكامل . # أو الإنسان المفصّل وهو العالم فنحن بمظهرياتنا وعبدانيّاتنا وظهوره بنا كنحن من ~~حيث أعياننا وحقائقنا قائمون بصور وجوده . # فنحن لوجوده الحق في الوجود العيني كنحن له من حيث أعياننا في الوجود العلمي ~~العيني ، فهو باطننا ونحن ظاهره قائمون به وبوجوده ، وهو ظاهر بنا وفينا أو بالعكس ~~، فلا ننفكّ عنه ولا ينفكّ عنّا . # قال رضي الله عنه : # (فلي وجهان هو وأن %~% وليس له أنا بأنا) # يعني رضي الله عنه - : أنّ « أنا » لفظ لا يصلح لإنائيّته إلَّا لفظا لا حقيقة ، ~~وظهور إنائيته حقيقة في الوجود العيني إنّما هو بالإنسان الكامل . # لأنّ الإنسان الكامل له وجه إلى الحق المطلق وهو باطنه وهويته الغيبية . # ووجه أيضا كذلك إلى العالم وهو إنائيته وظاهريته ، وحيث لا تصلح لفظة « أنا » ~~لظهور إنائيته - تعالى - فظهورها في إنّيّات الموجودات كلَّها تفصيلا أسمائيا ، وفي ~~إنائية الإنسان الكامل جمعا ذاتيّا . # قال رضي الله عنه : # ( # ولكن في مظهره %~% فنحن له كمثل إنا) # يعني رضي الله عنه : ظهور إنائيّة الحق حقيقة في ، لأنّي إناء تعيّنه الجامع ~~الأفضل ، وشخص إنّيّته الشامل الأكمل ، فالإنسان الكامل للحق كالإناء ، فإنّه ظاهر ~~فيه ، ومتعيّن به كتعيّن ما في الإناء بالإناء ، فإنّيّته لهوية الحق إناء ، فافهم ~~. # وقد قلنا في هذا المقام ، شعر : # يقولون لون الماء لون إنائه %~% أنا الآن من ماء إناء بلا لون. # " وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ " # . ### | فص حكمة حقية في كلمة إسحاقية ### | 06 . فصّ حكمة حقّية في كلمة إسحاقية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قد ذكر سرّ استناد الحكمة إلى الكلمة في الفهرس ، فليطلب من ثمّ . # ثم قال رضي الله عنه : # فداء نبيّ ذبح ذبح لقربان %~% وأين ثؤاج الكبش من نوس إنسان ؟ # يعني رضي الله عنه : نفسي فداء لنبيّ جعل ذبحا عن ذبح قربان أمر إبراهيم عليه ~~السّلام أن يقرّبه قربانا لله تعالى . # وأنّه عليه السّلام إنّما أمر أن يذبح قربانا يناسب سرّ قربانه بنفسه من حيث ~~حقيقة الإسلام الذي هو الانقياد الحقيقي الكلَّي لله من كلّ وجه وهو ذبح النفس ، ~~تفدية وقربانا لخليله الذي أسلم له. # ويحقّ أن يكون النفس الكاملة قربانا للحق وهذا سرّ كماليّ إلهيّ يقتضيه مقام ~~الخلَّة ، فظهر هذا السرّ على يدي إبراهيم بالقربان الذي وقع به الذبح ، أعني الكبش ~~الظاهر بصورة ابنه . # وكان في الحقيقة كبشا هو صورة سرّ إسلام إبراهيم وابنه . # قال : « وأين ثؤاج الكبش من نوس إنسان ؟ » يستبعد رضي الله عنه : قيام الكبش في ~~وقوع الذبح به قربانا لله ، والذبح بكسر الذال هو المذبوح قربانا لله ، ولمّا تصوّر ~~الكبش بصورة ابنه في منامه ، قصد عليه السّلام ذبحه قربانا لله . # وسرّ ذلك أنّ الخليل عليه السّلام لمّا أسلم لله حقّ الإسلام ، أراد أن يقرّب ~~بنفسه ، إذ لم يكن عنده أعزّ من نفسه وهو حقيقة الإسلام ، قال : "إِنَّ الله ~~اشْتَرى من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ~~يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ " . 111 سورة التوبة # وكما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم - حين تحقّق بالفناء الكلَّي في الله ~~بسرّ الإسلام : « وددت أن أقاتل في سبيل الله ، فأقتل ، ثمّ أحيا ، ثمّ أقاتل فأقتل ~~، ثم أحيا فأقاتل ، فأقتل ». # فهذه ثلاث مراتب للحقيقة الإسلامية المحمدية ، فإنّ له مبدأ وسطا ونهاية . # فمبدأ التقرّب بالمال وما له في سبيل الله ، # والوسط الخروج والتقرّب بجسمانيته لله تعالى ، # والغاية التقرّب بروحه ونفسه إن كان له نفس . # فلمّا قام إبراهيم عليه السّلام بحقيقة الإسلام ، همّ أن يتقرّب بنفسه إلى الله ، ~~بعد خروجه من ماله ، فكشف الله له عن سرّ إسلامه أنّه صورة استسلامه وانقياده لله ، ~~وأنّه مؤهّل لأسرار أخر أكمل منه أوّلها الإسلام - وهو الانقياد الجسماني - ثم ~~الإيمان ، ثم الإحسان ، ثم الولاية ، ثم النبوّة ، ثم الرسالة ، ثم الخلافة - ~~وأوّلها الإمامة والخلَّة - ثمّ الاستخلاف ولا نهاية للدرجات الأكملية. # ففداه الله بذبح عظيم وهو الكبش ، لمناسبته في سلامة النفس واستسلامه للذبح ~~بالفاني عن نفسه ، المقرّب بروحه لله وتشخّص لإبراهيم في المنام بصورة ابنه عليه ~~السّلام لأنّه صورة سرّ إسلام إبراهيم والولد سرّ أبيه ، ولهذا أسلم نفسه للقتل " ~~فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّه ُ لِلْجَبِينِ " أوحي إليه أنّ المؤهّل للذبح ظاهرا هو ~~الكبش لا الإنسان ، فإنّ الإنسان قائم بحقيقة الأمر وباطن السرّ ، حيث فني عن نفسه ~~، وأسلم حقيقة لربّ العالمين . # "" أضاف الجامع يقول الشيخ الشعراني في الطبقات الكبرى عن سيدي علي وفا وولده : ~~أي ظهر، وتجلى لها عين معنى قولا لملائكة لجده إبراهيم عن جده إسحاق " بشرناك بالحق ~~" بعد ما سموه غلاما عليما، والولد سر أبيه ، وهذا هو المراد بإتمام النعمة عليه، ~~وعلى آل يعقوب ثم إنه عرفه أن الربوبية له من دائرة العليم الحكيم فقال: " إن ربك ~~عليم حكيم " فافهم،أهـ . "" # "" قال كمال الدين عبد الرزاق القاشاني : "واعلم أن النيّات وهيئات النفس مؤثرة ~~في نفس الولد, كما أن الأغذية مؤثرة في بدنه. فمن كان غذاؤه حلالاً طيباً وهيئات ~~نفسه نورية ونيّاته صادقة حقانيّة, جاء ولده مؤمناً صديقاً أو وليّاً أو نبيّاً. ~~ومن كان غذاؤه حراماً وهيئات نفسه ظلمانية خبيثة ونياته فاسدة رديئة جاء ولده ~~فاسقاً أو كافراً خبيثاً. إذ النطفة التي يتكوّن الولد منها متولدة من ذلك الغذاء, ~~مربّاة بتلك النفس, فتناسبها. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الولد سرّ ~~أبيه ".أه "" # وأمّا صورة هذا السرّ في الشاهد فإنّما هو الكبش ، أوجده الله للذبح على يد ~~الإنسان وفيه كماله ، وبذلك يبلغ درجة الإنسان ، فافهم . # قال - رضي الله عنه - : # وعظَّمه الله العظيم عناية %~% بنا أو به لا أدر من أيّ ميزان ؟ # قال العبد : أسقط الياء - وفيه لطف تسويغ لذلك مع سوغان « لم أدر » أو « لم يدر » ~~مبنيّ # للمفعول - ، احترازا عن محذور وهو نفي ما هو ثابت عنه وتحقّق ، لعلمه رضي الله ~~عنه - : # أنّ نيابة الكبش عن خليفة الله في القربات لمناسبة صحيحة بينه وبين الإنسان ، ~~فعظَّمه الله أي الفداء بما أقامه مقام أشرف عبيده في أشرف القربات إليه ، تشريفا ~~له بذلك وتشريفا وتعظيما للصورة الإنسانية التي إبراهيم وابنه عليها أن يقتل أو يقع ~~عليه الذبح . # فإنّها صورة الله ، فهي أعظم أن يقرّب به لعظمة صورة الله التي هو عليها ، فقوله ~~: « لا أدر » مع درايته إشارة منه إلى أنّ الوجهين معا صادقان في ذلك . # قال رضي الله عنه : # ولا شكّ أنّ البدن أعظم قيمة %~% وقد نزلت عن ذبح كبش لقربان # يريد رضي الله عنه أنّ قيمة البدن أعظم من الكبش بالضعف وأكثر ، رعاية لجانب ~~الفقير ، ولهذا تجزي في الضحايا عن سبعة ، ولكن ليست البدن مخلوقة للاستسلام - كما ~~مرّ - دون أمر ، فإنّ البدن تركب وتحلب وقد تذبح للقربان ، والغنم ليس إلَّا للذبح ~~،والحلب والنتاج تبع لذلك بخلاف البدن. # قال رضي الله عنه : # فيا ليت شعري كيف ناب بذاته %~% شخيص كبيش عن خليفة رحمان ؟ ! # يحرّض رضي الله عنه على دراية هذا السرّ الذي استقصينا القول في بيانه ها هنا ، ~~وقبله في شرح فصّ إبراهيم في الفهرست ، فانظر . # قال رضي الله عنه : # ألم تر أنّ الأمر فيه مرتّب %~% وفاء لإرباح ونقص لخسران ؟ # يعني رضي الله عنه : أنّ الأقدار في قيم الأشياء مرتّبة ، فمن فدي نفسه في سبيل ~~الله بذات غالية القيمة ، عالية المنزلة ، فهو أعلى وأغلى ، فمن يفدى بما دون ذلك ~~فكان ينبغي أن يفدى بالبدن كما فدي والد رسول الله ، عبد الله بن عبد المطَّلب على ~~ما عرف واشتهر ، ولكنّ السرّ ما ذكرنا . # قال رضي الله عنه : # فلا خلق أعلى من جماد وبعده %~% نبات على قدر يكون وأوزان # وذو الحسّ بعد النبت والكلّ عارف %~% بخلَّاقه كشفا وإيضاح برهان # وأمّا المسمّى آدما فمقيّد %~% بعقل وفكر أو قلادة إيمان # بذا قال سهل والمحقّق مثلن %~% لأنّا وإيّاهم بمنزل إحسان # يريد رضي الله عنه : أنّ الكبش وإن نزل من كونه حيوانا على درجة الإنسان الكامل ، ~~وينقص في الدلالة والمعرفة والمظهرية عن الكامل ، ولكنّه أعلى من الإنسان الحيوان ، ~~لكون الكبش عارفا بخلَّاقه كشفا وبالذات والحقيقة ، لا بالفكر والعقل كالإنسان ~~الحيوان . # فإنّ معرفة العارف من الإنسان الحيوان معرفة نظرية استدلاليّة وقد لا تطابق ~~الواقع في نفس الأمر ، لإمكان وقوع خلاف نظره واستدلاله في نظر ذي نظر واستدلال آخر ~~من وجه آخر ، بخلافه دلالة الحيوان ومعرفته الذاتية الفطرية التي فطره الله عليها ، ~~إذ لا خلاف في ذلك أصلا ، لكونه فطر عليه. # فإن قلت : وكذلك الإنسان ، فطره الله على معرفته . # قلنا : نعم ، ولكنّ الإنسان الحيوان غيّر معرفته الفطرية ، وما زج بها وخلطها ~~بتصرّفات فكرية ، وحركات إراديّة نفسية ، ومعنى قوله تعالى : "فِطْرَتَ الله ~~الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها " . # أنّ المعنيّ ب " الناس " الكمّل ، لا الإنسان الحيوان إلَّا من حيث ما أشار إليه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « كلّ مولود يولد على الفطرة - وبرواية - على ~~فطرته ، فأبواه يهوّدانه ويمجّسانه وينصّرانه » لحديث . # وأعلى المخلوقات في هذا الكشف والمعرفة المعدن والجماد ، لكونه أبقى وأدوم على ~~هذه المعرفة الذاتية الفطرية ، وليس فيه أصلا تغيّر عن جبلَّته الفطرية ما دام ذاته ~~، # والجماد كامل التأتّي والقبول الانقيادي الذاتي لكلّ ما تصرّف فيه متصرّف عليهم ~~بمصارف تصريفه بلا تأبّ ولا تصرّف مخرج له عن كمال الانقياد والطاعة الذاتيّين لله ~~فاطر السماوات والأرض وما بينهما . # فالجماد أتمّ في هذا النوع من المعرفة ، فإنّه تحقّق بالذات والمرتبة والوجود أن ~~لا متصرّف إلَّا الله ، ولا تصرّف إلَّا لله ، فهو بالحقيقة والوجود والمرتبة ~~مستسلم ، منقاد ، قابل ، مطوع لما أراد الله منه . # ودونه في المرتبة النبات النموّ ولكن تلك الحركة الطبيعية الفطرية بالنموّ تضاف ~~إليه عرفا ، فيقال فيه : إنّه جسم نام ، فذلك نوع تصرّف طبيعي زاد على أصل الفطرة ~~التي للجماد ، وبهذا تنقص معرفته عن معرفة الجماد . # وكذلك الحيوان ذو الحسّ والحركة الإرادية ، ينقص في المعرفة المذكورة عن النبات ، ~~لزيادة تصرّف وحركة في الحيوان بحيوانيته ، فينقص بقدر ما زاد على الجماد الثابت ~~على أصل المعرفة الفطرية ، وعلى النبات بل بالضعف . # ثم الإنسان الحيوان ينقص عن سائر الحيوان والنبات والجماد في هذه المعرفة النزيهة ~~الفطرية الإلهية غير المتغيّرة بالآثار النفسية والتصرّفات العرضية غير الذاتية ، ~~وفي الحيوان تحقّق بها الغنم ، فانظر كمال انقياده واستسلامه لأمر الله بالذبح فيه. # فإن لم تشهد ما يشهدك الله فآمن بما قال الصحابيّ عن بدن النبيّ صلَّى الله عليه ~~وسلَّم حين أمر النبيّ عليه السّلام بتقريبها لله قرابين : إنّها جعلت يزدلفن إليه ~~بأيّهنّ يبدأ في قربانه . # فكن يا أخي ! إمّا من أرباب القلوب الذين يشهدون الله بقلوبهم ، ويشهدون الأمر ~~على ما هو عليه الأمر في نفسه عند الله . # أو ألق السمع وأنت شهيد ، تحظ بدرجة الإيمان . # إن لم ترق إلى ذروة فلك الإحسان ، وهو العلم والشهود والكشف والعيان ، التي ~~أوتيها الإنسان أعني الكامل فقام بمظهريته الجامعة الكاملة لله . # وعرفه حقّ المعرفة حين قصر عن ذلك الإنسان الحيوان وسائر المخلوقات في الأرضين ~~والسماوات ، ومن المبدعات جميع الروحانيات السفليات والعلويات ، ولكنّ الإنسان ~~الحيوان تصرّف في فطرته الظاهرة ، وأحدث أحكاما بعقله ووهمه ، أو بموجب حدسه وظنّه ~~وفهمه في زعمه ومبلغ علمه وإيمانه ، وكشفه مقيّدا لمطلق ، وحصره في مقتضى مدركه ~~وموجب # فكره وعقله ، وجرمه بجرمه في حكمه فكان من " بِالأَخْسَرِينَ أَعْمالًا . ~~الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ ~~يُحْسِنُونَ صُنْعاً ". # فلهم الفرض والتقدير والحسبان ، ولنا بحمد الله التحقيق والإيمان ، والكشف ~~والعيان ، والشهود والإيقان ،والعلم والبيان ،والحمد لله وليّ الإحسان. # قال رضي الله عنه : # فمن شهد الأمر الذي قد شهدته %~% يقول بقولي في خفاء وإعلان # ولا تلتفت قولا يخالف قولن %~% ولا تبذر السمراء في أرض عميان # هم الصمّ والبكم الذين أتى بهم %~% لأسماعنا المعصوم في نصّ قرآن # يعني رضي الله عنه : من شهد الحقّ متعيّنا في الأعيان الوجودية ، عرف أنّ ~~دلالاتها على الحق ذاتية فطرية ، وعلومها بموجدها بموجب وجودها وفطرها لا بموجب ~~فكرها ونظرها ، وهذا العلم هو المعتبر عند معتبرها ، ومن لم يشهدها كذلك ، فقد شهد ~~حجابيّات الأشياء ، ولم ير الحق الموجود المشهود ، فعمي عن الحق ، فإذا أخبر بخلاف ~~مدركه ، لم يسمع فهو الأصمّ ، وليس له أن ينطق بالحق عن الحق ، فهو أبكم ، ولذلك ~~نفى الله عن المحجوبين السمع والبصر والعقل والبيان والنطق منفيّا عندهم وهو شهود ~~وجه الحق في كل مشهود ، والسماع عن الحق في كل نطق وناطق ، والنطق بالحق كذلك ، ف " ~~لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ~~وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها " فافهم . # قال رضي الله عنه : اعلم أيّدنا الله وإيّاك أنّ إبراهيم الخليل عليه السّلام قال ~~لابنه : # " إِنِّي أَرى في الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ " والمنام حضرة الخيال فلم يعبّره ~~، وكان كبشا ظهر في صورة ابن إبراهيم في المنام ، فصدّق إبراهيم الرؤيا ، ففداه ~~ربّه من وهم إبراهيم بالذبح العظيم الذي هو تعبير رؤياه عند الله وهو لا يشعر ، ~~فالتجلَّي الصوري في حضرة الخيال يحتاج إلى علم آخر به يدرك ما أراد الله بتلك ~~الصورة . # ألا ترى كيف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في تعبيره الرؤيا : « ~~أصبت بعضا وأخطأت بعضا » . فسأله أبو بكر أن يعرّفه ما أصاب فيه وما أخطأ ، فلم ~~يفعل صلى الله عليه وسلم . # قال العبد : حضرة المثال وحضرة الخيال حضرة تجسّد المعاني والحقائق والأرواح ~~والأنفس وحقائق الصور والأشكال والهيئات الاجتماعية ، فمن رأى صورة أو شكلا أو هيئة ~~ولم يعبّرها ولم يؤولها إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الشكل أو الصورة والهيئة التي رأى ~~في الرؤيا ، فقد صدّق الرؤيا . # ومن عبّرها صدق في الرؤيا حيث أعطى الحضرة حقّها فعبّرها ، فلو عبّر إبراهيم ~~رؤياه صدق أنّ الذبح هو الكبش ولم يكذب الذبح الواقع بابنه ، ولكن كان كبشا ظهر في ~~صورة ابنه ، فصدّقها ، فأراد إيقاع الذبح بابنه فما صدق ، أي لم يقع ، وسنذكر سبب ~~ذلك . # قال رضي الله عنه : وقال الله لإبراهيم حين ناداه : " أَنْ يا إِبْراهِيمُ . قَدْ ~~صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ". # وما قال له : قد صدقت في الرؤيا أنّه ابنك ، لأنّه ما عبّرها ، بل أخذ بظاهر ما ~~رأى ، والرؤيا تطلب التعبير . # يعني رضي الله عنه : صدّقت تجسّد الذبح بصورة ابنك ، وليس كذلك ، فإنّ الرؤيا ~~تطلب التعبير والتفسير . # قال رضي الله عنه : ولذلك قال العزيز : " إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ " ~~ومعنى التعبير الجواز من صورة ما رآه إلى أمر آخر ، فكان البقر سنين في المحل ~~والخصب . # يعني : كانت البقرة العجاف سبع سنين في المحل ، والسمان في الخصب . # فلو صدق في الرؤيا ، لذبح ابنه ، وإنّما صدّق الرؤيا في أنّ ذلك عين ولده ، وما ~~كان عند الله إلَّا الذبح العظيم في صورة ولده ، ففداه لما وقع في ذهن إبراهيم عليه ~~السّلام ما هو فداء في نفس الأمر عند الله ، فصوّر الحسّ الذبح ، وصوّر الخيال ابن ~~إبراهيم عليه السّلام . # يعني : أنّ إبراهيم لمّا صدق في حقيقة إيمانه بالله وإسلامه له ، عوّده الله ~~بتجسيد الوحي والأمور له على صورة ما كان يرى في منامه ، فكان عليه السّلام يرى ~~رؤيا غير هذا المشهد ، فيقع في الحسّ رؤياه على صورة ما كان يرى عليه السّلام من ~~غير تعبير يحوج إلى تفسير وتأويل وتعبير ، فصدّق بحكم ما اعتاد هذه الرؤيا أيضا على ~~صورة ما رأى من غير تعبير ، وكان الله قد ابتلاه في ذلك بلاء حسنا ، أي اختبره ، ~~بمعنى أعطاه الخبرة ، فإنّ الله كان خبيرا خبرة مبيّنة ، جلية الأمر ومبيّنة عن ~~كشفه مقتضى الوهم والخيال بالفكر . # فلمّا ظهر صدق إيمانه وصدقه في إسلامه وإسلام ابنه في تصديق رؤيا أظهرها الله له ~~، وأبان صدق ما رأى ، ففداه بذبح عظيم ، فعلم إبراهيم عليه السّلام أنّ الذي رآه في ~~نومه على صورة ابنه كان الذبح العظيم لا ابنه ، لأنّه ذبح ما رأى في المنام ، فلمّا ~~كذب صورة الذبح الذي رآه ، فلم يقدر على ذبح ابنه ، حقّق الله له صورة الذبح ، ~~وصدّق إبراهيم ففداه بالذبح العظيم ، ووقع به صورة الذبح ، فعلم عليه السّلام عند ~~ذلك أنّ ما رأى كان كبشا في صورة ابنه ، لمناسبة ذكرنا ، فتذكَّر . # قال رضي الله عنه : " فلو رأى الكبش في الخيال ، لعبّره بابنه أو بأمر آخر " . # يعني رضي الله عنه : كما عبّر الحق له رؤياه بما فداه بالذبح ، فكذلك لو رأى أمرا ~~في صورة الذبح ، لعبّره بذلك الأمر وهو إسلامه أو بابنه أنّه صورة إسلامه ، لكون ~~الولد سرّ أبيه . # قال : « ثم قال : " إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ " آيه 37 سورة الصافات ~~. أي الاختبار الظاهر ، يعني الاختبار في العلم : هل يعلم ما يقتضيه موطن الرؤيا من ~~التعبير أم لا ؟ # لأنّه يعلم أنّ موطن الرؤيا يطلب التعبير ، ففعل ، فما وفّى الموطن حقّه ، وصدّق ~~الرؤيا لهذا السبب . # كما فعل تقيّ بن مخلَّد ، الإمام صاحب المسند ، سمع في الخبر الذي ثبت عنده أنّه ~~عليه السّلام قال : « من رآني في المنام ، فقد رآني في اليقظة ، فإنّ الشيطان لا ~~يتمثّل على صورتي » فرآه تقيّ بن مخلَّد وسقاه النبيّ صلَّى الله عليه وسلم في هذه ~~الرؤيا لبنا فصدّق تقيّ بن مخلَّد رؤياه ، فاستقى ، فقاء لبنا ، ولو عبّر رؤياه ، ~~لكان ذلك اللبن علما ، فحرمه الله العلم الكثير على قدر ما شرب . # ألا ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي في المنام بقدح لبن قال : « فشربته حتى ~~خرج الرّيّ من أظافيري ثم أعطيت فضلي عمر . قيل : ما أوّلته يا رسول الله ؟ # قال : « العلم » وما تركه لبنا على صورة ما رآه ، لعلمه بموطن الرؤيا وما تقتضي ~~من التعبير" . # قال العبد : اعلم أنّ الأمور المغيبة عن العبد إذا أراد الله أن يطلع العبد عليها ~~ويشهده ما شاء منها قبل الوقوع ، فإنّه تعالى يمثّل له ذلك في منامه في صورة مناسبة ~~لذلك الأمر في المعنى ، كظهور العلم الفطري في صورة اللبن ، لكون اللبن غذاء لصورته ~~الجسدية من أوّل الفطرة ، كالعلم الذي هو غذاء روح المؤمن من أوّل فطرة الروح . # وكذلك الماء والعسل والخمر صور علم الوحي والإلقاء والحال ، إذا جسد الله لعبده ~~هذه الحقائق على هذه الصور ، فينبغي أن يكون صاحب كشف الصور الذي يجسّد الله ويمثّل ~~له المعاني والأمور الغيبية صورا مثالية وأمثلة جسدية محسوسة من الله على علم آخر ~~من الكشف المعنوي يكشف عن وجه ذلك المعنى المعنيّ له قناع الصور والأمثلة الإلهية ، ~~وهو كشف عال ، وعلم شريف ، يؤتيه الله من شاء من عباده المصطفين المعتنين ، ليس علم ~~التعبير الذي يأخذونه من كتب التعبير . # وذلك أيضا بالنسبة إلى أوّل معبّر علَّمه الله تأويله كرسول الله صلَّى الله عليه ~~وسلَّم ويوسف الصدّيق عليه السّلام وابن سيرين ومعبّر قرطبة في هذه الأمّة وغيره ~~ممّن وجد العلم من عند الله ، وأخذه منه من مشايخ الصوفية والمحقّقين منّا . # قال : "وقد علم أنّ صورة النبيّ التي شاهدها الحسّ أنّها في المدينة مدفونة ، ~~وأنّ صورة روحه ولطيفته ما شاهدها أحد من أحد ولا من نفسه . كلّ روح بهذه المثابة " ~~. # يعني رضي الله عنه : أنّ الصورة العنصرية المشهودة في الحسّ مدفونة في المدينة لا ~~تتعلَّق رؤية أحد بها ، والصورة الروحانية النورية التي لروحه صلَّى الله عليه وسلم ~~في مظهريته لله تعالى لا يراها أحد من غير رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولا من ~~نفسه أنّه يظهر بتلك الصورة المقدّسة ، لكونها خاصّة بالنبيّ صلى الله عليه وسلم . # وكذلك صورة روح كلّ أحد ، لا يتمثّل بها وفيها إلَّا روحه لا روح أحد غيره . # قال رضي الله عنه : " فيتجسّد للرائي روح النبيّ في المنام بصورة جسده » يعني ~~بصورة مثالية شبيهة بصورة جسده كما مات عليه لا يخرم منه شيئا فهو محمّد صلى الله ~~عليه وسلم المرئيّ من حيث روحه في صورة جسدية تشبه المدفونة لا يمكن لشيطان أن ~~يتجسّد بصورة جسده ، عصمة من الله في حق الرائي ، ولهذا من رآه بهذه الصورة ، يأخذ ~~عنه جميع ما أمر به ، ونهاه عنه أو يخبره ، كما كان يأخذ عنه في الحياة الدنيا من ~~الأحكام على حسب ما يكون منه اللفظ الدالّ عليه من نصّ أو ظاهر أو مجمل أو ما كان ~~." # يعني رضي الله عنه : لا تأويل لما قاله ، بل يقتصر على مدلول لفظه صلَّى الله ~~عليه وسلَّم لكون المراد ذلك المدلول لا غير ، ولو كان المراد غيره ، لقال لفظا ~~دالَّا على ذلك ، فما في الأمر جهل . # قال رضي الله عنه : " فإن أعطاه شيئا ، فذلك الشيء هو الذي يدخله التأويل ،فإن ~~خرج في الحسّ كما كان في الخيال فتلك رؤيا لا تعبير لها ". # قال العبد : إذا نزل على روح الرائي من الغيب أمر ، ظهر في الروح عكس ذلك الأمر ~~انعكاسا نفسيّا ، ثم ينعكس عكس ذلك إلى مخيّلته ، فيتشكَّل ويتصوّر في الحسّ ~~المشترك على صورة عكس العكس ، فيشبه الأصل ، فيخرج المنام في الحسّ على صورة ما رآه ~~في المنام ، وهو كشف صوريّ ، فلا تعبير له . # قال رضي الله عنه: " وبهذا القدر وعليه اعتمد إبراهيم الخليل عليه السّلام وتقيّ ~~بن مخلَّد . ولمّا كان للرؤيا هذان الوجهان ، وعلَّمنا الله فيما فعل بإبراهيم وما ~~قال له الأدب لما يعطيه مقام النبوّة ، علمنا في رؤيتنا الحق تعالى في صورة يردّها ~~الدليل العقلي أن نعبّر تلك الصورة بالحق المشروع ، إمّا في حق الرائي ، أو المكان ~~الذي رآه فيه ، أو هما معا ، فإن لم يردّها الدليل العقلي ، أبقيناها على ما ~~رأيناها ، كما نرى الحقّ في الآخرة سواء " . # يعني رضي الله عنه : أنّ الحق إذا تجلَّى لشخص في صورة يردّها الدليل العقلي ، ~~أوّلناه بالحق المشروع ، كما رأى بعض المسلمين الصالحين في بلاد الغرب الحق في ~~دهليز بيت له ، فلم يلتفت إليه ولطمه في وجهه ، فلمّا استيقظ قلق قلقا شديدا . # فجاء الشيخ رضي الله عنه وأخبره بما رأى وفعل ، فلمّا رأى الشيخ على ذلك الرائي ~~من القلق أمرا عظيما ، فقال له الشيخ : أين رأيته ؟ # قال : في بيت لي اشتريته ، # قال الشيخ :ذلك الموضع مغصوب وهو حق للحق المشروع ، اشتريته ولم تجعل مالك منه ~~ولم تف حقّ الشرع ، فاستدركه . # ففحص الرجل عن ذلك ، فإذا هو من وقف المسجد وقد بيع بغصب والرجل لم يعلمه ولم ~~يلتفت إلى أمره ، فلمّا تحقّق ، ردّه إلى وقف المسجد ، واستغفر الله . # فمثل هذا إذا رئي ، دخله التأويل والتفصيل ، وإذا تجلَّى الحق في صورة لا يردّها ~~الدليل العقلي ، فقد تجلَّى لنا ورأيناه بحمد الله ، كما نراه في الآخرة كالبدر ، # وكما يتجلَّى لأهل المحشر في صورة تنكر ويتعوّذ منه ويعرف ويسجد له سواء بلا فرق ~~في الحكم . # قال - رضي الله عنه : # فللواحد الرحمن في كلّ موطن %~% من الصور ما يخفى وما هو ظاهر # فإن قلت هذا الحقّ قد تك صادق %~% وإن قلت أمرا آخرا أنت عابر # وما حكمه في موطن دون موطن %~% ولكنّه بالحق للخلق سافر # أي عابر من صورة ما رأيت إلى ما يؤول إليه تأويل الصورة ، يعني رضي الله عنه : ~~أنّ الحق إذا تجلَّى في موطن ، فليس ذلك الموطن أولى بتجّليه من موطن آخر ، إذ ~~المواطن بالنسبة إلى الحق على السواء ، ولكنّه تعالى بحقيقته يسفر عن وجه الحق ~~للخلق ، هذا ظاهر مدلول العبارة. # وثمّ معنى لطيف كأنّه رضي الله عنه : إليه يومئ ، وهو أنّ الحق إذا تجلَّى لك أو ~~للخلق ، فإنّما يتجلَّى من العين الثابتة التي للخلق ، فقد سفر في تجلَّيه بحقيقته ~~ووجوده عن وجه الحق ، أي كشف صورة العين الخلقية الكونية ، وهي شأن من شؤونه ، كما ~~مرّ ، فقوله : « سافر للخلق » يعني كاشف لصورة عين المتجلَّى له من الخلق . # قال رضي الله عنه : # إذا ما تجلَّى للعيون تردّه %~% عقول ببرهان عليه تثابر # يعني رضي الله عنه: إذا كان التجلَّي في صورة محسوسة ، وإذا كان حقّا في هذا ~~الطور ، وعند الله في نفس الأمر ، ولكنّ العقل يتعاظم ذلك بالوهم ، ويستكبر ويبرهن ~~بالتنزيه الوهمي ، على أنّه ليس بحق ، فإنّه يتعالى [ عن ] أن يظهر محسوسا في زعمه ~~للحسّ في مبلغ علمه وإذن جاز في حقّه الجهة ، وحازه الحيّز والوجهة ، وأنّه يتعالى ~~عن ذلك علوّا كبيرا ، هذا غايتهم في برهانهم ، وهو عند التحقيق تنزيه وهمي ، ~~وتحكَّم على الحقيقة بموجب عقله الفكري ، والحقّ نزّه نفسه عن هذا التنزيه. # فإنّه تبارك وتعالى مع أنّه تجلَّى عن التقيّد بالجهة لذاته . # فإنّه سبحانه متجلّ عن كلّ جهة ، غير متخلّ عن وجهة ، وإلَّا انحصر في اللاجهة ، ~~وحدّ بخارج الجهة ، وهو ظاهر بكل أو جهة ، باطن عن كل وجهة ، لعدم انحصار حقيقته في ~~الظهور بالجهة والبطون في اللاجهة ، "فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه ُ الله " ~~ولكنّه غير مدرك للمقيّدين بمقتضى أفكارهم والمتعشقين بأوطانهم العرفية والعادية ، ~~وأغطائهم الضنكة الاعتقادية وأوكارهم ، وهم المقيّدون للمطلق الذات في زعمهم ، ~~والمتحكَّمون عليه بالانحصار والتحديد في مبلغ علمهم بوهمهم ، وتتعالى الذات ~~المطلقة والمطلق الذات عن كل قيد وحصر ، تتعلَّق بكل حدّ وطور في حكم معيّن ، أو ~~أمر موزّن بميزان نظري ، مقنّن بقانون فكري عقلا وحسّا تخمينا أو حدس " ما قَدَرُوا ~~الله حَقَّ قَدْرِه ِ " ، ولا وفوا النظر حقّه في حقّه . # قال رضي الله عنه : # ويقبل في مجلى العقول وفي الذي %~% يسمّى خيالا والصحيح النواظر # يعني رضي الله عنه : الرؤية إذا كانت في صورة عقلية غير محسوسة ولا متكيّفة ~~بكيفية تشبه شيئا فيها ، فالفكر والمبرهن بفكره يقبلانها ويقبلان عليها ، ولا ~~ينكرانها ، وكذلك إذا رأى في المنام خيالا ، أي صورة خيالية ، فإنّ العقل يجيزه ~~ويقبله ويأخذه مقصورا على موطن الرؤيا ويعبّره ، والصحيح كشفا شهود العيون النواظر ~~إليه في صورة تجلَّياته ظاهرا . # كما قال : " وُجُوه ٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ . إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ " فالنواظر ~~غير المحجوبة نواظر للحق ، نواظر إلى الحق ، غير حاصرة له فيما ترى وتجلَّى لها . # قال رضي الله عنه : « يقول أبو يزيد البسطاميّ في هذا المقام : لو أنّ العرش وما ~~حواه مائة ألف ألف مرّة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ به هذا وسع أبي يزيد ~~في عالم الأجسام ، بل أقول : [ لو ] أنّ ما لا يتناهى وجوده [ يقدّر انتهاء وجوده ] ~~مع العين الموجدة له في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ به في علمه" . # قال العبد : كلّ ما دخل في الوجود أو ما وجد إلى الإنسان - مثلا - فهو متناه ~~محدود محصور ، وكذلك لو قدّر ما لا يتناهى متناهيا ، لكان الظاهر المتعيّن من الحق ~~المطلق بإيجاد هذا المقدّر انتهاؤه من الممكنات بالنسبة إلى ما لم يتعيّن بالإيجاد ~~من غيب الحق اللامتعيّن تعيّنا معيّنا ، وكلّ متعيّن محصور محدود بنفس تعيّنه ~~وتميّزه من المطلق ، وقلب العارف الحقيقي لا يمتلي بتعيّن معيّن ، بل هو في محاذاة ~~الحق المطلق أبدا . # قال - رضي الله عنه - : « فإنّه قد ثبت أنّ القلب وسع الحقّ ومع ذلك ما اتّصف ~~بالرّيّ ، فلو امتلأ ارتوى . [ وقد قال ذلك أبو يزيد ] " . # يعني رضي الله عنه : يظهر العارف - من مطلق قابليته وقلبه لكل تجلّ من تجلَّيات ~~الحق - مجلى يقبل به إلى التجلَّي فيقبله ، ولا ينقص ذلك من مطلق قابليته التي في ~~مقابلة مطلق الغيب الذاتي أصلا ، ولا يمتلئ بذلك فلو امتلأ ارتوى ، والمحقّق ~~المحنّك لا يرتوي ، وقد قال ذلك أبو يزيد البسطاميّ سلام الله عليه ، بل الرجل من ~~يتحسّى بحار السماوات والأرض ولسانه خرج يلهب عطشا . # يعني رضي الله عنه : أنّ تجلَّيات الحق الظاهر في السماوات والأرض لا يرتوي لها ~~العارف ، فإنّه لا يحسّ بتجلَّيات الحق المتعيّن في العرش والكرسي اللذين فيهما ~~السماوات السبع والأرضون السبع كحلقة ملقاة في أرض فلاة ، فانظر ما ذا ترى . # قال رضي الله عنه : « ولقد نبّهنا على هذا المقام بقولنا : # يا خالق الأشياء في نفسه %~% أنت لما تخلقه جامع # تخلق ما لا ينتهي كونه فيك %~% فأنت الضيّق الواسع # يشير - رضي الله عنه - : إلى الأحديّة الذاتية ، بمعنى أنّه هو الموجود وحده ليس ~~لغيره حقيقة ولا وجود حقيقة ، فليس خلقه للأشياء خارجا عنه ، إذ لا خارج عنه ، ~~لكونه هو هو وحده ، فلا خارج ولا داخل ، فهو جامع بذاته في نفسه لما يخلقه من الصور ~~، # لأنّه أحديّة جمع الجميع ، فالكلّ فيك ، ولولاك لما كان له وجود " إِنَّ الله ~~يُمْسِكُ السَّماواتِ " النورية الأسمائيّة الإلهية والسماوات الروحانية العلوية " ~~وَالأَرْضَ " الخلقية الجسمانية " أَنْ تَزُولا " أي تزول الصورة العلوية السماوية ~~والسفلية الأرضية - على ما ذكرنا - عن الوجود بانقطاع التجلَّي النوري الوجودي ، ~~فإنّ الكلّ - مع قطع النظر عن التجلَّي عنه - يرجع بالطبع إلى عدميّة عينه " ~~وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما من أَحَدٍ من بَعْدِه ِ إِنَّه ُ كانَ حَلِيماً ~~" عند غلوّ صور الأشياء على الوجود الحق الحامل الممسك لها " غَفُوراً " . # أي ساترا بصور الأشياء وجه الوجود الحق المتعيّن فيها ، وإظهاره لها بظهور وجهه ~~فيها لمن لا يرى غير وجه الحق من كل جهة ووجهة يخلق ما لا يتناهى كونه ، أي من صور ~~الأشياء فيك أي في عين الوجود الحق من نفسك ونفسك ، فإنّه أنت الواسع الذي وسعت ما ~~لا يتناهى من الممكنات غير المتناهية والأسماء الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء كذلك ~~بما لا يتناهى له من وجودك الحقّ المفاض على صور الموجودات وماهيّاتها ومع عدم ~~تناهي الكلّ ، فلا خارج عنك فلا محيص ولا مناص ولا محيد ولا مهرب ولا مخرج لها عنك ~~، لضيق الأشياء التي وسعتها ، فأنت من كونك عينها تسعها من حيث أنت أحديّة جمعها ، ~~وتضيق عن نفسك من حيث هي وأنت هي حين ضاقت عنك ، فضاق بعضها عن بعضها ، فأنت الضيّق ~~بهذا الاعتبار ، وأنت الواسع بالاعتبار الأوّل . # قال رضي الله عنه : # لو أنّ ما قد خلق الله م %~% لاح بقلبي فجره الساطع # في البيت تقديم وتأخير ، وتقديره : لو أنّ ما قد خلق الله بقلبي - أي لو كان فيه ~~- ما ظهرت لائحة مع سطوع نوره الوجودي الذي وسع المخلوقات . # قال رضي الله عنه : # من وسع الحق فما ضاق عن %~% خلق فكيف الأمر يا سامع ؟ # يعني رضي الله عنه: لمّا وسع قلبي الحق الذي وسعت رحمته كلّ شيء فأنّى يضيق عن ~~خلق وسعه من وسعه وهو الله ؟ ، قال الله : ما وسعني أرضي ولا سمائي ، ووسعني قلب ~~عبدي المؤمن . # قال رضي الله عنه : « بالوهم يخلق كلّ إنسان في قوّة خياله ما لا وجود له إلَّا ~~فيها ، وهذا هو الأمر العامّ ، والعارف يخلق بالهمّة ما يكون له وجود خارج محلّ ~~الهمّة ، ولكن لا تزال الهمّة تحفظه ، ولا يؤودها حفظه أي حفظ ما خلقه ، فإذا طرأ ~~على العارف غفلة عن حفظ ما خلق ،عدم ذلك المخلوق إلَّا أن يكون العارف قد ضبط جميع ~~الحضرات وهو لا يغفل مطلقا. # بل لا بدّ له من حضرة يشهدها ، # قال الشيخ رضي الله عنه : فإذا خلق العارف بهمته ما خلق وله هذه الإحاطة ظهر ذلك ~~الخلق بصورته في كلّ حضرة ، وصارت الصور يحفظ بعضها بعضا ، فإذا غفل العارف عن حضرة ~~ما أو عن حضرات » . # يعني من حضرات الوجود علوا وسفلا " -وهو شاهد حضرة ما من الحضرات ، حافظ لما فيها ~~من صور خلقه - انحفظت جميع الصور بحفظ تلك الصورة الواحدة في الحضرة التي ما غفل ~~عنها ، لأنّ الغفلة ما تعمّ قطَّ لا في العموم ولا في الخصوص". # قال العبد : خلق العارف بالهمّة هو باستجماعه في فكره ووهمه على إيجاد أمر ، ~~وتعليق الهمّة بذلك وتسليط النفس عليه ، فإنّ الهمّة خلَّاقة ، وحيث كان موجب وجود ~~ذلك الخلق جمعيّة الهمّة على وجوده ، وجمعيّة القلب ، واستجماع قواه ، والحضور ، ~~فيجب استصحاب الموجب ، حتى يبقى مخلوق الهمّة ، بخلاف خلق الله ، فإنّه ليس ~~باستجماع القوى ، ولكن لا بدّ من توجّهات الأسماء ثمّ أيضا ، وليس بالحضور الكلَّي ~~معه من جميع الوجوه . # فإنّه لا يعزب عنه شيء أصلا ، بخلاف من يخلق بالهمّة ، فإنّه مهما غفل عمّا خلق ، ~~بطل موجب ظهور المراد في خلقه ، فبطل المخلوق بالهمّة ببطلان موجبه ، ولكنّ العارف ~~إذا لم يغفل مطلقا بل إن غفل عنه من وجه كان حاضرا به من جهة أخرى ، حفظ - بما حضر ~~في حضرة - ما غفل عنه من جهة حضرة أخرى . # مثاله اجتمع عارف بقلبه وعلوّ همّته بكون أو خلق وتكوين كلَّي أو جزوي ، فإنّه - ~~بمداومة تعليق الهمّة وتسليط النفس بجمع الهمّ والوهم - وجد خارج محلّ الهمّة ذلك ~~الأمر المراد ، ولكن استمرار وجوده يتوقّف على استمرار موجبه وهو الحضور والجمعيّة ~~، فمهما غفل انخلع الوجود عن تلك الأمور ولا سيّما إذا علَّق همّته بكون ، ثمّ غاب ~~عن موطن الحسّ وحضرة الشهادة بالنوم مثلا ، فلا يبقى موجب ظهور ذلك الأمر ، لعدم ~~تعلَّق همّته بذاك إذ ذاك ، فيعدم ، ولكنّ العارف بعالم الحسّ وعالم الخيال والمثال ~~وارتباط بعض هذه الحضرات بالبعض بالحق لا يغفل عن صورة ما خلق في حضرة الحسّ وهو في ~~عالم المثال أو في الخيال ، يشهدها مخلوقة فيها موجودة فيحفظها ، فينحفظ بتلك ~~الصورة المثالية أو الخيالية صورته الحسّيّة ، فافهم ، إن شاء الله ، ففيه دقّة ، ~~فالطف وتلطَّف . # قال رضي الله عنه : « وقد أوضحت هنا سرّا لم يزل أهل الله يغارون على مثل هذا أن ~~يظهر ، لما فيه من ردّ دعواهم أنّهم الحق ، فإنّ الحق لا يغفل والعبد لا بدّ له أن ~~يغفل عن شيء دون شيء ، فمن حيث الحفظ لما خلق ، له أن يقول : « أنا الحق » ولكن ما ~~حفظه لها حفظ الحقّ . # قال العبد : إنّما يغارون على ظهور مثل هذا السرّ على أن يطَّلع عليه الدخيل ~~المدّعي فيعلم الفرق بين الخلقين والحفظين فيردّ عليهم . # قال رضي الله عنه : « فقد بيّنّا الفرق ، ومن حيث ما غفل عن صورة أو حضرتها فقد ~~تميّز العبد من الحق ، ولا بدّ أن يتميّز - مع بقاء الحفظ لجميع الصور - بحفظه صورة ~~ما واحدة منها في الحضرة التي ما غفل عنها ، فهذا حفظ بالتضمّن ، وحفظ الحق ما خلق ~~ليس كذلك ، بل حفظه لكلّ صورة على التعيين ، وهذه مسألة أخبرت أنّه ما سطرها أحد في ~~كتاب لا أنا ولا غيري إلَّا في هذا الكتاب ، فهي يتيمة الوقت و فريدته ، فإيّاك أن ~~تغفل عنها ، فإنّ تلك الحضرة - التي يبقى لك الحضور فيها مع الصورة مثلها مثل ~~الكتاب الذي قال الله فيه : " ما فَرَّطْنا في الْكِتابِ من شَيْءٍ " ، فهو الجامع ~~للواقع وغير الواقع ، ولا يعرف ما قلناه إلَّا من كان قرآنا في نفسه " . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ الإنسان الكامل هو الجامع لجميع الحضرات ، فإذا غاب ~~عن الحسّ ودخل عالم المثال ، فإنّ حضوره يستصحب معه صورة ما غاب عنه في الحسّ بعد ~~خلقه بهمّته ، فيحضر بمثال صورة ما غفل عنه ، فيبقى ذلك المخلوق في الحسّ موجودا ، ~~وهذا ليس إلَّا للجامع الكامل ، وله درجة القرآنية الجمعية الأحدية ، والأبرار ~~والمتّقون بالتقوى العرفي يجعل الله لهم فرقانا ،والمقرّبون لهم القرآن الجامع ، ~~وفرقانهم أرفع فرقان وتقواهم أعظم تقوى . # قال رضي الله عنه : "فإنّ المتّقي الله يجعل له فرقانا ، وهو مثل ما ذكرنا في هذه ~~المسألة فيما يتميّز به العبد من الربّ ، وهذا الفرقان أرفع فرقان " . # قال رضي الله عنه : « فـ وقتا يكون العبد ربّا بلا شكّ » .يعني : الربوبية ~~العرضية - من كونه ربّ المال والملك والملك - عرضت للعبد منه ، فحالت بينه وبين ~~تحقّقه بالعبدانية المحضة التي ما شابها ربوبية ، ولا شأنها تصرّف وألوهية . # قال رضي الله عنه : # « ووقتا يكون العبد عبدا بلا إفك » # يشير - رضي الله عنه - : إلى أنّ العبد إذا شاب عبوديته ربوبيّته ، فعبوديته ~~وعبدانيته بالإفك ، ما هي خالصة ، لأنّ العبدانية لو كانت خالصة لله ما شابها ~~ربوبية ، كما يكون العبد في وقت لا يتّصف فيه بالربوبية ، ولم يضف إلى نفسه فعلا ~~ولا أثرا ، وأمسك عن التصرّفات النفسية إلَّا ما أمر به الشرع ، فافهم . # ثم اعلم : # أنّ الوقت الذي يكون العبد الكامل فيه ربّا هو وقت خلافته عن الله ، فإذا نصّ على ~~خلافته فهو الجامع إذن بين العبودية العظمى والربوبيّة الكبرى ، عبد لله ربّ ~~للعالمين بالخلافة ، فإنّ الخليفة على صورة مستخلفه ، وربّه يخلقه ربّا للعالمين ، # وصورته التي خلقه - أي الخليفة - عليها هي الربوبية ، فافهم . # والوقت الذي يكون العبد عبدا بلا إفك هو زمان استخلافه لله بعد أنّ الله كان ~~مستخلفا له ، وكان خليفة الله ، فصار مستخلفا لمستخلفه تحقّقا بالعبودية العامّة ~~والمعرفة التامّة . # كقوله صلَّى الله عليه وسلم في هذا المقام : « اللَّهمّ أنت الصاحب في السفر ، ~~والخليفة في الأهل » فخلَّف الله على أهله ، وهو صاحبه في سفره إليه ومنه وفيه ، ~~فافهم ، فهو الجامع بين الخلافة والاستخلاف ، وهو مقام الخلَّة العظمى ، الذي أشار ~~إليه الخليل ، إنّما كنت خليلا من قراء وراء ، وهو ظاهر الخلافة المحمدية اذهبوا ~~إلى محمّد ، فإنّه الخليل والحبيب ، فإنّ الخليفة إذا شغل بخلافته لله ، أحبّه الله ~~. # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آخر أمره - وهو على الطرفاء: # إنّي أبرأ إلى الله أن أتّخذ أحدا منكم خليلا ، ولو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا ~~بكر خليلا ، إنّ الله اتّخذني البارحة خليلا كما اتّخذ إبراهيم خليلا ، أوتيت ~~مفاتيح خزائن السماوات والأرض » . # قال رضي الله عنه : # فإن كان عبدا كان بالحق واسع %~% وإن كان ربّا كان في عيشة ضنك # فمن كونه عبدا يرى عين نفسه %~% وتتّسع الآمال منه بلا شكّ # قال العبد : # إذا تحقّق الإنسان الكامل بالاستخلاف وتثبّت في مركزية فلك العبودية العظمى ، كان ~~بلا شكّ واسعا بالحق ، ووسعه الحق بكل شيء ، فإنّه في وكالة الحق وكفالته بربوبيته ~~، وهو ربّ بالحقيقة ، فتتّسع آمال العبد في الله حقيقة ، فإنّ للآمال والآملين في ~~فيحاء فضاء ربوبيته - تعالى - مجالا جليلا ، وظلَّا ظليلا ، وإن كان ربّا وظهر ~~بربوبية عرضيّة ، لزمه القيام بربوبية من ظهر بعبوديته ، وحينئذ لم يقم بذلك حقّ ~~القيام ، فإنّ الخليفة وإن كان فيه جميع ما يطلبه الرعايا ، ولكن ذلك غير ذاتي له ، ~~بل مجعول فيه وله ، فقيامه بربوبيّة العالم بجعل الله وإن كان قبول ذلك باستعداد ~~غير مجعول . # ولكنّ الفرق بين الربوبية الذاتية والربوبية العرضية بيّن وإن كان الكلّ حقا ~~للكلّ في الحقيقة ، ولكن لكل من الكلّ مستند أصيل في الكلّ هو له ذاتي كالنقائص ~~والمذامّ والانفعال والتأثّر والفقر والعبودية ، فإنّها ذاتية للعبد والكون ، ~~وللموجود الحق من حيث تعيّنه في العبد لا بالذات ، وللكون من حيث اتّصافه بالوجود ، ~~فافهم . # قال رضي الله عنه : # ومن كونه ربّا يرى الخلق كلَّه %~% يطالبه من حضرة الملك والملك # يعني - رضي الله عنه - : إذا ظهر بربوبية الخلافة ، توجّه الملك والملكوت ~~والجبروت بمطالبة حقوقها منه ، إذ لا بدّ للخليفة أن يقوم بجميع ما للرعايا ، ولا ~~شكّ أنّه يعجز عن ذلك ، لكون ربوبيته غير ذاتية . # قال رضي الله عنه : # ويعجز عمّا طالبوه بذاته %~% لذا كان بعض العارفين به يبكي # وفي أكثر النسخ « لذا تر بعض العارفين » لعلمه بعدم قيامه بربوبية العالم - وفيه ~~حذف الياء من « ترى » فكان يبكي حين طولب بما لم يحضره بالفعل في بعض الأوقات . # قال - رضي الله عنه - : # فكن عبد ربّ لا تكن ربّ عبده %~% فتذهب بالتعليق في النار والسبك # . ### | فص حكمة علية في كلمة إسماعيلية ### | 07 - فصّ حكمة عليّة في كلمة إسماعيلية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قال رضي الله عنه : ( اعلم أنّ مسمّى الله أحديّ بالذات ، كلّ بالأسماء ) . # قال العبد : يعني رضي الله عنه : أنّ المسمّى بالله في ذاته واحد أحد ، له أحدية ~~جمع قهرت وغلبت الجمع ، فكان أحديا بالذات . # فهو وإن كان بالذات أحديّا لكنّه واحد ، وله نسب ذاتية كثيرة ، فإنّه نصف الاثنين ~~، وثلث الثلاثة ، وربع الأربعة وغير ذلك من النسب التي لا تتناهى ، والواحد عين ~~الكلّ في الوجود والكلّ فيه واحد ، فهو كلّ بهذه النسب ، لأنّه أحدية جمع الجمع ، ~~فهو بذاته كامل الذات بالذات . # قال رضي الله عنه : ( فكلّ موجود ماله من الله إلَّا ربّه خاصّة ، يستحيل أن يكون ~~له الكلّ ) . # يريد رضي الله عنه : أنّ الموجودات كلَّها وإن كانت تحت ربوبية الله وإلهيته ~~والله هو ربّ الأرباب ، ولكن كل جنس جنس ، ونوع نوع ، وشخص شخص ، له حصّة خاصّة من ~~مطلق ربوبية الله . # تربّيه وتقوم له بربوبية خاصّة لا تصلح لا تصلح إلَّا لذلك الموجود المخصوص ، ~~كالربوبية الظاهرة من مطلق ربوبية الله للنيّر الأعظم مثلا وعليه وفيه وبه ربوبية ~~بالملك والألوهة والسلطنة والغلبة والنور والحياة والتسخير وما يلائم ويشاكل هذه ~~الحقائق ، والتي تختصّ بالمرّيخمثلامن العلويات ربوبية القهر والغلبة والشدّة ~~والاستعلاء والقتل والفتك والإحراق والظلم والجور وما شاكل ذلك . # فهذه حقائق قامت بربوبية المرّيخ ، تستدعي من الله تعيّن الربوبية بالنسبة إليه ~~فيه وعليه من حضرة الاسم : القادر ، القويّ ، القاهر ، الشديد ، الغالب ، ومنه وفي ~~المخلوقات المنسوبة إلى فلكه الغالب على أمزجتهم وأخلاقهم وأفعالهم وآثارهم ما ~~ذكرنا من الحقائق ، فافهم إن شاء الله. # وكذلك الربوبية الخصيصة بالمشتري ، فأرواح ذلك وملائكته بخلاف جميع ما ذكر في ~~المرّيخ من العلم والحلم والصلاح والعفّة والرحمة والرأفة واللطف والطاعة لله ~~والعبادة وما شاكل ذلك ، فيتعيّن من مطلق الربوبية لكلّ واحد من المربوبين العلويات ~~والسفليات ربوبية خاصّة ، وهي حصّة من مطلق الربوبية ، فإنّ ذلك الموجود من النوع ~~أو الشخص الإنساني مظهر لله ربّ العالمين من حيث تلك الربوبية الخاصّة ، وهو لها ~~كالتمثال والصورة الظاهرة ، فإن عبد فهو حجابية ذلك الاسم وصورته ، والحق من حيث ~~ذلك الوجه ربّه . # قال رضي الله عنه: (فلكل شخص اسم هو ربّه ذلك الشخص جسم وهو قلبه فيستحيل أن يكون ~~لكل واحد واحد مجموع ما للربوبيّة الكلَّية الإلهية الأحدية الجمعيّة . ) # قال رضي الله عنه : (وأمّا الأحدية الإلهية فما لأحد فيها قدم ، لأنّه لا يقال ~~لواحد منها : شيء ،ولآخر منها : شيء ،لأنّها لا تقبل التبعيض ). # يعني رضي الله عنه: أنّ الأحدية الذاتية القائمة بمسمّى الله لا تنقسم ولا تتبعّض ~~ولا تتجزّأ ، فهي الذات الأحدية الجمعية . # قال رضي الله عنه: ( فأحدية الله مجموع كلَّه بالقوّة ) . # يعني رضي الله عنه: أنّ جميع الربوبيات المتعيّنة في جميع المربوبين من جميع ~~الحضرات الإلهية الأسمائية في الأحدّية الذاتية الإلهية بالقوّة والإجمال ، قد ~~تفصّلت فيهم وبهم بالفعل . # قال رضي الله عنه: ( والسعيد من كان عند ربّه مرضيّا ، وما ثمّ إلَّا من هو مرضيّ ~~عند ربّه ، لأنّه الذي يبقي عليه ربوبيّته ، فهو عنده مرضيّ ، فهو سعيد ) . # ولهذا قال سهل رضي الله عنه : إنّ للربوبية سرّا وهو أنت يخاطب كلّ عين عين لو ~~ظهر لبطلت الربوبية . # فأدخل عليه « لو » وهو حرف امتناع لامتناع ، فهو يعنى ذلك السرّ لا يظهر فلا تبطل ~~الربوبية ، لأنّه لا وجود لعين إلَّا بربّه ، فالعين موجودة دائما ، فالربوبية لا ~~تبطل دائما " . # يريد رضي الله عنه: أنّ الربوبية لمّا كانت من الحقائق الإضافية ، فلا تحقّق لها ~~إلَّا بطرفيها ، فيتوقّف ظهورها على عبد مربوب ، والمفهوم من الربوبية عرفا أن ~~يتوقّف عليها المربوب ، ولمّا لم تظهر إلَّا في كل عين عين من المربوبين ، كان كلّ ~~عين عين سرّها الموجب لظهورها وتحقّقها ، فلو ظهر هذا السرّ لبطلت الربوبية ~~المفهومة عرفا ولم تبطل حقيقة ، لأنّ الأعيان لا تظهر أبدا ، بل هي على حالها في ~~غيب الله ، فلا تبطل الربوبية أبدا . # قال رضي الله عنه: ( وكلّ مرضيّ محبوب ، وكلّ ما يفعل المحبوب محبوب ، فكلَّه ~~مرضيّ ، لأنّه لا فعل للعين ، بل الفعل لربّها فيها ، فاطمأنّت العين أن يضاف إليها ~~فعل ، فكانت راضية بما يفعل فيها وعنها من أفعال ربّها ، مرضيّة تلك الأفعال ، لأنّ ~~كل فاعل وصانع راض عن فعله وصنعته ، فإنّه وفّى فعله وصنعته حقّ ما هي عليه ) . # قال العبد : لمّا كان المربوب هو الذي يظهر ربوبية الربّ ، ويبقي عليه ربوبيّته ، ~~ومطلوب الربّ من المربوب أن يكون مظهرا له يظهر فيه أفعاله وآثاره ، كما يحبّ ويرضى ~~، فقامت عين المربوب بما أراد ربّه منه من إظهار عينه ، فكان مرضيّا محبوبا لقيامها ~~بما أحبّ ورضي. # والعين تحت الربوبية مسخّرة طوعا ، مطمئنّة قد مكَّنت ربّها الظاهر فيها أن يظهر ~~عليها وعنها أفعاله ، فالفعل فيها إذن للربّ لا لها ، والربّ راض بفعله ، لعلمه أنّ ~~ذلك الفعل المطلوب المحبوب لا يمكن وجوده إلَّا في هذا المربوب المحبوب ، فرضي ~~الربّ عن عبده ، ورضي العبد عن ربّه في كل ما فعل فيه وبه ، فهو راض مرضيّ محبوب . # قال رضي الله عنه: (" أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَه ُ ثُمَّ هَدى " ، أي بيّن أنّه ~~أعطى كلّ شيء خلقه ، فلا يقبل النقص والزيادة ) . # لمّا رضي كلّ ربّمن الأسماء الإلهية وحقائق الربوبية من الأعيانمظهرا أظهر عليه ~~وفيه وبه أفعاله وآثاره ، كما يحبّ ويرضى ، وقد وفّى للمظهر حقّه ، فقد أعطى لكل ~~شيء خلقه بموجب ما تقتضي خليقته ، فبيّن له بفعل ربّها فيها أنّها كانت على هذا ~~الخلق والخلق الذي ظهر فيها وعليها . # قال رضي الله عنه: (فكان إسماعيل عليه السّلام بعثوره على ما ذكرناه"عِنْدَ ~~رَبِّه ِ مَرْضِيًّا " وكذا كلّ موجود عند ربّه مرضيّ ، ولا يلزم على ما بيّنّاه ~~إذا كان كل موجود عند ربّه مرضيّاأن يكون مرضيّا عند ربّ عبد آخر ، لأنّه ما أخذ ~~الربوبية إلَّا من كلّ ، لا من واحد ، فما تعيّن له من الكلّ إلَّا ما يناسبه ، فهو ~~ربّه خاصّة ، ولا يأخذه أحد من حيث أحديته). # يعني رضي الله عنه: أنّ حصّة كل أحد من مطلق الربوبية وإن كانت معيّنة مخصوصة ، ~~ولكنّها ما تعيّنت ولا تخصّصت إلَّا من الكلّ بحسب خصوصيته ، فناسب خصوص قابليته من ~~مطلق الربوبية ما اقتضته ، فرضي كل واحد من الربّ والمربوب بصاحبه ، لمناسبة معه ، ~~ولا يلزم أن يناسب تلك الربوبية المخصوصة بخصوصية عين أخرى ، هذا ما لا يكون له ~~أبدا ، فإنّ الخصوصيات تميّز بعضها عن بعضها بما به المباينة والامتياز ، فلا ~~يتشارك في الخصوصيات ، فتكون كل عين مرضيّة عند ربّها خاصّة ، فلو أخذت الربوبية من ~~واحد معيّن ، وأخذ منه كذلك غيرها ، لكانت الربوبية المعيّنة المخصوصة مشتركة . # ولكنّ المخصوصة غير مشتركة ، فما أخذت كلّ عين عين إلَّا من كلّ فيه مجموع ما ~~للكلّ بالقوّة ، فلا تظهر بالفعل إلَّا بما يعيّنها ، وما تعيّنها إلَّا خصوصيات ~~الأعيان بحسبها . # قال رضي الله عنه: ( ولهذا منع أهل الله التجلَّي في الأحدية ، فإنّك إن نظرته به ~~فهو الناظر نفسه ، فما زال ناظرا نفسه بنفسه ، وإن نظرته بك فزالت الأحدية بك ، وإن ~~نظرته به وبك فزالت الأحدية أيضا لأنّ ضمير التاء في « نظرته » ما هو عين المنظور ، ~~فلا بدّ من وجود نسبة ما اقتضت أمرين : ناظرا ومنظورا ، فزالت الأحدية ، وإن كان لم ~~ير نفسه إلَّا بنفسه ، ومعلوم أنّه في هذا الوصف ناظر ومنظور ، فالمرضيّ ما يصحّ أن ~~يكون مرضيّا مطلقا إلَّا إذا كان جميع ما يظهر به من فعل الراضي فيه ) . # يعني سلام الله عليه: إذا امتنعت التجلَّيات في الأحدية ، فلا يظهر التجلَّي أبدا ~~من أحدية الذات ، فيه بكلّ ما تطلبه الاستعدادات ما يقتضيه ذاته ، لا غير ، فكل أحد ~~مرضيّ عند ربّه لا مطلقا ، فلو كان مرضيّا مطلقا ، لظهر به وفيه وعليه جميع ما ~~تطلبه الربوبية الكلَّية من الأفعال والأحوال والأخلاق والآثار ، وليس كل أحد بهذه ~~المثابة ، ولكنّ الإنسان الكامل الذي فيه جميع المظهريات بالفعل . # قال رضي الله عنه: ( ففضل " إسماعيل عليه السّلام غيره من الأعيان بما نعته الحقّ ~~به من كونه عند ربّه مرضيّا ، وكذلك كلّ عين مطمئنّة قيل لها : " ارْجِعِي إِلى ~~رَبِّكِ " فما أمرها أن ترجع إلَّا إلى ربّها الذي دعاها فعرفته من الكلّ "راضِيَةً ~~مَرْضِيَّةً . فَادْخُلِي في عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي " من حيث ما لهم هذا ~~المقام . # والعباد المذكورون هنا كلّ عبد عرف ربّه ، واقتصر عليه ، ولم ينظر إلى ربّ غيره ~~مع أحدية العين لا بدّ من ذلك ، وهو ظاهر). # يعني رضي الله عنه: العباد الذين فيهم تدخل النفس المطمئنّة تحت أوامر ربّها ~~ونواهيه وأفعاله ، إذا دعيت إلى ربّها ، فأجابت النداء راضية مرضيّة فلا بدّ أن ~~تدخل فيهم ، فإنّ المقام بينها وبينهم لكونهم جميعا راضين مرضيّين مطمئنّين مدعوّين ~~. # قال رضي الله عنه: (« وادخلى جنّتى » التي بها ستري ، وليست جنّتي سواك ، فأنت ~~تسترني بذاتك ، فلا أعرف إلَّا بك ، كما أنّك لا تكون إلَّا بي ، فمن عرفك عرفني ~~وأنا لا أعرف فأنت لا تعرف ، فإذا دخلت جنّته ، دخلت نفسك ، فتعرف نفسك معرفة أخرى ~~غير المعرفة التي عرفتها حين عرفت ربّك بمعرفتك إيّاها ). # فتكون صاحب معرفتين : معرفة به من حيث أنت ، و معرفة به بك من حيث هو ، لا من حيث ~~أنت » . # قال العبد : اشتقاق الجنّة من الستر ، وكلّ جنّة تجنّ أرضها بما عليها من النبات ~~والشجر ، وهي بالنسبة إلى الجنّة مقامات ومنازل تلائمهم كلّ الملاءمة ، فكلّ عبد ~~مرضيّ عند ربّه يلائمه بكونه مظهرا له في جميع ما يحبّ ويرضى أن يظهر فيه وبه ، فهو ~~جنّة ربّه حيث ظهر ، وستر هو في مظهريته . # فجعل العبد نفسه وقاية لربّه وجنّة له من الأفعال والآثار المذمومة عند من لا ~~يرضاها من الأرباب والعبيد ، فأضاف إلى نفسه جميع المذامّ وهي بالأصالة أفعال وآثار ~~لربّه فيه ، فصار وقاية ربّه عن ألسنة أهل الذمّ والمذامّ ، وهدفا لسهام الطعن ~~والملام ، وجعل ربّه وقاية له في جميع المحابّ والمحامد. # فأضافها جميعا إلى ربّه جنّة له ، فلا تضاف المحامد إليه من حيث هو ، بل إلى ربّه ~~، واستتر هو بربّه عن إضافة المحامد ، كما ستر ربّه به عن المذامّ ، فكما أنّ العبد ~~لا يكون موجودا إلَّا بربّه ، إذ هو كون . # فكذلك الربّ لا يكون ظاهرا متعيّنا في عينه إلَّا بالعبد ، فهو مظهر ومظهر ، ~~والناظر فيه وبه ، فينظره فلا يعرف إلَّا به ، وإذ قد ثبت أنّ الله لا يعرف ~~بالحقيقة ، فعبده الذي هو مظهره الأكمل لا يعرف بغيره . # فإذا نادى كلّ ربّ عبده إليه ، وأمره بالدخول في جنّة ربّه ، دخّل العارف نفسه ، ~~فيعرف أنّه مظهره ومجلاه ، وهو عبده وهو مولاه ، وهو عرشه ومستواه ، ولا ينفكّ ربّه ~~يحبّه ويرضاه ، # ولا يزال عبده يعرفه ويهواه ، فلا بدّ لكلّ منهما عن الآخر كما قلنا في هذا ~~المقام . # شعر : # فم انفكّ يرضاني بكل محبّة %~% وما زلت أهواه بكلّ مودّة # فممتنع عنه انفصالي وواجب %~% وصالي بلا إمكان بعد وقربة # فحينئذ يعرف العبد نفسه لربّه وبه غير المعرفة المعيّنة الأولى ، وفي هذه المعرفة ~~يضاف إليه كلّ ما يضاف إلى ربّه من الكمالات ، ويضاف إلى ربّه كلّ ما يضاف إليه من ~~المظهريات ، فيعرف نفسه بربّه بعد معرفته ربّه بنفسه طردا وعكسا ، جمعا وفرادى ، ~~دائما أبدا ، فيعرف ربّه ونفسه من حيث ربّه لا من حيث هو ، وكان يعرف ربّه من حيث ~~نفسه لا من حيث ربّه ، فحصل له الجمع بين المعرفتين ، والتحقّق بالحسنيين . # قال رضي الله عنه : ( « فأنت عبد وأنت ربّ" # لمن له فيه أنت عبد %~% وأنت ربّ وأنت عبد ) # لمن له في الخطاب عهد »أنت عبد له من حيث ظهور سلطانه عليك ، وأنت ربّ له من حيث ~~ظهور سلطانك به على من دونك وعليه أيضا من حيث إجابته لسؤالك ، فما أنت على كل حال ~~إلَّا تعيّنا من تعيّناته وتجلَّيا من تجلَّياته ، وأنت ربّ أيضا من حيث ظهور ~~الربوبية بك وفيك لربّ خاطبك بخطاب " أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ". # فقلت : بلى بين العباد الراضين بربوبيته ، المرضيّين عنده حين قالوا ما قلت ، ~~فنالوا ما نلت ،وما توجّه الخطاب من الأحديّ الذات إليك خاصّة. # قال رضي الله عنه : (فكلّ عقد عليه شخص يحلَّه من سواه عقدفإنّ عبد اللطيف ~~والرؤوف على عقد وعزيمة يحلّ العقد والعزيمة التي عليه القهّار والمعذّب ، وعبد ~~الظاهر على اعتقاد وعلم يحلَّه عبد الباطن ، وهكذا بين جميع المربوبين والأرباب من ~~غير تخليط ولا تخبيط بين المقامات والعقائد) . # قال رضي الله عنه: ( فرضي الله عن عبيده ، فهم مرضيّون ، ورضوا عنه ، فهو مرضيّ ، ~~فتقابلت الحضرتان تقابل الأمثال ، والأمثال أضداد ، لأنّ المثلين " يعني حقيقة " لا ~~يجتمعان ، إذ لا يتميّزان ، وما ثمّ إلَّا متميّز ، فما ثمّ مثل ، فما في الوجود ~~ضدّ ، فإنّ الوجود حقيقة واحدة ، والشيء لا يضادّ نفسه) . # قال العبد أيّده الله به: حضرات الأرباب تقابل حضرات العباد تقابل الأمثال ، وذلك ~~لأنّ كلّ واحدة من الحضرتين مرضيّة عند الأخرى راضية بها . # فالمثلية بين الحضرات تامّة ، فالتضادّ كذلك عامّ ، لتقابل إحداهما الأخرى تقابل ~~الضدّ الضدّ ، إذ المثل الحقيقي كالضدّ ، لعدم اجتماعه مع ضدّه أي بمثله حقيقة ، إذ ~~لا تميز لأيّهما فرضت عن الآخر ، وإذ لا تميّز فلا بينيّة ، وإذ لا بينية فلا ~~اثنينية ، فلا ضدّية ، فلا مثلية ، فما ثمّ إلَّا واحد ، فهو هو لا غيره ، فالوجود ~~حقيقة واحدة تعيّنت في مراتب متميّزة عقلا ، فما ثمّ عقلا إلَّا متميّز بخصوصه ، ~~فما ثمّ مثل يوجب الاثنينية ، فالمظهر عين الظاهر ، والظاهر عين المظهر ، فانظر ~~تشهد . # قال رضي الله عنه: (فلم يبق إلَّا الحق لم يبق كائن # فما ثمّ موصول وما ثمّ بائن %~% بذا جاء برهان العيان فلا أرى ) # بعينيّ إلَّا عينه إذ أعاين" ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه ُ " أن يكونه لعلمه ~~بالتمييز . # يعني رضي الله عنه : لمّا ثبت تميّز مرتبة الربّ عن مرتبة العبد ، خشي ربّه أن ~~يكونه لعلمه بالتمييز فوقف على مركز عبدانيته مرضيّا عند ربّه ، لكونه راضيا ~~بربوبيته له وعليه ، ورضي به ربّه له ، لرضاه بعبوديته وربوبيته ربّه وله وعليه ~~وفيه ، فافهم . # قال رضي الله عنه: (« دلَّنا على ذلك » أي على التمييز « جهل أعيان في الوجود بما ~~أتى به عالم ، فقد وقع التمييز بين العبيد » يعني بين العارف وغير العارف ). وهذا ~~أقلّ ما في الباب. # قال رضي الله عنه: ( « فقد وقع التمييز بين الأرباب ، ولو لم يقع التميّز لفسّر ~~الاسم الواحد الإلهي من جميع وجوهه بما يفسّر به الآخر ، و " المعزّ" لا يفسّر ~~بتفسير "المذلّ " إلى مثل ذلك ، لكنّه هو من وجه "الأحدية " ). # يعني رضي الله عنه: أنّه يفسّر الاسم الواحد من جهة أحدية الذات بما يفسّر به ~~غيره ضدّا كان أو ندّا ، لأنّه من حيث أحدية ذاته كلَّها ولا ضدّ له ولا ندّ ، ~~والأسماء أضداد وأنداد ، فافهم . # قال رضي الله عنه: (" كما تقول في كل اسم : إنّه دليل على الذات وعلى حقيقته من ~~حيث هو ، فالمسمّى واحد ، فالمعزّ هو المذلّ من حيث المسمّى ، والمعزّ ليس المذلّ ~~من حيث نفسه وحقيقته ، فإنّ المفهوم يختلف في الوهم من كل واحد منهما "). # قال العبد : تقرّر فيما مضى أنّ لكلّ اسم دلالتين : دلالة على الذات المسمّاة به ~~، ودلالة على حقيقة مخصوصة ، بها يمتاز عن غيره ، فـ بالأوّل هو المسمّى عينه فيوضع ~~ويحمل عليه سائر الأسماء كما هو مذهب ابن قسيّوب الثاني هو غيره لتميّزه عنه بخصوصه ~~، وإن كان خصوصه فيه أيضا . # قال رضي الله عنه: (فلا تنظر إلى الحق وتعريه عن الخلق ) # يعني رضي الله عنه: أنّ الخلقية تستدعي الحقّيّة وتستلزمها لزوم المربوبين ~~للأرباب واستلزام الأرباب للمربوبين ، فيجب على الناظر المحقّق أن يدقّق نظره ، ولا ~~ينظر إلى الحق الخالق الربّ الإله بلا مخلوق مربوب مألوه من الخلق . # قال رضي الله عنه: (ولا تنظر إلى الخلق %~% وتكسوه سوى الحقّ ) # يعني : أنّه إن نظرت إلى الخلق عريّا عن خلعة الوجود الحقّ ، رجع إلى عدميّته ~~الأصلية ، فإنّ الخلق لفظ معترى على الحق ، فإذا عرّيته عن الحق ، لم يبق ما تسمّيه ~~به ، وما الخلق إلَّا اختلاق ، فافهم . # وظهور الخلق في رأي العين وإن كان ظهور الآل " كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُه ُ ~~الظَّمْآنُ ماءً " إنّما هو بخلعة تجلَّي وجوده في بعض مراتب شهوده . # فلو نظرت بخلع الخلع الوجودية الحقيّة عنه ، لم يبق شيئا ولم يكن شيئ " حَتَّى ~~إِذا جاءَه ُ لَمْ يَجِدْه ُ شَيْئاً " ، فعند ذلك لو رزق الناظر بصرا حديدا ونظرا ~~شديدا وعلما جديدا ، لـ " وَوَجَدَ الله عِنْدَه ُ فَوَفَّاه ُ حِسابَه ُ " أنّ ~~الظهور والشهود والتعيّن والوجود له وحده ، عز وجلّ أن يكون معه غيره في وجوده الذي ~~هو هو . # قال رضي الله عنه: ( ونزّهه وشبّهه # وقم في مقعد الصدق %~% وكن في الجمع إن شئت ) # وإن شئت ففي الفرق يعني رضي الله عنه: إذا أثبت عبدا وربّا ، فقد أشركتهما في ~~الوجود ، وهذا عين التشبيه ، وإن قلت بوجودين خصيصين بالعبد والربّ على التعيين ، ~~فقد ثنّيت وميّزت حقيقة والحقيقة واحدة ليست إلَّا هي ، وإن نزّهت الحق أن يكون معه ~~غيره في الوجود مع وجودك فيه أو شهوده فيك ، أو قلت بهما معا دائما . # فقد نزّهت الحق حقّ التنزيه ، وتحقّقت بحقيقة التنزيه النزيه ، وشبّهت في موضع ~~التشبيه بعين التنزيه ، وقمت إذن في مقعد الصدق ، وقعدت على المقام الحقّ ، وإذا ~~عرفت أن لا وجود إلَّا لعين واحدة هو الحق ، فإن عدّدت فكنت في الفرق والخلق ، أو ~~وحّدت فكنت في الجمع المطلق . وأنت إذن أنت ولك ذلك . # قال رضي الله عنه: ( تحز بالكلّإن كلّ %~% تبدّى قصب السبق ) # يعني رضي الله عنه إذا كنت في الجمع ، فقد أثبّت ما لكلّ منهما لكلّ منهما، . # فأثبت وجود الحق خلقا ، وأثبت وجود الخلق حقّا ، وشهدت أيضا الحق حقّا والخلق ~~خلقا ، ولم يفتك إذ ذاك شهود ، فكنت أنت الحائز قصب السبق دونه ، فإنّ كل أحد ليس ~~إلَّا هو وأنت تشهد الإنّيّات في الهويّات ، والهويات في الإنّيات جمعا وجمع جمع ، ~~فأنت كما قال :فلا تفنى ولا تبقى # (ولا تفني ولا تبقي %~% ولا يلقى عليك الوحي ) # في غير ولا تلقي إذ لا غير ، بل منك من كونك هو ، إليك من كونك أنت ، وذلك أنّك ~~إذا كنت في مقامي الحقّية والخلقية ، والربوبية والعبودية معا ، غير حاصر ولا محصور ~~، بل مطلقا مطلقا ، فلا تفنى من كونك أحدهما أو هما معا في الآخر ، ولا تبقى على ~~إنّيّة مخصوصة معيّنة خلقية أو حقّية بلا خلقية أو حقية ، وكان شهودك إذن أنّه لا ~~يفنى الخلق عن الحق ، ولا يبقى الحق دون الخلق ، بل أثبتّهما واحدا لا معا في وجود ~~واحد ، فافهم . # وهذا غاية الحمد ، والحمد لله . # قال سلام الله عليه: (" الثناء بصدق الوعد، لا بصدق الوعيد، والحضرة الإلهية تطلب ~~الثناء المحمود بالذات "). # يعني رضي الله عنه : لمّا كان الثناء هو تعريف المثنى عليه بما هو عليه من النعوت ~~، فيصدق أن يكون التعريف بالمذموم أو بالمحمود ، ولكنّ الإلهية من كونها أحدية جمع ~~جميع الكمالات لها مرتبة تطلب الكمال بالذات ، فتطلب الثناء بالمحمود في الوعد ، إذ ~~لا يحمد موعد أو متوعّد على وعيده أو إيعاده . # قال رضي الله عنه: (" فيثنى على الحضرة الإلهية " بصدق الوعد لا بصدق الوعيد ، بل ~~بالتجاوز " فَلا تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِه ِ رُسُلَه ُ " ، لم يقل : ~~ووعيده ، بل # قال: " وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ " مع أنّه توعّد على ذلك ، فأثنى على ~~إسماعيل بأنّه كان صادق الوعد ، وقد زال الإمكان في حق الحق " ). # يعني سلام الله عليه : زال إمكان تحقيق وعيد بتحقّق تحقيق وعده . # قال رضي الله عنه: ( " لما فيه من طلب المرجّح " ) . # لأنّ إسماعيل إذا أثنى الحق عليه بصدق الوعد ومن جملة ما وعد الحق هو التجاوز ~~وعدم تنفيذ الوعيد " وَما نُرْسِلُ بِالآياتِ " آيات الوعيد " إِلَّا تَخْوِيفاً " ~~، ولعلَّهم يتّقون ، فما المرجّح إذن لإيقاع الوعيد وإيجاد عين الإيعاد مع سلامة ~~المعارض النافي لذلك وأن لا يثنى على الحق بصدق وعده مع صدق الثناء على إسماعيل ~~الذي هو من جملة صدق وعد الحق ، بل الثناء على الله ولله في الوجهين لمن فهم ، ~~والله الملهم . # قال رضي الله عنه: # (فلم يبق إلَّا صادق الوعد وحده %~% وما لوعيد الحق عين تعاين # وإن دخلوا دار الشقاء فإنّهم %~% على لذّة فيها نعيم مباين # نعيم جنان الخلد والأمر واحد %~% وبينهما عند التجلَّي تباين # يسمّى عذابا من عذوبة طعمه %~% وذاك له كالقشر والقشر صائن ) # قال العبد أيّده الله به : قرّررضي الله عنهأنّ مواعيد الله لعبيده لا بدّ من ~~تصديقه ، فإنّ الله يحقّق مواعيده بخلاف إيعاده وتهديده ، فإنّ الله يعفو ويتجاوز ~~ولا يؤاخذ بما أوعد وتوعّد ، كما قال بعض التراجم في مقام العفو . # شعر : # « وإنّي إذا أوعدته أو وعدته %~% لمخلف إيعادي ومنجز موعدي » # وبعد أن قرّر ما تقرّر بيّن وعيّن أنّ العبيد وإن استحقّوا العقاب ودخلوا دار ~~الشقاء وهي جهنّم فلا بدّ أن تسبق رحمته غضبه في الأخير ، فينقلب العذاب عذابا عند ~~أهل النار ، وأنّ عواقب أهل العقاب ، لا بدّ أن تئول إلى الرحمة بعد الأحقاب ، وذلك # لأنّ أهل النار الذين هم أهلها إذا أدخلوا كانوا على أحوال ثلاث : # فالأولى : يسلَّط فيها العذاب على ظواهرهم وبواطنهم ، فيكفّر بعضهم ببعض ، ويلعن ~~بعضهم بعضا ، ومأواهم النار ، وما لهم من ناصرين ، فيقول الضعفاء للذين استكبرو " ~~رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً من النَّارِ ". # وقالوا " أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوه ُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ " وقالو " إِنَّا ~~كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً من النَّارِ " و ~~" قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ ~~عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ". # وأمثال هذه المخاصمات والمحاكمات والمجاوبات في المخاطبات والمعاتبات التي يختصم ~~بها أهل النار في النار والعذاب ، قد أحاط بهم سرادق ناره وتسلَّط على ظواهرهم ~~وبواطنهم بشراره . # والحالة الثانية وهي الوسطى: لمّا يئسوا أن يخفّف عنهم العذاب ، وأسمعهم " ~~اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ " الخطاب ، فمكَّنوا أنفسهم أن لا بدّ من أن تعبر ~~عليهم بالعذاب والعقاب الأحقاب ، فطفق بعضهم يعتذر إلى البعض ، ويقيم كلّ منهم ~~أعذار الآخرة فيتحاللون ويقولون " سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما ~~لَنا من مَحِيصٍ " وقالو " بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ " وهم قد رضوا ~~بالعذاب ، ووطَّنوا نفوسهم على الصبر على العقاب ، وأراح الله عند ذلك بواطنهم عن ~~العذاب الشديد و" نارُ الله الْمُوقَدَةُ . الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ " ~~ورفع العذاب عن قلوبهم . # ثمّ الحالة الثالثة وهي الأخيرة وذلك بعد مضيّ الأحقاب ، إنّهم يتعوّدون بالعذاب ~~، وبالغون تعاقب العقاب ، حتى لا يحسّوا بحدّته ، ولا يتألَّموا بشدّته وطول مدّته ~~، ويلقي الله على أعضائهم وجلودهم الخدر ، حتى لا يحسّوا به ، ووضعهم في هذه الحالة ~~. # كما قال الله تعالى: " لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى " ، ثم يزداد تألَّفهم ~~وإلفهم بذلك. # حتى أنّهم يتغذّون به ولا يتعذّبون ، بل يعذب لهم عذابها ، فيلتذّون ويستعذبون ~~بحيث لو هبّ عليهم نفحة من صوب الجنّة وفوحة من نعيم الرحمة ، لعذّبوا وتألَّموا ~~وسئموا ذلك وتبرّموا كالجعل وتعوده وتغذّيه بالقاذورات وتعوّذه وتعذّبه برائحة ~~الورد. # فهذا لهم نعيم يباين نعيم أهل الجنان والحقيقة واحدة ، فإنّ التذاذه استعذاب ، ~~وارتفاع الآلام عذاب وعقاب ، فأهل النار في النار على نعيم يباين نعيم أهل الجنان ~~وإن وجدنا عند نسبة بعض التجلَّيات إلى البعضبين النعيمين بونا عظيما وتفاوتا بيّنا ~~عميما . # فإنّ نعيم أهل النار من رحمة أرحم الراحمين بعد مآل العذاب إلى النعيم ، والغضب ~~إلى الرحمة ، ونعيم أهل الجنان نعيم محض ولذّة خالصة ورحمة صافية من حضرة الرحمن ~~الرحيم ، وعين الامتنان الجسيم ، فافهم . # . ### | فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية ### | 08 - فصّ حكمة روحية في كلمة يعقوبية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # وقد ذكرنا المناسبة بين الحكمة الروحية والكلمة اليعقوبية في شرح فهرس الحكم ~~فليطلب من هناك . " " قال رضي الله عنه : حكمة روحية في كلمة يعقوبية . قال العبد : ~~" وحكمة إضافة هذه الحكمة إلى الروحية لأنّ الغالب على ذوق يعقوب عليه السّلام كان ~~علم الأنفاس والأرواح ، حتى ظهر في وصاياه وإخباراته ، مثل قوله : "إِنِّي لأَجِدُ ~~رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ". " # ووصيّى بنيه فقال : " لا تَيْأَسُوا من رَوْحِ الله إِنَّه ُ لا يَيْأَسُ من ~~رَوْحِ الله إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ " وذوق أهل الأنفاس عزيز المثال ، قد ~~جعل الله لهم التجلَّي والعلم في الشمّ . # قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : " إنّي لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن ". # قيل : إنّه عليه السّلام ، كنى بذلك عن الإبصار وهم صور القوى الروحانية التي ~~نضرتهم على صور القوى الطبيعية ، واليمن أيضا من اليمين ، وهو إشارة إلى الروحية ~~وعالم القدس ." # قال رضي الله عنه: ) الدين دينان : دين عند الله وعند من عرفه الحق تعالى ومن ~~عرفه من عرف الحق تعالى . ودين عند الخلق وقد اعتبره الحق ، فالدين الذي عند الله ~~هو الذي اصطفاه الله وأعطاه الرتب العليّة على دين الخلق ، فقال تعالى : "وَوَصَّى ~~بِها إِبْراهِيمُ بَنِيه ِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ الله اصْطَفى لَكُمُ ~~الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ". أي منقادون إليه # قال رضي الله عنه : ( وجاء الدين بالألف واللام لتعريف العهد ، فهو دين معلوم ~~معروف ، وهو قوله تعالى: " إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإِسْلامُ " ، وهو الانقياد ~~، فالدين عبارة عن انقيادك " . # قال العبد : اعتبر اشتقاق الدين من ثلاثة أوجه كلَّها موجود فيه : # الأوّل : هو الانقياد ، يقال : دان له ، أي انقاد لأمره وخضع له ، فالدين هو ~~الانقياد الكلَّي ظاهرا وباطنا ، أمّا ظاهرا فبإتيان ما أمر الله في كتابه وعلى ~~لسان رسوله ، وأمّا باطنا فبتصديق أنبائه وأخباره والإيمان بها من غير توقّف فيه ، ~~ولا ريب ولا ريث ،. # كما قال :" فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ ~~بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ~~وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً " وهذا حقيقة انقياد الباطن أن لا يبقى في النفس حرج ممّا ~~قضى الله ورسوله ، ويسلَّم له في أخباره وأحكامه تسليما كلَّيا حقيقيا ، ويطلق ~~الدين على الأمر الكلَّي الذي ينقاد إليه أهل الدين كلَّهم وهو الشرع الموضوع لذلك ~~. # و الاعتباران الآخران فسيأتيانك في مواضعهم . # قال رضي الله عنه : ( والذي من عند الله فهو الشرع الذي انقدت أنت إليه ، فالدين ~~الانقياد ، والناموس هو الشرع الذي شرعه الله تعالى ، فمن اتّصف بالانقياد لما شرعه ~~الله ، فذلك الذي قام بالدين وأقامه أي أنشأه كما يقيم الصلاة ، فالعبد هو المنشئ ~~للدين ، والحق هو الواضع للأحكام ، والانقياد عين فعلك ، فما سعدت إلَّا بما كان ~~منك ، فكما أثبت السعادة لك ما كان إلَّا فعلك ، كذلك ما أثبت الأسماء الإلهية ~~إلَّا أفعاله وهي أنت وهي المحدثات ، فبآثاره سمّي إلها ، وبآثارك سمّيت سعيدا . # فأنزلك الله منزلته إذا أقمت الدين وانقدت لما شرعه لك ، وسأبسط لك إن شاء الله ~~تعالى ما تقع به الفائدة بعد أن نبيّن الدين الذي عند الخلق ، الذي اعتبره الله ) . # قال العبد : لا شكّ أنّ الانقياد لأمر الله هو فعلك ، وسعادتك في الانقياد ~~لأوامره ونواهيه ، والشقاوة في عدم انقيادك لذلك ، لأنّك إذا انقدت لأمره فقد أطعته ~~، وإذا أطعته فيما أمرك ونهاك ، كذلك أطاعك في إجابة سؤالك ، فما أجابك إلَّا بما ~~أجبت له ، فما أسعدك إلَّا فعلك ، كما هو في الأصل ، فإنّ أفعال الله وهي المحدثات ~~أثبتت له الأسماء الحسنى ، لأنّ المحدثات مخلوقات لله فأثبتت له الاسم " الخالق " ~~وكذلك " الرازق " و " الربّ " و " الإله " . # قال رضي الله عنه : " فالدين كلَّه لله " . # يعني رضي الله عنه : سواء انقدت إلى ما شرعه الله للانقياد به أو وضعه واضعوا ~~النواميس من الخلق ، فليس الانقياد إلَّا له لا ربّ غيره . # قال رضي الله عنه : « وكلَّه منك » أي الانقياد « لا منه إلَّا بحكم الأصالة » أي ~~إنّما نقاد إليه ، لكون المنقاد إليه بالأصالة مأمورا به من عند الله أو مأمورا به ~~من عند الخلق لله ". # قال الله تعالى : "وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها " وهي النواميس الحكمية التي لم ~~يجيء الرسول المعلوم بها في العامّة من عند الله بالشريعة الخاصّة المعلومة في ~~العرف . # فلمّا وافقت الحكمة والمصلحة الظاهرة فيها الحكم الإلهيّ في المقصود بالوضع ~~الإلهي المشروع ، اعتبرها الله تعالى اعتبار ما شرعه من عنده وما كتبها الله تعالى ~~عليهم ، ولمّا فتح الله بينه وبين قلوبهم باب العناية والرحمة من حيث لا يشعرون . # جعل في قلوبهم تعظيم ما شرعوا يطلبون بذلك رضوان الله على غير الطريقة النبوية ~~المعروفة بالتعريف الإلهي فقال : " فَما رَعَوْها " هؤلاء الذين شرعوها وشرعت لهم " ~~حَقَّ رِعايَتِها ". " إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ الله ". # وكذلك اعتقدو " فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا" به " مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ~~وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ " أي من هؤلاء الذين شرع فيهم هذه العبادة "فاسِقُونَ " أي ~~خارجون عن الانقياد إليه والقيام بحقّها . # لمّا وافقت المصلحة فيها حكم الله من حيث إنّ الله إنّما وضع من الشرع ما وضع ~~للانقياد الكلَّي لأمر الله تعالى ، وهذا كان المراد أيضا كذلك من وضع النواميس ~~الحكمية فاعتبرها الله اعتبار ما شرعه هو لعبيده من عنده ، فمن انقاد إلى الله فيها ~~، فقد انقاد لله . # قال رضي الله عنه : ( ومن لم ينقد إليها لم ينقد إليه مشرّعه ) أي بالأصالة من ~~حيث عبيده الذين وضعوها « لما يرضيه ، لكن الأمر يقتضي الانقياد . # قال رضي الله عنه : (وبيانه أنّ المكلَّف إمّا منقاد بالموافقة وإمّا مخالف ، ~~فالموافق المطيع لا كلام فيه ، لبيانه . وأمّا المخالف فإنّه يطلب بخلافه الحاكم ~~عليه من الله أحد أمرين : # إمّا التجاوز والعفو ، وإمّا الأخذ على ذلك. # ولا بدّ من أحدهما فإنّ الأمر حق في نفسه ، فعلى كل حال صحّ انقياد الحق إلى عبده ~~لأفعاله وما هو عليه من الحال ، فالحال هو المؤثّر . # يعني رضي الله عنه : أنّ العبد بحاله سواء كان موافقا أو مخالفا فإنّه يستدعي ~~انقياد الحق له بالثواب أو بالعقاب لا بدّ من ذلك . # قال رضي الله عنه : ( فمن هنا كان الدين جزاء أي معاوضة بما يسرّ أو بما لا يسرّ ~~، فبما يسرّ " رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه ُ " هذا جزاء يعني بما يسرّ " ~~وَمن يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْه ُ عَذاباً كَبِيراً " هذا جزاء بما لا يسرّ ، " ~~وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ " هذا جزاء ، فصحّ أنّ الدين هو الجزاء .) # قال رضي الله عنه : (وكما أنّ الدين هو الإسلام ، والإسلام عين الانقياد ، فقد ~~انقاد إلى ما يسّر وإلى ما لا يسرّ وهو الجزاء وهذا لسان الظاهر في هذا الباب ، وهو ~~ظاهر . وأمّا سرّه وباطنه فإنّه تجلّ في مرآة وجود الحق ، فلا يعود على الممكنات من ~~الحق إلَّا ما أعطته ذواتهم في أحوالها ، فإنّ لهم في كل حال صورة ، فتختلف صورهم ~~لاختلاف أحوالهم ، فيختلف التجلَّي لاختلاف الحال ، فيقع الأثر في العبد بحسب ما ~~يكون ، فما أعطاه الخير سواه ، وما أعطاه ضدّ الخير غيره ، بل هو منعم ذاته ~~ومعذّبها ، فلا يذمّنّ إلَّا نفسه ، ولا يحمدنّ إلَّا نفسه ، " فَلِلَّه ِ ~~الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ " في علمه بهم ، إذ العلم يتبع المعلوم ) . # قال العبد : يشير رضي الله عنه إلى أنّ انقياد الحق وهو الدين بما يسر وبما لا ~~يسرّ إنّما هو تجلّ للاسم « الديّان » استجلبه واستدعاه العبد الدّين أو غير الدّين ~~بموجب حاله الذي هو عليه . # وذلك لأنّ الدّيان تعالى لمّا شرع له ما يصلح له ويصلحه من حضرة اسمه « المكلَّف ~~» و « المشرّع » و « الهادي » و « المرشد » وأخواتهم ، توجّه على العبد القيام بما ~~شرع ، وإقامة الدين بالانقياد إليه ، واستتبع التجلَّي الشرعيّ الوضعيّ بموجب أحوال ~~المتجلَّي له وهو العبد أحد أمرين : # الثواب إن انقاد لأمر الله بما يسرّه ، # أو العقاب بما لا يسرّ إن انقاد للشيطان بمخالفة سلطان الاسم المكلَّف المشرّع ~~الديّان ، وهو تجل يستدعيه العبد بحاله . # فإن كان حاله الموافقة في الانقياد إلى الله ، تعيّن التجلَّي في مرآة وجود العبد ~~بانقياد المكلَّف المشرّع وهو الله بحسن الجزاء . # وإن كان حاله المخالفة ، تعيّن التجلَّي بصورة المخالفة عليه ، فلم يحكم عليه ~~الله إذن بما لا يسرّه وبما لا يوافقه . # بل هو الذي حكم على نفسه بذلك أزلا في تعيّن صورة معلوميّته وعينه الثابتة في ~~حضره العلم الأزلي بذلك ، فتوجّه التجلَّي من الحق عليه بموجب ما استدعاه واقتضاه ، ~~فللَّه الحجة البالغة على عبيده . # فلا يحمدوا إلَّا الله المظهر ما في حقائقهم الأزلية الغيبية بإفاضة الوجود على ~~ذلك ، وكذلك لا يذمّوا إلَّا أعيانهم التي اقتضت أحوالها التجلَّي بما لا يسرّه أو ~~يضرّه ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « ثم السرّ الذي فوق هذا في مثل هذه المسألة أنّ الممكنات على ~~أصلها من العدم ، وليس وجود إلَّا وجود الحق بصور أحوال ما هو عليه الممكنات في ~~حقائقها وأعيانها ، فقد علمت من يلتذّ ومن يتألَّم ، وما يعقب كلّ حال من الأحوال ، ~~وبه سمّي عقوبة وعقابا ، وهو سائغ في الخير والشرّ . # غير أنّ العرف سمّاه في الخير ثوابا وفي الشرّ عقابا ، وبهذا سمّي أو شرح الدين ~~بالعادة ، لأنّه عاد عليه ما يقتضيه ويطلبه حاله ، فالدين العادة ، قال الشاعر : ~~كدينك من أمّ الحويرث قبله ، أي عادتك # قال العبد : تحقّق في السرّ الأوّل أنّ التجلَّي بما يسرّ وبما لا يسرّ على العبد ~~بموجب أحوال عينه الثابتة ، وفي هذا السرّ - الذي فوق السرّ الأوّل - أنّ العبد هو ~~الوجود الحق المتعيّن بموجب عينه الثابتة وصورة معلوميته الأزلية وحقيقته الأصلية ~~ولم يوجد العين الثابتة في عينها ، بل هي على استهلاكها الأزلي الأصلي في الحق . # كما كان الله ولا شيء معه ، فهو الآن على ما عليه كان ، فتعيّن كلّ وجود - بموجب ~~أحوال كل عين عين من مطلق التجلَّي الوجودي - بصورة حالة عليها حقيقة العين ، ~~فاستدعت الصورة والحالة الظاهرة من العين في وجود الحق تجلَّيا آخر بما يسرّ وبما ~~لا يسرّ وينفع أو يضرّ وهي حالة استتبعتها الحالة الأولى وأعقبتها . # فتألَّم أو تنعّم أو تعذّب والتذّ بها الوجود الحق المتعيّن في خصوصية هذه العين ~~الثابتة التي هي شأن من شؤون الحق أيضا ، والعبد صورة ذلك الشأن في الوجود العينيّ ~~الحقّ أو الوجود الحق بصورة العين ، فما تألَّم وما تنعّم دينا ولا آخرة إلَّا الحق ~~المتعيّن بك وفيك بحسبك ، ولا حسب للحق إلَّا أنت ، وبحسبك يظهر لك أو عليك ، فافهم ~~. # قال رضي الله عنه : ( ومعقول العادة أن يعود الأمر بعينه إلى حاله وهذا ليس ثمّ ، ~~فإنّ العادة تكرار لكنّ العادة حقيقة معقولة واحدة والتشابه في الصور موجود ، فنحن ~~نعلم أنّ زيدا عين عمرو في الإنسانيّة وما عادت الإنسانية ، إذ لو عادت لتكثّرت وهي ~~حقيقة واحدة والواحد لا يتكثّر في نفسه ، ونعلم أنّ زيدا ليس عين عمرو في الشخصية ، ~~فشخص زيد ليس شخص عمرو مع تحقيق وجود الشخصية في الاثنين . # فنقول في الحسّ : عادت ، لهذا الشبه ، ونقول في الحكم الصحيح : لم تعد ، فما ثمّ ~~عادة بوجه ، وثمّ عادة بوجه ، كما أنّ ثمّ جزاء بوجه وما ثمّ جزاء بوجه ، فإنّ ~~الجزاء أيضا حال في الممكن من أحوال الممكن . وهذه مسألة أغفلها علماء هذا الشأن ، ~~أي أغفلوا إيضاحها على ما ينبغي ، لا أنّهم جهلوها ، فإنّها من سرّ القدر المتحكَّم ~~على الخلائق ) . # قال العبد : يريد أنّ الدين يأخذ وجوهه ومعانيه ، لمّا كان عادة ، ظهر أن قد عادت ~~على العبد حالته الغيبية الأزلية ، فإنّ تعيّن التجلَّي من الدّيان بحسب حال عينه ~~الثابتة ، فما عاد عليه إلَّا مقتضى حاله ، ولكنّ التحقيق يقتضي أن لا تعود الحالة ~~. # فإنّ الحالة المقتضية لهذا التجلَّي لم تعد ولم تتكرّر بل تعيّن التجلَّي بصورتها ~~لا غير ، فلا تكرار في التجلَّي ولا في الحالة . # فما عاد وما تجدد إلَّا التعيّن في التجلَّي ، وكلّ تعيّن مثل التعيّن الآخر لا ~~عينه ، فلا عادة أصلا ، إذ لا تكرار لا في الحال ولا في الوجود المتعيّن بالحالة ~~ولا في التعيّن ، ولكن تعيّن وتشبّه بشبه يشبه الشبه في العيون تكرارا وعادة إلى ~~عين واحدة ، وليس لذلك حقيقة ، إن حقّقت النظر ودقّقت الفكر ، فحقّق ودقّق يتحقّق ~~السرّ على ما هو عليه الأمر. # كما قلنا : شعر : # ولا أقول بتكرار الوجود ول %~% عود التجلَّي فما في الأصل تكرار # فالبحر بحر على ما كان في قدم %~% إنّ الحوادث أمواج وأنهار # لا تحجبنّك أشكال يشاكلها %~% عمّن يشكَّل فيها فهي أستار # وذلك لأنّ الحقيقة إذا ظهرت ظهورات غير متناهية ، وتعيّنت على صور متماثلة ~~ومتشابهة متشاكلة ، لم تكن عائدة ولا متكرّرة ، ولكنّ الظهورات والتعيّنات أمثال ~~متماثلات على من تشكَّل وتعيّن فيها وظهر بها ، فما عاد شيء ولا تكرّر ، فحقّق ~~النظر ، والتعيّنات عادت بالأمثال لا بأعيانها ، فافهم . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فما ثم عادة بوجه وثم عادة بوجه، كما أن ثم جزاء بوجه ~~وما ثم جزاء بوجه فإن الجزاء أيضا حال في الممكن من أحوال الممكن. # وهذه مسألة أغفلها علماء هذا الشأن، أي أغفلوا إيضاحها على ما ينبغي لا أنهم ~~جهلوها فإنها من سر القدر المتحكم في الخلائق. # قال الشيخ رضي الله عنه : « واعلم : أنّه كما يقال في الطبيب : إنّه خادم الطبيعة ~~، كذلك يقال في الرسل والورثة : إنّهم خادمو الأمر الإلهي في العموم وهم في نفس ~~الأمر خادموا أحوال الممكنات ، وخدمتهم من جملة أحوالهم التي هم عليها في حال ثبوت ~~أعيانهم ، فانظر ما أعجب هذه ! # إلَّا أنّ الخادم المطلوب هنا إنّما هو واقف عند مرسوم مخدومه إمّا بالحال أو ~~بالقول لأنّ الطبيب إنّما يصحّ أن يقال فيه : خادم الطبيعة لو مشى بحكم المساعدة ~~لها ، فإنّ الطبيعة قد أعطت في جسم المريض مزاجا خاصّا ، به سمّي مريضا . # فلو ساعدها الطبيب خدمة ، لزاد في كمّيّة المرض بها أيضا ، وإنّما يردعها طلبا ~~للصحّة ، والصحّة من الطبيعة أيضا بإنشاء مزاج آخر يخالف هذا المزاج ، فإذن ليس ~~الطبيب بخادم الطبيعة » يعني مطلقها في جميع الأحوال « وإنّما هو خادم لها من حيث ~~إنّه لا يصلح جسم المريض ولا يغيّر ذلك المزاج إلَّا بالطبيعة أيضا ، ففي حقّها ~~يسعى من وجه خاصّ غير عامّ ، لأنّ العموم لا يصحّ في مثل هذه المسألة ، فالطبيب ~~خادم لا خادم ، أعني للطبيعة " . # قال العبد : يشير رضي الله عنه أنّ الرسل والأنبياء والورثة أطبّاء الأرواح ~~والأنفس عن الأمراض والأسقام النفسانية ، كما أنّ الطبيب يعالج بما يبرئ من الأسقام ~~الجسمانية ، فكما أنّه يقال في الطبيب : إنّه خادم الطبيعة كذلك يقال في الأنبياء ~~والورثة : إنّهم خادمو الأمر الإلهي في العموم . # ثمّ التحقيق يقضي أنّ الطبيب ليس خادما للطبيعة في عموم أحوال الطبيعة . # فإنّ الطبيعة قد تضعف وتتغيّر ، فتعطي في المريض مزاجا خاصّا ، به تزول صحّة ~~الجسم ، فلا يجب على الطبيب من كونه خادما للطبيعة أن يساعدها فيما يضعّفها ~~ويغيّرها ، بل بما يقوّيها ويصلحها . # فتقوى بذلك على دفع المزاج الذي يخالف المزاج الصحّي ، فإذن هو خادم للطبيعة من ~~وجه خاصّ لا خادم لها بموجب ما هي عليه في الحال والوقت الحاضر. # كذلك النبيّ المشرّع الرسول ، والشيخ والمرشد المسلك للوصول خادمون للأمر الإلهي ~~في الأمّة والأتباع من حيث ما يصلحها لا من حيث ما يساعدها بموجب الحال ، فإنّ ~~الأمر الإلهي أعطى فيهم بموجب قابلياتهم أحوالا تعقّب أحوالا أخر تؤدّي إلى إفسادها ~~. # فلا يجب على الرسول الهادي والوارث المرشد أن يساعد الأمر الحالي المتحكَّم على ~~نفوس الأمّة ، بل يساعد الأمر الإلهي المؤدّي إلى إصلاحهم لا غير ، فهم خادمو أحوال ~~الممكنات لا خادمون لها مطلقا ، بل من جهة ما يصحّ ويصلح لا غير ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( كذلك الرسل والورثة في خدمة الحق ، وأمر الحق على وجهين في ~~الحكم في أحوال المكلَّفين ، فيجري الأمر في العبد بحسب ما يقتضيه الحق وبحسب ما ~~يقتضي به علم الحق ، ويتعلَّق علم الحق به على حسب ما أعطاه المعلوم من ذاته ، فما ~~ظهر إلَّا بصورته) . # يعني بصورة العبد في عينه الثابتة أزلا « فالرسول أو الوارث خادم الأمر الإلهي ~~بالإرادة لا خادم الإرادة ، فهو يردّ عليه ، طلبا لسعادة المكلَّف ، فلو خدم ~~الإرادة الإلهية ما نصح ، وما نصح إلَّا بها ، أعني بالإرادة » # يعني تعلَّقت إرادة الحق بأن ينصح النبيّ أو الوارث « فالرسول أو الوارث طبيب ~~أخراويّ للنفوس ، منقاد لأمر الله حين أمره فينظر في أمر الله ، وينظر في إرادته ~~تعالى فيراه قد أمره بما يخالف إرادته ، فلا يكون إلَّا ما يريد ، ولهذا كان الأمر ~~، فأراد الأمر ، فوقع ، وما أراد وقوع ما أمر به بالمأمور ، فلم يقع من المأمور ، ~~فسمّي مخالفة ومعصية ، فالرسول مبلَّغ ". # يعني رضي الله عنه : إنّما يقع الأمر من الرسول والوارث ، لما أراد الله منهما ~~وقوع الأمر فوقع . وإنّما لم يقع الامتثال من المأمور به ، لعدم اقتران الإرادة ~~بالأمر بوقوعه منه. # وإنّما لم تتعلَّق الإرادة بالأمر بوقوع المأمور به من المأمور ، لتعلَّق العلم ~~بعدم وقوعه من المأمور فلم يقع وإنّما وقع الأمر من الآمر بما لا يقع ، لتعلَّق ~~إرادة الحق بوقوع الأمر ، لتعلَّق علم الحق وأمر الحق بمقتضى عينه الثابتة أنّه يقع ~~الأمر منه بما لا يوجد له عين من العاصي والمخالف ، فتتركَّب عليه الحجّة الإلهية ، ~~فيتوجّه عليه العقاب ، فافهم . # قال رضي الله عنه : " ولهذا قال شيّبتني سورة هود وأخواتها ، لما تحوي عليه من ~~قوله : " فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ " ، فشيّبته "كَما أُمِرْتَ " ، فإنّه لا يدري ~~هل أمر بما يوافق الإرادة ، فيقع ، أو بما يخالف الإرادة ، فلا يقع ، ولا يعرف أحد ~~حكم الإرادة إلَّا بعد وقوع المراد إلَّا من كشف الله عن بصيرته . # فأدرك أعيان الممكنات في حال ثبوتها على ما هي عليه ، فيحكم عند ذلك بما يراه ، ~~وهذا قد يكون لآحاد الناس في أوقات لا يكون مستصحبا . # " قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً من الرُّسُلِ ". " ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا ~~بِكُمْ " ، فصرّح بالحجاب ، وليس المقصود إلَّا أن يطَّلع في أمر خاصّ لا غير " . # قال العبد : اعلم : أنّ الأمر الإلهي الذي يرد من الرسول والوارث إن وافق الإرادة ~~المخصّصة بتعيين الفعل بموجب العلم ، وقع . # وإن لم يوافق ، فلا يقع ، وقد وقعت الإرادة أن يقع الأمر منهما ، فيجب عليهما ~~الوقوف عند ذلك ، فلو توقّعا وقوع ما جاءا به ، وأمرا بما أمرا بالأمر به بموجب ~~الإرادة تعبا ، وليس عليهما إلَّا البلاغ لا غير ، ولكن لا يكون إلَّا كما وقع . # ولله الحجّة البالغة . # . ### | فص حكمة نورية في كلمة يوسفية ### | 09 - فصّ حكمة نورية في كلمة يوسفية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي ### | 09 - فصّ حكمة نورية في كلمة يوسفية # قد ذكر السرّ في إسناد الحكمة إلى الكلمة . " أضاف رضي الله عنه حكمة النور إلى ~~الكلمة اليوسفية لظهور السلطنة النورية العلمية المتعلَّقة بكشف الصور الخيالية ~~والمثالية . # وهو علم التعبير على الوجه الأكمل في يوسف عليه السّلام فكان يشهد الحقّ عند وقوع ~~تعبيره ، كما قال " قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا " فأشار إلى حقيقة ما رأى ، وأضاف ~~إلى ربّه الذي أعطاه هذا الكشف والشهود ." # قال رضي الله عنه : ( هذه الحكمة النورية انبساط نورها على عالم الخيال ، وهو ~~أوّل مبادئ الوحي الإلهي في أهل العناية). # يعني : أنّ نورية هذه الحكمة - من حيث كشفها معاني ما يظهر في عالم الخيال - ~~للأولياء والأنبياء ، فيعلمون بها مراد الحق من تشخيص تلك المعاني وتجسيدها ضربا ~~للمثل لهم . # قال رضي الله عنه : ( تقول عائشة رضي الله عنها : أوّل ما بدىء به رسول الله - ~~صلَّى الله عليه وسلَّم - من الوحي الرؤيا الصادقة ، فكان لا يرى رؤيا إلَّا خرجت ~~مثل فلق الصبح . # تقول : لا خفاء بها . وإلى هنا بلغ علمها لا غير . وكانت المدّة له في ذلك ستّة ~~أشهر ، ثم جاءه الملك . وما علمت أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال : " ~~الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا " وكلّ ما يرى في حال يقظته ، فهو من ذلك القبيل ) ~~. # يعني رضي الله عنه : أنّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان عالما بأنّ كلّ أمر ~~ظهر من الغيب سواء كان ظهوره حسّا أو خيالا أو في عالم المثال . # فإنّ ذلك وحي تعريف وإعلام من الله له عليه السّلام بما أراد الله أن يكوّنه ، ~~وأنّه تمثيل وتشخيص للمعاني والحقائق التكوينيّة التي تعلَّقت الإرادة الإلهية ~~بتعريفه وتعليمه صلى الله عليه وسلم بها . # وذلك لأنّ العوالم في مشرب التحقيق خمسة وكلَّها حضرات إشهاد الحق وشهوده ، ~~والأنزل منها أمثلة وصور للأعلى والأشرف الأفضل . فالأعلى عالم الغيب ، والأدنى ~~الشهادة . # فكل ما يتراءى ويظهر في الحسّ مثال وصورة لهيئات غيبية معنوية ، هي المعاني ~~المعنيّة المعيّنة من تلك الصورة ، ولكنّ العلم بتلك الصورة وكشف أسرارها ومعانيها ~~هو الكشف المعنوي الحقيقي ، فمن أوتيهما في كل ما يرى ويسمع ويدرك " فَقَدْ أُوتِيَ ~~خَيْراً كَثِيراً " . # وتحقّق بكمال الكشف والشهود في الوجود قبيلا ودبيرا ، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أعلم الأنبياء بذلك ، وذلك بتصريحه : # "إنّ الناس نيام " في عالم الحس ، وأنّ كلّ ما يجري عليهم وبهم وفيهم صور وأمثلة ~~لمعان عناها الله بحسب العلم بحقائقها ، وإلَّا فهو غافل ، وعن حقيقة الأمر عاطل. # ومبلغ علم عائشة من كلّ ذلك أنّ كشفه صلى الله عليه وسلم مبدؤه الرؤيا الصادقة ، ~~وآخره ظهور الملك له ، وما علمت أنّه صلى الله عليه وسلم كان يشهد الحق في كلّ ما ~~يرى ويدرك ، بل لا يغيب عن شهود الحق. # كما قال عليه السّلام اللهمّ إنّي أسألك لذّة النظر إلى وجهك ، فصرّح بشهوده وجهه ~~تعالى وأنّه في شهوده ، فادّعى اللذّة بما يشهد لفنائه وحيرته الكبرى ، فسأل اللذّة ~~بما يشهد ، وهي زيادة على مرتبة الشهود ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( وإن اختلفت الأحوال ، فمضى قولها ستّة أشهر بل عمره كلَّه ~~في الدنيا بتلك المثابة ، إنّما هو منام في منام ) . # يعني رضي الله عنه : أنّ الناس في حالة يقظة في جميع أحوالهم في كشف وضرب مثال ~~يضربه الله لهم بالأفعال والأحوال والأقوال التي تجري عليهم ومنهم وهم عنها غافلون ~~" وَكَأَيِّنْ من آيَةٍ في السَّماواتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ ~~عَنْها مُعْرِضُونَ " ، " وَتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما ~~يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ " جعلنا الله وإيّاك من أهل الحضور ، وكشف عن وجهه ~~لنا بحقيقة النور ، في كلّ الأمور . # قال رضي الله عنه : ( وكلّ ما ورد من هذا القبيل ، فهو المسمّى عالم الخيال ولهذا ~~يعبّر ، أي الأمر - الذي هو في نفسه على صورة كذا - ظهر في صورة غيرها ، فيجوز ~~العابر من هذه الصورة التي أبصرها النائم إلى صورة ما هو الأمر عليه ، إن أصاب ، ~~كظهور العلم في صورة اللبن ، فعبر في التأويل من صورة اللبن إلى صورة العلم ، ~~فتأوّل ، أي قال : مؤوّل " هذه الصورة اللبنية إلى صورة العلم ) . # قال العبد : سرّ ذلك أنّ اللبن أوّل غذاء فطريّ يغذّى به المولود الجسماني ، ~~والعلم الفطريّ أوّل غذاء يتغذّى به الروح ، لهذا كانت الصورة اللبنية مظهر العلم ~~في عالم المثال وما دونه من حضرات الصور والشخصيات ، لثبوت هذه النسبة الصحيحة ~~بينهما . # قال رضي الله عنه : ( ثم إنّه عليه السّلام كان إذا أوحي إليه ، أخذ عن المحسوسات ~~المعتادة ، فسجّي وغاب عن الحاضرين عنده ، فإذا سرّي عنه ردّ ، فما أدركه إلَّا في ~~حضرة الخيال إلَّا أنّه لا يسمّى نائما ) أي ما يغفل مثل غفلة النائم ، لأنّه كان ~~ينام عينه ولا ينام قلبه . # قال رضي الله عنه : ( وكذلك إذا تمثّل له الملك رجلا ، فذلك من حضرة الخيال ، ~~فإنّه ليس برجل ، إنّما هو ملك فدخل في صورة إنسان ، فعبر الناظر العارف حتى وصل ~~إلى صورته الحقيقية ، فقال : هذا جبرئيل ، أتاكم يعلَّمكم دينكم ، وقد قال لهم :" ~~ردّوا عليّ " الرجل فسمّاه بالرجل من أجل الصورة التي ظهر لهم فيها) . # ثم قال رضي الله عنه : (هذا جبرئيل فاعتبر الصورة التي مآل هذا الرجل المتخيّل ~~إليها ، وهو صادق في المقالتين ، صدق للعين في العين الحسيّة ، وصدق في أنّ هذا ~~جبرئيل ، فإنّه جبرئيل بلا شكّ ) كلّ هذا ظاهر بيّن . # وقال رضي الله عنه : ( وقال يوسف عليه السّلام : “ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ ~~كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ " ، فرأى إخوانه في ~~صور الكواكب ، ورأى أباه وخالته في صورة الشمس والقمر) . # قال العبد : إنّما رآهم كذلك ، لمناسبة موجبة لتجسّدها في هذه الصورة ، وذلك لأنّ ~~الشمس والقمر أصلان كالأبوين بالنسبة إلى أنوار الكواكب ، فهم لا ظهور لهم في ~~حضورهما للرائي ، كما أنّ النجوم لا تظهر في نور النيّرين ، ويغمرانها في الحضور ~~بنورهما ويغمرانها به كذلك في البعد والسفور . # قال رضي الله عنه : ( هذا من جهة يوسف ، ولو كان من جهة المرئيّ لكان ظهور إخوته ~~في صور الكواكب وظهور أبيه وخالته في صورة الشمس والقمر مرادا لهم ، فلمّا لم يكن ~~لهم علم بما رآه يوسف ، كان الإدراك من يوسف في خزانة خياله ، وعلم ذلك يعقوب عليه ~~السّلام حين قصّها عليه ). # فقال رضي الله عنه: ( " يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ ~~فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً " ، ثمّ برّأ أبناءه عن ذلك الكيد وألحقه بالشيطان ، وليس ~~إلَّا عين الكيد ). # فقال رضي الله عنه: (إِنَّ الشَّيْطانَ لِلإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ " أي ظاهر ~~العداوة .) # قال العبد : هذا من علم يعقوب ويوسف عليهما السّلام وأرباب علم التعبير ، إنّ ما ~~صوّر النيّرين والكواكب إلى أبويه وإخوته لما ذكرنا من المناسبة ، والذي فوق هذا من ~~الكشف أنّ الأب والأمّ صورتا الروح والطبيعة تولَّدت بينهما صورة الإنسان العنصرية ~~، والكواكب صور الحقائق والقوى روحانيّها وطبيعيّها وإلهيّها ويوسف عليه السّلام ~~صورة أحدية جمع الجمال والكمال العلمي والعملي الخصيصين بصورة الإنسان التي هي صورة ~~الحق أو على صورته . # وسجودهم له إشارة من الحق إلى أنّ قواه الطبيعية والروحانية والروح والطبيعة ~~داخلة في حكم الصور الإلهية الإنسانية المخلوقة على أحسن تقويم ، ومنفعلة ومسخّرة ~~لها ، لأنّ الإنسان وإن تولَّد من حيث صورته الجسمانية من الروح والطبيعة أوّلا ~~وتولَّدت معه وقبله وبعده من أبوي روحه وطبيعته قوى وخصائص ، ولكنّ الكلّ تحت حيطة ~~فلك الصورة ، وليس إلَّا لأهل الكشف المعنوي ، والحمد لله . # قال رضي الله عنه : ( ثم قال يوسف عليه السّلام عند ذلك في آخر الأمر : "هذا ~~تَأْوِيلُ رُءْيايَ من قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا " أي أظهرها في الحسّ ~~بعد ما كانت في صورة الخيال ). # أي حقيقة الصور المتخيّلة أن تظهر في الحسّ على صورها الأصلية الفعلية الحقيقية . # قال رضي الله عنه : ( فقال له النبي عليه السّلام: " الناس نيام " فكان قول يوسف ~~" قد جعلها ربّى حقّا " بمنزلة من رأى في نومه أنّه استيقظ من رؤيا رآها ، ثم ~~عبّرها ، ولم يعلم أنّه في النوم عينه ما برح. # فإذا استيقظ يقول : رأيت كذا ، ورأيت كأنّي استيقظت ، وأوّلتها بكذا ، هذا مثل ~~ذلك . # فانظر كم بين إدراك محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم وإدراك يوسف عليه السّلام في ~~آخر أمره حين قال : “ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ من قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي ~~حَقًّا " ، معناه حسّا أي محسوسا ، وما كان إلَّا محسوسا ، فإنّ الخيال لا يعطي ~~أبدا إلَّا المحسوسات ليس له غير ذلك ) . # يعني رضي الله عنه : أنّه لا يظهر في الخيال إلَّا الصور المحسوسة المرئيّة قبل ~~ذلك ، لتقييد مرتبة عالم الخيال بالقوّة المتخيّلة ، فإنّه المثال المقيّد ، وأمّا ~~عالم المثال المطلق فهو محلّ تجسّد الأرواح والأنوار والمعاني والصور ، فهذا وسع ~~العوالم ، كما مرّ بيانه . # قال رضي الله عنه : ( فانظر ما أشرف علم ورثة محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم ). # قال رضي الله عنه : ( وسأبسط القول في هذه الحضرة بلسان يوسف المحمديّ ما تقف ~~عليه إن شاء الله تعالى ) # فيقول رضي الله عنه : (اعلم أنّ المقول عليه " سوى الحق " أو مسمّى " العالم " هو ~~بالنسبة إلى الحق كالظلّ للشخص ، فهو ظلّ الله) . # قال العبد : قوله " المقول عليه سوى الحق " يعني على ما يقال كذلك عرفا وفي ~~المعهود عند الجمهور ، فإنّ الحقيقة تأبى أن يكون لسوى الحق وغيره وجود ، ولو سمّي ~~ما سمّي "سوى " على مقتضى التحقيق والكشف والنظر الدقيق . # لقيل فيه : صور أسماء الحق ، وأشخاص تعيّناتها بالوجود الواحد الحق ، وتنوّعات ~~ظهوره وتجلَّياته ، فإنّه ما في الوجود إلَّا هو وأسماؤه لا غير . # فإن اعتبرنا هويته الذاتية فواحد ، وإن اعتبرنا أسماءه ونسب شؤونه الذاتية ، ~~فكثرة ظاهرة في عين واحدة ، وهذه العين الواحدة الظاهرة كثيرة هي نور ممتدّ إلى ~~مجال كثيرة مختلفة هي مجالي جولانه وجليّاته ومحالّ ظهوره وتبيانه . # والظلّ الممتدّ من النور نور بيد أنّ الممتدّ هو منه مطلق بالنسبة والممتدّ مقيّد ~~بحسب القوابل المقيّدة له ، والتقيّد والإطلاق نسبتان معقولتان ليس لهما إلَّا في ~~التعقّل ظهور وتحقّق ، وهو ظلّ لحقيقة النور الواحد الأحد الذي ليس إلَّا هو . # فلمّا ظهر النور الواحد بحسب خصوصيات القوابل متكثّرة متعدّدة ، ظهرت المغايرة ~~والممايزة ، فكل واحد واحد منها غير الآخر وسواه في رأي العين والتعقّل . # والوجود الواحد الحق وهو النور عين الكلّ ، فإنّها وجودات متعيّنة في قوابل ~~متعدّدة ومراتب كثيرة ، كثيرة ومتعدّدة ، فإن نظرت الحقيقة . # قلت : هو الواحد الموجود في الكلّ وحده سوى أنّه في الوهم سمّي بـ " السوي" فـ ~~العالم من حيث وجوده ظلّ الله وهو نور مقيّد ممتدّ من النور المطلق متّصل به من غير ~~انفصال ولا انتقال ، فإنّ لله نورا على نور . # والعالم عالمان : عالم أمر ، وعالم خلق . # فعالم الأمر علوي سما على عالم الخلق . # وعالم الخلق سفلي سفل عن العالم السماوي العلوي . # والله نور السماوات العلويات الروحانيات النورانيات والأرضين السفليات الجسمانيات ~~، ولولا نور الوجود الممتدّ منه ، لما ظهر من العالمين ولا وجد من الكونين شيء ، ~~ولا تظاهر وأظلّ ظلّ ، ولا فاء فيء. # فهو نور السماوات والأرضين ، يهدي بنوره المقيّد وهو الظلّ الممتدّ منه لنوره ~~المطلق من يشاء ، ويضرب الله الأمثال للناس ، وهم الكمل الأمثال الإلهيون الذين ~~يشاء أن يهديهم إلى نوره الذاتي المطلق ، لأنّه تعالى علم من مقتضى خصوصيات ~~استعداداتهم الأزلية أزلا قبل الإيجاد أنّ لهم صلاحية ذلك " وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ ~~عَلِيمٌ ". # قال رضي الله عنه : ( فهو عين نسبة الوجود إلى العالم ) . # الضمير يعود إلى العالم ، فإنّ الوجود من حيث ما يسمّيه عالما يسمّى " سوى الحق" ~~وإلَّا فالوجود واحد . # وهو من حيث نسبته إلى الحق عينه لا غير ، ولا يصحّ من هذه الحيثية أن يقال : هو ~~سواه ، فإنّ قوله رضي الله عنه : (لأنّ الظلّ موجود بلا شكّ في الحسّ ، ولكن إذا ~~كان ثمّ من يظهر فيه ذلك الظلّ حتى لو قدّرت عدم من يظهر فيه ذلك الظلّ ، كان الظلّ ~~معقولا غير موجود في الحسّ ، بل يكون في القوّة في ذات الشخص المنسوب إليه الظلّ .) # تعليل لقوله : " مسمّى العالم هو بالنسبة إلى الحق كالظلّ " فكما أنّ الظلّ موجود ~~في الحسّ عند وجود الشخص ، فكذلك العالم ، إذ ما يسمّى " سوى الحق " موجود بوجود ~~الحق وهو مع قطع النظر عن الحق غير موجود في عينه . # إذ لا وجود له من ذاته ، كما لا وجود للظلّ بلا وجود الشخص ، ثم العدم بالنسبة ~~إلى الممكن - على ما عرف وعرّف عرفا حكميّا رسميا أولى ، فهو به أولى . # فقد كان معدوما لعينه ، فكما أنّ الظلّ غير موجود مع فرض عدم الشخص الذي يمتدّ ~~منه الظلّ ، فكذلك العالم مع قطع النظر عن النور الوجودي الممتدّ من الحق ، ولو ~~قدّرنا عدم إفاضة الوجود الحق المطلق لنوره المنبسط على أعيان العالم ، ما وجد ~~العالم أصلا ، وكان الحق إذ ذاك في تجلَّي عزّه وغناه عن العالمين في مقام “ كان ~~الله وما كان معه شيء " . # قال رضي الله عنه : ( فمحلّ ظهور هذا الظلّ الإلهي المسمّى بالعالم هو أعيان ~~الممكنات ، عليها امتدّ هذا الظلّ ، فتدرك من هذا الظلّ بحسب ما امتدّ عليه من وجود ~~هذه الذات ، ولكن باسمه النور وقع الإدراك ) . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّه لا يدرك من الوجود الحق المطلق إلَّا بحسب ما امتدّ ~~عليه فيضه الوجودي وتجلَّيه الجوديّ . # فحقيقة الوجود لا تدرك في إطلاقه ، ولكن من حيث تعيّنه في هذه الأعيان الممكنة أي ~~القابلة والممكنة للوجود على الظهور بحسبها ،ومع قطع النظر عن تعيّنه في خصوصيات ~~حقائقها ، فلا تدرك حقيقة الوجود ، إذ هو الحق عينه . # قال رضي الله عنه : ( وامتدّ هذا الظلّ على أعيان الممكنات في صورة الغيب المجهول ~~، ألا ترى الظلال تضرب إلى السواد تشير إلى ما فيها من الخفاء ، لبعد المناسبة ~~بينها وبين أشخاص من هي ظلَّة له ). # يشير رضي الله عنه : إلى ما فيها من النور ، لأنّ نور الوجود ، الممتدّ على أعيان ~~الممكنات يباين وينافي ظلمة عدميات الأعيان ، لأنّ نورية الأعيان ، بالحق ، وهي في ~~أنفسها عدمية مظلمة ، فبينهما غاية البعد من عدم المناسبة. # ولا بعد أبعد من البعد الذي بين الوجود والعدم ، ولبعد المناسبة جهل من حيث ذلك ~~الوجه المنافي ، فتجلَّى للأعيان وعليها وبحسبها ، وكانت هي ظلمة العدم والغيب ~~المشيرين إلى السواد الظاهر على الظلال ، وذلك لأنّ الأعيان أبدا غيب ولم تظهر ولم ~~تدخل في الوجود ، بل هي في العلم الذاتي معيّنة الأعيان ، تعدّديّتها من حيث هي هي ~~. # الذي يتراءى إنّما هي تأثيرات خصوصياتها في مرآة نور الوجود الممتدّ عليها ، ~~فامتدّ على نور الوجود من أشخاص الأعيان الغيبية ظلّ غيبيّ يضرب إلى السواد ~~بالتعيين والتقييد . # وامتدّ من النور المطلق ظلّ نوري ، فاختلط الظلَّان ، فظهر سواد عينيّة الأعيان ، ~~وبطن نور الوجود فظهر الظلّ المطلق النوري مقيّدا مظلما . # فأهل الحجاب هم أهل الظلمات ، لا يرون ولا يشهدون إلَّا العالم ، والحق عند ~~أفاضلهم وأمثالهم معقول أو متوهّم ، لا مشهود موجود في شهودهم ونظرهم ، وتراهم ~~ينظرون إلى الحق الظاهر وهم لا يبصرون .ربّ امرئ نحو الحقيقة ناظر برزت له فيرى ~~ويجهل ما يرى. # وأهل الحق لا يشهدون إلَّا الوجود الحق الواحد الأحد الصمد في صور شؤونه العينيّة ~~، فمتعلَّق نظرهم نور الحق ، في سواد غيب الخلق ، فافهم . # قال رضي الله عنه : (وإن كان الشخص أبيض ، فإنّه أي الظلّ بهذه المثابة ، ألا ترى ~~الجبال إذا بعدت عن بصر الناظر تظهر سوداء وإن كانت في أعيانها على غير ما يدركها ~~الحس من اللونيّة ، وليس ثمّ علَّة إلَّا البعد .) # يعني رضي الله عنه : أنّ الوجود الظاهر في العالم وإن كان نورا في حقيقته ، ~~ولكنّه ظهر بحسب المظهر غير نيّر . # قال رضي الله عنه : ( كرزقة السماء) لأنّ السماء زرقاء في عينها ، ولكنّ البعد ~~يقضي أن تظهر كذلك في بصر الناظر . # قال رضي الله عنه: (فهذا ما أنتجه البعد في الحسّ في الأجسام غير النيّرة ) . ~~يعني الجبال . # قال رضي الله عنه: ( وكذلك أعيان الممكنات ليست نيّرة ، لأنّها معدومة وإن اتّصفت ~~بالثبوت ، ولكنّها لم تتّصف بالوجود ) . # يعني : أنّ الأعيان الثابتة ثبوتها في العلم الذاتي العالم بها ، لا لأعيانها . # قال رضي الله عنه : ( إذ الوجود نور ، غير أنّ الأجسام النيّرة تعطى في الحسّ ~~صغرا ، فهذا تأثير آخر للبعد ، فلا يدركها الحسّ إلَّا صغيرة الحجم وهي في أعيانها ~~كبيرة عن ذلك القدر. # أي أكبر وأكثر كمّيّات كما نعلم بالدليل أنّ الشمس مثل الأرض في الجرم مائة ~~وستّين وربعا وثمن مرّة وهي في العين على قدر جرم الترس ، فهذا أثر للبعد أيضا ) . # قال العبد : ظهور الكبير صغيرا بسبب البعد ضرب مثل لظهور نور الوجود المطلق ~~مقيّدا بحسب القابل ، لبعد المناسبة بين الإطلاق والتقييد . # قال رضي الله عنه : ( فما نعلم من العالم إلَّا بقدر ما نعلم من الظلال ) . # يعني : لا نعلم غيوب أعيان الماهيات وهويّاتها ، وإنّما نعلم منها ما ظهر في نور ~~الوجود من آثار خصوصيّاتها ، فما هي إلَّا أمثلة أعيان الحقائق وظلالها ، لا ~~أعيانها . # قال رضي الله عنه : (ويجهل من الحق بقدر ما يجهل من الشخص الذي كان عنه ذلك الظل) ~~. # أي المدرك هو الشكل والصورة والهيئة والمثال ، وحقيقة النور الوجودي المتشكَّل في ~~كل شكل ، والمتصوّر في كل صورة ، والمتمثل في كل مثال وهيئة لا تعلم ولا تدرك من ~~حيث عينها ، بل من حيث تشكَّلها ، فالعلم بها من حيث هي هي جهل بها ، لأنّها ~~بحقيقتها تقتضي أن تجهل ولا تعلم ولا تتعيّن . # قال رضي الله عنه : ( فمن حيث هو ظلّ له يعلم ) . # يعني رضي الله عنه : إن علمت ، فما تعلم إلَّا من كونها ذات ظلّ وهو كونه إلها ~~ربّا ، لا من حيث هي مطلقة . # قال رضي الله عنه : ( ومن حيث ما يجهل ما في ذات ذلك الظلّ الذي من صورة شخص من ~~امتدّ عنه ، يجهل من الحق) . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ صورة الإطلاق الذاتي واللاتعيّن واللا تناهي - التي ~~هي صورة الحق الذي امتدّ عنه هذا الوجود غير مشهودة ولا مدركة في الوجود الممتدّ ~~إلى الممكنات ، لكون النور الممتدّ الظلَّي مقيّدا بحسب من امتدّ عليه ،وكذلك يجهل ~~من الوجود الممتدّ أيضا بحسب ذلك. # وهو ما يشير إليه الشيخ رضي الله عنه : إنّ وراء كل متعيّن من الوجود ما لم ~~يتعيّن ، فمهما لم تصل معرفة العارف من كل شيء إلى ما وراءه من اللاتعيّن والإطلاق ~~، فلم يعرفه ولم يدركه ، وقد أشار إليه هذا الختم رضي الله عنه بقوله ، شعر : # ولست أدرك من شيء حقيقته %~% وكيف أدركه وأنتم فيه ؟! # قال رضي الله عنه : (فلذلك نقول : إنّ الحق معلوم لنا من وجه ، مجهول لنا من وجه ~~آخر.) # فلا نعلم إطلاق المطلق بالمقيّد إلَّا مثل ما يعلم الضدّ بالضدّ ، يعني مجملا ~~أنّه # مناف له ، والنقيض بالنقيض كذلك لا غير ، وليس هو علم تحقيق وذوق ، بل علم ~~استدلال على وجوده أو عدمه لا غير . # قال رضي الله عنه : (" أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ") أي ~~تجلَّى بالنور الوجودي والفيض النفسي الجوديّ . # قال رضي الله عنه : (" وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَه ُ ساكِناً " ، أي يكون فيه بالقوّة. ~~) # قال رضي الله عنه : (يقول "ما كان الحق ليتجلَّى للممكنات ، حتى يظهر الظلّ ، ~~فيكون كما بقي من الممكنات التي ما ظهر لها عين في الوجود ) . # يعني رضي الله عنه : تجلَّى بالوجود الممتدّ على أعيان الممكنات ، فوجد من العالم ~~بذلك الظلّ ، وعلم من حقيقة الوجود بقدر ذلك ، وإن لم يرد ذلك وشاء أن لا يمتدّ . # فيكون الظاهر الممتدّ فيه بالقوّة كما لم يمتدّ ولم يظهر ، كان كما كان ، ولم يكن ~~معه شيء ، ولم يظهر ظلّ ولا فيء ، فبقي ما ظهر كما لم يظهر مغيّبا . # وانطلق المقيّد عن قيوده مسبّبا ، فإنّ الأمر غيب وشهادة ، فما خرج من الغيب شهدت ~~به الشهادة وما نقص من الشهادة أخذه الغيب ، فسمّي عدما ووجودا بالنسبة والإضافة . # فإنّ العدم الحقيقي لا يعقل بالعقل ، فلا كلام فيه أصلا ، فإن لم يظهر ما ظهر من ~~الغيب ، لكان كالظلّ الساكن في الشخص قبل الامتداد وبعد الفيء ، فافهم . # قال رضي الله عنه : (" ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْه ِ دَلِيلًا " وهو اسمه ~~النور الذي قلناه ، ويشهد لها الحسّ ، فإنّ الظلال لا يكون لها عين بعدم النور ) . # قال العبد : ثم جعلنا الشمس عليه دليلا بعد امتداده ، فإنّ التجلَّي النوري ~~الوجودي المتدلَّي من شمس الألوهيّة هو الذي يظهر الظلال المعقولة في الأشخاص ~~الموجودة بالقوّة في ذوات الظلّ ، إذ الألوهة تظهر عين المألوه . # قال رضي الله عنه : (" ثُمَّ قَبَضْناه ُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً " وإنّما ~~قبضه الله لأنّه ظلَّه فمنه ظهر وإليه يرجع). # يشير إلى أنّ الوجود المشترك وهو الفيض الوجودي بعد انبساطه على أعيان الممكنات ~~في أرض الإمكان ، وظهور ما ظهر فيه من أمثلة أشخاص الأعيان في العيان. # وتعيّنه بخصوصيات حقائق الممكنات والأكوان يتقلَّص وينسلخ عنها النور والتجلَّي ، ~~بسرّ التولَّي بعد التدلَّي ،وحقيقة التجلَّي بعد التجلَّي. # والتخلَّي والتملَّي إلى أصل منبعه ومركز منبعثه ومهيعه ، وفي المشهد الحق لا ~~استقرار للتجلَّي ، كما قرأ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام "والشّمس تجرى لا مستقرّ ~~لها " ، فإنّه بطون وظهور ، وكمون وسفور ، وتجلّ وتخلّ معقّب بتجلّ وتخلّ ، متواصل ~~متوال غير مخلّ ، فإنّ الله دائم التجلَّي مع الآنات ، والقوابل دائمة القبول ، ~~بأحد وجهيه راجع إلى الغيب من الوجه الآخر الذي يلي العدم . # قال رضي الله عنه : ( "وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه ُ " ، فهو هو لا ~~غير). # لأنّ النور المنبعث من منبع النور نور أبدا ليس غيره وقد دار معه وجودا وعدما ~~كدوران نور الشمس المنبسط عند إشراقها على ما أشرقت عليه ، الدائر كما دارت ، ~~والغائب عنّا بغيبوبتها أبدا . # قال رضي الله عنه : ( فكلّ ما ندركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات ) . # يعني رضي الله عنه : متجلَّيا يجلَّي خصوصيات الأعيان وأوصافها ونعوتها ، إذ هو ~~مرآة آثارها ، ومجلى جليّات تجلَّياتها ، وجليات جليّاتها بأنوارها . # قال رضي الله عنه : ( فمن حيث هوية الحق هو وجوده ، ومن حيث اختلاف الصور هو ~~أعيان الممكنات ) . # يريد أنّ العالم الذي هو في دقيق التحقيق ظلّ أحديّ جمعي ممدود ذو وجهين : # وجه إلى الوجود الواحد الحق ومنه وهو وجود العالم . # ووجه إلى الإمكان والكيان ، وكثرة الأعيان والأكوان والألوان في العيان ، وهو ظلّ ~~أشخاص الأعيان ، الثابتة في العلم الذاتي النابتة في أرض الحقيقة بموجب أتمّ الشهود ~~وأعمّ الأعيان . # قال رضي الله عنه : ( فكما لا يزول عنه باختلاف الصور اسم الظلّ ، كذلك لا يزول ~~باختلاف الصور اسم " العالم " و " السوي " ، فمن حيث أحدية كونه ظلا هو الحق ، ~~لأنّه الواحد الأحد ، ومن حيث كثرة الصور هو العالم )، لأنّه المعدود والعدد . # يعني رضي الله عنه : إن وجدت الأعيان على مشهد من يرى ذلك إنّما وجدت بالوجود ~~الواحد الأحد المستفاد من الحق المطلق المشترك بين الكلّ . # فهو الحق الواحد الأحد وهو النور الظلَّي الممتدّ ، أو الظلّ النوري المشتدّ ~~المعتدّ ، أمّا تسمية من يسمّيه “ سوى » فمن حيث نقوش الكثرة ، فإنّ كل واحد واحد ~~منها غير الآخر وسواه ، وهي أغيار بعضها للبعض . # قال رضي الله عنه : ( فتفطَّن وتحقّق ما أوضحت لك ، وإذا كان الأمر على ما ذكرته ~~لك ، فالعالم متوهّم ، ما له وجود حقيقي ، وهذا معنى الخيال ، أي خيّل لك أنّه أمر ~~زائد قائم بنفسه ، خارج عن الحق وليس كذلك في نفس الأمر ، ألا تراه في الحسّ متّصلا ~~بالشخص الذي امتدّ عنه يستحيل عليه الانفكاك عن ذلك الاتّصال ، لأنّه يستحيل عليه ~~الانفكاك عن الحق "عن ذاته") . # كما يستحيل على النور المنبسط من عين الشمس على أعيان العالم الانفكاك عنها ~~وكاستحالة انفكاك الظلّ عمّن امتدّ عنه . # قال رضي الله عنه : ( فاعرف عينك ومن أنت ؟ وما هويّتك ؟ وما نسبتك إلى الحق ؟ ~~وبما أنت حق ؟ وبما أنت عالم وسوى وغير ؟ وما شاكل هذه الألفاظ ، وفي هذا يتفاضل ~~العلماء ، فعالم وأعلم ) . # يشير رضي الله عنه : إلى كليات أذواق علماء العالم على اختلاف مشاهدهم ومشاربهم : # فإن كان شهودك الوجود الحق ظهر في عينك الثابتة بمقتضى خصوصها ، فأنت حق . # وإن كان مشهدك الكثرة والتجدّد والتحدّد والتعيّن والاختلاف والتميّز والتبيّن ، ~~فأنت عالم وخلق وسوى . # وإن كان مشهدك أنّك ذو وجهين وظاهر باعتبارين ، فأنت حق من وجه ، خلق من وجه ، ~~فأنت بهويتك وعينك حق واحد أحد ، وبصورتك وأنانيّتك خلق أو ظاهر أو مظهر أو شهادة ~~للحق . # وإن كان مشهدك الكثرة والاختلاف ورأيت أنّ هذه الكثرة من عين الوحدة ، وفيها ~~نسبها وإضافاتها ، فأنت من أهل الله . # وإن كان مشهدك حجابيّات الكثرة وصنميّات الأشياء ، ولا ترى غير العالم فأنت من ~~أهل الحجاب . # وإن رأيت حقّا بلا خلق ، فأنت صاحب شهود حاليّ . # وإن رأيت حقّا في خلق وهو غيره ، فأنت قائل بالحلول أو قائل بالاتّحاد . # وإن رأيت خلقا في حق مع أحدية العين ، فأنت على الشهود الحقيقي . # وإن شهدت حقا في خلق وخلقا في حق من وجهين وباعتبارين مع أحدية العين ، فأنت كامل ~~الشهود ، فاشكر الله تعالى على ما هداك وأولاك وولَّاك . # قال رضي الله عنه : ( فالحق بالنسبة إلى ظلّ خاصّ صغير وكبير وصاف وأصفى كالنور ~~بالنسبة إلى حجابه عن الناظر إلى الزجاج يتلوّن بلونه ، وفي نفس الأمر لا لون له ، ~~ولكن هذا تراه ضرب مثال لحقيقتك بربّك ) . # يعني رضي الله عنه : ظهور الحق في حقيقة ظاهرة ظهور ظاهر صاف ، كظهور النور في ~~الزجاج الصافي الذي لا لون له ، وفي الملوّن ملوّن ، كذلك في الكدر كدر. # فإنّ لون الماء لون إنائه ، فمن كان في حقيقته لا لون له على التعيّن ، ظهور ~~النور فيه كما هو في ذاته ، خارجا عن المرآة ، كما قلنا : أنا الآن من ماء إناء بلا ~~لون . # قال رضي الله عنه : ( فإن قلت : النور أخضر لخضرة الزجاج ، صدقت وشاهدك الحسّ . ~~وإن قلت : ليس بأخضر ولا ذي لون كما أعطاه لك الدليل صدقت وشاهدك النظر العقلي ~~الصحيح . فهذا نور ممتدّ عن ظلّ هو عين الزجاج ، فهو ظلّ نوري لصفائه ) . # يعني : ظهور الوجود الحق في عالم الأمر والعقول والنفوس ظهور نوري ، فهي أنوار ~~ظلاليّة أو ظلال نورية فإنّ الاعتبارين فيها سائغان بحسب ذوقك غير متحيّزة ولا ~~جسمانية . # ولكن لها صبغة من صبغ الجسمانيات ، وظهوره في الزجاج غير الملوّن كظهور نور ~~الوجود في أعيان الأرواح والعقول ، فافهم . أو كظهور التجلَّي في قابلية العارف ~~والمحقّق . # قال رضي الله عنه : ( كذلك المتحقّق منّا بالحق تظهر لصفائه صورة الحق فيه أكثر ~~ممّا تظهر في غيره ، فمنّا من يكون الحق سمعه وبصره وجميع قواه وجوارحه بعلامات قد ~~أعطاها الشارع الذي يخبر عن الحق ، ومع هذا عين الظلّ موجود ) . # يعني : أنّك موجود ، وظهور الحق فيك بحسبك مشهود . # قال رضي الله عنه : ( فإن الضمير من " سمعه " وغيره يعود عليه ، وغيره من العبيد ~~ليس كذلك ، ونسبة هذا العبد إلى وجود الحق أقرب من نسبة غيره من العبيد) . # قال العبد : فكذلك صاحب الفرائض الذي يسمع به الحق ويبصر به ويأخذ ويعطي فهو سمع ~~الحق وبصره وعينه ، وكذلك الذي يجمع بين القربين ، والذي في مقام التشكيك ، والذي ~~في مقام التمحّض على ما تقرّر وتحرّر ، فتذكَّر وتأمّل وتدبّر تعرف مقامات رجال ~~الله وأولياء الله وأهله ، لا أولياء الأوامر والنواهي الإلهيّة ، إن شاء الله ~~تعالى . # قال رضي الله عنه : (وإذا عرفت ما قرّرناه ، فاعلم : أنّك خيال ) . وإذا كان ~~الأمر على ما قررناه فاعلم أنك خيال. # يعني : من حيث تصوّرك وحجابيّتك وصنميّتك الطاغوتية على ما في وهمك منك وزعمك ، ~~لا على ما أنت عليه عند الحق والمحقّقين . # قال رضي الله عنه : ( وجميع ما تدركه ممّا تقول فيه " سوى " كلَّه خيال في خيال ) ~~. # يعني رضي الله عنه : أنّك ما تدرك على ما تعوّدت وعرفت في زعمك إلَّا غير الحق ~~وهو خيال ، فإنّه ما ثمّ إلَّا الحق ، فالذي يجزم أنّه الموجود خيال ، والذي توهّمت ~~أنّك وجود غير الحق ، مستقلّ في الوجود ، فاعل مختار خيال في خيال ، وكل ما تقول ~~وتفعل خيال . # والوجه الآخر الأعلى هو أنّ الوجود الحق كما علمت إن شاء الله - مجلى ومرآة لظهور ~~صور الأعيان الثابتة ، والظاهر في المرآة مثال وهو خيال بلا شكّ ، إذ لا حقيقة له ~~خارج المرآة ولا وجود له في عينه ، فهو مخيّل ممثّل أو نسبة ، لا وجود له في عينه ، ~~ولكن من حيث الأمر الظاهر فيه المتمثّل المتخيّل ، له وجود محقّق . # فإنّ الخيال صورة محسوسة في مخيّلة كل متخيّل وحسّه المشترك ، فإن اعتبرناه صورة ~~خيالية فقطَّ ، فلا وجود له خارج الخيال ، وإن اعتبرنا الأمر الذي تصوّر وتشكَّل ~~فيه متخيّلا أو متمثّلا من روح أو معنى أو حقيقة أو اسم ، فهو محقّق ، فتحقّق ذلك ~~ولا تغفل . # قال رضي الله عنه : ( والوجود الحق إنّما هو الله خاصّة من حيث ذاته وعينه فكلّ ~~من الظاهر والمظهر على الشهودين خيال ، فما في الوجود خيال في خيال .). # قال رضي الله عنه : ( لا من حيث أسمائه ، لأنّ أسماءه لها مدلولان : المدلول ~~الواحد عينه وهو عين المسمّى ، والمدلول الآخر ما يدلّ عليه ممّا ينفصل به الاسم عن ~~هذا الاسم الأخير ويتميّز ، فأين " الغفور " من " الظاهر "و "الظاهر " من " الباطن ~~" ؟ وأين " الأوّل " من " الآخر " ؟ فقد بان لك بما هو كلّ اسم عين الاسم الآخر ، ~~وبما هو غيره ، فبما هو عينه هو الحق ، وبما هو غيره هو الحق المتخيّل الذي كنّا ~~بصدده) . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّه لا موجود في الحقيقة إلَّا الحق ، والمتحقّق معنى ~~آخر غيره هو الحق المتخيّل الذي نسمّيه " سوى " و " إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ ~~سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ الله بِها من سُلْطانٍ " وإن هي ~~إلَّا نقوش وعلامات . # قال رضي الله عنه : ( فسبحان من لم يكن عليه دليل إلَّا نفسه ولا يثبت كونه إلَّا ~~بعيّنه ، فما في الكون إلَّا ما دلَّت عليه الأحدية ،وما في الخيال إلَّا ما دلَّت ~~عليه الكثرة. فمن وقف مع الكثرة ، كان مع العالم أو مع الأسماء الإلهية وأسماء ~~العالم. # ومن وقف مع الأحدية ، كان مع الحق من حيث ذاته الغنيّة عن العالمين ، لا من حيث ~~صورته ، وإذا كانت غنية عن العالمين . فهو عين غناها عن نسبة الأسماء لها ، لأنّ ~~الأسماء لها كما تدلّ عليها تدلّ على مسمّيات أخر يحقّق ذلك أثرها). # يعني رضي الله عنه : أنّ الواقف من الناظرين في العالم مع الكثرة إنّما يقف مع ~~تعقّلات يتعقّلها في هذا النور الواحد الحقيقي الذي لا كثرة فيه على الحقيقة . # بل من حيث التعقّل ، فليس واقفا إلَّا مع أسماء وضعها على هذا النور الواحد ، ~~بحسب تعقّلات يتعقّلها أسماء ، فيتعقّل من الظهور بعد البطون بالنسبة إليه تجدّدا ~~وتغيّرا وحدوثا . # فيقول : هذا متغيّر ، وكلّ متغيّر حادث ، فيتعقّل أنّ له محدثا ، ثم يتعقّل أنّ ~~المحدث - اسم فاعل - يجب أن لا يكون حادثا ، ويتعقّل كثرة غير متناهية في الحادثات ~~المتجدّدات ، فيضع بحسب ذلك لها أسماء ويضع لمحدثها أسماء يزعم أنّ فيها كمالات ، ~~وفي أضدادها ونقائضها نقائص ، فهو هكذا دائما مع الأسماء . # والواقف مع أحدية العين يرى أنّ هذه الكثرة المتخيّلة والمتعقّلة إنّما هي في عين ~~واحدة ، ليس لغيرها تحقّق في نفسه ، ويرى أنّ التجدّد والحدوث والظهور والبطون ~~والكثرة والوحدة نسب متعقّلة ، ما لها تحقّق في أعيانها ، فهو مع الحق والواحد ~~الأحد ، فافهم . # قال رضي الله عنه : (" قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ " من حيث عينه " الله الصَّمَدُ " ، ~~من حيث إسنادنا إليه ، " لَمْ يَلِدْ " من حيث هويّته ونحن ، “ وَلَمْ يُولَدْ " ~~كذلك ، " وَلَمْ يَكُنْ لَه ُ كُفُواً أَحَدٌ " كذلك ). # لأنّه محيط بالكلّ ، ولا غير له فما له كفو . # قال رضي الله عنه : (فهذا نعته ، فأفرد ذاته بقوله : “ الله أحد " وظهرت الكثرة ~~بنعوته المعلومة عندنا ، فنحن نلد ونولد ونحن نستند إليه ، ونحن أكفاء بعضنا لبعض ، ~~وهذا الواحد منزّه عن هذه النعوت ) . # يعني رضي الله عنه : أنّ الواحد الذي لا يكون معه غيره يتعالى ويتنزّه عمّا لا ~~تقتضيه ذاته ، فإنّ مقتضى ذاته أن لا يكون إلَّا هو ولا يكون معه غيره أصلا ورأسا ، ~~فانتفت عنه هذه النسب كلَّها . # لأنّها لا تعقل إلَّا في كثرة ، ونحن الكثيرون ، فصحّت نسبتها إلينا ، ولم تصحّ ~~نسبتها إلى الواحد الأحديّ الذات الذي ليس إلَّا هو ، كان الله ولا شيء معه ، وهو ~~الآن على ما عليه كان . # قال رضي الله عنه : (فهو غنيّ عنها أي عن هذه النسب ، كما هو غنيّ عنّا وما للحق ~~نسب إلَّا هذه السورة سورة الإخلاص وفي ذلك نزلت ، فأحدية الله - من حيث الأسماء ~~الإلهية التي تطلبنا أحدية الكثرة ) . # يعني رضي الله عنه : واحد تتعقّل فيه كثرة نسبيّة ، لأنّ المسمّى بهذه الأسماء ~~الكثيرة واحد ، والكثرة نسب تتعقّلها فيه . # قال رضي الله عنه : # ( وأحدية الله من حيث الغنى عنّا وعن الأسماء الإلهية أحدية العين ، وكلاهما يطلق ~~عليه اسم الأحد فاعلم ذلك ) . # يعني : # ليس ذلك باعتبار تعقّل الكثرة فيه وعدم تعقّلها ، فاعلم ذلك . # قال رضي الله عنه : # (فما أوجد الحق الظلال وجعلها ساجدة متفيّئة عن اليمين والشمال ، إلَّا دلائل لك ~~عليك وعليه ، لتعرف من أنت ؟ وما نسبتك إليه ؟ وما نسبته إليك ؟ ) # . # يشير رضي الله عنه إلى : # أنّ التعيّنات الوجودية التي هي نحن كالظلال الممتدّة من الأشخاص تزيد وتنقص ، ~~تزيد بالامتداد عنها فسمّيت ظلالا وتنقص بالتقلَّص إليها ، فتسمّى أفياء من " فاء " ~~إذا رجع . # قال الله -تعالى : " فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ الله ~~" ومنه سمّي الغنيمة فيئا ، لأنّها ترجع وتفيء إلى المغتنم الساعي فيها ، فنحن - ~~أعني التعيّنات الوجودية الحقّة في العالمين - لنا دلالتان بالنسبة إلينا يستدلّ ~~بهما عليهما : # إحداهما : # دلالتنا على عين واحدة تجمعنا نحن لنا وفيها وبها ،ولا استقلال لنا في تحقّقنا ~~دونها. # والدلالة الثانية : # دلالاتنا علينا من حيث الكثرة التي ظهرنا بها بحسب خصوصيات أعياننا . # وكذلك الظلال يستدلّ بها على ذوات الظلال التي منها امتدّت ، ويستدلّ بها أيض # عليها أن لا استقلال ولا تحقّق لها دون تلك الأشخاص التي هي ظلالها . # قال رضي الله عنه : ( حتى تعلم من أين أو من أيّ حقيقة إلهية اتّصف ما سوى الله ~~بالفقر الكلَّي إلى الله ، وبالفقر النسبي بافتقار بعضنا إلى بعض ؟ # وحتى تعلم من أين أو من أيّ حقيقة اتّصف الحق بالغنى عن الناس والغنى عن العالمين ~~، واتّصف العالم بالغنى ، أي بغنى بعضه عن بعض من وجه ما هو عين ما افتقر إلى بعضه ~~به ؟ فإنّ العالم مفتقر إلى الأسباب بلا شكّ افتقارا ذاتيّا ، وأعظم الأسباب له ~~سببيّة الحق) . # قال العبد : # العالم بمألوهيته ومربوبيته ومخلوقيته وعدميته مفتقر إلى الموجد الله الربّ ~~الخالق ، والله من حيث وجوده المطلق غنيّ عن الربوبية والمربوب والخالقية والمخلوق ~~، لأنّ العالم من حيث مجموعه وكلَّيته يفتقر إلى الموجد الخالق بالذات . # إذ لا وجود له من نفسه ، وكذلك يفتقر إلى أجزائه وأبعاضه التي بها تتحقّق كليته ~~ومجموعه ، وكذلك الكلّ من حيث كلّ جزء جزء من العالم مفتقر إلى الحق في الوجود ، ~~ويفتقر كل جزء جزء كذلك في وجوده إليه افتقارا ذاتيا حقيقيا ويفتقر إلى بعضه في ~~تحقّق نسبة بعضه إلى البعض . # فانتشت النسب الافتقارية الكثيرة بالوجود الواحد إليه في الكلّ للبعض من البعض ، ~~وإلى الكلّ وللكلّ إلى الكلّ ، ومع قطع النظر عن النسب فذواتنا وهي عين وجوداتنا ~~قائمة بالذات المطلقة الواحدة في حقيقتها ، إذ لا حقيقة لغيرها ، فافهم . # قال رضي الله عنه : # ( ولا سببيّة للحق يفتقر العالم إليها سوى الأسماء الإلهيّة ) . # يعني رضي الله عنه : # لا افتقار إلى سبب إلَّا في الإيجاد كالخالقية والرازقية وما شاكلهما ، وذوات ~~الحقائق صور التعينات الذاتية الشؤونيّة ، فلا افتقار من حيث الذات العينية ، ~~فإنّها عين العين الغنيّة بالغيبيّة ، فالافتقار بين النسب وهي الأسماء التي نحن ~~صورها . # قال رضي الله عنه : (والأسماء الإلهية كلّ اسم يفتقر العالم إليه من عالم مثله ، ~~أو عين الحق ، فهو الله لا غير ). # يعني : # كافتقار الابن إلى الأب في وجوده ، والفرع إلى الأصل ، فهو الله لا غير ، إذ لا ~~مفتقر ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( ولذلك قال الله تعالى “ يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ ~~الْفُقَراءُ إِلَى الله وَالله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ " ومعلوم أنّ لنا ~~افتقارا من بعضنا إلى البعض ، فأسماؤنا أسماء الله - تعالى - إذ إليه الافتقار بلا ~~شكّ وأعياننا في نفس الأمر ظلَّه لا غيره ، فهو هويّتنا لا هويّتنا ، وقد مهّدنا لك ~~السبيل ، فانظر ) . # قال العبد : # يشير إلى أنّ الافتقار لمّا كان لنا ذاتيا ، لكوننا غير موجودين من حيث حقائقنا ~~وأعيانن ، فما لنا وجود من أنفسنا . # وكذلك لنا افتقار إلى الوجودية الثبوتيّة من ذاته ، فعمّنا الافتقار إلى الله في ~~الوجود وفي ظهور بعضنا للبعض ، ووصول آثار بعضنا إلى البعض به. # وكان الغنى في كل ذلك للذات المطلقة الواجبة الوجود بالذات ، فهو المفتقر إليه ~~مطلقا في جميع أقسام الافتقار ، سواء كان افتقارا كلَّيا أو نسبيّا . # فالافتقار إلى هذا الغنيّ بالذات المغني بالأسماء الإلهية ، ولمّا كان الافتقار ~~منّا إلى أسمائه ، ونرى افتقار بعضنا إلى البعض من وجه بالسببية والمسبّبية . # فنحن إذا صور أسماء الحق ، فعين افتقارنا إلينا هو عين افتقارنا إلى الحق ، فهو ~~الغنيّ ونحن الفقراء ، فاعلم ما أشرنا إليه ، إن شاء الله الموفّق. # . ### | فص حكمة أحدية في كلمة هودية ### | 10 - فصّ حكمة أحدية في كلمة هودية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # لمّا فرغ من حكمة الجمع الإلهي وحكم التنزيه والسلوب والتقديسات ، وتمّم حكم ~~كليّات الحقائق الثبوتية الإلهية ، شرع في بيان حكمة أحدية العين التي لها التنزيه ~~السلبي وتنزيه التنزيه والكمالات الثبوتيّة. # فإنّ الحكم الكمالية سلبية كانت أو ثبوتية فإنّها للذات المطلقة الأحدية ، وقد ~~ظهرت هذه الحكمة على أكمل وجوهها في الكلمة الهودية على ما نطق به القرآن ، وكما ~~سيرد عليك جملا وفصولا ، إن شاء الله تعالى . # وجه نسبة هذه الحكمة إلى هود عليه السّلام هو أنّ الغالب عليه شهود أحدية الكثرة ~~، فأضاف لذلك إلى ربّه أحدية الطريق بقوله : " إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ ~~مُسْتَقِيمٍ ". # وقال :"ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها " فأشار إلى هوية ،لها ~~أحدية كثرة النواصي والدوابّ . # ولمّا كانت الأحدية نعتا للهوية الذاتية ، قل هو الله أحد ، أضاف الأحدية إلى ~~هوية الله وحملها عليه ، ثم لمّا ظهر من ذوق هود عليه السّلام ومشربه إشارات عليّة ~~إلى الهوية والأحدية ، أسند حكمته إلى الأحدية ،ولأنّ حكمة الفصّ المتقدّم لمّا ~~كانت خاتمتها في بيان الأحدية ، ناسب اتباع هذه الحكمة لها. # فقال رضي الله عنه : # إنّ لله الصراط المستقيم %~% ظاهر غير خفيّ في العموم # في صغير وكبير عينه %~% وجهول بأمور وعليم # ولهذا وسعت رحمته %~% كلّ شيء من حقير وعظيم. # قال العبد : قد علمت فيما تقرّر من قبل أنّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق ~~وبعدد الأنفاس الإلهية ، وأنّ لكل اسم عبدا هو ربّه ، ذلك العبد جسم هو قلبه ، وكل ~~عين عين من الأعيان الوجودية مستند إلى اسم هو عبده الذي ارتبط به ، فهو على ~~الطريقة المستقيمة بالنسبة إليه ، يصل إلى الله من حيث هو . # ثم هذه الطرقات المستقيمة فهي على استقامتها السببية موصلة إلى المسمّى وهو الله ~~أحدية جمع جمع هذه المسمّيات ، والمستقيم الحقيقي من كل وجه هو الله ، فللَّه ~~الصراط المستقيم. # وذلك ظاهر في كل حضرة على العموم من كون الجميع متّصلا بالمسمّى ، وهذا ظاهر غير ~~خفيّ ، وسواء كان الاسم كلَّيا أو جزئيا ، والمظهر كبيرا أو صغيرا ، فإنّ الله ~~مسمّى الاسم بلا شك . # وكذلك فيمن يعلم ذلك وفيمن يجهل وإن لم يكن هذا هكذا ، فلا عموم إذن في الرحمة ~~لما لم يعمّ ، والرحمة عامّة فالرحمن هو المسمّى بالكلّ ، فهو بالمرصاد لكلّ سالك ، ~~وطريق من الطريق والسالكين ، وغايات الكلّ عند النهايات واصلة إليها . # قال رضي الله عنه : " ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ ~~رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ " ، فكلّ ماشي فعلى صراط الربّ المستقيم ، فهم غير ~~مغضوب عليهم من هذا الوجه ، ولا ضالَّون . # فكما كان الضلال عارضا كذلك الغضب الإلهي عارض ، والمآل إلى الرحمة التي وسعت كلّ ~~شيء وهي السابقة " . # يعني رضي الله عنه : أنّ الرحمة كانت سابقة إلى الأشياء قبل إيجادها ، لإزالة غضب ~~العدم ، فأوجدتها بنسبها الذاتية المختلفة ، فامتدّت إليها على رقائقها ، وشدّت على ~~تلك الرقائق إلى حقائقها ، ثمّ سلكت الحقائق الكيانية على تلك الرقائق إلى حقائق ~~أربابها بطرائقها . # فمآل الكلّ كما قلنا إلى الله الرحمن ، والكلّ على صراط الربّ المستقيم ، فإنّ ~~الله أخذ أيضا بناصية كل دابّة إليه ، فهو القائد والسائق والطريق ، وهو على الغاية ~~، قد سبقهم ويرقبهم بالمرصاد . # قال رضي الله عنه: " وكلّ ما سوى الحق فهو دابّة ، فإنّه ذو روح ، وما ثمّ من ~~يدبّ بنفسه ، بل يدبّ بغيره ، فهو يدبّ بحكم التبعية للذي هو على الصراط المستقيم ، ~~فإنّه لا يكون صراطا إلَّا بالمشي عليه " . # يعني رضي الله عنه : أنّ كلّ ما يسمّى سوى الحق فقيامه بالحقّ والحقّ قيامه ، ~~يسير به إلى غاية كماله الذي أهّل له ، وذلك لأنّ الوجود الحق المتعيّن في قابليته ~~يخرج ما في استعداده بالقوّة إلى الفعل ، وليس له ذلك بدون الوجود الحق. # فهو آخذ بناصيته في سيره به إلى كماله الخصيص به ، فهو إذن يدبّ ويتحرّك حركة ~~ضعيفة ، لكونها غير ذاتية له ، بل عرضية بحكم التبعية ، فهو يتحرّك به في الحق . # فالحق هو عين الصراط المستقيم ، وهو الذي يمشي به عليه ، والصراط إنّما يكون ~~صراطا بالمشي عليه ، كما قلنا في الغرّاء الرائية :لقد سار بي فيه فسرت بسيره # عليه إليه منه في كل سائر. # قال رضي الله عنه : # إذا دان لك الخلق %~% فقد دان لك الحق # وإن دان لك الحق %~% فقد لا يتبع الخلق # يعني : الوجود الحق المتعيّن في قابلية الخلق لمن هو متعيّن فيه وبه بحسبه ، فإذا ~~أذعن وانقاد لك الخلق ، فإنّ حقيقته الباطنة فيه معه ، وإذا أذعن وانقاد لك الحق ~~الذي تجلَّى لك ، فلا يلزم أن يتبعه الخلق ، لعدم تعيّنه فيه . # فإنّ الحق المذعن المفروض حق بلا خلق ظهر فيه ، إذ الظاهر بحكم المظهر وبالعكس في ~~النار ، فكذلك الخلق السالك ناصيته بيد حق يسيّره به إلى كماله فما سلك خلق إلَّا ~~بحقّ فيه ، فلا ظهر حق إلَّا بخلق . # قال رضي الله عنه : فحقّق قولنا فيه %~% فقولي كلَّه حق. # يعني : لمّا تحقّقت أنّ الخلق لا فعل له إلَّا بالحق ، فتحقّق ذلك ، وحقّق قولي ~~ونطقي بذلك : إنّه للحق بالحق في الحق ، فلا أقول إلَّا الحق . # قال رضي الله عنه : فما في الكون موجود %~% تراه ما له نطق. # يعني : كلّ ما وجد ، فلا بدّ أن يتعيّن الوجود الحق في مظهريته ، فهو ينطق بذلك ~~الحق الذي فيه ينطق به وينطقه و " قالُوا أَنْطَقَنَا الله الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ ~~شَيْءٍ " ، # يعني : به . # قال رضي الله عنه: وما خلق تراه العين %~% إلَّا عينه حق. # يعنى : لا يقع عين على عين من الأعيان الوجودية الخلقية إلَّا والحق عينه ، لأنّ ~~الظاهر # المتعيّن به وفيه هو الوجود الحق ، فالوجود المشهود عيانا في رأى العين هو الحق ~~المسمّى بالخيال والوهم في العرف خلقا ، أي إفكا ، فإنّ الخلق لغة إفك مفترى ، " ~~إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ " وأيضا خلق بمعنى قدّر. # فإنّ الموجود المشهود حقّ تقدّره أنت في وهمك وخيالك أنّه غير الحق ، وذلك زور ~~وبهتان واختلاق ، ليس للقائل به عند الله خلاق ، بالوهم يخلق الإنسان في ذهنه ما ~~يشاء ، ويسمّيه بموجب تعيّنه في ذهنه بما يشاء . # قال رضي الله عنه :ولكن مودع فيه . %~% لهذا صوره حقّ. # يعني : أنّ الحق مودع فيما نسمّيه خلقا ، وهو مظهره ، فالصور الخلقية حقّ - جمع ~~حقّه - وقد أودعت فيها حقّا به حقّية هذه الحقائق . # فكلّ خلق حقّه لحقّ مودع فيه والصور جمع صورة ، والضمير يعود إلى الحقّ الخلق ، ~~أي الحقّ الظاهر بأعيان المظاهر ، مظاهر حقائق الجواهر الحقوق المودعة فيه ، وكذلك ~~الحقائق الكيانية الإمكانية للوجود الحق الظاهر فيها ، فافهم . # قال رضي الله عنه : " اعلم : أنّ العلوم الإلهية الذوقية الحاصلة لأهل الله ~~مختلفة باختلاف القوى الحاصلة منها مع كونها ترجع إلى عين واحدة ". # يشير رضي الله عنه إلى : أنّ أهل الله يحصل لهم من العلم بالله قوى مختلفة توجب ~~مشاهد مختلفة بحسب استعداداتهم الخصوصة ، فيحصل للبعض قوّة بها يكون الحق سمعه ~~وبصره وسائر قواه وجوارحه ، جمعا وفرادى موقّتا وغير موقّت ، وفيه طبقات أهل قرب ~~النوافل. # ويحصل أيضا كذلك لآخر قوّة يكون هو بها عين الحق وسمعه وبصره فيه ، يبصر الحق ~~ويسمع وينطق ويفعل به ، ويحصل للبعض قوّة يجمع بها بين الشهودين والوجودين ، فافهم ~~، وليس حصول هذه القوى فيهم إلَّا بالعلم ، والاختلاف بحسب القابلية والصلاحية ~~الاستعدادية الذاتية الخصوصية لا غير . # قال رضي الله عنه : "قال الله تعالى : « كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر ~~به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشى بها » فذكر أنّ هويّته هي عين الجوارح ~~التي هي عين العبد ، فالهوية واحدة والجوارح مختلفة ، ولكل جارحة علم من علوم ~~الأذواق يخصّها من عين واحدة يختلف باختلاف الجوارح ، كالماء حقيقة واحدة يختلف ~~باختلاف البقاع " . # قال العبد : شبّه رضي الله عنه العلم الحاصل لأهل الله في جوارحهم وقواهم من الله ~~بالماء ، فإنّ الحياة للحيوان بالماء كالحياة للأرواح بالعلم . ثمّ إنّ هذه الحقيقة ~~الواحدة العلمية تظهر في كل مظهر بحسبه كما يظهر الماء في كل بقعة بحسبها فمنه "عذب ~~فرات " وهو العلم النافع الإلهي ومنه "ملح أجاج " وهو العلم بالسوى والغير من حيث ~~حجابيّتها . # قال رضي الله عنه : "وهو ماء في جميع الأحوال لا يتغيّر عن حقيقته وإن اختلفت ~~طعومه ". # يعني : كذلك العلم لا يختلف عن حقيقته ، فإنّه علم في جميع العلماء لا يتغيّر ، ~~وإن اختلف بحسب المدارك والمدركين والمدركات ، فليس الاختلاف فيه ، بل في اللوازم ~~لا غير . # قال رضي الله عنه : « وهذه الحكمة حكمة الأرجل وهو قوله تعالى في الأكل لمن أقام ~~كتبه : "لأَكَلُوا من فَوْقِهِمْ وَمن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ " فإنّ الطريق الذي هو ~~الصراط هو للسلوك عليه والمشي فيه ، والسعي لا يكون إلَّا بالأرجل ، فلا ينتج هذا ~~الشهود في أخذ النواصي بيد من هو على الصراط المستقيم إلَّا هذا الفنّ الخاصّ من ~~علوم الأذواق " . # يشير رضي الله عنه إلى : العلم الخصيص بالأرجل ، وهو العلم الحاصل بالكدّ والسعي ~~والتعمّل في مراتب العلوم الظاهرة في المثال ، وفي التحقيق العلم الحاصل للأقدام من ~~حيث هي أقدام وآلات سعي على الصراط. # ولا نتيجة له في أخذ النواصي بيد الحق الذي هو على الصراط المستقيم إلَّا أن ~~يقودها بموجب ما تسوق الأرجل في السلوك والسعي لا غير ، ولا يفيد إلَّا هذا الفنّ ~~الخاصّ من علم الأذواق . # قال رضي الله عنه : « ويسوق المجرمين وهم الذين استحقّوا المقام الذي ساقهم إليه ~~بريح الدبور التي أهلكهم عن نفوسهم بها ، فهو يأخذ بنواصيهم والريح تسوقهم وهي عين ~~الأهواء التي كانوا عليها - إلى جهنّم وهي البعد الذي كانوا يتوهّمونه ، فلمّا ~~ساقهم إلى ذلك الموطن حصلوا في عين القرب ، فزال البعد ، فزال مسمّى جهنّم في حقّهم ~~، ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق" . # يشير رضي الله عنه إلى : أنّ المجرمين الذين يسعون في الأجرام والآثام إنّما ~~تسوقهم الأهواء التي يهوون بها في هوّة جهنّم إلى البعد الوهميّ من خلفهم وأدبارهم ~~، ولهذا سمّيت دبورا . # أي تسوقهم من أدبارهم أهواؤهم بزعمهم وفي نفس الأمر ، إنّما تسوقهم الأهواء بحسب ~~ما يقودهم من بيده نواصيهم إلى غاياتهم التي استحقّوها بحسب استعداداتهم وسعيهم ~~فيهم بحكم السائق والقائد . # فهم فنوا وهلكوا عنهم بحكمه ، فليسوا بحكمهم وقد توهّموا بعدا في بعد من حيث ~~توهّمهم أنّهم هم الذين يسعون ويعملون ويمشون ويسلكون بأنفسهم إلى ما تخيّلوا من ~~كمالات وهمية فانية . # فما يسعون إلَّا إلى ما يتوهّمونه ، وهو البعد ، والحقيقة تأبى ذلك ، فإنّهم ~~إنّما يسعون بالحق في الحق للحق من حيث لا يعلمون ولا يشعرون ، فإذا بلغوا غاياتهم ~~لم يجدوا ما عملوا شيئا ، لأنّهم وجدوا الله عاملا بهم ما عملوا ، ووجدوا الحق الذي ~~به عملوا ما عملوا . # فإذا وفّقوا عند النهاية إلى الغاية على السرّ ، حصلوا في عين القرب ، فزال البعد ~~في حقّهم ، فزال مسمّى جهنّم وهو البعد ، ففازوا بالقرب بسعيهم واستحقاقهم ، فإنّهم ~~إنّما وصلوا إلى ما وصلوا بأرجلهم التي سعوا عليه . # وكانت أرجلهم عين الحق من حيث لم يعرفوا ، فلمّا عرفوا غرقوا في الذوق واللذّة ~~القربيّة من حيث لم يعرفوا كذلك . # قال رضي الله عنه : " فما أعطاهم هذا المقام الذوقي اللذيذ من جهة المنّة ، ~~وإنّما أخذوه بما استحقّه حقائقهم من أعمالهم التي كانوا عليها ، وكانوا في السعي ~~في أعمالهم على صراط الربّ المستقيم ، لأنّ نواصيهم كانت بيد من له هذه الصفة ، فما ~~مشوا بنفوسهم ، وإنّما مشوا بحكم الجبر " . # يعني رضي الله عنه : أنّهم في سعيهم الذي سعوا غير مختارين بالاختيار المعروف عرف ~~، فإنّهم إنّما سعوا بموجب استعداداتهم الذاتية وبموجبها تعلَّقت المشيّة الإلهية ~~بما يشبه الجبر ، فساقهم من أدبارهم بالدبور ، وأخذهم بنواصيهم جبرا ، حتى أوصلهم ~~إلى ما استحقّوا بحسب مقتضيات ذواتهم لا باختيارهم المجعول فيهم ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « إلى أن وصلوا إلى عين القرب " وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْه ِ ~~مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ " وإنّما هو مبصر ، فإنّه مكشوف الغطاء فبصره حديد ~~، وما خصّ ميّتا عن ميّت أي خصّ مؤمنا سعيدا دون مشرك شقيّ ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد وما خصّ إنسانا من إنسان ، فالقرب الإلهي من العبد لا خفاء به في الإخبار ~~الإلهي ، فلا قرب أقرب من أن تكون هويّته عين أعضاء العبد وقواه ، وليس العبد سوى ~~هذه الأعضاء والقوى ، فهو حق مشهود في خلق متوهّم ، فالخلق معقول ، والحق محسوس ~~مشهود عند المؤمنين وأهل الكشف والوجود ، وما عدا هذين الصنفين فالحق عندهم معقول ، ~~والخلق مشهود ، فهم بمنزلة الماء الملح الأجاج ". # يعني : علومهم ليست إلَّا بحجابيات الأشياء وصنميّات الأعيان والأهواء ، فلا علم ~~لهم بالحق الذي يشهدون " وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ". # قال رضي الله عنه :" والطائفة الأولى بمنزلة الماء العذب الفرات السائغ شرابه ~~لشاربيه ، فالناس على قسمين : # من الناس من يمشي على طريق يعرفها ويعرف غايتها فهي في حقّه صراط مستقيم. # ومن الناس من يمشي على طريق يجهلها ولا يعرف غايتها وهي عين الطريق التي عرفها ~~الصنف الآخر . # فالعارف يدعو إلى الله على بصيرة ، وغير العارف يدعو إلى الله على التقليد ~~والجهالة ". # يعني رضي الله عنه : أنّ الطريق إلى الحق حق عرفه من عرفه ، فسلك عليها ودعا ~~إليها على بصيرة ، وجهلها من جهلها ، فسلك عليها على جهالة إلى غاية عليها الحق ، ~~ودعا إلى الحق على جهالة ، لأنّ الطريق والغاية حقّ جميعها . # قال رضي الله عنه : « فهذا علم خاصّ يأتي من أسفل سافلين ، لأنّ الأرجل هي السفل ~~من الشخص وأسفل منها ما تحتها وليس إلَّا الطريق ، فمن عرف الحق عين الطريق ، عرف ~~الأمر على ما هو عليه " . # يعني رضي الله عنه : يعلمهم الله نتائج سلوكهم من كونه عين الطريق الحق الذي ~~يسلكون عليها ، وإليه الإشارة بقوله : " وَمن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ". # قال رضي الله عنه : « ففيه جلّ وعلا نسلك ونسافر ، إذ لا معلوم إلَّا هو وهو عين ~~السالك والمسافر ، فلا عالم إلَّا هو " . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ طريق الحق حق ، والسالك سالك حقّ ، والغاية حق ، ~~والعلم حق ، والمعلوم حق ، والعالم حق ، فما في الوجود إلَّا الحقّ ، ولكنّ الحق في ~~كلّ متعيّن باسم ومدلول اسم ما إنّما يكون بقدره وبحسبه ، وهو حقّه الخصيص به من ~~الحقيّة المطلقة تحقّقت في الطريق والغاية والسالك والعلم والعالم والمعلوم ، فما ~~ثمّ إلَّا هو . # قال رضي الله عنه : « فمن أنت ؟ فاعرف حقيقتك وطريقتك ، فقد بان لك الأمر على ~~لسان الترجمان إن فهمت ، وهو لسان حق فلا يفهمه إلَّا من فهمه حق ، فإنّ للحق نسبا ~~كثيرة ووجوها مختلفة". # يشير رضي الله عنه إلى : التحريض بالتحقّق بحقيقة الأمر ، وحقيقة الأمر أن لا ~~حقيقة ولا حقّية إلَّا لله ، وهو حق الحقيقة وحقيقتها ، فإذا تحقّقت ذلك تحقّقت ~~أنّك عين الحق ، والحق عينك وعين قواك وجوارحك . # وأنت صورة أحدية جمع صور تنوّعات ظهوره وتعيّنات نوره ، وإذا عرفت أنّك حق على ~~الطريق الحق ، وغايتك الحق ، وسلوكك حق ، فالكلّ حق في حق ، فاعلم ذلك ولا تكن من ~~الجاهلين " إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ من الْجاهِلِينَ ". # فقد بان لك الأمر على لسان ترجمان الحق وهو رسول الله الذي هو لسان حق بقوله : « ~~كنت سمعه وبصره ويده ورجله » وحيث قال لك الحق بلسان الحق حقّا ، فافهم الحق بالفهم ~~الحقّ حقّ الفهم ، إذ لا يفهم الحق إلَّا الحق . # ثم قال رضي الله عنه بعد قوله : « فإنّ للحق نسبا كثيرة ووجوها مختلفة : « ألا ~~ترى عادا قوم هود ، كيف " قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا " فظنّوا خيرا بالله وهو ~~عند ظنّ عبده به ؟ ! # فأضرب لهم الحق عن هذا القول فأخبرهم بما هو أتمّ وأعلى في القرب ، فإنّه إذا ~~أمطرهم فذلك حظَّ الأرض وسقي الحبّة ، فلا يصلون إلى نتيجة ذلك إلَّا عن بعد . # فقال لهم : "بَلْ هُوَ ما اسْتَعْجَلْتُمْ به رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ " ، ~~فجعل الريح إشارة إلى ما فيها من الراحة لهم ، فإنّ هذه الريح أراحتهم عن هذه ~~الهياكل المظلمة والمسالك الوعرة والسدف المدلهمّة . # وفي هذه الريح عذاب أي أمر يستعذبونه إذا أذاقوا إلَّا أنّه يوجعهم ، لفقد ~~المألوف ، فباشرهم العذاب ، فكان الأمر إليهم أقرب ممّا تخيّلوا " . # يعني رضي الله عنه : أنّهم لمّا ظنّوا بالله خيرا من حيث لا يشعرون والله عند ظنّ ~~عبده به ، فأثابهم الله خيرا ممّا ظنّوا ، لكونهم حصلوا بذلك في عين الحق من حيث لم ~~يحتسبوا ، فإنّ للحق وجوها كثيرة ونسبا مختلفة ، هم وظنونهم وأفعالهم وأحوالهم ~~وأقوالهم من جملتها ، فجازاهم على ظنّهم بالله خيرا على وجه أتمّ وأعمّ . # قال رضي الله عنه : « فدمّرت " كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا ~~يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ " وهي جثتهم التي عمرتها أرواحهم الحقيّة . # فزالت حقّية هذه النسبة الخاصّة ، وبقيت على هياكلهم الحياة الخاصّة بهم من الحق ~~- التي تنطق بها الجلود والأيدي والأرجل - وعذبات الأسواط والأفخاذ . وقد ورد النصّ ~~الإلهي بهذا كلَّه " . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ التدبير كان في تدميرهم ، فدمّرت الريح ما كان قابلا ~~للتدمير منهم ، فأزالت أرواحهم العامرة لجثثهم وأبدانهم ، فإزواح الريح أرواحهم ~~إزواحهم عن هذه الهياكل المظلمة التي كان سلوك الحق فيها في المنازل والسمالك ~~الوعرة الغالبة عليها حشوية الحجابية والتعيّن . # فبقيت جثثهم بلا أرواحهم ، وهم وإن زالت عنهم الحقّية التي كانت لهم من حمية ~~الأرواح الحقّية ، ولكنّ أبقى الله عليهم الحقّية التي تخصّ أجسامهم هي حياة ~~الحقّيّة الحفيّة . # ولكنّ التي بها تنطق الأيدي والأرجل يوم لا ينطقون بأنفسهم الناطقة وتلك حياة ~~حييت بها الجسمانيات من حيث الجسمانية لا من حيث الروحانية . # كما أشار إلى سرّها الشيخ الكامل أبو مدين الغوثّ بقوله : سرّ الحياة سرى في ~~الموجودات ، يعني : من حضرة الحيّ القيّوم المحيي ، فيه تجمّدت الجمادات ، وبه حييت ~~الحيوانات ، فإنّ الجماد صورة وجودية بها حياة ذلك الجسم وكماله الوجودي . # "" أضاف الجامع : قال الشيخ في الفتوحات الباب الثامن والخمسون وخمسمائة : # فالخلق وإن كان له السريان في الحق فهو محدود بالسريان والحق وإن كان له السريان ~~في الخلق فهو محدود بالسريان . # وهذا كان مذهب أبي مدين رحمه الله وكان ينبه على هذا المقام بقوله الأمي العامي ~~سر الحياة سرى في الموجودات كلها فتجمدت به الجمادات ونبتت به النباتات وحييت به ~~الحيوانات فكل نطق في تسبيحه بحمده لسر سريان الحياة فيه فهو وإن كان رحمه الله ~~ناقص العبارة لكونه لم يعط فتوح العبارة . # فإنه قارب الأمر ففهم عنه مقصوده وإن كان ما وفاه ما يستحقه المقام من الترجمة ~~عنه فهذا معنى الطيب وأنه من أسماء التقييد والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.أه "" # قال رضي الله عنه : « إلَّا أنّ الله وصف نفسه بالغيرة ، ومن غيرته حرّم الفواحش ~~، وليس الفحش إلَّا ما ظهر » # يعني رضي الله عنه : ممّا يجب ستره . # قال رضي الله عنه : « وأمّا فحش ما بطن فهو لمن ظهر له . فلمّا حرّم الفواحش أي ~~منع أن تعرب حقيقة ما ذكرناه ، وهي أنّه عين الأشياء - فسترها بالغيرة وهي أنت من ~~الغير. # فالغير يقول : السمع سمع زيد ، والعارف يقول : السمع عين الحق ، وهكذا ما بقي من ~~القوى والأعضاء ، فما كلّ أحد عرف الحق ، فتبيّن الفاضل والمفضول ، فتفاضل الناس ، ~~وتميّزت المراتب " . # قال العبد : لمّا قرّر رضي الله عنه أنّ الحق هو الموجود المشهود : من الطريق ، ~~والسالك ، والسلوك ، والغاية ، والعلم ، والعالم ، والمعلوم ، استثنى بأنّ الله ~~حرّم ظهور هذه الأسرار ، فإنّ الفحش ظهور ما يجب ستره ، وهذا ما ظهر منها . # وأمّا فحش ما بطن منها فهو بالنسبة إلى من أظهره الله عليه ، فجرّ الله العيون أي ~~أظهرها من باطن الأرض ، وفجّر الله ينابيع الحكمة من قلبه إلى لسانه ، والفجور هو ~~الفحش الظاهر ، ممّا يجب ستره . # قال : ولمّا حرّمها أي جعلها حرما لا يطرقها إلَّا أهل الحمى، لم يكن سترها إلَّا ~~بالتعينات الكثيرة المختلفة التي أوجبتها أنت بأنانيّتك وإنيّتك. # فإنّ الأنانيّة والإنيّة والأينية والتحتية والفوقية عدّدت الهوية الأحدية إلى ~~هويات لا تتناهى ، فسترتها بها ، فظهرت الغيرية . # لأنّ " أنا " غير « ك » ، و « أنت » و « أنت » غير « هو » وغير « ي » ، و " نحن" ~~غير « كم » . # فكثرت الكنايات والعبارات عن عين واحدة ، فقيل : # عباراتنا شتّى وحسنك واحد %~% وكلّ إلى ذاك الجمال يشير # فمن كان تحقّقه في مقام شهود الغيرية تحقّقت الغيرية بالنسبة إليه على العين فستر ~~الحقيقة . # فقال : السمع سمع زيد . # والعارف بالحقيقة يقول : السمع والبصر والقوى والجوارح من الكلّ عين الحقّ . # والكلّ في مقام قرب النوافل من كون الكلّ متنفّلا بوجوداتهم ومتقرّبا إلى الحق ~~بمظهرياتهم وإنّيّات أعيانهم وهوياتهم ، فتميّزت المراتب والمنازل ، وتعيّنت ~~المشارب والمناهل وتبيّن المفضول عن الفاضل . # قال رضي الله عنه - : " واعلم : أنّه لما أطلعني الله وأشهدني أعيان رسله ~~وأنبيائه كلَّهم البشريّين من آدم إلى محمّد - صلوات الله عليهم أجمعين - في مشهد ~~أقمت فيه بقرطبة سنة ستّ وثمانين وخمسمائة ، ما كلَّمني أحد من تلك الطائفة إلَّا ~~هود عليه السّلام ، فإنّه أخبرني بسبب جمعيتهم ، ورأيته رجلا ضخما في الرجال ، حسن ~~الصورة ، لطيف المحاورة ، عارفا بالأمور ، كاشفا لها ، ودليلي على كشفه لها قوله " ~~ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ ~~مُسْتَقِيمٍ ". # قال العبد : « قرطبة » مدينة من بلاد المغرب ، وكان الشيخ رضي الله عنه بها إذا ~~أشهده الله هذا المشهد الشريف النزيه ، أشهده فيها أعيان الأنبياء والمرسلين كلَّهم ~~أجمعين مجتمعين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم . # فأخبره هود عليه السّلام أنّ اجتماعهم لتهنئته - رضي الله عنه - بأنّه خاتم ~~الأولياء ووارث ختمية خاتم الرسل والأنبياء ، وأنّه قطب الأقطاب . # وسبب اختصاص هود عليه السّلام بإخباره بسبب اجتماعهم هو صحّة مناسبة ذوقه ومشربه ~~صلى الله عليه وسلم بمشرب ختم الولاية المحيطة بالأذواق والمشارب كلَّها من حيث ~~جمعيته عليه السّلام وإحاطة مشربه في التوحيد وسعة مقام كشفه وشهوده عليه السّلام. # فإنّه أثبت بشهادة القرآن العظيم أنّ الحق عين كلّ دابّة على أرض الحقيقة ، فما ~~خصّص شيئا عن شيء . # وعيّن أنّ الله بهويته الأحدية الجمعية آخذ بناصية كل متعيّن بها من الممكنات غير ~~المتناهية التي تدبّ بالحق المتعيّن فيه على أرض الحقيقة التي عليها تدبّ وتسلك ~~طريقة خاصّة بها إلى ربّها. # فإنّه هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن ، فعمّ شهوده عليه السّلام جميع ما ظهر ~~وبطن ، فإنّه ما من ظاهر متعيّن إلَّا وهو يدبّ بالحق الآخذ بناصيته إليه ، وما من ~~باطن من الحقائق الغيبية العينية إلَّا وهو يدبّ إلى كمال الظهور وتحقّقه بالنور ، ~~والأوّل يدبّ إلى نهاية الآخرية اللامتناهية ، والآخر يدبّ بانعطافه على الأوّل . # وكونه ضخما صورة كماله وسعته في الشهود ، كمال قال الله تعالى حكاية عن أشموئيل ~~عليه السّلام في حق طالوت وتزكيته عند من كان بصدد جرحه في الطعن فيه . # فقال : " إِنَّ الله اصْطَفاه ُ عَلَيْكُمْ وَزادَه ُ بَسْطَةً في الْعِلْمِ ~~وَالْجِسْمِ ". # قال رضي الله عنه : « وأيّ بشارة أعظم للخلق من هذه ؟ » # يعني : من إخباره أنّه عين هويات الأشياء كلَّها . # قال رضي الله عنه: « ثمّ من امتنان الله علينا أن أوصل إلينا هذه المقالة عنه في ~~القرآن ، ثم تمّمها الجامع للكلّ محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم بما أخبر به عن ~~الحقّ بأنّه عين السمع والبصر واليد والرجل واللسان ، أي هو عين الحواسّ . والقوى ~~الروحانية أقرب من الحواسّ ". # يعني : في النظر العقلي # قال رضي الله عنه: « فاكتفى بالأبعد المحدود عن الأقرب المجهول الحدّ ، فترجم ~~الحق لنا عن نبيّه هود عليه السّلام مقالته لقومه بشرى لنا وترجم رسول الله صلَّى ~~الله عليه وسلَّم عن الله مقالته بشرى فكمل العلم " في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا ~~الْعِلْمَ " . "وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ ". # فإنّهم يسترونها وإن عرفوها حسدا ونفاسة وظلما . # وما رأينا قطَّ من عند الله في حقّه تعالى في آية أنزلها أو إخبار عنه أو صله ~~إلينا فيما يرجع إليه تعالى إلَّا بالتحديد تنزيها كان أو غير تنزيه . # أوّله العماء الذي ما فوقه هواء وما تحته هواء ، فكان الحق فيه قبل أن يخلق الخلق ~~، ثم ذكر أنّه استوى على العرش ، فهذا أيضا تحديد . # ثمّ ذكر أنّه ينزل إلى سماء الدنيا ، فهذا تحديد ، ثم ذكر أنّه في السماء ، وأنّه ~~في الأرض ، وأنّه معنا أينما كنّا إلى أن أخبرنا أنّه عيننا . ونحن محدودون ، فما ~~وصف نفسه إلَّا بالحدّ . # وقوله : " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ " حدّ أيضا إن أخذنا الكاف زائدة لغير الصفة ~~ومن تميّز عن المحدود فهو محدود بكونه ليس عين هذا المحدود . # فالإطلاق عن التقييد تقييد والمطلق مقيّد بالإطلاق لمن فهم . وإن جعلنا الكاف ~~للصفة ، فقد حدّدناه . # وإن أخذنا « ليس كمثله شيء » على نفي المثل ، تحقّقنا بالمفهوم وبالإخبار الصحيح ~~أنّه عين الأشياء ، غير هذا المحدود ". # قال العبد : يشير رضي الله عنه إلى ما يخطر لبعض المحجوبين من أنّ الحق إذا كان ~~عين سمع أو بصر ، كان محدودا بحدّه وهو غير محدود . # فعرّف رضي الله عنه أنّ الأمر أعظم ممّا توهّم تنزيهه الوهميّ ، وأوسع وأجل عن ~~التقيّد بالمدرك الفكري ، فإنّه الحقيقة التي من شأنها أن تكون عين الكلّ ، فلا ~~يتقيّد بحدّ ولا يتحدّد بما ميّزه هو بتنزيهه عن أن يكون عين المحدودات . # فإنّه لو كان في معيّن بالتعيين أو معيّنا متميّزا عن غيره ، لكان كذلك ، ولكنّه ~~ليس كذلك ، بل محيط بالكلّ قد استغرق الكلّ ، غير منحصر في الكلّ . # لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها بعينه ، فكان عينها ، ولم يتعيّن في عين ~~على التعيين ، فلم يتحدّد بحدّ مخصوص على التخصيص والتمييز . # فلم يدركه حدّ ولم يبلغه حصر ، وإن كان محدودا بحدّ كلّ ذي حدّ ، فإنّه غير محصور ~~في ذلك فافهم ، إن شاء الله تعالى . # ثمّ أخذ رضي الله عنه في تعديد التحديد الذي وردت به النصوص الإلهية ممّا يجب ~~الإيمان به في الكتاب والسنّة ، وادّعى أنّه لم يرد في جميع ما ورد في القرآن وسائر ~~الكتب المنزلة وألسنة السنّة إلَّا التحديد . # ثمّ بيّن أنّ التحديد لا يقيّده والتقييد لا يحدّده ، لعدم انحصاره في الكلّ ، ~~ولا في الإطلاق عن الكلّ . # ثمّ قال رضي الله عنه : الآية الدالَّة على التنزيه في القرآن هي " لَيْسَ ~~كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ " فإن أخذنا الكاف زائدة ، دلَّت على نفي المثل فتميّز عن ~~الأمثال وماله مثل ، فكان محدودا بتميّزه عمّاله مثل ، وإن لم تكن زائدة ، كان ~~إثباتا للمثل ونفيا لمثليّة المثل ، عن المثل ، وهذا عين التشبيه ، والتشبيه تحديد. # وبنفي المثلية عن مثله يتحقّق أنّ مثله من لا يشبهه شيء له مثل ، فيصحّ أن يكون ~~عين الأشياء حقيقة ، حتى لا يكون له مثل من الأشياء. # فإنّ من يكون بعينه عين الكلّ ، فإنّه لا يكون شيء من الكلّ مثله من كونه عين ~~الكلّ ، فافهم ، وإذا كانت الأشياء محدودة بحدود لها خصيصة بها ، كان هو من حيث ~~كونها عين الكلّ محدودا بحدود ذوات الحدود كلَّها . # فما حدّه حدّ معيّن حاصر فما له حدّ ، إذ حدّ الحدّ أن يكون جامعا لحقائق المحدود ~~، مانعا لما تميّز عنه عن الدخول في حدّه والمقول عليه ، وفيه حدود المحدودات غير ~~المتناهية ، وغير المحدودة غير محدود ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « والأشياء محدودة ، وإن اختلفت حدودها ، فهو محدود بحدّ كلّ ~~ذي حدّ ، فما يحدّ شيء إلَّا وهو حدّ للحق ، فهو الساري في مسمّى المخلوقات ~~والمبدعات ، ولو لم يكن الأمر كذلك ، لما صحّ الوجود " . # يعني : لأنّه لا وجود إلَّا وجوده الذي هو هو ، فبالحق وجدت الموجودات وشهدت ~~المشهودات ، فلا وجود لشيء إلَّا به . # قال رضي الله عنه : « فهو عين الوجود ، فهو على كل شيء حفيظ بذاته لا يؤوده حفظ ~~شيء ، فحفظه تعالى الأشياء كلَّها حفظه لصورته أن يكون الشيء غير صورته ، ولا يصحّ ~~إلَّا هذا ، فهو الشاهد من الشاهد والمشهود من المشهود ، فالعالم صورته ، وهو روح ~~العالم ، المدبّر له ، فهو الإنسان الكبير " . # قال العبد : قد علمتم أنّ الأشياء محدودة ، ولكل شيء حدّ هو جمع جميع ما يجمعه ~~ويمنعه عن غيرهن أن يكونه ، وذلك إمّا بذكر الجنس والفصل فيما هو تحت الجنس والفصل ~~، أو بما به الاشتراك والامتياز فيما ليس كذلك. # وحدّ الحدّ أن يكون كذلك سواء كان الحدّ تامّا أو ناقصا ، إذ الناقص أيضا على ما ~~عرف وعرّف كاف ، لتضمّنه ما نقصه في العبارة من كون الخاصّ مستلزما للعامّ . # لأنّك إذا قلت : الإنسان هو الناطق أو الناطق الإنسان ، لكان في قوّة قولك : ~~الإنسان حيوان ناطق ، أو الحيوان الناطق هو الإنسان . # لاستلزام الناطق وهو الفصل المميّز الخاصّ للعامّ وهو الحيوان الذي فيه الإنسان ~~أو الناطق مع غيره ، وكل ناطق فهو حيوان ، وكل خاصّ فهو مستلزم للعامّ . # فكلّ كاف شاف عند الإيجاز عن ذكر ما به الشركة ، ولا شيء من الأشياء إلَّا وهو ~~محدود بما به يمتاز ويختصّ ، وهو يتضمّن ما به الاشتراك بالضرورة . # ثمّ إنّا إن لم نأخذ في كل حدّ ظاهر المحدود وباطنه ، لم يعمّ التعريف ولم يكن ~~الحدّ جامعا ، وباطن الأشياء باعتبار هو الوجود الحق ، وظاهرها ما نسمّيه « السوي » ~~سوى الحق وغيره غيره . # وباعتبار آخر هو الظاهر من كون الظاهر هو الحق الموجود المشهود ، والباطن المعقول ~~هو الاعتبارات والحدود والكثرة ، وهي أمور متعقّلة عقلا علمية لا تميّز لها ولا ~~تحقّق بدون الوجود الحق المعطي حقيقتها في أعيانها ، بل بالوجود الحق الموجود ~~المشهود ، فإذا ذكرنا الحدّ الشامل لكلّ محدود ، فلا بدّ من ذكر الحق فيه في اعتبار ~~أهل الاعتبار والاستبصار ، أولي الأيدي والأبصار. # فهو الظاهر من الظاهر والباطن من الباطن ، والمتحقّق هو الوجود الحق ما ثمّ إلَّا ~~هو ، هو الأوّل والآخر ، والباطن والظاهر ، والجامع بذاته للكل ، والمطلق عن هذه ~~الجمعية وعن هذا الإطلاق والتقيّد بحدّ ، فافهم . # فإن فهمت ، فهمت فيما فهمت ، وهمّت الهمم أن تهيم وتهتمّ فيه ، فحقيق بك أن تهيم ~~وتهتمّ بذلك إن شاء الله تعالى ، فلا يتمّ حدّ المحدود إلَّا بالحق . # ثمّ الحدود لا تفي ولا تكفي بتحديده ، فلا حدّ له أصلا ورأسا ، فنقول مثلا في ~~مشرب التحقيق الكمالي في حدّ الإنسان الكامل : إنّه الحق المتعيّن بأحدية جمع جمع ~~جميع الأعيان الظاهرة المشهودة ، والحقائق الباطنة الغيبية المفقودة ، في عين كونها ~~موجودة مطلقة عن هذا التعيّن والجمع والإطلاق . # وهذا حدّ الإنسان عندنا إن قلنا إنّه محدود ، فالحق حدّ للكلّ ، وليس له في كل ~~حدّ حد ، ولكن تصحيح الحدود - على ما عرفت . # وعرفت في عرف الظاهرية من الحكماء أن تقول : أكتفي في حدّ الحدّ بذكر الخاصّ عن ~~ذكر الأعمّ كما ذكرنا في الحدّ الناقص ، وما ليس مذكورا في تعريفه ما ذكرنا ، فإنّه ~~يجري مجرى الرسم التامّ أو الناقص كذلك ، فاعلم ذلك . # قال الشيخ رضي الله عنه : # فهو الكون كلَّه %~% وهو الواحد الذي # قام كوني بكونه %~% ولذا قلت يغتذي # فوجودي غذاؤه %~% وبه نحن نحتذي # وبه منه إن نظرت %~% بوجه تعوّذي # يشير رضي الله عنه إلى: أنّه تعالى من كونه عين الوجود الحق المتعيّن في حقائق ~~الأشياء وأعيانها هوية الكلّ . # وأنّه الواحد الذي قام به العدد ، فأنشأ الواحد بذاته العدد ، فقام بحيث لو فرضت ~~تخلَّف واحد عن عدد ، لما تحقّق عين ذلك المعدود ، ولا قامت صورة ذلك العدد ، ~~فالواحد هو المعدود ، والعدد اعتبار عقلي ، وكذلك ظهور الواحد بالكثرة في مراتب ~~ظهوره ، ومظاهر تعيّنات نوره . # وقيام كونه التقييدي -هو العالم كلَّه بكونه الذي هو وجوده في مراتب شهوده ، ~~فقيام الوجود المقيّد بكون الوجود المطلق موجودا على الإطلاق . # فغذاء كل واحد من الكونين: المقيّد والمطلق الإلهيّين بعين الآخر ، إذ به بقاؤه ~~وتحقّقه وقيامه ، فاغتذاء الوجود إنّما هو بحقائق العالم وأحكامه ، وهي الأعيان ~~الثابتة الخلقية والمعاني الغيبية القائمة ، فحقيقة العلم القديم الأزلي الإلهي ~~واغتذاء حقائق العالم إنّما هو بالوجود العامّ المشترك في الكلّ ، وهذا ظاهر . # وقوله رضي الله عنه : « وبه نحن نحتذي » صادق على معنيين : # أحدهما : بمعنى الاقتداء ، فإنّ الاحتذاء هو الاقتداء ، فإنّ المقتدي - اسم فاعل ~~- يحتذي حذو المقتدى - اسم مفعول - حذو القذّة بالقذّة ، وكذلك الوجود المقيّد - ~~الذي هو فرع ونفل على أصل وجود الحق - يحذو حذوه في كونه غذاءه . # والمعنى الآخر : هو الذي نحن بصدد بيانه من كون الحق عين الطريق والأرجل ، ~~والحذاء هو النعل ، إذ هو الطريق والسالك والساعي ، والأرجل دالَّة السير والوقاية ~~عن أذى الطريق والغاية ، فافهم ، وإذا كان للحق مظاهر مختلفة وظهورات بحسبها كذلك ~~مختلفة . # فقد يظهر ظهورا ينكر فيه فيتعوّذ منه لا جهلا به عند العارف به ولكن إلقاء الحق ~~ظهوره في ذلك المظهر ، لكونه ممّا يتعوّذ منه فيه ، فافهم . # قال رضي الله عنه: " ولهذا الكرب تنفس، فنسب النفس إلى الرحمن لأنه رحم به ما ~~طلبته النسب الإلهية من إيجاد صور العالم التي قلنا هي ظاهر الحق إذ هو الظاهر، وهو ~~باطنها إذ هو الباطن، و هو الأول إذ كان و لا هي، و هو الآخر إذ كان عينها عند ~~ظهورها. # فالآخر عين الظاهر والباطن عين الأول، و «هو بكل شي ء عليم» لأنه بنفسه عليم." # يشير رضي الله عنه إلى: أنّ هذه النسب المظهرية - وهي حقائق الأشياء أو أعيانها ~~أو صور معلوميّاتها للحق أزلا أو صورة نسب علمه كذلك بحسب اختلاف الأذواق والمشاهد ~~- كانت موجودة مفقودة باعتبارين مختلفين ، أعني موجودة للحق بالعلم في العلم أو في ~~الحق به له ، مفقودة فاقدة لأعيانها في الوجود الشاهد المشهود ، ولكن كانت كما ~~ذكرنا فيما ذكرنا أنّها كانت مشهودة للحق شهود المفصّل في المجمل مفصّلا . # وهو شهود خاصّ بالله تعالى ، يشهد به الأشياء في نفسه قبل إيجادها وإشهادها ~~أنفسها ، فأراد إشهادها أعيانها في عرصة الوجود وإيجادها لها في الشهود والمشهود . # فضاق قلب الغيب الأحدي ، عن كثرة ما حواه من الحرف العددي ، فنفّس الله عن غيبة ~~عينه ما كان يجده من كونه في قلبه بنفسه الرحماني ، وهو الفيض الوجودي للشهود ~~العياني رحمة به. # أي بالغيب - بإظهار ما كان مغيبا في غياباته ، ممّا ليس بغيب حقيقي ، فإنّه لا ~~يقبل الظهور أبدا ، ورحم الأعيان الثابتة في غيب علم الذات بهذا الفيض الإيجادي . # فأوجدها وأشهدها أنفسها في نفسه على ما كانت في نفسه ، فلمّا شهدتها فيه فمنهم من ~~تحقّق أنّه عينه ، إذ لا تحقّق للغير أصلا إلَّا بالنسبة والإضافة الاعتبارية لا ~~غير ، فنفّس الله بنفسه الرحماني عن النسب الإلهية بعين ما أوجد لها مظاهرها ~~وأشهدها أنفسها على مرائيها ومناظرها وهي أعيان الأشياء. # فما كانت أوّلا هي فيه هو غيبا فلم يكن ، وكان هو هو في مقام « كان الله ولا شيء ~~معه » و « كنت كنزا مخفيا » فلمّا كان هي هي بأعيانها آخرا وهو فيها هي كذلك ظاهرا ~~تعيّن أنّه أوّل لها من كونه عينها في عينها . # وأنّه آخر بكونه عين ما ظهر في عينها ، فهو الأوّل غيبا وباطنا ، والآخر شاهدا ~~وظاهرا ، فهو الأوّل في عين بطونه ، والآخر بعين ظهوره ، وهو الأوّل في عين الآخرية ~~، والآخر في عين الأوّلية ، إذ هو الأوّل والآخر ، والظاهر الباطن ، وإليه المصير ، ~~وهو بكل شيء عليم ، لأنّه عين كل شيء ، فهو بعينه عليم ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « فلمّا أوجد الصور في النفس ، وظهر سلطان النسب المعبّر عنها ~~بالأسماء ، صحّ النسب الإلهي للعالم ، فانتسبوا إليه ، فقال : « اليوم أضع نسبكم ~~وأرفع نسبي » أي آخذ عنكم انتسابكم إلى أنفسكم ، وأردّكم إلى انتسابكم إليّ ، « أين ~~المتّقون ؟ » أي الذين اتّخذوا الله وقاية ، فكان الحق ظاهرهم أي عين صورهم الظاهرة ~~، وهو أعظم الناس وأحقّهم وأقواهم عند الجميع ، وقد يكون المتّقيّ من جعل نفسه ~~وقاية للحق بصورته ، إذ هوية الحق قوى العبد فجعل مسمّى العبد وقاية لمسمّى الحق ~~على الشهود ، حتى يتميّز العالم من غير العالم " قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ ~~يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبابِ " ~~وهم الناظرون في لبّ الشيء الذي هو المطلوب من الشيء " . # قال العبد : لمّا ظهر النسب الإلهيّ الحقيقي وهو انتساب المألوه إلى الإله ~~والمربوب إلى الربّ والخالق إلى المخلوق والرازق إلى المرزوق - فانتسب العالم إلى ~~الموجد من حيث افتقاره إليه على التعيين . # وانتسب الخالق أيضا والربّ إلى العالم بكونه ربّ العالمين وخالق الحق ، ولم يبق ~~لظهور نسبة العالم إلى نفسه مجال ، فعرف كل عبد بربّه . # فقيل : هذا عبد الله ، وهو عبد الرحمن ، وذلك عبد الرحيم ، أو عبد الكريم أو ~~المنعم أو الغنيّ أو غيره ، وصار كل واحد من الربّ والمربوب وقاية للآخر في المذموم ~~والمحمود ، إذ الأفعال والآثار والأخلاق والنعوت لتعيّن ذلك الوجود صالح لإضافة ~~الأفعال والآثار والأخلاق وما شاكل ذلك إليه ، وكل واحد منهما - أعني الربّ ~~والمربوب - ظاهر أو باطن للآخر باعتبارين - كما تقدّم - جامع بين الظاهرية ~~والمظهرية دائما . والصفات منتشية من الربّ الذي هو الوجود الحق . # والعبد الذي هو المظهر القابل ، فإن أضفت الأفعال والآثار المذمومة إلى العبد ، ~~كان العبد وقاية لربّه من أن تضاف إليه تلك المذامّ والنقائص والقبائح ، أحكام ~~العدم اللازم للعبد الممكن القابل . # وإن أضفت الفضائل والمحاسن والمحامد والكمالات إلى الحق ، كان الحق وقاية للعبد ~~من إضافة ما ليس له من ذاته بالحقيقة لكونها وجودية والوجود للحق ، بل الوجود الحقّ ~~إليه حقيقة. # وكان أيضا حينئذ بوجه آخر وقاية للعبد من آثار النقائص والمذامّ الظاهرة منها ~~جزاء وفاقا ، فالعالم هو الذي يضيف الحقائق إلى أصولها ، فخذ ما هو لك بالأصالة ، ~~وأعطه ما له كذلك ، تكن من الأدباء العلماء ، فإنّ العالم من العالم لا يستوي معه ~~غير العالم " قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا ~~يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبابِ " ينظرون من كل شيء في لبّه ، ~~لكونهم في أنفسهم أرباب الألباب . # قال رضي الله عنه : « فما سبق مقصّر مجدّا ، كذلك لا يماثل أجير عبدا " لكون ~~المقصّر أبدا قاصرا عن بلوغ الكمال . # والعبد أيضا لا يماثله في كمال مؤاتاته لظهور آثار مالكه فيه أجير ، فإنّه عبد ~~أجرته لا عبد لسيّده ، ولا بدّ للسيد من العبد ، وليس كذلك الأجير ، فقد يقوم العبد ~~بأعمال الأجير ، وليس للأجير أن يقوم بالعبدانية الذاتية التي للعبد . # قال رضي الله عنه : « وإذا كان الحق وقاية للعبد من وجه ، والعبد وقاية للحق من ~~وجه » # يعني رضي الله عنه : فساغ في التحقيق إضافة ما لكلّ منهما إلى كلّ منهما . # قال رضي الله عنه : " فقل في الكون " أي في الوجود المقيّد الكوني « ما شئت إن ~~شئت قلت : هو الخلق ، و إن شئت قلت : هو الحق ، وإن شئت قلت : هو الحق الخلق » أي ~~بالاعتبارين معا « وإن شئت قلت : لا خلق من كل وجه ، ولا حق من كل وجه » يعني حق ~~باعتبار الحقيقة والعين في الأصل ، وخلق باعتبار التعيّن والظهور بالكثرة . « وإن ~~شئت قلت بالحيرة في ذلك". # قال رضي الله عنه : « فقد بانت المطالب بتعيّنك المراتب » # ثمّ قال رضي الله عنه : « ولولا التحديد » # يعني سوغان التحديد بشرط التعيّن والظهور . # ثمّ قال رضي الله عنه : « ما أخبرت الرسل بتحوّل الحق في الصور ، ولا وصفته بخلع ~~الصور عن نفسه " # بذلك علمنا أنّ ظهوره بصور ماله حدّ غير قادح في كماله المستوعب للإطلاق والتقييد ~~، والتنزيه والتجريد والتشبيه بالتحديد والتجديد . # قال رضي الله عنه : # فلا تنظر العين إلَّا إليه %~% ولا يقع الحكم إلَّا عليه # فنحن له وبه في يديه %~% وفي كل حال فإنّا لديه # ولهذا ينكر ويعرف ، وينزّه ويوصف . # أي : علَّة إنكار من أنكره إذا أنكر ، وسبب معرفة من أقرّ به حين عرفه إنّما هو ~~تجلَّيه في صور ، وظهوره في أحكام وأوصاف ونعوت ، وخلع خلع وملابس يقتضي ذلك ، ~~فاعرف ذلك . # قال رضي الله عنه : " فمن رأى الحق منه وفيه بعينه ، فذلك العارف " . # يعني : من رأى الحق من الحق في الحق بعين الحق ، فقد رأى الحق . # قال رضي الله عنه : "ومن رأى الحق منه فيه بعين نفسه ، فذلك غير العارف " لكون ~~العارف عارفا بأنّ الحق لا يراه إلَّا عينه . # قال رضي الله عنه : « ومن لم ير الحق منه ولا فيه وانتظر أن يراه بعين نفسه ، ~~فذلك الجاهل ، وبالجملة فلا بدّ لكل شخص من عقيدة في ربّه يرجع بها إليه ، ويطلبه ~~فيها ، فإذا تجلَّى له الحق فيها عرفه وأقرّ به ، وإن تجلَّى في غيرها ، نكره ~~وتعوّذ منه وأساء الأدب عليه في نفس الأمر وهو عند نفسه أنّه قد تأدّب معه ، ولا ~~يعتقد معتقد إلها إلَّا بما جعل في نفسه " . # يعني رضي الله عنه : أنّ أهل الاعتقادات إنّما يعتقدون الإله بما جعلوا في نفوسهم ~~من الاعتقاد الذي جزموا بهواه على حقيقة وبطلان ما يغايره وإحالته. # قال رضي الله عنه : « فالإله بالاعتقادات بالجعل ، لأنّه هو الذي جعل في نفسه ، ~~صورة يعتقد أنّ الحق على تلك الصورة في نفس الأمر ، فهو مجعول فيه بجعله ، فما رأوا ~~هؤلاء إلَّا نفوسهم وما جعلوا فيها » يعني في نفوسهم من الصور الاعتقادية ، ولكنّ ~~الحق يسع بسعة حقّيّته كلّ ذلك ، فيحقّق جميع تلك الصور ، وينفخ فيها روح الحقّية ~~برحمته وسعته ، فيرحمهم بحسب صحّة معاملاتهم مع ذلك الحق المجعول المتخيّل وإن كانت ~~في الحقيقة أوثانا وأنصابا نصبوها وأصناما وطواغيت متخيّلات بالوهم ، عبدوا الحقّ ~~فيها أنّها هو . # قال رضي الله عنه : " فانظر مراتب الناس في العلم بالله ، هو عين مراتبهم في ~~الرؤية يوم القيامة وقد أعلمتك بالسبب الموجب لذلك " . # يعني : كلّ من تقيّد بقيد وبعقد معيّن وقيّد الحق بذلك العقد الذي اعتقده وجعله ~~في نفسه عقيدة يرجع بها إلى ربّه ، فهو عبد ذلك العقد . # قال رضي الله عنه : « فإيّاك أن تتقيّد بعقد مخصوص ، وتكفر بما سواه ، فيفوتك خير ~~كثير». # يعني رضي الله عنه : أنّ الحق المتجلَّي في صور الاعتقادات يقبل الجميع ويسعها ، ~~فإذا تقيّدت منها بصورة دون صورة ، فقد كفرت بما سواه والحق فيه ، فجعلته وأسأت ~~الأدب معه وأنت لا تدري . # قال رضي الله عنه : « فيفوتك خير كثير ، بل يفوتّك العلم بالأمر على ما هو عليه ، ~~فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلَّها ، فإنّ الإله - تعالى - أوسع وأعظم من أن ~~يحصره عقد دون عقد " . # يعني رضي الله عنه : أنّ الحق هو الظاهر المتجلَّي في كل ذلك ، ومتعلَّق الجهل ~~والكفر إنّما هو التعيّن والتقيّد والحصر لا غير ، فأطلق الأمر وانطلق أنت بعقلك عن ~~القيود الاعتقادية تحظ بالعلم الأتمّ والشهود الأعمّ . # كما أشار إليه الشيخ في المقام : # « عقد الخلائق في الإله عقائد %~% وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوا ». # قال رضي الله عنه : « فإنّه يقول » أي الحقّ " فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ ~~وَجْه ُ الله " وما ذكر أينا من أين » أي أطلق وعمّم ، فلا أين إلَّا ولله تعالى ~~وجه يولَّي وجهه إليه مولّ . # قال : « وذكر أن ثمّ وجه الله ، ووجه الشيء حقيقته ، فنبّه بهذا قلوب العالمين ~~لئلَّا تشغلهم العوارض في الحياة الدنيا عن استحضار مثل هذا ، فإنّه لا يدري العبد ~~في أيّ نفس يقبض ، فقد يقبض في وقت غفلة ، فلا يستوي مع من قبض على حضور " . # يحرّض رضي الله عنه : المؤهّلين للكمال أن لا يتقيّدوا ولا يقيّدوا ، فيغلب عليهم ~~ذلك ، فيعمّ أحوالهم وأوقاتهم ، ثمّ لا يتأتّى لهم أن يلقوا الله على الحضور ~~والمراقبة والعلم ، فيخسروا ويحشروا على ما قبضوا عليه من الغفلة ، أعاذنا الله ~~وإيّاك من آفات الغفلات ، فإنّها أفظع العاهات ، وأقطع الزلَّات ، إنّه قدير . # قال رضي الله عنه : « ثمّ إنّ العبد الكامل مع علمه بهذا » يعني بعدم حصر الحق في ~~إنّيته وجهة وجهه « يلزم في الصورة الظاهرة والحالة المقيّدة التوجّه بالصلاة إلى ~~شطر المسجد الحرام [ ويعتقد أنّ الله في قبلته حال صلاته وهو بعض مراتب وجه الحقّ ~~من « أينما تولَّوا فثمّ وجه الله » فشطر المسجد الحرام ] منها ، ففيه وجه الله ، ~~ولكن لا تقل هو هاهنا فقطَّ ، بل قف عندما أدركت والزم الأدب في الاستقبال شطر ~~المسجد الحرام ، والزم الأدب في عدم حصر الوجه في تلك الأينيّة الخاصّة ، بل هي من ~~جملة أينيات ما ولَّى مولّ إليها ، فقد بان لك عن الله أنّه في أينية كلّ وجهة " . # يعني : في قوله : " فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه ُ الله". " وما ثمّ إلَّا ~~الاعتقادات ". # يعني : أنّها هي الجهات المعنوية التي يتوجّه إلى الحق فيها قلوب المعتقدين . # قال رضي الله عنه : « فالكلّ مصيب » لأنّه من المطلق الحقّ له حظَّ ونصيب . # قال رضي الله عنه : « وكل مصيب مأجور ، وكل مأجور سعيد ، وكل سعيد مرضيّ عنه وإن ~~شقي زمانا في الدار الآخرة ، فقد مرض وتألَّم أهل العناية مع علمنا بأنّهم سعداء ~~أهل الحق في الحياة الدنيا ، فمن عباد الله من يدركهم تلك الآلام في الحياة الأخرى ~~في دار تسمّى جهنّم ، ومع هذا فلا يقطع أحد من أهل العلم الذين كشفوا الأمر على ما ~~هو عليه ، أنّه لا يكون لهم في تلك الدار " أي في دار جهنّم « نعيم خاصّ بهم " . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ أهل جهنّم على ما هم عليه من البعد المتوهّم ينعّمون ~~بما يعذب لهم من العذاب الذي ألفوه مدّة في تلك الدار ثمّ فصّل ذلك النعيم الخاصّ ~~بهم . # بقوله رضي الله عنه : « إمّا بفقد ألم كانوا يجدونه ، فارتفع عنهم ، فيكون نعيمهم ~~راحتهم من وجدان ذلك الألم ، أو يكون نعيم مستقلّ زائد كنعيم أهل الجنان في الجنان ~~والله أعلم " . # يعني : أنّ كلا القسمين بالنسبة إليهم إدراك ملائم لهم ، فافهم وتدبّر . # . ### | فص حكمة فتوحية في كلمة صالحية ### | 11 - فصّ حكمة فاتحية في كلمة صالحية . شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قال رضي الله عنه : (من الآيات آيات الركائب %~% وذلك لاختلاف في المذاهب ) # ابتدأ رضي الله عنه بذكر الركائب وآياتها ، فإنّها من جملة معجزة صالح إتيانه ~~بالناقة آية من الله في صحّة دعواه النبوّة ، من حيث لم يحتسبو . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ حكمته منسوبة إلى الفاتح والفتّاح ، فانفلق الجبل له ~~في إعجازه ، ففتح الله له عن الناقة ، وفتح الله له على قومه بذلك ، فكان موجب ~~إيمان بعض أمّته وإهلاك بعضه في وجود الناقة ومدّته . # قال رضي الله عنه : (فمنهم قائمون بها بحقّ %~% ومنهم قاطعون بها السباسب) # يعني : أنّ أهل الحق السالكين والسائرين في المذاهب صنفان : # فمنهم : من يقوم بحقّها ، ويكون سيرهم وسلوكهم عليه - أعني على الركائب - في بحار ~~الشهود والكشف ، فركائبهم الفلك المشحون . # ومنهم : من يقطعون عليها في برّ الشهادة والملك والحجاب ، فهم يقطعون بها السباسب ~~الظاهرة وهم أهل الاستدلال . # قال رضي الله عنه : ( فأمّا القائمون فأهل عين %~% وأمّا القاطعون هم الجنائب .) # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ الناس وهم السالكون على ركائبهم ، إمّا أهل شهود ~~وعين وهم الصادقون في الدعوة إلى الله على بصيرة ، وإمّا أهل حجاب ، والكلّ لهم # ركائب في مذهبه ومقصده ، فالقائمون بالحق هم أهل العين المقصودون فيما يقصدون على ~~التعيّن . # والقاطعون مهامه الحجاب وسباسب الشرك والضلال غير مقصودين على التعيين من الإيجاد ~~، بل هم مخلوقون تبعا للأوّلين يستعملونهم في مقاصدهم كالحيوانات والجنائب . # فإنّهم غير مطلوبين لأعيانهم ، ولا بدّ للفريقين من فتح باب الغيب بنتائج أعمالهم ~~وسلوكهم ، كما قال تعالى :" كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ " # قال رضي الله عنه : (و كل منهم يأتيه منه %~% فتوح غيوبه من كل جانب ) # "وكلّ منهم يأتيه منه " أي من الله " فتوح غيوبه من كلّ جانب " أي من جانب الله ~~بوجه ، ومن جانب حقيقته وعينه الثابتة من وجه ، إمّا بالملائم أو بغير الملائم ~~بالنسبة والإضافة ، لأنّ المدعوّ إلى الله إن أطاع وأجاب بما يلائم دعوة الداعي ، ~~ويسلك على سننه ، ويسير بسيرته وسننه ، فتح له باب المجازاة بما يلائم ذلك من ~~الثواب . # وإن أجاب الداعي بما لا يلائم من العصيان والكفر والجحود ، فتح له باب المجازاة ~~بما لا يلائمه ، وفتح للداعي أيضا باب المجازاة بما يلائمه من النصرة على القوم ~~المفسدين . # وأمّا نسبة هذه الحكمة الفاتحية إلى الكلمة الصالحية فلكون أمور صالح عليه ~~السّلام في دعوته قومه وإقامة معجزته على نبوّته عن الفتوح الغيبي : كالناقة انفتح ~~عنها الجبل وكان مغيب عنهم ، وكذلك ما سقتهم من اللبن المغيب ، وكانت تشرب الماء ~~يوما وتغيب عنهم ، ثمّ تأتي بعد ذلك عوض الماء لبنا سائغا للشاربين . # وكذلك وجدان العذاب بالصيحة عليهم عن فتح غيبي واعدهم ثلاثة أيّام ، كما نذكر إن ~~شاء الله ، ما يتيسّر ذكره ، والله الموفّق . # قال رضي الله عنه : ( اعلم وفّقك الله تعالى : أنّ الأمر مبنيّ على الفردية ، ~~ولها التثليث ، فهي عن الثلاثة فصاعدا ، والثلاثة أوّل الأفراد) . # قال العبد : قد علمت في الحكمة الرسمية أنّ العدد : إمّا زوج أو فرد ، والزوج ~~الأوّل وهو الشفع اثنان فصاعدا ، وأوّل الأفراد الثلاثة فصاعدا ، والواحد غير داخل ~~في العدد ، لكونه لم يتعدّد ، فالواحد وتر أبد . # وإذا نقص واحد من أيّ عدد فرضت ، بقي وترا وتر أهله ممّا يشفعه ويزوّجه أو يفرده ~~، فإذا تعدّد الواحد في مرتبته الثانية ، صار شفيعا زوجا أو فرد . # والأحدية أبدا لا تعطي النتيجة ، لكون الواحد في الواحد واحدا لا زائدا ، ثمّ ~~الشفع يشفع في فتح باب الإيجاد ، لكون الإيجاد موقوفا على فاعل هو الموجد ، وقابل ~~هو المكوّن . # فلو لا القابل الذي شفع وتريّة الواحد الأحد ، لما وجدت نتيجة أصلا ورأسا ، فلا ~~نتيجة لواحد إلَّا من كونه واحدا وترا ، ولا من كونه شفعا ، بل من الفرديّة صحّت ~~النتيجة . # قال رضي الله عنه : ( وعن هذه الحضرة الإلهية وجد العالم ، فقال : "إِنَّما ~~قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه ُ أَنْ نَقُولَ لَه ُ كُنْ فَيَكُونُ " فهذه ذات ~~ذات إرادة وقول ، فلولا هذه الذات وإرادتها وهي نسبة التوجّه بالتخصيص لتكوين أمر ~~ما ثمّ لولا قوله عند ذلك التوجّه "كن " لذلك الشيء ، لما كان ذلك الشيء ) . # بيّن رضي الله عنه حكم التثليث فيما هو بصدد بيانه من كون الإيجاد من حضرة ~~الفردية الإلهية ، فكان الإيجاد من قبل الموجد الحقّ بالتثليث ، كما ذكر . # ثمّ قال رضي الله عنه : ( ثم ظهرت الفردية الثلاثية أيضا في ذلك الشيء وبها من ~~جهته - أي من جهة القابل صحّ تكوينه واتّصافه بالوجود وهي شيئيته ، وسماعه ، ~~وامتثاله أمر مكوّنه بالإيجاد ). # يعني : كما صحّ من قبل الموجد بتلك الفردية المشار إليها من قبل ، فكذلك من قبل ~~القابل بهذه الفردية الخصيصة . # قال رضي الله عنه : ( فتقابلت ثلاثة بثلاثة : ذاته الثابتة في حال عدمها في ~~موازنة ذات موجدها ، وسماعه في موازنة إرادة موجده ، وقبوله بالامتثال لما أمر به ~~من التكوين في موازنة قوله : « كن » فكان هو ، فنسب التكوين إليه ، فلولا أنّ في ~~قوّته التكوين من نفسه عند هذا القول ما تكوّن ، فما أوجد هذا الشيء بعد أن لم يكن ~~عند الأمر بالتكوين إلَّا نفسه) . # قال العبد : نسبة الكون إلى المكوّن - بفتح الواو - في قوله : « فكان » من جهة ~~أنّ كونه كان كامنا فيه معدوم العين في رأي العين ، ولكنّه مستعدّ لذلك الكون ~~بالأمر. # فلمّا أمر وتعلَّقت إرادة الموجد بذلك واتّصل أمره به ، ظهر الكون الكامن من ~~الكائن فيه بالقوّة إلى الفعل ، فالمظهر لكونه الحق والكائن القابل للكون ، فلو لا ~~قبوله واستعداده للكون ، لما كان ، فما كوّنه إلَّا عينه الثابتة في العلم ~~باستعداده الذاتي غير المجعول ، وقابليّته للكون وصلاحيته لسماع قول : « كن » ، ~~وأهليّته لقبول الامتثال ، فما أوجده إلَّا هو ، ولكن بالحقّ وفيه ، فافهم ، فإنّه ~~دقيق . # قال رضي الله عنه : ( فأثبت الحق تعالى أنّ التكوين للشيء نفسه ل للحق ، والذي ~~للحقّ أمره خاصّة ، وكذا أخبر عن نفسه بقوله : " إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا ~~أَرَدْناه ُ أَنْ نَقُولَ لَه ُ كُنْ فَيَكُونُ " فنسب التكوين لنفس ذلك الشيء عن ~~أمر الله وهو الصادق في قوله. وهذا هو المعقول في نفس الأمر .) # يعني رضي الله عنه : لمّا ذكر الكون عقيب الأمر ، فلا ينسب إلَّا إلى المأمور ~~بذلك وهو الأنسب وإن احتمل اللفظ أن ينسب الكون إلى الآمر ، أي يكون هو من كونه عين ~~المعلوم المعدوم العين المأمور بالكون من كونه ثابتا في العلم . # فيكون فيه هو بموجب ما أمر والمأمور مظهر لكونه فيه ، لأنّ الكون أمر وجودي ، ~~فالأنسب أن ينسب الأمر الوجودي إلى الوجود الحق المتعيّن في قابلية المظهر لا إلى ~~ما لا وجود له ، فإنّه ليس للممكن القابل إلَّا أن يمكن الكون فيه بموجب الأمر. # فالمظهر القابل صالح لظهور كون الوجود فيه متعيّنا بحسب ما كان كامنا في عينه ~~الثابتة بموجب أمر الآمر . # وقد ذهب إلى هذ القول ، جلَّة من المحقّقين ، ولكنّ الشيخ رضي الله عنه بيّن سياق ~~الآية فبموجب ذلك ينسب التكوين إلى المأمور ، ثمّ التحقيق يقتضي ما ذكرنا من كون ~~ذلك الكون المأمور به كامنا في القابل ، فظهر بأمر الآمر فينسب إلى المأمور لا إلى ~~الآمر ، فإنّ الكون وإن كان وجوديا ، ولكن إنّما يكون بحسب القابل وفيه ، فالأنسب ~~إذن أن ينسب إليه ، فافهم مقتضى الذوقين . # قال رضي الله عنه ممهّدا لما هو بصدد بيانه من نسبة الكون إلى المظهر المأمور : # (كما يقول الآمر الذي يخاف فلا يعصى لعبده : « قم » فيقوم العبد امتثالا لأمر ~~سيده ، فليس للسيد في قيام هذا العبد سوى أمره له بالقيام ، والقيام من فعل العبد ~~لا من فعل السيد) . # فظهر على ما قرّر رضي الله عنه من جميع الوجوه ، أنّ الإيجاد من الفردية الثلاثية ~~أمّا مطلقا فمن جهة القابل والفاعل والفعل فثلاثة ، ومن جهة الفاعل ثلاثة كما مرّ ، ~~ومن قبل القابل أيضا كذلك . # فقال رضي الله عنه : ( فقام أصل التكوين على التثليث أي من الثلاثة من الجانبين: # من جانب الحق ، ومن جانب الخلق ، ثم سرى ذلك في إيجاد المعاني بالأدلَّة ) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ التثليث لمّا كان سببا لفتح باب النتيجة في أصل ~~التكوين ، سرى هذا السرّ في جميع مراتب الإيجاد ، ومن جملة ذلك إيجاد الأدلَّة ~~المعنوية . # قال رضي الله عنه : ( فلا بدّ في الدليل أن يكون مركَّبا من ثلاثة على نظام مخصوص ~~وشرط مخصوص ، وحينئذ ينتج ، ولا بدّ من ذلك . # وهو : أن يركَّب الناظر دليله من مقدّمتين ، وكلّ مقدّمة تحوي على مفردين ، فتكون ~~أربعة ، واحد من هذه الأربعة يتكرّر في المقدّمتين ليربط إحداهما بالأخرى كالنكاح ، ~~فتكون ثلاثة لا غير ، لتكرار الواحد فيهم . # فيكون المطلوب إذا وقع هذا الترتيب على الوجه المخصوص ، وهو ربط إحدى المقدّمتين ~~بالأخرى بتكرار ذلك الوجه المفرد الذي به صحّ التثليث . # والشرط المخصوص هو أن يكون الحكم أعمّ من العلَّة ، أو مساويا له ) . # يعني عموم اقتضاء « كلّ حادث » مثلا على ما يورد للسبب المحدث - بكسر الدال - إذ ~~لولا عموم هذا الحكم في الحوادث كلَّها ، لما أنتج أنّ العالم الحادث ، له سبب ، ~~وهذا ظاهر . # قال رضي الله عنه : « أو مساويا له » يريد تساوي الحكم للعلَّة. # قال رضي الله عنه : (وحينئذ يصدق ، وإن لم يكن كذلك ، فإنّه ينتج نتيجة غير صادقة ~~، وهذا موجود في العالم) . # يعني صدق النتيجة مع حصول التركيب على الترتيب الموجب الخاصّ ، وعدم صدق النتيجة ~~في غير ذلك . # قال رضي الله عنه : ( وهو مثل إضافة الأفعال إلى العبد معرّاة عن نسبتها إلى الله ~~، أو إضافة التكوين الذي نحن بصدده إلى الله مطلقا والحقّ ما أضافه إلَّا إلى الشيء ~~الذي قيل له " كن"). # يعني معرّى عن نسبته إلى القابل ، فإنّ ذلك لا يصدق ولا يصحّ ، إذ الأثر لا ~~يتصوّر عن مؤثّر بلا قابل ، والأفعال وإن نسبت إلى العباد ، فلا بدّ من إضافة ~~الوجود من الله على أعيان الأفعال وأعيان العباد ، وبدون إضافة الوجود من الموجد ~~فلا يوجد عين الفعل . # قال رضي الله عنه : ( ومثاله إذا أردنا أن ندلّ على أنّ وجود العالم عن سبب فنقول ~~: كلّ حادث فله سبب ، فمعن " الحادث " و " السبب ". # ثم نقول في المقدّمة الأخرى : والعالم حادث ، فتكرّر « الحادث » في المقدّمتين . # والثالث قولن : « العالم » فأنتج : أنّ العالم له سبب ، وظهر في النتيجة ما ذكر ~~في المقدّمة وهو السبب . # فالوجه الخاصّ هو تكرار الحادث ، والشرط الخاصّ عموم العلَّة ، لأنّ العلَّة في ~~وجود الحادث السبب وهو عامّ في الحدوث عن الله أعني الحكم . # فنحكم على كلّ حادث أنّ له سببا ، سواء كان ذلك السبب مساويا للحكم ، أو يكون ~~الحكم أعمّ منه ، فيدخل تحت حكمه وتصدق النتيجة " .) # يشير رضي الله عنه إلى ما قرّر أوّلا أنّ الحكم وهو السبب أعمّ من العلَّة وهو ~~الحدوث ، إذ العلَّة في وجوب السبب الحدوث وهي عامّة في كل حادث . # قال رضي الله عنه : ( فهذا أيضا قد ظهر حكم التثليث في إيجاد المعاني التي تقتنص ~~بالأدلَّة ، فأصل الكون التثليث ، ولهذا كانت حكمة صالح - التي أظهر الله في تأخير ~~أخذ قومه ثلاثة أيّام - وعدا غير مكذوب . # فأنتج صدقا وهي الصيحة التي أهلكهم بها ، فأصبحوا في دارهم جاثمين) أي أخذهم عذاب ~~الهلاك ، فلم يستطيعوا على القيام . # (فأوّل يوم من الثلاثة اصفرّت وجوه القوم ، وفي الثاني احمرّت ، وفي الثالث ~~اسودّت . # فلمّا كملت الثلاثة ، صحّ الاستعداد ، فظهر كون الفساد فيهم فسمّي ذلك الظهور ~~هلاكا ، فكان اصفرار وجوه الأشقياء في موازنة إسفار وجوه السعداء في قوله تعالى : ~~"وُجُوه ٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ " من السفور وهو الظهور ، كما كان الاصفرار في ~~أوّل يوم ظهور علامة الشقاء في قوم صالح . # ثم جاء في موازنة الاحمرار القائم بهم قوله تعالى في السعداء : " ضاحِكَةٌ " فإنّ ~~الضحك من الأسباب المولَّدة احمرار الوجوه ، فهي في السعداء احمرار الوجنات ، ثم ~~جعل في موازنة تغيير بشرة الأشقياء بالسواد قوله تعالى : " مُسْتَبْشِرَةٌ " وهو ما ~~أثّره السرور في بشرتهم كما أثّر السواد في بشرة الأشقياء ، ولهذا قال في الفريقين ~~بالبشرى ، أي يقول لهم قولا يؤثّر في بشرتهم ، فيعدل بها إلى لون لم تكن البشرة ~~تتّصف به قبل هذ. # فقال في السعداء: " يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْه ُ وَرِضْوانٍ " . # وقال في حق الأشقياء : " فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ " ، فأثّر في بشرة كل ~~طائفة ما حصل في نفوسهم من أثر هذ الكلام ، فما ظهر عليهم في ظاهرهم إلَّا حكم ما ~~استقرّ في بواطنهم من المفهوم ، فما أثّر فيهم سواهم ، كما لم يكن التكوين إلَّا ~~منهم فيهم ، " فَلِلَّه ِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ "). # يعني رضي الله عنه : أنّ ظهور العذاب ومباشرته بشرتهم ، إنّما كان منهم فيهم ولم ~~يؤتهم الله ذلك لهم من الخارج ، كما لم يكن التكوين المأمور به في قوله : " كن " # لأنّهم الذين كانوا كما أمروا باستعداد خواصّ وأهليّة وصلاحية ذاتية فيهم لذلك ~~الأمر والتكوين . وهذه المباحث المذكورة في هذه الحكمة ظاهرة لا يحتاج فيها إلى ~~مزيد بسط على ما قرّرنا أوّلا من كون الفردية سببا للإيجاد والتكوين . # كما كان التثليث موجبا أيضا لتكوين الناقة أوّلا وتكوين الصيحة على الكافرين آخرا ~~، وقد صحّ أنّ التكوين والإيجاد في الذوات والصفات والمعاني والصور والأحكام ~~والآثار إنّما هو من حضرة الفردية الإلهية . # قال رضي الله عنه : ( فمن فهم هذه الحكمة ، وقرّرها في نفسه ، وجعلها مشهودة له ، ~~أراح نفسه من التعلَّق بغيره ، وعلم أنّه لا يؤتى عليه بخير ولا بشرّ إلَّا منه ، ~~وأعني بالخير ما يوافق غرضه ويلائم طبعه ومزاجه ، وأعني بالشرّ ما لا يوافق غرضه ~~ولا يلائم طبعه ولا مزاجه.) # قال العبد : قد تقرّر في عقلك وفهمك ، وتحرّر بما سلف في علمك أنّ حقيقة كل إنسان ~~وكلّ شيء هي صورة معلوميّته لله تعالى أزلا وهي إذ ذاك على صورة علمية في حقيقته ~~ولوازمها القريبة ولوازم لوازمها وعوارضها ولواحقه . # وكل ذلك ذاتية حقيقية له ، ليس بجعل الله فيه ، لكونها غير موجودة إذ ذاك لها في ~~أعيانها ، بل هي للحق في الحق ، وأنّه لا يمكن أن يكون في الوجود العيني ولا أن ~~تتعلَّق القدرة والإيجاد به إلَّا بحسب ما اقتضته حقيقته أزلا ، سواء كان معتنى به ~~ومجتبى مصطفى من الأنبياء والأولياء أو غيره. # وإذا كان الأمر على ذلك ، فلا يؤتيه الله ما يؤتيه من الخير على اختلاف أنواعه ~~وأصنافه إلَّا بموجب ما اقتضته عينه الثابتة أو حقيقته أزلا ، ولا يأتيه كذلك الشرّ ~~أيضا إلَّا من نفسه ، وإليه الإشارة " ما أَصابَكَ من حَسَنَةٍ فَمِنَ الله " أي ~~ايجاد عين الخير والحسنة ليس إلَّا من الله ، فإنّه المفيض للخير الحقيقي الذي لا ~~شرّ فيه وهو الوجود ، والخير كلَّه كما قيل في الوجود ، ولكنّ الله يوجد خيرك منك ~~ويأتيك به . # بمعنى أنّه محقّق ما كان بالقوّة فيك ويظهره بالفعل فيه لك ، وكذلك ضدّ الخير ، ~~ولكنّ الشرّ لمّا كان من أحكام العدم ، - فإنّ الشرّ كلَّه في العدم - فلا يضاف ~~الشرّ إلَّا إليك وإلى عدم قابليتك في عينك ، كضدّه ، فافهم . # قال رضي الله عنه : (ويقيم صاحب هذا الشهود معاذير الموجودات كلها عنهم وإن لم ~~يعتذروا ، ويعلم أنّه منه كلّ ما هو فيه كما ذكرناه في أنّ العلم تابع للمعلوم ) . # يجيب رضي الله عنه عن سؤال مقدّر من جاهل بالأمر لو قال : إنّ العلم الأزليّ الذي ~~قلن : إنّ الله علمه كذلك ، يعني جعله العلم كذلك بمعنى جعله العلم كذلك أنّ العلم ~~تابع للمعلوم ، يعني إنّما يتعلَّق العلم بكل معلوم بحسبه ، وإلَّا لا يكون علم . # قال رضي الله عنه : « فيقول لنفسه » أي كلّ أحد يقول لنفسه « إذا جاءه ما لا ~~يوافق غرضه : « يداك أوكت وفوك نفخ " والله يقول الحقّ وهو يهدى السّبيل ". # قال العبد : المثل مشهور يضرب لمن يتحسّر ويضجر عمّا يرد عليه منه . وقد ورد في ~~العبارة النبوية المصطفوية ما هو أحسن منه وأدلّ على التحقيق - إن تدبّرته بالنظر ~~الدقيق وهو قوله عليه السّلام : " من وجد خيرا فليحمد الله " أي هو ينبوع الرحمة ~~والخير ، " ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلَّا نفسه " . # . # %~% ### | فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية ### | 12 - فصّ حكمة قلبية في كلمة شعيبيّة . شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # إضافة هذه الحكمة إلى الكلمة الشعيبية ، لكونها على شعب كثيرة ، كما أنّ القلب ~~الإنساني ذو شعب كثيرة ، لتقلَّبه بين إصبعي الرحمن. # وكون شعيب حكمه وحكمه بحكمه لشعوبه وقبائله بالنصيحة والأمر بإيفاء الحقوق ، ~~والإقلاع عن البخس والنقص ، والعدل والعذل على الجور ، وذلك عدل أقامه الله في ~~النشأة الإنسانية بوجود القلب . # فإنّ منشأ العدل وقسمة مادّة الحياة الطبيعية وهي الدم للأعضاء الآلية والأعضاء ~~المتشابهة الأجزاء علوا وسفلا من القلب ، فإنّ الله يوصلها من القلب إلى الكلّ بقدر ~~استحقاق كلّ عضو عضو واستعداده بميزان العدل . # كان الغالب على دعوة شعيب الأمر بالعدل وإقامة الموازين والمكاييل والأقدار . # كم قال : " وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ " كلّ هذه الإشارات تدلّ على ~~رعاية العدل وأحدية الجمع والاعتدال . # وكم أنّ العدل في حفظ صحّة جميع البدن وسقمه إلى القلب ، والقلب له أحدية جمع ~~القوى الروحانية والقوى الجسمانية # ومن القلب ينشعب الروح الطبيعي إلى كل عضو عضو من أعلى البدن وأسفله على ميزان ~~العدل ، فيبعث لكل عضو ما يلائمه من الروح الطبيعي # ، فافهم . # واستفاد منه موسى عليه السّلام علم الصحبة والسياسة ، وأمره بالتخلَّي عن العامّة ~~إلَّا في وقت معلوم وقدر موزون ، # وكان الغالب على موسى عليه السّلام # الظاهر # . # فحصل له بصحبته جميع مقام الجمع . # قال رضي الله عنه : " اعلم : أنّ القلب - أعني قلب العارف بالله - هو من رحمة ~~الله ، وهو أوسع منها ، فإنّه وسع الحق - جلّ جلاله - ورحمته لم تسعه ، هذا لسان ~~عموم من باب الإشارة ، فإنّ الحق راحم ليس بمرحوم ، فلا حكم للرحمة فيه " . # يشير رضي الله عنه إلى قوله تعالى على لسان أكمل الرسل عليه السّلام أنّه قال : # "م وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي " ففيه إشارة أيضا إلى ما ذكر آنفا من # قول أبي يزيد رضي الله عنه : لو أنّ العرش وما حواه مائة ألف ألف مرّة ، في زاوية ~~من زوايا قلب العارف ، ما أحسّ به . # وإذ كان كذلك والعرش مستوى الرحمن برحمته العامّة التي عمّت العالمين ، والرحمة ~~إنّم تنزل من العرش المحيط بالكرسيّ الذي وسع السماوات والأرضين ، فإنّها في جوفه ~~كحلقة ملقاة في أرض فلاة ، ومع هذا ، فهو كما ذكرنا لو كان في زاوية من زوايا قلب ~~العارف ما أحسّ به فالقلب أوسع من الرحمة التي وسعها العرش بما وسع المرحومين جميع ~~. # وأمّ كونه لسان العموم فلما عمّت علوم علماء الرسوم المؤمن ، بقوله : « ما وسعني ~~أرضي ولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي » وأنّه راحم غير مرحوم ، وأنّ الرحمة التي هي ~~صفة من صفاته الذاتية أو نسبة من النسب الإلهية لا تحيط به تعالى ، فإنّها لو أحاطت ~~به تعالى ، لوسعته ، ولا تحيط به فلا تسعه ، مع أنّ القلب وسعه بما أخبر عن نفسه ~~وتقرّر في العموم . # قال رضي الله عنه : « وأمّا الإشارة من لسان الخصوص فإنّ الله وصف نفسه بالنفس ~~وهو من التنفيس ، وأنّ الأسماء الإلهية عين المسمّى وليست إلَّا هو ، وأنّها طالبة ~~ما تعطيه من الحقائق ، وليست الحقائق التي تطلبها الأسماء الإلهية إلَّا العالم ، ~~فالألوهية تطلب المألوه ، والربوبية تطلب المربوب ، وإلَّا فلا عين لها إلَّا به ~~وجودا وتقديرا ، والحق من حيث ذاته غنيّ عن العالمين ، والربوبية م لها هذا الحكم ، ~~فبقي الأمر بين ما تطلبه الربوبية وبين ما تستحقّه الذات من الغنى عن العالم ، ~~وليست الربوبية على الحقيقة والإنصاف إلَّا عين هذه الذات " . # يعني رضي الله عنه : أنّ الربوبية لكونها ذاتية للربّ هي عينه ، لأنّها لو لم تكن ~~عينه ، لكانت غيره من جميع الوجوه ، فلم تكن الذات بدونها ربّا ، واحتاجت إلى ذلك ~~الغير في كونها ربّا والذات غنيّة ، وربوبيتها ليست غيرها ، فهي عينه . ### || قال - رضي الله عنه - : « فلمّا تعارض الأمر بحكم النسب ، ورد في الخبر ما ~~وصف # الحق به نفسه من الشفقة على عباده ، فأوّل ما نفّس عن الربوبية بنفسه المنسوب إلى ~~الرحمن بإيجاده العالم الذي تطلبه الربوبية بحقيقتها وجميع الأسماء الإلهية ، فثبت ~~من هذ الوجه أنّ رحمته وسعت كل شيء « ووسعت ما وسعه القلب وهو الحق » فهي أوسع من ~~القلب ” . # ولكن يقال في « كلّ شيء » : إنّ الشيء حيث أضيف الكلّ إليه جزئي مخصوص تخصّص ~~بحسبه ، فيكون معناه كلّ واحد واحد من الأشياء ، وحينئذ لا يتناول الحق ، لأنّه ~~يتعالى عن أن يكون جزئيّا ، وكذلك القلب الذي وسع الحق ، فإنّه كلَّي ، لكونه أحدية ~~جمع جميع الحقائق القابلية المظهرية ، فلا يدخل تحت « كلّ شيء » إلَّا أن يكون معنى ~~« كلّ شيء » جميع الأشياء . # قال - رضي الله عنه - : " أو مساوية له في السعة" . # يعني الرحمة ، من كونها وسعت الحق كما وسعه القلب . # قال رضي الله عنه : « هذا مضى . ثمّ لتعلم أنّ الله تعالى كما ثبت في الصحيح ~~يتحوّل في الصور عند التجلَّي . وأنّ الحق تعالى إذا وسعه القلب ، ل يسع معه غيره ~~من المخلوقات ، # فكأنّه يملؤه ،ومعنى هذا أنّه إذا نظر إلى الحق عند تجلَّيه له ، لا يمكن أن ينظر ~~معه إلى غيره" # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ أحدية الحق الذي لا يقتضي معيّة غيره تقتضي بأن لا ~~يتعلَّق النظر القلبي عند التجلَّي إلَّا به لا غير . # قال رضي الله عنه : " وقلب العارف من السعة كما قال أبو يزيد البسطاميّ سلام الله ~~عليه : لو أنّ العرش وما حواه مائة ألف ألف مرّة في زاوية من زوايا قلب العارف ، ما ~~أحسّ به . # وقال الجنيد - رضي الله عنه - : في هذا المعنى : المحدث إذا قرن بالقديم لم يبق ~~له أثر ، وقلب يسع القديم كيف يحسّ بالمحدث موجودا ؟!." # يشير رضي الله عنه : إلى أن لا وجود للمحدث من دون الله ولا معه ، لعدم الإثنينية ~~في مقام وحدته . # قال رضي الله عنه : " وإذا كان الحق يتنوّع تجلَّيه في الصور ، فبالضرورة يتّسع ~~القلب ويضيق بحسب الصور التي يقع فيها التجلَّي الإلهيّ ، فإنّه لا يفضل من القلب ~~شيء عن صورة ما يقع فيها التجلَّي . # فإنّ القلب من العارف أو الإنسان الكامل بمنزلة محلّ فصّ الخاتم من الخاتم لا ~~يفضل ، بل يكون على قدره وشكله من الاستدارة إن كان الفصّ مستديرا ، أو من التربيع ~~والتسديس والتثمين وغير ذلك من الأشكال إن كان الفصّ مربّعا أو مسدّس أو مثمّنا ، ~~أو ما كان من الأشكال . # فإنّ محلَّه من الخاتم يكون مثله لا غير ، وهذا عكس ما تشير إليه الطائفة من أنّ ~~الحق يتجلَّى على قدر استعداد العبد ، وهذا ليس كذلك ، فإنّ العبد يظهر للحق على ~~قدر الصورة التي يتجلَّى له فيها الحق " . # قال العبد : مرآتية العبد الكامل أو قلبه للحق ليست كمرآتية غيره ، فإنّ العبد ~~الكامل ليست له حيثية معيّنة ولا كيفية مقيّدة ولا قابلية جزئيّة من وجه دون وجه ~~فيكون تجلَّي الحقّ له بحسبه ، بل حسب العبد بحسب ربّه ، بل هو هيولى لقبول صور ~~تجلَّيه فيه ، وغيره ليس كذلك ، فإنّ لغيره استعدادا معيّنا وقابلية مخصوصة وخصوصية ~~مميّزة له عن غيره ، فيقع التجلَّي بحسبه وبحسب خصوص قابليته ، فيتّسع التجلَّي ~~ويضيق ويتكيّف بكيفية قلبه الجزئي . # وهذ حقيقة تحوّل الحق في الصور يوم القيامة لأهل المحشر على العموم ، والأمر في ~~الإنسان الكامل وقلب المؤمن الذي هو مرآة المؤمن بعكس ذلك . # فإنّ قلبه يتقلَّب في التجلَّي للمتجلَّي بحسب المتجلَّى من أيّ حضرة تجلَّى ، ~~فإنّ هذ العبد يتجلَّى بالتجلَّي كيف كان ، ولقلب هذا العبد السعة المذكورة لا ~~لغيره ، ول خلاف في أصل البحث إنّ الحقّ يتجلَّى بقدر استعداد القلب ، فإنّه إذا ~~كانت القلوب ذوات الأقدار والهيئات المخصوصة ، فالتجلَّي فيها بحسبها . # وهذ ما أشار إليه رضي الله عنه : من صور الأشكال المستديرة والمثلَّثة وغيرها ، ~~ولكنّ القلب إذا لم يكن ممّا له حيثية معيّنة أو صفة مخصوصة مقيّدة أو الغالب عليه ~~حكم أو كيفية على التعيين ، بل كان - كما مرّ هيولانيّ القبول ، دائم الإقبال ~~والتوجّه إلى الحق المطلق بإطلاق قابليته وكلَّية قبوله الإحاطي الأحدي الجمعي ~~وتلقّيه الكمالي ، فهو بحسب تجلَّي الربّ . # والذي أشار إليه الشيخ رضي الله عنه في: « و تحرير هذه المسألة أنّ لله تجلَّيين ~~: # تجلَّي غيب وتجلَّي شهادة فمن تجلَّي الغيب يعطي الاستعداد الذي يكون عليه القلب ~~وهو التجلَّي الذاتيّ الذي الغيب حقيقته ، وهو الهوية التي يستحقّها بقوله عن نفسه ~~: « هو » فلا يزال « هو » له دائما أبدا ، فإذا حصل للقلب هذا الاستعداد ، تجلَّى ~~له التجلَّي الشهوديّ في الشهادة ، فرآه فظهر بصورة ما تجلَّى له كما ذكرناه . # فهو - تعالى - أعطاه الاستعداد بقوله : " أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَه ُ " ، ثمّ ~~رفع الحجاب بينه وبين عبده فرآه في صورة معتقده ، فهو عين اعتقاده ، فلا يشهد القلب ~~ولا العين أبدا إلَّا صورة معتقده في الحق » . # فتلك الإشارة إلى الاستعدادات المجعولة الظاهرة من غيب العين الثابتة واستعدادها ~~الغيبيّ غير المجعول ، فإنّ الهوية المشار إليها بالنسبة إلى المتجلَّى له غيب عينه ~~الثابتة ، والتجلَّي الغيبيّ الذاتي يفيض من الذات والهوية الذاتية على الذوات ~~والهويات الغيبية التي للأعيان الثابتة ، فتوجد من ذلك الاستعداد الكلَّي غير ~~المجعول هذه الاستعدادات الجزئية المجعولة للتجلَّيات الشهادية من الحضرات ~~الأسمائية الإلهية ، ولكن مع هذا فإنّ كل ما ذكر مترتّب على الاستعدادات الخصوصية ~~التي تعطي أربابها الاعتقادات الجزئية التقييدية . # فإذا تجلَّى الحق مرآة قابلة لجميع الصور الاعتقادية ، رأى كلّ أحد صور معتقدة ~~فيه لا غير ، فما رأى سوى نفسه وم جعله في نفسه من صور الاعتقادات . # والعبد الكامل ليس كذلك ، فإنّ له استعدادا كلَّيا ، وقابلية أحدية جمعيّة ، ~~وخصوصه الإطلاق عن كل قيد ، والسراح عن كل حصر ، والخروج عن كلّ طور . # فهو يقابل - بإطلاقه عن نقوش القيود الاعتقادية - إطلاق الحق . # ويقابل كذلك كلّ حضرة حضرة من الحضرات - التي يكون منها وفيها وبحسبها التجلَّي ~~بما يناسبه ممّا فيه من تلك الحضرة مرآة مجلوّة مستعدّة مهيّأة لتجلَّيات تلك ~~الحضرة . # فيقبل جميع التجلَّيات مع الآنات بمرائيه ومجاليه التي فيه من غير مزاحمة ولا خلط ~~ولا حبط ، والتجلَّي الذاتيّ الغيبيّ دائم الإشراق من الغيب المطلق الإلهيّ الذاتيّ ~~على غيب قلبه المطلق الإلهي الأحدي الجمعي الكمالي ، جعلنا الله وإيّاك من أهله ، ~~بحوله وطوله . # قال رضي الله عنه : « فالحق الذي في المعتقد هو الذي وسع القلب صورته ، وهو الذي ~~تجلَّي له فيعرفه ، فلا يرى العين إلَّا الحق الاعتقاديّ ، ولا خفاء بتنوّع ~~الاعتقادات ، فمن قيّده أنكره في غير ما قيّده به ، وأقرّ به فيم قيّده به إذا ~~تجلَّى . # ومن أطلقه عن التقييد ، لم ينكره ، وأقرّ له في كل صورة يتحوّل فيها ، ويعطيه من ~~نفسه قدر صورة ما تجلَّى له فيها إلى ما لا يتناهى ، فإنّ صورة التجلَّي ما لها ~~نهاية يقف عندها ، وكذلك العلم بالله ما له نهاية في العارفين يقف عندها ، بل هو ~~العارف في كل زمان يطلب الزيادة من العلم به " رَبِّ زِدْنِي عِلْماً " ، " رَبِّ ~~زِدْنِي عِلْماً " ، " رَبِّ زِدْنِي عِلْماً " إلى ما لا يتناهى من الطرفين . # هذا إذا قلت : حق وخلق ، فإذا نظرت في قوله : " كنت رجله التي يسعى بها ، ويده ~~التي يبطش بها ، ولسانه الذي يتكلَّم به " إلى غير ذلك من القوى ومحالَّها التي هي ~~الأعضاء ، لم تفرق . # فقلت : الأمر حق كلَّه أو خلق كلَّه ، فهو حق بنسبة وهو خلق بنسبة والعين واحدة ، ~~فعين صورة ما يتجلَّى عين صورة من يقبل ذلك التجلَّي ، فهو المتجلَّي والمتجلَّى له ~~، فانظر ما أعجب أمر الله من حيث هويته ومن حيث نسبته إلى العالم في حقائق الأسماء ~~الحسنى " . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ هذه الأسماء المختلفة الواقعة على هذه العين الواحدة ~~إنّما هي بالاعتبارات ، فإذا اعتبرت أحدية الذات . # قلت : حقيقة واحدة ليس غيرها أصلا ورأسا . # وإن اعتبرت تحقّقها الذاتيّ في عينها . # قلت : حق . # وإن اعتبرت إطلاقها الذاتيّ ، # قلت : ذات مطلقة عن كل اعتبار . وإن اعتبرت تعيّنها في مراتب الظهور # قلت # : شهادة . وإن اعتبرت لا تعيّنه ، # قلت : غيب حقيقي . وإن اعتبرت الظهور في الكثرة ، # قلت : خلق كلَّه . وإن اعتبرت أحدية العين في التعيّن واللاتعيّن ، # قلت : حق كلَّه لا غير . وإن اعتبرت أنّ ظاهره مجلى لباطنه أبدا ، # قلت : هو المتجلَّي والمتجلَّى له . # ول عجب أعجب من حقيقة بذاتها تقتضي هذه الاعتبارات وهي صادقة فيها ، وذلك بحقيقة ~~تجلَّيها في صور لا تتناهى أبدا دائما ، فلا يغيب عنها في جميع صورها كلَّها إذ ~~تجلَّى في صورة على التعيين . # فإنّه في عين تعيّنها في كل عين عين ومعتقد معتقد متنزّهة عن الحصر على إطلاقها ~~ول تعيّنها الذاتي المطلق عن كل قيد ، وفي عين لا تعيّنها وإطلاقها عن كل تعيّن ~~ظاهرة بكل عين لكل عين ، وكلّ ذلك لها بالفعل من حيث هي هي في حقيقتها ، وبالقوّة ~~بالنسبة إلى اعتبار المعتبر . # فأعجب من هذا العجب ، وإن تحقّقت فلا تعجب وحدّث عن البحر ، فلا حرج ولا عجب ، ~~سبحانه وتعالى عن أن يكون معه غيره في الوجود . # قال رضي الله عنه : # فمن ثمّ ؟ وما ثمّ ؟ %~% وعين « ثمّ » هو ثمّة # يستفهم رضي الله عنه على بصيرة بـ « من » و " م " في نفس الحقيقة عنها ، ويثبت ~~أنّ الحق هو هو في كل عين عين . # « ثمّ » أي في الواقع الموجود المشهود . # قال رضي الله عنه : # فمن قد عمّه خصّ %~% ومن قد خصّه عمّه . # أي : الحق الذي عمّ ما ثمّ بالوجود خصّ كلّ متعيّن بخصوصية وحكم وصورة وهو إن ~~خصّه كذلك بخصوصية تخصيصه بعين عين ، فقد عمّها بالحقّية والوجود ، فكان عين الكلّ ~~هو هو ول غير . # قال - رضي الله عنه - : # فما عين سوى عين %~% فنور عينه ظلمة # فمن يغفل عن هذ %~% يجد في نفسه غمّة # ولا يعرف ما قلن %~% سوى عبد له همّة # "إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَه ُ قَلْبٌ " لتقلَّبه في أنواع الصور ~~والصفات . # ولم يقل : لمن كان له عقل ، فإنّ العقل قيد يحصر الأمر في نعت واحد والحقيقة تأبى ~~الحصر في نفس الأمر ، فما هو ذكرى لمن كان له عقل ، وهم أصحاب الاعتقادات الذين ~~يكفّر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا وما لهم من ناصرين " . # قال العبد : نسب الله - تعالى - الذكرى من عبيده لمن كان له قلب ، وأضافها أيض في ~~آية أخرى إلى ذوي الألباب ، # فقال : " إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الأَلْبابِ " وكذلك قلب كلّ شيء لبّه ، ~~ولا يذكر اللبّ إلَّ اللبّ من ذوي الألباب ، ولبّ كلّ شيء حقّه من الحق ، فالحق ~~الذي في كل شيء وفي كل خلق هو لبّ ذلك الشيء . # وإلى ذلك أشار لأهل الإشارات ، بقوله : "كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ " ~~. # أي لا تحقّق له ولا حقيقة إلَّا حقيقة الحقيّة ، وهو ما يشير إليه المحقّق ~~المحنّك : في كلّ شيء إنّ له وجها ، فذلك الوجه هو لبّ ذلك الشيء وحقّه وحصتّه ~~الخصيصة به من مطلق الحق الساري في حقيقة كل شيء بأحدية الجمع والوجود ، وهو الحق ~~المستجنّ . # الذي يشير إليه شيخنا رضي الله عنه في كتاب « مفتاح غيب الجمع والوجود » وفي « ~~النفحات » و « إعجاز البيان » وغيرها من تصانيفه : والقلب وإن كان هو ذلك اللبّ من ~~كلّ شيء ، ولكنّ الحق الذي هذا القلب عرشه لبّ اللبّ . # ثمّ اعلم : أنّ في معنى القلب مثل ما في لفظ حقيقة القلب لتقلَّب حقيقة القلب في ~~أطوار القبول للتجلَّيات غير المتناهية ، وبين لفظة « القلب » ومعنى « القبول » و « ~~القابلية » اشتراك لفظي ومعنوي وحقيقي ، ولولا قلبيّة بعض حروف للقلب والقابل ، ~~وقبليّته وبعديّته ، لكان هو هو ، وقلب الشيء لغة أن يجعل أوّله آخره أو ظاهره ~~باطنه ، جمعا وفرادى . # وكيف ما قلت وقلبت لفظ القلب فإنّ القبول والقابلية معه بالدوران . # وأمّ العقل لغة فهو القيد والربط والضبط والتشكيك والوشي ، فمقتضاه التقييد ، ~~وحقيقة الذكرى بالحق عن الحق المطلق عن كل قيد حتى قيد الإطلاق الذي يقابله التقيّد ~~، تنافي العقل الذي حقيقته القيد والضبط . # ولهذ أظهرت هذه الحضرة القيد أوّلا في العقل الأوّل الذي عقل نور التجلَّي المطلق ~~من المتجلَّي المطلق باستعداده الخصوصي التقييدي ، فأقامه الله لمظهرية هذا السرّ ~~وهو القيد بحقيقته تقييد النور المطلق . # فقال له الحق : اكتب ، أي قيّد واجمع علمي في خلقي إلى يوم القيامة ، وذلك قيد ~~لقيد في قيد ، وليس له القبول للمطلق مطلقا على الإطلاق دائما ، وقبول جميع ~~التجلَّيات غير المتناهية دائما أبدا ليس إلَّا للحقيقة الإنسانية الأزلية الأبدية ~~الكمالية الجمعية الأحدية ، فهي قلب الوجود الحق ، وكلّ تجلّ وظهور فإنّما هو قلب ~~ظاهر التجلَّي بباطنه أو بالعكس . # أي تقليبه ، فإنّ باطن التجلَّي هو المتجلَّي بذلك التجلَّي ، وهو الذي ينقلب إلى ~~نفسه وينقلب عند التجلَّي من عين المتجلَّى له ويقبل على المتجلَّي ويقبل تجلَّيه ~~عليه ثانيا وثالثا ورابعا وخامسا وسادسا وسابعا إلى ما ما لا يتناهى. # وليس ذلك تقلب القلب حتى ينقلب القلب قابلا ، وينقلب الحق إلى نفسه بالقبول ، ~~وينقلب أبدا في أطوار التعيّنات وأنوار تنوّعات التجلَّيات ، فهو كلّ يوم أي كلّ آن ~~من الزمان في شأن ، وما أعظم شأن ذي الشأن الذي هذا شأنه في كلّ آن وأنّ الآن هو ~~يوم الذات لا ينقسم أبدا من الزمان . # ثمّ اعلم : أنّ من بعض صور التقلَّبات القلبية الإنسانية أيضا ضبط ما يرد عليه ~~منه ، وربط ما فيه ومنه وبه ، وحصر ما لكلّ مقام ومرتبة بذلك المقام والمرتبة ، ~~فالعقل للقلب منه فيه ، والقلب للعقل فيه بحسبه ، فللقلب عقل مطلق دائم ، كهو . # وللعقل قلب قابل لما يرد عليه كهو ، فإنّ العقل إنّما يعقل من الله ويقبل ، ويقبل ~~ما يرد عليه من الحق الحقيقة قلبيّة في قابليّته لكنّه قبول معيّن لتجلّ معيّن ~~بقابلية معيّنة إلى أمد مقيّد معيّن لا غير ، ولكنّ قبول كل تجلّ في كل آن وزمان لا ~~يكون إلَّا للحقيقة القلبية الإنسانية الكمالية الإلهية الأحدية الجمعية التي أشرن ~~إليها وهي حقيقة الحقائق وقد مرّ حديثه # مرارا ، فتذكَّر ، إن شاء الله تعالى " فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ ~~الْمُؤْمِنِينَ " ( وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الأَلْبابِ ) جعلنا الله وإيّاك ~~منهم في أهله بفضله . # قال رضي الله عنه : « فإنّ الإله المعتقد ما له حكم في إله المعتقد الآخر ، فصاحب ~~الاعتقاد يذبّ عنه - أي عن الأمر الذي اعتقده في إلهه - وينصره ، وذلك الذي في ~~اعتقاده لا ينصره ، ولهذا لا يكون له أثر في اعتقاد المنازع [ له ، وكذ المنازع ] ~~ما له نصرة من إلهه الذي في اعتقاده ، فما لهم من ناصرين » يعني : فيهم ومنهم . « ~~فنفى الحق النصرة عن آلهة الاعتقادات على انفراد كل معتقد على حدته ، والمنصور ~~المجموع ، والناصر المجموع " . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ النصّ الوارد بنفي النصرة وارد بنفيها عن كل واحد من ~~أهل الاعتقادات على انفراد نصرة المجموع بقوله : « وَم لَهُمْ من ناصِرِينَ » ~~ولكنّه ما نفى نصرة كلّ واحد لمعتقده ، فالكلّ منصور بنصرة كل واحد واحد من ~~المعتقدين معتقده ، وكذلك كل واحد ناصر لمعتقده لا للكلّ ، فم لكل واحد منهم من ~~ناصرين ، بل ناصر واحد هو هو لا غير . # قال رضي الله عنه : « فالحق عند العارف هو المعروف الذي لا ينكر فأهل المعروف في ~~الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة " . # يعني رضي الله عنه : أهل الله الذين هم أهله في الدنيا هم أهل الله في الآخرة وهم ~~الذين لا ينكرون الحق في أيّ صورة تجلَّى من صور تجلَّياته الاعتقادية والإشهادية . # قال رضي الله عنه : « فلهذا قال : « لمن كان له قلب » يعلم تقلَّب الحق في الصور ~~بتقليبه في الأشكال ، فمن نفسه عرف نفسه ، وليست نفسه بغير لهوية الحق ، ولا شيء من ~~الكون - ممّا هو كائن ويكون - بغير لهوية الحق بل هو عين الهوية " . # يعني : أنّ الحق الواحد الأحد الذي لا موجود على الحقيقة ولا مشهود في الوجود ~~إلَّا هو ، # فم ثمّ ما يقال فيه : إنّه غير الهوية ، وإلَّا لزم تحقّق الاثنينية في الحقيقة ~~وهي واحدة وحدة حقيقية ، هذا خلف . # قال رضي الله عنه : " فهو العارف والعالم والمقرّ في هذه الصورة ، وهو الذي لا ~~عارف ولا عالم ، وهو المنكر في هذه الصورة الأخرى ، هذا حظَّ من عرف الحق من ~~التجلَّي " . # يشير - رضي الله عنه - إلى أنّ المعرفة الحاصلة لأهل التجلَّي من التجلَّي ~~بالمتجلَّي تقتضي أن يكون إقراره وإنكاره بحسب اعتقاده وبحسب ما تجلَّى له ~~المتجلَّي في صورة اعتقاده ، والعارف هو الذي يعرف الحق بحقيقته ويعرف تجلَّي الحق ~~له بالحق ، وهو العالم إذ لا معلوم ولا معروف على الحقيقة إلَّا الحق . # قال رضي الله عنه : « والشهود في عين الجمع ، وهو قوله : " لِمَنْ كانَ لَه ُ ~~قَلْبٌ " يتقلَّب في تقليبه . # وأمّا أهل الإيمان فهم المقلَّدة الذين قلَّدوا الأنبياء والرسل ، فيما أخبروا به ~~عن الحق ، لا من قلَّد أصحاب الأفكار والمتأوّلين للأخبار الواردة بحملها على ~~أدلَّتهم العقلية ، فهؤلاء الذين قلَّدوا الرسل عليهم السّلام هم المرادون بقوله : ~~" أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ " لما وردت به الأخبار الإلهية على ألسنة الأنبياء و " ~~هُوَ " يعني هذا الذي ألقى السمع "شَهِيدٌ " ينبّه على حضرة الخيال واستعمالها ، ~~وهو قوله عليه السّلام في الإحسان : ### || "أن تعبد الله كأنّك تراه " والله في قبلة المصلَّي ، فلذلك هو شهيد " . # قال العبد اعلم : أنّ الشهود قد يكون بمعنى الحضور بالمشهود ، وقد يكون بمعنى ~~الرؤية والشهود للمبصر بالبصر ، وقد يكون للحقائق بالبصائر ، وقد يكون بأحدية جمع ~~البصائر بالأبصار . # وللشهود مراتب : فقد يشهد التجلَّي في حضرة الخيال ، وقد يكون المشهود ممثّلا في ~~عالم الحسّ ، كما مثّلت الجنّة للرسول في عرض الحائط ، وكتمثّل جبرئيل عليه السّلام ~~في صورة دحية والبشر السويّ المذكور في القرآن . # وتحريض الرسول على تمثيل الحق في حضرة الخيال ، بقوله صلى الله عليه وسلم حكاية ~~عن الله في الثناء على العالمين العابدين له : « قد مثّلوني في أعينهم » إنّما هو ~~إرشاد وترقية لهمّة العارف ، أن يرى ويشهد الحقائق والمعاني ظاهرة كفاحا ، فإنّ في ~~قوّة الحقيقة الإنسانية ذلك ، فاعرفه . # وقوله : « كأنّك تراه » استحضار لصورة المعبود بموجب المعتقد ، فإذا قوي ~~الاستحضار وغلب الحال ، كان المعلوم مشهودا بالبصيرة ، وإذا كمل الشهود كان مشهود ~~بأحدية جمع البصر والبصيرة . # كم أشرنا إليه في الغرّاء الداليّة لنا : # ومتّحد أبصارنا ببصائر %~% لإبصار وجه الحق حقا حدائد # " فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ " . # وهذ أكمل ما في مقام الشهود ، أن يشهد الحق كما يشهد الحق نفسه ، يعني شهود الحق ~~نفسه في نفسه بنفسه وبه فيه ، فافهم فإذا تحقّق العبد بهذا المقام ، فهو الشاهد وهو ~~المشهود ، وذلك أوّل مراتب الولاية ، فهذا المشاهد الشاهد وليّ الله والله وليّه . # قال رضي الله عنه : " من قلَّد صاحب نظر فكري وتقيّد به ، فليس هو الذي ألقى ~~السمع وهو شهيد ، فإنّ هذا الذي ألقى السمع ، لا بدّ أن يكون شهيدا لما ذكرنا ومتى ~~لم يكن شهيدا لما ذكرناه ، فما هو المراد بهذه الآية ، فهؤلاء هم الذين قال الله ~~فيهم : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا من الَّذِينَ اتَّبَعُوا " والرسل لا ~~يتبرّؤون من أتباعهم الذين اتّبعوهم " . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ نتائج النظر العقلي تقييدية حاصرة للأمر فيما هو خلاف ~~الواقع ، فإذا قلَّدهم مقلَّد لهم وألقى إليهم السمع ، فكأنّه لم يبلغ إلى العلَّة ~~الغائيّة من التقليد وإلقاء السمع وهو الشهود ، لكون المشهود الموجود خلاف الحصر في ~~معيّن مقيّد ، بل كون المشهود عين كل معيّن وغير متعيّن غير مقيّد ، بل على إطلاقه ~~الذاتي الوجودي ، فافهم ، فإنّ الفكر ليس من مقتضى الشهود ، ولكنّ الإيمان بأنّه ~~مشهود يوجب طلب الشهود أوّلا في التمثّل والتخيّل ، ثمّ في الشهود والرؤية ~~الحقيقيين آخرا بما ذكرنا من اتّحاد البصر بالبصيرة ، فتحقيق ذلك التحقيق والله ~~وليّ التوفيق . # قال رضي الله عنه : « فحقّق يا وليّي ما ذكرته لك في هذه الحكمة القلبية . وأمّا ~~اختصاصها بشعيب فلما فيها من التشعيب أي شعبها لا تنحصر ، لأنّ كل اعتقاد شعبة ، ~~فهي شعب كلَّها أعني الاعتقادات ، فإذا انكشف الغطاء انكشف لكل واحد بحسب معتقده ، ~~وقد ينكشف بخلاف معتقده في الحكم ، وهو قوله : "وَبَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ ~~يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ " فأكثرهم في الحكم كالمعتزلي يعتقد في الله نفوذ الوعيد ~~في العاصي إذا مات على غير توبة ، فإذا مات وكان عند الله مرحوما قد سبقت له عناية ~~بأنّه لا يعاقب ، وجد الله غفورا رحيما ، فبدا له من الله ما لم يكن يحتسب" . # هذا ظاهر بما تقرّر آنفا أنّ التجلَّي يوم القيامة بصورة الاعتقاد ، والمتجلَّي ~~هو الإله المعتقد - اسم مفعول - ولكن لمّا كان هذا التحوّل الإلهي الرحماني في صورة ~~الاعتقادات ليقرّبه عبدة العلامات الاعتقادية ، فيرحمهم ويوجرو ويربحوا على ربّهم . # وكان ذلك في هذه الصورة الخاصّة موجودا في التجلَّي على خلاف اعتقاده ، تجلَّى له ~~الحق الرحمن الوجيه في صورة غير معتقده ، لما في ذلك من فائدة عائدة على عبده ، ول ~~محذور في ذلك ، فإنّ الله تجلَّى له بنفسه في صورة معتقده ، ولكنّ المجازاة وقعت ~~على غير معتقده ، فبدا له من الله ما لم يكن يحتسب ، فعلم المعتزلي عند ذلك أنّ ~~الله أعظم ممّا كان اعتقده وقيّده وعساه يرزق الترقي - إن شاء الله تعالى - في ~~تفاصيل هذه الرؤية ، وما ذلك على الله بعزيز . # قال رضي الله عنه : « وأمّا في الهوية فإنّ بعض العباد يجزم في اعتقاده أنّ الله ~~كذا وكذا ، فإذا انكشف الغطاء ورأى في صورة معتقدة وهي حق فاعتقدها وانحلَّت العقدة ~~فزال الاعتقاد وعاد علما بالمشاهدة وبعد احتداد البصر ل يرجع كليل النظر ، فيبدو ~~لبعض العبيد باختلاف التجلَّي في الصورة عند الرؤية خلاف معتقده ، لأنّه لا يتكرّر ~~، فيصدق عليه في الهوية ، وبدا لهم من الله في هويّته م لم يكونوا يحتسبون فيها ، ~~قبل كشف الغطاء " . # قال العبد : ظاهر التحقيق يقتضي أن لا ترقّي بعد الموت ، لانقطاع علمه وعمله ~~واختتامهما على ما كان عليه حال وفاته . # كم أشار إليه الصادق عليه السّلام بقوله : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله » وحيث ~~لم يشهد ولم ير الحق في حياته الدنيا ، وكان أعمى عن إبصار الحق ورؤيته ، فهو في ~~الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا ، وليس المراد عمى البصر الجسمانيّ ، " فَإِنَّها لا ~~تَعْمَى الأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ ". # ولكن رحمة الله من حيث باطن الحقيقة أن يحصل لبعض العبيد ، المؤمن بأهل كشف ~~الغطاء في الدنيا ترقّ في تفاصيل ما آمنوا به أو ألقوا السمع إلى مجملات أصول وفصول ~~من قوانين الحقيقة والتوحيد ، فإنّ القوم من لا يشقى بهم جليسهم ، ولا سيّما وخاتم ~~الأولياء المحمديين الخصوصيين أمدّ بهمّته جميع الأرواح الإنسانية ، فخلَّف لمن خلف ~~بعده من المؤمن قواعد علميّة بيّنة ، وضوابط كشفية يقينية ، يكمّل استعداداتهم ~~للترقّي إلى مراقي أهل الشهود . # ثمّ إنّه لحق في معاريجه وإسراءاته رضي الله عنه الجمهور من الأنبياء والأولياء ~~والصحابة الماضين في برازخهم ، فاجتمع بجميعهم كالحلَّاج وسهل وجنيد وغيرهم من ~~الأكابر ، وكان يوافقهم ويباحثهم في صور معتقداتهم في الله وعلومهم ومعارفهم ، ~~وينبّههم على ما فوق مدركهم ، ويرقّيهم ، ويحلّ عقد اعتقاداتهم ، ويفيدهم ما لم يكن ~~عندهم بحسب عنايته بهم ، ويهبهم من علوم التوحيد وحقيقة الشهود ، من مشرب أحدية جمع ~~الجمع والوجود . # ثمّ يرحل عنهم إلى من فوقهم هكذا حتى أتى على آخرهم رضي الله عنهم كما هو مذكور ~~في # كتاب « التجلَّيات » # له # وفي كتاب « الحجب » # وفي # « التنزّلات الموصلية » # وفي # " # الإسراء والعبادلة " # ، فليطلب كلّ ذلك طالبه منها ، والله الموفّق . # قال رضي الله عنه : « وقد ذكرنا صورة الترقّي بعد الموت في المعارف الإلهية في ~~كتاب « التجلَّيات » لن عند ذكرنا بعض من اجتمعنا [ به ] من الطائفة في الكشف ، وما ~~أفدناهم في هذه المسألة ممّا لم يكن عندهم ، ومن أعجب الأمر أنّه » أي الإنسان « في ~~الترقّي دائم ولا يشعر بذلك ، للطافة الحجاب ورقّته وتشابه الصور مثل قوله : " ~~وَأُتُوا به مُتَشابِهاً " وليس هو الواحد عين الآخر ، فإنّ الشبيهين عند العارف [ ~~- من حيث ] إنّهما شبيهان - غيران وصاحب التحقيق يرى الكثرة في الواحد ، كما يعلم ~~أنّ مدلول الأسماء الإلهية - وإن اختلفت حقائقها وكثرت - أنّها عين واحدة ، فهذه ~~كثرة معقولة في واحد العين ، فيكون في التجلَّي كثرة مشهودة في عين واحدة ، كما أنّ ~~الهيولى تؤخذ في حدّ كلّ صورة [ وهي ] - مع كثرة الصورة واختلافها - ترجع في ~~الحقيقة إلى جوهر واحد هو هيولاها ، فمن عرف نفسه بهذه المعرفة ، فقد عرف ربّه ، ~~فإنّه على صورته خلقه ، بل هو عين هويته وحقيقته » . # قال العبد : اعلم أنّ للعبد من حيث استعداده الذاتيّ استعدادات غير متناهية ، ~~مجعولة بحسب التجلَّيات والآنات وأطوار الوجود دنيا وآخرة برزخا وحشرا وفي الجنان ~~ولثبت الرؤية وغيرهما من حيث يشعر ولا يشعر . # وكلّ ما دخل في الوجود ووجد صار واجب الوجود بواجب الوجود لذاته بذاته ، فلا ~~ينقلب أبدا عدما ، فهو مع الآنات في الترقّي ، فإنّه دائم القبول للتجلَّيات ~~الوجودية الدائمة أبد الآباد ، ولكنّه قد لا يشعر بذلك إن كان من أهل الحجاب ، ~~للطافته ورقّته . # وأنّه أبدا في تجلَّيات تتوالى عليه ، وتزداد - بكل استعداد لتجلّ - تجلَّيات أخر ~~علمية أو شهودية أو حاليّة أو مقامية أو جمعا أو أحدية جمع ، ولتشابه صور التجلَّي ~~لا يعثر على ذلك كالأرزاق التي تؤتى بها متشابهة ، " كُلَّما رُزِقُوا مِنْها من ~~ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَ الَّذِي رُزِقْنا من قَبْلُ " ومعلوم أنّ هذا الرزق ~~الآتي في زمان غير الآتي في غيره ، والكلّ رزق. # والفرق بين التعيّنات ظاهر وبيّن عند أهل الكشف ، خفيّ عند أهل الحجاب ، لأنّ ~~الشبيهين على كل تقدير ، بينهما تغاير في التعيّن ، فهما غيران ، ولكنّ الصحيح لا ~~يقتضي الغيرية في الحقيقة ، لكون العين واحدة مترائية ومتظاهرة في صور متشابهة غير ~~متناهية من الكثرة . # كم أنّ مدلول القادر والخالق والرازق إنّما هو الله ، فإنّه هو الرزّاق القادر ~~الخالق ، ولكن صور التجلَّي من جهة القادرية والخالقية والرازقية متغايرة ، ~~والمسمّى واحد بلا خلاف . # ومثال ذلك على ما مثّله رضي الله عنه الهيولى تؤخذ ولا بد في حدّ كل صورة من حيث ~~إنّ الصورة لا توجد إلَّ حالة في محلّ هو هيولاها ، وليست في الوجود إلَّا عينها ، ~~لعدم امتياز أحدهما عن الآخر إلَّا عقلا لا وجودا ، فالكثرة في الصورة ، والجوهر ~~واحد هو الأصل ، فالصورة عرض حالّ في جوهر هو محلَّه ، ولا يوجد إلَّا به وفيه بل ~~هو هو في الوجود . # فكذلك كثرة صور التجلَّيات في عين واحدة هو حقيقة المتجلَّي الحقّ " وَلِلَّه ِ ~~الْمَثَلُ الأَعْلى ". # فإنّ الصورة حالة في المادّة ، فهي محلَّها والفاعل لها فيها غيرهما على ما عرف ~~في العرف الفلسفي الظاهر ، لا في نفس الأمر ، فإنّ التحقيق يقضي أنّ الكلّ في الكلّ ~~من الكلّ عين الكلّ ، والحلول لا يتعقّل إلَّا بعد البينونة ولا بينونة ، فإنّه ~~بإجماع الخصم لا وجود لأحدهما بدون الآخر ، فالقابلية والفاعلية والانفعال نسب في ~~جوهر واحد هي أحكام له فيه ومنه ، فافهم ذلك واستشرف منه إلى ما نحن بصدد بيانه . # ثم اعلم : أنّ الأمر في الإنسان الكامل كذلك ، فإنّ قلبه يتقلَّب مع الحق في كل ~~منقلب ، فيكون مع كل آن في شأن بربّه ، ومن عرف نفسه بهذه المثابة ، فقد عرف ربّه ~~الذي هو كذلك ، لكونه خلق على صورته ، وهو هويّته . # قال رضي الله عنه : « ولهذا ما عثر أحد من العلماء والحكماء "يعني الظاهريّين" ~~على معرفة النفس وحقيقتها إلَّا الإلهيّون من الرسل والصوفية ، وأمّ أصحاب النظر ~~وأرباب الفكر - من القدماء والمتكلَّمين في كلامهم في النفس وماهيته - فما منهم من ~~عثر على حقيقتها ، ولا يعطيها النظر الفكري أبدا ، فمن طلب العلم بها من طريق النظر ~~الفكري ، فقد استسمن ذا ورم ، ونفخ في غير ضرم ، لا جرم أنّهم من " الَّذِينَ ضَلَّ ~~سَعْيُهُمْ في الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ ~~صُنْعاً ". # قال العبد اعلم : أنّ حقيقة النفوس كلَّها من النفس الواحدة التي هي نفس الحق ، ~~وأمّا صور النفوس فإنّها تجلَّيات نورية في النفس الرحماني ، تنفّس الحق بها عن ~~الصور الجسمانية الطبيعية ، فإن كانت - أعني النفس - جزئية ، فهي صورة من صور النفس ~~الكلية الواحدة الرحمانية متفرّجة في مادّة نفسية نورية رحمانية . # وإن كانت نفسا كلية من النفوس للإنسان الكامل ، فهي عين نفس الحق ظهرت في مرتبة ~~حقيقة هذا العبد على نحو من الصورة ، ونفس الحق الإنسانية الواحدة هي التي خلقت منه ~~النفوس كلَّها ، فقبلت في الصورة الذكورة والأنوثة من حيث حقيقتها ، الذاتيتين له ، ~~وهما الفعل والانفعال . # قال : " خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ ~~مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً " فتلك النفس الواحدة - التي خلقنا منها ، ~~ومنها خلق زوجها - هي نفس الحق التي يحذّركم منها ، وقد أمرنا أن نجعلها وقاية ~~لربّنا في معرفتنا بها . # ونجعل الربّ وقاية لها عن كل ما يخاف ويحذر ممّا يذمّ ويحمد ، ونضيف المحامد ~~كلَّها إلى النفس من كونها عين نفس الحق ، ونضيف المذامّ كلَّه إليها كذلك من كونها ~~نفسا . # فإنّه ذات جهتين تقبل النسبة إلينا من كونها صور حقائقها الذاتية التي هي عينها ، ~~فهي كثيرة لا تتناهى صور جزئيّاتها ، وكذلك تقبل النسبة إلى الحق من كونها نفس الحق ~~الظاهرة في نفسه من مقامي قرب الفرائض والنوافل التي لها من جهتيها ، فإنّ الحق هو ~~عين هويّتنا من كونه عين سمعنا وبصرنا ويدن ورجلنا وسائر قوانا ، وعين نفوسنا ~~وأعياننا ، ونحن صورة التي نقول على ألسنتنا ، فنحن لسانه الذي يقول : سمع الله لمن ~~حمده ، فنحن من هذا الوجه عين سمعه وبصره ولسانه ، فنحن بحسبه من هذا الوجه ، ومن ~~الوجه الآخر هو ظاهرنا كما ذكرن . # فإذا ظهر بنا لنا ، فنحن وقايته عن الكثرة المشهودة في أحديته العينية ، إذ نحن ~~الأعضاء والجوارح . # وإن ظهر هو في أحدية عينه ، فنحن باطنه وهو عين قوانا وأعضائنا ونفوسنا ولمّا ~~كانت للنفس هذه السعة ، فهي من حيث توحّدها وأحديتها نفس الحق . # ومن حيث نسبها وشعبها غير المتناهية عيننا ، فمتى عرفناها بهذه السعة ، عرفناها ~~عين الحق حقّ معرفتها . # وتحقّقنا بحقيقتها في قوله : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » فإنّ هذه النفس ~~الواحدة من حيث هويتها الغيبية الواحدة هي نفس الحق ، ومن حيث أنانيّاتها وإنيّاتها ~~الفرقانية نحن ، فإنّ لها إنّيات متعدّدة غير متناهية من حيث شخصياتها ، وهي صور ~~نسب الهوية النفسية النفسية الرحمانية أو الأنانية كالأينية الظاهرة الطاهرة للهوية ~~الباطنية ، والظاهر ظاهر الباطن وبالعكس . # فإن ظهرت النفس في تعيّنها بالهوية الواحدة ، استغرقتنا في هويتها الواحدة ، ~~فكنّا باطنها مستهلكين فيها ، فنحن فيه حينئذ هي ، لا نحن . # وإن ظهرت النفس في صور إنيّاتها ، ظهرنا وكانت هي هويّتنا الباطنة ، فتحقّقت ~~الوقاية لها من جهتها ، فعرفت واحدة كثيرة ، واحدة من حيث العين ، كثيرة من حيث ~~الأين والبين ، والله بأحدية جمعه يقرب الأين ، ويرفع البين ، ويقرّ بذلك العين . # وأمّا تعيّنها فمن حيث أحدية الجمع النفسي الرحماني الذي به نفّس الحق عن حقائقنا ~~العينية عن الكونه العدمية التي كنّا غيبا فيها ، وهي العدمية النسبية من حيث ~~أعياننا ، فتنفّس الحق من قبلن وحيثيتنا ، ومن جهة أعياننا المستهلكة نفّس بذلك ~~النفس الرحماني عنّا من ضيق كان قائما بحقائقنا في الاستهلاك ، تحت قهر الأحدية ، ~~فأوجد أعياننا بعين نفسه ونفس نفسه الذي رحمنا به ونفّس عنّا ، فنفوسنا من حيث ~~الحقيقة والعين نفس الحق ، ومن حيث تعيّناتها بشخصياتها أنفاسه الرحمانية المتعيّنة ~~في حقائقنا وأعياننا ، فظهرن بنفس الحق في نفس الحق . # فافهم إن كنت نفسهم ، والله الملهم . # وأمّا المتفلسفة من حكماء الرسوم والأفكار ، قديما وحديثا ، فما تحقّقوا بحقيقتها ~~، # ولم يبلغ علمهم منها إلَّا إلى التعريف الرسمي من حيث صورتها الحجابية ، فتكلَّمو ~~في صورها وقواها وكيفية تعلَّقها بالبدن ، وأنّها جوهر أو عرض ، وداخل البدن أو ~~خارجه ، أو لا داخل ولا خارج ، دخولا وخروجا جسمانيّين ، فقد يصدق عليها كلّ ذلك من ~~حيث المعنى . # فإنّ الجسم والقوى الجسمانية من كونها محالّ ظهور قوى النفس وحقائقها ومظاهرها ، ~~فما هي خارجة عنها ، ولكن ما خاض أحد في بيان حقيقتها وإنّيتها وهويّتها وعينها ~~وغيبه وحقيقتها وخليقتها وعبوديّتها وربوبيّتها ، وكل منهم بذل جهده وأقام قصده ، ~~والكلّ مصيب من وجه ، مخطئ من وجه ، وإن طلبت التحقّق بها بموجب الكشف والشهود ، ~~فعليك بشرح الغرّاء التائيّة لنا ، وهي ألف بيت نظمناها في علم الحقيقة واستقصينا ~~فيه القول على النفس وأسرارها ، فإن ظفرت بها ظفرت بعلمها إن شاء الله تعالى . # قال رضي الله عنه : « فمن طلب الأمر من غير طريقه ، فما ظفر بتحقيقه ، وما أحسن ~~ما قال الله تعالى في حق العالم وتبدّله مع الأنفاس في خلق جديد في عين واحدة ، ~~فقال في حق طائفة بل أكثر العالم " بَلْ هُمْ في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ " فل ~~يعرفون تجديد الأمر مع الأنفاس . # لكن قد عثرت عليه الأشاعرة في بعض الموجودات وهي الأعراض ، وعثرت عليه الحسبانية ~~في العالم كلَّه ، وجهّلهم أهل النظر أجمعين . ### || ولكن أخطأ الفريقان : # أمّ خطأ الحسبانية فبكونهم ما عثروا مع قولهم بالتبدّل في العالم بأسره على أحدية ~~عين الجوهر المعقول الذي قبل هذه الصورة ولا يوجد إلَّا بها كما لا تعقل إلَّا به . ### || فلو قالوا بذلك فازوا بدرجة التحقيق في الأمر . # وأمّا الأشاعرة فما علموا أنّ العالم كلَّه مجموع أعراض فهو يتبدّل في كل زمان ، ~~إذ العرض لا يبقى زمانين " . # قال العبد اعلم : أنّ صور العالم على ما عرّف عند الجمهور من أهل الحجاب : # بأنّه سوى الحق وغيره وهي أغيار بعضها للبعض ظاهر موجود مشهود ، والحق عندهم مغيب ~~مفقود لا يعلم بالحقيقة والإحاطة ، وغير مشهود بما عرّفوا وعرفوا من الشهود . # وأمّا عند العارف المحقّق الكامل ، والمحنّك الفاضل ، فالحق هو الموجود المشهود ~~بكل شهود في كل وجود ، والعالم متوهّم مفقود . # وأنّه مجموع أسامي موضوعة على كثرة متوهّمة أو متعقّلة وهي في الوجود والشهود ~~واحدة ، فهي كثرة متوهّمة في جوهر واحد موجود مشهود . # ومع كونها متوهّمة فإنّها مضمحلَّة في أحدية العين . # وإنّما العالم جوهر واحد هو مجموع أعراض توحّدت فتجوهرت جوهرا واحدا تتراءى فيه ~~صور لا تتناهى أبدا ، فهذه الصور - من حيث إنّها تراء وتظاهر وتمثّل - لا تحقّق لها ~~بنفسها ، بل بجوهرها وفيه . # فهي أعراض جمعت إلى جوهر واحد وصارت جوهرا واحدا أو هي جوهر واحد لا حقيقة في ~~الحقيقة إلَّا له ، وإذا كان العالم مجموع أعراض ، فإنّ الأعراض لا تبقى زمانين ، ~~والجوهر المشار إليه يتبدّل فيه الأعراض ، وهو يتقلَّب فيها ، ولا يتبدّل ولا ~~يتغيّر . ### || وبيان كون العالم مجموع أعراض : # أنّ العالم لا يخلو من أن يكون جوهر ، أو عرضا ، أو مجموع جواهر وأعراض ، أو لا ~~يكون واحدا منها ، لا جائز أن لا يكون شيئا منها ، وإلَّا فهو لا شيء ولا وجود له ، ~~وانحصر الأمر في هذا التقسيم لانحصار الأمر بين الوجود والعدم . # ثم نقول : لا جائز أن يكون جوهرا لا عرض فيه ، لعدم وجود جوهر بلا عرض وعدم تحقّق ~~هيولى بلا صورة . # ولأنّا نقول أيضا : إن كان الجوهر ما يقوم بذاته ول يكون موجودا في موضوع ، بل ~~موجودا لا في موضوع . # فالعلم إذن ليس بجوهر ، لأنّه ل قيام ولا وجود له من ذاته ، بل قيامه بوجود ~~مستفاد من الحق ، فليس العالم ولا شيء من العالم بجوهر قائم بذاته . # وأيضا فإنّ الجوهرية أمر اعتباري في ذات الجوهر وماهيته ، ولا تحقّق للجوهرية ~~إلَّا بالجوهر ولا تعيّن للجوهر إلَّ بالجوهرية المعقولة ، وهو كون الجوهر موجودا ~~لا في موضوع ، وهذا أمر اعتباري ، والأمور الاعتبارية لا وجود لها إلَّا في ~~الاعتبار والعقل أو الذهن ، والوجود أيض على ما عرّفوا في عرفهم الخاصّ عرض ، ولا ~~يشهد أيضا من العالم إلَّا الصور والأضواء والسطوح والأبعاد وهي أعراض ، فبطل أن ~~يكون العالم جوهرا أو جوهرا بل أعراض ، والحسّ والعقل يشهدان بذلك . # ول جائز أيضا أن يكون مجموع أعراض وجواهر ، فإنّ القائم بنفسه وحقيقته لا في ~~موضوع آخر هو الوجود الحق المطلق ، فإنّه المتحقّق بنفسه لنفسه حقيقة لا بغيره ولا ~~في غيره ، وهو يتعالى عن أن يكون جوهر العالم أو يقوم به عرض أو جزءا من مجموع . # وإذ صحّ أنّه ليس بجوهر أو جواهر بلا أعراض ولا قائما بذاته في ذاته ولا مجموعا ~~من جواهر وأعراض ، لزم أن يكون مجموع أعراض ، وإذا كان العالم مجموع أعراض فإنّه ~~يتبدّل برمّته وكلَّيته في نفس ، ولأن لا ينقسم من الزمان ، ولا يشعر بذلك ، للطافة ~~الحجاب وهو تشابه الصور والأمثال . # وأيض فإنّ العالم ممكن الوجود على كل حال أو واجبة لا بذاته ، بل بالواجب بالذات ~~، وامتنع امتناع وجوده بالإجماع ، فلزم أن يكون إمّا ممكنا أو واجب . # ل جائز أن يكون واجبا بذاته ، فإنّه الحق ، فلو كان واجبا بالواجب بذاته ، فقيامه ~~إذا بالواجب بالذات لا بنفسه ، وإن كان ممكنا فلا وجود له إلَّا بالمرجّح ول تحقّق ~~له إلَّا بالوجود المستفاد من الموجد المرجّح . # فهو إذن بدون ذلك غير موجود ، بل هو معدوم في عينه ، إذ لم يكن ، فهو لعينه عدمي ~~يطلب العدم الأصلي لعينه ، ولكنّ الموجد المرجّح يوالي ويواصل بنور الوجود وإفاضته ~~عليه ، ويوجده مع الآنات ، فتتجدّد الصور والأعراض ، والصور والأشكال من الوجود ~~المطلق للحق ، ولا يفيض من الحق إلَّا الحق ، فيتحقّق به ما لا تحقّق له في عينه ، ~~فيوجد هذه الأعراض والصور في هذه العين الواحدة التي هي كالمراة لهذه الصور ~~المترائية فيه تماثيل وتمثّلات بها. # فلو شعر الذين شعروا بما شعروا من تبدّل المجموع وهم السوفسطائية المسمّون ~~حسبانية ، أنّ وراء هذه التبدّلات والأبدال ، والتمثّلات والأمثال حقيقة حق لا ~~يتبدّل عن مقتضى ذاته ، ولكن من شأنه الظهور بهذه الصور عند التجلَّي والتعيّن ، ~~وأنّه عين الوجود الحق ، لكانوا من أهل العثور على حقيقة الأمر . # ولكنّهم شعروا بالتبدّل في مجموع العالم ، ثم لم يثبتوا فتزلزلوا ونفوا الحقيقة . # فقالو : وإذ صحّ تبدّل العالم وتغيّره جملة وتفصيلا ، فلا حقيقة له . # فلو ثبتوا وأثبتوا الحقيقة الأحدية الثابتة القابلة لهذه الصور العرضية لا من ~~خارج ، بل من عينه ، وأنّها لا تقدح الكثرة العرضية والتعيّن والتجدّد في حقيقة هذه ~~العين الأحدية ، لفازو بالحق . # والأشاعرة شعروا بأنّ العرض لا يبقى زمانين # ، وأعراض العالم تتبدّل مع الآنات ، ولم يشعروا مع ذلك أنّها مجموع أعراض ، وأن ~~لا شيء من العالم بجوهر قائم بنفسه ، وأنّ الموجود القائم بعينه في عينه لا في ~~موضوع سواه هو الحق ، فأخطئوا ، فلو أثبتوا - حين أثبتوا جوهر العالم واحدا - أنّ ~~ذلك الواحد هو الوجود الحق المتعيّن بهذه الصور كلَّها ، لكانوا من الفائزين بالأمر ~~على الحقيقة ، فتبيّن بما ذكرنا خطأ الفريقين لمن عقل عن الله ، وما غفل عن التحقيق ~~، والله وليّ التسديد والتوفيق . # قال رضي الله عنه : « ويظهر ذلك في الحدود للأشياء ، فإنّهم إذا حدّوا الشيء ~~تبيّن في حدّهم تلك الأعراض ، وأنّ هذه الأعراض المذكورة في حدّه عين هذا الجوهر ~~وحقيقته القائم بنفسه ، ومن حيث هو عرض لا يقوم بنفسه ، فقد جاء من مجموع ما لا ~~يقوم بنفسه من يقوم بنفسه كالتحيّز في حدّ الجوهر القائم بنفسه الذاتي » . # يعني على قول الأشاعرة مثلا « وقبوله الأعراض حدّ له ذاتيّ ، ولا شكّ أنّ القبول ~~عرض ، إذ لا يكون إلَّا في قابل ، لأنّه لا يقوم بنفسه ، وهو ذاتي للجوهر ، ~~والتحيّز عرض ولا يكون إلَّا في متحيّز ، فلا يقوم بنفسه ، وليس القبول والتحيّز ~~بأمر زائد على عين الجوهر المحدود ، لأنّ الحدود الذاتية هي عين المحدود وهويّته ، ~~فقد صار ما ل يبقى زمانين - وهو العرض - يبقى زمانين وأزمنة ، وعاد ما لا يقوم ~~بنفسه يقوم بنفسه ، وهم لا يشعرون لما هم عليه » . # يعني رضي الله عنه : القائلون بأنّ الجوهر هو ما يقوم بنفسه مع تحقّق أنّ أجزاء ~~حدّه الذاتي وحقائق حقيقته الذاتية لا تحقّق لها في أنفسها ، فإنّها أعراض ، فإنّ ~~التحيّز للجسم - وهو الجوهر المتحيّز - والجوهرية وقبول الكمّ والكيف وغيرها من ~~الأعراض ، كالأبعاد من الطول والعرض والعمق ، كلَّه معان لا تحقّق لها ولا قيام ~~إلَّا في أمر هو المجموع من هذه الأعراض ، لأنّ الجوهر الطويل العريض العميق ليس ~~بشيء زائد على مجموع هذه الأعراض ، وكونه مجموع هذه الأعراض أو أمرا غير مذكور ولا ~~مشهور معنى أيض معقول لا وجود له بدون هذه الأمور التي لا تحقّق لها في أعيانها ولا ~~قيام . # فهم - مع قولهم بأنّ العرض لا يبقى زمانين ، وأنّ أجزاء هذا المحدود أعراض ، ~~ووجوب الاعتراف بأنّ لا زائد على هذه الأجزاء ، بعدم إثباتهم أمرا زائدا قائما ~~بنفسه - كيف لم يقولوا بأنّ العالم مجموع أعراض ، أو أنّه يتبدّل مع الآنات ، خطأ ~~بيّن . # فلم يشعروا بتبدّل الأعراض المجموعة تبدّلا جمعيا وحدانيا ، لا يشعر به إلَّا من ~~شعر بتبدّل صورة النور المشهود في المصباح مثلا بشهادة العقل الصحيح أنّ الجزء ~~المشتعل من مادّة الدهن والفتيل في كلّ آن آن يفنى ولا يبقى ويتلاشى ويتعلَّق النار ~~القائم بها النور بجزء متّصل بذلك الجزء الأوّل المنطفئ . # فباتّصال التعلَّق وتواليه وتعاقبه مع الآنات يظهر الاتّصال بين التعيّنات ~~النورية المنطفئة والمشتعلة على الدوام بلا توقّف بحيث لا يدرك الحسّ فاصلا بين صور ~~الاشتعال والانطفاء ، فيظنّ أنّ النور الظاهر أوّل الليل هو بعينه ذلك النور ~~المشهود في آخره . # ومع أنّ حقيقة النور واحدة ولكنّ التعيّنات متغايرة لا شكّ فيه ولا ريب . # فمن عثر على هذا التبدّل من ذوي الحسّ السليم والعقل الصحيح ، واعترف به ، فقد ~~يعثر على تبدّل مجموع الصور من العالم مع الآنات ، والتبدّل أيضا عرض . # فلو أطلعه الله على المادّة المشتعلة أو العين الواحدة المظهرة بتعيّنها هذه ~~الصور من نفسها في نفسها ، للحق بأهل الحق والتحقيق ، والله وليّ التوفيق . ### || قال رضي الله عنه : " وهؤلاء هم في لبس من خلق جديد" . # يعني أهل الحجاب الذين يقولون بوجود الغيرية والسوي . # قال رضي الله عنه : « وأمّا أهل الكشف فإنّهم يرون أنّ الله يتجلَّى في كلّ نفس ، ~~ولا يكرّر التجلَّي " . # أي لا يعيد عين التجلَّي الأوّل ، فإنّ حقيقة التكرار بالنسبة إلى مطلق التجلَّي ~~من حيث تعيّنه من مراتب الأسماء متحقّقة ، ولكنّ التكرار بالنسبة إلى كل تعيّن ~~معيّن محال عقلا وكشفا . # فإن اعتبرنا حقيقة التجلَّي الواحد الذاتيّ ، فلا يتصوّر فيه التكرار أصل ورأسا . # فإنّه تجلّ واحد أزلا ، وأبدا ، ولكن ظهوراته وتعيّناته بحسب حضرات التجلَّي ~~ومراتب الأسماء وخصوصيّات القوابل والمظاهر ، والتجلَّي في كل آن وزمان يتجدّد ~~ويتعدّد ، ولا تكرار فيه ، فإنّ القبول الأوّل غير القبول الثاني ، فتجدّد ~~التجلَّيات بحسب قبول القوابل وتعدّدها . ### || قال رضي الله عنه : « ويرون أيضا أن كل شهود يعطي خلقا جديدا ، ويذهب بخلق ~~جديد » . # يعني رضي الله عنه : أنّ التجلَّى الواحد - بالنظر إلى دوام انبعاثه من ينبوع ~~الجود بتنوّع نور الوجود بحسب القوابل - يتعيّن بلا مكث ، وينسلخ متقلَّصا إلى أصله ~~، ويعقبه ما بعده بالتعيّن على التوالي والدوام . # فهو من كونه متعيّنا في قوابل بحسبه يعطي خلقا جديدا ، وبالنظر إلى انسلاخه يذهب ~~ذلك التعيّن الذي هو الخلق ، فلا يزال الخلق يتجدّد بتجدّد التعيّنات ، ولا يزال ~~التجلَّي يتعيّن بتعيّن الاستعدادات ، فالتجلَّي المتعيّن في قابلية العالم مثلا في ~~الآن راجع إلى الغيب بما عليه من خلقه الخلق الجديد وبدله قائم بمثل صورته وشبهه . # فإنّ التجلَّي هو المظهر لصور العالم من استعداده الكلَّي ، وإذا ظهر في كل آن ~~بكل صورة ، غاب الوجود المتعيّن بصورة ظهر بها ، وخلقه بمثل الصورة الغائبة حاضرا ~~هكذا أبدا دائما . # قال رضي الله عنه : « فذهابه هو الفناء عند التجلَّي والبقاء لما يعطيه التجلَّي ~~الأخير فافهم». # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ البقاء للوجود الحق الذي تظهر فيه هذه الصور مع ~~الآنات ، والفاني هو التعيّن بما تعيّن به فيه قبله ، ومع قطع النظر عن هذه ~~الاعتبارات ، فلا فناء ولا بقاء ، ولا تجلَّي ولا حجاب ، ولا بخل ولا نحل ، ولا ~~بعاد ولا اقتراب . # . # %~% ### | فص حكمة ملكية في كلمة لوطية ### | 13 - فصّ حكمة ملكية في كلمة لوطية . شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # سبب استناد هذه الحكمة الملكية إلى هذه الكلمة الكمالية يذكر في شرح نصّ الفصّ ، ~~وقد ذكرنا ما فيه مقنع . # أضيفت حكمته إلى الملك من طلبه القوّة والركن الشديد ، فإنّ الملك القوّة والشدّة ~~، كم سيأتيك . # قال رضي الله عنه : # ( الملك : الشدّة . والملك : الشديد # . ### || يقال : ملكت العجين إذا شددت عجنه ، قال قيس بن الحيطمة يصف طعنه : # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ….. يرى قائم من دونها ما وراءها أي شددت بها كفّي ~~يعني الطعنة ، فهو قول الله عن لوط : " لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي ~~إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ". فقال صلى الله عليه وسلم : « يرحم الله أخي لوطا ، لقد كان ~~يأوي إلى ركن شديد » فنبّه صلى الله عليه وسلم أنّه كان مع الله من كونه شديدا ، ~~والذي قصد لوط عليه السّلام القبيلة بالركن الشديد ، والمقاومة بقوله : " لو أنّ لي ~~بكم قوّة " . ) # يشير رضي الله عنه : إلى سبب استناد حكمته إلى لوط من كونه مع القويّ الشديد ، ~~حتى يقوى على أعداء الله ، ويشدّد على أولياء الشيطان ، وكذلك كان عليه السّلام ~~فإنّ هذا النفس من شديد في شدّة ، ولولا القوّة التي كان عليها ، لما قهر الأعداء ~~بقوّة همّته وشدّة أثر باطنه ظاهر . # قال رضي الله عنه: ( وهي الهمّة هنا ) يعني القوّة المذكورة في قوله : " لَوْ ~~أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً " . ### || قال رضي الله عنه : ( من البشر خاصّة ). # قال الشيخ رضي الله عنه : ( لكونه صلى الله عليه وسلم سمع الله يقول : " الله ~~الَّذِي خَلَقَكُمْ من ضَعْفٍ " بالأصالة " ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ~~" فعرضت القوّة بالجعل فهي عرضيّة " ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً ~~وَشَيْبَةً ". ### || فالجعل تعلَّق بالشيبة ، وأمّا الضعف فهو رجوع إلى أصل خلقه . # وهو قوله : "خَلَقَكُمْ من ضَعْفٍ " فردّه لما خلقه منه " ثمّ " يُرَدُّ إِلى ~~أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً " فذكر أنّه ردّ إلى ~~الضعف الأوّل . فحكم الشيخ حكم الطفل في الضعف . # وما بعث نبيّ إلَّا بعد تمام الأربعين ، وهو زمان أخذه في النقص والضعف ، فلهذ ~~قال : " لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً " مع كون ذلك يطلب همّة مؤثّرة) . # قال العبد : كلّ هذه الحكم والأسرار ظاهرة بيّنة الإشارة لأهل الخصوص بلغتهم ، ~~وهي أنّ المخاطب بهذا الخطاب ظاهرية الخلق وحجابيّتهم من جسمانيّتهم . # فإنّ كناية الكاف من قوله : « خلقكم » وفي قول لوط : " بكم " عائدة إلى التعيّن ~~والحجابية التي لأنانيّة كلّ شيء ، ولا شكّ أنّها من الخلقية ، والخلقية صورة عرضية ~~من أصل عدميّ في حقيقة الممكن من جهة إمكانه ، فإنّ أصل الممكن يقتضي الضعف ، إذ ~~القوّة والشدّة من حقائق الوجود ، وأصل خلقيّته من العدم الإمكانى الذاتي له ، فكان ~~له الضعف بالأصالة ، والقوّة بالجعل من حيث ترجيح الحق وتقويته جانب الوجود بالنسبة ~~إلى الممكن ، هذا سرّ خلق الله لنا بالأصالة من ضعف ، وحكمة كون القوّة له عرضية . # وأمّا حكمة الشّيبة من باب الإشارة بلسان أهل الذوق ، فهي أنّ الشعور التي على ~~ظاهر الإنسان صور الشعور الذي لباطن الإنسان بالأشياء ، ولمّا كان شعور كل إنسان ~~بكل شيء في المبدأ أوّلا من حيث حجابيات الأشياء وتعيّناتها ، وهو علمه بما سوى ~~الله من كونه سواه وغيره وحجابا عليه ، فلهذا غلب على لون الشعور وصبغها في بدء ~~النشأة حجابية ظلمانية كالسواد وقبيله ، وإشارة إلى إظهار الحجابية التعيّنية ~~والظلمة الكونية على نوريّته الوجودية أوّلا بالنسبة إليه كذلك ، فإنّه في زعمه ~~وزعم أمثاله غير الله وسواه . # ثمّ بعد تكامل الإنسان في قواه الروحانية والإلهية النورانية وغلبتها على القوى ~~الظلمانية الجسمانية واستيلاء حقيقته على خلقيته وشعوره بحقيّات الأشياء من حيث ~~حقائقها ووجوداتها من جهة ما يدري ولا يدري . # فإنّ الحقيّة الخفيّة في الخلقية التعيّنية غالبة في الآخر ولا بدّ ، ولم يعثر ~~عليها في العموم ، فقد علم ذلك أهل الخصوص والخلوص ، والله غالب على أمره . # وقد سبقت رحمته غضبه ، فلا بدّ أن يغلب في شعوره النورية والبياض على الظلمة ~~والسواد بظهور خفيّات الحقائق على خلصانها وحجابياتها ، فاعرف ذلك وتنبّه ، تنبّه ~~على م بيّنت ممّا تبيّنت ، والله الموفّق . # ول تظنّنّ من قولنا : شعور باطن الإنسان بخلقيات الأستار وحجابياتها أو بحقّياتها ~~، الشعور الفكريّ الذهنيّ ، فلا يعنى بذلك إلَّا شعور باطن النفس وهي التعلَّقات ~~والتعشّقات النفسية المنبعثة بالتعلَّق في أوّل النشء بحجابيات الأشياء وظلمانياتها ~~، فافهم هذه اللطيفة الروحانية الشريفة في سرّ غلبة الشيب آخرا وعموم غلبة السواد ~~على الشعور الظاهرة على الإنسان أوّل . # وأمّ من لا يظهر عليه حكم الشيب فهو صورة من لم يدرك طول عمره إلَّا الحجابية ~~الغيرية ، وذلك في العموم ، وفي الخصوص غلبة الغيب على الشهادة بالنور الأسود الذي ~~هو من أعلى الأنوار ، فافهم . # وأمّ معنى قوله عن لوط عليه السّلام : لمّا سمع " الله الَّذِي خَلَقَكُمْ من ~~ضَعْفٍ " فإنّه سمع بسمع روحه روح هذه الآية من روح محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم ~~في عالم # الأرواح ، حين بعثه إلى الأرواح نبيّا ، وكان آدم بين الماء والطين ، فسمع الآية ~~روح لوط كذلك. # وذلك عين تحقّقه عليه السّلام بأنّ الله خلقه وسائر بني نوعه من ضعف من حيث إنّه ~~كان نطفة ، ثمّ صار علقة ، ثمّ مضغة مخلَّقة وغير مخلَّقة ، ثم جنين حيّا مولودا ، ~~ثمّ طفلا رضيعا ، وصبيّا وشابّا وشيخا ومائتا ، ثمّ الله ينشئ النشأة الآخرة ، ~~فتحقّق عليه السّلام كيف خلق من ضعف ، وكيف ردّ إلى ضعف ، وهذا الاعتبار يحصل ~~للأنبياء المكمّلين وحيا ، وللأولياء إخبارا وإلقاء وواردا وتجلَّيا بغتة ، ولغيرهم ~~بالفكر والتدريج ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( فإن قلت : وما يمنعه من الهمّة المؤثّرة وهي موجودة في ~~السالكين والأتباع ، والرسل أولى بها ؟ # قلن : صدقت ولكن نقصك علم آخر ، وذلك أنّ المعرفة لا تترك للهمّة تصرّفا ، ~~فكلَّما علت معرفته نقص تصرّفه بالهمّة ، وذلك لوجهين : الوجه الواحد لتحقّقه بمقام ~~العبودية ونظره إلى أصل خلقه الطبيعي . ### || والوجه الآخر أحدية المتصرّف والمتصرّف فيه ، فلا يرى ، على من يرسل همّته ؟ ~~) # يعني : لا يرى من يرسل همّته عليه ، ويكون مفعول « يرى » محذوفا بمعنى ل يرى أحدا ~~ويكون « على من يرسل همّته » بيان علَّة عدم التصرّف ، فحذف المرئيّ لما لم تتعلَّق ~~به الرؤية ، والتقدير : لا يرى أحدا غير الحق ، فعلى من يرسل همّته ؟ وهو صحيح فيه ~~حذف واستفهام للمخاطب عمّن يرسل همّته . # قال رضي الله عنه : ( فيمنعه ذلك ، وفي هذا المشهد يرى أنّ المنازع له ما عدل عن ~~حقيقته التي هو عليها في حال ثبوت عينه وحال عدمه ، فم ظهر في الوجود إلَّا ما كان ~~له في حال العدم في الثبوت ، فما تعدّى حقيقته ، ول أخلّ بطريقته ، فتسميته لذلك ~~نزاعا إنّما هو أمر عرضي أظهره الحجاب على أعين الناس . # كما قال الله تعالى عنهم : " وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . ~~يَعْلَمُونَ ظاهِراً من الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ" # وهو من المقلوب ، فإنّه من قولهم : " قُلُوبُنا غُلْفٌ " ي في غلاف ، وهو الكنّ ~~الذي ستره عن إدراك الأمر على ما هو عليه . فهذا وأمثاله يمنع العارف من التصرّف في ~~العالم . ) # قال العبد : هذا ظاهر جليّ ، ولكن هاهنا بحث لطيف دقيق ، لعمر الله فيه تحقيق ، ~~وهو أنّ شهود أحدية التصرّف والمتصرّف والمتصرّف فيه ، كما يوجب التوقّف عن التصرّف ~~، فكذلك يقتضي بالتصرّف ، فإنّ التصرّف من حيث وقع وممّن كان ، فليس إلَّ للحق ، ~~فلو تصرّف العارف بأحدية عين المتصرّف والمتصرّف فيه بكلّ ما تصرّف في الأكوان . # فليس ذلك التصرّف إلَّا للحق ومن الحق ، ولا سيّما وأحدية العين توجب أن يكون ~~لحقيقة العبد كلّ ما لحقيقة الربّ من التصرّف والتأثير ، وإلَّا يلزم أن يكون ناقص ~~الاستعداد والقابلية في المظهرية الكاملة الجامعة الكليّة الإلهية ، حيث لم يتحقّق ~~بكمال ظهور الربوبية والإلهية بالتأثير والتصرّف من حقيقته ، والحقيقة الكمالية ~~الإنسانية الإلهية ، لها كلّ ما للحق من الحقائق ، وكلّ ما للعبد من العبدانية ~~الإمكانية الكيانية أيضا كذلك على الوجه الأكمل ، ولها أيضا الجمع وأحدية الجمع ~~وغيره . # وإنّم منع العارف الكامل عن التصرّف ما ذكرنا أوّلا من وجوب ظهور العبد بعبدانيته ~~تحقيق ، وردّ أمانة الربوبية العرضية إلى الله تأدّبا . # فإنّ ذلك له تعالى بالفعل ، وللعبد الظهور بالعبودية ، وأتى بالفعل ، وذلك ~~بالقوّة ، وعرضيّ ، فإنّ ظهور التصرّف عن هذا العبد الكامل فليس ذلك بتسلَّط الهمّة ~~، بل تجلَّى من عين الحقيقة من غير إخلال بمقام العبودية ، ولكنّ التصدّي لذلك ~~والظهور به خلاف التحقيق . # والموجب لتوقّف العبد الكامل العارف عن التصدّي للتصرّف والتسخير بإرسال الهمّة ~~وتسليطه هو أنّ الكامل مستفرغ بكليّته لله وشهوده من حيث إطلاقه الحقيقي الذاتي ، ~~فل التفات له إلى تسليط الهمّة الكلَّية إلى الكوائن الجزئية بالتوجّه الكلَّي وجمع ~~الخاطر ، فلا يجتمع الإنسان في نفسه لهمّته إلَّا للتوجّه الأحدي الجمعي الكمالي ~~إلى الله الواحد الأحد ، وأن تتقيّد الهمّة المطلقة عن كل قيد ، المتعلَّقة أبد ~~بالذات المطلقة بمثل ذلك ، كما أشار إليه - رضي الله عنه - بقوله : « فأمثاله » ~~فافهم . # ولكن للحق ظهور بجميع التصرّفات الإلهية والتأثيرات الربّانية ، من عين العبد ~~الكامل من غير تقييد منه بذلك ولا إرسال همّة ولا تسليط نفس ، وهو مشهود موجود ، ~~ولله الحمد ، فتحقّق يا أخي بكلّ هذه الحقائق ، فإنّها غاية في المعرفة بالله " ~~وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ". # قال رضي الله عنه : ( قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن قائد للشيخ أبي السعود بن ~~الشبل : لم لا تتصرّف ؟ ### || فقال أبو السعود : تركت الحق يتصرّف لي كما يشاء . # يريد قوله تعالى آمرا : " فَاتَّخِذْه ُ وَكِيلًا " ، فالوكيل هو المتصرّف ولا ~~سيّما وقد سمع الله يقول : " وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه ~~ِ " فعلم أبو السعود والعارفون أنّ الأمر الذي بيده ليس له ، وأنّه مستخلف فيه . # ثمّ قال له الحقّ : هذا الأمر استخلفتك فيه وملَّكتك إيّاه اتّخذني فيه وكيلا ، ~~فامتثل أبو السعود أمر الله واتّخذه وكيلا ، فكيف تبقى لمن يشهد مثل هذا الأمر همّة ~~يتصرّف بها والهمّة لا تتعقّل إلَّا بالجمعية التي لا متّسع لصاحبها إلى غير ما ~~اجتمع عليه ؟ ! # وهذه المعرفة تفرّقه عن هذه الجمعية ، فيظهر العارف التامّ المعرفة بغاية العجز ~~والضعف . # قال بعض الأبدال للشيخ عبد الرزّاق سلام الله عليه : قل للشيخ أبي مدين بعد ~~السلام عليه : يا أبا مدين ! لم ل يعتاص علينا شيء وأنت تعتاص عليك الأشياء ونحن ~~نرغب في مقامك وأنت لا ترغب في مقامنا ؟ وكذلك كان . # يعني : كان تعتاص عليه أمور « مع كون أبي مدين رضي الله عنه كان عنده ذلك المقام ~~وغيره ونحن أتمّ في مقام الضعف والعجز منه ومع هذا قال له هذا البدل ما قال ، وهذا ~~من ذلك القبيل . # وقال صلى الله عليه وسلَّم في هذا المقام عن أمر الله له بذلك : " ما أَدْرِي ما ~~يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ " والرسول يحكم ~~ما يوحى إليه به ، ما عنده غير ذلك . # فإن أوحي إليه بالتصرّف فيه بجزم ، تصرّف ، وإن منع امتنع ، وإن خيّر اختار ترك ~~التصرّف ، إلَّا أن يكون ناقص المعرفة ) . # قال العبد : نقصان معرفة المتصرّف المخيّر قد يكون من حيث عدم العلم بأنّ حقيقة ~~الفعل والتأثير والتصرّف من خصوص الحضرة اللاهوتية ، وأنّها ذاتية لحقيقة الله ، ~~عرضية في العبد ، وأنّ الوقوف مع العبودية للعبد أولى ، لكون العبودة ذاتية له ، ~~وأنّ الظهور بالذاتيات أعلى وأشرف من الظهور بالربوبية العرضية . # وقد يكون من حيث عدم التأدّب مع المرتبة الإلهية ، وأنّ استخلاف الله فيما خلَّف ~~فيه ، واتّخاذه وكيلا كلَّيا أعلى مقام المعرفة والتحقيق ، ولهذا كمل الرسل والورثة ~~بحكم ما يوحى إليهم ، فإن أوحي إليهم بالتصرّف ، كانوا مأمورين بذلك ، فتصرّفو ~~كتصرّفهم في قومهم بالهلاك والنجاة . وإن أوحي إليهم بالامتناع تأدّبوا ووقفو أدبا ~~. # وإن أوحى إليهم بالاختيار بين التصرّف وتركه ، علموا أنّه لو كان الأرجح في علم ~~الله خلاف ما أمروا به ، لما خيّروا ، بل أمروا به ، وحيث خيّروا فالخيرة في الأدب ~~والوقوف بمقتضى الحقائق . # قال رضي الله عنه :- ( قال أبو السعود لأصحابه الموقنين به : إنّ الله أعطاني ~~التصرّف منذ خمس عشرة سنة ، فتركناه تطرّفا ، هذا لسان إدلال ، وأمّ نحن فما تركناه ~~تطرّفا وهو تركه إيثارا وإنّما تركناه لكمال المعرفة ، فإنّ المعرفة لا تقتضيه بحكم ~~الاختيار فمتى تصرّف العارف بالهمّة في العالم ، فعن أمر إلهيّ وجبر لا باختيار . # ولا شكّ أنّ مقام الرسالة يقتضي التصرّف لقبول الرسالة التي جاء بها ، فيظهر عليه ~~ما يصدّقه عند أمّته وقومه ، ليظهر دين الله ، والوليّ ليس كذلك. # ومع هذا فلا يطلبه الرسول في الظاهر ، لأنّ للرسول الشفقة على قومه ، فلا يريد أن ~~يبالغ في ظهور الحجّة عليهم ، فإنّ في ذلك هلاكهم ، فيبقي عليهم ، وقد علم الرسول ~~أيضا أنّ هذا الأمر المعجز إذا ظهر للجماعة منهم من يؤمن به عند ذلك ، ومنهم من ~~يعرفه ويجحده ، ول يظهر التصديق به ظلما وعلوّا وحسدا ، ومنهم من يلحق ذلك بالسحر ~~والإيهام . # فلمّا رأت الرسل ذلك ، وأنّه لا يؤمن إلَّا من أنار الله قلبه بنور الإيمان ، ~~ومتى لم ينظر الشخص بذلك النور المسمّى إيمانا ، فلا ينفع في حقّه الأمر المعجز ، ~~فقصرت الهمم عن طلب الأمر المعجز ، لما لم يعمّ أثرها في الناظرين و لا في قلوبهم ، ~~كما جاء في حق أكمل الرسل وأعلم الخلق وأكملهم في الحال " إِنَّكَ لا تَهْدِي من ~~أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ الله يَهْدِي من يَشاءُ " إلى صراط مستقيم « ولو كان للهمّة ~~أثر ، ولا بدّ ولم يكن أحد أكمل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعلى ولا أقوى ~~همّة منه وم أثّرت في إسلام أبي طالب عمّه ، وفيه نزلت الآية التي ذكرناها . # ولذلك قال في الرسول صلى الله عليه وسلم أنّه ما عليه " إِلَّا الْبَلاغُ " وقال ~~: " لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ الله يَهْدِي من يَشاءُ". # وزاد في سورة القصص ، " وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " أي بالذين أعطوه ~~العلم بهدايتهم في حال عدمهم وأعيانهم الثابتة ، فأثبت أنّ العلم تابع للمعلوم ، ~~فمن كان مؤمنا في ثبوت عينه وحال عدمه ، ظهر بتلك الصورة في حال وجوده وقد علم الله ~~بذلك منه أنّه هكذا يكون . # فلذلك قال: " وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " فلمّا قال مثل هذا ، قال أيض " ~~ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ " لأنّ قولي على حدّ علمي في خلقي " وَما أَنَا ~~بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ". # أي ما قدّرت عليهم الكفر الذي يشقيهم ، ثمّ طلبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به ~~، بل ما عاملناهم إلَّا بحسب ما علمناهم وما علمناهم إلَّا بم أعطونا من نفوسهم ~~ممّا هم عليه ، فإن كان ظلم فهم الظالمون . ### || ولذلك قال :" وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " فما ظلمهم الله . # ولذلك ما قلنا لهم إلَّا ما أعطته ذاتنا أن نقول لهم ، وذاتن معلومة لنا بما هي ~~عليه من أن نقول كذا ، و لا نقول كذا. # فما قلنا إلَّا ما علمنا أنّا نقول ، فلنا القول منّا ، ولهم الامتثال وعدم ~~الامتثال مع السماع منهم . # قال كلّ منّا ومنهم %~% والأخذ عنّا وعنهم # إن لا يكونون منّ %~% فنحن لا شكّ منهم ) # قال العبد : يشير رضي الله عنه : بكلّ ذلك إلى أنّ كمال المعرفة والعلم بحقائق ~~الأمور يوجب كمال الأدب مع الله تعالى وعدم التصدّي والظهور بالتصرّف والتأثير ~~بالهمّة. # فإنّ العالم المحقّق يعلم أنّ الأمور الكائنة في الوجود لا تكون إلَّا بموجب ما ~~كانت عليه في العلم الأزلي، ولا يجري في العالم إلَّا ما جرى في علم الله أزلا ~~بجريانه ، فتنزّهت الهمم العالية العالمة بهذا عن تعليق الهمّة بما لا يكون . # إذ الواقع ما علموا أنّ يقع ، فلا فائدة في تعليق الهمّة ، وغير الواقع لا يقع ~~بتعليق الهمّة به ، ولا يقع إلَّا ممّن يكون ناقص المعرفة ، كما أشار إليه من قبل ، ~~فتحقّق أنّ الأمر بين فاعل عالم بما في قوّة القابل وبين قابل لا يقبل إلَّا ما في ~~استعداده الذاتي غير المجعول . # فكان الأمر كما أشار منّا ومنهم ، منّا من حيث حضرة الجمع الأسمائي ، ومنهم من ~~حيث الأعيان المظهرة بالوجود الحقّ حقائق الأسماء بقابلياتهم واستعداداتهم الخصوصية ~~الذاتية ، وأخذه العلم الحقيقي منّا ، فإنّا نعطي منه من يشاء ما نشاء . # هذ ظاهر ما في هذا الشطر ، والذي فوق هذا أنّ العلم مأخوذ من المعلوم ، والمعلوم ~~نحن ، فإنّا إنّما نعلم أنفسنا منّا ، إذ لا معلوم إلَّا نحن ، فالأخذ منّا ، وذلك ~~العلم من الله متعلَّق أوّلا بنفسه ، ثمّ بالعالم الذي هو مظاهر حقائق نفسه ، وهذ ~~معنى عاد في هذا الشطر . # وأمّ الشطر الآخر وهو أن يكون الأخذ عنهم ، أي عن حقائق العالم وأعيانه - فهذا ~~ظاهر ، فإنّ العلم بالعالم إنّما يؤخذ من أعيان العالم وحقائقه ، وأنّهم أي ~~المعلومات من أعيان العالم إن لم يكونوا منّا من كوننا أعيانهم بل تبعيض ، ولم ~~يكونوا من حقائقهم مجعولين بجعل منّا ، فنحن معاشر الأسماء لا شكّ ، نكون منهم ، ~~فإنّهم يعيّنون الوجود ويسمّون الحق بأسمائه ، فنحن من حيث حضرة الجمع الأسمائي ~~منهم . # ومعنى آخر أن يكونوا بموجبنا وحسبنا مطلقا ، وليس في وسعهم ذلك ، لكون كلّ عين ~~عين مخصوصا بخصوص ، ولكنّا لسعتنا لا شكّ نكون بموجب ما منهم عليهم ممّا يوجب عليهم ~~، فنكون بحسبهم . # قال رضي الله عنه : ( فتحقّق يا وليّي هذه الحكمة الملكية في الكلمة اللوطية ، ~~فإنّها لباب المعرفة ) . # يعني : أنّ لباب المعرفة والعلم الحقيقي يوجب إقامة أعذار الخلائق من العلم بسرّ ~~القدر . ### || ثمّ قال رضي الله عنه : # ( فقد بان لك السرّ %~% وقد اتّضح الأمر # وقد أدرج في الشفع %~% الذي قيل هو الوتر . ) # يعني رضي الله عنه : من السرّ سرّ القدر وبالأمر أمر الوجود الحق أنّه بحسب ذلك ~~السرّ ، وأنّ الواحد الحق الذي هو الوجود مدرج في الشفع الذي هو القابل ، وإنّما ~~كان شفعا لظهوره في ثاني مرتبة الوتر . # وإنّم كان وترا لعدم الشافع التالي ، فالوتر بتحقّق الثاني شفع ، وبلا هو ، وتر ، ~~فافهم . # . # %~% ### | فص حكمة قدرية في كلمة عزيرية ### | 14 - فصّ حكمة قدريّة في كلمة عزيريّة . شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # استناد هذه الحكمة إلى الكلمة العزيرية قد ذكر فيما تقدّم ، ويذكر في شرح المتن ~~وفيه من كون العزيز عليه السّلام طلب العلم بكيفية تعلَّق القدرة بالمقدور وهو من ~~سرّ القدر . # "" فأضيفت حكمة عزيرية عليه السّلام إلى القدر لطلبه العثور على سرّ القدر ، وكان ~~الغالب على حاله القدر والتقدير . " فَأَماتَه ُ الله مِائَةَ عامٍ " # ولما سأله الله تعالى : " كَمْ لَبِثْتَ " عن قد ما لبث ، قال بالتقدير : " ~~لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ ". # وقوله : " أَنَّى يُحْيِي هذِه ِ الله بَعْدَ مَوْتِها " استفهام استعظام وتعجّب ~~عن كيفية تعلَّق القدر بالمقدور بالنظر الظاهر على ما سيأتيك نبؤه عن قريب ."" # وذلك في قوله : " أَنَّى يُحْيِي هذِه ِ الله بَعْدَ مَوْتِها " ظاهر الدلالة ~~اللفظية على الاستبعاد والاستعظام أن يحيي الأرض الميّتة بعد الموت والدثور ، وليس ~~في استعدادها الحاليّ قبول الإحياء وليس ذلك كذلك . # فإنّ الحقيقة على خلاف ذلك ، والاستبعاد من حيث النظر العقلي من حيث الإمكان ~~الخاصّ ، ولا يستبعد مثله - ممّن شرّفه الله تعالى بالنبوّة - إحياء الله الموتى ، # ولكنّ المراد طلب العلم بكيفية تعلَّق القدرة الإلهية بالمقدور حقيقة كما نذكر # . # قال رضي الله عنه : ( اعلم : أنّ القضاء حكم الله في الأشياء ، وحكم الله على حدّ ~~علمه بها وفيها ، وعلم الله في الأشياء على حدّ ما أعطته المعلومات ممّا هي عليه في ~~نفسها ، والقدر توقيت ما هي عليه الأشياء في عينها من غير مزيد ،فما حكم القضاء على ~~الأشياء إلَّا بها ، وهذ هو عين سرّ القدر " لِمَنْ كانَ لَه ُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ~~السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ " " فَلِلَّه ِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ") # يشير « رضي الله عنه » إلى أنّ الحكم الإلهي على الأشياء هو بموجب ما اقتضته ~~الأشياء من الحكم الكامن في عينها ، ولا سيّما حكم الحاكم العليم الحكيم لا يقضي ~~بخلاف ما علم من مقتضى عين المعلوم . # وإذا علم الحاكم ما في استعداد المحكوم عليه # وقابليته من الحكم ، فحينئذ يحكم عليه بما يستعدّ له ويقتضيه وهو في وسعه وطاقته ~~من غير مزيد حكم من خارج ذات المعلوم المحكوم عليه ممّا ليس في وسعه # ، فتخصّصه المشيّة بموجب خصوصه الذاتي ،وتعيّن الحكم بحسب تعيّنه في العلم الأزلي ~~وعلى قدره لاغير . # ثمّ اعلم : # أنّ القضاء هو الحكم الكلَّي الأحدي من الله الواحد الأحد في كل مقضيّ عليه بكل ~~حكم يقتضيه المحكوم عليه . # والقدر توقيت ذلك الحكم وتقديره بحسب إقرار المعلومات إلَّ بما هو عليه في نفسه ~~بلا زيادة أمر على ذلك. # فلا يقال كما قالت الجهلة البطلة الظلمة في حكمهم على الله : # إنّه قدّر على الكافر والجاهل والعاصي الكفر والمعصية والجهل ، ثمّ يؤاخذه عليه ~~ويطالبه بما ليس في قوّته ووسعه ، بل الله سبحانه إنّما كتب عليه وقضى وقدّر بموجب ~~ما اقتضاه المحكوم عليه أزلا باستعداده الخاصّ غير المجعول من الله أن يحكم عليه ~~بالظهور على ما كان عليه . # وإظهار ما فيه كامن بالإيجاد وإفاضة الوجود عليه . # ولا يقال # : # إنّ الله جعل فيه ذلك الاستعداد الخاصّ إذا وجده في العلم كذلك أو وضعه فيه وما ~~شاكل هذه العبارات ، لأنّ البحث والنزاع قبل الإيجاد . # فلا يقال : إنّ الله أوجدها قبل إيجادها أو وضع فيها ما ليس فيها ، وإذ لم يجعل ~~الله في المعلومات الأزلية قبل إيجادها ما كان خارجا عنها ، ممّا لا يكون ملائمها ~~أو يلائمها من الكمال والنقص ، والمحمود والمذموم ، والنفع والضرّ . # "وَما ظَلَمَهُمُ الله وَلكِنْ كانُو أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " ." فَلِلَّه ِ ~~الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ " علينا بنا ، فإنّ حكمه علينا بموجب حكمته وعلمه ، ومقتضى ~~ذاته وحكمته وعلمه أن يحكم على الأشياء بما هي عليها في أعيانه . # قال رضي الله عنه : (فالحاكم في التحقيق تابع لعين المسألة التي يحكم فيها بما ~~تقتضي ذاتها ، فالمحكوم عليه بما هو فيه حاكم على الحاكم أن يحكم عليه بذلك ، فكل ~~حاكم محكوم بما حكم به وفيه ، كان الحاكم من كان . فتحقّق هذه المسألة ،فإنّ القدر ~~ما جهل إلَّ لشدّة ظهوره ، فلم يعرف ،وكثر فيه الطلب والإلحاح). # يعني رضي الله عنه : أنّ الحاكم الحكمية إنّما يحكم - كما ذكرنا - على المحكوم ~~عليه بمقتضى حقيقة المحكوم عليه ، ولا يقدّر له إلَّا على قدره وبقدره من غير زيادة ~~ولا نقصان ، ولا تتعلَّق القدرة إلَّا بالمقدور بحسب قدره ووسعه لا غير ، فالحاكم ~~محكوم حكم المحكوم عليه بما يقتضيه ، وقضاؤه عليه تابع لاقتضائه . # أعني : # قضاء الله المقضيّ عليه بالمقضيّ به بحسب اقتضاء المقضيّ عليه من القاضي أن يقضي ~~عليه بما اقتضاه لذاته ل غير ، وهذا ظاهر ، بيّن الوضوح ، ولشدّة وضوحه ذهل عنه ~~وجهل به وطلب من غير موضعه ، فلم يعثر على أصله وسببه ، وليس فوق هذا البيان في سرّ ~~القدر بيان إلَّا ما شاء الله الواسع العليم ، علَّام الغيوب ، وعليه التكلان وهو ~~المستعان . # قال رضي الله عنه : ( واعلم : أنّ الرسل صلوات الله عليهم - من حيث هم رسل ، لا ~~من حيث هم أولياء وعارفون - على مراتب ما هي عليه أممهم ، فم عندهم من العلم الذي ~~أرسلوا به إلَّا قدر ما تحتاج إليه أمّة ذلك الرسول ، لا زائد ولا ناقص . # والأمم متفاضلة يزيد بعضها على بعض ، فيتفاضل الرسل في علم الإرسال بتفاضل أممها ~~، وهو قوله تعالى : " تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ " كما هم ~~أيضا فيما يرجع إلى ذواتهم من العلوم والأحكام متفاضلون بحسب استعداداتهم ، وهو ~~قوله : " وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ " ). # يشير رضي الله عنه : # إلى أنّ الرسول برسالته إلى أمّة لا بدّ له من العلم بالرسالة والمرسل - اسم فاعل ~~- من كونه مرسل وبالمرسل إليه من حيث ما فيه صلاحه دنيا وآخرة ، فهو من كونه رسولا ~~لا يلزمه من العلم إلَّا ما يحتاج إليه المرسل إليه - أعني الأمّة - وتتمّ به ~~الرسالة لا غير ، ولكنّ الرسول - من كونه عالما بالله عارفا به وليّا له - قد يؤتيه ~~الله من العلم ما فيه كماله الخصيص به . # وأمّا التفضيل والتفاضل بينهم من كونهم رسلا وأنبياء فبسعة فلك الرسالة أو عظمها ~~وحيطتها وعمومها ، فإنّ كثرة إيحائها في عمومها تستدعي كثرة علومها ، وقد يكون لهم ~~تفاضل في العلم بالله وعلوّ المقام وقوّة الحال وغير ذلك . # ولكنّ الرسل ما داموا رسلا وكانوا يمهّدون في إبلاغ الرسالة سبلا ، ليس عليهم ولا ~~لهم إلَّا ما يحتاجون إليه في أداء الرسالة وتبليغ الدعوة ل غير ، وقد يطوي الله ~~عنهم العلوم التي لا تقتضيها الرسالة وتنافيها ظاهرا كالعلم بسرّ القدر . # فإنّه يوجب فتور الهمّة عن طلب ما هو غير مقدور ، ودعوى من يعلم أنّ الله قدّر ~~عليه الكفر والجحود والعصيان ، ومقتضى الرسالة الجدّ والعزم والجزم في كلّ ذلك ، ~~فوجب طي ما يوجب الفتور فيما هو بصدده . # قال رضي الله عنه : ( وقال تعالى في خلق الخلق : "وَالله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى ~~بَعْضٍ في الرِّزْقِ " والرزق منه ما هو روحاني - كالعلوم - وحسّيّ كالأغذية ، وما ~~ينزّله الحقّ إلَّ بقدر معلوم ، وهو الاستحقاق الذي يطلبه الخلق . # فإنّ الله " أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَه ُ " فينزّل بقدر ما يشاء من نفسه ، وما ~~يشاء إلَّا ما علم فحكم به ، وما علم - كما قلناه إلَّا بما أعطاه المعلوم ، ~~فالتوقيت في الأصل للمعلوم ، والقضاء والعلم والإرادة والمشيّة تبع للقدر ، فسرّ ~~القدر من أجلّ العلوم ، لا يفهمه الله إلَّا لمن اختصّه بالمعرفة التامّة ، فالعلم ~~به يعطي الراحة الكلَّية للعالم به ، ويعطي العذاب الأليم للعالم به أيضا ، فهو ~~يعطي النقيضين ، وبه وصف الحقّ نفسه بالغضب والرضا ، وبه تقابلت الأسماء الإلهية ) ~~. # قال العبد : أمّا الراحة فلأنّ العالم بسرّ القدر يتحقّق أنّه لا يكون إلَّا ما ~~أعطته عينه الثابتة أزلا ، والذي أعطته حقيقته أزلا لا يتخلَّف ولا يتغيّر ولا ~~يتبدّل أبدا ، فيريح نفسه من طلب م لا يدرك إلَّا ما علم أنّ إدراكه بالطلب أيضا في ~~القدر . # قال العبد : ولمّا فتح الله لي في حقيقة سرّ القدر ورزقني التحقّق به ، رأيت في ~~مبشّرة كأنّي في مسجد أو معبد مجموع في دائر حيطانه طاقات رفيعة مرفوعة ، فيها شموع ~~مضيئة موضوعة ، فرأيت في طاقة منه كتابا متوسّط الحجم على قطع كبير أسود الجلد ~~محكما قديما ، فأخذت الكتاب وفتحته باسم الله . # فإذا مكتوب عليه : « كتاب سرّ سرور النوم واليقظة » # فسررت بوجدانه ، وكأنّي كنت عمرا في طلبه ، فأخذته في حضني تحت صنعي ، حتى أطالعه ~~بالتدبّر والتأمّل على الواجب ، ثمّ استيقظت . # فسررت بذلك ، ثمّ علمت أنّي أوتيت سرّ القدر ، وعلمت أنّي أسرّ بسرّ القدر في ~~نومي الذي هو مدّة عمري في النشأة الدنياوية ، ويريحني الله عن طلب ما لم يقدّر لي ~~، ثمّ أسرّ به أيضا إن شاء الله العليم القدير الحكيم ، إذا استيقظت من هذا النوم ~~عند لقاء الله الموعود المنتظر عند انقضاء الأجل المعلوم ، والحمد لله أوّلا وآخرا ~~وباطنا وظاهر . # وأمّا كون هذا السرّ يعطي العذاب الأليم فلأنّه يرى أعيانا على أكمل استعداد ، ~~ويتأتّى لهم التحقّق بكل كمال وفضيلة في الدنيا والآخرة وفيما يتعلَّق بالله خاصّة ~~، وقد تحقّق أنّه ليس في استعداده الذاتي ومقتضى حقيقته الظهور بكلّ كمال إنساني ~~إلهي دنيا وآخرة أو في إحداهما دون الأخرى وإن تيسّر البعض . # فيرى أنّه نقص في كمال العبدانية المظهرية ، فيتألَّم ويتحسّر ويتضجّر يتحيّر ~~أيضا من القدر على عدم بلوغه إلى ما يبلغه غيره ، وأنّه ما ينال ذلك السعي والجهد ، ~~فتتضاعف حسراته وآلامه بالقدر لذلك ، فلهذا معنى سرّ القدر من كونه يعطي العذاب ~~الأليم . # والوجه الآخر في ذلك أنّه يؤمر بما يعلم أنّه ليس في استعداده الإتيان به ، كم ~~سنذكره في الذوق المحمدي إن شاء الله تعالى . # وأمّا ترتّب الرضا والغضب الإلهيّين عليه فلأنّ الغضب يترتّب على الحكم العدمي ~~الذي يفضي إلى عدم القابلية والاستعداد والأهلية والصلاحية لإتيان ما فيه سعادته ~~وكماله . ### || فيتعيّن الغضب الإلهي بموجب ذلك . # وإذا كان مستعدّا لقبول الرحمة والفيض والعناية ، والإتيان بالأعمال والأخلاق ~~والعلوم والأحوال المقتضية للسعادة في خصوص قابليته ، فيترتّب على ذلك ، الرضا من ~~الله . # وأمّا تقابل الأسماء بسرّ القدر فلأنّ أعيانا معينة تقتضي بحقائقها واستعداداتها ~~الذاتية تعيّن الوجود الحق فيها بحسب خصوصياتها الذاتية العينية ، على نحو أو أنحاء ~~يتحقّق بتعيّنها وتسميتها للوجود الحق أسماء إلهية جمالية لطفية أو كمالية قهرية ~~جلالية . # وأعيانا أخر كذلك تقتضي تعيّن الوجود في خصوصياتها بضدّ م قبلت الأعيان الأولى ، ~~فيظهر التقابل ، فإنّ زيدا - مثلا - تعيّن في مظهريته الاسم « اللطيف » وتعيّن في ~~خصوص مظهرية عمرو القابل ، فتقابل الاسمان - بحسب خصوصيتيهم في قابليتيهما ~~المتقابلتين بالمنافاة - متقابلين كذلك ، هكذا جميع الأسماء ، فتحقّق بذلك إن شاء ~~الله تعالى . # قال رضي الله عنه : ( فحقيقته تحكم في الوجود المطلق والوجود المقيّد ، لا يمكن ~~أن يكون شيء أتمّ منها ولا أقوى ول أحكم ، لعموم حكمها المتعدّي وغير المتعدّي ) . # أمّا حكمها في الوجود المطلق - وهو الله تعالى - فإنّه يقتضي ويحكم أن يحكم الحق ~~على كلّ عين عين بما في استعداده وقابليته وعلى قدره لا غير ، فلا يحكم الحق عليها ~~إلَّا بما استدعت منه أن يحكم عليه بذلك ، فإنّه " لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً ~~إِلَّا وُسْعَها " كم ذكر مرارا . # وأمّا حكمه في الخلائق فكذلك ، لا يمكن لعين من الأعيان الخلقية ، أن يظهر في ~~الوجود ذاتا وصفة ونعتا وخلقا وفعلا وغيرها إلَّ بقدر خصوصية قابليته واستعداده ~~الذاتي ، كما ذكرته أيضا ، وهذا سرّ القدر . # وسرّ هذا السرّ : أنّ هذه الأعيان الثابتة أو حقائق الأشياء أو صور معلومياتها ~~للحق أزلا أو ماهياتها أو هويّاته بحسب الأذواق والمشاهد ليست أمورا خارجة عن الحق ~~. # قد علمها أزلا وتعيّنت في علمه على ما هي عليه ، بل هي نسب ذاتية عينية للحق أو ~~شؤون أو أسماء ذاتية وسمات عينية وحروف عينية ، فلا يمكن أن تتغيّر عن حقائقها . # فإنّها حقائق ذاتيات ، وذاتيات الحق لا تقبل الجعل والتغيّر والتبديل والمزيد ~~والنقصان . # وإن شئت تفهّما فنضرب لك مثلا قريب المأخذ للعقل المنوّر المنصف المتّصف بالحقيّة ~~من كون الواحد جامعا في حقيقته الأحدية الجمعية على النصفية والثلثية والربعية ~~وغيرها من النسب ، فإنّها نسب ذاتية للواحد ، لا تقدح في أحديته . # وإن لم يكن لها بناه كثرة إذا أظهرها الواحد بالفعل لأعيانه ، ولكنّها - من كونها ~~في الواحد عينه - لا تتعيّن بظهور ، ولا يتميّز بعضها عن بعض ، فافهم من هذا ذاك ، ~~إن شاء الله . # قال رضي الله عنه : « ولمّا كانت الأنبياء لا يأخذون علومها إلَّا من الوحي ~~الإلهي الخاصّ ، فقلوبهم ساذجة من النظر العقلي ، لعلمهم بقصور العقل من حيث نظره ~~الفكري عن إدراك الأمور على ما هي عليه . والإخبار أيضا يقصر عن إدراك ما لا ينال ~~إلَّا بالذوق ، فلم يبق العلم الكامل إلَّا في التجلَّي الإلهي ، وما يكشف الحق عن ~~أعين البصائر والأبصار من الأغطية ، فتدرك الأمور قديمها وحديثها ، ووجودها وعدمها ~~، ومحالها وواجبها وجائزها ، على م هي عليها في حقائقها وأعيانها . فلمّا كان مطلب ~~العزير عليه السّلام على الطريقة الخاصّة لذلك ، وقع العتب عليه ، كما ورد الخبر . # فلو طلب الكشف الذي ذكرناه ربما م كان يقع عليه عتب في ذلك ، والدليل على سذاجة ~~قلبه قوله في بعض الوجوه : " أَنَّى يُحْيِي هذِه ِ الله بَعْدَ مَوْتِها " ) . # وورد الجواب على صورة العتب ، وهو لوقوع السؤال منه على أمر يقتضي خلاف ما هو ~~بصدده من الرسالة والأمر والنهي على صيغة الاستبعاد والاستعظام في مقام عظيم يصغر ~~بالنسبة إليه كل عظيم . # فإن كان مطلبه هو سرّ القدر من كيفية تعلَّق القدرة بالمقدور من قوله : " أَنَّى ~~يُحْيِي هذِه ِ الله بَعْدَ مَوْتِها " من طريقة الوحي والإخبار المعهود عند الرسل ~~، فقد طلبه من الوجه الذي لا يعطى ، فلا جرم ورد الجواب على صورة العتب الموهم عند ~~من لا تحقّق له بحقائق المخاطبات الإلهية . # قال رضي الله عنه : ( وأمّا عندن فصورته عليه السّلام في قوله هذا كقول إبراهيم ~~عليه السّلام في قوله : " رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى " ويقتضي ذلك ، ~~الجواب بالفعل الذي أظهره الحق فيه في قوله : " فَأَماتَه ُ الله مِائَةَ عامٍ ~~ثُمَّ بَعَثَه ُ " . # فقال له : " وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها ~~لَحْماً " ، فعاين كيف تنبت الأجسام معاينة تحقيق ، فأراه الكيفية . # فسأل عن القدر الذي لا يدرك إلَّ بالكشف للأشياء في حال ثبوتها في عدمها ، فما ~~أعطي ذلك ، فإنّ ذلك من خصائص الاطَّلاع الإلهي ، فمن المحال أن يعلمه إلَّا هو ، ~~وقد يطلع الله من شاء من عباده على بعض الأمور من ذلك . # واعلم : أنّها لا تسمّى مفاتح إلَّا في حال الفتح ، وحال الفتح هو حال تعلَّق ~~التكوين بالأشياء ، أو قل إن شئت : حال تعلَّق القدرة بالمقدور ، ولا ذوق لغير الله ~~في ذلك ، فلا يقع فيه تجلّ ولا كشف ، إذ لا قدرة ولا فعل إلَّا لله خاصّة ، إذ له ~~الوجود المطلق الذي ل يتقيّد ) . # قال العبد : علَّل رضي الله عنه نفي العلم بتعلَّق القدرة بالمقدور ذوقا عن غير ~~الحق ، وأثبته لله خاصّة بقوله : « إذ له الوجود المطلق » لأنّ الوجود المطلق ~~الحقيقيّ لا يتقيّد بعين دون عين ، ولا تحقّق دون خلق ، ولا تعيّن دون حقّ ، فإنّه ~~في الحق المطلق عينه مطلقا كذلك . # وفي الحقائق الغيبية العينية العلمية عينها ، وفي الإله عينه ، فهو القدير الذي ~~تتعلَّق قدرته بالمقدورات وعين المقدورات المقدّرة بالفعل والانفعال والتأثير ~~والتأثّر الذاتي من نفسه لنفسه في نفسه ، فلا بدّ أن يختصّ به ذوقا . # ولا قدم لعين معيّن من الأعيان في ذلك ذوقا ، فقد تعلَّقت الحقيقة التي سمّيت ~~قدرة في الإلهية - وهي الفعل الذاتي والتأثير في الذات - بجميع المقدورات . # حيث لم يوجد عين من الأعيان ، فانفعلت المقدورات بالذات والاستعداد الذاتي ، وكان ~~الحق هو عين كل مقدور وقدرها ، فوقع الفعل والانفعال والتأثير والتأثّر بين فاعل هو ~~عين المنفعل ، وعين الأثر والقدر ، فإن لم يكن وجودا مطلقا يعمّ ويستغرق القادر ~~والقدرة والمقدور والفعل والفاعل والانفعال والمنفعل ، لم يعلم هذا السرّ ذوقا ، ~~فهو مخصوص بالحق أي الوجود المطلق دون الخلق . # وأيضا : إذا كان الوجود مقيّد بعين ، فلو فرضنا اطَّلاع ذلك العين ذوقا بتعلَّق ~~القدرة بها من حيث قدرها ، وكون الحق عينها ، فليس لها أن يطَّلع على تعلَّق القدرة ~~المطلقة بمقدور آخر ذوقا ، لتقيّد الوجود بها بحسب قدرها ، ثمّ تعلَّق القدرة ~~المطلقة من القدير المطلق تعلَّق مطلق ليس لمقيّد فيه ذوق ولا قدم إلَّا من انطلق ~~من قيوده ، وانحلّ عن عقد عقوده ، فلم يحضر الأمر في معهوده ومشهوده من ختوم الكمّل ~~وكمّل الختوم . # صلوات الله الكاملات ، والتحيّات الفاضلات ، والتجلَّيات الشاملات عليهم . # قال رضي الله عنه : ( فلمّا رأين عتب الحق له عليه السّلام في سؤال عن القدر ، ~~علمنا أنّه طلب هذا الاطَّلاع ، فطلب أن تكون له قدرة تتعلَّق بالمقدور ، ولا يمكن ~~ذلك إلَّا لمن يكون له الوجود المطلق ) . # أي عن أن يتقيّد بالقادر وحده بالمقدور وحده ، والعلم بتعلَّق القدرة بالمقدور ~~يتعلَّق بتعقّل أحدية عين القادر والمقدور ، ولا ذوق إلَّا لله فيه خاصّة ، لكونه ~~هو هو وحده لا شريك له ، وفيه إشارة منه إلى أنّ طلب سرّ القدر من طريقة الكشف ~~والتجلَّي والتعريف الإلهي والإعلام غير ممنوع ولا مدفوع . # فإنّ ذلك موجود مشهود معهود عند من شاء الله ، # ولكن اطَّلاع الخلق على كيفية تعلَّق القدرة الإلهية بالمقدورات حال تعلَّقها به ~~وتعلَّقه بها مخصوص # ، وقد فات ذلك العلم بتجلَّي تعلَّق القدرة الكلَّية الإلهية العظمى بجميع ~~المقدورات كلَّها مطلقا أزلا قبل الإيجاد أو حال الإيجاد ، وبقي ظهور سرّ توقيت ذلك ~~أبد الأبد . # أو كان مطلب # عزير # عليه السّلام طلب القدرة على الإيجاد ، فيشهد كيفية تعلَّق القدرة بالمقدور ، ~~وذلك حقيقته الإلهية ، فإنّ الإلهية هي القدرة على إبداع الإيجاد واختراعه ، فهي ~~مخصوصة أيضا بالحق ، فتعيّن العتب عليه ، فلو طلب الكشف بذلك ، كشف له من حضرة ~~العلم ، فشاهد إقدار المقدورات في قدرة القدير ، بحسب ما شاء بموجب ما علم وتعيّن ~~في علمه صور معلوماته ، فحصل المطلوب بلا طلب ما طلب على ما ذكرنا ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « فطلب ما ل يمكن وجوده في الخلق ذوقا ، فإنّ الكيفيات لا ~~تدرك إلَّا بالذوق. # وأمّا ما رويناه ممّا أوحى الله به إليه : « لئن لم تنته لأمحونّ اسمك عن ديوان ~~النبوّة » أي أرفع عنك طريق الخبر وأعطيك الأمور على التجلَّي ، والتجلَّي لا يكون ~~إلَّا بما أنت عليه من الاستعداد الذي به يقع الإدراك الذوقي ، فتعلم أنّك ما أدركت ~~إلَّا بحسب استعدادك . # فتنظر في هذا الأمر الذي طلبت ، فإذا لم تره تعلم أنّه ليس عندك الاستعداد الذي ~~تطلبه ، وأنّ ذلك من خصائص الذات الإلهية. # وقد علمت أنّ الله أعطى كلّ شيء خلقه ، ولم يعطك هذا الاستعداد الخاصّ فما هو ~~خلقك ولو كان خلقك لأعطاكه الحقّ الذي أخبر أنّه أعطى كلّ شيء خلقه فتكون أنت الذي ~~ينتهي عن مثل هذا السؤال من نفسك ، لا تحتاج فيه عن نهي إلهي ) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ الكشف بسرّ القدر يعطي الأدب الحقيقيّ في السؤال ~~والانتهاء عن السؤال ، فإنّ من خصائصه الاطَّلاع على مقتضى الوجود المطلق الإلهي . # والاطَّلاع على مقتضى العين الثابتة التي للسائل ، وخصوص استعداده الذاتي غير ~~المجعول ، فإذا لم يشهد ما يطلب في نوع استعداده الذاتي ، انتهى عن طلبه وسؤاله ~~ضرورة . # قال رضي الله عنه : ( وهذا عناية من الله - تعالى - بالعزير عليه السّلام علم ذلك ~~من علمه ، وجهل ذلك من جهله . # واعلم : أنّ الولاية هي الفلك المحيط العامّ ، ولهذا لم تنقطع ، ولها الإنباء ~~العامّ ، وأمّا نبوّة التشريع والرسالة فمنقطعة ، وفي محمّد صلى الله عليه وسلم قد ~~انقطعت ، فلا نبيّ بعده - يعني مشرّعا أو مشرّعا له - ولا رسول وهو المشرّع . وهذا ~~الحديث قصم ظهور أولياء الله ، لأنّه يتضمّن انقطاع ذوق العبودة الكاملة التامّة ، ~~فلا يطلق عليها اسمه الخاصّ بها . # فإنّ العبد يريد أن لا يشارك سيّده - وهو الله - في اسم ، والله لم يتسمّ بنبيّ ~~ولا برسول ، وتسمّى بالوليّ واتّصف بهذا الاسم ، فقال : " الله وَلِيُّ الَّذِينَ ~~آمَنُوا " وقال : " وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ " وهذا الاسم باق جار على عباد ~~الله دنيا وآخرة ، فلم يبق اسم يختصّ به العبد دون الحق بانقطاع النبوّة والرسالة ) ~~. # يشير رضي الله عنه: إلى أنّ رجال الكمال من أهل الله لا يفتخرون بما هو عرضيّ لهم ~~من الربوبية وأسماء الربّ ، ولا يظهرون بها ، وإنّما يظهرون بالذاتيات وهي العبودية ~~، ويقتضي كمال التحقّق بالعبودية أن لا يشاركوا الحق في اسم كالوليّ . # وأن يظهروا ويتسمّوا باسم يخصّهم من حيث العبودية المحضة ، وليس ذلك إلَّا النبيّ ~~والرسول ، ولم يتسمّ الله بهما ، فلمّا انقطعت النبوّة والرسالة ، لم يبق لهم منهما ~~اسم يتسمّون به ، فانقصم ظهور استظهارهم لأجل ذلك ، وهذا سرّ عزيز المنال ، لم يعثر ~~عليه قبله ، ومن قبله قالوا بغيره . # قال رضي الله عنه : ( إلَّا أنّ الله لطف بعباده ، فأبقى لهم النبوّة العامّة ~~التي لا تشريع فيها ، وأبقى لهم التشريع في الاجتهاد في ثبوت الأحكام ، وأبقى لهم ~~الوراثة . # فقال : « العلماء ورثة الأنبياء » وما ثمّ ميراث في ذلك إلَّا فيما اجتهدوا فيه ~~من الأحكام فشرّعوه ، فإذا رأيت النبيّ يتكلَّم بكلام خارج عن التشريع ، فمن حيث هو ~~وليّ وعارف ، ولهذا مقامه من حيث هو عالم أتمّ وأكمل منه من حيث هو رسول أو ذو شرع ~~وتشريع ، فإذا سمعت أحدا من أهل الله يقول أو ينقل إليك عنه أنّه قال : # الولاية أعلى من النبوّة ، فليس يريد ذلك القائل إلَّا ما ذكرناه ، أو يقول : إنّ ~~الوليّ فوق النبيّ أو الرسول ، فإنّه يعني بذلك في شخص ، وهو أنّ الرسول من حيث هو ~~وليّ أتمّ منه من حيث هو نبيّ ورسول ، لا أنّ الوليّ التابع له أعلى منه ، فإنّ ~~التابع لا يدرك المتبوع أبد فيما هو تابع له فيه ، إذ لو أدركه لم يكن تابعا ، ~~فافهم ، فمرجع الرسول والنبيّ المشرّع إلى الولاية والعلم ، ألا ترى أنّ الله قد ~~أمره بطلب الزيادة من العلم ل من غيره. # فقال له آمرا : " وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً " وذلك أنّك تعلم أنّ الشرع تكليف ~~بأعمال مخصوصة أو نهي عن أعمال مخصوصة ومحلَّها هذه الدار ، فهي منقطعة والولاية ~~ليست كذلك ، إذ لو انقطعت لانقطعت من حيث هي كما انقطعت الرسالة من حيث هي لم يبق ~~لها اسم ، والوليّ اسم باق لله ، فهو لعبيده تخلَّقا وتحقّقا وتعلَّقا » . # قال العبد : يشير رضي الله عنه إلى حقيقتي النبوّة والولاية ، وقد وقع في ذلك خبط ~~عظيم بين العوامّ من حيث جهلهم بهذه الحقائق . # فلو عرفوا حقائق المراتب على ما هي عليها في نفسها وفي علم الله تعالى ، لعلموا ~~الأمر على ما هو عليه ، وقد استقصينا القول في بيان هذه الحقائق وتوابعها ولوازمها ~~في كتاب « النبوّة والولاية » لنا ، وفي كتاب « الختمية » أيضا . # ولقد سبق في الفصّ الشيثي ما فيه مقنع ، وقد يزيد في هذ المقام في الحواشي ما ~~يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وفيما أجمل الشيخ جمل تفاصيل نذكرها وفيه ~~غنية ، وهو أوضح ، والله الموفّق . # قال رضي الله عنه : ( فقوله للعزير : « لئن لم تنته » عن السؤال عن ماهيّة القدر ~~« لأمحوّن اسمك من ديوان النبوّة » فيأتيك الأمر على الكشف بالتجلَّي ويزول عنك اسم ~~النبيّ والرسول ، وتبقى له ولايته إلَّا أنّه لمّا دلَّت قرينة الحال أنّ هذا ~~الخطاب يجري مجرى الوعيد ، علم من اقترنت عنده هذه الحالة مع الخطاب أنّه وعيد ~~بانقطاع خصوص بعض مراتب الولاية في هذه الدار ، إذ النبوّة والرسالة خصوص رتبة في ~~الولاية على بعض ما تجري « 2 » عليه الولاية من المراتب ، فيعلم أنّه أعلى من ~~الوليّ الذي لا نبوّة تشريع عنده ول رسالته ، ومن اقترنت عنده حالة أخرى تقتضيها ~~مرتبة النبوّة أيضا يثبت عنده أنّه وعد لا وعيد ، وأنّ سؤاله عليه السّلام مقبول ، ~~إذ النبيّ هو الوليّ الخاصّ ) . # يعني : # أنّ الخاصّ يستلزم العام ، فتبقى لعزيز بعد محو اسمه من ديوان النبوّة ولايته ~~فينال الأمر بالكشف والتجلَّي اللذين هما طريقتا حصول هذا السرّ المطلوب والمسؤول ~~المرغوب . # قال رضي الله عنه : ( « ويعرف بقرينة الحال » أي الشخص الذي اقترنت عنده القرينة ~~الأخرى « أنّ النبيّ عليه السّلام من حيث ما له في الولاية هذا الاختصاص محال أن ~~يقدم على ما يعلم أنّ الله يكرهه منه ، أو يقدم على ما يعلم أنّ حصوله محال . # وإذا اقترنت هذه الأحوال عند من اقترنت وتقرّرت أخرج هذا الخطاب الإلهي عنده في ~~قوله : « لأمحونّ اسمك من ديوان النبوّة » مخرج الوعد ، وصار خبرا يدلّ على مرتبة ~~باقية ، وهي المرتبة الباقية على الأنبياء والرسل في الدار الآخرة التي ليست بمحلّ ~~لشرع يكون عليه أحد من خلق الله في جنّة ولا نار بعد الدخول فيهما . وإنّما قيّدناه ~~بالدخول في الدارين الجنّة والنار ، لما شرع الله يوم القيامة لأصحاب العثرات ~~والأطفال الصغار والمجانين يوم القيامة ، فيحشر هؤلاء في صعيد واحد لإقامة العدل ~~والمؤاخذة بالجريمة والثواب العملي في أصحاب الجنّة ، فإذا حشروا في صعيد واحد ~~بمعزل من الناس ، بعث فيهم نبيّ من أفضلهم وتمثّل لهم نار يأتي بها هذ النبيّ ~~المبعوث في ذلك اليوم ، فيقول لهم : أنا رسول الحق إليكم ، فيقع عندهم التصديق ويقع ~~التكذيب عند بعضهم . # ويقول لهم : اقتحموا هذه النار بأنفسكم ، فمن أطاعني نجا ودخل الجنّة ، ومن عصاني ~~وخالف أمري هلك وكان أهل النار . # فمن امتثل أمره منهم ورمى بنفسه فيها ، سعد ونال الثواب العمليّ ، ووجد تلك النار ~~بردا وسلاما ، ومن عصاه استحقّ العقوبة ، ودخل النار ، ونزل فيها بعمله المخالف ، ~~ليقوم العدل من الله من عباده وكذلك قوله : " يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ " أي أمر ~~عظيم من أمور الآخرة . # " وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ " فهذا تكليف وتشريع ، فمنهم من يستطيع ، ومنهم ~~من لا يستطيع وهم الذين قال الله فيهم : " وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا ~~يَسْتَطِيعُونَ " كما لم يستطع في الدني امتثال أمر الله بعض العباد كأبي جهل وغيره ~~. # فهذا قدر ما بقي من التشريع في الآخرة يوم القيامة قبل دخول الجنّة والنار ، ~~فلهذا قيّدناه ، والحمد لله » . # قال العبد : كلّ هذا التشريع تكليف بأمر ونهي ومحلَّه الدنيا ، والذين لم ~~يستأهلوا في الدنيا وحسمت أعمارهم ، وبعد الدار الدنيا لا دار إلَّا الجنّة والنار ~~، واستحقاق الدخول فيهما وإن كان بفضل الله أو بسخطه ، فإنّهما بحسب الأعمال ~~الصالحة أو غيرها ، وهؤلاء ليس لهم عمل ، فأبقى الله تعالى من حضرة الاسم الحكم ~~وحضرة الاسم العدل قدرا من الشرع وأخّر هذا القدر من التشريع ، لظهور الاستحقاق ~~ونيل الثواب والعقاب ، بحسب الإجابة والطاعة أو المعصية والمخالفة ، والله عليم ~~حكيم . # . # الموضوع التـــــــالي %~% ### | فص حكمة نبوية في كلمة عيسوية ### | 15 - فصّ حكمة نبويّة في كلمة عيسوية . شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قال العبد : أضيفت هذه الحكمة النبويّة إليه عليه السّلام لاختصاصه بالنبوّة وهو ~~في المهد قبل بلوغه إلى زمان البعث للنبوّة ، كما أشار إليه الكامل صلى الله عليه ~~وسلم : # « ما بعث نبيّ إلَّا على رأس أربعين » فإنه عليه السّلام قد أنبأ أمّه - وهو في ~~بطنها - بقوله : # " أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا " . # لقد أسند الشيخ حكمته إلى النبوّة لكون الغالب على عيسى عليه السّلام الإنباء عن ~~الحق وإنباء الحق عنه له وعن نفسه ولعلوّه وارتفاعه الروحي والإلهي عن أبناء البشر ~~، كما ستعرف . # وبقوله في المهد : " وَجَعَلَنِي نَبِيًّا " كما مرّ في الفهرس ويأتي فيما بعد . # قال رضي الله عنه : # (عن ماء مريم أو عن نفخ جبرين %~% في صورة البشر الموجود من طين) # (تكون الروح في ذات مطهرة %~% من الطبيعة تدعوها بسجين ) # يشير رضي الله عنه إلى أنّ تكوّن الروح في حكم النظر العقلي يجوز أن يكون عن نفخ ~~جبرئيل عليه السّلام فإنّ الروح الأمين على أنباء الله التي أنبأ بها جميع الأنبياء ~~عن الحق بنبوّاتهم . # ويجوز أن يكون من حيث طهارة المحلّ وهو مريم عليها السّلام فإنّها أيضا منبأة من ~~عند الله بما يكون عنها بقوله تعالى : " إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ ~~إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْه ُ اسْمُه ُ الْمَسِيحُ " وذلك عين الإنباء ~~من عند الله وقد أنبأت نبيّ الله زكريّا بقولها : # " هُوَ من عِنْدِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ من يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ " ، فصلحت ~~إضافة تكوّن عيسى عليه السّلام نبيّا عن نفخ جبرئيل الأمين في صورة البشر ، وعن ~~مائها الطاهر ، وعنهما معا ، ومقتضى الكشف أنّ النبوّة كانت مدرجة في الكلمة ~~الإلهية وهي وجود عيسى ، فبدأ - رضي الله عنه - في نظمه مستفهما لهذا الاحتمال في ~~النظر العقلي . # قال : الأصل في وجود نشأته عليه السّلام إمّا جبرئيل عليه السّلام أو مريم عليها ~~السّلام أو هما معا . # وفي الكشف الاسم هو الكلمة الإلهية التي أنبأ الله بها أمّه وجبرئيل بكلّ نبأ ~~واقع على لسانه وفي قلب أمّه وعن جبرئيل بالنسبة إلى أمّه وإليه ، لأنّ الإنباء ~~الحقيقي إنّما هو للوجود المتعيّن في مظهرية كلّ منهم ، وهو الكلمة والروح الحقيقي ~~. # قال - رضي الله عنه - : # (لأجل ذلك قد طالت إقامته %~% فيها فزاد على ألف بتعيين ) # يشير رضي الله عنه إلى إقامة روح الله في الصورة البشرية الطبيعية من جهة أمّه . # فإنّ تكوّن الروح بشرا إنّما كان من أجل المحلّ القابل وهي الطبيعة ، فإنّ وجود ~~مريم من أظهر المظاهر الطبيعية وأصفاها ، ووجوده عليه السّلام ضرب مثل وإنباء من ~~الله لمن عقل عنه لوجود الروح الإنساني الكمالي عن الطبيعية من حيث التعيّن وظهور ~~أحكام الروح وآثاره وقواه في مظاهرها الطبيعية الجسمانية . # لأنّ الروح الإنساني بعينه حادث بحدوث البدن ، ولم يكن هذا التعيّن موجودا قبل ~~النشأة الطبيعية ، فإنّ وجود الروح قبل وجود البدن وجود روحاني في صورة روحانية ~~نورانية فلكية وعرشية ونورية ومثالية . # وإنّما ظهرت آثار قواه وتصرّفاتها في العالم مظاهرها بين البدن ، ومتعلَّق الحدوث ~~إنّما هو التعيّن ، والحدوث في الصور العنصرية والمزاج الجسماني ، وليس ذلك إلَّا ~~لقواها وآثارها وتصرّفاتها في الأرواح الثلاثة : الطبيعيّ والحيواني والنفساني ، ~~فافهم . ### || قال رضي الله عنه : # (روح من الله لا من غيره فلذا %~% أحيا الموات وأنشا الطير من طين) # يشير رضي الله عنه إلى أنّ هذا الروح الكامل مظهر الاسم « الله » وأنّ النافخ له ~~هو الله من حيث الصورة الجبرئيلية ، ليس من حضرة اسم آخر من الأسماء التابعة ~~الفرعية . # فإنّ كلم أرواح سائر الأنبياء كما علمت ممّا تقدّم وإن كانت من حضرة الاسم « الله ~~» ولكن من حيث تجلَّيه من سائر الحضرات الإلهية إلَّا أنّه من باطن أحدية جمع ~~الحضرة الإلهية . # كما مرّ في شرح فصّ شيث عليه السّلام فتذكَّر ، فتعيّن هذا الروح من باطن الحضرة ~~الإلهية ، ولهذا قال الله تعالى إنّه روح الله وكلمته ، فالكلمة لباطن الله وهويّته ~~الغيبية ، والروح لله ، ولهذا هو عبد الله ومظهره وقد ظهر به ، من الدلائل على ذلك ~~الإحياء والإبراء والخلق . ### || قال رضي الله عنه : # (حتى يصح له من ربه نسب %~% به يؤثر في العالي وفي الدون ) # يشير رضي الله عنه : إلى الإحياء والخلق ، فإنّ الإحياء من خصوص الإلهية وكذلك ~~الخلق ، " قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ ~~خَلْقٍ عَلِيمٌ " فلمّا ظهرا منه ، صحّ له نسب من الاسم الله ، فأثّر بالإحياء ~~والإبراء وقد عجز عن ذلك غيره في الصور العالية الإنسانية ، وأثّر في الدون بالخلق ~~، وهو صورة الخفّاش . ### || قال رضي الله عنه : # (الله طهره جسما ونزهه %~% روحا وصيره مثلا بتكوين ) # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ جسمانيّته تمثّليّ روحاني ، ليس فيها من التلوينات ~~الطبيعية البشرية ما يقدح في روحانيته ، فإنّ صورته روح متجسّد في رأي العين وليس ~~فيها من الجسم إلَّا حقيقة الجسمية التي بها يثبت متحيّزا لعيان العيون ، ويبقى ~~كذلك مدّة مديدة . # وذلك من طينة أمّه الطيّبة الطاهرة ، وتنزيه روحه عن التقيّد بمرتبة جزئيّة من # مراتب الأسماء وعن آثار الطبيعة فيه ، كما في غيره من الأرواح البشرية ، فإنّها ~~بحسب الطبيعية والصور الجسمانية ، بخلاف صورته - صلوات الله عليه - فإنّها روحانية ~~بحسب الروح ، فلا يقيّده حيّز بالحصر والحبس ، بل هو مطلق. # ولهذا ما قتل وما صلب في الصحيح كما أخبر الله عنه ولكن خيّل لهم ذلك ، وشبّه ~~شبهه حين ألقي شبهه على من سعى في دمه ، وكذلك جميع أحواله الطبيعية من الأكل ~~والشرب تمثيل إلَّا ما قال الله تعالى عنه : " كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ " في رأي ~~العين ، فكان يتغذّى بروحانية الطعام الذي يريهم أنّه يأكله أو يشربه لا غير . # وأمّا تصيّره مثلا فهو بتكوين الجوهر الطيري من الطين ، وتكوين الأعراض من الحياة ~~والصحّة والألوان بلا مادّة ظاهرة ، فصحّت له المثلية من هذه الوجوه ظاهرا في نشأته ~~الأولى النبويّة ، وبكونه خليفة الله في نشأته الثانية بختمية الولاية العامّة ، ~~كما علمت في شرح الفصّ الشيثي ، فتذكَّر . # قال رضي الله عنه : ( اعلم : أنّ من خصائص الأرواح أنّها لا تطأ شيئا إلَّا حيي ~~ذلك الشيء وسرت الحياة فيه ، ولهذا قبض السامريّ " قَبْضَةً من أَثَرِ الرَّسُولِ " ~~الذي هو جبرئيل وهو الروح ، وكان السامريّ عالما بهذا الأمر . # لمّا عرف أنّه جبرئيل ، عرف أنّ الحياة قد سرت فيما وطئ عليه ، فقبض قبضة من أثر ~~الرسول - بالصاد أو بالضاد - أي بملء يده أو بأطراف أصابعه ، فنبذها في العجل فخار ~~العجل ، إذ صوت البقر إنّما هو الخوار ، ولو أقامه صورة أخرى نسب إليه اسم الصوت ~~الذي لتلك الصورة كالرغاء للإبل والثؤاج للكباش والثغاء للشياه ، والصوت للإنسان ، ~~أو النطق أو الكلام » .) # قال العبد : قد علمت فيما تقدّم أنّ الروح نفس رحماني ، فالحياة ذاتية له ، وإذا ~~أثّر أو باشر بصورته المثالية جسما من الأجسام ، ظهر سرّ الحياة فيه بحسب صور ذلك ~~الجسم ، والجسم ليست له الحياة التي تفيد الحركة والحسّ الخاصّة بالحيوان ، وإنّما ~~هي من خاصّة الروح . # ثمّ الروح إذا كان كلَّيا يكون تأثيره بحسبه وبحسب قوّته ، وجبرئيل هو الروح ~~الكلَّي المسلَّط على عالم العناصر كلَّها وسلطانها ، ومقامه سدرة المنتهى ، وليس ~~كما يزعم الفلاسفة أنّه العقل الفعّال يعنون روح فلك القمر . # فإنّ روحانية فلك القمر هو إسماعيل ، وليس بإسماعيل النبيّ ، بل هو ملك مسلَّط ~~على عالم الكون والفساد ، هو من أتباع جبرئيل عليه السّلام . # وليس لإسماعيل حكم فيما فوق فلك القمر ، ولا لجبرئيل فيما فوق السدرة ، وحكمه على ~~السماوات السبع وما تحتها من الأسطقسّات والعناصر والمواليد ، فلمّا ظهر هذا الروح ~~الأمين الكلَّي متمثّلا على البراق ، والبراق أيضا روح متمثّل كذلك من روح البراق ~~المتمثّل أثّر في التراب الذي وطئ عليه ، فسرت فيه الحياة ، لقوّة روحانيته ~~المتعدّية ، فلمّا نبذ التراب في تلك الصورة المسوّاة على صورة البقر ، أثّر فيها ~~من الحياة هذا القدر . ### || قال رضي الله عنه : (« فذلك القدر من الحياة السارية في الأشياء يسمّى ~~لاهوتا ») . # يعني رضي الله عنه : لمّا كانت الحياة من خصوص الإلهية ، فأيّ شيء سرت فيه الحياة ~~- أيّ نوع كان من أنواع الحياة المختلفة الظهور في الأجسام القابلة التي تسري فيها ~~- يسمّى لاهوتا . # قال رضي الله عنه : ( والناسوت هو المحلّ القائم به ذلك الروح ، فسمّي الناسوت ~~روحا بما قام به ) . # يعني رضي الله عنه : بالتضمّن ، ولكن إذا كان الروح قائما بصورة إنسانية يسمّى ~~ناسوتا بالحقيقة ، وإذا قام بغير الصورة الإنسانية ، قد يسمّى ناسوتا بالمجاز ، ~~لكونه محلا للَّاهوت . # قال رضي الله عنه : ( فلمّا تمثّل الروح الأمين الذي هو جبرئيل عليه السّلام ~~لمريم بشرا سويّا ، تخيّلت أنّه بشر يريد مواقعتها ، فاستعاذت بالله منه استعاذة ~~تجمّعيّة منها ليخلَّصها الله منه ، لما تعلم أنّ ذلك ممّا لا يجوز ، فحصل لها حضور ~~تامّ مع الله وهو الروح المعنوي ) . # يعني رضي الله عنه : أنّ حضورها لأجل التنفيس عنها استدعى روحا معنويا ، لأنّه لا ~~يكون إلَّا بتجلّ نفسي رحماني في معنى الإنسان . # قال رضي الله عنه : ( فلو نفخ فيها في ذلك الوقت على تلك الحالة ، خرج عيسى لا ~~يطيقه أحد ، لشكاسة خلقه لحال أمّه ) . # يعني : أنّ ظهور الروح وتعيّنه في كل محلّ إنّما يكون يحسب حال ، فلمّا كانت حال ~~مريم عليها السّلام حال الاستعاذة والضجر والتحرّج من تخيّلها وقوع المواقعة ، ~~فلمّا رأت صورة بشرية على صورة التقيّ النجّار ، وكانت متبتّلة إلى الله ، زاهدة في ~~الدنيا وفي النكاح ، حصورة ، فخرجت نفسها ممّا رأت ، فلو نفخ جبرئيل فيها روح الله ~~وكلمته وأمانته على تلك الحالة ، لسرت حالتها في الروح ، فخرج كذلك منكَّس الخلق لا ~~يطيقه أحد ، فعلم الروح الأمين منها ذلك ، فأنسها بقوله : " إِنَّما أَنَا رَسُولُ ~~رَبِّكِ ". # قال رضي الله عنه : « فلمّا قال لها : " إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ " جئت " ~~لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا " ، انبسطت عن ذلك القبض وانشرح صدرها ، فنفخ فيها ~~في ذلك الحين عيسى ، فكان جبرئيل ناقلا كلمة الله لمريم ، كما ينقل الرسول كلام ~~الله لأمّته وهو قوله : " وَكَلِمَتُه ُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْه ُ " ~~. فسرت الشهوة في مريم ، فخلق جسم عيسى من ماء محقّق من مريم ومن ماء متوهّم من ~~جبرئيل سرى في رطوبة ذلك النفخ ، لأنّ النفخ من الجسم الحيواني رطب ، لما فيه من ~~ركن الماء ، فخلق جسم عيسى من ماء متوهّم ومن ماء متحقّق . # وخرج على صورة البشر من أجل أمّه ومن أجل تمثّل جبرئيل في صورة البشر ، حتى لا ~~يقع التكوين في هذا النوع الإنساني إلا على الحكم المعتاد ) . # قال العبد : أمّا سراية الشهوة في مريم فبأمر الله " لِيَقْضِيَ الله أَمْراً ~~كانَ مَفْعُولًا " ، ولا سيّما وكان الله قبل ذلك أنبأ مريم وبشّرها " بِكَلِمَةٍ ~~مِنْه ُ اسْمُه ُ الْمَسِيحُ " ابن مريم ، أي تولَّد منها روح حين " قالَتْ رَبِّ ~~أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ " . # وإنّما قالت ذلك بحكم العادة المتعارف في التوليد البشري ، فلو غلب عليها إذ ذاك ~~شهود قدرة القدير ، لم تقل ذلك بحكم العرف ، بل بحكم الكشف والشهود . # فقال الملك : " كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ " ، أي خلق الولد بلا ~~مسّ البشر بصورة الوقاع ، " وَلِنَجْعَلَه ُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ~~وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا " هذا في وقت النفخ . # والذي قبل ذلك وهي في محرابها " إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ ~~الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْه ُ اسْمُه ُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ~~وَجِيهاً في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَمن الْمُقَرَّبِينَ " الآية « 6 » ، فانتظرت ~~ذلك من الله . # فلمّا قال جبرئيل : " إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً ~~زَكِيًّا " تذكَّرت وزال عنها القبض ، فسرت الشهوة من حيث ما اشتهرت ، وتمنّت وقوع ~~ما بشّرها الله به ، فنفخ أمين الله عند انشراح صدرها روح الله . # فخرج منشرح الصدر ، غالبا عليه البسط ، حسن الصورة ، بسّاما ، طليق الوجه ، ~~مستبشرة ، رزقنا الله وإيّاك الاجتماع به يقظة ورؤيا في الدنيا والآخرة ، إنّه قدير ~~. # وأمّا خلق جسم عيسى عليه السّلام من ماء محقّق فمن حيث سراية الشهوة فيها ، ومن ~~ماء متوهّم فمن حيث توهّم مريم أنّ الرسول بشر أو روح في صورة بشرية ، وإذا ظهر ~~الروح في صورة بشرية بأمر الله لإيجاد الولد ، فبما زعمت عرفا لا يكون إلَّا من ماء ~~الرجل ، فتأثّرت بالوهم ، فوجد من ذلك ماء روحاني نوراني ، منه خلق جسم الروح صلوات ~~الله عليه ثمّ الروح لمّا لم يكن جسمانيا وليس فيه ماء حسيّ عرفا ، ولكن في قانون ~~التحقيق لمّا تحقّقت ممّا أسلفنا في هذا الكتاب أنّ الأرواح وإن كانت غير متحيّزة ~~ولكن في قوّتها ومن شأنها أنّها شاءت أو شاء الحق . # ظهرت في صورة متمثّلة كالمتحيّز وحينئذ أضيف إليها ما يضاف إلى تلك الصورة ~~الجسمية من الأوصاف والأحكام واللوازم ، فلمّا ظهر الروح الأمين لمريم في صورة من ~~شأنها أن يكون الولد عند التوليد من مائها ، أعني صورة البشر السويّ ، أي التامّ ~~الخلق . # فتوهّمت عليها السّلام من حيث هذا السرّ مضافا إلى ما ذكر قبل أن يكون الولد من ~~ماء وبه النفخ الواقع من الصورة الجبرئيلية التمثيلية في صورة البشر . # فظهرت رطوبة الحياة الروحية من ذلك الريح المنفوخ وهو هواء حارّ رطب ، ولا سيّما ~~وجبرئيل سلطان العناصر أجرى في نفسه الرحماني روح الماء والحياة الذي عليه عرش ~~الرحمن ، فتكون صورة الروح الظاهرة من هذا الماء الروحاني الإلهي الرحماني الساري ~~في الماء البشري المريمي القدسي . # وأمّا خروجه على صورة البشر فلأنّ صورته نتيجة الصورة البشرية من جانب جبرئيل ومن ~~جانب أمّه ، فأشبه الأصل ، ولما ذكره سلام الله عليه فاذكر ، حتى لا يكون التكوين ~~والإيجاد الإنسانى إلَّا بالصورة الإنسانية تشريفا لهذه الصورة وتنزيها أن يتكوّن ~~إلَّا عن الإنسان في الإنسان . # فإنّ خلق الإنسان مخصوص بالله من كونه متجلَّيا في صورة إنسانية ، ولهذا خمّر ~~طينة آدم بيديه أربعين صباحا ، فكان الله تبارك وتعالى يتجلَّى في صورة إنسانية ~~وتخمّر طينة في مادّة نورية لاهوتية . # من حيث الأحدية الجمعية البرزخية العظمى التي مرّ مرارا ذكرها ، فتذكَّر ، وكذلك ~~الله ما تجلَّى من حضرة من الحضرات لإيجاد نوع أو جنس فما دونها وما فوقها إلَّا ~~على صورة ذلك النوع والجنس والصنف والشخص الذي يريد إيجاده كائنا ما كان . # وبعد خلقه تامّا كاملا ارتضاه صورة له ، وكان هو ربّه وروحه ، فهو صورة أنانيّة ~~الحقّ ، وهويتها - من حيث ذلك التجلَّي الأوّل الذي تجلَّى لإيجاده - على صورة عينه ~~الثابتة ، فافهم - وما أظنّك تفهم - إن شاء الله العليم . # قال رضي الله عنه : ( فخرج عيسى يحيي الموتى ، لأنّه روح إلهي ، وكان الإحياء لله ~~والنفخ لعيسى ، كما كان النفخ لجبرئيل والكلمة لله ) . # قال العبد : اعلم أن الكلم وإن كانت كثيرة بحسب حضرات المتكلَّم منها ، ولكنّها ~~تنحصر في أمّهات ثلاث : # الأولى : كلمة هي هيئة أحدية جمعية من حروف ظاهرة ملكية شهادية كونية جسمانية ~~كسائر الموجودات الجسمانية ، فإنّ كل موجود موجود جسمانيّ كلمة إلهية كذلك . # الثانية : وكلمة هي هيئة جمعية من حروف باطنة ملكوتية روحانية ، كالموجودات ~~الإبداعية الروحية كالأرواح والعقول والنفوس والملائكة ، فإنّها كلمات رحمانية ~~قدسية طاهرة سبّوحيّة . # والثالثة : كلمة هي هيئة أحدية جمعية بين حقائق حرفية إلهية ، وحروف روحية ~~جسمانية وهي حقائق الكمّل من النوع الإنساني ، ولكنّ الغالب على كل واحد من الكمّل ~~حكم مرتبة من هذه المراتب . # فكانت الكلمة العيسوية المسيحية الظاهرة هيأة أحدية جمعية بين حقائق حرفية إلهية ~~، وحقائق حرفية روحية إلهية أيضا ، وحقائق حرفية جسمانية روحانية إنسانية في مرتبة ~~البطون ، والغالب على حرف جسمانيته الحروف الروحية والغالب على حرف روحيته الحروف ~~اللاهوتية. # ولهذا قيل فيه : " إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ " غلطا من جهة ~~القائل المنحرف . # فلو قالوا : هو الله ، لم يكن غلطا ، فإنّ هوية الصورة العيسوية المسيحية الروحية ~~لله ، كما أنّه هوية الإنيّات كلَّها بلا حصر في شيء منها ، ولكنّهم ادّعوا الحصر ، ~~فكفروا وجهلوا وغلطوا ، فافهم ، فإنّه بحث شريف لطيف عال غال ، حقّقنا الله وإيّاك ~~بتحقّقه وتحقيقه بحسن توفيقه ، إنّه على ما يشاء قدير . # قال رضي الله عنه : (فكان إحياء عيسى للأموات إحياء محقّقا من حيث ما ظهر عن ~~نفخه) . # يعني : من حيث حصول الإحياء عن نفخه ظاهرا رأي عين ، فتصحّ إضافة الإحياء إليه # بمشاهد الحسّ عرفا عاديا وتحقيقا أيضا ، لأنّ هويته الله ، وهو أحدية جمع اللاهوت ~~والروحية والصورة ، فيضاف إليه حقيقة من حيث هويته اللاهوتية ، فافهم . ### || قال رضي الله عنه : ( كما ظهر هو عن صورة أمّه ) . # يعني رضي الله عنه : في المعتاد من إيلاد الأولاد ، وبهذا الوجه أضيف إلى أمّه ~~ونسب إليها ، فقيل فيه : إنّه عيسى بن مريم ، وهكذا إضافة الإحياء إلى الصورة ~~العيسوية النافخة للإحياء . # قال رضي الله عنه : ( وكان إحياؤه أيضا متوهّما أنّه منه ، وإنّما كان من الله ، ~~فجمع لحقيقته - التي خلق عليها كما قلناه - أنّه مخلوق من ماء متوهّم وماء محقّق ، ~~ينسب إليه الإحياء بطريق التحقيق من وجه وبطريق التوهّم من وجه ، فقيل فيه من طريق ~~التحقيق : « وتحيي الموتى » و قيل فيه من طريق التوهّم : " فَتَنْفُخُ فِيها ~~فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي " فالعامل في المجرور يكون « تكون » لا « تنفخ » ~~ويحتمل أن يكون العامل فيه « تنفخ » فيكون طائرا من حيث صورته الجسمية الحسّية ) . # يشير رضي الله عنه : إلى إنّه لمّا كان أصل خلقته من متحقّق ومتوهّم ، ظهر ذلك في ~~فعله الذي هو فرع عليه متوهّم الإضافة إليه من وجه ، ومتحقّق الإضافة إليه أيضا من ~~آخر ، فاعتبر الحق في العبارة المعجزة القرآنية كلا الوجهين ، لكونهما من مقتضى أصل ~~خلقته ، فقال في الأوّل " فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي " فكان ~~التقدير يكون المنفوخ فيه بإذن الله طائرا ، فيكون العامل في المجرور - أعني « بإذن ~~الله » - « تكون » لا « تنفخ » ، فيكون الموجب لكونه طيرا بإذن الله ، فيكون طائرا ~~بنفخه . # سرّ للخواصّ اعلم : أنّ حقيقة الإذن أمر من الله ، يمكَّن المأذون له من إيجاد ~~الفعل الخارق للعادة الذي لا يضاف إلَّا إلى الله عرفا عاديا . # ثمّ إنّ تمكين الله تعالى للعبد وأمره بذلك إنّما يكون بخصوص استعداد ذاتي للعبد ~~من حيث صورته المعلومية # لله أزلا وعينه الثابتة ، لأنّ الله علم من حقيقة قفداء العبد أنّ له صلاحية في ~~الوجود وقابلية في الحقيقة لمثل هذا التمكين والأمر من الله بخلاف غير المأذون . # فهو من قدم الصدق الذي كان له عند ربّه المليك المقتدر ، اقتضى هذا العبد بتلك ~~الخصوصية من الله هذا النوع من العناية والتمكين ، فأظهر الله في الوجود العيني من ~~العبد هذا التمكين ممّا كان عليه في وجوده العلمي ، فإذن الله هو تمكين العين ~~الثابتة ، وحسن تأتّيها باستعدادها الذاتي للوجود الحق أن يظهر هذا التمكين والإذن ~~فيه بالحق ، فافهم . # قال رضي الله عنه - : ( وكذلك " تُبْرِئُ الأَكْمَه َ وَالأَبْرَصَ " وجميع ما ~~ينسب إليه وإلى إذن الله وإذن الكناية في مثل قوله : " بِإِذْنِي " و " بِإِذْنِ ~~الله " فإذا تعلَّق المجرور بـ « تنفخ » فيكون النافخ مأذونا له في النفخ ويكون ~~الطائر عن النافخ بإذن الله ، وإذا كان النافخ نافخا لا عن الإذن ، فيكون التكوين ~~للطائر طائرا بإذن الله ، فيكون العامل عند ذلك « فتكون » فلو لا أنّ في الأمر ~~توهّما وتحقّقا ، ما قبلت هذه الصورة هذين الوجهين ، بل لها هذان الوجهان ، لأنّ ~~النشأة العيسوية تعطي ذلك ). # قلت : كلّ هذا ظاهر بيّن . # قال رضي الله عنه : ( وخرج عيسى من التواضع إلى أن شرّع لأمّته أن " يُعْطُوا ~~الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ " وأنّ أحدهم إذا لطم في خدّه وضع الخدّ ~~الآخر أن يلطمه ، ولا يرتفع عليه ، ولا يطلب القصاص منه ، هذا له من جهة أمّه ، إذ ~~المرأة لها السفل ، فلها التواضع ، لأنّها تحت الرجل حكما وحسّا ) . # يعني رضي الله عنه : بقوله : « حكما » ما قال الله تعالى : " الرِّجالُ ~~قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ # وقوله " لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ " و " لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ~~الأُنْثَيَيْنِ " وغير ذلك . # قلت : وأمّا حسّا فظاهر . # قال رضي الله عنه : ( وما كان فيه من قوّة الإحياء والإبراء فمن جهة نفخ جبرئيل ~~في صورة البشر فكان عيسى يحيي الموتى بصورة البشر ، ولو لم يأت جبرئيل في صورة ~~البشر وأتى في صورة غيره من صور الأكوان العنصرية من حيوان أو نبات أو جماد ، لكان ~~عيسى عليه السّلام لا يحيي الموتى إلَّا حين يتلبّس بتلك الصورة # ولو أتى جبرئيل في صورته النورية الخارجة عن العناصر والأركان - إذ لا يخرج عن ~~طبيعته - لكان عيسى لا يحيي الموتى إلَّا حين يظهر في تلك الصورة الطبيعية النورية ~~لا العنصرية مع الصورة البشرية من جهة أمّه ، فكان يقال فيه عند إحيائه الموتى : « ~~هو لا هو » وتقع الحيرة في النظر إليه ) . # يشير ضي الله عنه : فيما سردنا وأوردنا من نصّ الفصّ إلى أنّ الإحياء والإبراء من ~~خصائص الأرواح ، لكونها جملة أسماء اللاهوت ، وإحياء عيسى لما أحياء من جهة جبرئيل ~~الأمين ، فإنّ الحياة للأرواح ذاتية ، فإنّها أنفاس رحمانية ، وإحياء عيسى وغيره ~~ممّن أحيا فمن الروح الأمين أو غيره ، فلا يكون الإحياء منه إلَّا إذا كان عيسى على ~~تلك الصورة التي كان عليها جبرئيل حين تمثّل لإلقاء الكلمة إلى مريم . # وفيما ذكر رضي الله عنه : إشارة أيضا إلى أنّ جبرئيل سلطان العناصر ، وأنّ له أن ~~يظهر في السماوات السبع وما تحتها من العنصريات والعناصر لأهلها بأيّ صورة شاء من ~~صور العنصريات بحسب الموطن والمقام والمناسبة واستعداد من ظهر له ، وأنّ صورته ~~الأصلية غير عنصرية ، بل طبيعية نورية ما بين الثامن والسابع ، وأنّه ليس له أن ~~يخرج عن هذه الطبيعة التي هي له بالأصالة إلى ما فوقها إلَّا أن يشاء الله ، فهو لا ~~يتعدّى سدرة المنتهى . # فلو كان تمثّل جبرئيل عند النفخ في صورة عنصر أو عنصرين ، لما كان الإحياء من ~~عيسى إلَّا بعد ظهوره بتلك الصورة ، ولو كان جبرئيل إذ ذاك في صورته الأصلية ~~الطبيعية النورية ، لكان الحكم كالحكم في الواقع ، فلم يكن يحيي عيسى إلَّا إذا ظهر ~~في صورة جبرئيل الأصلية مع جمعه بين ذلك وبين صورته البشرية من جهة أمّه ، إذ لا ~~يخرج على كل حال عن صورته الأصلية وطبيعته ، فلا بدّ له من الظهور بصورة أصله من ~~جهة جبرئيل ومن جهة أمّه ، حتى لا يخرج بالكلَّية عن طبيعته وصورته الإنسانية . # فيقال فيه : # « هو لا هو » وفات المراد المطلوب وهو إحياؤه وإبراؤه في صورة بشرية ، وإلَّا ~~لكان إحياء عيسى على ذلك التقدير في تلك الصورة الجبرئيلية مع الصورة البشرية ، ~~فيراه الرائي متحوّلا من صورته العيسوية إلى صورته الجبرئيلية ووقعت الحيرة . # قال رضي الله عنه : ( كما وقعت في العاقل عند النظر الفكريّ ، إذا رأى شخصا ~~بشريّا من البشر يحيي الموتى - وهو من الخصائص الإلهية - إحياء النطق لا إحياء ~~الحيوان ، بقي الناظر حائرا ، إذ يرى الصورة بشرا بالأثر إلهيا ) . # يعني رضي الله عنه : كان يحيي بالنطق ، فيقول : قم حيّا بالله أو بإذن الله أو ~~باسم الله ، فتخرج الموتى بالنطق والدعاء ، فتجيبه فيما كلَّمها به نطقا ، لا إحياء ~~الحيوان الذي يبقى حيّا عمرا على ما نقل في قصّة أنّه أحيا بنطقه سام بن نوح عليه ~~السّلام فشهد بنبوّته ، ثمّ ترجّع على حالته . # قال رضي الله عنه : ( فأدّى بعضهم فيه) أي عند إحيائه الموتى # ( إلى القول بالحلول ) يعني نسبوا الإحياء إلى الله حال حلوله في صورة عيسى # ( وأنّه هو الله بما أحيا به الموتى ، ولذلك نسبوا إلى الكفر وهو الستر ، لأنّهم ~~ستروا الله الذي أحيا الموتى بصورة بشرية عيسى ، فقال : "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ ~~قالُوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ " فجمعوا بين الخطأ والكفر في ~~تمام الكلام ). بعد قولهم : إنّ الله هو . # وقال : ( لا بقولهم هو الله ) يعني : لم يكفروا بقولهم : إن الله هو ، فإنّ الله ~~هو لنفسه هو . # ( ولا بقولهم : المسيح ابن مريم ) بل بما حصروا الله في هوية عيسى بن مريم ، ولم ~~يكفروا بقولهم : إنّ الله هو حملا لهوية عيسى على الله ، إذ هوية عيسى مع هوية ~~العالم كلَّه هو الله المتجلَّي # بوجوده الحق في جميع العالم أبدا ، كما مرّ ، ولكن كفروا بوصفهم هوية الله في ~~صورة ابن مريم على التعيين. # قال رضي الله عنه : ( فعدلوا بالتضمين من الله من حيث أحيا الموتى إلى الصورة ~~الناسوتيّة البشرية بقولهم : ابن مريم وهو ابن مريم بلا شكّ ، فتخيّل السامع أنّهم ~~نسبوا الإلهية للصورة وجعلوها عين الصورة وما فعلوا ، بل جعلوا الهوية الإلهية ~~ابتداء في صورة بشرية هي ابن مريم ، ففصلوا بين الصورة والحكم ، لا أنّهم جعلوا ~~الصورة عين الحكم ) . # يعني رضي الله عنه : أنّهم قالوا : " إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ~~" ، ففصلوا بين الصورة المسيحية المريمية وبين الله بالهوية . # ولم يقولوا : الله المسيح بن مريم ، فتخيّل السامع أنّهم نسبوا الألوهية القائمة ~~بذات الله إلى الصورة المسيحية وما فعلوا ذلك ، بل فصلوا بالهوية بين الصورة ~~العيسوية وبين الحكم بحمل اللاهوت على الهوية ، فاقتضت حصر الإلهية في عيسى بن مريم ~~. # قال رضي الله عنه : « بل جعلوا الهوية الإلهية ابتداء في صورة بشرية هي ابن مريم ~~» . # أي جعلوا الله بهويته موضوعا ، وحملوا الصورة عليه فحدّدوا الهوية الإلهية ~~وجعلوها محصورة في صورة الناسوت المعيّنة وهي غير محصورة ، بل له هوية الكلّ ، ~~فجمعوا بين الكفر بأنّ الله هو هذا . # فستروا الهوية الإلهية في عيسى ، وبين الخطأ بأنّه ليس إلَّا فيه - أي هي هي هو ~~لا غير ، وقد كان هو عين الكلّ - ولا في البعض ، بل مطلقا في ذاته عن كل قيد وإطلاق ~~، كما عرفت . # قال رضي الله عنه : « كما كان جبرئيل في صورة البشر ولا نفخ ، ثم نفخ ، ففصل بين ~~الصورة والنفخ ، وكان النفخ من الصورة ، فقد كانت الصورة ولا نفخ ، فما هو النفخ من ~~حدّها الذاتي ». # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ هذا الاختلاف كما كان بين حقيقة الصورة البشرية ، # لكون الصورة متحقّقة بلا وجود النفخ ، وليس النفخ من ذاتيات الصورة البشرية ، ~~فكذلك كانت الهوية الإلهية موجودة متحقّقة بلا صورة عيسوية . # وكانت الصورة العيسوية أيضا، قبل ظهور الإحياء الإلهية المنسوبة إليه، من حيث ذاك ~~الإحياء ، فليست هذه الصورة من حدّ الألوهية ، ولا الألوهية وهويّته من حدّها ، ~~فكذلك ولذلك وقع الاختلاف بالفصل في هذه الصورة . # قال رضي الله عنه : « فوقع الخلاف بين أهل الملل في عيسى ما هو ؟ فمن ناظر فيه من ~~حيث صورته البشرية ، فيقول : هو ابن مريم . ومن ناظر فيه من حيث الصورة المتمثّلة ~~البشرية ، فينسبه لجبرئيل . ومن ناظر فيه من حيث ما ظهر عنه من إحياء الموتى ، ~~فينسبه إلى الله بالروحية » . # يعني رضي الله عنه : يقول من حيث إنّه أحيا الموتى : هو روح الله ، أو كلمة الله ~~، أو هو الله ، أو هو ابن الله على الخلاف المشهور بين المسيحيّين ، وأنّه ابن مريم ~~من حيث الصورة الناسوتية ، ومنهم من ينسبه إلى الروح الأمين من كونه نافخا له في ~~الصورة البشرية . # قال رضي الله عنه : ( فيقول : روح الله ، أي منه ظهرت الحياة فيمن نفخ فيه ، ~~فتارة يكون الحق فيه متوهّما - اسم مفعول - وتارة يكون الملك فيه متوهّما ، وتارة ~~تكون البشرية الإنسانية فيه متوهّمة ، فيكون عند كل ناظر بحسب ما يغلب عليه ، فهو ~~كلمة الله وهو روح الله ، وهو عبد الله ، وليس ذلك في الصورة الحسيّة البشرية لغيره ~~، بل كل شخص منسوب إلى أبيه الصوري لا إلى النافخ روحه في الصورة البشرية ، فإنّ ~~الله إذا سوّى الجسم الإنساني - كما قال : " فَإِذا سَوَّيْتُه ُ " نفخ فيه هو ~~تعالى من روحه ، فنسب الروح في كونه وعينه إلى الله تعالى ، وعيسى ليس كذلك ، فإنّه ~~اندرجت تسوية جسمه وصورته البشرية بالنفخ الروحي ، وغيره - كما ذكرنا - ليس كذلك ) ~~. # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ صورة عيسى تكون بنفخ الروح الأمين ، فجسمه روح ~~متجسّد متمثّل في مادّة ، يعني الرطوبة التي في النفخ للإحياء والحياة ، وغير عيسى ~~ليس كذلك ، لأنّ الملك - بإذن الله - أو الله ينفخ فيه الروح بعد تسوية الجسم ~~وإعداد الصورة البشرية المسوّاة المخلَّقة في الرحم . # ثم قال الشيخ رضي الله عنه : ( فالموجودات كلَّها كلمات الله التي لا تنفد ، ~~فإنّها عين « كن » و « كن » كلمة الله ، فهل تنسب الكلمة إليه بحسب ما هو عليه ، ~~فلا تعلم ماهيتها ، أو ينزل هو - تعالى - إلى صورة من يقول له : « كن » فيكون قول : ~~« كن » حقيقة لتلك الصورة التي نزل إليها وظهر فيها ؟ فبعض العارفين يذهب إلى الطرف ~~الواحد ، وبعضهم إلى الطرف الآخر ، وبعضهم يحار في الأمر ، ولا يدري ) . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ الموجودات كلَّها لمّا كانت تعيّنات الوجود الحق ~~وتنوّعات صور تجلَّياته الإلهية ، فهي كلمات الله على ما مرّ مرارا ، ولأنّها صور ~~«كن» فهي تحتمل اعتبارين: # أحدهما : اعتبارها من حيث وجودها الحقّ : فتترك مطلقة على حقيقتها ، فلا تعلم ~~حقائقها ، فإنّها كلمات الله المطلقات ، كهو مطلقا . # والاعتبار الثاني : اعتبار تنزّل الوجود الحق إلى صور التعيّنات ، فيكون المتعيّن ~~عين التعيّن ، فيكون كلمة « كن » إذن عين الصورة ، فذوق بعض العارفين اعتبر الوجه ~~الأوّل ، # فقال : التعيّن عين المتعيّن بذلك التعين ، والمتعين عين الحقيقة المطلقة غير ~~المتعيّنة ، وعلى إطلاقه . # وبعضهم قالوا : نزل عن الإطلاق بالتعين فتعين ، فكان الوجود الحق المتعيّن في كل ~~تعيّن عين التعيّن وبحسبه على التعيين . # وبعضهم رأى احتمال الاعتبارين معا من غير ترجيح ، فحار الحيرة الكبرى التي ~~للأكابر . وأمّا أهل الأكملية من أرباب الكمال فلم يحاروا ، بل قالوا بتحقّق ~~الأمرين معا دائما في كل عين عين ، وهذا الذوق من مشرب الختم ، ويختصّ بالخاتميّين ~~والمحمديّين ، جعلنا الله وإيّاك منهم . # قال رضي الله عنه : « وهذه مسألة لا يمكن أن تعرف إلَّا ذوقا كأبي يزيد - رضي ~~الله عنه - حين نفخ في النملة التي قتلها ، فحييت ، فعلم عند ذلك بمن ينفخ فنفخ ، ~~وكان عيسويّ المشهد». # يشير : إلى أنّ معرفة الإحياء وكيفية نسبته إلى الحق في صورة عبده أو إلى النافخ ~~بالله لا تحصل إلَّا بالذوق ، فمن لم يحي ولم يحي هكذا شهودا محقّقا ، لم يعرف ، ~~ذوقا كيف الإحياء ؟ فإنّ الكيفيات لا تعلم بالحكاية ، وهو لا يتحكَّى كما قيل قبل . # قال رضي الله عنه : « وأمّا الإحياء المعنوي بالعلم فتلك الإحياء الإلهية الذاتية ~~العلمية النورية التي قال الله فيها : " أَوَمن كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناه ُ ~~وَجَعَلْنا لَه ُ نُوراً يَمْشِي به في النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُه ُ في الظُّلُماتِ ~~لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها " فكلّ من أحيا نفسا ميتة بحياة علميّة في مسألة خاصّة ~~متعلَّقة بالعلم بالله ، فقد أحياه بها وكانت له نورا يمشي به في الناس أي بين ~~أشكاله في الصورة » . # يعني رضي الله عنه : أنّ الإحياء المعنويّ الحقيقيّ هو إحياء النفس الميتة بالجهل ~~بالعلم ، فإنّه الحياة الحقيقية لنفوس العالمين العارفين بالله في الطبقة العليا ~~ولنفوس الموتى بالجهل لله وأسمائه وآياته وكلماته وأنبائه. # ولكن لا مطلقا في جميع مراتب العلم الكونيّ - أعني ليس لكلّ علم هذه الحياة ~~والإحياء - بل هو العلم بالله خاصّة ، وقد أعطى الله ذلك لكمّل أوليائه وندّر ~~الأفراد ، فهم يحيون بنفائس أنفاسهم نفوس المستعدّين ، ويفيضون عليهم أنوار الحياة ~~العلمية النورية الذاتية ، وذلك أنّهم # أقيموا في مقام التحقّق بالعليم وعلَّام الغيوب وعالم الغيب والشهادة وبالحيّ ~~المحيي بهذه الحياة العلمية الإلهية الذاتية النورية ، وهي مخصوصة بالله ومن أحياه ~~بهذا العلم خاصّة من خاصّة الخاصّة وصفوة الخلاصة ، فأقامهم الله به وقام بهم ، ~~وهذا الإحياء مثل إحياء الموتى صورة ، فإنّ كلا من خصائص الله ومن أعطاه ذلك وأذن ~~له أو أمره به . # بل هو أعني الإحياء بالحياة العلمية أعلى وأرفع ، لأنّه إحياء النفوس والأرواح ، ~~وذلك إحياء الأجسام والأشباح ، ولكن لمّا قلّ طلَّاب هذه الحياة وكثر طلَّاب الآخرة ~~، وجد حصول هذا من كمّل الرسل والأنبياء والأولياء ، وشوهد كثيرا . # ولم يشهد إحياء الأجسام والموتى في الناس إلَّا في عيسى ومن كان عيسويّ المشهد من ~~الأولياء ، وذلك بالنادر مع توفير الرغبات في ذلك ، واستشراف النفوس إلى ذلك ، ~~استعظموا ذلك ، لعزّته وعدم الظفر به ، وأنّه - والله - عظيم ولكن إحياء النفوس ~~بهذه الحياة العلمية النورية أعظم وأعزّ وأشرف ، لكون الأرواح والنفوس أشرف من ~~الأجسام ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( فلولاه ولولان %~% لما كان الذي كانا) # يعني - رضي الله عنه - : أنّه لا بدّ في كون الأفعال الكونية والإلهية من الله من ~~صدور وجود أعيانها ، ولا بدّ أيضا من الحقائق الكلَّية الكمالية العبدانية القابلة ~~للوجود الحق الواحد وأكوانه الفعلية من التجليات والتعيّنات ، فنحن بعبوديّتنا ~~ومألوهيّتنا ومربوبيتنا نظهر كونه ذا أسماء وتجلَّيات . # والله بإلهيته وربوبيته يفيض علينا الوجود وعلى الأكوان وعلى الأفعال الصالحة ، ~~إضافة إلى الله من وجه ، و إلينا من وجه ، ولا بدّ منه . # كما قلنا في الغرّاء التائية : # فلا بدّ منه %~% إنّه كلّ بدّن # ولا بدّ منّ %~% في أصحّ الأدلَّة ### || قال رضي الله عنه : # (فإنّا أعبد حقّ %~% وإنّ الله مولانا) # (وإنّا عينه فاعلم %~% إذا ما قلت إنسانا) # يعني : أنّ المظهر كهو في ذاته بخلاف غير الإنسان من الأعيان ، وإن كان الحق عين ~~الكلّ وعين كلّ عين ، ولكن كون الحق في كل عين بحسبها لا بحسب الحق ، فلا يصحّ فيها ~~أن يقال : إنّ هذا العين عين الحق ، بخلاف الإنسان مع كون الحق عينه يكون هو عين ~~الحق . ### || قال رضي الله عنه : # (فلا تحجب بإنسان %~% وقد أعطاك برهانا ) # يعني : أنّ الإنسان وإن كان في العرف اسما من أسماء الأكوان من حيث شخصه ، ولكنّه ~~في الحقيقة هو اسم للحق مع كونه - تعالى - عين الأعيان والوجود والمراتب ، فإنّ ~~الحق من كونه إنسانا هو عين العالم لا من كونه ربّا إلها ، فإنّ الإله إله أبدا لا ~~مألوه ، والربّ ربّ أبدا لا مربوب ، والإنسان - برزخيّة بين بحرى الربوبية ~~والمربوبية - عين البحرين ، فافهم ، فإنّه البرهان الذي أعطاكه الإنسان . ### || قال رضي الله عنه - : # (فكن حقا وكن خلق %~% تكن بالله رحمانا) # يشير رضي الله عنه : إلى تمام المدّعى أنّك بإنسانيتك وبرزخيتك لك أن تكون عين ~~الحق ، فتقوم بك جميع الأشياء الإلهية ، ولك - بما ذكرنا كذلك - أن تكون خلقا فتكون ~~في أعمّ الحقائق والأعيان ، فتعمّ الحق بمظهريتك الكلَّية الجامعة للذات الإلهية ~~والأسماء كلَّها ، وتعمّ الخلق برحمة الله وفيضه الواصل إلى العالم كلَّه ، من كونك ~~خليفته والواسطة ، وتقوم بجميع ما يحتاج العالم إليه وتسعه ، فتسع الحق والخلق بعين ~~ما وسع الحقّ بك ذلك ، فتكون رحمانا ، لعموم وجودك . ### || قال رضي الله عنه : # ( وغذّ خلقه منه %~% تكن روحا وريحانا) # يشير رضي الله عنه : إلى ما قرّرنا من قبل أنّ الحقّ بالوجود غذاء الخلق ، إذ به ~~قوامه وبقاءه وحياته ، كالغذاء به يكون قوام المغتذي وحياته وبقاؤه . # وكذلك تغذّي أنت بالوجود الحق الفائض جميع الخلق ، لأنّك النائب في ذلك عن الله ، ~~وكذلك تغذّي الوجود الحقّ بأحكام الكون وصوره ، وتوجد بذلك له أسماء وصفات ونعوتا ~~وأحكاما ونسبا وإضافات ، وبهذا تكون روحا للحقائق الكونية العدمية تريحها بالوجود ~~عن العدم ، وتروّحها عن ظلمتها بنور القدم ، وكذلك تكون ريحانا للوجود الحق ~~بالروائح الخلقية الكيانية والنشآت الصورية الإمكانية . ### || قال رضي الله عنه : # (فأعطيناه ما يبدو %~% به فينا وأعطانا) # ( فصار الأمر مقسوم %~% بإيّاه و إيّانا ) # أي أعطانا الحق من خصوصيات قابلياتنا ما يظهر به فينا في تعيّنه بنا ، وأعطانا ~~وجودا به أيضا ظهورنا لنا ، فصار الأمر الوجودي ذا وجهين له نسبة إلينا ونسبة إليه ~~، فيقسم في العقل قسمين لا في العين فقرّبنا عين العينين ، ولهذا سمّانا إنسان ~~العين لأهل الإشارة والفوز بالحسنيين في الطرفين . # قال رضي الله عنه : # ( فأحياه الذي يدري %~% بقلبي حين أحيانا ) # (وكنّا فيه أكوان %~% وأزمانا وأعيانا ) # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ الحقائق الكلَّية الإنسانية أعيان الشؤون الذاتية ~~الإلهية ، والوجود الحق مظهر ومجلى لتلك الأعيان ، فإنّا نحن فيه أكوانه الأزلية ~~التي كان بنا ولم نكن معه لأعياننا ، لكوننا عين كونه الذي كان ولم نكن في غيب ~~العلم الأزلي . # وكذلك في الوجود العيني بكوننا ، ويكون سمعنا وبصرنا وأعياننا وقوانا وجوارحنا في ~~قرب النوافل ، ونكون أيضا كذلك سمعه وبصره ولسانه وأعيان أسمائه وأكوانه . # وأمّا كوننا أزمانا فيه فمن حيث إنّ مظهرياتنا موجبة لتقدّر الاسم الدهر ، فإنّ ~~مبدأ إضافة الوجود وتعيّنه امتداد النفس الرحماني والفيض الوجودي إلى أبد الأبد ، ~~لا يتقدّر ولا يتعين إلَّا بحسب القوابل ، والزمان مقدار حركة الفلك المحيط عرفا ~~فلسفي وهو عند المحقّق صاحب الكشف صورة الزمان لا حقيقته ، وحقيقته معنى امتداد ~~أمداد الأنفاس الرحمانية والتجلَّيات الوجودية بالتعلَّقات الإرادية الإلهية إلى ~~الحقائق والأعيان لإيجاد الأكوان في حضرة الإمكان . # فلو لا الحقائق الكيانية ، وأقدارها في قابلياتها وخصوصياتها في مراتبها الذاتية ~~، وتقدّمها وتأخّرها المرتبتان الذاتيتان ، لما تعيّنت المقادير الإيجادية ، فنحن ~~بكمال قابلياتنا وسعتها نقبل أمداد الأنفاس الرحمانية بالتقدّم وبالتأخّر في ~~القابليات الناقصة التابعة ، فإنّ الحقائق منها تابعة ومنها متبوعة ، وملزومة ~~ولازمة ، ولوازم لوازم وعوارض ولواحق . # فالحقائق المتبوعة الملزومة الكاملة تقبل الوجود أوّلا ومنها ينفذ نور الوجود إلى ~~التوابع واللوازم وما ذكر ، فتحقّق بين المبادي والغايات حقيقة التقدّم والتأخّر ~~الذاتي والمرتبي بحقيقة معقولية امتداد الوجود من أوّل قابل - مثلا - إلى آخر موجود ~~. # فحقيقة الزمان معقولية ذلك الامتداد ، ومعقولية تعلَّقه بكل عين عين حقيقة الآن ~~الذي لا ينقسم ، فإنّ تعلَّق النور النفسي الوجودي الحق بكل عين غير قبوله ~~باستعداده الذاتي ، ومعقولية أحدية جمع الامتدادات والتعلَّقات النورية الوجودية ~~النفسية الإلهية إلى ما لا يتناهى حقيقة الاسم الدهر ، فمن حيث إن الوجود بنا ~~وبحقائقنا يتقدّر ويتعين كنّا فيه أزمانا . # وقد قال بعض المحقّقين من أهل الحق : # الوقت وعاء لما قدّر أو فيه ، ونحن كذلك أوعية لما يتقدّر فينا من التجلَّي ~~والتعين وتنوّعاتهما إلى الأبد ، فافهم . # وفيه إشارة أيضا إلى أنّا بحقائقنا وأعياننا الثابتة كنّا في الحق قبل قبول ~~الوجود أزمانا لا تعرف أوّليّة ، إذ لا مبدأ وأزماننا بمعنى الحقيقة الذاتية ، لا ~~بصورة الزمان ، فافهم ذلك . # قال رضي الله عنه : # ( وليس بدائم فين %~% ولكن ذاك أحيانا ) # يشير إلى ما قاله زين العابدين عليه السّلام : « لنا وقت يكوننا فيه الحق ولا ~~نكونه » وإلى قوله صلى الله عليه وسلم « لي مع الله وقت » وهو زمان غلبة حقّية ~~الإنسان الكامل على خلقيته ، وليس ذلك بدائم فيه ، فإنّ ذلك مقتضى الحقيقة ~~الإنسانية الكمالية ، فإنّه الحق الخلق الجامع بين بحري الوجوب والإمكان ، المطلق ~~في جمعه بين الحقّية والخلقية عن الجمع والإطلاق دائما ، فليس له أن يكون على ~~الدوام حقا محضا ، فإنّ ذلك لحقيقة الحق لا غير ، لا شريك له في خصوصه سبحانه . # وفي هذا المقام سرّ للخواصّ وهو : # أنّ الإنسان الكامل في كل عصر يقابل دائما بمألوهيته ومربوبيته وعبوديته الذاتية ~~وخلقيته الكاملة حضرة الألوهية ، والربوبية والحقّية ، وكذلك يقابل بربوبيته وبما ~~فيه من الألوهة وصورة الله من جهة خلافته وتحقّقه بجميع الأسماء الإلهية حضرة الكون ~~والخلق بالإمداد والفيض الواصل إلى العالم بواسطته ولا بدّ ، وإلَّا فلا يكون خليفة ~~، فهو يسع بأحد طرفيه ما يقابله من الحقية والخلق ، وبجمعه بينهما يحاذي ويقابل ~~الجمعية الإلهية بين حضرات الأسماء والمسمّيات وحقائق المسمّيات - بكسر الميم اسم ~~فاعل - والمعيّنات كذلك وهي - دون تعيّن حقا وخلقا - جانب إطلاق الحق ، فهو من هذا ~~الوجه حق دائما ، وخلق دائما ، جامع بينهما ، مطلق في كل ذلك ، كما هو ربّه ، فيكون ~~على هذا الذوق . # قوله رضي الله عنه : « وليس بدائم فينا » فافهم هذا السرّ . # قال رضي الله عنه : ( وممّا يدلّ على ما ذكرناه في أمر النفخ الروحاني مع صورة ~~البشر العنصري هو أنّ الحق وصف نفسه بالنفس الرحماني ولا بدّ لكل موصوف بصفة أن ~~يتبع الصفة جميع ما تستلزمه تلك الصفة ، وقد عرفت أنّ النفس في المتنفّس لم يلزمه ، ~~فلذلك قبل النفس الإلهيّ صور العالم . # فهو لها كالجوهر الهيولاني ، وليس إلَّا عين الطبيعة ، فالعناصر صورة من صور ~~الطبيعة ، وما فوق العناصر وما تولَّد عنها فهو أيضا من صور الطبيعة وهي الأرواح ~~العلوية التي فوق السماوات السبع ، وأمّا أرواح السماوات السبع وأعيانها فهي عنصرية ~~، فإنّها من دخان العناصر المتولَّد عنها ، وما يكون عن كل سماء من الملائكة فهو ~~منها ، فهم عنصريون ، ومن فوقهم طبيعيون ، ولهذا وصفهم الله بالاختصام ، أعني الملأ ~~الأعلى ، لأنّ الطبيعة متقابلة ، والتقابل الذي في الأسماء الإلهية التي هي النسب ~~إنّما أعطاه النفس ، ألا ترى الذات الخارجة عن هذا الحكم كيف جاء فيها الغنى عن ~~العالمين ؟ فلهذا خرج العالم على صورة من أوجدهم وليس إلَّا النفس الإلهيّ ) . # يعني رضي الله عنه : أنّ النفس لمّا نسب إلى الرحمن وكان صفة له ، فإنّه يضاف ~~وينسب إلى الحق الرحمن جميع ما يستلزمه النفس من التنفيس وقبول صور الحروف والكلمات ~~الكونية والأسماء الإلهية والحرارة والرطوبة والحياة وسرّ التقابل الذي في حقيقة ~~الجمعية الأحدية والنفسية الرحمانية . # فإنّ النفس عبارة عن الوجود الفائض بمقتضيات الأسماء الإلهية ومقتضيات قوابلها ~~وحقائقها جميعا ، فله أحدية جمع الجمعين مع الوجود بين المتقابلات والمتماثلات ~~والمتنافيات والمتشاكلات الإلهية والكونية جميعا ، وفيه أيضا سرّ الجمع بين الفعل ~~والانفعال ، والهيولانية المّادّة القابلة للصور كلَّها والطبيعة الفعّالة لها فيه ~~، كما قد أشرنا إلى كل ذلك في الفصّ الآدمي والشيثي وغيرهما بما فيه مقنع للأولياء ~~، فاذكر . # ونزيد هاهنا بما لم يذكر وهو أنّ الطبيعة الكلَّية وإن كانت - كما ذكرنا - هي ~~الحقيقة الفعّالة للصور كلَّها إلهيّها وكونيّها ، علوا وسفلا ، فإنّها أيضا عين ~~المادّة التي حصرت قوابل العالم كلَّه ، ففيه قابلية هيولانية لأن يفعل في النفس ~~جميع الصور ، فهي بانفعالاتها المادية الهيولانية تفعل صور الفاعليات الأسمائية ~~أيضا من الوجود الحق ، فهي فاعلة من وجه ، منفعلة من آخر ، لحقيقتها الجمعية ~~الأحدية النفسية ، فإنّها عين النفس الممتدّ من حقيقة الحقائق الكبرى بأحدية جمع ~~الحقائق الفعلية والانفعالية جامعا لحقائق المراتب والوجود ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( فبما فيه من الحرارة علا في الصور الأسمائية الربانية ، ~~وبما فيه من البرودة سفل). # يعني رضي الله عنه : في الصور الكيانية والعوالم الإمكانية # قال رضي الله عنه : ( وبما فيه من اليبوسة ثبت ولم يتزلزل ، فالرسوب للبرودة ~~والرطوبة ، ألا ترى الطبيب إذا أراد سقي دواء لأحد ، ينظر في قارورة مائه ، فإذا ~~رآه رسب ، علم أنّ النضج قد حصل ، فيسقيه الدواء ليسرع في النجح ، وإنّما رسب ~~لرطوبيته وبرودته الطبيعية ، ثمّ إنّ هذا الشخص الإنساني عجن طينته بيديه وهما ~~متقابلتان وإن كانت كلتا يديه يمينا ، فلا خفاء بما بينهما من الفرقان ، ولو لم يكن ~~إلَّا كونهما اثنتين أعني اليدين ، لأنّه لا يؤثّر في الطبيعة إلَّا ما يناسبها ، ~~وهي متقابلة فجاء باليدين ) . # يشير رضي الله عنه : في كلّ ذلك إلى أنّ التقابل في الأمر الواحد من جهتين ~~مختلفتين موجود ومشهود ، وأنّ الطبيعة التي لها التضادّ والتقابل عامّة الحكم في ~~الصور الأسمائية والكونية ، ولولا أنّ في حقيقة الحق قبول كلّ ذلك ، لما وجدت هذه ~~المتقابلات منها . # ولأنّ في طبيعة البشر جمعا بين المتقابلات توجّه الحق في إيجاده باليدين ~~المتقابلتين ، وهما الفعل والانفعال اللذين في حقيقتي الربّ والمربوب ، والإله ~~والمألوه في الذات ، أو الجلال والجمال ، واللطف والقهر في الإلهيات ، وكل ذلك مشير ~~إلى التقابل في الأصل ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( ولمّا أوجده باليدين سمّاه بشرا للمباشرة اللائقة بذلك ~~الجناب باليدين المضافتين إليه ، وجعل ذلك من عنايته لهذا النوع الإنسانيّ ، فقال ~~لمن أبي عن السجود له : " ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ~~أَسْتَكْبَرْتَ " على من هو مثلك يعني عنصريا " أَمْ كُنْتَ من الْعالِينَ " عن ~~العنصر ولست كذلك . ويعني بالعالين من علا بذاته عن أن يكون في نشأته النورية ~~عنصريّا وإن كان طبيعيّا ، فما فضل الإنسان غيره من الأنواع العنصرية إلَّا بكونه ~~بشرا من طين ، فهو أفضل نوع من كل ما خلق من العناصر من غير مباشرة باليدين ) . # يعني : من كونه باشر الله خلقه بيديه ، وهو حقيقة الجمع بين المتقابلات ~~والمتماثلات كلَّها . # قال رضي الله عنه : ( فالإنسان في الرتبة فوق الملائكة الأرضية والسماوية ، ~~والملائكة العالون خير من هذا النوع الإنساني بالنصّ الإلهي ) . # يعني : أنّ الملائكة العالين وهم المهيّمة في سبحات وجه الحق - لفناء خلقيتهم ~~واستهلاكهم عن أنفسهم وعن سوى الحق في الحق خير من نوع الإنسان الحيوان لا الإنسان ~~الكامل ، لكون هذا النوع حقيقتهم مستهلكة في خلقيتهم ونوريتهم في ظلمتهم ، بعكس ~~الملائكة العالين ، وقد ذكرنا فتذكَّر . # قال رضي الله عنه : ( فمن أراد أن يعرف النفس الإلهي ، فليعرف العالم ، فإنّ من ~~عرف نفسه عرف ربّه الذي ظهر فيه : أي العالم ظهر في نفس الرحمن الذي نفّس الله به ~~عن الأسماء الإلهية ما تجده من عدم ظهور آثارها بظهور آثارها فامتنّ على نفسه ) . # يعني: على أسمائه ونسبه وشئونه الذاتية ، فإنّها فيه عينه لا غيره ، فامتنّ عليه # قال رضي الله عنه : ( بما أوجده في نفسه ، فأوّل أثر كان للنفس إنّما كان في ذلك ~~الجناب ، ثم لم يزل الأمر ينزل بتنفيس الهموم إلى آخر ما وجد ) . # قال العبد : هذه المباحث ذكرت مرارا ، فلا حاجة إلى الإعادة . # قال رضي الله عنه : # (فالكلّ في عين النفس %~% كالضوء في ذات الغلس) # يشير - رضي الله عنه - إلى أنّ صور الأسماء الإلهية والحقائق الوجوبية وصور ~~الممكنات والحقائق الكونية المربوبية في عين النفس كالضوء في المادّة المشتعلة ~~بالنور ، فالربّ بصور جميع الحقائق الربانية الحقّية في عماء الربّ في أعلى النفس ~~والخلق ، وكذلك تصوّر جميع الحقائق الخلقية منها في عماء الكون من هذا النفس ، ~~فتذكَّر . ### || قال رضي الله عنه : # (والعلم بالبرهان في %~% سلخ النهار لمن نعس ) # (فيرى الذي قد قلته %~% رؤيا تدلّ على النفس) # يشير إلى أنّ العلم بالنفس وما ذكرت من لوازمه لا ينال إلَّا بالكشف . # وأمّا البرهان الفكري - بتركيب المقدّمات واستنتاج النتائج منها والاستدلال بذلك ~~على المطالب - فليس إلَّا لمن سلخ نهار الكشف عن يوم عمره ، فهو في ليل الحجاب ~~والغفلة نائم عن التجلَّي الوجودي والنهار الكشفي الشهودي والفيض الدائم النوري ~~الجودي ، تهبّ عليه مع الأنفاس فوائح روائح الأنفاس ، وهو لا يهبّ من النعاس ، ~~يعتبر في تعبير رؤياه في المنام ، حقائق ما قلت ممّا يدلّ على النفس عند الكاشف ~~العلَّام ، أنّها أضغاث أحلام . ### || قال رضي الله عنه : # (فيريحه عن كلّ %~% كرب في تلاوته عبس) # يشير إلى أنّ الذي تذكَّره ويذكره إن هو تفكَّر فيه فتدبّره يريحه عن كلّ كرب ~~وضيق يجده في ظلمة حجابه بما أكشف له وأشهده وألقّنه على وجهه سرّ " وُجُوه ٌ ~~يَوْمَئِذٍ ( مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ ) مُسْتَبْشِرَةٌ " بعد عبوسه في تلاوة " عَبَسَ ~~وَتَوَلَّى " حال جهله بمن هو دائما كان عليه يتجلَّى . ### || قال رضي الله عنه : # ( ولقد تجلَّى للذي %~% قد جاء في طلب القبس) # يعني : طالما انجلى هذا السرّ الخفيّ لمن طلب الحق الجليّ ، كما ظهر لموسى بن ~~عمران لمّا كان مجدّا في طلب الجذوة ، فرآه رأي العيان . ### || قال رضي الله عنه : # (فرآه نارا وهو نور %~% في الملوك وفي العسس) # يعني : تجلَّى له نور وجهه في مثال النار على صورة الشجرة ، فظنّه نارا وكان نورا ~~هو نور الأنوار ، فلم يعبّر رؤياه ولم يعبر عن صورة مطلبه الطبيعي إلى حقيقة ما رآه ~~، فلو عبّر ، وعبر ، واعتبر الحقيقة ، واستبصر ، لعلم أنّه النور الحق المتجلَّي في ~~الملوك والشرفاء العلويّين والعمّال في أدنى الأعمال الليلية الحجابية السفليّين ، ~~فإنّ ظهوره بحسب القوابل ، وإلَّا فهو هو في الأواخر والأوائل . ### || قال رضي الله عنه : # ( فإذا عرفت مقالتي %~% تعلم بأنّك مبتئس ) # إذا فهمت ما قلت ، فهمت فيما نلت ممّا أعطيتك ، ونلت أنّك في طلب أمر سواه فقير ~~مبتئس ، ومغبون ، سحر ، مفلس " كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُه ُ الظَّمْآنُ ماءً ~~حَتَّى إِذا جاءَه ُ لَمْ يَجِدْه ُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِنْدَه ُ " حاضرا لم ~~يزل ، وبدا له من الله ما لم يحتسب ولم يتخيّل . ### || قال رضي الله عنه : # (لو كان يطلب غير ذ %~% لرآه فيه وما نكس ) # يعني : أنّ موسى ما طلب غير النار ، فلمّا بلغ غاية طاقته في الجهد والطلب ، ~~تجلَّى له الحق في صورة مطلوبه ، ولو طلب غير ذلك ، لرآه في ذلك الآخر ، وأنت أيضا ~~حيث تطلب أمرا سواه ، فاعلم أنّك محجوب ، فمطلوبك في زعمك ومبلغ علمك ، فمحتجب عنك ~~بصورة مطلبك الله ، فطوبى لمن لم تتعلَّق همّته بغير مولاه ، ولم يطلب طول عمره ~~إلَّا إيّاه . # قال رضي الله عنه : ( وأمّا هذه الكلمة العيسوية لمّا قام لها الحق في مقام « حتى ~~نعلم ويعلم » استفهمها عمّا نسب إليها هل هو حق أم لا ؟ مع علمه الأوّل بهل وقع ذلك ~~الأمر أم لا ؟ # فقال له : " أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ من دُونِ ~~الله " فلا بدّ من الأدب في الجواب للمستفهم ، لأنّه لمّا تجلَّى له في هذا المقام ~~وبهذه الصورة ، اقتضت الحكمة الجواب في التفرقة بعين الجمع ، فقال - وقدّم التنزيه ~~- : « سُبْحانَكَ » فحدّد بالكاف الذي يقتضي المواجهة والخطاب ) . # يعني : لمّا تجلَّى الحق لتحقيق العلم المطلق في التعيّن المقيّد - مع أنّ ~~الحقيقة تقتضي الوحدة - فقام بعيسى مقام المخاطبة وثنّى وانفرد ، وكلّ منهما ~~بتعيّنه الاختبار بأنّه هل يعلم مع علمه عمّا يستفهمه ، وهذا معنى قيام الحق له في ~~مقام « حَتَّى نَعْلَمَ » من حيث تعيّننا في مادّة هذا التجلَّى والمادّة العيسوية ~~. # وحتى يعلم هو من كونه هو ، لا من كونه نحن ، فحدّد عيسى بكونه عبدا مخاطبا ، فقال ~~: " أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ من دُونِ الله " ~~فاقتضت الحكمة العيسوية أن يثبت للتجلَّي بحسبه ، فأفرد الحق أيضا كذلك وحدّده ~~بالكاف في " سُبْحانَكَ " كما أفرده الحق وحدّده في " قُلْتَ " وأجابه في التفرقة ~~بعين الجمع كما خاطبه الحق . # قال : « " ما يَكُونُ لِي " من حيث أنا لنفسي دونك " أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي ~~بِحَقٍّ " . # يعني : من حيث الامتياز والانفراد دونك من حيث التعين ما ليس لي بحق أن أقول مثل ~~هذا ، فليس حقّا للمتعيّن المتقيّد أن يدعو إلى نفسه مطلقا من دون الله بالعبادة . # ثمّ قال رضي الله عنه : ( أي ما تقتضيه هويّتي ولا ذاتي ذلك " إِنْ كُنْتُ ~~قُلْتُه ُ فَقَدْ عَلِمْتَه ُ " لأنّك أنت القائل ، ومن قال أمرا ، فقد علم ما قال ~~، وأنت اللسان الذي أتكلَّم به ، كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربّه ~~في الخبر الإلهي . فقال : « كنت لسانه الذي يتكلَّم به » فجعل هويته عين لسان ~~المتكلَّم ونسب الكلام إلى عبده . ثم تمّم العبد الصالح الجواب بقوله : " تَعْلَمُ ~~ما في نَفْسِي " والمتكلَّم الحق ، ولا أعلم ما فيها من كونها أنت ، فنفى العلم عن ~~هوية عيسى من حيث هويته لا من حيث إنّه قائل وذو أثر ) . # يعني : أنّ القائل والمتكلَّم حق ، لما قدّم أنّ الحق عين لسانه . # قال : (" إِنَّكَ أَنْتَ " فجاء بالفصل والعماد ،تأكيدا للبيان واعتمادا عليه أن ~~لا يعلم الغيب إلَّا الله) . # يعني : # أكَّد المخاطبة بالتفرقة في عين الجمع بالفصل والعماد ، وهو تحقّق الإفراد للحق ~~المطلق من حيث تعيّنه في إطلاقه وفصله عن تعيّنه الشخصي ونسبة العلم كلَّه إلى الله ~~في الإطلاق والتقييد والجمع والفرق ، فإنّه هو علَّام الغيوب . ### || قال رضي الله عنه : « وفرّق وجمع ووحّد وكثّر ووسّع وضيّق » . # يعني بالتفرقة إفراد المخاطب عن المخاطب ، وبالجمع أنّه جعل الله في المادّة ~~العيسوية وفي كل عالم من العالم وفي ذاته مطلقا ، وكثّر من حيث هذا الفرقان ، ووحّد ~~من حيث الجمع ، وضيّق ووسّع كذلك . # قال رضي الله عنه : « ثم قال متمّما للجواب : “ ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما ~~أَمَرْتَنِي به “ فنفى أوّلا مشيرا إلى أنّه ما هو ثمّ » # يعني في قوله : « ما قُلْتُ لَهُمْ » ) ثم أوجب القول أدبا مع المستفهم ( # يعني في قوله : « إِلَّا ما أَمَرْتَنِي به » . # قال رضي الله عنه : ) ولو لم يفعل كذلك ، لاتّصف بعدم علم الحقائق وحاشاه من ذلك ~~، فقال : « إِلَّا ما أَمَرْتَنِي به » وأنت المتكلَّم على لساني وأنت لساني ( . ### || قال رضي الله عنه : « فانظر إلى هذه التنبئة الروحية ما ألطفها وأدقّها ! » # يعني في قوله : « ما أَمَرْتَنِي » مع أنّه عينه ، فأفرد الحق بتاء الكناية عن ~~المخاطب ، وحدّد نفسه وميّزه من حيث مأموريته بياء كناية المتكلَّم « أَنِ ~~اعْبُدُوا الله » فجاء بالاسم « الله » لاختلاف العبّاد في العبادات واختلاف ~~الشرائع ، ولم يعيّن اسما خاصّا دون اسم ، بل جاء بالاسم الجامع للكلّ # ثم قال الشيخ رضي الله عنه : ( « رَبِّي وَرَبَّكُمْ » ومعلوم أنّ نسبته إلى ~~موجود ما بالربوبية ليست عين نسبته إلى موجود آخر . # فلذلك فصّل بقوله : « رَبِّي وَرَبَّكُمْ » بالكنايتين : كناية المتكلَّم وكناية ~~المخاطب . « إِلَّا ما أَمَرْتَنِي به » فأثبت نفسه مأمورا وليست سوى عبوديته ، إذ ~~لا يؤمر إلَّا من يتصوّر منه الامتثال وإن لم يفعل ، ولمّا كان الأمر ينزل بحكم ~~المراتب ، لذلك ينصبغ كلّ من ظهر في مرتبة ما بما تعطيه حقيقة تلك المرتبة ، فمرتبة ~~المأمور ، لها حكم يظهر في كل مأمور ، ومرتبة الآمر ، لها حكم يبدو في كل آمر ، ~~فيقول الحق : “ أَقِيمُوا الصَّلاةَ “ فهو الآمر ، والمكلَّف المأمور . # ويقول العبد “ اغْفِرْ لِي “ فهو الآمر ، والحق المأمور ، فما يطلبه الحق من ~~العبد بأمره هو بعينه ما يطلبه العبد من الحق بأمره » يعني الإجابة « ولهذا كان كلّ ~~دعاء مجابا ولا بدّ وإن تأخّر ، كما تتأخّر بعض المكلَّفين ممّن أقيم مخاطبا بإقامة ~~الصلاة ، فلا يصلَّي في وقت فيؤخّر الامتثال ويصلَّي في وقت آخر إن كان متمكَّنا من ~~ذلك ، ولا بدّ من الإجابة ولو بالقصد . ### || (ثم قال : “ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ “ ولم يقل : على نفسي معهم . # كما قال : “ رَبِّي وَرَبَّكُمْ “ ، " شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ " لأن الأنبياء ~~شهداء على أممهم ما داموا فيهم . " فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي " أي رفعتني إليك ~~وحجبتهم عنّى وحجبتني عنهم. # " كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ " في غير مادّتي بل في موادّهم ، إذ كنت ~~بصرهم الذي يقتضي المراقبة ، فشهود الإنسان نفسه شهود الحق إيّاه ، وجعله باسم « ~~الرقيب ») لأنّه جعل الشهود له # يعني : بعين شهودهم أنفسهم بالحق ، فأراد أن يفصل بينه وبين ربّه حتى يعلم أنّه ~~هو ، لكونه عبدا في الواقع وأنّ الحق هو الحق ،لكونه ربّا له ، فجاء لنفسه بأنّه ~~شهيد وفي الحق بأنّه رقيب . # يعني : لأنّ الشهيد يكون بالنسبة إلى وقت دون وقت وبالنسبة إلى مشهود دون مشهود ، ~~والرقيب يقتضي دوام الرقبى إلَّا إذا أضيف إلى الحق الدائم الوجود ، فيقتضي دوام ~~الشهود ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( وقدّم « هم » في حق نفسه ، فقال : " عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما ~~دُمْتُ فِيهِمْ " إيثارا لهم في التقدّم وأدبا ) . # يعني # : إيثار التربية والرقيب بلا وساطة كله لأمرهم إلى ربّهم وربّه وأدبا مع ربّهم . # قال رضي الله عنه : ( وأخّر « هم » في جانب الحق عن الحق في قوله : " الرَّقِيبَ ~~عَلَيْهِمْ " لما يستحقّه الربّ من التقدّم في الرتبة . ### || وأعلم أنّ للحق الرقيب الاسم الذي جعله عيسى لنفسه وهو « الشهيد » في قوله : # " عَلَيْهِمْ شَهِيداً " فقال "َأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ " فجاء بـ « ~~كلّ » للعموم وبـ « شيء » لكونه أنكر النكرات . # وجاء بالاسم الشهيد فهو الشهيد على كل مشهود بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك المشهود ، ~~فنبّه على أنّه - تعالى - هو الشهيد على قوم عيسى حين قال : " وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ ~~شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ " فهي شهادة الحق في مادّة عيسوية ، لما ثبت أنّه لسانه ~~وسمعه وبصره . # ثم قال كلمة عيسويّة ومحمدية ، أمّا كونها عيسويّة فإنّها قول عيسى بإخبار الله ~~في كتابه . وأمّا كونها محمدية فلموقعها من محمّد صلى الله عليه وسلم بالمكان الذي ~~وقعت منه ، فقام بها ليلا كاملا يردّدها لم يعدل إلى غيرها ، حتى طلع الفجر " إِنْ ~~تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ ~~الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " و « هم » ضمير الغائب كما أنّ « هو » ضمير الغائب # كما قال : " هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا " بضمير الغائب ، فكان الغيب سترا لهم عمّا ~~يراد بالمشهود الحاضر ، فقال : " إِنْ تُعَذِّبْهُمْ " بضمير الغائب ،وهو عين ~~الحجاب الذي هم فيه عن الحق ). # يعني : حجاب تعيّن عيسى وحجابيّتهم ، فإنّهم إنّما حجبوا بالصورة الشخصية ~~التعيّنية وحصروا الحق فيه ، فكفروا أي ستروا وغابوا عن الحق المتعيّن فيه وفيهم ~~وفي الكلّ من غير حصر ، وذلك الحجاب الستر كان غيبا لهم . # « فذكَّرهم الله قبل حضورهم » يعني الحق المتجلَّي في الفرقان يوم الجمع والفصل ، # قال رضي الله عنه : ( حتى إذا حضروا تكون الخميرة قد تحكَّمت في العجين ) # يعني : من حيث أحدية جمع العين « فصيّرته مثلها . # قال رضي الله عنه : ( فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ " فأفرد الخطاب ، للتوحيد الذي كانوا ~~عليه ) # من حيث العين في الحقيقة وإن كانوا مشركين في زعمهم ومعتقدهم وغيرهم من أهل ~~الاعتقاد والتقليد . # قال رضي الله عنه : ( ولا ذلَّة أعظم من ذلَّة العبيد ، لأنّهم لا تصرّف لهم في ~~أنفسهم ، فهم بحكم ما يريد بهم سيّدهم ، ولا شريك له فيهم ، فإنّه قال : " عِبادُكَ ~~" فأفرد ، والمراد بالعذاب إذ لا لهم ، ولا أذلّ منهم ، لكونهم عبادا ، فذواتهم ~~تقتضي أنّهم أذلَّاء فلا تذلَّهم ، فإنّك لا تذلَّهم بأدون ما هم فيه من كونهم ~~عبيدا " وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ " أي تسترهم عن إيقاع العذاب الذي يستحقّونه ~~بمخالفتهم أي تجعل لهم غفرا يسترهم عن ذلك ويمنعهم عنه ، " فَإِنَّكَ أَنْتَ ~~الْعَزِيزُ ، أي المنيع الحمى ) . # يعني رضي الله عنه : لا يصلون إليك من حيث إنّك ربّ الكلّ على ما يقتضي من حيث ~~ذاتك في نفسك ، فربوبيتك بالنسبة إلى عبدانيتهم بحسبهم وبحسبها ، وعبدانيتهم مقيّدة ~~جزئيّة ، لكونهم كذلك ، فأنّى لهم عبادتك الحقيقية الكلَّية التي تستحقّها لنفسك ؟ # وكيف اتّصالهم بربّ الكلّ وإله العالمين - تبارك وتعالى - وهو العزيز الحكيم ؟ ! # قال رضي الله عنه : ( وهذا الاسم إذا أعطاه الحق لمن أعطاه من عباده يسمّى الحق ب ~~« المعزّ » والمعطى له هذا الاسم بـ « العزيز » فيكون منيع الحمى عمّا يريد به « ~~المنتقم » و « المعذّب » من الانتقام والعذاب . وجاء بالفصل والعماد أيضا تأكيدا ~~للبيان ولتكون الآية على مساق واحد في قوله : " إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ~~" وقوله : " كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ " فجاء أيضا بـ " فَإِنَّكَ ~~أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " فكان سؤالا من النبيّ عليه السّلام وإلحاحا منه على ~~ربّه في المسألة ليلته الكاملة إلى طلوع الفجر يردّدها طلبا للإجابة ، فلو سمع ~~الإجابة في أوّل سؤاله ، ما كرّر ، وكان الحق يعرض عليه فصول ما استوجبوا به العذاب ~~عرضا مفصّلا ، فيقول له في كل عرض عرض ، وعين عين : " إِنْ تُعَذِّبْهُمْ ~~فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ ~~الْحَكِيمُ " فلو رأى في ذلك العرض ما يوجب تقديم الحق وإيثار جنابه ،لدعاء عليهم ~~لا لهم ، فما عرض عليه إلَّا ما استحقّوا به ما تعطيه هذه الآية من التسليم لله ). # يعني : ممّا تعطيه هذه الآية من تفويض أمرهم إليه تعالى . # قال رضي الله عنه : ( من التسليم لله والتعريض لعفوه . وقد ورد أنّ الحق إذا أحبّ ~~صوت عبده في دعائه إيّاه ، أخّر الإجابة عنه ، حتى يتكرّر ذلك منه ، حبّا فيه لا ~~إعراضا عنه ، ولذلك جاء بالاسم « الحكيم » ، والحكيم هو الذي يضع الأشياء مواضعها ~~ولا يعدل بها عن الذي تقتضيه وتطلبه حقائقها بصفاتها ، فالحكيم هو العليم بالترتيب ~~، فكان صلى الله عليه وسلَّم بترداد هذه الآية على علم عظيم عن الله ، فمن تلا ~~فهكذا يتلو » يعني : فليتل « وإلَّا فالسكوت أولى به . وإذا وفّق الله العبد إلى ~~نطق بأمر ما ، فما وفّقه إليه ) . # يعني « عليه » فإنّ حروف الجرّ يبدل بعضها عن بعض ، ولا سيّما « إلى » و « على » ~~كما قال الله - تعالى - : " أُنْزِلَ إِلَيْكَ " و " أَنْزَلَ عَلَيْكَ " في مواضع ~~. # قال رضي الله عنه : ( فما وفّقه إليه إلَّا وقد أراد إجابته فيه وقضاء حاجته ، ~~فلا يستبطئ أحد ما يتضمّنه ما وفّق له ، وليثابر مثابرة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على هذه الآية في جميع أحواله ، حتى يسمع بأذنه أو بسمعه ، كيف شئت أو كيف ~~أسمعك الله الإجابة ، فإن جازاك بسؤال اللسان أسمعك بأذنك ، وإن جازاك بالمعنى ~~أسمعك بسمعك ). # قال العبد : لم أجد مزيدا على ما فسّر الشيخ هذه الآية في المناجاة المحمدية ~~العيسوية ، فقد وفّى حقّ تفسيرها ، وحرّر بحسن تخبيره تقريرها . # . # %~% ### | فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية ### | 16 - فصّ حكمة رحمانية في كلمة سليمانية . شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على ~~متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قال العبد : لمّا كانت الحكمة الرحمانية توجب ظهور الوجود العامّ على أكمل وجوهها ~~في أكمل المظاهر الإلهية الرحمانية من الأشخاص الإنسانية بحيث يظهر فيه جميع أصناف ~~الرحمة والإلهيات الظاهرة على العموم من كمال التصرّف والسلطان والملك والنبوّة ~~والولاية على ما هي ظاهرة في جميع العالم مفصّلا مفرّقا في أشخاصه . # " أسندت حكمته إلى الرحمن لكمال ظهور أسرار الرحمة العامّة والخاصّة فيه صلَّى ~~الله عليه وسلَّم على الوجه الأعمّ الأشمل وبالسرّ الأتّم الأكمل ، وجعل الله سعته ~~في أمره وحكمه على أكثر المخلوقات ، وسخّر له العالم جميعا كما وسعت رحمة الرحمن ~~جميع الموجودات ، فافهم ." # وكانت الكلمة السليمانية بهذه المثابة على التعيين فإنّه كان نبيّا وليّا عبدا ~~كاملا . # ووهبه الله التسخير الكلَّيّ التامّ والسلطان والحكم والتصرّف العامّ في جميع ~~أجناس العالم وأنواعه وأصنافه من الملائكة والجنّ والإنس والطير والسباع وسائر ~~الحيوان والنبات والمعادن ، على أكمل وجوهها وأفضلها وأتمّها وأعمّها . # فصلحت إضافة هذه الحكمة الرحمانية إليه عليه السّلام. # قال الشيخ رضي الله عنه : (إِنَّه ُ) يعني الكتاب (من سُلَيْمانَ وَإِنَّه ُ) أي ~~مضمونه (بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) . # فأخذ بعض الناس في تقديم اسم سليمان على اسم الله ولم يكن كذلك ، # وتكلَّموا في ذلك بما لا ينبغي ممّا لا يليق بمعرفة سليمان عليه السّلام بربّه . # وكيف .يليق ما قالوه وبلقيس تقول فيه : ( إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ ~~) أي يكرم عليها ؟ ! » . # قال العبد : تأدّب رضي الله عنه مع الحق الذي في أعيان الطاعنين في سليمان ~~وتخطئتهم بعدم تعيينه أسماءهم . # فقال : « أخذ بعض الناس ، وتكلَّموا بما لا يليق » إعراضا عن التعرّض لتخطئتهم ~~والتعريض بهم ، وإنّما ساق مقتضى التحقيق في هذا المقام السليمانيّ وأمّا خطؤهم في ~~تخطئة سليمان فصريح. # فإنّ واضح التفسير أنّ بلقيس هي التي قالت لقومها عندما ألقى إليها الهدهد كتاب ~~سليمان وأرتهم الكتاب : # ( إِنَّه ُ من سُلَيْمانَ ) فهذا قولها ، ليس في طيّ الكتاب « إِنَّه ُ» يعني ~~مضمون الكتاب ( بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ ~~وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) والدليل على ذلك من ظاهر اللفظ قولها : ( يا أَيُّهَا ~~الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ ) . # وقولها : « إِنَّه ُ » أي الكتاب ، يعود الضمير إلى المذكور ، وعلى ما قالوا ليس ~~للضمير مذكور يعود إليه . # وإنّما قالت ذلك بيانا لمرسل الكتاب ، ثمّ تصدّت لبيان مضمون الكتاب بقوله : ( ~~وَإِنَّه ُ بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . # وأنّه طلب الطاعة والانقياد لحكمه ، فما بقي بعد ذلك احتمال لكون الكتاب مكتوبا ~~فيه ، كما قالوا ، وهذا ظاهر . # قال الشيخ رضي الله عنه : « وإنّما حملهم على ذلك ربما تمزيق كسرى كتاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلَّم و ما مزّقه حتى قرأه كلَّه وعرف مضمونه . # فكذلك كانت تفعل بلقيس لو لم توفّق لما وفّقت له ، فلم يكن يحمي الكتاب عن ~~الإخراق لحرمة صاحبه تقديم اسم سليمان عليه السّلام على اسم الله ولا تأخيره عنه » ~~. # قال العبد : وإنّه رضي الله عنه وإن أقام عذرهم ، فإنّ قوله : « ربما حملهم على ~~ذلك » إشارة إلى أنّهم علَّلوا فيما ذكروا تمزيق كتاب رسول الله . # ثمّ بيّن أنّ هذا التعليل أيضا غير صحيح ، لكون كسرى إنّما مزّق الكتاب ، لكون ~~مضمونه دعوته إلى خلاف دينه ومعتقده ، لا لأنّ اسم الله مقدّم على اسمه . # وتقديم اسم رسول الله على اسمه كان جزءا لعلَّة التمزيق ، فمزّقه الله كلّ ممزّق ~~. # فوفّق الله بلقيس ، فقرأت الكتاب وآمنت باطنا ، فذكرت لقومها أنّها ألقي إليّ ~~كتاب كريم ، أرسله إليها سلطان عظيم . # فلو لم توفّق لما وفّقت ، لمزّقت ، سواء كان اسم سليمان مقدّما على اسم الله أو ~~لم يكن ، فليس تقديم اسمه ولا تأخيره بمانع عن التمزيق والإحراق ، كما زعموا . # قال رضي الله عنه : « فأتى سليمان بالرحمتين » يعني : في مضمون كتابه أوّلا في ~~البسملة « رحمة الوجوب ورحمة الامتنان اللتين هما الرحمن الرحيم » . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ الرحمتين عين الاسمين في حق الحق ، لأحدية الاسم ~~والمسمّى في ذاته . # واعلم : أنّ الرحمن كما ذكرنا عبارة عن الحق من كونه عين الوجود العامّ بين ~~العالمين ، # فعمّ بهذه الرحمة جميع الأسماء والحقائق ، فهي رحمة الامتنان على كل موجود لم يكن ~~لعينه موجودا ، فأوجده الله بهذه الرحمة . # ولفظ الرحمن في وزانه يقتضي العموم ، ولمّا عمّت رحمته الكلّ اقتضت أن يخصّ ~~بعمومها كلّ عين عين من الأعيان بخصوصية ذاتية . # لذلك التعيّن فيرحمها برحمة يصلح لها ويصلحها ، فالرحيم فيه مبالغة لتعميم ~~التخصيص ، وللرحمن من الرحيم تخصيص التعميم ، وللرحيم من الرحمن تخصيص التعميم ، ~~وللرحيم من الرحمن تعميم التخصيص ، فكلّ منهما إذن في كلّ منهما . # قال رضي الله عنه : « فامتنّ بالرحمن وأوجب بالرحيم ، وهذا الوجوب من الامتنان ، ~~فدخل الرحيم في الرحمن دخول تضمّن ، فإنّه كتب على نفسه الرحمة ، سبحانه ليكون ذلك ~~للعبد بما ذكره الحق من الأعمال يأتي بها هذا العبد حقا على الله أوجبه له على نفسه ~~يستحقّ بها هذه الرحمة أعني رحمة الوجوب » . # يشير إلى قوله : ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) فامتنّ على الكلّ بتعميم ~~الرحمة ثمّ أوجبها بقوله تعالى : ( فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) . # وقوله : « سبقت رحمتي غضبي » امتنان على الكلّ أيضا بإيجاب الرحمة ، فافهم ، ~~فإنّه ذوق نادر غريب ، هذا معنى قوله : « فدخل الرحيم في الرحمن » . # وقوله : « فإنّه ( كَتَبَ عَلى نَفْسِه ِ الرَّحْمَةَ ) » يعني الرحمة التي سبقت ~~غضبه . # وقوله : « ليكون للعبيد » أي أجاب الرحمة بالكتابة على نفسه حقا عليه ، « ~~استحقّوها بها » أي بالأعمال بإيجابه لهم هذه الرحمة . # قال رضي الله عنه : « ومن كان من العبيد بهذه المثابة ، فإنّه يعلم من هو العامل ~~به ؟ » . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ رحمة الوجوب هي التي استحقّها المتّقون بتقواهم ~~وأعمالهم الصالحة ، فإنّها رحمة خاصّة من الرحيم بهذه الأعمال المستدعية لمجازاة ~~الله بما يناسبها ، ثمّ أشار إلى من يكون له هذه التقوى والرحمة الخاصّة ، فإنّه ~~يكون عالما بأنّ الله هو العامل به جميع أعماله المقتضية لهذه الرحمة ، فإنّ هذا ~~العلم أعلى مراتب هذه الرحمة للمتّقي . # قال رضي الله عنه : « والعمل مقسّم على ثمانية أعضاء من الإنسان ، وقد أخبر الحق ~~- تعالى - أنّه هويّة كل عضو منها ، فلم يكن العامل غير الحق والصورة للعبد ، ~~والهوية مدرجة فيه أي في اسمه لا غير » . # يعني : أنّ هويّة العبد هو الله . # قال رضي الله عنه : « لأنّه تعالى عين ما ظهر ، وسمّي خلقا ، وبه كان الاسم « ~~الظاهر » و « الآخر » للعبد ، وبكونه لم يكن ثم كان » . # يعني : من حيث إنّ هذا العبد لم يكن ثمّ كان تحقّقت الآخرية ، فهو الآخر وفي ~~مادّته تسمّى الله بالآخر « وبتوقّف ظهوره عليه وصدور العمل منه كان الاسم الباطن ~~والأوّل » . # يعني رضي الله عنه : بتوقّف وجود العبد على الله الموجد له تحقّقت الأوّلية له ~~تعالى ومن حيث إنّ الأعمال صادرة ظاهرا من العبد تحقّق للحق اسم « الباطن » من غيب ~~هوية العبد . . . فإنّ الحق هو العامل به وفيه . # قال رضي الله عنه : « فإذا رأيت الخلق رأيت الأوّل والآخر والظاهر والباطن ، وهذه ~~معرفة لا يغيب عنها سليمان عليه السّلام بل هي من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده ~~» . # يعني الظهور به في عالم الشهادة يشير إلى أنّ سليمان كان عارفا بأنّ الله هو ~~العامل بسليمان وغيره ما يصدر عنه من الأعمال والتصرّفات والتسخيرات ، ولو لم يشهد ~~أنّ الله عينه وجميع قواه وجوارحه ، لما يأتي له هذا السلطان والحكم الكلَّي والأمر ~~الفعلي . # قال رضي الله عنه : « فقد أوتي محمّد صلى الله عليه وسلَّم ما أوتي سليمان عليه ~~السّلام وما ظهر به ، فمكَّنه الله - تعالى - تمكين قهر من العفريت الذي جاءه ~~بالليل ليفتك به ، فهم بأخذه وربطه بسارية من سواري المسجد ، حتى يصبح ، فيلعب به ~~ولدان المدينة ، فذكر دعوة سليمان عليه السّلام فردّه الله خاسئا ، فلم يظهر عليه ~~السّلام بما أقدره الله عليه ، فظهر بذلك سليمان . ثم قوله : « مُلْكاً » فلم يعمّ ~~، فعلمنا أنّه يريد ملكا ما ، ورأيناه قد شورك في كل جزء من الملك الذي أعطاه الله ~~، فعلمنا أنّه ما اختصّ إلَّا بالمجموع من ذلك ، وبحديث العفريت أنّه ما اختصّ ~~إلَّا بالظهور ، وقد يختصّ بالمجموع والظهور ، ولو لم يقل صلى الله عليه وسلم في ~~حديث العفريت : « فأمكنني الله منه » لقلنا : إنّه لمّا همّ بأخذه ، ذكَّره الله ~~دعوة سليمان عليه السّلام فعلم أنّه لا يقدره الله على أخذه ، فردّه الله خاسئا ، ~~فلمّا قال : « فأمكنني الله منه » علمنا أنّه قد وهبه الله التصرّف فيه ، ثم إنّ ~~الله ذكَّره فتذكَّر دعوة سليمان عليه السّلام فتأدّب معه ، فعلمنا من هذا أنّ الذي ~~لا ينبغي لأحد من الخلق بعد سليمان الظهور بذلك في العموم » . # قال العبد : كل هذا مشروح لا مزيد عليه . # ثمّ قال رضي الله عنه : « وليس غرضنا من هذه المسألة إلَّا الكلام والتنبيه على ~~الرحمتين اللتين ذكرهما سليمان عليه السّلام في الاسمين اللذين تفسيرهما بلسان ~~العرب « الرحمن » « الرحيم » فقيّد رحمة الوجوب وأطلق رحمة الامتنان # في قوله : ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) حتى الأسماء الإلهية ، أعني ~~حقائق النسب » . # يعني رضي الله عنه : من حيث إحدى دلالتها - التي يقتضي امتياز كل اسم بخصوصه - لا ~~الأخرى التي هي الدلالة على الذات عينها والذات عينه ، فلا يطلق عليها أنّها مرحومة ~~، فالمرحومة الداخلة تحت « كل شيء » هي حقائق النسب وهي على وجهين : # أحدهما : كالوجود والحياة والعلم والقدرة وسائر النسب التي لا تحقّق لها في ~~أعيانها إلَّا بالله ، والرحمة الذاتية . # والثاني : ما ينسب إلى الحق من حيث هذه النسب ، كالعالمية والقادرية والخالقية ~~والرازقية ، فإنّها نسب لهذه النسب المذكورة أوّلا إلى المسمّى الواحد الأحد وهو ~~الله سبحانه ، فهي التي وسعتها رحمة الامتنان مع العالمين . # قال رضي الله عنه : « فامتنّ عليها بنا ، فنحن نتيجة رحمة الامتنان بالأسماء ~~الإلهية والنسب الربانية » . # يعني الكمّل من نوع الإنسان ، فإنّ آدم وبنيه هم الذين أكرمهم الله تعالى ~~واصطفاهم بتعليمه الأسماء لنا منّا ، فتذكَّر . # ثم قال رضي الله عنه : « ثم أوجبها على نفسه بظهورنا لنا ، وأعلمنا أنّه هويّتنا ~~ليعلم أنّه ما أوجبها على نفسه إلَّا لنفسه ، فما خرجت الرحمة منه ، فعلى من امتنّ ~~وما ثمّ إلَّا هو ؟ # إلَّا أنّه لا بدّ من حكم لسان التفصيل لما ظهر من تفاضل الخلق في العلوم ، حتى ~~يقال إنّ هذا أعلم من هذا مع أحدية العين ، ومعناه معنى نقص تعلَّق الإرادة عن ~~تعلَّق العلم ، فهذه مفاضلة في الصفات الإلهية وكمال تعلَّق الإرادة وفضلها أو ~~زيادتها على تعلَّق القدرة ، وكذا السمع الإلهي والبصر وجميع الأسماء الإلهية على ~~درجات في تفاضل بعضها على بعض ، كذلك تفاضل ما ظهر في الخلق من أن يقال : هذا أعلم ~~من هذا مع أحدية العين ، وكما أنّ كل اسم إلهي إذا قدّمته سمّيته بجميع الأسماء ~~ونعتّه بها ، كذلك فيما ظهر من الخلق فيه أهلية كلّ ما فوضل به فكل جزء من العالم ~~مجموع العالم ، أي هو قابل لحقائق متفرّقات العالم كلَّه ، فلا يقدح قولنا : « إنّ ~~زيدا دون عمرو في العلم » أن تكون هوية الحق عين زيد وعمرو ، ويكون في عمرو أكمل ~~وأعلم منه في زيد ، كما تفاضلت الأسماء الإلهية وليست غير الحق ، فهو تعالى من حيث ~~هو عالم أعمّ في التعلَّق من حيث هو مريد وقادر ، وهو هو ليس غيره ، فلا تعلَّمه يا ~~وليّي هنا وتجهله هنا ، وتثبته هنا وتنفيه هنا إلَّا أن تثبته بالوجه الذي أثبت ~~نفسه ونفيته عن كذا بالوجه الذي نفى نفسه ، كالآية الجامعة للنفي والإثبات في حقه ~~حين # قال : ( لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) فأثبت بصفة ~~تعمّ كلّ سامع وبصير من حيوان وما ثمّ إلَّا حيوان إلَّا أنّه بطن في الدنيا عن ~~إدراك بعض الناس ، وظهر في الآخرة لكل الناس » . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ الحياة للحيوان وفيه عرفا عامّا ، وهي سارية في ~~الحيوان والجماد والنبات وغيرهم عرفا خاصّا بالمحقّقين ، فإنّ الله كشف عن وجه هذا ~~السرّ لهم ، وحجب عنه البعض وهم عامّة أهل الحجاب وقد مرّ مرارا فتذكَّر ، فإذا ~~ارتفع الحجاب - وهو عقلك القابل - وكشف الغطاء - وهو وهمك الحائل - عمّت المعرفة ، ~~فعرفته وعرفه كل أحد كذلك . # قال رضي الله عنه : « فإنّها الدار الحيوان » يعني الآخرة ، وأنّ كلّ من فيها ~~حيوان حقيقة مبالغة « وكذلك الدنيا إلَّا أنّ حياتها مستورة عن بعض العباد ، ليظهر ~~الاختصاص والمفاضلة بين عباد الله وما يدركونه من حقائق العالم ، فمن عمّ إدراكه ~~كان الحق فيه أظهر في الحكم ممّن ليس له ذلك العموم ، # فلا تحجب بالتفاضل وتقول : لا يصحّ كلام من يقول : إنّ الخلق هوية الحق ، بعد ما ~~أريتك التفاضل في الأسماء الإلهية التي لا تشكّ أنت أنّها هي الحق ومدلولها المسمّى ~~بها وليس إلَّا الله ، ثم إنّه كيف يقدّم سليمان اسمه على اسم الله - كما زعموا - ~~وهو من جملة من أوجدته الرحمة ؟! # فلا بدّ أن يتقدّم الرحمن الرحيم » أي على اسم سليمان « ليصحّ استناد المرحوم ، ~~هذا عكس الحقائق : ### || تقديم من يستحقّ التأخير وتأخير من يستحقّ التقديم في الموضع الذي يستحقّه » ~~. # يشير رضي الله عنه إلى حقيقة التفاضل بين الأسماء ، كتفاضل الرحمن على الرحيم ، ~~فمع أنّ سليمان اسم إلهي في نفسه على مقتضى التحقيق ، ولكن بالنسبة إلى الله ~~المتعيّن بذاته في ألوهيته متقيّد عن كل تقدير بخصوصية مادّة سليمانية ، وسليمان ~~عارف بذلك . # فلا يقدّم المقيّد على المطلق ، كما لا يتقدّم الرحيم على الرحمن ، إذ الرحمن - ~~الموجد لسليمان والمظهر عموم حكم سلطانه على العالم - يستحقّ التقديم بالذات على من ~~أوجده ممّن سليمان واحد منهم ولا سيّما في أوّل الكتاب أو صدره ، فهذا لا يليق ~~بكمال سليمان عليه السّلام وعلمه ومعرفته ، حاشاه عن ذلك . # قال رضي الله عنه : « ومن حكمة بلقيس وعلوّ علمها - كونها لم تذكر من ألقى إليها ~~الكتاب ، وما عملت ذلك إلَّا لتعلم أصحابها أنّ لها اتّصالا إلى أمور لا يعلمون ~~طريقها ، وهذا من التدبير الإلهي في الملك ، لأنّه إذا جهل طريق الإخبار الواصل ~~للملك ، خاف أهل الدولة على أنفسهم في تصرّفاتهم ، فلا يتصرّفون إلَّا في أمر إذا ~~وصل إلى سلطانهم يأمنون غائلة ذلك التصرّف ، فلو تعيّن لهم على يدي من تصل الأخبار ~~إلى ملكهم ، لصانعوه وأعظموا له الرشى ، حتى يفعلوا ما يريدون ، ولا يصل ذلك إلى ~~ملكهم ، فكان قولها : ( أُلْقِيَ إِلَيَّ ) ولم تسمّ من ألقاه سياسة منها أورثت ~~الحذر منها في أهل مملكتها وخواصّ مدبّرها ، وبهذا استحقّت التقدّم عليهم » . # قال العبد : كلّ هذا مشروح لا يحتاج فيه إلى مزيد بيان . # قال رضي الله عنه : « وأمّا فضل العالم الإنسان على العالم من الجنّ بأسرار ~~التصرّف وخواصّ الأشياء فمعلوم بالقدر الزماني ، فإنّ رجوع الطرف إلى الناظر به ~~أسرع من قيام القائم من مجلسه ، لأنّ حركة البصر في الإدراك إلى ما يدركه أسرع من ~~حركة الجسم فيما يتحرّك منّا ، لأنّ الزمان الذي يتحرّك فيه البصر عين الزمان الذي ~~يتعلَّق بمبصره مع بعد المسافة بين الناظر والمنظور ، فإنّ زمان فتح البصر زمان ~~تعلَّقه بفلك الكواكب الثابتة ، وزمان رجوع طرفه إليه عن زمان عدم إدراكه ، والقيام ~~من مقام الإنسان ليس كذلك ، أي ليس له هذه السرعة ، فكان آصف بن برخيا ، أتمّ في ~~العمل من الجنّ ، وكان عين قول آصف بن برخيا عين الفعل في الزمان الواحد ، فرأى في ~~ذلك الزمان بعينه سليمان عليه السّلام عرش بلقيس مستقرّا عنده ، لئلَّا يتخيّل أنّه ~~يدركه وهو في مكانه من غير انتقال » . # قال العبد : يشير رضي الله عنه إلى أنّ وجود عرش بلقيس عند سليمان عليه السّلام ~~قبل ارتداد طرفه إليه ليس كما زعم الجمهور من أهل الظاهر وعلماء الرسوم من إتيان ~~آصف بعرش بلقيس من سبأ على ما كان موجودا ، ولم يره سليمان عليه السّلام في سبأ ~~كشفا واطَّلاعا ، بل كان تصرّفا عجيبا غريبا إلهيا بإعدام عرشها في سبأ في عين ~~إيجاده عند سليمان ، بمعنى أنّه سلب بتصرّفه العلمي الكامل الصورة العرشية عن وجوده ~~المتعيّن فيها بسبإ ، وخلع عنه تلك الهيئة ، وخلعها عليه عند سليمان في عين ذلك ~~الزمان . # فزمان قول آصف : ( أَنَا آتِيكَ به قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) ~~كان عين زمان انعدام عرش بلقيس في سبأ وإيجاده عند سليمان عليه السّلام وذلك من عين ~~التصرّف الكلَّي الذي أعطاه الله - تعالى - كرامة لسليمان عليه السّلام وهذا ~~التصرّف أعلى تصرّف أقدر الله من شاء من عباده عليه ، وهو من حيث العلم الكامل ~~بالخلق الجديد ، كما عرفت فيما أسلفنا لك . # إنّ صور العالم كلَّها هيئات وأشكال ونقوش ظهرت في مرآة الوجود الحقّ أو تعيّنات ~~الوجود الحق في صور حقائق العالم ، وأعيانها الثابتة في العلم القديم - التي كانت ~~معدومة من حيث هي هي - لها حقائق الأعيان ، # فالقابل من الوجود الحق لصورة عين من الأعيان على الوجه الأوجه الأوّل الأولى أو ~~المتعيّن منه في عين من الأعيان ، والظاهر بها وفيها ، والمظهرة المعيّنة هي له على ~~الوجه الثاني في ذوق أهل المعاني والمغاني إنّما يتلبّس بصورتها عند انسحابه أو ~~ملابسته أو محاذاته لتلك العين ، وباتّصال الفيض الوجودي الذي يعقب ذلك الفيض ~~الأوّل ينخلع الأوّل عن تلك الصورة إلى غيرها من الصور الأخر التي لتلك العين في ~~غير ذلك الموطن والحضرة ، # حتى يظهر ذلك الوجود بصورة ذلك التعيّن في جميع مراتب الوجود ومواطنه ، ويتلبّس ~~الوجود المتعيّن ثانيا العاقب للأولى بتلك الصورة عند انسحابه عليها أو محاذاته لها ~~كذلك ، # وكذلك الأمر دائما أبدا لا إلى نهاية أو غاية . كما كان لا عن بداية كالماء ~~الجاري في نهر ( وَلَه ُ الْمَثَلُ الأَعْلى ) إذا حاذى موضعا من النهر ، # فإنّ الماء يتشكَّل بحسب ذلك الموضع ويجري عليه بحسبه ويظهر فيه بموجبه ، ولا ~~يثبت ولا يبقى بل يمرّ بالجريان ويعقبه الماء بالفيضان بقطرات أو أجزاء مائية غير ~~الأجزاء والقطرات الأولى ، وهذا لا ريب فيه عقلا وكشفا صحيحا ، # ولكنّ الحسّ يدرك الاتّصال في أحدية سطح الماء دائما ، لغلبة الوحدة الوجودية ~~الحقّة على الكثرة وجودا وعينا ، كغلبة الكثرة على الوجود علما وتعقّلا ، # فكذلك الفيض النفسي الرحماني ، والوجود الجودي الإحسانيّ دائم الجريان متوالي ~~الفيضان من الغيب والشهادة ، ثم منها إلى الغيب متواصل السريان في صور الحقائق ~~كدوام الذاتي بالاقتضاء الذاتي لا يتغيّر عنه أزلا وأبدا ، # ولا يزال عليه دائما أبد الآبدين ودهر الداهرين ما دامت ذات المفيض المتجلَّي ~~بالتجلَّي الذاتي وهي دائمة ، والذي اقتضته الذات الإلهية لذاتها فإنّها لا تزال ~~عليه فلا يزال ولا يزول ولا يحول أبد الآباد ومنتهى الآماد ، فالوجود الحق الجاري ~~والنفس الرحمانيّ الساري في حقائق الأشياء وأعيانها دائم أبدا وما ثمّ إلَّا وجود ~~واحد وتجلّ واحد لا ينتهي أبد الآبدين ، # ولكنّه دائم التعيّن متنوّع التجلَّي والتبيّن بحسب خصوصيات القوابل وبموجب ~~قابليات الأعيان والمظاهر ، كالماء ماء واحد وتعيّن القطرات والأجزاء المائيّة بحسب ~~المعيّنات ممّا يجري عليه بتقدير العلم وفرض العقل من حيث كل موضع معيّن معيّن له ~~بحسبه وموجبه ، فافهم # واعلم : أنّه أعلى الأذواق وأجلى المشاهد وأحلى المشارب ، جعلنا الله وإيّاك من ~~أهله بمنّه وفضله وطوله . # فلمّا كان آصف عليه السّلام عارفا بهذه الحقيقة إمّا كشفا أو إعلاما من الله بذلك ~~أو من كون الله أعطاه التصرّف في الوجود الكوني جمعا أو فرادى ، فاستمرّ تصرّفه على ~~ذلك كرامة له ولسليمان ولما أراد الله من كمال الظهور بكمال التصرّف الوجودي في ~~النوع الإنساني لتسخير الجنّ والإنس وغيرهما لمظهره الأكمل في ذلك العصر وهو سليمان ~~عليه السّلام ، # فتصرّف آصف بخلع الصورة العرشية من وجوده في سبأ ، وخلعها عليه في الحال عينه عند ~~سليمان في زمان واحد من غير ريث ولا تراخ ، إظهارا لكمال تصرّفه الذي آتاه الله . # وإنّما حملته على ذلك ، الغيرة على سليمان وله وللملك الذي آتاه الله من الجنّ ~~لئلَّا يتوهّموا أنّ تصرّفهم أعلى وأتمّ من تصرّف سليمان وآصف ، فأظهر لهم أنّ ~~الملك والتصرّف الذي أعطاهما ، أعني سليمان وآصف عليهم السّلام خارق لعادات الجنّ ~~وسحرتهم في تصرّفاتهم الخصيصة بهم من تقريب البعيد وبالإتيان بالأعمال الشاقّة ~~الخارجة عن قوّة البشر ، والخارقة لعادات أهل النظر بالفكر في المعتاد ، # وذلك بفضل روحانية في الجنّ وقوّة آتاهم الله من التصوّر والتشكَّل بأشكال مختلفة ~~للرائين من البشر ، فإنّ وجود صورهم من الهواء والنار على أنحاء مختلفة وضروب ~~متخالفة ومؤتلفة لا تتناهى شخصياتها وجزئيّاتها وإن انحصرت أمّهات أصنافهم . # وأممهم على أربع أمّهات ، فإنّ الغالب على نشآتهم إمّا الهواء أو النار أو هما ~~معا متساويين غير متساويين على الماء والتراب مطلقا ، والعنصران الثقيلان - وهما ~~الماء والأرض - مغلوبان في نشآت الجنّ على نحو غلبتهما على الهواء والنار في ~~المولَّدات المعهودة المشهودة الكثيفة الثقيلة مثل مغلوبية البرودة والرطوبة في ~~الفلفل وأمثاله ، # ومثل غلبة البرودة والرطوبة على الحرارة واليبوسة في لبّ الخيار - مثلا - وأمثاله ~~على درجات دقائق لا تكاد تنحصر ولا يحصيها إلَّا موجدها ، الله تعالى. # ثمّ مع مغلوبية هذين الأسطقسّين الثقيلين في نشآت الجنّ والشياطين ، فإمّا أن ~~يكون الغالب الجزء الهوائيّ على الجزء الناري أو بالعكس . # والأوّل : # الجنّ المؤمنون بالله والملائكة والكتب والرسل المتديّنون بالأديان والملل من ~~اليهود والنصارى والمجوس والمسلمين . # والثاني : # الشياطين والمردة والعفاريت والأبالسة الكفرة ، فهم نوعان وكل واحد من النوعين ~~بعد ذلك مع مغلوبية الثقيلين وأغلبية اللطيفين ، فإمّا أن يكون أحد الثقيلين غالبا ~~على الآخر كالماء مثلا أو الأرض . # فالصنف الغالب في نشأتهم الماء على الأرض ، مع مغلوبيتهما تحت اللطيفين ، على ~~أصناف : صنف أشخاصهم عمّار البحار ، وآخر في الأنهار ، وآخر أشخاصه في الآبار ، ~~وآخر أشخاصه في العيون . # والغالب عليهم الأرض على الماء في نشأتهم أيضا على أصناف كذلك ، # منهم : عمرة الدور والمساكن والنواويس والمقابر ، # ومنهم : عمرة الأودية ، # ومنهم : عمرة الجبال والشعاب والمعادن ، # ومنهم : عمرة البساتين والمواضع النزيهة والرياض ، # ومنهم : من يكونون في الفيافي والمهامه والمجاهل والمعالم والطرقات . # والغالب على الكلّ إمّا النار على باقي الأجزاء أو الهواء ، وقد ذكرنا من أحوال ~~نشآتهم وأخلاقهم وصورهم وأشكالهم ضوابط كلَّية فيما أسلفنا في هذا الكتاب ، فاذكر . # وأمّا قبائلهم وأساميهم وأفعالهم وصورهم فمذكورة مفصّلة في كتب علوم الروحانيات ~~والدعوات والاستنزالات والتسخيرات ، ما هذا الكتاب موضع ذكر ذلك ، والله الموفّق . # ولا يحصي على التفصيل أشخاصهم إلَّا الله تعالى . # وبموجب نشآتهم أعطاهم الله التصرّف بما ليس في قوّة البشر غير الكمّل والمتصرّفين ~~والروحانيين من صنف الإنسان الكامل ، ولكن ليس للجنّ هذا العلم وقوّة الهمّة من غير ~~توسّط حركة جسمانية إلَّا القول ، وكان قول آصف عليه السّلام حين فعله اختصاصا من ~~الله وإكراما من عين إكرامه لسليمان . # فلمّا رأت الجنّ هذا النوع من التصرّف آمنوا به وبسليمان إلَّا أفذاذا شذّوا ، ~~فقيّدهم وسجنهم سليمان وآصف . # والجنّ وأكابرهم وملوكهم وكبراؤهم إلى الآن منقادون مسخّرون للخواتيم السليمانية ~~والعزائم والأقسام الآصفية على أيدي أهل العلم الروحاني والله الموفّق الوهّاب يهب ~~من يشاء ما يشاء ، لا ربّ غيره ، عليه التكلان وهو المستعان . ### || قال رضي الله عنه : « ولم يكن عندنا باتّحاد الزمان انتقال » . # يعني : استقرار العرش عند سليمان لم يكن باتّحاد الزمان وانتقاله . # « وإنّما كان إعداما وإيجادا من حيث لا يشعر أحد بذلك إلَّا من عرفه وهو قوله ~~تعالى : "بَلْ هُمْ في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ " . ولا يمضي عليهم وقت لا يرون ~~فيه ما هم راؤون له ، إذا كان هذا كما ذكرناه ، فكان زمان عدمه أعني عدم العرش من ~~مكانه عين وجوده عند سليمان من تجديد الخلق مع الأنفاس ، ولا علم لأحد بهذا القدر ، ~~بل الإنسان لا يشعر من نفسه أنّه في كل نفس لا يكون ثم يكون » . # يعني : لاقتضائه من حيث إمكانه وعدميته من حيث إمكانه أن يرجع إلى عدمه الأصلي ، ~~ولاقتضاء اتّصال التجلَّيات لتكوينه بعد العدم في زمان واحد من غير بعدية ولا قبلية ~~زمانية توجب لبس الأمر عليهم ، بل عقلية معنوية . # قال رضي الله عنه : « ولا تقل : « ثمّ » يقتضي المهلة ، فليس ذلك بصحيح وإنّما « ~~ثمّ » يقتضي تقدّم الرتبة العليّة عند العرب في مواضع مخصوصة ، ### || كقول شاعر : « كهزّ الرّدينيّ ، ثم اضطرب » # وزمان الهزّ عين زمان اضطراب المهزوز بلا شكّ وقد جاء ب « ثمّ » ولا مهلة ، كذلك ~~تجديد الخلق مع الأنفاس ، زمان العدم زمان وجود المثل ، كتجديد الأعراض في دليل ~~الأشاعرة ، فإنّ مسألة حصول عرش بلقيس من أشكل المسائل إلَّا عند من عرف ما ذكرناه ~~آنفا في قصّته ، فلم يكن لآصف من الفضل في ذلك إلَّا حصول التجديد في مجلس سليمان ~~عليه السّلام » . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ الإيجاد - إمّا التعيّن الوجودي في صورة عرش بلقيس ، ~~أو في صورة مثلها ، أو ظهور الصورة في الوجود الحق - إنّما هو للحق ، وليس لآصف ~~إلَّا صورة التجديد والتجسيد في مجلس سليمان ، وتعيينه بالقصد منه ، وذلك أيضا للحق ~~من مادّة آصف ، ولكن لسان الإرشاد يقضي بما رسم . # قال رضي الله عنه : « فما قطع العرش مسافة ، ولا زويت له الأرض ، ولا خرقها ، لمن ~~فهم ما ذكرناه ، وكان ذلك على يدي بعض أصحاب سليمان ليكون أعظم لسليمان عليه ~~السّلام في نفوس حاضرين من بلقيس وأصحابها ، وسبب ذلك كون سليمان عليه السّلام هبة ~~الله - تعالى - لداود عليه السّلام من قوله : ( وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ ) ~~والهبة : عطاء الواهب بطريق الإنعام لا بطريق الجزاء الوفاق أو الاستحقاق ، فهو ~~النعمة السابغة والحجّة البالغة والضربة الدامغة » . # يعني سليمان عليه السّلام بالنسبة إلى داوود عليه السّلام فقد كملت الخلافة ~~الظاهرة في داوود ، وظهرت الملكية وجودها في سليمان عليه السّلام سائر الليالي ~~والأيّام . # قال رضي الله عنه : « وأمّا علمه فقوله : ( فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ) مع نقيض ~~الحكم » يعني مع منافاة حكمه لحكم داوود . # قال رضي الله عنه : ( وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً ) ، فكان علم داوود ~~علما مؤتى آتاه الله ، وعلم سليمان علم الله في المسألة ، إذا كان الحاكم بلا واسطة ~~، وكان سليمان ترجمان حقّ في مقعد صدق ، كما أنّ المجتهد المصيب بحكم الله الذي ~~يحكم به الله في المسألة ، لو تولَّاها بنفسه أو بما يوحي به لرسوله ، له أجران ، ~~والمخطئ لهذا الحكم المعيّن له أحد مع كونه علما وحكما ، فأعطيت هذه الأمّة ~~المحمدية رتبة سليمان في الحكم ورتبة داوود ، فما أفضلها من أمّة ! ولمّا رأت بلقيس ~~عرشها مع علمها ببعد المسافة واستحالة انتقاله في تلك المدّة عندها ، ( قالَتْ ~~كَأَنَّه ُ هُوَ ) وصدقت بما ذكرناه من تجديد الخلق بالأمثال ، وهو هو ، وصدق الأمر ~~، كما أنّك في زمان التجديد عين ما أنت في الزمان الماضي ، ثمّ إنّه من كمال علم ~~سليمان التنبيه الذي ذكره في الصرح ف ( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ) وكان صرحا ~~أملس ، لا أمت فيه ، من زجاج ( فَلَمَّا رَأَتْه ُ حَسِبَتْه ُ لُجَّةً ) أي ماء ( ~~وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها ) ، حتى لا يصيب الماء ثوبها ، فنبّهها بذلك على أنّ ~~عرشها الذي رأته من هذا القبيل ، وهذا غاية الإنصاف » . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ تقييد الوجود في الصورة العرشية عند سليمان وبلقيس ~~لم يكن إعادة العين ، ولا نقل الموجود المشهود في سبأ إلى مجلس سليمان ، فإنّ ذلك ~~محال ، ولكنّه إعدام لذلك الشكل العرشي في سبأ وإيجاد لمثله عندهما من علم الخلق ~~الجديد ، فهو إيجاد المثل ، لا إيجاد العين وذلك إيهام وإيماء وتنبيه للمثل بإظهار ~~المثل . # وكذلك كان الصرح يوهم من رآه أنّه ماء صاف يموج مثل ما يتخيّل من لا معرفة له ~~بحقيقة تجديد الخلق مع الأنفاس أنّ الثاني عين الأوّل ، وأنّ المجسّد الممثّل من ~~الصورة العرشية عين عرش بلقيس الذي في سبأ . # فصحّح سليمان في تنبيهه إيّاها في قوله : ( إِنَّه ُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ من ~~قَوارِيرَ ) لا كما ظنّت أنّه الماء أو اللجّة فكشفت عن ساقيها - أنّ قولها : ( ~~كَأَنَّه ُ هُوَ ) صادق ، إذ ليس هو هو ، بل كأنّه ، هو ، وهكذا سؤال سليمان عنه ( ~~أَهكَذا عَرْشُكِ ) لعلمه بالأمر في نفسه . # قال رضي الله عنه : « فإنّه أعلمها بذلك إصابتها في قولها : ( كَأَنَّه ُ هُوَ ) ~~فقالت عند ذلك : ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ ~~لِلَّه ِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) » . # يعني : ظلمت نفسي بتأخير الإيمان إلى الآن ، و « أسلمت » - برفع التاء - عطف على ~~ما نوت من التوبة والرجوع إلى الله من الظلم الذي اعترفت بها . # بمعنى تبت ورجعت عمّا ظلمت نفسي واعترفت وأسلمت مع سليمان لله ، لو كان عطفا على ~~« ظلمت » لم يستقم الكلام ، ولم ينتظم ولو عطفت الكلمة أعني « أسلمت » على « قالت » ~~لصحّ المعنى ، وكان إخبارا عن الجنّ أنّها قالت : ظلمت نفسي ، وأسلمت هي مجزوم ~~التاء ، كناية عن بلقيس ، أنّها أسلمت لله ربّ العالمين مع سليمان ، أي إسلام ~~سليمان لله ربّ العالمين . # قال رضي الله عنه : « فما انقادت لسليمان وإنّما انقادت لربّ العالمين وسليمان من ~~العالمين ، فما تقيّدت في انقيادها كما لا يتقيّد الرسل في اعتقادها بالله ، بخلاف ~~فرعون ، فإنّه قال : ( رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ) ». # يعني : أنّ فرعون قيّد إسلامه بقوله : ( رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ) وإن كان ربّ ~~موسى وهارون هو ربّ العالمين ، ولكن في لفظ فرعون مقيّد بموسى وهارون ، وفي قول ~~بلقيس : ( لِلَّه ِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) مطلق يعمّ سليمان وموسى وهارون وغيرهم . # قال رضي الله عنه : « وإن كان يلحق بهذا الانقياد البلقيسي من وجه ،ولكن لا يقوى ~~قوّتها». # يعني رضي الله عنه : لا تقوى قوّة إسلام فرعون قوّة انقياد بلقيس ، لما ذكرنا ، ~~ولا سيّما وقد كان إسلام فرعون في حال الذعر والخوف من الغرق ، ورجاء النجاة ~~بالإسلام الفرعوني لا الانقياد البلقيسي ، فإنّ كل واحد منهما أتبع إسلامه إسلام ~~نبيّه ، فأسلم فرعون لله الذي آمنت به بنو إسرائيل وآمن موسى به ، فإيمانه وإسلامه ~~تبع لإيمانه ، # وقوله : أنا من المؤمنين ومن المسلمين فيهما دلالة إطلاق الإيمان والإسلام ، فإنّ ~~المؤمنين والمسلمين الذين جعل نفسه منهم آمنوا وأسلموا لله مطلقا فينسحب حكم ذلك ~~عليهم ، ولكن إسلام بلقيس وإن كان مقيّدا بالمعية ، فإنّه يقتضي المشاركة . # قال رضي الله عنه : « فكانت أفقه من فرعون في الانقياد لله وكان فرعون تحت حكم ~~الوقت ، حيث قال : آمنت بالَّذى ( آمَنَتْ به بَنُوا إِسْرائِيلَ ) فخصّص ، وإنّما ~~خصّص لما رأى السحرة قالوا في إيمانهم باللَّه : ( رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ) ، فكان ~~إسلام بلقيس إسلام سليمان ، إذ قالت : ( مَعَ سُلَيْمانَ ) فتبعته فما يمرّ بشيء من ~~العقائد إلَّا مرّت به معتقدة ذلك كما نحن على الصراط المستقيم الذي الربّ عليه ، ~~لكون نواصينا بيده وتستحيل مفارقتنا إيّاه ، فنحن معه بالتضمين ، وهو معنا بالتصريح ~~. # فإنّه قال : ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ) ونحن معه بكونه آخذا ~~بنواصينا » . # يعني رضي الله عنه : أنّ كوننا على الصراط المستقيم لكون نواصينا بيد الحق الذي ~~هو على الصراط المستقيم ، فنحن معه على الصراط في ضمن كونه على الصراط المستقيم ، ~~ككون بلقيس في إسلامها بالتضمين والتبعية لإسلام سليمان . # قال رضي الله عنه : « فهو تعالى مع نفسه حيثما مشى بنا من صراطه فما من أحد من ~~العالم إلَّا على صراط مستقيم وهو صراط الربّ تعالى ، وكذا علمت بلقيس من سليمان . # فقالت : ( لِلَّه ِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) وما خصّصت عالما من عالم . وأمّا ~~التسخير - الذي اختصّ به سليمان ، وفضل به غيره ، وجعله الله من الملك الذي لا ~~ينبغي لأحد من بعده - فهو كونه عن أمره ، # فقال : ( فَسَخَّرْنا لَه ُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِه ِ ) ، فما هو من كونه ~~تسخيرا ، فإنّ الله تعالى يقول في حقّنا كلَّنا من غير تخصيص : ( وَسَخَّرَ لَكُمْ ~~ما في السَّماواتِ وَما في الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه ُ ) وقد ذكر تسخير الرياح ~~والنجوم وغير ذلك . # ولكن لا عن أمرنا بل عن أمر الله ، فما اختصّ سليمان إن عقلت إلَّا بالأمر من غير ~~جمعية ولا همّة ، بل بمجرّد الأمر وإنّما قلنا ذلك ، لأنّا نعرف أنّ أجرام العالم ~~تنفعل لهم النفوس إذا أقيمت في مقام الجمعية قد عاينّا ذلك في هذا الطريق ، فكان من ~~سليمان مجرّد التلفّظ بالأمر لمن أراد تسخيره من غير همّة ولا جمعية » . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ التسخير السليمانيّ لم يكن بالهمّة والجمعية وتسليط ~~الوهم ، وبالأقسام العظام ، وأسماء الله الكرام ، بل بمجرّد الأمر ، ويحتمل ذلك ، ~~لمن يكون اختصاصا له من الله بذلك ، وفي ظاهر الاحتمال دلالة أن يكون بأسماء الله ~~العظام ، وبالكلمات والأقسام في بدو أمره ، ثمّ بلغ الغاية في إتقانها حتى انقادت ~~له الخلائق ، وأطاعه الجنّ والإنس والطير وغيرها بمجرّد الأمر والتلفّظ بما يريد من ~~غير جمعية ولا تسليط وهم وهمّة ، عطاء وهبة من الله ، أن يقول للشيء : كن ، فيكون . # قال رضي الله عنه : « واعلم - أيّدنا الله وإيّاك بروح منه - : أنّ مثل هذا ~~العطاء إذا حصل للعبد - أيّ عبد كان - فإنّه لا ينقصه من ملك آخرته ولا يحسب عليه ، ~~مع أنّ سليمان طلبه من ربّه - تعالى - فيقضي ذوق التحقيق أن يكون قد عجّل له ما ~~ادّخر لغيره ويحاسب به إذا أراده في الآخرة ، # فقال الله له : ( هذا عَطاؤُنا ) ولم يقل : لك ولا لغيرك ( فَامْنُنْ ) أي أعط ( ~~أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) فعلمنا من ذوق الطريق أنّ سؤاله ذلك كان عن أمر ~~ربّه ، والطلب إذا وقع عن الأمر الإلهي ، كان الطالب ، له الأجر التامّ على طلبه . # والبارئ تعالى إن شاء قضى حاجته فيما طلب منه ، وإن شاء أمسك ، فإنّ العبد قد ~~وفّى ما أوجب الله عليه من امتثال أمره فيما سأل ربّه فيه ، فلو سأل ذلك من نفسه عن ~~غير أمر ربّه له بذلك ، يحاسبه به. # وهذا سار في جميع ما يسأل فيه الله تعالى كما قال لنبيّه ، محمّد صلى الله عليه ~~وسلم : ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ) فامتثل أمر ربّه ، فكان يطلب الزيادة من ~~العلم حتى إذا سيق له لبن تأوّله علما ،كما تأوّل رؤياه لمّا رأى أنّه أتي بقدح لبن ~~فشربه وأعطى فضله عمر بن الخطَّاب. ### || قالوا : فما أوّلته ؟ # قال : العلم ، وكذلك لمّا أسري به أتاه الملك بإناء فيه لبن وإناء فيه خمر ، فشرب ~~اللبن ، # فقال له الملك : أصبت الفطرة أجاب الله بك أمّتك ، فاللبن متى ظهر ، فهو صورة ~~العلم ، فهو العلم تمثّل في صورة اللبن كجبرئيل تمثّل في صورة بشر سويّ لمريم » . # قال العبد : إنّما أفرد الشيخ رضي الله عنه هذه المسألة التمثيلية هاهنا ، لكونها ~~تتمّة البحث والحكمة التي كان في بيانها من تجديد المثل مع الأنفاس في الخلق الجديد ~~، فإنّه تمثيل للمعاني وتجسيد للحقائق وتشخيص للنسب في مثل ما كانت من الوجود ~~الظاهر بها والمتعيّن فيها أو بالعكس ، على الذوقين من مشربي الفرائض والنوافل ، ~~فافهم واذكر إن شاء الله تعالى . # قال رضي الله عنه : « ولمّا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الناس نيام ، ~~فإذا ماتوا انتبهوا » ، نبّه على أنّ كل ما يراه الإنسان في حياته الدنيا إنّما هو ~~بمنزلة الرؤيا للنائم خيال فلا بدّ من تأويله » . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ مضمون الحديث تصريح لنا معشر أهل الذوق والشهود ، ~~أنّ المحسوسات المشهودة كالرؤيا للنائم ، تخييل وتمثيل ، فإنّ الخيال إنّما هو ~~تشخّص المعاني وتمثّل الحقائق والأرواح من قبل الحق للرائي ، وتجسّد النفوس في ~~أمثله صور ثقيلة كبيرة أو خفيفة وصغيرة أو متوسّطة ، كلَّها تمثّلي . # وكذلك عالم الحسّ من الجسمانيات الطبيعيّة والعنصرية إنّما هي صور تمثيلات ~~وتشخيصات وتجسيدات لما فوقها من العوالم الروحانية والنفسانية والعقلية والمعنوية ، ~~مثّلها وجسّدها وشخّصها الحق أمثلة قائمة وصورا زائلة ودائمة لوجوده الحقّ في نسبه ~~ونسب نسبه ولوازمه الذاتية والمرتبية ولوازم لوازمه . # وكيفية ذلك والله أعلم بها على ما علمنا وأعلمنا بذلك : أنّ المعاني إذا قبلت ~~الوجود الحق من التجلَّي النفسي ، أو الحقائق الكلَّية المتبوعة إذا تعيّنت في ~~الوجود الفائض ، حصلت هيئات اجتماعية بين الوجود والحقائق المتبوعة . # ثمّ يسري نور الموجود من الملزومات والمتبوعات إلى اللوازم ولوازم اللوازم ، ~~ومنها إلى العوارض واللواحق والنسب المنتسبة في البين ، فيتّصل أحكام بعضها بالبعض ~~بالوجود الساري من الأصل إلى الفرع ومن الملزومات إلى اللوازم ولوازم اللوازم . # فيوصل خصائص بعضها إلى البعض ، ويفيد حقائق الكلّ للكلّ ويصبغ الكلّ بصبغة الكلّ ~~، فيلتحم ويتمثّل ويتشخّص صورا وهيئات وجودية ، كما هو مشهود رأي عين ، ومثال سراية ~~الوجود من الأصول والملزومات والحقائق المتبوعة إلى الفروع واللوازم والتوابع في ~~انتساج ملابس الكون والتمثيل والتجسيد كالسدى واللحمة ، # نظير منوال الحقائق المتبوعة المترتبة من أقصى مراتب المكان ، إلى أنهى غايات ~~وجود الكيان ، ونظير الحقائق التابعة واللوازم كاللحمة . # فإذا وجدت الحقائق المتبوعة والملزومات ، وانسحب عليها الفيض الوجودي والتجلَّي ~~النفسي الرحماني الجودي ، ممتدا من أوّل موجود وجد إلى آخر مولود ولد ، سرى منها ~~منبسطا إلى ما حواليها من اللوازم القريبة ثمّ إلى لوازم اللوازم . # وهكذا إلى العوارض واللواحق ، فانتسجت المعاني والحقائق الكونية على هذا المنوال ~~بهذا المثال ، وكلَّما تضاعف حكم التجلَّي الوجودي وأوصل كوامن أحكام الحقائق بعضها ~~إلى البعض وأظهرها ، تكاثفت الصور وثبّتت وثبتت بالنسبة والإضافة ، إذ لا ثبات ~~للأعراض على الحقيقة فإنّها في التبدّل والتغيّر بالخلق الجديد ، فافهم ، وتنزّه ~~فيما صرّحنا به . # واعلم : أنّ هذه الصور والأشكال والهيئات أظهرها الله آيات ونصبها أمثلة للصور ~~والهيئات المعنوية المعقولة الأزلية التي هي شؤونه وأحواله الذاتية ، وما يعقلها ~~إلَّا العالمون بالله الذين يعرفون تأويلها ويعبرون من صورها إلى حقائقها ، والله ~~الموفّق له الحمد لا ربّ غيره . # قال رضي الله عنه : # إنّما الكون خيال %~% وهو حق في الحقيقة # والذي يفهم هذ %~% حاز أسرار الطريقة # يعني رضي الله عنه : أنّه من حيث الصور والهيئات والأشكال والنقوش خيال يظاهر ~~كثراء في مراء ، وهو من حيث الوجود الواحد الحق المتنوّع ظهوره والمنبسط عليها نوره ~~. # وفي هذه الصور حق بلا شكّ ولا مراء ، فلو لم تشهد التبدّل والتحوّل فأنت عن الحق ~~محجوب ، وفي عين اللبس من خلق جديد موهوب ، وإن شهدت التبدّل وقلت به ولم تر الحق ~~المتحوّل في الصور والمتشكَّل في الأشكال من كل ما بطن فظهر ، فأنت في عين السفسطة ~~، فانتبه . # قال رضي الله عنه : « وكان صلَّى الله عليه وسلَّم إذا قدّم له لبن ، قال : « ~~اللهمّ بارك لنا فيه وزدنا منه » لأنّه كان يراه صورة العلم وقد أمر بطلب الزيادة ~~من العلم ، وإذا قدّم إليه غير اللبن ، قال : « اللهمّ بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا ~~منه » فمن أعطاه الله ما أعطاه عن أمر إلهي ، لا يحاسبه به في الدار الآخرة ، ومن ~~أعطاه ما أعطاه بسؤال لا عن أمر إلهي ، فالأمر فيه إلى الله ، إن شاء حاسبه به ، ~~وإن شاء لم يحاسبه به . # وأرجو من الله في العلم خاصّة أنّه لا يحاسبه به ، فإنّ أمره لنبيّه بطلب الزيادة ~~من العلم عين أمره لأمّته فإنّ الله يقول : ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله ~~أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) أي أسوة أعظم من هذا التأسي لمن عقل عن الله تعالى . # ولو نبّهنا على المقام السليماني على تمامه ، لرأيت أمرا يهولك الاطَّلاع عليه ، ~~فإنّ أكثر علماء هذه الطريقة جهلوا حالة سليمان ومكانته و ليس الأمر كما زعموا » # ذلك عن ملك آخرته ، وهم غفر الله لهم غفلوا عن كمال تجلَّي الله وظهوره في أكملية ~~مرتبة الخلافة في مظهرية سليمان . # وأنّ الوجود الحق تعيّن به وفيه على أكمل الصور الإلهية والرحمانية ، مع كمال ~~إيفائه وقيامه بحقّ كمال العبدانية ، فإنّه عليه السّلام في عين شهوده ربّه على هذا ~~الكمال ، كان يعمل بيديه ، ويأكل من كسبه ، ويجالس الفقراء والمساكين ، ويفتخر بذلك ~~. # فيقول : « مسكين جالس مسكينا » رزقنا الله وإيّاك من كماله ، ولا حرمنا من علمه ~~ومقامه وحاله ، إنّه قدير وهّاب ، مفتّح الأبواب ، وميسّر الأسباب . # . # %~% ### | فص حكمة وجودية في كلمة داودية ### | 17 - فصّ حكمة وجودية في كلمة داوودية . شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قال العبد : قد ذكرنا علَّيّة استناد الحكمة الوجودية إلى الكلمة الداودية في شرح ~~الفهرست ، وفي شرح فصّ سليمان ، أنّه صورة كمال ظهور الوجود ، ونتمّمه إن شاء الله ~~في شرح المتن . # " إنّما كانت حكمته وجودية لما تمّ في وجوده حكم الوجود العامّ في التسخير ، وجمع ~~الله له بين الملك والحكمة والنبوّة ، ووهبه سليمان الذي آتاه التصرّف في الوجود ~~على العموم ، وخاطبه بالاستخلاف ظاهرا صريح ، فبلغ الوجود بوجوده كمال الظهور ." # قال رضي الله عنه : « اعلم : أنّه لمّا كانت النبوّة والرسالة اختصاصا إلهيّا ليس ~~فيها شيء من الاكتساب ، أعني نبوّة التشريع ، كانت عطاياه - تعالى - لهم عليهم ~~السّلام من هذا القبيل مواهب ليست جزاء ، ولا يطلب عليها منهم جزاء ، وإعطاؤه ~~إيّاهم على طريق الإنعام والإفضال ، فقال : ( وَوَهَبْنا لَه ُ إِسْحاقَ ~~وَيَعْقُوبَ ) ، يعني لإبراهيم الخليل ، وقال في أيّوب : ( وَوَهَبْنا لَه ُ ~~أَهْلَه ُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) ، # وقال في حق موسى : ( وَوَهَبْنا لَه ُ من رَحْمَتِنا أَخاه ُ هارُونَ نَبِيًّا ) ~~فالذي تولَّاهم أوّلا هو الذي تولَّاهم في عموم أحوالهم أو أكثرها ، وليس إلَّا ~~اسمه « الوهّاب » وقال في حق داوود عليه السّلام : ( وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ ~~مِنَّا فَضْلًا ) فلم يقرن به جزاء يطلبه منه ، ولا أخبر أنّه أعطاه هذا الذي ذكره ~~جزاء ، ولمّا طلب الشكر على ذلك بالعمل ، طلبه من آل داوود ، ولم يتعرّض لذكر داوود ~~ليشكره الآل على ما أنعم به على داوود » . # قال العبد : يشير رضي الله عنه بإسناد هذه الحكمة الوجودية إلى الكلمة الداودية ، ~~إلى أنّ الكمال الوجوديّ والوجود الكماليّ إن يظهرا في أحدية جمع الجمع الإنساني ~~الإلهي ، بالخلافة والنيابة الإلهية الكلَّية من حضرة الجواد الوهّاب ، # فإنّ الوجود فيض ذاتي جودي ، وهو نفس رحماني وجودي ، وهذا وإن ظهر في كل خليفة ~~الله في أرضه وقطب قام بنيابته في نفله وفرضه في كل عصر ،عصر من الأنبياء والأولياء ~~، ولكن ظهوره في داوود عليه السّلام كان أتمّ وأبين ، بمعنى أنّ الله جمع له - ~~صلوات الله عليه - بين الخلافة الحقيقية المعنوية الإلهية وبين الخلافة الظاهرة ~~بالسيف والتحكيم الكلَّي في العالم. # وأعطاه النبوّة والحكمة وفصل الخطاب والملك الكامل والسلطان والحكم الشامل في ~~جميع أنواع العالم وأجناسه ، # كمال ظهور حكم ذلك في سليمان ، فإنّه حسنة من حسنات داوود - على نبيّنا وعليهم ~~السّلام وتكملة لكماله وتتمّة لفضله وإفضاله ، وسليمان مع ما أعطاه الله من الملك ~~والسلطان موهوب لداود عليه السّلام . # قال الله تعالى : ( وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ ) ومن جملة كمالاته ~~الاختصاصية - التي اختصّه الله بها ممّا لم يظهر في غيره من الخلفاء والكمّل أنّ ~~الله تعالى نصّ على خلافته . # بقوله : ( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ ~~النَّاسِ بِالْحَقِّ ) فحكمه بالحقّ على الخلق ، ولم يصرّح بمثل ذلك في غيره ، # وقوله تعالى : ( إِنِّي جاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً ) فيه احتمال في حق آدم ~~عليه السّلام من كونه أوّل الخلفاء وأباهم ، ولكنّ احتمال متناول غيره من أولاده ، ~~وقرينة الحال تدلّ على أنّ الاحتمال في حق داوود أرجح ، لأنّ آدم ما أفسد ولا سفك ~~الدماء . # ومحاجّة الملائكة مع الربّ في جواب قوله : ( إِنِّي جاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً ~~) بقولهم : ( أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ) مرجّحة ~~للاحتمال في حق داوود ، لأنّه سفك دماء أعداء الله من الكفرة كثيرا ، وقتل جالوت ~~وأفسد ملكه . # وجعل كما قال تعالى حكاية عن بلقيس : ( إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً ~~أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ ) فظهر ~~من داوود عليه السّلام هذا النوع من الفساد في الكفّار الذين أمر الله داوود وأولي ~~العزم من خلفائه بإفساد ملكهم وحالهم ، لأنّه عين إصلاح الملك والدين ، فصحّ في حق ~~داوود ما قالت الملائكة . # فلقائل أن يقول : المراد على التعيين من قوله : ( إِنِّي جاعِلٌ في الأَرْضِ ~~خَلِيفَةً ) هو داوود ، فلم تبق مرتبة وجودية إلَّا ظهر كمال داوود وخلافته فيها ، ~~حتى في كلام الله ومرتبة اللفظ والرقم ، فلهذا نسبت الحكمة الوجودية إلى الكلمة ~~الداودية . # ثمّ اعلم : أنّ الشيخ رضي الله عنه أشار إلى أنّ النبوّة والرسالة تكونان ~~بالاختصاص الإلهي ، وليستا بكسب ، ولا مجازاة عن عمل أو ثوابا عن سابق حسنة وطاعة ~~تكونان نتيجة عنها ، ولا لشكر أو عبادة متوقّعة منهم عليهما ، # وإذا كانتا كذلك ، فلا تحصلان لأحد بتعمّل وكسب ، كما وهم فيه القائلون من أهل ~~النظر الفكري بأنّهما تحصلان لمن كملت علومه وأعماله ، وأنّ النبوّة عبارة عن كمال ~~العلم والعمل فكلّ من كمل علمه وعمله ، فهو نبيّ في زعمهم ، # وهذا باطل ، وإلَّا لكان كل من تكامل علمه وعمله رسولا نبيّا يوحى إليه وينزل ~~عليه الملك بالتشريع وليس كذلك ، فكم من عالم عامل كامل في العلم والعمل ولا ينزل ~~عليه الملك بالوحي والتشريع ، فصحّ أنّها ليست إلَّا عن اختصاص إلهي ، ومن لوازمها ~~كمال العلم والعمل ، فلا يتوقّف تحقّقها - أعني النبوّة - على لوازمها ، فإنّ تحقّق ~~وجود اللازم بتحقّق وجود الملزوم لا بالعكس ، وهذا ظاهر . # ولمّا كانت اختصاصا إلهيّا ، لم يطلب منهم عليها جزاء ولا شكورا - وإن وقع الشكر ~~منهم دائما - أو ثوابا لإعمال الصالحات في مقابلة ذلك ، فليس ذلك مطلوبا بالقصد ~~الأوّل من الاختصاص ، ولا هم مطالبون بذلك عوضا عن ذلك ، # كما قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قيامه الليل كلَّه ، حتى تورّمت قدماه ~~، فقيل له : # اقصر ، فقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر : « فلا أكون عبدا شكورا » ~~ولهذا لم يرد طلب الجزاء والشكر من داوود ، وإنّما ورد ما ورد في حق آل داوود حيث ~~جعلهم الله من آل من هذا شأن كمالاته ، فافهم . # قال رضي الله عنه : " وهو في حق داوود " يعني ما وهبه الله « عطاء نعمة وإفضال ، ~~وفي حق آله على غير ذلك ، لطلب المعاوضة ، فقال تعالى ( اعْمَلُوا آلَ داوُدَ ~~شُكْراً ) يعني الأعمال الصالحة الزاكية عند الله ( وَقَلِيلٌ من عِبادِيَ ~~الشَّكُورُ ) ، # وإن كانت الأنبياء عليهم السّلام قد شكروا الله تعالى على ما أنعم به عليهم ~~ووهبهم ، فلم يكن ذلك عن طلب من الله ، بل تبرّعوا بذلك من نفوسهم كما قام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى تورّمت قدماه شكرا لما غفر له من ذنبه ، ما تقدّم وما ~~تأخّر ، # فلمّا قيل له في ذلك ، قال : « أفلا أكون عبدا شكورا ؟ » # وقال في حق نوح : ( إِنَّه ُ كانَ عَبْداً شَكُوراً ) والشكور من عباد الله قليل ~~، فأوّل نعمة أنعم الله بها على داوود أن أعطاه اسما ليس فيه حرف من حروف الاتّصال ~~، فقطعه عن العالم بذلك إخبارا لنا عنه بمجرّد هذا الاسم ، وهي الدال والألف والواو ~~» . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ الله أخبره كشفا أنّه قطعه عن العالم من كونه غيرا ~~وسوى بما اختصّه به من الجمع بين النبوّة والرسالة والخلافة والملك والعلم والحكمة ~~والفصل ، بلا وساطة غيره ، وظهرت أسرار هذا القطع في حروف اسمه ، لكونه من أقطاب ~~كمل الاسم « الظاهر » فإنّ الألقاب مع الأسماء تنزل من السماء ، # أي عن سماء الأسماء بتسمية ربّ حكيم عليم بما سمّى به كلّ عبد من الاسم ، وهذه ~~الحروف من حروف الاسم الأعظم المتصرّف في الأكوان ، وكان هو - صلوات الله عليه - ~~بعينه معنى الاسم الأعظم وصورته في عصره . # قال رضي الله عنه : « وسمّى محمّدا صلى الله عليه وسلم بحروف الاتّصال والانفصال ~~، فوصله به وفصله عن العالم ، فجمع له بين الحالين في اسمه ، كما جمع لداود بين ~~الحالين من حيث المعنى ، ولم يجعل ذلك في اسمه ، فكان ذلك اختصاصا لمحمّد على داوود ~~، أعني التنبيه عليه باسمه ، فتمّ له الأمر عليه السّلام من جميع جهاته ، وكذلك في ~~اسم أحمد ، فهذا من حكمة الله » . # أي إنّما سمّاهما الله لحكمة دالَّة على حقائقهما من هذه الحروف والترتيب ~~والتركيب والوضع والوزان التي في أسمائهما لمن عقل عن الله وما أغفل شيئا من ~~الأشياء إلَّا شاهد حكمة الله المودعة فيه . # قال رضي الله عنه : « ثم قال في حق داوود ، فيما أعطاه على طريق الإنعام عليه ~~ترجيع الجبال معه التسبيح ، فتسبّح لتسبيحه ، ليكون له عملها ، وكذلك الطير » . # قال العبد : يريد أن يوفي بحمد الله إلى الحكم والحقائق التي أوجبت ترجيع الجبال ~~والطير لداود عليه السّلام بلسان الإشارة الكشفية ، فنقول : الجبال هي صورة الرسوخ ~~والتمكَّن والثبات ، الخصيصة بالكمّل ، المتعيّنة حجابياتها في الجسمانيات والأماكن ~~العالية ، المحتوية على جواهر الحقائق الكمالية التي أومأنا إليها ممّا يصعب الصعود ~~عليها ، وقد أودعت في الحقائق الجسمية ، ممّا ليس في عالم الأرواح إلَّا روحانياتها ~~، ولا في عالم المعاني إلَّا معانيها وأعيان حقائقها من كمال الظهور والعلوّ وأحدية ~~الجمع ، وما ذكرنا . # والطير صور القوى والحقائق والخصائص الروحانية في نشأة الإنسان الكامل ، ولمّا ~~كان داوود عليه السّلام من كمال تبتّله وانقطاعه إلى الله بالمحبّة الدائمة ~~والهيمان فيه والعشق وإيثار جنابه - تعالى - على نفسه وسواه وشدّة الشوق إليه بحيث ~~تبعته قواه الجسمانية وقواه الروحانية ، فغلب عليه وعلى قواه الجسمانية والروحانية ~~الانقطاع والرجوع إلى الله والتبتّل ، وتحقّق فيه هذا السرّ ، أظهر الله لسرّ تبعية ~~ظاهره وباطنه ، كما قلنا له في التنزيه والتقديس الإلهي صورة ومثالا ترجيع الجبال ~~والطير ، لمّا كان الغالب عليه في زمانه تجلَّي الاسم « الظاهر » على « الباطن » ، ~~فكانت الحقائق والمعاني تظهر صورا قائمة لهم لما أهّله الله وخصّه بكمال الظهور ~~الوجودي . # قال رضي الله عنه : « أعطاه القوّة ونعته بها وأعطاه الحكمة » يعني : وضع الأمور ~~مواضعها ، وكان يحكم بالأحكام المؤيّدة بالحكمة . # قال : « وفصل الخطاب » . # يعني الإفصاح بحقيقة الأمر ، وقطع القضايا والأحكام باليقين من غير ارتياب ولا ~~شكّ أو توقّف . # قال رضي الله عنه : « ثمّ المنّة الكبرى والمكانة الزلفى - التي خصّه الله بها - ~~التنصيص على خلافته ، ولم يفعل ذلك بأحد من أبناء جنسه وإن كان فيهم خلفاء ، # فقال : ( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ ~~النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى ) ، أي ما يخطر لك في حكمك من غير وحي ~~منّي ( فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله ) أي عن الطريق الذي أوحي بها إلى رسلي ، ثمّ ~~تأدّب سبحانه معه " ليعلمنا جل شأنه الأدب مع الرسل والأنبياء وأولياء الله و ~~وانزالهم منازلهم ". # ، فقال رضي الله عنه : ( إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله لَهُمْ ~~عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ) ### || "ولم يقل له : فإن ضللت عن سبيلي فلك عذاب شديد ." ### || قال الشيخ رضي الله عنه : (فإن قلت : وآدم عليه السّلام قد نصّ على خلافته . # قلنا : ما نصّ مثل التنصيص على داود ، وإنّما قال للملائكة : ( إِنِّي جاعِلٌ في ~~الأَرْضِ خَلِيفَةً ) ، ولم يقل : إنّي جاعل آدم خليفة في الأرض ، # ولو قال ، لم يكن مثل قوله : « جَعَلْناكَ خَلِيفَةً » في حق داوود ، فإنّ هذا ~~محقّق ، وليس ذلك كذلك ، وما يدلّ ذكر آدم في القصّة بعد ذلك على أنّه عين ذلك ~~الخليفة الذي نصّ الله عليه ، فاجعل بالك لإخبارات الحق عن عباده إذا أخبر ) # وكذلك في حق إبراهيم : " إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ، ولم يقل : خليفة ، ~~وإن كنّا نعلم أنّ الإمامة هنا خلافة ، ولكن ما هي مثلها لو ذكرها بأخصّ أسمائها ~~وهي الخلافة . ثم في داوود من الاختصاص بالخلافة أن جعله خليفة حكم ، وليس ذلك ~~إلَّا عن الله تعالى فقال له : « فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ » . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ الحكم مستنده إلى حضرة الاسم « الله » فإنّ الحكم ~~لله ، والألوهية كمال الحكم والتصرّف بالفعل والإيجاد والاختراع . # قال رضي الله عنه : « وخلافة آدم قد لا تكون من هذه المرتبة ، فتكون خلافته أن ~~يخلف من كان فيها قبل ذلك ، لا أنّه نائب عن الله في خلقه بالحكم الإلهي فيهم ، وإن ~~كان الأمر كذلك وقع ، ولكن ليس كلامنا إلَّا في التنصيص عليه والتصريح به ، ولله في ~~الأرض خلائف عن الله وهم الرسل ، وأمّا الخلافة اليوم فعن الرسول لا عن الله » يريد ~~بها الخلافة الظاهرة بالملك والسيف . # « فإنّهم ما يحكمون إلَّا بما شرع لهم الرسول ، ولا يخرجون عن ذلك غير أنّ هنا ~~دقيقة لا يعلمها إلَّا أمثالنا ، وذلك في أخذ ما يحكمون به ممّا هو شرّع للرسول ~~عليه السّلام » . # يشير - رضي الله عنه - إلى أنّ الحاكم من الخلفاء الإلهيّين الآخذين الخلافة عن ~~الله - بعد أن يرثها عمّن استخلفه بما يأخذ الحكم أيضا كذلك عن الله فيحكم بحكم ~~الله - عليه أن يحكم تحكيمه إيّاه في خلقه ، ويطابق حكمه حكم المشروع ، فهو مأمور ~~من قبل لله بالحكم . # قال رضي الله عنه : # « فالخليفة عن الرسول من يأخذ الحكم بالنقل عنه صلى الله عليه وسلم أو بالاجتهاد ~~الذي أصله أيضا منقول عنه صلى الله عليه وسلم وفينا من يأخذه عن الله ، فيكون خليفة ~~عن الله بعين ذلك الحكم ، فتكون المادّة له من حيث كانت المادّة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فهو في الظاهر متّبع ، لعدم مخالفته في الحكم ، # كعيسى إذا نزل فحكم ، # وكان النبيّ محمّد صلى الله عليه وسلم في قوله : ( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله ~~فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه ْ ) وهو في حق ما يأخذه من صورة الأخذ مختصّ موافق ، هو فيه ~~بمنزلة ما قرّره النبيّ صلى الله عليه وسلم من شرع من تقدّم من الرسل بكونه قرّره ، ~~فاتّبعناه من حيث تقريره لا من حيث إنّه شرع لغيره قبله )، (وكذلك أخذ الخليفة عن ~~الله عين ما أخذه منه الرسول). # يشير رضي الله عنه إلى أنّ الخليفة منّا أو الرسول فيما أمر باقتداء هدى الله ~~الذي هدى به من قبله من الأنبياء وإن وقعت صورة الاقتداء والاتّباع ، فإنّ ذلك منهم ~~موافقة لكونه مختصّا بالحكم من الله ، فإنّه وإن وقع الحكم بما يحكم به من قبله ، ~~ولكنّه أخذ الحكم عن الله لا عمّا أخذه العامّة من علماء الرسوم ، وإن اشتركهم في ~~شيء خصّصت به من بينهم وحدي ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « فنقول فيه » أي في خليفة من خلفاء الأولياء منّا « بلسان ~~الكشف : خليفة الله ، وبلسان الظاهر : خليفة رسول الله ، ولهذا مات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وما نصّ بخلافة عنه إلى أحد ولا عيّنه ، لعلمه أنّ في أمّته من أخذ ~~الخلافة عن ربّه ، فيكون خليفة عن الله تعالى ليوافقه في الحكم المشروع ، فلمّا علم ~~ذلك صلى الله عليه وسلم لم يحجز الأمر ، # فللَّه خلفاء في خلقه ، يأخذون من معدن الرسول والرسل ما أخذته الرسل عليهم ~~السّلام ويعرفون فضل المتقدّم هناك ، لأنّ الرسول قابل للزيادة ، وهذا الخليفة ليس ~~بقابل للزيادة التي لو كان الرسول قبلها ، فلا يعطى من العلم والحكمة فيما شرع ~~إلَّا ما شرع للرسول خاصّة ، وهو في الظاهر متّبع غير مخالف بخلاف الرسل ، ألا ترى ~~عيسى عليه السّلام لمّا تخيّلت اليهود أنّه لا يزيد على موسى – مثل ما قلناه في ~~الخلافة اليوم مع الرسول - آمنوا به وأقرّوا » # أي أثبتوه نبيّا وأقرّوا بنبوّته « فلمّا زاد حكما أو نسخ حكما كان قد قرّره موسى ~~لكون عيسى رسولا لم يحتملوا ذلك ، لأنّه خالف اعتقادهم فيه ، وجهلت اليهود الأمر ~~على ما هو عليه ، فطلبت قتله ، فكان من قصّته ما أخبرنا الله تعالى في كتابة العزيز ~~عنه وعنهم فلمّا كان رسولا قبل الزيادة : إمّا بنقص حكم قد تقرّر ، أو زيادة حكم . ~~على أنّ النقص زيادة حكم بلا شكّ . # والخلافة اليوم ليس لها هذا المنصب ، وإنّما تنقص أو تزيد على الشرع الذي قد ~~تقرّرنا بالاجتهاد ، لا على الشرع الذي شوفه به محمّد صلى الله عليه وسلم فقد يظهر ~~من الخليفة ما يخالف حديثا ما في الحكم ، فيتخيّل أنّه عن الاجتهاد وليس كذلك ، # وإنّما هذا الإمام لم يثبت عنده من جهة الكشف ذلك الخبر عن النبيّ صلى الله عليه ~~وسلم ولو ثبت لحكم به ، وإن كان الطريق فيه العدل عن العدل ، فما هو معصوم من الوهم ~~، ولا من النقل على المعنى ، فمثل هذا يقع من الخليفة اليوم ، # وكذلك يقع من عيسى عليه السّلام فإنّه إذا نزل يرفع كثيرا من شرع الاجتهاد ~~المقرّر ، فيبيّن برفعه صورة الحق المشروع الذي كان عليه عليه السّلام ولا سيّما ~~إذا تعارضت بأحكام الأئمّة في النازلة الواحدة ، فيعلم قطعا أنّه لو نزل وحي لنزل ~~بأحد الوجوه ، فذلك هو الحكم الإلهي ، وما عداه - وإن قرّره الحق - فهو شرع تقرير ~~لرفع الحرج عن هذه الأمّة واتّساع الحكم فيها » . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ الخلافة المنفردة عن النبوّة التشريعية ورسالتها ~~المنقطعتين بخاتم الأنبياء والرسل عليهم السّلام ليس لها هذا المنصب من الحكم ظاهرا ~~من وجهين : # أحدهما : أنّ الخلفاء من بني العبّاس خلفاء من تقدّمهم من خلفاء رسول الله ، ~~والحكم الذي كانوا يحكمون به غير مأخوذ عن الله ، على ما كان يأخذه الرسول أو ~~الوليّ الخليفة ، بل مأخوذ عن النقل أو باجتهاده لا غير ، فلو كان الخليفة منهم ~~آخذا خلافته عن الله وحكمه فيما يحكم به عن الله ، وكان له الحكم والسيف ظاهرا ، ~~لكان له هذا المنصب الذي كنّا بصدده كخلافة داوود ومحمّد وموسى صلوات الله عليهم . # والثاني : أنّ الكمّل من خلفاء الله من الأولياء - وإن تحقّقوا بمقام الكمال ~~وارتقوا في درجات الأكملية فليس لهم منصب الخلافة ظاهرا بالسيف ولا الحكم بالقتل ~~والإبقاء على الاستقلال والاستبداد ، وإن كان كل منهم إماما متبوعا للعالمين كافّة ~~فيما يشترك فيه الكلّ ، وللخاصّة فيما يخصّهم ، وينفردون بخصوصيات ليست لغيرهم من ~~الأولياء ، ممّن لم يتحقّقوا بدرجة الكمال والخلافة ، # فيرى هذا الخليفة بعض الأحاديث المنقولة ثابت الإسناد في الظاهر ، عدلا عن عدل ~~إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم غير ثابت عنده من طريق الكشف فيما أخذ عن ~~الله ، فيحكم بخلافه إن أمر بذلك ، أو يسكت عنه إن أمر بذلك كذلك ، أو يبيّن الأمر ~~فيه ، # فيقول : هذا الحديث ثابت ظاهر نقلا ، غير صحيح كشفا وبالعكس ، فيحكم بصحّة ما لم ~~يصحّ في النقل الظاهر . # وكيفية علمه بصحّة ما صحّح كشفا - وإن لم يصحّ رواية وبالعكس هي أنّ الخليفة ~~الكامل يحضر لتصحيح ذلك نقلا في الحضرة الإلهية ، ويجتمع بالرسول صلَّى الله عليه ~~وسلَّم من حيث روحه في برزخه ، أو ينزل إليه روح الرسول ، أو ألحق مع الرسول ، # فيأخذ الحكم عن الله ، أو يسأل الرسول عن صحّة الحديث وعدم ثبوته عنه ، فيثبت ~~ويصحّح له الرسول ما صحّ ، ويعرض عمّا لم يصحّ ، # فيقول : هذا صحيح كشفا لا نقلا ، وذلك غير صحيح كشفا إلَّا في النقل الظاهر ، ~~فهذا سرّ الخلاف الواقع من الخليفة اليوم ، فلو كان مع الخلفاء من الأولياء الحكم ~~بالهمم أو بغير الهمم من أنفسهم بل أمر بعض الأولياء المتصرّفين في العالم بالهمم ، ~~فيخدمون ويمتثلون أمره وحكمه ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « وأمّا قوله عليه السّلام : « إذا بويع لخليفتين فاقتلوا ~~الآخر منهما » - هذا في الخلافة الظاهرة التي لها السيف ، وإن اتّفقا ، فلا بدّ من ~~قتل أحدهما ، بخلاف الخلافة المعنوية ، فإنّه لا قتل فيها » . # يعني رضي الله عنه : أنّ الخلافة الحقيقية المعنوية العطيّة الكمالية لا تكون في ~~كل عصر إلَّا لواحد ، كما أنّ الله واحد ، فكذلك خليفته الذي هو نائبه في الكلّ ~~واحد ، ولا يأخذ الحكم الكلَّي الواحد عن الله الواحد الأحد إلَّا ذلك الواحد ، ~~أعني كامل العصر . # قال : « وإنّما جاء القتل في الخلافة الظاهرة وإن لم يكن لذلك الخليفة هذا المقام ~~» أي الأخذ عن الله ، تعالى . # قال رضي الله عنه : « وهو خليفة رسول الله إن عدل - فمن حكم الأصل الذي به يخيّل ~~وجود إلهين ، ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا ) وإن اتّفقا ، ~~فنحن نعلم أنّهما لو اختلفا تقديرا لنفذ حكم أحدهما ، فالنافذ الحكم هو الإله على ~~الحقيقة ، # والذي لا ينفذ حكمه ليس بإله ، ومن هاهنا يعلم أنّ كل حكم ينفذ اليوم في العالم ~~أنّه حكم الله ، وإن خالف الحكم المقرّر في الظاهر المسمّى شرعا ، إذ لا ينفذ حكم ~~إلَّا لله في نفس الأمر ، لأنّ الأمر الواقع في العالم ، إنّما هو على حكم المشيّة ~~الإلهية ، لا على حكم الشرع المقرّر وإن كان تقريره من المشيّة ، ولذلك نفذ تقريره ~~خاصّة ، فإنّ المشيّة ليس لها إلَّا التقرير لا العمل بما جاء به » . # يعني رضي الله عنه أنّ حكم الخليفة فيما خالف الحكم المقرّر في الشرع إذا نفذ ، ~~علمنا أنّ نفوذه ليس إلَّا بإرادة الله ومشيّته ، إذ لا نفوذ إلَّا لما أراد الله ، ~~لا ما تقرّر ممّا لا نفوذ له ، فليس في ذلك مشيّة التقرير النافذ ، ولا العمل غير ~~النافذ ، فإنّ المشيّة ليس لها إلَّا التقرير التخصيصي لا العمل إلَّا ما تعلَّق به ~~الإرادة من العمل ، فافهم . # والذي ذكر فيما قبل فإنّه يشير رضي الله عنه إلى أنّ الحكم بقتل آخر الخليفتين من ~~أصل تقرّر في وحدة الله تعالى من قوله : ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله ~~لَفَسَدَتا ) . # وبيان ذلك على نحو ما قرّره الشيخ رضي الله عنه هو أنّه لو كان إلهان في العالم ، ~~فإمّا أن يكونا إلهين بالذات أو بما خرج عن ذاتيهما ، لا جائز أن تكون إلهيّتهما ~~بما خرج عنهما لا بالذات ، فإنّ غير الكامل بالذات في إلهيّته لا يكون إلها . # وإن كانا بالذات ، فلا يخلو في الإيجاد والإعدام من أن يتّفقا أو يتخالفا ، فإن ~~تخالفا ، فلا يقع إيجاد ولا إعدام ، لتساوي تعادي أحد المقتضيين الآخر في أحد ~~النقيضين ، لاقتضاء حكم أحدهما الإيجاد - مثلا - واقتضاء حكم الآخر بنقضه ونقيضه . # وإن اتّفقا فإمّا أن ينفذ حكم أحدهما في الآخر أو لم ينفذ ، فإن لم ينفذ فلا ~~إلهية وإن نفذ فالنافذ الحكم هو الله وحده لا غير . # قال رضي الله عنه : « فالمشيّة سلطانها عظيم ، ولهذا جعلها أبو طالب عرش الذات » ~~. # يعني ذات الألوهية لا ذات الذات المطلقة ، تباركت وتعالت . # قال رضي الله عنه : « لأنّها تقتضي لذاتها الحكم » يعني المشيّة « فلا يقع في ~~الوجود شيء ولا يرتفع خارجا عن المشيّة ، فإنّ الأمر الإلهي إذا خولف هنا بالمسمّى ~~معصية ، فليس إلَّا الأمر الواسطة لا الأمر التكوينيّ ، فما خالف الله أحد قطَّ في ~~جميع ما يفعله من حيث أمر المشيّة ، فوقعت المخالفة من حيث أمر الواسطة ، فافهم » . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ حقيقة المشيّة تقتضي الحكم لذاتها ، لأنّ المشيّة ~~اقتضاء ، والاقتضاء حكم بتخصيص ما عيّنه العلم لأمر بالإيجاد ، فيقع ما تعلَّقت ~~المشيّة بوقوعه أو بإعدامه ، فيكون كذلك ، # وذلك بحسب تعيّن العلم وحكمه على مقتضى ما تعيّن المعلوم في العلم وبموجبه ، وقد ~~علمت فيما سلف أنّ الأمر الإلهي الذي لا رادّ له وحكم الله الذي لا معقّب لحكمه ، ~~وهو ما اقترنت به الإرادة والمشيّة ، فيقع ضرورة ، لوقوع تعلَّق المشيّة بوقوعه . # وإن لم تقترن المشيّة بوقوع العمل واقترنت بوقوع الأمر ، لم يقع العمل ووقع الأمر ~~، لاقتران المشيّة بوقوع الأمر من الآمر به وعدم اقترانها بوقوع مقتضى الأمر والعمل ~~من هذا العامل المعيّن . # فاعلم هذا تعلم أنّ المسمّى معصية ومخالفة إنّما هي باعتبار أمر المكلَّف والشارع ~~المتوسّط ، وليست من حيث نسبتها إلى الله ، فإنّه لا مخالف لله في أمره الذي لا ~~واسطة فيه ، فلا رادّ له ، والله يقتضي ، إذ لا معقّب لحكمه ، هذا مقتضى الألوهة . # قال رضي الله عنه : « وعلى الحقيقة فأمر المشيّة إنّما يتوجّه على إيجاد عين ~~الفعل ، لا على من ظهر على يديه ، فيستحيل إلَّا أن يكون ، ولكن في هذا المحلّ ~~الخاصّ فوقتا يسمّى مخالفة لأمر الله ، ووقتا يسمّى موافقة وطاعة لأمر الله » . # يعني : فيمن وقع منه العمل بالطاعة ، بمعنى أنّ تعلَّق المشيّة والأمر الإرادي ~~إنّما يكون بعين الفعل المأمور به ، فيقع بموجبه ، ولكن في هذا العبد المعيّن ~~المسمّى مطيعا موافقا ، ويثاب عليه ، وذلك في ضمن تعلَّقها بعين فعله ، وأمّا ~~بالنسبة إلى المخالف عرفا شرعيا فما تعلَّقت المشيّة به ولا بفعله ، لأنّ المشيّة ~~ما تعلَّقت بعين الفعل في هذا المحلّ المعيّن ، ولم يكن في مقتضى حقيقته وعينه ~~الثابتة في العلم أن يوجد منه هذا الفعل المأمور به ، بل في غيره ، لكون ذلك من ~~مقتضى حقيقته ، فافهم . # قال رضي الله عنه : « وينبعث لسان الحمد والذمّ على حسب ما يكون » على المخالفة ~~لأمر الواسطة والموافقة لأمر الإرادة . # قال رضي الله عنه : « ولمّا كان الأمر في نفسه على ما قرّرناه لذلك كان مآل الخلق ~~إلى السعادة على اختلاف أنواعها ، فعبّر عن هذا المقام بأنّ الرحمة وسعت كلّ شيء ، ~~وأنّها سبقت الغضب الإلهيّ ، والسابق متقدّم فإذا لحقه هذا الذي حكم عليه المتأخّر ~~، حكم عليه المتقدّم ، فنالته الرحمة ، إذ لم يكن غيرها سبق » . # يعني : كانت الرحمة هي السابقة بالنصّ الإلهي ، فنالت الكلّ ، فالكلّ مرحوم ، ~~ومآل الكلّ إلى الرحمة . # ثم اعلم : أنّ الشيخ نبّه على برهان عال عظيم على زوال الشقاء وعموم السعادة في ~~الدنيا والآخرة آخرا ، وذلك أنّ المقتضي لعموم السعادة بالرحمة وزوال الشقاوة بها ~~كذلك سالم وهو سبق الرحمة الغضب ، فلا يلحقها الغضب ، وإلَّا لم تكن سابقة ، فإذا ~~لحق المغضوب عليه الرحمة السابقة لكونها في الغاية ووقفت ، لم يبق للغضب المسبوق ~~فيه حكم . # وأيضا لأنّ عين المغضوب من كونه شيئا يجب أن يكون مرحوما فإنّ رحمته وسعت كلّ شيء ~~، ولم يقل : سبقت رحمتي عين المغضوب ، فأعيان الأشياء مرحومة ، لكونها موجودة فلا ~~يلحقها الغضب ، لأنّها لحقت الرحمة ولحقتها الرحمة التي وسعت والرحمة التي سبقت ~~الغضب وبعد اللَّحوق ، فالرحمة تحكم بمقتضاها لا بمقتضى نقيضها ، وهو الغضب ، فتعمّ ~~الرحمة جميع الحقائق . # قال رضي الله عنه : « فهذا معنى ) سبقت رحمته غضبه ( لتحكم على من وصل إليها ، ~~فإنّها في الغاية ووقعت ، والكلّ سالك إلى الغاية ، فلا بدّ من الوصول إليها ، فلا ~~بدّ من الوصول إلى الرحمة ومفارقة الغضب ، فيكون الحكم لها في كلّ واصل إليها بحسب ~~ما يعطيه حال الواصل إليها » . # قال العبد : هذا برهان ظاهر . # قال رضي الله عنه : # فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلن %~% وإن لم يكن فهم فيأخذه عنّ # وما ثمّ إلَّا ما ذكرناه فاعتمد %~% عليه وكن بالحال فيه كما كنّ # فمنه إلينا ما تلونا عليكم %~% ومنّا إليكم ما وهبناكم منّ # يعني رضي الله عنه : ما قلناه لكم وارد إلينا من الحق ، وقد وهبناكم ، فلكم منّا ~~ذلك ، وليس ذلك وارد من الحق إليكم ، بل منّا إلَّا ما شاء الله العزيز الحكيم . # قال رضي الله عنه : « وأمّا تليين الحديد فقلوب قاسية يليّنها الزجر والوعيد ~~تليين النار الحديد ، وإنّما الصعب قلوب أشدّ قساوة من الحجارة ، فإنّ الحجارة ~~تكسرها وتكلَّسها النار ولا تليّنها » . # يعني رضي الله عنه : أنّ الحجارة ليس فيها قبول التليين ، فإنّها للكسر أو ~~للتكليس . # قال رضي الله عنه : " وما ألان له الحديد إلَّا لعمل الدروع الواقية ، تنبيها من ~~الله أن لا يتّقى الشيء إلَّا بنفسه ، فإنّ الدروع يتّقى بها السنان والسيف ~~والسكَّين والنصل ، فاتّقيت الحديد بالحديد ، فجاء الشرع المحمدي بـ « أعوذ بك منك ~~» فافهم ، فهذا روح تليين الحديد فهو المنتقم الرحيم . والله الموفّق ". # يشير رضي الله عنه إلى أنّ صورة تليين الحديد على يد داوود والعمل للدروع صورة ما ~~كان الله أعطاه من قوّة تليينه لقلب من يسمع كلامه ومزاميره ، # ومن جملة ذلك ترجيع الجبال والطير ، لقوّة تأثيره ولذّة ألحانه في الجماد والنبات ~~والحيوان والإنسان ، فتليين القلوب روح تليين الحديد ، # لأنّ في الحديد قابلية للَّين كما في قلوب المؤمنين قابلية الانقياد والطاعة ~~لكلامه وحكمه ، فإنّ من ليس فيه قابلية الزجر والوعيد والوعد والتشويق ، فهو في ~~مرتبة أشدّ قساوة من الحجارة ، فـ # ( إِنَّ من الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْه ُ الأَنْهارُ ) . . . ( وَإِنَّ ~~مِنْها لَما يَهْبِطُ من خَشْيَةِ الله ) # ، ومنها ما لم يكن قابلا للَّين ، فالنار أولى بها ، حتى تكسرها وتكلَّسها ، حتى ~~تلحق بالتراب ، فافهم . # . # %~% ### | فص حكمة نفسية في كلمة يونسية ### | 18 - فصّ حكمة نفسية في كلمة يونسية . شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي ### || 18 - فصّ حكمة نفسية في كلمة يونسية # إنّما أضيفت الحكمة النفسية إلى الكلمة اليونسية ، لما نفّس الله بنفسه الرحماني ~~عنه كربه التي ألبّت عليه من قبل قومه وأهله وأولاده من جهة أنّه كان من المدحضين ، ~~( فَالْتَقَمَه ُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ) ، فلمّا سبّح واعترف واستغفر ( فَنادى ~~في الظُّلُماتِ أَنْ لا إِله َ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ من ~~الظَّالِمِينَ ) ، فنفّس الله عنه كربه ووهبه أهله وسربه ، قال تعالى : ( ~~وَنَجَّيْناه ُ من الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) . # " قال العبد : حاله عليه السّلام كان ضرب مثل لتعيّن النفس الناطقة بالمزاج ~~العنصري وأهوال أحوال المزاج الطبيعي . # وفيه رواية ، أنّ حكمته مستندة إلى النفس الرحماني بفتح الفاء لما نفّس الله عنه ~~جميع كربه المجتمعة عليه من قبل أهله ونفسه وولده وماله ." # ووجدت بخطَّ الشيخ المصنّف رضي الله عنه مقيّدا بفتح الفاء في النفس فصحّحنا ~~النسخ به ، وكان عندنا بسكون الفاء. # وقد شرح شيخنا الإمام الأكمل أبو المعالي ، صدر الدين ، محيي الإسلام والمسلمين ، ~~محمد بن إسحاق بن محمد في « فكّ الختوم » له على أنّها حكمة نفسية على ما سنشرح ذلك ~~إن شاء الله ، والوجهان فيها موجّهان . # قال رضي الله عنه : ( اعلم : أنّ هذه النشأة الإنسانية بكمالها روحا وجسما ونفسا ~~، خلقها الله على صورته ، فلا يتولَّى حلّ نظامها إلَّا من خلقها إمّا بيده - وليس ~~إلَّا ذلك - أو بأمره ) . # قال العبد : قد تقدّم في شرح الفصّ الآدمي سرّ قوله : « خلق الله آدم على صورته » ~~وأنّه سارى الحكم في أولاد آدم وذرّيّته ، فإنّ المراد منه النوع ، فلمّا كان ~~الإنسان على الصورة الإلهية ، فلا يجوز أن يتولَّى حلّ نظامها إلَّا الله ، فإنّ ~~قبض الأرواح والأنفس على اختلاف ضروبها من قبضها بملك الموت أو بالقتل والهدم وغير ~~ذلك فإنّ الأمر يرجع في كل ذلك إلى الله. # كما قال : ( الله يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ ) أي يستوفي أخذه ( حِينَ مَوْتِها ~~وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها ) أي يأخذها في نومها ، والأسباب الموضوعة لذلك ~~كلَّها في قبضة الله وبيده . # وقوله : « أو بأمره » إشارة إلى الحكم الشرعي بالقصاص ) ومن تولَّاها بغير أمر ~~الله » يعني ظلم « فقد ظلم وتعدّى حدّ الله فيها وسعى في خراب ما أمر الله بعمارته ~~( . # (اعلم أنّ الشفقة على عباد الله أحقّ بالرعاية من الغيرة في الله ) . # يعني : الإبقاء على النفوس المستحقّة للقتل شرعا والكفّار وغيرهم مع ما ورد ~~التحريض في الشرع على الغزو شفقة عليها أحقّ بالرعاية من الغيرة في الله الموجبة ~~للقتل ، فإنّ في القتل هدم بنيان الربّ وهو الإنسان ، وفي الإبقاء والشفقة على ~~النفوس وإن كانت كافرة ما قد يوجب استمالة الكافر على الدين كما شوهد هذا في كثير ~~ولا سيّما إذا أبقى عليه بنيّة ذلك ، فإنّ الله يثيبه على ذلك ، ولا يؤاخذه على عدم ~~الغيرة فيه . # والغيرة نسبة لا أصل لها في الحقائق الثبوتية ، فإنّها من الغيرية ، وبانتفائها ~~في حقيقة الأمر تنتفي الغيرة تحقيقا لا حميّة عصبيّة عصيّة . # قال رضي الله عنه : « أراد داوود بنيان بيت المقدس ، فبناه مرارا فكلَّما فرغ منه ~~تهدّم ، فشكا إلى الله ، فأوحى الله إليه : أنّ بيتي هذا لا يقوم على يدي من سفك ~~الدماء ، ### || فقال داوود : يا ربّ ألم يكن ذلك في سبيلك ؟ فقال : بلى ، ولكنّهم ليسوا ~~بعبادي ؟ # فقال : يا ربّ فاجعل بنيانه على يدي من هو منّي ، فأوحى الله إليه : أنّ ابنك ~~سليمان يبنيه . والغرض من هذه الحكاية مراعاة هذه النشأة الإنسانية ، وأنّ إقامتها ~~أولى من هدمها ، ألا ترى عدوّ الله الذين قد فرض الله فيهم الجزية والصلح ، إبقاء ~~عليهم و قال : ( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ~~) ؟ ### || ألا ترى من وجب عليه القصاص كيف شرع لوليّ الدم أخذ الفدية أو العفو ؟ # فإنّ أبي فحينئذ يقتل ، ألا تراه إذا كان أولياء الدم جماعة ، فرضي واحد بالدية ~~أو عفا وباقي الأولياء لا يريدون إلَّا القتل ، كيف يراعى من عفا ويرجّح على من لم ~~يعف ، فلا يقتل قصاصا؟ ### || ألا تراه عليه السّلام يقول في صاحب النسعة : « إن قتله كان مثله » ؟ ### || ألا تراه تعالى يقول : ( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها )؟ # فجعل القصاص سيّئة ، أي يسوء ذلك الفعل مع كونه مشروعا ، ( فَمَنْ عَفا ~~وَأَصْلَحَ فَأَجْرُه ُ عَلَى الله ) ، لأنّه على صورته ، فمن عفا عنه ولم يقتله ، ~~فأجره على من هو على صورته ، لأنّه أحقّ به ، إذ أنشأه له ، وما ظهر بالاسم « ~~الظاهر " إلَّا بوجوده " . # قال العبد : هذه الاستدلالات والحجج على رجحان العفو والإبقاء على النفوس ~~الإنسانية على قتلها كلَّها صحيحة واضحة رجيحة ، والسرّ ما ذكر من قبل ، فتذكَّر . # وكذلك في أنّه إنّما يسمّى بالاسم « الظاهر » بوجود الإنسان ، وأنّه على صورته ، ~~فتذكَّر وتدبّر . # وأمّا صاحب النسعة فإنّه وليّ دم لمقتول وجد وليّه عند القاتل نسعة للمقتول . # والنسعة : حبل عريض كالحزام ، وقد يكون من السير أو القدّ ، فأخذه بدم من هو ~~وليّه ، فأمر له بالقصاص وقتل ذلك القاتل ، فلمّا قصد وليّ الدم قتله ، قال صلَّى ~~الله عليه وسلَّم : « إن قتله كان مثله » يعني في الظلم ، وأنّ كلَّا منهما قد هدم ~~بنيان الربّ . # قال رضي الله عنه : « فمن رعاه » يعني الإنسان « إنّما يراعي الحق ، وما يذمّ ~~الإنسان لعينه ، وإنّما يذمّ الفعل ، وفعله ليس عينه ، وكلامنا في عينه ولا فعل ~~إلَّا لله ، ومع هذا ما ذمّ منها ما ذمّ ، وما حمد منها ما حمد » . # أي من عين الإنسان : إذا أضيف إليها الفعل ، فإنّه يذمّ ويحمد . # قال رضي الله عنه : « ولسان الذّم على جهة الغرض مذموم عند الله ، فلا مذموم ~~إلَّا ما ذمّه الشرع ، فإنّ ذمّ الشرع لحكمة يعلمها الله أو من أعلمه الله ، كما ~~شرع القصاص للمصلحة إبقاء لهذا النوع وإرداعا للمتعدّي حدود الله فيه ، ( وَلَكُمْ ~~في الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الأَلْبابِ ) وهم أهل لبّ الشيء الذين عثروا على سرّ ~~النواميس الإلهية والحكمية . # وإذا علمت أنّ الله راعى هذه النشأة وأقامها ، فأنت أولى بمراعاتها ، إذ لك بذلك ~~السعادة ، فإنّه ما دام الإنسان حيّا ، يرجى له تحصيل صفة الكمال الذي خلق له ، ومن ~~سعى في هدمه ، فقد سعى في منع وصوله لما خلق له ، # وما أحسن ما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : « ألا أنبّئكم بما هو خير ~~لكم وأفضل من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم ؟ ذكر الله » . # قال العبد : والسرّ في ذلك أنّ الغزو والقتال في سبيل الله إنّما شرع لإعلاء كلمة ~~الله وذكره ، إن كانت الدولة للمسلمين والغلبة للمجاهدين وإن لم يكن كذلك وكان ~~بالعكس ، # فإنّ فيه نقصان عبيد الله الذاكرين له المقتولين في سبيله وتفويت العلَّة ~~الغائيّة ، فذكر الله مع الأمن عن المحذور وهو الفتنة وقتل أولياء الله أفضل من ~~الجهاد الظاهر ، وإن كان المقتول في سبيل الله على أجر تامّ ، فذلك حظَّه بهدم ~~أبنية الرحمن في صورة الإنسان ، فاعلم ذلك . # قال رضي الله عنه : « وذلك أنّه لا يعلم قدر هذه النشأة الإنسانية إلَّا من ذكر ~~الله الذكر المطلوب منه فإنّه تعالى جليس من ذكره ، والجليس مشهود للذاكر ، ومتى لم ~~يشاهد الذاكر الحق الذي هو جليسه ، فليس بذاكر ، فإنّ ذكر الله سار في جميع العبد - ~~لا من ذكره بلسانه خاصّة ، فإنّ الحق لا يكون في ذلك الوقت إلَّا جليس اللسان خاصّة ~~، فيراه اللسان من حيث لا يراه الإنسان ، بما هو راء وهو البصر » . # قال العبد : إذا داوم على ذكر الله بلسانه مع نفي الخواطر ومراقبة الله بحيث يكون ~~لسانه متلفّظا بكلمة الذكر ، وقلبه يكون حاضرا مع المذكور ، وعقله متعقّلا لمعنى ~~الذكر ، وفي قوّة خياله تخيّل صورة الذكر على تؤدة ووقار وخضوع وخشوع ، فإنّه يوشك ~~أن يتّحد ، إذ كانت الأعضاء والجوارح الخصيصة بها مع الذكر الذي يداوم عليه ، # ويفنى الذاكر عن كلّ شيء وعن الذاكر بالمذكور وفي المذكور ، فيحييه الله حياة ~~طيّبة نورية ، يرزقه فيها العيش مع الله وبالله لله في الله ، مشاهدا - في كل ما ~~يشهد - إيّاه ، وهذا حال الكمّل المقرّبين الذين هم خواصّ الله رزقنا الله وإيّاكم ~~لزوم هذا الذكر والدؤوب عليه ، إنّه قدير . # قال رضي الله عنه : ) فافهم هذا السرّ في ذكر الغافلين ، فالذاكر من الغافل حاضر ~~بلا شكّ ، والمذكور جليسه ، فهو يشهد ، والغافل من حيث غفلته ليس بذاكر ، فما هو ~~جليس الغافل ، فإنّ الإنسان كثير ، ما هو أحديّ العين ، والحق أحديّ العين كثير ~~بالأسماء الإلهية ، كما أنّ الإنسان كثير بالأجزاء ، وما يلزم من ذكر جزء ما ذكر ~~جزء آخر ، فالحق جليس ذلك الجزء الذاكر منه ، والآخر متّصف بالغفلة عن الذكر ، ولا ~~بدّ أن يكون في الإنسان جزء يذكر به ، فيكون الحق جليس ذلك الجزء ، فيحفظ باقي ~~الأجزاء بالعناية ( . # يعني المجالسة التمثيلية ، فإنّه يعتقد كونه جليس الذاكر ، وحيث اشتغل الجزء ~~الذاكر بالحق فهو جليسه ، وكذلك شهوده للحق إنّما يكون بحسبه لا بحسب غيره من ~~الأجزاء ، فلا يكون شهود اللسان ومجالسته للحق كشهود القلب ومجالسته ، ولا كشهود ~~العقل ومجالسته ، فإذا خشع العبد في ذكر كلّ الخشوع ، وخنع لربّه كلّ الخنوع ، وسرى ~~ذلك في أجزائه كلَّها ، فكلَّه إذن جليس الله والحق جليسه بشهادة الرسول . # قال رضي الله عنه : « وما يتولَّى الحق هدم هذه النشأة بالمسمّى موتا وليس بإعدام ~~، وإنّما هو تفريق ، فيأخذه إليه ، وليس المراد إلَّا أن يأخذه الحق إليه ، ( ~~وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه ُ فإذا أخذه إليه ، سوّى له مركبا غير هذا ~~المركب من جنس الدار التي ينقل إليها ، وهي دار البقاء ، لوجود الاعتدال ، فلا يموت ~~أبدا أي لا تفرّق أجزاؤه » . # قال العبد اعلم : # أنّ الموت عبارة عن افتراق جوهرك اللطيف وهو روحك عن جوهرك الكثيف ، فإذا اقترنت ~~هذه الهيئة الاجتماعية التعيّنية ، فإنّ الله يتولَّى أخذ حقائقها المفرّق بعضها عن ~~البعض وحفظها في موطن من مواطن الحضرات الوجودية يسمّى البرزخ ، ثم يتولَّى كذلك ~~جمعها في موطن آخر كما يشاء . # وإنّما افترقت أجزاؤها النورية اللطيفة الروحانية عن أجزائها المظلمة الكثيفة ~~الجسمانية ، لغلبة ما به الامتياز والمباينة بينها ، فإنّها كانت بالتضمّن ~~والالتزام ، أعني : # هذه الهيئة الاجتماعية بين حقائق الروح وحقائق الجسم في ضمن اللطيف الوحداني من ~~الكثرة المعنوية التي هي قواه وحقائقه وخصائصه ، فناسب الجزء الكثير منه وهو الجسم ~~الكثيف من حيث أحدية الكثرة التي له ، أعني الجسم ، فجمع الله بينهما بهذه المناسبة ~~الصحيحة وغيرها ممّا في تفصيله تطويل ، فكانت بينهما هذه الهيئة الاجتماعية بتضمّن ~~كلّ واحد منهما ما يناسب الآخر ، ويصلح أن يكون متمّما لكمالاته ، # وكان الجزء الكثيف المركب وهو مركب اللطيف البسيط متحصّلا من عناصر متضادّة ~~متباينة من وجوه ، ومتشاكلة متشاركة من وجوه ، فجمع الله بينهما بتغليب ما به ~~المشاركة والاتّحاد على ما به المباينة والامتياز ، فلمّا بلغت أحكام ما به ~~المناسبة والمشاركة غاياتها وانتهت إلى نهاياتها ، غلبت ما به المباينة عليها ، ~~فافترقت لطائفها عن كثائفها . # ثم الروح اللطيف أيضا وإن كان بسيطا فهو أيضا هيئة اجتماعية نورانية من حقائق ~~اللاهوت على وجه لا يقبل الانفكاك ، فبقيت على بقائها الذاتي الإلهي ، وقد آتاها ~~الله قوّتين هما لها ذاتيتان : قوّة عمليّة بها يقوى على عمل الصور ، فصوّر الله ~~بتلك القوّة للروح مركبا من المتباينات والمتنافيات والمتضادّات ، بل مركبا ~~روحانيّا مناسبا للروح من # أكثر الوجوه ، فركَّبه في ذلك المركب الروحانيّ فتصوّر الروح فيه وتمثّل في تمثال ~~برزخي من ملكوت السماوات وما فوقها التي يناسب الروح المفارق هيكله النقليّ من ~~الأفلاك ، إن كان ممّن يفتح له أبواب السماء ، # وإلَّا فالأمر فيها يعود إلى العودات والتعلَّقات بالصور المناسبة لقوى ذلك الروح ~~وحقائقه وصفاته الراسخة فيه وأحواله وخلائقه مدّة إقامته في الحياة الدنيا من ~~المولَّدات العنصرية إلى أن يساعده سعادة الطالع الإلهي الأسمائي الذي هو طالع ~~طالعه المولديّ العرفي ، وتحصل اجتماعات واتّصالات بين الأنوار الأسمائية الإلهية ، ~~فيقدّر له كمال الرقيّ ، ويفتح له أبواب السماء بمفتاح الأمر ، # فإذا سوّى الله للروح المفارق هيكلا روحانيّا نوريا ، وناسبت الهيئة الثانية ~~الروحانية لهيئة الروح النورانية ، وطابقها ، جمع الله بينهما جمعا لا يقبل ~~الانفكاك والانفصال والاختلال بوجود الاعتدال المقتضي لدوام الانفصال . والله ~~الموفّق . # قال رضي الله عنه : « وأمّا أهل النار فمآلهم إلى النعيم ، ولكن في النار ، إذ لا ~~بدّ لصورة النار بعد انتهاء مدّة العذاب أن تكون بردا وسلاما على من فيها ، وهذا ~~نعيمهم ، فنعيم أهل النار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل الله حين ألقي في النار ، ~~فإنّه عليه السّلام تعذّب برؤيتها وبما تعوّد في علمه وتقرّر من أنّها صورة تؤلم من ~~جاورها من الحيوان وما علم مراد الله فيها ومنها في حقّه » . # يعني عند الإلقاء وقبله . # قال رضي الله عنه : « وبعد وجود هذه الآلام وجد بردا وسلاما مع شهود صورة ~~اللونيّة في حقّه وهي نار في عيون الناس ، فالشيء الواحد يتنوّع في عيون الناظرين ، ~~هكذا هو التجلَّي الإلهيّ . فإن شئت قلت : إنّ الله تجلَّى مثل هذا الأمر ، وإن شئت ~~قلت : إنّ العالم في النظر إليه وفيه مثل الحقّ في التجلَّي ، فيتنوّع في عين ~~الناظر بحسب مزاج الناظر » . # يعني رضي الله عنه المزاج الروحانيّ الذي للناظر طاحب الكشف والشهود لا مزاجه ~~الجسمانيّ وإن كان له مدخل من وجه ما ، لا من جميع الوجوه . # قال رضي الله عنه : « أو يتنوّع الناظر لتنوّع التجلَّي ، وكل هذا سائغ في ~~الحقائق » . # قال العبد يشير رضي الله عنه : إلى اختلاف التجلَّي باختلاف مزاج الناظر إلى أنّ ~~ظهور كل ظاهر في كل مظهر إنّما يكون بحسب المظهر إن كان الناظر من شأنه أن يكون له ~~حسب معيّن أو لم يكن إذا كان المظهر من شأنه أن لا يكون له حسب معيّن ، ولا بدّ ، ~~وإلَّا فبحسب الظاهر والناظر ، وأمّا تنوّع مزاج الناظر بحسب التجلَّي فهو من حيث ~~مزاج الناظر القلبي ، # فإنّ القلب يتقلَّب مع التجلَّي في العبد الكامل ، فإنّه مقلب القلوب ، وفي غيره ~~على غير ذلك ، فاذكر ، فقد ذكر مرارا ، والوجهان سائغان شائعان ، فلا تتحيّر ، فليس ~~اختلاف الأحكام إلَّا باختلاف الوجوه بحسب الحاكم والمحكوم عليه والمحكوم به . # قال رضي الله عنه : « ولو أنّ الميّت والمقتول - أيّ ميت كان أو أيّ مقتول كان ~~إذا مات أو قتل ، لا يرجع إلى الله ، لم يقض الله بموت أحد ولم يشرع قتله ، فالكلّ ~~في قبضته ، ولا فقدان في حقّه ، فشرع القتل وحكم بالموت ، لعلمه أنّ عبده لا يفوته ~~، فهو راجع إليه » . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ العبد مربوب وجودا وعلما ، فإن بطن العبد عن ربوبية ~~الربّ الظاهر بالموت أو القتل ، فقد تولَّاه حين توفّاه الربّ القابض الباطن ، فإذا ~~أخذ حفظه في نشأة وموطن ومقام كالدنيا ، نقله إلى نشأة أخرى وموطن وحالة أخرى وتجلّ ~~أعلى وأجلّ وأولى بالنسبة إليه من الأولى ، فهو يقبضه إليه عن ظهور وتجلّ وتبسّط في ~~نور وتجلّ آخر في شأن أعلى وفضاء أضوا ، ويورده موردا أعذب وأحلى ، فله الحمد أبدا ~~دائما في الآخرة والأولى . # قال رضي الله عنه : « على أنّ في قوله : ( وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه ~~ُ ) أي فيه يقع التصرّف ، وهو المتصرّف ، فما خرج عنه شيء لم يكن عينه ، بل هويّته ~~عين ذلك الشيء ، وهو الذي يعطيه الكشف في قوله : وإليه يرجع الأمر كلَّه » . # قال العبد : والبرهان الكشفي على أنّ الحق بهويّته عين كلّ شيء انّ الأمر الموجود ~~المشهود في العالم إمّا نقوش وصور وأشكال وهيئات وتعيّنات وجودية ، وإمّا وجود حق ~~ظاهر متعيّن فيما ذكر كذلك . # والوجود واحد هو فيه عينه لا غيره ولا هو أمر زائد على حقيقته ، تعالى عن ذلك ~~علوّا كبيرا . # والصور والهيئات والنقوش والكثرات مع أنّها لا تحقّق لها في أعيانها إلَّا ~~بالوجود الحق الظاهر بها - عائدة إلى حقائق الأشياء وصور معلومياتها في العلم ، وهي ~~شؤونه وأحواله ونسبه الذاتيّة ، والذاتيات عين الذات ، غير زائدة عليها في حقيقتها ~~إلَّا علما لا وجودا ، # فما ثمّ إلَّا هو وأنا ، وهو في أنا أنا ، وأنا في هو هو ، كما قلنا :نحن فيه هو ~~فاعرفنا به وهو فينا نحن فافهم ما أقول. # . # %~% ### | فص حكمة غيبية في كلمة أيوبية ### | 19 - فصّ حكمة غيبية في كلمة أيّوبيّة . شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # لمّا كانت أحواله عليه السّلام في زمان الابتلاء وقبله وبعده غيبية ، أسندت هذه ~~الحكمة الغيبية إلى الكلمة الأيّوبية ، . # "" نبي الله أيوب في جميع أحواله عليه السّلام من أوّل حالة الابتلاء إلى آخر ~~مدّة كشف الضرّ عنه غيبيّ حتى أنّ الآلام كانت في غيوب جسمه ، وابتلي بغتة غيبا ، ~~ثم كشف عنه الضرّ ، # كذلك من الغيب من حيث لا يشعر ، فآتاه الله أهله الذين غيّبهم عنه " وَمِثْلَهُمْ ~~مَعَهُمْ رَحْمَةً " من الله غيبته ، كما سنومئ إلى ذلك عن قريب ." # أمّا قبل زمان الابتلاء فكان الله قد أعطاه من غيبه بلا كسبه - من الملك والمال ~~والدنيا والبنين والخدم والخول - ما لم يحصّلها بكسبه ، # وكان يصعد له من الأعمال الزاكية مثل ما يصعد من أهل الأرض أو أوفى ، # فغار عليه إبليس وبنوه ، وقصده بالأذيّة هو وذووه ، وكانوا يستكبرون بعمل ويستكتم ~~دونه ، وكان الله تعالى يشكره في الملإ الأعلى ، ويذكره ، # فقال إبليس : مع هذه المواهب والنعماء والآلاء - التي أنعم الله بها عليه - ~~أعماله قليلة ، فلو كان في حال الابتلاء والفقر صبر ولم يجزع ، لكان ما يأتي من ~~الأعمال أعظم قدرا وأعلى مكانة ، فأذن له في اختباره وابتلائه ، # والقصّة مشهورة في بلائه ، فسلَّط الشيطان على ما تمنّى ، فغارت العيون ، وانقطعت ~~الأنهار ، وخربت الديار ، ويبست الأشجار والثمار ، وهلكت مواشيه ، ومات اثنا عشر من ~~بنيه ، وهجره جلّ أهله وذويه ، # كل هذا ابتلاء غيبيّ من غير سبب معهود وموجب مشهود ، في مدّة يسيرة ، وبعد غيبته ~~عن أهله وماله ، مسّه الشيطان بضرّ في نفسه ، فظهرت من غيوب جسمه الآلام والأسقام ، ~~وتولَّد الدود في جسمه وغيوب أعضائه وأجزائه ، فصبر لمّا عرف السرّ ، ولم يجزع ولم ~~يقطع الذكر والشكر ، متلقّيا بحسن الشكر والصبر ، وهذا الأمر الإمر ، # ولم يشك إلى غير الله إلى انقضاء مدّة الابتلاء ، فلمّا بلغ الابتلاء غايته ، ~~وتناهي الضرّ نهايته ، ولم ينقص أيّوب عليه السّلام من أذكاره وشكوره وحضوره ، ولم ~~يظهر الشكوى والجزع ، فتمّت حجّة الله على اللعين ، وعلى غيره من الشياطين ، # فتجلَّى من غيبه ربّه تجلَّيا غيبيّا فذكر لربّه ما أظهر الشيطان في حاله أمرا ~~فريّ ، ممّا لم يكن به حريّا ، # فأزال الله عنه الآلام والأسقام ، وكشف ما به من ضرّ ، ووهبه أهله ومثلهم معهم ، ~~رحمة أظهرها له من غيب الأمر ، # وأظهر له أيضا عن غيب الأرض مغتسلا باردا وشرابا ، عرّفه في ذلك حقيقة السرّ ، ~~فبهذه العجائب الغيبية أسندت هذه الحكمة إلى هذه الكلمة . # قال رضي الله عنه : ( اعلم : أنّ سرّ الحياة سرى في الماء ، فهو أصل العناصر ~~والأركان ، ولذلك جعل الله من الماء كلّ شيء حيّ ، وما ثمّ شيء إلَّا وهو حيّ ، ~~فإنّه ما ثمّ شيء إلَّا وهو يسبّح بحمده ) أي بحمد الله (ولكن لا نفقة تسبيحه إلَّا ~~بكشف إلهي ، ولا يسبّح إلَّا حيّ ، وكلّ شيء الماء أصله حيّ ). " في بعض النسخ : ~~فكلّ شيء حي ، فكلّ شيء الماء أصله ". # قال العبد : الاختلاف المذكور بين حكماء الرسوم في وجود الأركان والعناصر قد عرف ~~في كتبهم وهو مشهور . # ومن حيث النظر العقلي الصحيح لا يترجّح أحد أقوالهم على الآخر إلَّا بالإقناعيات ~~، # فظاهر النظر العقلي ومقتضى التحقيق الكشفي الإلهي أنّ الاثنين من الأربعة في أصل ~~الطبيعة أصلان ، والآخران منفعلان عنهما ، # فالأصلان هم الحرارة والبرودة ، وانفعلت عنهم اليبوسة والرطوبة ، # كما أنّ الاسم « الظاهر » والاسم « الباطن » أصلان في الأسماء الذاتية ، وانفعل ~~عنهما الفعل والانفعال ، فصار كلّ من الأصلين فاعلا في الآخر منفعلا عنه ، # فإنّ الظاهر مجلى الباطن ، وانفعل عنهما الأوّل والآخر ، وكذلك الأسماء الإلهية ، ~~فإنّ الحياة والعلم أصلان ، والإرادة والقدرة تابعتان لهم ، كما علمت ، وهذا في ~~الأصول والطبيعة ، # وعلى هذا يجب أن:- ### || يتكوّن النار من الحرارة واليبوسة ، ### || ويتكوّن الماء من البرودة والرطوبة ، ### || والأرض من اليبوسة والبرودة ، # والهواء من الحرارة والرطوبة ، هذا رأيي . # وقيل : إنّ كلّ ركن منها أصل في نفسه وسائرها غير متولَّد عن واحد منه . # وقيل أيضا : إنّ كلّ واحد منها أصل ، ويتكوّن الباقي من ذلك الأصل ، فإنّ النار ~~يمكن أن تكون أصلا للباقي ، وكذلك كلّ واحد منه . # وهذه أقوال أربعة ذهب إلى كلّ قول منها قوم . # ويقال أيضا : إنّ الأركان مركَّبة من صور الطبائع وهيولاها ، والطبيعة حقيقة ~~كلَّية هي عين الكلّ ، فيجب أن يكون تكوّن كلّ منها عن المجموع . # ويعضد هذا الرأي مشرب التحقيق ، وأنّ كلّ شيء فيه كلّ شيء ، وهي من الأصول ~~المقرّرة في طور التحقيق والكشف ، # وقد سبق لنا في هذا الكتاب ما فيه مقنع من هذه المباحث ، ولكنّ الشيخ رضي الله ~~عنه جعل الماء أصل الأركان كلَّه . # لما صحّ كشفا أنّ العرش الإلهي وهو محلّ استوائه أحدية جميع الحياة والعلم ~~والوجود ، كان على الماء قبل وجود الأرض والسماء ، فالماء عرش العرش ، والحياة إذا ~~تمثّلت أو تجسّدت ، ظهرت بصورة الماء ، وهو ذلك الماء الذي كان عليه العرش . # وأيضا على ما قرّرنا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب أنّ الطبيعة ظاهرية أحدية جمع ~~الألوهة ، والألوهية حقيقتها ، وأركان الإلهية أربعة : حقائق الحياة - وهي كمال ~~الوجود - والعلم ، والإرادة ، والقدرة . # والحياة شرط في وجود ما عداه ، وعليها تبتني هذه الأركان ، فمن هذه الحقيقة ~~الكشفية الأصلية يتحقّق أيضا أنّ الماء أصل الأركان ، فإنّه صورة الحياة ، ولهذا ~~سرى سرّ الحياة في الماء . # قال رضي الله عنه : (ألا ترى العرش كيف كان على الماء ، لأنّه منه متكوّن فطفا ~~عليه ) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ العرش الجسمانيّ الذي هو على فلك الأفلاك الأطلس " قال ~~الكاشاني : المراد بالعرش العرش الجسماني أي الفلك الأطلس " ، فإنّ حقيقة الجسم ~~كانت في بدء الإيجاد مثل الجوهرة أو الدرّة ، فنظر الله # إليها بتجلَّية الحبيّ الإيجادي ، فذابت حياء وتحلَّلت أجزاؤها ماء # ، فكان عرشه على ذلك الماء ، قبل وجود الأرض والسماء . # ولا يتوهّم أنّ هذه الدرّة أو الجوهرة هي حقيقة الجسم وجوهرته ، تكوّنت من ~~الهيولى الرابعة التي هي الهيولى الأولى في صورة أحدية جمعية إجمالية اندمجت فيها ~~حقيقة الأجسام كلَّها ، كالأكرة الكلَّية الكبيرة المصمتة فتجلَّى لها الرحمن ، ~~فذابت أي تفصّلت ولاحت عليها أنوار سبحات وجه الرحمن فحلَّلتها تحليلا بخاريّا ~~دخانيّا بعد ما كان التحليل في إشراق التجلَّي الأوّل مادّيّا " مساويا " ، # فيكون فلك الأفلاك الأطلس والعرش عليه من ذلك التحليل البخاري الأحدي الجمعي ~~الكمالي ، فغمر الخلاء بوجوده جسما طبيعيا كلَّيا إحاطيا ملأ فضاء الخلاء المقدّر ~~في مرتبة الإمكان ، فصلح هذا الفلك المحيط العرشي أن يكون عرشا للرحمن المحيط بنور ~~وجديّ وتجلَّيه من خزائن وجوده ، أحاط بالموجودات كلَّها ، # فلمّا ألحّ التجلَّي بإشراق على ذلك الجوهر المحلول المائي ، وتحكَّمت في أجزاء ~~بحره المسجور حرارة التجلَّي ، فدخنت الجوهرة المحلولة - كما قلنا - بخارا أحديا ~~جمعيّا إحاطيا ، وأحاط بمركز الجوهر الأصل في أنّها مراتب البعد ، فأحاط بالماء ~~المذكور وطفا كما أشار إليه الشيخ . # قال رضي الله عنه : ( فهو يحفظه من تحته ) أي الماء ( كما أنّ الإنسان خلقه الله ~~عبدا فتكبّر على ربّه وعلا عليه ، وهو سبحانه و تعالى مع هذا يحفظه من تحته ، ~~بالنظر إلى علوّ هذا العبد الجاهل بربّه. "في بعض النسخ: بنفسه). # يشير رضي الله عنه إلى أنّ العبد صورة تعيّن للوجود الحق المتجلَّي عليه ~~والمتولَّي لإيجاده ، ثمّ التعيّن لا بدّ أن يعلو على المتعيّن به وهو الوجود الحق ~~، # فهو مستور بالتعيّن العبدانيّ ، ولولا حفظ الوجود الحق المتعيّن به وفيه ، لانعدم ~~، إذ لا تحقّق للتعيّن بدون المتعيّن ، فإنّه بلا هو هالك ، فالحق يحفظ العبد من ~~تحته . # قال الشيخ رضي الله عنه : (وهو قوله عليه السّلام : « لو دلَّيتم بحبل ، لهبط على ~~الله » فأشار إلى أنّ نسبة التحت إليه كنسبة الفوق في قوله تعالى : "يَخافُونَ ~~رَبَّهُمْ من فَوْقِهِمْ " وقوله : " وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِه ِ " ، فله ~~الفوق والتحت ، ولهذا ما ظهرت الجهات الستّ إلَّا بالنسبة إلى الإنسان ، وهو على ~~صورة الرحمن ) . # يعني : لمّا كانت نسبة الفوق والتحت إليه سواء ، فحفظه لعبده من تحته ما ينافي ~~فوقيّته ، فإنّه - بإحاطته - فوقه وتحته . # وقال رضي الله عنه : ( ولا مطعم إلَّا الله ، وقد قال في حق طائفة : " وَلَوْ ~~أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالإِنْجِيلَ " ثمّ نكرّ وعمّم ، فقال " وَما ~~أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من رَبِّهِمْ " فدخل في قوله : " وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من ~~رَبِّهِمْ " كلّ حكم منزل أو ملهم ، " لأَكَلُوا من فَوْقِهِمْ " وهو المطعم من ~~الفوقية التي نسبت إليه "وَمن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ " وهو المطعم من التحتية التي ~~نسبها إلى نفسه على لسان رسوله المترجم عنه عليه السّلام ولو لم يكن العرش على ~~الماء ما انحفظ وجوده ، فإنّه في الحياة ينحفظ وجود الحيّ ، ألا ترى الحيّ إذا مات ~~الموت العرفيّ ، انحلَّت أجزاء نظامه ، وتنعدم قواه عن ذلك النظم الخاصّ ؟ ) # يعني رضي الله عنه : إذا عدم الحيّ الحياة التي الماء صورته ، انحلَّت أجزاء ~~نظامه ، وذلك لأنّ الحرارة الغريزيّة التي بها حياة الحيّ إنّما تنحفظ بالرطوبة ~~الغريزيّة ، فحياة الحرارة أيضا بالرطوبة ، وهي صورة الماء ، فبفقدانه وجود الموت ~~الذي هو افتراق أجزاء الإنسان ، فافهم . # ثم عدل رضي الله عنه بعد هذه المقدّمات إلى أن # قال رضي الله عنه : « قال الله تعالى لأيّوب : "ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا ~~مُغْتَسَلٌ " يعني ماء " بارِدٌ وَشَرابٌ " لما كان عليه من حرارة الألم ، فسكَّنه ~~الله ببرد الماء ، ولهذا كان الطبّ النقص من الزائد والزيادة في الناقص ) . # يعني : # طبّة الله تعالى بنقص حرارة الألم وزيادة البرد والسلام منها ، فإنّها كانت أعني ~~الآلام نارا أوقدها الشيطان سبع سنين في أعضاء أيّوب ، فشفاه الله عنها بهذا الطبّ ~~الإلهي # . # ثم قال رضي الله عنه : ( والمقصود طلب الاعتدال ، ولا سبيل إليه إلَّا أنّه ~~يقاربه ، وإنّما قلنا : « ولا سبيل إليه » أعني الاعتدال ، من أجل أنّ الحقائق ~~والشهود تعطي التكوين مع الأنفاس على الدوام ، ولا يكون التكوين إلَّا عن ميل يسمّى ~~في الطبيعة انحرافا أو تعفينا ، وفي حق الحق إرادة ، وهي ميل إلى المراد الخاصّ دون ~~غيره ، والاعتدال يؤذن بالسواء في الجميع ، وهذا ليس بواقع ) . # قال العبد : كان رضي الله عنه يريد الكون الخلقيّ والحقيّ الأسمائيّ وبموجب النظر ~~العقلي لا غير ، فإنّ الوارد ورد بأنّ ذلك الاعتدال المفقود في الأكوان قد انفرد به ~~الله ، فهو له وهو فيه ، فلا يقبل الزيادة ولا النقص ، ولا يقبل الكون والفساد ~~تبارك وتعالى من حيث ذاته الغنيّة عن العالمين ، وحقيقته العينية الغيبيّة الجامعة ~~بين التعيّن واللاتعيّن ، والقيد والإطلاق ، وقبوله كلّ حكم وضدّه من كل حاكم ، ~~وكونه عين النقيضين والمتباينين والمتناسبين والمتنافيين والمتشاكلين معا أبدا ~~دائما ، فما بها أبدا ميل عن مقتضى ذاته ، ولا حيد عمّا وجب له لذاته الأحدية ~~الجمعية الكمالية المطلقة عن كلّ قيد حتى عن الإطلاق عنه . # قال رضي الله عنه : ( فلهذا منعنا عن الاعتدال ، وقد ورد في العلم الإلهي النبوي ~~اتّصاف الحق بالرضى والغضب وبالصفات ، والرضى مزيل الغضب والغضب مزيل للرضي عن ~~المرضيّ عنه ، والاعتدال أن يتساوى الرضى والغضب ، فما غضب الغاضب على من غضب عليه ~~وهو عنه راض ، فقد اتّصف بأحد الحكمين في حقّه ، وهو ميل ، # وما رضي الراضي عمّن رضي عنه وهو عليه غاضب ، فقد اتّصف بأحد الحكمين في حقّه ، ~~وهو ميل ، وإنّما قلنا هذا من أجل من يرى أنّ أهل النار لا يزال غضب الله عليهم ~~دائما أبدا في زعمه ، فما لهم حكم الرضي من الله ، فصحّ المقصود ، وإن كان - كما ~~قلنا - مآل أهل النار إلى إزالة آلام أهل النار ، فذلك رضى ، فزال الغضب ، لزوال ~~الآلام ، إذ عين الغضب عين الألم ، إن فهمت ) . " في بعض النسخ : إلى إزالة الآلام ~~وإن سكنوا النار " # قال العبد : الغضب والرضي إذا اتّصف الحق بأحدهما ، زال الآخر ، ولكن بالنسبة إلى ~~مغضوب عليه أو مرضيّ عنه معيّنين ، وإلَّا فهو بالنسبة الكلَّية الغضبيّة القهرية ~~الجلالية أو الرضى الكلي اللطفي الجمالي لا يزال اتّصافه بهما من كونه إلها وربّا ، # وأمّا من حيث غناه الذاتيّ الكليّ اللطفي الجمالي لا يزال اتّصافه بهما من كونه ~~إلها وربّا ، # وأمّا من حيث غناه الذاتيّ فلا يتّصف بشيء منهما ، فهو غنيّ عن العالمين ، # فصحّ أنّ الميل والانحراف ليس إلَّا من قبل القابل ، لظهور حكم الرضى أو الغضب في ~~القابل وغير القابل ، لا بالنسبة إلى الحق وإن كانت حقيقتا الرضى والغضب - ~~الكلَّيّين الإلهيين الظاهر أحكامهما أبدا دائما في المرضيّين عنهم والمغضوبين ~~عليهم من العالمين - ثابتتين لله ربّ العالمين على السواء ، # لا يتّصف بأحدهما دون الآخر إلَّا بالنسبة والإضافة إلَّا بحسب حكم سبق الرحمة ~~الغضب - وهو ذاتيّ - وبالنسبة الأحدية الجمعية ، فحكم الغضب والرضى المتضادّين ~~باعتبار ما ذكرنا ، # وفي صلاحية الوجود الحق الإلهي من حيث ظهوره في الأعيان والأكوان بحسب القوابل ، ~~وظهور الميل والانحراف بحسب القابل وغير القابل ، وفي وقت دون وقت ، وبالنسبة إلى ~~أمر دون أمر ، فافهم . # قال رضي الله عنه: ( فمن غضب فقد تأذّى ، فلا يسعى في انتقام المغضوب عليه ~~بالملامة " بإيلامه " إلَّا ليجد الغاضب الراحة بذلك ، # فينتقل الألم الذي كان عنده إلى المغضوب عليه، والحق إذا أفردته عن العالم، ~~يتعالى علوّا كبيرا عن هذه الصفة على هذا الحدّ، وإذا كان الحق هويّة العالم، فما ~~ظهرت الأحكام كلَّها إلَّا فيه ومنه، وهو قوله : " وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُ الأَمْرُ ~~كُلُّه ُ " حقيقة وكشفا " فَاعْبُدْه ُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه ِ " حجابا وسترا ، فليس ~~في الإمكان أبدع من هذا العالم ، لأنّه على صورة الرحمن ، أوجده الله ، أي ظهر ~~وجوده بظهور العالم ، كما ظهر الإنسان بوجود الصورة الطبيعية ، فنحن صورته الظاهرة ~~، وهويّته روح هذه الصورة المدبّرة لها ، فما كان التدبير إلَّا فيه ، كما لم يكن ~~إلَّا منه ، فـ هُوَ " الأَوَّلُ " بالمعنى و" الآخِرُ " بالصورة ، وهو ~~"الظَّاهِرُ" بتغيير الأحكام والأحوال ، و" الْباطِنُ " بالتدبير "َهُوَ بِكُلِّ ~~شَيْءٍ عَلِيمٌ " فهو على كل شيء شهيد ، ليعلم عن شهود لا عن فكر ، فكذلك علم ~~الأذواق ، لا عن فكر ، وهو العلم الصحيح ) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ العبد بتعيّنه حجاب على الحق المتعيّن به وفيه ، فهو ~~هوية العبد ، والعبد صورة إنّيّة ربّه وأنانيّته ، ف " الإنّي " المقيّد العينيّ و ~~"الأنا " يقيّدان "الهو " الغيبيّ العينيّ ف « الهو » المطلق روح هذ « الأنا » و « ~~الإنّي » المقيّدين المتعيّن وحصّة هذ « الإنّي » المقيّد من « الهوية » المطلقة ~~روحه المدبّر لصورته ، ف « إنّا » و « إنّي » و « نحن » و « أنا » و « أنت » و " ~~أنتم " كنايات عن الحق المتعيّن في الصور والتعيّنات ، و « هو » كناية عنه في الغيب ~~الذاتي ، وهو غيب الذات وما لا يعلم ولا يضاف من العين المطلقة تعالى ، والهويات ~~المقيّدة بالأعيان المتعيّنة في الصور وبها باعتبار الأنيّات والإنيّات الوجودية ~~الشهودية ، وبدون هذا الاعتبار ليست إلَّ هو هو ، # فنحن صور تفصيل الإنّية العظمى الإلهية وشخصيات أنانيتها من حيث ظاهرنا ~~وجسمانيتنا وصورتنا ، ومن حيث الباطن والروحانية فصور تفصيل هويته الكبرى ، فنحن له ~~، وهو لنا ، وهو فينا نحن ، ونحن فيه هو ، فافهم. # قال رضي الله عنه : ( وما عداه فحدس وتخمين ، ليس بعلم ، ثم كان لأيّوب عليه ~~السّلام ذلك الماء شرابا بإزالة ألم العطش الذي هو من النصب والعذاب الذي مسّه به ~~الشيطان أي البعد عن الحقائق أن يدركها على ما هي عليه ، فيكون بإدراكها في محلّ ~~القرب فكل مشهود قريب من العين ، ولو كان بعيدا ، من المسافة ، فإنّ البصر يتّصل به ~~من حيث شهوده أو يتّصل المشهود بالبصر كيف كان ، فهو قرب بين البصر والمبصر ) . # قال العبد : سمّي الشيطان شيطانا ، لبعده عن الحقائق ، فاشتقاقه من شطن : إذا بعد ~~، أو من شاط : إذا نفر ، وإذا بعد عن إدراك الحقائق ، فقد بعد عن الله في عين القرب ~~، لكونه صورة الانحراف التعيّني . # قال رضي الله عنه : ( ولهذا كنّى أيّوب في المسّ ، فأضافه إلى الشيطان مع قرب ~~المسّ ، فقال : البعد منّي قريب لحكمه في ) . # يشير رضي الله عنه : إلى أغلبية حجابية التعيّن بالنسبة إليّ ، وإلَّا لم يكن ~~للانحراف فيه حكم ، وإنّما حكم عليه وفيه الانحراف والبعد ، لبعده عن حقيقة ~~الاعتدال الذي انفرد به العين والحقيقة ، كما أشرنا إليه ، فتذكَّر . # قال رضي الله عنه : ( وقد علمت أنّ البعد والقرب أمران إضافيّان فهما نسبتان لا ~~وجود لهما في العين ، مع ثبوت أحكامهما في القريب والبعيد . # واعلم : أنّ سرّ الله في أيّوب الذي جعله عبرة لنا وكتابا مسطورا حاليا يقرؤه هذه ~~الأمّة المحمدية ، لتعلم ما فيه ، فتلحق بصاحبه تشريفا لها ، فأثنى الله على أيّوب ~~بالبصر مع دعائه في رفع الضرّ عنه ، فعلمنا أنّ العبد إذا دعا الله في كشف الضرّ ~~عنه ، لا يقدح في صبره ، وأنّه صابر ، وأنّه " نِعْمَ الْعَبْدُ " ، كما قال : " ~~إِنَّه ُ أَوَّابٌ " أي رجّاع إلى الله لا إلى الأسباب ، والحقّ يفعل عند ذلك ~~بالسبب ، لأنّ العبد مستند إليه ) # . # يعني : في وجوده المقيّد أو المطلق إلى الحق المتعيّن في السبب ، فلمّا حمد الله ~~تعالى أيّوب عليه السلام، علمنا أنّ رجوعه أوّلا وآخرا ما كان إلى الأسباب من حيث ~~حجابياته . # قال رضي الله عنه : ( إذ الأسباب المزيلة لأمر ما كثيرة والمسبّب واحد المعيّن ، ~~فرجوع العبد إلى الواحد العين المزيل بالسبب ذلك الألم أولى من الرجوع إلى سبب خاصّ ~~ربما لا يوافق علم الله فيه ، فيقول : إنّ الله لم يستجب لي وهو ما دعاه ، وإنّما ~~جنح إلى سبب معيّن لم يقتضه الزمان ، فعمل أيّوب بحكمة الله إذ كان نبيّا ، لما علم ~~أنّ الصبر هو حبس النفس عن الشكوى عند الطائفة ) . # يعني أنّ المتقدّمين من المشرقيين من أهل التصوّف قالوا به . # قال رضي الله عنه : ( وليس ذلك بحدّ للصبر عندنا ، وحدّه حبس النفس عن الشكوى ~~لغير الله ، لا إلى الله ، فحجب الطائفة نظرهم في أنّ الشاكي يقدح بالشكوى في الرضا ~~بالقضاء ، وليس كذلك ، فإنّ الرضي بالقضاء لا يقدح فيه الشكوى إلى الله ولا إلى ~~غيره ، وإنّما تقدح في الرضى بالمقضيّ ، ونحن ما خوطبنا بالرضى بالمقضيّ ، والضرّ ~~هو المقضيّ ، ما هو عين القضاء ) . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ القضاء حكم الله بمقتضى حقيقة المقضيّ عليه وحاله ~~واستعداده بالمقضيّ به كائنا ما كان ، فالقضاء هو الحكم غير المقضيّ به وهو المحكوم ~~به ، فلا يلزم من الرضا بحكم الله الرضا بالمحكوم ، لتغايرهما ، فإنّ المتغايرين ~~متفارقان بما هما متغايران . # قال رضي الله عنه : ( وعلم أيّوب أنّ في حبس النفس عن الشكوى إلى الله في رفع ~~الضرّ مقاومة القهر الإلهي ، وهو جهل بالشخص ، إذا ابتلاه الله بما يتألَّم منه ~~نفسه، فلا يدعو الله في إزالة ذلك الأمر المؤلم، بل ينبغي له عند المحقّق أن يتضرّع ~~ويسأل الله في إزالة ذلك عنه، فإنّ ذلك إزالة عن جناب الله عند العارف صاحب الكشف، ~~فإنّ الله قد وصف نفسه بأنّه يؤذى، # فقال: "إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَه ُ " وأيّ أذى أعظم من أن ~~يبتليك ببلاء عند غفلتك عنه أو عن مقام إلهي لا تعلمه لترجع إلى الله بالشكوى، ~~فيرفعه عنك؟ # فيصحّ الافتقار الذي هو حقيقتك، فيرتفع عن الحق الأذى بسؤلك إيّاه في رفعه عنك، ~~إذ أنت صورته الظاهرة، كما جاع بعض العارفين فبكى، ### || فقال له في ذلك من لا ذوق له في هذا الفنّ معاتبا له، # فقال العارف: إنّما جوّعني لأبكي يقول: إنّما ابتلاني بالضرّ لأسأله في رفعه ~~عنّي، وذلك لا يقدح في كونه صابرا، # فعلمنا: أنّ الصبر إنّما هو حبس النفس عن الشكوى لغير الله، وأعني بالغير وجها ~~خاصّا من وجوه الله، وقد عيّن الله وجها خاصّا من وجوه الله وهو المسمّى وجه ~~الهوية، فيدعوه في ذلك الوجه برفع الضرّ عنه، لا من الوجوه الأخر المسمّاة أسبابا، ~~وليست إلَّا هو من حيث تفصيل الأمر فيه نفسه). # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ السبب الذي يتوجّه إليه غير العارف إنّما هو حجابية ~~التعيّن ، والمتعيّن بذلك التعيّن الخاصّ هو السبب ، فهو من كونه متعيّنا في ذلك ~~التعيّن والمعيّن وجه خاصّ من وجوه الله المتعيّنة في كل وجه وجهة ووجهة ، وهو وإن ~~كان حقّا معيّنا من الله في تلك الجهة ، فإنّما هو وجه من وجوه الله ، ل هو هو . # فالأوّاب هو الرّجاع إلى الهوية الإلهيّة المحيطة بجميع الهويات المتعيّنة ~~بالمسمّيات أسبابا ، وهي أيضا - من حيث عدم تحقّقها بدون المتعيّن ومن حيث تحقّقها ~~بالمتعيّن فيها - وجه من وجوه الحق ، وأنت أيضا من حيث عدم تحقّقها بدون المتعيّن ~~ومن حيث تحقّقها بالمتعيّن فيها وجه من وجوه الحق ، وأنت أيضا كذلك وجه من الوجوه ~~الإلهية ، ولكن لا يتوجّه ولا توجّه وجه قلبك إلَّا إلى مستندك ، وهو الذي استندت ~~إليه الوجوه كلَّها، ولا يتقيّد بوجه خاصّ، فقد لا يجيبك فيه، لعلمه أنّ ما تسأله ~~في وجه آخر، فإذا سألت أحدية جميع جميع الوجوه وتوجّهتها ، فقد أصبت ، فالزم، ولا ~~يلزم التقيّد ، فافهم. # قال رضي الله عنه : ( فالعارف لا يحجبه سؤاله هوية الحق في رفع الضرّ عنه ، عن أن ~~يكون جميع الأسباب عينه ، وهذا لا يلزم طريقته إلَّا الأدباء من عباد الله ، ~~الأمناء على أسرار الله ، فإنّ لله أمناء لا يعرفهم إلَّا الله ، ويعرف بعضهم بعضا ~~، وقد نصحناك فاعمل ، وإيّاه - سبحانه - فاسأل ) . # يعني رضي الله عنه : وجه الهوية الذي عيّنه على لسان الشارع ، فعليك بالسؤال عن ~~الحق من ذلك الوجه في كلّ قليل وكثير ، وبالجزم بالإجابة إيمانا وتصديقا لقوله ~~تعالى : " ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ " . ### || "وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ". # . # %~% ### | فص حكمة جلالية في كلمة يحيوية ### | 20 - فصّ حكمة جلالية في كلمة يحيوية . شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # كان الغالب على أحوال يحيى عليه السّلام الجدّ والجهد والقبض والبكاء ، بكى من ~~خشية الله حتى خدت الدموع في خدوده أخاديد ، وكان لا يضحك إلَّا ما شاء الله ، # وهذه الخلال من حضرة القهر والجلال ، وكان مقتضى حقيقة القيام بمظهرية حضرة ~~الجلال وتجلَّياتها ، ثم قتل في سبيل الله ، # وقتل على دمه سبعون ألفا حتى سكن دمه من فورانه ، ومنبعث تعيّن نفسه ومستقرّها ~~بعد المفارقة سماء الأحمر عند الجليل القهّار ، ولهذا وأمثاله أضيفت هذه الحكمة إلى ~~كلمته . # قال رضي الله عنه : " هذه الحكمية الأوّلية في الأسماء ، فإنّ الله سمّاه يحيى أي ~~يحيا به ذكر زكريّ " . « في أكثر النسخ : حكمة الأوّلية . والأولى الحكمة » # يعني : أنّه لمّا طلب زكريّا من ربّه وارثا يرثه ، حتى يحيا به ذكره ، فأجاب الله ~~دعاءه بوارث له يرثه ، وسمّاه يحيى ، أي بيحيى يحيا ذكره من باب الإشارات . # قال رضي الله عنه : ( ولم "لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّ" ، فجمع بين ~~حصول الصفة التي فيمن غبر ممّن ترك ولدا يحيا به ذكره وبين اسمه بذلك ، فسمّاه يحيى ~~، فكان اسمه يحيى كالعلم الذوقي ، فإنّ آدم حيي ذكره بشيث ، ونوحا حيي ذكره بسام ، ~~وكذلك الأنبياء ، ولكن ما جمع الله لأحد قبل يحيى بين الاسم العلم منه له وبين ~~الصفة إلَّا لزكريّا عناية منه ، إذ قال : "فهب لِي من لَدُنْكَ وَلِيًّا " .) # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ هذه الحكمة الجلالية تتضمّن حكمة الأوّلية في ~~الأسماء ، والجمع بين العلمية والصفة ، على خلاف العادة والوضع والمفهوم خرقا ~~للعادة ، اختصاصا إلهيا وتشريفا لزكريّا ويحيى ، كما جمع الاسم « الله » بين ~~العلمية والصفات الدالَّة على حقائق الأحدية الجمعية الإلهية الجامعة لجميع الأسماء ~~الذاتية والصفاتية والفعلية ، على ما استقصينا بيانه في شرح الخطبة . فلذلك جمع ~~الله لزكريّا في اسم ولده الذي وهبه الله بين كونه اسما علما مع دلالته على أنّ [ ~~ذكره به يحيا ] . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فقدّم الحقّ على ذكر ولده كما قدّمت آسية ذكر الجار ~~على الدار في قوله : " عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ " فأكرمه الله بأن قضى ~~حاجته وسمّاه بصفته ، حتى يكون اسمه تذكارا لما طلب منه نبيّه زكريّا ، لأنّه عليه ~~السّلام آثر إبقاء ذكر الله في عقبه ، # إذ الولد سرّ أبيه ، فقال : " يَرِثُنِي وَيَرِثُ من آلِ يَعْقُوبَ " وليس ثمّ ~~موروث في حق هؤلاء إلَّا مقام ذكر الله والدعوة إليه . ) # قال العبد : # كان الغالب على زكريّا الهيبة والرقّة والخشوع والخوف والتقوى والحزن والمجاهدة ~~وعدم التصرّف ، بل كانت مظهريته لرحمة وجمال ولطف وأنس يتضمّن إجلالا وهيبة وقهرا ، ~~ومن هذا التجلَّي الجماليّ المتضمّن للجلال وجد زكريّا ، ورحمة الله عبده زكريّا من ~~حضرة الجمال الذي تتضمّنه حضرة الجلال خفي وبطن اللطف في القهر ، فنادى كذلك نداء ~~خفيّا من حقيقة كلّ شيء فيه كلّ شيء ، ولهذا كان الغالب على حال زكريّا ما ذكرنا ، ~~وتحكَّمت عليه الأعداء أيضا ، كما تحكَّمت على يحيى عليه السّلام . # قال رضي الله عنه : ( ثمّ إنّه بشّره بما قدّمه من سلامه عليه ، " يَوْمَ وُلِدَ ~~وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا " فجاء بصفة الحياة وهي اسمه وأعلمه ~~بسلامه عليه ، وكلامه صدق ، فهو مقطوع به ، وإن كان قول الروح " وَالسَّلامُ ~~عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا " أكمل في ~~الاتّحاد ، فهذا أكمل في الاتّحاد والاعتقاد ، وأرفع للتأويلات ) . # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ سلام عيسى على نفسه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث ~~حيّا أكمل في الاتّحاد من جهته ، فإنّ الله هو المسلَّم على نفسه من حيث تعيّنه في ~~مادّة عيسوية ، ويدلّ على كمال تمكَّن عيسى من شهود هذه الأحدية ، ولكن سلام الله ~~على يحيى من حيث إنّ الله هو عين هويّته وربّه ، عليه لا في مادّة يحيى ، بل من حيث ~~هو ربّه أتمّ في الاعتقاد بالنسبة إلى شهود أهل الحجاب . # وأمّا بالنسبة إلى شهود أهل الذوق # فالاتّحاد من قبل الحق # - من كونه تعالى مسلَّما على نفسه في مادّة يحيوية من كونه ربّه ووكيلا له في ~~التسليم عليه ، إمّا من قبله أو من قبل الحق - أتمّ وأعمّ ، ولكن للالتباس الذي عند ~~الجاهل المحجوب . # قال رضي الله عنه : ( فإنّ الذي انخرقت فيه العادة في حق عيسى إنّما هو النطق ، ~~فقد تمكَّن عقله وتكمّل في ذلك الزمان الذي أنطقه الله فيه ، ولا يلزم للمتمكَّن من ~~النطق - على أيّ حالة كان - الصدق فيما كان به ينطق ، بخلاف المشهود له كيحيى ، ~~فسلام الحق على يحيى من هذا الوجه أرفع - للالتباس الواقع في العناية الإلهية به من ~~سلام عيسى على نفسه ، وإن كانت قرائن الأحوال تدلّ على قربه من الله في ذلك ، وصدقه ~~، إذ نطق في معرض الدلالة على براءة أمّه في المهد ، فهو أحد الشاهدين ، والشاهد ~~الآخر هزّ الجذع اليابس ، # فسقط " رُطَباً جَنِيًّا " من غير فحل ولا تذكير كما ولدت مريم عيسى من غير فحل ~~ولا ذكر ولا جماع عرفيّ معتاد. # لو قال نبيّ : آيتي ومعجزتي أن ينطق هذا الحائط ، فنطق الحائط ، وقال في نطقه : ~~تكذب ، ما أنت برسول الله، لصحّت الآية، وثبت بها أنّه رسول الله ، ولم يلتفت إلى ~~ما نطق به الحائط. # فلمّا دخل هذا الاحتمال في كلام عيسى "يعني عند المحجوب الجاهل "بإشارة أمّه إليه ~~، وهو في المهد .) # يعني رضي الله عنه : مجرّد نطق عيسى - بإشارة أمّه إليه عند سؤال الأحبار عن مريم ~~بأنّى لك هذا و "ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا " ~~كاف في صحّة مدّعا مريم وبراءتها عمّا توهّمت اليهود ممّا برّأها الله ممّا قالوا ، ~~ولكن لمّا يطرق فيما نطق مثل ما مثّل في نطق الحائط عند الجاهل كان سلام الله على ~~يحيى أرفع من هذا الوجه . # قال رضي الله عنه : ( فموضع الدلالة أنّه عبد الله من أجل ما قيل فيه : إنّه ابن ~~الله - وفرغت الدلالة بمجرّد النطق - وأنّه عبد الله ، عند الطائفة الأخرى القائلة ~~بالنبوّة ، وبقي ما زاد بحكم الاحتمال في النظر العقلي حتى ظهر في المستقبل صدقه في ~~جميع ما أخبر به في المهد فتحقّق ما أشرنا إليه ). # يعني : العرفيّ الحجابيّ ، لأنّ النظر الصحيح العقلي - مع ثبوت دلالة القرائن على ~~صحّته في نطقه - يقضي بصحّة جميع ما نطق به عليه السّلام إذ لو تطرّق احتمال نقيض ~~الصدق في بعض ما نطق ، لوقع ارتباك في غير ذلك البعض ، # فإنّ الكذب في بعض الكلام يفضي إلى احتمال الكذب في الباقي ، وبكمال صحّة الصدق ~~في موضعي الدلالة يجب صحّته في الباقي ، # وكذلك سقوط الرطب الجنّي بإخباره في بطن أمّه - مع عدم معقوليّة ذلك من الجذع ~~اليابس - قبل تسليمه على نفسه شاهد بصدق إخباراته كلَّها عقلا مؤيّدا بالنور ، # وكذلك كلامه في المهد ، فإنّ من أقدر على الكلام في المهد - خرقا لعادة العقل ~~والعرف بإذن الله في موضع إقامة المعجزة على براءة أمّه وأنّه نبيّ صادق بكلام ~~متّصل مفتتحه دعوى عبودة الله ومختتمه التسليم على نفسه من قبل الله ، بتمكين الله # له في كل ذلك - دليل صحيح تامّ على صدقه في تمام الإخبارات وارتفاع الالتباس ~~وتطرّق الاحتمال في نظر العقل الصحيح الإلهي ، ولكنّ الاحتمال لأهل الوهم والعقل ~~المحجوب بالعرف والعادة ، وعندهم لا يرتفع الالتباس ، وأمّا عند الشيخ والمحمديّين ~~فليس للاحتمال المذكور وجه أصلا ، ورأسا ، فافهم ، # " وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ " # . # %~% ### | فص حكمة مالكية في كلمة زكراوية ### | 21 - فصّ حكمة مالكية في كلمة زكرياوية . شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على ~~متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي ### || 21 - فصّ حكمة مالكية في كلمة زكرياوية # أضيفت هذه الحكمة المالكية إلى الكلمة الزكرياوية ، لما ذكرنا ممّا كان يشدّد على ~~نفسه في الاجتهاد ، وظهرت فيه آثار الشدّة القهرية والجلال ، وكملت فيه التصرّفات ~~الإلهية المالكية ، وظهرت تماما ، ولم يظهر تصرّف من قبله - صلوات الله عليه - في ~~شيء أصل . # قيل : إنّه ما لبس نعلا ولا مأزما ، يحمل بعض تراب وغبار من أرض إلى أرض ، فكان ~~يمشي حافيا ، وكان مشهده عبدانيته وربوبيّة الله فيه وله وعليه ، حتى أنّه نشر ، ~~فقطع نصفين ، مع تمكَّنه عليه السّلام من دعا الله وإجابته في رفع ذلك عنه في النظر ~~العقلي بثبوت نبوّته وإجابة الله دعوته باستصحاب الحال والواقع في سؤال الولد ~~والإجابة فيه وفي رفع الفقر عن امرأته ، وذلك لكونه عليه السّلام في مشهده تحت حكم ~~مالك هو مملوكه الحقيقي ، وشهود أحدية التصرّف والمتصرّف والمتصرّف فيه . # وأمّا مضيّه ودخوله في جوف الشجرة فلم يكن لعدم رضاه وكمال استسلامه وانقياده لما ~~يتصرّف فيه ، وإنّما كان إبقاء على قومه بحسب الاحتمال العقلي أنّه ربما يقلعون عن ~~الظلم عليه ويؤمنون به بما شاهدوا عيانا من استبطان الشجرة له وستره وكون ذلك معجزا ~~وحجّة على صدقه وصدق نبوّته ، وما أخبر به في تصديق عيسى ، # ولمّا شاهد من مفيض عينه الثابتة أنّ التجلَّي الجلاليّ محيط به في هذه الحياة ~~الدنيا ، سلَّم واستسلم ولم يدع الله في رفع الضرّ عنه حتى قطعوا الشجرة فشقّوها ~~بالمناشير فقطعوه نصفين في الشجرة ، فظهرت أسرار امتياز الحقيقة الجلالية عن ~~الحقيقة الجمالية المستنبطة إحداهما في الأخرى ، # وظهرت رحمة اللطف المضمون في ضمن القهر ، وكملت عبوديته التي ظهر نفوذ التصرّف ~~والحكم الكلَّي الإلهي فيها بصورة الظلم ، فانعكست حقائق الجلال والقهر على أعداء ~~الله بتجلَّياتها ، وتغمّده الله برحمته الخفيّة في القهر ، فظهرت خليّة ، فكملت ~~بحلّ القهر والنقمة على الأعداء ، فكمل كلّ شقّ من الجلال والجمال ، والقهر واللطف ~~في أهلهما. # قال رضي الله عنه : ( اعلم : أنّ رحمة الله وسعت كلّ شيء وجودا وحكما ، وأنّ وجود ~~الغضب من رحمة الله بالغضب ، فسبقت رحمته غضبه ، أي سبقت نسبة الرحمة إليه نسبة ~~الغضب إليه ) . # يعني رضي الله عنه : أنّ الرحمة له - تعالى - ذاتية ، لأنّه بالذات جواد فيّاض ~~بالوجود ، من خزائن الرحمة والجود ، والوجود المفاض على كل شيء هو الرحمة العامّة ~~التي وسعت كلّ شيء . وأمّا الغضب فليس بذاتيّ للحق تعالى ، بل هو حكم عدميّ من عدم ~~قابلية بعض الأشياء لظهور آثار الوجود وأحكامه فيه تماما ، فاقتضى عدم قابليته ~~للرحمة عدم ظهور حكم الرحمة فيه دنيا أو آخرة ، فسمّي بالنسبة إليه غضبا من قبل ~~الراحم وشقاوة وشرّا وما شاكل هذه الألفاظ ، وانظر إلى كمال شهود النبيّ وإيمانه ~~النبوي إلى الأمرين معا في قوله : « اللهمّ إنّ الخير كلَّه بيدك ، والشرّ ليس إليك ~~» لأنّه حكم عدميّ . # من عدم قابلية بعض الممكنات لحكم رحمته ، وحيث لم تجد الرحمة المفاضة بالتجلَّي ~~الرحمانيّ على الأعيان فيما لم تكن قابلية نور الوجود إلَّا نسبا عدميّة أو عدميات ~~نسبية ، إذ العدم المحض لا حقيقة له تتعلَّق الرحمة بها ، فعمّت الرحمة - التي وسعت ~~كلّ شيء - هذه الأعدام النسبية وهذه النسب العدمية ، ولحقتها ، فأوجدت الغضب ~~والآلام والأسقام والمحن والموت والفقر وأمثالها من النسب العدميّة ، وذلك لكمال ~~سعة الرحمة ، فافهمه . # قال رضي الله عنه : " ولمّا كان لكل عين وجود يطلبه من الله ، لذلك عمّت رحمته ~~كلّ شيء ، فإنّه برحمته التي يرحمه بها قبل رغبته في وجود عينه ، فأوجدها ، فلذلك ~~قلنا : إنّ رحمة الله وسعت كلّ شيء وجودا وحكم " . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ الأعيان الثابتة كانت في ثبوتها العلميّ الأزلي معدومة ~~الأعيان بالنسبة إليها ، أي لم تكن موجودة لنفسها ، ولم ينسحب عليها الحكم الإيجادي ~~، فرغبتها في الوجود العيني - وهي عبارة عن قابلياتها واستعداداتها الذاتية غير ~~المعدومة - معدومة الأعيان أيضا كهي ، فلمّا رحمها الرحمن بالتجلَّي الإيجادي ، ~~وإفاضة النور الوجودي ، بالتوجّه الإرادي. # فأوّل أثر للرحمة فيها أن أعطتها صلاحية قبول التجلَّي الوجودي وذلك بالتجلَّي ~~العيني الواقع غيبا ، فحييت بذلك التجلَّي الاستعدادات المعدومة الميّتة بحكم قهر ~~الأحدية الغيبية ، فحصلت لها صلاحية قبول الوجود ، فتعلَّقت الرحمة الوجودية بها ، ~~فأوجدتها بحسب خصوصياتها من الإحاطة والسعة والضيق والتقدّم والتأخّر وغير ذلك ، ~~فكان الغضب أيضا من جملة النسب العدمية الناشئة من عدم الصلاحية والقبول لآثار ~~الرحمة الوجودية ، وكذلك الآلام والعلل والأسقام والبلايا والمحن وغيرها من الأمور ~~العدمية النسبية . # قال رضي الله عنه : ) والأسماء الإلهية من الأشياء ، وهي ترجع إلى عين واحدة ، ~~فأوّل ما وسعت رحمة الله سبعيّة تلك العين الموجدة للرحمة بالرحمة ، فأوّل شيء وسعت ~~الرحمة نفسها ، ثمّ الشيئية المشار إليها ثم شيئية كل موجود يوجد إلى ما لا يتناهى ~~دنيا وآخرة عرضا وجوهرا ، مركَّبا وبسيط (. في بعض النسخ وهو الصحيح : شيئية . # يشير رضي الله عنه بهذا الترتيب إلى أنّ الحقائق الربانية والنسب والأعيان ~~الكونية كانت معدومة الآثار ، غير متميّزة في الظهور والآثار ، لعدم مظاهرها ، ~~فعمّتها الرحمة بتعلَّقها بتلك الأعيان أوّلا ، فظهرت النسبة الإلهية في مظاهرها ~~ثانيا ، # ثم أثّرت الأسماء الإلهية في إيجاد أعيان الأكوان في أرض الإمكان ثالثا عند من ~~يقول بوجود الحقائق العلمية وجودا نعتيّا ، # وعلى الكشف الأتمّ والشهود الأعمّ وجدت وجودا نسبيا مثاليّا في مرآة الوجود ~~الواحد ، لا وجوديا حقيقيا ، وقد أشرنا إلى الذاتية الجودية الوجودية ووجود الأشياء ~~بالرحمة الرحمانية الإلهية الأسمائية ، فتحقّق ذلك . # قال رضي الله عنه : ) ولا يعتبر فيها حصول غرض ولا ملاءمة طبع ، بل الملائم وغير ~~الملائم وسعتهما الرحمة الإلهية وجودا ، وقد ذكرنا في الفتوحات أنّ الأثر لا يكون ~~إلَّا للمعدوم لا للموجود ، وإن كان للموجود فبحكم المعدوم ، وهو علم غريب ومسألة ~~نادرة ، لا يعلم تحقيقها إلَّا أصحاب الأوهام ، فذلك بالذوق عندهم ، وأمّا من لا ~~يؤثّر الوهم فيه ، فهو بعيد عن هذه النسبة ( . # يشير إلى أنّ الأعيان الثابتة التي هي معدومة لنفسها هي المؤثّرة في الوجود ~~الواحد الحق المنبسط عليها بالتعيين والتقييد والتكييف والتسمية بحسب خصوصياتها ، ~~حتى تظهر الأسماء الإلهية والنسب الربانية ، ثم النسب الإلهية - التي هي من حيث هي ~~نسب معدومة الأعيان ، # لا تحقّق لها إلَّا بين طرفيها من الحق - مؤثّرة أيضا في وجود الأشياء ، فالآثار ~~كلَّها إن كانت من الإلهية ، فمن النسب العدمية ، وإن كانت منها مع الذات المتعيّنة ~~بها ، فمن الوجود من حيث هذه النسب المعدومة الأعيان ، # وإن كانت من الأعيان الثابتة في الوجود الحق ، فالأثر للمعدوم العين ، وكذلك في ~~الأكوان كلّ أثر يظهر من موجود ، فإنّه غير منسوب إلى وجوه من حيث هو وجود ، بل إلى ~~عينه العدمية أو إلى وجوده المتعيّن بتلك الشيئية العدمية . ### || قال رضي الله عنه : ( # فرحمة الله في الأكوان سارية %~% وفي الذوات وفي الأعيان جارية # مكانة الرحمة المثلى إذا علمت %~% من الشهود مع الأفكار عالية . # فكل من ذكرته الرحمة ، فقد سعد ، وما ثمّ إلَّا من ذكرته الرحمة . وذكر الرحمة ~~للأشياء إيجادها إيّاها ، فكل موجود مرحوم ، ولا تحجب يا وليّي عن إدراك ما قلناه ~~ممّا تراه من أصحاب البلاء ، وما تؤمن به من آلام الآخرة التي لا تفتر عمّن قامت به ~~. # واعلم أوّلا : أنّ الرحمة إنّما هي في الإيجاد عامّة ، وبالرحمة بالآلام أوجد ~~الآلام ، ثمّ إنّ الرحمة لها الأثر بوجهين : أثر بالذات وهو إيجادها كلّ عين موجودة ~~، ولا تنظر إلى غرض ولا إلى عدم غرض ولا إلى ملائم ولا إلى غير ملائم ، فإنّها ~~ناظرة في عين كلّ موجود قبل وجوده ، بل تنظره في عين ثبوته ، ولهذا رأت الحقّ ~~المخلوق في الاعتقادات عينا ثابتة في العيون الثابتة ، فرحمته بنفسها في الإيجاد ، ~~ولهذا قلنا : إنّ الحق المخلوق في الاعتقادات أوّل شيء مرحوم بعد رحمتها بنفسها ، ~~في تعلَّقها بإيجاد المرحومين . # ولها أثر آخر بالسؤال ، فيسأل المحجوبون الحقّ أن يرحمهم في اعتقادهم ، وأهل ~~الكشف يسألون رحمة الله أن تقوم بهم ، فيسألونها باسم الله ، فيقولون : يا الله ~~ارحمنا ، ولا يرحمهم إلَّا قيام الرحمة بهم ، فلها الحكم ، لأنّ الحكم إنّما هو في ~~الحقيقة بالمعنى القائم بالمحلّ ) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ الوجود الحق - المتعيّن في كل عين عين بعد تعيّنه ~~بالمظهر وقيامه بمحلّ الظهور - يحكم على القابل بمقتضى حقيقته وقيامها ، أعني ~~الرحمة الوجودية الفيضة ، وليست إلَّا الوجود بعينها أوّلا بالذات في حقائق الأشياء ~~وأعيانها الثابتة ، فبنفس تعلَّقها بالحقائق أزلا للإيجاد يوجد الحقّ المخلوق في ~~الاعتقادات بعد تعيّنها في عين نفسها - يعني الرحمة - ونسب ذات الرحمة ، # فإنّ تعيّن الوجود في علوم المعتقدين بعد تعيّنه في علم الله ، فتعلَّق الرحمة ~~الوجودية به كذلك - بحسب تعلَّقه في حقائقهم - متأخّر الرتبة عن حقيقة الرحمة ، ~~ومتقدّم على المرحوم بحسب اعتقادهم . # قال رضي الله عنه : # ) # فهو الراحم على الحقيقة ، فلا يرحم الله عباده المعتنى بهم إلَّا بالرحمة ، فإذا ~~قامت بهم الرحمة وجدوا حكمها ذوقا ، فمن ذكرته الرحمة ، فقد رحم ، واسم الفاعل هو ~~الرحيم والراحم ، والحكم لا يتّصف بالخلق ، لأنّه أمر توجبه المعاني لذواتها ، ~~فالأحوال لا موجودة ولا معدومة ، أي لا عين لها في الوجود ولا معدومة في الحكم ، ~~لأنّ الذي قام به العلم يسمّى عالما وهو الحال ، فعالم ذات موصوفة بالعلم ، ما هو ~~عين الذات ولا عين العلم ، وما ثمّ إلَّا علم وذات قام بها هذا العلم ، فكونه عالما ~~حال لهذه الذات باتّصافها بهذا المعنى ، فحدثت نسبة العلم إليه ، فهو المسمّى عالما ~~، والرحمة على الحقيقة نسبة من الراحم وهي الموجبة للحكم ، فهي الراحمة ، والذي ~~أوجدها في المرحوم ما أوجدها ليرحمه بها ، وإنّما أوجدها ليرحم بها من قامت به ، ~~وهو - سبحانه - ليس بمحلّ للحوادث ، فليس بمحلّ لإيجاد الرحمة فيه . وهو الراحم ، ~~ولا يكون الراحم راحما إلَّا بقيام الرحمة به ، فثبت أنّه عين الرحمة # (. # يعني : الراحم - وهو الحق - عين الرحمة وإلَّا لزم كونه محلَّا للحوادث . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ومن لم يذق هذا الأمر ولا كان له فيه قدم ، ما اجترأ ~~أن يقول : إنّه عين الرحمة أو عين الصفة فقال : ما هو عين الصفة ولا غيرها ، فصفات ~~الحق عنده لا هي هو ولا هي غيره لأنّه لا يقدر على نفيه ولا يقدر أن يجعلها عينه ، ~~فعدل إلى هذه العبارة ، وهي عبارة حسنة ، وغيرها أحقّ بالأمر منها وأرفع للإشكال ، ~~وهو القول بنفي أعيان الصفات وجودا قائما بذات الموصوف ، وإنّما هي نسب وإضافات بين ~~الموصوف بها وبين أعيانها المعقولة ( . # قال العبد : جلّ هذه المباحث قد ذكرنا فيه ما يكفي ويشفي فتذكَّر لا يتكرّر . # قال رضي الله عنه : ) وإن كانت الرحمة جامعة ، فإنّها بالنسبة إلى كل اسم إلهي ~~مختلفة ، فلهذا يسأل - سبحانه - أن يرحم بكل اسم إلهيّ ، فرحمة الله والكناية هي ~~التي وسعت كلّ شيء. ( ### || "" أضاف المحقق : # المراد هو الرحمة المضافة إلى ضمير المتكلم في قوله : رحمتي ، فالمراد من « ~~الكناية » هو الضمير أي رحمة الكناية . في النسختين وأكثر النسخ : فرحمه اللَّه ~~والكناية "" . # ثمّ لها شعب كثيرة تتعدّد بتعدّد الأسماء الإلهية، فما تعمّ بالنسبة إلى ذلك ~~الاسم الخاصّ الإلهي ### || في قول السائل : يا ربّ ارحم وغير ذلك من الأسماء حتى « المنتقم » له أن ~~يقول : # يا منتقم ارحمني ، وذلك لأنّ هذه الأسماء تدلّ على الذات المسمّاة وتدلّ بحقائقها ~~على معان مختلفة ، فيدعو بها في الرحمة من حيث دلالتها على الذات المسمّاة بذلك ~~الاسم لا غير ، لا بما يعطيه مدلول ذلك الاسم الذي ينفصل به عن غيره لذاته ، إذ ~~المصطلح عليه بأيّ لفظ كان حقيقة متميّزة بذاتها عن غيرها ، وإن كان الكلّ قد سيق ~~ليدلّ على عين واحدة مسمّاة ، فلا خلاف في أنّه لكل اسم حكم ليس للآخر فذلك أيضا ~~ينبغي أن يعتبر كما يعتبر دلالته على الذات المسمّاة ، ولهذا قال أبو القاسم بن ~~قسيّ في الأسماء الإلهية : إنّ كل اسم على انفراده مسمّى بجميع الأسماء الإلهية ~~كلَّها إذا قدّمته في الذكر نعتّه بجميع الأسماء ، وذلك لدلالتها على عين واحدة ، ~~وإن تكثّرت الأسماء عليها واختلفت حقائقها أي حقائق تلك الأسماء . # ثمّ إنّ الرحمة تنال على طريقين : طريق الوجوب وهو قوله : " فَسَأَكْتُبُها ~~لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ " وما قيّدهم به من الصفات العلمية ~~والعملية . والطريق الآخر الذي تنال به هذه الرحمة طريق الامتنان الإلهي الذي لم ~~يقترن به عمل وهو قوله : " وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ " ومنه قيل : " ~~لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ". ومنها قوله : اعمل ~~ما شئت فقد غفرت لك ، فاعلم ذلك ( . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ رحمة الامتنان ذاتية ، ليست في مقابلة عمل ، تنال ~~الأشياء كلَّها ، فكل ما تناولته الشيئية تناله هذه الرحمة ولا بدّ ، و « اعمل ما ~~شئت فقد غفرت لك » و « غفران ما تقدّم وما تأخّر » من مقتضى هذه الرحمة ، ولسانها ~~يقول ذلك . # وبهذه الرحمة استظهار الأبالسة والشياطين والسحرة والكفرة والفجرة والمردة ~~والفراعنة ، وقد سبق كلّ ذلك مرارا ، ### || فتذكره تذكر ، والله الموفق . ### || . # %~% ### | فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية ### | 22 - فصّ حكمة إيناسية في كلمة إلياسية . شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على ~~متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قد ذكرنا سبب إستناد هذه الحكمة إلى الكلمة الإلياسية ، وسنزيدها بيانا في شرح ~~المتن # " نشأته عليه السّلام روحانية على وجه لا يقبل تأثير الموت ، فانفلق له جبل لبنان ~~من لبانته في صورة فرس من نار ، فأنس بها وآنسها ، فأمر بالركوب عليها ، فركبها ، ~~فنسب حكمته إلى إيناس نور أحدية الجمع في صورة نارية الفرق على ما يأتي ." # قال رضي الله عنه : ( إلياس هو إدريس كان نبيّا قبل نوح ، ورفعه الله ( مَكاناً ~~عَلِيًّا ) فهو في قلب الأفلاك ساكن ، وهو فلك الشمس ، ثمّ بعث إلى قرية بعلبكّ، و« ~~بعل » اسم صنم و« بك » هو سلطان تلك القرية ، وكان هذا الصنم المسمّى بعلا مخصوصا ~~بالملك ) . # قال العبد : اعلم أنّ النفوس المفارقة هياكلهم بالمسمّى نون وهو مفارقة لطيفهم عن ~~كثيفهم كما ذكرناه مرارا ، # وبتناسب ذلك الافتراق أنّه لغلبة حكم ما به يباين اللطيف الكثيف، وعدم وفاء قوّة ~~الكثيف من حيث هو كذلك واقتضائه بمظهرية اللطيف وبقائه معه مدّة حياته وبقائه ، # فلا مناسبة تجمع بين اللطيف والكثيف إلَّا سرّ أحدية جمع " كلّ شيء فيه كلّ شيء " ~~وأنّ في اللطيف كثافة معنوية من حيث تراكم كثرة حقائقها النسبية وتضاعف قواها ، # فإنّ ذلك كثافة معنوية ، فبهذه المناسبة جمع الله بين هذا اللطيف الروحاني ~~والكثيف الجسماني ، فنزّل الله اللطيف إلى الكثيف ، وأظهر تلك الكثافة المعقولة في ~~اللطيف الأحديّ بإظهار قواه المتكثّرة ، # وأوحى إلى النفس بأن تكمل نشأة الكثيف في قيام مظهريته لحقائق اللطيف وخصائصه ~~بجزئيّات مظهرياتها الخصيصة بكلّ عضو ، فنزل اللطيف بأمر الله القدير القاهر لطفا ، ~~وتكيّف بكيفية الكثيف فيسمّى نفسا أمّارة ، # لكونها آمرة بالوحي الإلهي لقواها وحقائقها أن تظهر حقائق الجسم الكثيف وخصائصها ~~تماما أوّلا لتعمير العالم الكثيف وإظهار ما أودع الله فيه من كامنات أسراره، # ولم يكن يتأتّى ذلك إلَّا بجلب ما فيه منفعة الكثيف ودفع مضرّته ، فخلق الله في ~~النفس الشهوة والغضب ، فاشتهت ما فيه بقاء صورته النوعية ، وغضبت لما فيه دفع ما ~~يضرّه ويضرّها من جهته . # فهذه النفس المسمّاة أمّارة عرفا شرعيّا مأمورة أوّلا بما تأمّر ، فما أمرت إلَّا ~~بما أمرت وأمّرت ، فظهر من حقيقتي الشهوة والغضب المستندتين في علم الحقائق إلى ~~الرضي والغضب الإلهيين ، فلا تنس ولا تغفل عن أصول الحقائق الكونية في الحقائق ~~الإلهية . # وتعيّن روحان لمظهريتهما وهما : # الروح الطبيعي الذي صورته الدم ، # والروح الحيواني الذي صورته البخار اللطيف الكائن في أحد تجويفي القلب الصنوبري ~~الجسماني ، لا القلب الإلهي ، وفي التجويف الآخر جوهر الروح الطبيعي ، فينتشران من ~~الأبهرين إلى أعالي أعضاء الهيكل وأسافلها في الشرايين والأوردة ، فخلقت صور ~~الأعضاء الإلَّيّة والأعضاء المتشابهة الأجزاء ، وظهرت القوى المسمّاة جسمانية من ~~وجه ونفسانية من آخر بالأصالة في هذه الأعضاء ، فسبحان اللطيف ، المتجلَّي بحقائق ~~اللطف ودقائق القوّة ورقائق الحياة ، العليم بما يخلق ، الخبير بما يفعل . # وظهرت الجاذبة والمشتهية من الروح الشهويّ ، والماسكة والهاضمة والمحيلة - أي ~~المغيّرة - والغاذية والمولَّدة والمصوّرة والمشبّهة ، ولها جزئيّات تفريعية « 3 » ~~لم تسمّ في الحكمة العرفية ، فإنّهم اقتصروا على الأبين الأظهر الأجمع منها لسائرها ~~رحمهم الله . # وهذان الروحان مخصوصان مأموران بخدمة هذا الهيكل الشريف الإلهي الذي هو بنيان ~~الربّ اللطيف ، وموسومان بتعميره وتدبيره العمليّ من قبل النفس بهما ، ولكن هذا ~~التدبير العملي للنفس من حيث القوّة العملية التي هي ذاتية لها ، وإنّما يتيسّر ~~ويتأتّى لها ذلك بالتدبير العملي من حيث قوّتها العلمية التي هي أيضا ذاتية للنفس ، # وهي أصل القوّة العملية في الحقيقة ، وهي أخصّ بالنفس من حيث روحانيتها وجوهريتها ~~ونورانيتها ، فخلق الله للقوى الخصيصة بالنفس من حيث روحانيتها الروح النفسانيّ من ~~أحدية جمع الروحين الأوّلين ، وجعلهما مركبين وخادمين له ، وعيّن مظاهرها في أعضاء ~~أعالي البدن ، وجمع جميع قوى هذا الروح النفسانيّ الروحانيّ النوراني في عشر قوى ~~كلية : # خمسة منها باطنة مخصوصة بالروح الإنساني الظاهر في النفس المطمئنّة وهي : ### || المصوّرة ( أعني المتخيّلة ) ### || والمفكَّرة ، ### || والحافظة ، ### || والذاكرة ، ### || والعاقلة الناطقة . # ثمّ الوهم ينتشي بين المتخيّلة والمتفكَّرة ، وينتشي القوّة المصوّرة للصور ~~الذهنيّة والخياليّة ، وينتشي من العاقلة الناطقة ، وهي كماله . # وخمسة ظاهرة وهي : الشمّ ، والذوق ، واللمس ، والسمع ، والبصر ، # وفي هذه المباحث مباحث جمّة عرفت في الحكمة الرسميّة من حيث ظاهرها ورسمها ، ~~وأشرنا إلى بعض حقائقها في الفصّ الآدميّ ، فتأمّل ذلك منه ، إن شاء الله تعالى . ~~فظهرت قوى النفس الناطقة لتكميل تعمير هيكله ، فدبّرت وفكَّرت وأقبلت وأدبرت ، حتى ~~قامت الممكنة . # ثمّ انقسمت النفوس بموجب ما أراد الله به المدبّر الحكيم العليم إلى صنفين : # صنف غلَّبوا الروح النفسانيّ الروحاني الإلهي على الروح الطبيعي الشهواني ، وعلى ~~الروح الغضبي الحيوانيّ ، وأقاموهما في خدمة الروح النفساني ، فدبّرت أمر هذا ~~الهيكل على الوجه الأعدل وعمّرته بالأفضل الأكمل ، فظهرت الحقائق الروحانية ~~النورانية ، وتبيّنت الدرج والدقائق الإلهية والرحمانية والإنسانية . # وهذا الصنف صنفان : # صنف منهم غلَّبوا القوى الروحانيّة على القوى الجسمانيّة بالكلَّية ، فاستهلكت ~~القوى الغضبيّة والشهوية بالكلَّية ، وداوموا بالحكمة والموعظة الحسنة على الهوى ~~والنفس الأمّارة بالسوء ، حتى غيّروها وأحالوها إلى الحقائق الروحانية ، # والخصائص النفسانيّة الإنسانية ، وواظبوا على الرياضات والمجاهدات الدائمة ، حتى ~~تنوّرت هياكلهم ، وتطهّرت عن التلوينات البشرية ، فصارت هياكلهم روحانيّات ، ~~وأنفسهم وأرواحهم نورانيات ربّانيّات ، وعادوا بمقتضى حقائقهم أرواحا قائمة ، # وحصلوا فوق الحيوانية البهيمية والسبعية ، وتجاوزوا مقام الموت ، فهم أحياء لا ~~يموتون أبدا ، وهياكلهم لطائف الجوهر الجسميّ ، المتروحنة روحانية ، فقطعوا البرازخ ~~الخصيصة بالنفوس البشرية والأجسام . # وكان إدريس عليه السّلام منهم ، فتروحن كما ذكرنا من قبل ، ونذكر أيضا عن قريب ما ~~بقي من التتمّة في موضعه ، إن شاء الله تعالى . # والصنف الثاني منهم قصدوا الاقتصاد ، فلم يغلَّبوا روحانيّتهم على جسمانيّتهم ~~بحيث تستهلك القوى الجسمانية ، فتحيلها إلى الجوهر الروحاني ، ولكن عدّلوها ~~وقوّموها وثقّفوها بالسياسة الإلهية الشرعية والحكمية ، وما عطَّلوا قوّة من القوى ~~الشهوية والغضبية ، وما بطلوها ، # وإنّما صرفوا أخلاقها - المسمّاة في الحكمة الرسمية رذائل - إلى المصارف ~~المستحسنة عقلا وشرعا وعرفا ، فصارت كلَّها فضائل وأخلاقا إلهية ، # فأولئك الَّذين "يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ " وهم أهل الاقتصاد ~~والسداد ، ومنهم الكمّل المقرّبون من الأنبياء والأولياء أرباب الكمال ، وكملت ~~المقابلات العبدانية والأخلاق الإلهية ، والمراتب الروحانية والكمالات النورانية في ~~هذين الصنفين ، # وهم : # الرسل والخلفاء ، والأولياء والعلماء والحكماء الإلهيّون # ، لا غير . # ثمّ انقسم الصنف الباقي أيضا إلى صنفين ، وكلاهما غلَّبوا النفس الأمّارة بالسوء ~~والهوى على العقل والروح ، وأسروا الروح النفسانيّ ، واستعملوا قواه بموجب الهوى في ~~تحصيل الكمالات الوهميّة الجسمانية الحيوانية ، فغلبوا واستولوا بالكليّة على هذه ~~الممكنة الهيكلية ، وازدوجت النفس من كونها أمّارة بالهوى ، فالصنف الواحد منهم ~~غلَّبوا الشهوة على الغضب بعد تغليبها على الروح النفساني الإنساني ، فتولَّدت ~~الأخلاق الرذلة البذلة ، # وهي المعقّبات المذكورة في كتب الإمام حجّة الإسلام ، أبي حامد محمد الغزالي رحمه ~~الله . # وأمّهاته : الحرص ، والشره ، والبخل ، والطمع ، والحسد ، والذلَّة ، والخسّة ، ~~والخور ، والجزع ، والفزع ، والجبن ، والهلع ، والفشل ، والكسل ، والركَّة ، ~~والوضاعة ، وما شاكلها وانتشى منها ممّا لا يحصي جزئياتها إلَّا الله . # والصنف الآخر غلَّبوا القوّة الغضبيّة على الشهوية بعد تغليبهما معا على الروح ~~النفساني وقواه ، فظهر منها : التهوّر ، والظلم ، والجور ، والاستيلاء ، والاستعلاء ~~، والإيذاء ، والقهر ، والحقد ، والحميّة الجاهلية ، والنخوة ، والخيلاء ، والقساوة ~~، والجسارة ، والشكاسة ، والقتل ، وأمثالها . وإذا اعتدل ، فالشجاعة ، والشهامة ، ~~والنبالة وأمثاله . # ثم تولَّدت من بين هاتين القوّتين بالمطابقات والموافقات الواقعات بينها وبين ~~قواها في أشخاص هم مظاهرها أخلاق شيطانية : كالتخويف ، والخوف من الفقر ، والحزن ~~على فوت الأغراض الدنياويّة ، والاستعلاء ، والاستكبار ، والتفاخر ، والتكاثر ~~بالمال والجاه ، والمراء ، والجدل بالباطل ، والكفر ، والشرك والتثبيط في الطاعات ~~والعبادات ، والمنع والامتناع من الذكر والفكر والصلاة ، وإيقاع العداوة بين ~~الأحبّاء والأصدقاء والمؤمنين والزوجين ، وما شاكل ذلك . # ومن أراد الاطَّلاع على أمّهاتها وكلَّيّاتها فليطالعها في كتاب " إكسير الكمال " ~~وكتاب " خلاصة الإرشاد " لنا . # والغرض من ذكرها هاهنا هو أن يطَّلع المسترشدون المستبصرون من إخواننا وأصحابنا ~~وأولادنا على أخلاق المتروحنين وأهل الانسلاخ من الأوساخ ، وكيفية ظهور الروح ~~المفارق الكامل القاطع للبرازخ بعد الموت العرفي ، وكيفية ظهور الإنسان المتروحن في ~~الأرواح وجسمه الروحاني ، # ولمّا كان إدريس عليه السّلام من أقطاب المتروحنين وأكابرهم ، وله نشأتان ، عرضنا ~~لذكر أصل ذلك على سبيل الإجمال ، وفي تفصيله تطويل . # قال رضي الله عنه : ( وكان إلياس الذي هو إدريس قد مثّل له انفلاق الجبل المسمّى ~~لبنان - من اللبانة وهي الحاجة - عن فرس من نار وجميع آلاته من نار ، فلمّا رآه ركب ~~عليه ، فسقطت عنه الشهوة ، فكان عقلا بلا شهوة ، فلم يبق له تعلَّق بما يتعلَّق به ~~الأغراض النفسية ، فكان الحق فيه منزّها ، فكان على النصف من المعرفة بالله تعالى ) ~~. # قال العبد : الجبل المسمّى لبنان الحقيقة الجسمانيّة التي يبلغ فيها الروح الإلهي ~~لبانتها وحاجتها من تكميل قواها بها وفيها . # وانفلاقها صورة الفرقان العقلي بين العالي الشريف والسافل السخيف من قواها وحقائق ~~ذاته . والفرس صورة الحياة والطلب والشوق والتشوّق إلى المقامات القدسية الروحانية ~~الغالبة على القوى الجسمانية ، # فكان ممّا نقل إلينا أنّه بقي ستّ عشرة سنة أو أكثر لم ينم ، ولم يتقصّده ، ولم ~~يأكل ، ولم يشرب إلَّا ما شاء الله إلى أن غلبت عليه الروحانية ، فتروحن أي عاد ~~روحانيا ، وانقلبت قواه الحيوانية روحانية ، والشهوية نفسانية ، والنفسانية إلهية ، ~~فامتنع عن الشهوات النفسانية الطبيعية حتى كملت حقيقة التروحن ، # فتمثّلت نفسه الناطقة - وهي نورية - في صورة فرس من نار ، فالصورة النارية لشدّة ~~الشوق والطلب الإرادي لإحراق القوى الشهوية والإخراق لحجبها المانعة عن الانسلاخ ~~والتقديس والطهارة عن الأوساخ ، # والصورة الفرسية لحقيقة همّته المترقّية إلى أعالي ذرى العروج ، وجميع آلاته صورة ~~تكامل قواه الروحانية للانسلاخ والمفارقة عن الأدناس والأوساخ لأجل السير والسلوك ~~الروحاني الذي كان بصدده ، فلمّا أمر بالركوب عليه ، ركبه ، فسقطت القوى الشهوية ~~منه عن التعلَّق بالملاذّ الجسمانية الطبيعية ، فبقي روحا ، والعقول المجرّدة ~~الكلَّية ، وهي نصف المعرفة بالله ، والنصف الآخر ظهر بالنصف الآخر من النفوس ، كما ~~بيّنّا ، فاذكر . # قال رضي الله عنه : ( فإنّ العقل إذا تجرّد لنفسه من حيث أخذه العلوم عن نظره ، ~~كانت معرفته بالله على التنزيه لا على التشبيه ، وإذا أعطاه الله المعرفة بالتجلَّي ~~، كملت معرفته بالله فنزّه في موضع التنزيه تنزيها حقيقيا لا وهميا رسميا ، وشبّه ~~في موضع التشبيه تشبيها شهوديا كشفيا ورأى سريان الحقّ بالوجود في الصور الطبيعية ~~والعنصرية ، ولا تبقى صورة إلَّا ويرى الحق عينها ، وهذه هي المعرفة التامّة ~~الكاملة التي جاءت بها الشرائع المنزلة من عند الله ، وحكمت أيضا بها الأوهام كلَّه ~~) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ الوهم يستشرف إلى ما وراء موجبات الأفكار ، ولا ينفعل ~~للقوّة الفكرية العقلية من حيث تقيّدها انفعالا يخرجها عن الإطلاق ، بل الوهم ~~يتعلَّق أبدا بما فوق المدرك بالعقل ، فيجيز الحكم على المطلق بالتقييد مرّة ، ~~ويحكم بالعكس أخرى ، ولا يحيل ذلك ، ويحكم بالشاهد على الغائب تارة ، وعلى عكس ذلك ~~أخرى ، وهذا في جميع من له قوّة الوهم من المقلَّدين والمؤمنين . # قال رضي الله عنه : ( ولذلك كانت الأوهام أقوى سلطانا في هذه النشأة من العقل ، ~~لأنّ العاقل - وإن بلغ من عقله ما بلغ - لم يخل عن حكم الوهم عليه والتصوّر فيما ~~عقل ، فالوهم هو السلطان الأعظم في هذه النشأة الإنسانية الكاملة ، وبه جاءت ~~الشرائع المنزلة ، فشبّهت ونزّهت ، شبّهت في التنزيه بالوهم ، ونزّهت في التشبيه ~~بالعقل ، فارتبط الكلّ بالكلّ ، فلم يمكن أن يخلو تنزيه عن تشبيه ، ولا تشبيه عن ~~تنزيه، قال تعالى : "لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ" فنزّه وشبّه ) . # يعني رضي الله عنه : نزّه في عين التشبيه ، لأنّه نزّه في مماثلة المثل ما لا ~~يماثله في هذه المثلية وهو عين التشبّه ، لأنّه إثبات المثل ونفي مماثلته ، فنزّه ~~أن يكون شيء من الأشياء مثلا لهذا المثل المنزّه ، فينتفي عن الحق المماثلة بالأحرى ~~والأحقّ ، وذلك على أنّ الكاف غير زائدة ، فهو - كما ذكرنا - تنزيه في تشبيه أو ~~تشبيه في تنزيه ، وكلاهما سائغ فيه ، فتأمّل . # ( "وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" فشبّه) أي شبّه في عين التنزيه ، لأنّه أثبت ~~السمع والبصر اللذين هما ثابتان عرفا للعبد ، ولكنّه خصّص الإضافة إليه - سبحانه - ~~فإنّه حملهما على هويته تعالى المنزّهة المقدّسة عن أن يكون معه غيره ، فهو السميع ~~لا سميع غيره معه ، وهو البصير لا بصير سواه دونه كذلك ، # ولذلك يسوغ أيضا كالأوّل في " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ " أن يكون تنزيها في عين ~~التشبيه من حيث تخصيص السميعية والبصيرية اللتين اشترك فيهما ، عرفا وعقلا وشرعا لا ~~كشفا كلّ حيوان ذو بصر وسمع بالحق دونه إن فرضت غيرا ، فانظر تداخل الحقائق بعضها ~~في البعض من حيث النظرة الكشفي والتحقيق الشهودي الكمالي . # قال رضي الله عنه : ( وهي أعظم آية نزلت في التنزيه ، ومع ذلك لم تخل عن تشبيه ~~بالكاف ، فهو أعلم العلماء بنفسه ، وما عبّر عن نفسه إلَّا بما ذكرناه ، ثم قال : # ( سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ) وما يصفونه إلَّا بما ~~تعطيه عقولهم ، فنزّه نفسه عن تنزيههم ، إذ حدّدوه بذلك التنزيه ، وذلك لقصور العقل ~~عن إدراك مثل هذ ) . # يعني رضي الله عنه قصور العقل المقيّد بالقوّة البشرية النظرية بالفكر ، لا ~~العقول المنوّرة القابلة نور التجلَّي والوهب الإلهيّين على الكشف والشهود . # قال رضي الله عنه : ( ثم جاءت الشرائع كلها بما تحكم به الأوهام ، فلم تخل الحقّ ~~عن صفة يظهر فيها ، كذا قالت ، وبذا جاءت ، فعملت الأمم على ذلك ، فأعطاها الحقّ ~~التجلَّي ، فلحقت بالرسل وراثة ، فنطقت بما نطقت به رسل الله " الله أَعْلَمُ ~~حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه ُ " فـ « الله أعلم » موجّه : له وجه بالخبرية إلى رسل ~~الله وله وجه بالابتداء إلى « أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه ُ ) . # بمعنى أنّ قولهم : " لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ الله ~~" يعني هذا الرسول ، وتمّ كلام القوم ، وابتدأ برسل الله ، ثم حمل « الله أعلم » ~~على « رسل الله » ، بمعنى أنّ رسل الله هم الله ، فإنّه هويّتهم وهم صورته ، وهو من ~~حيث هو أعلم حيث يجعل رسالاته ، فجعل الله هوية رسله ، فكان تشبيها في عين تنزيه . # والوجه المشهور ظاهر ، وفي تسويغ هذا الوجه دقّة وتلطَّف ، فتدبّره بفهمك الثاقب ~~. # ولذلك قال رضي الله عنه : ( وكلا الوجهين حقيقة فيه ، لذلك قلنا بالتشبيه في ~~التنزيه وبالتنزيه في التشبيه ) # فإنّك إذا حملت « الله أعلم » على " رسل الله " ، نفيت الغيرية ، فأثبتّ الوحدة ~~الحقيقية ، # كقوله عليه السّلام : « هذه يد الله » وأشار إلى يمينه المباركة صلَّى الله عليه ~~وسلم فأوّل أهل الحجاب ، وآمن أهل الإيمان ، وكشف أهل الشهود والعيان أنّ يده عليه ~~السّلام هي عين يد الله العليا في قوله : "يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ " رأي عيان ~~، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( وبعد أن تقرّر هذا ، فنرخي الستور ونسدل الحجب على عين ~~المنتقد والمعتقد ، وإن كانا من بعض صور ما تجلَّي فيها الحق ، ولكن قد أمرنا ~~بالستر ) . # يعني رضي الله عنه : لهم وعنهم وفي نظرهم وبموجب زعمهم ، ( ليظهر تفاضل استعداد ~~الصور ، وإنّ المتجلَّي في صورة هو بحكم استعداد تلك الصورة ، فينسب إليه ما تعطيه ~~حقيقتها ولوازمها ، لا بدّ من ذلك ) # حتى ينسب إلى المتجلَّي ما ينسب إلى تلك الصورة من الحجاب ، والكشف ، والتجلَّي ~~والستر ، والعرفان والمنكر . # قال رضي الله عنه : ( مثل من يرى الحق في النوم ، ولا شكّ هذا ، وأنّه لا شكّ ~~الحقّ عينه ، فتتبعه لوازم تلك الصورة وحقائقها التي تجلَّى فيها في النوم ، ثم بعد ~~ذلك يعبر - أي يجاز - عنها إلى أمر آخر يقتضي التنزيه عقلا ، فإن كان الذي يعبرها ~~ذا كشف أو إيمان ، فلا يجوز عنها إلى تنزيه فقط ، بل يعطيها حقها من التنزيه ، ~~وممّا ظهرت فيه ) . يعني : من التشبيه # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فالله على التحقيق عبارة لمن فهم الإشارة ، وروح هذه ~~الحكمة وفصّها أنّ الأمر ينقسم إلى مؤثّر ومؤثّر فيه وهما عبارتان ، فالمؤثّر بكل ~~وجه ، وعلى كل حال ، وفي كلّ حضرة هو الله ، والمؤثّر فيه بكل وجه ، وعلى كل حال ، ~~وفي كل حضرة هو العالم ، فإذا ورد وارد الحقّ فألحق كلّ شيء بأصله الذي يناسبه ، ~~فإنّ الوارد أبدا لا بدّ أن يكون فرعا عن أصل كما كانت المحبّة الإلهية عن النوافل ~~من العبد ، فهذا أثر بين مؤثّر ومؤثر فيه وكم كان الحق سمع العبد وبصره وقواه عن ~~هذه المحبة ، فهذا أثر مقرّر لا تقدر على إنكاره ، لثبوته شرعا إن كنت مؤمن . # وأمّا العقل السليم فهو إمّا صاحب تجلّ إلهي في محلّ طبيعي ، فيعرف ما قلناه ، ~~وإمّا مؤمن مسلم يؤمن به ، كما ورد في الصحيح . ولا بدّ من سلطان الوهم أن يحكم على ~~العاقل الباحث فيما جاء به الحق في هذه الصورة ، لأنّه مؤمن بها وأمّا غير المؤمن ~~فيحكم بالوهم على الوهم ، فيتخيّل بنظره الفكري أنّه قد أحال على الله ما أعطاه ذلك ~~التجلَّي في الرؤيا ، والوهم في ذلك لا يفارقه من حيث لا يشعر بغفلته عن نفسه ) . # يشير رضي الله عنه إلى ما ذكر أوّلا عن سعة سلطان الوهم ، والوهم قوّة ، له # مدخل في التخيّلات ، وتحكَّم أيضا في المعقولات والمحسوسات ، من شأنها أن تركَّب ~~أقيسة كلَّية من الموادّ الجزئية ، وتحكم بالشاهد على الغائب ، وتجري الحكم كلَّيا ~~والمقيس عليه جزئي والمقيس كلي ، ويعبّر في العرف النظري عن هذا القياس بالتمثيل ، ~~والمثال فيما نحن بصدده : أنّ الحق - مثل - تجلَّى في صورة إنسانية نوما ، فالمؤمن ~~العاقل يؤمن بذلك ، ويتوهّم أنّه مطَّرد في جميع صور التجلَّي ، أو أنّه كلَّما ~~يتجلَّى يتجلَّى في الصورة الإنسانية ، أو أنّ الصورة الإنسانية صورته في كلّ تجلّ ~~. # والمنزّه ينزّه الحق عن الصورة في الدليل العقلي ، ويحكم بالوهم : أنّ ذلك له - ~~تعالى - ذاتي ، وذلك تعيّن له في مرتبة الفكر ، لا في الكشف ولا في التجلَّي ولا ~~كلَّما شاء ، فإنّه - تعالى - إن شاء ظهر في كل صورة ، فأضيف إليه ما يضاف إلى تلك ~~الصورة ، وإن لم يشأ ، لا يضاف إليه صورة أصلا ، فلا يحكم عليه أنّه في كل موطن ~~ومقام منزّه كذلك ، وهو وهم من المنزّه ، لأنّ تنزيهه عن الصورة حصوله فيما لا صورة ~~له ، وحدّه به ، وهو - تعالى - غير محدود ، وتشبيه له - تعالى - بالعقول والمجرّدات ~~عن الصور في زعم من يقول بذلك ، وهو قد يتوهّم أنّه قد نزّه وهو في عين التشبيه ، ~~فلا يخلو عاقل ، - كما ذكر رضي الله عنه - عن الوهم . # قال رضي الله عنه : ( ومن ذلك قوله : " ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ " قال تعالى ~~: "وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ~~إِذا دَعانِ" ، إذ لا يكون مجيبا إلَّا إذا كان من يدعوه غيره ) . # يعني : يتوهّم الداعي ذو الوهم أنّ قربه عنه كقرب الأشياء الجسمانية بعضها من بعض ~~، وأنّه غيره من كل وجه ، وذلك وهم منه ، إذ هو هو ، لا غير ، ويتوهّم المفكَّر ~~أيضا أنّ القرب والبعد لا يكونان إلَّا بين الأجسام المتحيّزة بعضها من بعض ، وهو ~~أيضا وهم منه . # قال رضي الله عنه : ( وإن كان عين الداعي عين المجيب ، فلا خلاف في اختلاف الصور ~~، فهما صورتان بلا شكّ ، وتلك الصور كلَّها كالأعضاء لزيد ، فمعلوم أنّ زيدا حقيقة ~~واحدة شخصية ، وأنّ يده ليست صورة رجله ولا رأسه ولا عينه ولا حاجبه ) . # يعني : مع أنّ زيدا ليس إلَّا هيئة اجتماعية من هذه الأعضاء ، فليست صورة عضو منه ~~عين عضو آخر . # قال رضي الله عنه : ( فهو الكثير الواحد ، الكثير بالصورة ، والواحد بالعين ، ~~وكالإنسان بالعين واحد بلا شكّ ولا نشكّ أنّ عمرا ما هو زيد ولا خالد ولا جعفر ، ~~وأنّ أشخاص هذه العين الواحدة لا تتناهى وجودا شخصيا ، فهو وإن كان واحدا بالعين ، ~~فهو كثير بالصور والأشخاص ، وقد علمت قطعا إن كنت مؤمنا أنّ الحق عينه يتجلَّى يوم ~~القيامة في صورة فيعرف ، ثم يتحوّل في صورة فينكر ، ثم يتحوّل عنها في صورة فيعرف ، ~~وهو هو المتجلَّي ليس غيره في كل صورة ، ومعلوم أنّ هذه الصورة ما هي تلك الصورة ~~الأخرى ، فكان العين واحدة قامت مقام المرآة ، فإذا نظر الناظر فيها إلى صورة ~~معتقدة في الله عرفه وأقرّ به ، وإذا اتّفق أن يرى فيها معتقد غيره ، أنكر كما يرى ~~في المرآة صورته وصورة غيره ، فالمرآة عين واحدة والصور كثيرة في عين الرائي ، وليس ~~في المرآة صورة منها جملة واحدة مع أنّ المرآة لها أثر في الصور بوجه ، وما لها أثر ~~بوجه ، فالأثر الذي لها كونها ترد الصورة متغيّرة الشكل من الصغر والكبر ، والطول ~~والعرض ، فلها أثر في المقادير ، وذلك راجع إليها ، وإنّما كانت هذه التغييرات منها ~~، لاختلاف مقادير المرائيّ ) . # قال العبد : قد صرّح بالحق الموجود المشهود في هذا المثال ، فإنّ عين الحق - ~~تعالى - لمّا تجلَّى في قابلية كلَّية ، يعمّ ظهور هذه الصور الاعتقادية فيها ~~بحسبها ، فلا شكّ أنّ كلّ ناظر يعتقد فيه صورة إذا رأى صورة معتقده فيه أقرّ واعترف ~~، ذلك التحقيق يقتضي أنّه لم يقرّ ولم يعترف إلَّا بصورة اعتقاده في الحقّ لا بالحق ~~، فلو أقرّ واعترف بالحق ، لاعترف وأقرّ به في صور المعتقدات كلَّها ، مع إقراره ~~واعترافه أنّه غير محدود ، ولا منحصر في شيء منها ، ولا في الجميع ، ولكنّه إذا رأى ~~صورة غير صورة معتقده أنكره ، # وهو تعالى يقبل إنكاره من حيث خلاف صورة معتقده ، كما يقبل إقراره في عين صورة ~~معتقده ، ويكون عين الكلّ وهو في ذاته تعالى الغنيّة عن العالمين منزّه عن كلّ هذا ~~، وعن الظهور والتعيّن بها جمعا وفرادى ، وعن نفيك هذه الأمور والصور عنه وتنزيهه ~~عنه . # وأمّا ظهور الصور متغيّرة في مرآة الحق لاختلاف في المرآة فضرب مثل لتجلَّي الحق ~~في صور الحضرات مرائي ، فلا يكون تجلَّيه وظهوره في مرآتية كل حضرة حضرة إلَّا ~~بحسبها ، فإنّ نظر ناظر إلى الحق من حيث تجلَّيه في حضرة ، فإنّه تظهر صورة الرائي ~~له في تلك الحضرة بحسبه ، وأمّا في تجلَّيه الوجودي الذاتي الأحدي الجمعي ، فلا يرى ~~فيه صورة إلَّا على ما هي عليه ، ولكنّ الناظر إن لم يغلب على نظره التقيّد بصورة ~~دون صورة ، ولا حصره في الصورة المرئيّة في المرآة كلَّها ولم ينفها عنه مطلقا ، ~~فإنّه يرى العين بعين رؤية العين عينها ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( فانظر في المثال مرآة واحدة من هذه المرائي لا تنظر الجماعة ~~وهو نظرك من حيث كونه ذاتا ، فهو غنيّ عن العالمين ، ومن حيث الأسماء الإلهية فذلك ~~الوقت يكون كالمرائي ، فأيّ اسم إلهي نظرت فيه نفسك أو من نظر فإنّما يظهر في ~~الناظر حقيقة ذلك الاسم ، فهكذا هو الأمر إن فهمت ، فلا تجزع ولا تخف ، فإنّ الله ~~يحبّ الشجاعة ولو على قتل حيّة ، وليست الحيّة سوى نفسك ، والحيّة حيّة لنفسها ~~بالصورة والحقيقة ، والشيء لا يقتل عن نفسه وإن أفسدت الصورة في الحسّ ، فإنّ الحدّ ~~يضبطها والخيال لا يزيله ) . # يشير رضي الله عنه: محرّضا على إطلاق العلم بالله عن كلّ قيد وحصر في عقد ، وليس ~~ذلك إلَّا بإفساد الاعتقادات الجزئية التقييدية التحديدية صورة أو معنى أو بهما معا ~~، ويشجّع الناظر في حقيقة الحق على إفساد صورة التقييد والتحديد ، حتى يشهد الحق ~~الموجود المشهود الشاهد ، كما هو في حقيقته ، وذلك بأن يراه عين كل شيء غير منحصر ~~في تعيّنه به وفيه ، # ولا في الكلّ مطلقا عن الكلّ جامعا بين التعيّن واللاتعيّن مطلقا في جمعه بينهما ~~، قابلا كلّ وصف وحكم واعتبار من كل حاكم وواصف معتبر ، مع كمال تقديسه ونزاهته في ~~حقيقته عن كل ذلك ، وإطلاقه في ذاته الغنيّة عن العالمين ، فهذا هو العلم المحقّق ~~الصحيح بحقيقة الحق على ما يعلم نفسه ، وفي تفصيل ذلك طول ، فتدبّر وتحقّق إن شاء ~~الله تعالى. # واعلم : أنّه ليس وراء الله مرمى ولا دونه منتهى ، وهو المنتهى والمنتهى ولا ~~انتهاء له إلَّا إليه ، إليه المصير ، وهو الواحد الأحد الذي ليس في الوجود غيره . # قال رضي الله عنه : ( وإذا كان الأمر على هذا ، فهذا هو الأمان على الذوات ~~والعزّة والمنعة ، فإنّك لا تقدر على إفساد الحدود ، وأيّ عزّة أعظم من هذه العزّة ~~؟ فتتخيّل بالوهم أنّك قتلت ، وبالعقل والوهم لم تزل الصورة موجودة في الحدّ ، ~~والدليل على ذلك "وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ الله رَمى " . # والعين ما أدركت إلَّا الصورة المحمدية التي ينسب لها الرمي في الحسّ ، وهي التي ~~نفى الله الرمي عنها أوّلا ، ثم أثبته لها وسطا ، ثم عاد بالاستدراك أنّ الله هو ~~الرامي في صورة محمدية ، ولا بدّ من الإيمان بهذا ، فانظر إلى هذا المؤثّر ، حتى ~~أنزل الحق في صورة محمدية ، فأخبر الحق نفسه عباده بذلك ، فما قال أحد منّا عنه ذلك ~~، بل هو قال عن نفسه ، وخبره صدق والإيمان به واجب ، سواء أدركت علم ما قال أو لم ~~تدركه ، فإمّا عالم أو مسلم مؤمن ، # وممّا يدلّ على ضعف النظر العقلي من حيث فكره كون العقل يحكم على العلَّة أنّها ~~لا تكون معلولة لمن هي علَّة له ، هذا حكم العقل لا خفاء به ، # وما في علم التجلَّي إلَّا هذا وهو أنّ العلَّة تكون معلولة لمن هي علَّة له ~~والذي حكم به العقل صحيح مع التحرير في النظر ، وغايته في ذلك أن يقول # إذا رأى الأمر على خلاف ما أعطاه الدليل النظري : إنّ العين بعد أن ثبت أنّها ~~واحدة في هذا الكثير ، فمن حيث هي علَّة في صورة من هذه الصور لمعلولها في حال ~~كونها علَّة ، بل ينتقل الحكم بانتقالها في الصور ، فتكون معلولة لمعلولها ، فيصير ~~معلولها علَّة لها . ### || هذا غايته إذا كان قد رأى الأمر على ما هو عليه ، ولم يقف مع نظره الفكري ). # يشير إلى أنّ العلَّية معلولة وجودا وتقديرا لمعلوليّة المعلول ، # لأنّه لولا معلولية المعلول لم تتحقّق علَّية العلَّة ، وحينئذ لم تكن العلَّة ~~علَّة لهذا المعلول ، # فعلَّيّة العلَّة متوقّفة التحقق على معلولية المعلول ، فإذن معلولية المعلول ~~علَّة لعلَّية العلَّة ، ولولا العلة وعلَّيّتها - لما كان المعلول معلولا ولا ~~المعلولية نعتا له ، فتكون علَّية العلَّة علَّة لمعلولية المعلول ، والمعلول معلول ~~بقيام المعلولية به ، # وكذلك العلة علَّة لقيام العلَّية بها فالعلة مع علَّيتها - التي بها علة للمعلول ~~- معلولة لمعلولية المعلول التي هو بها معلول ، إذ هي عينه ، كما أنّ العلَّية ليست ~~زائدة على العلَّة إلَّا في التعقّل لا في الوجود ، إذ العقل ينتزع معنى العلَّية ~~فيفرزه زائدا على عين العلة ، وليس كذلك ، # إذ العلَّية والمعلولية لا عين لهما خارجا عن العلَّة والمعلول في الوجود ، إذ لو ~~كان لهما تحقّق وجودي دون عين العلة والمعلول ، لتحقّق امتيازهما عنهما في الوجود ، ~~والامتياز ليس إلَّا في تعقّل المتعقّل ، وكذلك جميع المتضايفات لا تحقّق لأحدهما ~~إلَّا بالآخر ، فكلّ منهما علة لمعلوله ، # فيقول الناظر المناظر والمفكَّر الماهر بعد تحقّقه أحدية عين العلة والمعلول : # هذه العين الواحدة باعتبار كونها علة ليست معلولة لعلَّته بل باعتبار آخر فتنتقل ~~العلَّية إلى المعلول باعتبار آخر ، والمعلولية إلى العلَّة كذلك باعتبار آخر ، ~~وبتغاير الاعتبارين يتغاير الحكمان ، فنقول : والعلَّة باعتبار عليّته ليست معلولة ~~لمعلولها ، والمعلول باعتبار معلوليته ليس علَّة لعلَّته إلَّا باعتبار الانتقال ~~المذكور ، # فنقول له بلسان الذوق والتحقيق : للعين الواحدة فيهما مع وجود الاعتبارين صلاحية ~~قبول الكلّ بكونها عين العلة وعين المعلول ، حال كون العلة علَّة وكون المعلول ~~معلولا ، وعين العلية والمعلولية المعتبرتين في العلة والمعلول حالتئذ ، فهي في ~~عينها جامعة بين العلية والمعلولية ، فهي العلة بعلَّيتها والمعلول بمعلوليتها ، إذ ~~لا يمكن اعتبار هذه العين الواحدة إلَّا وجميع الاعتبارات لها من عينها في حالة ~~واحدة على السواء ، # وهذا صورة الأمر في التجلَّي ، فإنّ المتجلَّي والمتجلَّى له والتجلَّى وكون ~~المتجلَّى متجلَّيا والمتجلَّى له متجلَّى له هو الحق الواحد عينه ، المستغرق لجميع ~~هذه الاعتبارات التي يتعقّلها العقل ، والامتياز والفرقان ليس إلَّا في العقل ~~والصور المتعقّلة المفروضة المنتزعة عن العين ، والدليل على ذلك أحدية العين ، فإنّ ~~واحدا أحد ما ثمّ إلَّا هو ، فانظر ما ذا ترى ، وتأمّل مليّا تجده واضحا جليّ . # قال رضي الله عنه : ( وإذا كان الأمر في العلَّة بهذه المثابة ، فما ظنّك باتّساع ~~النظر العقلي في غير هذا المضيق ؟ فلا أعقل من الرسل - صلوات الله عليهم - وقد ~~جاؤوا بما جاؤوا به في الخبر عن الجناب الإلهي ، فأثبتوا ما أثبته العقل » يعني في ~~طور العقل . # « وزادوا ما لا يستقلّ العقل بإدراكه وما يحيله العقل رأسا ويقرّ به في التجلَّي ~~فإذا خلا بعد التجلَّي بنفسه ، حار فيما رآه ، فإن كان عبد ربّ ، ردّ العقل إليه ، ~~وإن كان عبد نظر ، ردّ الحق إلى حكمه ، وهذا لا يكون إلَّا ما دام في هذه النشأة ~~الدنياوية محجوبا عن نشأته الآخرة في الدني ) . # يعني : يكون في هذه النشأة أبدا مقيّدا فيحار ويجار عن الحق ، ولا يجار إليه ، ~~حتى يجيره عمّا يحيّره ، ويخبر بما يخبره . # قال رضي الله عنه : ( فإنّ العارفين يظهرون هنا كأنّهم في الصورة الدنياوية لما ~~يجري عليهم من أحكامها ، والله - تعالى - قد حوّلهم في بواطنهم في النشأة الأخراوية ~~، لا بدّ من ذلك ، فهم بالصورة مجهولون إلَّا لمن كشف الله عن بصيرته ، فأدرك ، فما ~~من عارف بالله من حيث التجلَّي الإلهي إلَّا وهو على النشأة الآخرة قد حشر في دنياه ~~). # أي جمع ليوم الجمع « ونشر من قبره » أي انطلق عن قيده ولم يتقيد بتعينه ، # قال رضي الله عنه : ( فهو يرى ما لا يرون ويشهد ما لا يشهدون عناية من الله ببعض ~~عباده في ذلك . # فمن أراد العثور على هذه الحكمة الإلياسية الإدريسية الذي أنشأه الله نشأتين ، ~~وكان نبيّا قبل نوح ، ثم رفع ونزل رسولا بعد ذلك ، فجمع الله له بين المنزلين ، ~~فلينزل عن حكم عقله إلى شهوته ، ويكون حيوانا مطلقا ) يعني من غير تصرّف عقلي . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( حتى يكشف ما يكشفه كلّ دابّة ما عدا الثقلين ، فحينئذ ~~علم أنّه قد تحقّق بحيوانيته . وعلامته علامتان : الواحدة هذا الكشف ، فيرى من ~~يعذّب في قبره ومن ينعّم ، ويرى الميّت حيا والصامت متكلَّما والقاعد ماشي . # والعلامة الثانية الخرس بحيث إنّه لو أراد أن ينطق بما رآه ، لم يقدر ، فحينئذ ~~يتحقّق بحيوانيته . # وكان لنا تلميذ قد حصل له هذا الكشف ، غير أنّه لم يحفظ عليه الخرس ، فلم يتحقّق ~~بحيوانيته . ولمّا أقامني الله في هذا المقام تحقّقت بحيوانيتي تحقّقا كلَّيا ، ~~فكنت أرى وأريد النطق بما أشاهده ، فلا أستطيع ، فكنت لا أرى الفرق بيني وبين الخرس ~~الذين لا يتكلَّمون ) . # قال العبد : إنّما ذكر الشيخ رضي الله عنه قبيل ذكره سرّ هذا الكشف مسألة ظهور ~~العين الواحدة في صور كثيرة هي في تلك الصور عينها غير مقيّدة ولا منحصرة في شيء ~~منها ، فيصدق على تلك العين الواحدة في صورة من تلك الصور الكثيرة أنّها عينها في ~~صورة أخرى أو صور أخر من وجه ، ويصدق أيضا أنّها من كونها في صورة عينها أنّها عين ~~الأخرى من حيث تغاير الصورتين ، والتعيين باعتبار آخر ، # فيقال في إدريس : إنّه هو إلياس عينه ، أو إلياس المرسل إلى بعلبكّ هو إدريس الذي ~~كان يوحى إليه قبل نوح من حيث التعين ، ويصدق أنّه غيره من حيث الصورة والتعيّن ، ~~فتحقّق ولا تغلط في الحقائق والأعيان بالتباس التعينات عليك . # فلو قلنا : إنّ العين أخلت الصورة الإدريسية وانتقلت إلى الصورة الإلياسية فكانت ~~عامرتها دون الصورة الإدريسية ، لكان عين القول بالتناسخ ، ولكنّ الفرق ما بيّنّا ، ~~فتدبّر وتبصّر ، # فإنّا نقول : إنّ عين إدريس وهويته مع كونها قائمة في إنّيّة إدريس وصورته في ~~السماء الرابعة. # هي الظاهرة في الصورة الإلياسية ، والمتعيّنة في إنّيّة إلياس الباقي إلى الآن ، ~~فيكونان من حيث العين والحقيقة واحدا ، ومن حيث التعيّن الصوري والظهور الشخصي ~~اثنين ، كحقيقة جبرئيل وعزرائيل وميكائيل ، يظهرون في الآن الواحد في مائة ألف مكان ~~بصور شتّى ، كلَّها قائمة موجودة مشهودة بهؤلاء الأرواح الكلَّية الكاملة، فكذلك ~~أرواح الكمّل وأنفسهم ، فافهم. # وكذلك الحق المتجلَّي في صور تجلَّيات لا تتناهى وتعيّنات أسماء إلهية لا تحصى ~~واحد في ذاته وعينه المنزّهة في عين كونه كثيرا بالصور والتعيّنات . # ثمّ إنّه رضي الله عنه أحال التحقّق بهذه الحقيقة على الحقيقة من غير الطريقة على ~~أن يتحقّق السالك بحيوانيته ، وينزل من حكم العقل إلى حيوانيته ، ويعزل عن حكم ~~العقل جانبا ، حتى يبقى حيوانا محضا حقيقة ليعلم سرّ نزول إدريس - بعد أن تحقّق ~~بروحانيته حتى بقي عقلا مجرّدا بلا شهوة - إلى صورة إلياسية مبعوثا إلى أهل بعلبكّ ~~، # وفائدته في ذلك ، التحقّق بالمنزلتين : منزلة شهود الحق والتحقّق به في الملإ ~~الأعلى ذوقا ، والتحقّق بشهود الحق أيضا في الأسفل والتحقّق به كذلك . # حقّقنا الله وإيّاك بحقائق الجمع بين هذين الكمالين بحوله وفضله وطوله ، إنّه ~~قدير . # ولهذا دعا قومه في صورة إلياسية ، وأخبرهم بأحدية العين في عين كثرة لا تنحصر ، ~~فقال الله - تعالى - حكاية عنهم في القرآن أنّه قال لهم : "الله رَبَّكُمْ وَرَبَّ ~~آبائِكُمُ الأَوَّلِينَ " مع تحقّق كثرة المربوبين في أزمنة متغايرة بالتعين ، ~~ومعلوم أنّ نسبة مربوب إلى ربّ غير النسبة الأخرى إلى مربوب آخر ، على أنّ النسبة ~~والتعيّن والربوبية والمربوبية في الكلّ من حيث الإطلاق واحدة أيضا ، ولكن ليست هذه ~~النسبة عين تلك النسبة الأخرى ، فاعقل ذلك ولا تغفله ولا تهمله أبدا ، فإدريس هو ~~إلياس بحقيقته وعينه ، وليست صورته الإدريسية عين صورته الإلياسية ، فالصورتان ~~متميّزتان غيران ، والعين واحدة ، # والصورة - من كونها صورة مطلقة - واحدة أيضا ، فلا غيرية إلَّا في التعيّن ~~والتشخّص لا غير ، وهو متعلَّق الحدوث والفناء والزوال وغيرها ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( فإذا تحقّق بما ذكرناه » يعني إذا نزل إلى حيوانيته وتحقّق ~~بها « انتقل إلى أن يكون عقلا مجرّدا في غير مادّة طبيعية ، فيشهد أمورا هي أصول ~~لما يظهر في الصور الطبيعية ، فيعلم من أين ظهر هذا الحكم في الصور الطبيعية علما ~~ذوقي ) . # يعني رضي الله عنه : أنّ السالك المتحقّق بحيوانيته إن انتقل بعد ذلك إلى التحقّق ~~بكونه عقلا مجرّدا عن القيود الطبيعية ، تحقّق حينئذ ذوقا أنّ العين - التي كانت في ~~العقل عين العقل ، وفي النفس عين النفس ، وفي المعاني معنى مجرّدا معقولا ، وفي ~~الحقّية وجودا بحتا صرف هو عين ذاته - تباركت وتعالت : وهو في الحيوان حيوان وفي ~~الجماد " جماد " قد ظهرت العين الحقيقة بهذه الصور كلَّها ، فهي أصل الكلّ ومنشؤه ~~ومنبعه ، ومنه وعليه منبعثه ومهيعه ، وإلى العين مصيره ومرجعه ، وأنّه أيضا في صورة ~~من صورها أصل ومنشأ لصورة أخرى بعده . # قال رضي الله عنه : (فإن كوشف على أنّ الطبيعة عين نفس الرحمن فقد أوتي خيرا ~~كثيرا) فإنّه قد أوتي الحكمة التي بها يغلب أعيان خلق العالم كلَّه مع كثرة صورها ~~غير المتناهية حقّا واحدا أحدا لا كثرة فيه أصلا ، وهذا هو الخير الكثير . # قال رضي الله عنه : ( وإن اقتصر معه على ما ذكرناه ، فهذا القدر يكفيه من المعرفة ~~الحاكمة على عقله ، فيلحق بالعارفين ويعرف عند ذلك ذوق "فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ~~وَلكِنَّ الله قَتَلَهُمْ "). # يعني رضي الله عنه : أنّ الله قتلهم في صوركم وموادّكم ، ( وما قتلهم إلَّا ~~الحديد والضارب والذي خلف هذه الصور ، فبالمجموع وقع القتل والرمي ، فيشاهد الأمور ~~بأصولها وصورها ، فيكون تامّا ، فإن شهد النفس ، كان مع التمام كاملا ، فلا يرى ~~إلَّا الله عين ما يرى ، فيرى الرائي عين المرئيّ ) كما كان يرى العلَّة عين ~~المعلول # ( وهذا القدر كاف ، والله الموفق الهادي ) . ### || . # %~% ### | فص حكمة إحسانية في كلمة لقمانية ### | 23 - فصّ حكمة إحسانية في كلمة لقمانية . شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على ~~متن فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # إنّما أضيفت هذه الحكمة إلى الكلمة اللقمانية ، لكون الغالب على لقمان عليه ~~السّلام شهود مقام الإحسان ، وهو شهود علميّ على م يأتي في وصاياه لابنه سرّ : " ~~وَوَصَّيْنَ الإِنْسانَ بِوالِدَيْه ِ حُسْناً " وغير ذلك . # " كان الغالب على حاله في كشفه وشهوده الإحسان ، وأوّل مرتبته الأمر بالعبادة على ~~البصيرة والشهود ، كما أمر لقمان ابنه في وصيّته إيّاه " يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ ~~بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " نهاه عن الشرك للإخلاص في عبادته ~~وعبوديته لله . # وهو أعلى مرتبة الإحسان ، ثم عرّفه بوصيّته تعالى الإنسان بالإحسان ، ولقد أحسن ~~في بيان إحسان الله تعالى إلى المرزوقين ، كما ستقف على أسراره عن قريب." # قال رضي الله عنه : (إذا شاء الإله يريد رزق %~% له فالكون أجمعه غذاء) # يعني رضي الله عنه : إذا تعلَّقت مشيّة الحق بإرادة الرزق له من حيث إنّه عين ~~الوجود الحق المتعيّن بأعيان الممكنات ، فإنّ الكون كلَّه والأحكام الظاهرة الإلهية ~~بالكون غذاء للوجود ، لظهوره بها في ملابس من الأسماء والصفات والنسب والإضافات ، # فإنّ الهوية الإلهية الحقّية - من حيث غيبها وتجرّدها عن المظاهر - غنيّة عن ~~العالمين وعن الأسماء كما عرفت من قبل . # وأمّا تعلَّق المشيّة بإرادة الرزق فمن كونه ظاهرا ومتعيّنا في أعيان العالم ، ~~والإرادة عين المشيّة من وجه ، # وكذلك قوله :" وإن شاء الإله يريد رزق %~% لنا فهو المشاء كما يشاء " # أي هو المراد ، كما " شاء " و " أراد " بمعنى ، وإن تعلَّقت مشيّة الحق بإرادة ~~الرزق من لدنه لنا فهو - من حيث كونه عين الوجود - يكون مرادا له في تعلَّق مشيّته ~~، فيكون رزقا لنا بوجوده كما شاء . # وإنّما نحن نقوش وصور وأشكال وهيئات وحروف وكلمات وسور وآيات ، والكلّ تعيّنات ~~نسبية لا تحقّق لها في حقائقها ، لكن بالمتعيّن بها ، فما لنا وجود ولا حياة ولا ~~بقاء إلَّا بالوجود الحق المتعيّن بن وفينا ، # فهو رزقنا وهو غذاؤن ، كما نحن غذاؤه بالأحكام ، فكما أنّ بقاءنا بالوجود ، فكذلك ~~بقاء الأسماء الإلهية والنسب الربّانية والحقائق الوجودية الوجوبية بأعيان الأكوان ~~، وقد مرّ هذا الذوق في الحكمة الإبراهيمية ، فتذكَّر . # ثمّ قال رضي الله عنه : ( مشيّته إرادته فقولو %~% به قد شاءها فهي المشاء ) # يأمر رضي الله عنه بالقول : « إنّ المشيّة تتعلَّق بالإرادة مع أنّها عينها » # أي قولو : " شاء أن يريد " فمفعول المشيّة إذن الإرادة ، ولمّا كانت الإرادة ~~تخصيص المعلوم المراد لما يقتضيه ، والإرادة من جملة المعلومات ، ولا سيّما الإرادة ~~المخصوصة ، فإنّه من حيث ذاته ليست نسبة المشية أو اللامشيّة إليه أولى من إحداهم ، ~~فهو من كونه إلها له أن يريد فتخصّص حقيقة الإرادة لتخصيص ما أراد . # ثم قال رضي الله عنه : (يريد زيادة ويريد نقص %~% وليس مشاءه إلَّا المشاء ) # يريد رضي الله عنه : أنّ المشيّة قد تتعلَّق بالإرادة كالإرادة الإيجاد ، ~~وتتعلَّق بإرادة النقص بالإعدام ، فالإرادة تعلَّق المريد بالمراد المعلوم ليوجده ، ~~كقوله تعالى " : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ أي يوجد ، فإنّ فعله الإيجاد ، # وما تعلَّقت الإرادة حيث وردت في القرآن العظيم إلَّ بالمعلوم المعدوم العين ~~ليوجده ، # كقوله تعالى : " إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذ أَرَدْناه ُ " أي للإيجاد ( أَنْ ~~نَقُولَ لَه ُ كُنْ فَيَكُونُ ) وكقوله : " فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا ~~أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما " [الكهف : 82] # وقوله : " فَأَرَدْن أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْه ُ " [الكهف : 81] # وأمّا المشيّة فتعلَّقها أعمّ ، فإنّه تتعلَّق بالموجود للإعدام وتتعلَّق ~~بالمعدوم أيضا للإيجاد ، كقوله - تعالى - : " إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ ~~بِخَلْقٍ جَدِيدٍ " . # فتعلَّقت بهم وهم موجودون ليذهبهم ، وهو إعدام عينهم وتعيّنهم الشخصيّ العينيّ ، ~~" وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ " تتعلَّق بخلق معدوم الأعيان لم يأت بعد ليأتي به . # قال رضي الله عنه : (فهذا الفرق بينهما فحقّق %~% ومن وجه فعينها سواء) # يريد : أنّ المشيّة تتعلَّق بالزيادة عند الإيجاد ، وتتعلَّق بالنقص عند الإعدام ~~والإفساد ، وليست الإرادة كذلك ، فإنّها مخصوصة بالإيجاد والفعل دون الإعدام ، فهذا ~~هو الفرق بين المشيّة والإرادة ، وهما من حيث حقيقتهما - الأحدية الجمعية التي ~~تشملهما - عين واحدة . # وإنّما أورد هذه المسألة في هذا الفصّ ، لما يتضمّن من حكمة الرزق ، وأنّه لا بدّ ~~من إيصال كل رزق إلى كل مرزوق ، وكيفية توصيله بتفصيله . # قال رضي الله عنه : ( قال الله - تعالى : " وَلَقَدْ آتَيْن لُقْمانَ الْحِكْمَةَ ~~" ،" وَمن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً " [البقرة : 269 ] ، ~~فلقمان بالنصّ هو ذو الخير الكثير ، لشهادة الله له بذلك ، والحكمة قد تكون متلفّظا ~~بها ومسكوتا عنها ) . # يعني : أنّ النطق في موضعه حكمة ، والسكوت أيضا في الموضع الأليق الأنسب بذلك ~~كذلك حكمة ، كما سكت لقمان عن سؤال داوود عليه السّلام في صنعة السرد وعمل الدروع ~~بمحضر من لقمان ، فلم يسأله عنه وسكت ، حتى إذا أتمّه وأكمله داوود ، فأفرغه على ~~لقمان ، # فقال لقمان : نعم الآلة للحرب ، فقيل : إنّه قال له داوود عند ذلك : الصمت حكمة . # فمثل هذا السكوت لعمر الله حكمة يدفع بها الاستعجال ، ويورث التؤدة والوقار . # قال رضي الله عنه : ( مثل قول لقمان لابنه : " يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ ~~مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أَوْ في السَّماواتِ أَوْ في ~~الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الله " [لقمان : 16] ، فهذه حكمة منطوق بها ، وهي أن جعل ~~الله هو الآتي بها ، وقرّر ذلك الله في كتابه ، ولم يردّ هذا القول على قائله . # وأمّا الحكمة المسكوت عنها - وقد علمت بقرينة الحال - فكونه سكت عن المؤتى إليه ~~بتلك الحبّة ، فما ذكره ، وما قال " لإبنه " : يأت بها الله إليك أو إلى غيرك ، ~~فأرسل الإتيان عامّا ) يعني في " يَأْتِ بِهَا الله " فالإتيان بها عامّ من الله من ~~كلّ مكان . # قال رضي الله عنه : ( وجعل المؤتى به في السماوات إن كان أو في الأرض ، تنبيها ~~لنظر الناظر في قوله : "وَهُوَ الله في السَّماواتِ وَفي الأَرْضِ " [الأنعام : 3 ] ~~، فنبّه لقمان بما تكلَّم به وبما سكت عنه أنّ الحق عين كل معلوم ، لأنّ المعلوم ~~أعمّ من الشيء فهو أنكر النكرات ). # قال العبد : أمّا تنبيهه على أنّ الحق عين كل معلوم فمن حيث إنّ المعلومات إمّا ~~علويات تسمّى سماويّات ، أو سفليات وهي الأرضيات : # فالسماوات الساميات العلويات حقيقة هي الحقائق والأعيان الأسمائيّة # والروحانية على كثرة اختلاف طبقاتها وصورها ومعانيها ومراتبه ، مع عدم تناهي ~~شخصياتها في التعيّنات والنوعية ، فإنّها هي العلويات الأصلية البحتة . # والسفليات الحقيقية والأرضيات هي الحقائق الكونية ، لأنّها تحت أحكام الحقائق ~~الإلهية الوجوبية ، فلحقائق الوجوب حقائق السماوات . # ثمّ الأرواح العلَّية الكلَّية العليّة الإلَّيّة المحيطة بإشراق نورها على ~~العوالم الجسمانية ، والسفل للحقائق الكونية أوّلا ، لأنّه منفعلة عن الحقائق ~~العلَّية العلَّية كما ذكرن . # ثمّ عالم الأجسام ، فإنّها تحت آثار العقول والنفوس والأرواح ، وتحت أحكامها ~~وتصرّفاته . # ثمّ الأجسام ، منها العلويات أيضا كذلك وهي السماوات المعروفة عرفا وفي الحقيقة ~~السماوات هي العلويات كلَّها ، والسفليات كلَّها أرضيات ، # فلمّا قال :" يَأْتِ بِهَا الله " [ لقمان: 16] ، أي بما في السماوات وما في ~~الأرض من الرزق ، فقد جعله إلها رزّاقا من السماوات والأرض ، # والكائن في السماء سماوي ليس بأرضيّ والأرضي كذلك ، لكون الوجود متعيّنا بحسبه ~~وبحسب موطن المعيّن ، فإن لم يكن موجودا مطلق الوجود والتعيّن والتصرّف والعلم ، ~~محيطا بالعين بما في السماوات والأرض من المرزوقين والأرزاق ، # لم يتأتّ أن يأتي بما في السماوات إلى من في الأرض أو في السماء ، ولا بما في ~~الأرض لمن في السماء أو في الأرض من أرزاق المرزوقين ، وإحاطة عين الوجود الحق بما ~~في السماوات والأرض من الأعيان بأن يكون عينها ، # وإلَّا لا تكون إحاطة كلَّية مطلقة من العلم إلَّا بالعين لائقة بجناب الله تبارك ~~وتعالى فهو من كونه عين المرزوق والرزق يأتي بما في السماوات والأرض من الرزق . # وأمّا كون المعلوم أعمّ من الشيء فلأنّ الشيء هو الذي له وجود عيني وتحقّق في ~~عينه ، والمعلوم يتناول ما له وجود عيني بل علمي ، فإنّ الموجودات معلومة للحق ، ~~وكذلك علمه محيط بما لم يتحقّق له وجود ، فإنّ عينه يتعيّن به وفيه ، فالمعلوم أعمّ ~~من الشيء . # قال بعض أهل النظر : قد يكون الشيء ثابتا وسمّى الماهيات أشياء ثابتة ، # فرجّح الشيخ رضي الله عنه قول القائل بالأوّل ، ويعضده وإيّان فيه التحقيق والنظر ~~اللغوي ، فإنّ الشيء مشتقّ من المشيّة ، # كما قيل : كلّ شيء يشيّئه الله ، أي بمشيّته والشيء ما خصصته المشيّة ، وعيّنه ~~الإيجاد من المعلومات ، وليس كل معلوم مرادا للإيجاد أو للإعدام ، وهو فعل بمعنى ~~محلّ تعلَّق المشيّة ، وم يتعلَّق به المشيّة وما لا يتعلَّق به المشيّة ، فليس كل ~~معلوم مرادا للإيجاد أو الإعدام ، فافهم . ### || قال رضي الله عنه : ( ثم تمّم الحكمة واستوفاها لتكون النشأة كاملة فيها ~~فقال : # " إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ " [ لقمان :16] ، فمن لطافته ولطفه أنّه في الشيء ~~المسمّى بكذا لمحدود بكذ عين ذلك الشيء ، حتى لا يقال فيه إلَّا ما يدلّ عليه اسمه ~~بالتواطؤ والاصطلاح ، # فيقال : هذا سماء وأرض وصخرة وشجرة وحيوان ورزق وملك وطعام ، والعين واحدة من كل ~~شيء وفيه ، كما تقول الأشاعرة : إنّ العالم كلَّه متماثل بالجوهر ، فهو جوهر واحد ، ~~فهو عين قولنا : العين واحدة ، ثم قالت ويختلف بالأعراض ، وهو قولنا ويختلف ويتكثّر ~~بالصور والنسب حتى يتميّز ، فيقال : هذا ليس هذا من حيث صورته أو عرضه أو مزاجه - ~~كيف شئت فقل - وهذا عين هذا من حيث جوهره . ولهذا يؤخذ عين الجوهر في حدّ كل صورة ~~ومزاج ، فنقول نحن : إنّه ليس سوى الحق . ويظنّ المتكلَّم أنّ مسمّى الجوهر - وإن ~~كان حقا - ما هو عين الحق الذي يطلقه أهل الكشف والتجلَّي ، فهذا حكمة كونه لطيفا ~~). # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ الأشاعرة مع قولهم بأحدية الجوهر في صور العالم ~~كلَّها يقولون باثنينية العين . ولو كان كما قالوا ، لما كان الحق الموجود المشهود ~~المطلق واحدا أحدا في الوجود . # بل كانا عينين موجودتين ، وانتهى حدّ كل منهما إلى الأخرى ، وتمايزا ، لكون كل ~~منهما غير الآخر ، وليس عينه ، وحينئذ يتميّز كل منهما عن الآخر ويحدّ بامتيازه عن ~~الآخر ، # والحق يتعالى عن أن يكون معدودا محدودا ، أو يكون معه غيره في الوجود حقيقة ، # فالحق أن يقال : ما في الوجود إلَّا عين واحدة ، هي عين الوجود الحق المطلق ~~وحقيقته ، وهو الموجود المشهود لا غير ، ولكن هذه الحقيقة الواحدة والعين الأحدية ، ~~لها مراتب ظهور لا تتناهى أبدا في التعيّن والشخص . # فأوّل مراتبها إطلاقه وعدم انحصارها ولا تعيّنها عن كل قيد واعتبار . # والمرتبة الثانية تعيّنها في عينه وذاتها بتعيّن جامع لجميع التعينات الفعلية ~~المؤثّرة ، وهي مرتبة الله تعالى . # ثمّ المرتبة التفصيلية لتلك المرتبة الجمعية الأحدية الإلهية ، وهي مرتبة الأسماء ~~وحضراته . # ثم المرتبة الجامعة لجميع التعينات الانفعالية التي من شأنها التأثّر والانفعال ~~والانتقال والتقيّد ولوازمه ، وهي المرتبة الكونية الخلقية . # ثم المرتبة التفصيلية لهذه الأحدية الجمعية الكونية ، وهي مرتبة العالم ، # ثمّ هكذا في جميع الأجناس والأنواع والأصناف والأشخاص والأجزاء والأعضاء والأعراض ~~والنسب ، ولا تقدح كثرة التعينات واختلافها وكثرة الصور في أحدية العين ، # إذ لا تحقّق إلَّا لها في عينها وذاتها لا غير ، لا إله إلَّ هو ، # فالعين بأحدية الجمع النفسي الفيضي الوجودي سارية في جميع هذه المراتب والحقائق ~~المترتّبة فيها ، فهو فيها هي عينها لا غيرها ، كما كانت هي فيه في المرتبة ~~المذكورة الأحدية الجمعية الأولى هو لا غيره ، كان الله ولا شيء معه ، فافهم. # قال رضي الله عنه : ( ثم نعت فقال : «خبير» أي عالم عن اختبار وهو قوله :" ~~وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ " ) [محمد : 31] . # يشير رضي الله عنه: إلى العلم الثابت للحق من حيث حقّية وجود العباد . # قال رضي الله عنه : ( وهذا هو علم الأذواق ، فجعل الحق نفسه مع علمه بما هو الأمر ~~عليه - مستفيدا علما ، ولا تقدر على إنكار ما نصّ الحق عليه في حق نفسه ، ففرّق ما ~~بين علم الذوق والعلم المطلق ، فعلم الذوق مقيّد بالقوى ، وقد قال عن نفسه : # إنّه عين قوى عبده في قوله : « كنت سمعه » وهو قوّة من قوى العبد ، و " بصره " ~~وهو قوّة من قوى العبد و« لسانه » وهو عضو من أعضاء العبد و" رجله ويده " وما اقتصر ~~في # التعريف على القوى فحسب ، حتى ذكر الأعضاء وليس العبد بغير هذه الأعضاء والقوى ، ~~فعين مسمّى العبد هو الحق ، لا عين العبد هو السيد ، فإنّ النسب متميّزة لذاتها ، ~~وليس المنسوب إليه متميّزا فإنه ليس ثمّ سوى عينه معه فيتميّز عنه ، فهو هو وحده في ~~جميع نسبه الذاتية التي هي عينه ، فهو عين واحدة ذات نسب وإضافات وأسماء وصفات ، ~~فمن تمام حكمة لقمان في تعليمه ابنه ما جاء به في هذه الآية من هذين الاسمين ~~الإلهيين « لطيفا خبيرا » سمّى بهما الله ، فلو جعل ذلك في الكون - وهو الوجود - ~~فقال : « كان » ، لكان أتمّ في الحكمة وأبلغ ، فحكى الله قول لقمان على المعنى كما ~~قال ، ولم يزد عليه شيئ ). # يشير رضي الله عنه : إلى أنّ قوله : « لطيف خبير » إخبار بأنّه موصوف باللطف ~~والخبرة ، والإخبار بكونه كذلك - إذا كان عن كونه كذلك في وجوده ومقتضى ذاته من ~~مقام كان الله - كان إخبارا بكونه خبيرا عن خبرة لرعاية النسبة ، # فإنّه يخبر حينئذ عن خبره أنّه كان كما كان أزلا في ذاته خبيرا فهو كذلك في نفسه ~~بلا قرينة دالَّة على الخبرة ، بخلاف « كان » فإنه دلالة وجودية ، ولكن لقمان عليه ~~السّلام لمّا كان بصدد بيان الإخبار عن الواقع ، قال بهذه الصيغة ، وهي اللطيف ~~الخبير جزما ليتحقّق ابنه أنّه قد تحقّق ذلك ، فافهم ، فإنّه دقيق لطيف . # قال رضي الله عنه : ( وإن كان قوله : « إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ » من قول الله ~~) يعني في القرآن ، ( فلما علم الله تعالى من لقمان أنّه لو نطق متمّما لتمّم بهذ ) # . # يعني في اللغة العربية ومن حيث دلالة لفظ لقمان بلسانه ولغته بهذا ، وذلك من حيث ~~التحقيق والنظر الدقيق ، والعذر ما ذكرنا ، # فاذكر فإنّه بثبوت كونه أوتي الحكمة ، ثم هو فيما نحن بصدد بيانه في مقام التعليم ~~والإرشاد لابنه وثبوت بنوّة ابنه مع أبوّته له ، وبصحّة ثبوته عند ابنه وعندنا ، ~~فقام بهذه القرائن إخباره عن الواقع إخبارا حقيقيا جازم ، # فقام الإخبار عن خبرة ووجود ، كما لو قال : « كان الله لطيف خبيرا » وهذا وإن كان ~~كذلك ، فالمبالغة والإتمام لسياق الكلام على الوجه الأنسب أنسب في الحكمة ، فأخبر ~~الله عنه صورة ما جرى ، والحال الواقع من غير زيادة ول نقصان . # قال رضي الله عنه : (وأمّا قوله: " إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ " ~~[لقمان : 16] لمن هي غذاء له ، وليس إلَّا الذرّة المذكورة في قوله : " فَمَنْ ~~يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ُ * وَمن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ~~شَرًّا يَرَه ُ " [ الزلزلة : 7 - 8 ] ، فهي أصغر متغذّ ) . # يعني رضي الله عنه : لو كان أصغر منها لذكره الله في هذه الآية ، لكونه تعالى في ~~بيان أنهى درجة المبالغة . # ( و ) أيضا لأنّ ( الحبة من الخردل أصغر غذاء ولو كان ثمّ أصغر منه ، لجاء به ، ~~كما جاء بقوله تعالى : "إِنَّ الله لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما ~~بَعُوضَةً فَما فَوْقَها " [البقرة :26 ] ، ثمّ لمّا علم أنّ ثمّ ما هو أصغر من ~~البعوضة ، قال : « فما فوقها » يعني في الصغر وهذا قول الله ، والتي في الزلزلة قول ~~الله أيضا ، فاعلم ذلك ) . # قال العبد : فما فوق البعوضة في الصغر الذرّة ، وثمّ لطيفة أخرى ، وذلك أنّ ~~الذرّة مع صغرها أخفّ في الوزن أيضا ، لكونها حيوانا ، إذ الحيّ أخفّ من الموات ~~فانظر كمال البلاغ ، بأنّ العمل إذا كان مثقال ذرّة في الصغر والخفّة ، فلا بدّ من ~~رؤية الجزاء . # قال رضي الله عنه : ( فنحن نعلم أنّ الله ما اقتصر على وزن الذرّة ، وثمّ ما هو ~~أصغر منها ، فإنّه جاء بذلك على المبالغة والله أعلم . وأمّ تصغيره لاسم ابنه ~~فتصغير رحمة ، ولهذا وصّاه بما فيه سعادته إذا عمل بذلك . وأمّ حكمة وصيّته في نهيه ~~إيّاه أن " لا تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " [لقمان : 13] ، ~~والمظلوم المقام حيث نعته بالانقسام ، وهو عين واحدة - فإنّه لا يشرك معه إلَّا ~~عينه ، وهذا غاية الجهل ، وسبب ذلك أنّ الشخص الذي لا معرفة له بالأمر على ما هو ~~عليه ولا بحقيقة الشيء إذا اختلفت عليه الصور في العين الواحدة ، وهو ل يعرف أنّ ~~ذلك الاختلاف في عين واحدة ، جعل الصورة مشاركة للأخرى في ذلك المقام ، فجعل لكل ~~صورة جزءا من ذلك المقام ، ومعلوم في الشريك أنّ الجزء الذي يخصّه بم وقعت فيه ~~المشاركة ، ليس عين الآخر الذي شاركه ، إذ هو للآخر ، فما ثمّ شريك على الحقيقة ، ~~فإنّ كل واحد على حظَّه ممّا قيل فيه : إنّ بينهما مشاركة فيه ، وسبب ذلك ، الشركة ~~المشاعة ، وإن كانت مشاعة ، فإنّ التصريف من أحدهما يزيل الإشاعة ، « قل ادعوا الله ~~أو ادعوا الرّحمن » ، هذا روح المسألة ) . # هذه المباحث الشريفة ظاهرة ، والشركة بين الصورة الإلهية متوهّمة عند أهل الحجاب ~~، فإنّ الدعوة للذات في الصورة الرحمانية ، أو الصورة الإلهية ، أو هما معا ، # والداعي للرحمن مختصّ به من وجه ، فلا شركة ، وكذلك المختصّ بدعوة الله هذه في ~~المحجوب بالصورة ، وأمّا في دعوة صاحب الشهود فلا شركة ، لأحدية المدعوّ والمعبود ، ~~ولهذا علَّل سوغان الإجازة في دعوة أحدهما بقوله :" فَلَه ُ الأَسْماءُ الْحُسْنى " ~~[الإسراء : 110 ] # أي الدعوة للهوية العينية الغيبيّة الأحدية الجمعية بين صور الأسماء الحسنى ~~والمسمّيات ، # فل شركة أصل # . ### || . # %~% ### | فص حكمة إمامية في كلمة هارونية ### | 24 - فصّ حكمة إمامية في كلمة هارونية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # إنّما نسب الحكمة الإمامية إلى الكلمة الهارونية ، لكون هارون خليفة موسى في قومه ~~، وقد قال له : " اخْلُفْنِي في قَوْمِي " . # الإمامة لقب من ألقاب الخلافة ، وكانت الإمامة لهارون في صلواتهم ، وكذلك الإمامة ~~فيهم إلى اليوم في آل هارون . # "" كان هارون عليه السّلام إمام الأئمّة من الأحبار في بني إسرائيل كلَّهم ، ~~وأمره موسى عليه السّلام أن يؤمّ أمّته ، واستخلفه عليهم ، ولقد صرّح بإمامته في ~~القرآن ، وصرّح هو أيضا بذلك في طلبه الاتّباع والطاعة من قومه في قوله : " ~~فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُو أَمْرِي "" # قال رضي الله عنه : ( اعلم : أنّ وجود هارون عليه السّلام كان من حضرة الرحموت ~~بقوله : " وَوَهَبْنا لَه ُ من رَحْمَتِنا " [ مريم : 53 ] يعني موسى " أَخاه ُ ~~هارُونَ نَبِيًّا " [ مريم : 53 ] فكانت نبوّته من حضرة الرحموت ، فإنّه أكبر من ~~موسى سنّا ، وكان موسى أكبر منه نبوّة . ولمّا كانت نبوّة هارون من حضرة الرحمة ، ~~لذلك قال لأخيه موسى عليه السّلام : " يَا بْنَ أُمَّ " [ طه :94 ] فناداه بأمّه لا ~~بأبيه ، إذ كانت الرحمة للأمّ دون الأب أوفر في الحكم ، ولولا تلك الرحمة ، لما ~~صبرت على مباشرة التربية . # ثم قال : " لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي " [ طه : 94 ] و " فَلا ~~تُشْمِتْ بِيَ الأَعْداءَ " [ الأعراف : 150 ] ، فهذ كلَّه نفس من أنفاس الرحمة . ~~وسبب ذلك عدم التثبّت في النظر فيما كان في يديه من الألواح التي ألقاها بين يديه ، ~~فلو نظر فيها نظر تثبّت ، لوجد فيها الهدى والرحمة ، فالهدى بيان ما وقع من الأمر ~~الذي أغضبه ممّا هو هارون بريء منه . والرحمة بأخيه . # فكان لا يأخذ بلحيته بمرأى من قومه مع كبره وأنّه أسنّ منه ، وكان ذلك من هارون ~~شفقة على موسى ، لأنّ نبوّة هارون من رحمة الله ، فلا يصدر منه إلَّا مثل هذا ، ثم ~~قال هارون لموسى عليهما السّلام : "إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ ~~بَنِي إِسْرائِيلَ " [ طه : 94 ] فتجعلني سببا في تفريقهم ، فإنّ عبادة العجل فرّقت ~~بينهم ، وكان منهم من عبده اتّباعا للسامريّ وتقليدا له ، ومنهم من توقّف عن عبادته ~~، حتى يرجع موسى إليه ، فيسألونه في ذلك ، فخشي هارون أن ينسب ذلك الفرقان بينهم ~~إليه ، وكان موسى أعلم بالأمر من هارون ، لأنّه علم ما عبده أصحاب العجل ، لعلمه ~~بأنّ الله قد قضى ألَّا يعبد إلَّا إيّاه وما حكم الله بشيء إلَّا وقع ، فكان عتب ~~موسى لأخيه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتّساعه ، فإنّ العارف من يرى الحق ~~في كل شيء بل يراه عين كلّ شيء وكان موسى يربّي هارون تربية علم ، وإن كان أصغر منه ~~في السنّ ). # قال العبد : يريد التربية الربانية المتعيّنة لهارون في مادّة موسى عليهما ~~السّلام فإنّ التربية ل تكون حقيقة إلَّا من الربّ ، لأنّ نبوّته من رحمة ربانية ~~بموسى ، حتى يكمل بهارون أمره ويشدّ به أزره ، # فكان في تربية هارون وموسى من حيث لا يشعر بذلك إلَّا من شاء الله ، فإنّ جميع ~~أفعال العبيد التي يجري الله على أيديهم صور نسب أحكام حقائقهم ، فيوجدها الله على ~~حكم وعلوم تفرّد بعلمها هو ومن أعلمه بها ، # فوقوع العتب وعدم التثبّت وإلقاء الألواح من موسى وأخذه بلحية هارون ورأسه تأثير ~~قويّ ، غير متوقّع من مثله في مثل أخيه الذي هو أكبر منه سنّا ، إنّما حصل لتنبيهه ~~وتربيته على معرفة أسرار ما وقع من عبادة العجل وهو سرّ عظيم طوي عن الأنبياء من ~~حيث نبوّاتهم ، فيعلمهم من حيث ولايته لهم ، فيعلمون آخرا ، فافهم . # وهاهن دقيقة أخرى وهي أنّ موسى عليه السّلام كان في مبالغته في عتب أخيه يرى قومه ~~أنّ عبادة غير الله - أو ما يسمّى في زعم أهل الحجاب غير وسوى أو تعيّنا جزئيا في ~~شهود أهل الكشف والوجود - جهل أو كفر . # أمّا كونه جهلا فإنّ المعبود ما في الصور من الحق ، فإنّ العبادة لا يستحقّها ~~إلَّا الله الذي هو عين الكلّ ، وله هوية هذه الصور المعبودة في زعم أهل الحجاب . # وأمّا كونه كفرا فلكونها سترا بالتعيّن على الحق المتعيّن ، ففعل ذلك به ربّ موسى ~~من مادّته ، ليتنبّهوا على ما قد كان حذّرهم من قبل حين قالوا له : ( يا مُوسَى ~~اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) . ~~يعنى حقيقة الأمر ، # إنّ العبادة مطلقة لا تكون إلَّا للربّ المطلق ، كما قال : إنّما إلهكم الله ~~الَّذي خلق السّماوات والأرض ويعلم "م تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ " . # والإله المجعول ليس له الخلق ، فلا يستحقّ عبادة المخلوق إيّاه ، ولا علم له بما ~~تبدون وما تكتمون ، ولعلمه صلَّى الله عليه بجهلهم بمثل هذا توجّه العتب على هارون ~~، # فإنّه في تربيته قولا وفعلا ، ليعلمه من حيث ولايته ونبوّته مشعرا بذلك حالتئذ ، ~~أو لم يشعرا إلَّا بعد وقوع ما وقع ، وليعلمه بما هو الأمر عليه عند الله كذلك ، ~~فلمّ نبّه هارون الحقيقة المذكورة ، وتحقّق هو بذلك وبما وقع منه ، أعرض عن قومه - ~~بعد ما أراهم وأعلمهم بخطئهم - إلى السامريّ ، فلم يعتبهم ، وذلك أبلغ في الغرض . ### || قال رضي الله عنه : ( ولذلك لمّا قال هارون م قال ، رجع إلى السامري فقال له ~~: # " فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ " [ طه : 95 ] يعني فيما صنعت من عدو لك إلى صورة ~~العجل على التعيين ، وصنعك هذ الشبح من حليّ القوم حتى أخذت بقلوبهم من أجل أموالهم ~~، # فإنّ عيسى يقول لبني إسرائيل : « يا بني إسرائيل ! قلب كلّ إنسان حيث ماله ، ~~فاجعلو أموالكم في السماء تكن قلوبكم في السماء » وما سمّي المال مالا إلَّا لكونه ~~بالذات ، تميل القلوب إليه بالعبادة ، فهو المقصود الأعظم المعظم في القلوب ، لما ~~فيها من الافتقار ، إليه وليس للصور بقاء ، فلا بدّ من ذهاب صورة العجل لو لم ~~يستعجل موسى بحرقه ، فغلبت عليه الغيرة فحرّقه ، ثم نسف رماد تلك الصورة في اليمّ ~~نسفا ، # وقال له : " انْظُرْ إِلى إِلهِكَ " [ طه : 97 ] ، فسمّاه إلها بطريق التنبيه ~~للتعليم ، لما علم أنّه بعض المجالي الإلهية " لَنُحَرِّقَنَّه ُ " فإنّ حيوانية ~~الإنسان لها التصرّف في حيوانية الحيوان لكون الله سخّرها للإنسان) . # قال العبد : اعلم أنّ الأنبياء كلَّهم صور الحقائق الإلهية النورانية والروحانية ~~السلطانيّة ، والفراعنة صور الحقائق والقوى النفسانية الظلمانية الحجابية والهوى ، # ولهذا كانت العداوة والمنافاة والمخالفة دائما واقعة بين الأنبياء والرسل بين ~~الفراعنة ، كم أنّ المخالفة والمنافاة والمحاربة والمباينة والمجانبة واقعة دائما ~~بين العقل والهوى وبين الروح والشيطان ، # وأنّهم - أعني الأنبياء والرسل والخلفاء الإلهيّين - وإن كانوا متشاركين في كونهم ~~جميعا صور الحقائق الروحانية والإلهية الربّانيّة فهم الأرواح الإلهية الإنسانية ~~الكمالية ، # ولكنّ الحقيقة الإنسانية في الروح الإنساني إنّما تعيّنت في كل واحد واحد على ~~صورة حقيقة من حقائق الحقيقة الإنسانية التي هي حقيقة الحقائق ، # بمعنى أنّ سائر حقائق حقيقة الحقائق الإنسانية منصبغة بحكم تلك الحقيقة النسبيّة ~~على التعيين ، وبهذا اختلفوا في الصور والتعيّن والشخص # والعلوم والأذواق والمشاهد والمشارب والتجلَّيات والأخلاق ، وإلَّا فكلَّهم كنفس ~~واحدة من نفس واحدة إلهية على إلّ واحد لربّ واحد ، هو ربّ الأرباب المتعيّنين في ~~حقائقهم من حيث صور تلك النسب وبحسبها ، فظهر الحق - المتعيّن في الصور الإنسانيّة ~~من الحقيقة الإنسانية الكمالية الإلهية المتعيّنة بالتعيّن الأوّل - واحدا أحديّا . # و في هؤلاء الصور الإلهية الإنسانية الكمالية كثيرا متعدّدا متنوّع التجلَّي ~~والظهور ، فكلَّهم صور الحق ، والحق الإنساني الكمالي الذاتي هو المتعيّن الظاهر في ~~هذه الصور كلَّها ، ولكنّ الصور للنسب والأحكام والأحوال العينية الغيبيّة ~~الإنسانية ، فينسب التحقيق كلَّا منهم إلى الصورة الظاهرة الإلهيّة به ، فآدم صورة ~~ظاهريّة الإلهية الأحدية الجمعية الإنسانية ، البشرية ، وشيث صورة الوهب والفيض ~~النوري الوهبي العلمي . # وإدريس صورة التقديس العقلي والطهارة ، والروحية الإنسانية الكماليّة وتعرف الصور ~~بحسب الحال والحكم والخلق والفعل والصفة والنعت والعلم والحكمة الغالبة على ذلك ~~النبيّ أو الخليفة والوليّ ، فهذا امتياز الصور بعضها عن بعض وتعيّناتهم عند ~~استقرارهم في مراتبهم البرزخيّة وصورهم الحشرية والجنانيّة وغيرها . وبهذ يتمايزون ~~ويتظاهرون ويتعدّدون ، فاعرفه . # ولمّا كان الغالب على موسى عليه السّلام شهود التجلَّي النوريّ في صورة النار ، ~~وهو شهود الواحد في الكثير كثيرا ، ولهذا كانت علومه فرقانيّة لا قرآنيّة ، # ولو كانت قرآنيّة ، لشهد الكلّ في الكلّ ، وكلّ واحد كلَّا ، وشهد الواحد في ~~الكثير واحد كثيرا ، وشهد الكثير في الواحد واحد . # والنار من شأنها التفريق وتفكيك أجزاء ما سلَّطت عليه ، حتى تفرّق لطائفة عن ~~كثائفه وأجزاء كثائفه بعضها عن بعض ، فغلب على موسى الفرقان والتمييز والقوّة ~~والغلبة والظهور والسلطان والقهر والجلال ، # وبهذ السرّ سلَّط النار - التي في صورتها شاهد النور الحق الواحد في الكثرة ~~الشجرية - على صورة العجل التي جعلها السامري إلها لمن عبدها ، حتى أحرقتها وفرّقت ~~أجزاءه المتوحّدة ، لأنّ التجلَّيات الفرعية تضمحلّ وتتلاشى عند ظهور التجلَّي ~~الكلَّي الإلهي الجمعي ، والمحدث إذا قرن بالقديم ، لم يبق له أثر ، كما قيل : # لأنّك شمس والملوك كواكب %~% إذا طلعت لم يبد فيهنّ كوكب. # وصور العالم وإن كانت كلَّها مجالي ، ولكن ظهور الحق وتجلَّيه في المجلى الموسوي ~~أعظم من المجالي الصنمية ، فسبحات وجهه تحرقه . # قال رضي الله عنه : ( ولا سيّما وأصله ليس من حيوان ، فكان أعظم في التسخير ، ~~لأنّ غير الحيوان ماله إرادة ، بل هو بحكم من يتصرف فيه من غير إبائه ، وأمّا ~~الحيوان فهو ذو إرادة # وغرض ، فقد يقع منه الإباءة في بعض التصريف ، فإن كان فيه قوّة إظهار ذلك ، ظهر ~~منه الجموح لما يريده منه الإنسان ، وإن لم يكن له هذه القوّة أو صادف غرض الحيوان ~~، انقاد مذلَّلا لما يريده منه كما ينقاد مثله لأمر فيما رفعه الله به من أجل المال ~~- الذي يرجوه منه - المعبّر عنه في بعض الأحوال بالأجرة في قوله : ( وَرَفَعْن ~~بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ) [ ~~الزخرف : 32 ] ، فما يسخّر له من هو مثله إلَّا من حيوانيته ل من إنسانيته ، فإنّ ~~المثلين ضدّان ، فيسخّره الأرفع في المنزلة بالمال أو بالجاه بإنسانيته ، ويتسخّر ~~له ذلك الآخر - إمّا خوف أو طمعا - من حيوانيته لا من إنسانيته ، فما يسخّر له من ~~هو مثله ، ألا ترى ما بين البهائم من التحريش ، لأنّها أمثال ؟ فالمثلان ضدّان ، # ولذلك قال : ( وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ) [ الزخرف : 32 ] فم ~~هو معه في درجته ، فوقع التسخير من أجل الدرجات . # والتسخير على قسمين : تسخير مراد للمسخّر - اسم فاعل - قاهر في تسخيره لهذا الشخص ~~المسخّر كتسخير السيّد لعبده ، وإن كان مثله في الإنسانية ، وكتسخير السلطان ~~لرعاياه ، وإن كانوا أمثالا له ، فسخّرهم بالدرجة . # والقسم الآخر تسخير بالحال ، كتسخير الرعايا للملك القائم بأمرهم في الذبّ عنهم ~~وحمايتهم وقتال من عاداهم وحفظه أموالهم وأنفسهم عليهم ، وهذا كلَّه تسخير بالحال ~~من الرعايا ، يسخّرون بذلك مليكهم ، ويسمّى على الحقيقة تسخير المرتبة ، فالمرتبة ~~حكمت عليه بذلك ، فمن الملوك من سعى لنفسه ، ومنهم من عرف الأمر ، فعلم أنّه ~~بالمرتبة في تسخير رعاياه ، فعلم قدرهم وحقّهم ، فآجره الله على ذلك أجرة العلماء ~~بالأمر على ما هو عليه ، وأجر مثل هذا يكون على الله ، من كون الله في شؤون عباده ، ~~فالعالم كلَّه يسخّر بالحال من لا يمكن أن يطلق عليه اسم مسخّر ، قال الله تعالى : ~~" كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ " [ الرحمن : 29 ] .). # قال العبد : هذه المباحث ظاهرة ، والتقريب أنّ تسخير موسى لقومه كان بمرتبة ~~النبوّة ، ولهذا كان يعلم حقّهم ويرعاه ويراعيهم رعاية الراعي لغنمه ، فمهما عاث ~~فيه ذئب غريب قابله وقاتله ، كالسامري بالإحراق وتحريق العجل ، أو شدّد على خليفته ~~مخافة المخالفة كما فعل بأخيه هارون ، وكلّ هذا تسخير لهم بما عنده من الله في عين ~~ما هم مسخّرون له بالحال على أن يسعى عند الله في مصالحهم الدينية والدنياوية عرفوا ~~ذلك أو لم يعرفوا ، إذ لا يعرفه إلَّا العارفون وما تعقّله إلَّا العالمون . # قال رضي الله عنه : ( فكان عدم إرداع قوّة هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل ، ~~كما سلَّط موسى عليه ، حكمة من الله ، ظاهرة في الوجود ليعبد في كل صورة وإن ذهبت ~~تلك الصورة بعد ذلك ، فما ذهبت إلَّ بعد ما تلبّست عند عابدها بالألوهة ولهذا ما ~~بقي نوع من الأنواع إلَّا وعبد إمّ عبادة تألَّه أو عبادة تسخير ، ولا بدّ من ذلك ~~لمن عقل ) . # يشير رضي الله عنه: إلى أنّه لمّا كان الحق المعبود الموجود الذي ( أَمَرَ أَلَّا ~~تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه ُ ) قد ظهر بنور الوجود الحق في كل نوع من هذه الأنواع ~~وفي كل شخص فلا بدّ أن يعبد في تلك الصورة - إمّا عبادة عبد لإلهه أو عبادة تسخير ، ~~كما عبدت عبدة الأصنام الحجر والشجر والشمس والقمر - لكون الإلهية ذاتية للوجود ~~الحق . # والعبادة التسخيرية ليس لها اسم العبادة ، وهي مخصوصة بالتألَّه عرفا ، والعبادة ~~والعبودة متحقّقة في الوجهين بالاعتبارين ، فإنّك عبد من ظهر عليك سلطانه . # قال رضي الله عنه : « وما عبد شيء من العالم إلَّا بعد التلبّس بالرفعة عند ~~العابد والظهور بالدرجة في قلبه ، ولذلك يسمّى الحق لنا ب " رَفِيعُ الدَّرَجاتِ " ~~ولم يقل : رفيع الدرجة ، # فكثّر الدرجات في عين واحدة ، فإنّه قضى أن لا يعبد إلَّا إيّاه في درجات كثيرة ~~مختلفة أعطت كلّ درجة مجلى إلهيّا عبد فيها ، وأعظم مجلى عبد فيه وأعلاه الهوى ،كما ~~قال :" أَفَرَأَيْتَ من اتَّخَذَ إِلهَه ُ هَواه ُ " [ الجاثية : 23 ] ، فهو أعظم ~~معبود ، فإنّه لا يعبد شيء إلَّا به ، ولا يعبد هو إلَّا بذاته . وفيه أقول : # وحقّ الهوى إنّ الهوى سبب الهوى %~% ولول الهوى في القلب ما عبد الهوى ). # قال العبد : يشير رضي الله عنه إلى أنّ عبودتي التألَّه والتسخير لا تكونان من ~~العابد لأيّ معبود كان إلَّا بهواه ، فما عبد إلَّا الهوى ، فهو الصنم والجبت ~~والطاغوت الحقيقي لمن يرى غير الحق في الوجود . وأمّا عند العارف فهو أعظم تجلّ أو ~~أعظم مجلى عبد فيه ، وهو باطن أبدا لا يظهر بالعين إلَّا في الأصنام وكلَّيات ~~مراتبه بعد الأنواع المعبودة ، وهي وإن كثرت فقد أشرنا إلى أمّهاتها في الفصّ ~~النوحي ، فانظرها فيه . # قال رضي الله عنه : ( ألا ترى علم الله بالأشياء ما أكمله ، كيف تمّم في حق من ~~عبد هواه ، واتّخذه إلها ، فقال : « وَأَضَلَّه ُ الله عَلى عِلْمٍ » [ الجاثية : ~~23 ] والضلالة : الحيرة ، # وذلك أنّه لمّ رأى هذا العابد ما عبد إلَّ هواه بانقياده لطاعته فيما يأمره به من ~~عبادة من عبده من الأشخاص ، حتى أنّ عبادته لله كانت عن هوى أيضا ، لأنّه لو لم يقع ~~له في ذلك الجناب المقدّس هوى وهو الإرادة بمحبّة - ما عبد الله ولا آثره على غيره ~~، # فكذلك كل من عبد صورة ما من صور العالم واتّخذها إلها ما اتّخذها إلَّا بالهوى ، ~~فالعابد لا يزال تحت سلطان هواه ، ثم رأى المعبودات تتنوّع في العابدين ، وكلّ عابد ~~أمر ما يكفّر من يعبد سواه ، والذي عنده أدنى تنبّه يحار لاتّحاد الهوى ، بل لأحدية ~~الهوى ، فإنّه عين واحدة في كل عابد ، فأضلَّه الله - أي حيّره - على علم بأنّ كل ~~عابد ما عبد إلَّا هواه ، ولا استعبده إلَّا هواه سواء صادف الأمر المشروع أو لم ~~يصادف ، والعارف المكمّل من رأى كلّ معبود مجلى للحق يعبد فيه ، ولذلك سمّوه كلَّهم ~~إلها مع اسمه الخاصّ بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك ، هذ اسم ~~الشخصية فيه ، والألوهة مرتبة تخيّل العابد له أنّها مرتبة معبودة وهي على الحقيقة ~~مجلى الحق لبصر هذا العبد الخاصّ المعتكف على هذا المعبود في هذا المجلى المختصّ ). # . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ حقيقة الهوى لمّا كانت ميلا نفسيا من كل ذي هوى إلى ما ~~فيه هواه بحسب مناسبة إيّاه ، فالمعبود في الكلّ - وإن تكثّرت أشخاص المعبودين - ~~بحسب توجّهات العابدين إلى ما فيه نسبة مميلة لهم إليها من كون تلك النسبة فيهم ~~أيضا ، فحملتهم وأمالتهم إليها في جهة أخرى ، فعبد نفسه في غيره من وجه ، وما عبد ~~ذلك الغير من كونه غيرا ، بل من كون م فيه منه وفيه ، وسواء كان ذلك الغير حقا أو ~~خلقا ، كائنا من كان ، # فإنّه م عبده إلَّا بحسب ذلك الميل الكلَّي الحبّي إلى المعبود ، بحسب ما منه فيه ~~، فم عبده إلَّا بهواه ، فلم يعبد إلَّا هواه ، وهو ما يهوى أبدا إلَّا نفسه ، ولكن ~~فيما يغايره من وجه ، ولا يمكن أن يهوى أحد غيره من حيث هما غيران ، لعدم الجامع ~~ووجود المباينة ، ولا يمكن أيضا أن يهوى أحد نفسه في نفسه ، لعدم الاثنينية ~~والبينيّة ، ووجود الأحدية ، وتحصيل الحاصل باطل . # ولا يقال : كيف يطلب أحد نفسه أو يميل إلى نفسه أو يهواه وهو هو نفسه واحد ~~والواحد من كونه واحدا حاصل لنفسه ، وليس فيه اختلاف جهة يقتضي الميل من جهة إلى ~~جهة ؟ ! # لأنّ أعلمناك أنّ الطالب ومن له هوى في شيء إنّما يهوى نفسه في غيره طلبا ~~للاتّحاد وظهور الوحدة الأصلية الأصلية ، ولهذه الحكمة أضلَّه الله على علم بحقيقة ~~الأمر أنّه - تبارك وتعالى - عينه وعين ما يعبده ، وهو ما يميل إلَّا إلى عينه ، ~~ولا يعبد إلَّا عينه ، ولا يهوى إلَّا عينه ، وإنّما تقع المؤاخذة والعتب على عدم ~~العلم ولما وله بنفسه وعينه من حيث شخصيّته وتعيّنه وحصر هواه وميله إلى العين ~~المتعيّنة المتشخّصة بتعيّن يمتاز عن الكلّ ، والحق المطلق والعين المحيطة والأمر ~~الكليّ يقتضي بإطلاق الكلّ والهوى عن كل قيد حتى عن الإطلاق و الإلهية التي أمر ~~ربّها أن لا يعبد إلَّا إيّاه تقتضي لذاتها الانحصار في جهة معيّنة من كل وجه فهكذا ~~، وبحسب ذلك يجب أن يكون هوى المحقّق المحقّ والمدقّق المرقّ إلى الحق المطلق في ~~عين جمعه بين التعيّن واللا تعيّن مطلقا عن كل قيد . # شعر : # وهذا الهوى فيمن له ربّه الهوى %~% ومن ليس يهواه ويهوى السوي هوى # وذلك لأنّ « السوي » ما يصدق إلَّا على متعيّن ممتاز عن غيره ، والحقيقة المحيطة ~~بالذات على الكلّ بالاستغراق لا يكون لها غير بالاتّفاق ، ولا يفرض امتياز لها ، ~~وعمّن وما ثمّ إلَّا هو ؟ # قال رضي الله عنه : ( ولهذا قال بعض من لم يعرف مقالته جهالة : " ما نَعْبُدُهُمْ ~~إِلَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى " [ الزمر : 3 ] ). # يشير إلى أنّ العين المعبودة بالذات في العابد والمعبود سواء ، فبما ذا تقرّبه ~~إلى الحق ؟ وم الذي ليس له وهو عينه ؟ ، فالتمسّك بما خرج عنه - توصّلا وتوسّلا إلى ~~ما هو عينه - جهل ، والسرّ فيه قد ذكر ، وهو واضح . # قال رضي الله عنه : ( مع تسميتهم لهم آلهة ، كما قالو : " أَجَعَلَ الآلِهَةَ ~~إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ" [ ص : 5 ] ، فما أنكروا ، بل تعجّبو من ~~ذلك ، فإنّهم وقفوا مع كثرة الصور ونسبة الألوهة لها ، فجاء الرسول ودعاهم إلى إله ~~واحد يعرف ولا يشهد ، بشهادتهم أنّهم أثبتوا عندهم واعتقدوه في قولهم : " ما ~~نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى " [ الزمر : 3 ] لعلمهم بأنّ ~~تلك الصور حجارة ، # ولذلك قامت الحجّة عليهم بقوله : " قُلْ سَمُّوهُمْ " [ الرعد:33] # فم يسمّونهم إلَّا بما يعلمون أنّ تلك الأسماء لهم حقيقة . وأمّا العارفون بالأمر ~~على ما هو عليه فيظهرون بصورة الإنكار لما عبد من الصور إلَّا أنّ مرتبتهم في العلم ~~تعطيهم أن يكونوا بحكم الوقت لحكم الرسول - الذي آمنوا به - عليهم الذي به سمّوا ~~مؤمنين فهم عبّاد الوقت مع علمهم بأنّهم ما عبدوا من تلك الصور أعيانها ، وإنّما ~~عبدوا الله فيما يحكم سلطان التجلَّي الذي عرفوه منهم ، وجهله المنكر الذي لا علم ~~له بما تجلَّى ، وستره العارف المكمّل من نبيّ ورسول ووارث عنهم ، # فأمرهم بالانتزاح عن تلك الصورة لما انتزح عنها رسول الوقت اتّباعا للرسول طمعا ~~في محبّة الله إيّاهم بقوله: " إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي ~~يُحْبِبْكُمُ الله ". [ آل عمران : 31 ] # فدعا إلى إله يصمد إليه ، ويعلم من حيث الجملة ، ولا يشهد ، ولا تدركه الأبصار [ ~~الأنعام : 113 ] ، بل هو يدرك الأبصار [ الأنعام : 113 ] ، للطفه وسريانه في أعيان ~~الأشياء ، فلا تدركه الأبصار ، كما أنّها لا تدرك أرواحها المدبّرة أشباحها وصورها ~~الظاهرة ، فهو اللطيف الخبير [ الأنعام :103 ] ، والخبرة ذوق ، والذوق تجلّ ، ~~والتجلَّي في الصور ، فلا بدّ منه ولا بدّ منه ، فلا بدّ أن يعبده من رآه بهواه ، ~~إن فهمت " وَعَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ " [ النحل : 9 ] .) ### || . # %~% ### | فص حكمة علوية في كلمة موسوية ### | 25 - فصّ حكمة علويّة في كلمة موسوية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # إنّما أضيفت هذه الحكمة العلوية إلى الكلمة الموسوية ، لما جعل الله هذه الكلمة ~~هي العليا ، وكلمة فرعون والسحرة وآل فرعون هي السفلى ، فقال : " لا تَخَفْ إِنَّكَ ~~أَنْتَ الأَعْلى " [طه : 68] فأشركه الله في صفته الأعلويّة وإن كانت أعلوية الله ~~مطلقة وأعلوية موسى نسبية ، # وذلك من قوله تعالى : " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى " [الأعلى : 1 ] صفة ل " ~~ربّك " ولم قال فرعون: " أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى " [النازعات : 24 .] # وقال الله تعالى في حقّه : " إِنَّه ُ كانَ عالِياً من الْمُسْرِفِينَ " [الدخان ~~: 31] وهم أهل الغلوّ في العلوّ ، فأعلم الله موسى أنّه هو الأعلى ، فأعلوية موسى ~~بالنسبة إلى فرعون وغلوّه في علوّه ، وأعلوية الله لا بالنسبة والإضافة ، فهو ~~الأعلى بذاته لذاته في ذاته وفي كل عال وأعلى ، والعلوّ والأعلويّة له أولى وأولى . # "" أعلى الله مكانته ، وأخبره أنّه هو الأعلى ، فقال : " ل تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ ~~الأَعْلى " وأعلى الله كلمته العليا على من ادّعى العلوّ بقوله: "أَنَا رَبُّكُمُ ~~الأَعْلى" و "كانَ عالِياً من الْمُسْرِفِينَ" . "" # قال رضي الله عنه : ( حكمة قتل الأبناء من أجل موسى لتعود إليه بالإمداد حياة كلّ ~~من قتل من أجله ، لأنّه قتل على أنّه موسى ، وما ثمّ جهل ، فلا بدّ أن تعود حياته ~~على موسى ، أعني حياة المقتول من أجله ، وهي حياة ظاهرة على الفطرة لم تدنّسها ~~الأغراض النفسية ، بل هي على فطرة « بَلى » فكان موسى مجموع حياة من قتل على أنّه ~~هو ، فكلّ ما كان مهيّئا لذلك المقتول - ممّا كان استعداد روحه له - كان في موسى ~~عليه السّلام وهذا اختصاص إلهي لموسى لم يكن لأحد قبله ، فإنّ حكم موسى كثيرة ) . # قال العبد : اعلم : أنّ النفس الكلَّية أحدية جمع النفوس الجزئية الإنسانية ، وهي ~~إنّما تعيّنت في صورته الكلَّية أحدية جمعية كلَّية لحقائقها الكلية الجزئية ، ثمّ ~~تعيّنت في صور حقائقه الكلية في النفوس السماوية الكلَّية المحيطة الفلكية أوّلا ~~فأوّلا ، ثم تعيّنت لحقائقها التابعة التفصيلية في الأجزاء الفلكية من الدرج ~~والدقائق والثواني والثوالث ، بالغا ما بلغ ، فما من جزء من الأجزاء الفلكية ~~السماوية إلَّا وقد قبلت روحا ونفسا بحسب أمزجتها الفلكية الطبيعية وهم الملائكة ~~والأرواح الفلكية النورانية . # وهم على طبقات وجدت في كل فلك فلك ، وسماء سماء ، وجزء وجزء من أجزائه على مزاج ~~خاص وطبيعة خصيصة بذلك الفلك والاسم المستوي على عرش تلك السماء أو الفلك ، حتى ~~عمّر الله بهم الأفلاك والسماوات ، فمنهم حملة العرش والكروبيّون والحافّون ~~والصافّون ، وكلَّهم طبيعيون نورانيّون ، ولهم صور طبيعية عرشية وفلكية ، ثمّ ~~سماوية ، والنفس من ورائهم محيطة بالإمداد والنور والروح والحياة . # وإمدادها لهم بالفيض النوري الروحي الذي يقبله من التجلَّيات الأسمائية الذاتية . ~~ومن جملة م تشتمل عليه هذه النفس الكلية التي هي مظهر الاسم المفصّل ، واسمها في ~~لسان الشرع اللوح المحفوظ وهي أمّ الكتاب المفصّل والتي تحتوي عليه هي الأرواح ~~البشرية الإنسانية الكمالية الكلَّية والنفوس البشرية الجزئية ، # وهذا الروح الأعظم الأكمل ، مع من تعيّن من الأرواح والنفوس السماوية يفيض وتفيض ~~الأنوار الروحية والأشعّة النفسية على الطبيعيات والعنصريات فمهما تعيّنت - بحسب ~~التشكَّلات الفلكية والأوضاع الرفيعة السماوية والاتّصالات والانفصالات الكوكبية ~~وامتزاجاتها بموجب مقتضى أرواحها ونفوسها ، # والأسماء الإلهية الظاهرة بها والمتوجّهة إلى إيجاد الصور الأحدية الجمعية ~~الكمالية الإنسانية في العوالم العنصرية السفلية عند الظاهرية المسمّاة بعالم الكون ~~والفساد عرفا رسميا - أمزجة بشرية إنسانية مستعدّة لقبول أرواح إنسانية ، # فإنّ فيض الأرواح والنفوس العلوية ، وفيض النفس الكلَّية يتعيّن فيها بحسب ما ~~استعدّت له من الكمالات بالميل التامّ والعشق العامّ من القابل والمقبول إلى صاحبه ~~، # أعني المزاج العنصريّ وفيض الروح الفلكيّ والكلمة الإلهية المحمولة في ذلك الفيض ~~الروحاني والنفس الرحمانيّ ، # فينبعث في عصر "عصر" من الأرواح الإنسانية من هذا اللوح الإلهي والروح الأعظم ~~الرحماني ما أراد الله إظهاره في ذلك العصر من آياته وأسمائه الكلَّية وكلماته ~~الكمالية ، ولا مانع لتعيّن الفيض الروحي والنور النفسي المحمول في الأنوار ~~والأشعّة الكوكبية في أمزجة خصيصة بها مشاكلة مناسبة لظهور حقائقها وخصائصها فيه ~~وبها إلَّا حصول التعيّن المزاجي العنصري وكمال التسوية لقبول النفخ الملكي الإلهي ~~للروح فيه ، فافهم هذا الأصل الكلَّيّ والضابط الإلهي الجمليّ . # ثمّ اعلم : أنّه لمّ أراد الله إظهار آياته الكاملات وكلماته الفاضلات وحكمه ~~العامّات التامّات الشاملات في الكلمة الموسوية ، وسرى حكم "حكم" هذه الإرادة في ~~النفس الكلَّية ونزول الوحي الإلهي بذلك إلى عالم العنصر ، وتوجّهت الأسماء الكلية ~~الظاهرة ، والأرواح والأنفس الطاهرة إلى تحصيل مطالبهم وتوصيل مآربهم ، فتعيّنت ~~بموجبها أمزجة كثيرة بحسب حقائق ما في الروح الموسوي قبل تعيّن مزاجه الكامل النبوي ~~، # فقبلت تلك الأمزجة - من الأنوار والأشعّة والأرواح المنبثّة من النفوس الكلية ~~الفلكية - أنفسا جزئية لا على الوجه الأكمل ، لظهور الكمالات الموسوية وإظهار ~~الآيات التي أراد الله أن يظهرها ، فلمّا لم تكن وافية وكافية في مظهريتها ، أراد ~~الله أن يبدلها ربّها خيرا منها ، # وكانت حكماء الزمان وعلماء القبط أخبروا فرعون أنّ هلاكه وهلاك ملكه يكون على يدي ~~مولود يولد في ذلك الزمان ، فأمر فرعون بقتل كل ولد يولَّد في ذلك الزمان ، ولم ~~يعلم أنّ الذي قدّر الله هلاكه وهلاك ملكه على يده ، وأراد الله حياته ، لن يظفر به ~~ولن يقدر عليه ، فإنّه لا رادّ لأمر الله ولا معقّب لحكمه ، # فقتلوا بأمر فرعون كلّ مولود ولد ووجد في ذلك الزمان على أنّه ذلك الذي يكون هلاك ~~فرعون على يده ، فقتلت عن نفوسها ، # أعني تلك الصورة والأشخاص والأمزجة التي قبلت تلك الأرواح الحاصلة للأسرار ~~الكمالية والفضائل الروحانية التي كان ظهورها في موسى عليه السّلام أكمل وأتمّ ، # ولا شكّ أنّ الزمان زمان ظهورها ، والأمر الإرادي الإلهي قد نفذ بذلك ، فلمّا ~~تبادرت بالظهور ، قبل تكامل النور ، وبلوغ عين الزمان والوقت الذي فيه التجلَّي ~~الجامع لحقائق الحكم والآيات والكمالات التي للكلمة الموسوية ، فقبلت على اسمه ، # لما علم الله أنّ ظهورها في مزاج واحد كلي محيط بما كانت متفرّقة فيها أجمع وأتمّ ~~وأنفع وأعمّ ، فتوجّهت أرواح هؤلاء المقتولين إلى الروح الموسوي الكمالي الموجّه من ~~الله لإظهار ما أراده ومظهريته ، على الوجه الأفضل الأكمل ، # فاتّصلت الأنوار بنوره ، وتحصّلت الأرواح إلى روحه ، فتجمّعت فيه خصائص الكلّ ، ~~وحقائق الفرع والأصل ، فكان الروح الموسوي مجموع تلك الأرواح كلَّها وجامعها ، # فتضاعفت القوى وتقوّت ، وتكاملت الأنوار واستوت ، وتعيّن مزاجه الشريف الجسماني ~~المبارك عليه السّلام فنفخ الله فيه هذا الروح الكامل الجامع الموسوي المجموع ، ~~ولهذا كانت آياته ومعجزاته في كمال الوضوح والظهور ، لكمال توجّه الهمم الروحانية ~~والنفوس والملائكة وهمم أهل الزمان أجمعهم ، فظهر أمر الله وشأنه ، وغلبت حجّته ~~وبرهانه ، وغلبت قوّته وسلطانه ، وقهر فرعون وآله و حكمه وأنصاره وأعوانه ، الحمد ~~لله . # قال رضي الله عنه : ( وأنا إن شاء الله تعالى أسرد منه » يعني من الحكم الموسوية ~~« في هذا الباب على قدر ما يقع به الأمر الإلهي في خاطري ، فكان أول ما شوفهت به من ~~هذا الباب هذا ، فما ولد موسى إلَّا وهو مجموع أرواح كثيرة ، جمع قوى فعالة ، لأنّ ~~الصغير يفعل في الكبير ، ألا ترى الطفل يفعل في الكبير بالخاصيّة ، فينزل الكبير من ~~رياسته إليه يلاعبه ويزقزق له ، ويظهر له بعقله ، فهو تحت تسخيره وهو لا يشعر ، ثم ~~شغله بتربيته وحمايته وتفقّد مصالحه وتأنيسه ، حتى ل يضيق صدره ، هذا كلَّه من فعل ~~الصغير بالكبير ، وذلك لقوّة المقام ، فإنّ الصغير حديث عهده بربّه ، لأنّه حديث ~~التكوين ، والكبير أبعد ، فمن كان من الله أقرب ، سخّر من كان من الله أبعد ، ~~كخواصّ الملك للقرب منه يسخّرون الأبعدين ) . # قال العبد : اعلم : أنّ القرب والبعد نسبتان للقريب والبعيد من الحق من المقامين ~~الإلهيّين ، وعليهم تترتّب مراتب السعادات والولايات ، وكذلك الشقاوات ومحالّ البعد ~~. # المقام الأوّل : مقام الأحدية الإلهية ، فإنّ الكثرات كلَّها منها تنزّلت وتفصّلت ~~وتعدّدت ، فمن كانت الوسائط بينه وبين الموجد الواحد الأحد أقلّ ، فهو أقرب ، # وكذلك التعينات الأوّل أوّل ما تظهر وتبدو - تكون قريبة من ربّها الذي هو قيّامها ~~، وقيّوم يقوم بإقامة صورته ، فيسخّر بمقامه من ربّه وموجده من ليس له هذا النوع من ~~القرب الأوّلي في الظهور والحدوث ، كالصغار من الأولاد ، # فإنّ الحق الظاهر المتعيّن في صورهم يسخّر لهم من طال مكثه في قبول التجلَّيات ~~مدّة مديدة ، وله حكم آخر كمالي غير هذا القريب وهو الثاني ، وذلك هو القرب الحقيقي ~~الذاتي الإلهي الكمالي من حيث الصورة الأحدية الجمعية الكمالية الإلهية الإنسانية ، ~~فمن كانت نسبته من هذه الجمعية الكمالية أكمل وأتمّ ، # فهو أقرب إلى الله من حيث أحدية جمع جمع الكمالات الذاتية والإلهية ، وقربه من ~~الله أعظم وأعمّ وأوسع وأكمل وأتمّ ، فالكبير القريب من هذه المرتبة القريبة لكماله ~~ينزل لتكميل ذلك القريب الأوّل من حداثة تعيّن المربوبية ، بإحداثه وإظهاره ~~والتجلَّي له وبه وفيه ، اتّباعا للحق النازل إليه وإلى مربوبيته ومظهريته # وحدثه وحداثة وجوده من أصله الذي انبعث منه روحه وتعيّن من المحتد العنصري مزاجه ~~وهيكله ، فهذ معنى القرب والبعد ومراتبهما ، وإلَّا فمن حيث الوجود الحق المتعيّن ~~الظاهر في الكلّ على السواء ، فلا بعد ، والكلّ في نفس المظهرية والمرآتية فعلى ~~السواء . # والأفضل فيه الأكمل جمعية والأشمل حيطة وسعة ، فقد يكون من بلغ ستّين سنة من عمره ~~أبعد من مبدئيته وأوّله بعين الحق فيه وإن تضاعفت التجلَّيات واستنامت الفضائل ~~والكمالات فيه بأضعاف أضعاف ما كان له أو لغيره في البدو وأوّل الفطرة ، فافهم. # قال رضي الله عنه : ( كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يبرّز نفسه للمطر ~~إذا نزل ، ويكشف رأسه له ، حتى يصيب منه ، ويقول : إنّه حديث عهد بربّه . # فانظر إلى هذه المعرفة بالله من هذا النبيّ ما أجلَّها وما أعلاها وأوضحها ، فقد ~~سخّر المطر أفضل البشر ، لقربه من ربّه ، فكان مثل الرسول الذي ينزل عليه بالوحي ، ~~فدعاه بالحال بذاته ، فبرز إليه ليصيب منه ما أتاه من ربّه ، فلو لا حصل له منه ~~الفائدة الإلهية بما أصاب منه ، ما برز بنفسه إليه ، فهذه رسالة ماء جعل الله منه ~~كلّ شيء حيّ . فافهم). # يشير إلى أنّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم كان يشاهد صور العلم الإلهي ~~النازل بالوحي في المطر ، فيبرز إليه ويبرّز جسده المبارك وكرم رأسه تلقّيا لسرّ ~~العلم الإلهي النازل على أمّ رأسه من الكتاب الأكبر الذي هو رتبته بالبرزخية الأولى ~~في التعين الأوّل ، فافهم ، # فكذلك توجّهت الأسماء الإلهية والأرواح الكلية الفلكية والسماوية التي منها ~~انبعثت أرواح أولئك المقتولين على اسم موسى عليه السّلام إلى الصورة الموسوية وروحه ~~المدبّر ، # إذ ذاك لجسده الشريف ، حتى فعلت في أعداء ما فعلت وأظهرت من آيات الله ما أظهرت ~~وحملت ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( وأمّا حكمة إلقائه في التابوت ورميه في اليمّ فالتابوت ~~ناسوته ، واليمّ ما حصل له من العلم بوساطة هذ الجسم ، ممّا أعطته القوّة النظرية ~~الفكرية ، والقوى الحسيّة والخيالية التي ل يكون شيء منها ولا من أمثالها لهذه ~~النفس الإنسانية إلَّا بوجود هذا الجسم العنصري ، فلمّا حصلت النفس في هذا الجسم ، ~~فأمرت بالتصرّف فيه وتدبيره ، جعل الله لها هذه القوى آلات يتوصّل بها إلى ما أراد ~~الله منها في تدبير هذا التابوت الذي فيه سكينة الربّ ، فرمي به في اليمّ ليحصل ~~بهذه القوى على فنون العلم ، فأعلمه بذلك أنّه وإن كان الروح المدبّر له هو الملك ، ~~فإنّه ل يدبّره إلَّا به ، فأصحبه هذه القوى الكامنة في هذا الناسوت الذي عبّر عنه ~~بالتابوت في باب الإشارات والحكم ، كذلك تدبير الحق العالم فإنّه ما دبّره إلَّ به ~~أو بصورته ، فما دبّره إلَّا به كتوقّف الولد على وجود الوالد ، والمسبّبات على ~~أسبابها ، والمشروطات على شروطها ، والمعلولات على عللها ، والمدلولات على أدلَّتها ~~، والمحقّقات على حقائقها ، وكل ذلك من العالم ، وهو تدبير الحق فيه ، فما دبّره ~~إلَّا به . # وأمّ قولنا : « أو بصورته » - أعني بصورة العالم - فأعني به الأسماء الحسنى ~~والصفات العلى التي يسمّى الحق بها واتّصف به ) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ العالم وصورة ظاهريات مظاهر الأسماء الحسنى والصفات ~~العلى ، ولهذا كثرت الصور مع أحدية العين ، فهذه النقوش والأشكال والصور منها ولها ~~وبها ، وباطن العالم وهويته للوجود الحق المتعيّن فيها بحسبها ، فصورة العالم ~~ناسوته ، والتابوت وروحه هو الوجود المتعيّن فيه ، وهو سكينة الربّ ، واليمّ بهذا ~~الاعتبار هو الوجود المطلق الحقّ ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( فما وصل إلينا اسم يسمّى به إلَّا وجدنا معنى ذلك الاسم ~~وروحه في العالم ، فما دبّر العالم أيضا إلَّ بصورة العالم ) . # يعني رضي الله عنه : أنّ الأسماء الإلهية كالحيّ والعالم والمريد والخالق والقادر ~~والرازق التي يسمّى بها الحق حقائقها وأرواحها هي الحياة والعلم والإرادة والقدرة ~~والخلق والرزق ، وهي موجودة في الحيّ والعالم والمعلوم والمراد والمقدور والمخلوق ~~والمرزوق في العالم ، فما دبّر العالم إلَّا بصورته وهي الهيئة الاجتماعية من ~~الأسماء الإلهية . # قال رضي الله عنه : ( ولذلك قال في خلق آدم الذي هو البرزخ الجامع لنعوت الحضرة ~~الإلهية التي هي الذات والصفات والأفعال :" إنّ الله خلق آدم على صورته" وليست ~~صورته سوى الحضرة الإلهية ، فأوجد في هذا المختصر الشريف الذي هو الإنسان الكامل ~~جميع الأسماء الإلهية وحقائق ما خرج عنه في العالم الكبير المفصّل وجعله روحا ~~للعالم ، فسخّر له العلو والسفل لكمال الصورة ، فكم أنّه ليس شيء من العالم إلَّا ~~وهو يسبّح بحمده ، كذلك ليس شيء من العالم إلَّا وهو مسخّر لهذا الإنسان الكامل ، ~~لما تعطيه حقيقته صورته وَسَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّماواتِ وَما في الأَرْضِ ~~جَمِيعاً مِنْه ُ " فكل ما في العالم تحت تسخير الإنسان ، علم ذلك من علمه وهو ~~الإنسان الكامل وجهل ذلك من جهله ، وهو الإنسان الحيوان فكانت صورة إلقاء موسى في ~~التابوت وإلقاء التابوت في اليمّ صورة هلاك يعني في الظاهر وفي الباطن كانت نجاة له ~~من القتل فحيي كما تحيا النفوس بالعلم من موت الجهل ، كما قال تعالى: " أَوَمن كانَ ~~مَيْتاً " يعني بالجهل "فَأَحْيَيْناهُ " يعني بالعلم" وَجَعَلْنا لَه ُ نُوراً ~~يَمْشِي به في النَّاسِ" وهو الهدى "كَمَنْ مَثَلُه ُ في الظُّلُماتِ" وهي الضلال ، ~~"لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها" أي ل يهتدي أبدا ، فإنّ الأمر في نفسه لا غاية له يوقف ~~عندها ، فالهدى هو أن يهتدي الإنسان إلى الحيرة ، فيعلم أنّ الأمر حيرة ، والحيرة ~~قلق وحركة ، والحركة حياة ، فلا سكون ولا موت ، ووجود فلا عدم ، وكذلك في الماء ~~الذي به حياة الأرض ، وحركته قوله : "اهْتَزَّتْ " ، وحملها قوله : " وَرَبَتْ " ، ~~وولادتها قوله : "وَأَنْبَتَتْ من كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ " أي أنّها ما ولدت إلَّا ~~ما يشبهها أي طبيعي مثلها ، فكانت الزوجية التي هي الشفعية لها بما تولَّد منها ~~وظهر عنها ، كذلك وجود الحق كانت الكثرة له ، وتعدّد الأسماء أنّه كذا وكذا بما ظهر ~~عنه من العالم الذي يطلب نشأته حقائق الأسماء الإلهية ، فثبتت به ). # يشير رضي الله عنه : إلى أنّه كما شفعت النتائج والثمرات أصولها ، كذلك كثرة ~~الأسماء شفعت أحدية الوجود الحقّ ، فإنّ الأسماء تثبت للوجود الحق بالعالم ، إذ هو ~~المألوه والمربوب المقتضي وجود الربوبية والإلهية . # قال رضي الله عنه : ( ويخالفه أحدية الكثرة ، وقد كان أحديّ العين من حيث ذاته ~~كالجوهر الهيولاني أحدىّ العين من حيث ذاته ، كثير بالصور الظاهرة فيه ، التي هو ~~حامل لها بذاته ، كذلك الحق بما ظهر منه من صور التجلَّي ، فكان مجلى صور العالم مع ~~الأحدية المعقولة ، فانظر ما أحسن هذا التعليم الإلهيّ الذي خصّ الله بالاطَّلاع ~~عليه من شاء من عباده ، ولمّا وجده آل فرعون في اليمّ عند الشجرة ، سمّاه فرعون ~~موسى ، و "المو " هو الماء بالقبطية و « السّا » هو الشجر ، فسمّاه بما وجده عنده ، ~~فإنّ التابوت وقف عند الشجرة في اليمّ) . # قال العبد : كما أنّ التابوت كان ضرب مثل للهيكل الجسماني الإنساني الذي فيه ~~سكينة الربّ وهو الروح الذي أسكنه الله في هيكله وسكَّنه به ، وموسى صورة الروح من ~~حيث هذا الوجه ، واليمّ - الذي هو البحر - صورة العلم الحاصل للروح الإنساني بسبب ~~هذه النشأة العنصرية أي الحاصل ظهور ما كان لها بالقوّة بواسطته بالفعل ، فإنّ ~~القوّة العلمية ذاتية للنفس ، # ولكن ظهوره بالفعل على الوجه الأكمل متوقّف على مظاهر قواها من هذه الصورة ~~الهيكلية العنصرية ، فكذلك فرعون صورة الهوى الذي هو السلطان الغالب في مصر النشأة ~~العنصرية ، ووجدانه للتابوت وحصوله له وعنده صورة تعيّن الروح ووقوفه أوّلا في ~~تعمير البدن في حكم الهوى وعنده ، # فإنّ تربية الروح الإنساني إنّما تتمّ بوجود الهوى للنفس في تعمير البدن ومع ~~تكامل القوى المزاجية تتكامل تربية الروح ، فيظهر قواه بالروح الإنساني إلى أن يبلغ ~~أشدّه ويظفر بالهوى ويملك مصر الكمال الطبيعي ، ووقوف تابوته عند الشجر إشارة إلى ~~أنّ الهيكل الكماليّ الإنساني يتوقّف وجوده على الأركان المتشاجرة الأغصان من أصل ~~الطبيعة الواحدة ، # فإنّ الشجر إنّما سمّي شجرا لاختلاف أغصانه والتفافها ، والمشاجرة هي المخالفة ~~والمخاصمة ، كذلك هذا التابوت الناسوتي الهيكلي واقف عند الهوى بمقتضى القوى ~~والخصائص الروحانية ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( فأراد قتله ، فقالت امرأته - وكانت منطقة بالنطق الإلهي ~~الذي أنطق به كلّ شيء فيم قالت لفرعون ، إذا كان الله خلقها للكمال ، كما قال عليه ~~السّلام عنها حيث شهد لها ولمريم بنت عمران بالكمال الذي هو الذكران # فقالت لفرعون في حق موسى : إنّه " قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ " فيه قرّت عينها ~~بالكمال الذي حصل لها ، كما قلن وكان قرّة عين لفرعون بالإيمان الذي أعطاه الله عند ~~الغرق ، فقبضه طاهرا مطهّرا ، ليس عليه شيء من الخبث ، لأنّه قبضه عند إيمانه ، قبل ~~أن يكتسب شيئا من الآثام ، والإسلام يجبّ ما قبله ، وجعله آية على عنايته - سبحانه ~~- لمن شاء ، حتى لا ييأس أحد من رحمة الله "إِنَّه ُ لا يَيْأَسُ " ،" من رَوْحِ ~~الله إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ " فلو كان فرعون ممّن يئس ، ما بادر إلى ~~الإيمان ، فكان موسى عليه السّلام كما قالت امرأة فرعون عنه : # إنّه : " قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ " ، "لا تَقْتُلُوه ُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا " ~~وكذلك وقع ، فإنّ الله نفعهما به عليه السّلام إذا كانا ما شعرا بأنّه هو النبيّ ~~الذي يكون على يديه هلاك ملك فرعون وهلاك آله.) # قال العبد : قد تقرّر في نفوس العامّة من المسلمين وغيرهم من اليهود والنصارى أنّ ~~فرعون كافر وأنّه من أهل النار بما ثبت عنه قبل الغرق من المعاداة لنبيّ الله ولنبي ~~إسرائيل وبما قال : ( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى ) # وبقوله : ( ما عَلِمْتُ لَكُمْ من إِله ٍ غَيْرِي ) وبأفعاله السيّئة إذ ذاك ، ~~ولكنّ القرآن أصدق شاهد بإيمانه عند الغرق قبل أن يغرغر ، بل حال تمكَّنه من النطق ~~بالإيمان وعلمه بأنّ النجاة حصر في ذلك ، # فقال : آمنت بالَّذى ( آمَنَتْ به بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا من الْمُسْلِمِينَ ~~) وهذا إخبار صحيح لا يدخله النسخ ، ولكنّ فيه دليلا أيضا أنّه لم يكن مؤمنا قبل ~~هذا الإيمان ، كما زعم أهل الأخبار أنّه كان مؤمنا في الباطن ، وأنّه كان يكتم ~~إيمانه عن قومه سياسة حكمية ، إذ لا دليل على ذلك من القرآن ولا فيما صحّ من الحديث ~~، فلم يكن إيمانه إلَّا عند الغرق بالاستدلال على وجود الله وكمال قدرته بما رأى ~~أنّه أنجى بني إسرائيل الذين آمنوا به من الغرق ، فآمن به ، إمّا طلبا للنجاة أو ~~إيمانا ل لعلَّة . # قال رضي الله عنه : ( ولمّا عصمه الله من فرعون " أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى ~~فارِغاً " من الهمّ الذي كان قد أصابه ) . # قال العبد : أمّ موسى صورة المزاج القابل للروح الإنساني من طبيعته الخاصّة ~~والاعتدال الخصيص المنتج لهذه النتيجة الشريفة الروحية ، فإنّ الروح الإنساني وإن ~~كان عندنا موجودا قبل وجود البدن ، ولكن تعيّن هذا الروح المعيّن مثل متوقّف على ~~المزاج ، وكان موجودا بصورته الروحانية الخصيصة به الموجود هو فيها وبها قبل ~~تعلَّقها بالبدن وجودا روحانيا عقليا نورانيا لا نقليا جسمانيا ، فالحادث بوجود هذه ~~الأمّ الشريفة إنّما هو هذا التعيّن الشخصيّ لا الروح في حقيقته الجوهرية ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( ثم إنّ الله حرّم عليه المراضع حتى أقبل على ثدي أمّه ~~فأرضعته ليكمل الله لها سرورها به ، كذلك علم الشرائع ، # كم قال : « لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا أي طريقا ومنهاجا أي من تلك الطريقة جاء ~~، فكان هذا القول إشارة إلى الأصل الذي منه جاء ، فهذا غذاؤه كما أنّ فرع الشجرة ل ~~يتغذّى إلَّا من أصلها ، فما كان حراما في شرع يكون حلالا في شرع آخر يعني في ~~الصورة ، # أعني قولي : يكون حلال وفي نفس الأمر ما هو عين ما مضى ، لأنّ الأمر خلق جديد ولا ~~تكرار ، ولهذا نبّهناك ، فكنى عن هذا في حق موسى بتحريم المراضع ). # يشير رضي الله عنه إلى أنّ اللبن الذي يرضعه كل مولود وإن كان في الصورة عينا ~~واحدة هو اللبن ، ولكن لبن شخص دون شخص ما هو عين ذلك اللبن ، # وكذلك الشريعة التي جعلها الله لنبيّ وجبله عليها هي التي يأخذها ذلك النبيّ دون ~~غيرها ، فإنّ الشرائع وإن كانت كلَّها منزلة من عند الله ولله ، ولكن لكل أحد شرعة ~~منه شرع في طلب الحق والتوجّه إليه ، ومنها جاء في الأصل . # وأمّا تنزيل تحريم المراضع على حقيقتها في الروح الإنساني من البدن ، فهو أنّ لكل ~~نفس نفس مزاجا خاصّا يناسبها ، لا يليق إلَّا لها في ثاني حصول كمالاتها لها في هذا ~~المزاج الخاصّ ، فيكون محرّما على الأرواح الزاكية الكاملة الطاهرة أن يتغذى ~~بالقوّة المخالفة للقوى الروحية وهي الهوى والشيطان والنفس ، وصور هذه القوى هي ~~التي حرّمت على موسى مراضعها من نساء أهل فرعون ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( فأمّه على الحقيقة من أرضعته لا من ولدته ، فإنّ أمّ ~~الولادة حملته على جهة الأمانة ، فيكوّن فيه ويغذّي بدم طمثها من غير إرادة لها في ~~ذلك ، حتى لا يكون لها عليه امتنان ، فإنّه إنّما يتغذّى بما لو لم يتغذّ به ولم ~~يخرج عنها ذلك الدم ، لأهلكها وأمرضها ، فللجنين المنّة على أمّه بكونه تغذّى بذلك ~~الدم ، فوقاها بنفسه من الضرر الذي كانت تجده لو امتسك ذلك الدم عندها ولم يخرج ولم ~~يتغذّ بها جنينها ، والمرضعة ليست كذلك ، فإنّها قصدت برضاعته حياته وإبقاءه فجعل ~~الله ذلك لموسى في أمّ أولاده فلم يكن لامرأة عليه فضل إلَّا لأمّ ولادته لتقرّ ~~أيضا عينها بتربيته وتشاهد انتشاءه في حجرها ولا تحزن ، ونجاها الله من غمّ ~~التابوت، فخرق ظلمة الطبيعة بما أعطاه الله من العلم الإلهي وإن لم يخرج عنها) . # قال العبد : الأرواح الكاملة التي للكمّل كما أنّها أبناء أرواح كاملة كلية ، ~~فكذلك أمزجتهم العادلة الفاضلة إنّما تكون من حقائق كلية طبيعية تامّه معتدلة ~~مشاكلة لها في مظهرية الكمالات الإلهية المطلوبة منها ، وتلك الهيئة الاجتماعية - ~~الفاصلة بين هذه الحقائق الطبيعية العادلة التي استجلبت واستدعت تعيّن الفيض الإلهي ~~الكامل والروح الإنساني الفاضل إن كانت تربية الروح بعد التعين فيها أيضا بها ~~وبحسبها ، كانت التربية أنسب وبالكمالات المطلوبة منها أشكل وأكمل ، وكذلك كانت أمّ ~~موسى من بني إسرائيل مؤمنة موحّدة أوحي إليها بشهادة الله في القرآن بقوله : ( ~~أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى ) الآية فأراد تكميل تربيته وانتشائه عليه السّلام على ~~يديها رحمة وامتنانا بهم جميعا ، من حيث تشعر أمّه ولا يشعر هو إذ ذاك بذلك . # قال رضي الله عنه : ( وفتنه فتونا أي اختبره في مواطن كثيرة ، ليتحقّق في نفسه ~~صبره على ما ابتلاه الله به ، فأوّل ما ابتلاه الله به قتله القبطيّ بما ألهمه الله ~~ووفّقه له في سرّه ، وإن لم يعلم بذلك ، ولكن لم يجد في نفسه اكتراثا بقتله ، مع ~~كونه ما توقّف ، حتى يأتيه أمر ربّه بذلك ، لأنّ النبيّ عليه السّلام معصوم الباطن ~~من حيث لا يشعر ، حتى ينبّأ أي يخبر بذلك ، ولهذا أراه الخضر قتل الغلام ، فأنكر ~~عليه ولم يتذكَّر قتله القبطيّ ، فقال له الخضر : ( ما فَعَلْتُه ُ عَنْ أَمْرِي ) ~~ينبّهه على مرتبته قبل أن ينبّأ أنّه كان معصوم الحركة في نفس الأمر وإن لم يشعر ~~بذلك ) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ جميع أفعاله عليه السّلام وحركاته وما جرى عليه ومنه ~~إنّما كان بأمر الله وإرادته وعلمه وإن لم يشعر به إذ ذاك ، فكان معصوما في جميع ~~أفعاله بما لا يشبه أفعال المعصومين ، كقتله القبطيّ فإنّه عليه السّلام لم يعلم به ~~حينئذ أنّه كان بعلم الله وإرادته وأمره ، ولهذا ألحقه بالشيطان وأضافه إلى نفسه ، # فقال : ( هذ من عَمَلِ الشَّيْطانِ ) أي بعيد عن الحق والصواب وكان الحق والصواب ~~فيه من حيث ما أراد الله ذلك وأمره بالفعل لا بالقول ، بل فعله على يده لما كان ~~يعلم أنّه لو بقي أفسد ما بين بني إسرائيل ، وأفضى إلى فتنة عظيمة ، فردّ الله ~~بقتله الفتنة . # قال رضي الله عنه : ( وأراه خرق السفينة التي ظاهرها هلك وباطنها نجاة عن يد ~~الغاصب ، جعل له ذلك في مقابلة التابوت الذي كان في اليمّ مطبقا عليه ، وظاهره هلاك ~~وباطنه نجاة وإنّم فعلت به أمّه ذلك خوفا من يد الغاصب فرعون أن يذبحه صبرا وهي ~~تنظر إليه مع الوحي الذي ألهمها الله به ، من حيث لا تشعر ، فوجدت في نفسها أنّها ~~ترضعه ، فإذا خافت عليه ، ألقته في اليمّ ، لأنّ في المثل « عين لا ترى ، قلب لا ~~يتّجع » فلم تخف عليه خوف مشاهدة عين ، ولا حزنت عليه حزن رؤية بصر ، وغلب على قلبه ~~أنّ الله ربما ردّه إليها ، لحسن ظنّها به ، فعاشت بهذا الظنّ في نفسها ، والرجاء ~~يقابل الخوف واليأس ، وقالت حين ألهمت لذلك : لعلّ هذا هو الرسول الذي يهلك فرعون ~~والقبط على يده ، فعاشت وسرّت بهذا التوهّم بالنظر إليها ، وهو علم في نفس الأمر ) ~~. # قال العبد : سمعت الشيخ الأكمل ، قدوة الكمّل ، أبا المعالي ، صدر الحق والدين ~~محيي الإسلام والمسلمين ، محمد بن إسحاق بن محمد بن يوسف - سلام الله عليه - عن ~~الشيخ خاتم الأولياء المحمديّين سلام الله تعالى عليه في الأوّلين والآخرين أنّه ~~اجتمع بأبي العبّاس خضر صلوات الله عليهم فقال له : " كنت أعددت لموسى بن عمران ألف ~~مسألة ممّا جرى عليه من أوّل ما ولد إلى زمان اجتماعه ، فلم يصبر على ثلاث مسائل ~~منها » تنبيها من الخضر لموسى أنّ جميع ما جرى عليه ويجري بأمر الله وإرادته وعلمه ~~الذي لا يمكن وقوع خلافه ، # وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : « ليت أخي موسى سكت ، حتى يقصّ علينا من ~~أنبائهما » تنبيها على هذه الأسرار ، فإنّ العلم بها من خصوص الولاية التي لا ردّ ~~فيها ولا إنكار ، فإنّ من شاهد أنّ ما يجري على أيدي العباد وعليهم إنّما هو من أمر ~~الله الذي لا يردّ ، فإنّه مقترن بالإرادة ، مؤيّد بها ، ولا بدّ من وقوعه لا يصدر ~~منه إنكار عليه ولا نهي عنه ولا أمر بخلافه ، ولو اطَّلع الرسول على سرّ القدر ، # فإنّ همّته ربما تفتر عن إبلاغ ما أمر بتبليغه ، فإنّه إنّما أمر بتبليغه على علم ~~من الله بوقوع المأمور به من البعض وعدم وقوع ذلك من آخرين ، والمراد بأمره للرسول ~~بالتبليغ هو التبليغ فقط ، # فإنّه ما على الرسول إلَّا البلاغ ، فقد ينظر المطَّلع على سرّ القدر عدم وقوع ما ~~أمر بتبليغه فلم يقتصر على أنّه مأمور بالتبليغ فقط ، سواء وقع المأمور به ، أو لم ~~يقع ، فربم يتقاعد عن تبليغ ما أمر بتبليغه أو يفتر أو يشقّ عليه ، # فطوى الله علم ما شاكل هذه الأسرار عن الأنبياء ، رحمة بهم ، ولا يوجب ذلك نقصا ~~في مراتبهم النبوية ، ولا يقدح في كمالاتهم الخصيصة بهم ، فإنّ أكملهم - أعني رسول ~~الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقد كشف من هذه العلوم ما لم يكشف غيره - أشار إلى هذا ~~السرّ ، # فقال : « شيّبتني هود وأخواتها » ، لما اشتملت على الأمر بالاستقامة في الدعوة ~~التي قد تردّ عند الكافر ولا تردّ عند المؤمن ، فيشقّ عليه أن يردّ أمر الله ، ولا ~~يجد بدّا من الدعوة ، لكونه مأمورا بها بامتثال قوله تعالى :- ( فَاسْتَقِمْ كَما ~~أُمِرْتَ ) فالمحمّديّ المشهد # لا يأخذه عند شهود ذلك فتور ولا لومة لائم ، ولم يكن غيره من الأنبياء كذلك ، ~~فافهم ، ولا تجبن ، فإنّ المحمديين يرون ذلك ، ويدعون إلى الله على بصيرة ، وعلم ~~هذه الأسرار للأنبياء الكمّل من كونهم رسلا ، فهكذا أمر موسى مع الخضر ومع الحق ، ~~فاعلم ذلك . # قال رضي الله عنه : ( ثم إنّه لمّا وقع عليه الطلب ، خرج فارّا خوفا في الظاهر ~~وكان في المعنى حبّا في النجاة ، فإنّ الحركة أبدا إنّما هي حبّية ، ويحجب الناظر ~~فيها بأسباب أخر وليست تلك ، وذلك لأنّ الأصل حركة العالم من العدم - الذي كان ~~ساكنا فيه - إلى الوجود ، ولذلك يقال إن الأمر حركة عن سكون ، فكانت الحركة - التي ~~هي وجود العالم - حركة حبّية ، قد نبّه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على ذلك ، ~~بقوله : « كنت كنزا لم أعرف ، فأحببت أن أعرف » فلو لا هذه المحبّة ما ظهر العالم ~~في عينه ، فحركته من العدم إلى الوجود حركة حبّ الموجد لذلك ، ولأنّ العالم أيضا ~~يحبّ شهود نفسه وجودا كما شهدها ثبوتا ، فكانت بكل وجه حركته من العدم الثبوتي إلى ~~الوجود حركة حبّية من جناب الحق وجانبه ، فإنّ الكمال محبوب لذاته . # وعلمه تعالى بنفسه من حيث هو غنيّ عن العالمين - هو له وما بقي له إلَّا تمام ~~مرتبة العلم بالعلم الحادث الذي يكون من هذه الأعيان ، أعيان العالم إذا وجدت ، ~~فتظهر صورة الكمال بالعلم المحدث والقديم ، فتكمل مرتبة العلم بالوجهين ، وكذلك ~~تكمل مراتب الوجود ، فإنّ الوجود ، منه أزليّ ) . # يعني : إذا أضيف إلى الأزلي في غير الأزلي ، كما مرّ في الفصّ الشيثي ، فتذكَّر . # قال رضي الله عنه : ( وغير أزليّ وهو الحادث " يعني غير الأزلي " والأزلي وجود ~~الحق لنفسه وغير الأزلي وجود الحق بصور العالم الثابت ، فيسمّى حدوثا لأنّه ظهر ~~بعضه لبعضه ، وظهر لنفسه بصور العالم ، فكمل الوجود ، فكانت حركة العالم حيث للكمال ~~، فافهم ) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ حركة موسى وفراره ، وإن كانت - على ما علَّل ذلك عند ~~فرعون بقوله : ( فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّ خِفْتُكُمْ ) " بسبب الخوف ، وكذلك حركة ~~كل ذي خوف وفراره " من أمر مخوف وإن كان بالنظر الظاهر معلَّل بسبب قريب وهو الخوف ~~، # ولكنّ التحقيق يقتضي أن لا تكون الحركة عن خوف ، فإنّ الخوف يقتضي السكون والجمود ~~، ول يقتضي الحركة ، # وإنّما السبب الموجب للحركة فيمن يفرّ عن مكروه هو حبّ الحياة والنجاة ، فلمّا ~~رأى أمرا يوجب فوت محبوبه - وهو النجاة والحياة - خاف ذلك فتحرّك وفرّ طلبا للحياة ~~، فموجب الحركة في الحقيقة لم يكن الخوف ، بل الحبّ للنجاة أو الحياة أو غير ذلك ~~ممّا يحبّ وجوده ويخاف عدمه . # ثمّ بيّن رضي الله عنه أنّ الحركة في الأصل حبّية ، وذكر في ذلك أسرارا عالية في ~~الجناب الإلهي والعالم ، وأنّها وإن سبقت الإشارة إليها فيم سلف ، ولكن نبحث هاهنا ~~على ما يبقى من الأسرار ، وهو أنّ قوله تعالى على لسان أكمل مظاهره الإنسانية : « ~~أحببت أن أعرف » ليس محتده هذه المحبّة ، وأصل هذ التجلَّي من حيث الذات ، الغنيّة ~~عن العالمين ، # وذلك لأنّ الكمال الذاتي حاصل للذات بالذات ، ومتعلَّق المحبّة أبدا أمر معدوم ~~غير حاصل المعرفة به ، فما يسمّى « غيره » و « سواه » فلم يكن حاصلا ، لعدم المعارف ~~إذ ذاك ، فأحبّ حصوله ووجوده ، # فخلق الخلق وتعرّف إليهم ، فعرفوه ، فكمل مرتبة العلم والوجود ، فوضح وصحّ أنّ ~~الكناية بتاء "أحببت " لا تعود إلى ذات الذات ، تعالت وتباركت وجلَّت عن مثل ذلك ، ~~وإنّما تاء الكناية تعود إلى أحدية النسب الذاتية - وهي حقائق الأسماء - وإلى ~~الشؤون الغيبية العينية ، فإنّ هذه النسب هي التي لم تكن موجودة لأعيانها ولا ظاهرة ~~في مظاهرها ، # فإنّ الألوهية والربوبية والخالقية والرازقية وسائر النسب في حقائقها متوقّفة ~~الوجود والتحقّق على المألوه والمربوب والمخلوق والمرزوق وجودا وتقديرا ، وحيث لم ~~يكن عالم يكون مألوها ، مربوبا ، مخلوقا ، مرزوقا ، موجودا في عينه وكذلك الخالقية ~~والرازقية والربوبية والإلهية ، لم تكن ظاهرة الأعيان ولا موجودة الآثار ، # فكانت مستهلكة تحت قهر الأحدية الإحاطية الذاتية مع النسب التي هي عليها متوقّفة ~~كاستهلاك النصفية والثلثية والربعية والخمسية وغيرها - من النسب العددية التي لا ~~تتناهى - في أحدية الواحد ، # فإنّ الواحد قبل أن يتعدّد وينشئ الأعداد في أحدية واحديته لا نصف ولا ثلث ولا ~~ربع ولا خمس ول سدس ولا غيرها بالفعل ، ولكن ثبوت هذه النسب للواحد مشروط بإنشائه ~~العدد بنفسه ، فإذا وجد الواحد في مرتبتين أو ثلاثة أو أربعة بالفعل بنفسه ، حينئذ ~~كان الواحد عين هذه النسب بالفعل ، وظهرت هذه النسب فيه عينها ، # فكان الواحد بالفعل نصف الاثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة وخمس الخمسة وجزءا من ~~أيّ عدد فرضت بالفعل فهكذا كانت النسب الأسمائية مستهلكة الأعيان في أحدية الذات ، ~~فـ « أحببت » أي أحبّ الواحد - من حيث هي لا من حيث هو هو ذاته الغيبية الغنيّة عن ~~العالمين - أن يظهرها متمايزة الأعيان في الوجود ، # موجودة الآثار في عرصة الشهود كناية عن تلك النسب ، فتجلَّى تجلَّيا حبّيا منها ~~وفيها ، فسرى سرّ التجلَّي الحقّ في الحقائق كلَّها ، فتحرّكت حقائق نسب الواحد من ~~مقام استهلاكها إلى قوابلها ومظاهرها ، فحبّت الإلهية إلى المألوه والربوبية إلى ~~المربوب والخالقية إلى المخلوق ، # وكذلك تحرّكت المخلوقية إلى الخالقية والمرزوق إلى الرازق والمربوب إلى الربّ ، ~~فأحبّ الخلق من حيث هي لا من حيث ذاته ، لإسعافهم بأعيان مطالبهم وإيجاد مقاصدهم ~~ومآربهم ، لأنّه من حيث ذاته الغنية عن العالمين لا يمكن أن يعرف أو يعلم ، # وإنّما يعرف ويعلم بأسمائه وصفاته وشئونه ونسب ذاته وإضافاته ، فهذه النسب هي ~~الكنز الذي لم يكن يعرف ، فأحبّ الحق أن يعرف من حيث كونه هي أن يعرف ، # فتجلَّى بنفسه ونفسه الذي هو فيها هي فظهر بوجوده الحق الذي به تحقّقت المتحقّقات ~~من الماهيات في مراتب حقائق الممكنات # التي ل تتناهى ، ويسمّى بأسماء المراتب جميعها ، وما ثمّ إلَّا هو ، والظهور ~~والتعيّن والأسماء كلَّها نسب لا تحقّق لها إلَّا به وله ، إذ الظهور لا تحقّق له ~~إلَّ بالظاهر ، # وكذلك التعيّن لا وجود له من حيث هو هو ، بل بالمتعيّن بذلك التعيّن ، فالواحد هو ~~هو واحد ، في جميع هذه المراتب العددية ، فواحد وواحد اثنان ، وواحد وواحدان ثلاثة ~~، وهكذا إلى ما لا يتناهى ، فتسمّى الواحد بأسماء الأعداد غير المتناهية وقبل الكلّ ~~وصحّت إضافة الجميع إليه لا من حيث ذاته ، بل من حيث ظهوراته وتجلَّياته وتعيّناته ~~، فافهم . # واللطيفة الشريفة الأخرى أنّ الله الواحد الأحد الحقّ يعظم ويجلّ أن يعرفه غيره ، ~~وما ثمّ إلَّا هو ، والمعروف والعارف والمعرفة يقضي بالكثرة والكثير ، وإذا كان ~~الله ول شيء معه ، فلا يمكن أن يعرفه غيره ، ولكنّ الواحد إذا ظهر بوجوده ونفسه في ~~مراتب كثيرة عددية ، # فإنّه - من حيث تعيّنه في مرتبة غيره من كونه متعيّنا في مرتبة أخرى - له أن يعرف ~~نفسه حقيقة فلم يعرفه إلَّا هو به ، فليس الاثنان ثلاثة ولا أربعة ولا خمسة ولا ~~ستّة ولا سبعة ، فتحقّقت الغيرية النسبية والتغاير الاعتباري ، # فعرف نفسه ، فكان عارفا - من حيث ظهوره بوجود العالم في المألوه والمربوب المخلوق ~~المرزوق - ومعروفا من كونه موجدا لها ربّا خالقا رازقا ، فحصل ما تعلَّقت به ~~المحبّة الإلهية أن يعرف ، ولكن ما عرفه إلَّا هو ، # فهو العارف وهو المعروف من حيثيّتين متغايرتين بالنسبة والإضافة إلى التعين ~~والظهور في مراتب عددية معقولة لا وجود لها إلَّا بهذا الواحد المنشئ بذاته للأعداد ~~، فسبحانه ل إله إلَّا هو الواحد الأحد الذي لا وجود لأحد في ذاته إلَّا هو ، ~~فتحقّق هذه المباحث ، فإنّها من فيض أنوار ما دسّ الشيخ رضي الله عنه في متن الكتاب ~~، وأنّه لباب الحق في الباب ، عند ذوي الألباب ، والله الموفّق للصواب . # قال رضي الله عنه : ( ألا تراه كيف نفّس عن الأسماء الإلهية ما كانت تجده من عدم ~~ظهور آثارها في عين مسمّى العالم ، فكانت الراحة محبوبة له ، ولم يوصل إليها إلَّا ~~بالوجود الصوري الأعلى والأسفل ) . # يشير رضي الله عنه إلى الوجود الظاهر بعين الحق والخلق ، فالأعلى وجود الحق ~~المطلق بأسمائه وصفاته ، والأسفل وجود العالم المقيّد بأجناسه وأنواعه وشخصيّاته . # قال رضي الله عنه : ( فثبت أنّ الحركة كانت للحبّ ، فما ثمّ حركة في الكون إلَّا ~~وهي حبّية ، فمن العلماء من يعلم ذلك ، ومنهم من يحجبه السبب الأقرب لحكمه في الحال ~~واستيلائه على النفس ، فكان الخوف لموسى مشهودا له بما وقع من قتله القبطيّ ، وتضمن ~~الخوف حبّ النجاة من القتل ، ففرّ لمّا خاف ، وفي المعنى فرّ لمّا أحبّ النجاة من ~~فرعون وعمله به ، فذكر السبب الأقرب المشهود له في الوقت الذي هو كصورة الجسم للبشر ~~، وحبّ النجاة مضمّن فيه تضمين الجسد للروح المدبّر له ، # والأنبياء لهم لسان الظاهر ، به يتكلَّمون لعموم الخطاب ، واعتمادهم على فهم ~~العالم السامع ، فلا يعتبر الرسل إلَّا العامّة ، لعلمهم بمرتبة أهل الفهم ، كما ~~نبّه عليه السّلام على هذه الرتبة في العطايا ، # فقال : « إنّي لأعطي الرجل وغيره أحبّ إلىّ منه ، مخافة أن يكبّه الله في النار » ~~فاعتبر الضعيف العقل والنظر الذي غلب عليه الطمع والطبع ، وكذا ما جاؤوا به من ~~العلوم جاؤوا به وعليه خلعة أدنى الفهوم ، ليقف من لا غوص له عند الخلعة ، ### || فيقول : ما أحسن هذه الخلعة أو براها غاية الدرجة ، # ويقول صاحب الفهم الدقيق ، الغائص على درر الحكم بم استوجب هذا : - « هذه الخلعة ~~من الملك » فينظر في قدر الخلعة وصنفها من الثياب ، فيعلم منها قدر م خلعت عليه ، ~~فيعثر على علم لم يحصل لغيره ممّن لا علم له بمثل هذ . # ولمّ علمت الأنبياء والرسل والورثة أنّ في العالم وفي أمّتهم من هو بهذه المثابة ~~، عمدوا في العبارة إلى اللسان الظاهر الذي يقع فيه اشتراك الخاصّ والعامّ ، فيفهم ~~منه الخاصّ ما فهم العامّ منه وزيادة ما صحّ له به اسم أنّه خاصّ يميّز به عن ~~العامّيّ ، فاكتفى المبلَّغون للعلوم بهذا ، فهذا حكمة قوله عليه السّلام : ( ~~فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ) ولم يقل : ففررت منكم حبّا في السلامة ~~والعافية ) . # يشير رضي الله عنه في كل هذه الحقائق إلى أنّ قوله : "لَمَّ خِفْتُكُمْ " رعاية ~~منه لمفهوم العموم ، فافهم ، ما ينظرون إلَّا إلى السبب الأقرب الظاهر لا إلى ~~الحقيقة وباطن السرّ . # قال رضي الله عنه : (فجاء إلى مدين ، فوجد الجاريتين ، " فَسَقى لَهُما " من غير ~~أجر، " ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ " الإلهي " فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما ~~أَنْزَلْتَ إِلَيَّ من خَيْرٍ فَقِيرٌ " . # فجعل عين عمله السقي عين الخير الذي أنزله الله إليه ، ووصف نفسه بالفقر إلى الله ~~في الخير الذي عنده ، فأراه الخضر إقامة الجدار من غير أجر ، فعتبه على ذلك ، # فذكَّره الخضر سقايته من غير أجر ، إلى غير ذلك ممّا لم يذكره ، حتى تمنّى صلَّى ~~الله عليه وسلَّم أن يسكت موسى عليه السّلام ولا يعترض ، حتى يقص الله عليه من ~~أمرهما ، # فيعلم بذلك ما وفّق إليه موسى من غير علم منه ، إذ لو كان عن علم ما أنكر مثل ذلك ~~على الخضر الذي قد شهد الله له عند موسى وزكَّاه وعدّله ، # ومع هذا غفل موسى عن تزكية الله وعمّا شرطه عليه في اتّباعه ، رحمة بنا إذا نسينا ~~أمر الله ، ولو كان موسى عالما بذلك ، # لم قال له الخضر : ( ما لَمْ تُحِطْ به خُبْراً ) أي إنّي على علم لم يحصل لك عن ~~ذوق ، كما أنت على علم لا أعلمه أنا ، فأنصف . # وأمّ حكمة فراقه فلأنّ الرسول يقول الله فيه : " وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ ~~فَخُذُوه ُ وَما نَهاكُمْ عَنْه ُ فَانْتَهُوا " فوقفت العلماء بالله الذين يعرفون ~~قدر الرسالة والرسول عند هذا القول، وقد علم الخضر أنّ موسى عليه السّلام رسول الله ~~، فأخذ يرقب ما يكون منه ، ليوفّي الأدب حقّه مع الرسل ، فقال له : " إِنْ ~~سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَل تُصاحِبْنِي " فنهاه عن صحبته ، فلمّا وقعت ~~منه الثالثة) . # قال العبد : هذه الأحوال - التي يقصّ علينا - كلَّها صور أحوال للروح الإنساني ~~الكمالي الإلهي من أوّل تعيّنه في المزاج الجسماني العنصري ، كما أومأنا إليه في ~~حكمة تحريم المراضع ، فلنذكر من بعض ما يبقى من أسرارها والله الموفّق . # وذلك أنّ تربية الروح الإنساني وتغذيته إنّما تكون في بدو الفطرة وأوّل النشأة ~~بالقوى الطبيعية التي للروح الطبيعي الشهودي الذي صورته الدم ، # والروح الحيواني الذي صورته البخار المتّصل من لطائف الروح الطبيعي ، وتربية ~~الروح الإنساني النفساني الذي تعيّنه في القوى النفسانية وقوى الروح العقلي وخصائصه ~~بهيئة أحدية جمعية اعتدالية بين قوى الروح النفساني ، وهذه القوى مختلط ومرتبط ~~بعضها بالبعض في أوّل النشء والنماء . # والروح الإنساني ، وإن كانت ولادته وتعيّنه في تلك الهيئة العادلة الفاضلة ~~الحاصلة بين قوى الروح النفساني فيمن سبقت له العناية الإلهية الأزلية ، ولكنّ ~~القوى الروحية الحيوانية ، وقوى الروح الطبيعيّ غالبة في بدو النشء ، # وكذلك كانت تربية موسى في حجر أمّها التي هي صورة أفضل القوى الخصيصة بتربية ~~الروح من قوى الطبيعة ، ولكن كان بين آل فرعون الذي هو صورة الهوى الطبيعي ~~والحيواني - وآله صور القوى السبعية والشهوية التي للروح الحيواني والطبيعي وكانوا ~~هم الغالبين إذ ذاك ، # ثمّ لمّا تمّ نشؤه وتكاملت قواه وبلغ أشدّه واستوى وميّز بين القوى الروحانية ~~الإنسانية ، الإلهية وبين القوى الحيوانية الغضبيّة وبين القوى النفسانية الإنسانية ~~وحصل على علم الفرقان بينها ، حينئذ فضّل القوى الروحانية الإنسانية على القوى ~~الطبيعية كتفضيل موسى وآله من بني إسرائيل على قوى الهوى التي هي حقائق آل فرعون . # وأمّا قتله القبطيّ فهو صورة إبطال الروح العقلي لبعض القوى الإنحرافية الشيطانية ~~التي تدعو إلى الشرّ ، وتسرع إلى الفساد والضرّ ، وتثبّط عن الخير بالضير ، وتمنع ~~عن الصلاة والذكر ، وتأمر بتغليب القوى الطبيعية المزاجية على القوى الروحية ~~العقلية التي كانت بنو إسرائيل صوره . # وبين هذه القوى الانحرافية الشيطانية وبين القوى الروحية العقلية والقوى ~~الإيمانية لزام وخصام وجدال ونضال لا فتور لها ، كما كانت المخاصمة والمعاداة بين ~~آل فرعون وبين بني إسرائيل حتى قتل القبطيّ بوكزة موسى ، # وصورة الوكز نظير حجر العقل والحجر وقهره لتلك القوّة بمعاونة قوّة الإيمان ~~والفكر والذكر ، وقتله تعطيل تلك القوى الشيطانية بالكلَّية وتبطيل وجوده وشيطنته ~~بسلطان الروح وبرهان العقل وتبيان في بعض النشآت الكمالية كنشأة موسى فيما نحن بصدد ~~بيانه ، # ولكن بعض المحقّقين من أهل الكمال لا يبطلونها ولا يعطَّلونها بالكلَّية ، ~~ولكنّهم يسخّرونها ويستعملونها في المصارف المستحسنة الكمالية كما أشار إلى ذلك ~~رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنّه مكَّن من أخذ العفريت ، # وأشار أيض إلى أنّ شيطانه أسلم ولا يأمره إلَّا بخير ، فيقلَّب هؤلاء الكمّل ~~أعيان القوى ، الآمرة بالشرّ إلى أعيان القوى ، الأمرة بالخير بالإكسير الكمالي ~~الأحدي الجمعي ، الكاسرة لصور النقص والضير ، وهو من المشرب المحمّدي الختمي . # وأمّا حبّه النجاة وفراره من الهلاك فإنّه مستحسن في الله ، فإنّ نفسه لله لا له ~~، كما قال :" إِنَّ الله اشْتَرى من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ " ~~ونفوس الكمّل لله ، فيجب أن يحبّ كلّ منهم نجاته وحياته حبّا لله وفي الله ، فإنّ ~~نفسه لله ، بل هو ظاهره وهو باطنه وهو عينه وهو هو من حيث تجلَّيه في حقيقته وعينه ~~الثابتة ، والرجل الذي " جاءَ من أَقْصَا الْمَدِينَةِ " . . . # " يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ~~فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ من النَّاصِحِينَ " # هو الإلهام الإلهي من أصل الوحي يحصل من أقاصي القوى النفسانية الذي يرد على بعض ~~النفوس الكاملة عناية من الله ، ولذلك الشخص كانت صورة القوّة الملهمة بأمره وإذنه ~~. # وأمّا توجّهه تلقاء مدين فهو نظير إعراض الروح عن قوى الهوى التي آل فرعون صورة ~~نظائرهم ، وتوجّهه بمقتضى القوى العقلية والعقدة الإيمانية النقلية إلى مدين وهو ~~صورة الهيئة الاجتماعية بين خصائص القوى الروحية الإلهية وبين القوى الطبيعية ~~الجسمانية القابلة للحقيقة القلبية التي شعيب مظهرها ، # فإنّ الروح الإنسانيّ بعد تميّزه وفرقانه بين الخير والشرّ ، والمحمود والمذموم ~~يهاجر ويطلب النجاة من غلبة القوى الشهوية والحيوانية على القوى العقلية والإيمانية ~~، فيعرض من الانبساط إلى القوى الظاهرة الهيكلية القابلية إلى القوى الباطنة ~~الروحانية القلبية . # وماء مدين صورة العلم المشروع للعالم في الحياة الدنيا الذي يشترك فيه أهل العموم ~~والخصوص من القوى القابلية والقلبية . # والظلّ الإلهي هو الوجود الإلهي مأوى الروح العقلي الإنساني . # والشجرة التي منها الظلّ أحدية الجمع الجمعي الكمالي الإنساني روحانيّها ~~وجسمانيّها غضبيّه وشهويّها ونفسانيّها ، فإنّها أحدية جمع كثرة متشاجرة أي متمازجة ~~مختلطة . # والجاريتان صورتا قوّة الإيمان والهمّة ، وهما من نتائج القوى القلبية الجامعة ~~بين خصائص القوى الروحية والقوى الطبيعية ، فافهم هذه الحكم أيضا ، فإنّها من مشرب ~~الخضر المحمّدي ، والله الموفّق . # قال رضي الله عنه : ( قال الخضر "هذ فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ " ولم يقل له موسى ~~: لا تفعل ، ولا طلب صحبته ، لعلمه بقدر الرتبة التي هو فيها التي نطَّقته بالنهي ~~عن أن يصحبه ، فسكت موسى ووقع الفراق ، فانظر إلى كمال هذين الرجلين في العلم ~~وتوفية الأدب الإلهيّ حقّه ، واتّصاف الخضر فيما اعترف به عند موسى ، حيث قال : أنا ~~على علم علَّمنيه الله ، ل تعلمه أنت ، وأنت على علم علَّمكه الله لا أعلمه أنا ، ~~فكان هذا الإعلام من الخضر لموسى دواء لما جرحه به في قوله :" وَكَيْفَ تَصْبِرُ ~~عَلى ما لَمْ تُحِطْ به خُبْراً " مع علمه بعلوّ رتبته بالرسالة ، # وليست تلك الرتبة للخضر ، فظهر ذلك في الأمّة المحمدية في إبار النخل ، فقال ~~صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابه : « أنتم أعلم بمصالح دنياكم » ولا شكّ أنّ العلم ~~بالشيء خير من الجهل ، ولهذا مدح الله نفسه بأنّه بكل شيء عليم ، فقد اعترف صلَّى ~~الله عليه وسلَّم لأصحابه بأنّهم أعلم بمصالح الدنيا منه ، لكونه لا خبرة له بذلك ، ~~فإنّه علم ذوق وتجربة ، ولم يتفرّغ صلَّى الله عليه وسلَّم لعلم ذلك ، بل كان شغله ~~بالأهمّ فالأهم ، فقد نبّهتك على أدب عظيم تنتفع به إن استعملت نفسك فيه ) . # قال العبد أيّده الله به : اعلم : أنّ الخضر صلوات الله عليه صورة الاسم « الله » ~~الباطن ، وله علوم الولاية والقرب والغيب ، وأسرار القدر ، وعلوم الهوية والإنيّة ، ~~والعلوم اللدنّية والأسرار ، ولهذا محتد ذوقه الوهب والإيتاء ، # قال الله تعالى - : " فَوَجَد عَبْداً من عِبادِنا آتَيْناه ُ رَحْمَةً من ~~عِنْدِنا وَعَلَّمْناه ُمن لَدُنَّ عِلْماً " وكما كان يشير إلى ذلك في كلماته ~~الكاملات لموسى : # بقوله :" فَأَرادَ رَبُّكَ " فوحد وعين إنية الربوبية ، وأخبر عن الإرادة ~~الربانية الباطنة ، # وقال :"فَأَرَدْتُ " فعيّن وقيّد ، وأخبر عن تعيين علمه وتخصيص إرادته بعض ما في ~~باطنه ، # وقال :" فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْه ُ زَكاةً " فجمع ~~في الكناية ، وهو عين التوحيد وأحدية الإرادة والتصرّف والعلم عن ذوق وخبرة ، و # كل ذلك إشارة منه صلَّى الله عليه إلى أسرار البطون والغيب وخفّيات الغيبة وأسرار ~~المشيّة وسرائر الإرادة . # وأمّا موسى عليه السّلام فصورة الاسم « الظاهر » ، وله الرسالة والنبوّة وعلوم ~~التشريع من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والحكم بالظاهر ، ولذلك معجزاته في ~~كمال الظهور والوضوح ، فلمّا أراد الله تكميل موسى بالجمع بين التجليات الظاهرة ~~والباطنة وعلوم النبوّة وما في استعداده من علوم الولاية ، # وكان موسى قد ظهر بدعوى بين قومه أنّه أعلم أهل الأرض وذلك في ملأ من بني إسرائيل ~~، فأوحى الله إلى موسى ، بل عبد لنا بمجمع البحرين - أي بين بحرى الوجوب والإمكان ، ~~أو بحر الظاهر وبحر الباطن ، أو بحر النبوّة وبحر الولاية ، # فاستحى موسى من دعواه ، فسأل الله أن يقدّر الصحبة بينهما واستأذن في طلب ~~الاجتماع به ، حتى يعلَّمه ممّا علَّمه الله ، فلو آثر صحبة الله وأخذ العلم منه من ~~طريق الولاية ، من حيث إنّ كلّ نبيّ وليّ وأنّ الولاية باطن النبوّة ، لأغناه الله ~~عن اتّباع الخضر ، # ولكنّه آثر صحبة الله المتجلَّي من الحضرة الخضرية والتجليات الباطنة الخفية ~~والأسرار العليّة الإلَّيّة الحقّية ، فلمّا وقع الاجتماع ، ظهر النزاع لما بين ~~الظهور والبطون من المباينة والمغايرة ، # وبعد حصول م أراد الله إيصاله إلى موسى من ذلك في صحبة الخضر - صلى الله عليهما - ~~كما بيّنّا ، وقع الفراق ، # لأنّ الظاهر - من كونه ظاهرا - يفترق من الباطن من كونه باطنا ولا بدّ ، ولنا ~~بحمد الله من المقام الخضري والمقام الموسوي من الوارث المحمدي حظَّ وافر ، والحمد ~~لله الأوّل والآخر الباطن الظاهر . # وقوله رضي الله عنه : ( فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً " يريد به الخلافة " ~~وَجَعَلَنِي من الْمُرْسَلِينَ " يريد به الرسالة ، فما كل رسول خليفة ، والخليفة ~~صاحب السيف والعزل والولاية ، والرسول ليس كذلك ، إنّما عليه بلاغ م أرسل به ، فإنّ ~~قاتل عليه وجاء بالسيف فذلك الخليفة الرسول ، فكما أنّ ما كلّ نبيّ رسولا ، فكذلك ~~ما كلّ رسول خليفة ، أي ما أعطي الملك ولا الحكم فيه . # وأمّ حكمة سؤال فرعون عن الماهية الإلهية فلم يكن عن جهل ، وإنّما كان عن اختبار ~~، حتى يرى جوابه مع دعواه الرسالة عن ربّه ، وقد علم فرعون مرتبة المرسلين في العلم ~~، فيستدلّ بجوابه على صدق دعواه ، وسأل سؤال إيهام من أجل الحاضرين ، حتى يعرّفهم ~~من حيث لا يشعرون بما شعر هو في نفسه فإذ أجابه جواب العلماء بالأمر ، # أظهر فرعون إبقاء لمنصبه : أنّ موسى ما أجابه على سؤاله ، فتبيّن عند الحاضرين - ~~لقصور فهمهم - أنّ فرعون أعلم من موسى ، ولهذا لمّا قال له في الجواب ما ينبغي وهو ~~في الظاهر غير جواب على ما سئل عنه وقد علم فرعون أنّه لا يجيبه إلَّا بذلك فقال ~~لأصحابه :" إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ " . # أي مستور عنه علم ما سألته عنه ، إذ لا يتصوّر أن يعلم أصلا ، فالسؤال صحيح ، ~~فإنّ السؤال عن الماهية ، سؤال عن حقيقة المطلوب ، ولا بدّ أن يكون على حقيقة في ~~نفسه لا يكون لغيره ، فالسؤال صحيح . # وأمّ الذين جعلوا الحدود مركَّبة عن جنس وفصل ، فذلك في كل ما يقع فيه الاشتراك ، ~~ومن لا جنس له لا يلزم أن لا يكون على حقيقة في نفسه لا تكون لغيره ، فالسؤال صحيح ~~على مذهب أهل الحق والعلم الصحيح والعقل السليم ) . # يشير رضي الله عنه إلى فساد ما تقرّر في نفوس الجمهور أنّ سؤال فرعون بقوله : # “ وَم رَبُّ الْعالَمِينَ “ غير صحيح ، لأنّه سؤال عن الماهية وهي على ما زعموا ~~مركَّبة عن جنس وفصل فالسؤال غير صحيح وليس كما زعموا فإنّ الماهية مركَّبة عن جنس ~~وفصل فيما من شأنه أن يدخل تحت الجنس والفصل ، # والموجود الذي لا يدخل تحت جنس وفصل لا يلزم أن لا يكون له حقيقة غير داخلة تحت ~~الجنس ، والفصل ، ويسأل عن ماهيته وحقيقته ، # فإنّ السؤال عن الماهية هو السؤال عن الحقيقة ، ولا شكّ أنّ ربّ العالمين له ~~حقيقة في نفسه ، وإلَّا لزم أن لا يكون له حقيقة وهو باطل بالضرورة ، فله حقيقة في ~~نفسه ، ولكن ل تعلم ولا تعرف ، فلا يعرّف ، ونفس عدم دخوله تحت الجنس والفصل يميّزه ~~ويخصّصه ، فإنّ عدم العلامة علامة من لا علامة له ، ولا بدّ أنّ يكون لله حقيقة ، ~~فالسؤال صحيح عن الحقيقة ، ولا يلزم أن يكون داخلا تحت جنس وفصل . # ويجاب عن ذلك أيضا بما يشترك فيه مع غيره من اللوازم الكلية العامة ، وبما يختصّه ~~وينفرد به ، فكان سؤال فرعون صحيحا ، وجواب موسى أيضا صحيحا ، فإنّ سؤاله كان عن ~~حقيقة ربّ العالمين . # ولكنّ الجواب عن هذا لا يكون إلَّا ببيان المضاف إليه ، فإنّ الربوبية معلومة لهم ~~، والربّ من الأسماء المضافة ولا يرد إلَّا مضافا ، وكان فرعون يقول :" أَنَا ~~رَبُّكُمُ الأَعْلى " فكان يضيف إليهم ربوبيته العرضية ، # فلزم أن يعرف المضاف إليه في الجواب ، فيتحقّق امتياز ربوبية هذا الربّ عن ربوبية ~~غيره ممّ توهّموا فيه الربوبية ، فقال في الجواب :" رَبُّ السَّماواتِ وَالأَرْضِ ~~وَم بَيْنَهُمَا " # يعني : هذا الربّ ربوبيته محيطة كلَّية عامّة في كل ما هو موجود في السماوات ~~العلويات والأرضين السفليات ، # ولمّا كان المتداول عندهم في التعريفات بيان الجنس والفصل ، ولم يقع الجواب على ~~ذلك النهج ، أو هم فرعون الحاضرين بموجب ما كان مستقرّا في نفوسهم أنّ جواب موسى ~~غير مطابق لسؤال فرعون . # قال رضي الله عنه : ( والجواب عنه لا يكون إلَّا بما أجاب به موسى وهنا سرّ كبير ~~، فإنّه أجاب بالفعل لمن سأل عن الحدّ الذاتي ، فجعل الحدّ الذاتيّ غير إضافته إلى ~~ما ظهر به من صور العالم ، أو ما ظهر فيه من صور العالم فكأنّه قال ) # يعنى ذلك الجواب ، وهو ربّ السّموات والأرض وما بينهم « له في جواب قوله :" وَما ~~رَبُّ الْعالَمِينَ ". قال : الذي يظهر فيه صور العالم " أي بالمربوبية" . # قال رضي الله عنه : ( من علو وهو السماء ، أو سفل وهو الأرض " إِنْ كُنْتُمْ ~~مُوقِنِينَ " أو يظهر هو بم ) يعني بالربوبية . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فلمّا قال فرعون لأصحابه : إنّه "لَمَجْنُونٌ " كما ~~قلن في معنى كونه مجنونا ، زاد موسى في البيان ليعلم فرعون رتبته في العلم الإلهي ، ~~لعلمه بأنّ فرعون يعلم ذلك ، # فقال : " رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ " فجاء بما يظهر ويستر وهو الظاهر ~~والباطن وما بينهما وهو قوله : " بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " ، "إِنْ كُنْتُمْ ~~تَعْقِلُونَ " أي إن كنتم أصحاب تقييد ، إذ العقل تقييد ، فالجواب الأوّل جواب ~~الموقنين ، وهم أهل الكشف والشهود بالوجود ، # فقال : "إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ " أي أهل كشف ووجود ، فقد أعلمتكم بما ~~تيقّنتموه في شهودكم ووجودكم ، وإن لم تكونوا من هذ الصنف فقد أجبتكم في الجواب ~~الثاني إن كنتم أهل عقل وتقييد وحصر ، ثم الحق فيم تعطيه أدلَّة عقولكم ، فظهر موسى ~~بالوجهين ، ليعلم فرعون فضله وصدقه) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ الجواب الأوّل على مقتضى الكشف والشهود ، فإنّه أعلم ~~في ذلك أنّ الجواب عن الحقيقة والماهية - مع قطع النظر عن الإضافة - محال ، # فإعراضه بالفعل عن التصدّي للجواب عن السؤال بالماهية إعلام تامّ بأنّه مطلق عن ~~كل قيد وحدّ ، ولا يدخل تحت حدّ بجنس وفصل ، لاستغراقه الكلّ ، # وعدل إلى بيان حقيقة الربوبية المضافة ببيان المضاف إليه ، بأنّه هو الذي له ~~ربوبية العالمين ، وهو عالم الأرواح العالية والأجسام السافلة ، وربّ ما علا وما ~~سفل من الأجسام أي الظاهر بربوبيته في العالمين ، والباطن بهويته ، # لكونها عين العالمين وما بينهما من الأسماء والصفات والنسب والإضافات . # والجواب الثاني بما ظهر من عالم الأجسام والخلق ، وما بطن عالم الأرواح والعقول ، # وما بين الظاهر والباطن من التعينات الجامعة بين الأرواح والأجسام ، فإنّ المشرق ~~للظهور ، والمغرب للبطون ، # والحق هو الظاهر المتعيّن بجميع ما ظهر بإشراق نوره وإطلاق ظهوره ، وهو الباطن ~~المتعيّن بجميع ما بطن في غيب عينه وعين حضوره ، # وأهل التقييد والتحديد إمّا أن قيّدوه بالتشبيه بالأجسام الظاهرة ، # فيقولون : إنّه جسم مطلق أو مقيد ، أو ينزّهوه فيحدّوه ويقيّدوه بتمييزه عن ~~الأجسام وكانوا حينئذ في عين التشبيه بالعقول والمجرّدات مع تنزيههم العقلي في ~~زعمهم والوهمي في نظر أهل التحقيق والكشف ، # فلهذا قال : " إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ " أي أهل عقل وتقييد . # قال رضي الله عنه : ( وعلم موسى أنّ فرعون يعلم ذلك ، لكونه سأل عن الماهية ، ~~فعلم أنّ سؤاله ليس على اصطلاح القدماء في السؤال بـ « ما هو » لكونهم لا يجيزون ~~السؤال عن ماهية ما لا حدّ له بجنس وفصل ، فلمّا علم موسى ذلك ، # أجاب ، فلو علم منه غير ذلك ، خطَّأه في السؤال ، فلمّا جعل موسى المسؤول عنه عين ~~الكلّ ، خاطبه فرعون بهذا اللسان الكشفي والقوم لا يشعرون ، # فقال له :" لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ من الْمَسْجُونِينَ ~~" والسين في " السجن " من حروف الزوائد أي لأسترنّك ، فإنّك أجبت بما أيّدتني به أن ~~أقول لك مثل هذا القول . ### || فإن قلت لي : فقد جهلت يا فرعون بوعيدك إيّاي والعين واحدة ، فكيف فرّقت ؟ # فيقول فرعون : إنّما فرّقت المراتب العين ، ما تفرّقت العين ولا انقسمت في ذاتها ~~، ومرتبتي الآن الحكم فيك يا موسى بالفعل ، وأنا أنت بالعين ، وغيرك بالرتبة ، فلمّ ~~علم ذلك موسى منه ، أعطاه حقّه في كونه يقول له : لا تقدر على ذلك ، والرتبة تشهد ~~له بالقدرة عليه وإظهار الأثر فيه ، لأنّ الحق في رتبة فرعون من الصورة الظاهرة ، ~~لها التحكَّم على المرتبة التي كان فيها ظهور موسى في ذلك المجلس ، فقال له يظهر له ~~المانع من تعدّيه عليه :" أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ " فلم يسع فرعون ~~إلَّا أن يقول له : " فَأْتِ به إِنْ كُنْتَ من الصَّادِقِينَ " حتى لا يظهر فرعون ~~عند الضعفاء الرأي من قومه بعدم الإنصاف ، فكانوا يرتابون فيه، وهي الطائفة التي ~~استخفّها فرعون" فَأَطاعُوه ُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ" # أي خارجين عمّا تعطيه العقول الصحيحة من إنكار ما ادّعاه فرعون باللسان الظاهر في ~~العقل ، فإنّ له حدّا يقف عنده إذا جاوزه صاحب الكشف واليقين ، # ولهذ جاء موسى بالجواب بما يقبله المؤمن والعاقل خاصّة "فَأَلْقى عَصاه ُ " وهي ~~صورة ما عصى به فرعون موسى في إبائه عن إجابة دعوته ، "فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ ~~مُبِينٌ " أي حيّة ظاهرة ، فانقلبت المعصية التي هي السيّئة طاعة أي حسنة ، # كم قال : " يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ " يعني في الحكم ، فظهر الحكم ~~هنا عينا متميّزة في جوهر واحد ، فهي العصا وهي الحيّة والثعبان الظاهر فالتقم ~~أمثاله من الحيّات من كونها حيّة والعصا من كونها عصيّ ، # فظهرت حجّة موسى على حجج فرعون في صورة عصيّ وحيّات وحبال ، فكانت السحرة الحبال ~~، ولم يكن لموسى حبل ، # والحبل : التلّ الصغير ، أي مقاديرهم بالنسبة إلى قدر موسى بمنزلة الحبال من ~~الجبال الشامخة ، فلمّا رأت السحرة ذلك علموا رتبة موسى في العلم ، وأنّ الذي رأوه ~~ليس من مقدور البشر ، وإن كان من مقدور البشر ، فلا يكون إلَّا ممّن له تميز في ~~العلم المحقّق عن التخييل والإيهام ، فآمنوا بربّ العالمين ، ربّ موسى وهارون . # أي الربّ الذي يدعو إليه موسى وهارون - بعلمهم بأنّ القوم يعلمون أنّه ما دعا ~~لفرعون ، فلمّا كان فرعون في منصب التحكَّم صاحب الوقت ، وأنّه الخليفة بالسيف وإن ~~جار في العرف الناموسي - لذلك قال الشيخ رضي الله عنه : :"أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى ~~". # أي وإن كان الكلّ أربابا بنسبة ما، فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من ~~التحكم فيكم . # ولمّ علمت السحرة صدقه في مقاله ، لم ينكروه وأقرّوا له بذلك فقالوا له :" إِنَّم ~~تَقْضِي هذِه ِ الْحَياةَ الدُّنْيا " ، " فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ" فالدولة لك فصحّ ~~قوله : « أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى » وإن كان عين الحق ، فالصورة لفرعون ، فقطع ~~الأيدي والأرجل ، وصلب بعين حقّ في صورة باطل لنيل مراتب ل تنال إلَّا بذلك الفعل ، ~~فإنّ الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها) . # قال العبد : يشير رضي الله عنه في كل ذلك إلى الربوبيات العرضية المبثوثة في كلّ ~~من أعطاه الله تصرّفا ، فكل من كان تصرّفه وحكمه في الظاهر أتمّ وأعمّ ، فربوبيّته ~~كذلك أعمّ وأتمّ ، فإنّ الربّ لغة هو المالك . وقيل : هو السيد ، والربّ هو المربّي ~~. # والمالك يتصرّف في ملكه بما أراد ، والسيد يحكم بسيادته على العبيد بما يبقى له ~~عليهم السيادة ولهم العبودية له ، # وهو كما يقال : ربّ الدار ، وربّ الخاتم ، وربّ الثوب ، وربّ القرية والمدينة ، ~~وهو اسم إضافى أبدا ، وإذا عرّف بلام التعريف والعهد يكون مدلوله ربّ العالمين وربّ ~~الأرباب ، فلم يبرح عن الإضافة في المعنى . # وهذه النسبة أعني الربوبية لعين واحدة ظاهرة بصور كثيرة شتّى وهي بعينها تربّي ~~وتربّ وتصلح صورها التي هي لها مجال ومراء ومحالّ ظهور وتراء ، والربّ له خمسة معان ~~، فإنّه المالك ، والسيد ، والثابت ، والمصالح ، والمربّي ، والعين الأحدية الظاهرة ~~بحقيقتها في كل صورة بقدر قابليتها – # لها أحدية جمع جميع هذه المعاني كلَّها ، فإنّها مالكة الصور المشهودة منها ، فهي ~~لها ، وله أيضا السيادة على الكلّ جميعا وعلى كل عين عين منها ما يخصّها ، فإنّها ~~عين هذه الأعيان الظاهرة بصور الكلّ ، # وهي أيض تصلحها بما تصلح لها وتربّيها وتغذّيها ، فتغذّى الصور بأعيانها ~~المتعيّنة به وفيها ، وتغذّى الأعيان بالأحكام والآثار والأفعال والأحوال والنسب ~~والإضافات والأسماء والصفات الخصيصة بها جمعا وفرادى ، # وتغذّي وتربّي المجموع بالفيض الأحديّ الجمعي النفسي الذي هو مادّة هذه الصور ~~كلَّه وهيولاها ، وهي الثابتة في عينها لعينها ، فالثبات للعين فيها لا لها إلَّا ~~به وفيها ، إذ الصور والنسب والتعينات والظهور أعراض لا تبقى زمانين ، والتحقّق ~~والثبوت للعين في الكلّ . # فلمّا كان فرعون صاحب الوقت وربّ السيف في الكلّ ، والربوبية ظهورها فيه أكثر ، ~~لتحكَّمه فيهم جميعا ظاهرا فقال بلسان الحق - الذي أنطق كلّ شيء ، ونطق بألسنة كل ~~ميت وحيّ ، في صورة هداية وغيّ ، إشارة إلى العين الظاهرة المتعيّنة بصورة فرعون ~~وفيها ، وهو عين الحق في صورة من صور الباطل :" أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى " أي ~~ربوبيتى أعلى من ربوبيّتكم ، والعين - الظاهرة في صورتي بربوبية أعلى أعلى وأجلى ، ~~وصدق في كون ربوبيّته أعلى من ربوبية غيره في ملئه كما أشار إلى هذا المقام الشيخ ~~أبو مدين البجائيّ : # ل ينكر الباطل في طوره %~% فإنّه بعض ظهوراته # وأعطه منك بمقداره %~% حتّى توفي حقّ إثباته . # وقلنا في تتمّتها : # فالحق قد يظهر في صورة %~% ينكرها الجاهل في ذاته. # ثمّ اعلم ي أخي : أنّ المحاجّة والمباحثة الواقعة بين فرعون وموسى ضرب مثل ضربها ~~الحقّ في الشاهد لصور المحاجّة والمخاصمة الواقعة بين الروح العقلي الإنساني ~~المويّد من الله وبين الهوى النفسي الطبيعي والأنانية التعينية الحجابية ، # فإنّ طاغوت الهوى وفرعون صنميّة الحجاب التعيّنيّة الصورية يدعو إلى الربوبية ~~العرضية المقيّدة بمصر الطبيعة الشهوية ، والقوى الحيوانية الغضبيّة والقوى ~~النفسانية الفكرية المنصبغة بأحكام الشهوة والغضب ، والشهوة تساعدها وتعاضدها ، # والروح العقلي الإلهي المؤيّد بنور الله ، يدعو إلى الله الواحد الأحد في عين ما ~~تكثّر وتعدّد ، وقد علمت فيما سلف أنّ كلَّا منها صور ماذا ؟ # فطابق به بين الكلّ في جميع المحاجّات والمخاصمات الواقعة بين فرعون وموسى وبين ~~العقل والهوى ، تعثر على حقائق عزيزة ، إن شاء الله تعالى . # والسحرة صور القوى النفسانية والروح النفسانيّ ، المنصبغة بحكم الهوى وقوّتي ~~الشهوة والغضب ، المنحرفة إلى خصائص الروحين : الطبيعي والحيواني ، فإنّ قوى الروح ~~النفساني إذ تكيّفت بكيفيات هاتين القوّتين وانصبغت بصبغة أحكامهما ، صاغت صور ~~الباطل في صيغة الحق ، وأظهرت الشبه الكاذبة في صور الحجج الصدق ، فخيّلت وأوهمت ~~بما لا حقيقة له ، وادّعت الحكم والربوبية للهوى كما قالت السحرة في أوّل الدعوى :" ~~بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ " فانقادت للهوى وخضعت ، فأسره ~~الهوى ، واستعملها فيما يشاء ويهوى ، فقطع أيديهم - أي قواهم العلوية الروحية - ~~وأرجلهم أي قواهم الساعية بموجب العقل والشرع في تعمير المملكة الهيكلية . # ثمّ الروح العقلي الإنساني إذا تأيّد بربّه وتجلَّى له الحق - بعد التحقّق بالحق ~~المستوي على أحدية جمع شعب قلبه واستعمال أعضائه الثمانية بحكم الإيمان وشعبها ~~النورانية ، طلبا للأجر والثواب القلبي الأحدي الجمعي ، # وسيّره بأهله مع ما أصحبه من فضله من مدين القلب إلى شاطئ الوادي الأيمن الروحي ~~الإلهي والتجلَّي النوري الأحدي الجمعي في صورة التفرقة النارية بأنّه هو الواحد ~~الأحد في كثرة لا تتناهى من العدد - أعطاه الله صورة الاستقامة على شهوده في صورة ~~العص الذي عصى به أوّلا فرعون الهوى ، # واتّبع سبيل الهدى بصورة الإيمان والاستقامة والتأييد الذي كان يتوكَّا عليه - أي ~~يعتمد بالإيقان الذي كان يعتقد - ويهشّ بها على غنمه من القوى الإلهية التي به ~~أيّده الله وهو عين ما عصى فرعون موسى آخرا حين دعاه إلى الاستقامة على عبادة الله ~~والإقلاع عن الربوبية العرضية ، وهو دعوة الروح الإنساني العقلي للهوى النفسي إلى ~~أن يكون تبعا للعقل المؤيّد من عند الله في عبادة الله ، فيكون هواه في الله وبالله ~~ولله . # لا تقع الإجابة إلَّا عند غرق الهوى في بحار الكشف وأمواج التجلَّي ، فيظهر له ~~سلطان أحدية العين بعين بطلان الربوبية العرضية الموجبة للفرق والبين ، كما آمن ~~فرعون عند الغرق بربّ العالمين ، ربّ موسى وهارون ، فيقول لهوى الربوبية العرضية ~~لسان أحدية العين عند شهود عين اليقين : " آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ ~~من الْمُفْسِدِينَ " أي الآن رجعت إلى الحق وأسلمت حين أشرفت على الهلاك وأسلمت ، ~~فاليوم لا بدّ أن تغرق ببحر الربوبية العامّة الكلَّية ، # فيقول لسان حال الربوبية العرضية القائمة بصورة الهوى الطبيعي الذي فرعون مصر ~~صورته وتمثاله - : أجل ، قضيت أجلي الذي أجّلت وأمهلت وما عجّلت ، # فلمّا انقضى الأجل وانتهى الأمل وانقطع العمل ، فإليك المصير ، وكان فيك وبك ولك ~~وإليك المسير فاستغرقني ببحار رحمتك ، فقد آمنت وأسلمت ، # ونجّني من صور الحجاب التعيّني ، وآمنّي ، فقد استجرت واستسلمت فيقول بلسان ~~الربوبية المستغرقة لربوبيات الأرباب ربّ العالمين : " فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ ~~بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً " # فإذا غرّقت أنانيّتك في بحر إنّيتي ، فقد بلغت الغاية وانتهيت إلى النهاية ، # وقبل هذا عند اجتماع الروح العقلي مع فرعون الهوى ، لا بدّ أن يظهر الهوى بصورة ~~الربوبية العرضية الأولى ويقهر من دونه وقبله من قبيله بدعوى " أَنَ رَبُّكُمُ ~~الأَعْلى " ويكون حينئذ معه خطاب موسى الروح العقلي الإلهي ودعوته إلى الربوبية ~~المطلقة المستغرقة لربوبية الأرباب التي تحت حيطة الاسم « الظاهر » الإلهي ، فيقول ~~للهوى : إنّي إليك رسول ربّ العالمين ، فيدعوه إلى ربّ الأرباب ، والربوبية المحيطة ~~المستغرقة لربوبيته العرضية في جملة العالمين ، فيقول فرعون الهوى :" وَما رَبُّ ~~الْعالَمِينَ "؟ # لا على طريقة السؤال الآبق "اللائق" عن تلك الحقيقة المطلقة اختيارا منه لغرض عرض ~~له واختبارا لا جهلا واستحقارا ، بل اعتبارا واستبصارا ، # إذ السؤال عن الماهية إنّما يتأتّى ويجوز فيما يكون له ماهية متميّزة عن غيره ، ~~فيكون تحت جنس أو فصل ، # والحقيقة المطلقة الربوبية في العالمين تتعالى عن مثل هذا السؤال ، وتجلّ عن ~~الضدّ والندّ والمثال ، فيقول الروح العقلي للهوى في جوابه :" رَبُّ السَّماواتِ ~~وَالأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ " . # مبيّنا تفصيل مظاهر حقيقة الربوبية المطلقة الكلَّية العامّة في العالمين ، # فيوهم فرعون الهوى آله من قوى الطبيعة والحيوانية أنّه لم يجب بما يطابق سؤاله ، ~~إذ لم يجب بما يبيّن الماهية الإلهية الربانية ، بل بيّن المضاف إليه كما ذكرن . # فيقول الهوى :" إِنَّ رَسُولَكُمُ " أي الروح العقلي الإلهي المرسل بالتجلَّي " ~~الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ " أي مستور عنه ربوبيّتي الظاهرة في الوقت ~~، فيدعو إلى غيري ولا إلى عيني . # فزاد موسى الروح العقلي الكشفي إرداعا له وإفحاما لا إحجابا وإبهام " رَبُّ ~~الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ " أي ربّ ما ظهر وما بطن ، فإنّك ما تدعو إلَّا إلى ما ~~تدّعي من الربوبية الظاهرة الجزئيّة العرضيّة في المملكة الهيكلية ، وأنا أدعوك إلى ~~حقيقة الربوبية الحقيقيّة القائمة بما ظهر وما بطن " إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ " ~~أي تقيّدون الظاهر بحدوده الظاهرة أو تقيّدون الباطن بحدوده الباطنة ، وأنّ ما أدعو ~~إليه أتمّ وأكمل وأعمّ وأشمل فانظر ما ذا ترى ، فإنّه ربّ ما فوق السماوات العلى ~~وما تحت الثرى . # فيقول له فرعون الهوى ما يقول وما يؤول أمره إلى ما يؤول . # وأما هارون فصورة الروح من حيث القوى الناطقة التي هي بمثابة الأخ للقوّة العاقلة ~~وهي أكبر سنّا من القوّة العاقلة الإلهية الكشفية ، لأنّ النطق العرفي بحكم العادة ~~والعقل المعيشي يكون قبل النطق بموجب الحكمة الإلهيّة والعقل المؤيّد بنور الكشف ~~والتجلَّي ، والقوّة العاقلة في النبوّة وإدراك الحقائق أكبر من القوّة الناطقة ~~بالأصالة ، فإنّ النطق لا يكون إلَّ بالعقل ، ولكنّها أفصح منها لسانا ، لأنّها ~~المترجمة عن القوّة العاقلة . # وأمّا هامان فنظير القوّة الشهوية للروح الطبيعي ، لها الوزارة عن الروح الحيواني ~~الذي له الاستيلاء والغلبة ، فإنّ الغلب للغضب والروح الطبيعي بناء هذه البنية ~~الهيكلية ، كما أشار إليه بقوله - تعالى - حكاية عن فرعون :" يا هامانُ ابْنِ لِي ~~صَرْحاً " أي أنشئ لي مزاجا خاصّ وهميا عاليا يعطي الاطَّلاع على ما يخبر عنه وينبئ ~~الروح العقلي . # ثم لمّ تبيّنت لقوى النفسانية المنصبغة بحكم الهوى والشهوة والغضب ، المظهرة ~~للباطل والكمالات الوهمية في صورة الحق التي صوّرها السحرة أنّ الروح العقلي الإلهي ~~قد تأيّد وأنّه هو الحق الظاهر بالحق الباطن فآمنوا وأقلعوا عن عادة الهوى ، ~~واتّبعوا الهدى واجتنبوا في اتّباع القوى الحيوانية والطبيعية الردى ، فاستسلموا ~~لأمر الله ، وانقادوا لحكمه ، فقطعت أيدي تصرّفاتهم وأرجل مساعيهم إلى طلباتهم التي ~~كانت مطلقة بأمر فرعون الهوى ، فكان الله إذ ذاك عن أيديهم وأرجلهم وألسنتهم ، ~~فنطقوا بالحقّ : إنّا آمنّ بربّنا ربّ الروح الإلهي المؤيّد بالتجلَّي ، ليغفر لنا ~~خطايانا التي تخطَّين إليها في طاعة الهوى وما أكرهتنا عليه من السحر ، وهو ستر ~~الحق في صورة الباطل ، والظهور بالباطل في صورة الحق ، والله خير وأبقى ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( فقطع الأيدي والأرجل وصلب بعين حقّ في صورة باطل ، لنيل ~~مراتب لا تنال إلَّا بذلك الفعل ، فإنّ الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها ، لأنّ الأعيان ~~الثابتة اقتضتها ، فل تظهر في الوجود إلَّا بصورة ما كان عليه في الثبوت ، إذ لا ~~تبديل لكلمات الله ، وليست كلمات الله سوى أعيان الموجودات ، فينسب إليها التقدّم ~~من حيث ثبوته ، وينسب إليها الحدوث من حيث وجودها وظهورها ) . ### || "" أضاف المحقق : # "كلمة التقدم والصحيح القدم " و "من قوله: « فقطع » إلى قوله: « تعطيلها » مرتّ ~~في المتن السابق. "" # يعني وجوده النسبيّ من حيث التعيّن ، فإنّ متعلَّق الحدوث الظهور والتعيّن لا غير ~~. # قال رضي الله عنه : ( كما تقول : حدث اليوم عندنا إنسان أو ضيف ولا يلزم من حدوثه ~~أنّه ما كان له وجود قبل هذا الحدوث ، لذلك قال الله - تعالى - في كلامه العزيز ، ~~أي في إتيانه مع قدم كلامه : " ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ~~إِلَّا اسْتَمَعُوه ُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ " ، " وَما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من ~~الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْه ُ مُعْرِضِينَ " والرحمة "يعني القرآن" لا ~~يأتي إلَّ بالرحمة ، ومن أعرض عن الرحمة استقبل العذاب الذي هو عدم الرحمة ، # وأمّ قوله :" فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَن ~~سُنَّتَ الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِه " ، " إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ " فلم ~~يدلّ ذلك على أنّه لا ينفعهم في الآخرة ، # بقوله في الاستثناء " إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ "فأراد أنّ ذلك " يعنى الإيمان" لا ~~يرفع عنهم الأخذ في الدنيا ، فلذلك أخذ فرعون مع وجود الإيمان منه ، هذا إن كان ~~أمره أمر من تيقّن بالانتقال في تلك الساعة ، وقرينة الحال تعطي أنّه ما كان على ~~يقين من الانتقال ، لأنّه عاين المؤمن في الطريق اليبس الذي ظهر بضرب موسى بعصاه ~~البحر ، فلم يتيقّن فرعون بالهلاك إذا آمن ، بخلاف المحتضر ، حتى لا يلحق به ) . # يعني : لا يلحق بالمحتضر الذي يؤمن بعد تيقّنه بالهلاك . # ( فآمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل على التيقّن بالنجاة ، فكان كما تيقّن ، لكن ~~على غير الصورة التي أراد ، فنجّاه الله من عذاب النار في نفسه ونجّى بدنه ، # كم قال : " فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً " ~~لأنّه لو غاب بصورته ربما قال قومه # احتجب ، فظهر بالصورة المعهودة ميّتا ، ليعلم أنّه هو ، فقد عمّته النجاة حسّا ~~ومعنى.) # يعني رضي الله عنه : أنّ المخاطب في قوله :" فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ " ~~إن كان روحه ونفسه ، فمقتضى الآية أنّه بروحه منجّى . # وإن كان المخاطب مجموع الصورة والروح ، فكذلك ليتناول الخطاب المجموع ، وعلى ~~التقديرين وعد من الله وإخبار منه بأنّه ينجّيه ، ووعد الله حق ، وإخباره صدق ، فقد ~~عمّته النجاة جسما وروح . # قال رضي الله عنه : ( ومن حقّت عليه كلمة العذاب الأخراوي لا يؤمن ، ولو جاءته ~~كلّ آية ، حتى يروا العذاب الأليم ، أي يذوقوا العذاب الأخراوي ، فخرج فرعون من هذا ~~الصنف . ### || هذ هو الظاهر الذي ورد به القرآن # ثم إنّا نقول بعد ذلك : والأمر فيه إلى الله ، لما استقرّ في نفوس عامّة الخلق من ~~شقائه ، وما لهم نصّ في ذلك مستندون إليه . وأمّا آله فلهم حكم آخر ليس هذا موضعه . # ثمّ لتعلم أنّه ما يقبض الله أحدا إلَّا وهو مؤمن أي مصدّق بما جاء به الأخبار ~~الإلهية ، وأعني من المحتضرين ، ولهذا يكره موت الفجاة وقتل الغفلة ، فأمّا موت ~~الفجأة فحدّه أن يخرج النفس الداخل ولا يدخل النفس الخارج ، فهذا موت الفجأة ، وهذا ~~غير المحتضر ، # وكذلك قتل الغفلة بضرب عنقه من ورائه وهو لا يشعر ، فيقبض على ما كان عليه من ~~إيمان وكفر ، ولذلك قال عليه السّلام : ويحشر الناس على ما هو عليه مات ، كما أنّه ~~يقبض على ما كان عليه . # والمحتضر ما يكون إلَّا صاحب شهود ، فهو صاحب إيمان بما ثمّ فلا يقبض إلَّا على ~~ما كان عليه ، لأنّ « كان » حرف وجودي لا ينجرّ معه زمان إلَّا بقرائن الأحوال ، ~~فيفرق بين الكافر المحتضر في الموت وبين الكافر المقتول غفلة أو الميت فجأة ، كما ~~قلنا في حدّ الفجأة . ) # . # يشير رضي الله عنه إلى بشارة عظيمة لمن احتضر من الكفّار والمشركين ولا محجوبين ~~بأنّهم يشاهدون الملائكة وأمارات الآخرة ، فيؤمن بحكم ما يشهد ولا بدّ ، ولكن قد ~~يكون إيمانه حال الغرغرة ، والله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ، والمؤمن منهم عند ~~الغرغرة أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء أخذ ، # والميت فجأة والمقتول غفلة من الكفّار يقبض على ما كان عليه في آخر نفسه كفرا كان ~~أو إيمان ويحشر على صورة خاطره إذ ذاك ، والمحتضر من الكفّار بخلافهما ، # وأمّا فرعون غير داخل فيهم ، فإنّه مؤمن قبل الغرغرة ، راج للنجاة من عذاب الغرق ~~ولات حين مناص . # قال رضي الله عنه : ( وأمّا حكمة التجلَّي والكلام في صورة النار فلأنّها كانت ~~بغية موسى ، فتجلَّى له في مطلوبه ليقبل عليه ولا يعرض عنه ، فإنّه لو تجلَّى له في ~~غير صورة مطلوبه أعرض عنه لاجتماع همّه على مطلوب خاصّ ، ولو أعرض لعاد عمله عليه ، ~~فأعرض عنه الحق وهو مصطفى مقرّب ، فمن قربه أنّه تجلَّى له في مطلوبه وهو لا يعلم . # كنار موسى يراها حين حاجته %~% وهو الإله ولكن ليس يدريه) # قال العبد : النار أعظم الأسطقسّات وأقواها ، ولا يفارق النور صورة النار ، إذ ~~لها الإشراق وكماله الإحراق ، وهي تفني ما سواها من الأشكال والمولَّدات إذا قربت ~~وسلَّطت عليه ، وله من الحقائق الإلهية التجلَّي الإراديّ والحبّ الإلهي ، وكان ~~الغالب على التجلَّيات الكلامية التي أوتيها موسى عليه السّلام من حضرة المحبّة ~~والمشيّة ، ومستند الحقيقة الكلامية أيضا هي الإرادة ، فإنّ الكلام مظهر السرّ ~~الإرادي ومظهر ما أحبّ المتكلَّم إيجاده من صور سبب علمه ، وقال الله تعالى لموسى ~~:" وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي " . # والآية تحتمل الوجهين في المحبّة : # أحدهم : أن يكون الحق ألقى محبّته عليه وأحبّه . # والثاني : ألقى محبّة الحق في قلبه وسلَّطها عليه ، فأحبّ موسى الحق . # وأيضا في قوله : " وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى " فكان طالبا رضى الله ، ~~ومحبّا لمحبّته إيّاه . # وأيضا كان شهوده الغالب عليه في آخر أمره ، وكماله شهود الوحدة - التي هي عين ~~الكثرة - خارجة عنها ، وشهود الكثرة في وحدة العين كثيرة ، # ولذلك كان التجلَّي في الصورة النارية وهو النور ونور الوحدة الجمعية التي في نار ~~التفرقة وكان متعلَّق نظره الفرق في الجمع ، ولهذا أوتي الفرقان ، # وتجلَّى له نور الواحد في نار الكثرة وعين مطلوبه من الشجرة وهو صورة التفرقة ~~التفصيلية الفرقانية بين المتشاجرات المتخالفات في عين الوفاق ، # كاختلاف الشجرة بعضها الممتدّ من أصل شجرة أعيان العالم وهو ظلّ الله الممدود ~~المتعيّن الظاهر بصورة العالم ، فانظر التفرقة في نظره إذ قال :"رَبِّ أَرِنِي ~~أَنْظُرْ إِلَيْكَ ". # فأثبت إنّيّين اثنين ، وأضاف فعلين إلى فاعلين ، وأنت إذا قلَّبت أحواله وأقواله ~~، وجدت الفرقان والتمييز ، # لهذا وقع التجلَّي له على التعيين في صورة النار من الشجرة # كلاميّا فجمع له بين الكلام والشهود ، لكون الشهود مثاليا ، إذ لا يجمع بينهما في ~~الشهود المعنوي الحقيقي ، لفناء الشاهد في المشهود حقيقة ، # "" المراد : # كان شهود موسى صورة النار من الشجرة ممثّلا. # "" # وكان شهود موسى عليه السّلام وصورة النار الشجرة ممثّلا تمثّل له الواحد الأحد ~~الحق في عين الكثرة ، وكذا الكلام ، لأنّ الشهود الحقيقي يقتضي فناء المتجلَّى له ~~في المتجلَّي ، والتجلَّي وظهور المتجلَّي ببقائه في عين المتجلَّى له والتجلَّي ~~بلا اثنينية في الإنّية ، # بل وحدة بحتة ونور محض وحق صرف واحد أحد وحدته عينه فلا تجلَّي ولا متجلَّى له ، ~~ولا كلام ول مخاطب ، فإنّها تقتضي الفرقان والتمييز ، # ولهذا اندكّ ظهور تعيّنه من طور أنانيّته وفني وخرّ صعقا لمّا بدا إنّيتي أجلى ~~سواه وأفنى فشاهد العين منّا فكان في الكلّ عينا مشهودة العين عينا " وَالله ~~يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ". ### || . # %~% ### | فص حكمة صمدية في كلمة خالدية ### | 26 - فصّ حكمة صمدية في كلمة خالدية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # كان هجّير خالد الأحد الصمد ، ومشهوده الصمدية ، وكان في قومه مظهر الصمدية ~~يصمدون إليه في المهمّات ، ويقصدونه في العظائم والملمّات ، لهذا أضيفت الحكمة ~~الصمدية إليه ، كما سنذكر إن شاء الله تعالى . # "" دع إلى الأحد الصمد ، وكان قومه يصمدون إليه ويقصدونه في الملمّات والمهمّات ، ~~فيكشف الله إيّاها عنهم بدعائه عليه السّلام . "" # قال رضي الله عنه : ) وأمّا حكمة خالد بن سنان فإنّه أظهر بدعواه النبوّة ~~البرزخية ، فإنّه ما ادّعى الإخبار بما هنا لك إلَّا بعد الموت ، فأمر أن ينبش عليه ~~، ويسأل فيخبر أنّ الحكم في البرزخ على صورة الحياة الدنيا ، فيعلم بذلك صدق الرسل ~~كلَّهم فيما أخبروا به في حياتهم الدنيا ، فكان غرض خالد عليه السّلام إيمان العالم ~~كلَّه بما جاءت به الرسل ليكون رحمة للجميع ، فإنّه أشرف بقرب نبوّته من نبوّة ~~محمّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلم أنّ الله أرسله رحمة للعالمين ، ولم يكن ~~خالد برسول ، فأراد أن يحصل من هذه الرحمة في الرسالة المحمدية على حظَّ وافر وإن ~~لم يؤمر بالتبليغ ، فأراد أن يحظى بذلك في البرزخ ليكون أقوى في العلم في حق الخلق ~~فأضاعه قومه ( . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ خالدا لمّا استشرف على كمال نبوّة محمّد ، وأنّه ~~المبعوث رحمة للعالمين كافّة ، تمنّى أن يكون له عموم إنباء ونبوّة مستندة إلى ~~العلم الحاصل للكافّة بما في البرزخ بعد الموت ، فإنّ العامّة والجمهور لا ينقادون ~~لإنباء الأنبياء وأنبائهم مثل انقيادهم مثلا ، إلى إنباء من ينبئ بما بعد الموت ~~وإنبائه بعد أن يموت ، وأحياه الله في رأى العين وأخبر بما شاهد ، فإنّ تأثير مثل ~~ذلك في عموم إيمان الخلق أبلغ ، # فكان من قضيّة خالد عليه السّلام أنّه كان قويّ الهمّة ، والغالب عليه شهود ~~الأحدية ، فظهرت في زمانه بين قومه - وكانوا يسكنون في بلاد عدن - نار عظيمة خرجت ~~من مغارة ، # فأهلكت الزرع والضرع ، فصمد إليه قومه وقصدوه - على ما اعتادوا منه في دفع ~~الملمّات ورفع المهمّات - حتى يدفع عنهم أذيّة تلك النار ، وكانوا مؤمنين ، فلما ~~رأى خالد بن سنان عليه السّلام تلك النار ، أخذ يضربها بعصاه من خلفها ، # ويقول : بدّ بدّا ، حتى بدّد النار وفرّقها ، فرجعت النار هاربة وهو يضربها بعصاه ~~ويقول : بدّا بدّ حتى ساقها إلى مغارة خرجت منها فأدخلها في المغارة # ثمّ قال لأولاده وقومه : إنّى أدخل المغارة خلف النار ، حتى أطفئها ، وأمرهم أن ~~يدعوه ولا يدعوه إلى ثلاثة أيّام تامّة ، فإنّهم إن نادوه ودعوه قبل تمام ثلاثة ~~أيّام وفي أثنائها ، فإنّه يخرج ويموت ، # وإن صبرو إلى تمام ثلاثة أيّام ، خرج سالما ، وقد دفع عنهم أذية النار ، فلمّا ~~دخل المغارة خلف النار ، صبروا يومين واستفزّهم الشيطان ، فلم يصبروا تمام ثلاثة ~~أيّام ، فصاحوا به قبل تمام الوقت ودعوه ونادوه وارتابوا أنّه ربما يكون قد هلك ، # فخرج عليه السّلام من المغارة ويداه على رأسه من الألم الذي ألمّ به من صياحهم ~~وندائهم قبل تمام الميقات ، # فقال لهم : « ضيّعتموني وأضعتم قولي وعهدي » وأخبرهم بموته ، وأمرهم أن يقبروه ~~ويرقبوه أربعين يوما فإنّه يأتيهم بعد الأربعين قطيع غنم يقدمها حمار أبتر مقطوع ~~الذنب ، فإذا حاذى قبره ووقف ، فلينبش على خالد عليه السّلام قبره ، فإنّه يقوم ~~ويخبرهم بجليّة الأمر بعد الموت عن شهود ورؤية ويقين ، فيحصل الخلق كلَّهم على ~~اليقين بم أخبرت الرسل ، وتصحّ عندهم الإخبارات النبويّة كلَّها ، # ثمّ مات خالد ، فدفنوه وانتظروا عبور أربعين يوم ، وانتظروا بعد ذلك قطيع غنم ، ~~فجاء القطيع - كما ذكر - يقدمه حمار أبتر ، فوقف حذاء قبره فهمّ مؤمنو قومه ، ~~وأولاده أن ينبشوا عليه كما أمرهم حتى يخبرهم بصدق الأنبياء والنبوّات كلَّها فأبى ~~أكابر أولاده ، # وقالوا يكون عار عند العرب أن ينبش على أبين ، فيقال فينا : أولاد المنبوش وندعى ~~بذلك ، فحملتهم الحميّة الجاهلية على ذلك ، فضيّعوا وصيّته وأضاعوه . # ثمّ بعد بعثة رسولنا محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم جاءته بنت خالد ، فقال رسول ~~الله صلَّى الله عليه وسلَّم " مرحبا بابنة نبيّ أضاعه قومه " . # قال رضي الله عنه : « ولم يصف النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قومه بأنّهم ضاعوا ، ~~وإنّما وصفهم بأنّهم أضاعوا نبيّهم ، حيث لم يبلغوه مراده فهل بلَّغه الله أجر ~~أمنيّته ؟ # فل شكّ ولا خلاف أنّ له أجر أمنيّته ، وإنّما الشكّ والخلاف في أجر المطلوب ، هل ~~يساوي تمنّي وقوعه مع عدم وقوعه - بالوجود أم لا ؟ # فإنّ في الشرع ما يؤيّد التساوي في مواضع كثيرة ، كالآتي للصلاة في الجماعة ~~فتفوته الجماعة ، فله أجر من حضر الجماعة ، وكالمتمنّي مع فقره ما همّ عليه أصحاب ~~الثروة والمال من فعل الخيرات ، فله مثل أجورهم ، ولكن مثل أجورهم في نيّاتهم أو في ~~عملهم ، فإنّهم جمعوا بين المنية والعمل ؟ ) # ولم ينصّ النبيّ عليهما ولا على واحد منهما ، والظاهر أنّه لا تساوى بينهما ، ~~ولذلك طلب خالد بن سنان الإبلاغ ، حتى يصحّ له مقام الجمع بين الأمرين ، فيحصل على ~~الأجرين والله أعلم . # وكل هذا ظاهر جليّ ، والله الموفّق . ### || . # %~% ### | فص حكمة فردية في كلمة محمدية ### | 27 - فصّ حكمة فردية في كلمة محمدية .شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على متن ~~فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح الشيخ مؤيد الدين الجندي على فصوص الحكم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~العربي الحاتمي الطائي # قال العبد : قد قدّمنا في شرح فهرس الفصّ ، علَّة استناد هذه الحكمة الكليّة ~~الفردية إلى الكلمة الكاملة الإلهية ، وسيرد في متن الفصّ وشرحه ما فيه بلاغ ، ~~ولكنّا نومئ إلى أوّلية المرتبة الفردية ، فإنّ للفردية مراتب ظهور ، وهي في كل ~~مرتبة علَّة للإنتاج وسبب للإثمار . # "" قال العبد : جاء الوارد في هذه الحكمة بعبارتين دالَّتين على حقيقة واحدة : # إحداهما : حكمة كلَّية لكونها أحدية جمع جميع الحكم الجمعية الكلَّية المتعيّنة ~~في كلّ كلّ منها كلَّية فهي كلّ كلّ منها . # والثانية : حكمة فردية لأسرار وحقائق يكشف لك عن أصولها وفصولها في شرح حكمته ~~صلَّى الله عليه وسلَّم . "" # فنقول والله المؤيّد بأيد أيّدة لعبده المؤيّد بها ثمّ بما من عنده - : # قد علمت فيما تقدّم : # أنّ أوّل المراتب الذاتية الإطلاق واللاتعيّن ، وهو غيب غيب ذات الذات الإلهية . # والمرتبة الثانية التعيّن الأوّل الذاتي الأحدي الجمعي الذي به تعيّنت العين ~~لعينها ، وتحقّقت الحقيقة الذاتية لذاته وحقيقتها التي هي عين الذاتية ، وتسمّى ~~حقيقة الحقائق الكبرى عندنا ، ولهذ التعيّن الأوّل الأحدية من وجه ، والوترية من ~~وجه ، والشفعية من وجه . # أمّا شفعيته فلأنّه شفع مرتبة الغيب الذاتي الإطلاقي بتعيّنه وتميّزه عن اللاتعين ~~. # وأمّا وتريّته فلأنّه امتاز بنفس التعيّن عن اللاتعين الذي نسبته إلى العين كنسبة ~~التعيّن سواء ، فإنّ العين المتعيّنة بالتعيّن الأوّل من حيث هي هي اللامتعيّنة في ~~اللاتعين والإطلاق ، بل التعين واللا تعين نسبتان لها ذاتيتان ، ليست إحداهما أولى ~~من الأخرى ، # ومع كونها عينهما فهي مطلقة عن الجمع بينهما والإطلاق عنهما ، ولكنّ المتعيّن ~~الأوّل بالتعين الأوّل لمّا امتاز بنفس التعين عن اللاتعين وليس ثمّة من يشفع ~~أحديته ، # إذ هو أحدية جمع جميع التعينات المعنوية المرتبية للحقائق ، بقي وترا وهو أوّل ~~مرتبة الوتريّة ، إذ ليس في مرتبة اللاتعين والإطلاق حكم ولا اسم ولا رسم ولا نعت ~~ولا وصف ولا علم ، فلا شفع ولا وتر ولا واحد ولا فرد ولا غير ذلك . # وأمّا أحديّته فلكون هذ التعين عين المتعيّن ، لا زائد عليه إلَّا في تعقّلنا ، ~~فإنّه تعيّن الذات بذاتية الذات ، فلا اثنينية ولا كثرة ، فلها الأحديّة ، فالأحدية ~~والوترية والشفعية مستندها إلى هذا التعين الأوّل الذاتي العيني ، وللعين الجمع بين ~~التعين والل تعين ، والقيد والإطلاق ، وللتعين الأوّل الجمع بين الشفعية والوترية ~~والأحدية ، كما مرّ . # فظهرت في مجموع هذه المراتب الثلاث الفردية الأولى ، وكذلك للتعيّن الأوّل وللعين ~~، فتعيّنت الحقيقة البرزخية الجمعية بين الإطلاق والتعيّن ، وبين التعيّن والمتعيّن ~~، وبين الشفعية والوترية ، بمعنى أنّ هذه الحقيقة البرزخية ، لها الجمع ولها الفصل ~~بين الطرفين ، وهي عين الطرفين في هذه المراتب كلَّه . # وهذه البرزخية برزخية الحقيقة الإنسانية الأحدية الجمعية الأزلية الأبديّة ~~المحمدية التي هي الأحدية الجمعية الكمالية الذاتية الأولى ، ولها جمع الجمع الأوّل ~~، وصورته في أوّل المرتبة النبويّة الإنسانية البشرية آدم عليه السّلام ، وفي آخر ~~المرتبة النبويّة الكمالية الجمعية الختمية محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم وله أحدية ~~جمع جمع الحقائق الإلهية والحقائق الكمالية الإنسانية ، ولهذه الحقيقة المحمدية ~~المشار إليها الفردية الأولى ، ومنها تفرّعت الفرديات في جميع المراتب المعنويّة ~~والروحانية والإلهية والكونية وغيرها ، فأسند الشيخ رضي الله عنه هذه الحكمة للكلمة ~~الكاملة المحمدية ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( إنّما كانت حكمته فردية ، لأنّه أكمل موجود في هذا النوع ~~الإنساني ، ولهذا بدىء به الأمر وختم ، فكان نبيّا وآدم بين الماء والطين ، ثم كان ~~بنشأته العنصرية خاتم النبيّين وأوّل الأفراد " الثلاثة" . ) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ الفردية له من كونه أكمل النوع الإنساني الكمالي ، ~~لأنّ الفردية مخصوصة كما ذكرنا بالإنسان الكامل ، ولا أكمل من محمّد صلَّى الله ~~عليه وسلَّم فله الفردية الحقيقية الغيبيّة العينية المشار إليها من حيث حقيقته ~~ومعنويته. # أوّلا في عالم المعاني ، ثمّ بنشأته الروحانية كان نبيّا مبعوث إلى كافّة الأرواح ~~النبوية ، # ثمّ بنشأته العنصرية كان خاتم النبيين ، فحصلت الفرديّة الأولى ، وله الفردية ~~الجامعة بين البدء والفاتح ، والختام الواضح ، ونبوّة روحانيته بالكمال الراجح ، # وثمّ سر آخر : # وهو أنّ الفردية جامعة بين الشفع الأوّل الذي هو اثنان والوتر الأوّل لأنّ أوّل ~~الأفراد « الثلاثة » ، وهي تجمع بين الاثنين والواحد ، وبالجمع تحصل فرديته ، فهو ~~أعني الثلاثة الفردية من الأعداد - الأوّل ، وليس هذ للأحدية ولا للواحد ولا ~~للاثنين ، فافهم . # فإن قلت : الاثنان يجمع بين الأحدية والاثنيّنية . # قلنا : ليس له الفردية كم لأوّل الأفراد . # قال رضي الله عنه : ( وما زاد على هذه الأوّلية من الأفراد فإنّه عنها ، فكان ~~عليه السّلام أدلّ دليل على ربّه ، فإنّه أوتي جوامع الكلم التي هي مسمّيات أسماء ~~آدم ) . # يعني رضي الله عنه : مسمّيات الأسماء التي علَّمها الله آدم والكلمات الإلهية ، ~~وإن كانت لا تنفد ، فإنّها لا تتناهى ، وهي أعيان الممكنات ، لكنّها تنحصر في ~~أمّهات ثلاث : # الأولى : هي الحقائق والأعيان الفعلية المؤثّرة الوجوبية الإلهية . # والثانية : الحقائق الانفعالية الكيانية المربوبية الإمكانية . # والثالثة : الحقائق الجمعية الكمالية الإنسانية . # والكلّ أمّهات الشؤون الذاتية ، وللحقيقة العينيّة الذاتية الإحاطة والإطلاق ، ~~فهذه الكلم هي الكلم التي أوتيها محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم فجمعها ببرزخيته ~~المذكورة . ### || قال رضي الله عنه : ( فأشبه الدليل في تثليثه ) . # يشير رضي الله عنه : إلى التثليث المذكور في أوّل الفصّ المحمدي الصالحي فتذكَّر ~~، وهذا التثليث يتضمّن التربيع - كما ذكرنا - فإنّ الدليل وإن كان مثلَّث الكيان ، ~~فإنّه مربّع الكيفية ، وقد ذكر ، فلا نعيد ، فاذكر . # قال رضي الله عنه : ( والدليل دليل لنفسه ) أي دلالته ذاتية له وهي أيضا ثلاثية ، ~~إذ لا بدّ من دليل ومدلول ودلالة . # قال رضي الله عنه : ( ولمّا كانت حقيقته تعطي الفردية الأولى بما هو مثلَّث النشئ ~~) يعني بروحه وجسمه وحقيقته الجامعة كما مرّ « ولذلك قال في المحبّة التي هي أصل ~~الوجود . # " في بعض النسخ : أصل الموجودات ." # قال رضي الله عنه : (« حبّب إليّ من دنياكم ثلاث » بما فيه من التثليث ، ثم ذكر ~~النساء والطيب ، وجعلت قرّة عينه في الصلاة ، فابتدأ بذكر النساء وأخّر الصلاة ، ~~وذلك لأنّ المرأة جزء من الرجل في أصل ظهور عينها ومعرفة الإنسان بنفسه مقدّمة على ~~معرفته بربّه ، فإنّ معرفته بربّه نتيجة عن معرفته بنفسه ، لذلك قال صلَّى الله ~~عليه وسلَّم -: " من عرف نفسه عرف ربّه " ) # قال رضي الله عنه : (فإن شئت ، قلت بمنع المعرفة في هذا الخبر ، والعجز عن الوصول ~~، فإنّه سائغ فيه . # وإن شئت ، قلت بثبوت المعرفة ، فالأوّل أن تعرف أنّ نفسك لا تعرفها ، فلا تعرف ~~ربّك . والثاني أن تعرفها فتعرف ربّك ، فكان محمّد أوضح دليل على ربّه ، فإنّ كل ~~جزء من العالم دليل على أصله الذي هو ربّه فافهم . ) # يشير رضي الله عنه إلى أنّ نفس الإنسان الكامل من حيث إنّ الحق هو المتعين في ~~عينها على إطلاقه الذاتي غير المنحصر في تعيّن وإطلاق لا تعرف ، فل يعرف الحق ، ~~فإنّه لا يتعلَّق العلم بالحق من حيث لا تعيّنه ، ولكن من حيث تعيّنه بعينه يعرف ، ~~فيعرف نفسه من هذه الحيثيّة فيعرف الحق ولا يعرفه إلَّا هو ، فل يعرف الحق إلَّا هو ~~فلا يعرف الحق إلَّا الحق المتعين بالتعين الأوّل الذاتي الأحدي الجمعي الكمالي . # ولكن هذه المعرفة - من كونها استدلالية - على وجهين : من حيث الدلالة العينيّة ، ~~ومن حيث الدلالة بالصورة ، ولأنّ الصورة المحمدية الكمالية لمّا كانت جامعة بين ~~الصورة الإلهية الأحدية الذاتية ، وبين الصورة الأسمائية الجمعية ، كان أكمل دليل ~~على ربّه وأتمّه . # وأمّا دلالته من حيث العين فهي أنّ العين - من كونها متعيّنة بالبرزخية الكبرى ~~المذكورة - نفس العين المتعيّنة بالتعين الأوّل الذاتي ، فهذه دلالة نفسية . # وأمّا دلالته من حيث الصورة فإنّ دلالة الصورة المحمدية - من حيث تعين الحق في ~~وجوده الكامل الجامع بين المعنى والروح والصورة - دلالة على الحق من حيث أحدية جمعه ~~بين الكمال الذاتي والاسمائي ، والجمعيّ الإنسانيّ . # وكل واحدة من الدلالتين على وجهين أيض : # دلالة بالكمالات الثبوتية الظاهرة في الصورة المحمدية ، ودلالة من حيث الكمالات ~~النسبية السلبية كالغنى والإطلاق واللا تعين واللاانحصار ، فإنّ محمّدا بصورته ~~وحقيقته دليل دالّ على ربّه ، فهو أتمّ دليل ، لكونه أكمل المظاهر الجمعية الكمالية ~~الإلهية الإنسانية ، وصورته أجمع الصور ، وسورته أفضل السور . # قال رضي الله عنه : (إنّما حبّب إليه النساء فحنّ إليهنّ، فإنّه من باب حنين ~~الكلّ إلى جزئه). # يعني رضي الله عنه : أنّ كلَّية الكلّ لا تكون إلَّا بالجزء ، إذ الكلّ بالجزء ~~كلّ فهو حنين الشيء إلى نفسه باعتبارين وحيثيّتين . # قال رضي الله عنه : ( فأبان بذلك عن الأمر في نفسه من جانب الحق في قوله في هذه ~~النشأة الإنسانية العنصرية "وَنَفَخْتُ فِيه ِ من رُوحِي " ثم وصف نفسه بشدّة الشوق ~~إلى لقائه ، فقال للمشتاقين : يا داوود إنّي أشدّ شوقا إليهم ، يعني للمشتاقين إليه ~~، وهو لقاء خاصّ ، فإنّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال في حديث الدجّال : إنّ أحدكم ~~لن يرى ربّه حتى يموت ، فلا بدّ من الشوق لمن هذه صفته .) . # يعني رضي الله عنه : لمن يحبّ أن يموت شوقا إلى الحق ، والسرّ أنّ الحق - من حيث ~~تعيّنه بعين العبد المشتاق - يشتاق إلى نفسه من حيث تعيّنه في الأصل ، ثم إنّه من ~~حيث الأصل يشتاق إلى نفسه في مرتبة التقييد ، فيكون حينئذ اشتياق الحق أشدّ ، لكون ~~شوقه تعالى ضعف الشوق الظاهر من المسمّى عبدا ، إذ هو المشتاق إلى نفسه من حيثيّتين ~~في مرتبتين له ، ذاتيّتين ، فافهم ، فإنّه عاد من مقام قوله : من تقرّب إليّ شبرا ، ~~تقرّبت منه ذراعا ، ومن تقرّب إليّ ذراع ، تقرّبت منه باعا ، ومن أتاني يمشي ، ~~أتيته هرولة . # قال رضي الله عنه : ( فشوق الحق لهؤلاء المقرّبين مع كونه يراهم ، فيحبّ أن يروه ~~) . # يعني : بارتفاع حجابية التعيّن من العين ، الموجب في زعمه بالبين في البين ، ~~وبارتفاعه يرتفع الغين من العين ، فتقرّ العين بالعين ، فيقرب أين العين من العين ، ~~إن شاء الله تعالى . # قال رضي الله عنه : ( ويأبى المقام ذلك ، فأشبه قوله : " حَتَّى نَعْلَمَ " مع ~~كونه عالما ، فهو يشتاق لهذه الصفة الخاصّة التي لا وجود لها إلَّا عند الموت ، ~~فيبلّ بها شوقهم إليه ، كما قال في حديث التردّد وهو من هذا الباب : « ما تردّدت في ~~شيء أنا فاعله تردّدي في قبض نسمة عبدي المؤمن يكره الموت ، وأنا أكره مساءته ، ولا ~~بدّ له من لقائي " يعني ليس ذلك إلَّا بارتفاع الحجاب واندفاع الحجّاب من الباب . " # فبشّره بلقائه ، وما قال له : ول بدّ له من الموت ، لئلَّا يهمّه بذكر الموت ، ~~ولمّا كان لا يلقى الله إلَّا بعد الموت - كما قال عليه السّلام : « إنّ أحدكم لا ~~يرى ربّه حتى يموت » . ### || لذلك قال تعالى : ولا بدّ له من لقائي ، فاشتياق الحق لوجود هذه النسبة ) . # قال العبد : ولأنّ الشوق إنما يكون ممّن أحبّ وشهد محبوبه ، ثمّ وقع الفراق ، ~~وامتنع الوصال والاعتناق ، فينبعث باعث طلب الاتّحاد والاشتباك بتقوية ما به ~~الاشتراك ، والتعرية عمّا به المباينة والانفكاك ، والتبرئة عن حجاب التعين القاضي ~~على الشائق بالهلاك ، المفضي إلى الارتياب والارتباك ، # فذلك الانبعاث العشقي لطلب الوصال في الفراق هو الشوق ، والاشتياق الذي يزداد ~~ويشتدّ إنّما يكون للقاء خاصّ في عين الشهود والوصال ، وهو بارتفاع التعيّن ~~العبدانيّ ، وفنائه في العين الأحدية بالبقاء الربّاني ، فيتّسع سعة وطنه ، بعد ضيق ~~عطنه ، ويرتفع من حضيض تقييده ، إلى ذروة إطلاقه وتوحّده ، # وإلَّا فهي في الشهود دائما لربّه ، الذي هو متعلَّق شوقه ووجده ، وربّه دائم ~~الشهود لعبده ، في جميع مراتب قربه وبعده ، شهود جمع في جمع ، على ما هو عليه الأمر ~~في نفسه ، فناء في بقاء ، وبقاء في فناء من جهة العبد ، وبقاء في بقاء من جهة الربّ ~~. # ثمّ الذي يشهد التعيّن نسبة ذاتية للمتعيّن ، ويراه عينه ، ويرى عينه إيّاه ، ~~وفإنّه دائما في لقاء وهو في فناء فناء وبقاء بقاء ، ولكن هذ النوع من الاشتياق ~~المنسوب إلى الأبرار إنّما يكون بالنسبة إلى من ليس مشهده م ذكرن . # وأمّا اشتياق العبد البالغ فإنّه لا يزول مع دوام الشهود ، ولا يحول مع اتّصال ~~الوصال والوجود ، جعلنا الله وإيّاكم ممّن امتنّ عليه بهذ التجلَّي الدائم ، إنّه ~~وليّ الوهب والجود . # وأمّا من حيث هذا الاشتياق واللقاء الخاصّ ، فشوقه أضعاف أضعاف جمع الشائقين ~~والمتلقّين للقاء ربّ العالمين ، وله شوق آخر من حيث أحديّة جمع الشوقين ~~والاشتياقين ، أعني شوق أهل الحجاب واشتياق أهل الشهود ، بمعنى أنّ هذا العبد يموت ~~في عين حياته الدنيا ، ويتوفّاه الله إليه ، ويلقاه ويلقى ربّه ، فيبلّ كلّ واحد من ~~صاحبه شوقه ، ويشهد كلّ منهما كلَّا منهما جمعا وفرادى في الصور البرزخية النورية ~~والهيئات المثالية والفلكية الصورية التي لا وصول إلى شهود الحق فيها بهذا التعين ~~النقلي السفلي وبعد ذلك اللقاء والموت عن هذه النشأة ، # إن اشتاق إلى الحق المتعين في هذه التعينات ، وحجبه ذلك المقام والتعيّن اللائق ~~به عن شهوده هنا ، فيردّه الله إليه في هذه النشأة ، فأقرّ عينه به وبشهوده في هذا ~~المقام ، وهكذا يداوم على هذين الشوقين والاشتياقين إلى اللقاء ، حتى تتّحد الأشواق ~~، وتبقى في شهود أحدية جمع الجمع بين القيد والإطلاق ، كما هو الأصل في الأصل ، ~~والله وليّ التوفيق بالإطباق والاتّفاق . ### || قال رضي الله عنه : ( # يحنّ الحبيب إلى رؤيتي %~% وإنّي إليه أشدّ حنين # وتهفو النفوس ويأبى القضا %~% فأشكو الأنين ويشكو الأنينا) # يريد رضي الله عنه : أنّ الحق يقول على لسانه من حيث المرتبة ، فإنّ المحبّ للعبد ~~العارف به العالم له فحنينه عين حنينه إلى محبّه ، ولكن حنين الحق القائل : « أحببت ~~» إليه أشدّ ، كما بيّنا في سرّ التقريب العبداني والرباني ، من حيث تعيّنه في عين ~~عبده يشتاق ويتقرّب إلى نفسه ، ثمّ يجازيه عن شوقه إليه أيضا ، ويقرّ به بالشوق ~~والتقرّب إلى العبد المشتاق المتقرّب ، والمجازاة بعشر أمثالها ، فيكون شوق الحق ~~إلى العبد أضعاف أضعاف شوقه إليه ، فافهم هذا السرّ أيضا ، فإنّه عزيز . # قال رضي الله عنه : ( فلمّ أبان أنّه نفخ فيه من روحه ، فما اشتاق إلَّا إلى نفسه ~~، ألا تراه في خلقه على صورته ، لأنّه من روحه ؟ ولمّا كانت نشأته من هذه الأركان ~~الأربعة المسماة في جسده أخلاطا ، حدث عن نفخه اشتعال بما في جسده من الرطوبة ) . # يعني رضي الله عنه : الرطوبة الغريزية التي هي مادة الحرارة الغريزية وبها بقاؤه ~~. # قال رضي الله عنه : ( فكان روح الإنسان نارا لأجل نشأته ) . # يعني رضي الله عنه : الحرارة الغريزية التي هي مركب حياة الروح النفساني ، أعني ~~النفس الناطقة ، فإنّ النفس على صورة نارية ، والروح في صورة نورية . # قال رضي الله عنه : ( ولهذا ما كلَّم الله موسى إلَّا في صورة النار ، وجعل حاجته ~~فيها ، فلو كانت نشأته طبيعية ، لكان روحه نورا وكنى عنه بالنفخ يشير إلى أنّه من ~~نفس الرحمن فإنّه بهذا النفس الذي هو النفخة ظهر عينه ، وباستعداد المنفوخ فيه كان ~~الاشتعال نارا لا نور ) . # يشير رضي الله عنه إلى الجوهر النوري ، الظاهر بصورة النار ، المشتعل لفتيلة جسده ~~ودهن رطوبته الغريزية المشار إليها في بعض وجوهها بقوله : " يَكادُ زَيْتُها ~~يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْه ُ نارٌ " # وإنّما فسّرت قوله : " روحه " بالنفس ، لأنّ الروح غير متعلَّق وإنّما المتعلَّق ~~هو النار ، والنور محمول في النار ، كقيام العقل - وهو الروح - بالنفس الناطقة . # قال رضي الله عنه : ( فبطن نفس الحق فيما كان به الإنسان إنسانا ، ثم اشتقّ له ~~شخصا على صورته ، فسمّاه امرأة ، فظهرت بصورته ، فحنّ إليها حنين الشيء إلى نفسه ، ~~وحنّت إليه حنين الشيء إلى وطنه ، فحبّب إليه النساء ، فإنّ الله أحبّ من خلقه على ~~صورته ، وأسجد له ملائكته النوريين على عظم قدرهم ومنزلتهم وعلوّ نشأتهم الطبيعية ، ~~فمن هناك وقعت المناسبة ، والصورة أعظم مناسبة وأجلَّها وأكمله ، فإنّها زوج أي ~~شفعت وجود الحق ، كما كانت المرأة شفعت بوجودها الرجل ، فصيّرته زوجا ، فظهرت ~~الثلاثة : حق ، ورجل ، وامرأة ، فحنّ الرجل إلى ربّه الذي هو أصله حنين المرأة إليه ~~) . # يعني رضي الله عنه : لمّا كان على صورة ربّه ، بل هو صورة ربّه في عصره والحق ~~هوية هذه الصورة وروحها ، فهو بصورته شفع الحق الواحد الأحد الوتر ، فإنّ الإنيّة ~~تشفع الهوية ، كما يشفع الزوج الزوج بوجوده . # قال رضي الله عنه : ( فصيّرته زوجا ) أي شفعت الزوجة الزوج ، فصيّرته زوجا ، لأنّ ~~كل زوج على صورة زوجه . # قال رضي الله عنه : ( فحبّب إليه ربّه النساء ، كما أحبّ الله من هو على صورته ، ~~فما وقع الحبّ إلَّا لمن تكوّن عنه ، وقد كان حبّه لمن تكوّن منه وهو الحق ، # فلهذا قال : « حبّب إليّ » ولم يقل : أحببت من نفسي ، لتعلَّق حبّه بربّه الذي هو ~~على صورته ، حتى في محبّته لامرأته ، فإنّه أحبّها بحبّ الله إيّاه تخلَّقا إلهيا . # ولمّا أحبّ الرجل المرأة طلب الوصلة أي غاية لوصلة التي تكون في المحبّة - فلم ~~يكن في صورة . # النشأة العنصرية أعظم وصلة من النكاح ، ولهذا تعمّ الشهوة أجزاءه كلَّها ، ولذلك ~~أمر بالاغتسال منه ، فعمّت الطهارة كما عمّ الفناء فيها عند حصول الشهوة ، فإنّ ~~الحق غيور على عبده أن يعتقد أنّه يلتذّ بغيره ، فطهّره بالغسل ، ليرجع بالنظر إليه ~~، فيمن فني فيه ، إذ ل يكون إلَّا ذاك ، فإذا شاهد الرجل الحقّ في المرأة ، كان ~~شهودا في منفعل ، وإذ شاهده في نفسه من حيث ظهور المرأة عنه ، شاهده في فاعل ، وإذا ~~شاهده من نفسه من غير استحضار صورة من تكون عنه ، كان شهوده في منفعل عن الحق بلا ~~واسطة ، فشهوده للحق في المرأة أتمّ وأكمل ، لأنّه يشاهد الحق من حيث هو فاعل منفعل ~~ومن نفسه من حيث هو منفعل خاصّة ، فلهذا أحبّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - النساء ، ~~لكمال شهود الحق فيهنّ ، إذ لا يشاهد الحق مجرّدا عن الموادّ أبدا ، فإنّ الله ~~بالذات غنيّ عن العالمين ، وإذا كان الأمر من هذا الوجه ممتنعا ولم تكن الشهادة ~~إلَّا في مادّة ، فشهود الحق في النساء أعظم شهود وأكمله ). # أي في منفعل حالة انفعاله وفعله ، فإنّه جامع لشهود الحق منفعلا في عين كونه ~~فاعلا في عين انفعال فعلا في عين انفعال وانفعالا في فعل ، وهاهنا أسرار مكتّمة ، ~~وعلى من ليس من أهلها محرّمة . # قال رضي الله عنه : ( وأعظم الوصلة النكاح ، وهو نظير التوجّه الإرادي على من ~~خلقه على صورته ليخلفه ، فيرى فيه نفسه ، فسوّاه وعدله ، ونفخ فيه من روحه الذي هو ~~نفسه ، فظاهره خلق وباطنه حق ، ولهذا وصفه بالتدبير لهذا الهيكل ، فإنّه تعالى ~~"يُدَبِّرُ الأَمْرَ من السَّماءِ " وهو العلو " إِلَى الأَرْضِ " وهو أسفل سافلين ~~، لأنّها أسفل الأركان كلَّه ) . # يشير رضي الله عنه إلى النكاحات الخمسة الكلَّية الإلهية الموجبة لإنتاج العوالم ~~المعنوية والروحية والنفسيّة والمثالية والحسيّة على اختلاف صوره ، كما مرّت فيما ~~سلف ، فاذكر . # قال رضي الله عنه : ( وسمّاهنّ بالنساء وهو جمع لا واحد له من لفظه ، ولذلك قال ~~صلَّى الله عليه وسلَّم - : « حبّب إليّ من دنياكم ثلاث : النساء » ولم يقل : ~~المرأة ، فراعى تأخّر هنّ في الوجود عنه ، فإنّ النسأة هي التأخير ، كما قال تعالى ~~: "إِنَّمَ النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الْكُفْرِ " والبيع بنسيئة يقول : بتأخير ، ~~فلذلك ذكر " النساء " فم أحبّهنّ إلَّا بالمرتبة ، فإنّهنّ محلّ الانفعال ، فهنّ له ~~كالطبيعة للحق التي فتح فيها صور العالم بالتوجّه الإرادي والأمر الإلهي الذي هو ~~نكاح في عالم الصور العنصرية ، وهمّة في عالم الأرواح النورية ، وترتيب مقدّمات في ~~المعاني للإنتاج ، وكلّ ذلك نكاح الفردية الأولى في كل وجه من هذه الوجوه ، فمن ~~أحبّ النساء على هذا الحدّ فهو حبّ إلهي ، ومن أحبّهنّ على جهة الشهوة الطبيعية ~~خاصّة نقصه علم هذه الشهوة ، وكان صورة بلا روح عنده ، وإن كانت تلك الصورة في نفس ~~الأمر ذات روح ولكنّها غير مشهودة لمن جاء لامرأته أو لأنثى حيث كانت - لمجرّد ~~الالتذاذ ولكن لا يدري لمن ، فجهل من نفسه ما يجهل الغير ما لم يسمّه هو بلسان حتى ~~يظهر . ### || كما قال بعضهم : # صحّ عند الناس أنّي عاشق %~% غير أن لم يعرفوا عشقي لمن . # كذلك هذا أحبّ الالتذاذ ، فأحبّ المحلّ الذي يكون فيه وهو المرأة ولكن غاب عنه ~~روح المسألة ، فلو علمها ، لعلم بمن التذّ ومن التذّ وكان كامل ) . # يشير رضي الله عنه إلى شهود الحق في المحلّ الذي فيه يلتذّ عينه ، فلو شهد الحقّ ~~إذ ذاك شهودا أحديا جمعيا عين الفاعل والمنفعل مع شهوده عدم انحصاره وتقيّده ~~بالتعيّن في أحدهما أو كليهما معا أو في الجمع أو الإطلاق عن الجمع ، بل شهودا ~~مطلقا عن هذه الاعتبارات والتنزّه عنها جمعا وفرادى ، كان حينئذ هو ذلك الرجل ~~الكامل الملتذّ بالحق في كل عين عين وتعيّن تعيّن ، وهو أوحد زمانه ونسيج وحده في ~~أقرانه وأخدانه ، وهو من الكمّل أو من ندّر الأفراد . # قال رضي الله عنه : ( وكما نزلت المرأة عن درجة الرجل بقوله تعالى - : " ~~وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ " نزل المخلوق على الصورة عن درجة من أنشأه على ~~صورته مع كونه على صورته ، فبتلك الدرجة التي تميّز بها عنه كان غنيّا عن العالمين ~~وفاعلا أوّلا ، فإنّ الصورة فاعل ثان ، فم له الأوّلية التي للحق ، فتميّزت الأعيان ~~بالمراتب ، فأعطى كلّ شيء خلقه ، كم أعطى كلّ ذي حق حقّه كلّ عارف ، فلهذا كان حبّ ~~النساء لمحمّد صلَّى الله عليه وسلَّم عن تحبّب إلهي وإنّ الله أعطى كلّ شيء خلقه ، ~~وهو أي المعطى عين حقّه ، فم أعطاه إلَّا بالاستحقاق ، استحقّه بمسمّاه أي بذات ذلك ~~المستحقّ ) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ الحق لمّا تعيّن في كل متعيّن من كلّ زوج عارف وغير ~~عارف ، أعطى كلّ ذي مرتبة ما يستحقه لحقيقته ، فأعطى المنفعل خلقه في انفعاله ~~وتأخّره عن الدرجة وهو حقه ، وأعطى كلّ الفاعل خلقه كذلك في فاعليّته وتقدّمه وذلك ~~حقّه ، وأعطى العارف بذلك شهود الحق في الكلّ والالتذاذ به وهو خلقه وحقّه ، وأعطى ~~غير العارف خلقه وهو صورة الالتذاذ بلا روح عنده وذلك حقّه وخلقه . # قال رضي الله عنه : ( وإنّما قدّم النساء لأنّهن محلّ الانفعال ، كما تقدّمت ~~الطبيعة على من وجد منها بالصورة ، وليست الطبيعة على الحقيقة إل النفس الرحمانيّ ، ~~فإنّه فيه فتحت صور العالم أعلاه وأسفله لسريان النفخة في الجوهر الهيولاني في عالم ~~الأجرام خاصّة . # وأمّا سريانها لوجود الأرواح النورية والأعراض فذلك سريان آخر ثمّ إنّه عليه ~~السّلام غلَّب في هذا الخبر التأنيث على التذكير ، لأنّه قصد التهمّم بالنساء فقال ~~: « ثلاث » ولم يقل : # " ثلاثة " بالهاء الذي هو لعدد الذكران إذ فيها ذكر الطيب وهو مذكَّر ، وعادة ~~العرب أن تغلَّب التذكير على التأنيث ، فتقول : « الفواطم وزيد خرجوا » ولا تقول : ~~خرجن فغلَّبوا التذكير وإن كان واحدا على التأنيث وإن كنّ جماعة ، وهو عربي ، فراعى ~~رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المعنى الذي قصد به في التحبب إليه ، م لم يكن ~~يؤثر حبّه ، « فعلَّمه الله ما لم يكن يعلم وكان فضل الله عليك عظيما » فغلَّب ~~التأنيث على التذكير بقوله : « ثلاث » بغير هاء ، فما أعلمه - صلَّى الله عليه ~~وسلَّم - بالحقائق ، وما أشدّ رعايته للحقوق . # ثمّ إنّه جعل الخاتمة نظيرة الأولى في التأنيث وأدرج بينهم المذكَّر فبدأ بـ « ~~النساء » وختم بـ « الصلاة » وكلتاهما تأنيث ، و"الطيب " بينهما كهو في وجوده ، ~~فإنّ الرجل مدرج بين ذات ظهر عنها وبين امرأة ظهرت عنه ، فهو بين مؤنّثين : تأنيث ~~ذات وتأنيث حقيقي ، كذلك « النساء » تأنيث حقيقي و « الصلاة » تأنيث غير حقيقي ، ~~والطيب مذكَّر بينهما كآدم بين الذات الموجود هو عنها وبين حوّاء الموجودة عنه . # وإن شئت قلت : « الصفة » فمؤنّثة أيضا ، وإن شئت قلت : " القدرة " فمؤنّثة أيضا ، ~~فكن على أيّ مذهب شئت ، فإنّك لا تجد إلَّا التأنيث يتقدّم على أنّ أصحاب العلَّة ~~الذين جعلوا الحق علَّة في وجود العالم والعلَّة مؤنّثة ) . # يشير رضي الله عنه في تغليب رسول الله في كلماته الكاملات التامّة ، وعباراته ~~العالية العامّة التأنيث على التذكير مع كونه - صلَّى الله عليه وسلَّم - من أنفس ~~أنفس العرب وغاية رعاية العرب لعكس ذلك في تغليب التذكير على التأنيث إلى أنّ ذلك ~~لكمال تحقّقه - صلَّى الله عليه وسلَّم - بعلم الحقائق ونهاية عنايته برعاية الحقوق ~~، وذلك ، الأصل في الكلّ الأمّ ، والتأنيث في الأم . # ثمّ إنّ الأمّ الأمّهات وأصل الأصول الذي ما فوقه فوق هي العين أو الحقيقة أو ~~الذات المطلقة تباركت وتعالت وقد وقعت صورة التأنيث في هذه الألفاظ كلَّها ، وإن ~~كانت هذه الأمّ من جهة المعنى أبا ، ولكنّ الحقيقة تجمع بالذات بين الفعل والانفعال ~~الذاتيين الحقيقيين ، فهي أمّ باعتبارين وأب أيض باعتبارين ، فإنّ العين المطلقة أو ~~الحقيقة أو الذات - تبارك وتعالت - تقتضي لحقيقتها الجمع بين التعيّن واللاتعيّن ، ~~فيتحقّق لها بهذين الاعتبارين كما مرّ مرارا نسبتا الظهور والبطون فهي الموصوفة ~~بهما معا ، والعين أو الحقيقة هي المتعيّنة بالتعين الأوّل ، واللامتعيّنة في ~~اللاتعين وبه ، وأحدية العين تقتضي الاعتدال ، أعني بين الفعل والانفعال . # ثمّ التّعين بظهور الذاتي يقتضي أن يكون مسبوقا باللاتعين والإطلاق ، وكلّ مسبوق ~~بأصل يستند إليه ، فإنّه منفعل عن ذلك الأصل ومظهر له ول بدّ ، والمتعيّن بالتعين ~~الأوّل من العين المطلقة عن نسبتي التعيّن واللا تعين فهو منفعل من كونه متعيّنا عن ~~نفسه من كونه مطلقا ، وأمّا اللاتعين فإن اعتبرناه بمعنى سلب التعيّن ، فإنّ ~~المعرفة بذلك متوقّفة على المتعيّن ، # إذ لولا التعيّن لما تحقّق اللاتعين في العلم ، فهو في العلم منفعل التحقّق عن ~~المتعيّن بالتعيّن الأوّل والمتعيّن به ، وإلَّا تعيّن باعتبارين لتحقّق الفعل لكلّ ~~منها من حيث تحقّق الانفعال للآخر ، ومن كون العين المطلقة تقتضي اللاتعيّن ~~والتعيّن معا دائما ، فإنّها تتعيّن وتظهر بالتعيّن الأوّل عن بطونها في اللاتعيّن ~~وغيبها الذاتي إلى شهادتها الكبرى الأولى ، # وكلّ مظهر ومجلى من كونه معيّنا مقيّدا للمطلق بخصوصيّة - فاعل لتقييد المطلق ~~وتعيين غير المتعيّن بتكييفه ، فصدق من هذا الوجه للمتعيّن والتعيّن الفعل والتأثير ~~في غير المتعيّن المطلق عن التعين واللاتعيّن من قبوله لذلك ، والانفعال لذلك ~~المطلق ، فصدقت الأمومة والأبوّة من حيث الفعل والانفعال للحقيقة . # ولهذا السرّ صحّ التأنيث في الحقيقة أو العين أو الذات ، فتحقّق أنّ الحقيقة ~~الأصليّة - التي هي محتد الحقيقة الإنسانية - تقبل لحقيقته الفعل والانفعال والظهور ~~والبطون ، فإنّ هذه النسب شؤونها الذاتية ، فلا تحول ول تزول ، والحقيقة الأحدية ~~الجمعية توجب البرزخية الجامعة بين الإطلاق والتقييد ، والتعيّن واللاتعيّن ، # والظهور والبطون ، والفعل والانفعال ، والبرزخية الإنسانية المشار إليها أيضا ~~منفعلة عن العين بين التعيّن الأوّل ولا تعيّن الذات جامعا لهم وفاصلا بينهما ظاهرا ~~بتثليث فرديته الأولى التي هي محتد نشأته وأصل وجوده ، صلَّى الله عليه ، والتأنيث ~~نعت للمنفعل ، ذاتيّ ، # والتذكير كذلك وصف للفاعل ، والأمر بين حق باطن أو ظاهر ، وخلق باطن أو ظاهر كذلك ~~في مقامي الأوّلية والآخرية بنسبتي الظهور والبطون ، أو الغيب والشهادة ، والحقيقة ~~واحدة في الكلّ ، والفعل والانفعال صادقان لها في جميع هذه النسب أعني الظاهرية ~~والباطنية ، والغيب والشهادة ، والخلقية والحقّية ، والربّ والعبد بالذات من حيث ~~أحدية العين ، # فالبرزخ الجامع فاعل بين منفعلين كالتذكير بين تأنيثين ، فأظهر صلَّى الله عليه ~~وسلَّم هذه الأسرار والحقائق من كونه أوتي جوامع الكلم - في جميع أقواله وأفعاله ، ~~وراعى الفردية كذلك في الكلّ ، # فقدّم التأنيث الحقيقيّ الذي للذات أو الحقيقة أو العين أو الإلهية أو الربوبية ~~أو الصفة أو العلَّة على اختلاف المشاهد والنظر ، وأخّر التأنيث أيضا في الصلاة من ~~حيث اللفظ وأدرج الطيب - مذكَّرا - بين مؤنّثين ، فم أعلمه صلَّى الله عليه وسلَّم ~~كما ذكر ، رضي الله عنه بالحقائق ، فاعلم ذلك ، فإنّ هذه المباحث وإن تكرّر ذكرها ~~في هذا الكتاب فهي على صعوبتها عند من لم تنكشف له حقيقة ، والله الموفّق . # قال رضي الله عنه : ( وأمّا حكمة الطيب وجعله بعد "النساء " فلما في النساء من ~~روائح التكوين ، فإنّه أطيب الطيب عناق الحبيب ، كذا قالوا في المثل السائر ، ولمّا ~~خلق عبدا بالأصالة ، لم يرفع رأسا قطَّ إلى السيادة ، بل لم يزل ساجدا واقفا مع ~~كونه منفعلا حتى كوّن الله عنه ما كوّن ، فأعطاه رتبة الفاعلية في عالم الأنفاس ~~التي هي الأعراف الطَّيبة ، فحبّب إليه الطيب ، فلذلك جعله بعد « النساء » فراعى ~~الدرجات التي للحق في قوله : "رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ لاستوائه عليه ~~باسمه "الرحمن" فلا يبقى فيمن حواه العرش من لا تصيبه الرحمة الإلهية ، وهو قوله ~~تعالى :- " وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ والعرش وسع كلّ شيء والمستوي الرحمن ~~فبحقيقته يكون سريان الرحمة في العالم ، كما قدّمنا في غير موضع من هذا الكتاب ومن ~~الفتوح المكَّي ، وقد جعل الطيب تعالى في هذا الالتحام النكاحى في براءة عائشة فقال ~~: "الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ ~~لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا ~~يَقُولُونَ " . # فجعل روائحهم طيّبة وأقوالهم صادقة لأنّ القول نفس وهو عين الرائحة ، فيخرج ~~بالخبيث والطيّب على حسب ما يظهر به في صورة النطق ، فمن حيث هو إلهيّ بالأصالة ~~كلَّه طيّب ، فهو طيّب ومن حيث ما يحمد ويذمّ ، فهو طيّب وخبيث ، # فقال في خبث الثوم : « هي شجرة أكره ريحها » ولم يقل : أكرهها ، فالعين لا تكره ~~وإنّما يكره ما يظهر منها ، والكراهة لذلك ، إمّا عرفا بملاءمة طبع أو غرض أو شرع ~~أو نقص عن كمال مطلوب ، وم ثمّ غير ما ذكرناه ) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّه من حيث برزخيته الجامعة لمّا كان منفعلا عن عين العين ~~الجامعة ببرزخيته وفعله وانفعاله ، ظهر صلَّى الله عليه وسلَّم بتحقّق العبدانية ~~المنفعلة بالأصالة عن الربوبية الفعّالة المؤثّرة - ولم يظهر بالربوبية والسيادة ، ~~فآتاه الله الفعل من عين العين ، فتساوى فيه طرفا الفعل والانفعال ، فكان قاب قوسي ~~بحر الوجوب والإمكان بوجوده ، كما كان جامعا بين التعين واللا تعين برتبته ، # وأوتي السيادة العظمى لما تحقّق بالعبودة الكاملة الكبرى ، فكان فاعليته في عالم ~~الأنفاس لكونه أوتي جوامع الكلم ، وهي هيئات اجتماعية نفسية بحقائق الحروف كما علمت ~~، فلهذا حبّب الطيب إليه ، وتأخيره عن « النساء » كشفا من حيث إنّ النفس متأخّر عن ~~الأصل والأمّ الذي هو المتعيّن الأوّل الذاتي ، وأوّل م تعيّن وخرج من غير انتقال ~~عن هذا الأمّ هو النفس الذي نفّس الله عن الحقائق كلَّه به ، فظهرت به ، فهو مسبوق ~~بالمتنفّس بذلك النفس المنفّس عن نفسه وعمّا في نفسه ، كما مرّ ، فتذكَّر . # ثمّ الكراهة والطيب المتقابلان عارضان على حقيقة النفس من جهة المتنفّس والمحلّ ~~القابل ، فهو من حيث الأصالة النفسية طيّب كلَّه ، ثمّ غير الطيّب والطيّب بحسب ~~المدرك والمدرك ، فيحمد ويذمّ ، ويكره ويحبّ بحسب القابل ومزاجه ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( ولمّا انقسم الأمر إلى خبيث وطيّب - كما قرّرناه - حبّب ~~إليه الطيّب دون الخبيث ، ووصف الملائكة بأنّها تتأذّى بالروائح الخبيثة لمّا في ~~هذه النشأة العنصرية من التعفين ، فإنّ مخلوق من صلصال من حماء مسنون ، أي متغيّر ~~الريح ، فتكرهه الملائكة بالذات ، كما أنّ مزاج الجعل يتضرّر برائحة الورد وهي من ~~الروائح الطيّبة ، فليس ريح الورد عند الجعل بريح طيّبة . ومن كان على مثل هذا ~~المزاج معنى وصورة ، أضرّ به الحق إذا سمعه وسرّ بالباطل وهو قوله :" وَالَّذِينَ ~~آمَنُو بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِالله " ووصفهم بالخسران ، قال : "أُولئِكَ هُمُ ~~الْخاسِرُونَ " ، "الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ"، فإنّه من لم يدرك الطيّب من ~~الخبيث ، فلا إدراك له ، فما حبّب إلى رسول الله إلَّا الطيّب من كل شيء وما ثمّ ~~إلَّا هو ، وهل يتصوّر أن يكون في العالم مزاج لا يجد إلَّا الطيّب من كلّ شيء ولا ~~يعرف الخبيث أم لا ؟ قلن هذا لا يكون فإنّا ما وجدناه في الأصل الذي ظهر العالم منه ~~، وهو الحق ، فوجدناه يكره ويحبّ ، ليس الخبيث إلَّا ما يكره والطيّب إلَّا ما يحبّ ~~، فالعالم على صورة الحق والإنسان على الصورتين ، فلا يكون ثمّ مزاج لا يدرك إلَّا ~~الأمر الواحد من كل شيء ، بلى ثمّ مزاج يدرك الطيّب من الخبيث مع علمه بأنّه خبيث ~~بالذوق ، طيّب من غير الذوق ، فيشغله إدراك الطيّب منه عن الإحساس بخبثه ، هذا قد ~~يكون ، وأمّا رفع الخبيث من العالم - أي من الكون - فإنّه لا يصحّ ) . # يشير رضي الله عنه إلى ارتفاع الخبيث عن الإدراك ، وإلَّا فمن حيث أعيان الأشياء ~~وما به هي هي ، ومن حيث الوجود الحق المتعين بكل شيء فليس شيء في العالم خبيثا وما ~~يكون بعض الأمور طيّبا أو خبيثا عند الحق فذلك من حيث تعيّنه في مرتبة ما ، فيطيب ~~له ما يشاكل الحال والوصف والنعت الخصيص بتلك المرتبة ، وتكره أيضا كذلك من حيث هي ~~ما يضارّها ويناقضه ويباينها وينافيها لا غير ، والكل - من حيث هو هو - طيّب له ~~وعنده ، وهو عند الكلّ طيّب كلَّه ، كما مرّ . # قال رضي الله عنه : ( ورحمة الله في الخبيث والطيّب ) يعني بالنسبة والإضافة . # قال رضي الله عنه : ( والخبيث عند نفسه طيّب ، والطيب عنده خبيث ، فما ثمّ شيء ~~طيّب إلَّا وهو من وجه في حقّ مزاج ما خبيث ، وكذلك بالعكس . # وأمّا الثالثة التي بها كملت الفردية فالصلاة ، فقال : « وجعلت قرّة عيني في ~~الصلاة » لأنّها مشاهدة ) . # يعني رضي الله عنه أنّ قرّة عين الحبيب بمشاهدة الحبيب . # قال رضي الله عنه : ( وذلك لأنّها مناجاة بين الله وبين عبده » يعني الصلاة « كما ~~قال :" فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ " وهي عبادة مقسومة بين الله وبين عبده بنصفين ، ~~فنصفها لله ونصفها للعبد ، كما ورد في الخبر الصحيح عن الله تعالى : أنّه قسمت ~~الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، نصفها لي ونصفه لعبدي ولعبدي ما سأل ، يقول العبد : ~~"بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ " يقول الله : ذكرني عبدي. # يقول العبد : "الْحَمْدُ لِلَّه ِ رَبِّ الْعالَمِينَ " يقول الله : حمدني عبدي . ~~يقول العبد :" الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ " يقول الله : أثنى عليّ عبدي . يقول العبد :" ~~مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ " يقول الله : فوّض إليّ عبدي ، فهذا النصف كلَّه لله تعالى ~~خالص . # ثم يقول العبد :" إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " يقول الله : هذا ~~بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل ، فأوقع الاشتراك في هذه الآية . # يقول العبد :" اهْدِنَ الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ ~~عَلَيْهِمْ " السورة يقول الله : هؤلاء لعبدي ، ولعبدي ما سأل ، فخلص هؤلاء لعبده ، ~~كما خلص الأولى له تعالى ، فعلم من هذا وجوب قراءة « الحمد لله ربّ العالمين » فمن ~~لم يقرأها ، فم صلَّى الصلاة المقسومة بين الله وبين عبده ) . # قال العبد : لمّا ذكر الله تعالى على لسان رسوله الصادق صلَّى الله عليه وسلَّم ~~في أوّل الحديث الصحيح نقلا وعقل وكشفا : يقول العبد : " بسم الله الرحمن الرحيم " ~~فهو دليل لنا وللشافعي رحمه الله أنّ « بسم الله الرحمن الرحيم » من الفاتحة ، ولا ~~سيّما ويعضدنا في الاستدلال بذلك قوله عليه السّلام : « لا صلاة إلَّا بفاتحة ~~الكتاب » مع ما ذكر في هذا الحديث على لسان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم " ~~قسمت الصلاة بيني وبين عبدي " . # ولمّا تمّم التقسيم في الفاتحة بل الفاتحة هي الصلاة المقسومة ومن لم يقرأها ، ~~فلا صلاة له ، وأيضا لمّا كان الافتتاح شرعا في كل أمر إنّما هو بالبسملة ، ومن لم ~~يبدأ بها في أمره ، فهو أبتر ، والفاتحة مبدأ كتاب الله ، فالأحق والأحرى عقلا أن ~~يكون البسملة آية من الفاتحة بدأ بها الله أوّل هذه السورة التي افتتح بها كتابه ~~الكريم ، وسمّاها فاتحة الكتاب . وفي ترجيح ما ذهبنا إليه دلائل شرعية ليس هذا موضع ~~ذكرها ، نذكرها في كتاب الفقه إن شاء الله تعالى . # وأمّا الحق الذي قسم الصلاة بينه وبين عبده نصفين ، فهو الحق المعبود المعتقد في ~~العقيدة الإسلاميّة وغيرها ، وذلك لأنّ الإله الذي في قبلة المصلَّي كما قال :" ~~فَأَيْنَما تُوَلُّوا " هو الذي قسم الصلاة وهو الإله المعتقد وأنّ الله الذي هو ~~ربّ العالمين غير منحصر في قبلة المصلَّي ، فإنّه كما قال :" فَأَيْنَما تُوَلُّوا ~~فَثَمَّ وَجْه ُ الله " و" هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ " ، فانظر التثليث ~~والفردية في أمّ الكتاب الذي خصّ به محمّد صلى الله عليه وسلم فإنّ القسم الأوّل ~~منه يختصّ بالحق ، والأخير يختصّ بالكون أو العبد ، وم بينهما مشترك بين الحق ~~والعبد . # قال رضي الله عنه : (« ولمّا كانت مناجاة » يعني الصلاة « فهي ذكر ، ومن ذكر الحق ~~، فقد جالس الحق ، وجالسة الحق ، فإنّه صحّ في الخبر الإلهي أنّه قال : أنا جليس من ~~ذكرني . ومن جالس من ذكره - وهو دو بصر - رأى جليسه ، فهذه مشاهدة ورؤية ، فإن لم ~~يكن ذا بصر ، لم يره ، فمن هنا يعلم المصلَّي رتبته ، هل يرى الحق هذه الرؤية في ~~الصلاة أم لا ؟ # فإن لم يره ، فليعبده بالإيمان كأنّه يراه ، فيخيّله في قبلته عند مناجاته ، ~~ويلقي السمع لما يرد به عليه [ من ] الحق ، فإن كان إماما لعالمه الخاصّ به ~~وللملائكة المصلَّين معه ، فإنّ كلّ مصلّ فهو إمام بلا شكّ ، فإنّ الملائكة يصلَّون ~~خلف العبد إذا صلَّى وحده ، كما ورد في الخبر - فقد حصل له رتبة الرسول في الصلاة - ~~وهي النيابة عن الله - إذا قال : سمع الله لمن حمده ، # فيخبر نفسه ومن خلفه بأنّ الله قد سمعه ، فتقول الملائكة والحاضرون : ربّنا لك ~~الحمد ، فإنّ الله قال على لسان عبده : سمع الله لمن حمده ، فانظر علوّ رتبة الصلاة ~~والى أين تنتهي بصاحبها ، فمن لم يحصّل درجة الرؤية في الصلاة ، فما بلغ غايتها ، ~~ولا كان له فيها قرّة عين ، لأنّه لم ير من يناجيه ، فإن لم يسمع ما يرد [ من ] ~~الحق عليه فيها ، فما هو ممّن ألقى السمع ، ومن لم يحضر فيها مع ربّه مع كونه لم ~~يسمع ولم ير ، فليس بمصلّ أصلا ، ولا هو ممّن ألقى السمع وهو شهيد ) . # قال العبد : الرؤية والشهود والسماع من العبد المصلَّي للحق ، قد تكون ببصر ~~الإيمان ، وقد تكون ببصر البصيرة والفهم ، وقد تكون بالرؤية البصرية ، فيتمثّل الحق ~~متجلَّيا مشهودا له ، قاسما للصلاة بينه وبين عبده ، وقد يجمع هذه كلَّها للعبد ~~الكامل أو الفرد النادر ، وقد ينفرد كلّ واحد منها بواحد واحد منها ، وهكذا في ~~السمع ، والذي يجمع له بين الكلّ فهو أكمل الكلّ . # قال رضي الله عنه : ( وما ثمّ عبادة تمنع من التصرّف في غيرها م دامت سوى الصلاة ~~، وذكر الله فيها أكبر ما فيها لما تشتمل عليه من أقوال وأفعال ، وقد ذكرنا صفة ~~الرجل الكامل في الصلاة في الفتوحات المكَّيّة كيف تكون ، لأنّ الله يقول : # " إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ " لأنّه شرع للمصلَّي ~~أن لا يتصرّف في غير هذه العبادة ما دام فيها ويقال له مصلّ " لَذِكْرُ الله ~~أَكْبَرُ " يعني فيها ، أي الذكر الذي يكون من الله لعبده حين يجيبه في سؤاله، ~~والثناء عليه أكبر من ذكر العبد ربّه فيها، لأنّ الكبرياء لله تعالى. # ولذلك قال :" وَالله يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ " وقال :" أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ ~~وَهُوَ شَهِيدٌ " وإلقاؤه السمع هو لما يكون من ذكر الله إيّاه فيها ، %~% # ومن ذلك أنّ الوجود لمّا كان من حركة معقولة نقلت العالم من العدم إلى الوجود ، ~~عمّت الصلاة جميع الحركات وهي ثلاث : حركة مستقيمة وهي حال قيام المصلَّي ، وحركة ~~أفقيّة وهي حال ركوع المصلَّي ، وحركة منكوسة وهي حال سجوده ، فحركة الإنسان ~~مستقيمة ، وحركة الحيوان أفقية ، وحركة النبات منكوسة وليس للجماد حركة من ذاته ، ~~فإذا تحرّك حجر فإنّم يتحرّك بغيره .) # يقول العبد : يتحرّك الإنسان دوري بالإرادة ، ولكنّه بالطبع يتحرّك في نموّه على ~~استقامة قامته ، والحيوان يتحرّك في نشئه بالطبيعة أفقيا ، والنبات يتحرّك بطبيعته ~~منكوسا بالعروق بالأصالة ، ثم يتحرّك حركة فرعية على عكس حركته الأصلية منكوسا أيضا ~~، فيظنّ أنّ له حركة مستقيمة وليس ذلك كذلك ، فإنّ حركته الأصلية منكوسة ، فإنّ ~~أصله ثابت في الأرض وإن كان فرعه في ظاهر الأرض إلى السماء . # ثمّ اعلم : أنّ الوجود الكونيّ ، لمّا كان عن حركة معقولة من حقيقة العالم ، خرجت ~~بها من العدم العيني إلى الشهود الوجودي ، فكانت حركة الوجود على ثلاثة أنحاء من ~~الحركات المعقولة الأولى كما مرّ في سرّ الألف - : حركة تنزّل ونذل من الفوق إلى ~~التحت وهي حركة منكوسة لإيجاد عالم السفل وهو الكون ، وحركة من التحت إلى الفوق وهي ~~حركة مستقيمة لإيجاد عوالم الأسماء الإلهية والنسب ، فإنّه إنّما توجد بوجود الكون ~~ويندرج فيه الحركة المعراجية لإيجاد الأرواح والأنفس ، والحركة الجمعية لإيجاد ~~العالم الإنساني الجمعي . # هذا في صلاة الحق ، الخصيصة به - وهو التجلَّي الإيجادي - وكذلك في صلاة العبد ~~وهو الوصل والارتباط من قبل العبد بالحق ، فتمّت بهذه الحركات الثلاث القيام ~~والركوع والسجود ، هذا في أفعاله ، وكذلك في أقواله . كما مرّ في الفاتحة ، فانظر ~~سرّ الفردية والتثليث ساريا في هذا القسم الأخير الذي به تتمّ الفردية المحمدية ما ~~أطفّها وما أشرفه لمن عقل . # قال رضي الله عنه : ( وأمّا قوله : " وجعلت قرّة عيني في الصلاة" ولم ينسب الجعل ~~إلى نفسه ، فإنّ تجلَّي الحق للمصلَّي إنّما هو راجع إليه - تعالى - لا إلى ~~المصلَّي فإنّه لو لم يذكره بهذه الصفة عن نفسه ، لأمره بالصلاة على غير تجلّ منه ~~له ، فلمّا كان ذلك منه بطريق الامتنان ، فقال : « وجعلت قرّة عيني في الصلاة » ~~وليست إلَّا مشاهدة المحجوب ، التي تقرّ بها عين المحبّ - من الاستقرار - فيستقرّ ~~العين عند رؤيته ، فلا تنظر معه إلى شيء غيره في شيء وفي غير شيء ) . # يعني رضي الله عنه : في شيء موجود ، فعلَّقت المشيّة بوجوده من قولهم : كل شيء ~~بشيئيّته أي بمشيئته . و « غير شيء » ما لم يتعلَّق به المشيّة من النسب . # وقوله : « من الاستقرار » لطيفة ، وذلك أنّ العبد إنّما يكون قرير العين إذا شاهد ~~عين حبيبه ، لقرار عينه بعين الحق حين المشاهدة ، فلا يشاهد سواه ، ويفنى هو عن ~~نفسه وعن كل ما يسمّى سوى الحق في هذا الشهود ، وعلى هذ القرار يثبت . # وتقرّ بفتح القاف - إذا ابتهج برؤية ما يسرّه . وقرّ يقرّ - بكسر القاف - إذا ثبت ~~، وإنّما يقرّ عين المحبّ إذا ثبت لمشاهدته محبوبه ببقاء عين الحق وفناء عين العبد ~~فيه عن حجابية تعيّن غيريته واتّحاد بقائه ببقاء الحق ، وهذ الشهود فوق اللقاء ~~المنتظر الموعود ، لأنّ اللقاء يقتضي الاثنينيّة ، وهذا الشهود يقتضي أحدية العين ، ~~فافهم . # قال رضي الله عنه : ( ولذلك نهي عن الالتفات في الصلاة ، فإنّ الالتفات شيء ~~يختلسه الشيطان من صلاة العبد ، فيحرمه مشاهدة محبوبه ، بل لو كان محبوب هذا ~~الملتفت ، ما التفت إلى غير قبلته بوجهه ) . # يعني رضي الله عنه : إن وقع التفات بعينه في جهة القبلة من غير ليّ لوجهه إلى جهة ~~غير القبلة ، فإنّ الحق قد يعفو عنه ، إذا هو في قبلته ولم يلتفت معرضا عن القبلة ~~إلى غيره . # قال رضي الله عنه : ( والإنسان يعلم حاله في نفسه هل هو بهذه المثابة في هذه ~~العبادة الخاصّة أم لا ؟ فإنّ "الإِنْسانُ عَلى نَفْسِه ِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى ~~مَعاذِيرَه ُ " فهو يعرف كذبه من صدقه في نفسه ، لأنّ الشيء لا يجهل حاله ، فإنّ ~~حاله له ذوقيّ . # ثمّ إنّ مسمّى الصلاة ، له قسمة أخرى ، فإنّه - تعالى - أمرنا أن نصلَّي له ، ~~وأخبرنا أنّه يصلَّي علينا فالصلاة منّ ومنه ، فإذا كان هو المصلَّي ، فإنّما ~~يصلَّي باسمه « الآخر » فيتأخّر عن وجود العبد ، وهو عين الحق الذي يخلقه العبد في ~~قلبه ، بنظره الفكري أو بتقليده ، وهو الإله المعتقد ، ويتنوّع بحسب ما قام بذلك ~~المحلّ من الاستعداد ، كما قال الجنيد - رحمة الله عليه - حين سئل عن المعرفة بالله ~~والعارف فقال : لون الماء لون إنائه . وهو جواب سادّ ، أخبر عن الأمر بما هو عليه ، ~~فهذا هو الله الذي يصلَّي علين ) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ المصلَّي هو التابع للمجلي ، وهو عبارة عن كون ~~التجلَّي بحسب المتجلَّى له ، فإنّ تعيّن الوجود الحق وظهوره في تجلَّيه إنّما يكون ~~بحسب خصوص قابليّة المتجلَّى له ، كما أشار إليه الأستاذ بقوله : « لون الماء لون ~~إنائه » يعني ليس للحق صورة معيّنة تسمّى ، فتميّزه عن صورة أخرى ، كالماء لا لون ~~له ، ولكنّ لون الماء يتلوّن بحسب لون إنائه ، فإنّ الحق لذاته يقتضي القبول لكل ~~نعت والظهور بكل وصف بحسب الواصف والحاكم والعالم به ، فإن كان العالم صاحب اعتقاد ~~جزئي نسبي ، ظهر في معتقدة ، ومن ل حسبان له في علمه بالله ، بحسب عقد معيّن ولم ~~يتقيّد في معرفته وشهوده بعقيدة معيّنه دون غيره ، بل يكون علمه ومعرفته بالله ~~وشهوده له إحاطته بالجميع بحيث ل يشذّ عنه صورة إلا وعنده له وجه حقيقة ، وسع الحق ~~وغمره بتجلَّيه وأنانيّته ### || كما قال رضي الله عنه : # عقد الخلائق في الإله عقائدا %~% وأنا شهدت جميع ما اعتقدو # فذلك هو العارف العالم الذي لا لون له يخرج الماء إلى ذلك اللون ويكسبه ما ليس له ~~إلَّا فيه لا في نفسه ، وفي قوله رحمة الله عليه دلالة على أنّ سائله لم يكنّ إلَّا ~~صاحب عقد معيّن ، فأجابه الجنيد بجواب كلَّي يفيد الكلّ معرفة بالمعرفة بالله ، ~~فرقاه إلى ما فوق معتقده ، فإنّ من كان على ما ذكرنا ل لون له ، فيظهر الحق بحسبه ، ~~كما هو تعالى في نفسه ، ولقد أشرت إلى هذا المقام بأبيات وردت عقيب شهود كلَّي ~~وفناء حقيقي ، اتّفق في عشر ذي الحجّة ، خلوت بالحق في بيت الخلوة الذي للجنيد عليه ~~السّلام بمحروسة « دار السلام » ، وهي كثيرة منها في المقام ، # شعر : # حرام على عيني معاينة السوي %~% وحلّ دمي إن كان غيرك في عيني # لقد كنت عيني حيث كنت ولم أكن %~% وكنت عن الأغيار في عزة الصون . # فكن لك بي لا لي كما كنت دائم %~% أكن لك عين الكلّ فيك بلا كوني # فلا أين يحويني ولا كيف حاصري %~% ول في هيولى الكلّ منحصر عيني # يقولون : لون الماء لون إنائه %~% أن الآن من ماء إناء بلا لون. # والله الموفّق المؤيّد للمؤيّد الموفّق . # قال رضي الله عنه : ( فإذا صلَّينا نحن ، كان لنا الاسم « الآخر » فكنّا فيه ما ~~ذكرناه في حال من له هذا الاسم ، فنكون عنده بحسب حالنا فلا ينظر إلينا إلَّا بصورة ~~ما جئناه بها ، فإنّ المصلَّي هو المتأخّر عن السابق في الحلبة ) . # وذلك لأنّ مرآة الحق تظهرنا على ما نحن عليه ، فما نكون عنده إلَّا بحسب حالنا في ~~صلاتنا ، ولو كنّا فيها بحسبه ، فقد كملت صلاتنا كصلاة أهل الكمال والرسوخ . # قال رضي الله عنه : ( وقوله :" كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَه ُ وَتَسْبِيحَه " أي ~~رتبته في التأخّر في عبادة ربّه وتسبيحه الذي يعطيه من التنزيه استعداده ، فما من ~~شيء إلَّا وهو يسبّح بحمد ربّه الحليم الغفور ) . # يشير رضي الله عنه إلى أنّ للأشياء - في تأخّر وجودها عن ربّه بمظهريّاتها له أو ~~ظهورها فيه - حكمين : # أحدهما ثبوتي والآخر سلبي فالسلبي هو الذي يسلب وينفى به عن الحق ما هي عليه من ~~التقيّد والنقائص ونقائض الكمالات ، وهو تنزيهها للحق وتسبيحها من النقائص التي هي ~~عليه . # والحكم الآخر : إثبات الكمالات التي هي عليها للحق على الوجه الأكمل الأليق ~~بجنابه - تعالى - على ما مرّ مرار . # قال رضي الله عنه : ( ولذلك لا نفقه تسبيح العالم على التفصيل واحدا واحد . وثمّ ~~قرينة بعود الضمير فيها على العبد المسبّح في قوله :"وَإِنْ من شَيْءٍ إِلَّ ~~يُسَبِّحُ بِحَمْدِه" أي بحمد ذلك الشيء ، فالضمير الذي في قوله : «بحمده» يعود على ~~«الشيء» أو بـ " لثناء" الذي يكون عليه ) . # يعني رضي الله عنه : لمّا كان كلّ شيء كم ذكرنا مشتملا على محامد وكمالات خصيصة ~~به ، ولا تظهر تلك المحامد على الوجه الذي ظهرت فيه إلَّا منه وبه لا من غيره وفي ~~سواه ، مستوعبا أيضا لكمالات يشترك فيها مع غيره ، فهو يحمد عين وجوده الظاهر فيه ~~بتلك الكمالات ، بل يحمد بوجوده الخاصّ به عينه الثابتة وحقيقته التي هذه المحامد ~~نسبها ولوازمها ، كانت كامنة في عينها الغيبي ، فأظهرها الوجود الحق لها ووصفه ~~وعرّفها بها فيه أوله ، فإذن لم يحمد كلّ شيء بذاته ووجوده إلَّا نفسه ، فإليه يعود ~~الضمير في قوله :" يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ِ ". # وأمّا تسبيحه وهو تنزيهه عن نقائص كونيّة فيكون بمعنى نفي النقص مطلقا ، أي كل ما ~~ظهر به النقائص النسبيّة المتوهّمة كمالات حقّيّة خفيّة نسبية للوجود والعين ~~بالنسبة إلى ذلك ، فينزّه وجوده وحقيقته جمعا وفرادى عمّ توهّمه متوهّم النقص فيه ، # إذ لا نقص إلَّا بالنسبة والإضافة ، ولكن ظهور الوجود في حقيقة الشيء هو كذلك ، ~~وذلك درجة أو مرتبة لتجلَّي الوجود أو ظهور تلك العين والحقيقة في الوجود الحق ~~بحسبه كذلك ليس إلَّا على هذا الوجه ، ولكنّ الناظر بنظره الوهمي يرى ذلك بالنسبة ~~إلى ظهور آخر في مظهر ومرآة أخرى - نقصا ، فليس في الوجود نقص حقيقي ، بل بالنسبة ~~والإضافة في وهم المتوهّم أو في التخيّل أو التعقّل لا غير ، ومقتضى التحقيق أنّه ~~لمّا كان للوجود الحق صلاحية الظهور بتلك المحامد التي ذلك الشيء عليها ، وقبول ~~الظهور لتلك الأحكام - التي توهم النقص من حيث التعيّن والظهور ، ذاتيّا ، كانت ~~المحامد والمذامّ المتوهّمة عائدة على الوجود الحق بالأصالة في الحقيقة ، فاحتمل ~~الضمير في قوله :"يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ِ " الوجهين معا ، فافهم . # قال رضي الله عنه : ( كما قلنا في المعتقد : إنّه إنّما يثني على الإله الذي في ~~معتقده وربطه به نفسه ، وما كان - من عمل - فهو راجع إليه فما أثنى إلَّا على نفسه ~~، فإنّه من مدح الصنعة فإنّما يمدح الصانع بلا شكّ ، فإنّ حسنها وعدم حسنها راجع ~~إلى صانعها ، وإله المعتقد مصنوع للناظر فيه ، فهو صنعته ، فثناؤه على ما اعتقده ~~ثناؤه على نفسه ، ولهذا يذمّ معتقد غيره ، ولو أنصف ، لم يكن له ذلك إلَّا أنّ صاحب ~~هذا المعبود الخاصّ جاهل بلا شكّ في ذلك ، لاعتراضه على غيره ، فما اعتقده في الله ~~، # إذ لو عرف ما قال الجنيد : « لون الماء لون إنائه » لسلَّم كلّ ذي اعتقاد ما ~~اعتقده ، وعرف الله في كل صورة وكلّ معتقد » . ) # يشير رضي الله عنه إلى أنّ الضمير في قوله : « بحمده » من " وَإِنْ من شَيْءٍ ~~إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ِ " الراجع إلى المسبّح المعتقد لا يصلح أن يكون راجعا ~~إلى الله إلَّا من حيث الوجه المحقّق الذي ذكرنا و لا إلى ما اعتقده ، فإنّ صورة ~~معتقده مصنوعة له ومخلوقة له كذلك ، وليست لموجد الأشياء الذي يجب له التسبيح ، ~~فإنّ الله أخبر عن نفسه بأنّه "سُبْحانَه ُ وَتَعالى عَمَّ يَصِفُونَ " فإنّ كل ~~معتقد خاصّ فإنّما يصفه بصفة كمال هو عليه لا غير ، # إذ لا يعرف غير ذلك الوصف ، وأخبر أنّه " لا يُحِيطُونَ به عِلْماً " وكلّ ذي ~~اعتقاد فإنّه محيط بصورة معتقدة ، وأخبر تعالى أيضا في كتابه الذي "لا يَأْتِيه ِ ~~الْباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْه ِ وَلا من خَلْفِه " على خلاف ما هو عليه معتقده ، ~~وذلك لأنّ المنزّة بالتنزيه العقلي صوّر في اعتقاده صورة ليست بجسم ولا جوهر ول غرض ~~ولا كذا ولا كذا ، # وكذلك المشبّه حصره فيما شبّههه به وهو محيط بما صوّره ، لأنّه مصنوعه ، وصورة ~~معتقد كلّ منهما محدودة بما يباين الآخر ويتميّز عنه ، وكل متميّز عن غيره متناهي ~~الحدود إلى ذلك الغير ، ومحدود بما به يخصّص ويميّز ، فالإله الذي يعبده في زعمه هو ~~ما صنعه في خياله ووهمه ، فما حمده به يرجع إليه ، فما حمد إلَّا نفسه ، لأنّه موجد ~~تلك الصورة الذهنية في ذهنه ، فما سبّح الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ، # فإنّه غير محدود بحدّ ، ولا محصور في حكم ، ولا محاط به عقل ، فإنّه هو المحيط ~~بالعقل وبكلّ شيء بالذات إحاطة ذاتية ، كما علمت ، فسبحانه وتعالى عمّا يقولون ~~علوّا كبير . # قال رضي الله عنه : ( فهو ظانّ ليس بعالم ، فلذلك قال : " أن عند ظنّ عبدي بي " ~~أي لا أظهر له إلَّا في صورة معتقدة ، فإن شاء أطلق ، وإن شاء قيّد ، فإله ~~المعتقدات تأخذه الحدود ، وهو الإله الذي وسعه قلب عبده ، فإنّ الإله المطلق لا ~~يسعه شيء ، لأنّه عين الأشياء وعين نفسه ، والشيء لا يقال فيه : يسع نفسه ، ولا : ~~لا يسعها ، فافهم والله يقول الحقّ وهو يهدي السّبيل). # يشير رضي الله عنه إلى أنّ الأحدية الذاتية تستهلك ما يسمّى غيره ، فما ثمّ إلَّا ~~هو هو ، حتى أنّ الأحدية ليست نعتا له ، بل الأحدية في هذ المقام عين الواحد الأحد ~~، فلا اثنينيّة ، فما ثمّ من يسعه سواه ، فآلهة الاعتقادات صور وهميّة تعقّلها ~~المعتقدون من حيث إنّ اعتقاد كلّ معتقد على التعيين يخالف اعتقاد مخالفه ، وقد ميّز ~~كل منهم معتقده عن معتقد مخالفه ، فحدّده بما به ميّزه وعقده ، وحصر الحق الذي في ~~زعمه في صورة اعتقاده ، وعقد عليه عقده ، واعتقد عقيدة ، وأنكر الحق الذي في معتقد ~~غيره وجحد ، # لكنّ الله الواحد الأحد محيط بكلّ ما توحّد فتأحّد ، وم تعدّد فتحدّد ، لا تقدح ~~في أحديته كثرة ما يتعدّد في مراتب العدد ، ولا في إطلاقه تقيّد ما تعيّن وتقيّد ، ~~فتحدّد ، فيتنوّع التجلَّي من ينبوع تعيناته في منصّات تجلَّياته ومجالي تعيناته ~~بحسب خصوصيات شؤون ذاته ، # فيقبل كلّ ذلك لنفسه من نفسه باقتضاء له ذاتيّ فوسع الكلّ ، ولم يسعه الكلّ ، ~~فالذي وسعه قلب عبده هو الإله الذي اعتقده ، فوسع قلبه وملأه ، فلا يسع معه غيره . # ولكنّ هاهنا تحقيقا لمن آتاه الله نظرا دقيقا ولطفا في الإدراك وتدقيقا وهو أنّ ~~الله لمّا كان بوجوده عيّن ما ظهر وعيّن ما بطن واستتر ، # فهذه الصور الاعتقادية تكون من جملة ظهوراته وتعيّناته في مراتب الأذهان والأوهام ~~والأفهام والبصائر والعقول والقلوب والشهود والوجود ، فقد وسع الحق هذه الصور ~~كلَّها ، فإنّها صورة في تلك المراتب الخصيصة به . # ولا يقال : إنّه من حيث ظهوره في صورة عين ما ظهر بصورة أخرى : فإنّه - من حيث ~~ظهوره في صورة ما - متعيّن فيها بحسبها ، محدود بحدّه . # ولا يقال أيضا : إنّه من كونه عين الكلّ هو هذا على التعيين ، فإنّ هذا هذا لا ~~غير ، ليس ذاك وهو عين الكلّ ، والكل صورته وهو هوية الكل فمن لم يحصره في صورة ~~معينة دون غيره فقد عرف الحق على ما هو عليه في نفسه ، فإنّه في نفسه مطلق عن كل ~~قيد وحصر وهو المحيط غير المحاط ، من كونه هو هو هو هو الأوّل والآخر والظاهر ~~والباطن ، # وما ثمّ إلَّا ظاهر أو باطن أو أوّل أو آخر ، فمن كونه عين في غيب عينه باطن أوّل ~~لا اطَّلاع عليه من هذا الوجه أصلا ورأسا ، وهو من كونه عين ما ظهر من كل صورة ~~حسّيّة جسميّة طبيعية أو عنصرية أو غير حسيّة بل عقلية أو وهمية أو خيالية عين ~~الكلّ من غير حصر في صورة ما منها على التعيين ، ولا في الجميع ول في الإطلاق عن ~~الجمع والجميع وعن كل قيد وحصر . # وقوله رضي الله عنه : ( الذي وسعه القلب هو الإله المعتقد يريد بذلك الاعتقادات ~~الجزئية التقييدية من تنزيه أو تشبيه أو غير ذلك سوى الذي وسعه قلب الكامل ، فإنّ ~~قلب الإنسان الكامل - المشاهد للأمر على ما هو عليه في نفسه - منقلب مع الحق أوله ~~في صور شؤونه الذاتية أبدا دائما ، فهو مطلق لا قيد له في عقد ، فما له معتقد معيّن ~~، لحصر الحق فيه ول يكون صورا اعتقادية ، بل هو مع الحق في صور شؤونه التي فيه ، ~~يتقلَّب ويتحوّل فيه لمقتضى ذاته وقد وسعه ، لأنّ قلبه أحديّة جمع جميع الشؤون ~~الذاتية ، وهو عين الأعيان الغيبيّة العينيّة ، وهو قلب الوجود ، ولبّ الشاهد ~~والمشهود والشهود ، لأنّه صورة التعين الأوّل الذاتي ، # وهو قلب الحق المطلق والخلق المقيّد ، فافهم إن كان لك قلب يسع الحق على ما هو ~~عليه الحق في نفسه ، وإلَّ فألق السمع إلى الحق الذي أنزل القرآن على رسوله ، ونطق ~~على لسان هذا الرسول بالحق ، فإنّه "ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى . إِنْ هُوَ إِلَّا ~~وَحْيٌ يُوحى ". # فليؤمن بما أنزل الله من الكتاب كلَّه وبجميع ما نطق به على السنة أنبيائه ورسله ~~وأوليائه ، من غير تأويل نفسيّ أو تحكيم عقلي ورأي من عنده ظنّيّ أو حدسيّ أو علمي ~~في زعمه فكريّ فعساه يكون من أهل النجاة والرشاد والسّداد ، ولله ولَّي التوفيق ~~والإرشاد والإسعاد ، واهب الاستعداد أبد الآباد . # والحمد لله الأوّل الآخر الباطن الظاهر ، منتهى الأعداد ، ومبلغ الأمداد ، ومداد ~~الإمداد ، وغاية الدهور والآماد ، ملء السماوات والأرضين وما بينهما وما فوقهما وما ~~تحتهما وما أحاط بهما ، عدد خلقه وزنة عرشه ورضى نفسه ومداد كلماته . # وصلَّى الله على خاتم الرسل والأنبياء ووارثه الأكمل في خصوص ختميته ، خاتم ~~الأولياء المحمديين ، وخاتم الولاية العامّة المطلقة ، روح الله وكلمته وخاتم ~~الأولياء أجمعين ، والحمد لله ربّ العالمين ، وصلاته وسلامه على محمد وآله أجمعين ~~الطَّيبين الطاهرين . # تمّ بتوفيق الله في أوائل ذي القعدة الحرام لسنة خمس وسبعين وثمانمائة الهجرية ~~875 اللهمّ اغفر وارحم لكاتبه ولجميع المؤمنين ، آمين . # قال رضي الله عنه : ( ثم الله أطلعه على ما أودع فيه ، وجعل ذلك في قبضتيه : ~~القبضة الواحدة فيها العالم ، والقبضة الأخرى فيها آدم وبنوه ، وبيّن مراتبهم فيه ) ~~. # قال العبد أيّده الله تعالى به : # اعلم : أنّ الكمّل من الصورة الأحدية الجمعية الإنسانية لا بدّ لهم أن يريهم الله ~~ويشهدهم صور تفاصيل ما أودع فيهم تشريفا لهم وتكميلا وتفهيما لهم بحقائقه التي ~~أودعها فيهم وتوصيلا . # وكذلك أشهد آدم عليه السّلام صور تفاصيل النشأة الإنسانية في مقامي الجمع والفرق ~~المشار إليهما بالآفاق والأنفس . # فأشهد جميع العالم في القبضة الواحدة وهي اليسار عرفا اصطلاحيّا وأشهد آدم ~~وذرّيّته في الأخرى ، وهي اليمين كذلك ، وكلتا يدي ربّي يمين مباركة ، والحديث ~~مشهور . # . # %~%