#####OpenITI# #META# title: شرح على متن فصوص الحكم #META# author: صائن الدين علي بن محمد تركة #META# source: https://ibnalarabi.com/fusus/taraka.php #META#Header#End# ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | مقدمة الشارح الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة كتاب شرح فصوص الحكم ~~الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### | مقدمة مع قراءة خطبة الكتاب ### | شرح خطبة الكتاب للشارح الشيخ صائن الدين التركة لكتاب فصوص الحكم الشيخ ~~الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم ~~الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # (الحمد لله منزل الحكم ) الحمد عند التحقيق عبارة عن تعريف حدود المراد , ~~والإبانة عن غاية كمال المحمود ومنتهى مقامه في آيات ذوات أفراد وأعداد ثمّ إنّ ~~لتلك الآيات والأفراد - من حيث التفرقة الكونيّة العالميّة وظهور سلطان التعيّن ~~فيها - وجهين من الدلالة والإشعار : # أحدهما نحو الإظهار : وهو الذي يلي الإطلاق الذاتي الوجودي فيه لسان الحمد . # والآخر نحو الإخفاء : وهو الذي يلي التقيّد العدمي الكوني فيه لسان التسبيح . # والأوّل لظهوره يفهمه كل أحد - دون الثاني - كما ورد في التنزيل : " وَإِنْ من ~~شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ." # وبيّن أن تلك الأشياء متخالفة بحسب ظهورها بالوجهين وغلبة أحكام الإطلاق والتقيّد ~~: فمنها ما ظهر بوجه يتكلَّم بلسان التسبيح فقط ومنها ما ظهر بوجه يتكلَّم بلسان ~~الحمد فقط ومنها ما ظهر بوجه يتكلَّم بهما . # وإذ قد تقرّر أنّ التسبيح حقّه هو الَّذي يؤدّى بالحمد ، وذلك هو اللائق بجنابه ~~الأقدس ، فإنّ تنزيهه تعالى ليس ممّا يقابل التشبيه - كما ستطلع عليه في طيّ الكتاب ~~- وقد عرفت ممّا سلف لك من البيان أن قلب الكمّل هو المختصّ بذلك - أتى بالكلام ~~المعرب الجامع بين الكثرة الكونيّة المسبّحة والوحدة الوجوديّة الحامدة - وهو ~~المعبّر عنه بالحكم - حمد الله على إنزاله إيّاها . # وكأنّك قد نبّهت على أنّ موضوع ما في هذا الكتاب من الأبحاث إنّما هو ذلك بحسب ~~تدرّجه في مراقي الكمال وتطوّراته ، إلى أن بلغ الرتبة الختميّة فلذلك قال : ( على ~~قلوب الكلم ) إشارة إلى ما هو بصدد تحقيقه إجمالا ، على ما هو دأب أئمّة التأليف ~~وأدبهم . والمراد من « الكلم » هو الكمّل من الأنبياء - كما لا يخفى على الواقف ~~بمصطلحاتهم . # ثمّ ها هنا تلويح : # وهو أنّ لل « حكم » إلى « القلب » مناسبة بيّنة يتبيّن لأهله بأدنى تأمل : # ( ف يم ) ، وكذلك لل « منزل » و « الكلم » ، ولكن أبعد ، وفق ما لهما من 132 ~~النسبة إليه : ( يم ون م ) ، ( ف يم ) ، ( ف م يم ) ، ( ف يم ). # ثمّ إنّ القلب بحسب ظهور الرابطة الجمعيّة المذكورة فيه ، والرقيقة الاتحاديّة ~~التي فيها - على ما نبّهت إليها في المقدمة - قد انفرد بقرب من الطريق لا يتطرق ~~لفنائه طوارق النسب والأبعاد ، به يعبد وقرب من المكانة ينطوي عنده بساط أعداد ~~الوسائط والمناسبات ، به يحمد . وأشار إلى طريقه المعبّد ومقامه المحمود ، منبّها ~~إلى تحقيق طريق الإنزال ، وتبيين مبدئه ، ثمّ إلى منتهاه وغايته قوله : # (بأحديّة الطريق الأمم من المقام الأقدم ) # ف # « من » # ابتدائيّة ، أي أنزل من حيث أقدم وأعلى من أن ينسب إليه القدم - المقابل للحدوث - ~~بطريق هو أقرب وأدنى من أن يشار إليه بالقرب - المقابل للبعد - فالباء فيه معنى ~~الظرفيّة ، متعلَّق ب # " المنزل " # ، كقولهم : « حججت بطريق الكوفة » . # وقد جاء الإنزال بمعنى الإظهار كقولهم : " أنزل ببني فلان سور " . # واستعماله ب « على » قرينة له . # ثمّ إنّ الاختلاف الَّذي هو دليل غلبة أحكام التعيّن الموجب للقصور عن أداء ~~التسبيح والتحميد حقّهما ، موجود في قلوب الكمّل ، التي هي أصول أغصان الظهور ~~والإظهار وبحور جداول الشعور والإشعار ، بحسب تباين استعدادات ما يتفرّع عنها من ~~الأمم ، وتقابل مقتضيات مشاربهم ومقترحات نيّاتهم ومقاصدهم. # فقوله : ( وإن اختلفت الملل والنحل لاختلاف الأمم ) إشارة إلى ذلك وتنبيه على أنّ ~~الأحديّة هذه ليست مما تنافيه وجوه التكثّر أو تقابله - بل تجمعها وتتحقّق بها - ف ~~« إن » هاهنا للتوكيد . # وقوله : « لاختلاف الأمم » علَّة للاختلاف الأوّل وبيان أنّ ذلك الاختلاف مما لا ~~بدّ منه بأصوله وتفاريعه وشعبه وشوارعه ، ضرورة تكثّر الوجوه بها ، وتنوّع ألسنة ~~التسبيح والتحميد منه . # فلولاه ولو لأن %~% لما كان الَّذي كان # وفيه إشارة إلى غاية الإنزال ونهايته ، يعني : اختلاف الأمم المتفرّع عن اختلاف ~~الملل المتأصّل له ضرورة أنّه سببه . # وحيث أنّ مبدأ طريق الإنزال ومنتهاه الأمم ، فيه تلويح بشيء من معاني « ل م » - ~~فلا تغفل . # تلويح : # حاء حقيقة الحقّ إذا اكتسى بصورة الدال الدالَّة على دولة الظهور ودوران أحكامه ، ~~فالمركَّب إنّما يدلّ على الغاية من أطرافها ونهايتها - وهو " الحد " - فإذا ظهر ~~عليه واو الهويّة وهاؤها هو « الوحدة » الكاشفة عن غاية رتبة الوصول إلى الوجود ، ~~وكنه طرف البطون منه ، كما أنّه إذا امتزج بـ « ميم » الجمعيّة العلميّة والكمال هو ~~« الحمد » الدالّ على تمام مرتبة الإظهار . # وممّا يؤيّد هذا تأييدا بيّنا أنّ ما بطن في « لله » من بيّنات أصله هو الظاهر في ~~الحمد بعينه كما لوّح إليه . # على أنّ الحاء والميم - اللتين هما تمام الأسماء الإحصاء - والألف واللام والميم ~~، التي هي تمام مرتبة الإظهار - كما اومي إليه - قد انطوت في " الحمد " مع الدال ، ~~على الصورة الجمعيّة لها. # ثمّ إنّ الحاء والميم كما أنّهما إذا ظهرتا بالدال هو « الحمد » - كما بيّن - ~~كذلك إن أحاطتا بكاف كنه الكلّ هو " الحكم " . # ثمّ اعلم أنّ للألف تنزّلا من سماء قدس تجرّده الذاتي وعلوّ تنزّهه الحقيقي إلى ~~أرض عرضه المزاجي ، وهي باء بسطها وبيانها ، وصورة ذلك هو « ل » وهو لام « الكلام » ~~الذي إذا اختفى الألف في صورة جمعيّته وبسطه هو « الكلم » ومن ثمّة ترى عدده ( 30 ) ~~باعتبار اختفاء نقطة الباء فيها ، وهو معنى الإنزال ، وحيث وصف طريقه بما هو بيّنات ~~اللام إشارة خفيّة إلى هذا التلويح ، وبيّن أنّ وقوع أمثال ذلك في مطلع الكتاب من ~~آيات تحقيق رؤياه وتصديق كشفه عند أهله . # ثمّ إنّ الحمد - حسبما عرفت معناه ولخّصت مغزاه - لا يخفى عليك أنّه ما تنفّس عن ~~مطلع الظهور صبح كماله إلَّا بميامن أنفاس الخاتم وأفعاله وأقواله ، وما سطع أشعّة ~~تمام إظهاره من أعلام الإعلان إلَّا بتبيين ورثته من آله ، فلذلك اشتقّ من « ~~التحميد » بمعنى المبالغة في الحمد صيغة معربة عن أنّه المحمود - لا غير - وله ~~الفضل فيه ، ليكون اسما له . # فإنّه ما لم يعرب عن هذا الوجه يكون قاصرا عن أداء تمام الحمد ، ولا يكون الاسم ~~مطابقا لمسمّاه - كما بيّن تحقيقه في « الرسالة المحمدية » - ومن ثمّة ترى أئمّة ~~التأليف يستردفون الحمد بالصلاة عليه وعلى آله ، تقرّبا إلى المنتسبين إلى حضرته ~~المنيفة وتطفّلا إليهم بما يورث الوصول إلى مدارج أقدامهم الشريفة ، وتنبيها على ~~أنّهم هم السابقون والمصلون في مضمار أداء الحمد ، والفاتحون لأبواب كماله ، ~~الخاتمون عليها بخاتم التمام ، فهي إذن من الحمد ، كما أنّ تسميته بما ينبئ أنّه ~~المحمود منه أيضا . # فلذلك اختتمه بقوله : ( وصلَّى الله على ممدّ الهمم من خزائن الجود والكرم بالقيل ~~الأقوم ، محمّد ، وعلى آله وسلَّم ) كما أنّ لكلّ أحد بحسب صورته الخارجيّة هويّة ~~عينيّة يتميّز بها عند الحسّ ، ويتحقّق تشخّصه بين بني نوعه بانفراده بها ، كذلك ~~بحسب حقيقته الجمعيّة له هويّة معنويّة يتميّز بها في نفسه وعند الكمّل من ~~المتطلَّعين عليها ، وهو قصده ونيّته لاستخراج ما استجنّ فيه من الكمالات الواقعة ~~تحت رؤيته ، منتهى مدى بصيرته المقصورة على اعتقاده حسب استعداده ، وهو الهمّة ، ~~وهذا هو المبدء والروح لسائر ما يتحقّق به الهويّة العينيّة ، من الأعمال والأحوال ~~والعوارض الخارجيّة - كما أشار إليه صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله : # " إنّما الأعمال بالنيّات" . # ثمّ إنّه صلَّى الله عليه وسلَّم لما اختصّ بين الكمّل من الأنبياء بإتيان القرآن ~~العربي ، المعرب عمّا عليه الوجود إجمالا وتفصيلا - بما فيه من الميزان القويم الذي ~~له نهاية الاستقامة وتمام العدل والصدق ، إفرادا وتركيبا . # مقطعا وموصلا كان صلَّى الله عليه وسلَّم ممدّا لسائر الهمم من قولهم : « أمدّ ~~الجيش بالعدد والعدد » أي زاد في موادّه فإنّه صلَّى الله عليه وسلَّم يمدّ الكل في ~~مواد مراقي كمالهم ومعدّات معارج علمهم واستيهالهم ، بما يربي على مقترحات ألسنة ~~استعدادهم ، ويفضل على مقتضى أسئلة قابليّاتهم . ضرورة أنّه صلَّى الله عليه وسلَّم ~~هو المادّة الأولى ، الفاتحة للرحمة العامّة للعالمين ، والصورة الآخرة الخاتمة ~~للرحمة الخاصّة بالكمّل منهم بما لا مزيد عليه في الإمكان ، فيكون ذلك الإمداد من ~~خزائن الجود والكرم ، لا من ديوان مجازاة العدل والحكم . # درجات العلماء من ورثة الأنبياء # ثمّ إنّه مما يستوجبون اشتمال فواتح التآليف عليه ، التنبيه على جلالة شأن ما ~~تضمّنته من المطالب ، تحريضا للطالبين ، وتنبيها للمبطلين من الذاهلين والمنكرين ، ~~ولا يستراب أنّ الاطلاع على محتد أذواق الكمّل من الأنبياء في العلم باللَّه ، ~~والوقوف على مبلغ مكاشفات الكلّ فيه - كما تكفّل ببيانه هذا الكتاب - ممّا اختصّ ~~بنيله الحضرة الختميّة ، ضرورة أنّ هويّتها هي أحديّة جمع الكلّ علما وشهودا - على ~~ما عرفت . # ثمّ إنّ الوارثين لعلومها تتفاوت مبالغ سهامهم منها حسب تفاوتهم في درجات القرابة ~~إليها ، واختلافهم في استجماع وجوه الانتساب بها ، فمن كانت رقائق النسب والقرابة ~~منه إليها مقصورة على الروابط المعنويّة منها فله من تلك السهام حقائق المعارف ~~ببساطتها. # ولطائف العلوم بصرافة كلَّيتها بدون أن يكون لها من تلك الحضرة صورة كاشفة ولا ~~وضع نبوي مبين . # كما للحكماء من أهل النظر ومن كان مستجمعا معها للوجوه الصوريّة والتزام الهيئات ~~النبويّة والشعائر الشرعيّة مستنبطا من الصور السماويّة المنزلة إليها لطائف تلك ~~الحقائق ، فله من قداح تلك السهام ما تلبّس بالصورة المنبئة ، وارتدى بالشعائر ~~الشرعيّة المشعرة للمشاعر . # وهم متفاوتون في ذلك ، متخالفون في حيازة درجات كماله ، فمنهم من استحصل منها ~~قدرا يستأهل به أن يستفيض من تلك الحضرة في سجال إفضالها شيئا من الحقائق حينا ~~ومنهم من بذل الجهد فيه إلى أن وصل إلى ما يستأهل به أن يستمطر من هطل سحائب كمالها ~~ديم العوارف من خصائص المعارف دائما . # وقد ينتهى أمر تلك المقاربة إلى أن يستفيد من صورتها المشخّصة - بجميع م يشخّصها ~~من اللواحق كالزمان والمكان والوضع مشافها لها ومكافحا إيّاها ، جملة جامعة وكتابا ~~كاملا يحتوي على ما تضمّنته الحقيقة الختميّة من الحكمة الشاملة والعلم المحيط ~~بسائر الأذواق والمشارب ، على ما اقتضى ذلك الوقت إظهارها وإشاعتها ، واستدعى ألسنة ~~استعداد أبنائه الاغتذاء بها وإفاضتها . # وهذا هو الغاية في القرابة وما يستتبعها من الوراثة ، فهو الخاتم لتلك الوراثة ~~خاصّة ، وهو الشيخ المؤلَّف كما علم من تصفّح كلامه في كتبه وإلى ذلك كلَّه أشار ~~بقوله : # رؤيا ابن عربي وأخذه الكتاب # (أمّا بعد فإنّي رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في مبشّرة - أريتها في ~~العشر الأخير من المحرّم ، سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق - وبيده صلَّى الله ~~عليه وسلَّم كتاب ) . # المبشّرة - لغة - : الريح التي تبشّر بالغيث ، وفي عرفهم يطلق على ما يرى السالك ~~من الصور المثاليّة المبشّرة له بجلائل الفتوحات . # ثمّ إنّ الفيض الواصل إلى العبد له مدرجتان : إحداهما من الرحمة الوجوبيّة التي ~~يسلك إليها العبد بمساعي قدمي جدّه واجتهاده ، وعلمه وأعماله ، والثانية من الرحمة ~~الامتنانيّة التي إنما تنساق إلى العبد بدون توسّل عمل منه ولا توسّط سعي واجتهاد ~~وفي عبارتي « رأيت » و « أريتها » ما يدلّ على أنّ الفيض المذكور - لجلالة قدره - ~~جامع بين نوعيهما ، حائز لكماليهما . # وفي لفظ « الكتاب » إشارة إلى أنّ ما انطوى عليه من الحقائق هو الذي يتعلَّق بطرف ~~الولاية خاصّة ، فإنّ للكتاب اختصاصا به ، كما أنّ للكلام اختصاصا بما يتعلَّق بطرف ~~النبوّة منها ، ويؤيّد ذلك ما في اللغة من أنّ الأوّل فيه معنى الجمعيّة ، كما أنّ ~~في الثاني ما يستتبع التفرقة ، وسيجئ ما يلوّح إلى زيادة تحقيق لهذا البحث . # وقوله : « وبيده » فيه إشعار بأنّ ما تضمّنه الكتاب من الخصائص الختميّة المكنونة ~~التي هي في قبضته إلى الآن ، فإنّه كما أنّ الفم مصدر فتح أبواب انبساط الكتاب وما ~~انطوى عليه على صحائف العيان ، فإنّ اليد مورد طيّه وقبضه ، ومحلّ ختمه وكتمه . # وممّا يلوّح عليه أنّ « اليد » هو « الختم » على طريقة التحليل ( 14 ) . # وأيضا : فإنّ الزمان والمكان المذكورين يلوحان على أنّ ما تولد منهما من الحقائق ~~على مجالي المشاهد والمدارك من الفضائل الختميّة الزائدة على مشهودات الكمّل ~~وخصائصها المحرّمة عليهم ، تلويحا ظاهرا ولذلك ما كاد يبرز من تلك الحقائق شيء ما ~~لم يصدر من ذلك المصدر مرسوم بإبرازه وإظهاره ، على ما أشار إليه بقوله : # (فقال لي : هذا كتاب فصوص الحكم ، خذه وأخرج به إلى الناس ينتفعون به ) . # وفي تسميته صلَّى الله عليه وسلَّم ب « فصوص الحكم » إشعار بأنّ ما انطوت عليه من ~~نقوش الحقائق إنّما هو من الخصائص الختميّة على ما لا يخفى على الفطن . # ثمّ إنّ ما يؤخذ به الكتب - أخذا يعتدّ به ويعوّل عليه - من الآلات والجوارح هو ~~السمع الذي فيه صور المعلومات ، كما أنّ ما يخرج به هو باقي الجوارح والأعضاء. # وأيضا : فإنّ المذكور هو قول الخاتم وأمره ، وفي مقابلة القول : السمع ، وفي ~~مقابلة الأمر : الطاعة . # فقال : ( فقلت : السمع والطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر منّا كما أمرنا ) إشارة ~~إليه . # ولا يخفى أنّ هذا الأمر وإن كان ظاهرا من خاتم النبوّة - صورته المثاليّة - ~~ولكنّه تحقيقا منه ومن الله ومن صاحب الزمان ، وهو يحتمل أن يكون الشيخ نفسه على ما ~~يؤمي إليه « منّا » . # ( فحقّقت الامنيّة ) أي جعلت امنيّة إظهار هذا الكتاب منه أو من الخاتم حقّا ، ~~بجعل الواقع مطابقا لها . ولمّا كان إصدار الجزئيّات وتسطير النقوش الدالَّة على ما ~~في الكتاب وإبرازها من مكامن القوّة والإمكان إلى مجالي الفعل والعيان إنّما يتمّ ~~بأمور ثلاثة - : # الأوّل تعقّلها ، وهو الهمّة ، # والثاني تخيّلها وهو القصد # والثالث انعقاد جمعيّة الجوارح وتوجّهها جملة نحو تحصيل المتخيّل وتصويره، وهو ~~النيّة. # إلى ذلك أشار بقوله : ( وأخلصت النيّة وجرّدت القصد والهمّة إلى إبراز هذا الكتاب ~~كما حدّه لي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، من غير زيادة ولا نقصان ) . # ولا يخفى أنّ تحقيق تلك الامنيّة وإبراز ذلك الكتاب من المكامن المعنويّة وسواد ~~بطونه إلى المظاهر الصوريّة الحرفيّة ، وبياض زبره وتسطيره - معصوما عن التغيير ~~والتبديل والزيادة والتقصير في طريق إبرازه ومكامن إخراجه من المدارك المعنويّة ~~الفكريّة والمشاعر الخياليّة المثاليّة ، والمخارج اللفظيّة الكلاميّة ، والصحائف ~~الرقميّة الكتابيّة . # ممّا لا يفي به قوّة البشر ، ولا يتيسّر ذلك لأحد من الكمّل فإنّها مثار السهو ~~والتحريف ، ومواقع الغلط والتصحيف على ما ورد في التنزيل " وَما أَرْسَلْنا من ~~قَبْلِكَ من رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ في ~~أُمْنِيَّتِه ِ " # اللهم إلَّا أن يكون خاتما قد أسلم شيطانه على يده . # ثمّ لمّا استشعر أن يقال ذلك ، ويتوهّم إنّ إخراج الكتاب على ذلك الحدّ ممّا لا ~~يمكن أن يتيقّن به ، دفع ذلك على طريقة الأدب في صيغة الدعاء والطلب قائلا أوّلا ~~على سبيل الإجمال وعموم الأحوال : (وسألت الله أن يجعلني في جميع أحوالي من عباده ~~الذين ليس للشيطان عليهم سلطان) . # وثاني على سبيل التفصيل وخصوص ما هو بصدده من التحقيق : - ( وأن يخصّني في جميع ~~ما يرقمه بناني ، وينطق به لساني ، وينطوي عليه جناني ، بالإلقاء السبّوحي ، والنفث ~~الروحي ، في الروع النفسي ، بالتأييد الاعتصامي ) . # فإنّ مداخل الشيطان ومواقع تشويشاته الانحرافيّة في ذلك الطريق ثلاثة مواطن : ~~أوّلها الجنان الذي يجد المعاني الذوقيّة والحقائق الكشفيّة عيانا ، ثمّ يلبسها ~~بالصور المثاليّة المتخيّلة ، وبها ينطوي عليها وثانيها اللسان الذي يكسوها لباس ~~الألفاظ والحروف وينطق بها وثالثها البنان الذي ينزلها في بنيان سواد المداد ، ~~ويرقم لها . # فلذلك سأل الله أن يخصّ : # الأوّل بالإلقاء السبّوحي ، # والثاني والثالث بالنفث الروحي في الروع النفسي. # على طريقة اللف والنشر إذ الروع - الذي هو القلب له طرفان : # أحدهما ما يلي الروح ، # والثاني ما يلي القوى النفسانيّة والجوارح الجسدانيّة . # التي بها يتمثّل الحروف الكلاميّه والرقوم الكتابيّة ، وفيها يتلبّس بصورها ، ~~والروع النفسي إشارة إليه . # فقوله : « بالتأييد الاعتصامي » إمّا متعلَّق ب « يخصّني » - على معنى الاستعانة ~~- أو حال ، أي متلبّسا به . # ثمّ إذا اعتصم في المواقع الثلاثة صحّ له رتبة الترجمان سالما عن مداخل الشيطان . # فقوله : ( حتّى أكون مترجما ، لا متحكَّما ) متعلَّق بـ " سألت " . # فلئن قيل : المترجم إنّما يقال على من يأخذ المعاني ؟ ؟ ؟ # من لغة غريبة ويؤدّيها بلغته لأهله ، وهو خلاف ما علم من كلامه أنّ الكتاب بجملته ~~إنّما أعطاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ؟ # قلنا : إنّ الرؤيا موطن التعبير ، فإنّ الأشياء إنّما يرى فيها بأمثلتها وأشباهها ~~، لا بصورها أنفسها ، فالكتاب في مبشّرته إنّما هو مثال جمعيّة علوم الأنبياء ~~ومعارفهم ، وصورة لباب أذواق الكمّل ومكاشفاتهم ، فأخذها من المعدن بصورتها التي ~~فيه ، وعبّر عنها بلسان أمم زمانه ، منزّها عن تدليسات الأغراض النفسيّة وتلبيسات ~~القوى الطبيعيّة . # رمز من ألواح الحروف وتلويحه # اعلم أنّ للحروف صورتين في تأدية المعاني : # إحداهما الكيفيّات الموجيّة اللاحقة للهواء بحسب تقطيعها في المخارج ، ويسمّى ذلك ~~كلاما . والأخرى الهيئات الرقميّة المتشخّصة بالأضواء بحسب تصويرها على الصحائف ~~بالأشكال اللائحة ، ويسمّى ذلك كتابا . # والأولى منهما من حيث برزخيّتها بين الثانية والمعاني وجامعيّتها ، تناسب طور ~~النبوّة وجامعيّتها للولاية كما أنّ الثانية لخفائها تناسب الولاية البحت . # فلذلك ما كان لخاتم النبوّة نحوها التفات أصلا، وعلم منه سرّ أخذ الكتاب منه ~~صلَّى الله عليه وسلَّم . # والذي يلوّح عليه تلويحا رقميّا أنّ الكاف صورة يا [ء] ي «يا عبادي» رقم # وعددا ( ك 20 ) والأوّل ياء النداء الدال على العبد ، والثاني على الحقّ ، فهو ~~الجامع بينهما ، وهو الكلّ . # ثمّ إنّ للمقطعات الكلاميّة - التي هي أصول الكلام ومادّته ترتيبا - : وهو «ا ل ~~م» وله صورة جمعيّة وحدانيّة ، وهو « ل » ، وهو صورة التنزيل على ما سبق ، فإذا ~~ظهرت الكاف بها صار « كلاما » . وللمقطعات الكتابيّة أيضا ترتيب ، وهو : «ا ب ت» ، ~~وهو الصورة الأولى التي لها قبل التنزيل كما لوّح إليه ، فإنّه الترتيب المجرّد عن ~~النسب العدديّة والامتزاجات التركيبيّة ، فإذا ظهرت الكاف بها صار «كتابا» ، وليس ~~لها صورة وحدانيّة جمعيّة وراء ما لها من التفرقة التي فيها تمام الجمعيّة . # تأمّل فيه فإنّه يعلم منه سرّ الوراثة أيض . # ثمّ إنّ سؤاله الإلقاء السبّوحي بالتأييد الاعتصامي ليكون مترجما ، لا متحكَّم ( ~~ليتحقّق من يقف عليه من أهل الله أصحاب القلوب ) ممن كان له قلب يتقلَّب مع تنوّعات ~~تقلَّبات الحقّ في تطوّرات أدواره . # واحترز بذلك عن أصحاب العقول ذوي العقود الاعتقاديّة التي لا تتحوّل تحوّل ~~الانشراح العلمي في مراقي كماله . # (إنّه من مقام التقديس المنزّه عن الأغراض النفسيّة التي يدخلها التلبيس ) وهي ~~الأغراض الدنيويّة التي لكلّ طائفة من الأمم ، قد لبّسوها بالصور المقبولة الموهمة ~~أنّها لوجه الله ، على ما هي مادّة محاسن التآليف ولطائف التصانيف ، فإنّها مملوّة ~~بالأغراض النفسيّة ، مشحونة بالتمويهات العكسيّة ، كتقشّفات المتسلسين وتشنيعاتهم ، ~~وتعصّبات المتكلمين وتزويقاتهم ، وتصلَّفات المتفلسفة وتشكيكاتهم ، وطامات ~~المتصوّفة وشطحياتهم وإن أمكن أن يتوهّم بعض من لا وقوف له من أرباب الأنظار ~~السخيفة هاهنا أنّ هذه الكلمات كلَّها من هذا القبيل ، لكن الكلام مع الكمّل ، ~~فإنّهم مرامي سهام لطائف الإشارات والتحقيقات ، وحيث بيّن الواقفين بقوله « من أهل ~~الله » نبّه على هذا الاستشعار . # ثمّ إنّه لمّا كان ممن اتحدت ألسنة مقاله وحاله بلسان استعداده الذي لم يتخلَّف ~~الاستجابة عن دعوته قطَّ ، نبّه على ذلك متأدّبا بقوله : ( وأرجو أن يكون الحقّ لما ~~سمع دعائي قد أجاب ندائي ، فما القي إلَّا ما يلقى إليّ ، ولا انزل في هذا المسطور ~~إلَّا ما ينزل به عليّ ) . # وإذ قد يوهم ما أشار إليه من أمر الإنزال عليه وإخراجه للناس بخصائص زمانه من ~~العلوم والحقائق : أنّه نبيّ امر بإخراج كتابه وإظهاره لدعوة الأمم في الدنيا ، قال ~~: ( ولست بنبيّ ولا رسول ، ولكنّي وارث ، ولآخرتي حارث ) دفعا لذلك الوهم . # وإذ قد فرغ من حكاية حاله بما يناسب الخطب من المقبولات المشوّقة للمسترشدين ، ~~والإقناعيّات المحرّضة للطالبين ، أراد أن ينبّه على ما لا بدّ لسالكي طريقه منه ~~إجمالا ، وهي أمور أربعة : # الأوّل إلقاء السمع للتوحيد الذاتي إجمالا . # والثاني الرجوع إلى الله بأقدام التوجّه والقصد والتبتّل إليه جملة . # والثالث تفصيل ذلك المجمل وشهود جمعه في المفصّل كشفا . # والرابع إرشاد الطالبين إليه امتنانا ، فإنّه من نفائس الكمالات التي في الخزانة ~~الختميّة مما لا يمكن أن يكون عند طلَّابها من نقود استعدادهم ما يوازيه ، فيكون من ~~محض الامتنان . # أخذ يخاطب الطلَّاب على ذلك بما يوافق عرفهم المألوف ووضعهم المطبوع من القرائن ~~الشعريّة والفقرات المنظومة ، امتثالا لما أمر به من إخراجه للناس بما ينتفعون به ، ~~فإنّ للنظم من المناسبة للحقائق الجمعيّة والدلالة عليها ما ليس للنثر . # قائلا : إذا كان جميع ما سطر هاهنا من المقولات منزّلا من عند الله : # فمن الله فاسمعو %~% وإلى الله فارجعوا # ) في متفرقات الصور الكونيّة الخلقيّة ، رجوع جمعيّة واطمئنان # (، وإذا ما سمعتم ما أتيت به ) # من حديث الجمعيّة - ( فعوا ) أي احفظوه في وعاء جامعيّة القلب مصونا عن أن يتطرّق ~~إليه شيء من شوائب الثنويّة والتفرقة . # ثمّ إنّ العقل بأفعاله الخاصّة به - من الفكر والفهم والنظر - وإن كان غير ~~متمكَّن من الوصول إلى تلك الجمعيّة ولا محتاجة إليه عند انتهاج الطالب ذلك المسلك ~~، لكن بعد الوصول إليها عند تكميل إجمالها بالتفصيل الحكمي وجمعه معها ، على ما هو ~~مقتضى تمام التوحيد الختمي - كما حقّق أمره في غير هذا المجال - يحتاج إلى أفعاله ~~المميّزة وقواه المفصّلة والمخصّصة ، فقوله : # (ثمّ بالفهم فصّلو %~% مجمل القول واجمعوا ) # إشارة إليه . ثمّ إنّ سريان حكم الأصل يقتضي - حسبما حكم قهرمان الوقت - أن يظهر ~~هذه الحقائق على مشاعر العيان ومشاهد الإعلان ، حسب الاقتدار والإمكان ، لذلك ختم ~~وصاياه للمخفين تلك الحقائق جريا على مقتضى الأزمنة السالفة بقوله : # (لا تضنّوا به على %~% طالبيه فتمنعوا ) # لعدم فهمهم لسان الوقت الدال على قصور استعدادهم عنه وفي بعض النسخ: # ثم منوا به على %~% طالبيه لا تمنعوا # على صيغة المعروف و فيه التحريض على الإظهار أكثر كما في الأول المنع عن الإخفاء ~~أكيد. # (هذه) الحقائق و الحكم هي . ( الرحمة التي %~% وسعنكنم فوسعوا ) # أي : وسعوها قلوب القوابل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الراحمون ~~يرحمهم الرحمن , أرحموا من في الأرض" . # أي من دونكم في الرتبة "يرحمكم من في السماء". أي من هو فوفكم فيها. # وذلك لأن الرحمة التي هي الوجود في عرفهم لها مرتبتان : # إحداما في الخارج , والثانية في الدهن وهو لم يبلغ مرتبة اليقين المسماه بالذوق و ~~الشهود . # لا يكون من الوجود في شيء , بل من الصور الكونية وظلاله المنسوبة إليه كما أومانا ~~إليه , وتوسعها عبارة عن الإمداد الطالبين بما يعدهم له. # و إذ قد تقرر من أصولهم أن تصدى لأمر الإرشاد و النهوض بلوازمه من أمر السالكين ~~بما يعدّهم في الطريق ، ونهيهم عمّا يعوقهم فيه - على ما علم في طيّ نظمه - إنّما ~~يتيسّر لمن استجمع له شرائط ذلك ظاهرا وباطنا . # فإنّه يتوقّف على تأييد باطنه أولا بوساطة شيخ مؤيّد من عند الله ، كذلك إلى أن ~~ينتهي إلى الخاتم وقبوله ذلك وصلاحيّته للوساطة ، وعلى تقييد ظاهره ثانيا بالشرع ~~المطهّر المحمّدي وتقيّده به وصلاحيّته لتقييد غيره من المنتسبين إليه ، فقوله : ( ~~ومن الله أرجو أن أكون ممّن ايّد فتأيّد وأيّد ، وقيّد بالشرع المطهّر المحمّدي ~~فتقيّد وقيّد ، وأن يحشرنا في زمرته ، كما جعلنا من امّته ) . # إشارة إلى استجماع تلك الشرائط فيه بلسان أدب الطريق، كما هو دأبه . # وإذ سيعلم أنّ ما انطوى عليه الفصّ الآدمي من الحكم إنّما هو أمر تمام دائرته ~~الكونيّة الوجوديّة ، وجامعيّة صورته العنصريّة الأصليّة وكمال سعته الإحاطيّة التي ~~تسع الكلّ - سعة التسعة في مرتبة الآحاد من الأعداد وكمال جامعيّتها وتمام إحاطتها ~~وأصالتها . # كما أنّ المشتمل عليه غيره إنّما هو بيان مدارج جزئيّاته المتولَّدة منه ومن زوجه ~~- تولَّد باقي المراتب من الصور التسع وصفرها - وإبانة مراتب أذواقهم وبيّنات ~~أوضاعهم الكاشفة عن مواطن شهودهم ومبالغ عرفانهم وعلومهم ، من مبتدأ أمر الإظهار ~~إلى منتهى تمام المراد وختمه ، كما ستطلع على تحقيقه - صدّره على الكلّ مشتملا على ~~الفهرست # وقال : ( فأوّل ما ألقاه المالك على العبد من ذلك ). # تبيينا لما مهّده آنفا من عدم تعمّله وتحكَّمه في إظهار هذا الكتاب، وأنّه مأمور ~~مجبور في ذلك ، جبر العبيد بين يدي الملاك ، وتحت أمرهم . # على أنّ « المالك » من الأسماء له مزيد اختصاص ب « الكلام » - الذي هو الملقى ~~إليه - من حيث التوافق في العدد والمواد والهيئة الصوريّة الداخلة فيها سوى الوضع ~~الخارجي منه فقط . # أيضا الدال في « العبد » لبروزه في عينه يستأهل أن يفيض عليه من مالكه الكامل كلّ ~~المراتب بكمالها ، وجوديّة كانت أو شهوديّة ، فيكون المراد بالعبد مطلق العبد ~~الكامل ، أعني الخاتم وورثته . # وأيضا فإنّ أوّل ما القي « ألم » التي هي مالك أزمة الفرقان والقرآن على ما لوّح ~~عليه من (ذلِكَ الْكِتابُ ) ، هو هذا ، لكن إنّما يجد هذا المعنى من له ذوق استشعار ~~الحقائق العليّة من الألواح الحرفيّة ، مقدسا عن التعمّلات الجعليّة الوضعيّة . ~~وملخّص هذا الكلام بما يقرب الأفهام : أنّ أوّل ما يظهر على الدال الباين العين من ~~الكلام الكامل : # . ### | فص حكمة إلهية في كلمة آدمية ### | 01 - فصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين ~~علي ابن محمد التركة ### || شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم ~~الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # فصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة # معنى الفصّ ووجه تسمية أبواب الكتاب به # اعلم أنّ الحقائق الكشفيّة والمعارف الحقيقيّة - التي هي مدلولات الألفاظ بالذات ~~- إذا أريد دلالتها عليها بحسب مفهوماتها الوضعيّة ومعانيها اللغويّة والعرفيّة ~~تنزّلا إلى مدارك الأفهام ، لا يتصوّر ذلك إلَّا بضرب من التمثيل ونوع توسّل إلى ~~وجوه المناسبات بين المعاني المتداولة العاميّة وبين تلك الحقائق ، ضرورة سعة دائرة ~~المعاني وضيق مجال تلك المدلولات الجعليّة . # ثمّ إنّ « الفصّ » له وجوه من الخصوصيّات والنسب التمثيليّة بها يستكشف ما قصد ~~منه من المعارف ، ومنها يستنبط ما أراد به من دقائق الحقائق : # منها أنّه قد انطوى على قوسي الخاتم ، واشتمل على أحديّة جمع دائرته . # ومنها أنّه الخاتم بما انطبع فيه من الصور المعرب عن كليّتها . # ومنها أنّه تابع لقالبه من الخاتم في المربعيّه والمثلثيّة والمدوّريّة وغيرها ، ~~ومستتبع لما يرد عليه ويحويه . # ولمّا كان قلب الإنسان الكامل له الانطواء على قوسي الوجوب والإمكان وله الانطباق ~~على أحديّة جمع خاتم الكمال بضلعي الوجود والشهود ، كما أنّ له أن يعرب عمّا فيه من ~~صور الحقائق ، وينبئ عن أحديّة جمعيّتها ، وكذلك له صورة تابعة لمزاج الشخص ، كما ~~أنّ له أن يستتبع تجلَّي الحقّ ويصوّره بصورته . # على ما نصّ عليه الشيخ في الفصّ الشعيبي : « إنّ القلب من العارف والإنسان الكامل ~~بمنزلة محلّ الخاتم » في تصوير التجلَّي بصورته - وسّم الفصل المعرب عمّا اختصّ به ~~كلّ من الكمّل وتحقّق به قلبه من صورة تجلَّى الحقّ فيه ب « الفصّ » تنبيها على ذلك ~~كلَّه . # و «الحكمة» عبارة عن حقائق كلّ ما تضمّنه التجلَّي المذكور ، من الحيثيّة ~~الكماليّة الظاهرة بحسب الاسم المناسب للمتجلَّى له ، المعبّر عنه ب «الكلمة» ، ~~وفصّها هو أحديّة جمع تلك الحقائق ، وفوقيّة صورتها التماميّة الختميّة . # التي بها يتشخّص ويصير واحدا ، فهو عين الكلمة ووجهها الوجودي الظاهر هي به إلى ~~الأبد ، فإنّ لها الوجه الكوني المعدوم به من الأزل ، فالظرف مستقرّ على أنّه حال ~~أو صفة . # وبيان المناسبة بين الاسم والكلمة هو أنّ مبدأ هذا الاسم وخصوصيّته إنّما هو ~~أحديّة جمع خصوصيّات الأسماء ، كما أنّ تعيّن الكلمة هو أحديّة جمع تعيّنات الأعيان ~~، ومن ثمّة ترى صاحب المحبوب قد لوّح عليه بأنّ الكلمة هذه إنّما ركَّبت من ألف ~~الابتداء وميم المنتهى ودال الامتداد بين الابتداء ومنتهاه . # عقد من العقود : # مناسبة اسم الفصّ وكلمته مع التسعة اعلم أنّ التسعة المشتركة بين الاسم والكلمة ~~لها الإحاطة الإطلاقيّة بما فيها من السعة التي تسع كلّ المراتب ، ولا تسعها مرتبة ~~، إلَّا أنّ الاسم لما له من المبدئيّة والبطون قد تقوّم فيه التسعة بالإفراد من ~~الخمسة وما انطوت عليه منها ، تلويحا إلى أنّه صورة بسط الخمسة إفرادا ، وفي امّ ~~الكتاب ما يطلعك عليه إن طالعته بإمعان . # والكلمة بما فيها من الجامعيّة مع توغَّلها في ظرف الظهور تقوم فيها التسعة ~~بالزوجين وفرد واحد ، إذ الفرد له طرف البطون ، كما أنّ الزوج له الظهور ،لقوله ~~تعالى : "خَلَقْناكُمْ أَزْواجاً". # وأيضا الكلمة قد ظهرت بما غلب فيه حكم المرتبة الكونية ، بخلاف الاسم ، فإن ما ~~غلب عليه ذلك الحكم قد تبطَّن فيه . # وممّا يؤيّد هذا أنّ الكلمة زاد على الاسم عند التفصيل بهذا العدد ( 45 9 36 ) ~~فهي الظاهرة عليه به . # هذا إذا حوسبا كتابا ، فأمّا إذا حوسبا كلاما ، فالمشترك فيه حينئذ هو العشرة ~~الكاملة ، التي هي الواحد الجامع الظاهر بصورة وحدته الزوجيّة ، وهاهنا سرّ يطلع ~~منه على أصول من الحكم فليتدبّر . # تلويح من ألواح الرقوم : # الألف في اسم الفص وكلمته إنّ الألف قد تنزّل في الاسم والكلمة من صرافة إطلاقه ~~واستقامة خطيّته ، تدرجا في اعوجاجه وتقوّسه إلى أن يتمّ الدائرة بكمالها ، ولكن ~~ذلك في الكلمة أتمّ وأظهر على ما لا يخفى . # والذي يدلّ على أوّليّة هذا الفصّ وتقدّمه بالطبع من الحقائق الحكميّة ما سبق ~~تحقيقه آنفا من أنّ غير هذا الفصّ إنّما هو بيان مدارج بني آدم ، أعني بعض جزئيّات ~~ما عقد الفصّ هذا على كشفه ، ممّا يتوقّف عليه . # وأمّا من الدقائق التلويحيّة فهو أنّ «الإله» في الكلام هو الأول عددا كما أنّ ~~«الألف» الذي هو الأول في الكتاب رقما إنّما ظهرت صورته وفصّلت آياته الفرقانيّة ~~والقرآنيّة في «آدم» عندما لوحظ بيّناته الكاشفة ، كما يلوح لك في هذه الأرقام ، مع ~~دقائق جليلة لو تدبّرت فيها بعض التدبّر - 191 ل ف ل ي م # ثمّ ليعلم أنّ الأمر الإلهي له مدرجتان في التنزّل : # أحدهما ذاتي بلا واسطة يتوجّه إلى تحقّق الأعيان أنفسها . # والآخر بالواسطة إنّما يتوجّه إلى أحكام أفعال الأعيان ولوازمها . # والحاصل من الأوّل هو الشيء ، فهو المشيّة , ومن الثاني الشرع ، فهو التشريع . # والأوّل لعظم شأنه وقوّة سلطانه كما صرح به الشيخ حاكيا عن أبي طالب : «أنّه ~~جعلها عرش الذات» لا يخالف بخلاف الثاني . # فلذلك نسبها إلى الحقّ قائلا : ( لما شاء الحقّ ) ضرورة أنّ المتوجّه لتحقّق ~~الأشياء ليس إلَّا الذات باعتباره ثمّ إنّ حضرة الأسماء لما كانت موطن النسب ~~المستتبعة لكمالها المسمّى ب «الحسن» الذي هو من الصفات اللازمة لها. # قال : ( من حيث أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء ) فإنّها من حيث كلَّيات ~~مراتبها وأجناسها القابلة للإحصاء لا يمكن أن يتوجّه نحو الغاية المطلوبة ها هنا . # فإنّها إنّما تتحقّق بعد تنزّلها في المواد الهيولانيّة وتشخّصها بالصور والأعراض ~~الكائنة الجسمانيّة التي لا نهاية لكلّ منها فالأسماء إذن من هذه الحيثيّة لا بدّ ~~وأن تكون غير قابلة للإحصاء عدّا ، كما أنّ الذات في كنه بطونها غير قابلة له حدّا ~~، فهي صورة مثليّتها في مرآة التقابل . # وإظهار الأوّل يناسب منصب النبوّة ويفصح عنه كلامها ، كما أنّ الثاني يوافق طور ~~الولاية ويؤدّيه كتابها . # تلويح من العقود : # الحاء والقاف في لفظ الحق «الحقّ» حرفان : أحدهم له الوحدة الجمعيّة بها يناسب ~~الذات ويدلّ عليها ، والآخر له الكثرة الكماليّة والسعة الأسمائيّة ولذلك ترى ~~الحضرة الختميّة اختار ذلك العقد عند التعبير عن إحصاء الأسماء في المرتبتين ~~الأوليين مشيرا إلى المرتبة الثالثة بما ينبئ عن الجهة الاتحاديّة العينيّة التي ~~للأسماء في هذه المرتبة ، على ما هو مدلول الحرف الآخر باعتبار مسمّاه . # وأمّا باقي اسمه فهو صورة دور التسعة وهيئة جمعيّتها الوحدانيّة ، وهي مؤدى الحرف ~~الأوّل اسما. # وأمّا مؤداه مسمّى فهو أنهى مراتب الزوج الذي هو طرف الظهور، الذي هو مقتضى ~~الأسماء، وإنّما أشير إلى هذه المراتب لأنّ الأسماء منها ما هو في: # المرتبة الأولى الذاتيّة ومنها ما هو في # المرتبة الثانية الصفاتيّة ومنها ما هو في # المرتبة الثالثة الفعليّة . # وهذه هي التي لها الجهة الاتحاديّة وعدم الإحصاء، وهي مؤدى الحرف الدالّ على ~~الذات منهما، فلا تغفل عن دقائق الإشارات والتلويحات. # ثمّ إنّ غاية هذه المشيّة ومنتهى إرادة الحقّ فيها من حيث تلك الأسماء ( أن يرى ~~أعيانها وإن شئت قلت : أن يرى عينه ) # فلئن قيل : « متعلَّق المشيّة على ما سبق من البيان إنّما هو التحقّق نفسه ، لا ~~الرؤية » ؟ # قلنا : إنّ رؤية العين في الكون إنّما هي في أنهى مراتب التحقّق وأقاصى دركاته ~~الكونيّة ، فلا تتحقّق إلَّا بالمشيّة ، على أنّ الرؤية نفسها من المتحقّقات أيضا ، ~~وإن كانت تابعة لمتحقّق آخر فيه . # ثمّ إنّ في تنويع العبارة هاهنا وتسوية أدائهما للمقصود بيانا لما يتبادر إلى ~~الأفهام من لزوم التغاير والتقابل بين الرائي والمرئي ، أنّه بمجرّد الاعتبار فقط ، ~~ولا تغاير بالذات ها هنا. وإشارة إلى الجهة الاتحاديّة المنبّه عليها في أسماء ~~الإحصاء من الكلام النبوي ، بقوله: « تسعة وتسعين اسما ، مائة إلَّا واحدة » . # إذ بها ينوط اسميّة الاسم ، وتنبيها إلى صافيّ منحل الحيّ الختميّ وخالص توحيدهم ~~، حيث أنّ محوضة الوحدة الإطلاقيّة لديهم ليس ليست مما يشوب به شيء من ضروب ~~الإضافات وصنوف التقابلات ، حتّى تقابلة الكثرة وتعاندها . # وهاهنا لطيفة قد احتوى عليها بديع مسلكه هذا ، من باب الإشارات الخفيّة العالية ~~عن المدارك المعتورة بين أرباب الرسوم ، وهي أنّ المشيّة التي هي مبدأ أمر الظهور ~~والإظهار بعد رؤية الحقّ من حيث أسمائه الحسنى أعيانها تصلح أن تستند إلى المخاطب ~~ضرورة أنّ الرؤية المذكورة مستتبعة للاتحاد . # ومستلزمة لطيّ بساط التقابل والتكثّر على ما عرفت وحينئذ تصير مصدرا للقول الفصل ~~، والكلام الكامل ، وبه تتعلَّق الرؤية المذكورة إلى عين الحقّ ، ويرتفع تقابل حكم ~~الرائي والمرئي ، إلَّا اعتبار محضا - على ما ستطلع عليه . # وكثيرا ما يجد الفطن عندما تأنّس فهمه بإدراك الإشارات الخفيّة ، وفتح عليه أبواب ~~اللطائف المرموزة في الكلام المنزل الختمي ، اعتبار هذا المسلك ، كقوله تعالى : " ~~ثُمَّ سَوَّاه ُ وَنَفَخَ فِيه ِ من رُوحِه ِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ ~~وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَةَ ". # شرح بعض الاصطلاحات # واعلم أنّ الحروف العاليات إذا نزلت في سطور مراتب الوجود إلى حيث يتميّز سواد ~~تلك الحروف عن بياضها يسمّى بـ " العين " لاستحصالها بـ " كن " . # هذا إذا اعتبرت خصوصيّة كلّ منها منفردة ، أمّا إذا اعتبرت مجموعة بأحديّة ~~جمعيّتها الكماليّة ، يسمّى ب « العالم » وصورة تماميّته حيث يكون الحرف مستقلا ~~بنفسه في الظهور . # فإنّ المراتب منها ما ليس لتلك الحروف فيها سوى نسب معنويّة كليّة راجعة إلى ~~حقيقة واحدة ، تسمّى بذلك الاعتبار «اسما» كما أنّه يسمّى ب «الحضرة الواحديّة» ، ~~ومنها ما انفصلت عنه واستقلَّت بالاعتبار وإن تبعته بالوجود ، ويسمّى ب «الأعيان ~~الثابتة» ، كما أنّه يسمّى ب «الحضرة العلميّة» ، ومنها ما استقلت تلك الحروف فيه ~~بالوجود مستتبعة إيّاه ، وحينئذ يسمّى ب « العين » مطلقا ، كما أنّه يسمّى ب ~~"العالم" . # وفيه تلويح يكشف عن مراتب العوالم بترتيبه ، والكون الجامع لها بعينه ، وغير ذلك ~~. # ثمّ إنّ العين تتدرج في ذلك الاستقلال بحسب تلك المراتب إلى أن تنتهي إلى كثائف ~~وضعيّة هيولانيّة ، يمكن أن تتعاكس أشعّة شمس الحقيقة من تلك الكثائف المسمّاة ب « ~~الكون » إلى المشاعر الحسّية المعبّر عن أتمّ أنواعها ب « الرؤية » مسترجعة في ذلك ~~من الكثائف الحاجبة إلى اللطائف الكاشفة ، متدرّجة إلى أن تنتهي إلى الحقيقة ~~القلبيّة ، التي تسع الوحدة الحقيقيّة بإطلاقها ، وتتمّ على عرش شعورها الدائرة ~~بقوسيها . # ولذلك جعل الرؤية غاية للمشيّة ، إذ بها يعرج السافر السائر نحو المقصد الأقصى من ~~غور دركات الحجب الغيريّة ، إلى نجد درجات الحقائق الوجوديّة الاتحاديّة . # وبنقطة النطق ينطبق قوس البطون على الظهور ، وبها يصير دائرة كاملة ، على ما حقّق ~~أمره في المقدّمة . # رؤية الحقّ نفسه في كون جامع # فتلك الرؤية إنّما تتصوّر ( في كون جامع يحصر الأمر) وذلك لأنّ الكون إذا اتّصف ~~بالوجود وظهر به ، تحصّل منه هويّة جامعة بين الأوّل والآخر والظاهر والباطن كما لا ~~يخفى وهو على ما نبّهت عليه في المقدّمة عند الفحص عن مبدأ منع الشركة يقتضي حصر ~~الأمر . # وذلك لأنّ الأمر لغة يطلق على ما يعمّ الأفعال والأقوال. # وتحقيقا على أوّل ممتد إلى الآخر مرتبط به ، وهو إنّما يصدق على كل ظاهر منبئ عن ~~الباطن كالأفعال الإدراكيّة التي للقوى من الإشارات الخفيّة والكلمات الجليّة . # ويلوّح على ذلك ظهور راء « الصورة » فيه ببيّنات لام « الكلام » الكاشفة عن كنه ~~المرام . # ومن ثمّة ترى الهويّة المذكورة قد استتبعت العلم بكلّ شيء ، على ما هو مؤدّى ~~الآية الكريمة ، وبيّن أنّ ظهور ذلك الأمر إنّما يتصوّر من الصورة الاعتداليّة ~~القلبيّة ، التي لا يماثلها شيء. # فإنّك قد عرفت فيما سلف لك أنّ الأكوان على اختلاف أنواعها وتكثّر شجونها إنّما ~~تصلح لأن تكون مصدرا للتعاكس المذكور ، ومظهرا لعرش الشعور ، ما استحصل منها صورة ~~اتحاديّة ومزاج اعتداليّ يمكن أن تتكوّن فيه الحقيقة القلبيّة ، التي بها أصبح مجمع ~~بحري الإلهي والكياني حاصرا لتنوّعات تموّجاته بأنواعها وأشخاصها ، لكون الكون ~~المذكور بانطوائه على تلك الحقيقة متّصفا بالوجود الواحد الحقيقي ، ظاهرا به ومظهرا ~~هو إيّاه بتفاصيل تنوّعاته كلَّها بكمالها ، منصبغة بسرّه الخاصّ به . # فعلى هذا قوله : ( لكونه متّصفا بالوجود ) علَّة للحصر ، ويمكن أن يجعل علة لرؤية ~~الحقّ عينه في الكون المذكور ، فإنّ ذلك لا يتصوّر إلَّا فيما يتّصف بالوجود ويستقل ~~به ، ضرورة أنّ العين لا يدرك ولا يرى إلَّا بالعين . # وكذلك قوله : ( ويظهر به سرّه إليه ) يمكن أن يجعل عطفا على « يحصر » وعلى « يرى ~~» والثاني منهما يناسب ثاني التقديرين ، ويؤيّده نسخة « الوجوه » ، والأوّل أوّلهما ~~، أي يظهر بالكون الجامع سرّ الحقّ له وهو سرّ الكون وخصوصيّته فهو صفته الكاشفة له ~~عن صورته ، كما أنّ الأولى كاشفة عن مادّته . # هذا على أوّل الاحتمالين ، وأمّا على الثاني ، فالوجه فيه أن يحمل ما يظهر بالكون ~~على الكلام الكامل الذي يكشف عن سرّه وكنه ما هو عليه ، جمعا بين المشعرين الشريفين ~~في الغاية المذكورة ، وفق ما أفصح عنه التنزيل القرآني الختمي " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ ~~شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ". " أَبْصِرْ به وَأَسْمِعْ ". # سرّ الإعطاء بصورة الكتاب # ثمّ إنّك قد عرفت أنّ للكتاب المبصر اختصاصا بطرف الولاية ، كما أنّ للكلام ~~المسموع بطرف النبوّة ، فلذلك عند الإفصاح بغاية المشيّة صرح بالأوّل وأبهم في ~~الثاني وفاء بما هو مقتضى منصبه ، ومن هاهنا تراه قد ظهر له هذا الفيض المذكور من ~~الخاتم في مبشّرته مرئيّا بصورة الكتاب في يده ، وما ظهر مسموعا بصورة الكلام في ~~فمه . # الوحدة والكثرة # وها هنا تلويح لا بدّ من التنبيه عليه : وذلك أنّه كأنّك قد نبّهت أنّ الوحدة ~~الحقيقيّة من حيث هي هي إنّما تظهر في الكثرة بحسب غلبة أحكامها ، وبيّن أنّ نهاية ~~أمر الكثرة وغاية سلطان التفرقة في الاثنين ما لم يحصل لهما ثالث يجمعهما بالنسبة ~~الامتزاجيّة التي بينهما ، وما سوى الاثنتين من المراتب لا يخلو عن تلك النسبة أصل ~~. # ثمّ إنّه من تفطَّن لهذا الأصل لا يخفى عليه وجه اشتمال عباراته هاهنا على ~~الوجهين المتقابلين ، وكذلك انطواء الآية الكريمة المفصحة عن التوحيد حقّه على ~~المتقابلين مرّة بعد أخرى . # وما من آية دالة ولا كلمة كاشفة عن التوحيد إلَّا وفيها وجه من وجوه الكثرة ، ~~وكلَّما كان ذلك الوجه فيها أكمل وأتمّ ، كان دلالتها عليه أظهر ، فلا تغفل عن وجه ~~ما نحن فيه من احتمال كلامه للوجهين. # ثمّ أنّ ظهور السرّ وإن كان بالأخرة للحقّ ، لكن أوّل ما يظهر إنّما هو للعبد ~~الكائن بحسب تقرّبه إليه بقرب النوافل والفرائض ، ولا يبعد أن يكون استعمال الظهور ~~هاهنا ب « إلى » إيماء إليه . # نكتة حكميّة : الكون الجامع حاصر للأمر إذ قد تبيّن أنّ من الخواصّ اللازمة ~~البيّنة للهويّة المطلقة جمعيّة الأضداد . # وتعانق الأطراف حسبما عرفت فالذي يصلح لأن يظهر به عينها لا بدّ وأن يكون له صورة ~~من تلك الجمعيّة، أشار إلى ذلك بأن الكون الجامع حاصر للأمر الذي لا يبلغه الإحصاء، ~~فهو الجامع بين الإحصاء وعدمه، وهذا من صور سرّه الذي يظهر به . # ثمّ إذ قد احتاج أمر ظهور السرّ المذكور بالكون الجامع لما فيه من الإجمال لفظا ~~والخفاء معنى إلى زيادة من البيان والتوضيح ، صوّره في صورة التمثيل ببيان يندفع به ~~ما يمكن أن يورد ها هن وهو : # «إنّ الحقّ في التجلَّي الأوّل شاهد لعينه وجميع أسمائه ومراتبه بنفسه ، فلا ~~يحتاج في رؤيته ذلك إلى الغير ، وبعد تسليم ذلك ، فإنّ في القلم الأعلى والعقل ~~الأوّل من الجمعيّة والإظهار ما يغنيه عن الكون الجامع» ؟ # رؤية الشيء نفسه ليس مثل رؤيته في المرآة # بقوله : (فإنّ رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له ~~كالمرآة) وتلخيص ذلك أنّ الرؤية التي هي غاية المشيّة والأمر الإيجادي إنّما هي ~~الرؤية الخاصّة التي عند تعاكس صورة الرائي من القابل المقابل النازل منزلة المرآة ~~له (فإنّه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه ،مما لم يكن يظهر له من ~~غير وجود هذا المحل ، ولا تجلية له) ، وذلك أنّ للمرآة خصوصيّات زائدة على صورة ~~الرائي من حيث هي هي ، مختفية عنه بدونها ، فهي سرّه الذي يظهر بها ، وذلك مما لم ~~يمكن أن يظهر له بدون وجود محلّ هو بمنزلة المادّة لهذا الأمر ،وتجلَّيه له هو ~~بمنزلة الصورة. # فالأوّل هو العالم كلَّه ، و الثاني هو آدم نفسه ، فاندفع حينئذ ما ذكر . # أمّا الأوّل فظاهر ، لعدم المغايرة هناك . # وأمّا الثاني فلأنّ القلم لكونه صورة العلم الإجمالي - المكنى عنه ب «نون» يجب ~~مطابقته للعلم التابع للمعلوم ، فالصورة التي فيه ليست ممّا لم يكن بدونه يعطيها ، ~~فإنّ سلطنة الإعطاء مختصّة بأصل القابل وصميم هيولاه ، فلا يكون له منزلة المرآة ~~ذات الخصوصيّات والأسرار - على ما ستطَّلع عليها . # وهاهنا تلويح حكميّ وآخر رقميّ # أمّا الأوّل : فهو أنّ الوحدة الحقيقيّة على ما عرفت غير مرّة آبية عن ثنويّة ~~التقابل ، فكلَّما كانت جهات الكثرة في مظهرها أشمل ، كان ظهورها فيه أتمّ ، ووجهها ~~فيه أجمع . # وأمّا الثاني فهو أنّ صورة الجمع بين طرفي الإجمال من النون وتفصيله ، هي النقطة ~~، كما أنّ القلم هو الألف ، وهذا يناسب ثاني الاحتمالين . # فقوله : « ولا تجلية له » تفعلة على هذا التقدير ، ويمكن أن يقرء : « تجليه » ~~بالإضافة إلى فاعله ، والأول أوفق لسياق الكلام على ما لا يخفى . # بدء إيجاد العالم # وقوله : ( وقد كان الحقّ أوجد العالم كلَّه ) جملة حاليّة ، لا اعتراضيّة فإنها ~~مبيّنة لأمر الكون المذكور بأنّه موجود بمادّته ، فلا بدّ مما يجعله بالفعل ، وهي ~~الصورة ، وهو أوّل الأمرين الموقوف عليهما ظهور السرّ . # والتعبير عنه بالماضي إشارة إلى ما للمادّة من التقدّم الذاتي ، وأنّ الفاعل عند ~~تحصيل هذه الغاية الكماليّة وإظهارها مشغول عن جعل المادّة وإيجادها إلى تصويرها ~~بالفعل ، فلذلك ما نسب الإيجاد بإطلاقه إلى العالم بل خصّصه و من ها هنا اختصّ ~~مباشرة اليد بآدم في قوله : "خمّرت طينة آدم بيدي" . # ثمّ إنّه كما أنّ لآدم كمالا بحسب الإظهار وله منزلة التجلية للمرآة ، له الكمال ~~بحسب الظهور أيضا ، وله منزلة الروح في الشبح . # فقوله : ( وجود شبح مسوّى لا روح فيه ) إشارة إلى الثاني "آدم". # وقوله : ( فكان كمرآة غير مجلوّة ) إلى الأوّل "العالم كله" تطبيقا لصورة مسألته ~~بالمثال مادّة وصورة . # ثمّ لمّا بيّن وجود المادّة وتقدّمها الذاتي موميا إلى أنّها من حيث هو قابل فارغ ~~عنه الفاعل ، غير محتاج هو إليه كما ستطلع على تحقيقه أشار إلى بيان نسبة الإيجاد ~~من الفاعل ، والقبول من القابل بحيث ينطبق على ما ذهب إليه من التوحيد الذاتي ، ~~ويوافق ما أشار إليه في صدر الفصّ من تسوية العبارتين في مادة الشبح المسوّى ، ~~الغالب عليه قهرمان الكثرة . # وهو أنّ من مقتضى الأمر الإيجادي (ومن شأن الحكم الإلهي أنّه ما سوّى) (محلَّا) ~~أي ما عدّل مزاج (إلَّا ولا بدّ أن يقبل روحا إلهيّا ، عبّر عنه) في العبارة ~~النبويّة المرسل به ( بالنفخ فيه ) أي خروج نوعيّته الكماليّة من القوّة إلى الفعل ~~. # وهو المعبّر عنه في لسان البرهان العقلي بالاستعداد المستجمع لتمام شرائط الخروج ~~المذكور ، فهو آخر مراتب القابليّة وأنهى درجات القوّة ، المتّصلة بالفعل اتّصالا ~~اتحاديّا لا مجال للتغاير والتفرقة فيه أصلا على ما ستطلع على بيانه . # والحاصل أنّ الإيجاد من الفاعل هو الذي عبّر عنه لسان السنّة بالنفخ منه في ~~القابل ( وما هو إلَّا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسوّاة لقبول الفيض ) قبولا ~~ل ينفكّ عن التسوية ، ويلزمها لزومه للفيض الذي هو عبارة عن ( التجلي الدائم الذي ~~لم يزل ) فيضان الرحمة والجود منه في أوّل الأزل من الآزال ، ( ولا يزال ) كذلك إلى ~~آخر الأبد من الآباد ، فإنّ الزمان بمعزل عن ترتّب الفيض على القبول ، كما هو ~~المتبادر لأوهام العامّة . # وبيان الفيض بالتجلَّى إشارة إلى الكمالين على طبق ما في المثال المذكور، وكذلك ~~قوله: « لم يزل ولا يزال » فإنّ الأزل صورة مبدئية الكمال الظهوري من الزمان ، كما ~~أنّ الأبد صورة معادية الكمال الإظهاري منه . # وبيان هذه القضيّة وتحقيق هويّتها التي يتوقّف فيها أكثر الأفهام أنّ النفخ في ~~الظاهر عبارة عن إخراج الهواء البخاريّ من الباطن على كيفيّة معيّنة وصورة مخصوصة ~~مستحصلة من القوى الفاعلة والهيئات المنفعلة . # وبيّن أنّه إذا سئل عن الحد الجامع بين تلك الأجزاء التي من شتات المقولات ب «ما ~~هو» لا يصلح للجواب إلَّا حصول الاستعداد من الصورة المسوّاة لقبول الفيض . # الذي هو خروج الوحدة الوجوديّة من الباطن ، فإنّه لا جامع أتمّ من ذلك ، وهو ~~الدالّ على مبادي كلّ ماله دخل في تلك الهويّة الجمعيّة ، فإنّ الصورة المسوّاة قد ~~جمعت من صنوف الكثرة السينيّة ما تمّ به النسبة الكماليّة الوجهيّة غير عائزة إلى ~~الخارج عنه . # وتحقيق هذا الأصل : أنّ تسوية المحلّ وتعديل المزاج عبارة عن تصحيح أمر النسبة ~~الكماليّة والهيئة الاعتداليّة في الكثير الذي هو المحل بحيث يترتّب عليه الخصائص ~~الفاضلة والأوصاف الوجوديّة . # وذلك هو الوحدة الجمعيّة التي هي مبدأ الآثار الوجوديّة ومصدر الشعور والإشعار ، ~~وهي المعبّر عنها بالروح الإلهي ، وبيّن أنّ تصحيح أمر النسبة في الكثير من حيث هو ~~كثير إنّما يتوقّف على إبانة تمام النسبة الاعتداليّة الأصليّة . # وتعيين موضوعات كلّ منها بما يليق به ويستحقّه من الكميّات المقداريّة والكيفيّات ~~الامتزاجيّة ، فإذا عدّلت الموضوعات بكمّياتها وظهرت الكيفيّات الامتزاجيّة بكمالها ~~فقد قبلت الروح للخروج من الباطن ، وهو المعبّر عنه بالنفخ فيه . # وتمام تحقيق هذا الكلام وبيان لمّيته يحتاج إلى علوم عزيزة ومقدّمات غريبة عن ~~أكثر الطباع والأذهان ، قد بيّن شيء من أصولها في المفاحص فلنكتف منه ها هنا بتلويح ~~. # وهو أنّه وإن كانت الستة هي الفاتحة لأمر تمام النسبة الاعتداليّة الفاضلة ولكن ~~ما لم يظهر في العشرات المشعرة بتفاصيل الأحكام لم يتحقّق الإبانة المذكورة ، ولم ~~يعلم ما لكلّ من موضوعات تلك النسب بخصوصه ، وفي تعبيره عن المراتب الثلاث بما عبّر ~~أعني : سوّى ، ويقبل ، ونفخ ما يطلعك على هذا التلويح. # ثمّ إنّه كما عرفت هذه الدقائق فلا تغفل عن أصل التقريب ومقصوده الأوّل من هذا ~~الكلام وتدبّر في بيانه هذا كيف نظَّم أصول فنون التفرقة أعني الفاعل ، والقابل ، ~~وما بينهما من النسبة والزمان في سلك الجمعيّة والوحدة الذاتيّة التي أشار إليها في ~~مطلع كلامه بتسوية العبارتين . # وذلك لأنّه إذا تقرّر أنّ الإيجاد من الفاعل هو عين تام قابليّة القابل ( فما بقي ~~) حينئذ في حيّز المغايرة ومطمورة السوي ( إلا قابل ) فقط ، ( والقابل لا يكون ) ~~ولا يحصل على أصولهم المؤسسة ( إلَّا من فيضه الأقدس ) ، أي أقدس عن أن يكون الفيض ~~مغايرا للمفيض ، كما في الفيض المقدّس وما يتنزّل عنه ، وذلك في التعيّن الأوّل على ~~ما اطَّلعت عليه . # لا يقال : إنّما يتصوّر القابل حيث يعتبر الفاعل وفعله ،وهذه الحضرة ليس الفعل ~~منها في شيء؟ # لأنّ المراد تحقيق ذات القابل من حيث هي هي ومبدأ ظهورها مطلقا قبل ظهور ثنويّة ~~المتقابلين ، ومن أراد زيادة استبصار وتمام استيضاح لهذا المعنى فعليه بالتدبّر في ~~معاني الإمكان المقول عليها في عرف الميزان . # هو الأول والآخر # (فالأمر كلَّه منه ، ابتداؤه وانتهاؤه ، وإليه يرجع الأمر كلَّه كما ابتدأ منه) ~~هذا القول منه إفصاح بالمقصود الأوّل بما يدلّ على ذلك بتفصيل لطيف ، حيث عبّر عنه ~~بكلّ من الأمرين المشار بهما إلى قوسي النزول والرجوع ، المنبّه فيهما بطرفيهما ، ~~تحقيقا للتوحيد الذاتي ، على ما هو المستفاد من جوامع الكلم الختميّة من الجمع بين ~~الأوّل والآخر ، وإبانة أحدهما في عين الآخر ، كما قد اطَّلعت عليه . # وبيّن أنّ الغالب على قوس النزول منهما هو الإجمال، فإنّ انتظام المراتب فيه ~~إنّما ابتنى على ظهور الوحدة وغلبة سلطانها على الكثير، متدرجا في أطوارها، إلى أن ~~يتمّ أمرها. # كما أن الغالب على قوس الرجوع التفصيل، إذ نظام المراتب فيه إنّما هو على اتّساق ~~ظهور الكثرة وانتزاع وجوهها من الواحد إلى أن يتمّ الوجوه الإظهاريّة بكنهها . # فلذلك أجمل في الأوّل حيث جعل الابتداء والانتهاء متعلَّقهما واحدا ، وأتي بصورة ~~الاسم ذي الثبات والاستقرار دون الثاني ، فإنّه قد فصّل بين المتعلَّقين ب « من » و ~~« إلى » وبين متعلَّقيهما بما لا تقابل بينهما ظاهرا وهو أيضا ضرب من التفرقة ~~والتفصيل وأتى بالجملة الفعليّة الدالة على التجدد والتدرّج التفصيلي . # تلويح من الرقوم : # تقابل الوجود العلمىّ والعينيّ اعلم أنّ القابل للتعيّنات - من العين الشامل إلى ~~الكون الكامل إذا انضمّ إليه من نقط النطق ما به يخرج من مكامن الثنويّة التقابليّة ~~الإمكانيّة إلى مجالي الاتّحاد الوجودي الوجوبي ، يصير قائلا بتلك الكلمات من ~~الحروف العاليات ، إلى ما اندرج في السطور السافلات ، كما أنّ العالم الجامع لتلك ~~التعيّنات إذا انقلب ما انفتح به أبواب تفاصيلها وتبطن ذلك يصير عالما بتلك ~~المعلومات . # آدم جلاء مرآة العالم # ثمّ إنّ قوله : ( فاقتضى الأمر ) جواب « لمّا » وهو الثاني من الأمرين الموقوف ~~عليهما ظهور السرّ . # أي لما شاء الحقّ الظهور المذكور ، وكان هناك ما يقبل ذلك ، أي ما هو بمنزلة ~~الجرم الصلب والسطح الكثيف للمرآة - وهو العالم - اقتضى الأمر بالمعنى المذكور - ~~وهو الرقيقة الامتداديّة الأوّل إلى الآخر - إتمام ذلك الجرم وجلائه أعني ( جلاء ~~مرآة العالم ) حتّى يتصوّر فيه الظهور ويتمكَّن حينئذ من الإظهار . # وأورد عليه # « الفاء » # إشعارا بالترتّب الواقع فيها ، كما للصورة بالنسبة إلى المادّة ، وكرر ذلك # في قوله # : # ( فكان آدم ) # تنبيها على أنّ آدم نفسه مترتّب على ذلك الاقتضاء ، لا جعله وتكوينه # وقوله # : # (عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة) # إشارة إلى ما له من كمالية بحسب الظهور والإظهار على ما نبّه عليه. # واعلم إنّ روح كلّ شيء ما يقوّم به هيئته الوحدانيّة الجمعيّة ، فروح العالم ~~عبارة عمّا تقوّم به الكلّ ، من العين الأوّل إلى الكون الآخر ، ويصير تلك ~~التعيّنات المتنوّعة المتفرقة بذلك شخصا واحدا ، وهو الذي يسمّى ب # « الإنسان الكبير » # باعتبار انس بعض الأجزاء منه بالآخر كما في # الإنسان الصغير # بعينه . # الإنسان روح العالم والملائكة بعض قواه # ثمّ إنّه بعد تبيين معنى آدم إجمالا أخذ في تفصيل جمعيّته الكليّة الكماليّة ~~ظهورا وإظهارا ، وتحقيق إحاطة صورته التامّة بسائر جزئيّات العالم وقهرمان خلافته ~~على الكلّ ، وغلبته شعورا وإشعارا ، وإبانة مراتب كلّ من تلك الجزئيّات عنده ، ~~وتفاوت درجاتهم فيما نسب له ، ووسم به ، من المنصب العالي والمنزلة الرفيعة . # وإذ كان للأوّل من الكمالين تقدّم على الثاني منهما - تقدّم المادّة على الصورة - ~~قدّمه قائلا : # ( وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة ، التي هي صورة العالم ، المعبّر عنه في ~~اصطلاح القوم بالإنسان الكبير ) # ، وإذ كان الإنسان عبارة عن جمعيّة مشتملة على أعضاء وأجرام هيولانيّة وعوارض ~~جسمانيّة ، ومشاعر حسّية وروحانيّة ، فله جمعيّة كليّة كما للعالم بعينه ، إلَّا ~~أنّ أجزاء الكلّ في الإنسان لها ارتباط إدراكي به ، يأنس بعضها للبعض ، وبذلك ~~الاعتبار يسمّى إنسانا . # ثمّ إنّ العالم أيضا قد حصل له بروحه الذي هو آدم هذا الربط الإنسى، وفي تحقيق ~~اصطلاح القوم هاهنا تنبيه إلى هذه الدقيقة فلا تغفل . # ثمّ إنّ الملائكة منها الجبروتيّة # أعني : # العقول المجرّدة والأنوار القاهرة ومنها # لملكوتيّة # أعني : # النفوس # المتعلَّقة و # البرازخ # النورانيّة # ( فكانت الملائكة له كالقوى الروحانيّة والحسّية التي هي في النشأة الإنسانيّة ) ~~. # وإذ كان عالم الأمر ومرتبة الأرواح أوّل مراتب التعيّنات الاستجلائيّة ومبادي ~~طلائع غلبات الأحكام الكونيّة والحجب العدميّة الإمكانيّة ، قد قوي سلطانها فيه . # فلذلك ولما في نشأتها النورانيّة من التقدّس والتحقّق بالصفات التنزيهيّة قد ~~انغلب أعيان المرتبة تحت اقتضاء نشأتها وأحكام تعيّناتها وحجبها القدسيّة النوريّة ~~، وشرفها العلوي البهي ، بحيث أنّ كلّ عين منها في تلك الصورة الكليّة يدّعي ~~استيهال روحيّتها واستحقاق خلافتها . # ( وكلّ قوّة منها محجوبة بنفسها ، لا ترى أفضل من ذاتها ، وأنّ فيها فيما تزعم) # أي لا ترى أنّ في تلك الصورة فيما تزعمه كل قوّة منها من الشرف والعلو # ( الأهليّة لكلّ منصب عال ) # علوّ ظهور وغلبة # ( ومنزلة رفيعة ) # رفعة معرفة وعلم ، قدسيّا كان ذلك المنصب أو ما يقابله ، أو مقدّسا منهما . # ويمكن أن يجعل هذا جملة حاليّة بكسر إنّ لكن الأول أدقّ ، وعلى التقادير فالضمير ~~في # «فيها» # عائد إلى # « الصورة » # ، لا إلى النشأة ، لعروّ الكلام حينئذ عن ملابس الانتظام و # «ما» # في # « فيما تزعم » # موصولة لا مصدريّة ، وفاعل « تزعم » ضمير ما يرجع إليه فاعل ترى ، لا ما يرجع ~~إليه # « فيها » # على ما لا يخفى على الفطن ، إذ أهليّة آدم ليست ادعائيّة وفي زعمه ، كغيره من ~~القوى. # وكان قوله # : # ( عند الله ) # لرفع هذا الوهم . # ثمّ هاهنا دقيقة لا بدّ للمستكشف من تذكَّرها ، وهي أنّه قد ظهر لك ممّا مرّ أنّ ~~الوحدة الحقيقيّة الذاتيّة التي قد أشير إليه في طيّ تسوية العبارتين إنّما يظهر ~~صور سرّها في المحلّ المنظور فيه ، الذي هو القابل المقابل ، الذي هو قبل كل قبل . # وليس ذلك غير حصول الاستعداد من القابل ، الذي هو عين النفخ من الفاعل ، فتبيّن ~~أنّه قد انخلع في طيّ طوى جلال القابل نعلا ثنويّة التقابليّة . # ثمّ إذا تذكرت هذا فاعلم أنّه ليس بين الصيغ المتداولة عند الناس بدلالاتها ~~الوضعيّة ما يدلّ على ذلك الواحد دلالة المصدر وما يجري مجراه من الأوصاف المنسوبة ~~، ومن هاهنا ترى أئمّة العربيّة يجعلون دلالته على متقابلي التذكير والتأنيث ~~والواحد والكثير متساوية النسب . # وأيضا فإنّ الأمور الدالَّة على النسبة وجه دلالتها على ذلك الواحد أظهر ، ضرورة ~~انطوائها على الثلاثة مع الجهة الجمعيّة الوحدانيّة ، فهي أتمّ بيان عنه ، ومن ثمّة ~~ترى العبارات المعربة القرآنيّة كثيرا ما تدلّ عندما يفصح عنه على القرب والمعيّة ~~وما يحذو حذوها. # فلا يخفى على من وقف على هذه الدقيقة وجه اختياره لفظ # «الأهليّة» # دون # «الأهل» # في قوله : # «أنّ فيها فيما تزعم الأهليّة» # ولفظ # «عندها» # دون # «فيها» # في قوله : # "لما عندها" . # الصورة الآدميّة هي النشأة الجامعة # فقوله # : # ( لما عندها من الجمعيّة الإلهيّة ) # تعليل لما ادّعاه في تلك الصورة مما لا يراه قواها الجزئية من الأهلية لسائر ~~المناصب العلية والمنازل الرفيعة . # وذلك لما عند تلك # الصورة التي روحها آدم # من الأحدية الجمعية الإلهية و الإحاطة التامة الإطلاقية التي لايشذ منها شيء . # من عاليات الأعيان إلى سافلات الأكوان # مع ما في النشأة الحاملة لمقتضى الطبيعة الكل ، الحاصرة قوابل العالم ، حصر ~~امتزاج واتحاد ، بحيث تتعاكس فيه خصائص الكل ، وتتبين فيه رقائق الارتباط والاتحاد ~~من الكل بالكل . # وتحقيق ذلك أن مراتب الوجود وتعيناتها مترتبة : # منها أوائل غلب عليها أحكام الوجود ، وظهر منها آثار الوجوب ، بها نسبت إلى ~~الجناب الإلهي ، لأن مرجع تلك الأحكام إنما هو إليه ، فلها أهلية التجرد والتنزه ~~وشرف الاستغناء والتفرد . # ومنها أواخر غلب عليها الأحكام العدمية الكونية وظهر منها آثار الإمكان ، بها ~~نسبت إلى جانب حقيقة الحقائق ، ضرورة أن للآخر تقدما ذاتيا في أزل الآزال . # الذي فيه يتحقق الحقائق كما سبق التنبيه عليه فهى المنتسب إلى حقيقة الحقائق ، ~~ولها أهلية التعلق والتشبه ، وختة الاحتياج والتكثر . # ومنها النشأة الجامعة بينهما ، الطبيعة الكل ، الحاصرة للقوابل كلها حصرا جميعا ~~اتحادیا . # فعلم على ذلك أن صورة آدم هي التي عندها هذه الجمعية المستجمعة # ( بين ما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي ، و ) # بين ما يرجع منه # ( إلى جانب # حقيقة الحقائق وفي النشأة الحاملة لهذه الأوصاف ) # أي القابلة لها ، المستعدّة لأن يتولَّد منها ويظهر عنها بالفعل . # وهي أهليّة كلّ المناصب العليّة والمنازل الرفيعة ، وقد نبّهت آنفا على ما يدلّ ~~على اختياره الأوصاف هاهن . # فظهر أنّ الجمعيّة التي عند الصورة المذكورة ، # المسمّاة بالإنسان الكبير # ، منطوية على ثلاث جمل : # ثنتان منها # اللذان بالفعل ، مرجعهما إلى الجناب الإلهي وجانب حقيقة الحقائق . # وثالثه # الذي بالقوّة وهو المكمّل مرجعه # ( إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلّ ، التي حصرت قوابل العالم كلَّه ، أعلاه ) # أي الأعيان الوجوديّة المسمّاة بالعقول والنفوس. # ( وأسفله ) # أي الأكوان العدميّة المسماة بالأجسام والأعراض ضرورة أنّ الثالث هذا برزخ بين ما ~~يرجع إلى الجناب والجانب . # فإنّ الشيخ قد صرح في غير موضع من كتبه # أنّ الكلّ طبيعيّة على ما عليه مذهب الأقدمين كما سيجيء تحقيقه . وأمّا ما تقتضيه ~~تلك الطبيعة فهو النسب المستحصلة عند تعاكس أعيان العالم في قوابلها. # وظهور خواصّ بعضها للبعض ولأنفسها جمعا وفرادى كما قد اطَّلعت عليه فلا يزال ~~يتربّى أجنّة تلك الأوصاف المشخّصة بآثار خواص النسب المذكورة في بطون طبيعة الكلّ ~~ومشيمة نشآتها الحاصرة . # إلى أن يتولَّد ويظهر شخص كمالها بصورة إحدى الجمعيّتين اللتين بمنزلة الأبوين له ~~، من أعلى درجات الربوبيّة إلى أقصى دركات العبوديّة. # وإليه أشار الشيخ في نقش الفصوص بقوله : "ولهذا ما ادّعى أحد من العالم الربوبيّة ~~إلا الإنسان لما فيه من القوّة ". # وما أحكم أحد من العالم مقام العبوديّة في نفسها إلَّا الإنسان ، فعبد الحجارة ~~والجمادات التي هي أخزل الموجودات . # فلا أعزّ من الإنسان بربوبيّته ، ولا أذلّ منه بعبوديّته ، فإن فهمت فقد أبنت لك ~~من المقصود بالإنسان . # فانظر إلى عزّته بالأسماء الحسنى وطلبها إيّاه ، فمن طلبها إيّاه تعرف عزّته ، ~~ومن ظهوره بها تعرف ذاته ، فافهم من هاهنا تعلم أنّه نسخة من الصورتين # : "الحقّ والعالم " # إلى هنا كلامه بعبارته . # فقوله : # « وفي النشأة الحاملة لهذه الأوصاف إلى ما تقتضيه الطبيعة » # عطف على قوله : # «من ذلك إلى الجناب» # ، من قبيل العطف على معمولي عاملين مختلفين ، ولكن بإعادتهما . # ولما كان ما في هذا القسم مستجنّا في بطون قابليّة النشأة ، وهي غير مشتملة عليه ~~بالفعل كما في القسمين الأوّلين أورد # « في » # هاهنا بإزاء # « من » # تنبيها إلى ذلك . # وفي بعض النسخ # « الطبيعة الكلَّية » # ، فالكلَّي فيها ليس الكلَّي المنطقي ، بل المنسوب إلى الكلّ ، فإنّه الحاصر ~~لأجزائه على ما قصد هاهنا . # نكتة حكميّة : # التعبير ب « حواء » عن النشأة الإنسانية # : إذ قد ظهر لك أنّ النشأة العنصريّة الإنسانيّة هي امّ الأوصاف المشخّصة ~~والأعراض المحصّلة لأفراد الإنسان وجزئيّاته ، لا يبعد أن يجعل « حوّا » - ~~المستخرجة من الجنب الأيسر لصورة آدم إشارة إلى تلك النشأة الحاملة لها كلّ البعد ~~لأنّ استخراجها من مكامن القوّة إلى الفعل واقع في الطرف الشمالي من الصورة ، مائل ~~إليه ، وإن كان لآدم وحوّا بحسب كلّ طور لهما معنى يناسبه كما نبّهت عليه في ~~المقدّمة من أكمل الأطوار وأشملها . # قصور العقل عن إدراك الحقيقة الإطلاقيّة # وإذ قد عرفت أنّ كلّ قوّة من القوى الجزئيّة التي في هذه الصورة محجوبة بنفسها ، ~~واقفة لديها ، لا يمكن أن يكون لها من تلك الحيثيّة وقوف على الحقيقة الإطلاقيّة ، ~~التي هي أصل صور العالم أعني الطبيعة الحاصرة للقوابل التي هي مورد المتقابلات ~~ومعتنقها ، فالعقل بقوّته النظريّة لا يتمكَّن من إدراكها أصلا بدون ذوق إليّ وكشف ~~إلهي ، فلذلك ترى أهل النظر من المتكلَّمين والحكماء المشّاءين يحصرون الطبيعة في ~~العنصريّات فقط . # ولذلك قال تعريضا بهم : # ( وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكريّ ، بل هذا الفنّ من الإدراك لا يكون إلَّا عن ~~كشف إلهيّ ، منه يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه ) # فإنّك قد عرفت أنّ القابل وأصله راجع إلى الفيض الأقدس عن ثنويّة القابل والفاعل ~~والكاسب والمكتسب منه ، فهو إذن بمعزل عن أن تقتنص شوارد حقائقه بمخالب قوى العقل ~~وجوارحه . # أو يصل إليه أحد بسلاليم الأقيسة الفكريّة ومدارج مقدّماتها ، ضرورة أنّ الثنويّة ~~التقابليّة غالبة في نشأة العقل وجبلَّته القدسيّة العالميّة # على ما يظهر من تلويحه # أيضا سيما فيما يدركه باستعانة من قواه وتوسّل إليها . # نعم ، # يمكن له الوصول إليه عند انطواء الأسباب والآلات التعمّليّة والاكتسابيّة ، ~~وانطفاء مشاعل مشاعره الجزئيّة ، عند سطوع تباشير إصباح المكاشفات الإلهيّة ، وشروق ~~أنوار شمس الحقيقة من مطلع الوهب والامتنان ، وافق اليقين ، الخالص عن شوائب الحجج ~~والبرهان . # وجه تسمية آدم إنسانا وخليفة # ثمّ إنّه بعد تحقيق الحقيقة الآدميّة وتفصيل جمعيّتها التامّة شرع في تبيين ~~أساميها ، كشفا عن كنه أحكامها ولوازمها المعربة عن تمام ذلك التفصيل ، وما له من ~~كماليّة في الظهور والإظهار ، فإنّك قد عرفت أنّ حقيقة كلّ شيء بخواصّها ولوازمها ~~إنّما تستعلم من أساميها وألفاظها المختصّة بها ، بقوله : # ( فسمّي هذا المذكور « إنسانا » و « خليفة » ) # بحسب كمالية الأوّل والآخر # (فأمّا إنسانيّته : فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلَّها ) # حصرا جميعا امتزاجيّا يتعاكس فيه النسب من الكلّ على الكلّ ، ويأنس بها الكلّ إلى ~~الكل. # ( وهو للحقّ بمنزلة إنسان العين من العين ) # أي كما أنّ إنسان العين من العين الشخصي فيه مثال الشخص بعينه حاصر الجميع أجزائه ~~بأوضاعها وأشكالها ، كذلك الإنسان مثله من العين الوجودي ، وليس كمثله شيء ، أو كما ~~أن بإنسان العين ينظر على الشيء ، فكذلك بحقيقته الأصليّة السابقة على الكلّ نظر ~~الحقّ إلى العالم بعينه ، حسبما سمعه من ألسنة قابليّاتهم ، فرحمهم بوجوده . # فالإنسان بحقيقته هو # (الذي يكون به النظر ، وهو المعبّر عنه بالبصر) # في قوله : "وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" # (فلهذا سمّي إنسانا, فإنّه به نظر الحقّ إلى الخلق) # . # ورآهم بصورهم التي صوّرهم بها ألسنة قابليّاتهم في صيغ صبغ تعيّناتهم # ( فرحمهم ) # بالوجود التامّ المترتّب على ما حصل من المشعرين من العلم الكامل وكأنّك قد نبّهت ~~على سبب طيّ أحد المشعرين في عبارته . # الصفات المتقابلة في الإنسان الكامل # ثمّ إنّ المثلية والتماميّة في المظهريّة إنّما تستدعي استيعاب الأوصاف المتقابلة ~~والأحكام المتناقضة من أوّل الأزل إلى آخر الأبد ، مع الكليّة الجمعيّة التي هي ~~الفاصلة بين الكلّ في جمعه ، فأشار إلى ذلك قائلا : # ( فهو الإنسان الحادث الأزلي ) # بحسب أوّليّته بالحقيقة ، وسابقيّته بها ، ومسبوقيّته بالظهور ، وتحقّقه بتمامه # ( والنشء الدائم الأبديّ ) # بحسب آخريّته في قبول تمام الكمال وانتهائه في أمد الإظهار ، وترتيبه الامتزاجيّ ~~الجمعيّ ، فإنّ # « الإنشاء » # لغة هو الإيجاد مع الترتيب . # واعلم أنّ الآخريّة ذلك ليست آخريّة انقطاع وانتهاء انصرام ، كما أنّ الأوّليّة ~~المذكورة ليست أوليّة إحداث وإبداء . # ( والكلمة الفاصلة ) # بين الأوّل والآخر # ( الجامعة ) # بين الظاهر والباطن بحسب كليّة أمره وأحديّة جمع نشأتيه الفاصلة في عين الجمع ، ~~الجامعة في عين الفصل . # واعلم أنّ هذه ثلاثة أسامي له بحسب ما اشتمل عليه من الأجزاء المذكورة آنفا على ~~الترتيب ، إلَّا أنّ الاسم لكونه كاشفا عن كنه المسمّى قد انطوى كلّ منه على ثلاث ~~مراتب من الأوصاف إعرابا عن السعة التماميّة الإطلاقيّة ، فلذلك حمل الكلّ على # "هو". # تلويح من العقود : # وهو أنّ السعة الإطلاقيّة التسعيّة المنطوي عليها آدم ، قد فصّلت في الإنسان ~~بمثليّته المظهرة ثلاث جمل تامّات ،كلّ منها إشارة إلى نشأة من تلك النشآت التي له. # وأنّ البرزخ الواقع بمنزلة كلمته الكاملة ورتبته الجامعة ، تفرقته عين الجمع ، ~~وكثرته عين الوحدة ، حيث أنّ اسمه عين مسمّاه ، فلهذا قد اختصّ بين الحروف بأنّه ~~قلب القرآن . # تمام العالم بوجود الإنسان # وإذ قد ظهر من احتواء الإنسان للأطراف بحسب أطواره ونشآته ما يتبيّن به. # أنّه الواصل من الجمعيّة إلى أقصى مراتبها - وهو المراد بالتمام - # ( فتمّ العالم بوجوده ) # . # الإنسان من العالم كفصّ الخاتم من الخاتم # هذا كلَّه بحسب كماله الأوّل ، الذي به يسمّى # « إنسانا » # وأمّا بحسب كماله الآخر الذي به يسمّى « خليفة » : # (فهو) # أنّه وقع # (من) # دائرة # ( العالم كفصّ الخاتم من الخاتم) # ، حيث أنّه المتمّم لأمره ، المخصّص له بين الدوائر والحلق بالخاتميّة ، وحيث ~~أنّه به يتّصل قوس الظاهر بالباطن ويجمع به الفرق ويتّحد الكلّ ، فأصبح به مراتب ~~تنزّلات الوجود دائرة واحدة كاملة - على ما سبق تحقيقه في المقدّمة . # ثمّ إنّ من أجلّ وجوه المناسبات وأجلاها ، أنّ الفصّ محلّ نقش الملك وعلامته ~~الخاصّة التي بها يختم الخزائن ، ويكتم نفائسها عن نظر العامّة واحتظائهم منها ، ~~فإنّه ممّا يوجب الفساد في الملك والاختلال في نظام أمره . # إذ الحكمة البالغة حاكمة بأنّ الاطلاع على خصائص خزائن الملك وذخائر جواهره ~~العزيزة محرّمة ،الَّا للندر من خلَّص أخصّائه المأذونين في ذلك من المؤتمنين. # وكذلك الإنسان محلّ نقوش الحروف المنزلة والعلامة العلميّة الخاصّة بالحقّ وهي ~~التي بها يحفظ نظام خلقه عن تطرّق الاخترام وطريان الفساد والانصرام . # فإنّ لتلك النقوش ظاهر # وهي المفهومات الوضعيّة والحقائق العرفيّة التي عليها مباني أصول الشرايع وبها ~~تستفاد من تلك النقوش والعلامات الأحكام الظاهرة من العقائد الأصليّة والأحكام ~~الفرعيّة التي بها تنضبط صور العالم وتنحفظ عن تطرّق الاختلال ، فهي الختم على ~~خزانة صورة الدنيا ، التي في صدد الزوال ، وهذا للإنسان بحسب كماله الأوّل . # وباطنا وهي اللطائف الذوقيّة والحقائق الكشفيّة التي تستفاد من تلك النقوش ~~والعلائم بدون توسّط تلك النسب الوضعيّة والامتزاجات التركيبيّة الجعليّة ، وبها ~~تنضبط حقائق المعاني والحكم في سلك التبيان ، وتنطبق أصول الإجمال والجمع منها على ~~فروع التفرقة والتفصيل . # ومنها ينحفظ نظام استقامته عن طروّ الفساد وانحراف الميزان ، وهي الختم على خزانة ~~معاني الآخرة التي لا تقبل الفناء ، وهذا له بحسب كماله الآخر . # فكما أنّ الإنسان جزء من العالم ، وهو محل النقش والعلامة اللتين هما الختمان ~~لملك الملوك على الخزانتين . # كذلك الفصّ جزء من الخاتم # ( وهو محلّ النقش والعلامة التي بها يختم الملك على خزانته وسمّاه خليفة من أجل ~~هذا ، لأنّه الحافظ خلقه به ، كما يحفظ الختم الخزائن ، فما دام ختم الملك عليها لا ~~يجسر أحد على فتحها ) # أي فتح خزائن تلك الصور الوضعيّة ورفع أقفالها الرسميّة الجعليّة ، والاستكشاف عن ~~وجوه اللطائف الذوقيّة المخزونة تحت أراضي تلك # الصور في خباياه # ( إلَّا بإذنه ) # المختصّ بخلَّص أخصّائه فعلم أنّ من تلك اللطائف والنفائس ما يمكن أن يحتظي به ~~المأذونون من المؤتمنين والمحارم . # (فاستخلفه في حفظ العالم فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل ) # بكماليه ، الذي بيديه أمر الختم على الخزانتين . # قال رضي الله عنه : ( ألا تراه إذا زال وفكّ الختم من خزانة الدنيا لم يبق فيها ~~ما اختزنه الحقّ فيها ) # من المعاني الوضعيّة والأحكام الشرعيّة الأصليّة منها والفرعيّة # ( وخرج ) # - أي طلع وظهر - # ( ما كان فيها ) # مقصودا من اللطائف المكمونة فيها والنفائس المخزونة تحته # ( والتحق بعضه ببعضه) # الذي استخرجه المأذونون . # فإنّهم منذ ما وصل أفنان شجرة الوقت إلى بلوغ أوان ثمرتها على طبق ما وعد به ~~العبارات المعربة للخاتم العربي صلَّى الله عليه وسلَّم . # لذلك الوقت قد أخذوا في إظهار شيء من لطائف تلك الخزانة وفتح أقفال مرموزاتها ~~التي على أبواب دلالاتها المغلقة على حصون قلاع العقائد التقليديّة والرسوم ~~العاديّة بحسب احتمال مزاج الزمان وقوّة هضمه لذلك الغذاء القوي ، متدرّجا من ~~الأضعف إلى الأقوى . # والتحق اللاحق منه بالسابق ، إلى أن بلغ ميعاد فتح قسطنطنيّة العظمى ، فإنّه ~~حينئذ ظهر تمام المراد ، وكمل أمر الإظهار وكفي الخلائق عن الموت والفساد والتكرار ~~والترداد . # (وانتقل الأمر إلى الآخرة ، فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديّا) # . # وذلك لما عرفت أنّ من تلك اللطائف والنفائس ما كانت صورته في صدد الزوال ~~والانتقال ، ومنها ما كانت معنويّة غير قابلة له ، والإنسان بطرفيه وما له من ~~الكمالين هو الختم على الخزانتين ، وفيه إشارة إلى الختمين فلا تغفل . # ثمّ إنّه بعد تحقيق معنى آدم واستخراج ما في أساميه من الحقائق # والأحكام المتطابقة بين الاسم والمسمّى ، أراد أن ينساق كلامه هذا إلى ما يتبيّن ~~به ما هو بصدد تحقيقه ممّا ادعاه في صدر الكلام ، من # « أنّ الملائكة من بعض جزئيّات قوى هذه الصورة الآدميّة ، وأنّها محجوبة بنفسها ~~لا ترى أفضل منها » # لئلا تعتري لطائف تحقيقاته عن ملابس الانتظام قائلا : # ( فظهر جميع ما في الصورة الإلهيّة من الأسماء ) # وهو عطف على قوله : # " فتمّ" # أي إذا تقرّر أنّه بوجوده تمّ دائرة خاتم العالم ، وبنقوش حقيقته انختم خزائن صور ~~المعاني دنيا وآخرة ، يكون جميع الأسماء ظاهرة بالضرورة # (في هذه النشأة الإنسانيّة فحازت) # الصورة الإلهيّة # ( رتبة الإحاطة ) # بالحدوث والقدم. # ( والجمع ) # بين التفرقة والجمع # ( بهذا الوجود ) # الكوني # ( وبه ) # أي بهذا الوجود الكوني ، وترتيب مقدّمات نشأته الواقعة على صورة الشكل الأوّل ~~البيّن المنتج لسائر المتقابلات والنقائض. # ( قامت الحجة لله تعالى على الملائكة) # فيما ادّعوا من استحقاقهم الخلافة وعدم استيهال آدم لها. # ثمّ بعد تحقيقه هذا أخذ في موعظة منه للطالبين من العاكفين على ما أعطاهم أفهامهم ~~وأحوالهم من العلوم والمعارف ، موروثة كانت من أعمالهم أو مكتسبة لأفكارهم وأنظارهم ~~، تنبيها على أنّه ما من رتبة في العلم باللَّه إلَّا فوقها مراتب ، وتشويقا لهم ~~بأنّه ما من منقبة يتوقّف عندها أهل العلم ويفتخر بها ، مطمئنّا لديها ، إلَّا ~~وفوقها مناقب . # بقوله : # ( فتحفّظ ، فقد وعظك الله بغيرك ، وانظر من أين اتي على من اتي ) # على صيغة المجهول ، إنما يستعمل في المكاره . # وقوله رضي الله عنه : # ( فإنّ الملائكة ) # تعليل لقيام الحجّة بالإنسان على الملائكة وبيان لما اتي عليهم ، وأنّه من أين ~~اتي عليهم . # وذلك أنّ الملائكة لمّا لم يكن لها قدم في النشأة الإطلاقيّة الجمعيّة التي إنّما ~~تترتّب عليها الخلافة الإلهيّة ، وإنّما يؤسّس عليها أركان العبادة الذاتيّة ما ~~أمكن لها الوقوف على أحكام تلك الخلافة ، ولا على لوازم تلك العبادة فلذلك # (لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذه الخليفة ، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحقّ من ~~العبادة الذاتيّة ) # التي لا موقف لأحد فيها غير الإنسان # ( فإنّه ما يعرف أحد من الحقّ ) # وما يصل بمساعي أقدام العبادة إلى حضرات قربه # ( إلَّا ما تعطيه ذاته ) # بحسب القابليّة الأولى والفيض الأقدس . # ( وليس للملائكة جمعيّة آدم ) # بحسب تلك القابليّة على ما بيّن ، # ( ولا وقفت مع الأسماء الإلهيّة ، إلَّا التي تخصّها ) # من الأوصاف العدميّة والأسماء التنزيهيّة التي عليها مواقف استقرارها ومواطن ~~معرفتها ، # ( وسبّحت الحقّ بها وقدّسته ، وما علمت أنّ لله أسماء ما وصل علمها إليها فما ~~سبّحته بها ولا قدّسته) # ضرورة أنّ تسبيح العبد للحقّ بحسب معرفته له فأكملهم معرفة أتمّهم تسبيحا وعبادة ~~، ومن هاهنا ترى العبادة الواردة في التنزيل مفسرة بالعرفان . # وإذ لا يخفى على من تصفّح كلام القوم أنّهم يشيرون إلى منتهى مقام العبد وآخر ~~مراتب عروجه ب # « الموقف » # و # « الموطن » # كما يشيرون ب # « القدم » # إلى خصوصيّة منهجه ومواطئ طريقه ومسلكه حيث يقولون : # « فلان على قدم آدم » # ، و # « فلان على قدم إبراهيم » # لا احتياج في تبيين معنى الوقوف هاهنا إلى تعسّف واضطراب . # وإذا كان مقتضى جبلَّة الملائكة وما أعطته ذاتها إيّاها إنّما هو الأوصاف ~~العدميّة والأسماء التنزيهيّة ، استولى عليها قهرمان هذا الاقتضاء. # قال رضي الله عنه : # ( فغلب عليها ما ذكرناه ) # من عدم الجمعيّة التي لآدم . # وعدم وقوفها مع الأسماء كلَّها وعدم العلم بأنّ للحقّ أسماء وراء ما عنده # ( وحكم عليها هذا الحال ) # ، أي غلبها أحكام هذا السلوب والأوصاف العدميّة # ( فقالت من حيث النشأة ) # أي نطقت لسان نشأتها هذه بقولها : # ( "أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها " ) # مستنكرة للحق فيه . # ساعية لآدم بعدّ قبائح أوصافه العدميّة مثنية على أنفسها بعدّ محامد أوصافها ~~السلبيّة كلّ ذلك من مقتضى نشأتها التي على محض التجرّد والتقدّس العدمي . # والدليل على أنّ ذلك القول إنّما صدر منها من حيث نشأتها أنّ ما نسبوه لآدم إنّما ~~هو الفساد # (وليس ذلك إلَّا النزاع ، وهو عين ما وقع منهم فما قالوه في حقّ آدم ) # من الفساد # ( هو عين ما هم فيه مع الحقّ . فلو لا أنّ نشأتهم تعطي ذلك ، ما قالوا في حقّ آدم ~~ما قالوه ، وهم لا يشعرون ) # . # أنّ ذلك القول هو عين ما نسبوه إلى آدم ، ضرورة أنّ صدور الآثار إذا كان من ~~المبادي من غير شعور بها ولا رويّة ، دليل على أنّها من محض الجبلَّة ونفس الطبيعة ~~. # ( فلو عرفوا نفوسهم ) # الجزئيّة بحقائقها وخصوصيّاته # ( لعلموا ) # أن ذلك القول عين الإفساد ، وأنّ تجريح آدم به تجريح لأنفسهم ، # ( ولو علموا ) # ذلك # ( لعصموا منه ) . # ( ثمّ لم يقفوا بالتجريح) # لآدم وعدّ مثالبه ، # ( حتّى زادوا في الدعوى بما هم # عليه من التقديس والتسبيح - وعند آدم من الأسماء الإلهيّة ما لم تكن الملائكة ~~عليها ) # كالأسماء الوجوديّة والأوصاف الثبوتيّة التي هي مقتضى طرف التشبيه # ( فما سبّحت ربّها بها ، ولا قدّسته عنها تقديس آدم وتسبيحه ) # ضرورة أنّ تقديسه في عين التشبيه ، الذي هو حقيقة التقديس كما أنّ تسبيحه في نفس ~~الحمد ، الذي هو حقيقة التسبيح . # والفرق بين # « التقديس » # و # « التسبيح » # أنّ التسبيح تنزيه الحقّ عن طروّ الأوصاف ، والتقديس تطهيره عن شوائب النسب مطلقا ~~، فالأوّل له طرف الظهور ، كما أنّ للثاني طرف البطون ويؤيّد ذلك قوله تعالى : " ~~إِنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا " ، وما يقال : «" سبحات الوجه وقدس ~~الذات ". # ويلوّح عليه ظهور سين # «السر» # في # «سبّح» # ببيان حاء # «الحمد » # ، وفي # « قدّس » # قاف قابليّته دائر منه ظاهر به ، فله الحكم عليه ، ولذلك تراه مستقلَّا متفرّدا ~~فيه وفي عدده ، وأمّا سبح : فله عقد العين الظاهرة . # ويمكن أن يجعل قوله : # «حتّى زادوا في الدعوى» # إشارة إلى ما ادّعوا في تسبيحهم أنّه بالحمد ، فإنّه زيادة في الدعوى على ما هم ~~عليه من التسبيح البحت الذي يقابله الحمد . # ثمّ إنّه قد ظهر ممّا بيّن أنّ منشأ مقابلة الملائكة لآدم ومعارضتها له ، إنّما ~~هو نشأتها المجرّدة المقدّسة المائلة إلى طرف الإطلاق العدمي المقابل للتقييد من ~~الجمعيّة الاعتداليّة القابلة لظهور الإطلاق الحقيقي التي لآدم ، فسقط ما قيل هناك ~~: # "إنّ الملائكة التي نازعوا آدم هي ملائكة الأرض والجنّ والشياطين لا غير" # . # كيف ، وهم مسخّرون تحت قهرمان أمره وضبطه الجامع ، لقوله تعالى :"وَسَخَّرَ ~~لَكُمْ ما في السَّماواتِ وَما في الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه". # فلو خصّص نوع منها بتلك المقابلة لكان أهل الجبروت أولى بذلك من غيره على ما لا ~~يخفى . # ثمّ ها هنا نكتة حكميّة تنطوي على أصل : وهي أنّ للعدم نسبة إلى الذات اختصاصيّة ~~، وللوجود إلى الوجه كذلك كما لا يخفى على الواقفين بالرموز الحرفيّة ألا ترى أنّ ~~الأسماء التنزيهيّة أظهر دلالة على الذات ، كما أنّ الأوصاف الثبوتيّة أبين لزوما ~~للوجه ، وهي مقتضية للخفاء والكمون ، كما أنّه يقتضي الظهور والبروز . # وهذا الحكم له سريان في جميع المراتب ، ففي مرتبة الأفعال يظهر بصورة الأمر ~~والنهي ، وفي مرتبة صورتها وأحكامها الشرعيّة المشعرة يسمّى بالطاعة والذنب ومما ~~علم من هذه النكتة : سرّ العبادة الذاتيّة ووجه اختصاصها بالإنسان. # الغرض من ذكر القصص في القرآن # ثمّ اعلم أنّ القصص الواردة في التنزيل مؤدّاها ليست مقصورة على حكاية أمم وأشخاص ~~في الأزمنة السالفة قد انقرضت بانقراضها كما هو مبلغ أفهام محابيس مطمورة الزمان من ~~أرباب العقائد التقليديّة والرسوم الراسخة العادية . # حيث يقولون بألسنة اعتقاداتهم : « إنّها أساطير الأوّلين » جلّ عن ذلك بل إنّما ~~هي حكاية أحوال الحقائق على ما هي عليه ، وبيان مراتب كمالها ، على ما نطقت به ~~ألسنة استعداداتها المتشخّصة في الأفراد من الأزل إلى الأبد منطوية على جلائل الحكم ~~ولطائف النكت ، كما يطلعك على شيء منها ما في قصّة مقابلة الملائكة المقدّسة مع ~~الحقيقة الجمعيّة الآدميّة . # فإنّ من أفرادها من اكتنف بالخصائص الروحانيّة ، وتشخّص بالملكات الملكيّة ، حيث ~~اعتزل عن الامتزاج مع بني نوعها والاختلاط بهم ، وترهّب عن تناول المستلذات وقضاء ~~الشهوات فانفتح به عليه أبواب اللطائف القدسيّة ، وانكشف له من الحكم الإلهيّة ~~والمعارف التنزيهيّة . # فهو الذي يقابل المحمّديين أرباب العدالة الحقيقيّة والملكات الإنسانيّة - من ~~الواصلين إلى الأمر الوسط الجامع بين التجرّد والتعلَّق ، الحائز للتنزيه والتشبيه ~~، الذي عليه حقيقة التوحيد ، على ما هو موطن بلوغ الكمال الإنساني والخلافة ~~الآدميّة . # فالمجرّد المترهّب لم يزل ينازعهم في استيهال تلك الخلافة ، ولذلك ترى ألسنة ~~أحواله يفصح دائما عن مؤدى قوله تعالى : " أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها ~~وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ". # الأدب مع الله تعالى # فأشار إلى ذلك بقوله : ( فوصف الحقّ لنا ما جرى لنقف عنده ) أي عند ادعاء الكمال ~~( ونتعلَّم الأدب مع الله تعالى ) في مواقف مخاطبته ( فلا ندّعي ما نحن محقّقون به ~~) بحسب القابليّة الأصليّة ( وحاوون عليه ) بالعلم الشهودي ( بالتقييد ) كما نقول ~~في مشهدهم هذا مثلا : « نحن نسبّحك بتوفيقك ومشيّتك » أو «نسبّحك تسبيح تنزيه» ~~(فكيف أن نطلق في الدعوى). # ونقول : « نحن نسبّحك » مطلقا عن أن نقيّد بالتوفيق من الله ومشيّته أو « نَحْنُ ~~نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ » ( فنعمّ بها ) أي بالدعوى ( ما ليس لنا ~~بحال ) من إضافة الفعل مطلقا إلى أنفسنا ، وحالنا - نحن معاشر العبيد - على ما كان ~~في العدم الأصلي ، فمصدريّتنا للأفعال إنّما يكون بتوفيق الله ومشيّته ( ولا نحن ~~منه على علم ) من الجمع بين التسبيح والحمد وأدائه به (فنفتضح) لدى الاختبار . # قال الله رضي الله عنه : (فهذا التعريف الإلهي) لآدم في هذه القصّة (ممّا أدّب ~~الحقّ به عباده الأدباء ، الأمناء ،الخلفاء) حتّى يقفوا عندما قال الله تعالى ولا ~~يجاوزوا عن مقتضاه . # ولا يشيّعوا ما اطَّلعوا عليه من قبائح أعمال العباد وفواحشها. # ولا ينزّهوا أنفسهم عنها كلّ التنزيه ، وإن علوا على البريّة علوّ شرف ورفعة . # على الترتيب المشار إليه يعني الأدب والأمانة والخلافة. # فهذه ثلاث مراتب للعبد هي امّهات مواطن كماله ، قد أفصح التعريف الإلهي هذا عن ~~آدابها كلَّها ، وأنت عرفت ما للثلاثة من النسبة الخصيصة بالكلمة الآدميّة ، فلا ~~نعيد وجه تطبيقه هاهنا فلا تغفل . # ثمّ إنّ بعض المقصّرين من أفراد الإنسان لمّا اعتكفوا عند مرتبة القاصرين من ~~الملائكة في التحقيق أعني الحكماء حيث قصّروا طريق العرفان على محض التنزيه . # وبنوا الأمر في ذلك على مجرّد التجرّد وصرف التقدّس ، أراد أن يكون الكلام في هذه ~~الحكمة منساقا إلى ما ينبّههم على ذلك التقصير ويحرّضهم إلى العروج على مراقي ~~الكمال الإنساني. # متنزّلا في ذلك إلى مسلمات قواعدهم وموضوعات أصولهم ، تأنيسا بهم في ذلك وتسليكا ~~لهم إلى مدارج كمالهم تدريجا ، مؤميا فيها مع ذلك كلَّه إلى ما يتبيّن به حقيقة آدم ~~وماهيّته العقليّة ، بعد تحقيق هويّته الخارجيّة . # فقال : ( ثمّ نرجع ) من بيان القصّة ولطائف إشاراته ( إلى الحكمة ) الإلهيّة ~~المبحوث عنها هاهنا ، وهي الكاشفة عن بيان ارتباط الأسماء الإلهيّة التي هي محلّ ~~الاختبار والامتحان ، بين المتنازعين في الخلافة بالأعيان الكيانيّة ، وسريان حكم ~~كلّ منهما في الآخر ، بتحقيق رقيقة الجمع بين الباطن والظاهر ، والأوّل والآخر . # قال رضي الله عنه : ( فنقول : اعلم أنّ الأمور الكلَّيّة ) الواقعة من حيث هي ~~كذلك في الدرجة الثانية من التعقّل ، كالأوصاف المجرّدة عن الحقائق مثل الحياة ~~والعلم وما يتبعهما أو المستندة إليها مثل الحيّ والعالم ( وإن لم يكن لها وجود في ~~عينها ) . # فإنّه ليس للأمور الواقعة في تلك الدرجة وجود مستقلّ في عينها ، وهو المسمّى ~~بالوجود الخارجي والعيني ( فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن ) وبيّن أنّ الكليّات ~~لها طرف التنزّه المحض وهو الذي لها لذاتها به تعقل ، وطرف التعلَّق وهو باعتبار ~~مدلوليّتها للفظ به تتخيّل ، وطرف الجامعيّة بينهما به تعلم وهو الواسطة . # فأشار إلى تلك الأطراف بترتيبها ، وحيث أنّ الذهن هو « الفهم » - لغة - يناسب ~~إطلاقه على طرف مدلوليّتها وعلى سائر تقاديرها وأطرافها . # ( فهي باطنة لا تزال عن الوجود العيني ) أي الأمور الكليّة التي هي المعقولات ~~الثانية باطنة عن الوجود العيني أبدا لا تزال كذلك ، حيث لا يكون لها محاذى في ~~العين البتة . # ثمّ إنّ هاهنا نسخا كثيرة متخالفة، والظاهر أنّها منتحلة من المستكشفين له، ~~فطوينا الفحص عنها لظهور المقصود بهذه النسخة وتشوّش الأذهان بها . # ثمّ إنّ هاهنا نكتة حكميّة لا بدّ من التنبيه إليها ، وهي أنّك عرفت أنّ الأسماء ~~الإلهيّة عند توجهّها إلى كمال الظهور والإظهار لها حركة من فضاء اللطف منبع ~~الإطلاق والعموم إلى مضيق الكثافة معدن القيد والخصوص إلى أن يتمّ الكمال بنوعيه # ومن ذلك ، التنزّل من الجنس العالي يعني الجوهر متدرّجا فيه إلى النوع السافل ، ~~يعني الإنسان الذي بنقطة نطقة تتمّ الدائرة بقوسيها الكماليّين . # ثمّ إذا تذكَّرت هذا فاعلم أنّ كلا من تلك المراتب عالية كانت أو متوسّطة أو ~~سافلة لها أوصاف كلَّية محصّلة بالذات ، هي مبادئ آثارها الخاصّة بها ، الفاصلة لها ~~عمّا سواها ، وهو سبب تحصّل تلك المرتبة في الخارج بالوجود العيني بلحوقه لها ، ~~مقوّمة إيّاها على ما بيّن في صناعة الحكمة ثمّ إذا ظهرت بالوجود العيني ، حصل من ~~تلك المرتبة التي بمنزلة المادّة - حكم فيه ، ومن ذلك الوصف الذي بمنزلة الصورة أثر ~~. # وإليه أشار بقوله : ( ولها الحكم والأثر في كلّ ما له وجود عيني ) .ويمكن أن يحمل ~~« الحكم » على مقتضى الذاتيّات منها و « الأثر » على مقتضى الأعراض ، لكن الأوّل ~~أتقن . # ثمّ إنّ المتبادر إلى الأفهام من هذه العبارة أنّه ليس من تلك الكليّات في الخارج ~~إلَّا آثارها وأحكامها فقط ، فأضرب عن ذلك بقوله : ( بل هو عينها ) أي ما له وجود ~~عيني ، عين تلك الأمور الكلَّية ، فإنّها هي الظاهرة بصورة الأثر حسبما اقتضاه ~~الوجود العيني ( لا غيرها أعني أعيان الموجودات العينيّة ) . # ثمّ إنّ تلك الأمور الكليّة عندما تتحصّل ماهيّتها النوعيّة له ثلاثة مدارج : # الأول # منها تفصيل الأحكام والآثار التي هي بمنزلة المادّة والصورة، وهو حقيقة النوع ~~وحده. # والثاني # الهيئة الجمعيّة بينهما، الرافعة للمغايرة، وهي النوع عينه . # والثالث تفصيل الأشخاص الخارجيّة، فأشار في طيّ عبارته إلى هذه المراتب، مضربا عن ~~الأوّل بالثاني، مفسّرا إيّاه بالثالث. # تنبيها إلى أنّ التفصيل الأوّل اعتباريّ محض لا عبرة به ، وأنّ التفصيل الثاني هو ~~عين الجمع ، وإلى أنّ الموجود العيني له وحدة جمعيّة كذلك ، وإلى غير ذلك من ~~الدقائق فلا تغفل عنها . # فيكون التفسير للضمير المنفصل، لا للمتصل على ما هو الموجب للتوهّمات الباعثة على ~~ارتكاب التمحّلات - كما التزمه البعض وهذا يناسب ما تسمعه من أئمّة النظر. # « إنّ سائر أقسام الكلَّيات موجود بوجود النوع عينه في الخارج كما أنّ النوع مع ~~الشخص كذلك ، وإنّ ذلك التفصيل بين الكليّات وتميّزها إنّما هو في العقل » فهي ~~معقولة (ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها ) أي نظرا إلى نفس حقائقها الكليّة ، ~~بدون اعتبار تعيّنها وكونها ذا وجود عينيّ ، فإنّها بذلك الاعتبار عين الموجود ~~العيني . # ( فـ ) تلك الكليّات ( هي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات ) وصورها المشخّصة ~~الخارجيّة الكثيرة ، ( كما هي الباطنة من حيث معقوليّتها ) ومعانيها الكلَّية ~~الذهنيّة الواحدة . # الحقائق الكلية معقولة دائم # ثمّ إذ قد تقرّر أنّ التأثير والحكم إنّما هو لما تبطَّن من المعاني ، وأنّ ~~الوجود العيني عبارة عن ظهور تلك الكليّات بصور آثاره ( فاستناد كلّ موجود عيني ) ~~من الأشخاص جسمانيّة كانت أو روحانيّة إنّما هو ( لهذه الأمور الكليّة التي لا يمكن ~~رفعها عن العقل ) رفعا يستقلّ به في الوجود . # وهذا وصف عدميّ لها بنسبتها إلى العقل. وإلى ما لها بالنسبة إلى الخارج أشار ~~بقوله : ( ولا يمكن وجودها في العين وجودا تزول به عن أن تكون معقولة ) . # فإنّه وإن قيل : « إنّ الطبايع الكليّة لها وجود في الخارج » ولكن في ضمن ~~الهويّات الخارجيّة والأشخاص ، فغير زائلة حينئذ عن الكون العقلي ، ضرورة أنّ هذا ~~التفصيل المستتبع لإثبات تلك الطبايع إنّما هو للعقل عند وجودها فيه . # وفي هذه العبارة إشارة إلى أنّ تلك الكليّات وسائر الماهيّات العقليّة إنّما هي ~~أحوال وعوارض لباطن الوجود ، لازمة له ، غير زائلة عنه على عكس ما عليه جمهور أهل ~~النظر وقد حقّق أصل هذه المسئلة إمامي وجدّي خاتم التحقيق في هذا الطور في « الحكمة ~~المتقنة » وغيرها من الكتب ، من أراد ذلك فليطالع ثمة . # نسبة الموجودات العينية إلى الحقائق الكليّة # ثمّ إنّ صورة التثليث الكمالي الظاهر ملاك أمره في الكلمة هذه على ما وقفت عليه ~~مرارا - قد سرت سورة حكمها في الكليّات التي هي باطن تلك الكلمة . # وإذ قد نبّهت منها على مقامين : # الأوّل هو الذي يكشف عن مدارجها الباطنة ، # والثاني عن مجاليها الظاهرة . # أخذ في تكميله بالثالث ، وهو المبيّن لما يترتّب على تلك المدارج والمجالي ممّا ~~يتّصف به الكلَّي في معقوليّته من الأحكام الإطلاقيّة ولما يتولَّد عند امتزاجهما ~~من النسبة الجمعيّة . # وإذ قد فرغ عن تحقيق الوصفين بما ينبئ عن الجهة الإطلاقيّة التي لها ، حيث عبّر ~~عنهما بالمفهومات العدميّة . # شرع في تبيين النسبة المتولَّدة التي اتّصف بها الكلَّي من حيث الأعيان ، وأشار ~~إلى مبدأ تفصيل تلك الأعيان أوّلا أعني الزمان بقوله : (وسواء كان ذلك الموجود ~~العيني مؤقّتا ، أو غير مؤقّت) أي حادثا زمانيّا أو قديم ( نسبة المؤقّت وغير ~~المؤقّت إلى هذا الأمر الكلَّيّ المعقول نسبة واحدة ) ضرورة أنّ نسبة القدم والحدوث ~~إليه على السويّة ، لإطلاقها عنهما ، وعلوّه عليهما . # قال رضي الله عنه : (غير أنّ هذا الأمر الكلَّي يرجع إليه حكم من الموجودات ~~العينيّة ، بحسب ما يطلبه حقائق تلك الموجودات العينيّة) وذلك لأنّه عين تلك ~~الهويّات العينيّة في الوجود ، فيكون مكتسبا منها سائر أحكامها ونسبها ، ( كنسبة ~~العلم إلى العالم ، والحياة إلى الحيّ ) . # وإنّما اختير من الكليّات هذان المثالان لأنّ من لطائف ما اشتملت عليه هذه الحكمة ~~الإلهيّة ، ما يتعلَّق بحقيقة الإنسان وبيان ماهيّته العقليّة على ما سلف لك في صدر ~~البحث وهما أصل ما اشتملت عليه تلك الحقيقة أعني الحيوان الناطق على أنّهما هما ~~الإمامان المقدّمان في حضرة جمعيّة الأسماء الإلهيّة ، وبهما قد اتّسقت الرقيقة ~~الارتباطيّة بين الواجب والممكن . # (فالحياة حقيقة معقولة، والعلم حقيقة معقولة متميّزة عن الحياة كما أنّ الحياة ~~متميّزة عنه . ثمّ نقول في الحقّ تعالى : « إنّ له علما وحياة » ، فهو الحيّ ~~العالم) . # قال رضي الله عنه : (ونقول في الملك : « إنّ له حياة وعلما » ، فهو الحيّ العالم ~~ونقول في الإنسان : « إنّ له حياة وعلما » فهو الحيّ العالم وحقيقة العلم واحدة ، ~~وحقيقة الحياة واحدة ، ونسبتهما إلى العالم والحيّ نسبة واحدة . # ونقول في علم الحقّ : « إنّه قديم » ) ذاتا وزمانا. # ( وفي علم الإنسان : « إنّه محدث » ) ذاتا وزمانا. # وفي علم الملك : " إنّه محدث ذاتا ، قديم زمانا " . # وإنّما طوى هذا المثال هاهنا لما ليس له كثير دخل في المبحث ، إذ الغرض الأوّل من ~~تمهيد هذه المقدّمة أن يبيّن بها الجهة الارتباطيّة بين الممكن والواجب ويقلع بها ~~موادّ عقائد الغالين في التنزيه الرسمي ، من الحكماء القاطعين بانتفاء تلك الجهة ، ~~الحاسبين أنّهم هم الموفون بحقّ التنزيه . # ولذلك قال متمّما لبيانه : ( فانظر ما أحدثته الإضافة من الحكم في هذه الحقيقة ~~المعقولة ، وانظر إلى هذا الارتباط بين المعقولات والموجودات العينيّة) . # قال رضي الله عنه : (فكما حكم العلم على من قام به أن يقال فيه : « عالم » ، حكم ~~الموصوف به على العلم بأنّه حادث في حقّ الحادث قديم في حق القديم ) حيث اتّصل من ~~الطرفين . # أعني الباطن والظاهر رقيقة النسبة الحكميّة، نازلة من الأمر الكلَّى إلى الهويّة ~~الموصوفة هي به، راجعة منها إليه، وانتظم بذلك صورة الدائرة المستدعية لسريان الأمر ~~الجمعي، وتعاكس حكم كلّ منهما على الآخر بوجه (فصار كلّ واحد) من الباطن العقلي ~~والظاهر العيني (محكوما به ، محكوما عليه) . # ثمّ إنّه يمكن أن يقال ها هنا : إنّ هذا الكلام إنّما يتمّ لو لم يكن الكلَّي عند ~~اتّصافه بالوجود العيني منقسما مفصلا انقسام الجنس بفصله أو مجزّأ تجزية الأجزاء ~~الخارجيّة وموادها بصورها المشخّصة وأمّا على تقدير ذلك فلا يلزم أن يكون محكوما ~~عليه ، ضرورة أن كلّ قسم وجزء مخالف لآخر بالذات . # وبالجملة، كما أنّ الفصل يقسّم الجنس ويفصّله حقائق مختلفة, فلم لا يكون التعيّن ~~له هذا السبيل بالنسبة إلى النوع ؟ فأشار إلى دفعه بقوله : ( ومعلوم ) ممّا نبّهت ~~عليه من أنّ عين الأشياء الحاصلة من « كن » إنّما يتوقّف وجودها على انضمام كاف « ~~الكلَّي » إلى نون تعيّناتها النوعيّة . # ( أنّ هذه الأمور الكلَّية وإن كانت معقولة ) بهذا الاعتبار ( فإنّها معدومة ~~العين ) من حيث هي كذلك ( موجودة الحكم ) فقط كما عرفت من أنّ الأوصاف حاكمة على من ~~قامت به بذلك الوصف . # ولا يخفى على من سلمت ذائقة ذوقه عن شوائب الأخلاط الخارجيّة أنّه يمكن أن يكون ~~الأمور في عدمها مبدأ للحكم ، محكوما به ( كما هي محكوم عليها ، إذا نسبت إلى ~~الموجود العيني ) وانتظم رقيقة التناسب من الطرفين انتظاما دوريّا ، فإنّه حينئذ ~~يحصل منهما هيأة وحدانيّة تتّحد بها تلك الأمور # قال رضي الله عنه : ( فتقبل الحكم في الأعيان الموجودة ) بهذا الارتباط ، أي عند ~~ظهور الكلي بالذات بصورة أثره في الأعيان معرّى عن عروض الكليّة إيّاه . # فعلم أنّ معروض الكلَّي بعينه في الأعيان ، كما علم من أضرابه السابق ، وإلَّا ~~فالمطابق من العبارة أن يقال : « من الأعيان » ، فإيراد « في » ها هنا لهذه الدقيقة ~~. # ثمّ إنّ معروض الكلَّي وإن قبل الحكم في الأعيان على ما مرّ ( و ) لكن ( لا تقبل ~~التفصيل ) عقلا تفصيل الجنس بفصله فيه ( ولا التجزّي ) خارجا . # تجزية المواد الهيولانيّة والأجزاء الوجوديّة بصورها المشخّصة إيّاها فيه. # ( فإنّ ذلك محال عليها ) أي على الأمور الكلَّيه ومعروضاته ( فإنّها بذاتها في ~~كلّ موصوف بها ، كالإنسانيّة في كلّ شخص شخص من هذا النوع الخاصّ ، لم تتفصّل ولم ~~تتعدّد بتعدّد الأشخاص ) ، فلو كانت مفصّلة أو مجزّأة لكان في كلّ شخص منه حصّة ~~جزئيّة منها ، أو جزء ، فلا تكون بذاتها فيه - على ما هو مقتضى الطبيعة النوعيّة ~~المحصّلة بالذات ، وذلك هو الذي يصلح لعروض التشخّص إيّاه . # الحقائق الكلية غير موجودة في العين بصورتها الكليّة # وتمام تحقيق هذا الكلام أنّ الطبيعة الجنسيّة لتوغَّلها في بطون الإبهام غير ~~قابلة للتحصّل بذاتها ، ما لم ينضمّ إليها الطبيعة الفصليّة المحصّلة بالذات ، ~~المقوّمة إيّاها طبيعة نوعيّة محصّلة ، ثم إذا تحصّلت الطبيعة النوعيّة في الوجود ~~والعقل جميعا . # لا يطلب غير ما يشاربه إليها في الخارج والحسّ من الأعراض المتواردة على تلك ~~الطبيعة ، المتعاقبة عليها على سبيل التبادل ، وهي باقية بعينها ، وتلك الأعراض هي ~~المصنّفة للنوع ، المشخّصة إيّاه ، وبيّن أنّها لا يمكن أن تكون داخلة فيه ولا في ~~جزئيّاته . # هذا على لسان أهل النظر من المشّاءين وأمّا على لسان التحقيق ، فإنّك عرفت أنّ ~~العوارض المشخّصة وما يتبعها ، إنّما هو أفياء أشعّة الوحدة الإطلاقيّة وظلال ~~أضوائها ، وهي ظاهر الوجود ، المسمّى بالنور فتحفّظ فإنّها من الحكم التي قد خلت ~~عنها الكتب والزبر . هذا في الطبيعة النوعيّة ، وكذلك حكم سائر الكليّات الباقية . # هذا إذا كان التكثّر فيه على سبيل التفصيل ، وأمّا إذا كان على طريقة التجزّي ~~فظاهر البطلان أيضا . # فإنّ التجزي والتعدد إنّما يتصوّر في الموجود العيني ، أو ما له محاذى ومناسب في ~~العين ، والكليّات مما وقع في المرتبة الثانية من التعقّل ، ليس لها ذلك . فقوله : ~~( ولا برحت معقولة ) عطف على قوله : " لم يتعدد" على سبيل الكشف والبيان . # وإذ قد عرفت أنّ سوق هذه المقدمات إنّما هو نحو إلزام الجاحدين للجهة الارتباطيّة ~~بين الممكن والواجب من أهل النظر وأرباب العقائد التقليديّة الواقفين عند مواقف ~~الملائكة المقدّسة ، بادعائهم أنّهم هم المنزّهون لله تعالى حقّ التنزيه أفصح عن ~~التقريب الأوّل. # بقوله : ( وإذا كان الارتباط بين من له وجود عيني وبين من ليس له وجود عيني ، قد ~~ثبت - وهي نسب عدميّة - فارتباط الموجودات بعضها ببعض أقرب أن يعقل ، لأنّه على كلّ ~~حال بينها جامع - وهو الوجود العيني - وهناك فما ثمّ جامع - وقد وجد الارتباط بعدم ~~الجامع - فبالجامع أقوى وأحقّ ) ، ف « هي » يحتمل أن يجعلها عائدة إلى « الارتباط » ~~، وأن يرجع إلى « من ليس » وهذا أنسب بما هو في صدده . # افتقار الممكن إلى الواجب # ثمّ إذ قد بيّن الجهة الارتباطيّة بين الباطن والظاهر وما في العقل لما في الخارج ~~، يريد أن يبيّن تلك الجهة بين الموجودات العينيّة ، ربطا بين الأوّل والآخر على ~~وجه ينساق إلى إثبات الواجب ، وإلى أن نسبة غيره إليه بالعبوديّة وسبب تسميته عبدا ~~، وغيره من الأحكام - كل ذلك بلسان أهل النظر . # فأشار إلى تلك الأمور كلَّها بقوله : ( ولا شكّ أنّ المحدث قد ثبت حدوثه وافتقاره ~~إلى محدث أحدثه لإمكانه لنفسه ) وكلّ ما هو ممكن لنفسه مفتقر إلى ما يرجّح أحد ~~طرفيه ، فالحادث مفتقر إلى ما يرجّح وجوده ويوجده ( فوجوده من غيره ، فهو يرتبط به ~~ارتباط افتقار ) . # ولا يخفى أنّ هذا إنّما يكون جهة ارتباطيّة بين الممكن والواجب أن لو كان ذلك ~~المحدث المفتقر إليه هو ، يجب أن يكون واجبا ، وإذ كان ذلك غير منحصر في الواجب عند ~~الذاهبين إلى التنزيه ، أشار إلى إثبات ذلك تتميما لما هو بصدده وإثباتا لحدوث ~~العالم وإبطالا لقاعدة العليّة التي هي معاقد قواعدهم. # بقوله : ( ولا بد أن يكون المسند ) افتقار الحادث ( إليه واجب الوجود لذاته غنيّا ~~في وجوده بنفسه ، غير مفتقر ) وإلَّا يلزم أن يكون الحادث مفتقرا في الوجود إلى ~~مفتقر بالذات مثله ، وذلك بيّن البطلان . # لا يقال : لم لا يجوز أن يكون المفتقر بالذات واسطة بين الحادث وبين الواجب ~~بالاستفاضة ؟ # لأن الواسطة لما كانت مفتقرة في وجودها بالذات لا يصلح لأن يكون واسطة في استفاضة ~~الوجود أصلا ، وإن أمكن أن يتوسّط في غيرها من الشرف وعلوّ الرتبة ، فإنّ الذي ~~انتسب إليه افتقار الحادث في الوجود ، لا بد وأن يكون معطيا له بذاته ( و ) الواجب ~~( هو الذي أعطى الوجود بذاته لهذا الحادث ، فانتسب إليه ) ضرورة . # أحكام الممكن عند أهل التحقيق # ثمّ بعد نفي تلك القواعد يشير إلى امّهات أصول التحقيق مما يتعلَّق بهذه الحكمة : # منها : إنّ الممكن لمّا كان مقتضى ذات الواجب ، لا بدّ وأن يكون واجبا ، ضرورة ~~أنّ مقتضى الذات ضروري ، فيكون مطلق الوجوب أيضا من الجهة الارتباطيّة بينهما ، ~~إلَّا أنّ وجوب الواجب لذاته ووجوب الممكن به . # فأشار إلى هذا بقوله : ( ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به ) . # ومنها : إنّ استناد الممكن في الافتقار والاستفاضة لما كان إلى الواجب الظاهر هو ~~عنه لذاته ، اقتضى أن يكون الممكن مثله في جميع ما نسب إليه إلَّا الوجوب الذاتي ، ~~وذلك لأنّ ما ظهر عن المبدء لذاته لا بدّ وأن يظهر المبدء به بذاته ، ويكون مظهرا ~~لها بجميع مقتضياتها ، وإلَّا ما كان ظاهرا عن المبدء لذاته ، بل بواسطة ما ظهر به ~~من المقتضيات . # كما يطلعك على ذلك ظهور الكلام الجامع للكل عن الإنسان من حيث الجمعيّة الكماليّة ~~التي له . # وإلى ذلك أشار بقوله : ( ولمّا كان استناده إلى ما ظهر عنه لذاته اقتضى أن يكون ~~على صورته ، فيما ينسب إليه من كلّ شيء من اسم وصفه ، ما عدا الوجوب الذاتي ، فإنّ ~~ذلك لا يصحّ في الحادث ) للمنافاة الضروريّة بين الضرورة الذاتيّة والإمكان الذاتي ~~، فالحادث بحسب وجوده الموجود به ( وإن كان واجب الوجود ، ولكن وجوبه بغيره ، لا ~~بنفسه ) . # فلئن قيل : سائر ما في الحادث من الصفات كذلك ليست عين ما في الواجب - كالعلم ~~والقدرة والإرادة وغيرها - ضرورة أنّ الحادث حاكم عليها بالحدوث كما مرّ ، فما وجه ~~تخصيص الوجوب بذلك ؟ # قلنا: هو أنّ الحادث يمكن اتّصافه بسائر تلك الصفات بالذات ، دون الوجوب ، فإنّه ~~لا يتّصف به إلَّا بملاحظة نسبته إلى الواجب ، وذلك لأنّ الوجوب طرف ظاهريّة الوجود ~~، وليس للممكن منها نصيب كما عرفت . # حد التشبيه # ثمّ لمّا مهّد هذا الأصل ، يشير إلى ما يتفرّع عليه من الأحكام ، مؤيّدا بما في ~~التنزيل من الآيات الدالَّة عليها ، تأسيسا لذلك الأصل وتشييدا لما يبتنى عليه من ~~أمر امّهات الأسماء التي هي بمنزلة المبادئ للمسائل المبحوث عنها في هذه الحكمة على ~~ما عرفت . # أعني الإضافيات الأربع التي لها الإحاطة بجميع الأسماء الإلهيّة منها والكونيّة ~~والدلالة على سائر الطرق التنزيهيّة منها والتشبيهيّة . # فقال رضي الله عنه : ( ثمّ لتعلم أنّه لمّا كان الأمر على ما قلناه من ظهوره ~~بصورته ) أي ظهور الحادث بصورة الواجب ( أحالنا تعالى في العلم به على النظر في ~~الحادث ) نظر تدبّر وتفكَّر ( وذكر أنّه أرانا آياته فيه ) آفاقا وأنفس ( فاستدللنا ~~بنا عليه ) استدلال شهود وتيقّن ، ( فما وصفناه بوصف إلَّا كنّا نحن ذلك الوصف ) ~~بعينه ، ضرورة أنّ الأوصاف الكليّة موجودة بوجود الحوادث الجزئيّة - كما سبق بيانه ~~(إلَّا الوجوب الخاص الذاتي) لما عرفت أنّه ليس للممكن فيه حظَّ أصلا . # ثمّ هاهنا دقيقة لا بدّ لمستكشفي رموز الكتاب من الوقوف عليها ، وهي أنّ من ~~امّهات الأوصاف المشتركة بين الواجب والحادث - الظاهر بصورته الذي هو مثله السمع ~~والبصر، لقوله تعالى : "لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ". # فلذلك بعد تحقيق معنى المثليّة أشار إلى ذينك الوصفين على طريق الاستدلال كما هو ~~مسلك هذا الفصّ # بقوله رضي الله عنه : ( فلمّا علمناه بنا ) أي بوجودنا وحقائقن ( ومنّا ) أي من ~~أوصافنا ولواحق حقائقنا ( نسبنا إليه كلّ ما نسبناه إلينا ) ، ضرورة أنّ ذلك لو لم ~~يكن مشتركا ما علم به . # ثمّ إنّ الواقفين في مواقف العقائد التقليديّة ، والعاكفين لدى الرسوم الوضعيّة ~~والأصول الاصطلاحيّة إذ لم يتفطَّنوا لذلك الاستدلال ، قاصرين عن الوصول إلى طريقه ~~الموصل إلى الحقّ ، جاهلين به وبحقيّته ، حائرين في ذلك ، أرشدهم إليه بأنّ هذا ~~الاستدلال ليس ممّا اختلقه أهل الذوق ، إذ به نطق الزبر المنزلة السماويّة على قلوب ~~القوابل لنا . # ( وبذلك وردت الإخبارات الإلهيّة على ألسنة التراجم إلينا ) فإنّ تلك الألسنة هي ~~صور وجوه العبيد المحدثين ( فوصف نفسه لنا بنا ) حيث تبيّن أنّا نحن عين أوصافه من ~~العلم والحياة وما يتبعهما . # وقد ظهر من ذلك العين ما ورد في التنزيل : " سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وَفي ~~أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّه ُ الْحَقُّ ". " وَما تَشاؤُنَ ~~إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله ". و " من عرف نفسه فقد عرف رب " . # ( فإذا شهدناه ) في مواقف قرب النوافل ( شهدنا ) في مشاهد سمعنا وبصرنا بما ورد : ~~« كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » ( نفوسنا وإذا شهدنا ) في مواقف ~~قرب الفرائض ( شهد نفسه ) في مشهد سمعه ، كما ورد : " سمع الله لمن حمده " . # التنزيه # وإذ قد انساق كلامه في الجهة الارتباطيّة بين الواجب والممكن إلى موطن الاتحاد ~~المفصح عن صرف التشبيه ، لا بدّ أن يستردفه بما ينبئ عن التنزيه ، جمعا بينهما ~~وأداء به عن التوحيد الذاتي حقّه ، على ما جرت عليه الكلمة الكماليّة الختميّة ، ~~كما ستقف عليه. # فإليه أشار بقوله رضي الله عنه : ( ولا شكّ أنّا ) أي الحوادث الإمكانيّة ( ~~كثيرون بالشخص والنوع ، وأنّا ) أي الأفراد الإنسانيّة منه ( وإن كنّا على حقيقة ~~واحدة تجمعنا ) بوحدتها العينيّة التي لا تقبل التفصيل ولا التكثّر بالذات كما بيّن ~~، ( فنعلم قطعا أنّ ثمّ فارقا به تميّزت الأشخاص بعضها عن بعض ، ولولا ذلك ) الفارق ~~( ما كانت الكثرة في الواحد ) . # ( فكذلك أيضا ) فيما نحن فيه ، فإنّه ( وإن وصفناه ) أي الحقّ في الموطنين ~~المذكورين ( بما وصف به نفسه من جميع الوجوه ، فلا بدّ من فارق ) به يتميّز الوصفان ~~، ( وليس ) ذلك الفارق (إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقّف وجودنا عليه لإمكاننا ~~وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه) . # أي انحصر الفارق في الافتقار في الوجود ، والغناء عنه . # فإنّ الغناء المطلق لا يصح فيما اعتبر فيه نسبة من النسب أصلا ، فما اختصّ به ذات ~~الممكن هو الافتقار الذي به افترق عن الواجب وتكثّر ، ومنه بعد عنه وسمّي عبدا . # كما أنّ ما اختصّ به الواجب هو الغناء عن مثل ذلك ، وهو الذي به يتقدّم ذاتا ~~ورتبة ، ويتّصف بالوحدة الحقيقية الذاتية ، لا العدديّة الإضافيّة .وفي هذا الكلام ~~تلويح غير خفيّ . # ( فبهذا ) الفارق (صحّ له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأوّليّة التي لها افتتاح ~~الوجود عن عدم) على ما يلزم أرباب العقائد التقليديّة فيما اعتقدوه في الواجب من ~~الصورة المحصورة المقيّدة ، والوجه الجزئي الجعلي تعالى عن ذلك علوّا كبيرا وذلك ~~لأنّ الأوّليّة في تلك الصور إنّما يتصوّر إذا كان لها افتتاح الوجود عن عدم . # لا يقال : "الأوّليّة إنّما تقتضي السابقيّة على الكل ، لا المسبوقيّة" . # لأنّ الأوّليّة مفهومها مركب من نسبة وجوديّة هي السابقيّة المذكورة ، ومن أخرى ~~عدميّة ، هي اللامسبوقيّة بآخر ، وبيّن أنّ الأوّل على ما اعتقدوه في تلك الصور إذا ~~لم يكن بحسب الزمان على ما اتّفقوا عليه - لا بدّ وأن يكون بحسب الذات والوجود ، ~~وهو معنى الافتتاح المذكور . # هذا ما يلزم أرباب العقائد العقليّة المحصورة. # بخلاف ما انكشف لأولي الألباب من الانشراح الصدريّ العلميّ ، فإنّه يتصوّر فيه ~~الأوّليّة بالمعنى الذي يستلزمه الغناء والوحدة الذاتيّة ، من استناد افتقار ~~الممكنات في الوجود إليه وتقدّم الواجب في انتساب الوجود له. # فقال رضي الله عنه : ( فلا ينسب إليه ) الافتتاح المذكور ، ( مع كونه الأوّل ) ~~ضرورة أنّ الغناء المطلق يأبى اعتبار النسبة فيه مطلقا . # ( ولهذا قيل فيه : الآخر ) جمع بين المتقابلين بوحدته الإطلاقيّة ( فلو كانت ~~أوّليّته أوّليّة وجود التقييد ) بأن يكون افتتاح سلسلة الأعيان الممكنة في الوجود ~~منه على ما عليه مسلك أرباب العقائد العقليّة مطلقا تقليديّة أو برهانيّة نظريّة . # ( لم يصح أن يكون الآخر للمقيّد ، لأنّه لا آخر للممكن ، لأنّ الممكنات غير ~~متناهية فلا آخر لها ) أصلا ، لا دنيا ولا آخرة ، إذ الحوادث اليوميّة غير متناهية ~~اتفاقا ، وظاهر أنّه لا يستلزم ذلك قدم الدنيا - كما توهّمه البعض - فإنّ نسبة ~~الزمان بمعزل عن هذه الأوليّة والآخريّة كما لا يخفى. # ( وإنّما كان آخرا لرجوع الأمر كلَّه إليه بعد نسبة ذلك إلينا ) ، كما أنّه إنّما ~~كان أوّلا لبدء ذلك الأمر منه قبل نسبته إلينا ، ( فهو الآخر في عين أوّليّته ، ~~والأوّل في عين آخريّته ) ضرورة أنّ بدء الأمر في الافتقار المذكور منه إنّما هو ~~عين رجوع الأمر كلَّه إليه كما أنّ رجوع أمر الانتساب إليه هو عين البدء منه ، ومن ~~هاهنا تبيّن ظهور الكثرة في الواحد ببدئها منه ورجوعها إليه . # وصورة ذلك هي الدائرة الكاملة ، المبتدأ فيها بالنقطة المنتهية إليها ، ولذلك إذا ~~استقصيت الحروف وجدت ما اشتمل منها على تلك الصورة رقما هو الهاء ، ولفظا هو الواو ~~، والمركب منهم « هو » المحمول عليه الاسمان تنبّه . # ثمّ إذ قد بيّن من الأسماء الأربعة المذكورة الأولين منها الدالين على التنزيه ~~حان أن يبيّن الآخرين، الدالَّين منها على التشبيه، إتماما لما هو بصدد بيانه . # ولمّا كان مبنى أمر التشبيه على الجهة الارتباطيّة كما عرفت، وهي على ضروب : # منها ما هو بنفسه مشترك اشتراك اتحاد وذلك إنّما يكون في الأسماء الأول الذاتيّة ~~- كما سبق في العلم والحياة وهما اللذان مؤدّاهما في هذا السياق الباطن والظاهر، ~~وذلك إنّما يكون على ما تقرّر بصدقه على أفراده وجزئيّاته العينيّة ب « هو هو » ، ~~كالغيب والشهادة من العالم بالنسبة إلى الباطن والظاهر منه . # ومنها ما هو بآثاره المترتّبة وأحكامه التابعة هي الرابطة ، كالخوف والرجاء من ~~العالم بالنسبة إلى الغضب والرضا منه ، وذلك إنّما يكون في الأوصاف والأسماء ~~الأخيرة . # ومنها ما هو بصورة وأمثلته التي هي أنهى غايات تلك الآثار رابطة ، كالهيبة والانس ~~من العالم بالنسبة إلى الجلال والجمال منه . # وذلك إنّما يكون في الأسماء الجامعة الإلهيّة . # وأشار إلى ذلك بقوله : ( ثمّ ليعلم أنّ الحقّ وصف نفسه بأنّه ظاهر ، باطن ، وأوجد ~~العالم عالم غيب وشهادة ) وإذ قد تقرّر أنّ الجهة الارتباطيّة والرقيقة الجمعيّة ~~الاتحاديّة ما سرت بين أمرين إلَّا وتولَّد منهما نتيجة . # وهو الذي عبّر عنه لسان الاصطلاح ب « النكاح الساري في جميع الذراري » . # قال : ( لندرك الباطن بغيبنا ، والظاهر بشهادتنا ) إشارة إلى نتيجة سريان هذه ~~الجهة الارتباطيّة ، ولأنّها بنفس طبايعها وجزئيّاتها هي الرابطة ، أنتج الإدراك ~~الذي هو الاتّصال والاتّحاد . # ( ووصف نفسه بالرضا والغضب ، وأوجد العالم ذا خوف ورجاء ، فنخاف غضبه ونرجو رضاه ~~) هذه الجهة دون الأوّل في الربط ، ولذلك ما أنتج غير النسبة والإضافة . # ( ووصف نفسه بأنّه جميل وذو جلال ، فأوجدنا على هيبة وانس ) هذا آخر مراتب تنزلات ~~الجهة المتّصل بالأول بحكم الأمر الدوري ، فلذلك ما صرّح بالعالم هاهنا ، بل أدرج ~~النتيجة في أحد المرتبطين . # أقسام السالكين # واعلم أنّ من لطائف ما يشعر به هذا التفصيل وبدايع دقائقه بيان درجات رتبة ~~المستكملين إجمالا ، والإشارة إلى تفاوت ما يستحصل كلّ منهم بحسب استعداداته وطرق ~~مناسباته : # فإنّ منهم من سلك التروح والتقدّس ، وهو الذي رابطة مناسبته بالمبدأ ووسيلة ~~استفاضته منه محض التجرّد والتبتّل ، ومحافظة غيب روحه عن مخالطة التعلَّق والتكدّر ~~، وغايته الاتّصال بالملكوت الأعلى والتحقّق بالحقائق التنزيهيّة . # ومنهم من انغمس منه تلك الجهة في العلائق الهيولانيّة ، واستهلكت لطيفته ~~الروحانيّة تحت الكثائف الجسمانيّة وانحصر رقائق مناسبته في ارتكاب ما يرتجى به ~~رضاء الحقّ من الأوامر ، واجتناب ما يخاف به عن غضبه من المناهي وغايته نيل ما ~~يستعقب الرضاء من دخول الجنّات والاحتظاء بالمستلذّات والسلامة عمّا يستتبع الغضب ~~من ورود الجحيم ومكارهها من العذاب الأليم . # ومنهم من امتزج بين التروح والتعلَّق واعتدل غاية الاعتدال ، وتناسب بتلك ~~الجمعيّة المبدء الحقّ ، فيطوي مسافة الروابط والرقائق بجواذب الجذبات الإلهيّة ، ~~ومطايا الواردات العشقيّة ، وهذا هو الطريق المختصّ بالإنسان ، وفي عبارة الشيخ ~~إشارة إليه فلا تغفل. # تسمي الحق تعالى بالأسماء المتقابلة ومعنى اليد # (وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى) من الأوصاف (ويسمّى به) من الأسماء لا يخلو عمّا ~~يشعر بالتقابل ، وذلك لما في الإطلاق من لزوم الاعتبارين المتضادّين له وفيه كما ~~عرفت في المقدّمة فيلزم أن يكون كلّ صفة للحقّ لها مقابل يتّصف بهما معا . # (فعبّر عن هاتين الصفتين بـ « اليدين » اللتين توجّهتا منه على خلق الإنسان ~~الكامل) لما فيهما من التقابل ، واختصاص كلّ منهما بجهة من المؤثر عند توجّهه نحو ~~التأثير والفعل ، واحاطتهما جملة على كلّ ذلك المتوجّه إليه ، وفي استعمال التوجّه ~~ب « على » استشعار معنى الإحاطة والعلوّ . # ووجه اختصاص الإنسان الكامل بالتوجّه المذكور ( لكونه الجامع لحقائق العالم ) ~~يعني رقائق نسبه المعنويّة ولطائف روابطه الامتزاجيّة ( ومفرداته ) أي أعيان ~~جزئيّات العالم وذوات أفراده كما سلف لك بيانه . # وهاهنا تلويح يطلعك على استكشاف ما في هذا الموضع من التحقيق : # وهو أنّ الظاهر والباطن الَّذين عليهما ابتنى مباني حقائق التشبيه قد كمل ظهورهما ~~في الإنسان الكامل بما لا مزيد عليه أصلا ، وذلك لأنّ الصورة والمعنى قد انختم ~~أبواب تمامهما فيه بالختمين ، فهما اليدان ، فلا تغفل عن تحليله . # العالم حجاب على نفسه # ثمّ إذ قد تقرّر أنّ الإنسان الكامل صاحب أحديّة جمع الظاهر والباطن ، وهي ~~لبطونها بمنزلة الروح في خلافة التأثير وإنفاذ الأمر , لما مرّ غير مرّة. # قال رضي الله عنه : ( فالعالم شهادة ) بالنسبة إليه (والخليفة غيب ولهذا يحجب ~~السلطان) ليظهر قهرمان حكمه بنفوذ الأمر . # ( ولهذا وصف الحقّ نفسه بالحجب الظلمانيّة ، وهي الأجسام الطبيعيّة والنوريّة ، ~~وهي الأرواح اللطيفة ) . # فيما روي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم : "إنّ لله سبعين ألف حجاب من نور ~~وظلمة ، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" . # ( فالعالم بين كثيف ولطيف ) لا يخلو أمره عنهم ( وهو عين الحجاب على نفسه ) ضرورة ~~أنّه هو الحاجب ، ولا محجوب به غيره (فلا يدرك) العالم حينئذ (الحقّ إدراكه نفسه) ~~ضرورة أنّه إنّما يدركه من وراء الحجاب ، وذلك هو الأوصاف المشتركة بين الحقّ ~~والعالم ، التي هي عين العالم كما سبق بيانه . # (فلا يزال في حجاب لا يرفع) لامتناع رفع الشيء عن نفسه، فالعالم أبدا في حجاب ~~نفسه (مع علمه بأنّه متميّز عن موجده بافتقاره) إليه واستغنائه عنه . # وهذا معنى تسبيح الأشياء للحقّ، فهو إنّما يعلم الموجد بصفة الاستغناء من وراء ~~حجاب الكبرياء، فعلمه به من حيث الأوصاف العدميّة، لا غير . # ( لكن لا حظَّ له في وجوب الوجود الذاتي الذي ) هو من الأوصاف الثبوتيّة ( لوجود ~~الحقّ ) لما نبّهت عليه أن علمه إنّما يتعلَّق بالأوصاف التنزيهيّة ، ولا دخل له في ~~الأوصاف الثبوتيّة أصل (فلا يدركه أبدا ) . # (فلا يزال الحقّ من هذه الحقيقة) يعني الوجوب الذاتي وما يستتبعه من الأوصاف ~~الثبوتيّة المختصّة بالحق (غير معلوم) للعالمين ، (علم ذوق وشهود) فإنّه إنّما يعلم ~~إذا علمه علم تقليد واستدلال ، ومن ثمّة يرى العقل من حيث هو هو لا يجاوزهما ، فإنّ ~~العالم من حيث هو عالم لا يمكن له استحصال العلم الذوقي (لأنّه لا قدم للحادث في ~~ذلك) ، فمن علم منهم تلك الحقيقة فإنّما يعلمها بالحق من نوره الفائض من صورته ، لا ~~من صورة العالم . # الإنسان الكامل هو الخليفة # وإذ قد ظهر معنى اليدين وشمولهما لصنوف المتقابلين ( فما جمع الله لآدم بين يديه ~~إلَّا تشريفا ) له بكمال خلقته وترشيحا لشجرة رتبته ببلوغها لاستجماع الثمرة معها ، ~~( ولهذا قال لإبليس ) توبيخا له وتعريضا بنقصان خلقته منه : ( " ما مَنَعَكَ أَنْ ~~تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ " ). # عند ظهور الإباء ، الذي هو مقتضى نشأته الناقصة عن إدراك كمال جمعيّة آدم ~~والانخراط في سلك كليته والانقهار تحت قهرمان سلطانه . # ( وما هو إلَّا عين جمعه بين الصورتين : صورة العالم ) المشتمل عليها نشأة تفرقته ~~الظاهرة (وصورة الحق ) المشتمل عليها نشأة جمعيّته الباطنة ( وهما يدا الحق . ~~وإبليس جزء من العالم لم يحصل له هذه الجمعيّة ) يعني جمعيّة اشتمال اليدين ، إذ ~~ليس له نصيب إلَّا من أحد اليدين ، أعني صورة العالم ولهذا غلب عليه الأوصاف ~~العدميّة ، كالإباء والإغواء ، والقسم بالعزّة ، والاستغناء . وأمّا آدم فهو مشتمل ~~على الصورتين # فقال رضي الله عنه : ( فلهذا كان آدم خليفة ، فإن لم يكن ظاهرا بصورة من استخلفه ~~فيما استخلفه فيه ) . # من وضع الصور وإظهارها ، والكشف عن كنه مراده منه ( فما هو خليفة ) ضرورة أنّ ~~الخليفة هي المنفّذة لأحكام المستخلف إلى أن ينساق إلى غايتها المراد منها . # فلزم من هذه الشرطيّة الأمر الأوّل وهو اشتماله على صورة الحق . # كما لزم الثاني من قوله : (وإن لم يكن فيه جميع ما يطلبه الرعايا التي استخلف ~~عليها ) فما هو خليفة أيضا وحذف التالي اكتفاء بما سبق منه وبيان الشرطيّة واضح ( ~~لأنّ استنادها ) أي الرعاي ( إليه ، فلا بدّ أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه ، وإلَّا ~~فليس بخليفة عليهم ) . # ( فما صحّت الخلافة إلَّا للإنسان الكامل ) باشتماله الصورتين ، واحتوائه ~~النشأتين ( فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره . وأنشأ صورته الباطنة على ~~صورته تعالى ، # ولذلك قال فيه : « كنت سمعه وبصره » . وما قال : « كنت عينه واذنه » ففرّق بين ~~الصورتين ) تمييزا لليدين وتفصيلا لما يتعلَّق بهما من الأحكام المتقابلة والأوصاف ~~المتناقضة . وهذا إنّما هو من سعة قابليّته الذاتيّة . # ( وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود لكن ليس لأحد ~~مجموع ما للخليفة ، فما فاز إلَّا بالمجموع ) أي الَّذي فاز به الإنسان إنّما هو ~~المجموع - لا غير - فإنّ غير ذلك مشترك بينه وبين العالمين - فالحصر على ظاهره . # عموم سريان الحقّ والحقائق الكلية في العالم # وأمّا بيان عموم سريانه للعالم فهو أنّه موجود ( ولولا سريان الحق في الموجودات ~~بالصورة ما كان للعالم وجود ، كما أنّه لولا تلك الحقائق المعقولة الكلَّية ) ~~كالعلم والحياة ( ما ظهر حكم في الموجودات العينيّة ) منها . # فلا يكون في الأعيان ما له حياة وعلم ، فكما أنّ ظهور أحكام تلك الحقائق من ~~الأعيان يستدعي عموم سريانها فيها فكذلك ظهور حكم الوجود من العالم يقتضي عموم ~~سريانه فيه . # وقوله : « بالصورة » - متعلَّق ب « السريان » - فيه تنبيه على أنّ نسبة السريان ~~المذكور إلى قوسي الإلهي والكياني والصور ، والمعنى متساوية ، لا أنّ ذلك للمعنى ~~أوّلا ، ثمّ للصورة به على ما هو المتبادر إلى أفهام الأكثرين فالوجود لتلك الحقائق ~~من الجهات الاتحاديّة بين الحقّ والعالم والوجوه الاشتراكيّة بينهما ، إلَّا أنّ ~~الوجود للعالم ليس ذاتيّا له بخلاف الحق . # قال رضي الله عنه : ( ومن هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده ~~) كما أنّ الافتقار منه إليه في ظهوره ، فالافتقار أيضا من تلك الجهات . # وبيّن أنّ هذا الظهور من الإجمال مما يأباه الأحكام الظاهرة والأوضاع التشريعيّة ~~الفارقة ، كما سيشير إليه في معنى قوله تعالى : " يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا ~~رَبَّكُمُ " . # فما ناسب لبيانه إلَّا القرائن الشعريّة والتواليف المنظومة الجامعة كما أومأنا ~~إليه فلذلك غيّر مسلك التعبير. # إلى قوله : ( فالكلّ مفتقر ما الكلّ مستغن ) اعلم أنّ « الكلّ » في عرفهم إنّما ~~يطلق على الحق باعتبار الأسماء ، كما أن « الأحد » يطلق عليه باعتبار الذات ، ويقال ~~: "أحد بالذات ، كلّ بالأسماء " فالكل من العالم والحق بهذا الاعتبار له الافتقار . # وليس من شأن الكل الاستغناء ، ضرورة أن الكلية هي النسبة الإضافية المستدعية ~~للافتقار؛ فالح باعتبار كلية أسمائه وتفاصيل كمالاتها ، له الافتقار ضرورة . # ( هذا هوالحق قد قلناه ، لا نكني ) عن أمثاله في نظم الإجمال ، كما في نشر ~~التفاصيل ، على ما هو المشار إليه بقوله : «إن العالم مفتقر إلى الحق في وجوده» ؛ ~~فإنه إذا تقرر أن المفتقر إنما يفتقر في الوجود ، يستلزم افتقار الكل فيكون كناية. # وذلك لأن الغناء التام الذي لا يمكن أن يتطرق شوائب الاحتياج والافتقار فناء عزته ~~وسلطانه المتفرد هو الذي في ضمن الافتقار لاغير وقد سلف ما هو أصل لهذا ؛ فقوله : # ( فإن ذكرت غنيا لا افتقار به %~% فقد علمت الذي بقولنا نعني ) # إشارة إليه ، ويحتمل أن يجعله إشارة إلى طريق استحصال ذلك العلم ، أعني اشتراك ~~نسبة الافتقار الذي غزل الفكر والنظر عن أن يتوصل به إليه . # هذا حكم الإجمال ؛ وأما لدى التفاصيل فلكل من الأعيان القابلة للعالم ارتباط ~~بأسماء الحق ، كما أن لكل من تلك الأسماء بها ارتباط . # فانتظام أمر العالم واتصاله به مما لايتصور فيه الانقطاع ولا الانفصال أصلا . # (فالكل بالكل مربوط، فليس له عنه انفصال خذوا ما قلته عني) # قال رضي الله عنه : ( وقد علمت ) مما سبق في بيان حقيقة العالم وجهتيه ~~الاشتراكيّة والاختصاصيّة ( حكمة نشأة ) جسد ( آدم أعني صورته الظاهرة ) التي هي من ~~إحدى اليدين. # ( وقد علمت ) مما ذكر في الحقّ وأوصافه الاشتراكيّة والاختصاصيّة ( نشأة روح آدم ~~، أعني صورته الباطنة ) التي هي من اليد الأخرى ( فهو الحق الخلق ) بالنشأتين . # ( وقد علمت ) من هذ ( نشأة رتبته ، وهي المجموع الذي به استحقّ الخلافة ) من ~~الظهور بصورة المستخلف والاحتياز لجميع مطالب الرعايا . # ( فآدم هو النفس الواحدة) بالوحدة الحقيقيّة الإطلاقيّة الجمعيّة ( التي خلق منها ~~هذا النوع الإنساني ) أعني الشجرة الوجوديّة الكاملة الحائزة لجميع المراتب ~~بأجناسها وأنواعها ولوازمها وأعراضها المثمرة للنوع الحقيقي الإنساني. # القابل عند التأثر أن ينبثّ منهما أشخاص من صنفي الأبوين أعني أهل الصورة وأرباب ~~المعنى. # قال رضي الله عنه : ( و ) ذلك ( هو ) مؤدّى ( قوله : " يا أَيُّهَا النَّاسُ ~~اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها ~~زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً " ) . # هذا هو المناسب لما مهّد في تحقيق معنى آدم ولا يخفى على من له أدنى وقوف عليه ~~أنّه لا يمكن أن يحمل آدم هاهنا على الروح الكلي والعقل الأوّل ، كيف وقد بيّن ~~إحاطته بسائر المراتب والنشآت ، واشتماله على تمام اليدين و ظهوره بالصورة الجسديّة ~~نعم ، يمكن أن يكون ذلك وجها من وجوه تأويلات الآية. # ولو أفيض فيها أمكن استخراج وجوه أعلى من ذلك : # منها أن يجعل « النفس الواحدة » إشارة إلى الحقيقة المحمّديّة التي هي مبدأ الكلّ ~~، وزوجها الذي خلق منها خاتم الولاية ، المنبثّ منهما أعيان الصور والمعاني ، وممّا ~~يؤيّد هذا الوجه ذكر خلق الزوج منها بعد خلق الأعيان والأشخاص . # ومنها أن يجعل النفس الواحدة إشارة إلى المبدء الفاعل ، وزوجها هو القابل المنبثّ ~~منهما سائر الحقائق من مواليد العالم . # ومنها أن يجعلها إشارة إلى الطبيعة الكلَّية التي هي هيولى العالم عند المحقّقين ~~والزوج هي الصورة المشخّصة المنبثّ منهما سائر الجواهر والأعراض . # إلى غير ذلك من الوجوه ، كالجنس والفصل بالنسبة إلى الأنواع ، والماهيّة والتشخّص ~~بالقياس إلى الأشخاص ، والجوهر والعرض بالقياس إلى الأعيان . # تلويح عددي # وقد لوّح في المقدّمة على وجوه عالية من التلويحات التي لآدم ، ولهذا الموضع ~~دقيقة منها لا بدّ من التلويح عليه ، وهو أنّ آدم باشتماله على العقد الكامل قد ~~انطوى على المرتبة الجامعة لسائر مراتب الكثرة . # ولذلك ترى النفس والواحد الكاشفين عنه قد ظهر فيها ذلك العقد ولذلك فيما خلق منها ~~يعني النوع الإنساني فإنّه مشتمل على تلك المرتبة بعينها من وجه وعلى ضعفها من حيث ~~الزوجيّة ، فإنّ زوج الشيء صورة ضعفيّته . تأمّل . # تأويل التقوى والأدب مع الله تعالى # ثمّ إذ قد أفاد هذا البيان من الإجمال ما لا يخفى على الفطن ، حان أن يشرع في ~~تفصيله ، فقال مستنبطا من نفس تلك الآية ( فقوله : " اتَّقُوا رَبَّكُمُ " أي ~~اجعلوا ما ظهر منكم ) . # وهو النسب العدميّة الإمكانيّة كالافتقار والاحتياج وأمثاله ( وقاية لربكم ) عن ~~أن يصيبه شيء من تلك النسب والإضافات ( واجعلوا ما بطن منكم وهو ربّكم ) . # يعني الوجود الحقيقي وما يستتبعه من الأوصاف الوجوديّة ( وقاية لكم ) عن أن ينسب ~~إليكم (فإنّ الأمر ذمّ وحمد ) لأنّ ما نسب إلى الشيء فعلا كان أو صفة لا يخلو من أن ~~يكون مبدأ تلك النسبة هو الإمكان أو الوجوب والأوّل يسمّى الذم ، والثاني الحمد . # ( فكونوا وقايته في الذم ، واجعلوه وقايتكم في الحمد ، تكونوا أدباء ) في وقايتكم ~~له في الذم ، (عالمين) في وقايته لكم في الحمد . # آدم صاحب القبضتين # ثمّ بعد تبيين ما اشتمل عليه آدم من أجزائه الوجوديّة وتفصيل ما تضمّنته نشأة ~~ظهوره لا بدّ من الإبانة عن مراتبه الشهوديّة وتحقيق مراقي كمالاته الشعوريّة ~~تكميلا لما هو بصدده . # لذلك قال : ( ثمّ إنّه تعالى أطلعه على ما أودع فيه ) من مفردات أجزاء العالم ~~وتراكيب نسبها وجزئيّات أحكامها بأحديّة جمعيّته الإحاطيّة التي بها يدرك الكلّ ( ~~وجعل ذلك ) يعني ما أودع فيه ( في قبضتيه ) الشاملتين للكل . # ( القبضة الواحدة ) منهما المشتملة على أعيان المفردات كلَّه (فيها العالم). # (والقبضة الأخرى) منهما المشتملة على النسب التركيبيّة والأحكام الامتزاجيّة أجمع ~~هي (آدم) الذي هو روح العالم وباطنه . # وإذ قد عرفت أنّ آدم هو النفس الواحدة بالوحدة الحقيقيّة التي لا يتأثر كمال ~~وحدتها عن تكثّر الزوج والأولاد أصلا فلا يبعد أن يكون باعتبار صاحب القبضتين ، ~~وبالآخر في طيّ إحداهما كما أنّ الثمرة باعتبار هو الجامع بين أصل الشجرة وفروعها ~~فهي صاحب القبضتين ، على أنّها في طي قبضة واحدة منهما . # ثمّ إنّك قد عرفت أنّ من أولاد آدم من صحّت نسبته إلى آبائه العلويّات الوجوبيّات ~~الإلهيّات كالأنبياء عليهم السّلام وهم الرجال بنو آدم ومنهم من صحّت نسبته إلى ~~امّهات السفليّات الإمكانيّات الكونيّات ، كالكائنات مطلقا وهم النساء بنات آدم ~~والمودع في هذا الكتاب إنّما هو الطائفة الأولى منهم . # بما لهم من مراتبهم المقدّرة لهم ، وحكمهم الكاشفة عنها ، فإنّهم هم الصور ~~الوجوديّة المظهرة للحق دون الثانية . # فإنّهم الصور الكونيّة المخفية إيّاه فهي بمعزل عمّا هو بصدده . # فلذلك قال : ( وبنوه وبيّن مراتبهم فيه ) أي فيما أودع في آدم الحقيقي ضرورة أنّ ~~تعيين مراتب جزئيّات ذلك النوع من أمهات النسب المشتمل هو على كلَّه . # ( ولمّا اطلعني الله في سرّي ) حيث لا دخل للواسطة فيه أصل (على ما أودع في هذا ~~الإمام الوالد الأكبر) يعني آدم الحقيقي ( جعلت في هذا الكتاب منه ما حدّ لي ،لا ما ~~وقفت عليه فإنّ ذلك لا يسعه كتاب ، ولا العالم الموجود الآن ) لأنّ إظهار الحقائق ~~بحسب ما نطق به لسان الوقت لبنيه ، وإشعار المعارف بحسب ما سمح به مشاعر الزمان ~~لذويه . # ولذلك ترى المتأخّرين من الأولياء يفهمون من الكلام الكامل ما عجز عنه المتقدّمون ~~منهم ، واللاحقون يصلون إلى ما لم يصل إليه السابقون . # وفي كلامه هذا ضرب من الاعتذار بين أيدي الورثة الختميّة مما تنزّل في كلامه ~~بالنسبة إلى شاهق علوّهم فلا تغفل . # نظم الكتاب وفهرس فصوصه # ( فممّا شهدته - مما نودعه في هذا الكتاب كما حدّه لي رسول الله صلَّى الله عليه ~~وسلَّم - حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة ، وهو هذا الباب ) . # هذا شروع في بيان ترتيب الكتاب على ما ألَّف عليه ونظَّم فصوصه على ما اتّسق له ، ~~بحيث يعلم منه وجه الحصر في أبوابه . # وذلك لأنّ المحدّد له لما كان هو الخاتم الذي أتى بجوامع الكلم المنحصرة مواد ~~مفرداتها وامّهات أصولها في الثمانية والعشرين . # كما ستطلع على سرّه في غير هذا المجال إن شاء الله تعالى لا بدّ وأن يكون عدد ~~أبواب هذا الكتاب على طبقها لكن لمّا كان الواحد منها ما يتعلَّق بخاتم الولاية. # وذلك ممّا لا يحتمل آن التأليف إظهاره ، جعل مطويّا عنه فيه ، وكأنّه أشار إلى ~~ذلك الاعتذار بقوله : " ولا العالم الموجود الآن " . # ويمكن أن يجعل صورة جمعيّة الكتاب بإزاء ذلك الواحد ، لكن الأوّل أوفق ، فإنّ ~~لهذه الصورة أيضا حرفا مركَّبا مستقلا كذلك بإزائها . # وأمّا بيان ترتيب التأليف : # فهو أنّه قد تكفّل لبيان حقيقة آدم بما أودع فيه من مبدأ فتح ظهوره إلى منتهى ختم ~~كماله وقد بيّن أنّ ذلك منحصر في القبضتين : # إحداهما هي الشاملة للعالم بأجزائه المنتهية شجرة مراقي ظهورها إلى الإنسان . # والأخرى هي الشاملة للإنسان بجزئيّاته المنتهية شجرة معارج كمالها إلى الخاتم . # وقد عرفت أنّ الأمر التدريجي الواقع في القوس الأوّل من الدائرة الوجوديّة واقع ~~في القوس الثاني منها بترتيبه ، على ما اقتضاه الأمر الدوريّ والحقيقة التامة ~~الكماليّة . # فأوّل ما يجب أن يبيّن من الحكم هي الباحثة عن حقيقة العالم بجميع أجزائه عينا ~~وعقلا إلى آدم - كما حقّقه هذا الفصّ . # ( ثمّ حكمة نفثيّة في كلمة شيثيّة ) لأنّها كاشفة عن سر انبثاث الفيض الذاتي ~~وانبساط النفس الرحماني على قوالب القوابل بحسبها ، وهو أوّل ما يترتّب على المرتبة ~~الأحديّة الجمعيّة . # ( ثمّ حكمة سبّوحيّة في كلمة نوحيّة ) لأنّها كاشفة عن سرّ ما للملإ الأعلى ~~والمبادئ المجرّدة ، من المعاني التنزيهيّة . # ( ثمّ حكمة قدّوسيّة في كلمة إدريسيّة ) لأنّها كاشفة عن سرّ ما للأرواح المطهّرة ~~والنفوس المقدّسة من المعاني التقديسيّة . # ( ثمّ حكمة مهيّميّة في كلمة إبراهيميّة ) لأنّها كاشفة عن سرّ ما للقلب الكامل ~~من الجمعيّة بين معاني التقديس وصور التحميد . # ( ثمّ حكمة حقيّة في كلمة إسحاقيّة ) لأنّها كاشفة عن سرّ ما للخيال من الصور ~~المثاليّة والأجساد الشبحيّة . # ( ثمّ حكمة عليّة في كلمة إسماعيليّة ) لأنّها كاشفة عن سرّ ما للحواسّ من الصور ~~الهيولانيّة والأجرام الجسمانيّة . # ( ثمّ حكمة روحيّة في كلمة يعقوبيّة ) لأنّها كاشفة عن سرّ ما للمزاج الجمعيّ من ~~الهيئات التركيبيّة والنسب الارتباطيّة . # ( ثمّ حكمة نوريّة في كلمة يوسفيّة ) لأنّها كاشفة عما للسرّ الوجوديّ من الأنوار ~~الجماليّة الباهرة والأسرار الكماليّة الظاهرة ، وبها تمّ سير الوجود في المظاهر ~~الصوريّة والمجالي الجمعيّة النوريّة ، بحسب بروزه على المشاعر الشاعرة ، وخروج ~~النفس الرحماني منه عن مكامن الباطن إلى مخارج الخارج ، فهذا السير من مبتدأ مفاتيح ~~أبواب الظهور إلى منتهى ما أمكن منه في كمّل النوع الكمالي ، وهو أوّل الامتدادات ~~الوجوديّة وأطولها . # ثمّ له سير آخر في هذا النوع بحسب إبرازه في شعار الشعائر وإخراجه بصور الأوضاع ~~الكاشفة عن الكنه ، والدلائل عليه من الجهتين : # إحداهم في عرض أرضه الظاهر ، أعني الظهور على البلاد والعباد. # والأخرى في عمق بطنه الباطن ، أعني الكشف عن تلك الأوضاع والإبانة عن تمام المراد ~~، وبه يختم أبواب كماله . # وهاهنا تلويح له كثير دخل في هذا النظم ، وهو أنّ لآدم بما اشتمل عليه من العقد ~~الكتابي التفصيلي على ما سبق تحقيقه ظهورا في السيرات الثلاث المذكورة في كلّ منها ~~بذلك العقد ، لاشتماله على جميع المراتب التفصيليّة واحتوائه على كلَّها . # فلذلك لمّا بلغ منتهى مدارج السير الأوّل شرع في الثاني يعدّ مراقي كماله . # بقوله : ( ثمّ حكمة أحديّة في كلمة هوديّة ) لأنّها كاشفة عن الطريق إلى الله ~~إجمالا ، لأنّ مبنى أمر الإظهار عليه - وضعا كان أو كشف . # ( ثمّ حكمة فاتحيّة في كلمة صالحيّة ) لأنّها كاشفة عن طريق الإنتاج وفتح باب ~~التوليد والاكتساب . # ( ثمّ حكمة قلبيّة في كلمة شعيبيّة ) لأنّها كاشفة عن الطرق بشعبها وفروعها . # ( ثمّ حكمة ملكيّة في كلمة لوطيّة ) لأنّها كاشفة عن الوصول إلى سلطنة الملك من ~~قهر القوم ونفوذ أمر مجازاته فيهم . # ( ثمّ حكمة قدريّة في كلمة عزيزيّة ) لأنّها كاشفة عن حفظ الصور الملكيّة عن ~~الانحلال ومبدئه. # ( ثمّ حكمة نبويّة في كلمة عيسويّة ) لأنّها كاشفة عن معظم أمر الإظهار من إحياء ~~الموتى وانشاء الطير . # ( ثمّ حكمة رحمانيّة في كلمة سليمانيّة ) لأنّها كاشفة عن تمام سلطان الإظهار ~~ونفوذ قهرمان أمره في الثقلين . # ( ثمّ حكمة وجوديّة في كلمة داوديّة ) لأنّها كاشفة عن مبدأ تلك السلطنة وأصلها ~~بما اشتملت عليه ، لأنّ الحكمة الداوديّة مشتملة على السليمانيّة منها وزيادة ، حيث ~~أنّ سليمان موهوب له ، على ما ورد في التنزيل : # " وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ " وقوله : " وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا ~~فَضْلًا ". # ( ثمّ حكمة نفسيّة في كلمة يونسيّة ) لأنّها كاشفة عن جامعيّة أمر الإظهار مع ~~الاختفاء والاستتار ، إذ هو مع أنّه في ظلمات الخفاء مغمور ، له مرتبة إظهار ~~الرسالة الكاملة بما ورد : " وَأَرْسَلْناه ُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ~~". # وبها تمّ السير الذي في عرض الأرض الاعتدالي الإنساني نحو إظهار كمالاته الصوريّة ~~. # فحان أن يشرع في السير الذي في عمق بطونه نحو كمالاته المعنويّة المنطوية عليها ~~تلك الكمالات الصورية . فمن تمّ به هذا السير الأخير هو الخاتم للكمالات الوجوديّة ~~كلَّها . # ولا شكّ أنّ بروز الكمالات المعنويّة والمعارف الكشفيّة عن مزارع ذلك الأرض مسبوق ~~بتسلَّط قهرمان القهر على تلك المملكة وإفنائه أحكام ما به الامتياز ، فبحسب خفاء ~~الأحكام الامتيازيّة يظهر المعارف والعلوم التي هي من الأحكام الاتّحاديّة . # فقوله : ( ثمّ حكمة غيبيّة في كلمة أيوبيّة ) إشارة إلى أوّل ما يتبيّن به أحكام ~~تلك السلطنة ويكشف عن وجوه أوامره النافذة . # ( ثمّ حكمة جلاليّة في كلمة يحياويّة ) لأنّها كاشفة عن أوّل ما يترتّب من ~~الأحكام الوجوديّة والأوصاف الثبوتيّة على الإقهار تحت أحكام السلطنة المذكورة ~~وأوامرها المفنية النافذة ، لما ورد : " لَمْ نَجْعَلْ لَه ُ من قَبْلُ سَمِيًّا " ~~، فبعد ذلك وقع الاهتداء به فيه . # ( ثمّ حكمة مالكيّة في كلمة زكراويّة) لأنّها كاشفة عمّا يترتّب على تمام أمر ~~الانقهار ،ولذلك قد انساق حاله إلى أن نصّف بالمنشار. # ( ثمّ حكمة إيناسيّة في كلمة إلياسيّة ) لأنّها كاشفة عمّا يترتّب على ذلك ~~الانقهار مما يبدو من أعلام منازل القرب وعلائم مقامات التداني ، بعد قطع فيافي ~~البعد ومهامه التفرقة والهجر ، من المناجاة والمناداة ، ولذلك أعيدت هذه الكلمة ~~مرّتين - كما ستقف عليه . # ( ثمّ حكمة إحسانيّة في كلمة لقمانيّة ) لأنّها كاشفة عمّا يظهر لدى العروج على ~~مراقي الإيقان ومدارج الإحسان والعرفان . # ( ثمّ حكمة إماميّة في كلمة هارونيّة ) لأنّها كاشفة عمّا يشترك فيه الواصلون إلى ~~حضرات المكالمة ومواقف المخاطبة من الرحمة الانبساطيّة النوريّة التي هي ظاهر ~~الوجود ، وعليه عاجل أمره ، ولذلك يرى قومه عند خلافته يعبدون العجل . # ( ثمّ حكمة علويّة في كلمة موسويّة ) لأنّها كاشفة عن خصائص موطن الكلام الموصل ~~إلى كنه السلام . # ( ثمّ حكمة صمديّة في كلمة خالديّة ) لأنّها كاشفة عمّا ينقطع عنده النسب ، ولذلك ~~ما تمّ أمر رسالته وانقطع رابطة بلاغة إلى امّته بعصيانهم له . # ( ثمّ حكمة فرديّة في كلمة محمّديّة ) لأنّها كاشفة عمّا يتبيّن به كليّة المراد ~~وأحديّة جمع الحقائق ، من المبدء إلى المعاد . # وهاهنا تلويح وهو أنّ للفرد عقدا يشتمل عليه «طه» وهو عقد الختم ، فلذلك اختصّ به ~~الكلمة المحمّديّة . # وقد علم بذلك خصوصيّات الحكم بكمالاتها ، وبيان الحصر فيها ووجه ترتيبها . # ( وأمّا فصّ كلّ حكمة ) فهو ( الكلمة التي نسبت إليه ) تلك الحكمة ، فإنّ الهيئة ~~الجمعيّة للحكمة وصورة فوقيّتها إنّما تتحقق عينا وبالذات في كلمتها ، وكتابا ~~وبالتبع في فصول هذا الكتاب . # فيكون الظرف هناك مستقرّا ، على أن يكون صفة للحكمة وأمّا وجه اختصاص كل حكمة ~~بالكلمة المنتسبة هي إليها فسنبيّن في صدر كلّ فصّ إن شاء الله تعالى . # وإذا كان الأمر على ما بيّن (فاقتصرت على ما ذكرته من هذه الحكم في هذا الكتاب ، ~~على حدّ ما ثبت في امّ الكتاب ) أن يظهر فيه بحسب مراقي أطوار الزمان ومدارج أذواق ~~أهله ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما رأى في المنام ، بناء على ما تقرّر أنّ الفاتحة ~~امّ الكتاب ، وذلك هو الفاتحة لأبواب إظهار مخدّرات أسراره من مكامن الخفاء إلى ~~مجالي البيان ومنصّات العيان . # وقوله : ( فامتثلت ما رسم لي ووقفت عندما حدّ لي ) يؤيّد هذا الوجه . # ( ولو رمت زيادة على ذلك ما استطعت ، فإنّ الحضرة تمنع ذلك ) # لما سيجيء في الفصّ الشيثي أنّ الحضرات هي الحاكمة في إظهار الحقائق وصور المعارف ~~، فإنّها بمنزلة المرآة ، لا ترى فيها تلك الصور إلَّا بحسبها ، وإن كان مبدأ تلك ~~الاختلافات راجعة إلى القوابل المستند إلى الفيض الأقدس ، فيكون الكل من الله . # وقوله : # ( والله الموفق لا ربّ غيره ) # إشارة إلى ذلك . # ومن ذلك : # . # %~% ### | فص حكمة نفثية في كلمة شيثية ### | 02 - فص حكمة نفثية في كلمة شيثية .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ~~ابن محمد التركة ### || شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم ~~الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # ووجه اختصاص هذه الحكمة بشيث هو أنها كاشفة عن وجوه امتیاز قوالب القوابل بحسب ما ~~تطلبه ألسنة استعداداتهم من عطايا الحقائق الشهودية وعوارف المعارف الوجودية ، فهو ~~أول ما يتولد من الوالد الأكبر . # وأيضا الشيث : هبة الله - لغة - وهي التي فتح بها أبواب خزائن الكمالات ، شهودية ~~كانت أو وجودية . # وهاهنا تلويح من الرقوم : وهو أن الحرفين (ش ث) الذين قد استكمل فيهما سائر ~~الكمالات الشهودية والثبوتية ، قد اشتمل عليها « شیث »، وهي الكلمة الجامعة ~~لخصوصيات بني آدم ، الفاصلة لأحكامها الامتيازية ، الحاصلة من النفث الوجودي والنفس ~~الرحماني ؛ ولذلك بين في هذا الفص أمر الخاتمين ، وانساق الكلام فيه إلى من انختم ~~به باب هذا النوع من الظهور - ولا تغفل عن العقدين أيضا . # وإذا كان المقصد الأقصى في هذا الفص إنما هو الفحص عن مراقي كمالات بني آدم ، ~~والاستقصاء في مواقف معارفهم ومواطن أذواقهم ومشاربهم من مبادئ أصل شجرة ظهور تلك ~~الكلمة إلى نهاية استواء ثمرتها ، وذلك هو الذي لوح إليه الحرفان الظاهر بهما ياء ~~الجمعية ، أعني شين الشجرة وثاء الثمرة . # على ما أفصح عنه الكلمة الشيثية الكاشفة عن القابل ، الذي جمع في ياء نسبته ~~الأصلية الجمعية خصوصيتي شين الشجرة وثاء الثمرة . # وكأنك وقفت عليه عند الكلام في القبضتين - أشار إلى تقسيم يخرج صنفا صنفا منهم ، ~~و يبين وجوها يتمايز بها بعضهم عن البعض ، تمايزا ذاتيا . # فإن أسئلة السائلين هي الأصل المقوم لخصوصيتها المترتبة عليها ، مبتدءا من الأصل ~~الأنزل ، متدرجا في تلك المواقف ، و مترقيا في مدارج كمالها إلى الحضرة الختمية - ~~بقوله : # أقسام العطايا : # ( اعلم ان العطايا والمنح الظاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم ) - ~~أي سواء كان بواسطة أو بغير واسطة - ( على قسمين : منها مایكون عطايا ذاتية وعطايا ~~أسمائية) فتكون القسمة مربعة. # "وتتميز" الأقسام كله " عند أهل الأذواق " ، ضرورة أن ذوي العقول وأرباب الأنظار ~~الفكرية إنما يستوهبون المطالب من الأسباب المعدة ، و يسلكون مسالك الأقيسة الموصلة ~~إليها ، فهم محجوبون عن العطايا الذاتية والمواهب المقدسة عن التوسل بالوسائط . # وأيضا قولهم بالعلية ينافي ما يكون من أيدي العباد أن يروه من العطايا الذاتية ، ~~وهو أحد الأقسام المذكورة . # قال رضي الله عنه : ( كما أن منها ما يكون عن سؤال في معين ، وعن سؤال غير معين، ~~و منها ما لا يكون عن سؤال ) فهذه ثلاثة أقسام في الأربعة ، يحصل منها اثنا عشر ~~صنفا، وإلى ذلك أشار بقوله : (سواء كانت الأعطية ذاتية ، أو أسمائية) . # أقسام السائلين : # " فالمعين" من السائلين "كمن يقول : يا رب أعطني كذا ، فيعين أمرا ما لا يخطر له ~~سواه ". # ( وغير المعين ) منهم ( كمن يقول : يارب أعطني ما تعلم فيه مصلحتي من غير تعيين ~~لكل جزء ذاتي) روحانيا كان ذلك الجزء الذاتي من الغذاء المقوم له أو جسمانيا ، ( من ~~لطيف ) العلوم والمعارف ، والأعمال المصفية للقلب ، المنورة للروح ، الهادية إليها. # ( وكثيف ) كالمشتهيات و المستلذات ، وسائر الأغذية والأفعال المكدرة للقلب ، ~~المظلمة للروح ، المظلة عن نحوها ؛ فلا يعين شيئا من ذلك في دعائه . # كما قيل : # وكلت إلى المحبوب أمري كله …. فإن شاء أحياني وان شاء أتلف # وهذا مقام الواصلين إلى جماء الحب ولواء الولاء ، كما قيل : # ما بين ضال المنحني وظلاله …. ضل المتيم واهتدى بضلاله # وهذه الأقسام كلها باعتبار المعطى والمسؤول ، وباعتبار السائلين له تقسیم أخر ~~إليه أشار بقوله: ( و السائلون ) منهم أيض (صنفان : صنف بعثه على السؤال الاستعجال ~~الطبيعي، فإن الإنسان ځلق عجولا ) وذلك لأن من شأن الطبيعة وطين قابليتها اللازب أن ~~يلتصق بما يستشعر فيه كماله عاجلا. # المبين ( والصنف الآخر بعثه على السؤال لما علم أن تم أمورا عند الله قد سبق ~~العلم بأنها لا تنال إلا بعد سؤال ) وفي الكلام تقديم وتأخير ، أي " لما علم أن ثم ~~أمورا ، بعثه علمه " . # وهذا الصنف أعلى السائلين المحجوبين مرتبة ، حيث أن الباعث لسؤاله هو العلم ، ~~فلذلك تراه مترقيا من العلم إلى القول. # حيث قال : ( فيقول : « فلعل ما نسأله سبحانه يكون من هذا القبيل » ، فسؤاله ~~احتياط لما هو الأمر عليه من الإمكان ) أي إمكان أن يكون مطلوبه مما علق بالسؤال ، ~~وإن لم يعلم ذلك يقينا ، فإن ذلك موقوف على الاطلاع بما في علم الله . # (وهو لا يعلم ما في علم الله ولا ما يعطيه استعداده في القبول) إذ لو علم ذلك ~~لعلم ما في علم الله أيضا ، لأنه تابع له . # ولا يبعد الاطلاع على خصوصيات كل استعداد بما يناسبه من الأمور إجمالا للمفترسين ~~، كالوقوف على قابلية واحد للطب ، والآخر للفقه ، والآخر للحساب وغير ذلك من ~~الصنائع والحرف، إنما الكلام في تفاصيل خصوصیات تلك الاستعدادات بحسب الأزمنة ~~والأوقات ، ومايصلح له في كل حين منه # (لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمان فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان ~~) . # كما للسائل إذا كان من أهل الحضور ، فإنه يعرف مقتضى حاله ( و) أنه ( لولا ما ~~أعطاه الاستعداد السؤال ما سأل ، فغاية أهل الحضور) - يعني القاطعين منازل فيافي ~~العلل وبيداء الأسباب ، القادمين من مسالك أهل البعد وأقاصي المقامات (الذين لا ~~يعلمون مثل هذا) قبل # ورود وقته - فإن من أهل الحضور من يعلم ذلك على غاية موضه - ( أن يعلموه في ~~الزمان الذي يكونون فيه ، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان وأنهم ~~ما قبلوه الا بالاستعداد ) لأن موطن الاستعداد و موقف القابلية أقدس من أن يكون ~~هناك لحجاب البعد حكم ، أو القهرمان الغيبة نفاذ أمر . # (وهم صنفان ) أي الواقفون من السائلين الحاضرين : ( صنف يعلمون من قبولهم ~~استعدادهم ، و صنف يعلمون من استعدادهم مايقبلونه ) فإن الاستعداد معدن نفائس ~~العلوم والمعارف وسائر ما يستخرج من القوة إلى الفعل . # (هذا أتم ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف ) يعني صنف السائلين الحاضرين ~~، لأنه قادر على استعلام ما يؤول إليه كل استعداد وما ينتهي إليه مال كماله . # العبد المحض من السائلين: # (ومن هذا الصنف) أي السائلين الحاضرين (من يسأل لا للاستعجال ولا للإمكان ، وإنما ~~يسأل امتثالا لأمر الله في قوله: " أدعوني أستجب لكم" فهو العبد المحض) الذي لايشوب ~~صرافة عبودته بنسبة اختيار ، ولا إرادة مطلوب أو طلب مراد. # كما قيل : # سقط اختياري مذ فني بحبكم …. عني ، فلا أرجو ولا أتطلب # ليس المحب حقيقة من يشتهي …. أو يشتكي ، أو يرتجي ، أو يرهب # (وليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه - من معين أو غير معين - وإنما همته ~~في امتثال أوامر سیده ، فإذا اقتضى الحال السؤال ، سأل عبودية ، وإذا اقتضى التفويض ~~والسكوت ، سكت) لأن أحوال هذا العبد إنما يجري على مقتضى إرادة مولاه ، فكل ما ~~يقتضيه حاله فهو مراد مولاه و مأموره. # ولذلك يستلذ به ، وإن كان مما ينافر طبعه ويؤلم نفسه كما قيل : # حسب المحب تلذذا بغرامه …. من كل ما يهوى وما يتطلب # خمر المحبة لا يشم نسيمه …. من كان في شيء سواها يرغب # وهذه المرتبة الامتثالية للسائلين تناسب طور النبوة ، فإنها كمال مرتبة العبودية ~~التي هي أصل تلك المرتبة - على ما سيجيء تحقيقه - كما أن المرتبة الإمكانية لهم ~~تناسب طور الولاية ، لأن أصله وباعثه العلم . "" أصله الأعلي النور الأزلي الساري ~~بالحب لله فى الله و الصدق و الإخلاص لوجه لله "" # ولذلك قال: (فقد ابتلي أيوب وغيره ، وما سألوا رفع ما ابتلاهم الله به ، ثم اقتضى ~~لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك ، فرفعه الله عنهم) . # ( والتعجيل بالمسؤول فيه و الإبطاء) ليس إل (للقدر المعين له عند الله ). لادخل ~~لدعاء العبد فيه أصل ( فإذا وافق السؤال الوقت أسرع بالإجابة ، وإذا تأخر الوقت - ~~إما في الدنيا وإما إلى الآخرة - تأخرت الإجابة - أي المسؤول فيه ، لا الإجابة التي ~~هي « لبيك » من الله - فافهم هنا) . # فإنها لاتتخلف عن السؤال أصلا ، لأنه موعود بقوله : # " أجيب دعوة الداع إذا دعان". وقوله: "ادعوني أستجب لكم ". وقوله: " فاذكروني ~~أذكركم ". # ولا يمكن له أن يخلف الوعد ، فإنه لا يقبل الحلف بالنسبة إليه - بخلاف الوعيد . # وأيضا فإن الوجود الكلامي و الصور الحرفية هي أقرب ما ينسب إليه صدور الآثار ~~المسؤول عنها ، فلذلك ترى الحق إذا أراد الظهور بصورة الأثر قال : «كن» ، وبه ظهر ~~العوالم والآثار ، فهي صاحب الأثر بالذات ، لايمكن أن يتخلف عنها ، وكأن قوله : « ~~فافهم » إشارة إلى هذه الدقيقة . # فعلم أن أصناف السائلين - أقل ما يحصل من هذا التقسيم - خمسة ، وهم في التقسيم ~~الأول الحاصل من قوله : " منها ما يكون عن سؤال " ثمانية أقسام ، فالحاصل من ~~المجموع یكون أربعين صنفا ، لكن الكتل منهم ثلاثة : # السائل بالإمكان . # والعبد الممتثل . # والمطلع على مؤدي الاستعدادات ، العارف من نفس الاستعداد ما يقبله من الكمال . # هذا تمام الكلام في القسم الأول يعني السائلين . # أقسام السؤال : # قال رضي الله عنه : (وأما القسم الثاني - وهو قولنا : « ومنها ما لا يكون عن سؤال ~~» فالذي لا يكون عن سؤال ، فإنما أريد بالسؤال : التلفظ به ؛ فإنه في نفس الأمر ~~لابد من سؤال) ضرورة أن الفيض تابع للعلم ، والعلم تابع لما يستدعي القابل السائل ~~مما يقتضيه ذاته . # وذلك السؤال (إما باللفظ، أو بالحال ، أوبالاستعداد) إلا أن الحال والاستعداد ~~يقيدان السؤال ويسري حكمهما فيه لشدة ارتباطهما بلسانيهما دون اللفظ ، فإنه لا يسرى ~~أحكام تقييد اللافظ منه إليه ، وذلك لاستقلال مرتبة الكلام في مراتب الوجود ، وكمال ~~جمعيته وإحاطته في الظهور ، فيمكن أن يؤدي بإطلاقه . # (كما أنه لايصح حمد مطلق قط إلا في اللفظ ، وأما في المعنى فلابد أن يقيده الحال) ~~ويسري حكمها فيه لصفاء عالمه ( فالذي يبعثك على حمد الله ) من الأحوال التي تمدك ~~وتخليك بالمعدات المقومة لك في مراتب الوجود ، أو تفنيك وتخليك عن الموانع العائقة ~~لك في مراتب الشهود ( هو المقيد لك باسم فعل ) - كالكريم والودود في الأول. ( أو ~~باسم تنزيه ) - كالقدوس والسلام في الثاني . # (والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه) لأنه من الفيض الأقدس والسر الأخفى الذي ~~لا يطأ وادي طواه إلا من خلع نعلي الاثنينية والمغايرة ؛ فصاحب الاستعداد مادام ~~صاحبا له لا يصل إليه ولا يشعر به (ويشعر بالحال ، لأنه يعلم الباعث - وهو الحال - ~~فالاستعداد أخفي سؤال ) . # (وإنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن الله فيهم سابقة قضاء ، فهم قد هیوا ~~محلهم) بتفريغه عن شواغل الدعاء والسؤال وشوائب أعراض الأغراض ( لقبول ما يرد منه ، ~~وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم ) لاشتغالهم بما يرد منه واستغراقهم فيه . # الواقفون على سر القدر من السائلين: # قال رضي الله عنه : ( ومن هؤلاء) الساكتين عن السؤال (من يعلم أن علم الله به في ~~جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه ، قبل وجودها ، ويعلم أن الحق لا ~~يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العالم به) لما سبق أن العطاء على وفق الإرادة ، ~~والإرادة تابعة للعلم ، والعلم ما أعطاه العين المعلوم مما يقتضيه ذاته ويعبر عنه ~~السا استعداده ( وهو ما كان عليه في حال ثبوته ؛ فيعلم ) هذا العبد ( علم الله به ~~من أين حصل ) و أن الكل من عينه ظهر عليه ، أخذ منه فرد إليه " هذه بضاعتنا ردت ~~إلينا " . # (وما ثم صنف من أهل الله أعلى وأكشف من هذا الصنف فهم الواقفون على سر القدر) ~~المطلعون على مبادئ تفاصيل جزئيات أوضاع العالم ومصادر وقوع أحكامها وأفعالها ، أنه ~~من نفس عينه الثابتة في حال عدمه ، الكاشفة عن كل أحوالها بمقاديرها وأزمانها ، "لا ~~يغادر صغيرة " من تلك الأوضاع "ولا كبيرة إلا أحصاها" إحصاء تفصيل وإيقان، فالعارف ~~بسر الارتباط المذكور هو الواقف على سر القدر. # (وهم على قسمين) - فالساكتون عن السؤال ثلاثة أصناف : # (منهم من يعلم ذلك مجملا ، و منهم من يعلمه مفصلا ، والذي يعلمه مفضلا أعلى وأتم ~~من الذي يعلمه مجملا ، فإنه يعلم ما في علم الله فيه) أي يعلم ما في ذلك العبد ~~العالم من تفاصيل أحواله ، حال كونه في علم الله . # هذا إذا جعل أحد الطرفين حالا ، ويمكن أن يجعل بدلا، ومعناه على ذلك أظهر . # والعالمون بهذا الوجه أيضا صنفان : # فإن ذلك العلم # (إما بإعلام الله إياه ، بما أعطاه عينه من العلم به) # بدون اطلاعهم على العين نفسه وهو بمنزلة قرب النوافل. # ( وإما بأن يكشف له عن عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها ) فيشاهد العين ~~بأحوالها وما ينطوي تحتها من جزئيات الأعيان المنتسبة إليها بأحكامها و أحواله (إلى ~~ما لايتناهي) ضرورة أن الفائز بهذه المرتبة العليا والذروة القصوى لا يكون إلا ~~حقيقة كلية ، له نسبة العلو والإحاطة ، كالخاتمين ومن يرثهما من الأقطاب والكتل . # ثم إن هذه الأصناف الثلاثة من الساكتين إذا ضرب في الأربعة منهم المستخرجة من ~~التقسيم الأول ، الذي لنفس الأعطيات ، تصير إثني عشر صنفا ، فيكون مجموع الأصناف ~~المعدودة هاهنا إثنين وخمسين . # لأن هذا العدد على قاعدة العقود راجع إلى السبعة التي عليها مدار دائرة الوجود ~~والشهود ، إلى غير ذلك من الخصوصيات التي لهذا العدد ، كما يتبين في غير هذا المجال ~~إن شاء الله تعالى ، وقد لاحظ في عد هذه الأصناف رابطة الترتيب ، حيث ابتدأ من ~~المحجوبين متدرجا ، مترقيا إلى هذا الصنف ، الذي هو أكمل الأصناف . # ( وهو أعلى ) كشفا من الكل ( فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به ، لأن ~~الأخذ من معدن واحد ) وهو العين الثابتة حال ثبوتها ، فيكون هذا المكاشف مثل الحق ~~في ذلك ، لكن لما كان للحق طرف الإحاطة والعلو ، يكون العلمان وإن كانا متساويين ( ~~إلا أنه من جهة العبد عناية من الله سبقت لها، هي من جملة أحوال عينه ، يعرفها صاحب ~~ذلك الكشف ، إذا أطلعه الله على ذلك ) العين وأحواله (أي على أحوال عينه) ضرورة أن ~~هذه العناية من جملة أحوال العين التي هي سابقة على الكل ولذلك أنتج هذه الخاتمة ~~التي هي محيطة بالكل . # أما بيان أنه لابد للعبد في علمه هذا من سابقة عناية من الله (فإنه ليس في وسع ~~المخلوق إذا أطلعه الله على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها) بأن ~~يكشف له عن تلك العين في حال وجودها ، ويعلم منه سائر ما انطوت عليه من الأحكام ~~والأحوال ، بعد أن تقع صورة الوجود الكاشفة السائر الصور عليه ( أن يطلع في هذه ~~الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها ، لأنها ) - أي الأعيان ~~في حال عدم ها - ( يسب ذاتية إلا صورة لها) في نفسها ، فإنه لايخفى على الواقف ~~بأصولهم أن الكثرة حينما كانت وبأي اسم سمیت - فإنها يسب عدمية واعتبارات خالصة عن ~~شائبة الوجود مطلقا، وهذه النسبة الإطلاقية التي للأعيان قال إنها ذاتية ، فالضمير ~~راجع إلى الأعيان - لاغيرا . # وإذا تقرر أن الأعيان لاحظ لها من الوجود، فلا يكون لها حكم ولا حال ولا علم ~~أصلا، بل الكل مستهلك في الذات، استهلاك صورتها فيها، فالحكم حينئذ للذات بإطلاقها، ~~وليس للعبد المحصور تحت أحكام عينه حالة الوجود سعة الإحاطة الذاتية، فلا يمكن له ~~الاطلاع المذكور إلا بسابقة من العناية. # والحاصل أن العبد له طرف ضيق تخلف به عن الحق في ذلك ، وطرف سعة به يماثله ~~ويساويه ، (فهذا القدر) من التخلف والضيق الذي للعبد ( يقول : إن العناية الإلهية ~~سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم ) . # ( ومن هنا ) - أي من تحقق المساواة - ( يقول الله : "حتى نعلم" وهي كلمة محققة ~~المعنى ) أي مطلق على الحقيقة - ( ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشرب ) من ~~المجازات البعيدة ، على ما ارتكبها الظاهريون من المفسرين، فإن العلمين إذا كانا ~~متساويين في الظهور يكون كل منهما متجددا حسب تجدد الآخر ، فلذلك تجدد " كل يوم هو ~~في شأن" حسب تجدد الأعيان في الأزمان . # ثم إن المنزهة الرسمية لما لم يكن لهم حظ من هذا الذوق ، اشمأزوا عن سماعه ، ~~حاسبين أنه من التنزيه ، وهو بمرمى بعید منه ، فلذلك نبه إلى مآلهم فيه بقوله : ~~(وغاية المنتزه أن جعل ذلك الحدوث في العلم للتعلق) بالحوادث على ما ذهب إليه ~~المتكلمون من أهل السنة ، من أن الأوصاف والأحكام القديمة إنما يعرض لها لوازم ~~الحدوث من جهة تعلقها بالحوادث (وهو أعلى وجه يكون للمتكلم ، يعقله في هذه المسألة) ~~، فإنه ليس للعقل بحسب قوته النظرية فيما وراءه مد خل- وفي قوله : «يعقله» إشارة ~~إلى هذه الدقيقة - فهو غير بعيد عن التحقيق ( لولا أنه أثبت العلم زائدا على الذات ~~، فجعل التعلق له ، لا اللذات ؛ وبهذا انفصل عن المحقق من أهل الله ، صاحب الكشف ~~والوجود ) فإنه يرى العلم عين الذات . # لا يقال : فيلزم انتساب الحوادث إلى الذات بضرب من النسبة تعالى عن ذلك ؟ # لأن تنزهها عن القدم المقابل للحدوث كتنزهها عن الحدوث عن سائر المتقابلات - على ~~ما مر غير مرة - فلا تغفل عنه فإنه مفتاح لمقفلات كنوز الرموز الختمية ، فإنه ~~مايعرف ذلك التنزيه غير المتحقق بالتوحيد الذاتي المختص بالوراثة الختمية . # ومما لابد منه هاهنا أن تعلم أن استفاضة الحقائق لها طريقان : # أحدهما نظري عقلي وراء الحجب الكونية والدلائل النظرية ، والحاصل من هذا الطريق ~~إنما هو حصر عقلي على ما لذوي المذاهب الجعلية من الصور الاعتقادية ، وهذا مسلك أهل ~~العقل ، كما يلوح عليه لفظ العقل و العقد . # والثاني كشفي قلبي ، إنما يدل عليه الصور الوجودية الأصلية التي لاجعل فيها أصلا ~~، والحاصل منه إنما هو انشراح علمي وكشف وجودي ، وهو مسلك أهل الله صاحب الكشف ~~والوجود ؛ تحفظ هذا الاصطلاح فإنه له مواضع نفع في هذا الكتاب . # الرجوع إلى تحقيق الأعطيات : # وإذ قد ابتني هذه التقسيمات كلها على تقسيم الأعطيات أولا ، و انشعب هذه التفاريع ~~من ذلك الأصل ، لابد أن يسترجع إلى تحقيقه حتى يتبين منه جميع الأقسام ، فلذلك قال ~~: (ثم نرجع إلى الأعطيات فنقول : إن الأعطيات إما ذاتية أو أسمائية) # وإذ قد عرفت أن العطايا قد تكون بلا واسطة و قد تكون بواسطة ، و الواسطة إما صفة ~~أو فعل . # فصلها بقوله : ( فأما المنح والهبات والعطايا الذاتية فلا يكون أبدا إلا عن تجل ~~إلهي). # حتى يمكن أن يظهر الأثر المسمى بالمنح و الهبة والعطاء بصرافة أحدية جمعيته ~~الذاتية . # فإن التجلي في كل اسم إنما يظهر بحسب حكمه الخاص و خصوصيته الامتيازية الفارقة ، ~~بخلاف الاسم « الإله » فإن خصوصيته إنما هو الإطلاق وأحدية الجمع الإحاطي ؛ وعبارة ~~« الألوهي » منها مشعرة بهذا الطرف من الجمعية . # التجلي لا يكون إلا بصورة استعداد المتجلى له : # ثم لما بين حكم التجلي الذاتي وما يقتضيه باعتبار المتجلي ، أراد أن يبين أمره ~~باعتبار المتجلى له بقوله : ( والتجلي من الذات لا يكون أبدا إلا بصورة استعداد ~~المتجلى له ؛ غير ذلك فلا يكون ) ضرورة أنه لو كان له ما يزيد على تلك الصورة لم ~~يكن التجلي بصرافته الذاتية . # ( فإذن المتجلى له ما رأي سوى صورته في مرآة الحق ) إذ ما تصور فيها شيء غيره ~~(وما رأى الحق ، ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه) فيلزم أن يكون ~~مرئيا ، ضرورة أن رؤية الصورة تستلزم رؤية ما ترى فيه و هذا من مقتضيات الذات ~~وأحكام هويتها الجامعة للأضداد والأطراف المتعانقة كلها فيها ، أنها يرى ولا يرى ، ~~وعلمت وما علمت ، كما سيشير إليه الشيخ . # مثال المرآة: # وأمر هذا التجلي ورؤية الصورة فيه وخفائه بعينه (كالمرآة في الشاهد إذا رأيت ~~الصور فيها ، لاتراها) أي المرآة ضرورة أنه من شأنها أن يختفي بنفسها في الصورة ~~المرئية . # ثم إنه يمكن أن يقال هاهنا بحسب الأنظار السخيفة وقواعدها : «إن ذلك لعدم إمكان ~~توجه العقل بآلته الواحدة في حالة واحدة نحو أمرين متغائرین ». # فقال : عدم رؤية المرآة (مع علمك أنك ما رأيت الصور أو صورتك إلآ فيها) دفعا لذلك ~~الوهم أولا إذ لو كان المانع ذلك لما أمكن له رؤية الصور فيها أصلا۔ # وتحقيقا لوجه المماثلة ثانيا ، فإن المرأة بهذا الوجه صارت مماثلة للحق . # ( فأبرز الله ذلك مثالا نصبه لتجليه الذاتي ) في عالم المثال ( ليعلم المتجلى له ~~ما رآه ؛ وما ثم مثال أقرب ) نسبة ( ولا أشبه ) حكم ( بالرؤية والتجلي من هذا ) ؛ ~~فإنها أظهرت صورة الرائي كما هي له مختفيا فيها ، بحيث لايرى منها صورة أصلا ، مع ~~علمه أنه لا يرى الصورة إلآ فيها . # وهكذا سبيل الحقائق بالنسبة إلى الوجود عند أرباب النظر ، فإن بديهة العقول شاهدة ~~بأن سائر الماهيات بديهية كانت أو مكتسبة إنما يتحقق ويعلم في الوجود مع عجزهم عن ~~إدراك الوجود ، حتى ذهب بعضهم إلى أنه من الاعتبارات العقلية التي لا وجود لها في ~~الخارج . # (واجهد نفسك عندما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة ، لا تراه أبدا ألبتة ~~) إلا عند إعراضك وصرف النظر عن الصورة الظاهرة والتفاتك نحوها وتحديق النظر فيها . # فعلم من هذا أن الظاهر لدى الحش هاهنا هي الصورة، والجرم مختف فيها فهو كالباطن ~~لها، ولا يخفى أن الصورة لوكانت ظاهرة في الجرم أو به لكان الأمر بالعكس. # ومن ثمة وقع التحير لأرباب العقول (حتى أن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ~~ذهب إلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة) بناء على ما ذهبوا إليه من ~~أن الصور المتجسدة إنما يتكون في عالم المثال، لكن شرط ظهورها للحواس الظاهرة حضور ~~الأجسام الهيولانية ذوي السطوح الصقيلة عندها والتفاتها لها. # (هذا أعظم ما قدر عليه من العلم، والأمر كما قلناه وذهبنا إليه) من أن المرآة ~~مثال نصبها الله لتجليه الذاتي، حيث أن الظاهر فيها عين الباطن، والباطن فيها هو ~~الظاهر، كما قال : # وباطن لا يكاد يخفى …. وظاهر لا يكاد يبدو # (وقد بينا هذا في الفتوحات المكية) فإنه قد بين أمر ماثلة المرآة ووجه استجماعها ~~الأحكام الممثل من حيرة المشاهد وجمعيته للأضداد والأطراف ، حيث قال : # « إن الإنسان يدرك صورته في المرآة ، ويعلم قطعا أنه أدرك صورته بوجه ، وأنه ما ~~أدرك صورته بوجه ، لما يراها في غاية الصغر لصغر جرم المرآة ، والكبر لعظمه ، ولا ~~يقدر أن ينكر أنه رأى صورته ، ويعلم أنه ليس في المرآة صورة ، ولا هي بينه وبين ~~المرآة ، فليس بصادق ولا كاذب . # في قوله : «إنه رأى صورته ، ما رأى صورته » ، فما تلك الصورة ؟ # وأين محلها ؟ وما شأنها ؟ # فهي منفية ثابتة ، موجودة معدومة ، معلومة مجهولة ، أظهر الله سبحانه وتعالى هذه ~~العبده ضرب مثال ليعلم ويتحقق أنه إذا عجز وحار في درك حقيقة هذا وهو من العالم ولم ~~يحصل عنده علم بتحقيقه ، فهو بخالقها أعجز وأجهل وأشد حيرة » ، هذا ما عثرت عليه ~~مما يتعلق بهذا البحث من كلامه . # ( وإذا ذقت هذا ) أي أدركته بمجرد ذوقك الكاشف وفطرتك السليمة خالصة عن علائق ~~التعاملات الفكرية المشوشة ، صافية عن شوائب التوسل إلى القياسات الجعلية الموسوسة. # (دقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق) إذ المخلوق - من حيث أنه مخلوق ~~لا مدخل له وراء ذلك أصلا، (فلا تطمع ولا تتعب نفسك، في أن ترقي في أعلى من هذا ~~الدرج، فما هو ثم أصلا) أي فما أعلى من هذا الدرج مقام موجود مشهود أصلا. # (وما بعده إلا العدم المحض؛ فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته أسمائه ~~وظهور أحكامها) كالسماع والرؤية، فإنهما من أحكام اسمي السميع والبصير، وهما إنما ~~يظهران بأحكامها في مرآة العبد، وإذ تميز في هذه المرآة الظاهر عن المظهر تعدد فيها ~~الصور الظاهرة. # (و لیست ) تلك الصور يعني الأسماء و أحكامه (سوى عينه) فيكون العبد -على أي حال ~~مرآة لعين الحق ، كما أن الحق مرآة لعينه ، فهو على هذا التقدير الإطلاقي مرآة يظهر ~~فيها أسماؤه ، كما أن العبد مرآة يظهر فيها ذاته ، كما قال العطار: # توني از روی ذات آئینه ی شاه …. شه از روي صفات آئینه تست # توني من جوهر مرآة الملك %~% تحقق من سمات المرآة # وإذ قد ظهر أن العين واحدة ، وحكم المدارك والمشاعر جعلها ذا اعتبارات ظواهر تارة ~~، ومظاهر أخرى ؛ أجمل الحال . # (فاختلط الأمر وانبهم؛ فمنا من جهل في علمه) لغلبة حكم الإمكان والمظهرية عليه. # فقال: (والعجز عن درك الإدراك إدراك) مفصحا عما يقتضيه مشهده الذاتي من تعانق ~~الأطراف وجمعية الأضداد. # ( منا من علم) أن ذلك الجهل الذي في العلم هو منتهی مراتب العلم ، إلا أن القول ~~بذلك الكلام يدل على عدم وصوله إلى هذا العلم ، (فلم يقل مثل ذلك) مع أنه هو الكلام ~~الكاشف عن كنه مقتضى هذا الموطن . # (وهو أعلى القول ، بل أعطاه العلم السكوت ، ما أعطاه العجز) لعدم انقهاره تحت ~~أحكام الإمكان ومظهريته الخلقية ؛ ( وهذا هو أعلى عالم بالله ) حيث لم ينقهر بقوة ~~استعداده الذاتي لمقتضيات ذلك المشهد العظيم من تجاذب الأطراف المتعانقة ، وتخالف ~~أحكامها المتضادة ، بل أحاط بالكل علما ، ولم يتأثر من تلك الأحكام وهو أعلى عالم ~~بالله . # في العلم الخاص بخاتم الأولياء : # (وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء) فإنهما هما الواصلان في الحقائق ~~والمعارف إلى أقاصي كمالها بجزئياتها وكلياتها ، وصورها ومعانيها ، وهي حضرة متعانق ~~الأطراف ومجتمع الأضداد ، كما علم من آثارها ، حيث أن الجهل في عين العلم بها ، ~~والعجز عن إدراكها هو إدرا كها ، وأن معلوميتها تقتضي الخفاء ومجهوليتها الإظهار ~~إلى غير ذلك وهذه الحضرة هي المسماة في لسان الاصطلاح بالهوية المطلقة والتعين ~~الأول ، يقال لها بهذا الاعتبار الحقيقة المحمدية ، فإن الحقيقة من كل أحد هي مستند ~~المعرفة التي له من الحق . # ولذلك قال : ( وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم ، وما ~~يراه أحد من الأولياء إلآ من مشكاة الولي الخاتم ) . # ثم إن هذا العلم لما كان من الكمالات المعنوية والحقائق الكلية التي لا تتحول ~~أحكامها بتبدل أجزاء الزمان ، ولا ينقرض بانقراض تنوعاته ، يكون من خصائص أطوار ~~الولاية ولوامع أنوارها ، فكل من أظهر لمعة منه إنما يكون ذلك من عين الولاية ~~مقتبسة من مشكاة خانمها ضرورة حتى أن الرسل لايرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم ~~الأولياء . # فإن الرسالة والنبوة "أعني نبوة التشريع " لا نبوة التحقيق الكاشفة عن المواطن ~~المعادية والمواقف المحشرية ، فإن ذلك أيضا من شعاشع أنوار الولاية التي لا تختلف ~~باختلاف الزمان وصروف الدوران (ورسالته تنقطعان) لأنهما مبنیتان لأحوال أفعال مكلفي ~~كل دور من الأدوار الزمانية ، حسبما يقتضيه ذلك الزمان منها ، فتنقرض انقراضها ~~ضرورة (والولاية لاتنقطع أبدا) لأنها الكاشفة عن الحقائق الكلية المستقرة ، على حال ~~واحدة من الأزل إلى الأبد . # (فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلآ مشكاة خاتم الأولياء؛ فكيف من ~~دونهم من الأولياء) فخاتم الأولياء هو السابق في مضمار هذا النوع من الكمال ،وغيره ~~من لواحقه وتوابعه. # (وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فذلك لا ~~يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه یكون أنزل). # وهو وضع الصور الجزئية والهيئات والأوضاع الجعلية، المنطوية على الحقائق ~~الكمالية، (كما أنه من وجه يكون أعلى) ، وهو كشف المعاني الكلية والعلوم اللدنية ~~الذاتية والحقائق الكمالية المعربة عن كنه المراد منها، فيكون متبوعا من وجه، تابعا ~~من آخر، على ما اقتضاه الصورة الوجودية من الأمر الدوري والنظم، الربطي الوحداني ~~الامتزاج. # (وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه) من تابعية المتبوع المطلق فهو في ~~المتبوع من وجه أولى بالوقوع. # وذلك (في فضل عمر) على أبي بكر (في ساری بدر ، بالحكم فيهم ) ، حيث رأى فيهم ~~أبوبكر أن يأخذ منهم الفدية و يطلقهم ، ورأى فيهم عمر بضرب الرقاب ، فأنزل الله ~~الآية الكريمة موافقة لرأي عمر وهي قوله تعالى : " مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ ~~يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا ~~وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ ~~اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68)" سورة الأنفال ~~. # (وفي تأبير النخل) حيث منعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "ما أرى في ترككم ~~تأبيره مضرة"، فتركوا تأبير النخل، ففسدت ثماره. # فقالوا لرسول الله، فقال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» واعترف بأعلميتهم في هذا ~~الحكم، فعلم من هذا أن الكامل قد يتبع غيره في جزئيات الأحكام. # (فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شيء وفي كل مرتبة، وإنما نظر الرجال ~~إلى التقدم في رتب العلم بالله - هنالك مطلبهم- وأما حوادث الأكوان، فلا تعلق ~~لخواطرهم بها . فتحقق ما ذكرناه) وهو أن الحوادث الكونية لايصلح لأن يلتفت إليها ~~خواطر الكتل أصلا، لأنها مع عدم تناهيها ليس لأحوالها أيضا انقطاع، حتى يستقر على ~~حالة واحدة يعلم بها، فلا يمكن أن تتعلق بتصفح تلك الجزئيات فائدة علمية ولا غاية ~~كمالية. # نعم إنما يتوجه إليها من كان بمعزل عن الحقائق الكلية والمعارف الكمالية جدا، غیر ~~محتظي من أذواقها المتشوقة أصلا. # كبعض المجذوبين أو السالكين القاصرين استعداداتهم عنها فإذا لاح لهم في خلواتهم ~~عقيب ارتكاب مجاهداتهم تلك الصور في المثل الخيالية أو ما يجري مجراها من الأنوار ~~الشعشعانية التي تبجح بها بعض الأفاضل من أهل النظر. # استلذوا منها، واستقنعوا من لذيذ أذواق المشرب الكمالي وعذب شرابها بلامع سرابها. # دع التصوف والفضل الذي اشتغلت …. به جوارح أقوام من الناس # وعج على دير داري فإن به …. الرهبان ما بين قسيس وشماس # واشرب معتقة من كف كافرة ….. تسقيك خمرين من لحظ ومن كاس # وإذ قد انساق الكلام في أمر الخاتمين وبيان ما بين كمالهما من التفاوت إلى ما ~~انساق مما يستصعبه طباع أكثر المسترشدين من الذين أسسوا مباني عقائدهم على الصور ~~المثالية ، واستحكموها بالمقدمات النقلية والأقيسة الخيالية ، أراد أن يستوضح ذلك ~~بمثال يكشف عن تحقيق معنى الختمين. # وعن تصوير حقيقة المختومين ، بما ينبئ عن خصوصية كمالي الخاتمين و وجوه تمييزهما ~~. # مما نقل عن النبي الخاتم و تحليلا لعقود استصعابه ، وتقريبا منه إلى فهوم ~~المستصعبين من المسترشدين في قوله : # تمثيل النبوة بالحائط : # ( ولما مثل النبي صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن ) ؛ ووجه مناسبتها ~~بالحائط إما صورة : فلكونها مع ما فيها من الحيطة يحوط نظام متفرقات العالم من ~~الشتات من قولهم : «حاطه يحوطه» أي كلاه ، و«يحوط » - أيضا إذا جمعه . # ولكونها مع أنها حائطة بتلك المعاني مشتملة على العلوم المتمثلة بحسب الصورة ، ~~المتفاوتة بالعلو والكمال ؛ وذلك علوم الأنبياء كلها . # ولذلك قال : «من اللبن» فإنه عين اللبن المأول بالعلم بحسب الصورة الرقمية . # وأيضا : اللبن إنما هو صورة تنوع أرض الاستعداد على ما صورها عليه ماء العالم ، ~~بعد أن لينها وصتها في قوالب قلوب الأنبياء . # وأما معنى : فلأنها امتداد طالع من أسافل أراضي الحدوث والإمكان إلى أعالي سماوات ~~القدم والوجوب ، ولأنها متدرجة في ذلك الطلوع باشتمالها على أجزاء متماثلة الصورة ~~والحقيقة ، هي جزئيات نوع واحد . # كما قال تعالى : "لا نفرق بين أحد من رسله " متخالفة الرتب ودرجات الكمال ، الذات ~~، إنما يتعدد ويتكثر بالأعيان والمظاهر القابلة ، وذلك لما أثبتوا لها من الوحدة ~~المقابلة للكثرة . # ولما كانت وحدتها عند الشيخ هي الوحدة الإطلاقية والأحدية الجمعية الذاتية التي ~~لا يشوبها شائبة ثنوية التقابل أصلا ، فلابد وأن يكون مخزن العطايا الغير المتناهية ~~الغير المتكثرة # إنّما يتكمّل ذلك الامتداد بواحد منها هو أعلى من الكلّ ، لأنّ جميع تلك ~~الجزئيّات مدارج علوّه ومباني مراقي قربه ، بل إنّما يوجد به لأنّه الجزء الأخير من ~~مركَّب ذي أجزاء ، هي تلك الجزئيّات الإنسانيّة المسمّاة بالأنبياء ، وإليه أشار ~~بقوله : # ما يراه خاتم الأولياء في مواضع اللبنات # ( وقد كمل سوى موضع لبنة واحدة ، وكان صلَّى الله عليه وسلَّم تلك اللبنة ، غير ~~أنّه صلَّى الله عليه وسلَّم لا يراها إلَّا كما قال : لبنة واحدة وأمّا خاتم ~~الأولياء فلا بدّ له من هذه الرؤيا ) لأنّه الحائط بكماله الذي هو غاية الغايات ~~وأقصى النهايات في الحيطة بمعانيه ( فيرى ما مثّله به رسول الله صلَّى الله عليه ~~وسلَّم ) من الحائط المشتمل على تلك الأجزاء المترتّبة المرتبة لمدارج علوّه ومراقي ~~عروجه إلى مقامه الأقرب إلَّا أنّه يرى تلك الأجزاء المشتمل عليها الحائط نوعين ( ~~ويرى في الحائط موضع اللبنتين ، واللبن ) المبتني منه الحائط في رؤيته مختلف في ~~الصورة والعزّة ( من ذهب وفضّة ، فيرى اللبنتين اللتين ينقص الحائط عنهما ويكمل ~~بهما لبنة فضّة ولبنة ذهب ، فلا بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين ) لأنّ ~~الحائط هو صورة امتداد علوّه من أسافل أراضي القوّة إلى أعالي سماوات كماله ( فيكون ~~خاتم الأولياء تينك اللبنتين فيه ، فيكمل الحائط ) . # (والسبب الموجب لكونه يراها لبنتين أنّه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر - وهو ~~موضع اللبنة الفضّية ) لظهور لون الفضّة مع نقصان جوهرها عن الكمال النوعي له ( وهو ~~ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام ) ا لشرعيّة والأوضاع النبويّة الظاهرة فخاتم ~~الأولياء تابع ( كما هو آخذ عن الله في السرّ ما هو في الصورة الظاهرة متّبع فيه ، ~~لأنّه ) بكمال كشفه التامّ ( يرى الأمر على ما هو عليه ، فلا بدّ أن يراه هكذا ) ~~لما عرفت أنّ اللبن صورة علمهم الواقعة في مراتب كمالهم . # ولمّا كان لخاتم الأولياء أنهى الغايات فيه لا بدّ أن يرى صورة ما يكشف له من ~~المتابعة - وهو موضع اللبنة الفضيّة في الظاهر - وأن يرى صورة ما يكشف له عن حقيقة ~~تلك الصور التابع لها ولميّته - ( وهو موضع اللبنة الذهبيّة في الباطن ) فإنّها ~~كمال الفضّة المتبطَّن فيها ، وغايتها المساقة هي إليها ، فيراه على تلك الصورة ~~ضرورة ( فإنّه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول ) فيكون ~~صافية عن شوائب الوسائط التي بها يتمكَّن أن يظهر على الكافة ، أعني بياض الفضّة ، ~~فإنّه مع كمال الظهور متوسّط في غاية كماله النوعي ، بخلاف صفرة الذهب ، فإنّها مع ~~جامعيّتها بين بياض الظهور وسواد البطون لها الغاية الكماليّة التي لا يتخلَّلها ~~الوسائط . # فلئن قيل : كان الأنسب لرؤية رؤيا اللبنتين خاتم الأنبياء ، لجامعيّته بين ~~الولاية والنبوّة ؟ # قلن : إنّما يكون كذلك لو كان المراد باللبنة الذهبيّة هي الولاية - كما توهّمه ~~من هو ذاهل عن لطائف إشارات الشيخ ودقائق مرموزاته - فأمّا إذا كان المراد بها ما ~~ذكرناه مما أخذ عن الله في السرّ من الصور المتّبعة فيها - على ما هو صريح عبارة ~~الشيخ - فلا فإنّ الحائط الذي في تمثيل خاتم الأنبياء هو بعينه الحائط الذي يراه ~~خاتم الأولياء من حيث أنّه صورة حيطة النبوّة بأوضاعها ، إلَّا أنّه لاختصاصه ~~بالأخذ من المعدن ، والكشف عن سرّ ذلك لا بدّ وأن يرى الحائط مشتملا على النوعين من ~~اللبنتين ، ويرى نفسه منطبعة في موضع اللبنتين اللتين من متمّماته وأعاليه ، ~~فإنّهما صورة السرّ المأخوذ من المعدن ، الذي هو الغاية الكماليّة ، وصورة الواسطة ~~الواقعة بينه وبين تلك الغاية ، فهو صورتهما بعينهما بخلاف خاتم الأنبياء ، فإنّ ~~الواسطة في موقف نبوّته هو الملك الذي يوحى به إليه ، وهو خارج عنه ، غيره وفي هذا ~~الكلام دقائق إنّما يتفطَّن إليها اللبيب بقوّة ذكائه وذوقه . # وفي تخصيصه التمثيل بخاتم الأنبياء ، والرؤية بخاتم الأولياء ما يطلعك على هذا . # وفي عقدي « الولي » و « النبي » أيضا ما يلوّح على اختصاص خاتم الولاية بالوجهين ~~، وهما رؤية اللبنة متعددة ، وأنّ إحداها « 1 » من الذهب ، فإنّ الأولى هي صورة ~~زيادة الكشف على الوضع ، والثانية صورة عدم الواسطة بينه وبين الغاية التي ليس ~~وراءها غاية . # وإلى أمثال هذه التنبيهات أشار بقوله : ( فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم ~~النافع ) ضرورة أنّ النافع من العلوم هو ما يختصّ بنيله أهالي كلّ زمان ، من اولي ~~نهايات الكمال فيه ، فإنّه ممّا يترقى به المستعدّ ومن انخرط في سلك المسترشدين منه ~~في ذلك الزمان بالوقوف عليه من مواقف تقاعده وتكاسله إلى معارج الطلب والسلوك ، ~~حتّى يتّصل بهم ، كخصائص خاتم الولاية في زماننا هذا . # ثمّ إنّ في كلام الشيخ ما يدلّ على أنّه هو الخاتم للولاية الخاصّة المحمّديّة. # وأنّه قد رأى الرؤية المذكورة بذلك الوجه المقرّر وقد صرّح في الفتوحات أنّه قد ~~ظهر له ذلك في سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمدينة فاس مدينة بالمغرب . "الفتوحات ~~المكية : الباب الثالث والسبعون ، جواب السؤال الثالث عشر من أسئلة الترمذي ، 2 / ~~49 . # "وأما ختم الولاية المحمدية ، فهي لرجل من العرب ، من أكرمها أصلا ويدا ، وهو في ~~زماننا اليوم موجود ، عرفت به سنة خمس وتسعين وخمس مائة ، ورأيت العلامة التي له قد ~~أخفاها الحقّ فيه عن عيون عباده ، وكشفها لي بمدينة فاس ، حتى رأيت خاتم الولاية ~~منه ، وهو خاتم النبوة المطلقة ولا يعلمها كثير من الناس ، وقد ابتلاه الله بأهل ~~الإنكار عليه فيما يتحقّق به من الحقّ في سرّه من العلم به " # وذلك يدلّ على أنّه مما خصّه الله به من الولاية المحمّدية ، لا الولاية العامّة ~~كما يدلّ إذا حوسب معه زمان ظهور هذا الكتاب أنّه هو لبّ ما ظهر له من المعارف ~~الختميّة وخصائصها ، على ما يتنبّه إليه الفطن . # وإذ قد لا يخفى على من له دربة بأساليب ذوي التحقيق أنّ الغاية هي التي تساوق ~~الفاعل في مطلق الوجود ، لكمالها الخاصّ بها ، فإنّها توجد أوّلا بوجود الفاعل ~~وتتّحد معه وتشوّقه إلى ذلك الكمال الخاصّ بها ، ثمّ تسوقه « 3 » نحو مباشرة الفعل ~~المفضي إليها ، وأمّا ما توسّط بينها وبين الفاعل ممّا يتدرّج إلى تلك الغاية # فإنّما يوجد بكماله بعد مباشرة الفعل إيّاه وجوده بالفعل ، لأنّ وجوده متأخّر عن ~~الفاعل وفعله مباين له غير متّحد به أصلا . # (فكلّ نبيّ - من لدن آدم إلى آخر نبيّ - ما منهم أحد يأخذ إلَّا من مشكاة خاتم ~~النبيّين ، وإن تأخّر وجود طينته ، فإنّه بحقيقته موجود ) ضرورة أنّه هو الغاية ~~للحركة الوجوديّة بحسب الظاهر ، فإنّه الواضع بأفعاله وأقواله تمام الصورة الدالَّة ~~على كنه المراد ، فله التقدّم بحسب الوجود على الكلّ ، فإنّه الموجود بوجود فاعله ، ~~لكماله الخاصّ به متّحدا به ، (وهو قوله : " كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين " ~~وغيره من الأنبياء ما كان نبيّا إلَّا حين بعث ) . # ( وكذلك خاتم الأولياء ) لأنّه هو الغاية لتلك الحركة بحسب الباطن ، وهو الكاشف ~~بتقريره وتحريره تمام المراد وكنهه عن تلك الصور الموضوعة من خاتم الأنبياء ، فلذلك ~~( كان وليّا وآدم بين الماء والطين ، وغيره من الأولياء ما كان وليّا إلَّا بعد ~~تحصيله شرائط الولاية ، من الأخلاق الإلهيّة في الاتصاف بها من كون الله يسمّى ~~بالولي الحميد ) بيان لتلك الأخلاق وتنبيه إلى أنّ الولاية من الأوصاف الإلهيّة ~~الأبديّة ، فختمها ليس بمعنى الانقطاع ، بل بمعنى تماميّته # وكماليّتها ، ولا يمكن أن يختم أبواب تمامها وكمالها إلَّا باسم الكامل المطلق . # ( فخاتم الرسل من حيث ولايته نسبته مع الختم للولاية نسبة الأنبياء والرسل معه ، ~~فإنّه الولي الرسول النبي ، وخاتم الأولياء الوليّ ) بذاته ( الوارث ) مرتبة ~~الرسالة والنبوّة منه ، ( الآخذ عن الأصل ) أسرارها ، ( المشاهد للمراتب ) بأطوارها ~~. # وهذان الخاصّتان هما المتمثلتان في رؤيا اللبنتين بصورتيهما كما عرفت . # وإذ قد ظهر أنّ خواصّ ختم الأولياء كلَّها الأسرار الخفيّة والحقائق المعنويّة - ~~لا غير - وهي إنّما تتحقّق في ضمن الصور الكائنة التي هي من أوضاع خاتم الرسل ~~وخواصّ أطوارها ، بل الخاتم نفسه منها ، ضرورة أنّه من الصور التي أشار إليها بضروب ~~من الإشارات والدلالات ، إلى ذلك أشار بقوله : ( وهو حسنة من حسنات خاتم الرسل ~~محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم ) وإلى ذلك يحمل ما سأل في قوله تعالى : " رَبَّنا ~~آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً " ، فإنّ المراد ب « حسنة ~~الآخرة » هو ختم الولاية ، كما أنّ حسنة الدنيا هو ختم النبوّة . # سيادة خاتم الرسل صلَّى الله عليه وآله وشفاعته # ثمّ إنّ أمر الصورة وظهور أحكامها إنّما يتحقّق أو يمكن عند نفوذ حكم سلطان ~~الجمعيّة في متفرقات الموادّ المتخالفة والأسماء المتقابلة ، وكشف كل منها عن ~~أفعالها الضارّة وأحكامها المنتقمة ، ولذلك وصف خاتم الرسل بقوله ( مقدّم الجماعة ~~وسيّد ولد آدم في فتح باب الشفاعة) فإنّ في قدمه مرابط نظام متفرقات أعيان العالم ~~وأشتات الأسماع ، وبيده مقاليد خزائن كمالها ، بمحافظتها عن الانقهار تحت أحكام ~~مقابلاتها ومعانداتها وهو المعبّر عنه بالشفاعة ، إذ الشفاعة لغة هي الانضمام إلى ~~الآخر ناصرا له وسائلا عنه وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو ~~أدنى ، ويمكن أن يستشعر من الشفاعة هذه معاني أخر ينبّه إليها إن شاء الله تعالى في ~~غير هذا المجال . # ولمّا كان سيادته ليست على إطلاقها قيّد ذلك ( فعيّن حالا خاصّا ) وهو فتح باب ~~الشفاعة (ما عمّم ، وفي هذا الحال الخاصّ تقدّم على) # ( الأسماء الإلهيّة ) على ما ورد في الحديث إنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ~~هو أوّل من يفتح باب الشفاعة فيشفع في الخلق ، ثمّ الأنبياء ، ثمّ الأولياء ، ثمّ ~~المؤمنون ، وآخر من يشفع هو أرحم الراحمين ، فإنّ محمّدا هو أوّل من فتح باب ~~الشفاعة في إتمام نظام صور الخلق ، بانضمامه إليهم ، ووضع أحكامها الكماليّة لهم ~~كما سبق ثمّ الأنبياء على اختلاف طبقاتهم في إحاطة أحكامهم لتلك الصور ، ثمّ ~~الأولياء الوارثين لهم ، ثمّ المؤمنين المجتهدين لتلك الأحكام الارتباطيّة ~~والمقلَّدين من الحكَّام والقضاة . # ولا يخفى أنّ هذه الشفاعة مختصّة بمكلفي بني آدم من العالمين ، وما بقي من ذلك ~~يكون تحت شفاعة أرحم الراحمين ، فالمنهمكون في فيافي الكفر وظلمات الضلالة أمر ~~شفاعتهم قد اختصّ بالرحمن ، ( فإنّ الرحمن ما شفع عند المنتقم في أهل البلاء إلَّا ~~بعد شفاعة الشافعين ) وهذا مبتن على ما مهّد عندهم من أنّ طلب الأعيان وسؤالهم مقدم ~~على وجود الأسماء وظهور أحكامها . # ( ففاز محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم بالسيادة في هذا المقام الخاصّ ) - لاستيعاب ~~شفاعة عموم الخلائق ، وإن كانوا مخالفين لأحكام نبوّته التشريعيّة - بقوله: " ~~شفاعتي لأهل الكبائر من امّتي " ، وذلك لتقدّمه في المراتب الوجوديّة . # ثمّ إنّ اختصاص سيادته صلَّى الله عليه وسلَّم بالمقام المذكور ، الساري حكمه في ~~سائر المراتب الوجوديّة والمقامات الشهوديّة لا يخلّ بكماله الأتمّ ، وإليه أشار ~~بقوله : ( فمن فهم المراتب ) الوجوديّة ( والمقامات ) الشهوديّة ( لم يعسر عليه ~~قبول مثل هذا الكلام ) # المنح الأسمائية # هذا كلَّه في الأعطيات الذاتيّة ( وأمّا المنح الأسمائيّة ) - وفي تخصيص لفظ « ~~المنح » بالأسمائيّة و " العطاء " بالذاتيّة ما قيل من أنّ " المنح : تمليك ~~الانتفاع دون الرقبة ، والعطاء تمليك الرقبة " وما نبّهتك عليه في طي التلويحات من ~~اختصاص الأفراد بطرف بطون الذات واختصاص الأزواج بظهور الأسماء ومنه أيضا علم وجه ~~اختصاص العطاء الذاتي ب « الله » ، والأسمائي ب « الرحمن » ، مع ما في الأوّل من ~~معنى الوله والحيرة ، التي هي مقتضى البطون وما في الثاني من معنى الرحمة والوجود ، ~~الذي هو مقتضى الظهور ، ولذلك قال : (اعلم أنّ منح الله تعالى خلقه رحمة منه بهم ، ~~وهي كلَّها من الأسماء ) # ضرورة أنّ الذات من حيث هي هي مقطوعة النسبة مطلقا عن الخلق ، إلَّا أنّ الرحمة ~~الأسمائيّة على قسمين : ( فإمّا رحمة خالصة) عن المنافرات وغير الملائمات - ممّا ~~يشوب به صرافة الرحمة عاجلا وآجل ( كالطيّب من الرزق اللذيذ في الدنيا ، الخالص يوم ~~القيامة ، ويعطي ذلك الاسم الرحمن ، فهو عطاء رحماني ) . # (وإمّا رحمة ممتزجة ، كشرب الدواء الكرية الذي يعقب شربه الراحة ، وهو عطاء إلهي ~~) وإنّما اختصّ هذا بالإلهي مع أنّ الكلّ منه ، لما فيه من عدم الملاءمة التي تقابل ~~الرحمة الوجوديّة ، فلا بدّ من انتسابه إلى ما يقابل الرحمن ، مما هو في حيطة ~~خصوصيّة اسم الله ، كالقهّار والحكيم والضارّ ، إذ الحاصل من الكل إلهي . # أقسام العطاي # ( فإنّ العطاء الإلهي لا يتمكَّن إطلاق عطائه منه من غير أن يكون على يدي سادن من ~~سدنة الأسماء ) لامتناع انتساب شيء من الأحكام والأفعال إليه من حيث إطلاقه ، بدون ~~أن يضاف إليه من خصوصيّات الأسماء ومقتضيات القوابل شيء ، فإنّه غير متمكَّن عن ذلك ~~. # ( فتارة يعطي الله العبد على يدي الرحمن ) وهو الوجود المحض ( فيخلص العطاء من ~~الشوب الذي لا يلائم الطبع في الوقت ) في الدني ( أوّلا بنيل الغرض ) في الآخرة ~~(وما أشبه ذلك ) من الأوصاف العدميّة المنافية للرحمة الوجوديّة ، وهذا هو العطاء ~~الرحماني . # وأمّا ما يقابله يعني العطاء الإلهي فله أقسام أشار إليها بقوله : ( وتارة يعطي ~~الله على يدي الواسع ) بإظهار لفظة « الله » تنبيها على أنّه هو الذي في مقابلة ~~العطاء الرحماني ، ( فيعمّ ) الملائم وغيره . # هذان القسمان لهما الشمول والإحاطة للمخلوقات ، وأمّا ما يختصّ منها بالبعض ، فلا ~~يخلو من أن يكون المخصّص لها حال العبد ، أو الحق والأول إمّا أن يكون الحال التي ~~هو عليها ، أو الحال التي يستحقها ، فهذه الأقسام هي السبعة التي هي صورة الكمال ~~الأسمائي للحق على ما ستطلع عليه في طيّ الكتاب إن شاء الله تعالى . # ولذلك بنى أمر تفصيل الأسماء التي هي طرف السعة الحق على السبعة ، لأنّها صورة ~~الكمال مشيرا إلى تلك الأقسام بقوله : ( أو على يدي الحكيم فينظر في الأصلح في ~~الوقت ) أي بالنسبة إلى العبد . # ( أو على يدي الواهب ، فيعطي لينعم ، ولا يكون مع الواهب تكليف المعطى له بعوض ~~على ذلك من شكر أو عمل ) فيكون المخصّص لهذا القسم ما للحق من الجود . # ( أو على يد الجبّار ، فينظر في الموطن وما يستحقّه ) . ( أو على يد الغفّار ، ~~فينظر المحلّ وما هو عليه ، فإن كان على حال يستحقّ العقوبة فيستره عنها ، أو على ~~حال لا يستحقّ العقوبة فيستره عن حال يستحقّ العقوبة ، فيسمّى معصوما ) فيمن كان له ~~قصد بذلك كبعض المؤمنين ( ومعتنى به ) فيمن كان غير قاصد ، فإن كان خاطرا بباله ~~كالأولياء ، ( ومحفوظا ) فيمن حفظه الله من أن يخطر بباله ذلك كالأنبياء . # ( وغير ذلك مما شاكل هذا النوع ) من العطاء ، وكذلك كل اسم يعطي بحسب ما يختصّ به ~~من العطاء اسما يشاكل نوعه . # العطاء باليدين أو باليد الواحدة # ثمّ هاهنا دقيقة حكميّة لا بدّ من الوقوف عليها ليظهر المراد من تمام كلامه ، وهي ~~أنّ الفعل العطائي المستحصل من الأسماء إلهيّة كانت أو ربوبيّة لا يخلو من أن يكون ~~كلتا يدي القبول والفعل - الذين بهما يصدر ما يصدر من # الأسماء - لهما دخل في اختصاص ذلك الصدور بوقته ومحلَّه ، وهو أن يكون المخصّص ~~لبعض العباد بذلك العطاء ما للحقّ من الإرادة والحكمة - كتخصيص الرحمن والإله ~~والواسع عطاياها ببعض العباد في وقت ، وآخر في آخر - أو يكون مبدأ ذلك الصدور ~~أحدهما فقط ، وهو أن يكون المخصّص المذكور ما للعبد من الاستحقاق والافتقار ، ~~كتخصيص الجبّار والغفّار بعض المستحقّين بعطائهما به فإذا عرفت هذا وقفت على وجه ما ~~خصّص بعض الأسماء عند عطائها باليدين ، والآخر باليد . # ( والمعطي هو الله من حيث ما هو خازن لما عنده ) من العطايا والنسب الأسمائيّة ~~كلَّها بذواتها وأوصافها وأحكامه ( في خزانته) العلميّة التابعة للمعلوم ( فما ~~يخرجه إلَّا بقدر معلوم ) يقتضيه استعداد ذلك المعلوم ( على يدي اسم خاصّ بذلك ~~الأمر ) من الأحكام المستدعية لها ذلك المعلوم بلسان الاستعداد ( ف " أَعْطى كُلَّ ~~شَيْءٍ خَلْقَه ُ " (على يدي الاسم العدل وأخواته ) كالمقسط والحكم واللطيف والخبير ~~. # ( وأسماء الله ) وإن كانت ( لا تتناهى ، لأنّها تعلم بما يكون عنها ) ، أي يحصل ~~منها من الأعيان ، ( وما يكون عنها غير متناه ، وإن كانت ترجع إلى أصول متناهية ) ~~كالعوالي من الأجناس وأئمّة الأسماء ، وتلك حقائق كلَّية (هي امّهات الأسماء) ~~باعتبار صدور الجزئيّات وتولدها منه (أو حضرات الأسماء) # باعتبار تقدّمها في نفسها وتقرّبها إلى الذات ، ضرورة أنّ الكلّ راجع إلى إمام ~~الأئمّة التي له الإحاطة بالكل ، وفيه حضور الكلّ . # تتميّز الأعطيات بتميّز الأسماء # ( وعلى الحقيقة ، فما ثمّ إلَّا حقيقة واحدة تقبل جميع هذه النسب والإضافات التي ~~يكنّى عنها بالأسماء الإلهيّة ) وهي الحضرة الإلهيّة المنسوبة هي إليها ، فاللَّه ~~هو الجامع وله الإحاطة الاتحاديّة بالكلّ . # ( والحقيقة تعطي أن يكون لكلّ اسم يظهر - إلى ما لا يتناهي - حقيقة يتميّز بها عن ~~اسم آخر تلك الحقيقة التي بها يتميّز هي الاسم عينه ، لا ما يقع فيه الاشتراك ) ~~ضرورة أنّ تعيّن كل عين إنّما هو بالوجوه الامتيازيّة المحصّلة لعينيّته كما أنّ ~~تحقّق الأنواع بالفصول المقوّمة لنوعيّته . # فعلم أنّ الأسماء تتميّز بخصوصيّاته ( كما أنّ الأعطيات تتميّز كلّ اعطية عن ~~غيرها بشخصيّتها ، وإن كانت من أصل واحد ، فمعلوم أنّ هذه ) العطيّة ( ما هي هذه ~~الأخرى وسبب ذلك تميّز الأسماء ) المعطي لها ، ولا شك أنّ النسبة تتمايز بتمايز أحد ~~المنتسبين . # فالاعطيات متغايرة ( فما في الحضرة الإلهيّة لاتّساعها شيء يتكرّر أصلا ) ضرورة ~~أنّها خزانة الأعطيات الغير المتناهية ، وهذا خلاف ما ذهب إليه أرباب التوحيد ~~الرسمي ، من أنّ العطاء والعلم والفيض كلَّها في تلك الحضرة وحدانيّة # الذات ، إنّما يتعدّد ويتكثّر بالأعيان والمظاهر القابلة ، وذلك لما أثبتوا لها ~~من الوحدة المقابلة للكثرة . # ولمّا كانت وحدتها عند الشيخ هي الوحدة الإطلاقيّة والأحديّة الجمعيّة الذاتيّة ~~التي لا يشوبها شائبة ثنويّة التقابل أصلا ، فلا بدّ وأن يكون مخزن العطايا الغير ~~المتناهية الغير المتكثّرة ، # ، وإلى ذلك الخلاف أشار بقوله : ( هذا هو الحق الذي يعول عليه ) كما قال في نظمه ~~: # كثرة لا تتناهي عدد ….. قد طوتها وحدة الواحد طي # ( وهذا العلم كان علم شيث عليه السلام ) أي العلم بالسعة الإحاطية الحاوية لما لا ~~يحيط به نهاية ، لا عدا ولا حدا ؛ وذلك لما تقرر في مطلع الفص أنه أول مولود ولد من ~~الوالد الأكبر ، فهو الجامع لسائر ما ولد بعده من الأولاد . # ويلوح على ذلك ما اشتمل عليه اسمه هذا عقدا ورقما من التسعة التي هي أقصى طرف سعة ~~الكثرة و أنهى مراتبها، وهذا هو السبب في تقديم كلمته وتصدير حكمته، لأنها الكاشفة ~~عن جملة ما اشتمل عليه الكلم من الحكم. # (وروحه هو الممد لكل من يتكلم في مثل هذا من الأرواح، ما عدا روح الختم، فإنه ~~لاتأتيه المادة إلا من الله) لما سبق أنه الغاية والصورة التمامية، فله التقدم ~~الذاتي والعلق الرتبي الذي لا يتخلل الواسطة بينه وبين العلي المطلق ، فتكون مادته ~~العلمية الكمالية من الله (لامن روح من الأرواح بل من روحه تكون المادة لجميع ~~الأرواح ، وإن كان لايعقل ذلك من نفسه في زمان تركیب جسده العنصري) لتراكم كثائف ~~حجب الغواشي الهيولانية في ذلك الزمان ، وتسلط قهرمان القوى الجسمانية فيه على ما ~~حققه صاحب المحبوب سلام الله عليه في كتابه . # ولكونه بتلك الرقيقة الجمعية الحائزة للطرفين، والرابطة الإحاطية الحاوية للضدين ~~الخاصة به يتقرب إلى الهوية المطلقة، ويستفيض منها بلا واسطة، فإنه وإن كان من هذه ~~الحيثية جاهل بذلك العلو. # (فهو من حيث رتبته) الغائية (وحقيقته) العلوية المحيطة (عالم بذلك كله بعينه، من ~~حيث ما هو جاهل به من جهة تركيبه العنصري) بناء على ما مر غير مرة من أن الحقيقة ~~الختمية من خصائصها تعانق الأطراف والإحاطة بجميع النهايات وجملة الزيادات، وبين أن ~~ذلك إنما يتحقق بجمعيتها للضدين بحيثيتهما المتضادتين، فيكون مجمع الأضداد حينئذ من ~~الجهتين. # أي باعتبارأحدية الموردين والمبدئين المتغائرین، لا باعتبار تغائر الحيثيات فإنه ~~ليس مجمعا للضدين حينئذ. وقوله : " بعينه " لدفع ذلك الوهم. # وكذلك قوله رضي الله عنه: (فهو العالم الجاهل ، فيقبل الاتصاف بالأضداد كما قبل ~~الأصل الاتصاف بذلك ، كالجليل والجميل ) في الأوصاف الحقيقية الغير النسبية ~~(وكالظاهر والباطن والأول والآخر) في الأوصاف النسبية . # ( وهو عينه ) عند الاتصاف بتلك المتقابلات ( ليس غيره ) في حال من تلك الأحوال ؛ ~~( فيعلم ولا يعلم ، ويدري ولا يدري ، ويشهد ولا يشهد ) . # سبب تسمية شيث : # قال رضي الله عنه : (وبهذا العلم سمي شيث) أي بالعلم بأحدية جمع جميع العطايا ~~الإلهية جمعا إحاطيا حاويا لجميع النهايات وغايات الزيادات بما لا يفي بمقابلته ~~نقود استعداد العباد، فيكون من خزانة الوهب ومحض الامتنان . # فوقع اسم شيث مطابقا لمسماه ( لأن معناه : هبة الله ؛ فبيده ) أي في قبضة حقيقته ~~الجامعة واستعداده الأصلي (مفتاح العطايا على اختلاف أصنافها ونسبها) كما سبق ~~تفصيلها . # قال رضي الله عنه : (فإن الله وهبه لآدم أول ما وهبه) إسعافا بما استدعاه لسان ~~استعداده من استخراج كوامن العطايا الذاتية والأسمائية فيه ، فما استدعى آدم إلا ما ~~فيه ، (وما وهبه إلآ منه ، لأن الولد سر أبيه ) . # وأما بيان أنه أول ما وهبه : فإن آدم كما عرفت هي النفس الواحدة بالوحدة الجمعية ~~، الكائنة بالكون الإحاطي ، الكامنة فيها تفاصيل جميع العطايا والمواهب ، من مبدأ ~~الفتح إلى منتهی الختم ؛ وشيث كما ظهر من التنزيلات المتعسفة والتأويلات الغير ~~المتسقة لهذا الكلام . # وإذ قد تبين أن الأولاد أسرار الآباء فوهب شيث لآدم ليس مما ناله من الخارج، بل ~~إنما هو من نفسه (فمنه خرج، وإليه عاد، فما أتاه غريب لمن عقل عن الله) أي أدرك منه ~~بلا توسط آلة ولا وساطة عبارة. # ولفظ «العقل» له خصوصية هاهنا من دون "الأخذ" و "الكشف" وغيره من حيث أنه من علوم ~~التفرقة التي يعتبر فيها التفصيل، فلابد من عقل يضبطها، ضبط جمعية للأطراف ~~والنهايات ، فالواصلون إلى هذا الإدراك هم الحكماء الإلهيون ، أرباب العقول الكاملة ~~والأذواق الشاملة . # وما قيل": «إن غفل» من الغفلة، بناء على أن «ما» موصولة فهو بعيد ، نشأ من الغفلة ~~عن مقصود الكتاب ، فإنه تعريض بمن عقل عن الأسباب أعني أهل النظر كما سيجيء ما ~~يؤيده . # قال رضي الله عنه : (وكل عطاء في الكون على هذا المجرى) بواسطة كان ذلك ، أو بلا ~~واسطة، ذاتيا كان ، أو أسمائيا - فإنك قد عرفت أن العطاء الذاتي هو الذي بصورة ~~استعداد المعطى له ، لاغير ؛ والمرآة نصبها الله مثالا له . # ( فما في أحد من الله شيء) من خصوصيات العطايا ، وإن كان أصلها ذاتية إلهية ، فإن ~~تلك الحضرة أقدس وأنزه من أن يحضر لديها تلك النسب ، كما سبق تحقيقه في مثال المرأة ~~والصورة المتمثلة فيها ، إذ قد ظهر أنه ليس في التجليات الإلهية خصوصية إلا من ~~القوابل . # قال رضي الله عنه : ( وما في أحد من سوى نفسه شيء ، وإن تنوعت عليه الصور ) أي ~~على ذلك الأحد بحسب سيره في مواطن أراضى استعداده و مسالك عرضها الواسع الذي لاحد ~~لأبعادها ، ولا عد لأفراد الصور المتشخصة فيها ، فتكون هذه الصور التي لا يبلغها ~~الإحصاء عدا وحدا تنوع بها ذلك الأحد مع أحديته، فالكل فيه ، وما فيه من الله شيء. # قال رضي الله عنه : (وما كل أحد يعرف هذا وأن الأمر على ذلك ، إلآ آحاد من أهل ~~الله) صاحب الإشراف على متعانق الأطراف وشاهد الأحدية الجمعية الذاتية ، بأن الكل ~~منه وإليه ، لا خارج منه شيء أصلا ، وأن الله بذاته منزه عن هذه النسب كلها . # لا يقال : إن أحديته تعالى إذا كان أحدية جمع لا تنافي تعدد النسب تقده وتنزهه ؟ # لأن الذي ينافيه النسبة مطلقا هو هذه الأحدية ، دون أحدية الفرق - كما مر. # (فإذا رأيت من يعرف ذلك فاعتمد عليه، فذلك هو عين صفاء خلاصة خاصة الخاصة من عموم ~~أهل الله تعالى) ، المعدودين في طي هذه الحكمة بأنواعها وأصنافها . # فذلك الكامل هو عين المنتقدين من الأصفياء، وخلاصة طبقات المنتجبين من الكتل، ~~طبقا على طبق، إلى سبع مراتب لما عرفت سترها غير مرة على ما صرح إليه بعبارته هذه - ~~فلا تغفل. # (فأي صاحب كشف شاهد صورة) مثالية - كما وقع لكثير من المنقطعين المتجردين أن يظهر ~~لهم صورة شخص من المرشدين والمعلمين في عالم المثال نوما ويقظة (تلقى إليه) من سماء ~~الوهب والعطايا الذاتية (ما لم يكن عنده من المعارف و تمنحه) من خزائن المواهب ~~الأسمائية (ما لم يكن قبل ذلك في يده ) من نقود الحقائق ، ( فتلك الصورة عينه ~~لاغيره ) على ما هو المتوهم لأكثر المشاهدين . # ( فمن شجرة نفسه ) المنغرسة في أرض استعداده بید ما له من القوة العالمة العاملة ~~الساقية لها من مشربه المعلوم له من مقسم : "قد علم كل أناس مشربهم ". # ( جني ثمرة غرسه ) وفي بعض النسخ : « ثمرة علمه » ، لكن الأول أقرب إلى مساق ~~العبارة وترشيح الاستعارة -. # وفي تخصيصه هذه العطايا أولا عند نفيها بالزمان ، وثانيا عند إثباتها بالمكان ~~لطيفة لايخفى على الفطن. # سبب الاختلاف في الكشف : # ثم إنه لما كان مأنوس طباع الجمهور في الصورة المذكورة غير ما ذهب إليه بناء على ~~أن الصورة المشاهدة قد تختلف المشاهد واحد في أوقاته وحالاته. # فلو كانت من نفسه ما تغيرت الصورة لعدم تغيرها أراد أن يبينه في مثال يكشف عن تلك ~~الاختلافات ، ويطابق الصورة المذكورة كل التطابق . # فإن نسبة هذا المكاشف إلى ما اقتطف من غرس نفسه من حيث أنه ليس لأحد في تحصيل ذلك ~~الأمر وتصويره مدخل غيره بعينه ( كالصورة الظاهرة منه في مقابلة الجسم الصقيل ، ليس ~~غيره ) بالذات ، كما لايخفى. # ( إلا أن المحل ) يعني الجسم الصقيل ( أو الحضرة ) يعني المواطن الأسمائية ~~المتجلى فيه (التي رأى فيها صورة نفسه تلقي إليه) تلك الصورة (ينقلب من وجه حقيقة ~~تلك الحضرة) والخصوصية الامتيازية التي لمحل . # وذلك لأن المحل المشاهد فيه إذا كان له الوجوه الامتيازية بينه وبين المشاهد ، ~~وغلب عليه ذلك ، لابد وأن يرى صورته في ذلك المحل أو الحضرة المتجلى فيها ، منقلبة ~~من تلك الوجوه ، جوهريا كان ذلك الامتياز أو عرضيا ، وجوديا أو عدميا ، (كما يظهر ~~الكبير في المرآة الصغيرة صغيرا ، والمستطيلة مستطيلا ، والمتحركة متحركا). # فعلم أن المواطن والحضرات الأسمائية التي يتحقق بها العبد ، و يساك فيها نحو ~~مواقف القرب ، لها تأثير في مشاهداته و مكاشفاته من الصور اللائحة له في تلك ~~المواطن التي هي بمنزلة المرايا . # وذلك إنما يختلف بحسب علو الاستعداد وقربه لفضاء الإطلاق وانقهار أحكام ~~المتقابلات فيه ، وانحطاطه في مضائق القيد ومهاوي البعد ، واستيلاء قهرمان تلك ~~الأحكام عليه . # فمن العباد من حاذي بوجه استعداده العلي مواطن تعطيه الصورة على ما هي عليه ، أو ~~على قرب منه ، بأن تعطيه الصورة على ما عليه ، ولكن منتكسة في وضعها ، بأن جعل ~~عاليها سافلها ، وخربها عن وضع قبولها ، كما للملامية" على ما قيل: # وخلع عذارى فيك فرضي وإن أبى …. اقترابي قومي ؛ والخلاعة سنتي # ومنهم من حاذی بوجه استعداده المنحط نحو مواطن إنما تعطيه الصورة منصبغة بتلك ~~الأحكام الانحطاطية والوجوه التقابلية . # وأشار إلى القسمين الأولين بقوله: ( وقد يعطيه انتكاس صورة من حضرة خاصة ، وقد ~~يعطيه عين ما تظهر منها ، فيقابل اليمين اليمين من الرائي ) # وإلى الثالث بقوله : ( وقد يقابل اليمين اليسار ، وهو الغالب في المرايا بمنزلة ~~العادة في العموم ) . # وذلك لأن الأجسام الصقيلة التي ترى مثل المحسوسات بعمومها، إنما يراها لدى ~~الاستقبال ومواجهة الرائي للجسم الصقيل. # ولا شك أن ظهور أحكام التقابل يقتضي أن يقابل اليمين اليسار، لكن إذا علا الرائي ~~علوا إحاطيا لا يظهر تلك الأحكام كما ظهر لدى المواجهة، فتعطي المرآة حينئذ انتكاس ~~الصورة من الحضرة الخاصة. # وهي الحضرة التي انخلع في طوى إطلاقها نعلا التقابل، وإذا بلغ منتهاها يصير ~~المظهر عين الظاهر على ما هو محتد ذوق الختم وحقيقته كما عرفت. # وعند سطوع تباشير هذه المرتبة تنطوي أحكام تمايز العقل على ما هو محتد ذوق العامة ~~وحقيقة آدم وتختفي كواكب تمييزه العادي وتفرقته الرسمية المأنوسة للكل، وتفصيل ~~جزئيات الأنوار اللائحة عليه في ظلمات نشأته الكونية. # وإليه أشار بقوله: (وبخرق العادة يقابل اليمين اليمين ويظهر الانتكاس). # (وهذا) الانقلاب والاختلاف (كله من اعطيات حقيقة الحضرة المتجلي فيها ، التي ~~أنزلناها منزلة المرايا) ؛ ولا يتوهم التدافع بين هذا الكلام وبين ما قال : "ما في ~~أحد من سوى نفسه شيء" فإن الحضرة المذكورة ليست مصدرا للعطاء إلآ باعتبار حقيقته ~~التي هي عين المشاهد من القوابل المتكثرة ، وفي لفظ «المرايا» ما ينتهك عليه ، وقد ~~سبق في الفص الآدمي ما يفيدك معنی الحقيقة ، في هذه الحضرة و وجه اختصاصها بها فلا ~~نعبده . # وإذ قد عرفت أن العالي على مرآة قابلیته واستعداده هو الذي تظهر الحقائق على ما ~~هي عليه - دون من دونه ممن قابلها - ظهر لك وجه ارتباط قوله : (فن عرف استعداده عرف ~~قبوله ) لما يستعده من المراتب و يستأهله من الحقائق ، ضرورة أنه هو العالي على ~~مرآة استعداده ، فتعطيه الصورة منتكسة مطابقة . # (وما كل من عرف قبوله عرف استعداده إلا بعد القبول) لأنه في حيطة أحكام التقابل ، ~~فلا تعطيه مرآة استعدادها الصورة المطابقة ، فلا يعرفها بتفاصيل نسبها ، (وإن كان ~~يعرفه مجملا) لأن صاحب المواجهة برى اليمين واليسار ، و يعرفهما ، لكن لا من حيث ~~أنهما يمين ويسار. # وهذا الكلام كله ذیل لقوله: "ما في أحد من الله شيء، وما في أحد من سوى نفسه ~~شيء". # وإذ خصص إدرا كه بالعاقلين عن الله، أضرب عن ذلك متعرضا لما ذهب إليه بعض ~~العاقلين عن الأسباب، من الأنظار والأقيسة بإيراد «إلآ» موضع «لكن» في قوله: (إلا ~~أن بعض أهل النظر من أصحاب العقول الضعيفة). # المستمسكين عند استفاضة الحقائق بعروة الوسائل والدلائل ( يرون أن الله لما ثبت ~~عندهم أنه فقال لما يشاء ) ومعنى المشية على ما عرفت بلسان التحقيق هو الذي به ~~يتحقق الشيء نفسه بصفته الأصلية ، فلا يمكن أن يكون إلا على ما عليه الأمر من ~~الحكمة البالغة . # وإذ لم يفهموا معنى المشية (جوزوا على الله ما يناقض الحكمة وما هو الأمر عليه في ~~نفسه) ، إذ الحكمة هوما عليه الأمر في نفسه من الصور والأحكام المطابقة للواقع أعني ~~الموجود في نفس الأمر فلا يكون الممتنع في تقسيم المواد معدودا من الأقسام ، ولا ~~الممكن المعدوم أيضا إذ لا فرق بينه وبين الممتنع على ما ذهبوا إليه فيكون قسمة ~~المواد حينئذ مثناة بين الموجود الممكن والواجب . # (ولهذا عدل بعض النظار إلى نفي الإمكان وإثبات الوجوب بالذات و بالغير ؛ والمحقق) ~~بالنظر الحق ، لما شاهد الواقع اطلع على نفس الأمر بما عليه # من الصور والأحكام وما قصر النظر على الخارج منها عاكفا لديها بأحكامها المحسوسة ~~عرف الإمكان الذي هو مقتضى حقائق الأعيان في حضرة تمايز المعلومات عن العلم ، حيث ~~انفصل العلم عن الوجود وثبت لها أعيان متمايزة . # فإذا نظر إليها في أنفسها بشرط أن لا يلاحظ ما عليه من الخارج عنها تكون نسبة ~~الوجود والعدم إليها على السوية، وهي البرزخ الواقع بينهما، وهي بهذا الاعتبار هو ~~الممكن بما هو ممكن، وهذا موطن إثباته. # وإذا نظر إليها مطلقا عن ذلك الشرط - فقد يعتبر معها خارج هي بعينها - تصير واجبة ~~بالغير بذلك الاعتبار. # وهذا الموطن الإطلاقي هو الذي يصح إطلاق اسم الغير، الذي اقتضى لها الوجوب، وبه ~~يصير الممكن واجبا. # ولذلك (يثبت الإمكان ويعرف حضرته، والممكن ما هو الممكن، ومن أين هو ممكن، وهو ~~بعينه واجب بالغير، ومن أين صح عليه اسم الغير الذي اقتضى له الوجوب) . # (ولا بعلم هذا التفصيل) أي تفصيل معنى الإمكان والوجوب، والممكن بما هو ممكن ~~وتحقيق موطنه و صيرورته واجبا بالغير، وموطن صحة هذا الاسم عليه. # ( إلا العلماء بالله خاصة ) و العاقلون عنه لا العلماء بالنظر والاستدلال و ~~العاقلون عنه ، فإنهم عاجزون عن ذلك التفصيل ، قاصرين عن تحقيق مبادئه لما مر. # طلوع من الرقوم والعقود : # وهو أن # «الله » # قد انطوى على ثلاثة أرقم : # أحده # الخط البسيط المتنزل الذي لا نسبة فيه بالفعل. # والثاني منها ذلك الخط بعينه منفصلا عنه ، منحدا به خط آخر منبسط على الأرض ، ~~انبساط العلم ، وحصل هناك بذلك نسبة غير تامة الارتباط . # والثالث منها ذانك الخطان بارزا عنهما خط آخر ، يرتبط به المنبسط إلى الخط الأول ~~، و يصير به تام الارتباط ، ويتم الدائرة التي عليها مدار كمال الوجود . # وأيضا قد اشتمل من العقود على الثلاثة منها : # أحدها : الواحد الذي هو مبدء سائر الأعداد والنسب ، ولم يكن له بالفعل نسبة أصلا. # الثاني : الثلاثة التي عليها مدار الظهور والبروز و إيجاد الممكن وإثبات الحدوث. # الثالث : الخمسة التي هي العدد الدائر الكامل ، الذي احتوى على التام من الأزواج ~~والأفراد ، وهي أنهی طرف الكثرة ، فهي أم الأعداد بمراتبها ، وهي العدد الأم - كما ~~سبق بيانه . # ولا يخفى على الفطن تحقیق معنى الواجب بالوجوبين والممكن من هذا التلويح وتطبيق ~~تفصيل المواطن عليه ، فلا حاجة إلى زيادة من التوضيح . # ولما تقرر وجوب مماثلة المبدء والختم ولزوم مطابقتهما ، وجب أن یكون الآخر من كل ~~نوع مشتملا على جميع ما عليه الأول بالفعل والقوة (وعلى قدم شيث يكون آخر مولود ~~يولد من هذا النوع الإنساني ) ضرورة أنه أول من ولد من الوالد الأكبر ، فآخر من ~~انتهى إليه سلسلة المواليد لابد وأن يكون في موطن كماله وعلى قدم قراره . # و أنت عرفت مرادهم من هذا الاصطلاح فلا نعيده وإن ارتاب به بعض مستكشفي هذا ~~الكتاب، حتى وقع في القول بأن شيث عليه السلام من القائلين بالتناسخ. # وعليه حمل قوله : (وهو حامل أسراره) ؛ وأنت عرفت تفصيل أولاد آدم ، وأن الذكر ~~منهم هو الذي له الأسرار والعلوم الشهودية ، هذا بحسب مواقف شهوده من حيث أنه آخر ~~الأولاد (وليس بعده ولد في هذا النوع ، فهو خاتم الأولاد) . # وأما من حيث الوجود فلابد وأن يقارن وجوده مايماثل أصل القابلية التي تتولد مع ~~شيث من الوالد الأكبر ، كما علم من حكمته ، لأن قابلیته مقدمة عليه ، وذلك بأن يولد ~~(ويولد معه أخت له ، فتخرج قبله ، ويخرج بعدها ، يكون رأسه عند رجليها) لأن ظهوره ~~إنما يمكن بعد تمام بروز القابلية عن الوالد الأكبر بقدميها الصورة والمعنى ، أي ~~بأخرهما ، أو لأنه كما هو خاتم الأولاد فهو خانم هذا النوع من الظهور الكمالي ~~والوجود الجمی فلابد وأن يماثل آدم بهذا الاعتبار. # كما صرح به الشيخ في عنقاء المغرب حيث قال : وإنما يولد معه أخته ، ليكون ~~الاختتام مشابها للابتداء ، فإن خلق آدم كان أيضا مقارنا لخلق حواء " إن مثل عيسى ~~عند الله كمثل آدم" . # أو لأنه لما كان منتهی ظهور هذه الصورة النوعية الاعتدالية الكمالية الواقعة في ~~أقصى نهاية العدالة الحيوانية، لابد وأن يضاهي مبدأ ظهورها. # وأختها هي النفس الحيوانية، فإن النفس الناطقة الإنسانية إنما تتولد من أم موادها ~~العنصرية معها بعد تمام ظهورها، ويكون رأس تسليمها عند رجلي قوتها الشهوة والغضبية، ~~اللتين بهما يسلك مسالك متمناها في عرض أرض استعدادها. # ومما عرفت في التفرقة بين أولاد آدم من أن الذين لهم الظهور بالصور الوجودية ~~والقوة التامة المقدرة للنوع من التمكن عن اقتناص المعارف من الصور الوجودية كشفا، ~~هم أبناء آدم. # كما أن الذين لهم الخفاء في الملابس الكونية، والضعف عن الاستكشاف من الصور ~~المذكورة، بل انما يستنبطون علومهم من مكامن الحجب النظرية والحجج العقلية فهم بنات ~~آدم أهل الحجاب. # ظهر لك أن الكامل الذي هو خاتم الأولاد إنما يخرج مع أخته صاحب العقل ، ورأس ~~ظهوره تحت رجلي قوتيه النظرية والعملية ، اللتين بهما يسلك مسالكه . # وقوله : (ويكون مولده بالصين) إما لأنه لما كان في آخر ما أمكن من أجزاء الزمان ~~مما يصلح لأن يكون ظرفا لتكون أفراد نوعه ، فالصين كذلك في المكان ، فإنه آخر ما ~~أمكن أن يتكون فيه هذا النوع ؛ ولأنه واقع بین مبدأ شروق شمس الظهور المبينة ~~للصورالكائنة ، المخفية للحقائق وما يختص بها من الستر والصور ، وشمال الشمول ~~والجمعية المستدعية للعلوم ، وحصولها في طي الحجب بمساعي الجوارح ، متلبسة بالصور ~~الكونية ، مستجلية بروابط المقدمات النظرية ، بدون توسل إلى تلك الصور الموضوعة من ~~عند الأنبياء ، ولذلك ترى هنالك تلك الصور فيها مختفية ، ومن هاهنا تسمع فيه : ~~"أطلبوا العلم ولو بالصين". # وفيه تلويح لفظي وعددي : # أما الأول فيما للحجب والقشور من الصيانة . # وأما الثاني فلما فيه من الدلالة على النسب الكونية الحاجبة. # ومن خصائص الولي الخاتم اختفاؤها عند ظهوره، كما حققه صاحب المحبوب سلام الله ~~عليه: "إنه تحلية النفس بقرية العكس". # الأول لقوله تعالى: "ثم كلي من كل الثمرات " ، أي مرها وحلوها ، نافعها ومضارها . # والثاني لجعامتها، ومن ثمة ترى أحكام الطبيعة في حينه عالية وسلطان قوتي الشهوة ~~والغضب بالغا في الظهور لما أشير إليه. "الجعمي : الحريص بشهوة" # و أومي إلى ذلك بقوله: (ولغته لغة بلده) البعيد عن الظهور الوجودي وكمالاته ~~الشهودية، على ما أرسل به بنو آدم من الأنبياء ، فلذلك لا ينتج كلامهم لقومهم ~~الكوني ، الذين هم بنات آدم . # (ويسري العقم في الرجال والنساء ، فيكثر النكاح) الأظهاري بين الناكح الداعي ~~والقابل الواعي ( من غير ولادة ) للكمال الإنساني ( ويدعوهم إلى الله فلا يجاب ) . # ( فإذا قبضه الله وقبض مؤمنی زمانه بقى من بقى مثل البهائم ، لا يحلون حلالا ) به ~~يحلون محال ظهوره ومجالي شعوره ، ( ولا يحرمون حراما ) به يحرمون عنها. # (يتصرفون بحكم الطبيعة شهوة مجردة عن العقل) بإهمالهم شرائط بقاء النسل والحرث ~~(والشرع) بإهمالهم شرائط محافظة النسب عن الاختلال والوهن . # فعند انطواء هذين المحليين في طوى جلال الزمان وحمى كماله طلعت على أهله شمس ~~الظهور من مغرب إخفائها ، واختفت في مشرقها ومنصات جلائها . # (فعليهم تقوم الساعة) فإن من شأن الحكم الإلهي أنه إذا حان ظهور الثمرة وخروجها ~~من الحبة المزروعة لابد من تفرق أجزائها وانقلاب أوضاعها ، وانعدام نضدها ونظمها ، ~~فعند ذلك أمكن خروج الثمرة من مكامن قوتها و إمكانها إلى مجالي الخارج . # وتلك الحبة هي الشرع ، والثمرة هي الحقيقة المندمجة فيها ، فإذا تجردت الحبة عن ~~صورتها الظاهرة التي هي الشرع ، وعن جمعيتها المزاجية التي هو العقل برز ما فيه من ~~السنابل السبع، في كل سنبلة منها مائة حبة ، وهو المعبر عنه بالساعة . # ولتحقيق ذلك وبيان لميته كلام كاف وبرهان شاف في الكتاب ، من اهتدى إلى استكشاف ~~ذلك فقد فاز من جلائل حقائق الوقت ولطائف خصائص المحبوب المراد بحظ والسلام . # . ### | فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية ### | 03 - فصّ حكمة سبّوحيّة في كلمة نوحيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن ~~الدين علي ابن محمد التركة ### || شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم ~~الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # فصّ حكمة سبّوحيّة في كلمة نوحيّة ووجه المناسبة بين الاسم والكلمة هاهنا ظاهر ~~لما عرفت في بيان الترتيب أنّ الكلمة النوحيّة هي المبيّنة لحقائق التنزيه ، ~~الداعية إلى لطائف معاني التسبيح وخصائص كماله . # على أنّ هاهنا تلويحا من تحليل الاسم ، وهو أنّ السين والباء - الذين بهما امتاز ~~الاسم عن الكلمة وظهر حقيقتهما - إنّما تقوّمتا بالمد والنون الذين بهما ظهرت ~~الكلمة . # التنزيه عين التحديد # ثمّ إنّ أصول أرباب الحقائق تقتضي أنّ كلّ معنى فيه تقابل - وإن كان من المفهومات ~~العامّة - إذا نسب إلى الحضرة الإطلاقيّة والجناب الإلهي ، يكون تخصيصا وتحديدا ~~لذلك الجناب ، ولهذا تسمعهم يقولون : « هو خالق العدم ، كما هو خالق الوجود » فبناء ~~على ذلك الأصل قال : (اعلم أنّ التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين ~~التحديد والتقييد ) وذلك لأنّ التنزيه عبارة عن تبعيده تعالى عن المواد الهيولانيّة ~~وما يستتبعه من التحدّد والتحيّز ، وعن الصور الكونيّة المنوّعة والحوادث ~~الإمكانيّة المعيّنة وما يستدعيه من التقيّد والتشخّص . # والأوّل تنزيه المجتنبين عن التجسيم من المتكلَّمين ، والثاني تنزيه الحكماء . # ولا شك أنّ تبعيده عن المواد يقتضي إثبات نسبته إليها ، وانتهاء حدّه عندها ، ~~وذلك عين التحديد ، كما أنّ إطلاقه عن الصور الكونيّة المنوّعة والعوارض الحادثة ~~المشخّصة إنّما يستدعى تخصيصه بالإطلاق وتمييزه به ، وهو عين التقييد . # المنزّه إما جاهل وإما صاحب سوء أدب # ( فالمنزّه إمّا جاهل ) إذا حصّل ذلك بفكره ونظره ( وإمّا صاحب سوء أدب ) إذا ~~قلَّد فيه الرسل وأهل الحقّ . # ولا يتوهّم من هذا الكلام أنّ المنزّه مطلقا يكون جاهلا وصاحب سوء أدب - فإنّ ~~الموحّد أيضا لا بدّ له من التنزيه كما سيجيء تحقيقه - ( ولكنّ ) إنّما ينسب إليه ~~ذلك ( إذا أطلقاه ) عن التشبيه (وقالا به) ، أي ذهبا إليه ، على ما هو مذهب ~~الفريقين . # واعلم أنّ هذا الترديد بمعنى منع الخلوّ ، أي لا يخلو أمر المنزّه عنهما ، وقد ~~يستجمعها ، فإنّ المتيقّن بنظره ممن لم يقل بالشرائع ، إذا فكَّر وأدّاه إلى ~~التنزيه ، ووقف عنده ولم ير غير ذلك فقد جهل الحقّ ، والمقلَّد القائل بالشرائع إذا ~~نزّه بتقليده الرسل وأهل الحق فقد أساء الأدب بنسبته إلى الرسل ، ( والقائل ~~بالشرائع ، المؤمن ) أي المتيقّن بفكره ( إذا نزّه ووقف عند التنزيه ولم ير غير ذلك ~~، فقد أساء الأدب وأكذب الحقّ والرسل صلوات الله عليهم وهو لا يشعر ، ويتخيّل أنّه ~~في الحاصل ) مما أوتي به الرسل (وهو في الفائت) من ذلك ( وهو كمن آمن ببعض وكفر ~~ببعض ) فهو من المستجمعين بين الجهل وإساءة الأدب . # المعنى المراد من الألفاظ الواردة بلسان الشرايع # ثمّ لمّا استشعر ما يتمسّك به ذلك القائل من أنّ مؤدّى ألسنة الشرايع إنّما هو ~~المفهوم الأوّل من مدلولاتها الوضعيّة ، والحكم إنّما يترتّب على الظاهر منها ، ~~تعرّض لذلك بما يوهنه مشوّقا إلى ما يعلم منه مبدأ تقاعد الكلّ عند معتقداتهم ~~الجزئيّة المتخالفة . # وبلوغ الكمّل إلى ما يحيط منها بالكلّ بقوله : ( ولا سيّما وقد علم ) - أي ~~المنزّه القائل ، المؤمن المتيقّن ، إذا كان متفطَّنا - ( أنّ ألسنة الشرايع ~~الإلهيّة إذا نطقت في الحقّ تعالى بما نطقت به ) سريانيّا كان أو عبرانيّا أو ~~يونانيّا أو عربيّا مبين ( إنّما جاءت به في العموم ) من العباد والمكلَّفين ( على ~~المفهوم الأوّل ) من الدلالات الوضعيّة الحقيقيّة أو العقليّة المجازيّة التي في ~~ذلك اللسان. # (وعلى الخصوص) من أهل الحقائق وعلى لسان الخواصّ من العباد واستعمل « على » موضع ~~« في » مستشعرا منها معنى العلوّ (على كلّ مفهوم يفهم) ثانيا أو ثالثا أو رابعا ، ~~إلى أن ينتهي إلى الذوق الإحاطي الجمعي ، وكلّ ما انتقل إليه فهم من تلك الأفهام ~~مراد للحقّ ، ولكن ينبغي أن تكون تلك الانتقالات صحيحة ( من وجوه ذلك اللفظ ، بأيّ ~~لسان كان في وضع ذلك اللسان ) بمفردات حروفه ومركَّبات كلماته . # الظاهر والباطن # وإنّما قلنا أنّ كل ذلك مراد مجيء به ( فإنّ للحقّ في كل خلق ظهورا ) بحسب عموم ~~رحمته الوجوديّة وشمول رأفته الشهودية ( فهو الظاهر في كلّ مفهوم ) من أوّل مراتبه ~~للعامّة من العباد ، متدرّجا فيها ، مترقّيا إلى آخر ما تنتهي إليه درجات معتقدات ~~الخواصّ منهم في ذلك ، وهو مكاشفات الكمّل ، المحيطة بالكلّ ، كلّ ذلك مجالي ظهور ~~الحقّ . # ( وهو الباطن عن كلّ فهم ) من أفهام القاصرين عن درجة الكشف العلي والذوق ~~الإحاطيّ فهم محاطون لمفهوماتهم ومعتقداتهم ، عاكفون لديها ، عابدون إياه (إلَّا عن ~~فهم من قال: إنّ العالم) بأعيانه ومفرداته الخارجيّة والذهنيّة ونسبه الكونيّة ~~والإلهيّة (صورته وهويّته) لبلوغ فهمه ذلك إلى ما لا يحيط به مفهوم ولا يحصره صورة ~~من العقائد ، إذ الصورة الإحاطيّة هي له ، فله أحديّة جمع العقائد كلَّها . # وفي قوله : « من قال » دون « فهم » أو « شهد » لطيفة لا بدّ من الاطلاع عليها : ~~وهي أنّ القول أعلى درجات قوس الإظهار - يعني الشهود والكشف - وأتمّ مراتبه ، إذ ~~ليس له في الخارج عين وراءه ، وهو المراد ب « عين اليقين » ، فإنّه ليس لليقين عين ~~غير الكلام ، ومن هاهنا ترى سائر الآيات كريمة المشتملة على عقائل المعارف ونفائس ~~العقائد مصدّرة ب « قل » . # ( وهو ) أي العالم بجمله وتفاصيله ( الاسم الظاهر ، كما أنّه ) أي الحقّ الظاهر ~~بصورته في العالم ( في المعنى روح ما ظهر فهو الباطن ) . # وإذ ليس هاهنا محل تفصيل الاسم عن المسمّى ، ما أورد لفظ " الاسم " . # هذا تحقيق معنى الاسمين بمفرديهما ، وهما الكاشفان على ما حقّقه عن طرف التشبيه ~~فقط ، فأراد أن ينبّه على التنزيه الذي في عين هذا التشبيه المذكور ، كما هو مقتضى ~~أصوله الممهّدة بقوله : ( فنسبته لما ظهر من صور العالم ) ( نسبة المدبّر للصورة ) ~~، في عدم تحدّده بها ودوام تصرّفه فيها ، وامتيازه بحقيقته عنها . # إذا تقرّر هذا فنقول : إذا أريد تمييز شيء من تلك الصور وتحديد حقيقتها لا بدّ ~~وأن يجمع بين طرفيها ، ( فيؤخذ في حدّ الإنسان - مثلا - ظاهره وباطنه ) كما يقال في ~~حدّه : « إنّه الحيوان الناطق » معربا عنهما بالترتيب ، أمّا الأوّل فإنّ ظاهره ليس ~~إلَّا الجسم الناميّ المتحرّك الحسّاس ، وأمّا الثاني فإنّ باطنه ليس إلَّا « مدرك ~~المعقولات » وما يحذو حذوه (وكذلك في كلّ محدود) حتّى يتمّ تحديد تلك الحقيقة ~~وتحصيل صورة تطابقها . # ( فالحقّ ) لما كان له أحديّة جمع الصور بمعانيه ( محدود بكل حدّ ) ، فحدّ جميع ~~صور العالم من حدّه ، # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وصور العالم لا تنضبط ولا يحاط بها ) لعدم تناهيها ، ~~( و ) على تقدير ضبطه (لا تعلم حدود كلّ صورة منها إلَّا على قدر ما حصل لكلّ عالم ~~من صورة ) المناسبة لاستعداده (فلذلك يجهل حدّ الحقّ ، فإنّه لا يعلم حدّه إلَّا ~~بعلم حدّ كلّ صورة) من الصور المشتمل عليه # العالم بطرفيها الروحاني والجسماني ( وهذا محال حصوله ، فحدّ الحقّ محال ) . # التنزيه في عين التشبيه فعلم من هذا أنّ من نزّه الحقّ مطلقا وما شبّهه - فقد ~~حدّد ما لا يحدّ فما عرفه ، ( وكذلك من شبّهه وما نزّهه فقد قيّده وحدّده وما عرفه ~~، ومن جمع في معرفته بين التنزيه والتشبيه ) وقال بوجوده في كلّ عين ، منزّها عنه ، ~~وشاهد بطونه في عين الظهور ووصفه ( بالوصفين على الإجمال لأنّه يستحيل ذلك على ~~التفصيل ، لعدم الإحاطة بما في العالم من الصور ) حتّى يتمكَّن من مشاهدته في كلّ ~~واحد مفصّل ( فقد عرفه مجملا ، لا على التفصيل ، كما عرف نفسه مجملا ، لا على ~~التفصيل ) إذ الإحاطة بما انطوى عليه ظاهرها - من القوى الجسمانيّة وآلاتها ~~وأفعالها وباطنها من القوى الروحانيّة وأطوارها ومقاماتها مما لا يمكن إلَّا على ~~ضرب من الإجمال . # (ولذلك ربط النبيّ عليه السّلام معرفة الحقّ بمعرفة النفس فقال : « من عرف نفسه ~~فقد عرف ربّه » ) وهذا غاية الإجمال حتّى أن الوصفين فيه مجمل . # وأمّا ما يدلّ على ضرب من التفصيل فما أفصح عنه التنزيل الكريم . # وإليه أشار بقوله : ( وقال تعالى : " سَنُرِيهِمْ آياتِنا " ) أي ما يدلّ على ~~أحديّة جمع الحقّ ، بجمعيّته الإحاطيّة الأسمائيّة ( " في الآفاقِ") أي في أطراف ~~محيط الاعتدال الكمالي الإنساني ( وهو ما خرج عنك ) أي عن مركز الاعتدال النوعي ( ~~"وَفي أَنْفُسِهِمْ" وهو ) أي أنفسهم أو الآيات التي فيه ( عينك ) أي عين تلك ~~النقطة المركزيّة . # فإنّ سائر النسب فيها عينها ، ولهذا وحدّ ضمير الأنفس أو آياتها باعتبار مصدوق ~~الخبر أعني المخاطب ، تنبيها إلى أنّ الكثرة التشبيهيّة فيها عين الوحدة التنزيهيّة ~~، كما فسرّ ضمير الجمع بالواحد في قوله : (" حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ " أي ~~للناظر) تنبيها على أنّ الوحدة التنزيهيّة عين تلك الكثرة والمنبّه على هذا التحقيق ~~ما وقع في الآية الكريمة من هذا الأسلوب في قوله : ( " أَنَّه ُ الْحَقُّ " ) [ 41 ~~/ 53 ] أي الناظر ، على أنّ ما سبق في الآية مما يصلح لرجع هذا الضمير صيغ الجمع ~~كالآفاق والآيات والناظرين فوحّد الضمير بذلك الاعتبار . # فعلم أنّ النقطة المركزيّة - أعني عين الإنسان الذي هو الناظر - قد تبيّن له ~~باعتبار اتّصافه بالوصفين وجمعيّته للطرفين أنّه الحقّ ( من حيث أنّك صورته وهو ~~روحك ) ضرورة أنّ عينك هو البرزخ بين الظاهر والباطن ( فأنت له كالصورة الجسميّة لك ~~، وهو لك كالروح المدبّر لصورة جسدك ) . # هذا طرف التنزيه ، وأمّا طرف التشبيه ، فقد بيّنه بقوله : ( والحدّ يشمل الظاهر ~~والباطن منك ) حتّى يستجمع بين المادّة الجنسيّة والصورة الفصليّة ويستحصل منهما ~~صورة مطابقة لك ، لكن لما كان الحدّ المستجمع بين الظاهر والباطن يحتاج في الإنسان ~~إلى رابطة مزاجيّة ، تستدعي اقتران الصورة الفصليّة بالمادّة ، ولا استقرار لتلك ~~الرابطة أصلا ، لا يمكن إطلاق ذلك الحدّ دائما على نشأته هذه. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإنّ الصورة الباقية إذا زال عنها الروح المدبّر لها ~~لم تبق إنسانا ) لانتفاء الصورة الفصليّة عنه ( ولكن يقال فيها : إنّها صورة ) تشبه ~~صورة ( الإنسان ، فلا فرق بينها وبين صورة من خشب أو حجارة ) , ضرورة أنّ الباقي في ~~الكل إنّما هو الصورة الجسميّة فقط ( ولا يطلق عليها اسم الإنسان إلَّا بالمجاز لا ~~بالحقيقة .) # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وصور العالم لا يمكن زوال الحقّ عنها أصلا ) ، لأنّه ~~أوّل الأوائل في أزل الآزال ، فسائر الصور صورته الحقيقيّة ، بل عين تلك المادّة ~~الأولى والقابليّة الذاتيّة ، لما تقرّر من أنّ الآخر عين الأوّل ، وهذا معنى ~~البساطة التي ذهب إليها أهل النظر . # ( فحدّ الألوهيّة له بالحقيقة ، لا بالمجاز ) لاستجماعه الظاهر والباطن مطلقا ، ~~وصدق الحدّ إنّما يستدعي ذلك ( كما هو حدّ الإنسان إذا كان حيّا ) . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وكما أنّ ظاهر صورة الإنسان تثني بلسانها على روحها ) ~~المحيي فالعالم في تسبيح وحمد دائم ( ونفسها ) المدركة العاقلة ( و ) طبعه ( ~~المدبّر لها ) فإنّ تلك الصورة بما صدر عن قواها وأعضائها من الأفعال مظهرة لكمالات ~~مباديها ، معرّفة لخصائص أوصافها الوجوديّة ، وليس ذلك غير الثناء ، لكن لمّا كان ~~ألسنتهم مقصورة على إظهار الأوصاف الوجوديّة المعربة عن طرف التشبيه فقط لا يكون ~~ثناؤهم لتلك المبادي جامعا بين التسبيح والحمد ، بخلاف ثناء صور العالم للحقّ ، ~~فإنّه جامع بينهما . # ولذلك قال الشيخ رضي الله عنه : ( كذلك جعل الله صور العالم يسبّح بحمده ، ولكن ~~لا تفقه تسبيحهم) وإن كان لنا اطَّلاع على حمدهم وثنائهم ، لأنّه بمجرّد ما يشاهد ~~من آثارهم وخواصّهم يعرف إظهارهم لكمالات الحقّ . # وحمدهم له وأمّا التسبيح فيحتاج أن نعلم جهاتهم الامتيازيّة المنزهة لهم عمّا ~~يشاركهم ، وذلك يتوقّف على معرفة ما وراء ذلك من الصور والمظاهر ، فيتوقّف على ~~الإحاطة بجميع الصور ، ولا تفي بذلك القوّة البشريّة ( لأنّا لا نحيط بما في العالم ~~من الصور ) . # هذا بالنسبة إلى مداركنا الجزئيّة ، وأمّا بحسب الأمر نفسه ، فالكلّ معبّر عن ~~كمالاته ومفصح بأنّها ليست مقصورة على ما عبّر عنه . # ( فالكلّ ألسنة الحقّ ناطقة بالثناء عليه ، ولذلك قال : " الْحَمْدُ لِلَّه ِ ~~رَبِّ الْعالَمِينَ ") فالكلّ معبّر عن كمالاته ومفصح بأنّها ليست مقصورة على ما ~~عبّر عنه . باللسان الجمعي القرآني الختمي ، مترجما عمّا نطق به ألسنة صور العالمين ~~أجمعين . # من أنّ الحمد أي التعريف والإظهار الذي تؤديه ألسنة تلك الصور كلَّها لله ، الذي ~~هو ربّهم ( أي إليه يرجع عواقب الثناء ) والتعريف بمحامد الأوصاف والأحكام ~~الوجوديّة ، وإن نسبت تلك الأوصاف ابتداء إلى الصور الكونيّة والتعيّنات الإمكانيّة ~~، لكنّها من حيث أنّها أحكام وجوديّة لا يمكن أن تتعلَّق بها ، فيكون مرجعها هو ~~الوجود الحقّ ضرورة . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فهو المثني ) باعتبار إظهاره لتلك الكمالات في الصور ~~التشبيهيّة ( والمثنى عليه ) باعتبار ظهوره في نفسه وتقويمه لتلك الصور في أرواحها ~~التنزيهيّة . # ثمّ لما انساق الكلام هذا المساق حان أن يفصح بالمقصود ويصرّح بما أشير إليه على ~~ما هو مقتضى الصورة المنظومة من الكلام . # فقال : ( فإن قلت بالتنزيه كنت مقيّدا ) ضرورة أنّ التنزيه يقتضي تقييد الحقيقة ~~الحقّة وتعيّنه بالتعيّن الإطلاقي كما عرفت ( وإن قلت بالتشبيه قلت محدّدا ) لأنّ ~~الصورة لا بدّ لها من الإحاطة والتحديد ، وفيما سبق من الكلام ما يدلَّك على تخصيص ~~الثاني ب « قلت » فلا نعيده هاهنا . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وإن قلت بالأمرين كنت مسدّدا ) أي موفّقا للصواب ، من ~~القول والاستقامة من القصد ، وذلك لأنّك بجمعك بين الأمرين وصلت إلى مقتضى الذوق ~~الإحاطيّ الختميّ ، ودخلت في الامّة الوسط الذي هو خير الأمم ، وإليه أشار بقوله : # ثمّ لمّا كان الجمع بين الأمرين يتصوّر على وجهين : أحدهما أن يعتبر التشبيه ~~بإزاء التنزيه خارجا عنه وهو القول بالإشفاع والآخر أن يعتبر كلّ منهما في ضمن ~~الآخر متّحدا به - وهو القول بالإفراد - قال رضي الله عنه : # فمن قال بالإشفاع كان مشرّك %~% ومن قال بالإفراد كان موحّد # فعلم من هذا أنّ من اعتقد أنّ العبد ثاني الحقّ لا يمكن له القول بالتشبيه ، ~~وإلَّا يلزم أن يكون مشركا ، كما أنّ من اعتقد بإفراده معه لا يمكن له القول ~~بالتنزيه - أي التنزيه الرسمي على ما ذهب إليه القائلون به - وإلَّا يلزم أن لا ~~يكون مفردا ، وإليه أشار بقوله : # فإياك والتشبيه إن كنت ثاني %~% وإياك والتنزيه إن كنت مفرد # فظهر من هذا أنّ التنزيه الذي لا ينافي التوحيد والإفراد ، غير هذا التنزيه ، بل ~~ذلك هو التنزيه الذي في عين التشبيه ، وذلك التشبيه هو الذي يليق بالموحّد ، ولا ~~يليق بالثنوي . # وتحقيق ذلك أنّ العبد غير الحق بمجرّد اعتبار التعيّنات النسبيّة والإضافات التي ~~إنّما تتحقّق بمجرّد الاعتبار - كالغيبة والخطاب - وأمّا بالنظر إلى الأمر نفسه فهو ~~عينه ، وهو معنى التنزيه في عين التشبيه ، والمشير إلى ذلك كلَّه قوله : # فما أنت هو بل أنت هو ، وتراه في %~% عين الأمور مسرّحا ومقيّد # لتنزيه والتشبيه في القرآن الكريم # ثمّ لما أشار إلى أن الجامع هو الإمام السيّد ، بيّن ذلك بقوله : ( وقال تعالى : ~~" لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ " فنزّه ) بناء على ما تقرّر في فنون البلاغة أنّ ~~انتفاء أمر عمّا يماثل الشيء يدلّ على انتفائه عنه بأبلغ وجه وأتمّ قصد ، كما يقال ~~للجواد : « مثلك لا يبخل » لا على أنّ الكاف زائدة ، فإنّ أصول التحقيق يأبى ذلك . # (" وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " فشبّه) لأنّه من أوصاف العبد ، وهذا هو الجمع ~~بين التنزيه والتشبيه على ما أشار إليه . # ولمّا كان مقتضى الكلمة المحمّديّة والقرآن الختمي أعلى من ذلك وهو التشبيه في ~~عين التنزيه ، والتنزيه في عين التشبيه قال : ( قال تعالى : " لَيْسَ كَمِثْلِه ~~ِشَيْءٌ " فشبّه وثنّى ) إشارة إلى ذلك ، وذلك لأنّ النفي إذا كان متوجّها إلى مثل ~~مثله ، يدلّ على ثبوت المثل بالضرورة وعلى ثنويّة الموجود ، ويلزمه التشبيه في عين ~~التنزيه ، والكثرة في نفس الوحدة . # وأمّا عكسه فيستفاد من قوله : ( " وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " فنزّه وأفرد ) ~~وذلك من الحصر الدالّ عليه بخصوصيّة تركيبه ، وبديع نظمه وترتيبه . # فلئن قيل : أما صرح في نظمه أنّ الجمع بين التثنية والتشبيه ، والإفراد والتنزيه ~~ممّا يحترز عنه في الاعتقاد ؟ # قلنا : إنّه من خصائص القرآن الختميّ والاعتدال الحقيقيّ الجمعيّ أنّه قد التئمت ~~الأضداد لديه وتعانقت فيه ، حيث لا يبقى للغير والسوي هناك عين ولا أثر ، كما قيل : # تعانقت الأطراف عندي وانطوى %~% بساط السوي عدلا بحكم السويّة # فتأمّل . # دعوة نوح عليه السّلام إلى التنزيه # ثمّ إنّ الإنسان من حيث هو هو إنّما يقتضي بحسب قبوله الذاتي هذا النوع من الكمال ~~، ولما كان زمان بعثة نوح عليه السّلام ما كان أوان ظهور ذلك الكمال ، بل حكم ~~قهرمان الأمر فيه اختفاؤه ، ما أجاب قوم نوح له ( ولو أنّ نوحا جمع لقومه بين ~~الدعوتين ) على ما هو مقتضى قابليّتهم الأصليّة ( لأجابوه ) . # ( فدعاهم " جِهاراً " ) [ 71 / 8 ] في مظاهر الصور ومواطن التشبيه تنزّلا إلى درك ~~إدراكهم (ثمّ دعاهم ) بكلمته المبعوثة في زمانهم على لسانهم ( " إِسْراراً " ) [ 71 ~~/ 9 ] في مكامن المعاني ومسالك التنزيه ، تسليكا لهم إلى مراقي كمال حقيقتهم . # ثمّ إنّه لما شاهد منهم التصامم والتقاعد عن دعوته إيّاهم ، وعرف ممّا نوّر عليه ~~من مشكاة نبوّته أنّهم إنّما عملوا ذلك لما في قوّة قابليّتهم من طلب القرآن ~~الكماليّ الذي هو غاية حقيقتهم النوعيّة ، وعرف أيضا أنّ كلمته النوحيّة المبعوثة ~~في زمانه ذلك على ألسنة قومه إنّما يفصح عن التنزيه الفرقاني ، وذلك هو الذي عليه ~~كلمتهم ولسانهم في زمانهم . # فاقتضى ذلك أن يعتذر عن نفسه فيما صدر عنه من الإخفاء والفرقان ، فأشار إلى ذلك ~~الاعتذار المترتّب على عرفانه بما رأى منهم بقوله : ( ثمّ قال لهم " اسْتَغْفِرُوا ~~رَبَّكُمْ إِنَّه ُ كانَ غَفَّاراً " ) [ 71 / 10 ] أي أمرهم بالستر لربّهم في صور ~~الشعائر الشرعيّة ، إنّه قد بالغ في ستره نفسه ، على ما هو مقتضى بعثته ومؤدّى ~~رسالته ونبوته . # ثمّ لمّا بلَّغ ما كان له أن يعبّر عنه لسان رسالته وما أنزل إليه أن يعلَّمهم به ~~ويوقفهم عليه ، وشاهد منهم ما شاهد من النفار والفرار ، جاء يعرض ذلك أداء لحق ~~التبليغ . # فلئن قيل : إذا كان نوح عارفا بالأمر على ما هو عليه من مشكاة نبوّته . # وعلم أنّ عدم إجابتهم دعوته إنّما هو لما في جبلَّتهم من طلب القرآن الكماليّ ~~الجمعيّ ، وكان الأنبياء مبعوثين لتكميل أممهم ، فما سبب توقّفه في إبلاغهم القرآن ~~الكمالي مع طلبهم إيّاه ؟ # قلنا : إنّ الأمم وإن كان متوجّه طلبهم الأصليّ ذلك الكمال القرآنيّ . # ولكن لهم بحسب نشأتهم الطارية على أصلهم ألسنة بها يتدرّجون إلى مراقي فهمه ، ~~والأنبياء مبعوثون بحسب تلك الألسنة ، فإنّ كل نبيّ إنّما أرسل بلسان قومه . # اعتذار نوح عن قومه # ولذلك وقف نوح موقف الاعتذار عن قومه ( و" قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي ~~لَيْلًا وَنَهاراً . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً " ) [ 71 / 6 ] ، أي ~~ما رضوا بذلك ولا قنعوا بما بلَّغتهم من الدعوة الفرقانيّة ، لما في جبلَّتهم من ~~الأهليّة للجمعيّة القرآنيّة الكماليّة ، بحسب قابليّتهم الأصليّة . # وإذ قد علم أنّ مقتضى تبليغه ومؤدّى أحكام رسالته إنّما هو الستر ، وما صدر عن ~~قومه من الفرار عن دعوته وعدم السماع لها كلَّه يستلزم ذلك . # فهم أجابوه فعلا في صورة الإباء والإعراض ، أظهر ذلك أيض ( وذكر عن قومه أنّهم ~~تصامموا عن دعوته ، لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته ) أي هم علموا بحسب ~~استعدادهم الأصلي أنّ الذي يجب عليهم في هذه الدعوة ، هو هذا النوع من الإجابة ، ~~وهو الذي في صورة الإباء ، حتّى يعلم أنّهم ما قنعوا بهذا القدر من العرفان ، ولهم ~~استيهال ما وراء ذلك من الكمالات المدّخرة لنوعهم . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فعلم العلماء باللَّه ما أشار إليه نوح في حقّ قومه ~~من الثناء عليهم بلسان الذمّ ) في مقابلة ما صدر عنهم من إجابة دعوته في صورة ~~الإباء والاستكبار ، والقيام بما يجب عليهم من عين العصيان والإصرار . # وأمثال هذه الإشارات إنّما يفهمها العلماء باللَّه ، ممن له ذوق المشرب الختميّ ~~الإحاطيّ ، حتّى يعرف شرب كلّ من الأنبياء من ذلك المجمع المعتنق للأطراف ، وقدر ما ~~لكلّ منهم من الدخل فيه ، فهذا دخل نوح فيه . # قال الشيخ رضي الله عنه : (وعلم) أيضا أولئك العلماء ( أنّهم إنما لم يجيبوا ~~دعوته ) بلسان التلقّي والإقبال على ما هو المفهوم من لفظ الإجابة مطلق ( لما فيها ~~من الفرقان ) على ما هو مقتضى بعثته من الستر والإخفاء ، الذي عليه قهرمان زمانه . # ( والأمر ) في نفسه وبحسب الكمال الإنسانيّ الذي جبّل عليه حقيقته ( قرآن ) ضرورة ~~أنّه الكون الجامع المتّصف بالوجود ، وهو إنّما يقتضي الوحدة الجمعيّة القرآنيّة ، ~~إذ لا كثرة في الوجود و ( لا فرقان ) فيه أصلا ، فإنّه إنّما يقتضيه العدم ضرورة ~~أنّه كونيّ . # ( ومن أقيم ) بحسب حقيقته الأصليّة ( في القرآن ) ويكون موطنه هناك ( لا يصغي إلى ~~الفرقان ، وإن كان فيه ) بحسب نشأتها الطارية عليها في كلمته الظاهرة في ذلك الزمان ~~، وذلك هو الذي أوقع كلمته هناك بحسب تطوّراته الاستيداعيّة . # وذلك وإن كان لسانه المفصح عنه ولكن ما طلب فهمه ، إلَّا مقتضى حقيقته الأصليّة ~~فلذلك ما أصغى إلى الفرقان لعدم دلالته على القرآن . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإنّ القرآن ) الجمعيّ الوجوديّ ( يتضمّن الفرقان ) ~~الفرقيّ الكونيّ ، ضرورة أنّ الجمع يستوعب جميع ما في التفرقة من الأفراد ، مع ~~الهيئة الجمعيّة التي ليس فيها شيء من ذلك ، فله دلالة عليه بالتضمّن ( والفرقان ) ~~الفرقىّ ( لا يتضمّن القرآن ) الجمعيّ ولا دلالة عليه أصلا ، فلذلك ما أصغي إليه ~~فظهر أنّ صاحب الجمعيّة هو القرآن ، فيكون القرآن أكمل من الفرقان . # المناسبات الحرفية في ألفاظ الإنسان والفرقان والقرآن # وهاهنا تلويح له مزيد دخل في تبيين هذا الكلام وتحقيقه ، وهو أنّ الألف والنون - ~~على أيّ ترتيب كان إذا كان تامّ الدلالة يدلّ على النفس والذات ، التي هي مبدأ ظهور ~~الوجود ومصدر إظهار العلم ، الذي مظهره الكلام لا غير ، والذي يصلح لظهور ذلك فيه ~~من الكائنات الإنسان ، وما يظهره من جوارحه أعني اللسان والبنان . # ثمّ إنّ الإنسان مشتمل عليها ظاهرا وباطنا : أمّا باطنا فلأنّ حقيقته هي البرزخ ~~بين العلم والوجود ، وأمّا ظاهرا فلأنّ صورته كونيّة وجوديّة ، فهي مشتملة عليهما ~~كما سبق بيانه ، ولذلك تراه محفوفا بهم . # وأمّا البنان والبيان : وإن كان بحسب المعنى والبطون لهما الإحاطة بالعلم والوجود ~~بسائر مراتبهما ، لكن صورتهما كونيّة صرفة ، فلذلك تراهما متأخّرين فيهما وفي ~~الفرقان والقرآن ، اللذين بهما تمّ صور تنوّعاتهما . # ثمّ إنّ القرآن له خصوصيّة إلى الكمال الإنساني ، وهي أنّه إذا حوسب عقدا ما ~~يمتاز به عن الإنسان ونسب إلى ما به يمتاز الإنسان عنه يكون ذلك نسبة النصفيّة التي ~~هي أخصّ نسبة بالجمعيّة ، وذلك لأنّ النصف هو البرزخ الجامع وأمّا الفرقان فإذا ~~حوسب كذلك يكون ذلك النسبة هو الثلثية ، التي هي التفرقة الصرفة . # وجه اختصاص القرآن بالخاتم صلَّى الله عليه وآله # وإذ قد عرفت إنّ الرسل إنّما أرسلت بلسان قومهم ، وهو ما ظهر عليهم في طيّ نشأتهم ~~الطارية على أصلهم ، ليتدرّجوا بها إلى فهم القرآن الكماليّ الذي هو كمال آدم بحسب ~~حقيقته الإنسانيّة ، ظهر لك أنّ صاحب القرآن لا يكون إلَّا خاتما . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ولهذا ما اختصّ بالقرآن إلَّا محمد صلَّى الله عليه ~~وسلَّم ) الذي به تمّ دائرة الكمال الإنساني ، وبتلك النقطة حصل لها الصورة ~~الجمعيّة الوحدانيّة وجودا وشهودا ، ظهورا وإظهارا ، شعورا وإشعارا وذلك لأنّ سائر ~~الأنبياء لهم العلم بالجمعيّة القرآنيّة ، فلهم الظهور به ، ولكن أمر إظهاره متوقّف ~~على أنّ أمم زمانه مستعدّون لأن يكونوا امّة الخاتم ، وإليه أشار بقوله : ( وهذه ~~الامّة التي هي خير امّة أخرجت للناس ) بميامن مناسبتهم له وحسن تأسّيهم به . # التلويحات العددية في لفظ محمّد والإنسان ونوح # ومن التلويحات التي لها كثير دخل هاهنا أنّ للإنسان من العقود ، التسعة المتّسعة ~~للكلّ ، وأمّا محمد فقد اشتمل عليها بزيادة اثنين : أحدهما إشارة إلى كماله ، ~~والآخر إلى ختمه ، ولا يخفى على الفطن أنّ العقد الإنسانيّ بضم هذا الواحد الكماليّ ~~إليه قد بلغ إلى ما يرجع إلى الواحد الجامع بين الوحدة والكثرة ، فمحمّد صلَّى الله ~~عليه وسلَّم هو الواحد الجامع إنسانا وبيانا ، ظهورا وإظهارا ، فهو المثل الذي لا ~~يمكن مثله . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فليس كمثله شيء ، فجمع الأمر في أمر واحد ) لأنّه قد ~~أدرج كلَّا من المتقابلين في الآخر ، والأمر لا يخلو منهما فجمع الكل في واحد . # وأمّا نوح : وإن كان له أيضا ذلك العقد الكامل رسالة ونبوّة ولكن ما ظهر في « ~~محمد » من الزيادة الختميّة قد تبطَّن فيه منفصلا ، وما ظهر فيه من الكثرة الفرقيّة ~~تبطن في « محمد » متوصّلا مجتمعا ، ولذلك ما كان له أن يظهر مثل ذلك الإظهار ، ولا ~~أن يأتي بيانا تامّا وكلمة جامعة . # الفوارق بين دعوتي نوح ومحمّد عليهما السّلام # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فلو أنّ نوحا أتى بمثل هذه الآية لفظا أجابوه ) وفي ~~قوله : « لفظا » إشعار بما سبق من أنّ الرسل ما يظهرون الحقائق في صورة الألفاظ ذات ~~الإنباء إلَّا مطابقين للسان أممهم الظاهرة به ، فلذلك ما أتى نوح بالقرآن لفظا ، ~~وأتى به محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإنّه شبّه ونزّه في آية واحدة ، بل في نصف آية ) على ~~ما سبق بيانه . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ونوح دعا قومه ليلا من حيث عقولهم وروحانيّتهم ) دعوة ~~تنزيه ( فإنّها غيب ) بالنسبة إلى هذه النشأة ( ونهارا ) أيض ( دعاهم من حيث ظاهر ~~صورهم وحسّهم) دعوة تشبيه ( وما جمع في الدعوة ) بينهما ، وما جعل الأمرين أمرا ~~واحدا ، على ما هو مقتضى كمال الحقيقة الإنسانيّة ( مثل " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ ~~شَيْءٌ " [ 42 / 11 ] ، فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان فزادهم فرارا ) حسبما يقتضيه ~~الفرقان من التفرقة . # ( ثمّ قال ) معتذر ( عن نفسه : إنّه دعاهم ليغفر لهم ) على ما هو مقتضى أمر ~~قهرمان الوقت ودعاء ألسنة استعدادات أهاليه من الستر ، فإنّه مبدأ ظهور سلطان ~~النبوّة وإظهار ما اتّفق عليه كلمة أعيان تلك الدولة ، يعني وضع الصور وإسبال ~~الستائر ( لا ليكشف لهم ) على ما هو مقتضى أمر الولاية وسلطانها ، فإنّه إنّما يمكن ~~ظهوره بعد ختم السلطنة الأولى . # واعتذر عن قومه أيضا بأنّهم عرفوا لسان دعوته (وفهموا ذلك منه صلَّى الله عليه ~~وسلَّم ، لذلك "جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ في آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ" ، ~~وهذه كلَّها صورة الستر التي دعاهم إليها ، فأجابوا دعوته بالفعل ، لا بلبّيك ) . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ففي " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ " [ 42 / 11 ] إثبات ~~المثل ونفيه ) على ما سبق بيانه بحسب المعنى الواحد ، لا على أن يكون الكاف زائدة ~~على أحد التقديرين ، فإنّه يلزم أن يكون دلالته على المعنيين بحسب الوضعين ~~المتغايرين وهو خلاف المقصود ، فإنّ المقصود أنّه جمع بين المتقابلين في معنى واحد ~~( ولهذا قال عن نفسه عليه السّلام أنّه أوتي جوامع الكلم ) بين المغفرة والكشف ، ~~والإظهار والستر . # ( فما دعا محمّد قومه ليلا ونهارا ) أي إخفاء وإظهار (بل دعاهم ليلا في نهار ~~ونهارا في ليل) " يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ ~~" [ 22 / 61 ] . # وإذ كان أمر نوح دعوته بالاستغفار وقد بيّن الاختلاف والتفاوت بين ما أتى به نوح ~~عليه السّلام وما جاء به محمّد عليه الصلاة والسّلام في أصل التوحيد . # شرع يبيّن وجه سريانه في سائر ما يتفرّع عليه من الحكم ، من جملة ذلك ما أشير ~~إليه بقوله : قال الشيخ رضي الله عنه : ( فقال نوح في حكمته ) المترتّبة على ~~الاستغفار مشيرا إلى غايته ( "يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ") أي يفيض ~~عليكم من سماء القدس وعلوّ التنزيه إذا توجّهتم نحوه بالاستغفار ذوارف الحقائق ~~التنزيهيّة وطريق استحصالها من الاعتبارات العقليّة التي هي مبنى قواعد النظر. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وهي المعارف العقليّة في المعاني والنظر الاعتباري ) ~~الذي منه يكتسب تلك المعاني ويستحصل تلك النتائج . # (" وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ " أي بما يميل بكم إليه) من العلوم اليقينيّة ~~والعقائد الراسخة المميلة قلوبكم نحوه ، (فإذا مال بكم إليه رأيتم صورتكم فيه) ، إذ ~~من شأن الأمور اللطيفة الخالية عن الاختلافات الهيولانيّة والاعوجاجات الجسمانيّة ، ~~الصافية عن صدء الغواشي الغريبة والعوارض المشخّصة الظلمانيّة ، أن يرى الناظر فيها ~~صورته ، والعقائد العلميّة الكليّة لها تلك اللطافة بأتمّ وجه ، فهي إنما يظهر ~~لأربابها صورتهم - لاغير . # قال الشيخ رضي الله عنه : (فمن تخيّل منكم أنّه رأى) أي رأى الحقّ (فما عرف) ~~الحكمة الإلهيّة لجهله بتلك الضابطة الكلَّية ، ( ومن عرف منكم أنّه رأى نفسه فهو ~~العارف ، فلهذا انقسم الناس إلى عالم وغير عالم ) ، وإلَّا فالكل قد استحصل عقيدة ~~واعتكف عندها واطمئنّ بها . # ومما يؤيّد هذا م " قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا من لَمْ ~~يَزِدْه ُ مالُه ُ " ( و " وَلَدُه " وهو ما أنتجه لهم نظرهم الفكري ) بمقدمتيه ~~المزدوجتين ازدواج الأبوين. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( والأمر موقوف علمه على المشاهدة ، بعيد عن نتائج ~~الفكر " إِلَّا خَساراً " ) وضياعا لرأس المال ، يعني المقدّمات الحاصلة لهم ~~والقواعد التي يميل إليها قلوبهم ويستنتجون بها العقائد ويستربحون بها الأموال . # وإذ كان ذلك في المعارف الإلهيّة مما لا يجدي بطائل ، وطريق النظر فيها منبتّ ما ~~يفيض على السالك فيه بطلّ ولا وابل ( فما ربحت تجارتهم ) . # وإذ تزلزلت تلك القواعد ، لأنّ مسلكهم ذلك مثار الشبه والشكوك التي بها يضطرب ~~القواعد ويزول عن مستقرّه ( فزال عنهم ما كان في أيديهم ممّا كانوا يتخيّلون أنّه ~~ملك لهم ) وهذا أيضا مما يدلّ على أنّ العقائد صور أنفس المعتقدين ، فهي عند ~~ترقّيها بمدارج الكمال تتحوّل صورتها ، فلا بدّ من زوال تلك العقيدة التي هي صورتها ~~أولا . # هذا ما في الكلمة النوحيّة والنوحيين من هذه الحكمة ( وهو في المحمّديين " ~~وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه " [ 57 / 7 ] ) . # قال الشيخ رضي الله عنه : (وفي نوح: " أَلَّا تَتَّخِذُوا من دُونِي وَكِيلًا " [ ~~17 / 2 ] ، فأثبت الملك لهم ) في الحكمة النوحيّة ( والوكالة لله فيه) وأمّا في ~~المحمّديين ( فهم المستخلفون فيهم ) أي في أنفسهم وفي جميع الممالك ( فالملك لله ) ~~. # (وهو) في النوحيّين ( وكيلهم ، فالملك لهم ، وذلك ملك الاستخلاف ) ، فإنّه ليس ~~للعبد أن يملك بالاستحقاق قطعا . # ملك الملك # قال الشيخ رضي الله عنه : (وبهذا) أي بما ظهر من هذه الحكمة وهو أنّ أحوال ~~العقائد التي هي أملاك أصحابها النوحيين الخاسرين في التصرّف فيها ، وهي بالنسبة ~~إلى أصحابها المحمّديين ممالك مستخلفين فيها ومنفقين منها كلَّها حقّ . كما سيجيء ~~تحقيقه ففي هذه الصورة. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( كان الحقّ ملك الملك ، كما قال الترمذي ) في أسئلته ، ~~وقد أجاب الشيخ عنه في الفتوحات "المكية " . # فإنّ الحكيم محمّد بن علي الترمذي قد سأل الخاتم للولاية عن أسئلته ، وكان قبل ~~الشيخ بأربعمائة سنة تقريبا ، وصرّح بأنّ الخاتم هو الذي يجيب عنها ،ومن جملتها : « ~~كم مجالس ملك الملك» ؟ # فأجابه أوّلا بأنّه على عدد الحقائق الملكيّة والناريّة والإنسانيّة واستحقاقاتها ~~الداعية لإجابة الحقّ فيما سأله منه . # ثمّ بسطه بما معناه : إنّ الكلام هاهنا مسبوق بمعرفة ملك الملك ، وذلك موقوف على ~~معرفة الملك ، وهو الذي يقضي فيه مالكه بما شاء فلا يمنع عنه . . . فالمأمور هو ~~الذي يقال له الملك ، والآمر هو المالك . . . سواء كان المأمور دونه أو مثله أو ~~أعلى . . . فإنّ قول العبد : « اهدنا » أمر منه ، وإن سمّي دعاء . # فإذا فهمت هذا وعلمت أنّ المأمور قد امتثل أمر آمره ، فأجابه فيما سأل منه ، أو ~~اعترف بأنّه يجيبه إذا دعاه لما يدعوه إليه . # إذا كان المدعوّ أعلى منه فقد صيّر نفسه - هذا الأعلى - ملكا لهذا الدون ، وهذا ~~الدون هو تحت حكم هذا الأعلى وقدرته وأمره ، فهو ملكه بلا شكّ ، وقد قرّرنا أنّ ~~الدون الذي هو بهذه المثابة - قد يأمر سيّده ، فيجيب السيّد لأمره ، فيصير بتلك ~~الإجابة ملكا له . # وإن كان عن اختيار منه فيصحّ أن يقال في السيّد : « إنّه ملك الملك » لأنّه أجاب ~~أمر عبده ، وعبده ملك له ، والمأمور هو الملك ، فالسيّد عند الإجابة ملك الملك . ~~فعلم وجه التفاوت بين الكلمتين في هذه الحكمة . # معنى المكر في الدعوتين # ومن جملة تلك الحكم ما قال تعالى حكاية عن قوم نوح : ( "وَمَكَرُوا مَكْراً ~~كُبَّاراً "[ 71 / 22 ] لأنّ الدعوة إلى الله مكر بالمدعوّ ) ، " حيث قال نوح : « ~~ربّ إنّي دعوتهم » مطلقا ، ولا شكّ أنّ الحقّ عين المدعوّ والداعي والبداية ~~والنهاية ، فالدعوة مكر بالمدعوّ ضرورة ( لأنّه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية ~~) . # وأمّا محمّد فما أطلق في دعوته بل قال : ( " أَدْعُوا إِلَى الله " على بصيرة ) ~~أي على وقوف وعلم بأنّه بحسب هويّته الجمعيّة عين الكلّ . # لكن الدعوة إنّما هي بحسب أسمائه المهيمنة في وقتها ، ( فهذا عين المكر على بصيرة ~~) وحيث قيّد دعوته بالبصيرة علم أنّه إذا كان عين الكل يستدعي أن يكون الدعوة حقّا ~~، إذ هي عينه ، (فنبّه أنّ الأمر له كلَّه ) فليس للداعي دخل في الدعوة أصلا . # وإذ ليس في الدعوة النوحيّة هذا التنبيه ، بل إجمال من القول ، أجمل قومه أيضا في ~~الجواب ، (فأجابوه مكرا ، كما دعاهم ) امتثالا لما أمرهم لسان الوقت وعملا بمقتضاه ~~. # ولما كان في الدعوة المحمّديّة ذلك التفصيل ، فهم قومه منه ذلك. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فجاء المحمّديّ وعلم أنّ الدعوة إلى الله ) لما كانت ~~عبارة عن طلب الإقبال والتوجّه نحو الاسم المهيمن في وقته بالتزام مقتضياته ~~والإعراض عمّا يقابل ذلك الاسم بالكفّ عمّا يستدعيه (ما هي من حيث هويّته ) . # إذ نسبة الهويّة المطلقة مع الكلّ سواء ، ( وإنّما هي من حيث أسمائه ، فقال : ~~"يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً " [ 19 / 85 ] ( فجاء ~~بحرف الغاية وقرنها بالاسم ) الذي هو قهرمان الوقت ، وإن كان من الأسماء الكلَّية ~~المحيطة بالكلّ ، لكن الاسم من حيث هو له طرف الظهور فالطرف الآخر يقابله ويوجب ~~الأمر للمقبلين إليه أن يجتنبوا عن أحكام ذلك المقابل . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فعرفنا أنّ العالم كان تحت حيطة اسم إلهي ) هو قهرمان ~~الوقت كالرحمن في زمان الخاتم ، فله السلطنة على العالمين ( أوجب عليهم أن يكونوا ~~متّقين ) عن أن يقبلوا وجوه كماله نحو غيره ، وينسبوا الصفات الكماليّة والأحكام ~~الوجوديّة إليه ، فإنّ المنتسب إلى غيره إنّما هو النقائص الإمكانيّة والأحكام ~~العدميّة - لا غير ، كما سبق تحقيقه في بيان معنى التقوى . # مكر قوم نوح # ثمّ إنّ نوحا لما أطلق الدعوة والمكر بها إطلاق تفرقة بعدم تقييدها وبالغ في تلك ~~التفرقة حيث قال : " لَيْلًا وَنَهاراً " [ 71 / 5 ] أجاب قومه بما يطابق ذلك في ~~التفرقة والمكر ( فـ " قالُوا " في مكرهم " لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا ~~تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً " ) [ 71 / 23 ] ~~فصرّحوا في صورة تفرقة الآلهة بالعدد الخمس الذي هو امّ التفرقة العدديّة كلَّها ~~،على ما سبق . # هذا وجه الإجمال ، وأمّا وجه التفصيل منه ، فله مجالي على منصّات التأويل حسب ~~مدارج الأفهام ودخلها في حقائق التنزيل ، وأجلاها أن يحمل على المجالي الخمسة . # ولا يخفى وجه النسبة الدالَّة عليها بترتيبها من الأعلى إلى الأنزل ، فلا نوضحه ~~أكثر من ذلك . # فبهذه الوصيّة مكروا معه مكرا كبّارا ، لأنّهم إنّما تواصوا على عدم تركهم تلك ~~الصور شيئا منها لئلَّا يفوتهم من الجمعيّة شيء. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإنّهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من ~~هؤلاء ، فإنّ للحقّ في كل معبود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من جهله ) . # وأمّا محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم لما أطلق الدعوة إطلاق جمع بضمّ القيد إليها ~~، ظهر في قومه الجمعيّة الإطلاقيّة ، وسرت في سائر أحكامه ، ولذلك ترى ما يوازي تلك ~~الوصيّة ( في المحمّديين "وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه ُ " [ ~~17 / 23 ] أي حكم ) بما مؤدّاه تلك الجمعيّة التي لا يشذّ منها شيء من تلك الصور ~~أصلا ، فأظهر تفرقة التشبيه في صورة جمعيّة التنزيه ، يعني ضمير الغائب في الوصيّة ~~، كما أظهر جمعيّة التنزيه في صورة تفرقة التشبيه في الدعوة ، يعني الدعوة المقيدة ~~. # وقضى ربك ألَّا تعبدوا إلا إيّاه # ثمّ إذا تقرّر أنّ المعبود في أيّ صورة كان إنّما هو الحقّ ( فالعالم يعلم من عبد ~~) في تلك الصور ( وفي أيّ صورة ظهر حتّى عبد ) فإنّ الصور مختلفة في الحيطة والكمال ~~وقبول ظهور الوحدة الجمعيّة وعدمه ( وأنّ التفريق والكثرة ) في أحديّة الجمعيّة ~~الإلهيّة ( كالأعضاء في الصورة المحسوسة ) من الشخص الواحد ، فإنّ له صورة محسوسة ~~ظاهرة ومعنويّة باطنة ، كلّ منهما ذات كثرة ، ولا يقدح ذلك في وحدة الشخص بوجه ، ~~على تخالف مراتب تلك الكثرة في كلّ من تينك الصورتين . # فإنّ الأعضاء المحسوسة : منها ما هي بمنزلة الرؤساء في إنفاذ الأمر ، ومنها ما هي ~~بمنزلة الخدّام في إعداد ما ينبغي لها ، ومنها ما هي بمنزلة الأساس والأعمدة ، ~~ومنها ما هي بمنزلة الزوائد والفضلات . # ( وكالقوى المعنويّة في الصورة الروحانيّة ) فإنّ منها ما هو رئيس الكلّ ، إنّما ~~يقوم أمر الوحدة الشخصيّة به ، ولا يشذّ من محيط حكمه شيء منها وهو القلب فإنّ له ~~أمر أحديّة جمع الأعضاء كلَّها ، بحيث لا يمكن بقاء شيء منها إلَّا بوصول المدد ~~الوجودي منه إليه ، ولا ينتهض أحد من الجوارح لإقامة العبادة إلَّا بأمره - أيّة ~~عبادة كانت ، لأيّ معبود كان فهو المعبود حقيقة . # ( فما عبد غير الله في كلّ معبود ) إلَّا أنّ العبّاد على اختلاف طبقاتهم فرقتان ~~: # منهم من جاوز أسافل الصور ومهابط كثائفها وما وصل إلى أعالي المعاني ومطالع ~~لطائفها ، فهم المسخّرون تحت سلطان الخيال ، ممتثلين أوامره ، عابدين إيّاه ، ~~فمعبودهم لا يكون إلَّا متعيّنا بالتعيّن التقابلي ، وواحدا بالوحدة المقابلة ~~للكثرة ضرورة ، سواء كان ذلك من الأصنام الصوريّة المحسوسة ، أو العقائد المعنويّة ~~المعقولة . # ومنهم من جاوز ذلك ووصل إلى أعالي المعاني ، وبلغ المرتبة الجمعيّة القلبيّة ، ~~وتحقّق بأحديّة جمعيّتها فمعبودهم لا يكون إلَّا المتعيّن بالتعيّن الإحاطيّ ، ~~والواحد بالوحدة الإطلاقيّة الجمعيّة ، سواء كان قبلة توجّهه الصورة المحسوسة أو ~~المعاني والهيئات المعنويّة المعقولة . # وأشار إليهما بقوله رضي الله عنه : ( فالأدنى من تخيّل فيه الألوهة ، ولولا هذا ~~التخيّل ما عبد الحجر ولا غيره ) فمعبودهم إنّما هو المتخيّل الذي تصوّر فيه ~~الألوهة ، لا المحسوس ( ولهذا قال : " قُلْ سَمُّوهُمْ "[ 13 / 33 ] فلو سمّوهم ، ~~لسموهم حجرا أو شجرا أو كوكبا ولو قيل : «من عبدتم ؟» لقالوا : «إلها» ) من الآلهة ~~( ما كانوا يقولون : «الله» ولا «إله» ) الدالَّان على الذات الواحدة ، ضرورة أنّ ~~معبودهم متعيّن بالتعيّن الفرقي المنكر ، غير المعروف عندهم - وإن كان معروفا في ~~نفسه . # ( والأعلى ما تخيّل) فيه الالوهيّة ( بل قال ) أي أظهر من اليقين القلبي ( هذا ~~مجلى إلهيّ ينبغي تعظيمه ) حسبما يستحقّه من الرتبة التي تليق به ويفصح عنه لسان ~~الشرع في ذلك الزمان بين المجالي ( فلا يقتصر ) على عبادة ذلك المجلى وتعظيمه ~~بالعبادة فقط . # ( فالأدنى صاحب التخيّل ) لما كان معبوده إنّما هو المتخيّل - لا غير - ولا يسمّى ~~الأصنام إلَّا بأسمائهم الطبيعيّة ، ولا يظهر غير ذلك ( يقول : " ما نَعْبُدُهُمْ " ~~) أي تلك التعيّنات المتقابلة الغائبة عن نظرهم في الحجب الإمكانيّة ( " إِلَّا ~~لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى " [ 39 / 3 ] والأعلى العالم ) الواصل إلى أحديّة ~~الجمع الذاتي ( يقول : * ( فَإِلهُكُمْ إِله ٌ واحِدٌ ) * ) بالوحدة المطلقة ( " ~~فَلَه ُ أَسْلِمُوا " ) قياد عبادتكم ، وإليه أسندوا الوجود وما يتبعه من الأوصاف ~~والنسب ( حيث ظهر ) في المجالي المقيّدة ، فإنّها مظهر الوحدة الإطلاقيّة ، لا غير ~~( "وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ" [ 22 / 34 ] الذين خبت نار طبيعتهم ) أي خمدت وسكنت ~~فإنّ الخبت : الاطمئنان . # وما قيل : « إنّه من الخبو » فهو خلاف الظاهر ، وذلك وإن كان على قاعدة التحقيق ~~صحيحا إلَّا أنّ الشيخ قلَّما يرتكبه ، سيّما في وجوه التأويل . # فإنّ الذين سكنت فيهم لواعج نيران الطبيعة وانقطعت أحكام تسلَّطها عنهم هم الذين ~~علموا الأمر على ما هو عليه وأظهروا ذلك ( فقالوا : « إلها » ) لتلك الموجودات ~~المعبودات ( ولم يقولوا : طبيعة ) ويسمّوهم بأساميها . # تأويل الإضلال # ثمّ إنّ من جملة الحكم التي للكلمة النوحيّة ما نسب إلى قومه من الضلال بقوله : ( ~~" وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً " أي حيّروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب ) حيث ~~قالوا : " فَإِلهُكُمْ إِله ٌ واحِدٌ "[ 2 / 163 ] مع تكثّر المظاهر والتعيّنات. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( " وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ " لأنفسهم ، المصطفين ، ~~الذين أورثوا الكتاب أوّل الثلاثة ) . # بقوله تعالى : " ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا من عِبادِنا ~~فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِه ِ " [ 35 / 32 ] برفع أوصافها الامتيازيّة التي بها ~~يتقوّم ذاتها وقلع مواد تشخّصاتها بالكلَّية ، حيث لا يبقى لها أثر ولا حكم ولا عين ~~أصلا ، فيكون ظالما عليها في عدم إبقاء آثارها وإخفائها في ظلمات أوصافها العدميّة ~~الكونيّة . # ثمّ إنّ ذلك لما كان في المآل ترقّيا لها إلى مراقي كمالها ، استعمل « الظلم » ~~باللام تنبيها إليه ، فلذلك تراه أوّل من يرث الكتاب ( فقدّمه على « المقتصد » و « ~~السابق » " إِلَّا ضَلالًا " [ 24 / 71 ] : حيرة ) . # وأمّ ( المحمّديّ ) فطلب الزيادة في ذلك حيث قال : « ربّ ( زدني فيك تحيّرا » ) ~~وجعل ذلك مقاما ، حيث حكى عن مثل المنافقين من قوم موسى: ( "كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ ~~مَشَوْا فِيه ِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا " ) [ 2 / 20 ] . # ثمّ إنّ الإقامة مما لا يمكن في الوجود لأنّه حركة وسير كما قال تعالى : " بَلْ ~~هُمْ في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ " [ 50 / 15 ] # وقال : " كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ" [ 55 / 29 ] # لكن الحركة أيضا مما لا يتصوّر للأعلى العالم ، فإنّها تستلزم الإعراض عن جهة ، ~~والإقبال إلى ما يقابلها ، وذلك مما ينافي مشهد الأحديّ الجمعيّ الذي موطنه ، اللهم ~~إلَّا أن يكون ذلك حركة دوريّة ، فإنّ كلّ جهة ونقطة يعرض عنها في تلك الحركة فهي ~~التي يقبل إليها في عين الإعراض عنها ، فهذه الحركة هي المناسبة له ، فلذلك قال : # الحركة الدورية وغيرها # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فالحائر له الدور ، والحركة الدوريّة حول القطب ) ، ~~حيث أنّ المتحرّك لم يختلف نسبته إلى القطب بالبعد والقرب ، وإن كان في كل لحظة ~~معرضا عن جزء من أجزاء تلك المسافة ومقبلا إياها ، ولكن تلك الكثرة ما أثرت في وحدة ~~نسبته إلى القطب ( فلا يبرح منه ) أي لا يتحرّك عنه أصلا ، فهي الجامع بين الحركة ~~والسكون ، كما أنّ الحيرة جامعة بين العلم والجهل فهو معتنق الأطراف . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وصاحب المستطيل ) يعني الأدنى الذي يتخيّل صورة ~~متعيّنة ويجعلها قبلة التوجّه ، وينتهض إليها معرضا عن الكلّ ، فإنّه إنّما يتصوّر ~~ذلك في الحركة المستطيلة المستلزمة للإعراض عمّا هو المطلوب من التعيّنات والجهات ، ~~فهو أبد ( مائل ، خارج عن المقصود ، طالب ما هو فيه ) ، كما قيل : "أراك تسأل عن ~~نجد وأنت بها " # ( صاحب خيال ) أي مثال متخيّل من الصور المجعولة له ( إليه غايته ، فله « من » و ~~« إلى » وما بينهما ) ممّا فيه من المدارج والمقامات المختلفة بنسبة القرب والبعد . # ( وصاحب الحركة الدوريّة لا بدء ) لسيرة ( فيلزمه « من » ولا غاية فيحكم عليه « ~~إلى » ، فله الوجود الأتمّ ) الذي لا يقبل الزيادة أصلا من حيث الرتبة الذاتيّة ~~التي له ، وجمعيّة الأطراف ، ( وهو المؤتى جوامع الكلم والحكم ) بما ورثه أولا من ~~الكتاب يعني القرآن الجمعيّ الفرقيّ . # تأويل الغرق في قوم نوح # ومن جملة تلك الحكم قوله فيهم أيضا : " مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا ~~فَأُدْخِلُوا ناراً " [ 71 / 25 ] ( ممّا خطيئاتهم ) أي صور أعمالهم وأحكام ~~تعيّناتهم الباطلة التي هي الخطاء ( فهي التي خطت بهم ) إمّا من « الخطو » ، أي تلك ~~الصور هي التي ساقتهم ، وإمّا من « خطَّ بالقلم » ، أي الصور الكثيرة المتولَّدة ~~عنهم في طيّ المراتب والمقامات تولَّد الصور الكتابيّة من القلم هي التي أعدّتهم ~~لأن يغرقوا في بحار العلم باللَّه . # وهي الصور الكتابيّة التي أنزلت على الأنبياء وأرسلوا بها ، فإنّها هي التي ~~أوردتهم مخاض العرفان ( فغرقوا في بحار العلم باللَّه ، وهو الحيرة ) التي لا تبقى ~~معها صورة من الصور العلميّة والحقائق أصلا ، فإنّها " لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ " * ~~[ 74 / 28 ] ("فَأُدْخِلُوا ناراً " في عين الماء ) . # و ( في المحمّديّين ) من هذه الحكمة ما يؤدّيه قوله : ( " وَإِذَا الْبِحارُ ~~سُجِّرَتْ " [ 81 / 6 ] سجّرت التنور : إذا أوقدته ) ولا يخفى على الفطن ما بينهما ~~من التفاوت في الجمعيّة القرآنيّة . # قال الشيخ رضي الله عنه : (" فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ من دُونِ الله أَنْصاراً " ) ~~لفناء الكلّ في ذلك البحر ( وكان الله عين أنصارهم ، فهلكوا فيه ) من نفوسهم ~~وأحكامها الامتيازيّة. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( إلى الأبد ، فلو أخرجهم إلى السيف "سيف الطبيعة " ~~لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة ، وإن كان الكلّ لله وباللَّه ، بل هو الله ) أي ~~وإن كان الساحل وجميع ما ينسب للبحر هو له وبه يوجد ، إذ بدونه لا يقال له ذلك ، بل ~~الكل في نظر الشهود الجمعي هو البحر ،إذ ليس لذلك البحر ساحل. # لا ترم في شمسه ظلّ السوي %~% فهي شمس وهي ظل وهي فيء # وملخّص ما في هذه العبارة من الإشارة أن في عين الطبيعة ثلاث اعتبارات : # أنزلها كونها أثرا للذات وفعلا لها ، وهو المشار إليه بالطبيعة . # وبعده كونها صفة قائمة بها ، غير متحقّقه بدونها ، وهو المشار إليه بالسيف . # وأعلاها كونها عينها ، كما هو في نظر الأعلى العالم الذي هو الكامل في الإخلاص ~~فعلم أنّ مشهود الأعلى ليس أمرا خارجا عن الطبيعة ، بل هو عينها ، لكن فيها مواطن ~~بعضها أعلى ، وبعضها أنزل . # تأويل دعاء نوح على قومه # ومن جملة تلك الحكم ما ( " قالَ نُوحٌ رَبِّ " ) " لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ من ~~الْكافِرِينَ دَيَّاراً " [ 71 / 26 ] ( ما قال : « إلهي » ، فإنّ الربّ له الثبوت ~~) باعتبار أن لكلّ نوع ربّا يخصّه ، فلا يختلف مقتضياته ويثبت على اقتضاء واحد ( ~~والإله يتنوّع بالأسماء ) باعتبار الجمعيّة التي له. قال الشيخ رضي الله عنه : (فهو ~~كلّ يوم في شأن فأراد بالربّ ثبوت التلوين ) فإنّ الاستثبات والتمكَّن في نظر ~~التحقيق ما هو في عين التلوين والتجدّد ، لأنّ المقامات إنّما تصحّ عند الأعلى ~~العالم إذا جاوز إلى مقابله ، وبه تمّ ظهوره ، فالصحيح من التمكين ما هو في عين ~~التلوين ( إذ لا يصحّ إلَّا هو ) . # قال الشيخ رضي الله عنه : (" لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ " يدعو عليهم أن يصيروا في ~~بطنها ) أي يتحقّقوا بحقيقة البطون ، ولا يبقوا على ظاهر أرض الظهور ، عاكفين ~~بمشاعرهم على سنائر " من سن " صورها التنزيهيّة وحجبها الإمكانيّة الاعتقاديّة ، ~~على ما هو مقتضى دعوته بقوله لهم " فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا " ليشاهدوا الحقّ في ~~أسفل الحقائق ومركز الخفاء ، ولا يخصّوه بالعلوّ الذي في حيطة التقابل وهذا وإن كان ~~دعاء لهم بحسب الحقيقة ، لكن بحسب تعيّناتهم التي بها هم الكافرون يكون عليهم ، ~~ضرورة فنائها بالكلَّية عند هذا التحقّق . ( المحمّديّ ) له في هذه الحكمة وجوه : # منها قوله: ( « لو دلَّيتم بحبل لهبط على الله » ) ، وقوله : ( " لَه ُ ما في ~~السَّماواتِ وَما في الأَرْضِ " ) [ 2 / 255 ] . # الأوّل يدلّ على ثبوت تلك النسبة للذات ، # والثاني على ما لها من الأفعال . # ثمّ إنّ من شأن من يؤتى جوامع الكلم أن يثلث الدالّ في كل أمر . # لذلك قال الشيخ رضي الله عنه : ( وإذا دفنت فيها ، فأنت فيها ، وهي ظرفك ) # كما قال تعالى : ( " وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى " ~~) [ 20 / 55 ] فالأرض لها جامعيّة نسبة المبدئيّة والمعاديّة مع ما ذكر . # كلّ ذلك لأنّها وقعت مركزا ، والمركز مستجمع لوجوه الكثرة التي على محيط الظهور ~~والإظهار جملة ، فإنّه أصل تلك الكثرة . # ثمّ إنّ نوحا إنّما دعي عليهم بتلوينهم من ظاهر أرض الظهور إلى باطن خفائها ، ( ~~لاختلاف الوجوه من الكافرين ،الذين " اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ " و " جَعَلُوا ~~أَصابِعَهُمْ في آذانِهِمْ " طلبا للستر) على ما هو مقتضى دعوته لهم ( لأنّه دعاهم ~~ليغفر لهم ) السرائر الإلهيّة وأسرار الربوبيّة في صور الشرايع وشعائرها حتّى ~~يتحقّقوا بالجمعيّة الكماليّة ، لا ليغفر عليهم ويستر عنهم ذلك ، ( والغفر :الستر ~~). # (" دَيَّاراً " : أحدا ) ، أي إنّما دعي عليهم بعدم إبقاء ربّه على ظاهر أرض ~~الظهور منهم أحدا ، ويصيّرهم في باطنه ( حتّى تعمّ المنفعة ) للأمم الآتية ( كما ~~عمّت الدعوة ) لأمم زمانه ، فإنّ الدعوة إنّما هو إلى ما يطلبه ألسنة استعداداتهم ~~بقوله : " وَما أَرْسَلْنا من رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِه " [ 14 / 4 ] ، وهو ~~ما عليهم من الستر . # ثمّ إنّ وضع الصور الشرعيّة وإخفاء الحقائق الإلهيّة كما أنّه يتضمّن الرسالة ~~بلسان قومه خاصّة ، يتضمّن المنفعة لسائر الأمم الآتية ، لبقاء تلك الصور بعد ~~واضعيها ، وأمّا المنفعة ووجه عمومها للأمم فبما يعدّهم للترقي عمّا يعتكفون عنده ، ~~وعلم من هذا سبب التعبير عن الدعاء بالمنفعة ، ووجه مقابلتها للدعوة . # قال الشيخ رضي الله عنه : (" إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ " أي تدعهم وتتركهم ) فيما ~~هم فيه من مجاورة أرض الظهور وسرائر الصور الإلهيّة ( " يُضِلُّوا عِبادَكَ "، أي ~~يحيّروهم ) لأنّها موطن الحيرة والضلال بما اشتملت عليه من الجمعيّة والكمال وآيات ~~الالوهيّة من العزّة والجلال . # (فيخرجوهم من العبوديّة إلى ما فيهم من أسرار الربوبيّة) فإنّ الظاهر الذي هو ~~موطن شهودهم له السلطنة والخلافة ، باشتماله على المراتب وكماله وانقهار الكل تحت ~~قهرمان قوّته وجلاله ، (فينظرون أنفسهم ) عند ضلالهم ( أربابا ) بإراءة المتحقّقين ~~به إيّاهم ذلك المقام ( بعد ما كانوا عند نفسوهم عبيدا ) على ما هو مشهود كل أحد ~~بنفسه ( فهم العبيد الأرباب ) . # قال الشيخ رضي الله عنه : (" وَلا يَلِدُوا ") أي ما ينتجون ولا يظهرون (" إِلَّا ~~فاجِراً " أي مظهرا ما ستر) يعني أسرار الربوبيّة ( " كَفَّاراً " أي ساترا ما ظهر ~~بعد ظهوره ) ، يعني أحكام العبوديّة ، فإنّهم ستروها بعد ظهورها عندهم ، ( فيظهرون ~~ما ستر ) من العبوديّة وأحكامها ، لأنها عدميّة ممحوّة العين ، (ثمّ يسترونه بعد ~~ظهوره) عندهم بإظهار أسرار الربوبيّة . # وهذا ممّا يوجب الحيرة للمسترشدين ، فإنّ العبوديّة لممحوّة مختفية بنفسها ، لا ~~سبيل لظهورها ، وبعد ظهورها عند أنفسهم تراهم يسترونه (فيحار الناظر) الطالب حينئذ ~~(ولا يعرف قصد الفاجر في فجوره ، ولا الكافر في كفره ، والشخص واحد) لا يقبل ورود ~~الأحكام المتقابلة عليه . # ومن جملة تلك الأحكام ما قال نوح دعاء له ولقومه مفصّل # قال الشيخ رضي الله عنه : ( " رَبِّ اغْفِرْ لِي " أي استرني ) على أن يكون اللام ~~صلة ( واستر من أجلي ) على أن يكون لام الأجل . # ومن جملة تلك الأحكام ما قال نوح دعاء له ولقومه مفصّلا. وإنّما جمعهما لأنّ ~~مؤدّاهما واحد ، وهو ستر حقيقته وحقيقة الكلّ من الذين في حيطة دعوته بأحكام ~~تعيّناتها ، حتّى يتمّ الأمر الذي يترتّب عليه المراد ، على ما هو مقتضى منصب ~~النبوّة والرسالة من وضع الصور وتربيته الحقائق في ضمنها ، سيّما ما اختصّ به ~~الكلمة النوحيّة ، فإنّها مؤسس هذا البنيان وممهّد قواعده. # وذلك لأنّ الحقائق لو لم تكن مختفية بصورها ، متلبّسة بأحكامها الساترة بل كانت ~~ظاهرة للكل لم ينتظم أمر الوجود ، لعدم التفاضل حينئذ ، فلا ينقاد المأمور للآمر ، ~~ولا المألوه للإله ، وإليه أشار الشيخ رضي الله عنه بقوله : ( فيجهل قدري ومقامي ، ~~كما جهل قدرك ) ومقامك ( في قولك : " وَما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِه " ) [ 6 / ~~91 ] . # قال الشيخ رضي الله عنه : ("وَلِوالِدَيَّ " من كنت نتيجة عنهما ، وهما العقل ) ~~المجرّد الذي له التأثير ( والطبيعة ) القابلة المتأثرة عنه دائما ، والطبيعة هاهنا ~~مستعملة على العرف المتعارف . # قال الشيخ رضي الله عنه : (" وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ " أي قلبي ، " مُؤْمِناً " ~~، أي مصدّقا بما يكون فيه من الإخبارات الإلهيّة ، وهو ما حدّثت به أنفسهم) وفيه ~~تنبيه على أنّ من انتسب إلى أحد من الكمّل واستحكم رقائق الانتساب بروابط المحبّة ~~التي هي الطريق إلى مستفاض الاتّحاد ، ودخل بها قلبه وأخذ منه مكانا لنفسه ، فكلّ ~~ما حدّثت به نفسه هو من الإخبارات الإلهيّة الواردة عليه ، وذلك لظهور سلطان ~~الاتحاد . # ( "وَلِلْمُؤْمِنِينَ " من العقول ) # المنتسبة إلى المواد # ( " وَالْمُؤْمِناتِ"من النفوس ) # المنطبعة فيها . # ("وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ" ) # يعني المستهلكين في غياهب غيب الهويّة التي لا تميّز فيها أصلا ، # (من الظلمات : أهل الغيب ، المكتنفين خلف الحجب الظلمانيّة ) # يعني وراء أحكام البطون ومقتضيات غيب الذات ، فإنّهم يعبّرون عن تلك الأحكام ~~بالظلمة ، كما قال الشيخ في اصطلاحاته: " يسمّى العلم بالذات ظلمة " . # (" إِلَّا تَباراً " [ 71 / 28 ] أي هلاكا ، فلا يعرفون نفوسهم لشهودهم وجه الحقّ ~~) # ومحيا إطلاقه الذي الكلّ فيه عينه ، لا تحيّر فيه أصل # ( دونهم ) # . # وما يدلّ على هذه الحكمة # ( في المحمّديين ) # بأجمع كلمة : # (" كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ") # [ 28 / 188 ] . # ( ومن أراد أن يقف على أسرار نوح ) # وتفاصيل حكمه # ( فعليه بالرقي في فلك نوح ) # يعني فلك الشمس # ( وهو في التنزّلات الموصليّة لنا - والسّلام ) . # فإنّه قال فيها : # « اعلم أنّ فلك # الولاية # هو الفلك الأعظم المحيط الأتمّ العقلي # وفلك # النبوّة # هو الفلك الأتمّ النفسي ، # وفلك # الرسالة # هو الفلك القريب الهيولاني ، # وفلك # الجهل # هو فلك الزحل ، # وفلك # العلم # هو الفلك المشتري ، # وفلك # الشك # هو الفلك المرّيخي ، # وفلك # النظر # هو الفلك الشمسي ، # وفلك # الظنّ # هو الفلك الزهري ، # وفلك # التقليد # هو الفلك العطاردي ، # وفلك # الايمان # هو الفلك القمري " . # وقال في موضع آخر منها: # « لمّا طلب عقلي الرئاسة على العقول والتقديم قرع بهمّته باب القديم ، فنزل إليه ~~الروح ،ملتفّا في بردة # يوح # » # إلى هنا كلامه. # وتحقيق ذلك أنّ النظر العقليّ موطن التمييز الذي هو عبارة عن ستره الأعيان بصورها ~~الخاصة الظاهرة بها عند المدارك ، المخفية إيّاها في المشاهد ، كما أن الشمس هي ~~المظهرة للمحسوسات بصورها الكونيّة ، المخفية للأعيان بصورها الوجوديّة ، ولما كان ~~لنوح نوع اختصاص بهذا الموطن الإظهاري النظري قال : " رَبِّ اغْفِرْ لِي ~~وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ ~~وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً " [ 71 / 28 ] حسبما مرّ ~~من التأويل . # وذلك لأنّ النظر العقليّ وإن كان موطن الحصر والتنزّل ، ولكن إذا ايّد بالقوّة ~~القدسيّة السماويّة التي للأنبياء صار بجمعيّته للطرفين معدن الكمالات الحقيقيّة . # وفي طيّ عبارته من جمعيّة الترقّي والتنزّل إشارة إليه - فلا تغفل . # ثمّ هاهنا تلويح حرفيّ # لا يبعد ذلك من قصد الشيخ في هذا التعبير ، وهو أن التركيب من الواو والحاء الذي ~~هو صورة الوجه الباقي وفيه لسان الوحي الذي منه وصول الأنبياء إلى بساط الاستكمال ~~والتكميل . # قد ابتني ذلك في الكلمة النوحيّة ، على ما هو أقصى نهاية التنزلات العشريّة ~~الشعوريّة ، كما أنّه في # « يوح » # قد ابتنى على مبدأ تلك المرتبة . # وأمّا في # « الروح » # فقد ابتني على ما ترقى مرتبة أخرى في أمر الإظهار ، وهي المترتّبة على القدرة ~~والاختيار ، كما لا يخفى على الواقف بالأصول الإحصائيّة . # . ### | فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية ### | 04 - فصّ حكمة قدّوسيّة في كلمة إدريسيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن ~~الدين علي ابن محمد التركة ### || شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم ~~الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # فصّ حكمة قدّوسيّة في كلمة إدريسيّة # اعلم أنّ « التقديس » هو تطهير الذات عمّا يشوب به صرف تنزّهها وخالص إطلاقها من ~~التبعيد عن القيود الذي يستلزم التحديد . # على ما يتضمّنه معنى « التسبيح » فيكون أتمّ في تأدية تلك الحقيقة منه ولذلك تراه ~~مطلقا منتسبا إلى الحقّ - دون التسبيح - في قوله تعالى : " نَحْنُ نُسَبِّحُ ~~بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ " [ 2 / 30 ] . # وجه تسمية الفص # وإدريس عليه السّلام قد بالغ في نفض موادّ التعلَّق وما يختلط به صرافة التجرّد ~~والتروّح ، وجدّ في ذلك بما لا تفي به النشأة البشريّة والطبيعة المزاجيّة ~~الإنسانيّة إلى أن سرت آثار الروحانيّة إلى جسده ، وباين لذلك أمثاله وأقرانه من ~~البشر وناسب به الملأ الأعلى ، ورفع به مكانا عليّا ، فلذلك استأهل أن يؤدّي كلمته ~~الحكمة القدّوسيّة . # تلويح من التحليل # وهو أنّ « السرّ » هو مادّة تقوّم كلمة « إدريس » وأحكامه هي مقتضى دعوته ، كما ~~أنّ « الروح » هو مادّة تقوّم كلمة « نوح » وأحكامه مقتضى دعوته » ولذلك ترى الستر ~~- الذي هو مقتضى دعوتيهما - قد تمّمه إدريس حيث ستر بنفسه عن بني نوعه ، وتلبّس ~~بأحكام هويّات الأنواع العالية ، وحيث أنّه سيّره متلبّسا بهويّة الكلمة الإلياسيّة ~~صاحب دعوة ورسالة . # وفي نفس كلمته ما يدلَّك على هذا ، وذلك لأنّ ما تفرّد به إدريس - أعني الدال ~~والراء - باطنهما هو الذي ظهر في « إلياس » وتفرّد بهما - أعني اللام والألف - . # معنى العلوّ وأقسامه # ثمّ إنّ التجرّد والتنزّه إنّما يقتضيان الإطلاق والإحاطة ، المستلزمين للعلوّ ~~ومن هاهنا ترى » بين إدريس - من حيث بلوغه إلى ذروة التمام من العلوّ الصوريّ - ~~وبين المحمّديّين - الواصلين إلى أوج تمام العلوّ المعنويّ الذاتيّ - # وقعت مشاركة في مطلق العلوّ ، ولهذا صدّر الفصّ بتحقيق معنى العلوّ وتقسيمه بما ~~ينبئ عن حقيقته . # حيث قال رضي الله عنه: ( العلوّ نسبتان : علوّ مكان ، وعلوّ مكانة ) ، والجامع ~~بينهما هو نسبة الشرف ورفعة المرتبة التي هي مقتضى التجرّد والقرب إلى المبدء وذلك ~~لأنّ المظاهر كلَّما كانت أحكام الظاهر فيها غالبة ، خالصة عن شوائب الغرائب - من ~~خصوصيّات المظهر نفسه - فإنّها أقرب إلى المبدء وأرفع نسبة إليه ، ومن ثمّة تراه ~~جعل الجماد أعلى الأشياء كلَّها - كما ستطلع عليه - فعلى هذا أعلى الأمكنة إنّما هي ~~القطب ،من حيث خلوّه عن الحركات وطروّ الأحكام الغريبة له . # هذا إذا نظر إلى كلّ فلك في نفسه ، وأمّا إذا نظر إلى الأفلاك كلَّها - من حيث ~~نضدها الجمعيّ ونظمها الصوريّ المشاهد لأرباب البصائر والأبصار - فأعلاها مكانا ~~إنّما هو فلك الشمس ، لأنّه واسطة نظم هذه الجمعيّة وعليها مدار أمر الإظهار . # وإذا نظر إليها بحسب ما لها في نفسها من حيث صورتها الجمعيّة وتشخّصها الأحديّ ، ~~فأعلى الأمكنة فيها هو العرش ، لاشتماله على ما ذكر من جهة العلوّ مع تحديده لتلك ~~الجهة - على ما بيّنه أرباب الحكمة - على أنّ العلوّ الحقيقيّ هو الذي ليس في ~~مقابلة السفل - بناء على الأصل الممهّد - وهو إنّما يتحقّق في فلك الشمس - دون ~~المحدّد. # فلئن قيل : ما ذكر في بيان جهة العلوّ يقتضي أن يكون المركز هو الأعلى مطلقا بتلك ~~الجهة ، لأنّه لا شيء أخلى منه عن الخصوصيّات الغريبة والأحكام الخارجيّة . # قلنا : البحث إنّما هو في الأمكنة ، وهو ليس منها - سواء ذهب إلى أنّه بعد مجرّد ~~، أو السطح - بل ليس من هذه الجمعيّة أصلا . # فإنّه صرّح الشيخ في عقلة المستوفز أنّه محلّ نظر العنصر الأعظم ، الذي خلق العقل ~~من التفاتته وأنّ أمر الكون كلَّه منه صدر ، وإليه يعود ، فلا يكون داخلا فيه منه . # فلك الشمس في أعلى الأمكنة # وإذا عرفت أنّ مطلق العلوّ منقسم إلى علوّ مكان وإلى علوّ مكانة ( فعلوّ المكان ) ~~هو المنصوص عليه بقوله تعالى :" وَرَفَعْناه ُ مَكاناً عَلِيًّا " [ 19 / 57 ] ~~وأعلى الأمكنة ) - حسبما ذكر من البيان - ( المكان الذي تدور عليه رحى عالم الأفلاك ~~، وهو فلك الشمس ، وفيه مقام روحانيّة إدريس ) وذلك لأنّ الشمس لها رتبة كمال ~~الظهور والإظهار ، وإذ قد كان إدريس صاحب الحكمة القدّوسيّة - والتقديس هو طرف كمال ~~ظهور الحقّ ، على ما عرفت ، وموطن إظهاره - لذلك اختصّ به روحانيّته . # وإنّما قلنا : « إنّه بمنزلة القطب في رحى العالم » لأنّه الواقع في الوسط ( ~~وتحته سبعة أفلاك ، وفوقه سبعة أفلاك ، وهو الخامس عشر ) فهو صاحب السبع المثاني ، ~~ولكن في الحسّ وفي مرتبة الكون فقط . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فالذي فوقه : فلك الأحمر ، وفلك المشتري ، وفلك كيوان ~~، وفلك المنازل ) الذي عليه الثوابت ، وهو محلّ تفاصيل الحقائق والحروف الثمانية ~~والعشرين ( والفلك الأطلس ) الذي لا كوكب فيه . # واعلم أنّ الذي اتّفقت عليه كلمة أهل التعليم وأكثر أرباب التحقيق في تفصيل ~~الأفلاك وتحقيق مراتبها هو هذا القدر - لا غير - وإن لم يكن لهم برهان على الحصر ، ~~ولكن ليس لمداركهم بحسب آلاتها واستدلالاتها قوة الوصول إلى ما وراء ذلك - على ما ~~نصّ عليه الشيخ في العقلة حيث قال نقلا عن بعض العلماء : # " قال بعض العلماء في قوله : " وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ~~ثَمانِيَةٌ " [ 69 / 17 ] : # « إنّ هذا الفلك - يعني فلك المنازل - أحد الثمانية الحملة والسبعة التي تحتها » ~~وجعل فلك البروج هو العرش ، وهو الأطلس ، والله أعلم أنّ الأمر على خلاف ما قاله من ~~كلّ وجه ، وهذا الترتيب لا يمكن إدراكه إلَّا بالكشف والاطلاع أو بخبر الصادق ، إذ ~~لا خبر به . # وكذلك أهل التعاليم والقائلون بالرصد وأصحاب علم الهيئة لم يعرفوا ما عرفوا من ~~ذلك إلَّا بطريق الكشف الحسّي ، فأبصروا حركات الكواكب ، واستدلَّوا بذلك على ~~كيفيّة الصنعة الإلهيّة وترتيب الهيئة ، فأخطئوا في بعض وأصابوا في بعض ، واختلفت ~~آراؤهم في ذلك اختلافا معروفا متداولا بين أهل هذا الشأن " . # إلى هنا كلامه ، وقد علم منه أنّ إثبات هذين الفلكين من خصائص كشفه الكامل . # قوله : ( فلك البروج ) عطف بيان للفلك الأطلس ، فإنّه وإن لم يظهر فيه من الكواكب ~~شيء ، لكن ظهر فيه بحسب المراتب التي تحته دوائر تقسمها إلى اثنا عشر برجا ، ففيه ~~تفصيل . # ( وفلك الكرسي ) - وهو المسمّى بـ « العرش الكريم » عنده و « مستوى اسم الرحيم » ~~و « موضع القدمين » و « محلّ تفصيل الكلمتين » ففيه تفصيل ما . # ( وفلك العرش ) وهو عرش الرحمن ، لا تفصيل فيه أصلا . # العروش الخمسة # واعلم أنّ الشيخ أثبت خمسة عرش حقيقيّة: عرش الحياة - وهو عرش الهويّة - وعرش ~~الرحمانيّة والعرش العظيم والعرش الكريم والعرش المجيد . # فعرش الحياة هو عرش المشيّة - كما سبق التنبيه في مطلع الكتاب - وهو مستوى الذات ~~، وهو عرش الهويّة ، قال الله تعالى : " وَكانَ عَرْشُه ُ عَلَى الْماءِ " [ 11 / 7 ~~] فأضافه إلى الهويّة ، وجعله على الماء ، ولهذا قلنا فيه : « عرش الحياة » . . . # لقوله تعالى : " وَجَعَلْنا من الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ " [ 21 / 30 ] ، فهو ~~العنصر الأعظم . . . وهو اسم الأسماء ومقدّمها . . . و « العرش المجيد » هو العقل ~~الأوّل ، وهو القلم الأعلى . # و « العرش العظيم » النفس الناطقة الكليّة وهو اللوح المحفوظ . # و « عرش الرحمانيّة » وهو الجسم الكلّ . « والعرش الكريم » محل التفصيل . # وأثبت عرشا سادسا نسبيّا ليس له وجود ، وهو العماء وهو عرش الحيرة . # رجوع إلى ذكر الأفلاك # هذا حكم ما فوق فلك الشمس ، ( والذي دونه : فلك الزهرة ، وفلك الكاتب « 2 » ، ~~وفلك القمر ، وكرة الأثير ، وكرة الهواء ، وكرة الماء ، وكرة التراب ) فعلم أنّ ~~إطلاق الأفلاك عليها كان تغليبا . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فمن حيث هو قطب الأفلاك هو رفيع المكان ) وفيه إشارة ~~إلى أنّ العلوّ من هذه الحيثيّة له ، ولا ينافي أن يكون لآخر علوّ من حيثيّة أخرى . # علوّ المكانة للمحمدييّن # هذا كلَّه علوّ المكان ( وأمّا علوّ المكانة فهو لنا - أعني المحمّديين - قال ~~الله تعالى : " وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَالله مَعَكُمْ " [ 47 / 35 ] في هذا ~~العلوّ ، وهو يتعالى عن المكان ) لأنّه يستلزم التجسيم الذي يلزمه التقييد - تعالى ~~عنه - ( لا عن المكانة ) ، لأنّه لا رتبة وراء رتبة الإطلاق ، ولا سلطنة أعظم من ~~سلطنته الإحاطيّة ، فتكون المعيّة المنصوص بها إنّما هي في علوّ المكانة - لا غير . # ( ولمّا خافت نفوس العمّال منّا ) - إذ فهموا من الآية معيّة علوّ المكانة - أن ~~يفوت جزاء أعمالهم - يعني علوّ المكان - ( أتبع المعيّة بقوله : " وَلَنْ ~~يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ " ) [ 47 / 35 ] - أي لن ينقصكم . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فالعمل يطلب المكان ) من حيث تجسّدهما وكونهما آخر ~~سلسلة الترتيب (والعلم يطلب المكانة) من حيث تروّحهما وكونهما أول سلسلة الترتيب ( ~~فجمع لنا بين الرفعتين : علوّ المكان - بالعمل - وعلوّ المكانة - بالعلم - ثمّ قال ~~تنزيها للاشتراك بالمعيّة : " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى " [ 87 / 1 ] عن هذا ~~الاشتراك المعنويّ ) فإنّ العلوّ الذاتيّ لا يكون إلَّا للحقّ ، والعلوّ الذي لغيره ~~بالتبعيّة . # العلوّ للمكان والمكانة بالذات ولغيرهما بالتبع # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ومن أعجب الأمور كون الإنسان - أعني الإنسان الكامل - ~~أعلى الموجودات ، وما نسب إليه العلوّ إلَّا بالتبعيّة ، إمّا إلى المكان وإمّا إلى ~~المكانة - وهي المنزلة - ) وهما من الموجودات ، فيكون علوّ الإنسان تابعا لما يكون ~~هو أعلى منه ، وهذا من خصائص جمعيّته الإطلاقيّة وإحاطتها بالأطراف والأضداد . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فما كان علوّه لذاته فهو العلي بعلوّ المكان والمكانة ~~، فالعلوّ لهما ) بالذات ، لا للإنسان ، ولا لشيء غيرهما فإنّ الأسماء الإلهيّة ~~أيضا لا علوّ لها إلَّا بهما . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فعلوّ المكان ك " الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ~~" [ 20 / 5 ] ، وهو أعلى الأماكن ) فإنّه ليس بين أسماء الحقّ أعلى وأشمل إحاطة من ~~« الرحمن » فإذا كان العرش مستواه يكون هو أعلى الموجودات ضرورة . # ( وعلوّ المكانة : " كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ " ) [ 28 / 88 ] وهو ~~طرف جامعيّته وظهوره ، فللوجه رتبة العلوّ في الظهور . # ( " وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه ُ " ) [ 11 / 123 ] وهو طرف غيبه ~~وبطونه ، فإنّ الهويّة المطلقة لها رتبة العلوّ في الوجود . # (" أَإِله ٌ مَعَ الله ") [ 27 / 60 ] ، وهو الجامع بين الطرفين ظهورا ووجودا . # فعلم من هذا أنّ لعلوّ المكانة حضرات ثلاثا ، وعلم أيضا وجه ذاتية العلوّ للمكان ~~والمكانة . # وأمّا أنّه لغيرهما بالتبعيّة . # فمن قوله : ( ولمّا قال تعالى : " وَرَفَعْناه ُ مَكاناً عَلِيًّا " [ 19 / 57 ] ~~، فجعل « عليّا » نعتا للمكان ) لا لإدريس ، علم أنّ رفعته بتبعيّة المكان ، هذا في ~~علوّ المكان . # وأمّا علوّ المكانة ، فمن قوله تعالى : ( " وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ~~إِنِّي جاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً " [ 2 / 30 ] ، فهذا علوّ المكانة ) # المضاف إلى الإنسان فإنّه يدلّ على أنّ من الإنسان من له هذا العلوّ ، ( وقال في ~~الملائكة : " أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ من الْعالِينَ " ) [ 38 / 75 ] ، فإنّه ~~يدلّ على أنّ من الملائكة من له العلوّ مكانة ، ( فجعل العلوّ للملائكة ، فلو كان ~~لكونهم ملائكة لدخل الملائكة كلَّهم في هذا العلوّ ) ، ضرورة أنّ مقتضى الذات مشترك ~~في سائر الأفراد . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فلمّا لم يعمّ - مع اشتراكهم في حدّ الملائكة - عرفنا ~~أنّ هذا علوّ المكانة عند الله ، وكذلك الخلفاء من الناس ) المنسوب إليهم العلوّ في ~~الآية المذكورة. # (لو كان علوّهم بالخلافة علوّا ذاتيّا لكان لكلّ إنسان ، فلمّا لم يعمّ ،عرفنا ~~أنّ ذلك العلوّ للمكانة) التي هي عند الله بأحد الوجوه الثلاثة . # علوّ الحق تعالى بالذات # وإذ قد تبيّن أنّ العلوّ لغير المكان والمكانة إنّما هو بالتبعيّة والإضافة ، ~~والذي لهما مرجعه بالحقيقة إلى الحقّ - أمّا الذي للمكانة فظاهر ، وأمّا الذي ~~للمكان فلأنّه باستواء الرحمن عليه ، وهو من أسمائه تعالى ، فعلم أنّ العلوّ بالذات ~~إنّما هو للحقّ فقط - أخذ يحقّق العلوّ الذاتي الذي للحقّ بقوله : ( ومن أسمائه ~~الحسنى « العليّ » ، على من ؟ ) - فإنّ علوّ المكان غالبا إنّما يستعمل بـ « على » ~~. # لقوله تعالى : " الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى " [ 20 / 5 ] - فإذا لم يكن ~~في الوجود أحد يعلو عليه الحقّ بالمكان ، لا يمكن أن يكون علوّه بالإضافة . # فإنّ كلّ ما فيه هو الحقّ ، ( وما ثمّ إلَّا هو ، فهو العليّ لذاته ) أي العليّ ~~المطلق الذي هو أعلى من أن يكون علوّه بالقياس إلى السفل . # هذا حال علوّ المكان - وكذلك أمر علوّ المكانة ، وإليه أشار بقوله : ( أو عن ماذا ~~؟ ) - فإنّ علوّ المكانة أكثر ما يستعمل ب « عن » كما يقال : # " جناب الخليفة عال عن كذا " - فإذا لم يكن شيء يعلو عنه بالمكانة ، لا يمكن أن ~~يكون علوّه ذلك له بالإضافة ، فإنّ كل أمر فرض فهو شيء ، ( وما هو إلَّا هو فعلوّه ~~) - مطلقا ، سواء كان بالمكان أو بالمكانة - له ( لنفسه) فإذ قد تحقّق أنّ العلوّ ~~الذي للحقّ هو العلوّ الذاتي - حيث أنه ليس في الوجود شيء يعلو عليه أو عنه ، فلا ~~يكون في الوجود إلَّا العليّ بالذات - لا بدّ أن يحقّق أمر العلوّ الإضافي ، وأنّ ~~العالي به من هو ؟ وإلى ذلك أشار بقوله : # الموجودات علية بالذات بعلوّه تعالى # قال الشيخ رضي الله عنه : (وهو من حيث الوجود عين الموجودات ، فالمسمّى « محدثات ~~» هي العليّة لذاتها ، وليست إلَّا هو ) أي ليست المحدثات إلَّا المسمّى نفسه ( فهو ~~العليّ - لا علوّ إضافة ) أي المسمّى محدثات ( لأنّ الأعيان ) - أي المحدثات ~~باعتبار كونها مسمّى بها - ( التي لها العدم الثابتة فيه ، ما شمّت رائحة من الوجود ~~، فهي على حالها ) في العدم ، وإلَّا لم تكن ثابتة فيه ( مع تعداد الصور ) الظاهرة ~~من آثاره ( في الموجودات ) . # وهذا في نظر التحقيق غير ممتنع - كما ستطلع عليه إن شاء الله تعالى - وأصل ذلك ما ~~وقفت عليه مرارا ، من أنّ الوحدة الحقيقيّة التي للواحد الأحد هو الذي نسبة الكثرة ~~العدديّة إليه كنسبة وحدتها إليه - بلا فرق - . # ( والعين ) التي هي الحقّ ( واحدة من المجموع في المجموع ) يعني واحدة حاصلة من ~~مجموع الموجودات في عين ذلك المجموع - لا في الخارج عنه – فإنّه قد سبق مرارا أنّ ~~أحديّته تعالى أحديّة جمع ، فتحقّقها في الجمعيّة ومنها ، لا أحديّة فرق - حتّى ~~يقابلها الكثرة ، ويقبل طريانها لتلك الوحدة - إذ الكثرة مستهلكة الحكم في الوحدة ~~الذاتيّة ، ( فوجود الكثرة ) إنّما هو ( في ) حضرة ( الأسماء ، وهي النسب ، وهي ~~أمور عدميّة ، وليس ) في الوجود . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( إلَّا العين الذي هو الذات ، فهو العليّ لنفسه - لا ~~بالإضافة - فما في العالم من هذه الحيثيّة علوّ إضافة ) . # النسب الأسمائيّة # وإذ قد حقّق حيثيّة الوحدة الذاتيّة والإطلاق الصرف الذي لا إضافة هناك ، لا بدّ ~~وأن يلحق ذلك بتحقيق حيثيّة النسب الأسمائيّة وإثبات الإضافة تفصّيا عن تمام ~~التحقيق وكمال التوحيد . # واعلم أنّ النسب الأسمائيّة التي هي أمور عدميّة في نفسها ليست أعداما صرفا . # فإنّها من حيث هي أعدام لا يمكن أن يشار إليها ويعبّر عنه ، بل لها نسبة إلى ~~العدم بالقياس إلى أنفسها ، كما أنّ لها نسبة إلى الوجود بالإضافة إليه. # فهي بالاعتبار الأوّل تسمّى ب « الأمور العدميّة » و « النسب الإمكانيّة ~~الاعتباريّة » . # وبالاعتبار الثاني تسمّى بـ « الوجوه الوجوديّة » إذ بها يظهر الوجود . # وهذا الاعتبار هو الذي يسمّيه الحكيم ب « الوجوب اللاحق » ، وسائر الأحكام ~~الثبوتيّة والأوصاف الوجوديّة إنّما يضاف إلى تلك الوجوه . # فلذلك قال رضي الله عنه: ( ولكن الوجوه الوجوديّة متفاضلة ، فعلوّ الإضافة موجود ~~في العين الواحدة من حيث الوجوه الكثيرة ) ، فإنّ الوجوه وكثرتها لا يقدح في تلك ~~الوحدة ، بل يجعلها موردا للأحكام المتقابلة ، ( لذلك يقول فيه : هو لا هو ) . # أي يقول في الحقّ : « غيب وباطن ، ليس بغيب وباطن » لإحاطة وحدته المطلقة بالظاهر ~~والشاهد ، و : ( أنت لا أنت ) وتقول فيه أيضا : « حاضر مشاهد ، ليس بحاضر مشاهد » ، ~~لاحاطتها الغيب والبطون . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( قال الخرّاز - وهو وجه من وجوه الحقّ ولسان من ألسنته ~~ينطق عن نفسه - بأنّ الله لا يعرف إلَّا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها ) . # أي بالأضداد ، على ما هو مقتضى وحدته الذاتيّة - إذ به يعرف تلك الوحدة كما مرّ ~~غير مرّة - (فهو الأوّل والآخر ،والظاهر والباطن ، فهو عين ما ظهر ،وهو عين ما بطن ~~في حال ظهوره ) ، فإنّ الظهور إنّما يكون بالصور الحاجبة فهو في عين بطونه ظاهر ، ~~وفي عين ظهوره باطن . # بدت باحتجاب فاختفت بمظاهر # وذلك الظهور والبطون ليس لغيره أو عنه ، إذ ليس له وجود ( وما ثمّ من تراه غيره ) ~~حتّى يظهر له ، ( وما ثمّ من ) يحتجب له حتّى ( يبطن عنه ، فهو ظاهر لنفسه ، باطن ~~عنه ، وهو المسمّى أبا سعيد الخرّاز ) الذي ظهر له ، وجعله لسانا يظهره ، ( وغير ~~ذلك من أسماء المحدثات ) التي يحتجب فيه وجعلها ستائر إخفائه . # قال الشيخ رضي الله عنه : (فيقول الظاهر : « لا » إذا قال الباطن : « أنا » . # ويقول الباطن :« لا » إذا قال الظاهر : « أنا » وهكذا في كلّ ضدّ ) يطويه ~~الأحديّة الإطلاقيّة - كالقابليّة والفاعليّة والمتكلَّميّة والسامعيّة - ( ~~والمتكلَّم واحد ، وهو عين السامع . # يقول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: « وما حدثت به أنفسها »فهي المحدّثة السامعة ~~حديثها ، العالمة بما حدّثت به نفسها والعين واحدة ) - يعني الشخص - ( وإن اختلفت ~~الأحكام ) وهي الحديث والسماع والعلم والمحدّث والسامع والعالم . # ( ولا سبيل إلى جهل مثل هذا ) ، فإنّه من الوجدانيّات الضروريّة التي يجد كل أحد ~~من نفسه ، لا يتفاوت فيه الغبيّ من الذكيّ ( فإنّه يعلمه كل إنسان من نفسه ، وهو ~~صورة الحقّ ) - كما سبق تحقيقه - . # تمثيل الوجود ومراتبه بالواحد ومراتب الأعداد # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فاختلطت الأمور ) أي الأحكام الكونيّة العدميّة ~~والحقيقيّة العينيّة الوجوديّة ، والتبس الحقّ الواحد في المراتب التي ليس لها وجود ~~في العين ، بل إنّما هي أمور اعتباريّة يتصوّرها العقل بأحكامها وآثارها الخصيصة ~~بكلّ منها . # ثمّ إنّ هذه الأحكام لمّا كانت من آثار تلك المراتب المعدومة بالذات ، لا بدّ وأن ~~تكون أنزل منها وأخفى في مكامن العدم بالنسبة إليها : لكن لمّا التبس الحقّ بها ~~فاختفى فيها بنفسها ، وتصوّر بصورها وظهر بظهورها : انتسب الوجود في العين إليها ، ~~فصارت الموجود في العين تلك الأحكام - لا غير - كما قيل : # إن قيل لك الكون عليه عرض %~% حقّق نظرا فيه ، ترى الجوهر هو # وإذ كان هذه المسئلة من أغمض المسائل عند أكثر المسترشدين - ممّن عوّدوا مداركهم ~~بالاستفاضة عن الأنظار القياسيّة ، والمقدّمات المأنوسة لهم في أوائل أحوالهم - ~~صوّر لهم تلك المسئلة في صورة عدديّة ، فإنّ العدد بما عليه من الصور المدركة أوّلا ~~مختزن عويصات الحقائق وغوامض المعارف . # فأشار إلى ذلك بقوله : ( وظهرت الأعداد بالواحد في المراتب المعلومة ) ظهور ~~الأكوان وأحكامها بالحقّ في مراتب الوجود التي هي اعتبارات عقليّة ، وذلك لأنّ ~~العدد أيضا له مراتب كليّة تنطوي على أحكام مشخّصة وجزئيّات معيّنة - كالآحاد ~~والعشرات والمآت والألوف - المتمايزة بمجرّد نسبة التقدّم والتأخّر - التي هي محض ~~الاعتبار - المحتوية كل منها على جزئيّات إنّما يظهر الواحد بصورها في العين مفصّلا ~~، ( فأوجد الواحد العدد ، وفصّل العدد الواحد ) في مراتبه وجزئيّاتها المندمجة فيها ~~بالقوّة ، وجعلها بالفعل . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وما ظهر حكم العدد ) الذي يوجد الواحد في العين مفصّل ~~( إلَّا بالمعدود ) ظهور الأكوان بالماهيّات وأشخاصه ( والمعدود منه عدم ، ومنه ~~وجود ) ، يعني وجود المعدود في العين ، لا دخل له في إظهار حكم العدد ، وإلَّا لم ~~يكن الأعدام معدودة ، فعلم أنّ العدد كما يتحقّق نفسه بالواحد وسيره في المراتب ، ~~كذلك أحكامه إنّما تتحقق بالمعدود - سواء كان موجودا في الحسّ أو لا - ( فقد يعدم ~~الشيء من حيث الحسّ وهو موجود من حيث العقل ) ، ومبنى ظهور الأحكام على الوجود ~~العقلي . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فلا بدّ من عدد ومعدود ) سواء كان في العين أو بمجرّد ~~الاعتبار ، ( و لا بدّ من واحد ) في العين ( ينشئ ذلك ) بسيره ، ( فينشأ بسببه ) ~~العدد بمراتبه ، ويظهر أحكامه بالمعدود ، فإنّ الواحد هي المادّة المقوّمة لتلك ~~المراتب كلَّها . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإنّ لكلّ مرتبة من العدد حقيقة واحدة ، كالتسعة - ~~مثلا - والعشرة إلى أدنى وإلى أكثر - إلى غير نهاية - ) ، إذ ليس حقيقة شيء من تلك ~~المراتب - بالغة ما بلغت - إلَّا واحدة وقعت متأخّرة عن المجموع ، فحصل لها باعتبار ~~تلك النسبة اسم مرتبته الخاصّة . # ثمّ إنّ تلك النسبة لمّا كانت موقوفة على المجموع إنّما يحصل له اسم تلك المرتبة ~~بعده ، فحقيقة تلك المرتبة هي الواحدة السارية ( ما هي المجموع ، ولا ينفكّ عنها ~~اسم جميع الآحاد ) ضرورة لزوم المنتسبين للنسبة ، فهو من اللوازم الخارجة التي لا ~~دخل لها في حقيقته. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإنّ الاثنين حقيقة واحدة ، والثلاثة حقيقة واحدة - ~~بالغا ما بلغت هذه المراتب - وإن كانت واحدة فما عين واحدة منهنّ عين ما بقي ) من ~~أجزائه ، وإلَّا يلزم أن يكون الجزء عين الكلّ ، فذلك اللازم الخارج - يعني المرتبة ~~الجمعيّة - هو الذي يعيّنها ويحصّلها ويسمّيها حقيقة مستقلَّة واحدة . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فالجمع يأخذها ) يعني أنّ الجمع - الذي هو ظلّ ~~الإطلاق يأخذ تلك العين الواحدة بالوحدة العدديّة - المسمّاة بالاثنين والثلاثة - ~~من غيب الوحدة الإطلاقيّة الذاتيّة ، ويجعلها حقيقة مستقلَّة عينيّة كالفصل ، فإنّه ~~وإن كان خارجا من الحقيقة الواحدة بالوحدة الجنسيّة ، لكن هو الذي يحصّلها ويجعلها ~~حقيقة عينيّة ، فلا بدّ وأن يعتبر الجمعيّة المرتبية في العين الواحدة ، وتثبت تلك ~~الجمعيّة لها . # ( فيقول رضي الله عنه: ) أي يظهر ذلك الجمعيّة تلك الحقيقة المسمّاة المأخوذة من ~~غيب الوحدة الإطلاقيّة ويسمّى ( بها منها ) في الصورة الكلاميّة الإشعاريّة ، ( ~~ويحكم بها عليها ) في الصورة العقليّة الشعوريّة . # وتمام تبيين هذا الكلام أنّ الوحدة الإطلاقيّة الذاتيّة هي التي ظهرت من كنه ~~الغيب بصورة الوحدة العدديّة ، متوجّهة في قطعها مسافة تلك الأبعاد العدديّة صوب ~~ذلك المبدء الأوّل ، الذي عبّر عنه العقل النظري ب « ما لا يتناهى » عند عجزه عن ~~ضبطه بالصور الإحاطيّة ، التي بها يدرك الأشياء ، وذلك الطرف هو المشار إليه بقوله ~~: " بالغا ما بلغت " . # فينبغي أن تعلم أنّ لتلك الوحدة الظاهرة في هذه الوحدات العدديّة صورتين : # إحداهم هو الذي في الكثرة العدديّة منها ، وهي المسمّاة بالمرتبة ، ويلزمها الجمع ~~، وعبّر عنه هاهنا ب « اللازم » . # وثانيتهما هو الذي في الوحدة العدديّة ، وقد عبّر عنه المصنّف ب « العين الواحدة ~~» . # والأولى منهما هي التي يقال لها في لسان الميزان : « الصورة التي تتقوّم بالمادّة ~~» والثانية هي إيّاها ، كما أنّ ما يقال له « الفصل » هو الأولى منهما ، و « الجنس ~~» هو الثانية ، ولذلك ترى مراتب الجنس مترتّبة متنزّلة - تنزّل تلك العين الواحدة - ~~. # فظهر من هذا أنّ الجمع له مزيد اختصاص بتلك الوحدة الإطلاقيّة ، حيث أنّه هي ~~الصورة التي يظهرها على مجالي الفعل - دون العين الواحدة - . # إذا تقرّر هذا - فاعلم أنّ ذلك الجمع هو الذي يأخذ تلك العين الواحدة من مستبهم ~~غيب الإطلاق ومستجنّه ، ويظهرها على مجالي الإشعار ، ويسمّيها بتلك العين الواحدة ~~منها ، فإنّك قد عرفت أنّ العين الواحدة هي المادّة والمبدء لخصوصيّة تلك الحقيقة ~~المسمّاة ، فتكون مبدأ لسائر تلك الخصوصيّات - إشعاريّة كانت أو شعوريّة - وإلى ~~الثاني أشار بقوله : " ويحكم بها عليها " . # وإذ كان الإشعاري منهما مقدّما في الخارج - فإنّه الدالّ على الشعوري - قدّمه ~~معبّرا عنه بعبارة « القول » فإنّه هو الصورة التي يوجد بها الصور الشعوريّة في ~~الخارج ، فهو المقصد الذي ينحلّ به ومنه سائر المقاصد ، فلذلك أخذ في تحقيق الصور ~~التي للعدد باعتباره # قائلا رضي الله عنه: ( وقد ظهر في هذا القول ) بحسب سير الواحد في أطوار مراتبه ( ~~عشرون مرتبة ) . # أمّا حقيقة : فلأنّ سيره إنّما هو لكماليه الذاتيّ والأسمائيّ الظهوريّ منه ~~والإظهاريّ ، وتمام مرتبته إنّما هو العشرة : " تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ " [ 2 / ~~196 ] . # والذي يدلّ على هذا من التلويحات العدديّة الرقميّة أنّ الصفر الذي هو الدالّ على ~~المرتبة نوعان : بياض وسواد - على ما قاله الشيخ سعد الدين الحموي سلام الله عليه : # "الصفر بياض يتبيّن فيه كلّ مفقود ، وسواد يعدم فيه كلّ موجود ، ولكلّ منهما كمال ~~: فكمال بياضه إلى العشرة ، وكمال سواده إلى الألف ، والأوّل هو الملوّح إلى غاية ~~الظهور والإظهار الذي موطنه العقل الشعوري ، كما أنّ الثاني هو الملوّح إلى غاية ~~الشعور والإشعار ، الذي موطنه الحبّ الألفي العشقي " . # ولا تغفل عن التلويحات التي في طيّ هذه الألفاظ المعبّر بها عنهما فإنّها منطوية ~~على أعلى من هذا ، قد أفصح عنه في المفاحص - من أراد ذلك فليطالعه - . # وأمّا ظاهرا : فلأنّ ما يدلّ على ذلك في العربي المبين إنّما هو عشرون لفظا : ~~عشرة من الواحد إلى العشرة ، وثمانية عقود العشرات ، ومائة وألف ، وأمّا غير ذلك من ~~عقود المائة والألف (فقد دخلها التركيب ) . # هذا إذا نظر إلى تراكيبه الوضعيّة ومؤلَّفاته الجعليّة التي أتى بها الحضرة ~~النبويّة ، وعبّر عنها بلسان نبوّته إلى العامّة في تحقيق كمال الإنباء والإظهار ، ~~وأمّا إذا نظر إلى مقطَّعات حروفه ومفردات بسائطه التي تكلَّم بها لسان الولاية مع ~~أهل الخصوص في تحقيق كمال الكشف والإشعار ، فقد ضمّ إليها عقود المآت ، وكمّلها ~~ثمانية وعشرون . # ومن ثمّة لو عدّدت منها الظواهر الصرف التي لا دخل لها في البواطن ، وأسمائها ~~التي هي البيّنات المشعرة بحقايقها ، وجدتها عشرين ، والثمانية الباقية حروف ~~البواطن ، يدخل في أساميها ويعبّر عن حقائقه: " وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ ~~فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ " [ 69 / 17 ] . # وملخّص هذا الكلام أنّ المرتبة وإن كانت معدومة العين بنفسها ولكنّ الواحد ليس له ~~وجود في العين إلَّا بها ، إذ الواحد إنّما يتحقّق في ضمن أحد الصفرين - على ما لا ~~يخفى على الواقف بأصول القواعد - فالثابت في العين - حقيقة - ليس إلَّا المرتبة ( ~~فما تنفكّ تثبت عين ما هو منفي عندك لذاته ) من المرتبة والكثرة . # التنزيه في عين التشبيه # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ومن عرف ما قرّرناه في الأعداد ) - أنّها من حيث هي ~~أعداد ومراتب أعدام لا تحقّق لها بنفسها أصلا ، مع ما لكلّ منها من الأسماء ~~المستقلَّة والخصائص والآثار المحسوسة ، وأنّ وجودها إنّما هو بالوجود الواحد ~~الساري ، ( وأنّ نفيها عين ثبتها ) ، لأنّ نفيها من حيث أنفسها معناه هو أنّ ~~تحقّقها عين تحقّق الواحد الذي ليس وراءه تحقّق . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( علم أنّ الحقّ المنزّه ) مطلقا عن سائر القيود ( هو ~~الخلق المشبّه ) ضرورة أنّ الإطلاق الحقيقي هو الذي في عين التقييد ( وإن كان قد ~~تميّز الخلق من الخالق ) ، تميّز المطلق من المقيّد فيه ( فالأمر الخالق ) هو بعينه ~~( المخلوق ) في الخارج ، ( والأمر المخلوق ) في الخارج هو بعينه ( الخالق . كلّ ذلك ~~) - أي الخلقيّة والحقّية - ( من عين واحدة ) مطلقة منهما . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( لا ، بل هو العين الواحدة ، وهو العيون الكثيرة ) ، ~~فإنّ نسبة الوحدة والكثرة والإطلاق والتقييد ، والخلقيّة والحقّية ، وسائر ~~المتقابلات إلى الواحد المطلق سواء . # فلذلك لمّا قال ذلك العين الواحدة بلسان الوالد : " إِنِّي أَرى في الْمَنامِ ~~أَنِّي أَذْبَحُكَ " و ( " فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ " بلسان الولد : " ي أَبَتِ ~~افْعَلْ ما تُؤْمَرُ " [ 37 / 102 ] . # والمأمور ليس إلَّا الذبح ، ( والولد عين أبيه ) وسرّه ، ( فما رأى يذبح سوى نفسه ~~، وفداه " بِذِبْحٍ عَظِيمٍ " [ 37 / 107 ] فظهر ) في الخارج ( بصورة كبش من ظهر ) ~~في الخيال ( بصورة إنسان وظهر ) في الخيال ( بصورة ولد - لا ، بل بحكم ولد ) ، فإنّ ~~المغايرة بين الصورة الوالديّة والولديّة نسبة حكميّة لا حقيقيّة ، سيّما في عالم ~~الخيال - ( من هو عين الوالد ) في الخارج . # فتبيّن من هذه الآية تنوّع العين الواحدة بالصور المتخالفة حقيقة وحكما ، ولكنّ ~~في الخيال والخارج - لا في الخارج - والذي يدلّ على ذلك فيه هو قوله تعالى : " يا ~~أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ " ( " ~~وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها " ) [ 4 / 1 ] ) أي من النفس الواحدة ( فما نكح سوى نفسه ~~) . # فتبيّن من هذه الآيات القرآنيّة الكاشفة عن كنه الأشياء أن لا مغايرة في العين ~~بين الوالد وزوجه ، ولا بينه وبين ولده ، ( فمنه الصاحبة والولد ، والأمر واحد في ~~العدد) فما اتخذت صاحبة ولا ولدا . # كيفيّة ظهور الكثرة # وإذ قد بيّن - بالقواعد العدديّة عقلا ، والآيات المنزلة السماويّة نقلا - إثبات ~~وحدة العين ، أخذ في تحقيق ظهور الكثرة منها وإبانة ما يتوهّم من تلك العبارة ، ~~وإزالته من التجزية والتبعيض ، فقال مستفهما : ( فمن الطبيعة ) الكل ( ومن الظاهر ~~منها ) في الخارج ؟ # إذ لا يمكن أن يكون بعضها على ما هو المتوهّم منها ، وإلَّا لزم أن ينقص الكل بما ~~ظهر منها وخرج من كنه كمونها ، ويزيد بعدم ذلك الظهور . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وما رأيناها نقصت بما ظهر منها ، ولا زادت بعدم ما ~~ظهر ) على ما هو مقتضى الجزئيّة ، ولا يمكن أن يكون جزئيّا لها لتحقّق المغايرة بين ~~الكلَّي وجزئيه ، ( وما الذي ظهر غيرها ) بما أشير إليه عقلا ونقلا وذوقا . # ثمّ لمّا تقرّر أنّ المشهد الختمي الكمالي هو أنّ التوحيد الأتمّ ما يجمع بين ~~التنزيه والتشبيه ، والتفرقة والجمع ، أراد أن يشير إلى ذلك بما يكشف عن أصله ~~ومبدئه ، وهو أنّ الطبيعة الكلّ إذا لم تكن مغايرة لما ظهرت فيه لا بدّ وأن تكون ~~عينه ( وما هي عين ما ظهر ، لاختلاف الصور بالحكم عليها ) حسبما تصوّر بها من ~~الأوصاف المتقابلة والآثار المتباينة المتناقضة ، المتسلَّطة في تلك الصور ( فهذا ~~بارد يابس ، وهذا حارّ يابس ) وفي اختيار هذا المثال تنبيه على ما سلف لك من النظم ~~الطبيعي الدوريّ الذي لآخر الكرات الطبيعيّة العنصريّة إلى أوّلها ، فلذلك قال : ( ~~فجمع باليبس ) الذي هو صورة المركز ( وأبان بغير ذلك ) من الكيفيّات التي للكرات ~~المحيطة الأعلى فالأعلى . # وقوله رضي الله عنه: ( والجامع الطبيعة ) إشارة إلى الفرق التنزيهي الذي هو مشهد ~~اولي العقول. # كما أنّ قوله رضي الله عنه:: (لا ، بل العين الطبيعة) إشارة إلى الجمع التشبيهي ~~الذي هو مشهد اولي الذوق والشهود . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فعالم الطبيعة صور في مرآة واحدة ) إشارة إلى تفصيل ~~معنى الأوّل ، و ( لا ، بل صورة واحدة في مرايا مختلفة ) إلى تفصيل معنى الثاني . # حيرة العقل النظري # ثمّ إنّ الجمع بين الطرفين والاحتواء على المتقابلين مما لا بدّ منه في كلّ من ~~هذين المشهدين - على ما لا يخفى - وإذ ليس من وسع العقل بقوّته النظريّة أن يضبطهما ~~ضبطا جمعيا إحاطيّا ، وما أمكن له أن يخوض في تيّار ذلك البحر عندما تتلاطم أمواج ~~المتقابلات والمتناقضات الدافعة للضبط ، الذي به يدرك العقل ما يدركه ، قال : # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فما ثمّ إلَّا حيرة لتفرّق النظر ) فإنّه كلَّما ~~استحصل من ذلك المشهد علما حار ورجع مما كان عليه ، فإنّ « الحيرة » لغة هي الرجعة ~~، فليس له من ذلك إلَّا الحيرة والعجز - كما قيل : « العجز عن درك الإدراك إدراك » ~~- فكلَّما ازداد منه علما ، ازداد فيه تحيّرا ، وعليه ورد: « ربّ زدني تحيّرا » و " ~~رَبِّ زِدْنِي عِلْماً " * [ 20 / 114 ] . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ومن عرف ما قلناه ) من الجمعيّة الكماليّة الختميّة ~~التي أشير إليه ( لم يحر - وإن كان في مزيد علم ) من تلك الجمعيّة الإطلاقيّة ، ~~وذلك لأنّ العجز والحيرة التي للمحجوبين بالعقول والقوى وإدراكاتها المختصّة ~~بالإنسان وموطن حقيقته - وهو مفترق المتقابلين ، ومثار المتناقضين الذين يوجبان ~~الحيرة . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فليس ) ذلك الحيرة ( إلَّا من حكم المحل ، والمحلّ ~~عين العين الثابتة ، فيها يتنوّع الحقّ في المجلى ، فيتنوّع الأحكام عليه ، فيقبل ~~كلّ حكم ، وما يحكم عليه إلَّا عين ما تجلَّى فيه ما ثمّ إلَّا هذا ) . # أي ليس في موطن الحيرة إلَّا هذا التقابل الذي في الأمر مطلقا ، وهذه الحيرة من ~~جملته ، وهو أنّ الأعيان الثابتة - بما لها من العدميّة والعجز والافتقار - حاكمة ~~على ما ظهر فيها بما ظهرت ، مع وجوده واستغنائه واقتداره ، فالعارف بهذا ما يتحيّر ~~عند تنوّع تلك الأحكام المتقابلة ولا يرجع بظهور أحد المتقابلين عن الآخر ، رجوع ~~المحجوب وتحيّره . # وملخّص هذا الكلام أنّ العالم الذي هو العين الواحدة التي ذات تكثّر وتنوّع ، ~~يمكن أن يشهد الكثرة هي الذاتيّة لها ، والوحدة الجمعيّة إنّما لحقت إيّاها وأحاطت ~~بها بحسب المدارك والمشاهد التي بها يتّحد الكثير - اتّحاد الصور في مرآة واحدة - ~~كما أشار إليه أوّلا ، على ما هو مدرك العقل ويمكن أن يشهد الوحدة هي الذاتيّة لها ~~، والكثرة إنّما طرأت عليها في المدارك والمشاعر المتنوّعة التي بها يتكثّر الواحد ~~- تكثّر الصورة الواحدة في المرايا المختلفة - كما أشار إليه ثانيا على ما هو مشهد ~~الذوق . # وإلى ذينك الوجهين أشار بقوله نظم قال الشيخ رضي الله عنه : # ( فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبرو %~% وليس خلقا بذاك الوجه فادّكروا) # وهذا مبدأ بدء المتقابلات ، ومنشأ جمع المتناقضات التي عجزت البصائر المحجوبة ~~المخذولة عن إدراكه ، ووقفت أقدام أفهام ذوي العقول الفكريّة - التي لا تقع قوى ~~شعورها إلا على مجرّد التجريد ومفترق التقديس والتنزيه ، دون بلوغها إليه - محرومة ~~عن مجمع الإطلاق والتوحيد دون العارفين بالحقائق الذوقيّة ، الناظرين إلى العين ~~الواحدة بالبصر الحسّيّ الشهوديّ الواقع أشعّة إدراكه على اللطائف الجمعيّة ، وإليه ~~أشار بقوله : # (من يدر ما قلت لم يخذل بصيرته %~% وليس يدريه إلَّا من له بصر) # وذلك لأنّ العين الشاملة للكلّ هي الواحدة بالوحدة الإطلاقيّة - كما هو المشاهد ~~المحسوس - وإنّما يفصّلها الاعتبارات العقليّة ، تفصيل الجمعيّة والتفرقة بفرضه ~~واعتباره - لا أنّها في نفسها كذلك - والمنبّه على ذلك صيغة الأمر في قوله : # (جمّع وفرّق ، فإنّ العين %~% واحدة وهي الكثيرة لا تبقى ولا تذر) # تلك العين الواحدة غيره ( ولا تذر ) # اشتمال الاسم الجلالة وإحاطته بجميع الأمور والنسب وإذ قد تقرّر أنّ العين لها ~~الشمول والإحاطة . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فالعليّ لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به ~~جميع الأمور الوجوديّة والنسب العدميّة ، بحيث لا يمكن أن يفوته نعت منها ، وسواء ~~كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا ،أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا ،وليس ذلك إلَّا لمسمّى ~~« الله » خاصّة) . # ومما يلوّح إلى شمول مسمّى « الله » لسائر النعوت - وجوديّة إلهيّة محمودة بسائر ~~الألسنة الثلاثة كانت ، أو عدميّة كونيّة مذمومة بها - اشتمال هذا الاسم على ذلك ~~التفصيل رقما وعددا : # أمّا الأوّل : فلاشتماله على اللامين المشيرين إلى تلك الألسنة . # وأمّا الثاني : فلاشتماله على العقدين التامّين في المرتبتين ، الدالين على ما ~~يمكن أن يخرج من القوّة إلى الفعل ، وتمام تفصيل ذلك وتحقيقه يطلب في الشجرة ~~السينيّة - وهذا مشهد الكمّل الختميّ . # صورة الشجرة السينية # 60 # 30 30 # 20 20 20 # 15 15 15 15 # 12 12 12 12 12 # 10 10 10 10 10 10 # 6 6 6 6 6 6 6 6 6 6 # 5 5 5 5 5 5 5 5 5 5 5 5 # 4 4 4 4 4 4 4 4 4 4 4 4 4 4 4 4 # 3 3 3 3 3 3 3 3 3 3 3 3 3 3 3 3 3 3 3 3 # 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 2 # 111111111111111111111111111111111111111111111111111111111111111 # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وأمّا غير مسمّى « الله » خاصّة ) - وهو مشهد العامّة ~~- ( مما هو مجلى له ) يعني الأعيان - كما هو مشهد العقل وإيقانه - ( أو صورة فيه ) ~~يعني الأسماء - على ما هو مشهد الذوق وعيانه . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإن كان مجلى له ، فيقع التفاضل ، لا بدّ من ذلك بين ~~مجلى ومجلى ) حسبما يتنوّع منه الأحكام على الحقّ المتجلَّى فيه وقبوله إيّاها - ~~كما بيّن - وعند ما وقع التفاضل بين تلك الأحكام تمايزت المذمومات الثلاث عن ~~المحمودات فانحرف مستوى الإحاطة عن استقامته وعلوّه . # فلا يكون له الكمال الذاتيّ بعينه - بل بمثاله وعكسه - وإلى ذلك أشار بقوله رضي ~~الله عنه: ( وإن كان صورة فيه فلتلك الصورة عين الكمال الذاتي ) وهو الشمول الإحاطي ~~الجمعي الوحداني ، المستوي على عرش استقامته . # وذلك لأنّ من شأن الصورة أنّها تصير عين المرايا والمجالي ، ظاهرة بنفسها مخفية ~~إيّاها ، فإذا كان المشهود هو الصورة فله الكمال الجمعي الوحداني ( لأنّها عين ما ~~ظهرت فيه ) بخلاف ما إذا كان المشهود هو المجلى ، فإنّه حينئذ منشأ التفرقة ~~والتكثّر على ما هو الظاهر في المرآة ، فإنّه إذا كان الملحوظ فيها هي الصورة ~~الظاهرة فيها لا تفرقة هناك ، وإذا لوحظ المرآة ظهرت التفرقة لامتياز الصورة عنها . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فالذي لمسمّى « الله » ) من الجمعيّة والكمال ( هو ~~الذي لتلك الصورة ) من الإحاطة الاستوائيّة المستقيمة التي لا ينحرف ميزان استقامته ~~بتميّز أحد المتقابلين ، ورجحان إحدى كفّتيه - من العينيّة والغيريّة . # وملخّص هذا الكلام : أنّ العلوّ الذاتي إمّا أن يكون لمسمّى « الله » خاصّة ، أو ~~لغير مسمّى « الله » خاصّة ، والذي لغير مسمّى الله خاصّة إمّا أن يكون باعتبار ~~كونه غيرا - كما هو موطن إدراك العقل - وذلك موطن التفاضل ، الذي يأباه العلوّ ~~الذاتي والكمال العيني - كما أشار إليه إيماء أوّلا - بل من حيث الجمعيّة الذاتيّة ~~التي هي مشهد الذوق ، وذلك موطن الإحاطة والشمول ، الذي يلزمه العلوّ الذاتي ، ~~فيكون العين والغير. # ولذلك قال رضي الله عنه: ( ولا يقال : « هي هو » ) باعتبار خصوصيّتها الصوريّة ، ~~( ولا : « هي غيره » ) باعتبار أنّها هي العين الشاملة الكاملة المحيطة بالكل . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وقد أشار أبو القاسم بن قسي في خلعه - أي في كتابه ~~المسمّى : # بـ « خلع النعلين » - ( إلى هذا بقوله : إنّ كل اسم إلهي يتسمّى بجميع الأسماء ~~الإلهيّة وينعت بها ، وذلك هناك أنّ كلّ اسم يدلّ على الذات وعلى المعنى الذي سيق ) ~~ذلك الاسم من كنه البطون إلى مخارج الظهور ( له ) ، حسبما يسأله مما يظهر به ( ~~ويطلبه ) مما يدلّ عليه . # قال إبراهيم ابن قسي رضي الله عنه : ( فمن حيث دلالته على الذات له جميع الأسماء ~~، ومن حيث دلالته على المعنى الذي ينفرد به ، يتميّز عن غيره - كالربّ ، والخالق ، ~~والمصوّر ، إلى غير ذلك - فالاسم ، المسمّى من حيث الذات ، والاسم ، غير المسمّى من ~~حيث ما يختصّ به من المعنى الذي سيق له ) . # العليّ من هو # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإذا فهمت أنّ « العليّ » ما ذكرناه ) من أنّه الذي ~~له الكمال الشامل والجمع الإحاطي ( علمت أنّه ليس علوّ المكان ولا علوّ المكانة ) ، ~~ضرورة أنّهما لا يشملان ذلك الشمول ، بل هو الشامل لهما وأيضا فإنّهما يلحقان ~~العالي لحوق نسبة وإضافة ، ولا يلزمانه لزوم جمعيّة وإحاطة . # ثمّ إنّ علوّ المكانة وإن أطلق على العلوّ بالصفات اللازمة - كالعلم مثلا - ~~ويتصوّر فيه حينئذ الشمول والإحاطة ، ولكن ليس ذلك من حيث علوّ المكانة فقط . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإنّ علوّ المكانة يختصّ بولاة الأمر ، كالسلطان ~~والحكَّام والوزراء والقضاة وكلّ ذي منصب - سواء كانت فيه أهليّة ذلك المنصب أو لم ~~تكن - والعلوّ بالصفات ليست كذلك ) . # فإنّه يعطي الأهليّة للموصوف ، بل تلك الأهليّة هي المستجلبة لتلك الصفات. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإنّه قد يكون أعلم الناس يتحكَّم فيه من له منصب ~~التحكَّم - وإن كان أجهل الناس - فهذا عليّ بالمكانة بحكم التبع ما هو عليّ في نفسه ~~، فإذا عزل زالت رفعته والعالم ليس كذلك ) . # فعلم أن العالم هو العليّ في نفسه باعتبار الشمول للمعلومات والإحاطة بكنه الكلّ ~~. # والذي يلوّح عليه أنّ « الياء » مادّة « الميم » وباطنه لفظا ، كما أنّه صورة ~~تماميّته وهيئة جمعيّة سواده عقدا . # على ما روي من محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم: " أنا مدينة العلم وعليّ بابها " . # وجه ارتباط هذا الفص مع الفص الآتي # ثمّ إذ قد فرغ عمّا للمبادئ الأول والصدر الأقدم من الحكم الكاشفة عن الحقائق ~~التنزيهيّة والمعارف التقديسيّة - على ما عليه عموم العقول البشريّة والحقيقة ~~الإنسانيّة - أخذ يشرع فيما عليه أولو النهاية من الحكم الكاشفة عن التنزيه الكمالي ~~، والتقديس الأتمّ الأكمل - على ما هو مقتضى القابليّة الأولى والطلب الأصلي ~~المتوجّه نحو الكمال الختمي . # وذلك هو الذي يسمّيه أكثر المتأخّرين بـ « العشق » ويلزمه الوله والشوق والتهيّم ~~، وهو مادّة تعطَّش القوابل للفيض الوجوديّ والكمال الشهوديّ ، فلذلك وصف هذه ~~الحكمة بـ « المهيّميّة » في قوله : # فإنّ الهيمان هو شدّة العطش والوله . # . ### | فص حكمة مهيمنية في كلمة إبراهيمية ### | 05 - فص حكمة مهيّميّة في كلمة إبراهيميّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن ~~الدين علي ابن محمد التركة ### || شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم ~~الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # * فإنّ الهيمان هو شدّة العطش والوله . # ثمّ إنّ الوحدة الشخصيّة والأحكام الامتيازيّة التي بها تتعيّن الحقائق منها ما ~~يحيط بتلك الحقائق إحاطة المكان بالمتمكَّن - بدون أن يكون بينهما امتزاج أو تحصل ~~منهما هيأة وحدانيّة ، للاختلال بجهة المناسبة وفقدان كمال الجمعيّة الموجب لذلك ~~الامتزاج والاتّحاد - كالمفارقات والبسائط المجردة . # وبيان ذلك : أنّ المجرّدات لعدم استيعابها التحقّق بسائر الأسماء فإنّها الجمعيّة ~~القاضية بالمناسبة بينها وبين أصل التعيّن ومبدئه ، فلذلك إنّما أفيض عليهم ضرب من ~~التعيّنات التي لا امتزاج لها بالمتعيّن - امتزاج التخلَّل والاختلاط ، كما في ~~الأعراض السارية في الجواهر ، بل امتزاج الملاقاة والإحاطة ، كما للمكان بالنسبة ~~إلى المتمكَّن . # وذلك لما عرفت من أنّ التعيّن الخارجي هو ثمرة ذلك الأصل وظلّ شجرته ، فبحسب ظهور ~~المناسبة يقع الامتزاج ، وكمال تلك المناسبة مفقودة لديهم ، فلذلك إنّما اختلط ~~التعيّن بهم اختلاط تمايز وتفرقة ، على ما لوّح إليه عقد العقل . # وبيّن أنّه إذا كان كذلك لا يقع مداركهم من ذلك الأصل إلَّا على حدوده ونهاياته ، ~~ولذلك إنّما يدرك من الحقّ أوصافه العدميّة . # ومنها ما يختلط ويتخلَّل اختلاط الأعراض السارية في أجزائها ، الممتزجة بها كل ~~الامتزاج ، كالمركَّبات الماديّة المنتهي أمر تمامها إلى القلب الإنساني ، وبذلك ~~يستأهل أن يدرك من الحقّ أوصافه الثبوتيّة . # ويجمع بين التنزيه والتشبيه حاصرا للكلّ ، به يستحقّ لأن يحمد الله ويعرفه ~~بالأوصاف الثبوتيّة والمتحقّق بذلك هو إبراهيم ، فإنّ من قبله من الأنبياء إنّما هم ~~المسبّحون فقط . # وتمام تحقيق هذا الكلام : أنّ الكامل ما لم يترقّ عن مفترق المتقابلين - الذي هو ~~منتهى مدارج النوع الإنساني ، وهو الذي يقال له « قاب قوسين » - كما مرّ غير مرّة - ~~هو في طيّ أحدهما بالضرورة ، فالوحدة عنده هو الذي في مقابله الكثرة ، والتنزيه هو ~~الذي في مقابله التشبيه - إلى غير ذلك . # فأمّا إذا فاز بالوصول إلى مدارج الورثة الختميّة ، وبلغ إلى مقام الوحدة ~~الحقيقية التي انطوى عندها ثنويّة المتقابلين ، فهو لا ينحجب بأحد المتقابلين عن ~~الآخر ، بل إنّما يشهد كلَّا منهما في الآخر . # وجه اختصاص إبراهيم بالخلَّة # ومن فهم هذا عرف سبب اختصاص شهود القرب من الله بالخاتم وأهله وعلم وجه تصدير ~~الفصّ هذا بالتخلَّل الذي هو سبب التسمية فإنّه لما كان إبراهيم هو أوّل من وفّى ~~بمقتضى الحقيقة الإنسانيّة وفاز بالكمال الجمعيّ ، وتحقّق بالمقام القلبي ، وبه ~~أسّس بنيان بيت الكمال الختمي ورفع قواعده ، سمّي خليلا . # وأشار إلى ذلك بقوله : ( إنّما سمّي خليلا لتخلَّله وحصره جميع ما اتّصفت به ~~الذات الإلهيّة - قال الشاعر : # وتخلَّلت مسلك الروح منّي %~% وبه سمّي الخليل خليلا # كما يتخلَّل اللون المتلوّن ) فإنّ في القلب بإزاء كلّ اسم جزء يقابله ويظهر - هو ~~به - ظهور الجوهر بالعرض - ( فيكون العرض بحيث جوهره ، ما هو كالمكان والمتمكَّن ) ~~، فإنّ حلوله فيه ليس حلول السريان ، بل إنّما امتزاجها بحسب الحدود والنهايات فقط ~~. # قرب النوافل # وهذا التخلَّل المذكور هو المسمّى بـ « قرب النوافل » لما ورد في الصحيح: # "لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحببته ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي ~~يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ". # فإنّ مؤدّى تقرّب العبد إلى الحقّ بالنوافل والزوايد من الأوصاف والأفعال - ~~متدرّجا فيها إلى أن ينتهي إلى حبّ الله الواحد بالوحدة الحقيقيّة له - إنّما هو ~~الحصر المذكور ، على ما لوّح عليه "الحبّ " . # كما أنّ كون الحقّ عين سمع العبد وساير قواه مشعر بالتخلَّل الاستيعابيّ الإحاطيّ ~~مطلقا . # وإنّما سمّى بقرب النوافل ، لأنّ الإدراك فيه إنّما نسب إلى العبد ، فإنّ ضمير « ~~يسمع » إنّما يرجع إليه ، فهو القريب ، والعبد - من حيث هو عبد - زائد في الوجود ~~نافل . # ( أو لتخلَّل الحقّ وجود صورة إبراهيم ) ، فإنّ إبراهيم لتحقّقه بالصفات ~~الوجوديّة اكتسب صورته وجودا به يستعدّ للتخلَّل المذكور ، ولذلك قال : # " وجود صورة إبراهيم " بزيادة قيد « الوجود » وهو المسمّى بقرب الفرائض لقوله ~~صلَّى الله عليه وسلَّم : « إنّ الله قال على لسان عبده : سمع الله لمن حمده » ، ~~لأنّ الإدراك وسائر الأوصاف إنّما هو للحقّ في هذا القرب ، ووجود الحقّ مقطوع به ، ~~والفرض : القطع - لغة - . # وملخّص هذا الكلام : أنّ الكمال الجمعي الذي هو موطن تحقّق إبراهيم - كما أشير ~~إليه - إنّما يقتضي إثبات عين العبد مع الحق ضرورة ، وحينئذ يتحقّق نسبة القرب . # لكل موطن حكم خاصّ # ( وكلّ حكم يصحّ من ذلك ) الموطن فإنّه ما لم يثبت ذلك العين لم تتصوّر النسبة ~~التي هي مبدأ سائر الأحكام ، ( فإنّ لكلّ حكم موطنا يظهر به - لا يتعدّاه - ) وهو ~~الذي عبّر عنه لسان الشريعة بأن الأسماء توقيفيّة . # فلا بدّ من التخلَّل المذكور حتّى يمكن ظهور تلك الأحكام المتنوّعة الواقعة في طي ~~تلك المواطن ، ( ألا ترى أنّ الحقّ يظهر بصفات المحدثات ؟ - وأخبر بذلك عن نفسه - ~~وبصفات النقص ، وبصفات الذمّ ؟ ) كالتأذّي في قوله : # " يُؤْذُونَ الله " [ 33 / 57 ] ، والمكر في قوله : " وَمَكَرَ الله " [ 3 / 54 ] ~~والاستهزاء في قوله : " الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ " [ 2] 15 ] ، فلو لا التخلَّل ~~الأوّل ما صحّ ذلك . # وكذلك التخلَّل الثاني واقع ( ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحقّ من أوّلها إلى ~~آخرها ، وكلَّها حقّ له ؟ كما أنّ صفات المحدثات حقّ للحقّ ) فلو لا أمر التخلَّل ~~المذكور ما أمكن ذلك . # الحمد لله من كل حامد وعلى كلّ محمود # وعلى كلّ واحد من التقديرين ، فمورد الصفات الوجوديّة التي يحمد بها إنّما هو ~~الحقّ لا غير فيكون ( الحمد لله ) الذي له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور ~~الوجوديّة - ذمّا كان ذلك أو حمدا - بحيث لا يمكن أن يفوته نعت - كما سبق تحقيقه في ~~الفصّ السابق . # (فرجعت إليه عواقب الثناء من كلّ حامد ومحمود " وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُ الأَمْرُ ~~كُلُّه ُ " [ 11 / 123 ] فعمّ ما ذمّ وما حمد ، وما ثمّ إلَّا محمود أو مذموم ) . # إذا ظهر الحق فالخلق باطن ، وإذا ظهر الخلق فالحق باطن # ثمّ إذ قد بيّن أمر هذا الموطن الكمالي وشمول جمعيّته وتمام إحاطته لا بدّ وأن ~~ينبّه إلى كيفيّة انطوائه للطرفين ومعانقة النقيضين فيه ، فإنّه هو الدليل على تمام ~~جمعيّته وكمال شموله ، فأشار إلى ذلك بقوله : # و ( اعلم أنّه ما تخلَّل شيء شيئا إلَّا كان محمولا فيه ) أي ذلك الشيء يكون ~~حاملا للمتخلَّل ، شاملا لكليّته ، شمول الإحاطة والحصر . # ( فالمتخلَّل - اسم فاعل - محجوب بالمتخلَّل - اسم مفعول - فاسم المفعول هو ~~الظاهر واسم الفاعل هو الباطن المستور ، وهو غذاء له ) ، أي اسم الفاعل الباطن غذاء ~~لاسم المفعول الظاهر ، ( كالماء يتخلَّل الصوفة فتربو به وتتّسع ) . # ( فإن كان الحقّ هو الظاهر ) - كما هو مقام قرب الفرائض على ما ورد : « إنّ الله ~~قال على لسان عبده : سمع الله لمن حمده » ، وقال : " وَلكِنَّ الله رَمى " [ 8 / 17 ~~] - ( فالخلق مستور فيه ، فيكون الخلق جميع أسماء الحقّ وسمعه وبصره وجميع نسبه ~~وإدراكاته ) ضرورة أنّه هو الغذاء المقوّم له فالخلق حينئذ في عين ستره واختفائه هو ~~الظاهر بأوصافه وبآثاره . # ( وإن كان الخلق هو الظاهر ) - كما هو مقام قرب النوافل على ما ورد في حديث : « ~~كنت سمعه وبصره » - ( فالحقّ مستور باطن فيه فالحقّ سمع الخلق وبصره ويده ورجله ~~وجميع قواه - كما ورد في الخبر الصحيح) ، فالحق حينئذ في عين اختفائه واستتاره هو ~~الظاهر بأوصافه وآثاره . # بمألوهيّة العبد يكون الحقّ إلها # ثمّ إنّه بعد ذلك ينبّه إلى أن من لم يعرف الحقّ في هذا الموطن على هذه النسب هو ~~بمعزل عن العرفان ، مشيرا في ذلك إلى علوّ رتبة العبد وتقدّم نسبته على الأسماء ~~كلَّها بقوله : # ( ثمّ إنّ الذات لو تعرّت عن هذه النسب لم تكن إلها ، هذه النسب أحدثتها أعياننا ~~، فنحن جعلناه - بمألوهيّتنا - إلها ) ضرورة أن العبد القابل هو الذي صار سبب ~~تطوّرات الذات في طيّ صنوف التعيّنات ، ( فلا يعرف ) الحقّ ( حتّى نعرف ) نحن ( قال ~~عليه السّلام : « من عرف نفسه عرف ربّه » - وهو أعلم الخلق باللَّه ) . # استدلال الحكماء على وجود الواجب تعالى # وهذا ذوق عال يعزّ واجده ( فإنّ بعض الحكماء ) المشّاءين ومن تابعهم ( وأبا حامد ~~ادّعوا أنّه يعرف الله من غير نظر في العالم ) . # فإنّ لهم في طريقهم الاستدلاليّ مسلكين : # أحدهم إنّيّ ، يتدرّجون فيه من الأثر إلى المؤثّر ، والآخر لمّيّ ، يتنزّلون به ~~من المؤثّر إلى الأثر . وبيّن أن من وقع مواطئ سلوكه على الثاني منهما في معرفة ~~الحقّ لا يحتاج فيه إلى النظر في العالم - على ما تفطَّن لذلك صاحب الإشارات من ~~قوله تعالى : " سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وَفي أَنْفُسِهِمْ " [ 41 / 53 ] . # ومن قوله تعالى : " أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّه ُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ~~شَهِيدٌ " [ 41 / 53 ] حيث جعل الأوّل إشارة إلى أوّل المسلكين ، والثاني إلى الآخر ~~. # ولكن ذلك المعرفة له من حيث أنّه ذات ، لا من حيث أنّه إله ، والمبحث إنّما هو ~~هذا ، ولذلك قال : ( وهذا غلط نعم ، تعرف ذات قديمة أزليّة لا يعرف أنّها إله ، ~~حتّى يعرف المألوه ) الذي هو معطي تلك النسبة من العبد القابل ( فهو الدليل عليه ) ~~أولا في مسالك البعد والتفرقة ، ( ثمّ بعد هذا ، في ثاني الحال ) عند مواطن القرب ~~والجمعيّة . # ( يعطيك الكشف : أنّ الحقّ - نفسه - كان عين الدليل على نفسه وعلى الوهيّته ، ~~وأنّ العالم ليس إلَّا تجلَّيه في صور أعيانهم الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه ) ~~- تجلَّى الشبح المقابل في السطح القابل . # ( وإنّه ) أي ذلك التجلَّي ( يتنوّع ) كليّا في العقل ( ويتصوّر ) جزئيّا في ~~الخارج ( بحسب حقائق هذه الأعيان وأحوالها ) - على ترتيب اللفّ والنشر - ( وهذا بعد ~~العلم به منّا : أنّه إله لنا ) ، ضرورة أنّه ما لم يعلم نسبة بين الذات القديمة ~~والعالم ، لم يعلم أمر الظاهريّة والمظهريّة المذكورتين أصلا . # مشهد الجامع بين الجمع والتفرقة # ثمّ إنّ ذلك النسبة تتفاوت بحسب قوّة الأذواق وصفاء المشارب ، فمن المكاشفين من ~~وقف في موطن المغايرة بين الظاهر والمظهر ، والنور والظلّ ، والوجوب والإمكان ، ~~والجمع والتفرقة - إلى غير ذلك - فهو الذي لضعف ذوقه وشوب مشرب إدراكه غوائل أحكام ~~المدارك الجزئيّة ، قد انحجب بأحد المتقابلين عن الآخر ، ومنهم من جاوز ذلك وبلغ ~~حريم الإطلاق ، وفاز بالدخول في حرم الاتّصال والاتحاد . # وإلى ذلك أشار بقوله : ( ثمّ يأتي ) له ( الكشف الآخر ) عند بسط بساط الامتياز ~~والتفصيل ، وهو الموسوم بالفرق بعد الجمع ( فيظهر لك صورنا فيه ، فيظهر بعضنا لبعض ~~في الحقّ ، فيعرف بعضنا بعضا ) بقوة نسبة الاتحاد والجمع ( ويتميّز بعضنا عن بعض ) # بقوّة قهرمان المغايرة والافتراق ، فهذا المشهد هو الجامع بين الجمع والتفرقة ، ~~والتفصيل والإجمال . # وأهل هذا المشهد أيضا متفاوتون : ( فمنّا من يعرف أن في الحقّ وقعت هذه المعرفة ~~لنا ، بنا ومنّا من يجهل الحضرة التي وقعت فيها هذه المعرفة بنا ) - على ما هو ~~مقتضى مسلك بعض الحكماء المذكورين- ( أعوذ باللَّه أن أكون من الجاهلين ) . # ( وبالكشفين معا ما يحكم علينا إلا بنا ، لا - بل نحن نحكم علينا بنا ولكن فيه ) ~~فإنّ الأول هو المعطي للجمعيّة بأنّه هو الدليل على نفسه ، وعلى الوهيّته . # والثاني هو الذي يعطي أن التفرقة التي بها تمتاز الأعيان عين تلك الجمعيّة ، فإنّ ~~الجمعية الحاصلة منها هو الجمعية بين التفرقة والجمع . # لله الحجة البالغة # ( ولذلك ) - أي لما أنّ الحكم الذي علينا إنّما هو بنا - (قال : " فَلِلَّه ِ ~~الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ " [ 6 / 149 ] ، يعني على المحجوبين إذا قالوا للحقّ : « لم ~~فعلت بنا كذا وكذا » ؟ - ما لا يوافق أغراضهم - فيكشف لهم عن ساق ) . # أي عمّا يقوم به أمرهم على ساق النظام ، أو عمّا يسوقهم إلى ذلك على طريقة ~~الاشتقاق الكبير - على ما هو المعوّل عليه عند المحقّقين - ( وهو الأمر الذي كشفه ~~العارفون هنا ) أي في آخر موطن سلوكهم ونهاية قامة قيامتهم ، وبهذا الاعتبار عبّر ~~عنه بالساق . # ( فيرون أنّ الحقّ ما فعل بهم ما ادّعوه : « إنّه فعله » ، وأنّ ذلك منهم فإنّه ~~ما علمهم إلا على ما هم عليه ، فتندحض حجّتهم وتبقى الحجّة البالغة لله ) . # معنى : لو شاء لهديكم أجمعين # ( فإن قلت ) : « إذا كان أمر أحوال الأعيان وما يطرأ جزئيّات قوابل الإمكان مطلقا ~~إنّما هو على ما هم عليه في حال ثبوتهم ، ولا دخل للفاعل فيه أصل ( فما فائدة قوله ~~: " فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ " [ 6 / 149 ] ؟ ( قلنا : لو شاء « لو » ~~حرف امتناع ) التالي ( لامتناع ) المقدّم . # فيكون امتناع هداية الكلّ لامتناع المشيّة فإنّ المشيّة إنّما تتعلَّق بما عليه ~~أمر القوابل ( فما شاء إلا ما هو الأمر عليه ، ولكن عين الممكن قابل للشيء ونقيضه ~~في حكم دليل العقل ) . # وذلك لأنّه ليس في قوّة قابليّة العقل النظري ومكنة اقتداره أن يجاوز حضرة ~~المعلومات ، حيث يتمايز العلم عن الوجود ، فإنّما يتصوّر الحقائق هناك مفردة ، ~~مجرّدة عن سائر لوازمها الوجوديّة ، ولواحقها الضروريّة ، فتكون نسبة سائر ~~المتقابلات من الأحكام إليها سواء في ذلك النظر . # ( وأيّ الحكمين المعقولين وقع ، ذلك هو الذي عليه الممكن في حال ثبوته ) وتلك ~~الحال غير متبيّن عند العقول المحجوبة والأفكار التي تتوسل في اقتناص المطالب ~~بمخالب الدلائل والأنظار ، فإنّها قبل حضرة العلم ، إذ هي تابعة لتلك الحال كما ~~عرفت . # ( ومعنى " لَهَداكُمْ " : لبيّن لكم ) الأمر في نفسه على ما هو عليه ( وما كل ~~ممكن من العالم فتح الله عين بصيرته لإدراك الأمر في نفسه على ما هو عليه ) في ~~القابليّة الأولى ، لدى الفيض الأقدس الذاتي ، الذي لا مجال فيه لثنويّة القابل ~~والفاعل أصلا . # وهناك تسأل القوابل بألسنة استعداداتهم ما هي عليه ، فمن العالم من فتح الله عيني ~~بصيرته لإدراك ذلك الأمر - وهم المهتدون العارفون بسائر الأحكام والخواص التي ~~للحقائق - ومنه من لم يفتح عين بصيرته ، فتكون مدركاته مقصورة على ما يدركه العقل ~~النظريّ بحجب الأكوان ومحتملات عوالم الإمكان ، ( فمنهم العالم والجاهل ، فما شاء ، ~~فما هداهم أجمعين ) . # مشيّة الحقّ تعالى أحديّة التعلَّق تابعة للعلم # فعلم من هذا الكلام أنه ممّا يحسم به مادة الشبهة عن أصلها بأيّ عبارة عبّر عنها ~~غير مبتن على أن تكون « المشيّة » على صيغة الماضي أو ملحوقة ل « لو » - على ما ~~يمكن أن يبادر إلى بعض الأوهام . # فلذلك قال : ( ولا يشاء وكذلك إن يشاء ) في زمان الاستقبال ( فهل يشاء ؟ ) أي فهل ~~يمكن أن تتعلق به المشيّة مطلقا في الماضي أو في الاستقبال ، بخلاف ما عليه الأمر - ~~على سبيل الإنكار - ( هذا ما لا يكون ) . # ( فمشيّته أحديّة التعلَّق ) بالنسبة إلى الأكوان والاحتمالات الواقعة في حيّز ~~الإمكان ( وهي نسبة تابعة للعلم . والعلم نسبة تابعة للمعلوم ، والمعلوم أنت ~~وأحوالك ، فليس للعالم أثر في المعلوم ، بل للمعلوم أثر في العالم) فإن المعلوم هو ~~الذي جعل العالمية مصوّرا بصورته . # ( فيعطيه من نفسه ما هو عليه في عينه ) . # ( وإنما ورد الخطاب الإلهي ) بلسان الحضرة الختميّة ( بحسب ما تواطأ عليه ~~المخاطبون ، وما أعطاه النظر العقليّ ) على ما عليه مدارك العامّة من أمم زمانه ، ~~من الاحتمالات اللازمة لما وقع في حيّز الإمكان - على ما هو مقتضى منصب الرسالة ~~وختميّتها ، حتّى يكون الكلّ محظوظا من جوامع كلمته التامّة ، وإلَّا فلا يكون ~~مبعوثا للكافّة . # ولذلك ( ما ورد عليه الخطاب على ما يعطيه الكشف ) من الجزم بما عليه الأمر ، على ~~ما يختصّ به الندر من الخواصّ . # ( ولذلك كثر المؤمنون ) أرباب الفهوم من الواقفين عند ظواهر ما أعطاه النظر ~~العقليّ ، ممّا يمكن أن يتواطأ عليه الجمهور من المخاطبين ( وقلّ العارفون - أصحاب ~~الكشوف ) من الواقفين على سرّ ما عليه الأمر في نفسه ، وهم ، هم المقصودون بالذات ، ~~وغيرهم إنّما خلق لأجل تمهيد المقصود . # حكم المعلوم على العالم # والذي يدلّ على ما مرّ - من أنّ لكلّ أحد مقاما لا يتجاوزه ، وهو صورة معلوميّته ~~المؤثّرة في العالم ، الحاكمة بالخصوصيّة - ما ورد : ( " وَما مِنَّا إِلَّا لَه ُ ~~مَقامٌ مَعْلُومٌ " [ 37 / 164 ] وهو ما كنت به في ثبوتك ، ظهرت به في وجودك هذا - ~~إن ثبت أنّ لك وجودا ) على ما هو ذوق مقام قرب النوافل . # ( وإن ثبت أنّ الوجود للحقّ - لا لك - ) - على ما هو ذوق مقام قرب الفرائض - ( ~~فالحكم بلا شك لك في وجود الحقّ ) في هذا المقام أيضا ، فإنّ صاحب الحكم إنّما هو ~~العين . # ( وإن ثبت ) على التقديرين - وهو مقام الجمعيّة بين القربين - ( أنّك الموجود ~~فالحكم لك بلا شك ، وإن كان الحاكم ) في سائر المقامات حقيقة هو ( الحقّ ) والفرق ~~بيّن بين ذي الحكم والحاكم عند اللبيب ، والأعيان ذوو الأحكام - والحاكم إنما هو ~~الحق ، فإنّه إنما يتحقّق الأحكام بالوجود ، وهو منه . # الأمر منك إليك # ( فليس له إلَّا إفاضة الوجود عليك ، والحكم لك عليك ، فلا تحمد إلَّا نفسك ) إن ~~اهتدت إلى كمالاتها - ( ولا تذمّ إلَّا نفسك ) إن ضلت عنه ( وما يبقى للحقّ ) في ~~كلّ حال من تينك الحالتين المتقابلتين . # ( إلَّا حمد إفاضة الوجود - لأنّ ذلك له ، لا لك - فأنت غذاؤه بالأحكام ) بناء ~~على أن الوجود الحقّ هو الظاهر بصور أحكام الأعيان ، مختفية فيه تلك الأحكام ، ( ~~وهو غذاؤك بالوجود ) ، لأنّ العين هو الظاهر بالوجود ، وهو مختف فيه - اختفاء ~~الغذاء في المغتذي . # ( فتعيّن عليه ) أن يظهر بصورة عينك ، وهو ( ما تعيّن عليك ) أن تتعيّن به عينك ~~من الأحكام ( فالأمر منه إليك ) وجود ، ( ومنك إليه ) حكم ( غير أنّك تسمّى مكلَّفا ~~، وما كلَّفك إلا بما قلت له : « كلَّفني » بحالك ، وبما أنت عليه ولا يسمّى ) ~~الحقّ ( مكلَّفا - اسم المفعول - ) وذلك لأنّ الذي منه - وهو الوجود - إنّما يقتضي ~~الوحدة والإطلاق ، وذلك يأبى التمييز الذي يستلزم التكليف والذي من عين العبد - ~~أعني الأحكام - إنّما يقتضي التمييز والاختلاف ، وهو ما يترتّب عليه التكليف ضرورة ~~. # ثمّ هاهنا نكتة حكميّة لا بدّ من الوقوف عليها : # وهي أنّ العبد إذا وصل بميامن رقيقتي التدنّي والتدلَّي إلى مقام قربي النوافل ~~والفرائض ، وفاز من دائرة الحقيقة الجمعيّة الإنسانيّة بقاب قوسيها ، لا بدّ وأن ~~يظهر على منصّات العيان في صور الأعمال والأحوال أثر بحسب ذينك القربين ، فما ~~يتعلَّق بالحقّ من ذلك هو الحمد ، كما أنّ ما يتعلَّق بالعبد هو العبوديّة . # فلذلك نظم وقال : # فيحمدني و أحمده %~% و يعبدني و أعبده # ( فيحمدني ) بأن يظهرني ويعلن كمالاتي بتغذيته وجوده لي . # ( وأحمده ) بإظهاري كمالاته ، بأن غذيته بأحكامي وأظهرت وجوده بكماله الأسمائي به ~~( ويعبدني) - بامتثاله ما قلت له من أمر التكليف وسائر ما يلزم العين من الأحكام ~~-"أو من عبد الطريق اى اعده وجهزه للوظيفته". # ( وأعبده ) بالتزامي ذلك التكليف وانقيادي لسائر أحكامه أمرا كان أو نهيا ~~وبالجملة ، سائر الأسماء إنّما يظهر في طيّ تقابل عين العبد للحقّ ، ولكنّ للحقّ ~~السبق في الاتّصاف ، وذلك لأنّ منه الوجود ، وبه يظهر سائر الأسماء - وجوديّا كان ~~أو عدميّا . # ومعلوم أنّ الحامد العابد في قوس الوجود من القوسين هو الحقّ ، والمحمود المعبود ~~العبد ، وفي قوس الشهود منهما بالعكس ، فلذلك قال : ( ففي حال ) أي في مشاهد العلوم ~~والأذواق - ( اقرّ به ) لأنّها مواقف حمده وعبوديّته . # ( وفي الأعيان ) أي في مجالي عالم الشهادة والعيان ( أجحده ) لأنّها منتهى مراتب ~~قوس محموديّته ومعبوديّته . # ( فيعرفني ) في هذا الموطن لأنّه الحامد فيه - ( وأنكره ) ( وأعرفه ) - عند ~~العروج في مراقي قوس الشهود ( فأشهده ) وذلك هو الغاية للحركة الوجوديّة والسير ~~الكمالي . # ولا يخفى أنّ العبد هو المساعد للحقّ في استحصال تلك الغاية والممدّ له ، فكيف ~~يصحّ له الغناء ؟ وإليه أشار بقوله فأنّى بالغنا ، وأن %~% أساعده واسعده ) # ( لذاك ) المساعدة والإسعاد ( الحقّ أوجدني ) بالوجود العيني . فأعلمه و أوجده ) ~~بالوجود العلمي الشهودي في مشهدي السمع والبصر . # ( بذا جاء الحديث لنا ) ورد : " كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به " . # وذلك لأنّه أسند الفعلين - اللذين بهما يتحقّق السمع والبصر ، اللذان بهما يتكوّن ~~الحقّ - إلى العبد - فهو فاعله وهذا المشهد الكوني الذي فيه هو مشهده الكمالي ~~ومقصده الغائي . # وإليه أشار بقوله : ( وحقّق في مقصده ). # خلَّة إبراهيم عليه السّلام # ( ولما كان للخليل هذه المرتبة التي بها سمّي « خليلا » ، لذلك ) - وهو تخلَّل ~~الحقّ وجود صورة الخليل في مشاهده ومشاعره ، أو تخلَّل الخليل جميع ما اتّصف به ~~ذاته في مواطن الأسماء ومواقفها - ( سنّ القرى ) بحكم سراية ما تحقّق به ذاته في ~~أوصافه وأفعاله - سراية حكم الأصول في فروعها ، ( وجعله ابن مسرّة مع ميكائيل ~~للأرزاق ) . # قال الشيخ على قوله تعالى : " وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ~~ثَمانِيَةٌ " [ 69 / 17 ] : # " روينا عن ابن مسرة الجبلي "هو عبد اللَّه بن مسرة الجبلي الصوفي المعتزلي ، ولد ~~بقرطبة عام 269 ، وتوفى سنة 319 " من أكبر أهل الطريق علما وحالا وكشفا : العرش ~~المحمول هو الملك ، وهو محصور في جسم وروح وغذاء ومرتبة فآدم وإسرافيل للصور ، ~~وجبرئيل ومحمّد للأرواح ، وميكائيل وإبراهيم للأرزاق ، ومالك ورضوان للوعد والوعيد ~~، وليس في الملك إلَّا ما ذكر " . # ثمّ إنّ الخليل إذا كان للأرزاق ( وبالأرزاق يكون تغذي المرزوقين - فإذا تخلَّل ~~الرزق ذات المرزوق بحيث لا يبقي فيه شيء إلَّا تخلَّله ، فإنّ الغذاء يسري في جميع ~~أجزاء المغتذي كلَّها - وما هنالك أجزاء فلا بد أن يتخلَّل ) . # جواب الشرط : أي إذا تخلَّل الرزق ذات المرزوق ، والخليل للأرزاق : فلا بدّ أن ~~يتخلَّل الخليل ( جميع المقامات الإلهيّة المعبّر عنها ب « الأسماء » فيظهر بها ) . # أي بتلك المرتبة الجليلة الخليليّة ( ذاته جلّ وعلا ) ، ضرورة أنّها هي التي ~~يتخلَّل جميع الأسماء الإلهيّة - تخلَّل اللون للمتلوّن ، فيظهر بها ظهور المتلوّن ~~باللون . # ثمّ إنّك قد نبّهت على أنّ للضمائر بين الأسماء دلالة بسيطة ساذجة عن المعاني ~~الوضعيّة والنسب الفعليّة - التي هي مبادئ الأسماء كلَّها - فلها من هذا الوجه ~~اختصاص بالذات ، كما أنّ لغيرها من الأسماء اختصاصا بمرتبة الأفعال والأوصاف ، وقد ~~بيّن أمرها في النظم السابق . # ثمّ لما انساق الكلام هاهنا إلى أحكام الذات وظهورها بالمرتبة الخليليّة ~~الإبراهيميّة ، أخذ في تبيين أمر تلك الأسماء البسيطة من حيث الدلالة على تلك ~~المرتبة ، بصرافة معنى التكلم والغيبة ، والوحدة والكثرة ، بدون اعتبار معنى وصفي ~~ولا أثر فعلي ، بقوله : # لي وجهان : هو وأن # ( ونحن له كم %~% ثبتت أدلَّتنا ) # فإنّ الأدلَّة العقليّة إنّما تدلّ على أنّ الكثرة العينيّة الكونيّة الإمكانيّة ~~إنّما هي للهويّة الغيبيّة. # " الواحد الغيبي هو هوية الوجود . والواحد العيني هو الواحد الكوني ، فتباينا ~~وتعانقا إليه يرجع الأمر كله . " # (الوجوديّة الوجوبيّة %~% ونحن لنا ) # بحسب المدارك الذوقيّة الشهوديّة - كما مرّ غير مرّة في تقدّم القوابل وسبق ~~أحكامها على الكل - وإذا كان أمر الكثرة العينيّة التكلميّة إلى نفسها - وقد رجع ~~أمرها إلى الوحدة, فلا يكون للوحدة الغيبيّة الوجوديّة ، إلَّا الكون الوحداني ~~المضاف إلى الواحد العيني ، فالكثرة حينئذ منمحية ، سواء نسب إلى الوحدة الغيبيّة ~~أو الكثرة العينيّة . # وإليه أشار بقوله : # ( وليس له سوى كوني %~% فنحن له كنحن بنا) # فعلم أنّ للواحد العيني وجهين : # أحدهم الغيبيّة الوجوديّة # والآخر العينيّة الكونيّة . # وليس أحد الوجهين بالآخر في شيء ، فإنّ الكون يباين الوجود مباينة ذاتيّة . # ( فلي وجهان : هو وأن %~% وليس له أنا بأنا ) # ثمّ إنّ الوجود الغيبي وإن باين الكون العيني ، ولكن إنّما يظهر فيه كما قيل : # " فبضدها يتبيّن الأشياء " . # فالكون العيني بمنزلة الإناء في حصره وإظهاره . # ( ولكن في مظهره %~% فنحن له كمثل إنا ) # ( والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل ) # . # %~% ### | فص حكمة حقية في كلمة إسحاقية ### | 06 - فصّ حكمة حقّيّة في كلمة إسحاقيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن ~~الدين علي ابن محمد التركة ### || شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم ~~الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # لا ريب أنّ أوّل ما يترتّب على الجمعيّة الوجوديّة ويتولَّد من كلَّية الحقائق ~~الثبوتيّة التي تحقّق بها إبراهيم هو الصورة العكسيّة المثاليّة التي إذا اعتبرت ~~مطابقتها للواقع تسمّى حقّا ، ولذلك اختصّت الحكمة الحقيّة بالكلمة الإسحاقيّة . # وأيضا ما تفرّد به الكلمة عن الاسم - هو الخصوصيّة التي بصورتها الجمعيّة تفرّد ~~الاسم وامتاز عن المسمّى . # ومن التلويحات البيّنة هاهنا هو أن بيّنات ما تفرّد به الكلمة هذه تدل على أنّها ~~صاحب التحقّق بتلك الصورة المثاليّة المترتّبة على تحقّق القلب بكمالاته الخاصة به ~~، أعني الحقائق الثبوتيّة التي تحقّق بها إبراهيم ، فإنّ تلك الصور المثاليّة ~~المترتّبة على الكمال القلبي لها مظاهر في الخارج ، وذلك هو الصور الحرفيّة التي ~~إنّما تتحقّق خارجا في المشعرين الشاعرين - أعني السمع والبصر - والمتحقّق بالأوّل ~~منهما هو إسحاق ، لدلالة بيّنات ما تفرّد به كلمته على السمع . # وقد وقفت على أنّ تلك الصورة منها هو المختصّ بالنبوّة ، فطرف صورتها الإجماليّة ~~أولا هو الذي تحقّق به هذا النبيّ . وأمّا طرف تفصيلها وتبيّنها ثانيا هو الذي ~~تحقّق به أخوه إسماعيل ، وكأنك وقفت على وجه تلويحه فلا تحتاج إلى تبيينه . # والذي يدلّ على استشعار المصنّف هذا التلويح كشفا هو المصرع الثاني من البيت الذي ~~صدّر به الفصّ والبيت الذي ختم القطعة المصدّر بها . # (فداء نبيّ ذبح ذبح لقربان ) « الفداء » و « الفداء » : حفظ الإنسان عن النائبة ~~بما تبذله عنه. # "" إضافة الجامع : ما سطره الشيخ بنفسه على أن الاعتقاد يكون الذبيح إسماعيل عليه ~~السّلام ظاهر مما أورده الشيخ ابن العربي نفسه في كتابه الإسفار عن نتيجة الأسفار ( ~~ص 37 ، سفر الهداية ) : " ولم ابتلي بذبح ما سأله من ربه وتحقق نسبة الابتلاء ، ~~وصار بحكم الواقعة ، فكأنه قد ذبح - وإن كان حيّا - بشّر بإسحاق عليه السّلام من ~~غير سؤال ، فجمع له بين الفداء وبين البدل مع بقاء المبدل منه . "" # والنبيّ لكونه أكمل بني نوعه صورة ومعنى وأتمّهم ظهورا وإظهارا ، وأعمّهم أوضاعا ~~وآثارا - لا يكون فداه من الأموال إلَّا ما يكون ذا أثر وفعل ظاهر ، كما للحيوانات ~~، وذلك إنّما يكون بالذبح للقربان ، فإنّ أرواح المذبوح يقرّب المذبوح له ويمدّه في ~~إظهار الآثار - كما سيجيء الكلام عليه في الفصّ الموسوي إن شاء الله تعالى - وبيّن ~~أنّه إذا كان المطلوب من القربان إمداد المذبوح المتقرّب به بضرب من الامتزاج ~~والاتّحاد للمتقرّب له بظهور آثاره فيه ، فكيف ينوب الإنسان شيء في ذلك - أي في ~~إظهار الآثار . # ( وأين ثؤاج الكبش من نوس إنسان ) النوس : التذبذب ، وهو كناية عن النطق لتذبذب ~~الصوت به في المخارج . # ( وعظَّمه الله العظيم ) في قوله : " وَفَدَيْناه ُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ " [ 37 / ~~107 ] على حقارة آثاره # ( عناية بنا ) فإنّه ما يصلح لأن يتقرّب به الإنسان ذلك التقرّب يكون عظيم ( أو ~~به ) كما سيجيء بيانه ، ( لا أدر ) حذف الياء منه اكتفاء بالكسرة - على ما في قوله ~~تعالى : " وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ " [ 89 / 4 ] . # ( من أيّ ميزان ) فإنّ هاهنا ميزانين : أحدهما العلوّ الشرفيّ ، والآخر الكمال ~~الجمعيّ ، فإذا اعتبر الأوّل منهما كان التعظيم الذي للكبش بنفسه لا للمفدى به وإذا ~~اعتبر الثاني كان التعظيم المشار إليه باعتبار المفدى به كما سيجيء بيانه . # ( ولا شكّ أنّ البدن أعظم قيمة %~% وقد نزلت عن ذبح كبش لقربان ) # فيه تعريض بما ذهب إليه أهل الظاهر من استحباب غلوّ القيمة في القرابين . # ( فيا ليت شعري كيف ناب بذاته %~% شخيص كبيش عن خليفة رحمان ) # ووجه تقريب هذا الكلام هاهنا أنّ إسحاق لما كان صورة سرّ إبراهيم ، الذي هو أوّل ~~من تحقّق بالهويّة الجمعيّة والوحدة الذاتيّة التي انطوى فيها أمر التقابل والتغاير ~~، واقتضى ظهور كلّ من المتقابلين في عين الآخر كما نبّهت عليه كذلك سائر ما يترتّب ~~عليه في أفعاله ، من رؤياه القربان وفدائه فإنّ الكمال في ذلك قد ظهر في مقابله ~~أيضا - أعني الجماد الذي هو أنقص ما في الوجود - لعدم خروج ما في قوّة القابليّة ~~فيه من الصفات الوجوديّة - كالحياة والعلم وما يتبعهما - فهذه الحكمة حاكمة بعلوّ ~~الجماد وكماله ، بناء على الأصل الممهّد من ظهور كلّ من المتقابلين في عين الآخر . # "" إضافة المحقق : قال القاشاني : فإن كل ما انقاد لأمر اللَّه مطلقا ولم يظهر ~~بالأنانية أصلا - كالجماد - كان أعلى رتبة من الموجودات ، لوجوده باللَّه وانقياده ~~لأمره مطلقا وعدم ظهوره بنفسه وأنانيته .أهـ. "" # ثمّ إنّ الحيوان كلَّما كان أقرب إلى الجماد كان أعلى و أكمل ، وليس فيه ما يقرب ~~إليه قرب الكبش ، فلذلك صار فداء. # وإلى ذلك أشار بقوله : ( ألم تدر أن الأمر فيه مرتّب %~% وفاء لإرباح ونقص لخسران ~~) # أي الأمر في الفداء مرتّب ، فإنّ منه ما له كمال ووفاء بمقتضى القابليّة الأولى ، ~~فيترتّب عليه الربح في الوجود بصونه عن الانغماس في القيود الكونيّة وبقائه على ~~شرفه الأصلي ومنه ما له نقص بمقتضى القابليّة المذكورة ، فيترتّب عليه الخسران ، ~~بتراكم الحجب الكونيّة على وجوده ، وتلاشي أحكام القدس فيه وذلك لأنّ مقتضى تلك ~~القابليّة إنّما هو الإطلاق الحقيقي الذي لا يشوبه أمر من القيود ، ولا يغشيه حجاب ~~من الأكوان - نسبة كانت أو صفة أو فعلا - فعلوّ المراتب في التنزّلات الإمكانيّة ~~بقدر عروّها عن تلك الحجب . # ( فلا خلق أعلى من جماد ) لعروّ ماهيّته عن انتساب فعل إليه لنفسه . # ( وبعده نبات ) - لعروّه عن انتساب حسّ وفعل اختياري إليه ، ( على قدر يكون ) ذلك ~~النبات عليه ( وأوزان ) يستقرّ مزاجه في ميزان الاعتدال إليه ، فإنّ عرض النبات ~~ممتدّ من الجماد إلى الحيوان - كما سبق القول فيه - . # ( وذو الحسّ بعد النبت والكل عارف %~% بخلَّاقه كشفا وإيضاح برهان ) # ضرورة امتناع تخلَّف لوازم الوجود وبيّنات خواصّه عنه في مراتب تنزّلاته ، بما ~~اعتورت عليها من الحجب الإمكانيّة والغواشي الخارجيّة الهيولانيّة ، فالبرهان له ~~مجرّد إيضاح الأمر هاهنا للمسترشد الخبير لا أن يوصله إليه ولذلك قلَّما يهتدي أحد ~~منهم به إليه. # ولا يذهب على المتفطَّن هاهنا أنّه كلَّما كان أعلى فهو أعرف - على ما توهّمه ~~البعض . # "" يشير المؤلف لما قاله بعض الشارحين – كالقاشاني ومؤيد الدين الجندي قال: " ~~وأعلى المخلوقات في هذا الكشف والمعرفة المعدن والجماد.أه "" # فإنّ العلوّ والشرف بحسب القرب للإطلاق الذاتي وقدسها ، وأمّا العرفان فبحسب ~~التنزّل في المراتب ، واستجماع خصوصيّاتها ، فكلَّما كان أنزل ، فهو أكمل وأعرف ، ~~كما أنّه كلَّما كان أعلى ، كان أقدس وأشرف ، وقد سلف لك في الفصّ الآدمي ما يفيد ~~زيادة تحقيق لهذا الكلام . # (وأمّا المسمّى آدما فمقيّد بعقل وفكر ) إن كان من أهل النظر وعلومه الاستدلاليّة ~~. # ( أو قلادة إيمان ) إن كان من أرباب العقائد التقليديّة ، فإنّ الإنسان له في ~~الارتقاء إلى مدارج كماله الشهودي ثلاث مراتب : برهان وإيمان وإحسان . # لأنّ المعارف اليقينيّة المستحصلة له إمّا أن يكون عقدا أو انشراحا وعلما . # والأوّل هو الإيمان ، # والثاني إمّا أن يكون وراء أستار الأسباب والآثار وهو البرهان ، أو يكون منكشفا ، ~~منزّها عمّا يطلق عليه الغطاء أو الحجاب وهو الإحسان ، وهذا منزل اولي التحقيق . # كما قال : ( بذا قال سهل والمحقّق مثلنا %~% لأنّا وإيّاهم بمنزل إحسان ) # ( فمن شهد الأمر الذي قد شهدته ) من الإجمال الذاتي وتفاصيل تعيّناتها وتنوّعاتها ~~، ومقتضيات الكلّ من الإظهار والإخفاء بحسب أحكام المواطن ، ومدارك المعاصرين ذوي ~~العناد أو أهل الاسترشاد . # ( يقول بقولي في خفاء ) للغمر من المعاندين الغافلين. ( وإعلان ) للمسترشدين ~~المتفطَّنين. "الغمر = الجاهل" # ( ولا تلتفت قولا يخالف قولنا ) أي لا تسمع قول القاصرين عن فهم المراد من كلام ~~الحقّ ، والواقفين عند شواطئ ذلك البحر الزخّار ، القانعين من لآليه ودرره ، ~~المبطونة فيه بطنا بعد بطن ، بما يعلو ظاهر سطوحه المحسوسة من الحثالات والزبد ~~فالعاقل ينبغي أن لا يلتفت إليهم سماعا ولا خطابا ، فإنّ الخطاب معهم ببثّ ذلك ~~الدرر لديهم هو عين إضاعتها عزّت عن ذلك. # " الحثالة : ثفل الشيء. ما يسقط من قشر الشعير أو الأرز ونحوه. الزبد : ما يعلو ~~الماء البحر او النهر ونحوه من الرغوة ." # كما قال : ( ولا تبذر السمراء في أرض عميان) " ولا تبذر الحنطة السمراء - أي ~~القول الحق الذي يغذي الباطن والروح - في أرض استعداد العميان ، الذين لا يبصرون ~~الحق في الأشياء ولا يشاهدونه في المظاهر.أهـ القيصري " # ( هم الصمّ والبكم الذين أتى بهم %~% لأسماعنا المعصوم في نصّ قرآن ) # لما سبق غير مرّة أن القصص القرآنيّة حكايات ألسنة أحوال الاستعدادات المتخالفة ~~للعباد ، وهي التي لم يزل يتكلَّم الزمان بأفواههم في كلّ عصر ما هي أساطير ~~الأوّلين ، كما هو زعم البعض من الجهلة المنكرين لبيّنات آياته . # رؤيا إبراهيم عليه السّلام وتعبيره # ( واعلم - أيّدنا الله وإيّاك ) بميامن الوراثة الختميّة وقرابتها ، تأييدا ~~يتبيّن به دقائق المراد من الكلام على عرف التخاطب الذي مع الكمّل. # (أنّ إبراهيم الخليل عليه السّلام قال لابنه : " إِنِّي أَرى في الْمَنامِ أَنِّي ~~أَذْبَحُكَ " [ 37 / 102 ] والمنام حضرة الخيال ) وهي مجبولة على محاكاة ما في أحد ~~الجانبين المحاذيين لها . # أعني الشهادة والغيب بتمثّل الصور المناسبة له فيها ، مناسبة الأشباه أو الأضداد ~~، فلا بد من الانتقال والعبور من الصور المثاليّة الخياليّة برابطة تلك المناسبة ~~والشبه إلى ما هو في الواقع من الصور العينيّة فلا بد من التعبير وأمّا إبراهيم ~~(فلم يعبّرها ،وكان كبش ظهر في صورة ابن إبراهيم في المنام) . # ووجه المناسبة هاهنا هو أنّ إبراهيم أوّل من تحقّق بالحضرة الجمعيّة الوجوديّة ، ~~التي هي ظاهر القابليّة الأولى الذاتيّة ، كما أنّ الكبش صورة تلك القابليّة التي ~~ظهرت في المرتبة الحيوانيّة - ولذلك تراه في مصدريّة الأفعال الاختياريّة هو الغاية ~~في القبول إذعانا واستسلاما . # ثمّ لمّا كان الابن صورة سرّ الأب، على ما ورد : « الولد سرّ أبيه » . # تصوّر الكبش في الحسّ المشترك عند ظهوره من طرف الغيب والبطون للخيال بصورة ابن ~~إبراهيم ، لقوّة المناسبة المذكورة وكمال الاستيناس به . # (فصدّق إبراهيم الرؤيا) أي أخذ تلك الصورة المرئيّة صادقة مطابقة لما في الأمر ~~نفسه مما وجب عليه. # سرّ رؤيا إبراهيم عليه السّلام # وهاهنا تلويح حكميّ له كثير دخل في تحقيقه، ومنه يعلم لميّة تصديقه وما يترتّب ~~عليه من التفدية : وهو أنّ البعد بين المتقابلين - الذين بهما يتقوّم أمر التعاكس ~~والتماثل - كلَّما كان أكثر ، كانت مطابقة العكس لأصله أشدّ وذلك لأنّ المشاركة - ~~ولو في صفة من الصفات أو جهة من الجهات - تستلزم عدم ظهور العكس بكماله ، لتخلَّفه ~~عن الأصل في تلك الصفة ، وانحرافه عنه بها ، ولذلك ترى المرايا ما ترى الصورة ما لم ~~تكن في الجهة التي في غاية البعد - وهي القطر - وإذا انحرف عنها ما أرت الصورة كما ~~هي ومن هاهنا أيضا ترى عكس العكس عين الأصل ، لأنّه أنهى ما يتباعد به عن الأصل . # ثمّ إنّ إبراهيم لما وصل من القرب إلى ما وصل، ما تمكَّنت مرآة خياله عن إراءة ~~العكس كاملا، لزوال البعد والقطريّة فيه، وكمال القرب والخلَّة، وإذ قد كان ميلانه ~~إلى طرف علوّ قربه الخلَّية، جاوز في أمر القربان أيضا إلى ما هو أعلى من فداء ~~المال وذبح ذوي الحياة منه حتّى توهّم ذبح الابن وفدائه - وهو أوثق العلائق رابطة ~~وأحكمها وثاقا - ولذلك ما اختصّت به ذوو العقول فقط، بل عمّت الحيوانات العجم تلك ~~العلاقة . # فظهر أنّ وثاقة علاقة الابن النسبيّ وهميّة فلذلك لما رأى إبراهيم في رؤياه الذبح ~~العظيم صوّر الوهم ذلك العظيم بابنه إذ ليس عنده أعظم منه. # (ففداه ربّه من وهم إبراهيم بالذبح العظيم ، الذي هو تعبير رؤياه عند الله - وهو ~~لا يشعر) لغلبة أمر القربة فيه واستيلاء سلطان الخلَّية عليه. # تعبير ما في حضرة الخيال # (فالتجلَّي الصوريّ في حضرة الخيال محتاج إلى علم آخر يدرك به ما أراد الله تعالى ~~بتلك الصورة) ، وهو ممّا يختصّ بنيله أولو النهاية ، ممن غلب في مواطن معرفته ~~ومواقف نبوّته وبعثته ، علم الصور وأحكام تجلَّياتها ، ولم يحتجب بكمال قربته ~~وجمعيّته عن أحكام التفرقة والتفصيل. # فلا بدّ وأن يكون صاحب حظَّ من الختم مّا بحسب الصورة فقط كيوسف على ما نبّهت ~~عليه في تحقيق ترتيب الكتاب وبيان الحصر أو بحسب الصورة والمعنى ، كالحضرة الجمعيّة ~~الختميّة وإلى ذلك أشار بقوله : # تعبير أبي بكر لرؤيا الرجل # ( ألا ترى كيف قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي بكر في تعبيره الرؤيا : ~~« أصبت بعضا ، وأخطأت بعضا » . فسأله أبو بكر أن يعرّفه ما أصاب فيه وما أخطأ ، فلم ~~يفعل صلَّى الله عليه وسلَّم ) ، فإنّه قد روي بالأسانيد الصحيحة أنّ رجلا أتى رسول ~~الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : « إنّي رأيت ظلَّة ينطف منها السمن والعسل ، ~~وأرى الناس يتكففون في أيديهم ، فالمستكثر والمستقلّ ، وأرى سببا واصلا من السماء ~~إلى الأرض فأراك - يا رسول الله - أخذت به فعلوت ، ثمّ أخذ به رجل فعلا ، ثمّ أخذ ~~به رجل آخر فعلا ، ثمّ أخذ به رجل آخر فانقطع به ثمّ وصل له فعلا " . البخاري و ~~مسلم و أحمد و الترمذي. # فقال أبو بكر : أي رسول الله - بأبي أنت - والله لتدعني فلاعبّرها ؟ # فقال : « اعبرها » . # فقال : « أمّا الظلَّة : فظلَّة الإسلام . وأمّا ما ينطف من السمن والعسل : # فهو القرآن - لينه وحلاوته - وأمّا المستكثر والمستقلّ : فهو المستكثر من القرآن ~~والمستقل منه . وأمّا السبب الواصل من السماء إلى الأرض : فهو الحقّ الذي أنت عليه ~~، تأخذ به فيعليك الله ، ثمّ يأخذ به بعدك رجل آخر فيعلو به ، ثمّ يأخذ به رجل آخر ~~بعده فيعلو به ، ثمّ يأخذ به رجل آخر فيقطع به ، ثمّ يوصل له فيعلو . أي - رسول ~~الله - لتحدّثني أصبت ، أم أخطأت ؟ » . # فقال : « أصبت بعضا وأخطأت بعضا » . # قال : « أقسمت - بأبي أنت يا رسول الله - لتحدّثني ما الذي أخطأت » ؟ # فقال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم : « لا تقسم » - قطعا لمادة توقّعه فإنّه من ~~الخصائص التي لا دخل لأحد فيها . # تأويل تلك الرؤيا # والذي باح لسان الوقت بالإفصاح عنه في تأويله: أنّ السبب الواصل هو الرابطة ~~الموصلة للعبد، أعني التزام التمسّك بعروة العبادة. # وأمّا الرجال الأربعة الواصلون : فهم الخاتمان بوارثيهما ، فإنّ وارث خاتم ~~الولاية عقود عرى العبادة منه واهية ، ينقطع كثيرا ، ولكن يوصله ،على ما صرّح به ~~صاحب المحبوب . # وممّا يدلّ على أنّهم هم الأربعة، قوله تعالى: " إِنَّ الله اصْطَفى آدَمَ ~~وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ " [ 3 / 33 ] . # ولكن إنّما يفهم ذلك بعد الوقوف على لسان أهله . # ثمّ إنّه ظهر من هذا أنّ ممّا أخطأ فيه المؤوّل هو إبقاؤه الرجل على صورته ~~المرئيّة ، وما عبّرها من الشخص الصوريّ الكوني الكامل من بني نوعه ، إلى الشخص ~~الكماليّ الوجوديّ الكامل منهم فإنّه هو الرجل حقيقة على ما عرفت . # معنى التعبير # ( وقال الله تعالى لإبراهيم عليه السّلام حين ناداه " أَنْ يا إِبْراهِيمُ . قَدْ ~~صَدَّقْتَ الرُّؤْيا " ) [ 37 / 105 ] ،أي أخذت صورتها المرئيّة مطابقة للواقع. # ( وما قال له : « صدقت في الرؤيا أنّه ابنك » ) أي وفّيت حقّها من قولهم : « صدق ~~في القتال » إذا وفّى حقّه وفعل على ما يجب ، وعليه قوله تعالى: "رِجالٌ صَدَقُوا ~~ما عاهَدُوا الله ". # أي حقّقوا العهد بما أظهروه من أفعالهم وما وفّى حقّ الرؤي ( لأنّه ما عبرها بل ~~أخذ بظاهر ما رأى والرؤيا يطلب التعبير ،ولذلك قال العزيز : "إِنْ كُنْتُمْ ~~لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ" ) [12 / 43] . # ( ومعنى التعبير الجواز من صورة ما رآه إلى أمر آخر ) هو منتهى ما قصد من الصورة ~~- تقول : « عبرت الرؤيا » : إذا ذكرت آخرها وعاقبة أمرها . # كما تقول :"عبرت النهر" إذا قطعته حتّى تبلغ آخر عرضه وهو عبره ونحوه : "أوّلت ~~الرؤيا " إذا ذكرت مآلها . # رؤيا ملك مصر وتعبير يوسف عليه السّلام له وقد ورد في الآثار إنّه لمّا دنى فرج ~~يوسف رأى ملك مصر - الريّان بن الوليد - رؤيا عجيبة هالت : رأى سبع بقرات سمان خرجن ~~من نهر مالس ، وسبع بقرات عجاف ، فابتلعت العجاف السمان ، ورأى سبع سنبلات خضر ، قد ~~انعقد حبّها ، وسبعا أخر يابسات ، قد استحصدت وأدركت ، فالتوت اليابسات على الخضر ~~حتّى غلبن عليها فاستعبرها ، فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها ، حتى استعبر يوسف ~~فأوّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب ، والعجاف واليابسات بسنين ~~مجدبة . # ( فكانت البقر ) في تأويل يوسف ( سنين في المحل والخضب ) وبيانه أنّ البقر في جنس ~~الحيوانات هو المخصوص بالجعامة وتناول ساير النباتات حلوها ومرّها وشرب المياه ~~كلَّه صافيها وكدرها . # كما أن السنة هي التي تسع الأمور كلَّها مرغوبها ومكروهها . # وتأتي بالحوادث حسنها وسيّئها وأيضا المعتبر في أمر التعبير هو عبارة الرائي كما ~~لا يخفى على الفطن الخبير . # وقد عبّر الملك عن رؤياه ب « بقرات » و « سنبلات » ، فاستشعر يوسف # من الأوّل بالاشتقاق الكبير على ما هو المعوّل عليه عند الأكابر « آتي قريب » # ومن الثاني « سنة بلاء » ثمّ إنّ البلاء مشترك بين الخير والشرّ ، و « الخضر » ~~فيه حرفان من الخير ، مع ظهور ضاد « الضوء » بها ، و « اليابس » هو « البايس » وهذا ~~إنّما يفهمه من له ذوق إدراك التلويحات . # معنى تصديق إبراهيم عليه السّلام الرؤيا مع عدم ذبح الولد # ثمّ إنّ إبراهيم ما صدّق في هذه الرؤيا ، لأنّ الصورة المرئيّة مأولة بالكبش وهو ~~الذي ذبح . # ( فلو صدّق في الرؤيا لذبح ابنه وإنّما صدّق الرؤيا في أنّ ذلك ) المرئي ( عين ~~ولده ، وما كان عند الله إلَّا الذبح العظيم ) يعني الكبش ( في صورة ولده ) . # وذلك ليس فداء لإسحاق وصورته في الخارج ، ( ففداء لما وقع في ذهن إبراهيم ما هو ~~فداء في نفس الأمر عند الله). # وذلك أنّ قهرمان منزلته الرفيعة وقربته القريبة لما اقتضى القربان ، وأظهر الله ~~تلك الصورة من غيب قلبه وبطونه إلى مجالي مشاعره وقواه ، تيقّن بفداء ما هو الأعزّ ~~عنده والأحبّ لديه . # ( فصوّر الحسّ الذبح ، وصوّر الخيال ابن إبراهيم فلو رأى الكبش في الخيال لعبّره ~~بابنه أو بأمر آخر ) يكون أعزّ عنده منه كما سبق بيانه. # ( ثمّ قال : "هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ " [ 37 / 106 ] أي الاختيار المبين ~~- أي الظاهر ، يعني الاختبار في العلم ) الذي يتبيّن به الأسرار الخفيّة . # وهو أنّه ( هل يعلم ما يقتضيه موطن الرؤيا من التعبير ، أم لا ؟ ) وليس الاختبار ~~في علوّ الهمّة وكمال الإيثار ، ليكون ذبح الابن فيه منجحا . # وملخّص الكلام هاهنا : أنّ للحقّ في إفاضة عوارف اللطائف وتوشيح الكلمة ~~الإبراهيميّة نوعين من الإمداد في جهتين منها : أحدهما ما يتعلَّق بتربية الظاهر ~~منه ، من إعلاء أعلام نبوّته وإظهار أمر رسالته ، وما ينضاف إلى ذلك من علوم الصور ~~- مثاليّة كانت أو عينيّة - وأحكامها . # والآخر ما يتعلَّق بالباطن ، من تكميل مكانة ولايته والارتقاء في مراقي قربته ~~وزلفته ، وما يستتبعه من التبتّل إلى الله بالكليّة ، متحقّقا بالتجرّد والإيثار ، ~~وترك التعرّض والاختيار ، بما يلزمه من المعارف الذوقيّة واللطائف المستلذّة ~~الشوقيّة . # ثمّ إنّ إبراهيم لتسلَّط قهرمان الجهة الثانية في حقيقته وكمال استلذاذه به ~~واستغراقه فيه « 1 » ، أخذ في رؤيته تلك الرؤيا ما يقتضيه ذلك الموطن الذوقي وعلم ~~الصور وأحكامها ممّا يتعلَّق بالجهة الأولى - والاختبار المبين إشارة إليه . # فهو لسلطان أمر القربة والخلَّة عليه ذهل عن ذلك ، وما كان جاهلا به ( لأنّه يعلم ~~أنّ موطن الخيال يطلب التعبير ، فغفل فما وفّى الموطن حقّه وصدّق الرؤيا لهذا السبب ~~) . # ( كما فعل تقي بن مخلد الإمام صاحب المسند) «هو الحافظ بقي بن مخلد ابن يزيد ~~200هـ. سير أعلام النبلاء ومعجم الأدباء وتذكرة الحفاظ والأعلام للزركلي » - وذلك ~~من سراية حكم ولاية الأنبياء المرسلين في ولاية الأولياء المحمّديين - ( سمع في ~~الخبر الذي ثبت عنده أنّه عليه السّلام قال : « من رآني في النوم فقد رآني في ~~اليقظة » ) . # وذلك لختم صورته وتمام إحاطته فيه (« فإنّ الشيطان لا يتمثّل على صورتي ») لكونه ~~محاطا فيها - ولذلك تراه عارض آدم وقابله ، وأسلم على يده وأذعن له . # ( فرآه تقيّ بن مخلد ، وسقاه النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم في هذه الرؤيا لبنا ، ~~فصدّق تقيّ بن مخلد رؤياه فاستقاء ، فقاء لبنا ولو عبّر رؤياه لكان ذلك اللبن علما ~~) لأنّه أوّل ما يظهر بصورة الحياة ويغتذي به الحيوان ، فيصير حيّا كما أنّ العلم ~~أوّل ما يتعيّن به الذات فيظهر به عالما ولأنّه أكرم ثمرة أثمرها شجرة النشأة ~~الجسمانيّة الإنسانيّة ، كما أنّ العلم أكرم ثمرة أثمرها شجرتها الروحانيّة ~~الجسدانيّة . # وأيضا في لفظه تلويح بيّن على تأويله ذلك ، بما فيه من لام « العلم » و « التفصيل ~~» والباء والنون المشعرين بالإبانة والظهور حيثما اجتمعا . # ( فحرّمه الله علما كثيرا على قدر ما شرب ) لما قاء به . # رؤيا رسول الله صلَّى الله عليه وآله # (ألا ترى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لما اتي في المنام بقدح لبن قال : « ~~فشربته حتّى خرج الريّ من أظافيري ، ثمّ أعطيت فضلي عمر » . قيل : « ما أوّلته يا ~~رسول الله » ؟ # قال : « العلم » ، وما تركه لبنا على صورة ما رآه ، لعلمه بموطن الرؤيا وما يقتضي ~~من التعبير ) . مسلم و الترمذي # واعلم أنّ في تعبيره الرؤيا بهذه العبارة إشارة لطيفة إلى أنّ العلم الذي رؤي ~~العطشان ، هو الذي خرج من أظافير أصابع يدي قدرته ، ووضعه الشعائر المستدعية ~~للإشعار من ظواهر الصور المتكثرة الكونيّة التي تعلم وترقى عند النظر والافتكار . # ففيه تلويح إلى الصور الكتابية من تلك الكونيات بخصوصها أنّها هي منابع ذلك العلم ~~، وأنّ فضلها قد اختصّ به عمر . # أي له عمر وبقاء بعده هذا لمن له قوّة التدبّر في الإشارات الختميّة . # من رأى رسول الله صلَّى الله عليه وآله في المنام # ثمّ إنّ صورة محمّد عليه السّلام على ما علم من الحديث على خلاف هذا المقتضى في ~~الرؤيا ، لأنّه لا يقبل التعبير ، فلا بدّ من بيانه بما ينبئ عن وجه اختصاصه بين ~~الصور بذلك ، وعن معقوليّة أمره وتمام كيفيّته . # فقوله : ( وقد علم أنّ صورة النبي عليه السّلام - التي شاهدها الحس - أنّها ~~مدفونة في المدينة ، وأنّ صورة روحه ولطيفته ما شاهدها أحد من أحد ، ولا من نفسه - ~~كلّ روح بهذه المثابة فيتجسّد له روح النبيّ عليه السّلام في المنام بصورة جسده ، ~~كما مات عليه ، لا يخرم منه شيئا ، فهو محمّد عليه السّلام المرئي من حيث روحه ، في ~~صورة جسدية تشبه المدفونة ، لا يمكن لشيطان أن يتصوّر بصورة جسده عليه السّلام ، ~~عصمة من الله في حقّ الرائي ). # فإنّه هو مظهر الهداية التامّة ، والخاتم لإبانة طريق الحق على الخاصّة والعامّة ~~فلو لم يكن الرائي لصورته معصوما وأمكن الشيطان أن يتصوّره بتلك الصورة ما يتمّ له ~~شيء من ذلك . # (ولهذا من رآه بهذه الصورة يأخذ عنه جميع ما يأمر به أو ينهاه أو يخبره ، كما كان ~~يأخذ عنه في الحياة الدنيا من الأحكام ، على حسب ما يكون منه اللفظ الدالّ عليه - ~~من نصّ أو ظاهر أو مجمل أو ما كان ) . # فعلم أنّ صورته المرئيّة عليه السّلام خارجة عن مقتضى الرؤيا من التعبير ، ( فإنّ ~~أعطاه شيئا فإنّ ذلك الشيء هو الذي يدخله التعبير ، فإن خرج في الحسّ كما كان في ~~الخيال ) لما في حقيقة الرائي من المقابلة والصفا كما علم ( فتلك رؤيا لا تعبير لها ~~) ، وهذا إنّما يوجد قليلا ، ( وبهذا القدر عليه اعتمد إبراهيم الخليل وتقي بن مخلد ~~) . # تعبير رؤيا الحق تعالى في المنام # ( ولمّا كان للرؤيا هذان الوجهان ، وعلَّمنا الله - فيما فعله بإبراهيم وما قال ~~له الأدب - لما يعطيه مقام النبوّة ) . # على جلالة قدرها من الابتلاء والاختبار في الرؤيا أهلها ، وعدم تقريرهم الصورة ~~المرئيّة بحاله ( علمنا في رؤيتنا الحقّ تعالى ) جواب لمّ ( في صورة يردّها الدليل ~~العقلي ) لا الأدلَّة مطلقا. # لأنّ العقل موطن التمييز بين الحق والباطل ، ومحلّ تسطير تصوّر الأشياء بما هي ~~عليه - فإذا كانت الصورة التي رئي الحقّ عليها مما يردّها العقل لا بدّ و ( أن ~~يعبّر تلك الصورة بالحقّ المشروع ) فإنّ « الشرع » هو العرش الذي استقرّ عليه الحقّ ~~بصورته العينيّة وشاكلته المرضيّة ، فما لم يكن عليه لا ينسب إليه تعالى كما في ~~الأسماء ، فإنّها ما لم يطلق الشرع عليه ما لنا أن ننسب إليه . # وتلك الصورة التي ردّها العقل ويجعلها مفتقرة إلى التعبير ( إمّا في حقّ حال ~~الرائي ) بحسب مناسبته لتلك الصورة المردودة عقل ( أو المكان الذي رآه فيه ) - كما ~~روي أنّ بعض الصالحين في بلاد الغرب رأى الحقّ تعالى في المنام في دهليز بيته ، فلم ~~يلتفت إليه ، فلطمه في وجهه فلمّا استيقظ قلق قلقا شديدا فأخبر الشيخ رحمه الله بما ~~رأى وفعل ، فلمّا رأى الشيخ ما به من القلق العظيم . # قال له : « أين رأيته » ؟ # قال : « في بيت لي قد اشتريته » . # قال الشيخ : « ذلك الموضع مغصوب ، وهو حقّ للحقّ المشروع ، اشتريته ولم تراع حاله ~~، ولم تف بحقّ الشرع فيه فاستدركه » فتفحّص الرجل عن ذلك . # فإذا هو من وقف المسجد وقد بيع بغصب ولم يعلم الرجل ولم يلتفت إلى أمره . # ولعلّ الشيخ من صلاح الرائي وشدّة قلقه علم أنّه ليس من قبل الرائي .(أو هما معا ~~). # ( وإن لم يردّها الدليل العقلي أبقيناها على ما رأيناها كما ترى الحقّ في الآخرة ~~سواء) فإنّه كثيرا ما يتجلَّى فيها بصور ينكرها أرباب العقول وذوو العقائد على ما ~~ورد في الحديث. # فلئن قيل : « إنّ الصورة المرئيّة من الخاتم لا تحتاج إلى التعبير ، لأنّ الشيطان ~~لا يتمثّل به فكيف تكون الصور المرئيّة من الحق تعالى مفتقرة إليه والشيطان يتمثّل ~~به » ؟ ! # قلنا : إنّ الخاتم للنبوّة هو الغاية في إظهار الصورة المبعوث لتمام أمرها ، فلا ~~يمكن أن يتطرّق إليه من الخفاء شيء أصلا ، ولا يقدر الشيطان الذي هو قهرمان أمر ~~الإخفاء والإلباس أن يحوم حول حماه الأحمى قطعا وإلَّا لا يكون خاتما للنبوّة . # وأمّا الحقّ ، فكما أنّ له صورة الظهور ، فله صورة الخفاء أيضا ، والكلّ منه ، ~~وإليه ، وإلى هذه النكتة المستشعرة منه أشار بقوله نظما : # (فللواحد الرحمن في كل موطن) صوريّا كان أو معنويا، عينيّا أو مثاليّا، خياليّا ~~أو جسمانياًّ # (من الصور ما يخفى) كالقبائح والقاذورات المردودة للعقول والشرايع ( وما هو ظاهر ~~) # كالمحاسن والمنزّهات، وذلك لأنّ التعيّنات والاعتبارات الفارقة على أيّ وجه كانت ~~لا دخل لها في الحقيقة الحقّة ، فهو المطلق المنزّه عن الكلّ في الكلّ ، فمن أثبت ~~الحقّ للكلّ على أنّه هو المنزّه عنه فيه ، فهو صادق وإلَّا فكاذب . # ولذلك قال : (فإن قلت هذا الحقّ قد تك صادقا ). وذلك إذا كان القائل ممن يرى كثرة ~~الصور ممحوّة في الوحدة الحقيقيّة التي للحق. (وإن قلت: أمر آخر. (أي الحقّ أمر آخر ~~أنت عابر). # أي عابر لتلك الصورة، بمعنى التعبير كما سبق في النثر بيانه أو عابر عن الحقّ ، ~~ففيه إيهام المعنيين ، والثاني أوفق لسياق النظم . # ( وما حكمه في موطن دون موطن ) لأنّه المطلق الشامل ( ولكنّه بالحقّ للخلق سافر ~~). # أي ظاهر الخلق بحسب المناسبات لهم ، ومدارج التنزّلات إليهم بالحقّ ، وإن كان ذلك ~~في صورة الباطل ، كما قال شيخ الشيخ المؤلف أبو مدين رضي الله عنه كذلك نظما : # لا تنكر الباطل في طوره %~% فإنّه بعض ظهوراته # وأعطه منه بمقداره %~% حتى توفّي حقّ إثباته # فالحقّ قد يظهر في صورة %~% ينكرها الجاهل في ذاته # ولأنّ ظهور الحقّ للمحجوبين من الخلق ، إنّما يمكن في رقائق المناسبات لهم ، ~~ومدارج التنزلات إليهم ، تراه # ( إذا ما تجلَّى للعيون تردّه %~% عقول ببرهان عليه تثابر ) # لأنّ الصور الكونيّة والمواد الهيولانيّة التي بها يظهر الحقّ للعيون ، قد نزّه ~~العقول بالبراهين القاطعة جناب الحقّ عنها . # ( ويقبل في مجلى العقول ) وذلك لأنّ هذا المجلى من شأنه أن يجرّد ما فيه عن ~~الغواشي الغريبة واللواحق الهيولانيّة الخارجة مطلقا ، بل وعمّا يلحقه فيه أيضا من ~~خصوصيّات المجلى ، وذلك الذي هو مقبول الفلاسفة وذوي العقول # ( وفي الذي %~% يسمّى خيالا ) # لما في الصور المختصّة به من التجرّد عن المواد الهيولانيّة والتنزّه عن اللواحق ~~الجسمانيّة ما ليس لغيرها من الصور . # على ما هو مقبول أرباب الخلوات الرسميّة والرياضات العاديّة ، من الأنوار ~~الشعشعانيّة والإشراقات الخالصة عن الشوائب الهيولانيّة . # ( والصحيح النواظر ) بالنصب ، عطفا على « خيالا » والنظر حينئذ بمعنى الفكر ~~وبالرفع على أن يكون جملة حاليّة ، والنظر حينئذ بمعنى البصر . # ثمّ إنّ الكلام لما انساق إلى طرف سعة الحقّ ومجال ظهوره في سائر المواطن ~~والمجالي ، وبروزه بكسرة الكلّ خفاء وظهورا ، أخذ في تبيين ذلك قائلا: ( يقول أبو ~~يزيد "البسطامي" في هذا المقام : « لو أنّ العرش وما حواه مائة ألف ألف مرّة في ~~زاوية من زوايا قلب العارف م # أحسّ بها » ) أي ما وجد لها حسّا ، وهذا غاية ما أمكن من السعة في مرتبة الأجسام ~~، لأنّه قد جمع غاية البعدين المتّصل والمنفصل في المظروف وفي الظرف وقد خصّ من بين ~~عموم زواياه زاوية واحدة . # ولذلك قال : ( وهذا وسع أبي يزيد في عالم الأجسام ) لا مطلق . # ولما كان وسع القلب وإحاطة رتبته غير مختصّ بما في الأجسام وغيرها ، من المراتب ~~ومدارج التنزّلات ، بل ولا اختصاص له أصلا بالعوالم والتعيّنات الاستجلائيّة فإنّه ~~المجلى الجامع بين الجلائيّ والاستجلائيّ . # أشار إليه بقوله : ( بل أقول : لو أنّ ما لا يتناهى وجوده ) لأنّ جزئيّات العوالم ~~والتعيّنات الاستجلائيّة إذا أريد أن يعبّر بلفظ صادق عليها ومفهوم يحمل عليها جملة ~~، فهو ذلك لا غير ، والذي قام البرهان العقلي على انتهائه هو البعد الجسماني القائم ~~بالموجود ، لا وجوده . # فإنّ وجودات الأكوان والحوادث غير متناهية ، ولهذه الدقيقة صرّح ب « الوجود » . # وإنّما قال : ( يقدّر انتهاء وجوده ) لأنّ التقدير أنّه محاط للقلب . # فعلم أنّ انتهاء القلب أيضا تقديريّ فرضيّ، وإذ قد علم أنّ سعة القلب أكثر حياطة ~~من التعيّنات الاستجلائيّة وأفسح فضاء منها. # ضمّ إلى ذلك: (مع العين الموجدة له ، في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ بذلك ~~في علمه). أي ما ظهر له حسّ وخبر تحت حكمه الشامل وأمره المحيط الكامل - أعني ~~العلم. # (فإنّه قد ثبت أنّ القلب وسع الحقّ ) - بما روي : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ، ~~ووسعني قلب عبدي المؤمن » . # ( ومع ذلك ما اتّصف بالريّ ) فإنه لو ارتوى قنع به وانقطع عنده الطلب والسعي فعلم ~~أنّه ليس مما يملؤه (فلو امتلأ ارتوى). # ثمّ إنّه لما كان قوله : « وهذا وسع أبي يزيد في عالم الأجسام » يوهم تعريضا ~~بقصوره ، وغرضه تحقيق ظهور السعة الإلهيّة في كلّ زمان لصاحبه من الأولياء جسمانيّة ~~وإطلاقيّة - فأمّا السعة الجسمانيّة لأبي يزيد فهو الذي نبّه إليه أوّلا ، وأمّا ~~الإطلاقيّة الحقّة فهو الذي سينبّه عليه - أشار إليه دفعا لذلك الوهم بقوله : # ( وقد قال ذلك أبو يزيد ) # في نظمه: # ( شربت الحبّ كأسا بعد كأس %~% فما نفد الشراب ولا رويت ) # وفي قوله : # « كأسا بعد كأس » يشير إلى تينك السعتين . # "" # كم # أورد القشيري البيت عن الشبلي : # عجبت لمن يقول نسيت إلفي %~% وهل أنسى فأذكر من هويت # أموت إذا ذكرتك ثم أحي %~% ولولا ما أؤمل ما حييت # فأحيا بالمنى وأموت شوق %~% فكم أحيا عليك وكم أموت # جعلت الصمت ستر الحب حتى %~% تكلمت الجفون بما لقيت # شربت الحب كأسا بعد كأس # %~% # فما نفد الشراب وما رويت # "" # فلئن قيل: # «لا يدفع بهذا الكلام ما يتوهّم من التشنيع ،لأنّه يدلّ على ضيق أمره في عالم ~~الجسم". # قلنا : # السعة الإطلاقيّة هو المعوّل عليها في المعرفة ، وأمّا الجسمانيّة منها فإنّما ~~تتعلَّق بظهور الولاية ، وذلك بحسب احتمال الزمان ، وزمان أبي يزيد ما احتمل وراء ~~ذلك . # ثمّ إنّ تحقيق أمر السعة مطلقا إنّما يتمّ ببيان كمال الجمعيّة والإحاطة بما ~~يقابلها يعني الضيق ولذلك قال : # ( ولقد نبّهنا على هذا المقام ) # أيضا كذلك نظم # ( بقولنا ) # : # (يا خالق الأشياء في نفسه) # لما سبق بيانه أنّ القوابل من فيضه الأقدس. # (أنت لما تخلقه جامع). # ( تخلق ما لا ينتهي كونه فيه بك) # ، لأنّه قد خلق الكلّ فيه . # ( فأنت الضيّق ) # باعتبار أحديته الذاتيّة التي لا مجال للثنويّة فيها أصل وهو الوحدة الحقيقيّة ~~التي هي مبدأ الإحاطة ، فهو المحيط # (الواسع) # للكلّ. # ( لو أنّ ما قد خلق الله ) # بقلبي، # ( مالاح بقلبي فجره الساطع ) # أي ما ظهر عليه ، بل تبطَّن فيه واتّحد به ، لأنّه إنّما يظهر عليه إذا ضاق عنه ، ~~وهو قد وسع الحقّ ، و : # ( من وسع الحقّ فما ضاق عن %~% خلق، فكيف الأمر ياسامع ) # فإنّه الجامع بين الحقّ والخلق ، فهو الكلّ . # العارف يخلق بالهمّة # ولذلك ترى الحقّ فيه قد يخلق الخلق ويحفظه ، فإنّه # ( بالوهم يخلق كلّ إنسان في قوّة خياله ما لا وجود له إلَّا فيها ، وهذا هو الأمر ~~العامّ ) # الذي لأهل التفرقة ممن لم يكن لهم أن يستجمعوا قوى القلب وينفّذوا فيها أحكامه ، ~~حتّى يظهر سلطانه . # ( والعارف ) # من أهل الجمعيّة القلبيّة التي قد تبدّلت تفرقة وهمه بجمعيّة الهمّة # ( يخلق بالهمّة ما يكون له وجود من خارج محل الهمّة ) # . # وذلك عند ظهور سلطانه واستجماع جنوده وقواه تحت قهرمانه ، النافذ أمره في سائر ~~العوالم والحضرات # ( ولكن لا تزال الهمّة تحفظه ولا يؤدها حفظه أي حفظ ما خلقته ) # لكمال سعته . # ( فمتى طرأ على العارف غفلة عن حفظ ما خلق ) # عند غلبة أحكام حضرة من الحضرات أو العوالم ، على وقته وانجذابه نحوها ، # ( عدم ذلك المخلوق ) # ضرورة أنّ مدده الوجودي إنّما هو من همّته وتوجّهه . # ( إلَّا أن يكون العارف قد ضبط جميع الحضرات ) # المرتبطة بعضها بالبعض ، ارتباط الأرواح بالأجساد والأجسام والحضرات هي المواطن ~~الكليّة ، فلا بدّ وأن يكون لكل من الموجودات وجود في كل منها بحسبها ، كما في ~~مرتبة الأرواح والأجساد بعينه # (وهو لا يغفل مطلقا، بل # لا بدّ له من حضرة يشهدها، # فإذا خلق العارف بهمّته ما خلق وله هذه الإحاطة، ظهر ذلك الخلق بصورته في كلّ ~~حضرة، وصارت الصور يحفظ بعضها بعضا، فإذا غفل العارف عن حضرة ما، أو حضرات - وهو ~~شاهد حضرة ما من الحضرات، حافظ لما فيها من صورة خلقه - انحفظت جميع الصور بحفظه ~~تلك الصورة الواحدة في الحضرة التي ما غفل عنها، لأنّ الغفلة) # عن الحضرات كلَّه # ( ما تعمّ قطَّ لا في العموم ) # بالنسبة إلى سائر الأشخاص # ( ولا في الخصوص ) # من الأولياء والكمّل . # فإذا انحفظت الصورة في حضرة من الحضرات العالية لا بدّ وأن تكون محفوظة في ~~العوالم السافلة، لارتباط العوالم بالحضرات بكلَّياتها وجزئيّاتها . # الفرق بين خلق الحقّ وخلق العبد # ( وقد أوضحت هنا سرّا لم يزل أهل الله يغارون على مثل هذا أن يظهر ) # فإنّه الكاشف عن الجهة الامتيازيّة الفارقة بين الحقّ والعبد في مرتبة الفعل ~~والخلق . # وذلك ( لما فيه من ردّ دعواهم أنهم الحقّ فإنّ الحق ) لتقدّسه عن التلبّس بأحكام ~~المراتب والمجالي ( لا يغفل ، والعبد ) لجمعيّته واحتيازه للكلّ. # ( لا بدّ له أن يغفل عن شيء دون شيء ، فمن حيث الحفظ لما خلق ، له أن يقول : « ~~أنا الحقّ » ) . وقوله حقّ بحسب الذات والعين ، فإنّ التميّز بحسب الأحكام والآثار ~~. # وإليه أشار قوله : ( ولكن ما حفظه لها حفظ الحقّ ، وقد بيّنا الفرق ) بين الحفظين ~~، ( ومن حيث ما غفل عن صورة ما وحضرتها ) أي العين الواحدة من الغفلة عن الصورة ~~المخلوقة وحضرته ( فقد تميّز العبد من الحقّ ) . # هذا على تقدير عدم بقاء الحفظ ، ( ولا بدّ أن يتميّز مع بقاء الحفظ لجميع الصور ) ~~أيض ( بحفظه ) أي حفظ العبد . # ( صورة واحدة منها في الحضرة التي ما غفل عنها فهذا حفظ بالتضمّن ، وحفظ الحقّ ما ~~خلق ليس كذلك ، بل حفظه لكلّ صورة على التعيين ) . # فعلم أنّ ملاك الأمر في التفرقة والتمييز بحسب الأحكام والآثار لا غير كما قيل : ~~« العين واحدة ، والحكم مختلف » وذلك أيضا بمجرّد الاعتبار ، فإنّ مخلوقي العبد ~~والحقّ محفوظان ، إلَّا أنّ الأوّل بالتضمّن والثاني بالتعيين ، وذلك تفصيل يعتبره ~~العقل . # ( وهذه مسألة ) هي الفارقة في مرتبة الفعل ، الجامعة فيها لعلوّ حكمها ونفاسة ~~مقصده ( أخبرت أنّه ما سطرها أحد في كتاب - لا أنا ، ولا غيري - إلَّا في هذا ~~الكتاب ) لعدم بلوغ الزمان إلى ما يقتضي إبراز الحقائق . # وإظهار أسرارها بما هي عليه ، فإنّه من خصائص الوقت الختمي ، ولطائف مولَّداته ، ~~التي لم يكن يلد الزمان ما يتولَّد منه ذلك ( فهي يتيمة الوقت فريدته ) . # ثمّ لا مرية أنّه إذا كان مبدأ التمايز والتفرقة ، ومنشأ التفصيل والمغايرة ليس ~~إلَّا مجرّد الآثار والأحكام الاعتباري ، فتكون العين الواحدة مما لا يمكن أن ~~يتفرّق ويفصل في نفسها ، فسائر الحضرات إنّما هو العين الواحدة التي تتكلَّم وتخاطب ~~، وإليه أشار مخاطبا : ( فإيّاك أن تغفل عنها ، فإنّ تلك الحضرة التي يبقي لك ~~الحضور فيها مع الصورة ، مثلها مثل الكتاب الذي قال الله فيه : " ما فَرَّطْنا في ~~الْكِتابِ من شَيْءٍ " [ 6 / 38 ] . # وذلك من حيث أنّها هي الجامعة بين كمال تفصيل الصور، وتمام تبيين المعاني، ~~كالكتاب، ( فهو الجامع للواقع ) مما يمكن أن يكون له في النشأة الخارجة عن المشاعر ~~صورة ظهرت ، أو لم تظهر ( وغير الواقع ) مما لا يمكن له ذلك ، كالمعاني العقليّة ~~والمثل الخياليّة التي يمتنع لها البروز عن مواطنها ذلك ، ويستحيل أن يظهر في هذه ~~النشأة الخارجية . # ( ولا يعرف ما قلناه ) من أنّ الكلّ إنّما هو من العين الواحدة المسماة بالعبد - ~~وإن اختلفت النسب والعبارات بحسب الاعتبارات . # ( إلَّا من كان قرآنا في نفسه ) جامعا بين تمام التفرقة وكمال الجمع ، شاهدا في ~~عين العبد ، الكاشفة عن تمام البعد كنه القرب من الحقّ بعينه ( فإنّ المتّقى ) الذي ~~جعل عينه وقاية للحقّ في الذم والحقّ وقاية لعينه في الحمد. # ( الله يجعل له فرقانا) حتّى يتمكَّن من التفرقة بين الذمّ والنقص ، والتفرقة ~~والبعد ، وبين الحمد والكمال ، والجمعيّة والقرب . # ( وهو مثل ما ذكرنا في هذه المسألة ) ، الكاشفة في مرتبة الفعل والخلق عمّا ينسب ~~إليه (فيما يتميّز به العبد من الربّ). # (وهذا الفرقان أرفع فرقان ) ، فإنّه فرقان في أنزل المراتب ، يعني الفعل والخلق ، ~~وهي العين المنبئة عن كمال الجمع ، وعلم من طي ما اقتبسها من مشكاة النبوّة في ~~عبارته الكاشفة عن مصباح الولاية : إنّ القرآنيّة هي مقتضى حقيقة العبد ، وله في ~~نفسه ، والفرقانيّة إنّما يجعل له الله ، فلذلك أخذ في النظم مفصحا عن ذلك : "يا ~~أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ~~وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله ذُو الْفَضْلِ ~~الْعَظِيمِ ". # فوقتا يكون العبد ربا بلا شك %~% ووقتا يكون العبد عبدا بلا إفك # (فوقتا يكون العبد ربّا بلا شكّ) عندما يجعل الله له فرقان # (ووقتا يكون العبد عبدا بلا إفك ) عندما يصل إلى قرآنيّته التي له في نفسه. # فإن كان عبدا كان بالحق واسعا %~% وإن كان ربا كان في عيشة ضنك # (فإن كان عبدا) قابلا على الإطلاق جامع (كان بالحقّ واسعا ) لأنّه طرف الإطلاق ~~والسعة يقابلها يعني الضيق # ( وإن كان ربّا ) مقيّدا به ومفرقا فيه بخصوصه ( كان في عيشة ضنك ) لأنّ القيد ~~مطلقا طرف الضيق والتفرقة . # فمن كونه عبدا يرى عين نفسه %~% وتتسع الآمال منه بلا شك # ( فمن كونه عبدا ) جامع ( يرى ) الكلّ لجمعيّته الإطلاقيّة ( عين نفسه ويتّسع ~~الآمال منه بلا شك ). # ومن كونه ربا يرى الخلق كله %~% يطالبه من حضرة الملك و الملك # ( ومن كونه ربّا ) مفرق ( يرى الخلق كلَّه يطالبه ) لغلبة سلطان التفرقة في مشهده ~~ذلك ( من حضرة الملك ) وهو الذي يستحقّه لأصل استعداده ويملكه ( والملك ) وهو الذي ~~يستحقّه عند الظهور بأعماله وراثة لها . # ويعجز عما طالبوه بذاته %~% لذا تر بعض العارفين به يبكي # ( ويعجز عمّا طالبوه بذاته ) لأنّ القدرة إنّما هو للجمعيّة والإطلاق ( لذا تر ~~بعض العارفين به يبكي ) بحذف الياء من "ترى " تخفيفا ، وفي بعض النسخ « كذا كان » . # فكن عبد رب لا تكن رب عبده %~% فتذهب بالتعليق في النار والسبك # ( فكن عبد ربّ لا تكن ربّ عبده ، فتذهب بالتعليق في النار ) المفرّقة ( والسبك ) ~~بها لإفناء غشّ القاذورات المستتبعة للإنيّة الفارقة ، وخلاص ذهب حقيقته العبديّة ~~عنها . # و "الباء" فيه على طريقة قوله تعالى: "تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ " أي : فتذهب متلبّسا ~~بالتعليق . # . # %~% ### | فص حكمة علية في كلمة إسماعيلية ### | 06 - فصّ حكمة حقّيّة في كلمة إسحاقيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن ~~الدين علي ابن محمد التركة ### || شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم ~~الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # لا ريب أنّ أوّل ما يترتّب على الجمعيّة الوجوديّة ويتولَّد من كلَّية الحقائق ~~الثبوتيّة التي تحقّق بها إبراهيم هو الصورة العكسيّة المثاليّة التي إذا اعتبرت ~~مطابقتها للواقع تسمّى حقّا ، ولذلك اختصّت الحكمة الحقيّة بالكلمة الإسحاقيّة . # وأيضا ما تفرّد به الكلمة عن الاسم - هو الخصوصيّة التي بصورتها الجمعيّة تفرّد ~~الاسم وامتاز عن المسمّى . # ومن التلويحات البيّنة هاهنا هو أن بيّنات ما تفرّد به الكلمة هذه تدل على أنّها ~~صاحب التحقّق بتلك الصورة المثاليّة المترتّبة على تحقّق القلب بكمالاته الخاصة به ~~، أعني الحقائق الثبوتيّة التي تحقّق بها إبراهيم ، فإنّ تلك الصور المثاليّة ~~المترتّبة على الكمال القلبي لها مظاهر في الخارج ، وذلك هو الصور الحرفيّة التي ~~إنّما تتحقّق خارجا في المشعرين الشاعرين - أعني السمع والبصر - والمتحقّق بالأوّل ~~منهما هو إسحاق ، لدلالة بيّنات ما تفرّد به كلمته على السمع . # وقد وقفت على أنّ تلك الصورة منها هو المختصّ بالنبوّة ، فطرف صورتها الإجماليّة ~~أولا هو الذي تحقّق به هذا النبيّ . وأمّا طرف تفصيلها وتبيّنها ثانيا هو الذي ~~تحقّق به أخوه إسماعيل ، وكأنك وقفت على وجه تلويحه فلا تحتاج إلى تبيينه . # والذي يدلّ على استشعار المصنّف هذا التلويح كشفا هو المصرع الثاني من البيت الذي ~~صدّر به الفصّ والبيت الذي ختم القطعة المصدّر بها . # (فداء نبيّ ذبح ذبح لقربان ) « الفداء » و « الفداء » : حفظ الإنسان عن النائبة ~~بما تبذله عنه. # "" إضافة الجامع : ما سطره الشيخ بنفسه على أن الاعتقاد يكون الذبيح إسماعيل عليه ~~السّلام ظاهر مما أورده الشيخ ابن العربي نفسه في كتابه الإسفار عن نتيجة الأسفار ( ~~ص 37 ، سفر الهداية ) : " ولم ابتلي بذبح ما سأله من ربه وتحقق نسبة الابتلاء ، ~~وصار بحكم الواقعة ، فكأنه قد ذبح - وإن كان حيّا - بشّر بإسحاق عليه السّلام من ~~غير سؤال ، فجمع له بين الفداء وبين البدل مع بقاء المبدل منه . "" # والنبيّ لكونه أكمل بني نوعه صورة ومعنى وأتمّهم ظهورا وإظهارا ، وأعمّهم أوضاعا ~~وآثارا - لا يكون فداه من الأموال إلَّا ما يكون ذا أثر وفعل ظاهر ، كما للحيوانات ~~، وذلك إنّما يكون بالذبح للقربان ، فإنّ أرواح المذبوح يقرّب المذبوح له ويمدّه في ~~إظهار الآثار - كما سيجيء الكلام عليه في الفصّ الموسوي إن شاء الله تعالى - وبيّن ~~أنّه إذا كان المطلوب من القربان إمداد المذبوح المتقرّب به بضرب من الامتزاج ~~والاتّحاد للمتقرّب له بظهور آثاره فيه ، فكيف ينوب الإنسان شيء في ذلك - أي في ~~إظهار الآثار . # ( وأين ثؤاج الكبش من نوس إنسان ) النوس : التذبذب ، وهو كناية عن النطق لتذبذب ~~الصوت به في المخارج . # ( وعظَّمه الله العظيم ) في قوله : " وَفَدَيْناه ُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ " [ 37 / ~~107 ] على حقارة آثاره # ( عناية بنا ) فإنّه ما يصلح لأن يتقرّب به الإنسان ذلك التقرّب يكون عظيم ( أو ~~به ) كما سيجيء بيانه ، ( لا أدر ) حذف الياء منه اكتفاء بالكسرة - على ما في قوله ~~تعالى : " وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ " [ 89 / 4 ] . # ( من أيّ ميزان ) فإنّ هاهنا ميزانين : أحدهما العلوّ الشرفيّ ، والآخر الكمال ~~الجمعيّ ، فإذا اعتبر الأوّل منهما كان التعظيم الذي للكبش بنفسه لا للمفدى به وإذا ~~اعتبر الثاني كان التعظيم المشار إليه باعتبار المفدى به كما سيجيء بيانه . # ( ولا شكّ أنّ البدن أعظم قيمة %~% وقد نزلت عن ذبح كبش لقربان ) # فيه تعريض بما ذهب إليه أهل الظاهر من استحباب غلوّ القيمة في القرابين . # ( فيا ليت شعري كيف ناب بذاته %~% شخيص كبيش عن خليفة رحمان ) # ووجه تقريب هذا الكلام هاهنا أنّ إسحاق لما كان صورة سرّ إبراهيم ، الذي هو أوّل ~~من تحقّق بالهويّة الجمعيّة والوحدة الذاتيّة التي انطوى فيها أمر التقابل والتغاير ~~، واقتضى ظهور كلّ من المتقابلين في عين الآخر كما نبّهت عليه كذلك سائر ما يترتّب ~~عليه في أفعاله ، من رؤياه القربان وفدائه فإنّ الكمال في ذلك قد ظهر في مقابله ~~أيضا - أعني الجماد الذي هو أنقص ما في الوجود - لعدم خروج ما في قوّة القابليّة ~~فيه من الصفات الوجوديّة - كالحياة والعلم وما يتبعهما - فهذه الحكمة حاكمة بعلوّ ~~الجماد وكماله ، بناء على الأصل الممهّد من ظهور كلّ من المتقابلين في عين الآخر . # "" إضافة المحقق : قال القاشاني : فإن كل ما انقاد لأمر اللَّه مطلقا ولم يظهر ~~بالأنانية أصلا - كالجماد - كان أعلى رتبة من الموجودات ، لوجوده باللَّه وانقياده ~~لأمره مطلقا وعدم ظهوره بنفسه وأنانيته .أهـ. "" # ثمّ إنّ الحيوان كلَّما كان أقرب إلى الجماد كان أعلى و أكمل ، وليس فيه ما يقرب ~~إليه قرب الكبش ، فلذلك صار فداء. # وإلى ذلك أشار بقوله : ( ألم تدر أن الأمر فيه مرتّب %~% وفاء لإرباح ونقص لخسران ~~) # أي الأمر في الفداء مرتّب ، فإنّ منه ما له كمال ووفاء بمقتضى القابليّة الأولى ، ~~فيترتّب عليه الربح في الوجود بصونه عن الانغماس في القيود الكونيّة وبقائه على ~~شرفه الأصلي ومنه ما له نقص بمقتضى القابليّة المذكورة ، فيترتّب عليه الخسران ، ~~بتراكم الحجب الكونيّة على وجوده ، وتلاشي أحكام القدس فيه وذلك لأنّ مقتضى تلك ~~القابليّة إنّما هو الإطلاق الحقيقي الذي لا يشوبه أمر من القيود ، ولا يغشيه حجاب ~~من الأكوان - نسبة كانت أو صفة أو فعلا - فعلوّ المراتب في التنزّلات الإمكانيّة ~~بقدر عروّها عن تلك الحجب . # ( فلا خلق أعلى من جماد ) لعروّ ماهيّته عن انتساب فعل إليه لنفسه . # ( وبعده نبات ) - لعروّه عن انتساب حسّ وفعل اختياري إليه ، ( على قدر يكون ) ذلك ~~النبات عليه ( وأوزان ) يستقرّ مزاجه في ميزان الاعتدال إليه ، فإنّ عرض النبات ~~ممتدّ من الجماد إلى الحيوان - كما سبق القول فيه - . # ( وذو الحسّ بعد النبت والكل عارف %~% بخلَّاقه كشفا وإيضاح برهان ) # ضرورة امتناع تخلَّف لوازم الوجود وبيّنات خواصّه عنه في مراتب تنزّلاته ، بما ~~اعتورت عليها من الحجب الإمكانيّة والغواشي الخارجيّة الهيولانيّة ، فالبرهان له ~~مجرّد إيضاح الأمر هاهنا للمسترشد الخبير لا أن يوصله إليه ولذلك قلَّما يهتدي أحد ~~منهم به إليه. # ولا يذهب على المتفطَّن هاهنا أنّه كلَّما كان أعلى فهو أعرف - على ما توهّمه ~~البعض . # "" يشير المؤلف لما قاله بعض الشارحين – كالقاشاني ومؤيد الدين الجندي قال: " ~~وأعلى المخلوقات في هذا الكشف والمعرفة المعدن والجماد.أه "" # فإنّ العلوّ والشرف بحسب القرب للإطلاق الذاتي وقدسها ، وأمّا العرفان فبحسب ~~التنزّل في المراتب ، واستجماع خصوصيّاتها ، فكلَّما كان أنزل ، فهو أكمل وأعرف ، ~~كما أنّه كلَّما كان أعلى ، كان أقدس وأشرف ، وقد سلف لك في الفصّ الآدمي ما يفيد ~~زيادة تحقيق لهذا الكلام . # (وأمّا المسمّى آدما فمقيّد بعقل وفكر ) إن كان من أهل النظر وعلومه الاستدلاليّة ~~. # ( أو قلادة إيمان ) إن كان من أرباب العقائد التقليديّة ، فإنّ الإنسان له في ~~الارتقاء إلى مدارج كماله الشهودي ثلاث مراتب : برهان وإيمان وإحسان . # لأنّ المعارف اليقينيّة المستحصلة له إمّا أن يكون عقدا أو انشراحا وعلما . # والأوّل هو الإيمان ، # والثاني إمّا أن يكون وراء أستار الأسباب والآثار وهو البرهان ، أو يكون منكشفا ، ~~منزّها عمّا يطلق عليه الغطاء أو الحجاب وهو الإحسان ، وهذا منزل اولي التحقيق . # كما قال : ( بذا قال سهل والمحقّق مثلنا %~% لأنّا وإيّاهم بمنزل إحسان ) # ( فمن شهد الأمر الذي قد شهدته ) من الإجمال الذاتي وتفاصيل تعيّناتها وتنوّعاتها ~~، ومقتضيات الكلّ من الإظهار والإخفاء بحسب أحكام المواطن ، ومدارك المعاصرين ذوي ~~العناد أو أهل الاسترشاد . # ( يقول بقولي في خفاء ) للغمر من المعاندين الغافلين. ( وإعلان ) للمسترشدين ~~المتفطَّنين. "الغمر = الجاهل" # ( ولا تلتفت قولا يخالف قولنا ) أي لا تسمع قول القاصرين عن فهم المراد من كلام ~~الحقّ ، والواقفين عند شواطئ ذلك البحر الزخّار ، القانعين من لآليه ودرره ، ~~المبطونة فيه بطنا بعد بطن ، بما يعلو ظاهر سطوحه المحسوسة من الحثالات والزبد ~~فالعاقل ينبغي أن لا يلتفت إليهم سماعا ولا خطابا ، فإنّ الخطاب معهم ببثّ ذلك ~~الدرر لديهم هو عين إضاعتها عزّت عن ذلك. # " الحثالة : ثفل الشيء. ما يسقط من قشر الشعير أو الأرز ونحوه. الزبد : ما يعلو ~~الماء البحر او النهر ونحوه من الرغوة ." # كما قال : ( ولا تبذر السمراء في أرض عميان) " ولا تبذر الحنطة السمراء - أي ~~القول الحق الذي يغذي الباطن والروح - في أرض استعداد العميان ، الذين لا يبصرون ~~الحق في الأشياء ولا يشاهدونه في المظاهر.أهـ القيصري " # ( هم الصمّ والبكم الذين أتى بهم %~% لأسماعنا المعصوم في نصّ قرآن ) # لما سبق غير مرّة أن القصص القرآنيّة حكايات ألسنة أحوال الاستعدادات المتخالفة ~~للعباد ، وهي التي لم يزل يتكلَّم الزمان بأفواههم في كلّ عصر ما هي أساطير ~~الأوّلين ، كما هو زعم البعض من الجهلة المنكرين لبيّنات آياته . # رؤيا إبراهيم عليه السّلام وتعبيره # ( واعلم - أيّدنا الله وإيّاك ) بميامن الوراثة الختميّة وقرابتها ، تأييدا ~~يتبيّن به دقائق المراد من الكلام على عرف التخاطب الذي مع الكمّل. # (أنّ إبراهيم الخليل عليه السّلام قال لابنه : " إِنِّي أَرى في الْمَنامِ أَنِّي ~~أَذْبَحُكَ " [ 37 / 102 ] والمنام حضرة الخيال ) وهي مجبولة على محاكاة ما في أحد ~~الجانبين المحاذيين لها . # أعني الشهادة والغيب بتمثّل الصور المناسبة له فيها ، مناسبة الأشباه أو الأضداد ~~، فلا بد من الانتقال والعبور من الصور المثاليّة الخياليّة برابطة تلك المناسبة ~~والشبه إلى ما هو في الواقع من الصور العينيّة فلا بد من التعبير وأمّا إبراهيم ~~(فلم يعبّرها ،وكان كبش ظهر في صورة ابن إبراهيم في المنام) . # ووجه المناسبة هاهنا هو أنّ إبراهيم أوّل من تحقّق بالحضرة الجمعيّة الوجوديّة ، ~~التي هي ظاهر القابليّة الأولى الذاتيّة ، كما أنّ الكبش صورة تلك القابليّة التي ~~ظهرت في المرتبة الحيوانيّة - ولذلك تراه في مصدريّة الأفعال الاختياريّة هو الغاية ~~في القبول إذعانا واستسلاما . # ثمّ لمّا كان الابن صورة سرّ الأب، على ما ورد : « الولد سرّ أبيه » . # تصوّر الكبش في الحسّ المشترك عند ظهوره من طرف الغيب والبطون للخيال بصورة ابن ~~إبراهيم ، لقوّة المناسبة المذكورة وكمال الاستيناس به . # (فصدّق إبراهيم الرؤيا) أي أخذ تلك الصورة المرئيّة صادقة مطابقة لما في الأمر ~~نفسه مما وجب عليه. # سرّ رؤيا إبراهيم عليه السّلام # وهاهنا تلويح حكميّ له كثير دخل في تحقيقه، ومنه يعلم لميّة تصديقه وما يترتّب ~~عليه من التفدية : وهو أنّ البعد بين المتقابلين - الذين بهما يتقوّم أمر التعاكس ~~والتماثل - كلَّما كان أكثر ، كانت مطابقة العكس لأصله أشدّ وذلك لأنّ المشاركة - ~~ولو في صفة من الصفات أو جهة من الجهات - تستلزم عدم ظهور العكس بكماله ، لتخلَّفه ~~عن الأصل في تلك الصفة ، وانحرافه عنه بها ، ولذلك ترى المرايا ما ترى الصورة ما لم ~~تكن في الجهة التي في غاية البعد - وهي القطر - وإذا انحرف عنها ما أرت الصورة كما ~~هي ومن هاهنا أيضا ترى عكس العكس عين الأصل ، لأنّه أنهى ما يتباعد به عن الأصل . # ثمّ إنّ إبراهيم لما وصل من القرب إلى ما وصل، ما تمكَّنت مرآة خياله عن إراءة ~~العكس كاملا، لزوال البعد والقطريّة فيه، وكمال القرب والخلَّة، وإذ قد كان ميلانه ~~إلى طرف علوّ قربه الخلَّية، جاوز في أمر القربان أيضا إلى ما هو أعلى من فداء ~~المال وذبح ذوي الحياة منه حتّى توهّم ذبح الابن وفدائه - وهو أوثق العلائق رابطة ~~وأحكمها وثاقا - ولذلك ما اختصّت به ذوو العقول فقط، بل عمّت الحيوانات العجم تلك ~~العلاقة . # فظهر أنّ وثاقة علاقة الابن النسبيّ وهميّة فلذلك لما رأى إبراهيم في رؤياه الذبح ~~العظيم صوّر الوهم ذلك العظيم بابنه إذ ليس عنده أعظم منه. # (ففداه ربّه من وهم إبراهيم بالذبح العظيم ، الذي هو تعبير رؤياه عند الله - وهو ~~لا يشعر) لغلبة أمر القربة فيه واستيلاء سلطان الخلَّية عليه. # تعبير ما في حضرة الخيال # (فالتجلَّي الصوريّ في حضرة الخيال محتاج إلى علم آخر يدرك به ما أراد الله تعالى ~~بتلك الصورة) ، وهو ممّا يختصّ بنيله أولو النهاية ، ممن غلب في مواطن معرفته ~~ومواقف نبوّته وبعثته ، علم الصور وأحكام تجلَّياتها ، ولم يحتجب بكمال قربته ~~وجمعيّته عن أحكام التفرقة والتفصيل. # فلا بدّ وأن يكون صاحب حظَّ من الختم مّا بحسب الصورة فقط كيوسف على ما نبّهت ~~عليه في تحقيق ترتيب الكتاب وبيان الحصر أو بحسب الصورة والمعنى ، كالحضرة الجمعيّة ~~الختميّة وإلى ذلك أشار بقوله : # تعبير أبي بكر لرؤيا الرجل # ( ألا ترى كيف قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي بكر في تعبيره الرؤيا : ~~« أصبت بعضا ، وأخطأت بعضا » . فسأله أبو بكر أن يعرّفه ما أصاب فيه وما أخطأ ، فلم ~~يفعل صلَّى الله عليه وسلَّم ) ، فإنّه قد روي بالأسانيد الصحيحة أنّ رجلا أتى رسول ~~الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : « إنّي رأيت ظلَّة ينطف منها السمن والعسل ، ~~وأرى الناس يتكففون في أيديهم ، فالمستكثر والمستقلّ ، وأرى سببا واصلا من السماء ~~إلى الأرض فأراك - يا رسول الله - أخذت به فعلوت ، ثمّ أخذ به رجل فعلا ، ثمّ أخذ ~~به رجل آخر فعلا ، ثمّ أخذ به رجل آخر فانقطع به ثمّ وصل له فعلا " . البخاري و ~~مسلم و أحمد و الترمذي. # فقال أبو بكر : أي رسول الله - بأبي أنت - والله لتدعني فلاعبّرها ؟ # فقال : « اعبرها » . # فقال : « أمّا الظلَّة : فظلَّة الإسلام . وأمّا ما ينطف من السمن والعسل : # فهو القرآن - لينه وحلاوته - وأمّا المستكثر والمستقلّ : فهو المستكثر من القرآن ~~والمستقل منه . وأمّا السبب الواصل من السماء إلى الأرض : فهو الحقّ الذي أنت عليه ~~، تأخذ به فيعليك الله ، ثمّ يأخذ به بعدك رجل آخر فيعلو به ، ثمّ يأخذ به رجل آخر ~~بعده فيعلو به ، ثمّ يأخذ به رجل آخر فيقطع به ، ثمّ يوصل له فيعلو . أي - رسول ~~الله - لتحدّثني أصبت ، أم أخطأت ؟ » . # فقال : « أصبت بعضا وأخطأت بعضا » . # قال : « أقسمت - بأبي أنت يا رسول الله - لتحدّثني ما الذي أخطأت » ؟ # فقال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم : « لا تقسم » - قطعا لمادة توقّعه فإنّه من ~~الخصائص التي لا دخل لأحد فيها . # تأويل تلك الرؤيا # والذي باح لسان الوقت بالإفصاح عنه في تأويله: أنّ السبب الواصل هو الرابطة ~~الموصلة للعبد، أعني التزام التمسّك بعروة العبادة. # وأمّا الرجال الأربعة الواصلون : فهم الخاتمان بوارثيهما ، فإنّ وارث خاتم ~~الولاية عقود عرى العبادة منه واهية ، ينقطع كثيرا ، ولكن يوصله ،على ما صرّح به ~~صاحب المحبوب . # وممّا يدلّ على أنّهم هم الأربعة، قوله تعالى: " إِنَّ الله اصْطَفى آدَمَ ~~وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ " [ 3 / 33 ] . # ولكن إنّما يفهم ذلك بعد الوقوف على لسان أهله . # ثمّ إنّه ظهر من هذا أنّ ممّا أخطأ فيه المؤوّل هو إبقاؤه الرجل على صورته ~~المرئيّة ، وما عبّرها من الشخص الصوريّ الكوني الكامل من بني نوعه ، إلى الشخص ~~الكماليّ الوجوديّ الكامل منهم فإنّه هو الرجل حقيقة على ما عرفت . # معنى التعبير # ( وقال الله تعالى لإبراهيم عليه السّلام حين ناداه " أَنْ يا إِبْراهِيمُ . قَدْ ~~صَدَّقْتَ الرُّؤْيا " ) [ 37 / 105 ] ،أي أخذت صورتها المرئيّة مطابقة للواقع. # ( وما قال له : « صدقت في الرؤيا أنّه ابنك » ) أي وفّيت حقّها من قولهم : « صدق ~~في القتال » إذا وفّى حقّه وفعل على ما يجب ، وعليه قوله تعالى: "رِجالٌ صَدَقُوا ~~ما عاهَدُوا الله ". # أي حقّقوا العهد بما أظهروه من أفعالهم وما وفّى حقّ الرؤي ( لأنّه ما عبرها بل ~~أخذ بظاهر ما رأى والرؤيا يطلب التعبير ،ولذلك قال العزيز : "إِنْ كُنْتُمْ ~~لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ" ) [12 / 43] . # ( ومعنى التعبير الجواز من صورة ما رآه إلى أمر آخر ) هو منتهى ما قصد من الصورة ~~- تقول : « عبرت الرؤيا » : إذا ذكرت آخرها وعاقبة أمرها . # كما تقول :"عبرت النهر" إذا قطعته حتّى تبلغ آخر عرضه وهو عبره ونحوه : "أوّلت ~~الرؤيا " إذا ذكرت مآلها . # رؤيا ملك مصر وتعبير يوسف عليه السّلام له وقد ورد في الآثار إنّه لمّا دنى فرج ~~يوسف رأى ملك مصر - الريّان بن الوليد - رؤيا عجيبة هالت : رأى سبع بقرات سمان خرجن ~~من نهر مالس ، وسبع بقرات عجاف ، فابتلعت العجاف السمان ، ورأى سبع سنبلات خضر ، قد ~~انعقد حبّها ، وسبعا أخر يابسات ، قد استحصدت وأدركت ، فالتوت اليابسات على الخضر ~~حتّى غلبن عليها فاستعبرها ، فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها ، حتى استعبر يوسف ~~فأوّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب ، والعجاف واليابسات بسنين ~~مجدبة . # ( فكانت البقر ) في تأويل يوسف ( سنين في المحل والخضب ) وبيانه أنّ البقر في جنس ~~الحيوانات هو المخصوص بالجعامة وتناول ساير النباتات حلوها ومرّها وشرب المياه ~~كلَّه صافيها وكدرها . # كما أن السنة هي التي تسع الأمور كلَّها مرغوبها ومكروهها . # وتأتي بالحوادث حسنها وسيّئها وأيضا المعتبر في أمر التعبير هو عبارة الرائي كما ~~لا يخفى على الفطن الخبير . # وقد عبّر الملك عن رؤياه ب « بقرات » و « سنبلات » ، فاستشعر يوسف # من الأوّل بالاشتقاق الكبير على ما هو المعوّل عليه عند الأكابر « آتي قريب » # ومن الثاني « سنة بلاء » ثمّ إنّ البلاء مشترك بين الخير والشرّ ، و « الخضر » ~~فيه حرفان من الخير ، مع ظهور ضاد « الضوء » بها ، و « اليابس » هو « البايس » وهذا ~~إنّما يفهمه من له ذوق إدراك التلويحات . # معنى تصديق إبراهيم عليه السّلام الرؤيا مع عدم ذبح الولد # ثمّ إنّ إبراهيم ما صدّق في هذه الرؤيا ، لأنّ الصورة المرئيّة مأولة بالكبش وهو ~~الذي ذبح . # ( فلو صدّق في الرؤيا لذبح ابنه وإنّما صدّق الرؤيا في أنّ ذلك ) المرئي ( عين ~~ولده ، وما كان عند الله إلَّا الذبح العظيم ) يعني الكبش ( في صورة ولده ) . # وذلك ليس فداء لإسحاق وصورته في الخارج ، ( ففداء لما وقع في ذهن إبراهيم ما هو ~~فداء في نفس الأمر عند الله). # وذلك أنّ قهرمان منزلته الرفيعة وقربته القريبة لما اقتضى القربان ، وأظهر الله ~~تلك الصورة من غيب قلبه وبطونه إلى مجالي مشاعره وقواه ، تيقّن بفداء ما هو الأعزّ ~~عنده والأحبّ لديه . # ( فصوّر الحسّ الذبح ، وصوّر الخيال ابن إبراهيم فلو رأى الكبش في الخيال لعبّره ~~بابنه أو بأمر آخر ) يكون أعزّ عنده منه كما سبق بيانه. # ( ثمّ قال : "هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ " [ 37 / 106 ] أي الاختيار المبين ~~- أي الظاهر ، يعني الاختبار في العلم ) الذي يتبيّن به الأسرار الخفيّة . # وهو أنّه ( هل يعلم ما يقتضيه موطن الرؤيا من التعبير ، أم لا ؟ ) وليس الاختبار ~~في علوّ الهمّة وكمال الإيثار ، ليكون ذبح الابن فيه منجحا . # وملخّص الكلام هاهنا : أنّ للحقّ في إفاضة عوارف اللطائف وتوشيح الكلمة ~~الإبراهيميّة نوعين من الإمداد في جهتين منها : أحدهما ما يتعلَّق بتربية الظاهر ~~منه ، من إعلاء أعلام نبوّته وإظهار أمر رسالته ، وما ينضاف إلى ذلك من علوم الصور ~~- مثاليّة كانت أو عينيّة - وأحكامها . # والآخر ما يتعلَّق بالباطن ، من تكميل مكانة ولايته والارتقاء في مراقي قربته ~~وزلفته ، وما يستتبعه من التبتّل إلى الله بالكليّة ، متحقّقا بالتجرّد والإيثار ، ~~وترك التعرّض والاختيار ، بما يلزمه من المعارف الذوقيّة واللطائف المستلذّة ~~الشوقيّة . # ثمّ إنّ إبراهيم لتسلَّط قهرمان الجهة الثانية في حقيقته وكمال استلذاذه به ~~واستغراقه فيه « 1 » ، أخذ في رؤيته تلك الرؤيا ما يقتضيه ذلك الموطن الذوقي وعلم ~~الصور وأحكامها ممّا يتعلَّق بالجهة الأولى - والاختبار المبين إشارة إليه . # فهو لسلطان أمر القربة والخلَّة عليه ذهل عن ذلك ، وما كان جاهلا به ( لأنّه يعلم ~~أنّ موطن الخيال يطلب التعبير ، فغفل فما وفّى الموطن حقّه وصدّق الرؤيا لهذا السبب ~~) . # ( كما فعل تقي بن مخلد الإمام صاحب المسند) «هو الحافظ بقي بن مخلد ابن يزيد ~~200هـ. سير أعلام النبلاء ومعجم الأدباء وتذكرة الحفاظ والأعلام للزركلي » - وذلك ~~من سراية حكم ولاية الأنبياء المرسلين في ولاية الأولياء المحمّديين - ( سمع في ~~الخبر الذي ثبت عنده أنّه عليه السّلام قال : « من رآني في النوم فقد رآني في ~~اليقظة » ) . # وذلك لختم صورته وتمام إحاطته فيه (« فإنّ الشيطان لا يتمثّل على صورتي ») لكونه ~~محاطا فيها - ولذلك تراه عارض آدم وقابله ، وأسلم على يده وأذعن له . # ( فرآه تقيّ بن مخلد ، وسقاه النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم في هذه الرؤيا لبنا ، ~~فصدّق تقيّ بن مخلد رؤياه فاستقاء ، فقاء لبنا ولو عبّر رؤياه لكان ذلك اللبن علما ~~) لأنّه أوّل ما يظهر بصورة الحياة ويغتذي به الحيوان ، فيصير حيّا كما أنّ العلم ~~أوّل ما يتعيّن به الذات فيظهر به عالما ولأنّه أكرم ثمرة أثمرها شجرة النشأة ~~الجسمانيّة الإنسانيّة ، كما أنّ العلم أكرم ثمرة أثمرها شجرتها الروحانيّة ~~الجسدانيّة . # وأيضا في لفظه تلويح بيّن على تأويله ذلك ، بما فيه من لام « العلم » و « التفصيل ~~» والباء والنون المشعرين بالإبانة والظهور حيثما اجتمعا . # ( فحرّمه الله علما كثيرا على قدر ما شرب ) لما قاء به . # رؤيا رسول الله صلَّى الله عليه وآله # (ألا ترى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لما اتي في المنام بقدح لبن قال : « ~~فشربته حتّى خرج الريّ من أظافيري ، ثمّ أعطيت فضلي عمر » . قيل : « ما أوّلته يا ~~رسول الله » ؟ # قال : « العلم » ، وما تركه لبنا على صورة ما رآه ، لعلمه بموطن الرؤيا وما يقتضي ~~من التعبير ) . مسلم و الترمذي # واعلم أنّ في تعبيره الرؤيا بهذه العبارة إشارة لطيفة إلى أنّ العلم الذي رؤي ~~العطشان ، هو الذي خرج من أظافير أصابع يدي قدرته ، ووضعه الشعائر المستدعية ~~للإشعار من ظواهر الصور المتكثرة الكونيّة التي تعلم وترقى عند النظر والافتكار . # ففيه تلويح إلى الصور الكتابية من تلك الكونيات بخصوصها أنّها هي منابع ذلك العلم ~~، وأنّ فضلها قد اختصّ به عمر . # أي له عمر وبقاء بعده هذا لمن له قوّة التدبّر في الإشارات الختميّة . # من رأى رسول الله صلَّى الله عليه وآله في المنام # ثمّ إنّ صورة محمّد عليه السّلام على ما علم من الحديث على خلاف هذا المقتضى في ~~الرؤيا ، لأنّه لا يقبل التعبير ، فلا بدّ من بيانه بما ينبئ عن وجه اختصاصه بين ~~الصور بذلك ، وعن معقوليّة أمره وتمام كيفيّته . # فقوله : ( وقد علم أنّ صورة النبي عليه السّلام - التي شاهدها الحس - أنّها ~~مدفونة في المدينة ، وأنّ صورة روحه ولطيفته ما شاهدها أحد من أحد ، ولا من نفسه - ~~كلّ روح بهذه المثابة فيتجسّد له روح النبيّ عليه السّلام في المنام بصورة جسده ، ~~كما مات عليه ، لا يخرم منه شيئا ، فهو محمّد عليه السّلام المرئي من حيث روحه ، في ~~صورة جسدية تشبه المدفونة ، لا يمكن لشيطان أن يتصوّر بصورة جسده عليه السّلام ، ~~عصمة من الله في حقّ الرائي ). # فإنّه هو مظهر الهداية التامّة ، والخاتم لإبانة طريق الحق على الخاصّة والعامّة ~~فلو لم يكن الرائي لصورته معصوما وأمكن الشيطان أن يتصوّره بتلك الصورة ما يتمّ له ~~شيء من ذلك . # (ولهذا من رآه بهذه الصورة يأخذ عنه جميع ما يأمر به أو ينهاه أو يخبره ، كما كان ~~يأخذ عنه في الحياة الدنيا من الأحكام ، على حسب ما يكون منه اللفظ الدالّ عليه - ~~من نصّ أو ظاهر أو مجمل أو ما كان ) . # فعلم أنّ صورته المرئيّة عليه السّلام خارجة عن مقتضى الرؤيا من التعبير ، ( فإنّ ~~أعطاه شيئا فإنّ ذلك الشيء هو الذي يدخله التعبير ، فإن خرج في الحسّ كما كان في ~~الخيال ) لما في حقيقة الرائي من المقابلة والصفا كما علم ( فتلك رؤيا لا تعبير لها ~~) ، وهذا إنّما يوجد قليلا ، ( وبهذا القدر عليه اعتمد إبراهيم الخليل وتقي بن مخلد ~~) . # تعبير رؤيا الحق تعالى في المنام # ( ولمّا كان للرؤيا هذان الوجهان ، وعلَّمنا الله - فيما فعله بإبراهيم وما قال ~~له الأدب - لما يعطيه مقام النبوّة ) . # على جلالة قدرها من الابتلاء والاختبار في الرؤيا أهلها ، وعدم تقريرهم الصورة ~~المرئيّة بحاله ( علمنا في رؤيتنا الحقّ تعالى ) جواب لمّ ( في صورة يردّها الدليل ~~العقلي ) لا الأدلَّة مطلقا. # لأنّ العقل موطن التمييز بين الحق والباطل ، ومحلّ تسطير تصوّر الأشياء بما هي ~~عليه - فإذا كانت الصورة التي رئي الحقّ عليها مما يردّها العقل لا بدّ و ( أن ~~يعبّر تلك الصورة بالحقّ المشروع ) فإنّ « الشرع » هو العرش الذي استقرّ عليه الحقّ ~~بصورته العينيّة وشاكلته المرضيّة ، فما لم يكن عليه لا ينسب إليه تعالى كما في ~~الأسماء ، فإنّها ما لم يطلق الشرع عليه ما لنا أن ننسب إليه . # وتلك الصورة التي ردّها العقل ويجعلها مفتقرة إلى التعبير ( إمّا في حقّ حال ~~الرائي ) بحسب مناسبته لتلك الصورة المردودة عقل ( أو المكان الذي رآه فيه ) - كما ~~روي أنّ بعض الصالحين في بلاد الغرب رأى الحقّ تعالى في المنام في دهليز بيته ، فلم ~~يلتفت إليه ، فلطمه في وجهه فلمّا استيقظ قلق قلقا شديدا فأخبر الشيخ رحمه الله بما ~~رأى وفعل ، فلمّا رأى الشيخ ما به من القلق العظيم . # قال له : « أين رأيته » ؟ # قال : « في بيت لي قد اشتريته » . # قال الشيخ : « ذلك الموضع مغصوب ، وهو حقّ للحقّ المشروع ، اشتريته ولم تراع حاله ~~، ولم تف بحقّ الشرع فيه فاستدركه » فتفحّص الرجل عن ذلك . # فإذا هو من وقف المسجد وقد بيع بغصب ولم يعلم الرجل ولم يلتفت إلى أمره . # ولعلّ الشيخ من صلاح الرائي وشدّة قلقه علم أنّه ليس من قبل الرائي .(أو هما معا ~~). # ( وإن لم يردّها الدليل العقلي أبقيناها على ما رأيناها كما ترى الحقّ في الآخرة ~~سواء) فإنّه كثيرا ما يتجلَّى فيها بصور ينكرها أرباب العقول وذوو العقائد على ما ~~ورد في الحديث. # فلئن قيل : « إنّ الصورة المرئيّة من الخاتم لا تحتاج إلى التعبير ، لأنّ الشيطان ~~لا يتمثّل به فكيف تكون الصور المرئيّة من الحق تعالى مفتقرة إليه والشيطان يتمثّل ~~به » ؟ ! # قلنا : إنّ الخاتم للنبوّة هو الغاية في إظهار الصورة المبعوث لتمام أمرها ، فلا ~~يمكن أن يتطرّق إليه من الخفاء شيء أصلا ، ولا يقدر الشيطان الذي هو قهرمان أمر ~~الإخفاء والإلباس أن يحوم حول حماه الأحمى قطعا وإلَّا لا يكون خاتما للنبوّة . # وأمّا الحقّ ، فكما أنّ له صورة الظهور ، فله صورة الخفاء أيضا ، والكلّ منه ، ~~وإليه ، وإلى هذه النكتة المستشعرة منه أشار بقوله نظما : # (فللواحد الرحمن في كل موطن) صوريّا كان أو معنويا، عينيّا أو مثاليّا، خياليّا ~~أو جسمانياًّ # (من الصور ما يخفى) كالقبائح والقاذورات المردودة للعقول والشرايع ( وما هو ظاهر ~~) # كالمحاسن والمنزّهات، وذلك لأنّ التعيّنات والاعتبارات الفارقة على أيّ وجه كانت ~~لا دخل لها في الحقيقة الحقّة ، فهو المطلق المنزّه عن الكلّ في الكلّ ، فمن أثبت ~~الحقّ للكلّ على أنّه هو المنزّه عنه فيه ، فهو صادق وإلَّا فكاذب . # ولذلك قال : (فإن قلت هذا الحقّ قد تك صادقا ). وذلك إذا كان القائل ممن يرى كثرة ~~الصور ممحوّة في الوحدة الحقيقيّة التي للحق. (وإن قلت: أمر آخر. (أي الحقّ أمر آخر ~~أنت عابر). # أي عابر لتلك الصورة، بمعنى التعبير كما سبق في النثر بيانه أو عابر عن الحقّ ، ~~ففيه إيهام المعنيين ، والثاني أوفق لسياق النظم . # ( وما حكمه في موطن دون موطن ) لأنّه المطلق الشامل ( ولكنّه بالحقّ للخلق سافر ~~). # أي ظاهر الخلق بحسب المناسبات لهم ، ومدارج التنزّلات إليهم بالحقّ ، وإن كان ذلك ~~في صورة الباطل ، كما قال شيخ الشيخ المؤلف أبو مدين رضي الله عنه كذلك نظما : # لا تنكر الباطل في طوره %~% فإنّه بعض ظهوراته # وأعطه منه بمقداره %~% حتى توفّي حقّ إثباته # فالحقّ قد يظهر في صورة %~% ينكرها الجاهل في ذاته # ولأنّ ظهور الحقّ للمحجوبين من الخلق ، إنّما يمكن في رقائق المناسبات لهم ، ~~ومدارج التنزلات إليهم ، تراه # ( إذا ما تجلَّى للعيون تردّه %~% عقول ببرهان عليه تثابر ) # لأنّ الصور الكونيّة والمواد الهيولانيّة التي بها يظهر الحقّ للعيون ، قد نزّه ~~العقول بالبراهين القاطعة جناب الحقّ عنها . # ( ويقبل في مجلى العقول ) وذلك لأنّ هذا المجلى من شأنه أن يجرّد ما فيه عن ~~الغواشي الغريبة واللواحق الهيولانيّة الخارجة مطلقا ، بل وعمّا يلحقه فيه أيضا من ~~خصوصيّات المجلى ، وذلك الذي هو مقبول الفلاسفة وذوي العقول # ( وفي الذي %~% يسمّى خيالا ) # لما في الصور المختصّة به من التجرّد عن المواد الهيولانيّة والتنزّه عن اللواحق ~~الجسمانيّة ما ليس لغيرها من الصور . # على ما هو مقبول أرباب الخلوات الرسميّة والرياضات العاديّة ، من الأنوار ~~الشعشعانيّة والإشراقات الخالصة عن الشوائب الهيولانيّة . # ( والصحيح النواظر ) بالنصب ، عطفا على « خيالا » والنظر حينئذ بمعنى الفكر ~~وبالرفع على أن يكون جملة حاليّة ، والنظر حينئذ بمعنى البصر . # ثمّ إنّ الكلام لما انساق إلى طرف سعة الحقّ ومجال ظهوره في سائر المواطن ~~والمجالي ، وبروزه بكسرة الكلّ خفاء وظهورا ، أخذ في تبيين ذلك قائلا: ( يقول أبو ~~يزيد "البسطامي" في هذا المقام : « لو أنّ العرش وما حواه مائة ألف ألف مرّة في ~~زاوية من زوايا قلب العارف م # أحسّ بها » ) أي ما وجد لها حسّا ، وهذا غاية ما أمكن من السعة في مرتبة الأجسام ~~، لأنّه قد جمع غاية البعدين المتّصل والمنفصل في المظروف وفي الظرف وقد خصّ من بين ~~عموم زواياه زاوية واحدة . # ولذلك قال : ( وهذا وسع أبي يزيد في عالم الأجسام ) لا مطلق . # ولما كان وسع القلب وإحاطة رتبته غير مختصّ بما في الأجسام وغيرها ، من المراتب ~~ومدارج التنزّلات ، بل ولا اختصاص له أصلا بالعوالم والتعيّنات الاستجلائيّة فإنّه ~~المجلى الجامع بين الجلائيّ والاستجلائيّ . # أشار إليه بقوله : ( بل أقول : لو أنّ ما لا يتناهى وجوده ) لأنّ جزئيّات العوالم ~~والتعيّنات الاستجلائيّة إذا أريد أن يعبّر بلفظ صادق عليها ومفهوم يحمل عليها جملة ~~، فهو ذلك لا غير ، والذي قام البرهان العقلي على انتهائه هو البعد الجسماني القائم ~~بالموجود ، لا وجوده . # فإنّ وجودات الأكوان والحوادث غير متناهية ، ولهذه الدقيقة صرّح ب « الوجود » . # وإنّما قال : ( يقدّر انتهاء وجوده ) لأنّ التقدير أنّه محاط للقلب . # فعلم أنّ انتهاء القلب أيضا تقديريّ فرضيّ، وإذ قد علم أنّ سعة القلب أكثر حياطة ~~من التعيّنات الاستجلائيّة وأفسح فضاء منها. # ضمّ إلى ذلك: (مع العين الموجدة له ، في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ بذلك ~~في علمه). أي ما ظهر له حسّ وخبر تحت حكمه الشامل وأمره المحيط الكامل - أعني ~~العلم. # (فإنّه قد ثبت أنّ القلب وسع الحقّ ) - بما روي : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ، ~~ووسعني قلب عبدي المؤمن » . # ( ومع ذلك ما اتّصف بالريّ ) فإنه لو ارتوى قنع به وانقطع عنده الطلب والسعي فعلم ~~أنّه ليس مما يملؤه (فلو امتلأ ارتوى). # ثمّ إنّه لما كان قوله : « وهذا وسع أبي يزيد في عالم الأجسام » يوهم تعريضا ~~بقصوره ، وغرضه تحقيق ظهور السعة الإلهيّة في كلّ زمان لصاحبه من الأولياء جسمانيّة ~~وإطلاقيّة - فأمّا السعة الجسمانيّة لأبي يزيد فهو الذي نبّه إليه أوّلا ، وأمّا ~~الإطلاقيّة الحقّة فهو الذي سينبّه عليه - أشار إليه دفعا لذلك الوهم بقوله : # ( وقد قال ذلك أبو يزيد ) # في نظمه: # ( شربت الحبّ كأسا بعد كأس %~% فما نفد الشراب ولا رويت ) # وفي قوله : # « كأسا بعد كأس » يشير إلى تينك السعتين . # "" # كم # أورد القشيري البيت عن الشبلي : # عجبت لمن يقول نسيت إلفي %~% وهل أنسى فأذكر من هويت # أموت إذا ذكرتك ثم أحي %~% ولولا ما أؤمل ما حييت # فأحيا بالمنى وأموت شوق %~% فكم أحيا عليك وكم أموت # جعلت الصمت ستر الحب حتى %~% تكلمت الجفون بما لقيت # شربت الحب كأسا بعد كأس # %~% # فما نفد الشراب وما رويت # "" # فلئن قيل: # «لا يدفع بهذا الكلام ما يتوهّم من التشنيع ،لأنّه يدلّ على ضيق أمره في عالم ~~الجسم". # قلنا : # السعة الإطلاقيّة هو المعوّل عليها في المعرفة ، وأمّا الجسمانيّة منها فإنّما ~~تتعلَّق بظهور الولاية ، وذلك بحسب احتمال الزمان ، وزمان أبي يزيد ما احتمل وراء ~~ذلك . # ثمّ إنّ تحقيق أمر السعة مطلقا إنّما يتمّ ببيان كمال الجمعيّة والإحاطة بما ~~يقابلها يعني الضيق ولذلك قال : # ( ولقد نبّهنا على هذا المقام ) # أيضا كذلك نظم # ( بقولنا ) # : # (يا خالق الأشياء في نفسه) # لما سبق بيانه أنّ القوابل من فيضه الأقدس. # (أنت لما تخلقه جامع). # ( تخلق ما لا ينتهي كونه فيه بك) # ، لأنّه قد خلق الكلّ فيه . # ( فأنت الضيّق ) # باعتبار أحديته الذاتيّة التي لا مجال للثنويّة فيها أصل وهو الوحدة الحقيقيّة ~~التي هي مبدأ الإحاطة ، فهو المحيط # (الواسع) # للكلّ. # ( لو أنّ ما قد خلق الله ) # بقلبي، # ( مالاح بقلبي فجره الساطع ) # أي ما ظهر عليه ، بل تبطَّن فيه واتّحد به ، لأنّه إنّما يظهر عليه إذا ضاق عنه ، ~~وهو قد وسع الحقّ ، و : # ( من وسع الحقّ فما ضاق عن %~% خلق، فكيف الأمر ياسامع ) # فإنّه الجامع بين الحقّ والخلق ، فهو الكلّ . # العارف يخلق بالهمّة # ولذلك ترى الحقّ فيه قد يخلق الخلق ويحفظه ، فإنّه # ( بالوهم يخلق كلّ إنسان في قوّة خياله ما لا وجود له إلَّا فيها ، وهذا هو الأمر ~~العامّ ) # الذي لأهل التفرقة ممن لم يكن لهم أن يستجمعوا قوى القلب وينفّذوا فيها أحكامه ، ~~حتّى يظهر سلطانه . # ( والعارف ) # من أهل الجمعيّة القلبيّة التي قد تبدّلت تفرقة وهمه بجمعيّة الهمّة # ( يخلق بالهمّة ما يكون له وجود من خارج محل الهمّة ) # . # وذلك عند ظهور سلطانه واستجماع جنوده وقواه تحت قهرمانه ، النافذ أمره في سائر ~~العوالم والحضرات # ( ولكن لا تزال الهمّة تحفظه ولا يؤدها حفظه أي حفظ ما خلقته ) # لكمال سعته . # ( فمتى طرأ على العارف غفلة عن حفظ ما خلق ) # عند غلبة أحكام حضرة من الحضرات أو العوالم ، على وقته وانجذابه نحوها ، # ( عدم ذلك المخلوق ) # ضرورة أنّ مدده الوجودي إنّما هو من همّته وتوجّهه . # ( إلَّا أن يكون العارف قد ضبط جميع الحضرات ) # المرتبطة بعضها بالبعض ، ارتباط الأرواح بالأجساد والأجسام والحضرات هي المواطن ~~الكليّة ، فلا بدّ وأن يكون لكل من الموجودات وجود في كل منها بحسبها ، كما في ~~مرتبة الأرواح والأجساد بعينه # (وهو لا يغفل مطلقا، بل # لا بدّ له من حضرة يشهدها، # فإذا خلق العارف بهمّته ما خلق وله هذه الإحاطة، ظهر ذلك الخلق بصورته في كلّ ~~حضرة، وصارت الصور يحفظ بعضها بعضا، فإذا غفل العارف عن حضرة ما، أو حضرات - وهو ~~شاهد حضرة ما من الحضرات، حافظ لما فيها من صورة خلقه - انحفظت جميع الصور بحفظه ~~تلك الصورة الواحدة في الحضرة التي ما غفل عنها، لأنّ الغفلة) # عن الحضرات كلَّه # ( ما تعمّ قطَّ لا في العموم ) # بالنسبة إلى سائر الأشخاص # ( ولا في الخصوص ) # من الأولياء والكمّل . # فإذا انحفظت الصورة في حضرة من الحضرات العالية لا بدّ وأن تكون محفوظة في ~~العوالم السافلة، لارتباط العوالم بالحضرات بكلَّياتها وجزئيّاتها . # الفرق بين خلق الحقّ وخلق العبد # ( وقد أوضحت هنا سرّا لم يزل أهل الله يغارون على مثل هذا أن يظهر ) # فإنّه الكاشف عن الجهة الامتيازيّة الفارقة بين الحقّ والعبد في مرتبة الفعل ~~والخلق . # وذلك ( لما فيه من ردّ دعواهم أنهم الحقّ فإنّ الحق ) لتقدّسه عن التلبّس بأحكام ~~المراتب والمجالي ( لا يغفل ، والعبد ) لجمعيّته واحتيازه للكلّ. # ( لا بدّ له أن يغفل عن شيء دون شيء ، فمن حيث الحفظ لما خلق ، له أن يقول : « ~~أنا الحقّ » ) . وقوله حقّ بحسب الذات والعين ، فإنّ التميّز بحسب الأحكام والآثار ~~. # وإليه أشار قوله : ( ولكن ما حفظه لها حفظ الحقّ ، وقد بيّنا الفرق ) بين الحفظين ~~، ( ومن حيث ما غفل عن صورة ما وحضرتها ) أي العين الواحدة من الغفلة عن الصورة ~~المخلوقة وحضرته ( فقد تميّز العبد من الحقّ ) . # هذا على تقدير عدم بقاء الحفظ ، ( ولا بدّ أن يتميّز مع بقاء الحفظ لجميع الصور ) ~~أيض ( بحفظه ) أي حفظ العبد . # ( صورة واحدة منها في الحضرة التي ما غفل عنها فهذا حفظ بالتضمّن ، وحفظ الحقّ ما ~~خلق ليس كذلك ، بل حفظه لكلّ صورة على التعيين ) . # فعلم أنّ ملاك الأمر في التفرقة والتمييز بحسب الأحكام والآثار لا غير كما قيل : ~~« العين واحدة ، والحكم مختلف » وذلك أيضا بمجرّد الاعتبار ، فإنّ مخلوقي العبد ~~والحقّ محفوظان ، إلَّا أنّ الأوّل بالتضمّن والثاني بالتعيين ، وذلك تفصيل يعتبره ~~العقل . # ( وهذه مسألة ) هي الفارقة في مرتبة الفعل ، الجامعة فيها لعلوّ حكمها ونفاسة ~~مقصده ( أخبرت أنّه ما سطرها أحد في كتاب - لا أنا ، ولا غيري - إلَّا في هذا ~~الكتاب ) لعدم بلوغ الزمان إلى ما يقتضي إبراز الحقائق . # وإظهار أسرارها بما هي عليه ، فإنّه من خصائص الوقت الختمي ، ولطائف مولَّداته ، ~~التي لم يكن يلد الزمان ما يتولَّد منه ذلك ( فهي يتيمة الوقت فريدته ) . # ثمّ لا مرية أنّه إذا كان مبدأ التمايز والتفرقة ، ومنشأ التفصيل والمغايرة ليس ~~إلَّا مجرّد الآثار والأحكام الاعتباري ، فتكون العين الواحدة مما لا يمكن أن ~~يتفرّق ويفصل في نفسها ، فسائر الحضرات إنّما هو العين الواحدة التي تتكلَّم وتخاطب ~~، وإليه أشار مخاطبا : ( فإيّاك أن تغفل عنها ، فإنّ تلك الحضرة التي يبقي لك ~~الحضور فيها مع الصورة ، مثلها مثل الكتاب الذي قال الله فيه : " ما فَرَّطْنا في ~~الْكِتابِ من شَيْءٍ " [ 6 / 38 ] . # وذلك من حيث أنّها هي الجامعة بين كمال تفصيل الصور، وتمام تبيين المعاني، ~~كالكتاب، ( فهو الجامع للواقع ) مما يمكن أن يكون له في النشأة الخارجة عن المشاعر ~~صورة ظهرت ، أو لم تظهر ( وغير الواقع ) مما لا يمكن له ذلك ، كالمعاني العقليّة ~~والمثل الخياليّة التي يمتنع لها البروز عن مواطنها ذلك ، ويستحيل أن يظهر في هذه ~~النشأة الخارجية . # ( ولا يعرف ما قلناه ) من أنّ الكلّ إنّما هو من العين الواحدة المسماة بالعبد - ~~وإن اختلفت النسب والعبارات بحسب الاعتبارات . # ( إلَّا من كان قرآنا في نفسه ) جامعا بين تمام التفرقة وكمال الجمع ، شاهدا في ~~عين العبد ، الكاشفة عن تمام البعد كنه القرب من الحقّ بعينه ( فإنّ المتّقى ) الذي ~~جعل عينه وقاية للحقّ في الذم والحقّ وقاية لعينه في الحمد. # ( الله يجعل له فرقانا) حتّى يتمكَّن من التفرقة بين الذمّ والنقص ، والتفرقة ~~والبعد ، وبين الحمد والكمال ، والجمعيّة والقرب . # ( وهو مثل ما ذكرنا في هذه المسألة ) ، الكاشفة في مرتبة الفعل والخلق عمّا ينسب ~~إليه (فيما يتميّز به العبد من الربّ). # (وهذا الفرقان أرفع فرقان ) ، فإنّه فرقان في أنزل المراتب ، يعني الفعل والخلق ، ~~وهي العين المنبئة عن كمال الجمع ، وعلم من طي ما اقتبسها من مشكاة النبوّة في ~~عبارته الكاشفة عن مصباح الولاية : إنّ القرآنيّة هي مقتضى حقيقة العبد ، وله في ~~نفسه ، والفرقانيّة إنّما يجعل له الله ، فلذلك أخذ في النظم مفصحا عن ذلك : "يا ~~أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ~~وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله ذُو الْفَضْلِ ~~الْعَظِيمِ ". # فوقتا يكون العبد ربا بلا شك %~% ووقتا يكون العبد عبدا بلا إفك # (فوقتا يكون العبد ربّا بلا شكّ) عندما يجعل الله له فرقان # (ووقتا يكون العبد عبدا بلا إفك ) عندما يصل إلى قرآنيّته التي له في نفسه. # فإن كان عبدا كان بالحق واسعا %~% وإن كان ربا كان في عيشة ضنك # (فإن كان عبدا) قابلا على الإطلاق جامع (كان بالحقّ واسعا ) لأنّه طرف الإطلاق ~~والسعة يقابلها يعني الضيق # ( وإن كان ربّا ) مقيّدا به ومفرقا فيه بخصوصه ( كان في عيشة ضنك ) لأنّ القيد ~~مطلقا طرف الضيق والتفرقة . # فمن كونه عبدا يرى عين نفسه %~% وتتسع الآمال منه بلا شك # ( فمن كونه عبدا ) جامع ( يرى ) الكلّ لجمعيّته الإطلاقيّة ( عين نفسه ويتّسع ~~الآمال منه بلا شك ). # ومن كونه ربا يرى الخلق كله %~% يطالبه من حضرة الملك و الملك # ( ومن كونه ربّا ) مفرق ( يرى الخلق كلَّه يطالبه ) لغلبة سلطان التفرقة في مشهده ~~ذلك ( من حضرة الملك ) وهو الذي يستحقّه لأصل استعداده ويملكه ( والملك ) وهو الذي ~~يستحقّه عند الظهور بأعماله وراثة لها . # ويعجز عما طالبوه بذاته %~% لذا تر بعض العارفين به يبكي # ( ويعجز عمّا طالبوه بذاته ) لأنّ القدرة إنّما هو للجمعيّة والإطلاق ( لذا تر ~~بعض العارفين به يبكي ) بحذف الياء من "ترى " تخفيفا ، وفي بعض النسخ « كذا كان » . # فكن عبد رب لا تكن رب عبده %~% فتذهب بالتعليق في النار والسبك # ( فكن عبد ربّ لا تكن ربّ عبده ، فتذهب بالتعليق في النار ) المفرّقة ( والسبك ) ~~بها لإفناء غشّ القاذورات المستتبعة للإنيّة الفارقة ، وخلاص ذهب حقيقته العبديّة ~~عنها . # و "الباء" فيه على طريقة قوله تعالى: "تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ " أي : فتذهب متلبّسا ~~بالتعليق . # . # %~% ### | فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية ### | 08 - فصّ حكمة روحيّة في كلمة يعقوبيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن ~~الدين علي ابن محمد التركة ### || شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم ~~الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # ولذلك قال تعالى على لسانه : " لا تَيْأَسُوا من رَوْحِ الله " [ 12 / 87 ] ، و " ~~إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ " [ 12 / 94 ] . # وبيّن أنّ أتمّ ما يظهر به الانبساط الوجودي المستتبع للطائف العلميّة هي الأوضاع ~~الدينيّة والأحكام الشرعيّة ، فإنّها مع كونها هي المقوّمة للصورة الانبساطيّة ، ~~والهيئة الجمعيّة الانتظاميّة التي بها قامت العين في الخارج متشخّصة بالفعل ، ~~منطوية أيضا على جملة من الحقائق ، كاشفة عنها ، لذلك أخذ في هذا الفصّ يبيّن أمر ~~الدين بأقسامه وأحكامه ، في قوله : # الدين دينان # قال رضي الله عنه : (الدين دينان : دين عند الله وعند من عرّفه الحقّ) بوسيلة ~~الوحي من الأنبياء والرسل ، (ومن عرّفه من عرّفه الحقّ ) بوسيلة الفكر والإلهام ، ~~والكشف من الوارثين لهم . # قال رضي الله عنه : ( ودين عند الخلق ) مما واطأ عليه خيار الناس وحكماؤهم من ~~الأوضاع المستحسنة المستجلبة للمكارم ، الموافقة للحكم الخاصّة ، المطابقة لمصلحة ~~العامّة ، ( وقد اعتبره الله ) بلسان الخاتم صلى الله عليه وسلم، المعرب عن الحكم ~~والمصالح كلَّها ، فإنّه ما لم يعتبره كذلك فهو من العادات الرديئة المردية التي ~~تتبعها الغواشي المظلمة المضلَّة . # "إشارة إلى الآية الكريمة : " وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها ~~عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّه ِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها ~~فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ" ~~[الحديد : 27]. # قال رضي الله عنه : ( فالدين الذي عند الله هو الذي اصطفاه الله وأعطاه الرتبة ~~العليّة على دين الخلق . # فقال تعالى : " وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ ~~إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ ~~مُسْلِمُونَ (132) ".سورة البقرة # (بيّن أوضاعكم المرغوبة وعاداتكم المطبوعة من أفعالكم الاختياريّة ، التي تخرجكم ~~عن مشتهياتكم المتفرقة وتجمعكم فيها جمعا " فَلا تَمُوتُنَّ " اختياريّا كان ~~بالفطام عن تلك العادات ، أو اضطراريّا بالانفطام عن مطلق الطبيعيّات وانقطاع ~~أحكامه" إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " [ البقرة: 123 ]. # ( أي منقادون إليه ) ظاهرا بلزوم الاعتقاد والإخلاص فيه ، وإلزام الجوارح بالعكوف ~~على مقتضاه ، وباطنا بالتدبّر في جزئيّات أوضاعه واستكشاف لطائف المعارف ودقائق ~~الحقائق منها جملة كافية . # قال رضي الله عنه : ( وجاء « الدين » بالألف واللام للتعريف والعهد ، فهو دين ~~معروف معلوم ) ضرورة أنّ الغاية التي هي الحقيقة الآدميّة لما كانت معلومة معروفة ~~في الأزل . # فكذلك الطريقة الموصلة إياها إلى كمالها المتمّمة لها ، لا بدّ وأن تكون معلومة ~~معروفة ، وإلى ذلك في القرآن الكريم إشارة : ( وهو قوله تعالى : " إِنَّ الدِّينَ ~~عِنْدَ الله الإِسْلامُ " [ 3 / 19 ] وهو الانقياد ) - كما عرفت - ظاهرا وباطنا . # قال رضي الله عنه : ( فالدين عبارة عن انقيادك والذي من عند الله هو الشرع الذي ~~انقدت أنت إليه ) ، فالانتساب إليه تعالى هو الذي يسمّيه الشرع ، وإلَّ ( فالدين ~~الانقياد والناموس ) أي المستور المضنون به على غير الكمّل ، فإنّ ناموس الرجل هو ~~صاحب سرّه الذي يخصّه بما يستره عن غيره . # وذلك ( هو الشرع الذي شرّعه الله ) للعامّة بحسب التعلَّق به أفعالا ، وللخاصّة ~~بحسب التعلَّق والتخلَّق أفعالا وأوصافا ، ولخلَّص الخاصّة بحسب التعلَّق والتخلَّق ~~والتحقّق أفعالا وأوصافا واستكشافا عمّا ينطويه من الحقائق المضنون بها. # قال رضي الله عنه : ( فمن اتّصف بالانقياد لما شرّعه الله له فذلك الذي قام ~~بالدين وأقامه - أي : أنشأه - كما تقيم الصلاة ) فإنّ الإذعان والانقياد إنّما هو ~~إعداد الجوارح والقوى الفعّالة لارتكاب الواجبات والكفّ عن المحرّمات ، وليس ذلك ~~سوى فعل من أفعال العبد . # ( فالعبد هو المنشئ للدين ، والحقّ هو الواضع للأحكام ) من الوجوب والتحريم ، ~~المستدعي للإتيان أو الكفّ ، ( والانقياد ) والإذعان لهم ( عين فعلك فالدين من فعلك ~~، فما سعدت ) واتّصفت بكمال العبوديّة ( إلَّا بما كان منك ) . # قال رضي الله عنه : ( فكما أثبت السعادة ) التي هي كمال العبوديّة ( لك ما كان ~~فعلك ، كذلك ما أثبت الأسماء الإلهيّة ) التي هي كمال الالوهيّة الأسمائيّة ( إلَّا ~~أفعاله ، وهي أنت ) يعني العين باعتبار تفرقته في ثنويّة الخطاب وثبوته فيه عيان ( ~~وهي المحدثات ) . # قال رضي الله عنه : ( فبآثاره سمّي إلها ، وبآثارك سمّيت سعيدا ، فأنزلك الله ~~منزلته إذا أقمت الدين ، وأنقدت إلى ما شرّعه لك ) فكمّلت نفسك بأفعالك ، كما كمّل ~~الله نفسه بك وهو عين فعله ( وسأبسط في ذلك - إن شاء الله - ما تقع به الفائدة بعد ~~أن تبيّن الدين الذي عند الخلق ، الذي اعتبره الله ) فهو أيضا لله . # ( فالدين كلَّه لله ، وكلَّه منك ) - لأنّه فعلك - ( لا منه ، إلَّا بحكم الأصالة ~~) ، فإنّ الكلّ بذلك الحكم منه إليه " كُلٌّ من عِنْدِ الله "، لا تفرقة هناك أصلا ~~. # الدين الذي وضعه الخلق واعتبره الله تعالى # وأمّا بيان اعتباره تعالى ذلك الدين : فإنّه ( قال تعالى " وَرَهْبانِيَّةً ~~ابْتَدَعُوها " [ الحديد : 27 ] ، وهي النواميس الحكميّة ) والأسرار المضنونة ~~الخاصّة ، ( التي لم يجيء الرسول المعلوم بها ) - أي لم يجيء بتلك النواميس ( في ~~العامّة من عند الله ) . # ولا يتوهّم أنّ عدم مجيء الرسول بها مطلقا ، بل ( بالطريقة الخاصّة المعلومة في ~~العرف ) الشرعي التي هو مسلك أئمّة الفقهاء والمجتهدين في استنباط الأحكام فإنّ ~~الرسول الخاتم عند التحقيق لا بدّ وأن يجيء بسائر الأسرار والحكم كما سلف بيانه ~~ولكن لا على الطريقة المعلومة في العرف العاميّ لعدم بلوغ مدارك أهل ذلك العرف إليه ~~. # ولا بدّ له من التنزّل إلى مقامهم ، والتكلَّم على مقادير عقولهم وأفهامهم ، وعلى ~~ذلك العرف # قال رضي الله عنه : : ( فلمّا وافقت الحكمة والمصلحة الظاهرة فيها الحكم الإلهي ~~في المقصود بالوضع المشروع الإلهي ) وهو الانتهاج إلى الغاية الكماليّة ، أعني ~~النظم الوجودي والسلوك الشهودي الذي هو وجهة الحركة الكماليّة الإنسانيّة. # قال رضي الله عنه : ( اعتبرها الله اعتبار ما شرّعه من عنده تعالى ، وما كتبها ~~الله عليهم ) كتابة إلزام وإيجاب - لما عرفت آنفا - # ( ولما فتح الله بينه وبين قلوبهم باب العناية والرحمة من حيث لا يشعرون ) مورد ~~ذلك الرحمة ، ولا مصدر تلك العناية فإنّهم رأوا أن المعارف والعلوم إنّما استحصلوها ~~من الفكر والنظر ، وليس للانتساب بالكمّل من الورثة الختميّة التي للأنبياء ~~والأولياء له دخل في ذلك وقد اقتبس هذا المعنى من قوله تعالى :" وَجَعَلْنا في ~~قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوه ُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ~~" [ الحديد : 27 ] . # قال رضي الله عنه : ( جعل في قلوبهم تعظيم ما شرّعوه ، يطلبون بذلك رضوان الله ~~على غير الطريقة النبويّة ) الموضوعة للعامّة ، ليكون شكرا وفاقا ، بإزاء تلك ~~العناية الخاصّة الخفيّة عندهم مورد نزولها وفيضانها . # فإنّ ذلك عبادة زائدة - على ما ألزمهم بها - من عند أنفسهم تبرّعا ، كسنن ~~المتصوّفة من الإسلاميّين وغيرهم من سائر الملل. # ولذلك وصف الطريقة المذكورة في أكثر النسخ بقوله : ( المعروفة بالتعريف الإلهي ~~فقال ) مفصحا عن ذلك المعنى : ( " فَما رَعَوْها " هؤلاء الذين شرّعوها ) - بوضعهم ~~تلك الرهبانيّة الناموسيّة - ( وشرّعت لهم ) بالتزام أحكامها - ( " حَقَّ ~~رِعايَتِها " . " إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ الله " ولذلك اعتقدوا ) الرضوان برعاية ~~تلك الرهبانيّة . # فتكون الاستثناء على هذا التقدير متّصلا ، ففسّر الآية على المعنى إظهارا لذلك ، ~~فإنّ ظاهر الآية على ما عليه العامة أنّ الاستثناء منقطع والمعنى على ذلك أيضا ~~مشوّش ، فلذلك عدل عمّا هو الظاهر من التركيب ، وجعل الاستثناء عن قوله " فَما ~~رَعَوْها " مع تقدّمه ، فإنّ ذلك غير بعيد على قانون ذوي الألباب ، الذين لا ~~يلتفتون إلى الرسوم الاصطلاحيّة الجعليّة . # ( " فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا " به " مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ " ) وهو الرضوان ، ~~( " وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ " أي من هؤلاء الذين شرّع فيهم هذه العبادة " فاسِقُونَ " [ ~~الحديد : 27 ] أي خارجون عن الانقياد إليها والقيام بحقّها . # (ومن لم ينقد إليها لم ينقد إليه مشرّعه بما يرضيه لكن الأمر ) على ما عليه ~~حقيقته في نفسه ( يقتضي الانقياد ) ، إذ لا يلزم من عدم انقياد المشرّع إليه بما ~~يرضيه عدم انقياده إليه مطلقا ، فإنّه لا بدّ للأمر مطلقا من الانقياد . # الدين هو الجزاء # قال رضي الله عنه : ( وبيانه أنّ المكلَّف إمّا منقاد بالموافقة ، وإمّا مخالف ~~فالموافق المطيع لا كلام فيه لبيانه ) وظهور أمره ( وأمّا المخالف : فإنّه يطلب ~~بخلافه الحاكم عليه من الله ) - فإنّ الحكم إنّما هو لصرافة القابليّة الأصليّة ~~الذاتيّة كما سبق تحقيقه . # ( أحد الأمرين : إمّا التجاوز والعفو ، وإمّا الأخذ على ذلك . ولا بدّ من أحدهما ~~، لأنّ الأمر حقّ في نفسه ) وهو يقتضي ذلك ، ومقتضى الحقّ حقّ . # قال رضي الله عنه : ( فعلى كلّ حال - قد صحّ انقياد الحقّ إلى عبده لأفعاله ، وما ~~هو عليه من الحال فالحال هو المؤثّر ، فمن هنا كان الدين جزاء ، أي معاوضة بما يسرّ ~~أو بما لا يسرّ فيما يسرّ " رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه ُ " [ 58 / 22 ] ~~هذا جزاء بما يسر ) للمكلَّف الموافق . # (" وَمن يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْه ُ عَذاباً " [ 25 / 19 ] هذا جزاء بما لا يسرّ ~~) للمكلَّف المخالف. # (" وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ " [ 46 / 16 ] هذا جزاء ) بما يسرّ للمكلَّف ~~المخالف ( فصحّ أن الدين هو الجزاء ) . # قال رضي الله عنه : (وكما أنّ الدين هو الإسلام ، والإسلام عين الانقياد ، فقد ~~انقاد إلى ما يسرّ وإلى ما لا يسرّ - وهو الجزاء) - فيكون الدين كلا معنييه مرادا ، ~~مستقيما إرادته هاهنا . # لا يصل إلى العبد شيء عن غير ذاته # قال رضي الله عنه : ( هذا لسان الظاهر في هذا الباب ) حيث فصّل المكلَّف ، وقسّم ~~المكلَّفين إلى الموافقين منهم والمخالفين ، وبيّن للكلّ ما لهم من الدين ( وأمّا ~~سرّه وباطنه فإنّه تجلَّى في مرآة وجود الحقّ ، فلا يعود على الممكنات من الحق ~~إلَّا ما تعطيه ذواتهم في أحوالها ) فإنّ المرآة إنّما تعطي ما على الرائي من ~~الأوضاع والهيئات وتحوّلهم في تلك الأوضاع في مراقي السعادة تارة ، ومهاوي الشقاوة ~~أخرى ، بحسب تطوّرهم في الأحوال. # قال رضي الله عنه : ( فإنّ لهم في كلّ حال صورة ، فتختلف صورهم لاختلاف أحوالهم ، ~~فيختلف التجلَّي لاختلاف الحال ، فيقع الأثر في العبد بحسب ما يكون ) عليه بالذات ( ~~فما أعطاه الخير سواه ) . # وإذ قد تقرّر على أصولهم أنّ الشرّ من حيث أنّه شرّ لا يقبل الوجود ، فإنّ ما ~~يقال له « الشرّ » عرفا إنّما هو باعتبار نسبته إلى الخير ومضادّته المظهرة إيّاه - ~~كما قيل: « فبضدّها تتبيّن الأشياء » . # وقال المتنبي: # ونديمهم وبهم عرفنا فَضلهُ %~% وبِضدها تتبين الأشياءُ # وينبّه على هذه النكتة حيث قال : ( ولا أعطاه ضدّ الخير غيره ) . # وما قال : « ولا أعطاه الشرّ » فإنّه من حيث هو شرّ غير قابل لأن يكون معطى . # فظهر أنّه لا شيء ممّا هو سبب نعيم العبد وعذابه خارجا عن ذاته . # قال رضي الله عنه : ( بل هو منعم ذاته ومعذّبها ، ولا يذمنّ إلَّا نفسه ، ولا ~~يحمدنّ إلَّا نفسه ، فللَّه الحجّة البالغة في علمه بهم ، إذ العلم يتّبع المعلوم ) ~~. # وهذا السرّ وإن انطوى فيه كثير من متفرّقات أحكام الأكوان ومتوهّمات أعيان عوالم ~~الإمكان ، ولكن ما أفصح عن التوحيد الذاتي خالصا عن شوائب الثنويّة والتقابل حيث ~~أثبت المعلوم بإزاء العالم ، والظلّ بإزاء الشمس ، والكثرة بإزاء الوحدة - فلا بدّ ~~مما يفصح عن ذلك السرّ حتّى يتمّ البيان. # كم قال العارف التلمساني : # لما انتهت عيني إلى أحبابها %~% شاهدت صرف الراح عين حبابها # "" صرف الراح : كناية عن حضرة الهوية الصرفة المحيطة القاهرة ، وحبابها عن الصور ~~التي تجلت وتصورت به "" # ثمّ إنّه ما جاوز صاحب المشهد هذا بعد عن مفترق المتقابلين ، وهو المعبّر عنه ب " ~~قابَ قَوْسَيْنِ " ، والذي يناسب طور كتابه هذا إنّما هو المشهد الختمي ، المعبّر ~~عنه ب " أَوْ أَدْنى " [ 53 / 9 ] وهو الذي لا تغاير هناك ولا نسبة أصلا ، وإلى ذلك ~~أشار بقوله : ليس في الوجود إلا الحقّ تعالى وتجلَّياته # قال رضي الله عنه : (ثمّ السرّ الذي فوق هذا في مثل هذه المسألة : أنّ الممكنات ~~على أصلها من العدم ، وليس وجود إلَّا وجود الحقّ بصور أحوال ما هي عليه ، أي ~~الممكنات في أنفسها وأعيانها ) . # فلئن قيل : إذا ثبت أنّ الممكنات على عدمها الأصلي ، فكيف يتصوّر لها أحوال يظهر ~~الحقّ بصورها ؟ # قلن : إنّ الممكنات إذا لوحظت من حيث أنفسها وأعيانها - أي ذواته و أصالتها فهي ~~الاعتبارات المسمّاة بالشؤون الذاتيّة ، وهي عين الذات ، وإنّما يقال لها « الممكن ~~» إذا لوحظت خارجة عن الوجود الحقّ ، مقابلة له وكأنّا بيّنا زيادة بيان لهذه ~~المسئلة في كتاب « التمهيد » فليطالب ثمّة . # الثواب والعقاب # قال رضي الله عنه : ( فقد علمت من يلتذّ ومن يتألَّم ، وما يعقب كلّ حال من ~~الأحوال ، وبه سمّي عقوبة وعقابا ، وهو شائع في الخير والشرّ ،غير أنّ العرف سمّاه ~~في الخير « ثوابا » وفي الشرّ « عقابا ») فإن عقب الشيء آخره ، ولذلك يقال للولد : ~~عقب . # وبهذه النسبة خصّص بحث الدين بالفصّ اليعقوبي ، الذي هو آخر الآباء في هذه ~~السلسلة ، فإنّ « اليعقوب » في أصل اللغة هو ذكر الحجلة لما له من عقب الجري. # " الحجل : طائرٌ في حجم الحمام من رتبة الدَّجاجيّات ، ومنه أنواع عدة ، أحمرُ ~~المنقار والرجلين ، طيَّب اللحم " # الدين هو العادة # قال رضي الله عنه : ( وبهذا سمّي - أو شرح الدين ) الذي هو الجزاء - ( بـ « ~~العادة » ، لأنه عاد عليه ما يقتضيه ويطلبه حاله ) من الصور الملائمة وغير الملائمة ~~- على ما سبق تفصيله. # قال رضي الله عنه : ( فالدين : العادة . # قال الشاعر : # كدينك من امّ الحويرث قبلها أي : عادتك .ومعقول العادة أن يعود الأمر بعينه إلى ~~حاله، وهذا) العود بعينه ( ليس ثمّ ) أي في الدين ، ( فإنّ العادة تكرار ) ولا ~~تكرار في الوجود أصلا . # ( لكن العادة حقيقة ) بمعنى التكرار ( معقولة ) ، فلا يأباه العقل ظاهرا ، ( ~~والتشابه في الصور موجود ) كما في المتّحدين بالنوع والمتماثلين من أفراده ، فيتصور ~~العادة حينئذ بحقيقتها كما في الأفراد الإنسانيّة مثلا . # قال رضي الله عنه : (فنحن نعلم أنّ زيدا عين عمرو في الإنسانيّة ، وما عادة ~~الإنسانيّة إذ لو عادت تكثّرت) الإنسانيّة ( وهي حقيقة واحدة ) غير متكثّرة ، ( ~~والواحد لا يتكثّر في نفسه ونعلم أن زيدا ليس عين عمرو في الشخصيّة ، فشخص زيد ليس ~~شخص عمرو ، مع تحقيق وجود الشخصيّة بما هي شخصيّة في الاثنين ) أي مع اعتبار معنى ~~التشخّص فيهما ، فإنّه معنى واحد لا تكثّر فيه بنفسه كالحقيقة بعينها . # قال رضي الله عنه : ( فيقول في الحسّ « عادت » لهذا الشبه ) الواقع بينهما من ~~عروض # هذا التشخّص الواحد ، ومن حيث تماثلهما في أصل الحقيقة . # قال رضي الله عنه : ( ونقول في الحكم الصحيح ) العقلي : ( « لم تعد » ) من حيث ~~أنّ العائد بالذات غير البادئ ، على ما دلّ عليه برهان امتناع إعادة المعدوم بعينه ~~. # قال رضي الله عنه : ( فما ثمّ عادة بوجه ، وثمّ عادة بوجه ) فقد جمع في حكمه هذين ~~الطرفين ، وإنّما خصّ ذلك في الحسّ لأنّ مرجع الاشتباه بين المتمايزات ومورده ذلك ، ~~ومن ثمة يرى العقل يغلطه في كثير من المواضع. # ولذلك وصف الحكم العقلي بالصحّة ( كما أنّ ثمّ جزاء بوجه ) حيث أنّ العقاب بما ~~يستعقبه أفعال العبد وأحواله فهو العوض لها وجزاؤها ، ( وما ثمّ جزاء بوجه ) حيث ~~أنّ كلّ حال مستقلّ في طروّها للعبد بنفسه (فإنّ الجزاء أيضا حال في الممكن من ~~أحوال الممكن) ممّا يقتضيها الممكن بذاته ، وهي الأمور المتغايرة بالذات ، فليس ~~بينها ما يستعقب بعضها بعضا ، من النسب الارتباطيّة والرقيقة الاتحاديّة بهذا ~~الاعتبار . # وملخّص هذا الكلام أنّ الدين الذي هو من أحكام الأعيان الممكنة جامع للطرفين ، ~~كالأعيان بعينها ، فإنّها من وجه عدم محض ، ومن وجه آخر أحوال وأحكام يتصوّر بها ~~الوجود ، فلها وجود بهذا الوجه . # قال رضي الله عنه : (وهذه مسألة أغفلها علماء هذا الشأن - أي أغفلوا إيضاحها على ~~ما ينبغي ، لا أنّهم جهلوها) ، وإلَّا لم يكن لهم علم بالشأن أصلا - وإنّما أغفلوا ~~عن إيضاحه (فإنّها من سرّ القدر المتحكَّم في الخلائق) إذ ما من مخلوق إلَّا وهو ~~مجبور تحت حكم قابليّته الأصليّة الذي يتّبعه التجلَّي . # وأعيان علماء ذلك الشأن ما حكمت قابلياتها وما طلبت ألسنة استعداداتهم إيضاح تلك ~~المسئلة على ما ينبغي . # خدمة الرسل عليهم السّلام # وبيان ذلك ما أشار إليه بقوله : (واعلم أنّه كما يقال في الطبيب : « إنّه خادم ~~الطبيعة ») # فيمن يستعلجه ويعالجه (كذلك يقال في الرسل والورثة) الذين هم العلماء بالشأن ~~المذكور : # قال رضي الله عنه : (انّهم خادمو الأمر الإلهي في العموم) ممّا يتعلَّق بأنفسهم ~~من الأحكام الخاصّة بهم ، ومما يتعلَّق بالأمم المتعلَّقة بهم مما يختصّ بهم (وهم ~~في نفس الأمر خادمو أحوال الممكنات ، وخدمتهم من جملة أحوالهم التي هم عليها في حال ~~ثبوت أعيانهم) وباقي الأعيان هم المخدومون في حال ثبوت أعيانهم . # قال رضي الله عنه : (فانظر ما أعجب هذا) حيث وقع أحوال الممكنات مخدومة - وهي ~~خادمة بعينها - وحيث وقع الأشرف خادما ، والأخسّ مخدوما في أصل القابليّة ( إلَّا ~~أن ) لهذه الخدمة تفصيلا لا بدّ من الوقوف عليه عند الاستطلاع لما يراد من هذا ~~البحث هاهنا . # وهو أنّ ( الخادم المطلوب هنا إنّما هو واقف عند مرسوم مخدومه إمّا بالحال أو ~~بالقول . # فإنّ الطبيب إنّما يصحّ أن يقال فيه : ) « إنه بالفعل ( خادم الطبيعة » لو مشى ~~بحكم المساعدة لها ) فيما تريد في إصلاحها حالا أو قولا . # قال رضي الله عنه : ( فإنّ الطبيعة قد أعطت في جسم المريض مزاجا خاصّا به سمّى « ~~مريضا » ، فلو ساعدها الطبيب خدمة ) في إبقاء ذلك المزاج له. # قال رضي الله عنه : ( لزاد في كميّة المرض بها أيضا ، وإنّما يردعها طلبا للصحة ، ~~والصحّة من الطبيعة أيضا بإنشاء مزاج آخر يخالف هذا المزاج ) الذي هو مبدأ الانحراف ~~عن نهج الاستقامة والاعتدال الصحيح . # قال رضي الله عنه : ( فإذن ليس الطبيب بخادم للطبيعة ) مطلق ( وإنّما هو خادم لها ~~من # حيث أنّه لا يصلح جسم المريض ولا يغيّر ذلك المزاج الَّا بالطبيعة أيضا ) كما أنّ ~~الخدمة للأعيان الممكنة من أحوال أعيان الرسل . # قال رضي الله عنه : ( ففي حقّها يشفي من وجه خاصّ غير عامّ ) وذلك هو معاونة ~~الطبيعة في إنشاء مزاج يقيمه على إصلاحه واعتداله بالطبيعة ، فخدمته مختصّة بهذا ~~الوجه ( لأنّ العموم لا يصحّ في مثل هذه المسئلة ) . # قال رضي الله عنه : ( فالطبيب خادم ، لا خادم - أعني للطبيعة - ) فهو أيضا ذو ~~طرفين ( كذلك الرسل والورثة في خدمة الحقّ ) فإنّهم يخدمون الأمر الإلهي لا من جميع ~~الوجوه ، بل من جهة الإصلاح ومساعدته للوصول إلى موقف الإسعاد . # قال رضي الله عنه : ( وأمر الحقّ على وجهين في الحكم في أحوال المكلَّفين ) فإنّه ~~قد سلف لك في مطلع الكتاب أنّ للأمر الإلهي مدرجتين في النزول : # حداهما من عرش الذات نحو تحصيل الأعيان بلا واسطة الرسل وهو المسمّى بالمشيّئة ~~والحاصل منه هو الشيء . # والثانية من علم الرسل نحو تبيين أحكام تلك الأعيان وخواصّها ، وهو المسمّى ~~بالتشريع والحاصل منه هو الشرع . # والكل من المدرجة الأولى ، لكن خدمة الأنبياء والرسل إنّما تتعلَّق بما يعرض ~~أحوال المكلَّفين منها من الأحكام ، وخدمتهم أيضا من تلك المدرجة . # وإليه أشار بقوله : ( فيجري الأمر من العبد بحسب ما تقتضيه إرادة الحقّ ، ~~وتتعلَّق إرادة # الحقّ به بحسب ما يقتضي به علم الحقّ على حسب ما أعطاه المعلوم من ذاته ، فما ظهر ~~) الأمر الحقّ التابع للعلم ( إلَّا بصورته ) أي بصورة المعلوم . # الرسل خادمو الأمر الإلهي ، لا إرادته تعالى # قال رضي الله عنه : ( فالرسول والوارث خادم الأمر الإلهي ) - مما يتعلَّق منه ~~بأحوال المكلفين - ( بالإرادة ) التي ظهرت بذلك الرسول وتعلَّقت به ، لما عرفت من ~~شمول المدرجة الأولى للكلّ ، ( لا خادم الإرادة ) فإنّ الإرادة حكمها شامل للإسعاد ~~والإشقاء ، وخدمة الرسل إنّما تتوجّه نحو إسعاد العبيد والمكلَّفين فقط . # قال رضي الله عنه : ( فهو يردّ عليه به طلبا لسعادة المكلَّف ) كما يردّ الطبيب ~~على الطبيعة بها طلبا لصحّة المستعلج ، أي يردّ على الأمر المراد بذلك الأمر أيضا ، ~~عند النصيحة بكفّهم عمّا يتوجّهون إليه بأنفسهم وذواتهم . # قال رضي الله عنه : ( فلو خدم الإرادة الإلهيّة ما نصح ، وما نصح إلَّا بها - ~~أعني بالإرادة ) كما أنّ الطبيب ما ردّ الطبيعة الخارجة عن الاعتدال في أمزجة ~~المرضى إلَّا بالطبيعة . # قال رضي الله عنه : ( فالرسول والوارث طبيب اخراوي «للنفوس ، منقاد لأمر الله حين ~~أمره ، فينظر في أمره تعالى ، وينظر في إرادته تعالى ، فيراه قد أمره بما يخالف ~~إرادته ، ولا يكون إلَّا ما يريد ، ولهذا كان الأمر ) - أي وقع من الأنبياء أمر ~~أممهم - ( فأراد الأمر فوقع ، وما أراد وقوع ما أمر به بالمأمور ، فلم يقع من ~~المأمور ، فسمّي مخالفة ومعصية ) . # قول رسول الله صلَّى الله عليه وآله : شيبتني سورة هود # ( فالرسول مبلَّغ ) للأمر المحتمل لما يوافق الإرادة ويخالفها ، فيسعد ويشقي به ( ~~ولهذا قال : « شيّبتنى هود وأخواتها » لما تحوي عليه من قوله : " فَاسْتَقِمْ كَما ~~أُمِرْتَ " [ 11 / 112 ] ) من وجوب دعوة الأمم كلَّها ، ومن جملتهم من تعلَّقت ~~الإرادة بأن لا يقع منه المأمور به . # فإنّ طلب وقوع المأمور به منه مع مخالفته للمراد ، يكون تكليفا بالمحال وطلبا لما ~~يمتنع حصوله ( فشيّبه " كَما أُمِرْتَ ". # فإنّه لا يدري هل امر بما يوافق الإرادة - فيقع - أو بما يخالف الإرادة فلا يقع . ~~ولا يعرف أحد حكم الإرادة إلَّا بعد وقوع المراد - إلَّا من كشف الله عين بصيرته ، ~~فأدرك أعيان الممكنات في حال ثبوتها على ما هي عليه ، فيحكم عند ذلك بما يراه ، ~~وهذا قد يكون لآحاد الناس في أوقات ) صافية لهم ( لا يكون مستصحبا ) في سائر ~~الأوقات . # وليس مما يختصّ بنيله الأنبياء ، فلا يلتفتون إليه كلّ الالتفات فإنّه ليس في ~~معرفة الجزئيّات وتصفّح سماتها من الكمال ما يعتدّ به ولهذ ( قال ) النبيّ صلَّى ~~الله عليه وسلَّم # ( " ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ " [ 46 / 9 ] ، فصرّح بالحجاب وليس ~~المقصود إلَّا أن يطَّلع في أمر خاصّ ) من الكمال الذي لا شركة لأحد فيه ( لا غير ) ~~ذلك من المآرب المتنوعة التي لأفراد نوعه . # التمهيد للفصّ اليوسفي الآتي # ثمّ إنّه قد اتّضح لك - حيث تكلَّمنا على كيفيّة نضد الفصوص أنّ الكلمة اليوسفيّة ~~هي التي تمّت بها إحدى الحركات الوجوديّة في هذا النوع الكماليّ الإنسانيّ . # وهي التي تتوجّه فيها نحو ظهور كمالاته الصوريّة التي في مخارج الخارج على ~~المشاعر الشاعرة ، وذلك إنّما يتحقّق بالنور الظاهر بنفسه ، المظهر لسواه ، ولذلك ~~خصّها بالحكمة النوريّة ، فإنّ النور على اصطلاحهم ظاهر الوجود ، فقال : # فصّ حكمة نوريّة في كلمة يوسفيّة. # . # %~% # . ### | فص حكمة نورية في كلمة يوسفية ### | 09 - فصّ حكمة نوريّة في كلمة يوسفيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين ~~علي ابن محمد التركة ### || شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم ~~الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # ومما يلوّح عليه أنّ التسعة الكماليّة المتبطَّنة في عقد الوجود تراها ظاهرة في " ~~النور" والكلمة ، وهما متطابقان فيه ، متوافقان في إظهار تلك الصورة الكماليّة ~~وإبرازها إلى العيان : وجود ( 19 ) ، نور ( 256 ) ، ون اوا ( 64 ) ، ين ال ( 91 ) ، ~~يوسف ( 11 ) ، ااوين ( 69 ) . # ومن هاهنا ترى هذه الحكمة واقعة من النظم في المرتبة التاسعة . # تسمية الفصّ # وبيّن أنّ الحكمة النوريّة كما هي منتهى سرّ الظهور وإبانة الصور في أحد الأبعاد ~~الثلاثة التي عليها بناء نظم الفصوص الحكميّة التي في هذا الكتاب لا بدّ وأن تكون ~~كاشفه عن أمر الإظهار وتبيين المعاني على ما هو بصدده الكلمات الكماليّة النبويّة . # التي هي مظاهر تلك الحكم ، إلَّا أن ذلك الكشف والإظهار إنّما يتصوّر تحقّقه في ~~الصور بحسب عقائد العامّة ، إذا كانت تلك الصور خياليّة محضة في المنام ، دون ~~الحسيّة المشاهدة . # وأمّا عند الخاصّة من المحقّقين فعامّ كما سبق الإيماء إليه في طيّ منظوماته ، ~~وإليه أشار بقوله : # مبادئ الوحي # ( هذه الحكمة النوريّة انبساط نورها على حضرة الخيال ) وذلك في أوّل مراتب إظهار ~~النور لطائف المعاني . # ولذلك قال : ( وهو أوّل مبادئ الوحي الإلهي في أهل العناية ) فإنّ الأكثرين ~~عاكفون عليه في استكشاف المعاني ، ما يجاوزون عنه ، سيّما أهل الظاهر ، الذين هم ~~بنات آدم كما سبق تحقيقه وإليه نبّه بقوله : ( تقول عائشة رضي الله عنها: « أوّل ما ~~بدئ به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الوحي : الرؤيا الصادقة ، وكان لا يرى ~~رؤيا إلا خرجت ) أي ظهرت في عالم العيان ( "مثل فلق الصبح » ) في الصدق والإبانة . # ولذلك قال : ( تقول : لاخفاء بها ، وإلى هنا بلغ علمها ) أي إلى ظهور رؤياه مثل ~~فلق الصبح بما لا يشك فيه ولا يرتاب ( لا غير ) ذلك من المعاني . # الدنيا منام في منام # (وكانت المدّة له في ذلك ستّة أشهر ، ثمّ جاءه الملك ) ، وهذا التفصيل من عندها ~~بحسب مبلغ علمها في رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ( وما علمت أنّ رسول الله ~~صلَّى الله عليه وسلَّم قد قال : « إنّ الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا » ) . # فتكون الصور المرئيّة في هذا العالم كلَّها مبيّنة للحقائق مثل فلق الصبح في ~~الشهود الختمي ( وكلّ ما يرى في حال النوم فهو من ذلك القبيل ) مثل فلق الصبح وذلك ~~لأنّ الصورة حيثما كانت مبيّنة للمعاني ، كاشفة عن تفاصيلها سيّما للحضرة الختميّة ~~( وإن اختلفت الأحوال ) بحسب النوم واليقظة . # ( فمضى قولها « ستة أشهر » ) أي مضت المدّة التي حدّتها بحسب علمها الذي مضى ~~حكمها ، فإنّه ما هي مقصورة عليه ( بل عمره كلَّه في الدنيا بتلك المثابة ) هذا ~~كلام وقع في البين . # وقوله رضي الله عنه : ( إنّما هو منام في منام ) الضمير فيه راجع إلى « كلّ ما ~~يرى في حال النوم » ، أي كلّ ما يرى في حال النوم إنّما هو منام في منام . # قال رضي الله عنه : ( وكلّ ما ورد ) من الصور الحسّية العيانيّة أيض ( من هذا ~~القبيل ، فهو المسمّى « عالم الخيال » ) لأنّ سلطان الخيال أمره قويّ في العالمين ، ~~والصور متشاكلة متناسبة فيهما ، وأمزجة الرائي بحسب أوقاتها وروابط مناسباتها إلى ~~تلك الصور متفاوتة . # فربّما رأى شيئا في المنام ، أو ورد عليه في القيام على صورة مشاكلة لما عليه في ~~نفس الأمر ، بحسب مناسبته لتلك الصورة المرئيّة مزاجا أو وقتا أو حال . # التعبير # قال رضي الله عنه : ( ولهذا يعبّر ) من الصورة المرئيّة - مثاليّة كانت أو حسّية ~~- إلى الصورة التي عليها في نفس الأمر ، فإنّ الصور كلَّها من الخيال . # ولغرابة هذا الكلام على المدارك احتاج إلى تفسير عالم المثال مطلقا والتعبير عمّا ~~وقع فيه بقوله قال رضي الله عنه : ( أي الأمر الذي هو في نفسه على صورة كذا ظهر في ~~صورة غيرها ، فيجوز العابر من هذه الصورة التي أبصرها النائم إلى صورة ما هو الأمر ~~عليه - إن أصاب ) . # وهذه هي الحكمة النوريّة التي تفرّد بإظهارها الكلمة اليوسفيّة ( كظهور العلم في ~~صورة اللبن ، فعبر في التأويل من صورة اللبن إلى صورة العلم ، فتأوّل أي فآل مآل ~~هذه الصورة اللبنيّة إلى صورة العلم ) . # ووجه المناسبة بينهما بحسب الأصول الحكميّة : أنّ اللبن مع صفاء جوهره وبياض ~~نوريّته المبين أوّل ما يتغذّى به القوابل في مهد تقدّسها وتنزّهها عن التعمّلات ~~الإمكانيّة والتسبّبات الكونيّة الهيولانيّة ، وهو الذي يعدّ مزاج الطفل القابل ~~للأغذية المتكثّرة ، فذلك هي الرقيقة الوحدانيّة بين القابل والأكوان المعدّة له أن ~~يتّحد بالكلّ - إعداد العلم للعالم أن يتحد بمعلوماته المتكثّرة. # وأمّا بحسب التلويحات الحرفيّة فهو أنّ ما يستحصل من بيّنات « اللبن » يدلّ على ~~الصحّة التي هي من خواصّ الصور العلميّة ، المطابقة لما في نفس الأمر ، وإذا انضمّ ~~إليها بيّنات عددها يستحصل منه صورة الوضوح التي إنّما يكون للعلم : لبن : أم ون 98 ~~، ادا . # " يعني من « صورة الوضوح » لفظة « الصحو » فان من ( 98 ) يستحصل حرفا الصاد ~~والحاء ، ومن بينات صاد وح يعني ( اد ) و ( ) ، وعدد هذه الحروف الثلاثة جمعا هو ~~الستة التي هي عدد الواو ، فإذا انضم الواو إلى ص وح حصل لفظة « صحو » ، والصحو ~~نهاية الظهور الذي يعبّر عنه بالوضوح في عرف العامة ". # أخذ الوحي في حضرة الخيال # هذا ما في عالم المثال من الصور الخياليّة . وأمّا ما في عالم الحسّ منها ، فإليه ~~أشار بقوله : # قال رضي الله عنه : ( ثمّ إنّه صلَّى الله عليه وسلَّم كان إذا أوحي إليه أخذ عن ~~المحسوسات المعتادة ) بجواذب الصور الفائضة عليه ، الشاغلة له عنها ، ( فسجّي وغاب ~~عن الحاضرين عنده ) - سجّيت الثوب على الميّت : إذا مددته عليه ( فإذا سرّي عنه ) ~~أي كشف - ( ردّ ) إلى تلك المحسوسات المعتادة. # قال رضي الله عنه : ( فما أدركه إلَّا في حضرة الخيال ) ، أي ما أدرك الوحي إلَّا ~~في طيّ الصور الخياليّة ، مما لا اعتياد لقواه الحاسّة بها ، كالصور الحرفيّة ~~وتركيباتها المعجزة الفائقة ، وإدراك تلك الصور وإن كان لا يمكن إلَّا في حضرة ~~الخيال التي هي من عالم المثال ( إلَّا أنّه لا يسمّى نائما ) لعدم تعطيل قواه ~~وتحويلها جملة من هذا العالم إلى عالم المثال . # هذا إذا قوي عليه سلطان الوحي ، بحيث غاب عن المحسوسات . # قال رضي الله عنه : ( وكذلك إذا تمثّل له الملك رجلا ) فيما لم يغب عن تلك ~~المحسوسات ، (فذلك من حضرة الخيال ) أيضا ( فإنّه ليس برجل ) في نفسه ( وإنّما هو ~~ملك ، فدخل في صورة إنسان ، فعبره الناظر العارف حتّى وصل إلى صورته الحقيقيّة ) ~~التي هو عليها في نفسه ( فقال : « هذا جبرئيل أتاكم يعلَّمكم دينكم "). # قال رضي الله عنه : (وقد قال لهم : « ردّوا عليّ الرجل » فسمّاه ب « الرجل » من ~~أجل الصورة التي ظهر لهم فيها ) تنزّلا إلى مواطن إدراكهم ( ثمّ قال : «هذا جبرئيل» ~~فاعتبر الصورة التي هي مآل هذا الرجل المتخيّل إليها ، فهو صادق في المقالتين ، صدق ~~للعين في العين الحسيّة ) ، لأنّ المحسوس هو المشار إليه بهذا الرجل ، والعين صادقة ~~في إدراكها هذا بأنّه رجل ، ( وصدق في أنّ هذا جبرئيل ، فإنّه جبرئيل بلا شك ) ، ~~فإنّه هو في نفسه . # هذا ما أشار إليه الحضرة الختميّة من الجمعيّة في هذا الموطن . # رؤيا يوسف ووجه تعبيره # قال رضي الله عنه : (وقال يوسف عليه السّلام : " إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ ~~كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ " [ 12 / 4 ] فرأى ~~إخوته في صورة الكواكب ) لما في متخيّلة يوسف من الاقتداء بأوضاعهم البيّنة الواضحة ~~لديه والاهتداء بنيّرات أعمالهم عنده في ظلمات الغواسق الطبيعيّة والعوائد ~~النفسانيّة. # ثمّ هذا النور تتفاوت أضواء هدايته في متخيّلة يوسف - تفاوت الأنوار الحسّية فيها ~~- فلذلك رأى الإخوة في صورة الكواكب ( ورأى أباه وخالته في صورة الشمس والقمر). # قال رضي الله عنه : ( هذا من جهة يوسف ) وما في متخيّلته من الصورة المناسبة لهم ~~حسب نيّته وخلاصة عقيدته فيهم ، ( ولو كان من جهة المرئي لكان ظهور إخوته في صور ~~الكواكب وظهور أبيه وخالته في صورة الشمس والقمر مرادا لهم ) ويستلزم ذلك أن يكون ~~مقتضى إرادتهم ومقاصد نيّاتهم إنّما يتوجّه إلى تبيين مسالكه وهدايته . # قال رضي الله عنه : ( فلما لم يكن لهم علم بما رآه يوسف ) من الصورة الهادية ( ~~كان الإدراك من يوسف ) إياهم في تلك الصورة ( في خزانة خياله ) فقط . # قال رضي الله عنه : ( وعلم ذلك يعقوب حين قصّها عليه ) وهو أنّ الصور النورانيّة ~~الهادية التي رآهم فيها من جهة يوسف وما في صافي نيّته لهم ( فـ " قالَ يا بُنَيَّ ~~"على صيغة التصغير ترحّما عليه بما فيه ( " لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ " ~~) لئلَّا يعرفوا رتبة منزلتهم في نيّتك وكمال عقيدتك فيهم وعلوّ رتبتك عليهم في ~~نفسه ( " فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً " ) . # قال رضي الله عنه : ( ثمّ برّأ أبناءه عن ذلك الكيد ) إبقاء ليوسف في صفاء نيّته ~~ونقاء سريرته ( وألحقه بالشيطان ، وليس ) ذلك الإبراء والإلحاق ( إلَّا عين الكيد ~~)، لئلَّا ينحرف يوسف عن جادّة نيّته القويمة الموصلة له إلى كمالاته ، وإن كان في ~~طريقه ذلك من المهالك الموحشة ما رآه - هذا من أدب الإرشاد . # قال رضي الله عنه : (فقال: "إِنَّ الشَّيْطانَ لِلإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ " [ ~~12 / 5 ] أي ظاهر العداوة ) ، فإنّه في الباطن ما كان عداوة ، بل لو نظر إلى ما ~~يؤول إليه أمر كيدهم ذلك كان عين الشفقة والحفاوة . # ولذلك قد استردف هذا الكلام بقوله : ( ثمّ قال يوسف - بعد ذلك في آخر الأمر ) ~~قاعدا على سرير جلاله ، ومتمكَّنا في مستقرّ كماله ، مشيرا إلى موطن ذوقه وحاله - : ~~( " هذا تَأْوِيلُ رُؤيايَ من قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا " [ 12 / 100 ] ~~أي أظهرها في الحسّ بعد ما كان في الخيال ) . # البيان الختمي للرؤيا ومقارنته مع البيان اليوسفي # قال رضي الله عنه : ( فقال له ) أي للأمر الذي قبل فيه من يوسف : " هذا تَأْوِيلُ ~~رُءْيايَ من قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا " ( النبي محمّد صلَّى الله عليه ~~وسلَّم ) بلسان رتبته الإحاطيّة الختميّة في مضمار تسابق جياد الأذواق الحامدة ، ~~والإنباء عن الحقائق الكاشفة - : # ( « الناس نيام » ) في هذه المرتبة الحسّية أيضا ، لأنّهم مشغولون بالصور ، ~~مستغرقين فيه ومشتغلين به عن جلائل الحقائق واللطائف المشتملة هي عليها . # قال رضي الله عنه : (فكان قول يوسف : " قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا " بمنزلة من ~~رأى في نومه أنّه قد استيقظ من رؤيا رآها ، ثمّ عبّرها ولم يعلم أنّه في النوم عينه ~~ما برح ، فإذا استيقظ يقول : « رأيت كذا ، ورأيت كأنّي استيقظت وأوّلتها بكذا » هذا ~~مثل ذلك ) فمقام محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم هو الاستيقاظ الحاكم بالأشياء على ما ~~هي عليه . # قال رضي الله عنه : (فانظر كم بين إدراك محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم وبين إدراك ~~يوسف عليه السّلام في آخر أمره ، حين قال : " هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ من قَبْلُ ~~قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا " معناه : حسّا أي محسوسا ) فأدرك مطابقة عقيدته وما ~~في متخيّلته من الصورة بالمحسوسات ، وسمّاها بالحقّ . # وهذا ليس تأويله حقّا ، لأنّ تأويل الصور ومآل أمرها إنّما هو الحقائق المعنويّة ~~ولطائفها الأصليّة ، لا المحسوسات نفسها ، كيف ( وما كان ) عند رؤيته ( إلَّا ~~محسوسا ، فإنّ الخيال لا يعطي أبدا إلَّا المحسوسات ) ، بتركيباتها الخاصّة ~~وامتزاجاتها الاختراعيّة ، ( غير ذلك ليس له ) . # قال رضي الله عنه : (فانظر ما أشرف علم ورثة محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم ، ~~وسأبسط من القول في هذه الحضرة بلسان يوسف المحمّدي ما تقف عليه إن شاء الله تعالى ~~) . # وذلك لأنّ لنقطة الولاية في دائرة الدولة المحمّديّة سيرا خاصّا بحسب تطوّراتها ~~الأصليّة ، ولذلك تسمعهم يقولون لكلّ من الأولياء المحمّديّة : " إنّهم على قدم ~~واحد من الأنبياء". # ثمّ إنّ ورثة محمّد من الأولياء ، الواقفين على مواقف يوسف ، المقتفين آثار ~~أقدامه ما يقنعون في تأويل رؤياه من سجود الأنوار كلَّها له بالمحسوسات فقط بل ~~يعبّرونها باللطائف المعنويّة ، وذلك بميامن تلك الوراثة الختميّة فإنّها شنشنة ~~أعرفها من أخزم كما أشار إليه بقوله : # العالم كظل للحقّ تعالى # قال رضي الله عنه : (فنقول : اعلم أنّ المقول عليه : « سوى الحقّ » أو مسمّى « ~~العالم » هو بالنسبة إلى الحقّ كالظلّ للشخص ، فهو ظلّ الله ) ، ولا شك أن الظلّ ~~صورة ظهور الشخص ، فنسبة الظلّ وإن كانت إلى الله ( فهو عين نسبة الوجود إلى العالم ~~، لأنّ الظلّ موجود بلا شك في الحسّ ، ولكن إذا كان ثمّ من يظهر فيه ذلك الظلّ ، ~~حتّى لو قدّرت عدم من يظهر فيه ذلك الظلّ كان الظلّ معقولا ) وجوده بمجرّد الاعتبار ~~( غير موجود في الحسّ ) ولا ظاهر في الخارج ، ( بل يكون بالقوّة في ذات الشخص ~~المنسوب إليه الظلّ ) . # قال رضي الله عنه : ( فمحلّ ظهور هذا الظلّ الإلهي - المسمّى بالعالم - إنّما هو ~~أعيان الممكنات ، عليها امتدّ هذا الظلّ ) ، وإذا كان الأعيان الممكنة كالمحل ~~المنبسط عليه الظلّ ، الذي هو للذات كالصورة للشخص ( فيدرك من هذا الظلّ بحسب ما ~~امتدّ عليه من وجود هذه الذات ) ليس لتلك الأعيان دخل في الظهور عند المدارك بوجه . # وبيّن أنّه لا بدّ للظلّ من أمور ثلاثة حتّى يظهر : # الأوّل هو الذات – ذات الظلّ # الثاني هو المحلّ الممتدّ عليه الظلّ ، # والثالث النور الذي يدرك ويتميّز به الظلّ . # فلمّا بيّن الأولين أراد أن يشير إلى الثالث ، ثمّ إنّ المعهود في الظلال ~~المحسوسة أن يباين النور المميّز لتلك الذات التي هي ذات الظلّ ، وفيما نحن فيه وقع ~~الأمر على خلاف ذلك ، فإنّ النور أيضا من تلك الذات. # لذلك نبّه عليه بأداة الاستدراك قائلا : ( ولكن باسمه « النور » وقع الإدراك ) ~~وكما أنّه ليس للأعيان دخل في الظهور والمدركيّة ، كذلك ليس له دخل في الإظهار ~~والمدركيّة ، فإنّ الأعيان باقية في كنه بطون الخفاء والعدميّة التي لها في الغيب . # قال رضي الله عنه : ( وامتدّ هذا الظلّ على أعيان الممكنات في صورة الغيب المجهول ~~) لما مهّد من أنّ محل انبساط الظلّ إذا كان معدوما أو قدّر كذلك ، كان بالقوّة في ~~ذات الشخص المنسوب إليه ، منغمرا في كنه بطونها الذاتي . # وقد أبدع في هذا البيان حيث برهن ذوقيّا وعقليّا للمتفطَّن ظهوره في كنه البطون ، ~~وبطونه في غاية الظهور وقد أشار إليه نظما :وباطن لا يكاد يخفى وظاهر لا يكاد يبدو ~~. # نسبة الظل مع صاحبه # قال رضي الله عنه : (ألا ترى الظلال تضرب إلى السواد ، تشير إلى ما فيها من ~~الخفاء لبعد المناسبة بينها وبين أشخاص من هي ظلّ له ،وإن كان الشخص أبيض ، فظلَّه ~~بهذه المثابة ). # هذا في البعد المعنوي ، وكذلك الصوري منه - يعني البعد المكاني - : ( ألا ترى ~~الجبال إذا بعدت عن بصر الناظر تظهر سودا ، وقد تكون في أعيانها على غير ما يدركه ~~الحسّ من اللونيّة ، وليس ثمّ علَّة إلَّا البعد ) . # هذا إذا كان البعيد متلونا ، وكذلك إذا كان شفّافا ، فإنّه لا بدّ وأن يرى وفيه ~~بعض السواد ، وإليه أشار قوله : ( وكزرقة السماء ) . # قال رضي الله عنه : ( فهذا ما أنتجه البعد في الحسّ في الأجسام غير النيّرة ) ~~وذلك لأنّ نور البصر يتحلَّله بحب المسافة ، ولذلك لا يشخّص البعيد ، ولا يفي ~~بإدراك ما عليه في متخيّلته من الأوضاع والهيئات المشخّصة له ما لم يقرّب ، فإذا لم ~~يكن البعيد من الأجسام النيّرة ، ولم يصل إليه نور البصر بحيث يظهر في ضوئه أوضاعه ~~لا بدّ وأن يرى شبحا أسود . # قال رضي الله عنه : ( وكذلك أعيان الممكنات ليست نيّرة ، لأنّها معدومة ) في نفسه ~~( وإن اتّصفت بالثبوت ، لكن لم تتّصف بالوجود إذ الوجود نور ، غير أنّ الأجسام ~~النيّرة يعطي فيها البعد في الحسّ صغرا ، فهذا تأثير آخر للبعد ) في الحسّ ( فلا ~~يدركها الحسّ إلَّا صغيرة الحجم ، وهي في أعيانها كبيرة عن ذلك القدر وأكثر كمّيات ~~، كما تعلم بالدليل ) الهندسي . # ( أنّ الشمس مثل الأرض في الجرم مائة وستّون وربع وثمن مرّة وهي في الحسّ على قدر ~~جرم الترس مثلا ) . # هذا يتبيّن به إنّيّته وأمّا لميّته : فهو أنّ الشعاع المخروطي ، الذي قاعدته عند ~~المرئي ، ورأسه على الثقبة العينيّة ، كلَّما كان مسافة المرئي أبعد ، كان المخروط ~~أرقّ ورأسه أحدّ ، وكلَّما كان أحدّ ، كان المرئي أصغر - على ما لا يخفى - . # قال رضي الله عنه : (فهذا أثر البعد أيضا ، فما يعلم من العالم إلَّا قدر ما يعلم ~~من الظلال ، ويجهل من الحقّ على قدر ما يجهل من الشخص الذي عنه كان ذلك الظلّ ، ) . # (فمن حيث هو ظلّ له يعلم ) ، وقد عرفت ما بين الظلّ وشخصه من وجوه المخالفة وصنوف ~~المباينة والمباعدة فما يعلم من الظلّ إلَّا وجود الشخص أو بعض ما عليه من الأوضاع ~~والأشكال إجمالا . # ما ذا نعرف من الحقّ # قال رضي الله عنه : (ومن حيث ما يجهل ما في ذات ذلك الظلّ - من صورة شخص من امتدّ ~~عنه - تجهل من الحقّ ، فلذلك نقول : إنّ الحقّ معلوم لنا من وجه ، مجهول لنا من وجه ~~) كما يدلّ عليه قوله تعالى : ( " أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ~~" ) [ 25 / 45 ] . # دلالة إشارة ، فإنّ الرؤية فيه إنّما تتعلَّق بالربّ من حيث مدّ الظلّ لا مطلقا ~~وهو وجه معلوميّته للأعيان المخاطبة ، وذلك الرؤية والعلم للأعيان إنّما يتحقّق ~~ويمكن بعد حركته في مدّه الظلّ على تلك الأعيان ( "وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَه ُ ساكِناً ~~" ) فيبقى الأعيان على ما عليه (أي يكون فيه بالقوّة). # فتبيّن أنّ رؤية العبد في الحركة المدّيّة الظلَّيّة . # وإليه أشار بقوله : ( يقول : ما كان الحقّ ليتجلَّى للممكنات حتّى يظهر الظلّ ، ~~فيكون كما بقي من الممكنات التي ما ظهر لها في عين الوجود . # قال رضي الله عنه : ( " ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْه ِ دَلِيلًا " ) [ 25 / ~~45 ] فظهر بها ظهور المدلول بدليله ( وهو اسمه النور الذي قلناه ، ويشهد له الحسّ ) ~~بكونه هو الدليل عليه ( فإنّ الظلال لا يكون لها عين بعدم النور ) . # ثمّ إنّ مدّ الظلّ كما أنّه عبارة عن الحركة الوجوديّة ، فالسكون حينئذ إنّما ~~يدلّ على الثبوت الذي عليها الأعيان في نفسها ، حيث يتميّز المعلوم عن العلم ~~ويتشعّب الإمكان عن الوجوب ، فإنّ الحضرات السابقة على ذلك لا تمايز فيها ، فيكون ~~فيها من بقايا أحكام الظلّ شيء يسير ، ولذلك قال: (" ثُمَّ قَبَضْناه ُ إِلَيْنا ~~قَبْضاً يَسِيراً " ) [ 25 / 46 ] . # معنى ألم تر إلى ربك كيف مد الظل # اعلم أنّه يمكن أن يتفطَّن من هذه الآية تمام الحضرات على طريقة الإيماء والإشارة ~~فإنّه يمكن أن يجعل هذا هو الحقيقة المحمّديّة ، التي فيها وجه الظلَّيّة يسير ~~مقبوض. # كما أنّ قوله : " وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَه ُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ ~~عَلَيْه ِ دَلِيلًا " فيه إشارة إلى الحقيقة الآدميّة بوجوهها ونشآتها ، فإنّ ~~الحركة المدّيّة فيها سكنت من وجه ، لأنّها بلغت إلى غايتها ، والعين عليها دلَّت ~~من آخر ، وهو عين الحقيقة الشاهدة المظهرة ، وما اعتبر في تعبير السكون من « لو » ~~الامتناعيّة الشرطيّة المعلَّقة. # إيماء إلى أنّ السكون المتوهّم في هذه النشأة ممتنع بامتناع المشيّة ، ولذلك جعل ~~الشمس عليه دليلا . # ومن هاهنا قيل : « الأعيان على عدمها - مع نسبة الوجود إليها - مطلقا » . # فالقرينتان الأوليان اللتان أجري الكلام فيهما على الغيبة تدلَّان على قوس الوجود ~~. # والقرينتان الأخريان اللتان سلك فيهما مسلك التكلَّم والحضور تدلَّان على قوس ~~الشهود . # وإنّما قال : " قَبْضاً يَسِيراً " إذ الظلّ هو المقبوض ، وما بقي من الظليّة ~~هناك إلَّا قليلا ، فيكون قبضه يسيرا فإنّ القبض في تلك الحضرة عين المقبوض ، كما ~~أنّ الفيض عين المفاض ، وهو مكمن القوابل الذي هو الغيب المجهول كما سبق آنفا . # ويمكن أن يجعل " يَسِيراً " هاهنا من « اليسر » أي يسير غير عسير ، وذلك لأنّه ~~جعل الشمس عليه دليلا ، فيكون رجوعه إلى أصله ، وقبضه إليه غير عسير ، ضرورة أنّ ~~دليله جعلي . # ( وإنّما قبضه إليه لأنّه ظلَّه ) والذي يدلّ عليه ما اعتبر في فاعل القبض ، من ~~الكثرة العدميّة الظلمانيّة الظلَّيّة - فافهم . # (فمنه ظهر : " وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه ُ " ) [ 11 / 123] ظهورا كان ~~أو رجوعا ، وظلمة كان أو نور ( فهو هو ) المسند إليه بالهويّة التي هي مرجع الأمور ~~( لا غيره - فكلّ ما يدركه فهو وجود الحقّ في أعيان الممكنات ) . # مراتب الهويّة الذاتية # ثمّ من الآيات الدالَّة على انطواء هذه الآية الكريمة على جملة من الحضرات ~~والعوالم أنّ الشيخ قد تعرّض في طيّ مؤدّاها للهويّة الذاتيّة الإطلاقيّة ، ~~بمراتبها الأربع ، المعربة عن الكلّ بكنهه ، حيث نبّه للهويّة الإطلاقيّة ، ثمّ ~~لحيثيّاته الأربع بقوله : ( فمن حيث هويّة الحقّ هو وجوده ) الذي هو ظاهر الهويّة ~~الإطلاقيّة. # قال رضي الله عنه : (و من حيث اختلاف الصور فيه ) اختلاف ظلال الزجاجات المتلوّنة ~~عند ظهورها في النور وإظهاره له ( هو أعيان الممكنات ، فكما لا يزول عنه باختلاف ~~الصور اسم الظلّ . كذلك لا يزول عنه باختلاف الصور اسم « العالم » ، أو اسم « سوى ~~الحقّ » فمن حيث أحديّة كونه ظلَّا هو الحقّ ) لا غير . # كما أنّه من حيث أنّه نور هو الهويّة الإطلاقيّة الوجوديّة - وفيه إشارة إلى أنّ ~~ظلَّيته مما لا يزول بها كونه نورا ، كما أنّ وحدته مما لا يزول بالكثرة . # وإليه أشار بقوله : ( لأنّه الواحد الأحد ) أي الجامع بين الوحدة النورانيّة ~~والكثرة الظلمانيّة ( ومن حيث كثرة الصور ) بدون اعتبار صورته الجمعيّة (هو ~~العالم). # قال رضي الله عنه : ( فتفطَّن وتحقّق ما أوضحته لك ) من التوحيد الذاتي الذي لا ~~يشوبه ثنويّة ظلَّية الأكوان والأغيار كما قيل :لا ترم في شمسها ظلّ السوي فهي شمس ~~وهي ظلّ وهي فيءهذا مفهومه الإجمالي . # وأمّا ما علم منه من تفصيل الحضرات والعوالم : فهو أنّ الوجود هو ظاهر الهويّة ~~الذاتيّة ، وأعيان الممكنات هي صورها المتخالفة ، وأنّ الظلّ هو حضرة الأسماء ~~والصفات ، وأنّ العالم هو صورها المتخالفة وإذا تقرّر هذا ظهر أنّ العالم هو الظلّ ~~الثاني ، والوجود في الحقيقة ليس إلَّا النور . # العالم متوهّم ماله وجود # قال رضي الله عنه : (وإذا كان الأمر على ما ذكرته لك فالعالم متوهّم ، ما له وجود ~~حقيقيّ ، وهذا معنى الخيال ، أي خيّل لك أنّه أمر زائد قائم بنفسه ، خارج عن الحقّ ~~). # خروج الأشكال اللونيّة للزجاجات عن جمعيّة النور وظلَّه ، ( وليس كذلك في نفس ~~الأمر ) فإنّ تلك الأشكال إنّما هي للظلال قائمة بها ، ليست قائمة بنفسها فإنّه ليس ~~خارج الظلّ شيء . # قال رضي الله عنه : ( ألا تراه في الحسّ متّصلا بالشخص الذي امتدّ عنه ؟ # يستحيل عليه الانفكاك عن ذلك الاتّصال ، لأنّه يستحيل على الشيء الانفكاك عن ذاته ~~) والشخص هو الذات للظلّ . # مراتب العبد # قال رضي الله عنه : ( فاعرف ) من هذا التفصيل المدرج في طيّ هذا البيان المثالي ~~المنزل به الخاتم ( عينك ) الذي هو شكل الظلّ ، ( ومن أنت ) الذي هو باطن العين ، ~~يعني الظلّ نفسه ، ( وما هويّتك ) الذي هو النور ، يعني باطن الظلّ . # قال رضي الله عنه : ( وما نسبتك إلى الحقّ ) نسبة الظلّ إلى نوره ، ( وبما أنت ~~حقّ ) يعني طرف الجمعيّة الظلَّية وأحديّته ( وبما أنت عالم وسوى ، وغير وما شاكل ~~هذه الألفاظ ) يعني طرف كثرة الصور للظلّ وتنوّع الأشكال والألوان المتخالفة له من ~~حيث هي قائمة بنفسها . # ثمّ اعلم أنّه قد أدرج في هذا التفصيل مراتب العبد من مبدأ اعتباره إلى منتهى ~~وجوده واختياره حيث بيّن ستّ مراتب ، ثمّ في التعبير عن الأوّل بـ " العين " ~~والثاني بـ « من » والثالث بـ « ما » : إشارة إلى ما له في الحضرات الثلاث . # هذا قبل بروز تعيّنه الباين العالمي ، ثمّ إذا ظهر ذلك وتحقّق النسبة شرع في ~~تفصيل ذلك بما ينبئ عن خصوصيّات كل من العوالم الإمكانيّة على ما لا يخفى على ~~اللبيب وجه تحقيقه . # و في بعض النسخ : « بما أنت حقّ » - بلا واو ، فيكون « ما » موصولة ، أي : بما ~~أنت به حقّ - وفي أكثر النسخ مع الواو ، فيكون استفهاميّة ، وإثبات الألف على غير ~~القياس المتعارف إشارة إلى ما لهذه المرتبة العالميّة من إثبات الزوائد والنوافل . # المعرفة ذو درجات # قال رضي الله عنه : ( وفي هذا يتفاضل العلماء : فعالم وأعلم ) تفاضل الأنوار في ~~قوابلها الشفّافة ، حسب تفاوت تلك القوابل في الصفاء وقبولها وإظهارها لما يفيض ~~عليها من أشعّة تلك الأنوار ( فالحقّ بالنسبة إلى ظلّ خاصّ صغير وكبير ، وصاف وأصفى ~~كالنور بالنسبة إلى حجابه عن الناظر في الزجاج يتلوّن بلونه ، وفي نفس الأمر لا لون ~~له ، ولكن هكذا تراه) على صيغة المجهول من الإراءة . " الرؤية ". # قال رضي الله عنه : ( ضرب مثال لحقيقتك بربّك ) أي تعلم الزجاج المذكور ضرب مثال ~~لحقيقتك مع ربّك - فيكون نصب « ضرب » على أنّه مفعول ثاني لـ « تراه » ، ويجوز أن ~~يكون نصبا على المصدر ، والباء في « بربّك » بمعنى " مع " . # قال رضي الله عنه : ( فإن قلت : « إنّ النور أخضر » - لخضرة الزجاج - صدقت ) بما ~~أدركت منه ( وشاهدك الحسّ وإن قلت : « إنّه ليس بأخضر ولا ذي لون » كما أعطاه لك ~~الدليل ، صدقت ، وشاهدك النظر العقليّ الصحيح ) فأنت في إضافة الألوان إلى النور ~~وتنزيهها عنه صادق . # وذلك لأنّ ظلّ الزجاج المتلوّن هو المشار إليه بقوله : ( فهذا نور ممتدّ عن ظلّ ، ~~وهو عين الزجاج ) بما بيّن آنفا أنّ ذات الظلّ إنّما هو الشخص ( فهو ظلّ نوريّ ~~لصفائه) أي صفاء ذاته ، وهو شخص الزجاج . # قال رضي الله عنه : ( كذلك المتحقّق منّا بالحقّ تظهر ) لصفائه ( صورة الحقّ فيه ~~أكثر مما يظهر في غيره ، فمنّا من يكون الحقّ سمعه وبصره وجميع قواه وجوارحه ~~بعلامات قد أعطاها الشرع الذي يخبر عن الحقّ ) كما سمعت غير مرّة في حديث قرب ~~النوافل . # ( ومع هذا عين الظلّ موجود ، فإنّ الضمير من سمعه ) في قوله : « كنت سمعه » ( ~~يعود عليه ، وغيره من العبيد ليس كذلك ، فنسبة هذا العبد أقرب إلى وجود الحقّ من ~~نسبة غيره من العبيد ) . # الوجود الحق هو الله تعالى والباقي خيال في خيال # قال رضي الله عنه : (وإذا كان الأمر على ما قرّرناه : فاعلم أنّك خيال ، وجميع ما ~~تدركه مما تقول فيه : «ليس أنا» خيال ) من القوى العقليّة ودلائلها النظريّة ~~(فالوجود كلَّه ) - سواء أدركته بأوصافك الوجوديّة أو بسلبها عنه من الأوصاف ~~التنزيهيّة ( خيال في خيال ) باعتبار أنّه في قوّتك الإدراكيّة الحاكمة عليه بأنّه ~~ليس بخيال. # (والوجود الحقّ إنّما هو الله خاصّة ، من حيث ذاته وعينه ، لا من حيث أسمائه ، ~~لأنّ أسماءه لها مدلولان : المدلول الواحد عينه ، وهو عين المسمّى ) أي المدلول ~~الأوّل عين المسمّى. # قال رضي الله عنه : ( والمدلول الآخر ما يدلّ عليه مما ينفصل الاسم به عن الاسم ~~الآخر ويتميّز فأين «الغفور» من « الظاهر » ومن « الباطن » ، وأين « الأول » من « ~~الآخر» ) . # نسبة كل اسم مع الحق ومع الأسماء الاخر # قال رضي الله عنه : (فقد بان لك بما هو كلّ اسم عين الاسم الآخر وبما هو غير ~~الاسم الآخر ، فبما هو عينه هو الحقّ ) أي بان لك بما هو عينه من الأسماء أنّه ~~الحقّ ( وبما هو غيره هو الحقّ المتخيّل). # أي بان لك بما هو غيره أنّه المتخيّل ، أي الوجود الظلي الذي أثبت أنّه الحقّ ، ~~باعتبار جمعيّته وأحديّته الظلَّية ، التي هي ذات الوحدة الحقيقيّة ، لا غيرها ، ~~وهو بصدد إثبات ذلك في هذه المقدّمات ، ولذلك قال : ( الذي كنّا بصدده ) . # قال رضي الله عنه : (فسبحان من لم يكن عليه دليل سوى نفسه ) لأنّ الظلّ الذي هو ~~الدليل قد ثبت أنّه قائم بالشخص الذي هو نفسه ، والأسماء التي هي دليل كونه هي عينه ~~فلذلك قال : ( ولا ثبت كونه إلَّا بعينه). # قال رضي الله عنه : ( فما في الكون إلَّا ما دلَّت عليه الأحديّة ، وما في الخيال ~~إلَّا ما دلَّت عليه الكثرة ، فمن وقف مع الكثرة كان مع العالم ) - إن كان الملاحظ ~~من تلك الكثرة هي صور الظلالات المتنوعة بما هي كذلك ( ومع الأسماء الإلهيّة ) إن ~~كان الملاحظ من تلك الصور المتكثرة هو وجه أحدية الظلَّية وجمعيّتها . # قال رضي الله عنه : ( وأسماء العالم ) إن كان الملاحظ من تلك الصور الظلَّية هي ~~نفس الكثرة وعلى أي حال فأصل تلك الصور إنّما هي الخصوصيّات الأسمائيّة التي بها ~~ينفرد بعضها عن البعض . # (ومن وقف مع الأحديّة كان مع الحقّ من حيث ذاته الغنيّة عن العالمين ، وإذا كانت ~~غنيّة عن العالمين فهو ) أي غناؤها عن العالمين ( عين غنائها عن نسبة الأسماء لها ~~لأن الأسماء لها كما تدلّ عليها ) باعتبار أحد مدلوليه ( تدلّ على مسمّيات أخر ) ~~باعتبار مدلوله الآخر. # قال رضي الله عنه : (محقّق) تحقّق الأعيان (ذلك) المسمّيات (أثرها) أي أثر تلك ~~المسمّيات التي هي مصدر ذلك الأثر ، وهو العالم . # سورة الإخلاص نسبة الحقّ تعالى # وقد كشف عن معنى الأحديّة قوله : ( " قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ " من حيث عينه ) أي ~~الهويّة الإطلاقيّة الجامعة للأسماء كلَّها أحد من حيث أنّه عين الكلّ ، وهو ~~الأحديّة العينيّة التي لا يشوبها شيء من النسب والإضافة . # قال رضي الله عنه : (" الله الصَّمَدُ " من حيث استنادنا إليه) في الافتقار، وهذا ~~أحديّة الكثرة، وفيها مبدأ أمر النسبة، لذلك أخذ في نفي سائر الأصناف عنها . # ( " لَمْ يَلِدْ " ) أي ليس في نسبة استنادنا إليه نسبة الوالديّة والمولوديّة ( ~~من حيث هويّته ونحن) أنّه والد بالنسبة إلينا نحن ، أو ما يجري مجراه مما يحصل ~~الشيء منه مستقلَّا بنفسه ، كالعلَّية والفاعليّة وغير ذلك . # ( " وَلَمْ يُولَدْ " كذلك ) من حيث هويّته ونحن ، بأن يكون مولودا أو ما يحذو ~~حذوه كالمعلوليّة والمعموليّة . # قال رضي الله عنه : ( " وَلَمْ يَكُنْ لَه ُ كُفُواً أَحَدٌ " كذلك ) من حيث ~~هويّته ونحن ، بأن كنّا فاعلين مستقلَّين ، متكافئين في التقدّم والعلوّ . # وقد اندرج في هذا سائر أصناف النسب ، وذلك لأنّ مؤدى قوله : " الله الصَّمَدُ " ~~نفي سائر النسب عنه إلَّا مجرّد نفي انتسابنا إليه واستغناه عنّا ، فبيّن ذلك بما ~~يستوعب أصنافها كلَّها . # فإنّ المنتسبين لا يخلو أمرهما في النسبة عن أن يكون أحدهما عاليا مقدّما محيطا ، ~~كما للعلَّة إلى المعلول ، والقديم إلى الحادث ، والعامّ إلى الخاصّ ، أو سافلا ~~مؤخّرا محاطا ، كما للمعلول إلى العلَّة ، والحادث إلى القديم ، والخاصّ إلى العامّ ~~، أو يكونا متكافئين في ذلك ، متقابلين ، وفي هذا القسم الأخير لكلّ من المنتسبين ~~تفرّد واستقلال بنفسه ، دون القسمين الأوّلين ، ولذلك كرّر لفظ « الأحد » في ~~الأخير. # قال رضي الله عنه : ( فهذا نعته ) في كيفيّة انتساب الأسماء إليه ونسبته إليه ( ~~فأفرد ذاته بقوله : " الله أَحَدٌ " ) من حيث نفي تلك النسب عنه بصنوفها وجزئيّاته ~~( وظهرت الكثرة بنعوته المعلومة عندنا ، فنحن نلد ونولد ، ونحن نستند إليه ، ونحن ~~أكفاء بعضنا لبعض وهذا الواحد ) وهو الأحد المنتفي عنه هذه النسب التي هي لنا . # قال رضي الله عنه : ( منزّه عن هذه النعوت ) التي هي لنا ( فهو غنيّ عنها ، كما ~~هو غنيّ عنّا وما للحقّ نسب ) عند تبيين أصله وتعريف ما عليه منه وفي نفسه ( إلَّا ~~هذه السورة سورة الإخلاص ) التي إنّما أتى بها الحضرة الختميّة ، التي أوتي بجوامع ~~الكلم ، تبيّنا لكمال استغناء الله عن العالم ونفي الصفات والأسماء عن جلاله ، على ~~ما ورد عن أمير ممالك الولاية علي عليه السّلام . # "كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه » وبه سمّيت سورة الإخلاص ( وفي ذلك نزلت ) . # قال رضي الله عنه : ( فأحديّة الله من حيث الأسماء الإلهيّة التي تطلبنا : أحدية ~~الكثرة ) على ما يستفاد من " الصَّمَدُ"، ( وأحديّة الله من حيث الغنى عنّا وعن ~~الأسماء : أحديّة العين ) على ما هو مؤدّى " الله أَحَدٌ " ( وكلاهما يطلق عليه اسم ~~الأحد ) فقوله : " أَحَدٌ " شامل لهما ) فاعلم ذلك. # قال رضي الله عنه : ( فما أوجد الحقّ الضلال وجعلها ساجدة ) على الأرض خاضعة ~~متذللة له ( متفيّئة عن الشمال ) ، وهو طرف شمول الطبيعة وشيوع أحكامها الظاهرة ~~أولا ، ( واليمين ) ، وهو طرف ميامن تعيّن الحقيقة وظهور أحكامها المختفية آخرا ، ~~على ما ورد في التنزيل : " أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ الله من شَيْءٍ ~~يَتَفَيَّؤُا ظِلالُه ُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّه ِ وَهُمْ ~~داخِرُونَ " [ 16 / 48 ] فإنّه قد علم في طيّة أن تفيّؤ ظلال الشيء الواحد الذي هو ~~ذو أظلال وصور شماليّة جلاليّة ، ويمينيّة جماليّة إنّما هو لسجدتهم لله داخرين . # فما بيّن لك هذ ( إلَّا ) ليكون ( دلائل لك عليك وعليه ، لتعرف من أنت ؟ وما ~~نسبتك إليه ؟ ) في قيام وجودك به ، قيام الظلّ بشخصه ( وما نسبته إليك ) في ~~استغنائه عنك استغناء الشخص عن ظلَّه. # قال رضي الله عنه : ( حتى تعلم من أين ومن أيّ حقيقة إلهيّة اتّصف ما سوى الله ~~بالفقر الكلَّي ) وهو الاحتياج في الوجود نفسه ( إلى الله ) احتياج الظلّ إلى شخصه ~~( وبالفقر النسبي بافتقار بعضه إلى بعض ) وذلك كما في انتظام أمر المعاش أو تبيين ~~طريق المعاد ، فإنّه في الأوّل يفتقر أهالي ظلال اليمين إلى الشمال ، كما أنّه في ~~الثاني بالعكس . # قال رضي الله عنه : (وحتّى يعلم من أين ، ومن أيّ حقيقة اتّصف الحقّ بالغنى عن ~~الناس والغنى عن العالمين واتّصف العالم بالغنى - أي بغنى بعضه عن بعض من وجه ) لكن ~~لا بد وأن يكون وجه الاستغناء ( ما هو عين ما افتقر به إلى بعضه) . # فعلم أنّ العالم له الافتقار الكلَّي والجزئي ، والحقّ له الاستغناء الكلَّي ، ~~منزّه عن الافتقار الكلَّي والجزئي ، وأمّا الاستغناء الجزئي فقد يكون للعالم ، ~~ولكن لا بدّ وأن يكون فيه جهة افتقاريّة - بدون ذلك لا يمكن ( فإنّ العالم مفتقر ~~إلى الأسباب بلا شكّ افتقارا ذاتيّا ، وأعظم الأسباب له سببيّة الحقّ ، ولا سببيّة ~~للحق يفتقر العالم إليها ، سوى الأسماء الإلهيّة ) ، كالحياة والقدرة والخلق والرزق ~~، وذلك سواء كان من المظاهر الجزئيّة التي للعالم ، أو عين الحقّ . # على ما قال رضي الله عنه : العالم مفتقر ( والأسماء الإلهيّة كلّ اسم يفتقر ~~العالم إليه ) سواء كان ذلك المفتقر إليه ( من عالم مثله ) كاحتياج الابن مثلا إلى ~~الأب في ظهوره ( أو ) من ( عين الحقّ ) كاحتياجه في حياته إليه ، ( فهو الله لا ~~غيره ) هذا خبر « كلّ اسم » متّصف بتلك الأوصاف ، ف « كلّ اسم » مبتدأ ، و « يفتقر ~~» صفة له . # قال رضي الله عنه : ( ولذلك قال : " يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ ~~إِلَى الله " ) فأطلق " الفقر " عليهم بإطلاقه ، لأنّه ذاتي لهم كليّا وجزئيّ ( " ~~وَالله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ " ) [ 35 / 15 ] . # وقيّد الغناء باللَّه بالحميد منه ، لما عرفت أنّ الغناء الجزئي قد يكون للعالم ~~فيه حقّ ، وعلى التقادير فالمفتقر إليه لا بدّ وأن يكون هو الله - على ما علم من ~~النصّ . # قال رضي الله عنه : (ومعلوم أنّ لنا افتقارا من بعضنا إلى بعض، فأسماؤنا أسماء ~~الله تعالى، إذ إليه الافتقار بلا شكّ، وأعياننا في نفس الأمر ظلَّه ) المتقوّم به ~~( لا غيره ، فهو هويّتنا ) باعتبار نسبة الأسماء إلينا ( لا هويّتنا ) في نفسه . # ( وقد مهّدنا لك السبيل ) في تحقيق ذلك مما يشاهد من الظلّ وقيامه بالشخص ( فانظر ~~) في ذلك حتّى يتبيّن لك ما به تصل إلى المراد . # تمهيد للفصّ الآتي # ثمّ إنّه قد تبيّن مما نبّهت عليه في أمر تنسيق هذه الفصوص وترتيبها أن الفص ~~الهودي كاشف عما بدئ به من السير الكمالي الإظهاري الذي على عرض أرض الكون الجمعي ~~الإنساني، فلذلك خصّه بالحكمة الأحديّة التي حضرتها أول التعيّنات قائلا : حكمة ~~فاتحيّة في كلمة صالحيّة # . ### | فص حكمة أحدية في كلمة هودية ### | 10 - فص حكمة أحدية في كلمة هودية .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ~~ابن محمد التركة ### || شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم ~~الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # وإذا نظرت إلى أول بيّنات اسم هود ( وال ) ظهر لك أوليّته ، وكذلك إذا تأمّلت في ~~بيّنات عدده. # وأيضا - فإن لكل من الكلمة والاسم له حروفا من أول المراتب ، وبيّن أن الأول - ~~حيثما كان - غالب عليه حكم الإجمال - على ما مرّ غير مرّة - وإذ كان صورة النظم لها ~~مزيد اختصاص بالإجمال ، وأجلى مراتب ظهوره وأتمّها حكما عالم الأفعال التي فيها ~~منتهى أمر التفصيل ، وعليها مبتنى أوضاع الأنبياء وأحكامهم أخذ يبيّن الوحدة ~~الإجمالية في مرتبة الفعل بصورة النظم قائلا : # ( إنّ لله الصراط المستقيم ) وهو أقرب الطرق لأن الأقرب هو الأقوم . # وهو ( ظاهر غير خفيّ ) أمر ظهوره ( في العموم ) من الخلائق # ( في كبير وصغير عينه ) إذ لا تفاوت للأعيان في ذلك وإن كان صغيرا بحسب الظاهر ~~ناقصا ، كما أنه لا تفاوت للحقائق في ذلك ، وإن كان جاهلا بحسب الباطن ناقصا فيه . # كما قال : ( وجهول بأمور وعليم ) # ( ولهذا وسعت رحمته %~% كلّ شيء من حقير وعظيم ) قدرا ومنزلة . # تلويح : لا يخفى على الواقف بأساليب اولي الأيدي والأبصار وعبارات إشاراتهم . # أنّ كلمة « هود » في عرفهم ذلك عبارة عن الدال الكاشف اسم « هو » بما له من ~~الأحكام في غيبه . # كلّ دابّة على الصراط المستقيم # الذي يدلّ على أنّ لهود هذا المشهد الذوقي ما ورد في التنزيل حاكيا عن "هو" » # (" ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ ~~مُسْتَقِيمٍ ") وهو المنهج الاعتدالي الموصل إلى الكمال الختمي ، الذي به سبقت ~~الرحمة غضبه ( فكلّ ماشي ) من السالكين نحو ذلك الكمال ( على صراط الربّ المستقيم ) ~~ضرورة أنّ المأخوذ بالناصية لا ينفك عن الآخذ ، فهو واصل البتة إليه . # المآل إلى الرحمة # ( فهم غير مغضوب عليهم من هذا الوجه ) وإن كان بحسب مداركهم الجزئيّة الكونيّة ، ~~وسلطان الواهمة عليها كلَّها فيهم ترى بعضهم يسوقون مطايا أفعالهم وإدراكهم إلى ~~مهامه نهايات التفرقة الموحشة ، فيفضي بذلك أمرهم إلى دركات الحرمان ونيران البعد ~~والخذلان ، ولكن لم يزل لذلك الكمال وجه إليهم ، به يأنسون ونحوه ينتهجون ، فهم في ~~سلوكهم الموصل إلى ذلك غير مغضوب عليهم ( ولا ضالَّون ) وإن كان في طريقهم ذلك من ~~الأغوار الهائلة والمهامه المضلَّة ما لا يحتمله إلا كل فحل من أبطال الرجال ، فإنّ ~~ذلك واقع في طريقه بالعرض . # (فكما كان الضلال عارضا ، كذلك الغضب الإلهي عارض ، والمآل إلى الرحمة التي وسعت ~~كلّ شيء وهي السابقة). # وتطابقت البراهين الحكميّة العقليّة والمؤيّدات الذوقيّة اليقينيّة ، أن كلّ حركة ~~إنّما ينتهى عند حصول مبدئها الباعث لها ، ولذلك ترى سائر العوالم والحركات دوريّة ~~. # ثمّ إذ قد بيّن أن المآل إلى الرحمة ، شرع يتبيّن أنّ ذلك عامّ ، فإنّ مآل الذوات ~~كلَّها إليها ، قائلا : ( وكلّ ما سوى الحقّ دابّة - فإنّه ذو روح - وما ثمّ من ~~يدبّ بنفسه ، وإنّما يدبّ بغيره ، فهو يدبّ بحكم التبعيّة للذي هو على الصراط ~~المستقيم ) والذي يدبّ مستقلَّا بنفسه هو الحقّ ، كما أنّ الذي يدبّ عليه هو الصراط ~~( فإنّه لا يكون صراطا إلَّا بالمشي عليه ) . # وإذ قد انساق مآل إجماله هذا المساق بما هو مقتضى الذوق الهودي ، أتى بنظم يفصح ~~عن ذلك على ما عليه الكلمة الختميّة في التوحيد الفعلي من القول الفصل ، الفارق في ~~عين الجمع ، المنزّه في عين التشبيه ، قائلا : # ( إذا دان لك الخلق %~% فقد دان لك الحقّ ) # لما مرّ من أنّ الفاعل من الخلق في فعله بالتبعيّة ، فلا يتخلَّف عنه المتبوع . # ( وإن دان لك الحقّ %~% فقد لا يتبع الخلق ) # لأنّ المتبوع المستقلّ بنفسه له الإحاطة في الأحكام ، فلا يكون محاطا ، فشبّه ~~ونزّه . # ( فحقّق قولنا فيه %~% فقولي كلَّه الحقّ ) # أي اسمع قولنا في هذا المرام ، فإنّه مما لا حركة له بنفسه ، وللقول في حركاته ~~مقالات إليك من هذا الباب إن وعيت . # ( فما في الكون موجود %~% تراه - ما له نطق ) # (وما خلق تراه العين %~% إلَّا عينه حقّ ) # ( ولكن مودع فيه ) أي له في الخلق مواطن الاختفاء كما أنّ له فيه منصّات الظهور # ( لهذا صوره حقّ ) أي مطايا ظهوره وصوره إنّما هو الحقّ ، وهو من الإبل ما بلغ ~~عمره إلى أن يركب عليه ، ويظهر فيه . # ومن تأمّل في الأبيات الثلاثة ظهر له من التوحيد الجمعي ما يستفاد من قوله تعالى ~~: " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " [ 42 / 11 ] بترتيبه ~~. # أقسام العلوم الإلهية # ثمّ إنّ الحركة والفعل الذي هو محلّ البحث هاهن منها كوني ظلَّي لا اعتداد به ~~لديهم ، ومنه وجوديّ حقيقيّ هو مقصد الإشارة والدلالة عندهم ، وهو ما لمدارك الكمّل ~~من التنوّعات الذوقيّة وتطوّراتهم فيها ، فأخذ في تحقيق ذلك فيه بقوله : ( اعلم أنّ ~~العلوم الإلهيّة الذوقيّة الحاصلة لأهل الله مختلفة باختلاف القوى الحاصلة ) هي ( ~~منها ، مع كونها راجعة إلى عين واحدة ) - وهو عين الحقّ المتجلَّي في تلك القوى بما ~~لها من القبول . # ( فإنّ الله تعالى يقول : « كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده ~~الذي يبطش بها ، ورجله الذي يسعى بها ». # فذكر أن هويّته هي عين الجوارح ،التي هي عين العبد ،فالهويّة واحدة ،والجوارح ~~مختلفة ) ولكون تلك الوحدة حقيقية يستجمع مع التكثّر والتخالف ولا ينافيها ذلك أصلا ~~، فإنّ لكلّ من تلك القوى شعورا خاصّا بتلك الوحدة . # (ولكلّ جارحة علم من علوم الأذواق يخصّها من عين واحدة تختلف باختلاف الجوارح ، ~~كالماء حقيقة واحدة تختلف في الطعم باختلاف البقاع ) واكتساب خواصّها المعدنيّة ~~منها ، وذلك للطافته وصلوح اتحاده بما يجاوره ويمرّ عليه . # وبهذه المناسبة شبّهها بالعلم ( فمنه " عَذْبٌ فُراتٌ " ) له صلوح التغذّي (ومنه ~~" مِلْحٌ أُجاجٌ ") ليس له ذلك ( وهو ماء في جميع الأحوال لا يتغيّر عن حقيقته وإن ~~اختلفت طعومه ) . # علم الأرجل # ( وهذه الحكمة من علم الأرجل ) وذلك لما سبق من أنّ الفيض في ذلك على صورة المحلّ ~~القابل ، متلبّسا بخصوصيّات المشاعر الجزئيّة ومشخّصاتها ، فهو من طرف السفل والرجل ~~، دون ما يفاض على العقل بكلَّيته بدون توسّط الآلات والجوارح ، فإنّه من طرف العلو ~~. # والذي يدلّ على ذلك ( هو قوله تعالى : " في الأُكُلِ") [ 13 / 4 ] وهو التغذّي ~~بما يفاض عليه روحا أو جسد ( لمن أقام كتبه ) وهي كليّة تفاصيل البيان ، سواء كان ~~من طرف الجزئيّات وفرقان الجوارح القوابل ، أو من الكلَّيات وقرآن العقول الفواعل ، ~~أو ما يجمعهما . # كما قال الله : " وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالإِنْجِيلَ وَما ~~أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من رَبِّهِمْ لأَكَلُوا من فَوْقِهِمْ " ( "وَمن تَحْتِ ~~أَرْجُلِهِمْ " ) [ 5 / 66 ] . # وإنّما خصّص هذا بعلم الأرجل ( فإنّ الطريق - الذي هو الصراط - هو للسلوك عليه ، ~~والمشي فيه ، والسعي لا يكون إلَّا بالأرجل ، فلا ينتج هذا الشهود في أخذ النواصي ~~بيد من هو على صراط مستقيم ، إلَّا هذا الفن الخاصّ من علوم الأذواق ) . # وهو أنّ الناس عند تحرّكهم في مدركاتهم الجزئيّة نحو مستلذّاتهم المألوفة ~~ومشتهياتهم المطبوعة ، غير مستقلّ بنفسه في تلك الحركة ، بل مجبور ، جبر من أخذ ~~نواصيه من هو أعلى منه وأقوى . # ومن ثمّة ترى التائب عن الذنب وهو الذي يتحرّك إليه بتلك الحركة طبعا عائدا إليه ~~وهو نادم في عوده ، عائذ منه ومباشر له ، حريص عليه كما قيل : # وإذا ذكرت التائبين عن الطل %~% لا تنس حسرتهم على أوقاته # " الطلا = الخمر " # ولا يتوقّف المتفطَّن اللبيب هاهنا أنّه ما ذلك إلَّا صفات مجبور محسور ، وسمات ~~متحيّر محصور . # مساق المجرمين # ( فيسوق المجرمين - وهم الذين استحقّوا ) بجرمهم ذلك وسعيهم في صراطه المستقيم ( ~~المقام الذي ساقهم إليه بريح الدبور ،التي أهلكتهم عن نفوسهم بها ) . # بما ورد في الحديث: « نصرت بالصبا » وهو الريح الذي يستقبل الوجه عند توجّهك إلى ~~مطلع شمس الظهور والإظهار « وأهلكت عاد بالدبور » ، وهو الريح الذي يستدبرك في ذلك ~~. راجع الأحاديث البخاري ومسلم و أحمد وغيرهم. # فهو يسوقك إلى ذلك المطلع ، وإن كان ما يروحك ترويح الصبا ، وذلك من مرورها على ~~المطلع وظهورها عليك بآثاره - كما قال من قيس ابن الملوح العامري : # أيا جبلي نعمان باللَّه خلَّي %~% سبيل الصبا يخلص إلىّ نسيمه # فإنّ الصباريح إذا ما تنسّمت %~% على قلب محزون تجلَّت همومه # ( فهو يأخذ بنواصيهم ، والريح تسوقهم ) ، وفي عبارته هاهنا لطيفة إنّما يتفطَّن ~~لها من تذكَّر ما مهّدنا قبل من تقديم الضمائر الأسماء الإلهيّة ، وقربها إلى الذات ~~، وتخلَّف الظواهر منها وتأخّرها عنها ، وتقدّم ضمير الغايب منها على الكلّ . # ومما يلوّح على ذلك أنّ لفظ « هو د » ذلك الضمير مع الدال الدالة على إظهار أمره ~~وتعيّن حكمه . # فعلم بذلك وجه اختصاص هذا الذوق بهود فـ « هو » هو المسند إليه أخذ النواصي ، ولا ~~شكّ أنّه كلَّما كان أقرب إلى الذات من الأسماء ، كان أقهر في الحكم وأشدّ في ~~إنفاذه . # عين القرب في جهنّم # فلا تخالف كيف ، وما يروحه من أصل جبلَّته وطينة طبيعته يسوقه . # (وهي عين الأهواء التي كانوا عليها إلى جهنّم ، وهي البعد الذي كانوا يتوهّمونه ) ~~لخفائها وسترها عن أنظارهم وعقولهم التي إنّما يتميّز ويحكم بين الأشياء بعقائد ~~الأضواء التشريعيّة الواقعة بها أمر الصورة مواقع كمالها وتمامها . # وممّا نبّهت عليه في التلويح ظهر وجه تقدّم هذا الطرف وتقرّبه إلى الذات . # (فلمّا ساقهم إلى ذلك الموطن حصلوا في عين القرب ، فزال البعد ، فزال مسمّى « ~~جهنّم » في حقّهم ) - وهو البعد ، فإنّه معرّب ، فارسي الأصل ، يقال : « ركية جهنام ~~» : أي بعيدة الغور ، وكأنّه في الفرس : " چه نم " # ( ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق لأنّهم مجرمون ) مجبورون في ذلك بما يحطَّ ~~به عند الناس مراتب أقدارهم ، ومنازل تمكَّنهم في التعيّن ، واستقرارهم. # ( فما أعطاهم هذا المقام الذوقي اللذيذ من جهة المنّة ، وإنّما أخذوه ) هم أنفسهم # ( بما استحقته حقائقهم من أعمالهم التي كانوا عليها ) في أصول قابليّاتهم . # ( وكانوا في السعي في أعمالهم على صراط الربّ المستقيم ، لأنّ نواصيهم كانت بيد ~~من له هذه الصفة ، فما مشوا بنفوسهم ، وإنّما مشوا بحكم الجبر ) في ذلك البعد ~~الموهوم . # ( إلى أن وصلوا إلى عين القرب ) . # قال رضي الله عنه : ( "وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْه ِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا ~~تُبْصِرُونَ" [ 56 / 85 ] . وإنّما هو يبصر ، فإنّه مكشوف الغطاء ) لوصوله إلى قرب ~~لا يسعه الغطاء . # ( فبصره حديد ، فما خصّ ميّتا من ميّت ، أي ما خصّ سعيدا في العرف من شقيّ ) عند ~~إثبات القرب للعبد . # فإنّه قال رضي الله عنه: ( " وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْه ِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ " ~~[ 50 / 16 ] وما خصّ إنسانا من إنسان ، فالقرب الإلهي من العبد ) مطلق ( لا خفاء به ~~في الإخبار الإلهي ) وعدم تبيين القريب وتميّزه من البعيد منه . # وما ورد في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم : « لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل ~~» وهي غير التكليفات المكتوبة عليه مما خصّ بوقت معيّن ، وحدّ بعدد مخصوص ، فإنّها ~~هي الزوائد من أفعال العبد ، وهي معدّات ذلك التقرّب ففي دلالة هذا الحديث ضرب من ~~الإجمال ، فإنّه إنّما يتبيّن من الحديث كيفيّة ذلك القرب وغايته لا غير . # قال رضي الله عنه : (فلا قرب أقرب من أن تكون هويّته عين أعضاء العبد وقواه ، ~~وليس العبد سوى هذه الأعضاء والقوى ، فهو حقّ مشهود في خلق متوهّم ) فإنّ الحقّ ~~موجود ، والخلق كائن في ظلاله ، متخيّل ، على ما سبق في الفصّ اليوسفي . # الحقّ عند أهل الكشف # قال رضي الله عنه : ( فالخلق معقول ) لأنّه ليس خارج المشاعر له وجود ( والحقّ ~~محسوس مشهود ) فإنّه الموجود في الخارج عن المشاعر ، الداخل في المداخل الحسّية على ~~المشاعر . # وذلك إنما هو ( عند المؤمنين ) ممن وصل إلى اليقين ، وميّزه عن المتخيّلات ، إمّا ~~نظرا وحدسا ، أو سماعا وتفرّس ( وأهل الكشف والوجود) # من الواصلين إليه بالذوق والشهود في المشاهد الحسّية التي بها أرسلت الرسل وعليها ~~أنزلت الكتب ، بدون توسّط وضع ولا تعمّل نقل وجعل . # قال رضي الله عنه : ( وما عدا هذين الصنفين ) من الذاهبين إلى اعتبارية الوجود ~~الحق ، وإلى أن له ماهيّة غير الوجود ، أو موصوفة به ( فالحقّ عندهم معقول ) ضرورة ~~أنّه مجعول عقولهم وتصوّراتهم ، ما له في الخارج عنه مطابق ، ( والخلق مشهود ) ، ~~فإنّ الموجود في الخارج عندهم هي الماهيّات المشخّصة وأعراضها المشخّصة لها . # الناس حسب علومهم قسمان # قال رضي الله عنه : ( فهم ) في إفاضة العلوم ( بمنزلة الماء الملح الأجاج ) حيث ~~أنّه قد شاب اللطيفة العلميّة عند مرورها عليهم بما يكيّفه ويغيّره عن لطفه الطبيعي ~~، ويحرّفه عن أصل اعتداله الذي به يصلح لأن يتغذّى به المسترشد ويقويه أو يروح به ~~السالك ويرويه في مسالكه ، فإنّه بتلك الكيفيّة المكتسبة الاجاجية إنّما يزيد لهم ~~عطشا على عطش وضعفا على ضعف . # قال رضي الله عنه : ( والطائفة الأولى ) من أهل الذوق والإيمان الذين لم يمتزج ~~فيهم لطيفة ماء اليقين بشوائبه المعدنيّة ، المحرّفة له عن أصل مزاجه العلمي ، فهم ~~في إفاضتهم العلوم والمعارف ( بمنزلة الماء العذب الفرات ، السائغ لشاربه ) . # فعلم أن ما به تتميّز هذه الطائفة عن الأولى هو خلوص علومهم عن شوائب الامتزاجات ~~الجهليّة ، وذلك غامض قلَّما يهتدي إليه المسترشد . # فنبّه على ما يظهر من آثار ذلك المميّز العلمي في أعمالهم تبيينا لأمره عند ~~السالكين بقوله : # قال رضي الله عنه : ( والناس على قسمين ) كما يشاهد كلّ أحد من أهل زمانه : # ( من الناس من يمشي على طريق يعرفها ويعرف غايتها ) وكلّ طريق معروفة هي قريبة ~~عند السالك العارف . # ( فهي في حقّه صراط مستقيم ). # (ومن الناس من يمشي على طريق يجهلها ولا يعرف غايتها ، وهي عين الطريق التي عرفها ~~الصنف الآخر ) غير أنّه متحيّر فيها ، لأنّها قد احتفّت في علمه بظلمات جهالاته ~~المدهشة ، كالماء بعينه ، فإنّه باق على أصل طبيعته ، غير أنّه ممتزج بالأخلاط ~~الخارجيّة . # قال رضي الله عنه : ( فالعارف يدعو إلى الله على بصيرة ) في مسالكه العلميّة ~~النيّرة . # ( وغير العارف يدعو إلى الله على التقليد والجهالة ) في مسالكه المجهولة المظلمة ~~، فعلم أنّ الغاية هو الحقّ والتخالف إنّما هو بحسب مدارك الهادين والمهتدين . # قال رضي الله عنه : ( فهذا علم خاصّ ) يورثه الخاتم ، وبه ( يأتي من أسفل سافلين ~~) إنّما يليق به أكمل الكاملين ، وإنّما قلنا : إنّه من أسفل سافلين ( لأنّ الأرجل ~~هي السفل من الشخص ، وأسفل منها ما تحتها ، وليس ) ذلك ( إلَّا الطريق ) وهي أعماله ~~وأقواله التي يسعى فيها على أراضي الاستعداد منه إلى الحقّ . # قال رضي الله عنه : ( فمن عرف الحقّ عين الطريق ) وهو أسفل سافلين يعني الأعمال ~~والأقوال الإنسانيّة التي هي أنزل منه في الظهور والوجود ، وأكمل جمعيّة في الإظهار ~~والشهود . # قال رضي الله عنه : ( عرف الأمر على ما هو عليه ، فإنّ فيه جلّ وعلا يسلك ويسافر ~~، إذ ) لا مسلك من المسالك عقديّة كانت أو عمليّة أو قوليّة - إلا وكانت معلومة ~~للسالك والمسافر . # و ( لا معلوم إلَّا هو ، وهو عين السالك والمسافر ، فلا عالم إلَّا هو فمن أنت ؟ ~~فاعرف حقيقتك وطريقتك ) أنّ الحقيقة عين الطريقة ،وأنّها ناشية عنك. # ( فقد بان لك الأمر على لسان الترجمان ) الختمي صلَّى الله عليه وسلَّم حيث قال : ~~« كنت سمعه الذي يسمع به » وصرح بالفعل ومبدئه ، وهذا ظاهر. # قال رضي الله عنه : ( إن فهمت ، وهو لسان حقّ ) لأنّ الترجمان ما له تصرف في ذلك ~~أصلا ، ( فلا يفهمه إلا من فهمه حقّ ) فإنّه لا يعرفه ولا يفهمه إلَّ هو . # الحروف والكلمات # وهاهنا نكتة لا بدّ من الاطلاع عليها : وهي أنّك قد اطلعت من قبل على أنّ أصحاب ~~علم الأرجل هم الذين يسوقهم ريح دبور الطبيعة من خلفهم ، وهم يسعون في مقتضيات ~~جوارحهم ومشتهيات أنفسهم ، هالكين فيها مجبورين ، وهم أهل القرب وإن كان في بعد ~~موهوم . # وقد بيّن هاهنا أن أسفل سافلين الذي هو موطنهم من وجه ومسلكهم من آخر هو عين ~~الحقّ ، وما هو إلَّا عالم الأفعال البشريّة وإدراكاته ، والجامع للكلّ منها هو ~~القول الظاهر بصور الحروف والكلمات ، فإنّه الآتي بمدركات الجوارح كلَّها ، والكاشف ~~عنها أجمع . # القرب الذاتي في أسفل سافلين # فقد علم في طيّ هذه المقدّمات أنّ أهل أسفل سافلين وهم أبعد الموجودات في نظر ~~العامّة لهم القرب الذاتي . # فبيّن ذلك بقوله : ( فإنّ للحقّ نسبا كثيرة ) كثرة نسب الظلال إلى شخصه ( ووجوها ~~مختلفة ) اختلاف وجوه تلك النسب الظلَّية بحسب قرب بعض الأطراف من الظلّ إليه وبعده ~~عنه ، وأنت تعرف أنّ أقرب أطرافه إليه إنّما هو طرف الرجل . # قال رضي الله عنه : ( ألا ترى عادا قوم هود كيف قالوا ) لما أظلَّهم سحب هذه ~~العوارض الكائنة المدركة بجوارحهم : ( " هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا " ) [ 46/ 24 ] . أي ~~يفيض علينا ما به يستحصل أغذيتنا ، بعد امتزاجات معدّة وترتيب مقدّمات منتجة ~~مستجمعة للشرائط ، كحرية أرض قابليّتهم وسلامة نبات أوليات علومهم عن الآفات . # تأويل ما حكي عن قوم عاد # وكأنّا قد أسمعناك من قبل أنّ القصص المنزلة السماويّة سيّما ما اختصّ منها ~~بالخاتم ما هي حكاية أشخاص مخصوصة قد انقرضت بانقراض بعض أجزاء الزمان وأبعاضه . # فإنّها حكاية أحوال حقائق كليّة وأسماء إحصائيّة إلهيّة ، يتشخّص أفرادها في كل ~~زمان متكلَّمين بتلك القصص حالا وقولا ، فإنّ لتلك الأحوال المختصّة بالزمان ماضيا ~~كان أو مستقبلا وجوها شهاديّة إنّما يحتظي بها أهل الذوق والشهود . # فلا ينبغي للمسترشد اللبيب أن يقنع من تلك القصص الحكميّة بالحكايات المنقرضة في ~~سالف من الأزمنة ، منخرطا نفسه في سلك ذوي الحرمان من القرآن الختمي على ما أخبر عن ~~لسان حالهم قوله تعالى : " قالُوا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ " [ 16 / 24 ] . # وقد أومأنا إلى وجوه من المناسبات والاستعارات هاهنا ، عساك تتفطَّن بها لذلك ~~الوجه الشهادي . فإنّ عادا على ما نبّهت عليه آنفا هم الماشون على صراط العادات ~~التي إنّما يسوقهم إليها الأهوية الدبوريّة من خلف الطبيعة . # ولا يخفى أنّ المسترشدين منهم لمّا رأوا تلك العوارض المحسوسة المظلَّة لهم # قالوا : هذا العارض سيفيض علينا بعد امتزاجات وترتيبات معدّة علوما يغتذي حقيقتنا ~~بها . # وذلك هم أهل النظر ، المستدلَّون بالصنع على الصانع . # قال رضي الله عنه : ( فظنّوا خيرا باللَّه ) وهو إفاضة ما يستحصل منه أغذيتهم ~~وأقواتهم ، ( وهو عند ظنّ عبده به ، فأضرب لهم الحقّ عن هذا القول ) . # "قال الله تعالى : وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ ~~وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا ~~إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا ~~أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ ~~مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ~~مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا ~~رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ~~بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ ~~كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ~~كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) سورة الأحقاف # بقوله : " بَلْ هُوَ ما اسْتَعْجَلْتُمْ به " ( وأخبرهم بما هو أتمّ وأعلى في ~~القرب ) والخيريّة ( فإنّه إذا أمطرهم فذلك ) أوّل ( حظَّ الأرض ) يعني استعداداتهم ~~وآلاتها من الجوارح الظاهرة. # ( و ) ثاني ( سقى الحبّة ) من العلوم الأوّلية التي بها تنوط رقيقة الحبّ . # ( فما يصلون إلى نتيجة ذلك المطر إلَّا عن بعد ) من تركيب الأوّليّات وثواني ~~الامتزاجات ثمّ التفطَّنات ( فقال لهم " بَلْ هُوَ ما اسْتَعْجَلْتُمْ به رِيحٌ ~~فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ " [ 46 / 24 ] . # تأويل العذاب في حقّ قوم عاد # قال رضي الله عنه : (فجعل الريح إشارة إلى ما فيها من الراحة لهم ، فإنّ بهذه ~~الريح أراحهم من هذه الهياكل المظلمة ) الهيولانيّة الكثيفة التي هي منبع كلّ شرّ ، ~~ومثار كلّ ظلمة ، إلى العالم العقلي الذي هو مستنزه العوالم ومستروحها أجمع . # ( والمسالك الوعرة ) وهي المشاعر ومقتضياتها المتخالفة الخشنة ، ذات أغوار وأنجاد ~~، ملاءمة ومنافرة ( والسدف المدلهمّة ) من العوائد الرسميّة والحجب العادية ، ~~المتراكمة المتحتّمة الانقياد عند كل طائفة وجمع من الأمم . فإنّ « السدفة » - لغة ~~- هي اختلاط الظلمة والنور . # قال رضي الله عنه : ( وفي هذه الريح ) المريحة لهم عن لوازم التعيّن ومقتضياته ( ~~عذاب أي أمر يستعذبونه إذا ذاقوه ) كما قيل : # أنا صبّ ، ودمع عينيّ صبّ %~% عذّبوا ، فالعذاب في الحبّ عذب # قال رضي الله عنه : ( إلَّا أنّه يوجعهم لفرقة المألوف ) وهي مؤلمة من حيث أنّه ~~تفرّق اتّصال ، فهو "عَذابٌ أَلِيمٌ " ، ( فباشرهم العذاب ، فكان الأمر إليهم أقرب ~~مما تخيّلوه ) من الإمطار والإفاضة وما يترتّب على ذلك مما يؤول إلى ما ينفعهم . # ( فدمّرت " كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها " ) من العلائق العائقة عن بلوغهم إلى ~~الكمال . # قال رضي الله عنه : ( " فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ " [ 46 / 25 ] ~~وهي جثثهم ) الأصليّة الوجوديّة الجوهريّة دون الجعليّة الكونيّة الوهميّة ، وهي ( ~~التي عمّرتها أرواحهم الحقّية ) الوجوديّة بمجرّد انتسابها إليها . # قال رضي الله عنه : ( فزالت حقّية هذه النسبة الخاصّة ) وهي نسبة روح الوجود إلى ~~هذه التفرقة الكونيّة التشخّصية ، التي بها عمرت جثثهم بنسبة الأرواح . # قال رضي الله عنه : ( وبقيت على هياكلهم ، الحياة الخاصّة بهم ) وهي الحياة ~~العامّة الجوهريّة الوجوديّة التي بها حيّت الجمادات الواصلة إليها ، دون المشخّصة ~~الكونيّة العرضيّة ، وتلك الحياة الوجوديّة هي التي قال : إنّه (من الحقّ التي تنطق ~~بها الجلود والأيدي والأرجل ، وعذبات الأسواط والأفخاذ) # واستشعار الوجه الشهادي من هذا لا يخفى على من له ذوق المقامات الحسّية ، # كما قال ابن الفارض في تائيته : # فلو كوشف العوّاد بي وتحقّقو %~% من اللوح ما منّي الصبابة أبقت # لما شاهدت منّي بصائرهم سوى %~% تخلَّل روح بين أثواب ميّت # وأيضا قال ابن الفارض في لاميّته : # وعنوان ما فيها لقيت وما به %~% شقيت وفي قولي اختصرت ولم أغل # خفيت ضني حتّى لقد ضلّ عائدي %~% وكيف يرى العوّاد من لا له ظلّ # وما عثرت عين على أثري ولم %~% تدع لي رسما في الهوى الأعين النجل # ( وقد ورد النصّ الإلهي بهذا كلَّه ) بعضه في الآيات المنزلة القرآنيّة ، وبعضه ~~في الأحاديث النبويّة الصحيحة . # " وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام : ~~151]" و " قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا ~~بَطَنَ [الأعراف :33 ]" # ثمّ إنّ اختلاف مدارك القوم من النصّ الذي لا يحتمل غيره ، وعدم فهمهم المقصود ~~منه لا بدّ له من سبب ، كشف عن ذلك السبب بقوله : ( إلَّا أنّه تعالى وصف نفسه ~~بالغيرة ، ومن غيرته حرّم الفواحش ، وليس الفحش إلَّا ما ظهر ) فإنّ الفحش هو السوء ~~إذا جاوز الحدّ في الإفشاء . # ( وأمّا فحش ما بطن فهو لمن ظهر له ) ذلك السرّ المتبطَّن . # قال رضي الله عنه : ( فلما حرّم الفواحش أي منع أن تعرف حقيقة ما ذكرناه ) وتظهر ~~في المدارك ، فإنّ الأعيان أنفسها ليست محرّمة ، بل ارتكابها بالجوارح وإظهارها في ~~المشاعر. # ( و ) تلك الحقيقة الممنوعة ( هي أنّه عين الأشياء ) مع ما فيها من التفاوت ~~بالقرب إلى الذات والبعد عنه ( فسترها بالغيرة ) التي وصف الحقّ نفسه بها . # ( وهو أنت ) ، فإنّه الساتر نفسه بالغيرة ، المشتقّة ( من الغير ) . # قال رضي الله عنه : ( فالغير ) بهذا المعنى ( يقول : " السمع سمع زيد " ) ساترا ~~للحقّ بالغيرة . # قال رضي الله عنه : ( والعارف يقول : « السمع عين الحقّ » ) لعدم حكم الغيرة ~~المشتقّة من الغيرة على العارف ، كما قال ابن الفارض : # أغار عليها أن أهيم بحبّه %~% وأعرف مقداري فأنكر غيرتي # قال رضي الله عنه : (وهكذا ما بقي من القوى والأعضاء ، فما كلّ أحد عرف الحقّ ، ~~فتفاضل الناس ، وتميّزت المراتب ، فبان الفاضل والمفضول ) . # رؤية ابن العربي الأنبياء عليهم السّلام في مبشرته ومكالمته مع هود عليه السّلام # وإذ قد تبيّن في هذا الفصّ من العلوم ما هو حظَّ أهل الخصوص من الكمّل الختمي ، ~~استشعر سبب تلك الخصوصيّة وما هو المبدء لها قائلا : ( واعلم أنّه لما أطلعني الحقّ ~~وأشهدني أعيان رسله عليهم السّلام وأنبيائه كلَّهم - البشريين - ) لأنّه رآهم في ~~مبشرته . # قال رضي الله عنه : ( من آدم إلى محمّد عليهم السّلام أجمعين في مشهد أقمت فيه ~~بقرطبة ) وهي مدينة بالمغرب "بالأندلس" كان ساكنا بها . # ( سنة ستّ وثمانين وخمسمائة ، ما كلمني أحد من تلك الطائفة إلَّا هود عليه ~~السّلام ) وذلك لعلوّ كشفه وشهوده الغائي ، وكمال اختصاصه بالقرب الذاتي وميله إلى ~~طرف الولاية وختمها . # قال رضي الله عنه : ( فإنّه أخبرني ) بقوّة تلك الرقيقة الاختصاصيّة ( بسبب ~~جمعيّتهم ) ، وهو احتظاؤه من الكمال الختمي وانتماؤه إلى حضرته الجمعيّة الشهوديّة ~~الأكمليّة التي من آثارها تسطير هذا الكتاب وإبرازها للناقدين من اولي الألباب. # ولذلك من رؤية تلك المبشّرة إلى أوان تأليفه هذا تمام ميعاد الميقات ، وهو أربعين ~~( 333 ) وذلك لأنّ التثليث الذي هو صورة الجمعيّة الناتجة ، والازدواج الناكح ~~الفاتح ، قد ظهر فيه بكماله وتثلَّث . # قال رضي الله عنه : ( ورأيته رجلا ضخما في الرجال ) لكمال سعته في العلوم ( حسن ~~الصورة ) لقرب نسبته إلى أمر الصورة وتمام كشفها عليه - على ما يظهر من شهوده في ~~الآية . # ( لطيف المحاورة ) لظرافته وقرب ذوقه إلى ذوق ظرفاء الزمان كما عرفت ،(عارفا ~~بالأمور) - أي حدود تفاصيل الأشياء وخصوصيّاتها - ( كاشفا لها) . # قال رضي الله عنه : (ودليلي على كشفه لها قوله : " ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ ~~آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ") [ 11 / 56 ] . # حيث أسند أخذ نواصي الدوابّ أعني زمام أفعال ما يدبّ على عرض أرض الكثرة ، التي ~~هي نهاية أمرها إلى هو ، وهو أوّل ما يطلع من كنه الكمون ومبدأ آثار الوحدة ~~الإطلاقيّة الذاتيّة . # قال رضي الله عنه : ( وأيّ بشارة للخلق أعظم من هذه ) أنّه في أقاصي ما ينتهي ~~إليه دركات بعده - وهو أفعاله - تراه قريبا إلى الحقّ ، صادرا منه من حيث الوحدة ~~الذاتيّة والهويّة الإطلاقيّة التي لا مجال للبعد هناك أصلا . # قال رضي الله عنه : (ثمّ من امتنان الله علينا أن أوصل إلينا هذه المقالة عنه في ~~القرآن ) العربي المبين أمر الحقائق على ما هي عليه ، معربا عن كنهه ، مطابقا لما ~~رآه في مشهده الذي أقيم فيه شاهدا على حقيّته . # مدارج النبي الخاتم صلَّى الله عليه وآله # وهاهنا نكتة حكميّة لا بدّ من ذوقها حتّى يتحقّق الأمر ، وهي أنّ الخاتم في إظهار ~~ما عليه الأمر له ثلاثة مدارج بحسب ما قدّر لقدره الرفيع من المناصب : # الأوّل موطنه الختمي النبوي الأحدي الجمعي ، الذي من آثار كماله نزول الكلام ~~القرآني العربي ، الجامع لأذواق الرسل والأنبياء أجمع ، ولما في موطنه من الإطلاق ~~الأحدي الجمعي لا يضيق أمر نزوله ذلك عن توسّط الرسالة ، وتخلَّل ما فيها من الكثرة ~~، وهو المقام المحمّدي ( 92 ) والذي يلوّح ما فيه أولا مما يدلّ على الصبابة ~~والمحبّة . # والثاني موطنه الولائي الخصوصي الأحدي الذي لا يسعه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ، ~~ومن آثار كماله ظهور الكلام القدسيّ عنه بدون توسّط ولا تخلَّل ، وهو المقام ~~الأحمدي ( 53 ) والذي يلوّح عليه ما نبّه أوّلا مما يدلّ على الستر والجنّة . # والثالث موطنه الرسالي الإبلاغي الآتي بما يكمل الخلائق كلَّها ، وهو المقام ~~المحمودي ( 98 ) ومما يلوّح عليه ما فيه أوّلا من الصحّة النسبيّة التي هي مقتضى ~~حكم التبليغ. # فلذلك لمّا بيّن الحكمة الأحديّة المذكورة بما في القرآن العربي على لسان هود - ~~وهو الأوّل من أقسام الكلام - كمّلها بالثاني منها قائلا : # بيان الحكمة الأحدية في الكلام الختمي صلَّى الله عليه وآله # قال رضي الله عنه : (ثمّ تمّمها الجامع للكل محمد صلَّى الله عليه وسلَّم بما ~~أخبر به عن الحقّ ) ووجه تتميمه صلَّى الله عليه وسلَّم ذلك أنّه إنّما علم من ~~الكشف الهودي أنّ أفعال الخلق التي هي أنزل المراتب وأبعدها - في قبضة إحاطة الحقّ ~~، آخذا بناصيتها ، ولا يخفى ما فيه بعد من اعتبار حكم النسبة القاضية بالتفرقة . # وأمّا عبارة الحديث القدسي الصادر منه صلَّى الله عليه وسلَّم فهي كاشفة عن تمام ~~الوحدة الذاتيّة التي لا مجال للنسبة فيها أصلا ، فإنّه قد نصّ فيه ( بأنّه عين ~~السمع والبصر واليد والرجل واللسان ، أي هو عين الحواسّ ) الجسمانيّة الظاهرة في ~~الكون . # قال رضي الله عنه : ( والقوى الروحانيّة ) المتبطَّنة عن الكون كالحسّ المشترك ~~والخيال والذكر والفكر ( أقرب ) إلى الوجود الحقّ ( من الحواس) . # قال رضي الله عنه : ( فاكتفى بالأبعد المحدود ) المعلوم حدوده وجدانا وذوق (عن ~~الأقرب المجهول الحدّ ، فترجم الحقّ لنا عن نبيّه هود مقالته لقومه - بشرى لنا - ~~وترجم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن الله مقالته بشرى ) لأهل الخصوص منّا . # قال رضي الله عنه : ( فكمّل العلم في صدور الذين أوتوا العلم ، " وَما يَجْحَدُ ~~بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ ") [ 29 / 47 ] منهم ( فإنّهم يسترونها ) بالإخفاء ~~عن المسترشدين . # قال رضي الله عنه : ( وإن عرفوها ) وتحقّقوا بالتوحيد الذاتي ( حسدا منهم ) في أن ~~يصل إليه غيره ( ونفاسة ) # لتلك المنقبة العزيزة ( وظلما ) على الطالبين كما لا يخفى على من له أدنى تنبّه ~~أنّ الكافر على هذا التأويل لا يمكن أن يكون كفّار أهل الكتاب كيف ذلك وقد صرف ~~الكفر عن حقيقته الشرعيّة إلى اللغويّة ، وهو مجرّد الستر . # التنزيه في عين التشبيه # ثمّ إنّه لما بالغ في تحقيق طرف التشبيه ، إلى أنّ آل أمره إلى التحديد ، أخذ في ~~تحقيق ذلك بما يظهر منه كمال التنزيه قائلا : # قال رضي الله عنه : ( وما رأينا قطَّ من عند الله في حقّه تعالى آية في آية ~~أنزلها ، أو إخبار عنه أوصله إلينا فيما يرجع إليه إلَّا بالتحديد ، تنزيها كان ) ~~مؤدى ذلك الإخبار كما سيجيء بيانه في قوله تعالى : " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ " ( ~~أو غير تنزيه ) كما في الآيات والأخبار الدالَّة على تنزّله في المراتب. # قال رضي الله عنه : ( أوّلها العماء الذي ما فوقه هواء وما تحته هواء ) فبتبيّن ~~الفوق والتحت منه حدّده مكانا ، وبقوله : ( فكان الحقّ فيه قبل أن يخلق الخلق ) ~~حدّده زمان ( ثمّ ذكر ) في مدارج تلك التنزّلات ( أنّه استوى على العرش ، فهذا أيضا ~~تحديد ثمّ ذكر أنّه ينزل إلى السماء الدنيا ، فهذا تحديد ثمّ ذكر أنّه "في ~~السَّماءِ " ( إِله ٌ " وَ أنّه " في الأَرْضِ" ) إِله ٌ ) [ 43 / 84 ] . # قال رضي الله عنه : ( وأنّه معنا أينما كنّا ) وفي عبارته هذه إشارة إلى أنّ ~~ترتيب التنزّلات الوجوديّة إلى الأرض ، ثمّ فيها ترتيب آخر على أرضها الإظهاري ، ~~إلى أن يكون عين المظاهر ، وإليه أشار بقوله : (إلى أن أخبرنا أنّه أعيننا) في حديث ~~النوافل ، فهذا منتهى المراتب # قال رضي الله عنه : ( ونحن محدودون ، فما وصف نفسه ) حيث أخبرنا بأنّه عينن ( ~~إلَّا بالحد ) هذا في الآيات والأخبار الدالَّة على طرف التشبيه ، وتنزّله في مراتب ~~الظهور والإظهار . # وأمّا ما يدلّ على التنزيه منها ، فإليه أشار بقوله : # ( وقوله : " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ " # [ 42 / 11 ] # حدّ أيضا إن أخذنا الكاف زائدة لغير الصفة ) # بمعنى المثل - كما سيجيء تحقيقه - وهو يدلّ على التحديد ، فإنّه إنّما يدلّ على ~~أنّه ليس مثل المحدود ويمتاز عنه . # قال رضي الله عنه : # ( ومن تميّز عن المحدود ، فهو محدود بكونه : ليس عين هذا المحدود - فالإطلاق عن ~~التقييد تقييد ) # لأنّه مقابل له ، ممتاز عنه ، وكلّ مقابل وممتاز فهو مقيّد # ( والمطلق مقيّد بالإطلاق لمن فهم ) # معنى الإطلاق - وقد بينّا ذلك غير مرّة . هذا إن جعلنا الكاف زائدة . # قال رضي الله عنه : # ( وإن جعلنا الكاف للصفة ) # بمعنى المثل ، فإن أخذنا على ما هو الظاهر من هذا التركيب وهو حظَّ العامّة منه ~~من إثبات المثل ونفي أن يكون شيء مثله # ( فقد حدّدناه ) # . # قال رضي الله عنه : # ( وإن أخذنا " لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ " ) # على ما هو استعمال البلغاء وخواصّ الخطباء # (على نفي المثل) # فإنّهم إذا أرادوا تنزيه المحمود أو الممدوح عن وصف ، ينفون ذلك الوصف ويبعّدونه ~~عن مثله . # كما في قولهم : # « مثلك لا يبخل » # أدبا وإغراقا في تبيين تلك النزاهة ، وإشعارا بأنّ في المحمود من الأوصاف ~~الكماليّة ما ينفي ذاك الوصف حيثما كان في نظائره وأشباهه ، وهذا ضرب من الاستدلال ~~على نفي الشيئية والوجود عن مثل الحقّ بأن من هو نظيره منزّه عن هذا الوصف . # فلذلك قال رضي الله عنه : # ( تحقّقنا بالمفهوم ) # أي بما هو مفهوم الخاصّة من البلغاء عن هذا التركيب . # ( وبالإخبار الصحيح ) # مما يدلّ عليه ظاهرا ويصل إليه فهوم العامّة # ( أنّه عين الأشياء ، الأشياء محدودة وإن اختلفت حدودها ) # على تكثّر صنوفها وتنوّع جزئيّاتها . # فإنّ الحدود منها ما هي ذاتيّة للشيء ، وهو ما ينتهي إليه الشيء ذاته ، كمدركات ~~قواه وأفعال جوارحه ، ومنها ما هي عرضيّة له . # كالسطوح المكانيّة والآنات الزمانيّة التي ينتهي إليه الشيء بأعراضه وأحواله ، ~~ومنها ما هي جامعة لهما ، كاشفة عن الكلّ وهي الأعداد وصورها الحرفيّة. # وعلم من تحقيق معنى الحدّ هذا وتبيين أقسامه وجه دخل هذا الكلام في الفصّ الهودي ~~والحكمة الأحديّة ، فإنّك قد نبّهت في التلويحات السابقة أن "الدال " إذا ظهر ب # « حاء » # حقيقة الحق إنّما يدلّ على كنه غايات الشيء ونهايته ، فإذا ظهر في ضمن # « ألف » # ابتداء الوجود هو " الأحد " كما أنّه إذا جمعهما « ميم » منتهى العلم هو # « الحمد » # . # فالحمد هو العلم بحدود الأشياء على اختلاف أنواعها وتكثّر صنوفها ، فإنّها حدود ~~الحقّ . # قال رضي الله عنه : # ( فهو محدود بحدّ كلّ محدود ، فما يحدّ الشيء إلَّا ) # حدّه ذلك # ( هو حدّ الحقّ ) # . # والذي يلوّح عليه أن حد # ( اال ) # كل شيء هو لبّه المرئي فيه ، هذا إن أخذ من بيّناته ما هو أول ، وإن تعمّق فيها ~~يظهر ما هو أبين . # الإنسان الكبير # قال رضي الله عنه : # ( فهو الساري في مسمّى المخلوقات ) # الماديّة # ( والمبدعات ) # المجرّدة ، # ( ولو لم يكن الأمر كذلك ما صحّ الوجود ) # لشيء ، ضرورة نفي الوجود عمّا يماثل الحقّ ويقابله # (فهو عين الوجود) # الظاهر الذي به يوجد الكلّ ، # ( فهو # " عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ " # [ 11 / 57 ] # بذاته ) # وما بالذات من الشيء لا تكلَّف له في إصداره ، ولا ثقالة له منه في احتماله ، فلا ~~يثقله # ( ولا يؤده حفظ شيء ). # " إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا " [ فاطر : ~~41] # قال رضي الله عنه : # ( فحفظه تعالى للأشياء كلَّها حفظه لصورته أن يكون الشيء ) # على # ( غير صورته ) # ، فإنّه لم لو يحفظه ذلك لكان الشيء على غير صورته مقابلا له ومماثلا ، وذلك محال ~~عقلا وذوقا ، فإنّ الأشياء ظاهر الحقّ وصورته ، وهو بالذات حافظ له أن يكون غير ~~صورته . # ( ولا يصحّ ) # بالنظر العقلي والشهود الذوقي # ( إلَّا هذا ) # على ما لا يخفى # ( فهو الشاهد من الشاهد ، والمشهود من المشهود ) # ، فلا مدرك ولا مدرك في المعنى والصورة إلَّا هو . # قال رضي الله عنه : # ( فالعالم صورته ، وهو روح العالم المدبّر له ) # بهويّته # ( فهو الإنسان الكبير) . # قال رضي الله عنه : # ( فهو الكون ) # بالكثرة الكيانيّة . # ( كلَّه . وهو الواحد ) # بالوحدة الوجوديّة # ( الذي ) # ( قام كوني بكونه ) # وإطلاق الكون هاهنا على وجوده باعتبار كثرته النسبيّة الأسمائيّة ضرورة وجوب ~~مناسبة الغذاء للمغتذي. # ( ولذا قلت نغتذي ) # فإنّ الغذاء ما به يتقوّم المغتذي . # قال رضي الله عنه : # ( فوجودي غذاؤه ) # باعتبار وحدته ليناسب المتغذي # ( وبه نحن نحتذي ) # ونغتذي في غذائه المغتذي . # ثم استشعر أنّه إذا كان قيام كونه بكون الحق فكيف يتمكَّن من تعوّذه واجتنابه عن ~~البعض ، # وقال : # ( فبه منه إن نظر ت بوجه ) # وهو هذا التوحيد الذاتي الذي فيه يتكلَّم # ( تعوّذي ) # كما أفصح عنه الحضرة الختميّة بقوله : # « نعوذ بك منك » # وعن وجوهه الأسمائي والأفعالي بقوله : # "نعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقابك " # . # وإذا تقرّر أن حدود الأشياء ونهاياتها وصورها وغاياتها المستخرجة من مكامن القوة ~~إلى مجالي الفعل كلها صورة الحق ، وهي منطوية فيه ، مقتضية للظهور والبروز انطواء ~~الكلمات في باطن المتكلم المقتضية للتكلم بها والتنفّس بإظهارها . # ولذلك عبّر عن ذلك الاقتضاء بالكرب قائلا : # ( ولهذا الكرب تنفّس ، فنسب النفس إلى الرحمن ، لأنه رحم به ما طلبته النسب ~~الإلهية ، من إيجاد صور العالم التي قلنا ) # الصورة # ( هي ظاهر الحق ، إذ هو الظاهر ، وهو باطنها ، إذ هو الباطن ) # ومما يلوّح على هذا تلويحا بيّنا أن « هي » هو هاء الهويّة الظاهرة على ياء الغيب ~~، و « هو » هو الياء منه فقط . # النفس الرحماني وظهور العالم فيها # قال رضي الله عنه : # (و"هُوَ الأَوَّلُ " إذ كان ولا هي ، وهو " الآخِرُ " إذ كان عينها عند ظهورها ~~فالآخر عين الظاهر ، والباطن عين الأوّل ) # فظهر أن الحدود كلَّها عين هويّة الحقّ # ( "وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ") # [ 57 / 3 ] # لأنّه بنفسه عليم ) # لأنّ حدود الأشياء ظاهرها وباطنها نفس هويّة الحقّ وعينها في الحضرة العليميّة ~~والهويّة الأحديّة التي لا يتميّز المعلوم عن العالم ، فلا صورة هناك لشيء إلَّا ~~للحقّ ، ولا نسب إلَّا له . # قال رضي الله عنه : # ( فلمّا أوجد الصور في النفس ) # الرحماني الذي به انبسط عن الكرب الذي من تراكم النسب والصور في الباطن # ( وظهر سلطان النسب المعبّر عنها بالأسماء ، صحّ النسب الإلهي للعالم ) # ضرورة امتياز المعلوم حينئذ عن العالم ، والموجود عن الوجود ، وفتح باب لام ~~التفصيل المنخفض كلّ الانخفاض في العليم ، وصحّة نسبة الموجودات والمعلومات مطلقا ~~أن يكون إلى الله الحقّ . # قال رضي الله عنه : # ( فانتسبوا إليه تعالى ) # بعبوديّتهم له ومخلوقيّتهم ومرزوقيّتهم # ( فقال : اليوم ) # أي حيث يظهر أمر النسبة عند تمايز المنتسبين ، ويطلع شمس الإظهار من أفق غيبه . # ( أضع نسبكم وأرفع نسبى . أي آخذ عنكم انتسابكم إلى أنفسكم ) # الذي كنتم عليه في يوم لا نسبة ولا المنتسبين # ( وأردّكم إلى انتسابكم إليّ ) # لتكونوا عبيدي ومظاهري ، فاعبدوا ما ظهر بكم . # ثمّ إذ قد علم أن يوم الظهور والإظهار إنّما اقتضى قهرمان أمر نسبة العبيد إلى ~~الحق ، وقطع انتسابهم إلى أنفسهم - فإنّ ذلك مما ينفي إنفاذ حكم النسبة - فأخذ في ~~تفصيل تلك النسبة - فإنّ من المحقّقين من شاهد نسبة العبيد إلى الحقّ نسبة الباطن ~~إلى الظاهر . # ومنهم من شاهدها بالعكس قائلا : # أين المتّقون ؟ # للمتّقي اعتباران # قال رضي الله عنه : # (أين المتّقون ؟ أي الذين اتّخذوا الله وقاية ،فكان الحقّ ظاهرهم ،أي عين صورهم ~~الظاهرة ) # لوقايته لهم # ( وهو أعظم الناس ) # قدر الشهود صورته أعظم ما في الوجود # ( وأحقّه ) # شهودا ، أي الواقع أظهر مطابقة لشهوده من شهود غيرهم ، وهو ظاهر. # ( وأقواه ) # حجّة # ( عند الجميع ) # وذلك أنّ الظاهر أنزل المراتب ، فهو أشمل ، فسائر الحجج تثبت مدعاه . # قال رضي الله عنه : # ( وقد يكون المتّقي من جعل نفسه وقاية للحقّ بصورته ) # وهو أن يكون الحقّ باطنه ، وهو ظاهر الحقّ لوقايته له # قال رضي الله عنه : # ( إذ هويّة الحقّ قوى العبد فجعل مسمّى العبد وقاية لمسمّى الحقّ على الشهود ) # عن أن ينتسب إلى الحقّ جهل أو شيء من نقائص الأوصاف الكونيّة فجعل مرجع ذلك ~~كلَّها إلى العبد . # قال رضي الله عنه : # ( حتّى يتميّز العالم ) # ومن يوصف بالأوصاف الكماليّة # ( عن غير العالم ) # ممن ينتسب إليه النقائص ويوصف به # ( " قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ~~إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبابِ " # [ 39 / 9 ] # وهم الناظرون في لبّ الشيء ) # ، المطَّلعون على غايته وحدّه . # قال رضي الله عنه : # ( الذي هو المطلوب من الشيء ) # وأنت قد نبّهت على ما بين اللبّ والحدّ من النسب الدالَّة التلويحيّة . # ( فما سبق مقصّر ) # واقف بين الأوساط # ( مجدّا ) # واصلا إلى حدّه # ( كذلك لا يماثل أجير) # يعمل بجعل هو يحرّكه وهو مجعوله # ( عبدا ) # يسوقه ويجرّه الفواتح والخواتم ، كما سبق في بحث السائق والآخذ بالناصية . # قال رضي الله عنه : # ( وإذا كان الحقّ وقاية للعبد بوجه ، والعبد وقاية للحق بوجه ) # بناء على ما في المشهد الجمعيّ الختميّ ، من الجمع بين المشاهد والأذواق كلَّها ، ~~والختم بتمامها . # ( فقل في الكون ما شئت إن شئت قلت : « هو الخلق » ) # كما في مشهد المتّقين ، الذي جعلوا صورتهم وقاية للحق ، وإنّما قدم هذه الطائفة ~~لكثرتها وغلبتها . # قال رضي الله عنه : # ( وإن شئت قلت : « هو الحق » ) # - كما هو مشهد المتّقين الذين اتّخذوا الله وقاية لهم . # ( وإن شئت قلت : "هو الحقّ الخلق ") # كما هو في المشهد الإطلاقي الختمي . # للهويّة الإطلاقيّة وجهان # ثمّ هاهنا نكتة لها كثير دخل فيه ، وهي أنّ للهويّة الإطلاقيّة التي هي مشهد ~~الورثة الختميّة وجهين ظاهرين ولازمين بيّنين ، يظهر بهما في مجالي الوجود ومواطن ~~الشهود : # أحدهم # الإحاطة التامّة المقتضية لأن يكون عين الأشياء ، وقد عبّر عن ذلك عبارة الكاشف ~~عنها أنّه « مع كلّ شيء لا بمقارنة » وهذا مبدأ الأوصاف الوجوديّة وقد لوّح عليه ~~هاء « هو » رقما. # والآخر # العلوّ فيها وعنها ، وهو أن لا يكون شيء يحيط به أو يقابلها في تلك الإحاطة ، وهو ~~وجه تماميّتها ، وذلك يقتضي أن لا يكون عين شيء من الأشياء ، بل غيره . # كما عبّر عنه في تلك العبارة بأنّه : # " غير كلّ شيء لا بمزايلة " # وهذا مبدأ الأوصاف السلبيّة ، وهو أبطن وأقرب إلى الذات ، وقد لوّح عليه واو «هو» ~~عقدا . # فمنهم من غلبه الأوّل ، ومنهم من الغالب عليه هو الثاني ، وإليه أشار # بقوله : # ( وإن شئت قلت : لا حقّ من كلّ وجه ، ولا خلق من كلّ وجه ) # كما هو ذوق بعض الشاهدين ذلك المشهد ، فإنّك قد عرفت في طيّ هذه النكتة الحكميّة ~~ما يطلعك على ما للمعنى الإطلاقي من الوجهين ، وأنّ العدمي منهما أقرب إلى الذات ~~وأعلى . # ( وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك ) # كما هو ذوق بعض الحائرين في سطوات تموّجات بحر الذات ، الضالَّين في أنوار ~~هدايتها :ما بين ضال المنحني وظلاله # ضلّ المتيّم واهتدى بضلاله # ( فقد بانت المطالب بتعيينك المراتب ) # وتبيينك غايات أذواق الكمّل وحدود مراقيهم ، # ( ولولا التحديد ما أخبرت الرسل ) # عند الكشف عما ينبئ ما عليه الحقّ في نفسه # ( بتحوّل الحقّ في الصور ، ولا وصفته بخلع الصور عن نفسه ) # . # أمّا الملازمة الأولى فظاهرة ، إذ الصورة هي إحاطة حدّ أو حدود ، فهي تستلزمه ~~ضرورة ، وأمّا الثانية فلما مرّ من أن مقابل المحدود لا بدّ وأن يكون محدودا ، كما ~~أنّ مقابل المقيّد مقيّد بالإطلاق كما سبق تحقيقه آنفا وهذان هما الحدّان للإطلاق ~~كما تذكَّرته آنفا . # ( فلا تنظر العين إلَّا إليه ولا يقع الحكم ) # في نفي المنظوريّة عنه # ( إلَّا عليه ) # ( فنحن له ) # نبيّن # ( وبه ) # ظهر ، حال كونن # ( في يديه ) # مخففين ومختفين في ثنوية المتقابلين # ( وفي كلّ حال ) # من الإخفاء والإظهار # ( فإنّا لديه ) # وذلك لما في القرب من الوحدة الإطلاقيّة ما ليس في الاتحاد ، ولذلك تراها ظاهرة ~~بالوجهين . # أقسام الناس ومراتبهم في شهود الوحدة # ( ولهذا ) # الذي في الهويّة الإطلاقيّة من الوجهين # ( ينكر ويعرف ، وينزّه ويوصف فمن رأى الحقّ منه فيه بعينه : فذلك العارف ) # لشهوده الوحدة الجمعيّة والهويّة الإطلاقيّة بإطلاقها . # قال رضي الله عنه : # ( ومن رأى الحقّ منه فيه بعين نفسه : فذلك غير العارف ) # لشهوده الوحدة ليس بإطلاقها . # قال رضي الله عنه : # ( ومن لم ير الحقّ لا منه ولا فيه ، وانتظر أن يراه بعين نفسه : فذلك الجاهل ) # فإنّ حظَّه من المشهد الجمعي الختمي هو الانتظار ، ليس إلَّا ولذلك ترى سائر ~~الأمم حظَّهم من السعة الساعة الإطلاقيّة هو انتظار ظهور الخاتم ، معبّرا عن اسمه ~~بما أفصح عنه لسان مرتبتهم ، وناطقة عقيدتهم ، ضرورة شمول نسبة الكلّ ، وعدم بلوغ ~~رقيقة قربهم وراء الانتظار . # قال رضي الله عنه : # ( وبالجملة ، فلا بدّ لكلّ شخص من عقيدة في ربّه ) # ورقيقة نسبية # ( يرجع بها إليه ويطلبه فيها ، فإذا تجلَّى له الحقّ فيها عرفه وأقرّ به ، وإن ~~تجلَّى له في غيرها نكره وتعوّذ منه ، وأساء الأدب عليه في نفس الأمر ) # ضرورة إنكاره له في بعض مجاليه ومظاهره . # قال رضي الله عنه : # ( وهو عند نفسه أنّه قد تأدّب معه ) # ونزّهه # ( فلا يعتقد معتقد ) # من ذوي العقائد الجزئيّة - تقليديّة كانت أو نظريّة # ( إلها إلَّا بما جعل في نفسه ) # من الصورة التي عقدها من إمامه الذي تقلَّده أو ساق إليها نظره . # قال رضي الله عنه : # ( فالإله في الاعتقادات بالجعل ) # من المعتقد وما يصوّرون به بواطنهم ونفوسهم # ( فما رأوا إلَّا نفوسهم وما جعلوا فيها ) # من الصور . # قال رضي الله عنه : # (فانظر مراتب الناس في العلم باللَّه تعالى هو عين مراتبهم في الرؤية يوم القيامة ~~) # كما نبّهت عليه من رؤية الحقّ كلّ أحد في سعة ساعته ، على ما عليه نفسه من الصور ~~، إمّا انشراحا علميا من الحقّ ، أو عقدا تقليديّا جعليّا من نفسه ، وهذا لا يمكن ~~له أن يجاوز ذلك الصورة المحصورة إلى غيرها في تلك السعة . # قال رضي الله عنه : # ( وقد أعلمتك بالسبب الموجب لذلك ) # وهو العقد الذي جعله عليه تعمّلا وتكلَّفا ، تقليدا لمن حسن ظنّه به ، فطاب له ~~قبوله عنه . # قال رضي الله عنه : # ( فإيّاك أن تتقيّد بقيد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير كثير ) # ضرورة أنّ ما تكفر به من صور الحقّ كثير بالنسبة إلى ذلك العقد المخصوص . # قال رضي الله عنه : # ( بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه ) # في نفسه ، فإنّه في نفسه مطلق ، وهو قد اعتقده مقيّدا مخصوصا ، فيكون الفائت منه ~~حينئذ العلم كلَّه . # أينما وليت فثمّ وجه الله # قال رضي الله عنه : # (فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلَّها ، فإنّ الإله تعالى أوسع وأعظم أن ~~يحصره عقد دون عقد ، فإنّه يقول : " فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه ُ الله " # [ 2 / 115 ] # وما ذكر أينا من أين ، وذكر أنّ ثمّ وجه الله - ووجه الشيء حقيقته - فنبّه بهذا ~~قلوب العالمين لئلا يشغلهم العوارض) # من الصور العقديّة التي عليها جمهور الأمم ، فإنّها شاغلة للإنسان ، لتمدّنه ~~بالطبع ، وضرورة تشاركه لبني نوعه # ( في الحياة الدنيا عن استحضار مثل هذا ) # الإطلاق الذاتي ، # ( فإنّه لا يدري العبد في أيّ نفس يقبض ) # عن هذا الموطن الإطلاقي والنشأة الطبيعيّة الكلَّية # ( فقد يقبض في وقت غفلة ، فلا يستوي مع من قبض على حضور ) . # ثمّ أخذ يبيّن مبدأ ما عليه الجمهور من العوارض الشاغلة ، والعقائد العائقة قائلا ~~: # ( ثمّ إنّ العبد الكامل مع علمه بهذا ) # الوجه الإطلاقي # ( يلزم في الصورة الظاهرة ) # وما هي عليه من حكم الكون وقهرمان القيد # ( والحال المقيّدة ) # من العوارض المشخّصة الزمانيّة وتطوّراتها المكانيّة. # قال رضي الله عنه : # ( التوجّه بالصلاة إلى شطر المسجد الحرام ،ويعتقد أن الله في قبلته حال صلاته) # وهو من آثار تقيّد العبد وتشخّصه زمانا ومكانا. # قال رضي الله عنه : # (وهو بعض مراتب وجه الحقّ من : " فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه ُ الله " ~~فشطر المسجد الحرام منها) # أي من تلك المراتب وجزئيّاته # ( ففيه وجه الله ، ولكن لا تقل « هو هنا فقط » ) # . # كما قيل : # لا تقل دارها بشرقي نجد %~% كلّ نجد للعامريّة دار # فلها منزل على كلّ ماء %~% وعلى كلّ دمنة آثار # قال رضي الله عنه : # ( بل قف عندما أدركت ) # من الإطلاق ، # ( والزم الأدب في الاستقبال شطر المسجد الحرام ) # خاصّة ، وفاء بحقّ العبوديّة من الإذعان والانقياد . # ( والزم الأدب في عدم حصر الوجه في تلك الأينية الخاصّة ) # وفاء بحقّ كمال العبوديّة ، وبيّن أنّ كلّ ما يقصده المتحرّك فهو المتوجّه إليه - ~~سواء كان شرحيّة صدريّة ، أو عقديّة عقليّة ، أو كونيّة طبيعيّة ، أو ظهوريّة ~~جوهريّة ، أو حاليّة عرضيّة نمويّة كميّة ، أو استحاليّة كيفيّة ، أو انتقاليّة ~~أينيّة - وهذا أظهر أقسام الحركة وأنزل مراتبها. # ولذلك قال : # ( بل هي من جملة أينيّات ) # أي منسوبات إلى الأين ، وهي سائر أقسام الحركة وأصنافه # ( ما تولى متول إليها ) # على ما هو المستفاد من العموم في "أَيْنَ ما". # قال رضي الله عنه : # ( فقد بان لك عن الله أنّه في أينية كلّ وجهة ، وما ثمّ ) # في الأينيّات # ( إلَّا الاعتقادات ) # فإنّها أصل سائر الحركات والأينيّات ، # ( فالكلّ ) # من المعتقدين # ( مصيب ) # في اعتقاده ، لأنّه ممّا تولَّى إليه متولي . # قال رضي الله عنه : # ( وكلّ مصيب مأجور ، وكلّ مأجور سعيد ، وكلّ سعيد مرضيّ عنه وإن شقي زمان في ~~الدار الآخرة ) # باعتبار إدراكه الأمور الغير الملائمة المنافرة لمقتضى زمانه . # قال رضي الله عنه : # ( فقد مرض وتألَّم أهل العناية - مع علمنا بأنّهم سعداء أهل حقّ - في الحياة ~~الدنيا ) # . # نعيم أهل جهنّم # قال رضي الله عنه : # ( فمن عباد الله من تدركهم تلك الآلام في الحياة الأخرى في دار يسمّى" جهنّم " ) # وأنت قد عرفت من قريب ما يختصّ به أهل جهنّم من الملائمات الخاصّة بأهل القرب ، ~~فاستشعر ذلك قائلا رضي الله عنه : # ( ومع هذا لا يقطع أحد من أهل العلم الذين كشفوا الأمر على ما هو عليه أنّه لا ~~يكون لهم في تلك الدار نعيم خاصّ بهم ، إمّا بفقد ألم كانوا يجدونه ) # مما يمنعهم عن إدراك ما هم عليه من القرب ، كالتوهّمات والخيالات العائقة عن ~~إدراك الأمر على ما هو عليه # ( فارتفع عنهم فيكون نعيمهم راحتهم عن وجدان ذلك الألم ، أو يكون نعيم مستقلّ ~~زائد ) # على فقد المؤلم ، ذلك مما يثمره أطوار أدوار الزمان على أفنان الوقت ، # ( كنعيم أهل الجنان في الجنان والله أعلم ) . # تمهيد للفصّ الآتي # وإذ قد بيّن في الفصّ الهودي أمر الطريق وما هو عليه من الاستقامة والاستواء ~~واتّفاق السالكين كلَّها فيه على منهج الصواب ومسلك السداد : # ناسب أن يستردف ذلك بما يكشف عمّا به يتحقّق السلوك على ذلك الصراط المستقيم. # ومنه تصدر الحركة في منهجه القويم ، وعمّا به تتخالف المذاهب وتتباين الطرق ~~والشوارع فقال : عن حكمة فاتحية في كلمة صالحية. # . # %~% ### | فص حكمة فتوحية في كلمة صالحية ### | 11 - فصّ حكمة فاتحيّة في كلمة صالحيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن ~~الدين علي ابن محمد التركة ### || شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم ~~الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # 11 - فصّ حكمة فاتحيّة في كلمة صالحيّة # فصّ حكمة فاتحيّة في كلمة صالحيّة ووجه اختصاص هذه الكلمة بحكمتها هو أنّ لصالح ~~عليه السّلام قد انفتق عن جبل الجبلَّة ناقة القوّة وإبل القابليّة . # وله انفتح عند إنبائه وانبساطه على عرض أرض الإظهار أبواب مظاهر الأوصاف ~~الكماليّة ، يعني الحيوان الذي به يظهر الحياة والإرادة والقدرة والسمع والبصر ، ~~وعليه تقطع اللطيفة الإنسانيّة سباسب قفار الأمزجة الكثيفة الانحرافيّة ، إلى أن ~~يبلغ سواد اعتدالها النوعي ، ورياض أوصافها الوجوديّة وأفعالها الكماليّة الكلاميّة ~~، الكاشفة عن كنه الكلّ ، فله صلوح الكشف عن الحكمة الفتوحيّة الحصوليّة الصلوحيّة ~~. # والذي يلوّح على ذلك اتّفاق عقدي الفاتح ( 21 ) والصالح ( 21 ) في الثلاثة التي ~~عليها يقوم أمر فتح أبواب الظهور والإظهار كما سيحقّق ذلك # وإلى ذلك أشار بقوله : ( من الآيات ) الكاشفة عن الحكمة الفاتحيّة( آيات الركائب ~~)ركائب القوابل التي بها يقصد كلّ أحد مواطنه المتخالفة ، وعليها يسلك مسالكهم ~~المتفاوتة المتباينة . # ( وذلك لاختلاف في المذاهب ) فإنّ القابليّة أصل الخصوصيّات ومعدن تكثّر ~~التعيّنات . # ( فمنهم قائمون بها بحقّ ) أي واقفون بتلك الركائب على موطن الحقّ في عين الحركة ~~والسلوك ، وفي لفظ « قائمون » إشارة إلى تلك الجمعيّة - فتنبّه. # ومنهم قاطعون به (السباسب) فإنّ من الناس من وقع بسبب تشدّدهم على ركائب ~~قابليّاتهم بأسواط التعمّلات والتسببات في فيافي الأنظار والأفكار ، ومنهم من هام ~~بها في مهامه الأوصاف والأحوال ، ومنهم من ضلّ في سباسب الأعمال والأفعال. " سباسب ~~جمح سبسب : البيداء والصحراء ". # ( فأمّا القائمون فأهل عين )وشهود ، ضرورة قيام أمرهم بها ،( وأمّا القاطعون هم ~~الجنائب ) أي المطيعون ، يقال : « فرس جنيب » أي منقاد والجنيب فيه معنى القربة ~~والبعد ، ويقال : « جنيب » لفرس يتهيّ للركوب ، وسائر المعاني هاهنا مستشعر منه . # وإذ كان الغرض من هذا التفصيل تمييز مراتب السالكين وأطوارهم ، وإنّما يستفاد ذلك ~~من الحصر - على ما لا يخفى - فما نوقش في هذا التركيب من ترك « الفاء » بمعزل عن ~~الصواب عند أهل التحقيق ، سيّما في النظم . # ( فكلّ منهم ) - من أهل العين والجنائب - ( يأتيه منه ) أي من هو الذي آخذ بناصية ~~الكلّ ( فتوح غيوبه من كلّ جانب ) من فوقهم ومن تحت أرجلهم. # [ الفرديّة والتثليث ] # ( اعلم - وفّقك الله ) للاستطلاع على حقائق العدد ومكنونات رموزه ودقائقه - ( أن ~~الأمر ) - ظهورا كان أو إظهار - ( مبنيّ في نفسه على الفرديّة ) وهي عدم الانقسام ~~بالمتساويين عمّا من شأنه الانقسام فلا يشمل الواحد ضرورة . # وقد لوّحت على ما بين بحث التثليث وهذه الحكمة من المناسبة آنفا فل نعيده ، على ~~أنّ الفرد مشتمل بيّناته الأول على عقدي التثليث الذي في الكلمة والحكمة ( ال ) ( ~~33 ) . # وبيّن أنّ المنقسم إمّا أن ينقسم بالمتساويين ، فله الشفعية والتثنية من العدد ، ~~أو لا ينقسم بالمتساويين ، - بل بالمتخالفين في الزيادة والنقصان - فله الفرديّة ~~والتثليث ، ضرورة اشتمال القسم الزائد على الناقص وفضل ، وإليه أشار بقوله : # (فله التثليث ، فهي من الثلاثة فصاعد . فالثلاثة ) في نفسه مجرّدا عمّا يقوم به ( ~~أوّل الأفراد ) فإنّ المراتب العدديّة حقائق مجرّدة في نفسها عند أهل التحقيق ، ~~وذلك التثليث هو الذي ظهر لقوم في صورة الفاعل والقابل والفعل ، ولآخر في العلَّة ~~والمعلول والعليّة ، ولآخر في المحبّ والمحبوب والمحبّة ، ولآخر في الذات والصفة ~~والاسم ، ولآخر في الإله والعبد والعبوديّة . # ( وعن هذه الحضرة الإلهيّة ) - التي لها التثليث - ( وجد العالم ، فقال تعالى : " ~~إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه ُ أَنْ نَقُولَ لَه ُ كُنْ فَيَكُونُ " [ ~~16 / 40 ] فهذه ذات ذات إرادة وقول ، ولولا هذه الذات وإرادتها ، وهي نسبة التوجّه ~~بالتخصيص لتكوين أمر م ) . # واعلم أنّ هذين الأمرين في التكوين بمنزلة المادّة ، التي بها الشيء بالقوّة ، ~~والقول بمنزلة الصورة التي بها الشيء بالفعل . # وإليه أشار بقوله : - ( ثمّ لولا قوله عند هذا التوجّه « كن » لذلك الشيء : ما ~~كان ذلك الشيء ) ولذلك ترى القول في الآية المذكورة مكرّرة ، ضرورة أنّ الصورة من ~~الشيء التي هي الغاية للحركة الإيجاديّة ، لها تكرّر تقدّم ذاتي أوّلا على الكل ~~وتأخر رتبيّ ثانيا عنه . # ( ثمّ ظهرت الفرديّة الثلاثيّة أيضا في ذلك الشيء ) المتوجّه اليه ، فإنّ النسبة ~~حاكمة على الطرفين ، مسمية لهما ، وبتكرّر هذه الفرديّة الثلاثيّة في طرفي الفاعل ~~والقابل ثمّ أمر الكون ، فإنّ الستّة هي أوّل ما ظهر منه أمر تمام الكثرة ، ولذلك ~~ترى صورة التثليث في الفرد مثنّاة ، كما لوّح عليه آنف . # فمن تلك الفرديّة والتثليث انتسب إليه الكون ( وبها من جهته ) - أي من طرف الشيء ~~- ( صحّ تكوينه واتّصافه بالوجود ، و ) تلك الفرديّة الثلاثية ( هي شيئيّته وسماعه ~~وامتثاله أمر مكوّنه بالإيجاد ، فقابل ثلاثة بثلاثة ) وبه يسمّى بالمقابل ، إذ ~~بمقابلته الثلاثة بالثلاثة تمّ أمر الكثرة المستتبعة للصورة الكونيّة . # وذلك ( ذاته الثابتة في حال عدمها في موازنة ذات موجدها ، وسماعه في موازنة إرادة ~~موجده ، وقبوله بالامتثال لما أمر به من التكوين في موازنة قوله « كُنْ » فكان هو ، ~~فنسب التكوين إليه ) أي نسب ظهوره بالصورة الكونيّة إلى الشيء ، فهو الذي كوّن نفسه ~~بالقابليّة المذكورة . # (فلولا أنّه في قوته التكوين من نفسه عند هذ القول ، ما تكوّن ، فما أوجد الشيء ~~بعد أن لم يكن عند الأمر بالتكوين إلَّا نفسه ) وليس للحقّ تعالى سوى الأمر فقط ، ( ~~فأثبت الحقّ تعالى أنّ التكوين للشيء نفسه ، لا للحقّ ، والذي للحقّ فيه أمره خاصّة ~~، وكذا أخبر عن نفسه ) بشهادة أداة الحصر على الأمر ( في قوله : " إِنَّما أَمْرُه ~~ُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَه ُ كُنْ فَيَكُونُ " [ 36 / 82 ] فنسب ~~التكوين لنفس الشيء عن أمر الله ) فإنّ الغاية للإرادة وتوجّه الذات بالتخصيص ~~الأمري إلى الشيء إنّما هو تكوينه ، فلذلك قال : "فَيَكُونُ " أي بدون فاعل من خارج ~~، وللإشعار بأن الشيء هي الغاية قال : « لنفس الشيء » باللام دون إلى . # ( وهو الصادق في قوله ) . هذا ما يدلّ على ما ذكرنا بحسب منطوق النقل (وهذا هو ~~المعقول) أيض ( في نفس الأمر ، كما يقول الآمر الذي يخاف ولا يعصى لعبده : « قم » ، ~~فيقوم العبد امتثالا لأمر سيّده ، فليس للسيّد في قيام هذا العبد سوى أمره بالقيام ~~، والقيام من فعل العبد ، لا من فعل السيّد. فقام أصل التكوين على التثليث ، أي من ~~الثلاثة من الجانبين : من جانب الحقّ ، ومن جانب الخلق ). # ومما يلوّح عليه تلويحا كاشفا اشتمال « الله » على الثلاثة المتكرّرة من لامي ~~الفاعل والقابل ، وبهما تمّ أمر الظهور ، كما أنه بالستّة - التي هي من ألف ~~الابتداء وهاء المنتهى - تمّ أمر الإظهار . # ولما بيّن سريان الفرديّة الثلاثيّة في أمر الظهور أخذ يبيّن ذلك في أمر الإظهار ~~قائل : # ( ثمّ سرى ذلك في إيجاد المعاني بالأدلَّة ، فلا بدّ في الدليل من أن يكون ~~مركَّبا من ثلاثة على نظام مخصوص وشرط مخصوص ، وحينئذ ينتج ، لا بدّ من ذلك وهو أن ~~يركَّب الناظر دليله من مقدّمتين : كلّ مقدّمة يحتوي على مفردين ، فتكون أربعة ، ~~واحد من هذه الأربعة يتكرر في المقدمتين ، لتربط إحداهما بالأخرى ، كالنكاح ) # فإنّه مشتمل على مقدّمتي الأبوين المنطويين على آلتيهم للتناسل ، وذلك الواحد ~~المتكرر ( فتكون ثلاثة ل غير ، لتكرار الواحد فيهما ، فيكون المطلوب ) - ظهوريّ كان ~~أو إظهاريّ ( إذا وقع هذا الترتيب على الوجه المخصوص - وهو ربط إحدى المقدّمتين ~~بالأخرى ، بتكرار ذلك الوجه المفرد ، الذي به صحّ التثليث ) الموجب لتولَّد النتيجة ~~، فيكون ذلك هو العلَّة للتوليد ( والشرط المخصوص ) وهو ( أن يكون الحكم ) أي ~~المحكوم به في المطلوب . # المسمّى بالأكبر ( أعمّ من العلَّة ) المذكورة المسمّاة بالأوسط - كما يقال في « ~~هذا حيوان » : « إنّه إنسان ، وكلّ إنسان حيوان » - ( أو مساويا له ) - كما يقال ~~فيه : « إنّه ماش ، وكلّ ماش حيوان » - ( وحينئذ يصدق ) النتيجة . # ( وإن لم يكن كذلك ) كما إذا كان الحكم أخصّ أو مباينا ، كما يقال : # « كلّ إنسان حيوان ، وبعض الحيوان فرس » أو « ليس بإنسان » ( فإنّه ينتج نتيجة ~~غير صادقة ) . # وإذ كان الغرض هاهنا تبيين مثال ، اكتفى من أشكال البراهين بالأوّل منها ، ومنه ~~بما ينتج الموجبات ، لا مطلقا ولذلك لم يتعرّض لإيجاب الصغرى ، كما تعرّض لكلَّية ~~الكبرى . # (وهذ ) الحكم التثليثيّة ( موجود في العالم ، مثل إضافة الأفعال إلى العبد ، ~~معراة عن نسبتها إلى الله ) أي لا دخل له تعالى فيه أصلا ، كما هو رأي بعض ~~المتكلَّمين ( أو إضافة التكوين الذي نحن بصدده إلى الله مطلق ) بدون دخل للعبد فيه ~~- كما هو رأي أكثر الملَّيين - ( والحقّ ما أضافه إلَّا إلى الشيء الذي قيل له : " ~~كُنْ " ) كما هو رأي أهل الحقّ ، وهذا هو الثالث الذي يتولَّد منه النتيجة الحقّة . # هذا ما له من المثال في عالم الظهور ، وأمّا ما في عالم الإظهار والإثبات ( مثاله ~~إذا أردنا أن ندل أنّ وجود العالم عن سبب ، فنقول : « كلّ حادث فله سبب » ) وفي ~~تقديمه الكبرى إشارة إلى أنّها الامّ في التوليد المذكور وقربها إلى الإنتاج ( ~~فمعنا الحادث والسبب ثمّ نقول في المقدّمة الأخرى : « والعالم حادث » ) وإنّما أخلّ ~~بالترتيب بالمقدّمتين تنبيها على أنّ مرجع سائر الأشكال إنّما هو إلى الأوّل . # بأيّ ترتيب وقعت ، فإنّ هذا ترتيب الرابع منها ، أو على أنّ المادّة الصحيحة ~~والصورة المستجمعة للشرائط منتجة في أيّ ترتيب كان ، ( فتكرّر « الحادث » في ~~المقدمتين ) . # ( والثالث قولن : « العالم » ) هذا استشعار لما حكم آنفا من أن الأوسط هو الذي ~~صحّ به التثليث المنتج ، فإنّه قد يكون ذلك الأصغر ، كما نبّه عليه. # ( فأنتج أنّ « العالم له سبب » يظهر في النتيجة ما ذكر في المقدّمة الواحدة ) ~~المسمّاة بالكبرى ، لاشتمالها على الأكبر ، يعني الحكم في النتيجة ( وهو السبب ) ~~فإنّ الحكم والمحمول هو الظاهر على المحكوم عليه والموضوع ، وبهذا الاعتبار له ~~الأكبر . # ( فالوجه الخاصّ هو تكرار الحادث ) هاهن ( والشرط الخاصّ عموم العلَّة ) فإنّ ~~العلَّة هو الحكم هاهن ( لأنّ العلَّة في وجود الحادث السبب ، و ) ذلك السبب الذي ~~هو الحكم هاهن . # ( هو عامّ في حدوث العالم عن الله) فإنّ ما له سبب أعمّ من الحادث من الله - الذي ~~هو العالم - والحادث من سبب آخر ، وإنّما صرّح بذلك تنبيها على أنّ الحكم في هذا ~~المثال أعمّ من العلَّة فقوله : ( أعني الحكم ) - تفسير للضمير الغائب ( فنحكم على ~~كلّ حادث أنّ له سببا ، سواء كان ذلك السبب ) أي العلَّة التي هي الوسط في القياس - ~~وهو الحادث هاهن - ( مساويا للحكم ) - كما في مثالنا هذا إذا أطلق الحادث على ~~الذاتي ، ولم يخصّ بالحادث عن الله ، كما نبّه عليه آنف - ( أو يكون الحكم أعمّ منه ~~) كما إذا أخذ الحادث زمانيّا أو لم يخصّ ( فيدخل ) الحادث ( تحت حكمه ) في ~~الصورتين ( فتصدق النتيجة ) ضرورة تعدّى الحكم منه إلى الأصغر . # وإنّما اختلط هاهنا في التعبير ، حيث أطلق السبب تارة على الأكبر ، وأخرى على ~~الأوسط ، والعلَّة أيضا كذلك : تنبيها على أنّ محافظة أمر المصطلحات وتعيين ~~مفهوماتها وتبيين أحكامها وموضوعاته - على ما أكبّ عليه أرباب هذه الصناعة - مما لا ~~يجدي فيه بطائل ، وتعريضا لهم بذلك .وعاد دعاوى القيل والقال وانج من عوادي دعاو ~~صدقها قصد سمعة. # ( فهذا أيضا قد ظهر حكم التثليث في إيجاد المعاني التي تقتنص بالأدلَّة ،فأصل ~~الكون التثليث) ظهوريّ أو إظهاريّا ، وجوديّا أو عدميّ . # [ حكمة تأخير نزول العذاب على قوم صالح ] # (ولهذا كانت حكمة صالح عليه السّلام التي أظهر الله في تأخير أخذ قومه ثلاثة أيام ~~) - لما في كلمته وحكمته من حكم التثليث - ( وعدا غير مكذوب) وفي بعض النسخ « وعد » ~~- كما هو لفظ التنزيل - على الحكاية أو على خبر مبتدأ محذوف : أي ذلك وعد غير مكذوب ~~. # ( فأنتج ) التثليث ذلك ( صدق ) أي ما يطابق الواقع ( وهو الصيحة التي أهلكهم به " ~~فَأَصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ " ) [ 11 / 67 ] أي هالكين . # وهذا الذي تنتجه الصيحة من أثر التثليث ( فأوّل يوم من الثلاثة اصفرّت وجوه القوم ~~) لأن الاصفرار أوّل ما يتدرّج به البياض نحو السواد ( وفي الثاني احمرّت ، وفي ~~الثالث اسودّت ، فلما كملت الثلاثة ) في الأيّام الثلاثة كمًّا وكيف . # ( صحّ الاستعداد ) للفساد ، أعني السواد - فإنّ السواد يناسب الفساد ويقربه عقلا ~~وعقد - ( فظهر كون الفساد فيهم ) إذ كلّ ما وقع في هذا العالم كون وظهور في نفسه ، ~~وإن كان فسادا باعتبار آخر . # ولذا عبّر عنه بقوله تعالى : " فَأَصْبَحُوا في دِيارِهِمْ " أي ما كانوا فيه ~~وعليه" جاثِمِينَ " [ 11 / 67 ] أي ملتذّين به ، قاعدين عنده ، غير مترقّين عنه ( ~~فسمّى ذلك الظهور هلاك ) لما فيه من الخفاء لهم بالنسبة إلى السعداء . # ( فكان اصفرار وجوه الأشقياء في موازنة إسفار وجوه السعداء في قوله تعالى " ~~وُجُوه ٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ " [ 80 / 38 ] من السفر وهو الظهور ) فكان الإسفار ~~في أوّل يوم ظهور علامة السعادة ، ( كما كان الاصفرار في أوّل يوم ظهور علامة ~~الشقاوة في قوم صالح ) . # ( ثمّ جاء في موازنة الإحمرار القائم بهم ) أي غير زائل عنهم سريعا ، كما في ~~احمرار السعداء ، فإنّ ( قوله تعالى في السعداء " ضاحِكَةٌ " فإنّ الضحك من الأسباب ~~المولدة لاحمرار الوجوه ، فهي في السعداء احمرار الوجنات ) الغير القائم ، كما هو ~~أثر الضحك . ) # ثمّ جعل في موازنة تغيير بشرة الأشقياء بالسواد قوله تعالى : # (" مُسْتَبْشِرَةٌ " وهو ما أثّره السرور في بشرتهم ) من الآثار المتحوّلة ~~السريعة الزوال ( كما أثّر السواد في بشرة الأشقياء ) أثرا قائم مستقرّا ، فالكلّ ~~مشتركون في أثر بشرتهم الظاهرة ( ولهذ قال في الفريقين بالبشرى ، أي يقول لهم قولا ~~يؤثّر في بشرتهم ، فيعدل بها إلى لون لم تكن البشرة تتصف به قبل هذ ) ضرورة أنّ ذلك ~~اللون متبطَّنة فيهم إلى أن يقول الخاتم ويظهر ، فإنّ القول هو الإظهار ، ليس إلَّ ~~. # وفي قوله هاهنا تلميحات وإشارات خفيّة إلى أنّ الأشقياء هم المختصّون بخصائص أولى ~~النهايات من ذوي الولايات ، كما أنّ السعداء لهم الكمال المختصّ بأهل البدايات من ~~اولي النبوات ، كما قال ابن الفارض مصرّحا ببعض ما فيه من الإشارات: # و قل لقتيل الحب وفيت حقه %~% و للمدعى هيهات ! ما الكَحَلُ الكُحلُ # وفي حبها بعت السعادة بالشقا، %~% ضلالا وعقلي عن هداي به عقل # وما في الحديث أيضا على ما هم عليه: " الفقر سواد الوجه في الدارين " . # وكذا في قوله : (فقال في حقّ السعداء : "يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ ~~مِنْه ُ وَرِضْوانٍ") [ 9 / 11 ] على صيغة الخبر والوعد بالرحمة العامّة والرضوان ~~). # وقال في حقّ الأشقياء :" فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ "[ 9 / 34 ] . # على صيغة الخطاب ، والأمر ببشارتهم بالعذاب الذي هو من المنح الخاصّة . # على ما نصّ عليه قوله تعالى : " عَذابِي أُصِيبُ به من أَشاءُ وَرَحْمَتِي ~~وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ " [ 7 / 156 ] . # ( فأثّر في بشرة كلّ طائفة ) وظاهر أمرهم ( ما حصل في نفوسهم ) و بواطن ~~قابليّاتهم ( من أثر هذا الكلام ) الجمعي والإظهار الختمي. # ( فما ظهر عليهم في ظاهرهم إلَّا حكم ما استقرّ في باطنهم من المفهوم ) عن ذلك ~~الكلام ( فما أثّر فيهم سواهم ، كما لم يكن التكوين إلَّا منهم ، فللَّه الحجّة ~~البالغة ) على الكل فيما يفيض عليهم ويمنحهم . # ( فمن فهم هذه الحكمة الفتوحيّة وقرّرها في نفسه ) تقرير متيقّن ( وجعلها مشهودة ~~له ) في سائر أحواله ( أراح نفسه من التعلَّق بغيره ، وعلم أنّه لا يؤتى عليه بخير ~~ولا بشرّ إلَّا منه ، وأعني بالخير ما يوافق غرضه ويلائم طبعه ومزاجه ، وأعني ~~بالشرّ ما لا يوافق ولا يلائم طبعه ومزاجه ) حتّى تعلم أنّهما يختلفان بالنسبة ~~والاعتبار ، فإنّ الخير عند قوم قد يكون شرّا عند آخر ، فالخير عند السعداء شرّ عند ~~الأشقياء وبالعكس . # (ويقيم صاحب هذا الشهود معاذير الموجودات كلَّه عنهم ، وإن لم تعتذرو ) هم عن ~~أنفسهم ضرورة أنّه يعرف مبدأ ذلك ( ويعلم أنّه منه كان كلّ ما هو فيه كما ذكرناه ~~أوّلا في أنّ العلم تابع للمعلوم فيقول لنفسه إذا جاءه ما لا يوافق غرضه : « يداك ~~أوكت وفوك نفخ ") . # أوك على ما في سقائه : إذا شدّه بالوكاء . # وفي هذا المثل إشارة إلى مرتبتي الظهور والإظهار على ما لا يخفى . # ( والله يقول الحقّ وهو يهدى السبيل ) . # . # %~% ### | فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية ### | 12 - فصّ حكمة قلبيّة في كلمة شعيبيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين ~~علي ابن محمد التركة ### || شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم ~~الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # وجه تسمية الفصّ # ووجه اختصاص الكلمة بالحكمة هاهنا ما ستطلع عليه من كلام المصنّف أنّ في القلب ~~فنونا من التشعيب لا تحصى ، بها تثمر العقائد التي عليها يتصوّر في الجنّة وبها ~~يتجلَّى عند أربابه . # وأمّ التلويح الكاشف لذلك : فهو أنّ شعيبا ( 13 ) صورة تفصيل ما للقلب من العقود ~~( 6 ، 13 ) ، كما أنّ القلب ( 132 ) معرب عمّا لشعيب ( 382 ) من الأربعة المحيطة ~~بصورة السعة الإلهيّة . # وأيض في تفصيل البيّنات القلبيّة ( أف ، أم ، 123 لف ، لف يم ، لف 381 ) ) م يشعر ~~بأنّ الكلمة الشعيبيّة هي الكاشفة عن حكمة القلب ، ضرورة أنّه الصورة المقوّمة ~~إياها خاصّة ، ولذلك أخذ يتكلَّم في القلب قائل # سعة القلب # قال الشيخ رضي الله عنه : ( اعلم أنّ القلب - أعني قلب العارف باللَّه - ) فإنّه ~~يستفهم منه معاني غير ذلك ، لا دخل له هاهنا ( هو من رحمة الله ) فإنّه من الحقائق ~~الوجوديّة المنطوية على ما في قوسي الحقائق الإلهيّة والمراتب الكيانيّة ، كما ~~اطَّلعت على تحقيقه مرارا ، ( وهو ) لكمال سعته المذكورة ( أوسع منها ، فإنّه وسع ~~الحقّ جلّ جلاله ، ورحمته لا تسعه ) على ما ورد : « ما وسعني أرضي ولا سمائي » ، ~~فإنّ وجوده ورحمته ليس له مظهر غير سماء الأسماء الإلهيّة وأرض الحقائق الكيانيّة . # ( هذا لسان عموم ) # تكلَّم على ما ورد من الحديث غير مجاوز عن ظاهره ، # ولكن # ( # من باب الإشارة ) # لا صريح العبارة ، # ( فإنّ الحق ) # على فهم العموم # (و) # لسانه # ( راحم ليس بمرحوم ، فلا حكم للرحمة فيه ) # حتّى يحيط به ويسعه . # الربوبية تطلب المربوب والألوهية تطلب المألوه # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وأمّا الإشارة من لسان الخصوص : فإنّ الله وصف نفسه ~~بالنفس ، وهو من التنفيس ) # الذي هو تفريج الكرب ، فإنّ في باطنه من الأسماء ما يطلب الظهور ويهتمّ به وذلك ~~ممّ يستلزم الكرب. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وإنّ الأسماء الإلهيّة عين المسمّى ، وليست إلَّا هو ~~، وإنّها طالبة ما تعطيه من الحقائق ، وليست الحقائق التي تطلبها الأسماء إلَّا ~~العالم ، فالالوهة تطلب المألوه ) . # حتّى تثبت وتتعيّن ، فإنّ الأسماء الإلهيّة تقتضي ثبوت المألوه وتعيّنه ، كما أنّ ~~أسماء الربوبيّة تقتضي وجوب المربوب وظهوره ، وإليه أشار بقوله : ( والربوبيّة تطلب ~~المربوب ) حتّى تظهر به وتوجد في العين وهذا هو الفرق بين الالوهيّة والربوبيّة ، ~~لا ما قيل في بعض الشروح « 1 » - فتأمّل . # ( وإلا ) - أي وإن لم تطلب نسبة الالوهة والربوبة ، المألوه والمربوب - لم تحصل ~~تلك النسبة أصلا ( فلا عين لها إلَّا به وجودا ) في الخارج ( وتقديرا ) في العلم ، ~~فإنّ النسبة وإن كانت حاكمة على الطرفين ، مسمّية لهم : لكن لا وجود لها إلَّا بهم ~~. # هذ اقتضاء الحقّ من حيث النسب الأسمائيّة الوهيّة وربوبيّة ( والحقّ من حيث ذاته ~~غنيّ عن العالمين ، والربوبيّة ما لها هذا الحكم ) ضرورة احتياجه إلى المربوب . # ثمّ إنّ الربوبيّة لما كان أنزل من الالوهيّة فهي أشمل ضرورة اقتصر عليها قائلا : ~~( فبقي الأمر بين ما تطلبه الربوبيّة وبين ما تستحقّه الذات من الغنى عن العالمين ، ~~وليست الربوبيّة على الحقيقة ) عند الثبوت ( والاتّصاف ) عند الإثبات ( إلَّا عين ~~هذه الذات ) - كما سبق تحقيقه مرار # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فلما تعارض الأمر ) بين الاحتياج والغنى ( بحكم النسب ~~) التي هي العين حقيقة واتّصافا ، فإنّه بالنسبة إلى الذات عينها يستلزم الغناء ، ~~وبالنسبة إلى الأسماء التي هي عينها يقتضي الاحتياج ( ورد في الخبر م وصف الحقّ به ~~نفسه من الشفقة على عباده ) وم كتب على نفسه من الرحمة عليهم ، وذلك لأنّ الشفقة ~~على العباد وكتابة الرحمة عليهم فيها معنى الاستغناء مع الاحتياج على ما لا يخفى . # سعة الرحمة # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فأوّل ما نفّس عن الربوبيّة بنفسه المنسوب إلى الرحمن ~~) فإنّ الرحمة هي الوجود ، فنسب إليه النفس ( بإيجاده العالم الذي تطلبه الربوبيّة ~~بحقيقتها وجميع الأسماء الإلهيّة ) . # ( فيثبت من هذا الوجه ) الذي يتكلَّم فيه لسان الخصوص ( أنّ رحمته وسعت كلّ شيء ، ~~فوسعت الحقّ ، فهي أوسع من القلب ) بناء على أنّ الرحمة # الوجوديّة لها الإحاطة بالأشياء ، ومنها القلب ، فهي أوسع منه ضرورة أنّه لا يسع ~~نفسه . # ثمّ إنّ من شأن القلب الإحاطة بسائر المتقابلات وبنفسه أيضا إحاطة علميّة وإليه ~~أشار بقوله : # ( أو مساوية له في السعة ، هذا مضى ) # مما تكلَّم به لسان العموم ولسان الخصوص . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ثمّ ليعلم أنّ الحقّ تعالى - كما ثبت في الصحيح ~~يتحوّل في الصور عند التجلَّي ) أيّ الصور كلَّها ، فإنّها الجمع المحلَّى ، وهو ~~يستغرق الأفراد الغير المتناهية كلَّها . # سعة القلب وضيقه # قال الشيخ رضي الله عنه : (وأنّ الحقّ تعالى إذا وسعه القلب لا يسع معه غيره من ~~المخلوقات ، فكأنّه يملؤه ) بأحديّة جمعيّته التي لا يمكن أن يكون معه غيره ، ~~لامتناع أن يكون الخارج من الغير المتناهي شيئا ( ومعنى هذا أنّه إذا نظر إلى الحقّ ~~عند تجلَّيه له لا يمكن أن ينظر معه إلى غيره ) وهذا من كمال إحاطة الحقّ بالكلّ ، ~~لا من ضيق القلب ، كيف %~% # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وقلب العارف من السعة كما قال أبو يزيد البسطامي : " ~~لو أنّ العرش وما حواه مائة ألف ألف مرّة في زاوية من زوايا قلب العارف # ما أحسّ به " ) . # وذلك لأنّ هذا كلَّه متناه ، وهو مندرج في أحديّة جمع الصور الغير المتناهية ، ~~مندمج فيها ، فلا يحسّ به أصل . # قال الشيخ رضي الله عنه : (وقال الجنيد في هذا المعنى : « إنّ المحدث إذا قرن ~~بالقديم لم يبق له أثر » ) وفي عبارة الجنيد زيادة بيان لذلك المعنى ، فإنّ المحدث ~~- المحصور بين الحاصرين - إذا قرن بالقديم الذي لا يحصره حدّ لم يبق له أثر . فإنّه ~~مندمج فيه ، فلا يحسّ بوجوده أصلا ، وإن كان فيه . # وإليه أشار بقوله : ( وقلب يسع القديم كيف يحسّ بالمحدث موجودا ) وإن أحسّ به في ~~ضمن الموجود . # القلب والتجلي الإلهي # ثمّ إنّ من كمال السعة أن لا يقابله الضيق - بل يجمعه - والسعة القلبيّة بهذه ~~المثابة ، كما أشار إليه بقوله رضي الله عنه : ( وإذا كان الحقّ يتنوّع تجلَّيه في ~~الصور ) كلَّه ( فبالضرورة يتّسع القلب ) بحسب قبوله للصور المتنوّعة على كثرتها ~~واختلافها . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ويضيق بحسب الصورة التي يقع فيها التجلَّي الإلهي ، ~~فإنّه لا يفضل من القلب شيء عن صورة ما يقع فيه التجلَّي ، فإنّ القلب من العارف أو ~~الإنسان الكامل بمنزلة محلّ فصّ الخاتم من الخاتم ) على ما نبّهت عليه في صدر ~~الكتاب من وجوه المناسبات بين القلب والفصّ ولكن فصّل تلك # المناسبة بما يميّز بين مراتب القلب وأطواره ، وما شبّه به من الخاتم وطبقاته ، ~~بحيث تتطابق أحكام تلك المراتب على تلك الطبقات . # وذلك لأنّه ظهر من عبارته التمييز بين القلب والتجلَّي ، وما وقع فيه التجلَّي ~~وصورته ، وكذلك بين الخاتم والفصّ وما وقع فيه الفصّ وصورته ، ولا يخفى على الذكيّ ~~وجه التطابق بين الكلّ ، ولكن غرض المصنّف تحقيق أمر التطابق بين صورة ما وقع فيه ~~التجلَّي ، وبين صورة ما وقع فيه الفصّ ، حيث أنّ شيئا من أجزائه عن الفصّ ( لا ~~يفضل ، بل يكون على قدره وشكله من الاستدارة - إن كان الفصّ مستديرا - و من التربيع ~~والتسديس والتثمين ) . # وفي تخصيص هذه الصور في المثال المذكور بالبيان نكتة ، وهي أن يكون الاستدارة ~~إشارة إلى التنزيه الصرف ، لما فيها من الأوصاف العدميّة ، لعدم تمايز الأطراف ، ~~وعدم التشكَّل بالزوايا والسطوح ، والباقي إشارة إلى طرق التشبيه المعتبرة ، وهي ~~الظاهرة أحكامها من الأزواج ، كما سبق التنبيه إليه والذي يدلّ على ذلك قوله تعالى ~~: " ما يَكُونُ من نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا ~~هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى من ذلِكَ وَل أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ " [ 58 / ~~7 ] . # فصرّح بما صرّح به التنزيل من تلك الصور ، وأجمل حيث أجمل ، ولذلك عمّم . # وقال رضي الله عنه : ( وغير ذلك من الأشكال ، إن كان الفصّ مربعا أو مسدّسا أو ~~مثمّنا - أو ما كان من الأشكال - فإنّ محلَّه من الخاتم يكون مثله - لا غير – وهذ ~~عكس ما يشير إليه الطائفة من أنّ الحقّ يتجلَّى على قدر استعداد العبد ) فيكون ~~التجلَّي حسب إشارتهم تابعا لمحلَّه من العبد . # ( وهذا ليس كذلك فإنّ العبد يظهر له الحقّ ) بحسب استعداده ( على قدر الصورة التي ~~يتجلَّى له فيها الحقّ ) إذ ليس للعبد صورة مستقلَّة بحسب استعداده ، بدون تجلَّي ~~الحقّ في غيبه . # لله تعالى تجليين وحظَّ العبد من كلّ منهم # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وتحرير هذه المسئلة ) وتبيين مشاهد كلّ طائفة فيها : ~~( أنّ لله تجليين تجلَّي غيب ، وتجلَّي شهادة ) - على ما بيّن لك تفصيله في ~~المقدّمة أنّ له تجلَّيين بحسب التعيّنين - ( فمن تجلَّي الغيب يعطي الاستعداد الذي ~~يكون عليه القلب ) وهذا الإعطاء ليس على صورة الأثر والفعل ، فإنّك قد نبّهت أنّه ~~من قبيل الفيض الأقدس عن ثنويّة الفائض والمستفيض . # ولذلك قال : # ( و ) ذلك ( هو التجلَّي الذاتي الذي الغيب حقيقته و ) ذلك الغيب ( هو الهويّة ~~التي يستحقّها بقوله عن نفسه "هو") فإنّ « هو » إنّما يدلّ على ذات مستقلَّة في ~~الجمعيّة ، مستوية على عرش الوجود غائبة . # والذي يلوّح عليه أن « الغيب » صورة ظهور « هو » في عقده الذي هو حامل العرش . # ( ين ) ( ااو ) # ( فلا يزال هو له دائما أبدا ، فإذا حصل له - أعني القلب - هذا الاستعداد تجلَّى ~~له التجلَّي الشهودي في الشهادة ، فرآه ) # - ضرورة جمعيّته بين الغيب والشهادة - # (فظهر بصورة ما تجلَّى له # ) # من الصور الغيبيّة الاستعداديّة # قال الشيخ رضي الله عنه : (كما ذكرناه ، فهو تعالى أعطاه الاستعداد بقوله : " ~~أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَه ُ " ) [ 20 / 50 ] فإن خلق الشيء هو ما خصّ لوح ~~قابليّته به من رقوم صوره المنوعة والمشخّصة ، ولا يكون ذلك إلَّا الاستعداد الأصلي ~~الذي من التجلَّي الغيبي المحتجب بستائر الاندماج والكمون ، اندماج أوّل لامي ~~الجلالة . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ثمّ رفع ) ذلك ( الحجاب بينه وبين عبده ) بالتجلَّي ~~العينيّ الشهاديّ ، وظهر على المشاعر ظهور ذلك اللام في الثاني من ذلك الاسم ( فرآه ~~في صورة معتقده ، فهو عين اعتقاده ) الذي هو صورة استعداده ، ( فلا يشهد القلب ولا ~~العين أبدا إلَّا صورة معتقده في الحقّ ) بين صورة الإحاطيّة الجمعيّة ، لأنّك قد ~~عرفت أنّ ما عليه القلب هي صورة استعداده الأصلي . # تنوّع التجليّات والاعتقادات # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فالحقّ الذي في المعتقد ) - بكسر القاف - ( هو الذي ~~وسع القلب صورته ، وهو الذي يتجلَّى له فيعرفه ، فلا ترى العين إلَّا الحقّ ~~الاعتقادي ، ول خفاء بتنوّع الاعتقادات ) حسب تفاوت المعتقدين في درجات إدراكاتهم. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فمن قيّده أنكره في غير ما قيّده به ، وأقرّ به فيما ~~قيّده به إذا تجلَّى ، ومن أطلقه عن التقييد لم ينكره ، وأقرّ له في كلّ صورة ~~يتحوّل فيها ، ويعطيه من نفسه قدر صورة ما تجلَّى له ) فيها بإقامة مراسم التعظيم ~~والإجلال ، على قدر درجته في مرتبته ، كما قال شيخ الشيخ المؤلَّف أبو مدين : # لا تنكر الباطل في طوره %~% فإنّه بعض ظهوراته # وأعطه منه بمقداره %~% حتّى توفّي حقّ إثباته # فإنّ الحقّ يتحوّل في اعتقاد العارف في المجالي المتنوّعة المشتمل كل منها على ~~الصور المترتّبة المنتظمة ( إلى ما لا يتناهي ) كما نظم الشيخ المؤلَّف : # لقد صار قلبي قابلا كلّ صورة %~% فمرعى لغزلان ، ودير لرهبان # وبيت لأوثان ، وكعبة طائف %~% وألواح توراة ، ومصحف قرآن # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإنّ صورة التجلَّي ما لها نهاية تقف عندها ، وكذلك ~~العلم باللَّه ما له غاية في العارفين يقف عندها ، بل ) الحقّ ( هو العارف ) يترقّى ~~( في كلّ زمان ) ويظهر في تجدّدات أدواره وتنوّعات أطواره ( يطلب الزيادة من العلم ~~به ) ، فتارة بلسان وجه العارف داعي : ( "رَبِّ زِدْنِي عِلْماً " ) [ 20 / 114 ] . # وتارة بلسان وجه الحقّ وهويّته قائلا : ( " رَبِّ زِدْنِي عِلْماً " ) * وتارة ~~بلسان الوجه الجمعي سائلا : ( " رَبِّ زِدْنِي عِلْماً " ) ويمكن أن يجعل هذه ~~التكرار إلى مراتب اليقين من العلم والعين والحقّ . # فإنّ لكلّ مرتبة من علم اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين مدارج في الكمال غير ~~محصورة ، فيقتضي الحال طلب الزيادة ، لكن الوجه الأوّل أليق ربطا في هذا السياق وهو ~~قوله : ( فالأمر لا يتناهي من الطرفين ) يعني الحقّ والخلق . # قال الشيخ رضي الله عنه : (هذا إذا قلت : « حقّ وخلق » وإذا نظرت في قوله : « كنت ~~رجله التي يسعى به ، ويده التي يبطش بها ، ولسانه الذي يتكلَّم به » - إلى غير ذلك ~~من القوى ) التي هي مبادئ الإدراكات والأفعال ( ومحالَّها التي هي الأعضاء - لم ~~تفرّق ) في نظرك هذا ( فقلت : « الأمر حقّ كلَّه » أو : « خلق كلَّه " ). # وإذ كان الأمر ذا وجهين : ( فهو خلق بنسبة ، وهو حقّ بنسبة ، والعين واحدة ، فعين ~~صورة ما تجلَّى عين صورة من قبل ذلك التجلَّي ، فهو المتجلَّي والمتجلَّى له فانظر ~~ما أعجب أمر الله من حيث هويّته ) الذاتيّة العينيّة ، التي تقتضي إسقاط النسب . # ( ومن حيث نسبته إلى العالم في حقائق أسمائه الحسنى ) حيث أنّ الحيثيّتين لهما ~~عين واحدة ، وأنّ الحقّ فيها عين الحيثيّتين المتقابلتين مع وحدته الآبية عن ~~الثنويّة والتقابل. # وهذ هو كمال الوحدة الذاتيّة ، حيث أنّه لا خارج عن واحدها أمر يثبت به للثنويّة ~~حكم ، ويصحّ هناك نسبة ، إليه أشار في النظم المفصّح : ( فمن ثمّ ؟ وما ثمّه ؟ ) # منكر جاحدا للأشخاص والماهيّات من ذوي العقول وغيرهم أن يكونوا في الخارج والواقع ~~، أو في تلك الحضرة ، المشار إليها في صورة الاستفهام المعرب عن الاستبعاد ، تقرير ~~لذلك الجحد . # ( فعين ثمّ ، هو ثمّه ) أي عين تعيّن في الواقع ، أو تحقّق بتلك الحضرة ، هو عين ~~تلك الحضرة أو الواقع - أيّتهما شئت فقل . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فمن قد عمّه ) وأطلقه عن القيود المشخّصة والفصول ~~المنوّعة ( خصّه ) بالإطلاق ، ونزّهه بالتنزيه الرسمي ( ومن قد خصّه ) بتلك القيود ~~والفصول المعيّنة للعين ( عمّه ) وأطلقه عن الإطلاق المقابل للتقييد ، ونزّهه ~~بالتنزيه الحقيقي ، كما سبق تحقيقه غير مرّة . # وإذ كان تعيين الأعيان عين تعميمها : ( فما عين ) من الأعيان الشخصيّة ( سوى عين ~~) آخر منها ، وإذا كان نور الإطلاق إنّما يظهر في دياجير القيود المعيّنة العدميّة ~~( فنور عينه ظلمة ) ضرورة تراكم الحجب الكونيّة على العين الظاهرة ، وهي ظلمات ~~بعضها فوق بعض ( فمن يغفل عن هذا ) بتراكم الحجب الحاجزة له عن إدراك الحقّ ،( يجد ~~في نفسه غمّة ) لأنّ المحجوب مغموم أبدا جاهل ( ول يعرف ما قلنا ) من الإطلاق ~~الذاتي . # ( سوى عبد له همّة ) يأنف بها أن يقلَّد أحدا في عقيدته حتّى يظهر الأمر له في ~~مدرجة استعداده الفطري وسكينته الذاتيّة ، فلا سفينة في هذه اللجج إلَّا السكينة . # الحقّ تعالى عند العارف واعتقاد أهل النظر # ثمّ إنّ هذه الدقيقة الجليلة لمّا كانت من المسائل الغامضة التي لا يصل إليها ~~العقول بقوتها النظريّة أصلا ، لاستلزامه الجمع بين النقيضين ، واحتوائه للضدّين - ~~وهو من أجلى البديهيّات من المستحيلات عندها . # إلى ذلك أشار بقوله : ( "إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَه ُ قَلْبٌ " ~~لتقلَّبه في أنواع الصور والصفات ) حسب تقلَّب الحقّ وتنوّعه فيها وعدم توقّفه في ~~شيء منها . # ( ولم يقل : « لمن كان له عقل » فإنّ العقل قيد ) ضرورة غلبة قهرمان الكون عليه ، ~~ومقتضاه أن يعيّن ( فيحصر الأمر في نعت واحد ) ويتوقّف هناك ( والحقيقة تأبى الحصر ~~في نفس الأمر ) للزومها الإطلاق الذاتي . # قال الشيخ رضي الله عنه : (فما هو ذكرى لمن كان له عقل ، وهم أصحاب الاعتقادات ، ~~الذين يكفّر بعضهم بعضا ، ويلعن بعضهم بعضا ) على ما هو مقتضى قوّة حكم القيد ونفوذ ~~أمر التقابل فيه فما لهم إلَّا وجه واحد من الجمعيّة الكماليّة ، ودليل واحد ينصره ~~عليه السلام . # ( وما لهم من ناصرين ، فإنّ الإله المعتقد ما له حكم في الإله المعتقد الآخر ، ~~فصاحب الاعتقاد يذبّ عنه - أي عن الأمر الذي اعتقده في إلهه ) حافظا له عن أن يصيبه ~~ما يدفعه أو يزلزله عن عقده من ورود الشبهات والشكوك ( وينصره ) على وثوق ذلك العقد ~~. # والعجب أنّه ينصر ذلك ( وذلك الذي في اعتقاده لا ينصره ) عليه ، ضرورة أنّه الذي ~~جعله وعقد عليه . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فلهذا لا يكون له أثر في اعتقاد المنازع له وكذ ~~المنازع ) له لكونه صاحب عقد مجعول مثله ( م له نصرة من إلهه الذي في اعتقاده فـ " ~~ما لَهُمْ من ناصِرِينَ " ، فنفى الحقّ النصرة عن آلهة الاعتقادات ، على انفراد كلّ ~~معتقد على حدته ، فالمنصور المجموع ) ضرورة أنّه هو الذي له الناصرون . # ( والناصر ) الذي يصلح لأن ينصر هو ( المجموع ) . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فالحقّ عند العارف هو المعروف الذي لا ينكر ) بوجه ، ~~وبهذه النسبة يقال لأهله : العارف ، ( فأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في ~~الآخرة ) أي من له أهليّة عرفان الحقّ في موطن الصور عند تقلَّبه فيها ، بحيث لا ~~يتغيّر وجه معروفيّته من ذلك التقلَّبات ، فهو الذي له أهليّة عرفانه في موطن ~~المعاني عند تقلَّبه فيها . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فلهذا قال : " لِمَنْ كانَ لَه ُ قَلْبٌ "فعلم تقليب ~~الحقّ في الصور بتقليبه في الأشكال ) باطنا في متخيّلته ومتفكَّرته ، وظاهرا في ~~أشكاله وأوضاعه عند النموّ والذبول . # قال الشيخ رضي الله عنه : (فمن نفسه عرف نفسه ، وليست نفسه بغير لهويّة الحقّ ، ~~ولا شيء من الكون - مما هو كائن ويكون - بغير لهويّة الحقّ ، بل هو عين الهويّة ) ، ~~إذ هو الظاهر وهو الباطن . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فهو العارف والعالم ، والمقرّ في هذه الصورة ، وهو ~~الذي لا عارف ولا عالم ، وهو المنكر في هذه الصورة الأخرى ) . # مقلدو الرسل عليهم السّلام # قال الشيخ رضي الله عنه : ( هذا حظَّ من عرف الحقّ من التجلَّي والشهود في عين ~~الجمع ، فهو قوله : " لِمَنْ كانَ لَه ُ قَلْبٌ " يتنوّع في تقليبه ، وأمّا أهل ~~الإيمان ) العقدي ( فهم المقلَّدة الذين قلَّدوا الأنبياء والرسل فيما أخبرو به عن ~~الحقّ ) وهم أهل إلقاء السمع على ما ورد : " أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ~~" [ 50 / 37 ] . # ( ل من قلَّد أصحاب الأفكار والمتأوّلين للأخبار الواردة ) الكاشفة عن الحقّ كشفا ~~مبينا ( بحملها على أدلَّتهم العقليّة ) وارتكاب احتمالاتها البعيدة . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فهؤلاء الذين قلَّدوا الرسل - صلوات الله عليهم - هم ~~المرادون بقوله : " أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ " لما وردت به الأخبار الإلهيّة على ~~ألسنة الأنبياء عليهم السّلام ، وهو - يعني هذا الذي يلقى السمع - شهيد ، ينبّه على ~~حضرة الخيال واستعمالها ) فإنّه باستعمال القوّة الخياليّة يتمثّل الصور ويحضر ، ~~وحينئذ يصدق الشهود . # ( و ) ذلك التنبيه ( هو قوله عليه السّلام في الإحسان : « أن تعبد الله كأنّك ~~تراه » ) فإنّ الحضرة المشبهة بالمرئيّة هي حضرة الخيال ليست إلَّا . # وكذلك قوله : ( والله في قبلة المصلَّي ) حيث عيّن الجهة التي لذات الصورة ليست ~~إلَّا ( فلذلك " هُوَ شَهِيدٌ " ) . # وملخّص هذا الكلام أنّه إنّما يختصّ بتذكَّر ما في الكتاب : # من كان له قلب يتقلَّب في شؤونه - وهو مقام اولي التنزيه ، وليس كمثله شيء - أو ~~كان ممن ألقى السمع لأرباب القلوب وهو شهيد لما ألقى إليه شهادة صاحب حضرة الحيال - ~~وهو مقام اولي التشبيه ، وهو السميع البصير . # قال الشيخ رضي الله عنه : (ومن قلَّد صاحب نظر فكري وتقيّد به فليس هو الذي ألقى ~~السمع ، فإنّ هذ الذي ألقى السمع لا بدّ وأن يكون شهيدا لما ذكرناه ) شهادة أهل ~~الرؤية الخياليّة الإحسانيّة ، جامع بين شهادة المشعرين الشاهدين ، فإنّ الشاهد ~~الواحد لا يكفي في الحكم . # فلذلك قال : ( ومتى لم يكن شهيدا لما ذكرناه ، فما هو المراد بهذه الآية ) وما ~~كان من المتذكَّرين والموقنين . # ( فهؤلاء هم الذين قال الله فيهم : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا من ~~الَّذِينَ اتَّبَعُوا " [ 2 / 166 ] والرسل لا يتبرّؤن من أتباعهم الذين اتّبعوهم ) ~~. # ( فحقّق يا وليّ ما ذكرته لك في هذه الحكمة القلبيّة ) # من تحقيق تطوّرات القلب وسعة أحوالها وتجلَّياتها وبيان من تحقّق بكلّ منها من ~~أرباب القلوب ، ومن ناسبهم وانتسب إليهم . # وجه اختصاص الفص بشعيب عليه السّلام # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وأمّا اختصاصها بشعيب : لما فيها من التشعيب ، أي ~~شعبها لا تنحصر ، لأنّ كلّ اعتقاد شعبة ، فهي شعب كلَّها - أعني الاعتقادات - فإذا ~~انكشف الغطاء انكشف لكلّ أحد بحسب معتقده ) في الهويّة الذاتيّة . # ( وينكشف بخلاف معتقده في الحكم ) عليها بجزئيّات الأوصاف والأفعال ( و ) الذي ~~يدلّ على ذلك ( هو قوله : " وَبَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ~~") [ 39 / 47 ] . # بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون # ( فـ ) تلك الاعتقادات ( أكثرها في الحكم : كالمعتزلي يعتقد في الله نفوذ الوعيد ~~في المعاصي إذا مات على غير توبة ، فإذا مات ) المعتزلي ذلك ( وكان مرحوما عند الله ~~- قد سبقت له عناية بأنّه لا يعاقب - وجد الله غفورا رحيما ، فبدا له من الله ما لم ~~يكن يحتسبه ) . هذا ما في الحكم . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وأمّا في الهويّة : فإنّ بعض العباد يجزم في اعتقاده ~~أنّ الله كذا وكذا ، فإذا انكشف الغطاء رأى صورة معتقده - وهي حقّ - فاعتقدها ) ~~علما وانشراحا ، لا عقدا . # فإنّه قد انكشفت ( وانحلَّت العقدة ، فزال الاعتقاد وعاد علما بالمشاهدة . وبعد ~~احتداد البصر ) - بانحلال عقد الاعتقاد وانكشاف صورة اليقين . # ( لا يرجع كليل النظر ، فيبدو لبعض العبيد باختلاف التجلَّي في الصور عند الرؤية ~~، لأنّه لا يتكرّر ) فإنّه كلّ يوم من أيّام تجلَّياته في شأن آخر من شؤون الصور ( ~~فيصدق عليه في الهويّة "وَبَدا لَهُمْ " في هويّته " ما لَمْ يَكُونُو ~~يَحْتَسِبُونَ " فيها قبل كشف الغطاء ) من اختلاف صور الحقّ . # التكامل بعد الموت # ثمّ إذ قد استشعر أن يقال هاهنا : كيف يصحّ ذلك وبعد الموت ينبت على العبد مدارج ~~ترقّيه وينقطع انتظام أسبابه ؟ # قال : ( وقد ذكرنا صورة الترقّى بعد الموت في المعارف الإلهيّة ) # خاصّة ( في كتاب التجلَّي لنا ، عند ذكرنا من اجتمعنا به من الطائفة في الكشف ، ~~وما أفدناهم في هذه المسئلة مما لم يكن عندهم ومن أعجب الأمر أنّه في الترقي دائما ~~ولا يشعر بذلك للطافة الحجاب ورقّته ) . # فإنّ التخالف بين الصور وتمايزها إنّما يترتّب على قوّة الحجاب الكوني وكثافته - ~~كم سبق تفصيل ذلك في المقدّمة . # الكثرة في الوحدة وعكسه # ثمّ إنّ تلك الحجب الكونيّة يوم القيامة إذ لطفت لزمها عدم التمايز ( وتشابه ~~الصور ، مثل قوله تعالى : " وَأُتُوا به مُتَشابِهاً ") في الآية الكريمة الكاشفة ~~عن أمر غذاء أهل القيامة وأرزاقهم القائلة ("كُلَّما رُزِقُوا مِنْها من ثَمَرَةٍ ~~") متجدّدة ( رِزْقاً ) خاصّ ( قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا من قَبْلُ ) * بعدم ~~التمايز بين صور الأرزاق وغلبة قهرمان المعنى فيها ( وَأُتُوا به مُتَشابِهاً ) . # ( وليس ) ذلك الرزق المتشابه ( هو الواحد عين الآخر ، فإنّ الشبيهين - عند العارف ~~- أنّهما شبيهان غيران ) أي الأمران المتشابهان عند العارف لهما حكمان : # أحدهم التشابه والتناسب ، # والآخر التغاير والتخالف . # فـ « هو » ضمير الفصل و « الواحد » خبر ليس و « عين الآخر » خبر آخر له ، ف « أنّ ~~» المفتوحة مع معمولها مفعول العارف ، والظرف معمول الشبيهين و " غيران " خبر أنّ . # وفي بعض الشروح: « من حيث أنّهما شبيهان » هكذا صحّحه ، وذلك كأنّه الحاق من ~~الشارح . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وصاحب التحقيق يرى الكثرة في الواحد ) رؤية شهود ( ~~كما يعلم أنّ مدلول الأسماء الإلهيّة - وإن اختلفت حقائقها وكثرت - إنّها عين واحدة ~~) علم ذوق ويقين ، ( فهذه ) الكثرة الأسمائيّة ( كثرة معقولة في واحد العين ، فتكون ~~في التجلَّي ) عند ظهوره على المشاهد والمشاعر ( كثرة مشهود في عين واحدة ) . # وفي عبارته هاهنا لطيفة ، حيث أنّ الواحد في العلم والعقل هو متعلَّق الإدراك بعد ~~إضافته إلى العين ووصفها به ، وفي التجلَّي والشهود إنّما يتعلَّق الإدراك بالكثرة ~~المنطوية في الواحد ، وذلك لأنّ حكم اسم الباطن هو الغالب في الأوّل ، فالوحدة ~~غالبة هناك ، بخلاف الثاني . # ومثال ذلك : ( كما أنّ الهيولى ) وهو عندهم كلّ ما يظهر بصورة من الصور جوهرا كان ~~أو عرضا ، مقوّما لمحلَّه أو متقوّما به فهو أعمّ ممّا عليه كلمة # المشاءين وهو يشمل المادّة الجنسيّة - إنّها ( تؤخذ في حدّ كلّ صورة ) من الصور ~~النوعيّة عقلا - كما يؤخذ الجوهر والجسم في حدّ الحيوان والنبات والجماد ، فهو واحد ~~العين ذو كثرة أسمائيّة - عينا - كما يؤخذ ذلك أيضا في حدود أنواع كلّ من الثلاثة ~~وأشخاصها - ( مع كثرة الصور ) فيها ، فمبدأ تلك الصور ( واختلافها ترجع في الحقيقة ~~إلى جوهر واحد ) وهو الجنس العالي ( و ) ذلك الجوهر ( هو هيولاها ) أي هيولى الصور ~~كلَّها . # فذلك الجوهر هو واحد العين في العقل ، ذو كثرة أسمائيّة ، وهو ظاهر ، وهو العين ~~الواحدة في الخارج التي هي ذات كثرة مشهودة فإنّ الشخص هو الجوهر في الخارج ذو كثرة ~~مشهودة كما لا يخفى ، فهذا مثال للصورتين . # طريق المعرفة معرفة النفس # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فمن عرف نفسه بهذه المعرفة ) - واحدة العين ذا كثرة ~~معقولة ، وعينا واحدة ذا كثرة مشهودة محسوسة كما ظهر - ( فقد عرف ربّه ) كذلك ( ~~فإنّه على صورته خلقه ، بل هو عين هويّته وحقيقته ) فإنّ الذي خلق على صورته هو آدم ~~بالمعنى الذي اصطلح عليه أوّلا ، فنفس الإنسان حينئذ هو هويّته وحقيقته ( ولهذ ما ~~عثر أحد من العلماء على معرفة النفس وحقيقتها إلَّا الإلهيّون من الرسل والصوفيّة ) ~~إذ لا يحمل عطاياهم إلَّا مطاياهم . # قال الشيخ رضي الله عنه : (وأمّا أصحاب النظر وأرباب الفكر من القدماء ~~والمتكلَّمين في كلامهم في النفس وماهيّتها ، فما منهم من عثر على حقيقتها ) فإنّ ~~الحقائق لا يمكن أن يوصل إليها بطريقهم ذلك ( ولا يعطيها النظر الفكري أبدا ) . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فمن طلب العلم بها من طريق النظر الفكري فقد استسمن ~~ذا ورم ) وذلك حيث أخذ الحاصل من النظر - يعني التفصيل الانبساطي الذي يزول سريعا ~~بأدنى شبهة - بمنزلة الانشراح العلمي والانبساط الذوقي ، الزائد أبدا بازدياد ~~الأغذية الروحانيّة الذوقيّة . # ( ونفخ في غير ضرم) وذلك حيث يتوجّه إلى استحصال الحقائق العلميّة واستنتاج ~~اللطائف الذوقيّة من العلوم الحاصلة من النظر مما يشبه اليقين ، فإنّ ذلك التوجّه ~~مما لا يفيد من اليقين شيئ ، ولا يحصل علما ولا نورا ، فإنّه إنّما يقول لسان ~~الاستعداد الفطري له . # م قاله ابن الفارض : # أتيت بيوتا لم تنل من ظهوره %~% وأبوابها عن قرع مثلك سدّت # قال الشيخ رضي الله عنه : ( لا جرم أنّهم من الذين " ضَلَّ سَعْيُهُمْ في ~~الْحَياةِ الدُّنْيا " ) التي هي مادّة الحياة الحقيقيّة الأبديّة ، وتحصيل موادّها ~~( " وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً" ) ، فمن طلب الأمر من غير ~~طريقه فما ظفر بتحقيقه ) . # ضرورة أنّ الموصل إنّما هو الطريق القويم والصراط المستقيم ، فإذا أعرض عنه وسلك ~~مسالك التعمّلات والتسبّبات الجعليّة ، لا يمكن له الظفر به أصلا ، كما قيل : # ونهج سبيلي واضح لمن اهتدى %~% ولكنّم الأهواء عمّت ، فأعمت # العالم في حدوث دائم # قال الشيخ رضي الله عنه : (وما أحسن ما قال الله تعالى في حقّ العالم وتبدّله مع ~~الأنفاس في خلق جديد في عين واحدة ) وم أطرف دلالته على الكثرة المشهودة في العين ~~الواحدة. # ( فقال في حقّ طائفة - بل أكثر العالم – " بَلْ هُمْ في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ ~~" ) . # فإنّه يدلّ على أنّ تلبّس العالم في ملابس الخلقيّة وظهوره في صورة الأثر ، ~~والفعل متجدّد حسب تجدّد الآنات والأنفاس ، إذ الخلق خروج القابل إلى الفعل على ما ~~ل يخفى على أهله . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فلا يعرفون تجديد الأمر مع الأنفاس ، لكن قد عثرت ~~عليه الأشاعرة في بعض الموجودات - وهي الأعراض - وعثرت عليه الحسبانيّة في العالم ~~كلَّه ) وهم المسمّاة بالسوفسطائيّة الذين يذهبون إلى تبدّل العالم وعدم تقرّره ~~بحال . # ( وجهّلهم أهل النظر بأجمعهم ، ولكن أخطأ الفريقان) : # أمّا خطاء الحسبانيّة فبكونهم ما عثروا مع قولهم بالتبدّل في العالم بأثره على ~~أحديّة عين الجوهر) المعقول ( الذي قبل هذه الصور ، ولا يوجد ) ذلك الجوهر ( إلَّا ~~بها ، كما لا تعقل ) تلك الصور ( إلَّا به ) ضرورة امتناع قيام الصور بذواتها ، ~~كظهور الموادّ بدونه . # وفي عبارته هاهنا لطيفة وهي أنّ عدم العثور على الشيء والعلم به لا يقال له الخطأ ~~في عرف ، لأنّ الخطأ من الجهل المركَّب ، وهو بسيط ، فنبّه على أنّ إطلاق الخطأ على ~~الحسبانيّة باعتبار عدم العثور هاهنا ، حيث أنّهم جهلوا ما هو المبدء الأولى لهذ ~~العثور والملزوم البيّن له ، وهو قولهم بتبدّل العالم في الصور ، وذهابهم إليه ، مع ~~لزومه البيّن لما يتبدّل ذلك الصور عليه . # وبيّن أن القول بالملزوم البيّن مع عدم العثور على لازمه البين ، ذلك هو الجهل ~~المركَّب عند التحقيق ، فإنّه يستلزم عدم العلم بالملزوم مع اعتقاد علمه به . ### || قال الشيخ رضي الله عنه : (فلو قالوا بذلك فازوا بدرجة التحقيق في الأمر ) . # ( وأمّا الأشاعرة فما علموا أنّ العالم كلَّه مجموع أعراض ) أي العالم كلّ ، ~~ومجموع ما يتقوّم به ذلك الكلّ هي الأعراض المتبدّلة . # ( فهو يتبدّل في كلّ زمان إذ العرض لا يبقى زمانين ، ويظهر ذلك في الحدود للأشياء ~~، فإنّهم إذا حدّوا الشيء تبيّن في حدّهم كونه الأعراض ) # فإنّهم إذا حدّوا الإنسان - مثلا - بالحيوان الناطق ، معناه أنّه جسم ذو حسّ ~~وحركة إراديّة ونطق ، ولا شكّ أن « ذو » من الأعراض النسبية ، وكذلك الحس والحركة ~~والنطق ( و ) ل شكّ ( أنّ هذه الأعراض - المذكورة في حدّه - عين هذا الجوهر وحقيقته ~~القائم بنفسه ) فإنّ المذكور في حدود الأشياء ذاتيّاتها ومقوّماتها . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ومن حيث هو هو عرض لا يقوم بنفسه ، فقد جاء من مجموع ~~ما لا يقوم بنفسه ، من يقوم بنفسه ، كالتحيّز في حدّ الجوهر القائم بنفسه الذاتي ) ~~فإنّ الجسم يحدّ بأنّه متحيّز قابل للأبعاد الثلاثة ، فالتحيّز حدّ له ذاتىّ . # ( وقبوله للأعراض حدّ له ذاتىّ ، ولا شكّ أنّ القبول عرض ، إذ ل يكون إلَّا في ~~قابل ، لأنّه لا يقوم بنفسه وهو ذاتىّ للجوهر ) الذي هو الجسم . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( والتحيّز عرض ولا يكون إلَّا في متحيّز ، فلا يقوم ~~بنفسه ، وليس التحيّز والقبول بأمر زائد على عين الجوهر المحدود ، لأنّ الحدود ~~الذاتيّة هي عين المحدود ) في العقل ( وهويّته ) في العين . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فقد صار ما لا يبقى زمانين يبقى زمانين وأزمنة ، وعاد ~~ما لا يقوم بنفسه يقوم بنفسه ) هذ ما في الخارج أنفسهم ( ولا يشعرون لما هم عليه ) ~~في أنفسهم ( وهؤلاء "هُمْ في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ " ) دائما ول يشعرون بذلك ~~أصل . # ( وأمّا أهل الكشف : الكشف : فإنّهم يرون أنّ الله يتجلَّى في كلّ نفس ، ولا ~~يكرّر التجلَّى ، ويرون - أيضا شهودا - أن كلّ تجلّ يعطى خلقا جديد ويذهب بخلق ~~فذهابه به هو الفناء عند التجلَّى ، والبقاء لما يعطيه التجلَّى الآخر ) . # ( فافهم ) سرّ البقاء والفناء حتّى تعرف المتحقّقين بالفناء والبقاء . # يهنئك هذا سرّ ما يفنى فدع %~% عنك التلفّت للحديث الموهم # . # %~% ### | فص حكمة ملكية في كلمة لوطية ### | 13 - فصّ حكمة ملكيّة في كلمة لوطيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين ~~علي ابن محمد التركة ### || شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم ~~الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # وجه تسمية الفصّ # ووجه اختصاص الكلمة هذه بحكمتها هو ما غلب عليها بمقتضى زمانها على ألسنة قابليّة ~~أقوامها من الشدّة والقوّة . # ومم يلوّح على وجه المناسبة بينهما اشتمال عقديهما على التسعة وأن في الكلمة ~~تفصيلها ، وإلى تبيين ذلك قصد بقوله رضي الله عنه : ( الملك : الشدّة . والمليك : ~~الشديد . يقال : ملكت العجين : إذا شددت عجنه قال قيس بن الحطيم - يصف طعنه - ) . ~~"" أضاف المحقق : قال القيصري : " معنى البيت : إني شددت بالطعنة كفى أي مسكت الرمح ~~قويّا فضربت به العدوّ ، فأوسعت ما فتقت الطعنة حتى يرى القائم ما وراء تلك الطعنة ~~من جانب آخر ، كأنه جعل موضع الطعنة مثل شبّاك يرى منها ما وراءه " "" # ( ملكت بها كفىّ فأنهرت فتقها …. يرى قائم من دونها ما وراءها ) يقال : « أنهرت ~~الطعنة » أي وسّعتها ،وملكت بها كفىّ : ( أي شددت بها كفىّ يعنى الطعنة ) . # ( فهو ) أي فصّ الحكمة الملكيّة عن الكلمة المذكورة ( قول الله عن لوط : # " لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ") [ 11: 80 ] ~~والظاهر أنّ « لو » هاهنا للتمنىّ ، أي ليتني بكم قوّة تستخرج منّى ما هو بالقوّة ~~في هذا النوع الكمالي من الظهور على الكلّ بكلامه المعرب عن الأمر بتمامه . # وذلك أنّ كلّ نبىّ إنّما يظهر منه ما يسأل ألسنة قوّة قومه وقابليّة أمّته ، ~~فإنّه لو لم يكن في قوّة قابليّة القوم ما يقوى به النبىّ في إظهار كمال النبوّة ~~وتمامها ل بدّ له من الالتجاء إلى القبيلة الختميّة والانخراط فيهم على ما اقتضى ~~التّوجه الأصلي ولاستعداد الفطري من إظهار ذلك بمعاونة من في حيطته يتمّ الأمر ~~والانخراط في سلك من يظهر به ذلك ، وإلى ذلك أشار مفصحا عنه : " أَوْ آوِي إِلى ~~رُكْنٍ شَدِيدٍ " . # (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : « رحم الله أخي لوطا ، لقد كان يأوى إلى ~~ركن شديد ») والتعبير عنه بـ « أخي » إشعار بتلك النسبة . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فنبّه صلى الله عليه وسلَّم أنّه كان مع الله ) في ~~صورة جمعيّة الختميّة ، ولكن ( من كونه شديدا ) : أي من هذه الحيثيّة ، ( والذي قصد ~~لوط عليه السلام : القبيلة « بالركن الشديد » ، والمقاومة بقوله : " لَوْ أَنَّ لِي ~~بِكُمْ قُوَّةً " ، وهي الهمّة هنا من البشر خاصّة ) والقصد المتوجّه إلى تمام ~~الكمال الذي إنّما يجيء منه خاصّة ، وبه يوجد الأشياء ويعدم ، فإنّ الغاية سبب وجود ~~الأشياء وظهوره . # ثمّ إذ قد أفصح لسان كمال النبوّة في الكلمة اللوطيّة ، داعيا الانخراط في سلك ~~القبيلة الجمعيّة ، ظاهرا بهم ، وقد استجيب دعوته ضرورة. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : « فمن ذلك ~~الوقت » - يعنى من الزمن الذي قال فيه لوط عليه السلام : " أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ ~~شَدِيدٍ " ما بعث نبىّ بعد ذلك إلَّا في منعة من قومه ، فكان تحميه قبيلته ، كأبي ~~طالب مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ) . # فإنّه كان يتعصّب للنبي صلى الله عليه وسلَّم ويذبّ عنه دائما ، وإنّما اضطرّ إلى ~~الهجرة بعد وفاته .مراد لوط عليه السلام من القوة # ( فقوله : " لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً " إنّما يتمنّى القوّة العرضيّة بقومه ~~( لكونه عليه السلام سمع الله تعالى يقول : " الله الَّذِي خَلَقَكُمْ من ضَعْفٍ " ~~بالأصالة " ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً " فعرضت القوّة بالجعل ، فهي ~~قوّة عرضيّة ، " ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً " [ 30 / 54 ] ~~فالجعل تعلَّق بالشيبة وأمّا الضعف فهو رجوع إلى أصل خلقه ، وهو قوله : "خَلَقَكُمْ ~~من ضَعْفٍ " ضرورة أنّ ما هو خلقيّ ذاتىّ لا يحتاج فيه إلى جعل ( فردّه لم خلقه منه ~~، كما قال ثمّ " يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ ل يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ ~~شَيْئاً " [ 16 / 70 ] ، فذكر أنّه ردّ إلى الضعف الأوّل). # ( فحكم الشيخ حكم الطفل في الضعف ) فإنّه ما لم يضعف ما طرأ على أرض القابليّات ~~مستجلبا عمّا فيها ومظهرا لها بصورته العرضيّة التطفّلية . # لم يمكن أن يخرج عنها ما غرس في أصل طينتها وزرع على متن قوّتها . # ( و ) لذلك ( م بعث نبىّ إلَّا بعد تمام الأربعين ، وهو زمان أخذه في النقص ~~والضعف ) بحسب القوّة الجسمانيّة ، ليضعف الطارئ على أرض استعداده من نباتات ~~الاقتضاءات المشوّشة . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فلذا قال : " لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً " مع كون ~~ذلك ) م يطلب القوّة الجسمانيّة ، بل إنّما ( يطلب همّة مؤثّرة ) في الوجود عليّة ، ~~ونيّة قاصدة إلى الغاية رفيعةأولياء الله تعالى يستنكفون من التصرّف بالهمّة # قال الشيخ رضي الله عنه : (فإن قلت : وم يمنعه من الهمّة المؤثّرة ، وهي الموجودة ~~في السالكين من الأتباع ) على ما هم عليه من القصور وجزئيّة الحكم وضعفها ، (والرسل ~~) بكمالهم وكليّة أحكامهم وقوّتها ( أولى بها ) ؟ # قال الشيخ رضي الله عنه : ( قلنا : صدقت ، ولكن نقصك علم آخر ، وذلك أنّ المعرفة ~~لا تترك للهمّة تصرّفا ) يعنى استقلالا في التأثير والحكم ( فكلَّما علت معرفته ) ~~ورقّت رقيقته الامتيازيّة الخلقيّة ، وقربت وصلته إلى مواطن الاتّحاد ( نقص تصرّفه ~~بالهمّة ، وذلك لوجهين : ) ( الوجه الواحد لتحقّقه بمقام العبوديّة ) الآبية عن غير ~~الإذعان والقبول لأحكام الربّ وتصرّفاته أفعالا وأعمال ( ونظره إلى أصل خلقه ~~الطبيعي ) وضعفه الفطري ذوقا وحال . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( والوجه الآخر أحديّة المتصرّف والمتصرّف فيه ) في ~~مشهده الجمعىّ ، و بيّن أنّه لا بدّ وأن يكون الفاعل في بعد عن القابل يقابله ، ~~حتّى يتمكَّن من التأثير ، فإنّ القريب من الشيء منقهر تحت أحكام وحدته الشخصيّة ، ~~مختفية في أحديّته الإحاطيّة ( فلا يرى ) صاحب المشهد الجمعي غيرا في نظر همّته ~~حتّى يتوجّه إليه بقوّة تأثيره وإلى من يقصد عند التأثير ، و ( على من يرسل همّته ) ~~إليه ، فإنّ للفاعل والمؤثرّ مرتبة العلوّ على مجعوله المتأثّر منه ، لا بدّ من ذلك ~~حتّى يتمّ التأثير . # فلذلك استعمل الرؤية بـ " على " وهي الرؤية البصريّة ، بقرينة « النظر » في الوجه ~~الأوّل ( فيمنعه ذلك ) الأحديّة المشهودة له من تقابل العلو والسفل ، الذي به ~~يتمكَّن الفاعل في التصرّف .نزاع ، أم وفاق ثمّ لما ستشعر أن يقال : # إنّ المنازع للعارف لا بدّ له من بعد عنه ومقابلة له إليه ، وطلَّا لم يكن منازعا ~~، وما أمكن أن يصدر عنه النزاع أصلا ، قال : # ( # وفي هذا المشهد ترى أنّ المنازع له من عدل عن حقيقته التي هو عليها في حال ثبوت ~~عينه وحال عدمه ، فما ظهر في الوجود إلَّا ما كان له في حال العدم في الثبوت ، فم ~~تعدّى حقيقته ، ولا أخلّ بطريقته ) # فما خاصم وم انحرف عادته الجمعيّة . # "" # أضاف المحقق # : # قال القيصري : " ويجوز أن يكون الرؤية بمعنى العلم ، ومن استفهاميّة أي فلا يعلم ~~على أيّ موجود يرسل همّته " # "" # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فتسمية ذلك نزاع إنّما هو أمر عرضى أظهره الحجاب الذي ~~على أعين الناس # ) # ومداركهم الجزئيّة ، التي إنّما يدرك الأمور بالغواشي الخارجيّة والعوارض ~~النسبيّة ، التي هي ذات التقابل والتعاند ضرورة ، ذاهلين عن المقاصد الكلَّية ~~والأصول الجمليّة التي جمعت الكل تحت إحاطته آخرا ( كما قال الله تعالى فيهم : " ~~وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . يَعْلَمُونَ ظاهِراً من الْحَياةِ ~~الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ " ) [ 30 / 7 - 6 ] . # "" # أضاف المحقق # : # قال القيصري : " أي الغلاف هو الكنّ المذكور في قوله تعالى :" إِنَّا جَعَلْنا ~~عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوه ُ وَفي آذانِهِمْ وَقْراً " [ 18 / 57 ~~] فهو الذي ستر القلب وحجبه من إدراك الحقائق على ما هي عليه " . # "" # قال رضي الله عنه : ( وهو ) - أي النزاع - على ما تصوّروه ( من المقلوب ، فإنّه ) ~~وفاق في الحقيقة ، وهم قلَّبوه ، أو الغفلة التي لهم من باب المقلوب ، فإنّه ( من ~~قوله : # " قُلُوبُنا غُلْفٌ" [ 2 / 88 ] فإنّ « غفل » قلب « غلف » ( أي في غلاف ، وهو ~~الكنّ الذي ستره عن إدراك الأمر على ما هو عليه ) . # ( فهذا وأمثاله يمنع العارف من التصرّف في العالم ) .محاورة عارفين حول التصرّف ~~بالهمّة # (قال الشيخ أبو عبد الله بن قائد للشيخ أبى السعود بن الشبل : لم لا تتصرّف » ؟ ~~فقال أبو السعود : " تركت الحقّ يتصرّف بي كما يشاء " . "" أضاف المحقق : الشيخ أبو ~~عبد الله بن قائد و الشيخ أبى السعود بن الشبل من أصحاب الشيخ عبد القادر الجيلاني ~~القطب الشهير ومؤسس الطريقة القادرية . "" # (يريد قوله تعالى آمرا : " فَاتَّخِذْه ُ وَكِيلًا " [ 73 / 9 ] فالوكيل هو ~~المتصرّف ، ولا سيّم # وقد سمع الله يقول : " وَأَنْفِقُوا مِمَّ جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه ِ ") ~~[ 57 / 7 ] قال رضي الله عنه: (فعلم أبو السعود والعارفون أنّ الأمر بيده ليس له ~~وأنّه مستخلف فيه .) # ثمّ قال له الحقّ : " هذا الأمر الذي استخلفتك فيه وملَّكتك إيّاه ، اجعلني ~~واتّخذنى وكيلا فيه " فامتثل أبو السعود أمر الله واتّخذه وكيلا ، فكيف يبقى لمن ~~يشهد مثل هذا الأمر همّة يتصرّف بها ؟ ! والهمّة لا يفعل إلَّا بالجمعيّة التي لا ~~متّسع لصاحبها إلى غير م اجتمع عليه ) واهتمّ به ممّا يوجده أو يبقيه أو يعدمه ، ( ~~وهذه المعرفة ) التي لا بدّ للعبد العارف أن يكون صاحب قدم فيها ( تفرقة عن هذه ~~الجمعيّة ) فل يمكن أن يكون له الهمّة الموجدة والمؤثّرة أصلا ، مع تلك المعرفة ~~المفرّقة له عن الجمعيّة المؤثّرة ( فيظهر العارف - التامّ المعرفة - بغاية العجز ~~والضعف ) عن التصرّف والتأثير . # قال الشيخ رضي الله عنه : (قال بعض الأبدال للشيخ عبد الرزّاق رضي الله عنه : قل ~~للشيخ أبى مدين بعد السلام عليه : يا أب مدين ، لم لا تعتاص علينا شيء ، وأنت يعتاص ~~عليك الأشياء ؟ ) أي يستشكل ،. # يقال : اعتاص عليه الأمر أي التوى - # ( ونحن نرغب في مقامك ، وأنت لا ترغب في مقامن ؟ وكذلك كان ) # أبو مدين يعتاص عليه الأمور # ( مع كون أبى مدين - رضي الله عنه - كان عنده ذلك المقام وغيره ، ونحن أتم في ~~مقام الضعف والعجز منه ، ومع هذ قال له هذا البدل ما قال ، وهذا ) # الذي نحن فيه # ( من ذلك القبيل أيضا ) # أي من كمال المعرفة وتمامه . # متى يتصرّف صاحب الهمّة # قال الشيخ رضي الله عنه : ( و ) لذلك ( قال صلى الله عليه وسلَّم في هذا المقام ~~عن أمر الله له بذلك : "ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَل بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ ~~إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ " [ 46 / 9 ] فالرسول صلى الله عليه وسلَّم ) ، الذي # هو أكمل العبيد أمره # ( يحكم ما يوحى به إليه ، ما عنده غير ذلك ، فإن أوحى إليه بالتصّرف بجزم تصرّف ، ~~وإن منع امتنع ، وإن خيّر اختار ترك التصرّف ) # لأنّه للعبيد بالذات ، وحكم ما بالذات غالب مطلقا ، ما لم يغلب على المحل العوارض ~~الخارجيّة ، وإليه أشار بقوله : # ( إلَّا أن يكون ناقص المعرفة ) # بم هو ذاتي للعبيد وما هو أصلح له في التأدّب بين يدي سيده ومولاه . # قال الشيخ رضي الله عنه : ) قال أبو السعود لأصحابه المؤمنين به : إنّ الله ~~أعطاني التصرّف منذ خمس عشرة سنة ، وتركناه تطرّف ) أي تكرّما وإيثارا ، فإنّ الطرف ~~بكسر الطاء : هو الكريم أو من أطرف الرجل : أي جاء بطرفة : أي تركناه إتيانا بأمر ~~بديع ( وهذا لسان إدلال) أي تبجّح وتشطَّح . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وأمّا نحن فم تركناه تطرّفا - وهو تركه ) إتيانا بأمر ~~بديع ، أو ) إيثار ، وإنّما تركناه لكمال المعرفة ، فإنّ المعرفة لا تقتضيه بحكم ~~الاختيار ) فإنّها إنّما تقتضيه بحكم الجبر والاضطرار ، توفية لمقام العبودية حقّه ~~. # قال الشيخ رضي الله عنه : ) فمتى تصرّف العارف بالهمّة في العالم فعن أمر إلهي ~~وجبر ، ل باختيار ولا شكّ أنّ مقام الرسالة ) بم هو مقتضاه من وضع الصور وإظهارها ~~ونظم الأمور وأطواره . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( يطلب التصرّف لقبول الرسالة التي جاء بها ، فيظهر ~~عليه ما يصدّقه عند امّته وقومه ، ليظهر دين الله) لاقتضائه خلاف ذلك. # قال رضي الله عنه : ) والولي ليس كذلك ، ومع هذا فلا يطلبه الرسول في الظاهر ، ~~لأنّ للرسول الشفقة على قومه ، فلا يريد أن يبالغ في ظهور الحجّة عليهم ، فإنّ في ~~ذلك هلاكهم ( إذ لم يذعنوا وتمرّدوا ، دون ما إذا لم يظهر الحجّة عليهم ( فيبقى ~~عليهم ) . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وقد علم الرسول ) صلَّى الله عليه وسلَّم ( أيضا أن ~~الأمر المعجز إذا ظهر للجماعة ، فمنهم من يؤمن عند ذلك ، ومنهم من يعرفه ويجحده ، ~~ولا يظهر التصديق به ) إمّ ( ظلم ) لنفسه ، كما للمنهمكين في الشهوات منهم ( و ( ~~إمّ ( علوّا ) على الناس ، كما للمتوجّهين إلى التجوّه والغلبة ( و ) إمّا ( حسدا ) ~~على صاحب المعجزة كما للمشاركين معه ، إمّا في النسب أو م يجري مجراه ، هذا عند من ~~يعرفه ويعلمه . # ( ومنهم من يلحق ذلك بالسحر والإيهام ) # من الجاهلين به والغافلين عنه عند إدراكهم المعجزة ، فإنّ الجهل بعثهم على إلحاقه ~~بالسحر والشعبذة . # [ متى تؤثّر المعجزة ] # قال الشيخ رضي الله عنه : ) فلمّا رأت الرسل ذلك وأنّه لا يؤمن إلَّا من أنار ~~الله قلبه بنور الإيمان ( في الأصل . # ( ومتى لم ينظر الشخص بذلك النور المسمّى إيمانا ، وإلَّا فلا ينفع في حقّه الأمر ~~المعجز ، ) من الأنبياء . # قال رضي الله عنه : ( فقصرت الهمم عن طلب الأمور المعجزة ،لمّا لم يعم أثرها في ~~الناظرين ) إليها ، لا في عقولهم ، حتّى يعتقدوا عقدا تقليديّا ( ولا في قلوبهم ) ~~حتّى يؤمنوا به إيمانا علميّا انشراحيّ . # فعلم أنّ مساعي الأنبياء بقوّة المعجزة غير مفيد ( كما قال في حقّ أكمل الرسل ~~وأعلم الخلق وأصدقهم في الحال : " إِنَّكَ لا تَهْدِي من أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ الله ~~يَهْدِي من يَشاءُ " ) [ 28 / 56 ] . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ولو كان للهمّة أثر ولا بدّ ) يعني يلزم الهمّة أثرها ~~لزوما كليّا - لا في الجملة - كما يشاهد في بعض الأفراد من المستكملين # ( لم يكن أحد أكمل من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، ولا أعلى ولا أقوى همّة ~~منه ، وما أثرت في إسلام أبي طالب عمّه) وقريبه بوثاقة رقيقة نسبته إليه وألفته معه ~~. # وكلّ ذلك مما يعدّ في أمر التأثير والتأثّر ( وفيه نزلت الآية التي ذكرناها ، ~~ولذلك قال في الرسول أنّه ما عليه إلَّا البلاغ ) في صيغة الحصر ( وقال : " لَيْسَ ~~عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ الله يَهْدِي من يَشاءُ " [ 2 / 272 ] وزاد في سورة ~~القصص ) على ذلك بيانا بقوله : ( "وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " [ 28 / 56 ] ~~أي بالذين أعطوه العلم بهدايتهم في حال عدمهم بأعيانهم الثابتة ) . # [ مبدأ السعادة والشقاوة عين السعيد والشقي ] # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فأثبت ) بقوله هذا ( أنّ العلم تابع للمعلوم ، فمن ~~كان مؤمنا في ثبوت عينه وحال عدمه ظهر بتلك الصورة في حال وجوده ، وقد علم الله ذلك ~~منه أنّه هكذا يكون ) فاوجده عليه . # ( فلذلك قال : " وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " ) منهم بأنفسهم ، فإنّ ~~العالم بالشيء الممكن مع السبب الموجب له أعلم بالعالم به فقط ( فلمّا قال مثل هذا ~~) وأظهر الأمر على ما هو عليه ( قال أيضا : " م يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ " [ 50 ~~/ 29 ] لأنّ قولي على حدّ علمي في خلقي ) فإنّه صورته ( " وَما أَنَا بِظَلَّامٍ ~~لِلْعَبِيدِ " [ 50 / 29 ] أي ما قدّرت عليهم الكفر الذي يشقيهم ) . # حتّى تثبت به نفس الظلم وأكون به ظالما ( ثمّ طلبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا ~~به ) حتّى يثبت به المبالغة في الظلم وأكون به ظلَّاما ( بل ما عاملناهم ) في ~~إعطائهم الوجود بما لهم من نقود استعداداتهم ( إلَّا بحسب م علمناهم ، وما علمناهم ~~إلَّا بما أعطونا من نفوسهم ، مما هم عليه ) من نقوش استعداداتهم ونقودها ، ( فإن ~~كان ) في الواقع ( ظلم فهم الظالمون ) فإنّهم الذين طلبوا من الجواد المطلق ما هم ~~عليه من الخصوصيّات ( ولذلك قال : " وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " [ 2 ~~/ 57 ] فـ " ما ظَلَمَهُمُ الله " ) [ 3 / 117 ] . # وكم أنّه ما عاملناهم في الظهور والوجود إلَّا بحسب ما علمناهم # ( كذلك ما قلنا لهم ) # في الإظهار والشهود بإظهار الصورة الحرفيّة على مشعري السمع والبصر # ( إلَّا ما أعطته ذاتنا ) # من خصوصيّات نقوش القوابل التي هي في صدد الإظهار ، فإنّ منها ما يقتضي الخفاء ~~وعدم الظهور ، وهو الذي غلب عليه حكم البطون من الذاتيّات ، ولذلك خصّص ما أعطته ~~بقوله : # قال الشيخ رضي الله عنه : (أن نقول لهم وذاتنا معلومة لنا بما هي عليه من أن نقول ~~كذا ) # ويظهر ما يقتضي ذلك ويستأهله # ( # ول نقول كذا ) # ويخفى ما يقتضي البطون والستر . # فعلم أنّ تلك الخصوصيّات والأحكام ما لا يظهره الكلام بالإفصاح عنه والقول بها، ~~بل القول إنّما نزل بإخفائه والكفّ عنه، كالمحرّمات والمناهي في الأفعال (فما قلن ~~إلَّا ما علمنا أن نقول) ويظهر بالأمر بإصداره، والحثّ على إيجاده واختلاقه ~~كالواجبات (قلنا القول منا، ولهم الامتثال) - ممن له طرف الظهور وتعلَّق رقيقة ~~نسبته الأصليّة به - (وعدم الامتثال) ممن له الطرف المقابل له (مع السماع منهم) . # فعلم أنّ لأمر الظهور والإظهار لا بدّ من الطرفين : طرف الحقّ من حيث كثرته ~~الأسمائيّة الكاشفة عن أمر تمام الإظهار بالقول ، وطرف العبد من حيث الأعيان ~~المتكثّرة بحسب تلك الأسماء التي منها يظهر بالوجود الكوني. # ( # فالكلّ منّا ومنهم %~% والأخذ عنّا وعنهم) # و # ( إن ) # كان بعض الأعيان من غير المتمثّلين الذين يظهرون ما لا يصدر القول به وبإظهاره # ( لم يكونون منّا ) # ضرورة أنّ الصادر منّا هو الكلام القولي ، وهم من حيث ظهورهم بتلك الصور الغير ~~المقولة ما هم منّا ، ولكن لما كان ذلك فيهم لغلبة حكم الوحدة الذاتيّة ، الساترة ~~على حقيقتهم ، كما أشير إليه ، # ( فنحن لا شك منهم ) # لأنّ الكل من ظرف الذات ووحدتها . # [ سرّ عنوان هذه المباحث في هذا الفصّ ] # ثمّ إنّك قد عرفت أنّ تمام الأمر في هذين الطرفين - أعني الوجود الكوني العيني ، ~~والقول الكلامي السمعي وكلاهما صورة ظهور المعلومات - فهما صورتان متطابقتان ، وكان ~~وجه اختصاص هذه النكتة بالحكمة الملكيّة لاشتراك اسم الملك والكلم في تمام المادّة ~~، فلذلك كشفت عن الصورة الكلاميّة وما ينطوى عليه . # وإليه أشار بقوله رضي الله عنه : ( فتحقّق يا وليّ هذه الحكمة الملكيّة من الكلمة ~~اللوطيّة ) باستيناف العبارة تحريضا للطالب المتفطَّن أن يمعن النظر في كلمته كلّ ~~الإمعان . # عسى أن يتفطَّن لمغزاها ( فإنّها لباب المعرفة ) إذ اللبّ إنّما هو الحدّ - على ~~ما لوّحت على ذلك والحدّ إنّما هو هذان الطرفان اللذان عليهما الختمان بكماليهما ، ~~كما نبّهت إليه في المقدّمة ، وحينئذ ظهر معنى البيت وانكشف مغزاه . # ( وقد بان لك السرّ %~% وقد اتّضح الأمر ) # ( وقد ادرج في الشفع ) # القولي ، فإنّ بالوجود الكلامي قد شفّع وجود المتكلَّم وبه صار وجودين # ( الذي قيل هو الوتر ) فإنّ الكلام منطو على الكل على ما ل يخفى . # ومن السرّ الذي اتّضح هاهنا هو معنى الشفاعة المحمّديّة المخلَّصة للعاصين عن ~~عذابهم في الآخرة ، فلا تغفل . # . # %~% ### | فص حكمة قدرية في كلمة عزيرية ### | 14 - فصّ حكمة قدريّة في كلمة عزيريّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين ~~علي ابن محمد التركة # شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم الشيخ ~~الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # ووجه اختصاص الكلمة هذه بحكمتها ما لها في أصل جبلَّتها وقابليّتها من النسبة ~~الشوقيّة إلى تلك الحكمة ، والرابطة العشقيّة نحو ضبطها واستكشافها ، ولذلك رأى في ~~طلبها م رأى من العتاب والملامة والوعيد بالعزل عن عالي منصبه النبوي - على ما ستقف ~~عليه إن شاء الله تعالى . # والذي يلوّح عليه ما في « عزيز » بحسب بيّناته وبيّنات عدده من تفاصيل. # ااا 113 ما اشتمل عليه بيّنات « القدر » 287 . ين 63 ، ين يم 110 . # أف ال س ج 113 # القضاء والقدر # قال الشيخ رضي الله عنه : ( اعلم أنّ القضاء حكم الله في الأشياء ) بما يجرى ~~عليها من الأحكام والأوضاع الظاهرة هي بها . # ( وحكم الله في الأشياء على حدّ علمه بها ، وعلم الله في الأشياء على ما أعطته ~~المعلومات مما هي عليه في نفسها ) أي في أصل قابليّتها الأقدسيّة . # ( والقدر توقيت ما هي عليه الأشياء في عينها ) أي تعيين وقت ظهور الأشياء ~~بأحكامها ، فإنك قد عرفت أن الأعيان في موطن ثبوتها كليّة الحكم ، ليس لها ظهور ~~بأحكامها الخاصّة بها . # م لم يظهر بصورة شخصيّتها في الخارج ، محفوفة بمشخّصاتها ، من الزمان وما يتبعه ، ~~كالوضع والأين والكيف وسائر الأعراض التي بها يتكوّن الأعيان في الخارج واحدا ~~بالشخص الذي هو ظلّ الوحدة الحقيقيّة - كما نبّهت عليه في المقدمة - وبيّن أن ~~الزمان أصل سائر المشخّصات والأحكام ، فتوقيت كلّ عين بزمانه يترتّب عليه سائر ما ~~عليه العين من الأحكام الأصليّة في ثبوتها ، من غير زيادة على ذلك أصل . # فقوله : ( من غير مزيد ) إشارة إليه . وإذ كان النقصان مما لا إمكان له فيه - ~~فإنّ الأنزل من المراتب لا بدّ وأن يكون أكمل - ما تعرّض له وبهذ الاعتبار يعبّر ~~عنه بالقدر ، فان القدر والقدر يقال على مبلغ الشيء. # القضاء تابع لسؤال الأعيان وهذا سر القدر # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فما حكم القضاء على الأشياء إلَّا بها ) أي بتلك ~~الأشياء وما هي عليه في نفسها ( وهذا هو عين سرّ القدر لمن كان له قلب ) يعلمه ~~بذوقه الجمعيّ من موطنه الإحاطيّ ( أو ألقى السمع ) إلى ما أنزل عليه من الكلام ~~المعرب بموادّ حروفه وصورها على الأمر كلَّه ( وهو شهيد ) مشاهد لما انطوى عليه من ~~الدلائل الملوّحة على الحقائق ( فللَّه الحجّة البالغة ) على عباده ، إذ كان لا ~~يحكم عليهم إلَّا بهم ، ولا يفيض عليهم ويجود إلَّا بما يسأل ألسنة أصلهم ~~وقابليّاتهم عنه . # فالحاكم في التحقيق تابع لعين المسألة التي يحكم فيها بما تقتضيه ذاته ) فإنه لو ~~لم يحكم به ما كان حاكما ، بل مفتريا كاذبا ، ( فالمحكوم عليه بما هو فيه ) من ~~الأحكام الخاصّة به ( حاكم على الحاكم ، أن يحكم عليه بذلك) الحكم الذي هو عليه . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فكلّ حاكم محكوم عليه بما حكم به ) من الأحكام ، ( و ~~) كذلك محكوم عليه بما حكم ( فيه ) من الأعيان . فإنّ الحاكم تابع منقاد لهما في ~~حكمه ( كان الحاكم من كان ) ، وهذا يعرفه ولا يتوقّف فيه كلّ من يتفطَّن للأوليّات ~~في بدايات عقوله . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فتحقّق هذه المسألة ، فان القدر ما جهل إلَّا لشدّة ~~ظهوره ) فإنّ الشيء إذا جاوز حدّه انعكس ضدّه . فهذه المسألة إذ جاوزت في الظهور ~~حدّه اختفت ، ( فلم يعرف وكثر فيه الطلب والإلحاح ) . # علم الرسل عليه السّلام على مراتب علوم أممهم # قال الشيخ رضي الله عنه : ( واعلم أن الرسل صلوات الله عليهم من حيث هم رسل - لا ~~من حيث هم أولياء وعارفون - على مراتب ما هي عليه أممهم ) في إدراك الدقائق ~~واستشعار الحكم والحقائق ، وذلك لما مهد آنفا من أنّ الحاكم محكوم عليه ، منقاد لما ~~فيه يحكم ، ولا شكّ أنّ الرسول حاكم في الأمم ، فلا بدّ أن يكون تابعا لهم في مقتضى ~~قابليّاتهم ومقترحات نيّاتهم ، ولكن من حيث أنّه رسول وحاكم - لا مطلق . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فما عندهم من العلم الذي أرسلوا به إلَّا بقدر ما ~~تحتاج إليه امّة ذلك الرسول ) ممّا سألوه بألسنة استعداداتهم - ( لا زائد ، ولا ~~ناقص والأمم متفاضلة ، يزيد بعضها على بعض ، فيتفاضل الرسل في علم الإرسال بتفاضل ~~أممها ) . # وفي التنزيل ما يشعر بذلك ( وهو قوله تعالى " تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْن ~~بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ " ) [ 2 / 253 ] أي في رسالته وعلومها المختصّة بها . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( كما هم أيضا فيم يرجع إلى ذواتهم من العلوم والأحكام ~~متفاضلون بحسب استعداداتهم ) وبه أيضا إشعار فيه ( وهو قوله : " وَلَقَدْ فَضَّلْنا ~~بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ " ) [ 17 / 55 ] هذا ما فيه بلسان الخصوص ( وقال ~~تعالى ) بلسان العموم ما يدلّ على ذلك ( في حقّ الخلق) ،" وَالله فَضَّلَ ~~بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ " ) [ 16 / 71 ] . # ( والرزق منه ما هو روحانيّ كالعلوم ، وحسّي كالأغذية ) وذلك الرزق ( ما ينزّله ~~الحقّ إلَّا بقدر معلوم ) أي مبلغ معين في كلّ زمان ( و ) ذلك القدر ( هو الاستحقاق ~~الذي يطلبه الخلق ) من كلّ شيء ( فإن الله " أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَه " ، " ~~يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ " [ 42 / 27 ] ، وما يشاء إلَّا ما علم ، فحكم به ، ~~وما علم - كما قلنا - إلا بما أعطاه المعلوم ، فالتوقيت في الأصل للمعلوم ) ، وهو ~~أنت ، ( والقضاء والعلم والإرادة والمشيئة تبع للقدر ) كم بيّن وحقّق غير مرّة . # فالكلّ تابع لك بما أنت عليه من الأحكام الذاتيّة التي من الفيض الأقدس . # سرّ القدر # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فسرّ القدر من أجلّ العلوم ) لأنّها من الخصائص ~~الذاتيّة ( وما يفهّمه الله ) على وضوحه وظهوره ( إلَّا لمن اختصّه بالمعرفة ~~التامّة ) التي للورثة الختميّة - وممّا يدل على أنّها من الخصائص الذاتيّة ما ~~يلزمه من جمعيّة الأضداد وتعانق الأطراف - ( فالعلم به يعطي الراحة الكليّة للعالم ~~به ) من سكونه عن طلب م لم يطلب في أصله واستراحته عنه ( ويعطي العذاب الأليم أيضا ~~للعالم به ) حيث يدرك أنّ قصوره في الرتبة من تقصيره في السؤال وقناعته بذلك القدر ~~مع جوده الفائض بلا امتنان . # تعضّ ندامة كفّيك ممّ %~% تركت مخافة المنع السؤال # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فهو يعطى النقيضين ) كما هو مقتضى الهويّة المطلقة ~~على ما سبق ، ( وبه وصف الحقّ نفسه بالغضب وبالرضا ، وبه تقابلت الأسماء الإلهيّة ) ~~فعلم أن جمعيّة الأضداد التي هي من خصائص الهويّة المطلقة ، مما يلزم سرّ القدر. # وكفى به دلالة على جلالة قدره ، فله الإحاطة التامة التي لا يخرج عنها شيء في ~~الوجود أصلا وإلى ذلك أشار بقوله : ( فحقيقته تحكم في الموجود المطلق ) باستتباع ما ~~هي عليه في صورته العلميّة ، ( والموجود المقيّد ) بجريه على مقتضاها في سائر ~~المراتب - إلهيّة كانت أو كيانيّة - ( لا يمكن أن يكون شيء أتم منها ) حيطة ( ولا ~~أقوى ) تأثيرا ( ولا أعظم ) قدرا ، ( لعموم حكمها المتعدّي ) منها - كالعلم ~~والإرادة والمشيّة ، فإنّها حاكمة على الكلّ - ( وغير المتعدّي ) كما عليه الأعيان ~~في مراتب ظهورها . # فل حكم إلَّا تحت حكمها مندرج ، ولا حاكم إلا منقهر تحت سلطانها . # يا عين غيب الله يا نور الهدى %~% ي نقطة الخط البديع الأقوم # يا معدن الأسرار يا كنز الغنى %~% ي مشرق الأنوار للمتوسّم # يا فاتح الأمر العظيم وخاتم %~% الخلق البديع ونكتة لم تفهم # اقرأ كتابك قد كفى بك شاهد %~% يهديك منك بعلم ما لم تعلم # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ولمّا كانت الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين - ل ~~يأخذ علومها إلَّا من الوحي الخاصّ الإلهي ، فقلوبهم ساذجة من النظر العقلي ، ~~لعلمهم بقصور العقل ، من حيث نظره الفكري ) - دون ذوقه الذاتي – ( عن إدراكه الأمور ~~على ما هي عليه ) . # هذ طريق النظر والاستدلال ، ( والإخبار أيضا ) من طريق النقل والإسناد ( يقصر عن ~~إدراك ما لا ينال إلَّا بالذوق ) ، ضرورة أن فسحة أمر النقل وعلومه أضيق مجالا من ~~الاستدلال ، كما هي لا يخفى . # ( فلم يبق العلم الكامل ) الشامل للمعلومات كلَّه ( إلَّ في التجلَّي الإلهي ، ~~وما يكشف الحق عن أعين البصائر والأبصار من الأغطية ) ، وهي الحجب الاعتقاديّة ~~التقليديّة ، والرسوم المستحسنة العادية المانعة للبصر ، والبصيرة عما خلقا له من ~~المرتبة الإدراكيّة - ف « من » لا سترة به أنّه بيان لـ « ما » وهي معطوفة موصلة ~~ليست الَّا على التجلَّي # (فتدرك الأمور - قديمها وحديثها ، وعدمها ووجودها ، ومحالها وواجبها وجائزها - ~~على ما هي عليه في حقائقها وأعيانها ) . # تحقيق ما سأله عزير عليه السّلام # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فلما كان مطلب عزير على الطريقة الخاصّة ) النبويّة ~~وشارع شريعتها ، المقصورة أمر استفاضتها على الوحي خاصة والإخبار عن الله ، ( لذلك ~~) لما طلب المعرفة المذكورة بهذا الطريق ( وقع العتب عليه - كما ورد في الخبر) : # " لئن لم تنته لأمحونّ اسمك من ديوان النبوّة " - ( فلو طلب الكشف الذي ذكرناه ) ~~أنه هو الذي به يدرك الأمور - قديمه وحديثها - ( ربما ما كان يقع عليه عتب في ذلك . ~~والدليل على سذاجة قلبه قوله في بعض الوجوه " أَنَّى يُحْيِي هذِه ِ الله بَعْدَ ~~مَوْتِها " ) وهو الاستبعاد والشك ، على ما يفهم من لفظ " أنّى " . # قال الشيخ رضي الله عنه : (وأمّا عندنا فصورته عليه السّلام في قوله هذا كصورة ~~إبراهيم عليه السّلام في قوله " رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى " ) [ 2 / ~~260 ] . # فان ما قصد من الصورتين إنما هو إرادة كيفية إحياء الموتى ، ( ويقتضي ذلك الجواب ~~بالفعل ) لا بالقول ، وذلك هو ( الذي أظهره الحقّ فيه في قوله : "فَأَماتَه ُ الله ~~مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَه ُ " ) [ 2 / 259 ] . # هذ ما يجاب به بلسان الفعل ، وأما بلسان القول ( فقال له : " وَانْظُرْ إِلَى ~~الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً " ) [ 2 / 259 ]، ( فعاين كيف ~~تنبت الأجسام معاينة تحقيق ، فأراه الكيفية ) . # ثمّ إذ قد سأل عن عجائب أفعاله وبدائع مقدوراته وأجيب عنها فعلا وقولا وعيانا ، ( ~~فسأل عن القدر ) أي مبدأ ذلك المقدور ، ومصدر ذلك الفعل ، وبيّن أن هذا السؤال مما ~~يترتّب على إراءة تلك الكيفيّة العجيبة ، فيكون معطوفا على « فأراه » بدون تمحّ] . # سرّ القدر من مفاتيح الغيب # ثمّ إن ذلك المسؤول لما كان من ( الذي لا يدرك إلا بالكشف للأشياء في حال ثبوتها ~~في عدمها ) واستقرارها على مركز أصلها وقابليّتها ( فما أعطي ذلك ، فإن ذلك من ~~خصائص الاطلاع الإلهي ) لما عرفت أن حقيقة القدر ومعرفته من الخصائص الذاتيّة ( فمن ~~المحال أن يعلمه إلَّا هو ) . # ومم عرفت ظهر لك أنه أوّل ما بدء به سلسلة أمر الظهور والإظهار ، وانفتح فيه ~~أبواب خزائن السؤال والعطاء ( فإنّها المفاتيح الأول ) - فالضمير عائد إلى القدر ~~وتأنيثه باعتبار الخبر (أعني مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا هو ، وقد يطلع الله ~~من شاء من عباده على بعض الأمور من ذلك . ( # ثمّ إن تعدّد الأسماء لمّا كان بحسب اختلاف الاعتبارات ، فإنما يطلق الأسماء حين ~~يعتبر تلك الاعتبارات التي هي كالمبادئ ، وإليه أشار قائل : ( واعلم إنه لا يسمى « ~~مفاتح » إلَّا في حال الفتح ، وحال الفتح هو حال تعلَّق التكوين بالأشياء ، و قل إن ~~شئت : حال تعلَّق القدرة بالمقدور) وهذا مبدأ اسم القادر ، كما أن العبارة الأولى ~~مبدأ اسم الفاتح . # ( ولا ذوق لغير الله في ذلك ) التكوين والقدرة ، (فلا يقع فيه تجلّ ولا كشف ،إذ ~~لا قدرة ولا فعل إلا لله خاصّة ، إذ له الوجود المطلق الذي ل يتقيّد) ولا شك أن ~~الإطلاق مبدأ التأثير والفعل ، كما أن القيد مبدأ التأثّر # والقبول : (فلما رأينا عتب الحقّ له عليه السّلام في سؤاله في القدر علمنا أنه ~~إنّما طلب هذا الاطَّلاع ) أي شهود تعلَّق القدرة بالمقدور ذوقا ( فطلب أن يكون له ~~قدرة تتعلَّق بالمقدور ) ضرورة أنّ ذوق تعلق القدرة بالمقدور إنّما يكون للقادر ~~بالذات. # ( وما يقتضي ذلك ) القدرة والذوق ( إلا من له الوجود المطلق فطلب ما لا يمكن ~~وجوده في الخلق ) من حيث هو خلق ( ذوقا ، فإنّ الكيفيات ) فيهم ( لا تدرك إلا ~~بالذوق ) وأما العلوم والمعارف فإنما يعلمها الخلق ذوق بالحقّ ، لا من حيث أنّه خلق ~~. # ونبّه على ذلك في مطلع هذا البحث حيث قال : « لو طلبها بطريق التجلَّي والكشف ~~ربما ل يمنع ". # توجيه ما روي فيما أجيب به عزير عليه السّلام # قال الشيخ رضي الله عنه : (وأما ما رويناه مم أوحى الله به إليه : « إن لم تنته ~~لأمحونّ اسمك من ديوان النبوّة » أي أرفع عنك طريق الخبر ) - هذا وقع جواب « أما » ~~أي فمعناه أرفع عنك طريق الإنباء والرسالة والخبر الذي هو طرف خلقيّتك . # ( وأعطيك الأمور على التجلَّي ) الحقّاني ، ( والتجلَّي لا يكون إلا بما أنت عليه ~~من الاستعداد الذي به يقع الإدراك الذوقي ) إذ الذوقيّ من الإدراك هو الذي بلغ في ~~الاتّحاد الوجودي الذي يستلزم الإدراك مبلغا لا يكون للثنوية الكونية هناك مجال ~~أصلا ، وذلك هو الذي في القابلية الأصليّة الأوليّة . # فإذ أدركت شيئا بمجرّد الذوق إنّما تعرف ذلك وتحقّقه بأن تستقصي فيما عندك من قوى ~~الاستعلام وآلات استحصال النتائج ، ولم تجد شيئا منها مما يستحصل به ذلك ( فتعلم ~~أنك ما أدركت إلا بحسب استعدادك ) . # ثمّ إنّك إذا عرفت أن التجلَّي بما عليه الاستعداد هو مبدأ الإدراك الذوقي ، فإذا ~~طلبت شيئا (فتنظر في هذا الأمر الذي طلبت ، فلمّا لم تره ) في ذلك التجلَّي ( تعلم ~~أنّه ليس عندك الاستعداد الذي تطلبه ) - وهو الذي يعطي ذلك المطلوب وتذوقه به . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وأنّ ذلك من خصائص الذات الإلهيّة ) أنها في تجلَّيها ~~لكل أحد إنما يظهر له خصوصيّته المختصّة به . # (وقد علمت أن الله " أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَه ُ " ولم يعطك هذا الاستعداد ~~الخاصّ فما هو خلقك ، ولو كان خلقك لأعطاكه الحقّ الذي أخبر أنّه: أَعْطى كُلَّ ~~شَيْءٍ خَلْقَه ُ " [ 20 / 50 ] . # فتكون أنت الذي تنتهي عن مثل هذا السؤال من نفسك ، لا تحتاج فيه إلى نهي إلهي . # ( وهذه عناية من الله بعزير ) حيث وفّقه الله لهذا السؤال ، ووفّقه على ما يرقيه ~~من مواقف الغيبة ومستفاض النبأ والخبر إلى مواطن الحضور ومشاهد التجلي والعيان ( ~~علم ذلك من علمه ، وجهله من جهله ) فإنّ فهم أمثال هذ الكلام يحتاج إلى ذوق يعزّ ~~واجده جدّا . # الولاية والنبوّة # ثمّ لما استشعر من هذا القول أنّه يستلزم تعظيم أمر الولاية وترجيحها على النبوّة ~~، أخذ فيما يحقّق ذلك من البيان قائلا : # قال الشيخ رضي الله عنه : ( واعلم أنّ الولاية ) لما لها من غلبة حكم البطون ~~والأصالة الذاتيّة ( هي الفلك المحيط ) بسائر ما في الظاهر من الصور ، ( العامّ ) ~~نسبتها إلى الكل ، عموم نسبة المحيط إلى محاطه ، ( ولهذا لم تنقطع ) ضرورة أن دوران ~~الأفلاك وسائر الحركات الدورية لا ينقطع ، انقطاع الحركة المستقيمة التي للمحاط - ( ~~وله الإنباء العامّ ) إلى المكلفين - أرباب الأحكام - وإلى المحقّقين من ذوي ~~الإيقان ، ضرورة أن نسبة إحاطته على الكلّ سواء . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وأمّا نبوّة التشريع ورسالته منقطعة ) فإنّ أفلاكها ~~ليست لها الإحاطة التامّة ، ( وفي محمد صلَّى الله عليه وسلَّم قد انقطعت ، فلا ~~نبيّ بعده - يعني مشرّعا ، أو مشرّعا له ولا رسول ، وهو المشرّع ) . # ثمّ إنّ الولاية التي هي حكم البطون والإطلاق لا اختصاص لها بالعبد ، بل هي ~~ذاتيّة للحقّ ، موهوبة للعبد ، وأما النبوّة لما كانت أحكام الصور والقيد ، هي ~~ذاتيّة للعبد ، وهي درجة كماله وذروة عروجه إلى أوج ما أمكن له من مراقي جلاله ~~ولهذا قال : ( وهذا الحديث قصم ظهور أولياء الله ، لأنه يتضمّن انقطاع ذوق ~~العبوديّة الكاملة التامّة ) . # فإنّ كمال كل حقيقة وتمامه إنما هو بإظهار ما له من خصوصيّاته المميّزة له عن ~~غيره . والنبوّة هي التي تختصّ بالعبد ، وفصله المميّز له عن الحقّ ، فعند انقطاعها ~~ل يمكن ظهوره بها ، ( فلا ينطلق عليها اسمها الخاصّ بها ) وذلك يوجب كتمان أمر ~~العبد وخفائه ، وإن أطلق عليها الأسماء المشتركة بينه وبين الحق ( فإنّ العبد يريد ~~أن لا يشارك سيّده - وهو الله - في اسم ) إظهارا لكماله الخاص به ، وإنفاذا لأمر ~~سلطانه . # قال الشيخ رضي الله عنه : (والله لم يتسمّ بنبيّ ولا رسول ، وتسمّى بالوليّ . ~~واتّصف بهذا الاسم فقال : " الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا " [ 2 / 257 ] وقال : " ~~وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ " [ 42 / 28 ] وهذا الاسم ) الوليّ ( باق ، جار على ~~عباد الله دنيا وآخرة ) . # وهذ له مثال يستفهم منه مغزاه : # وهو أن الشجرة ما لم يظهر عن أكمام نظام أجزائها حكم الثمرة ، يكون الظاهر على ~~العالمين أمر أجزائها الصورية فقط ، كالأوراق والأغصان والأزهار ، ولذلك تراهم ~~يقنعون عنها حينئذ برؤية ألوانها واستشمام نسائمها وروائحها ، منتظرين بدوّ الثمرة ~~في تلك الصورة الحاملة لها ، مترقّبين لذلك كل الترقّب ، حتى فتقت الأكمام عن ~~ثمارها وحكم الزمان بإبرازها وإظهارها. # ويومئذ تنعزل تلك الصورة عن إمرة قبولها ونفوذ سلطانها ولا يقنع العالمون ~~بالاحتظاء عن صورتها ، بل يجنون ثمارها بأيادي الاستعدادات ويملكونها ويغتذون منها ~~ويتّحدون به . # فعلم أن أمر تلك الثمرة باق ظاهرا وباطنا ما ينقطع حكمها أبدا ، دون الصورة ~~الحاملة له . # الباقي من أمر النبوة العامّة # قال الشيخ رضي الله عنه : (فلم يبق اسم يختصّ به العبد دون الحقّ ، بانقطاع ~~النبوّة والرسالة ، إلَّا أن الله لطيف بعباده ، فأبقى لهم النبوّة العامة ) ، أعني ~~الإنباء عن الله تعالى بصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامها وخواصّها من الحكم النظرية ~~(التي لا تشريع فيها ، وأبقى لهم التشريع في الاجتهاد في ثبوت الأحكام ، وأبقى لهم ~~الوراثة في التشريع ، فقال: « العلماء ورثة الأنبياء » ) وقد اعتبر العلماء هاهنا ~~على العرف المعروف للعامّة حيث خصّص الوراثة بالتشريع وم عمّها لها وللإنباء . # ويمكن أن يقال : الميراث إنما يطلق على ما تخلَّف عن الميّت مما اختصّ به ملكا له ~~دون غيره ، وإذ كان الإنباء ليس كذلك ما أدخله فيه وإليه أشار بقوله : ( وما ثمّ ~~ميراث في ذلك إلا فيما اجتهدوا فيه فشرّعوه) فإن الأنباء الحكميّة والحقائق الإلهية ~~لا يطلق عليها الميراث ، حيث أنّ صاحبها وخاتمها بعد ما مات عنها . # كلّ نبيّ وليّ # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإذا رأيت النبيّ يتكلَّم بكلام خارج عن التشريع ) من ~~الأنباء الحكميّة والحقائق الذوقيّة وتبيين مقامات القوم ومراتب الناس فيها ~~وعوائقهم عن البلوغ إلى أقاصي كمالاتهم ( و ) ذلك كلَّه ( من حيث هو وليّ وعارف ) ، ~~ضرورة أنّ النبي مفهومه كمال خاصّ يتضمّن الولاية والعرفان ، وهي رقيقة نسبته إلى ~~الحقّ في بطونه ، كما يتضمّن النبوّة التشريعية ، وهي رقيقة نسبته إلى الخلق في ~~ظهوره . # قال الشيخ رضي الله عنه : (ولهذا مقامه من حيث هو عالم ووليّ أكمل وأتمّ من حيث ~~هو رسول أو ذو تشريع أو شرع . فإذا سمعت أحدا من أهل الله يقول أو ينقل إليك عنه ~~أنّه قال : « الولاية أعلى من النبوّة » فليس يريد ذلك القائل إلا ما ذكرناه ، أو ~~يقول : « إنّ الوليّ فوق النبيّ والرسول » فإنّه يعني بذلك في شخص واحد ، وهو أنّ ~~الرسول عليه السّلام من حيث هو وليّ أتمّ منه من حيث هو نبيّ ورسول لا أن الوليّ ~~التابع له أعلى منه ، فإنّ التابع لا يدرك المتبوع أبدا فيما هو تابع له فيه إذ لو ~~أدركه لم يكن تابع له . فافهم ) # ول تغفل عن حيثية قيد التابعيّة ، فإن أمر الرسالة والتشريع في الشخص إنما ~~يتعلَّق بنشأته هذه دون الولاية ، فإنها مما يلازم حقيقته ولا يفارقه أبد . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فمرجع الرسول والنبيّ المشرّع إلى الولاية والعلم ) ~~الذي هو صورتها ومظهرها ( ألا ترى الله قد أمره ) - أي الرسول النبيّ المشرّع - ( ~~يطلب الزيادة من العلم ، لا من غيره ) ممّا يتعلق بأمر الرسالة والتشريع . # قال الشيخ رضي الله عنه : (فقال له آمر : " قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً " ) [ 20 ~~/ 114 ] ( وذلك أنّك تعلم أن الشرع تكليف بأعمال مخصوصة ، أو نهي عن أعمال مخصوصة ، ~~ومحلَّها هذه الدار ) . # أي محلّ تلك الأعمال والأفعال التي هي موضوع الشرع ، ومحلّ أحكامه هذه الدار ~~الفانية . # انقطاع النبوّة وبقاء الولاية # ( فهي منقطعة والولاية ليست كذلك ، إذ لو انقطعت لانقطعت من حيث هي هي ) بدون ~~اعتبار إلى محل خاصّ وشخص معيّن ( كم انقطعت الرسالة من حيث هي هي ) بدون اعتبار ~~محل خاصّ ، فإنّها منقطعة بذاتها ، فلا يوجد لها شخص تتقوّم به أبد . # نسبة العبد إلى الأسماء الإلهيّة # قال الشيخ رضي الله عنه : ( و ) الولاية ( إذا انقطعت من حيث هي لم يبق لها اسم ، ~~والوليّ اسم باق لله ) بالأصالة ( فهو لعبيده تخلَّقا ) - وذلك في قيامهم بها ~~وتقويمهم إيّاها على ما يليق بالعبيد في إظهارها - ( وتحقّقا ) - وذلك في معرفتها ~~والتيقّن بحقيقتها بالنسبة إلى الله وبالنسبة إليهم - ( وتعلَّقا ) . # وذلك في انتسابهم من حيث الافتقار والعبوديّة إلى الذات من حيث الولاية كما في ~~سائر الأسماء الإلهية . # فإن العبد له ثلاث مراتب بالنسبة إليها كما قال الشيخ في بعض الرسائل : # " للعبد بأسماء الله تعالى تعلَّق وتحقّق وتخلَّق . # فالتعلَّق افتقارك إليها مطلقا من حيث ما هي دالَّة على الذات . # والتحقّق معرفة معانيها بالنسبة إليه سبحانه وبالنسبة إليك . # والتخلَّق أن تقوم فيها علي ما يليق بك ، كم انتسب إليه ما يليق به . # فجميع أسمائه تعالى يمكن تحقّقها والتخلَّق بها إلا اسم « الله » عند من يجريه ~~مجرى العلميّة ، فيقول إنّه للتعلَّق خاصة.أهـ » - إلى هنا كلامه بعبارته الشريفة . # وإنما أوردت ذلك ليعلم أن هذا تدرّج من الأعلى إلى الأدنى على - خلاف ما توهّمه ~~البعض - فالتخلَّق عند قيام العبيد بمقتضيات الأسماء أعلى من التحقّق وإن كان ~~التحقّق في الحقائق العلميّة والمواطن الشهوديّة أعلى منه . # وأم التعلَّق فهو الأدنى مطلقا . # ما خوطب به عزير كان على مجرى الوعد ، لا الوعيد # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فقوله للعزير : لئن لم تنته عن السؤال عن ماهيّة ~~القدر لأمحونّ اسمك من ديوان النبوّة فيأتيك الأمر على الكشف بالتجلي ) في مشاهد ~~الحضور والاتّحاد . # ( ويزول عنك اسم النبيّ والرسول ) في موطن التفرقة والبعاد ، وحينئذ يكون الوجود ~~لله (وتبقى له ولايته ) ، فإنّك أنت به وليّ تخلَّفا وتحقّق . # ويمكن أن يرجع ضمير إلى العزير ، وتكون هذه الجملة خبرا لمبتدأ أو قرينة لحذفه - ~~والأول أولى ، فإنّ الأكابر لا يلتفتون إلى معهودات المصطلحات كثير التفات ، فأتى ~~بالواو تكثيرا للفائدة وتبيينا للمعنى الأول - وحاصل ذلك أنّ قوله للعزير : « ~~لأمحونّ اسمك من ديوان النبوّة » يبقي له ولايته ، ويبشّره على الكشف بالتجلَّي ، ~~فيكون من قبيل الوعد . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( إلا أنّه لمّ دلَّت قرينة الحال أن هذا الخطاب جرى ~~مجرى الوعيد علم من اقترنت عنده هذه الحالة مع الخطاب أنّه وعيد بانقطاع خصوص بعض ~~مراتب الولاية في هذه الدار ، إذ النبوّة والرسالة خصوص رتبة في الولاية ) . # فإنّهم الصورة الظاهرة المنطوية عليها ، فلا بدّ من احتوائهما ( على بعض ما تحتوى ~~عليه الولاية ) المطلقة ( من المراتب ) وإلا لم تكن صورة له . # فإنّك قد عرفت أنّ الرسالة والنبوّة من صور تنزّلات الولاية ومظاهر أحكامها ، ~~فالرسول النبيّ هو الولاية الظاهرة أحكامها في العين ، النافذة أوامرها على الخلق ( ~~فيعلم أنّه أعلى من الوليّ الذي لا نبوّة تشريع عنده ولا رسالة ) . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ومن اقترنت عنده حالة أخرى ) غير هذه الحالة ( ~~تقتضيها أيضا مرتبة النبوّة يثبت عنده أن هذا وعد لا وعيد ، وأنّ سؤاله عليه ~~السّلام مقبول ، إذ النبيّ هو الوليّ الخاصّ ) الذي لا يقدم على ما لا يرضى الله ~~تعالى به ، ولا يسأل ما ل يعلم أنّه يعطيه ويمنحه . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ويعرف بقرينة الحال أنّ النبيّ من حيث له في الولاية ~~هذا الاختصاص محال أن يقدم على ما يعلم أنّ الله يكرهه منه ، أو يقدم على ما يعلم ~~أنّ حصوله محال . ) # قال الشيخ رضي الله عنه : (وإذا اقترنت هذه الأحوال عند من اقترنت وتقرّرت أخرج ~~هذا الخطاب الإلهي عنده في قوله : « لأمحونّ اسمك من ديوان النبوّة » مخرج الوعد ، ~~وصار خبرا يدلّ على علوّ مرتبة باقية وراء مرتبة النبوّة التشريعيّة ، وهي المرتبة ~~الباقية على الأنبياء والرسل في الدار الآخرة التي ليست بمحلّ الشرع ، يكون عليه ~~أحد من خلق الله ) - أي حال كون ذلك الشرع عليه أحد من خلق الله ليست الدار الآخرة ~~محلا لها - ( في جنّة ولا نار ، بعد الدخول فيهما ) . # فقوله تعالى للعزير عند سؤاله عن ذلك السرّ : « لئن لم تنته لأمحونّ اسمك من ~~ديوان النبوّة » خبر فيه ضرب من التشويق إلى المسؤول عنه - لا نهي عن السؤال - عند ~~الفطن . # وهذ من الكنايات المستعملة والملحقات بالبطن الأوّل . # فإنّ المصنف قلَّما يستشهد بآية ويستكشف عنها المعاني غير ما في ذلك البطن ~~وملحقاته . # "" أضاف الجامع : تجدر الإشارة والبشارة في جمال الله ولطفه لكونه سبحانه المعلم ~~والمربي وصانع عباده المخلصين المختاريين : # فتحذيره لأولياؤه وعباده المخاصي اللذين صنعهم على عينة تكون من راعيهم ومعلمهم ~~المحب الى عباده المحبين له فلا تكون من ديوان المنتقيم أو الشديد البطش تكون بدون ~~عقوبة السلب والآلام للعذاب ، نذكر أمثال :- # 1 - قوله تعالي لرسول الله صلى الله عليه وسلم : وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ~~عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا ~~لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ ~~إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلً (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ ~~الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرً (75) سورة الإسراء. # وقوله تعالى : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ ~~فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ~~وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ ~~فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) سورة الأنفال . # 2 - # أبينا آدم عليه السلام : # لما عصى ربه لم يسلبه النبوة وعلمه كلمات وتاب عليه السلام وأنزله بالنبوة ليتولى ~~وظيفته بالخلافة في الأرض لحقق إرادة الله فبه. # 3 - # نبي الله ذا النون يونس عليه السلام : # وَذَا النُّونِ # إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ # فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي ~~كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ~~وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)سورةالأنبياء . # ولم يسلبه الله سبحانه واللهمة كلمات التوبة وعفا عنه وارسله الى مائة ألف او ~~يزيدون # وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ ~~الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ ~~الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) ~~لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ ~~وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) ~~وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا ~~فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148) سورة الصافات # 4 - رسول الله ونبيه موسى عليه السلام : # قال تعالى :وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً ~~وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ # فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُو بِأَحْسَنِهَ # سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)سورة الأعراف # ولكن رسول الله موسي عليه السلام ، ألقى الألواح من الغضب ولم يعاقبه الله ولم ~~يسلبه بل أعانه وساعده ليأخذ الألواح مرة أخرى بل كفأؤه وقومة # وحدد لهم ميقاتا لملاقاه الله سبحانه # . # قال تعالى : # وَلَمَّ رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفً # قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ # وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ # وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ ~~اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَ ~~تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) # قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي # وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) سورة ~~الأعراف # قال تعالى : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي ~~نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) سورة ~~الأعراف # قال تعالى : وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَ فَلَمَّ ~~أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ ~~وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّ إِنْ هِيَ إِلَّا ~~فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَ ~~فَاغْفِرْ لَنَ وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)سورة الأعراف "" # الباقي من أمر الشرع في القيامة # ( و ) الانطلاق عن الشرع ورفع أحكامه ( إنما قيّدناه بالدخول في الدارين ) أعني - ~~( الجنّة والنار - لما شرع يوم القيامة لأصحاب الفترات ) الذين زمان ظهورهم ما بين ~~نبيّين ما أدركوا حكم أحد منهما . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( والأطفال الصغار والمجانين ، فيحشر هؤلاء في صعيد ~~واحد لإقامة العدل والمؤاخذة بالجريمة ) في أصحاب الجحيم . # ( والثواب العملي في أصحاب الجنّة ) وإنما لم يصرّح بأصحاب الجحيم لما عليه كلمته ~~من أنّ الجحيم ومقتضياتها أمر موهوم - « وما لوعيد الحق عين تعاين » - فليس له ظهور ~~مثل ظهور نعيم الجنة . # ( فإذا حشروا في صعيد واحد ) - لغلبة حكم البرزخ على أرواحهم ، فهم في موضع مرتفع ~~عن أهله ( بمعزل عن الناس - بعث فيهم نبيّ من أفضلهم وتمثّل لهم نار ). # أي تصوّر العقل الذي هو مبدأ التكليف والتمييز بصورة مثاليّة ناريّة ( يأتي بها ~~هذا النبيّ المبعوث في ذلك اليوم ) وذلك لأنّ النار لها نوريّة يهتدي به الناس ، ~~وإحراق يستتبع تفريق المختلفات وجمع المتماثلات ، وهو فيه التمييز المترتّب على ~~إدراكه . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فيقول لهم : « أن رسول الحقّ إليكم » فيقع عندهم ~~التصديق به ، ويقع التكذيب عند بعض ) على ما هو مقتضى أمر النسبة من ظهور حكم ~~التقابل . # ( ويقول لهم : « اقتحموا هذه النار بأنفسكم ) وادخلوا في ورطات مهالكها - إذ ~~الاقتحام هو الدخول في المهالك . # ( فمن أطاعني نجا ودخل الجنة ، ومن عصاني وخالف أمري هلك وكان من أهل النار » - ~~فمن امتثل أمره منهم ورمى بنفسه فيها سعد ونال الثواب العملي ، ووجد تلك النار ) ~~بشهوده اليقيني. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( بردا وسلاما ومن عصاه استحقّ العقوبة ، فدخل النار ~~ونزل فيها بعمله المخالف ، ليقوم العدل من الله في عباده ). # قال الشيخ رضي الله عنه : (وكذلك ) يدلّ على بقاء حكم التشريع في الآخرة ( قوله : ~~" يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ " [ 68 / 42 ] أي أمر عظيم ) . # إذ الساق عضو عظيم ذو عظم عظيم من الأعضاء ( من أمور الآخرة ) فإنّه آخر الأعضاء ~~للشخص - ( " وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ " ) والامتثال والإذعان ، مثل كشف هذا ~~الأمر على الشيخ ، فإنّه أمر عظيم من أمور الآخرة ، وكذلك سائر أصول مكاشفات الكمّل ~~. # ويمكن أن يجعل مشيرا إلى ذلك قوله : ( فهذا تكليف وتشريع ، فمنهم من يستطيع ) في ~~الدنيا امتثال أمر الله ( ومنهم من لا يستطيع ، وهم الذين قال الله تعالى فيهم : " ~~وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ " ) . [ 68 / 42 ] # قال الشيخ رضي الله عنه : ( كما لم يستطع في الدنيا امتثال أمر الله بعض العباد - ~~كأبي جهل وغيره ) . # ( فهذا ) السجود المدعوّ إليه وتكليف الأطفال والمجانين على صعيد المحشر ~~بالاقتحام في نار عقولهم وتمييزهم التشريعي ( قدر ما يبقى من الشرع في الآخرة يوم ~~القيامة قبل دخول الجنة والنار فلهذا قيّدنا) بذلك . # ( والحمد لله ) على أن علَّمنا ذلك الحقائق التي تتعلَّق بالأنبياء وأولي ~~النهايات منهم . ### || تم الفص العزيري # . # %~% ### | فص حكمة نبوية في كلمة عيسوية ### | 15 - فصّ حكمة نبويّة في كلمة عيسويّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين ~~علي ابن محمد التركة # شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم الشيخ ~~الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # وجه تسمية الفصّ # إنّما اختصّت الكلمة العيسويّة بين الأنبياء كلَّها بالحكمة النبويّة لما قد ~~اطَّلعت عليه أولا من أن النبوة - التي هي الإخبار عن الله بأسمائه وصفاته وأفعاله ~~وأحكامها كلها - مبنى أمرها على الوجود الكلاميّ ، ومنشأ ظهورها من النقطة النطقيّة ~~التي بها ينطبق قوسا البطون والظهور ، ويتمّ الكمال الوجوديّ بالشهوديّ ، والظهوريّ ~~بالشعوريّ . # ثمّ إنّ الكلمة العيسويّة هي التي تفرّدت بين الكلمات بمظهرية هذه المرتبة من ~~الوجود استقلالا ، بدون تعلَّم ولا تعمّل اكتساب وتدبّر - دون غيرها من الأنبياء - ~~فهي التي تظهر هذه المرتبة لذاتها ، ولذلك ترى أول أثر يترتّب على شخصه الكماليّ هو ~~هذه ، إذ تكلَّم في بطن امّه بقوله : “ أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ ~~تَحْتَكِ سَرِيًّ “ [ 19 / 24 ] وفي المهد بقوله : “ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي ~~نَبِيًّ” [ 19 / 30 ] . # وهذا هو وجه المماثلة والمشابهة بينه وبين آدم ، على ما أفصح عنه قوله : # “ إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَه ُ من تُرابٍ ثُمَّ قالَ ~~لَه ُ كُنْ “ كلمة كاملة ذات نطق وكلام “ فَيَكُونُ “ [ 3 / 59 ] فإنّ « ثمّ » يدل ~~هاهنا على أنّ أمر “ كُنْ “ إنما يتوجّه إلى مرتبة وراء خلق آدم ، مرتّبة عليه ، ~~فعيسى مثل آدم في مصدرية الكلام الكماليّ ومظهريّة الكمال الكلاميّ بدون تعلَّم من ~~أحد ولا تطفّل على أحد ، فلذلك اختصّت بالنبوّة . # ومما يلوّح عليه أن في لفظة « النبويّة » جميع ما في الكلمة العيسويّة من الحروف ~~، إمّا بأعيانها ، أو ببيّناته . # وبيّن أن ظهور الكلمة العيسويّة بمرتبة الإنبائيّة الكلاميّة - التي بها صحّت ~~مماثلتها لآدم - ليس على ما عليه الطبيعة الجزئيّة البشريّة ، فإنّها ليست ظاهرة ~~بها إلا بعد تعلَّم من الأبوين ، وزيادة تدبّر وتعاون من القوى ، على استحصال تلك ~~الملكة ، فليس لها في ذاتها إلا القابليّة لها فقط . ولذلك كان امّها من جزئيات هذه ~~الطبيعة البشريّة ، والنفخ الجبرئيليّ فيها بمنزلة الأب . # مبدأ خلق عيسى عليه السّلام # فأشار إلى ذلك بضرب من التلطَّف مستفهما عن ترديد على معنى منع الخلوّ دون الجمع ~~قائلا : ### || ( عن ماء مريم أو عن نفخ جبرين ) # فإن الماء للين جوهره وكمال قبوله وانفعاله هو الامّ ، والنفخ لقوّة فعله وشدّة ~~تأثيره هو الأب . على أن الماء هو الامّ مادّة ، كما أنّ « النفخ » « أب » في قاعدة ~~العقد على ما يلوّحك عليه بيّنات العدد منه ، إذا نسب إلى الأب بيّناته أو اسمه - ~~تأمّل . # ثمّ إن ماء مريم بجوهريّته قابل لذلك ، كما أن نفخ جبرين بصورته الفعليّة فاعل له ~~، فلذلك ظهر الولد بجوهره ### || ( في صورة البشر الموجود من طين ) # كما أنّه بفعله في صورة الملك الموسوم بالجبرين ، وفي تبديل لامه بالنون إشارة ~~إلى ما عليه في حالة النفخ ، أعني الصورة الإنسانية ، فإنّ النون من امّهات موادّ ~~ذلك الاسم - كما لا يخفى - فمتعلَّق هذه الظروف كلها قوله : ### || ( تكوّن الروح في ذات مطهّرة ) # من آثار تلك الصورة وأفعالها الهيولانيّة المظلمة ، فإن أفعال عيسى ومبدأها - ~~أعني الروح - من جبرين ، إذ تكوّن الروح عن النفخ ، كما أن صورة البشر من الماء ، ~~على ما يطلعك عليه تركيبه بترتيبه . # ثمّ إنّه قد حصل هاهنا صورة مزاجيّة اعتداليّة بين قاهرين قويّين : # أحدهما تكوّن روحه في ذات غير قابلة للفساد ، والتغيّر والحدوث ، مطهّرة من ذلك ~~الأوصاف ، يجذبه إلى العلو مستقر جلالها ومسرع عزّها وإطلاقه . # والآخر تكوّن صورته ( من الطبيعة ) التي لم تزل تفسد وتتغيّر ( تدعوها ) إلى ~~السفل معدن كمالها المسمى ( بسجّين ) الحصر والقيد . # وبيّن أن المزاج المعتدل بين القوّتين المتقاومتين ، لا بدّ وأن يكون لها بقاء ~~بقدر قوّتهما وتكافؤهما عند تحاذيهما ، واستقرارهما في الاعتدال ( لأجل ذلك قد طالت ~~) للروح ( إقامته ) # في تلك الذات ومكثه ( فيها ، فزاد ) مقدار إقامته ، ( على ألف ) وهو أنهى درجات ~~مراتب المقدار وأطولها من السنة التي هي أنهى درجات مراتب الزمان وأطوله ( بتعيين ) ~~مقداريّ عددا وزمان . # وذلك الاعتدال فيه لقوّة أمر الروح ، حيث لم ينقهر من حكم الطبيعة مع أنّه متنزّل ~~في مرتبتها ، ظاهر بحكمها ، كما انقهر غيره من الكلمات . # ووجه اختصاص روحه بتلك القوّة أنّه : ### || ( روح من الله لا من غيره فلذا أحيا الموات ) # إحياء إعادة( وأنشأ الطير من طين )إنشاء بدء . فتحقّق بالمبدئيّة والمعيديّة . ### || ( حتّى يصحّ له من ربّه نسب به يؤثّر في العالي ) # من المتروحين المتجرّدين ( وفي الدون ) من المتركَّبين المتدنّسين لما عرفت أنّه ~~بصورته الاعتداليّة الجمعيّة محيط بالطرفين وجودا ، فإنّه بصورته الجسميّة التي هي ~~نهاية المراتب الوجوديّة باقية في الجسم الكلّ ، مؤثّر في صورهم الوجوديّة ، كما ~~أنّ محمّدا بصورته الكلاميّة التي هي غاية الكلّ ، باق مؤثّر في كمالهم الشهوديّ . # وبيّن أن الإحاطة المذكورة إنما يتصوّر بمظهريّة الجمعيّة الإلهيّة ، وذلك إنما ~~يتمّ بطهارة كمال قابليّته ، المطهّر بطرفيه الروحانيّ والجسمانيّ عن التدنّس ~~والتغيّر ، حتّى يصحّ منهما المزاج الاعتداليّ المثليّ ، وإليه أشار بقوله : # (الله طهّره جسما ونزّهه %~% روحا وصيّره مثلا بتكوين ) # وقد نبّهت على وجه مماثلته بآدم ، وهذا وجه مماثلته للحقّ ، وهو الظهور بالإبداء ~~والإعادة فعلا ، والتطهير والتنزيه ذاتا وصفة . # الروح مبدأ الحياة # وبيّن أن موضوع البحث في الحكمة النبويّة - على ما عرفت - إنما هو تحقيق أمر ~~الكلام ، والكشف عن أصل مادته التي هي الحياة ، ومبدأ صورته التي هي الصوت ، وبيان ~~أنّ ذلك قد يتمّ أمره على غير المنهج المعتاد من التوالد والتناسل الطبيعيّ ، بل ~~بضرب من الامتزاج الروحيّ بالموادّ العنصريّة ، فلذلك قدّم قصّة السامريّ قائلا : ### || قال الشيخ رضي الله عنه : ( اعلم أن من خصائص الأرواح أنّها لا تطأ شيئا ) # أي لا تقع على أرض من أراضي القوابل وتطأها ( إلا حييّ ذلك الشيء ) بقوّة قبوله ( ~~وسرت الحياة فيه ) بحسب تلك القوّة التي لها نباتيّة أو حيوانيّة - على اختلاف ~~طبقاتها - ( ولهذا قبض السامريّ قبضة من أثر الرسول الذي هو جبرئيل ، وهو الروح ) . # العقل الأول في اعتباراته المختلفة # فإنّك قد عرفت في المقدّمة أن للعقل الأول أسماء بحسب طريان الاعتبارات المتخالفة ~~له ، وظهور سلطانها عليه ، فإنّه باعتبار التدوين والتسطير يسمّى بالقلم ، وباعتبار ~~التصرّف والتصريف يسمّى بالروح ، وباعتبار ضبطه وإحصائه الأسماء والرقائق الوجودية ~~يسمى بالعقل ، هذه أسمائه في مرتبته . # ثمّ إذا تنزّل في عوالم الحجب فباعتبار وساطته ورسالته في إنزال أصول الصور ~~الكلاميّة على الإنسان الكامل يسمى بجبرئيل ، كما أن العقل الأخير المسمى بالعقل ~~الفعّال باعتبار وساطته في إحداث الصور الحرفيّة وإسماعها يسمى بإسماعيل . # "" أضاف المحقق : قال الجندي في شرح الفصوص : وجبرئيل هو الروح الكليّ المسلط على ~~عالم العناصر كلها ، وسلطانه ومقامه سدرة المنتهى ، وليس كما يزعم الفلاسفة أنه ~~العقل الفعال - يعنون روح فلك القمر - فإن روحانية فلك القمر هو إسماعيل ، وليس ~~بإسماعيل النبيّ ، بل هو ملك مسلّط على عالم الكون والفساد ، وهو من أتباع جبرئيل ~~عليه السّلام ، وليس لإسماعيل حكم فيما فوق فلك القمر ، ولا لجبرئيل فيما فوق ~~السدرة ، وحكمه على السماوات السبع وما تحتها من الأسطقسات والمواليد "" # وما قيل: « إنّ جبرئيل عند العرفاء هو ما يختصّ أمر سلطنته بالفلك السابع وما ~~دونه »"" أضاف المحقق : هذا المعنى ظاهر كلمات الجندي والكاشاني والقيصري"" # فهو غير ما علم من تصفّح كلام الشيخ ، فإنّه قد صرّح في كتاب عقلة المستوفز: # أنّ فلك البروج - الذي هو الفلك الأطلس عنده - فيه خلق عالم المثل الإنسانية ~~والحجب الجسدانيّة ، وفي هذا الفلك مقام جبرئيل ، وإليه ينتهي علم علماء الرصد لا ~~يجاوزه أصلا - هذا كلامه . # ثمّ هاهنا تلويح وهو أنّك قد عرفت ما في ( ال ) من الإحاطة بتمام الكلام ، « ~~فجبرال » - بحسب الاشتقاق الكبير - الذي هو المعوّل عليه عند كبار المحققين - يدل ~~على أنّه « الجائي برأي ال » كما أن « إسماعيل » يدل على أنّه المصدر « لإسماع ال » ~~. # وبيّن أن ( ال ) هو الكلام الجامع بين المقطَّع والمركَّب ، والصورة الحائزة ~~للجمع والتفرقة والفرقان القرآن . # ومن تفطَّن لهذا الأصل عرف كثيرا من الدقائق ، منها وجه التمييز بين القرآن ~~المنزل السماويّ والحديث القدسيّ النبويّ . # السامريّ وخوار عجله # ( وكان السامريّ ) لملازمته سدّة النبوّة مقتبسا من مشكاة حكمها الأنوار العلميّة ~~( عالما بهذا الأمر ) - وهو أن الحياة تترتّب على مواطأة الروح حيثما وطئ # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فلما عرف أنّه جبرئيل ، عرف أنّ الحياة قد سرت فيما ~~وطئ عليه ، فقبض قبضة من أثر الرسول - بالضاد أو بالصاد ، أي بملء يده ، أو بأطراف ~~أصابعه فنبذها بالعجل ،فخار العجل ) لأنّه أثّر الحياة في صورة العجل وغاية ما ~~يترتّب على إقامة بنيته . # فإنّ الصورة الفصليّة للنوع هي الغاية الكماليّة التي بها يصير ذلك النوع بالفعل ~~. ومبدأ تخالف تلك الصورة هي المادّة الاميّة المسماة بالجنس ، فإنّها تختلف بحسب ~~اختلاف تلك المادّة . # ( إذ صوت البقر إنما هو خوار ، ولو ) أنّ السامريّ ( أقامه صورة أخرى لنسب إليه ~~اسم الصوت الذي لتلك الصورة ) ضرورة ترتّب ذلك على تركيب هيئته وصورة حياته ، التي ~~هي المادّة الجنسيّة ( كالرغاء للإبل ، والثواج للكباش ، والثغاء للشياة ، والصوت ~~للإنسان ) ممّن كان له صورة هذا النوع ( أو النطق ) ممّن له الإدراك منهم والنظر في ~~الأمور العقليّة ( أو الكلام ) لمن له الكمال الإنساني . # وقد راعى المراتب الثلاث ، أعني أصل القابليّة وكمالها ، والواسطة بينهما في ~~المادّة والصورة . فتكملت المراتب الستّ بذلك - فلا تغفل . # وإذ قد عرفت أنّ الحياة - التي هي إمام أئمة الأسماء الإلهيّة - قد تسري في ~~الموادّ الهيولانيّة لمواطأة الروح لها ، ويجعلها ذا صورة كماليّة وجمعيّة كليّة ~~يصلح لأن تكون مصدرا للقوى الطبيعيّة والإدراكات الكليّة بحسب قوّة قبولها وقربها ~~للاعتدال الجمعي الوحداني . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فذلك القدر من الحياة السارية في الأشياء يسمى « ~~لاهوتا » ، والناسوت هو المحلّ القائم به ذلك الروح ) في الظهور . # وإن كان الروح مقوّم ما حلّ فيه في الوجود ووطئ عليه ، كما حقّق ذلك في المادّة ~~الهيولانيّة مع الصور الجسمانيّة بلسان النظر . # و " اللاهوت " فعلوت من لاه ، يليه : إذا تستّر . # و " الناسوت " من ناس ، ينوس : إذا تذبذب وظهر بفعله . # وأنت عرفت أنّ المادّة الاميّة هي المحتجبة بالصورة الكماليّة الظاهرة بالأثر ، ~~على ما عرفت في مراتب الصوت مادّة وصورة . # ومما يلوّح على ذلك أن ما يختصّ به الأوّل - يعني اللام والهاء - فضله هو الدالّ ~~على الامّ ، كما أنّ ما يختصّ به الثاني - وهو السين والنون - على الصورة الشاخصة . # يقال : سننته سنّا : إذا صوّرته . # كيفية النفخ في مريم عليها السّلام # ( فسمّي الناسوت ) - مثل عيسى مثلا - ( روحا بما قام به ) أي لقيام الروح به ~~وظهور أحكامه منه بلا تلبّس وتشوّب . فكأنّه هو ، كما قيل : # رقّ الزجاج ورقّت الخمر %~% فتشابها فتشاكل الأمر # فكأنما خمر ، ولا قدح %~% وكأنما قدح ، ولا خمر ### || ( فلما تمثّل الروح الأمين - الذي هو جبرئيل - لمريم عليهما السّلام بشرا ~~سويّا ) # أي معتدلا سنّا وخلقة ، فإنّ من شأن الأعلى أن يقدر على تصوّره بصورة الأنزل ~~كيفما شاء ، فلمّا رأت تلك الصورة بشبابها وحسنها ، لاعتدالها سنّا وخلقة # ( تخيّلت أنّه بشر يريد مواقعتها ، فاستعاذت باللَّه منه استعاذة بجمعيّة منها ) ~~ضرورة انضباط تلك الصورة البشريّة في متخيّلتها عند الاستعاذة ، ( ليخلصها الله منه ~~، لما تعلم أن ذلك مما لا يجوز ، فحصل لها حضور تامّ) صورة ومعنى ( مع الله ) وذلك ~~الحضور ( هو الروح المعنويّ ) لعيسى . # "" أضاف المحقق : قال القيصري : « فحصّل لها حضورا تامّا » من التحصيل ، أي حصّل ~~جبرئيل لمريم عليهما السلام الحضور التام . "" # ومن هنا يقال له : "روح الله " فاللام لام العهد . # ( فلو نفخ فيها ) جبرئيل ( في ذلك الوقت ) - يعني عند حضورها - ( على هذه الحالة ~~) - وهي حالة توحّشها وانقباضها من الصورة البشريّة - ( لخرج عيسى لا يطيقه أحد ، ~~لشكاسة خلقه ) - أي لصعوبة خلقه وعبوسه - ( لحال امّه ) وسرايتها في الولد - لما ~~مهّد آنفا من ترتّب الصورة الكماليّة الفصليّة على المادّة الاميّة الجنسيّة . # ( فلمّا " قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ " جئت " لأَهَبَ لَكِ غُلاماً ~~زَكِيًّا " [ 19 / 19 ] انبسطت عن ذلك القبض ) برفعه حجب الوحشة ، وبسطه معها بساط ~~التكلَّم والخطاب ، بما ينبئ عن رقيقة نسبته إليها ، مبشّرا إيّاها بأنّه مرسل ~~إليها من عند ربّها . # ( وانشرح صدرها ) ببشارة مثل ذلك الغلام ، لأنّها قد بشّرت قبل هذا به . # إشارة إلى قوله تعالى : " إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّه َ ~~يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْه ُ اسْمُه ُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ~~وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ " [ 3 / 45 ] # فلمّا رأت الآثار متطابقة انشرحت بذلك ( فنفخ فيها في ذلك الحين عيسى ) . # إذ قد كان جبرئيل رسولا مبلَّغ ما يظهر به الروح المعنوي الحاصل من حضورها مع ~~الله ( فكان جبرئيل ناقلا كلمة الله لمريم . كما ينقل الرسول كلام الله لامّته ) ~~والكلام هو الذي يظهر به الروح المعنويّ الحاصل من حضور كل من الأمم مع الله - فلا ~~تغفل . # وفي لفظة « عي سا » ما يلوّح على تحقيق هذا المعنى عند التفصيل والتمييز . # "" أضاف المحقق : لعل الشارح يعني أن « عي » صيغة خاطب من « وعي ، يعي » والسين ~~والألف « سا » قلب الإنسان ولبه وروحه ، ومنزلة روح اللَّه من مريم منزلة روحها ~~الذي حيّيت به والشارح يشير إلى وجود حروف الإنسان في « عي سا » "" # ثمّ أنه علم من هذا الكلام أن عيسى - من حيث صورته الوجوديّة المعبّر عن ظاهرها ~~بالكلمة ، وعن باطنها بالروح - من الله ، وجبرئيل من حيث صورته الوجوديّة ناقل له ~~فقط . # ( و ) الذي يدلّ عليه ( هو قوله : " وَكَلِمَتُه ُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ ~~وَرُوحٌ مِنْه ُ " [ 4 / 171 ] . # خلق عيسى من ماء محقق وماء متوهّم # ثمّ إنّ النفخ الجبرئيلي له حيثيّتان : # إحداهم جهة حمله كلمة الله ونقله إيّاها إلى مريم ، وهي الصادرة عنه من حيث صورته ~~الوجوديّة الملكيّة . # والأخرى جهة بخاريّته وسراية رطوبته منها في مريم ، وهي الصادرة عنه من حيث صورته ~~الكونيّة . # وهذه الجهة هي المشار إليها في نظمه المصدّر به الفصّ وإليه أشار بقوله ( فسرت ~~الشهوة في مريم ) بذلك النفخ الحاصل من الصورة الاعتداليّة البشريّة تمثّلا عند ~~انبساطها ، ( فخلق جسم عيسى من ماء محقّق من مريم وماء متوهّم من جبرئيل ، سرى في ~~رطوبة ذلك النفخ ) سريان الشهوة في مريم بالنفخ فإنّ للوهم سلطانا في أمر الشهوة ~~وسائر ما به يعمل القوى الفعليّة في الإنسان . # وذلك لأنّ الوهم في المملكة الإنسانيّة بيده إطلاق ديوان التحريك وتحت أمره عمّال ~~قضايا الفعل والتأثير ، ولذلك ترى الوهم يؤثّر في الذائقة - عند تخيّل الحموضة أو ~~رؤيتها وتذكَّر ما يتبع ذوقها - مثل ما يتبعه في الوجود العينيّ . # ومن ثمّة كثيرا ما تتحرك به الشهوة ويستفرغ منه المني ، وذلك إنما يكون عند وجود ~~محلّ يقبل ذلك ، كحالة انبساط مريم عند رؤية الصورة البشريّة الاعتداليّة متوجّهة ~~إليها لأن يسرى فيها الشهوة ، وكحال النفخ في الجسم الحيوان ، لسريان الماء فيه . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( لأنّ النفخ من الجسم الحيوانيّ رطب ، لما فيه من ركن ~~الماء ، فتكوّن جسم عيسى من ماء متوهّم وماء محقّق ) . # فلئن قيل : إنما يكون الماء متوهّما إذا لم يكن له صورة في العين ، وحيث بيّن أن ~~النفخ من الجسم الرطب الحيوانيّ مشتمل على ركن الماء بالفعل كيف يكون متوهّما ؟ # قلنا : إنّ الماء وإن كان له وجود عينيّ وصورة مشخّصة في النفخ المذكور ، ولكن من ~~حيث أنّه يصلح لأن يكون مبدأ لتكوّن جسم إنسانيّ هو معنى جزئيّ إنما يدركه الوهم ، ~~بل الوهم هو الذي حصّل للماء المذكور ذلك المعنى - على ما لا يخفى . # فهذا الوهم من مريم ، لا من جبرئيل - كما توهّمه البعض بأنّه سلطان العناصر - ~~لأنّه لو كان كذلك جعل بسلطنته ذلك الماء محقّقا لا متوهّما ، كيف - ولا يطلق على ~~الملك التوهّم إلا بضرب من التمحّل . # "" أضاف المحقق : فيه إشارة إلى ما قاله الكاشاني : الماء المتوهم جاز أن يكون من ~~توهمها أن الولد لا يكون إلا من ماء الرجل ، فخلق الماء من النفخ بقوة وهمها وأن ~~يكون من جهة جبرئيل ، لأنه سلطان العناصر ،يقدر أن يجري من نفسه الرحماني روح الماء ~~في النفخ ، فيحصله ماء. "" # صورة عيسى عليه السّلام # (وخرج على صورة البشر من أجل امّه ، ومن أجل تمثّل جبرئيل في صورة البشر ، حتى لا ~~يقع التكوين في هذا النوع الإنساني إلا على الحكم المعتاد ) # وهو أن يكون من الأبوين ، من ذلك النوع ، وعلى صورته الطبيعيّة إذ لو لم يتمثّل ~~جبرئيل في صورة البشر لما كان التكوين على الحكم المعتاد ، وذلك لأن التكوين ~~والإيجاد هو الظهور من المكوّن بصورة الأثر ، فلا بدّ للفاعل من أن يتصوّر بصورة ما ~~أراد مفعوله عليها ، حتّى يتمّ التصوّر بصورته ، فلذلك تمثّل جبرئيل بصورة البشر ~~لأجل ذلك الحكم المعتاد والوجوب العادي. # ولذلك أيضا ورد : " إن الله تعالى يتجلَّى في الصورة الإنسانية عند تخميره طينة ~~آدم " . # ولا بدّ هاهنا من أن يكون مفعوله - وهو جسم عيسى - على الصورة المذكورة من ~~التشكَّل بالشكل المعهود من تلك الأفراد ، لئلَّا يتنفّر منه طباع المستكملين من ~~بني نوعه فيفوت الغاية المطلوبة من الإنباء والإرسال ، وذلك لأنّ تخالف الصور ~~بالشخص تقتضي التوحّش ، كما أنّ توافقها توجب المؤانسة . # رمز إحياء الموتى بيد عيسى عليه السّلام # ( فخرج عيسى يحيى الموتى لأنّه روح إلهي ) كما سبق بيانه من أنّ معنوية تلك ~~الكلمة وروحها إنّما كذا حصل من الحضور الذي حصل لمريم مع الله بجمعية منها تامّة ~~عند رؤيتها الصورة البشريّة الاعتداليّة في أيّام انتباذها من القوم مكانا شرقيّا ، ~~أعني أيّام نقائها من الحيض ، فإنّ فيها مزيد هيجان لشهوة النسوان ، وزمان وقوعها ~~في مكان يشرق فيها نيّر الإظهار والإشعار . # ثمّ إن أمر التوهّم والتحقّق - الذين في أصل خلقة الكلمة العيسويّة لهما دخل في ~~سائر أحكامها . ولذلك قال : ( وكان الإحياء لله ، والنفخ لعيسى ) في صورة إحياء ~~عيسى الموتى ( كما كان النفخ لجبرئيل والكلمة لله ) في صورة تكوين عيسى . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فكان إحياء عيسى للأموات إحياء محقّقا من حيث ما ظهر ~~عن نفخه ، كما ظهر هو عن صورة امّه ، وكان إحياؤه أيضا متوهّما أنّه منه ، وإنّما ~~كان لله ) وفي بعض النسخ: « وإنما كان من الله » وهو أظهر . # ( فجمع ) الإحياء المحقق والمتوهّم ( لحقيقته التي خلق عليها - كما قلنا : # إنّه مخلوق من ماء متوهّم ، وماء محقّق - نسب إليه الإحياء بطريق التحقيق من وجه ~~، وبطريق التوهّم من وجه ( . # وقد سرى هذان الوجهان في جملة أوضاعه وأحواله إلى أن سرى فيما انزل من القرآن ~~المجيد في قصّته عليه السّلام ( فقيل فيه من طريق التحقيق : "يحيي الموتى" وقيل فيه ~~من طريق التوهّم : « فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله » فالعامل في المجرور « يكون » ~~) # أي يكون طيرا بإذن الله أي كونه ووجوده بإذن الله على ما عليه الأمر في نفسه . # قال تعالى : " وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ ~~مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ~~فَأَنْفُخُ فِيه ِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّه ِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَه َ ~~وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّه ِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما ~~تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ ~~كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ ال عمران / 49 ] ." # تعلق الإذن بتكوّن الطائر أو بالنفخ ؟ # فيكون طائرا صورة ومعنى . لأن الأمر فيه حينئذ تنزّل على مدارجه المقدّرة من ~~المراتب الاستيداعية والاستقرارية ، والموجب لذلك الكون إذا الله ، لا نفخ عيسى ~~فنسبة تكوّنه إليه من طريق التوهّم . # هذا على تقدير أن يكون العامل في المجرور « يكون » ( لا « ينفخ » ) . # ( ويحتمل أن يكون العامل فيه « ينفخ » ) وحينئذ يكون الطائر من النافخ بإذن الله ~~، إذ الإذن في عرف التحقيق نفاذ الأمر . فإذا كان الطائر من النافخ بنفاذ أمر الله ~~فيه ، يكون من عيسى وهو روح الله . فيكون الأمر في تكوّن الطائر على هذا التقدير ~~على غير مدارجه المقدّرة ، لا استيداعية منها ولا استقرارية . بل على معارجه ~~الجعليّة ومرابطة المزاجيّة التوليديّة . # وأنت عرفت أن أمر التكوين والتوليد لا بدّ وأن يكون على الحكم المعتاد ، وهو أن ~~يكون تولَّد كل فرد من أبويه النوعي - كما عرفت في قضية تمثّل جبرئيل في صورة البشر ~~- فلا بدّ وأن يكون الاشتراك بتمام الحقيقة بين الوالدين وولده وبين المكوّن ~~والمتكوّن . # وإذ لم يكن الاشتراك هاهنا بين عيسى وما تكوّن من نفخه إلا في معنى الجسميّة ~~والإحساس - الذي هو حقيقة الحيوان - صرّح بذلك إفصاحا بما مهّد أولا ، وإشعارا بما ~~ينبئ عن الوجه المحقّق ثانيا في قوله : # ( فيكون طائرا من حيث صورته الجسميّة الحسيّة ) . # أمّا الأول فظاهر مما مرّ . وأما الثاني فلأن تكوّن الطير من حيث أنّه من عيسى ~~محقّق ، ضرورة أنه ترتّب على نفخه بإذن الله ، فهو منه على طريق التحقيق ، كما أن ~~إحياء الموتى على ما صرّح به من الحيثيّة المذكورة من عيسى على طريق التحقيق . # وإذا تقرّر هذا الموضع هكذا لدى المتفطَّن لا يخفى حينئذ عليه وهن ما قيل في ~~توجيهه من أنّه : طير من حيث الجسميّة والحسّ ، لا بالحقيقة ، فإنّه لا حقيقة له ~~وراء ذلك . فظهر أنّه الوجه المحقّق من الوجهين . # "" أضاف المحقق: القائل الكاشاني وقد اعترض عليه القيصري أيضا حيث قال: « وفيه ~~نظر لأن المخلوق الطير بالحقيقة لا صورة الطير ، وليس جعل الصورة مجردة عن روحه مما ~~يعدّ من المعجزات "" # لا يقال : الكون والإحياء المحقّق إنما هو من الله ؟ # لأنّا نقول : الكلام فيما نسب إلى عيسى : إنّ له وجهين تحقيقيّ وتوهّمي ، ( وكذلك ~~) جميع ما ينسب إليه من خوارق العادات له هذان الوجهان ، كقوله: ( " تُبْرِئُ ~~الأَكْمَه َ وَالأَبْرَصَ " [ 5 / 110 ] وجميع ما ينسب إليه وإلى إذن الله ) مما ~~يتعلَّق بالكون والوجود ( أو إذن الكناية ) وذلك فيما يتعلَّق بأحوال الوجود ~~وأحكامه ، كم ( في مثل قوله : "وَتُبْرِئُ الأَكْمَه َ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي " [ ~~5 / 110 ] و ) قوله : " فَأَنْفُخُ فِيه ِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله " [ 3 / ~~49 ] على طريقة اللفّ والنشر . # قال الشيخ رضي الله عنه : (وإذا تعلَّق المجرور " بـ " ينفخ فيكون النافخ مأذونا ~~له في النفخ ، ويكون الطائر عن النافخ بإذن الله . وإذا كان النافخ نافخا لا عن ~~الإذن ، فيكون التكوّن للطائر طائرا بإذن الله ، فيكون العامل عند ذلك « يكون » ، ~~فلو لا أنّ في الأمر توهّما ) # كما في الثاني ( وتحقّقا ) كما في الأول ( ما قبلت هذه الصورة هذين الوجهين ، بل ~~لها هذان الوجهان لأن النشأة العيسويّة تعطي ذلك). # ما ظهر من عيسى من جهة انتسابه إلى مريم ونفخ جبرئيل عليه السّلام # إنّ سائر ما يظهر من عيسى من جلائل الأحوال وكرائم الأخلاق كلَّها ، إمّا أن يكون ~~محقّقا من جهة مريم - من الأوصاف العبديّة الخلقيّة - وإمّا مقدّرا من جهة جبرئيل ~~وروحانيّته المعنويّة من الله من الأوصاف الإلهيّة ( و ) من ذلك أنه : # قال الشيخ رضي الله عنه : ( خرج عيسى من التواضع ، إلى أن شرع لامّته أن يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون ،وأنّ أحدهم إذا لطم في خدّه وضع الخدّ الآخر لمن لطمه ) # أي لا يكون في صدد الانتقام . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ولا يرتفع عليه ، ولا يطلب القصاص منه - هذا له من ~~جهة امّه ، إذ المرأة لها السفل ، فلها التواضع ، لأنها تحت الرجل حكما). # أي من حيث المرتبة والشرف ، ولذلك ترى نصيبه ضعف نصيبها في قوله : " لِلذَّكَرِ ~~مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ " [ 4 / 11 ] وشهادة اثنين منها بشهادة واحد منه ، ( ~~وحسّا ) أي من حيث الوجود واقتضاء أصل الطبيعة ، ووضع الجزية صورة التحتيّة ~~الحكميّة ، كما أنّ احتمال اللطم صورة التحتيّة الحسّية ، هذا ما له من جهة امّه . # وفيه تلويح أنّ الأوضاع المشروعة لامّته ما له من جهة امّه . # قال الشيخ رضي الله عنه : (وما كان فيه من قوّة الإحياء والإبراء فمن جهة نفخ ~~جبرئيل عليه السّلام في صورة البشر ) . وأنت عرفت أن من شأن الحكم الإلهي واقتضاء ~~الوجوب ظهور الأثر بصورة مؤثّره ، وتكوّن الولد على هيئة والده ، ولذلك لما أتى ~~جبرئيل عند النفخ بصورة البشر . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فكان عيسى يحيي الموتى بصورة البشر ، ولو لم يأت ~~جبرئيل بصورة البشر وأتى في صورة غيرها من صور الأكوان العنصريّة - من حيوان أو ~~نبات أو جماد - لكان عيسى لا يحيي الموتى إلا حين يتلبّس بتلك الصورة ويظهر فيها ، ~~ولو أتى جبرئيل بصورته النوريّة الخارجة عن العناصر والأركان ) لا الطبيعة . # ( إذ لا تخرج عن طبيعتها) - فإنّ الكل داخل تحت الطبيعة بما عرفت من قبل - ( لكان ~~عيسى لا يحيي الموتى إلَّا حين يظهر في تلك الصورة الطبيعية النوريّة ) التي عليها ~~الفاعل للإحياء - بناء على الأصل السابق . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( لا العنصريّة مع الصورة البشريّة من جهة امّه ) أي لا ~~يمكن له الإحياء في الصورة العنصريّة التي مع الصورة البشريّة من جهة امّه ، التي ~~هي طرف القابل ، فإنّه في القبول يتبعه . # ومن ثمّة ترى عيسى عند قبوله الأحكام المنزلة بالأوضاع المشروعة إنّما يقبل منها ~~ما يتعلَّق بالانقياد والإذعان كما سبق بيانه آنفا . # وأمّا في الفعل – مثل الإحياء وإظهار المعجزة - فلا يمكن له ذلك إلا بأن يتأسّى ~~الفاعل . # وفي بعض النسخ : « من الصورة البشريّة » وهو أظهر # . # وملخّص الكلام أنّه لو لم يكن الإحياء منه في صورته العنصريّة التي مع الصورة ~~البشريّة المستحصلة من امّه لوقعت الحيرة حينئذ . ( فكان يقال فيه عند إحيائه ~~الموتى : هو ) من حيث إحيائه الموتى ، ( لا هو ) من حيث أنّه عيسى . لتبائن ~~الصورتين حينئذ في مداركهم ( وتقع الحيرة في النظر ) الحسّي ( إليه ، كما وقعت في ~~العاقل عند النظر الفكري ، إذ رأى شخصا بشريّا من البشر يحيي الموتى ، وهو من ~~الخصائص الإلهيّة ) التي لا يمكن ذلك بنوع من الصناعات العمليّة والأعمال الطلسميّة ~~. # فإنّ غاية ما تكلَّموا عليها تهيّؤ مادّة قابلة وتركيب أركان معيّنة ، بمقادير ~~متّزنة بالميزان الذي عندهم ، حتى يفاض عليها نفس من العبد لا إحياء البدن الميّت ~~فإن ذلك مما لا كلام لهم ولغيرهم عليه أصلا ، سيّما إذا كان ( إحياء النطق ) - أي ~~إحياء ناطق من الحيوان - ( لا إحياء الحيوان ) فقط على ما هو المتبادر إلى الأذهان ~~من إحياء الموتى ، فإنّه ليس من الخصائص الإلهيّة في شيء . # "" # أضاف المحقق : # لعله إشارة إلى ما قاله الكاشاني : " يعني إحياء بالنطق والدعاء ، فكان يقول : قم ~~حيّا بإذن اللَّه أو : باسم اللَّه أو : باللَّه . # فيحيا ويجيبه فيما كلمه به ويقول : « لبّيك » إذا دعاه . لا إحياء الحيوان الذي ~~يمشي ويأكل ويبقى حيّا مدّة - على ما روي في قصّته أنّه أحيا سام بن نوح ، فشهد ~~بنبوته ، ثمّ رجع إلى حالته " . # "" # إذ عند ورود التعفينات وإيرادها على الجيف الموتى لا بدّ من حصول الحيوانات منها ~~وتولدها فيه . # ويمكن أن يحمل إحياء النطق على الإحياء بالكلام والخطاب أو الدعاء منه - كما قيل ~~إنّه ورد كذلك - لولا وقوعه في مقابلة قوله : « لا إحياء الحيوان » فاستشعار ذلك ~~منه على سبيل الإيماء وضرب من الإيهام والإشارة ، لا منطوق اللفظ وفحوى العبارة . # علميّة الاعتقاد بالإلهيّة في عيسى عليه السّلام # هذا إذا ثبت ورود ذلك ، وإلا فلا حاجة إليه ، فإن إحياء الموتى مطلقا من الخصائص ~~الإلهيّة ، ولذلك ( بقي الناظر حائرا ، إذ يرى الصورة ) بالصورة ( بشرا ، بالأثر ~~إلها ) فإنّها من الخصائص الإلهيّة ، كما تقرّر عند أهل النظر أنّ وجود الخاصّة ~~يستلزم وجود صاحبها ، فلا بدّ وأن يكون الناظر حائرا عند رؤيته ذلك . # ( فأدّى بعضهم فيه ) ذلك النظر ( إلى القول بالحلول ) لما هم عليه أبدا في أصل ~~ذوقهم ومشربهم من ثنويّة العلَّة والمعلول ، فإنّهم ما خلعوا قطَّ نعلي تعدّد ~~المتقابلين ، مع توجّههم وقصدهم على مطايا النيّات بلوغ طوى التنزيه المقدّس عن ~~التثنّي والتغاير . # ولذلك ذهبوا إلى القول بالحالّ والمحل ، ( وأنّه هو الله بما أحي الموتى ، ولذلك ~~نسبوا إلى الكفر - وهو الستر - لأنّهم ستروا الله الذي أحيا الموتى بصورة بشريّة ~~عيسى) ، فقال : "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ ~~مَرْيَمَ" [ 5 / 17 ]. # قال الشيخ رضي الله عنه : (فجمعوا بين الخطأ والكفر في تمام الكلام كلَّه ، لأنّه ~~) - أي الكفر المنصوص عليه في الآية - ( لا بقولهم : « هو الله » ) أي المسيح . # لأنّ مؤدّى قولهم أنّ المسيح من حيث هويّته الله - وفي عبارته هذه إشارة إليه - ~~ولا شكّ في صدقه ، ( ولا بقولهم : " ابْنُ مَرْيَمَ " ) فإنّ المسيح من حيث الصورة ~~ابن مريم بلا شكّ بل بالجمع بينهما ، فإنّهم به ستروا الله بصورة بشريّة عيسى . # ثمّ إنّه لما بيّن أنهم جمعوا بين الخطأ والكفر في قولهم هذا ، وقد بيّن وجه ~~كفرهم فيه ، شرع في تبيين خطأهم بقوله : ( فعدلوا بالتضمين ) - أي بسبب جعلهم الحقّ ~~في ضمن المسيح حالَّا فيه - ( من الله - من حيث أحيا الموتى إلى الصورة الناسوتيّة ~~البشريّة بقولهم : " ابْنُ مَرْيَمَ " فإنّك قد عرفت في مطلع الفصّ هذا أنّ محل ~~الروح عندهم يسمّى بالناسوت . # ( وهو ابن مريم بلا شكّ ) وإن ظهر من هذا أيضا كفرهم ، ولكن الغرض من هذا الكلام ~~تبيين خطأهم . # وذلك لأنّهم عبّروا عن تلك العقيدة بقوله : "إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ ~~مَرْيَمَ " بحمل هو هو . # وذلك إنما يقتضي الاتّحاد بين المحكوم عليه وبه ، لا تضمينه له ( فتخيّل السامع ) ~~من عبارتهم هذه ( أنّهم نسبوا الإلهيّة للصورة وجعلوها عين الصورة ) على ما هو ~~مؤدّى مثل ذلك الكلام . # أمّا نسبة الالوهيّة للصورة ، فبحمل المسيح بن مريم بهويّتها على الله بهو هو ، ~~وأما جعلها عين الصورة فبوصفهم المحمول ذلك بالابن ، فحيث يخيّل السامع من كلامهم ~~خلاف ما قصدوه من أصل عقيدتهم التي جبلوا عليها أوّلا. # ( وما فعلوا ) ذلك النسبة على وفق ما فهم السامع من كلامهم وطبق ما يخيّل من ~~معتقدهم ( بل جعلوا الهويّة الإلهيّة ابتداء في صورة بشريّة - هي ابن مريم - ~~ففصّلوا بين الصورة والحكم ). # وهو نسبة الإلهيّة - تفصيل الحالّ عن المحلّ ، ( لا أنّهم جعلوا الصورة عين الحكم ~~) على ما هو المفهوم من كلامهم ، والمقصود من خلقتهم ، وهو أنّ الصورة التشبيهيّة ~~عين الحكم المعنويّ التنزيهيّ . # وظاهر أنّ المراد بـ « الحكم » هاهنا هو نسبة الالوهيّة لا المحكوم عليه ، ولا ~~القول بالحلول . وب « الفصل » هو التفرقة ، لا إيراد ضمير الفصل ، فإنّه من ~~التعسّفات البعيدة التي لا يليق سلوكها بالمحصّلين ، فكيف بالمحقّقين ! # "" إضافة المحقق : تعريض للكاشاني حيث قال في شرح هذا المقطع: « حصروا الهوية ~~الإلهية ابتداء في صورة بشرية هي ابن مريم ، ففصّلوا بين الصورة المسيحية والحكم ~~عليها بالإلهية بـ « هو » - ضمير الفصل - فأفاد كلامهم الحصر لا أنهم جعلوا صورة ~~المسيح عين الحكم عليها بالإلهية . # والظاهر أن الشيخ استعمل « الحكم » بمعنى المحكوم عليه ، ليطابق تفسيره الآية ، ~~فإنّ اللَّه في الآية محكوم عليه ، والمسيح هو المحكوم به . # وقد يستعمل الحكم كثيرا بمعنى المحكوم به ، فلا حرج أن يستعمل بمعنى المحكوم عليه ~~للملابسة وأراد أنهم أرادوا حلول الحق في صورة عيسى ، وهم يقولون بالفصل ، أي ~~بالفرق وهو أن اللَّه في صورة عيسى . # فمعناه : حلّ الحقّ في عيسى بن مريم . فالحكم على هذا حلول اللَّه " . "" # وبـ « الخطأ » هو التعبير بما يخالف مقاصدهم ، بل ينافيه ، لا الحصر المستفاد من ~~الفصل فإنّه من الكفر لا الخطأ . # إذ حصر الحقّ في صورة بشريّة عيسى هو ستره المذكور المفسّر به الكفر فلا بدّ وأن ~~يكون الخطأ معنى وراء ذلك حتّى يصحّ أن يقال : إنّ كلامهم جامع لهما . # تنبيه كاشف لا بدّ من تذكره هاهنا : # الوحدة الإلهية لا تعاند الكثرة # اعلم أنّ الهويّة الإلهيّة - لانتفاء أحكام المتقابلات فيها - وحدتها ليست هي ~~الوحدة المعاندة للكثرة ، بل هي الشاملة لها ، المستجمعة معها ، فعبّر عنها هاهنا ~~بالحكم ، تنبيها على هذه النكتة ، وتنزّلا أيضا إلى مسلك النصارى في ذلك ، فإنّهم ~~جعلوا الالوهيّة موطن ثالث الثلاثة وقالوا فيها بالأقانيم المتكثّرة . # ثمّ إنّهم فصّلوا في المسيح بما كان عليه من إحياء الموتى ( كما كان جبرئيل في ~~صورة البشر - ولا نفخ - ثم نفخ . ففصّل بين الصورة والنفخ و ) الدليل على ذلك أنّه ~~( كان النفخ من الصورة ) بشهادة المشاهدة ، وبيّن أن تلك الصورة ما لزمها النفخ ، ( ~~فقد كانت ولا نفخ ) ، فعلم أنّه ليس من ذاتيّات تلك الصورة ولا من لوازمه ( فما هو ~~النفخ من حدّها الذاتي ) فإنّ الذي يدخل في الحدود لا أقلّ من أن يكون من لوازمها . # العقائد المختلفة حول عيسى عليه السّلام # ثمّ إنّه إذا استمرّ المراء بين أهل النظر في أمر عيسى اختلف آراؤهم فيه ، ( فوقع ~~الخلاف بين أهل الملل في عيسى ، ما هو ؟ فمن ناظر فيه من حيث صورته الإنسانيّة ~~البشريّة فيقول : « هو ابن مريم » ومن ناظر فيه من حيث الصورة الممثّلة البشريّة ) ~~بظهور أوصافها الروحيّة وملكاتها الكماليّة منها ، مما لا يمكن صدوره من الصور ~~الهيولانيّة الجسميّة. # ( فينسبه لجبرئيل ، ومن ناظر فيه من حيث ما ظهر عنه من إحياء الموتى فينسبه إلى ~~الله بالروحيّة ) ، وبيّن أن لكل شخص حسّي من الإنسان صورة هيولانيّة جسمانيّة هي ~~مبدأ النسبة إلى أمه ، فإنّها مقتضى أصل القابليّة الأولى ، ضرورة أنّها هي الآخر ~~،فلذلك وسمها بابن مريم. # وفي جمع بيّنات عدده معه ما يدلَّك على تولَّد الصورة منها . # وإذ كان ذلك هو موطن تمام الظهور والإظهار أشار في النسبة إليها بصريح القول ، ~~وصورة جسدانيّة هي مبدأ النسبة إلى أبيه ، فإنّ الخيال والوهم الذين هما جناحا ~~تأثيرها ورجلا تقوّمها ليس للفعل مبدأ غيرهما فلذلك نسبها إلى جبرئيل . # ثمّ إنّ الحاصل من الصورتين والنتيجة الكاشفة عن مؤدّى تينك المقدّمتين إنما هي ~~آثارها من الأفعال والأحوال الظاهرة من هيئة جمعيّتهما فهي إذن صورة جمعيّة الكل ، ~~فلذلك نسبها إلى الله بذلك الاعتبار. # الاعتبارات الثلاث في عيسى عليه السّلام # وإذ كان فيها أمر تمام الإظهار بالفعل ، صرّح فيه أيضا بالقول حيث قال : ( فنقول ~~: « روح الله » أي به ظهرت الحياة فيمن نفخ فيه ، فتارة يكون الحق فيه متوهّما - ~~اسم مفعول ) ، حيث يعتقد فيه مبدئيّة ظهور الحياة ، فإنّها معنى جزئيّ . # ( وتارة يكون الملك فيه متوهّما ) حيث يعتقد فيه ويعتبر مبدئيّة الأفعال ~~الروحانيّة والملكات الملكيّة ، ( وتارة تكون البشريّة الإنسانيّة فيه متوهّمة ) ~~حيث يعتبر منه ظهور الانفعالات البشريّة . # ( فيكون عند كل ناظر بحسب ما يغلب عليه ) في اعتقاده : ( فهو كلمة الله ) باعتبار ~~حصوله من نفخ جبرئيل ، ( وهو روح الله ) باعتبار مبدئيّته للإحياء ، ( وهو عبد الله ~~) باعتبار صورته البشريّة . ### || تمايز عيسى عليه السّلام عن غيره من بني نوعه # ( وليس ذلك ) الوجوه ( في الصورة الحسيّة لغيره ) من بني نوعه ( بل كلّ شخص منسوب ~~إلى أبيه الصوري ، لا إلى النافخ روحه في الصورة البشريّة ) ضرورة تخالفهما ~~وتباينهما ، حيث يكون الكثرة الكونيّة هو الغالب عليه ( فإن الله إذا سوّى الجسم ~~الإنسانيّ - كما قال : " فَإِذا سَوَّيْتُه ُ " نفخ فيه هو تعالى من روحه ، فنسب ~~الروح في كونه ) حيث قال : " وَنَفَخْتُ فِيه ِ " ( وعينه ) حيث أضاف إلى نفسه ~~بقوله : "من رُوحِي " [ 15 / 29 ] . # ( إليه تعالى ، وعيسى ليس كذلك ) لغلبة الوحدة الوجوبيّة عليه ، فليس لتلك ~~التفرقة عليه قهرمان ( فإنّه اندرجت تسوية جسمه وصورته البشريّة بالنفخ الروحي ) - ~~فإنّ جسمه من الماء المتوهّم من نفخ جبرئيل - ( وغيره - كما ذكرناه - لم يكن مثله ) ~~. # كلمة كن # ثمّ إنّه لما بيّن وجه اختصاص عيسى وامتيازه عن سائر الكلمات ، أخذ يكشف عن وجه ~~اشتراك الكلمات كلها ، لما تحقّق به عيسى ، وتحقيق سريان الوجوه الثلاثة المذكورة ~~وصور اختلاف الملل فيها ، تبيينا للمماثلة المنصوصة عليها بقوله تعالى : " إِنَّ ~~مَثَلَ عِيسى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ " [ال عمران : 59] # بقوله : ( فالموجودات كلها كلمات الله التي لا تنفد ، فإنّها عن : « كن » ) من ~~حيث أنّ ظهورها من مستجنّ الغيب إلى مراتب المخارج بانبساط النفس الرحماني المعبّر ~~عنه بـ « كن » فهي صور تنوعاته ( و " كُنْ " كلمة الله ، فهل تنسب الكلمة ) هذه ( ~~إليه تعالى بحسب ما هو عليه ، فلا تعلم ماهيّتها ) . # أي الكلمة ما هي : أمن مقولة القول ، أو نسبة خاصّة من اجتماع الأسماء ، أو غير ~~ذلك ؟ # ( أو ينزل هو تعالى إلى صورة من يقول : " كن" فيكون قول " كن " حقيقة لتلك الصورة ~~التي نزل إليها ، وظهر فيه ) . # واختلف العارفون في هذه الكلمة اختلاف الملل في الكلمة العيسويّة : ( فبعض ~~العارفين يذهب إلى الطرف الواحد ، وبعضهم إلى الطرف الآخر ، وبعضهم يحار في الأمر ~~ولا يدري و ) لكن ( هذه مسألة ) - يعني مسألة تصوّر الوجهين هذه وتنزّل الحقّ إلى ~~صورة القائل - لبعده عن المدارك العقليّة . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( لا يمكن أن تعرف إلا بذوق كأبي يزيد حين نفخ في ~~النملة التي قتلها فحييت ، فعلم عند ذلك بمن ينفخ ، فنفخ ، فكان عيسويّ المشهد ) ~~فعلم أنّ الإحياء ليس مختصّا بعيسى هذا في الإحياء الصوريّ بالكون العرضي المفارق . # الإحياء المعنوي # ( وأما الإحياء المعنويّ بالعلم ) الذي هو أتمّ أصناف نوعه ، أعني إحياء النفوس ~~البشرية المستهلكة في ظلمات القوى الطبيعية بإشراب ماء حياة العلم باللَّه من العين ~~الخاصّ الختميّ ومشرب ذوقه الكماليّ ، الذي هو أتمّ أنواع الحياة وأشرفها - فإنّ ~~هذه الحياة أعني إحياء الأجسام بالنفخ هي الحياة الكونيّة العرضيّة السفليّة ~~الظلمانيّة . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فتلك الحياة الإلهيّة الذاتيّة العليّة النوريّة التي ~~قال الله فيها : " أَوَمن كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناه ُ وَجَعَلْنا لَه ُ نُوراً ~~يَمْشِي به في النَّاسِ " ) [6 : 122] # (فكلّ من أحيا نفسا ميتة بحياة علميّة في مسألة خاصّة متعلَّقة بالعلم باللَّه ، ~~فقد أحياه بها ، وكانت له نورا يمشى به في الناس . أي بين أشكاله في الصورة ) . # من بني نوعه ،فإنّ المشاكلة والمماثلة إنما تستدعي التورّط فيما هم عليه من ~~الضلالة في ظلمات العادات وغياهب الاعتقادات ، فالإنسان في تلك الورطات إذا ممّا لا ~~مندوحة له عمّا يهتدي به من الأنوار الكاشفة عن الطريق فلذلك صرّح في النص التنزيلي ~~به . # ثمّ إنّه لما انساق الكلام إلى هذه الجمعيّة الختميّة ، حرّكه بواعث الشوق ~~والانبساط إلى التنقّل من منثورات الحقائق نحو منظومات اللطائف ، بما ينبئ عن كمال ~~ذوق هذه الورثة الختميّة ، وعلوّ قدرهم في فنون المعارف بقوله : # ( فلولاه ولولان %~% لما كان الذي كانا ) # يمكن أن يجعل كناية « لولانا » عبارة عن الذين أحياهم الشرب من المشرب الختميّ ، ~~وعين الحياة الحقيقيّة ويمكن أن يجعل لمطلق الإنسان ، وعلى الأول يكون قول : # ( وإنا أعبد حق %~% وإنّ الله مولانا ) # (وإنّا أعبد حقّا) تعريضا بما حكى عن عيسى " إني عبد الله " أي نحن العبيد ~~الحقيقي لله . # ( وإنّ الله مولانا ) نحن وعلى الثاني معناه أنّ العبوديّة والالوهيّة ~~الحقيقيّتين بالإنسان وقوله # (وإنّا عينه فاعلم %~% إذا ما قلت إنسانا) # (وإنّا عينه ) أيضا يحتمل الوجهين : فعلى الأوّل ضميره عائد إلى الحقّ . وعلى ~~الثاني عائد إلى « الذي كانا » وهو عبارة عن الإنسان ، أي الإنسان عين الحقّ ، أو ~~المحمّديّون هم العيون في هذا النوع ، إذ لكلّ امّة من الأمم منزلة قوّة منه ، فهم ~~الذين يدركون أنفسهم بهم ، وذلك مخصوص بالعين بين المشاعر ( فاعلم ) ذلك( إذا ما ~~قلت إنسانا )أي إنّه إنسان عين الحق ، أو الوجود . # (فلا تحجب بإنسان %~% فقد أعطاك برهانا) # ( فلا تحجب بإنسان ) ( فقد أعطاك ) بالعين ( برهانا ) تطلع به على جميع الحقائق - ~~إلهيّة وكيانيّة - وتحيط منه بالكل إحاطة إنسان العين بالشخص. # ( فكن حقا وكن خلقا %~% تكن بالله رحمانا ) # ( فكن حقّا وكن خلقا )بتلك الإحاطة الوجوديّة والشعوريّة ( تكن بالله ) وتأييده ( ~~رحمانا ) أي مبدأ فيضان الرحمة من المعارف المحيية للنفوس الهالكة . # (وغذ خلقه منه %~% تكن روحا وريحانا) # ( وغذّ خلقه منه ) أي من الله ( تكن روحا ) لروحك ( وريحانا ) للمستنشقين منك ~~روائح الحياة الأبديّة . # ثمّ لما بيّن أمر الجمع والإجمال بما لا مزيد عليه محرّضا للطالبين والواجدين أن ~~يطعموا الخلائق من تلك الأغذية الإجماليّة ، فإنها اسّ العلوم الذوقيّة والمعارف ~~الوجدانيّة ، أشار إلى مبدأ التفرقة الكونيّة من تلك الجمعيّة المشار إليها بحيث ~~يفضي إلى ما هو المقصد هاهنا بقوله: # (فأعطيناه ما يبدو %~% به فينا وأعطان) # ( فأعطيناه ) عطفا على قوله : « فلا يحجب » أي نحن في ذلك التعيّن العيني أعطيناه ~~( ما يبدوا ) ( به فينا ) من الصور والقوالب المشتملة عليها القوابل ، ( فأعطانا ) ~~الظهور بها وهذه النسبة منشأ التفرقة . # ( فصار الأمر مقسوم %~% بإيّاه وإيّانا) # ( بإيّاه وإيّانا ) ثمّ إنّ الظهور والوجود وأحكامه من العلم والحياة لما كان هو ~~سهم الحقّ في هذه القسمة : # (فأحياه الذي يدري %~% بقلبي حين أحيان) # ( فأحياه الذي يدري ) ( بقلبي )حياة علميّة هي أشرف أنواعها كما سبق . # فلئن قيل : إنما يصحّ ذلك لو لم تكن تلك الحياة له أزلا ، فإنّه على تقدير أزليّة ~~حياته وعلمه لا يتصوّر إحياؤه بوجه . # قلنا : إنّ العلوم والمعارف لله قسمان - على ما صرّح به الشيخ في أكثر تصانيفه - ~~: منها ما يكون قديما أزليّا لازما لذاته تعالى ، ومنها ما يكون حادثا متجدّدا ~~بتجدّد الكاملين من أشخاص الإنسان . # ووجود القسم الثاني هو الغاية لإيجاد الخلق . وفي قوله : « الذي يدري بقلبي » ~~إشعار بخصوصيّة القسم الأخير . # فعلم أنّ الذي يعلم ويدرى بالقلب إحياؤه تعالى في هذا المظهر والنشأة ( حين ~~أحيانا ) ثمّ لما بيّن نصيب الحق وسهمه في تلك القسمة أشار إلى نصيب العبد ، منها ~~بقوله : # (فكنا فيه أكوان %~% وأعيانا وأزمانا) # ( فكنّا فيه أكوانا ) متحوّلة ( وأعيان ) ثابتة ( وأزمانا ) بها نتحوّل ونثبت ، ~~فإنّ الأمور الكونيّة منحصرة في هذه الأقسام . # وفيه إشارة إلى قرب الفرائض ، فإنّ العبد بجميع جوارحه وقواه في هذه الحضرة ~~متجدّدة معها بالفعل ، فلا تتوهّم من : « كنّا » أنّ ذلك كان في الأزل ، كما توهّمه ~~البعض فإن « كان » في أمثال هذه المواضع يفيد استمرار الأزمنة . # كما قال الشيخ - فيما ألحق بقوله « كان الله ولم يكن معه شيء » يعني : « والآن ~~كما كان » : إنّه لا حاجة إلى ذلك لدلالة " كان " عليه . اللهم إلَّا للإفصاح ودفع ~~الاحتمال . # وبيّن أن كون العبد آلة للحق وتبعا له في الوجود والشعور كما هو قرب الفرائض أمر ~~ذاتيّ للعبد ، فهو من الضروريّات التي لا يحتاج فيها إلى تعيين وقت وحين ، دون عكسه ~~، وهو كون الحقّ آلة للعبد ، وهو المعبّر عنه عندهم بقرب النوافل ، فإنّه أمر عرضي ~~إنما يتحقّق في بعض الأحيان ولذلك أشار إلى ذلك في صورة حينيّة بقوله : # ( وليس بدائم فين %~% ولكن ذاك أحيان ) # ( وليس بدائم فين ولكن ذاك أحيانا )فهو إشارة إلى قرب النوافل ، لا إلى قرب ~~الفرائض ، كما توهّمه البعض فإنّ كون الحقّ في العبد هو بأن يكون سمعه وبصره على ما ~~لا يخفى ، فهو صريح في ذلك القرب . # كيف يصدر المادي من الروحاني # ثمّ إنّه إذ قد ذكر ما استغربه العقول المحجوبة بالحجج النظريّة من أمر امتزاج ~~النفخ الروحاني مع الصورة البشريّة العيسويّة ، وتركَّب مادّتها الجسمانيّة منهما ، ~~أخذ يحقّق ذلك بإثبات القاعدة الكليّة المقنّنة الذوقيّة ، وانطباق أصول الحكم ~~المتقنة الكشفيّة على ذلك . # بقوله رضي الله عنه : ( وممّا يدلّ على ما ذكرناه في أمر النفخ الروحاني مع صورة ~~البشر العنصريّ هو أنّ الحقّ وصف نفسه بالنفس الرحماني ، ولا بدّ لكل موصوف بصفة أن ~~يتبع الصفة جميع ما تستلزمه تلك الصفة ) # من الترويح باستخراج أبخرة جسمانيّة صالحة لأن يتصوّر بصور الحروف والكلمات ~~الحائزة سائر المراتب الوجوديّة - جسمانيّة كانت أو روحانيّة إلهيّة أو كيانيّة - ~~ويعبّر بذلك عما انطوى عليه باطنه مما يقتضي الإظهار ، فيستريح به من تعب طلبه وما ~~يلزمه من همّة وكربة وإليه أشار بقوله رضي الله عنه : # ( وقد عرفت أنّ النفس في المتنفّس ما يستلزمه ، فلذلك قبل النفس الإلهي صور ~~العالم ، فهو لها كالجوهر الهيولاني ) الذي إنما يتقوّم في الخارج ، ويظهر فيه بتلك ~~الصور ، تقوّم النفس وتصوّره في الخارج بصور الحروف . # الطبيعة وإطلاقاته # ( وليس ) ذلك الجوهر الهيولاني ( إلَّا عين الطبيعة ) وإذا كان الكلّ عين الطبيعة ~~فلا يبعد أن يكون النفخ من الروحانيات مادّة للصورة البشريّة العنصريّة . # لا يقال : إنّما تنحسم بهذا مادّة الاستبعاد لو لم تكن الطبيعة حقائق مختلفة ؟ # لأنّه قد ظهر بما بيّن في أمر النفس أنّه في العنصريّة والروحانيّة هي الطبيعة ~~بما هي طبيعة ، وهذا يوافق إطلاق قدماء الحكماء - على ما حكى عنهم جابر رضي الله ~~عنه : - « أنّهم في عرفهم العامّ كما يطلقون الطبيعة على مبدأ الحركة والسكون لما ~~هي فيه بالذات ، فقد يطلقونها في الخاصّ من عرفهم على معان آخر : منها الطريق إلى ~~الكون ، ومنها ذات الشيء » . # ولا يخفى أن هذا العرف منهم لا يخالف ما أطلق عليه الشيخ بالعموم والخصوص ، بل ~~يساويه مفهوما وذات . # وما قيل هاهنا : « إنّها هي التي لا يكون أفعالها إلا على وتيرة واحدة ، سواء كان ~~مع الشعور أو لا معه » ، فهو مما لا يناسب هذا الكلام أصلا ، فإنّه يقتضي أن يكون ~~سائر المركبات - من الماديات - خارجة عن حيطة الطبيعة ، فإنّ للمركَّب من حيث أنّه ~~مركَّب أفعالا متنوّعة على أنحاء شتّى . # وأيضا يلزم أن يكون الملأ الأعلى - على ما ذهبوا إليه - خارجة عنها ، إذ منها ما ~~انزل فيه أنّه " شَدِيدُ الْقُوى " [ 53 / 5 ] وسيشير إليه الشيخ بإثبات الاختصام ~~لهم . # مادّة تكوّن الأرواح والعناصر # فإذا كان الكلّ طبيعيّة ( فالعناصر صورة من صور الطبيعة وما فوق العناصر وما ~~تولَّد عنها ، فهو أيضا من صور الطبيعة ، وهي الأرواح العلويّة التي فوق السماوات ~~السبع ، وأما أرواح السماوات وأعيانها فهي عنصريّة ، فإنّها من دخان العناصر ~~المتولَّد عنها ) # تولَّد لطيف الأجزاء الدخانيّة من كثيف الأجزاء الناريّة ، فإنّ ألطف أجزاء النار ~~هي التي يعلوها في صورة الدخان ، وفي الدخان أيضا أجزاء لطيفة وكثيفة ، فاللطيف ~~منها يتولَّد منه أرواح السماوات وإليه أشار بقوله رضي الله عنه : # ( وما تكوّن عن كلّ سماء من الملائكة فهو منها ، فهم عنصريّون ومن فوقهم ) من ~~العقول المجرّدة المسمّاة بلسان الشريعة ب « الملإ الأعلى » طبيعيّون ، فلهذا وصفهم ~~الله بالاختصام - أعني الملأ الأعلى - لأنّ الطبيعة متقابلة ، والتقابل الذي في ~~الأسماء الإلهيّة التي هي النسب إنّما أعطاه النفس ) # مبدأ التقابل في العالم # فعلم من هذا أنّ التقابل وما يستتبعه من الاختصام إنّما هو أول وبالذات من النفس ~~، وثانيا وبالعرض من الأسماء ، فلا تعلَّل اختصام الملإ الأعلى بتقابل الأسماء ، ~~فإنّ النفس هو مبدأ التقابل وأصله . ### || ( ألا ترى الذات الخارجة عن هذا الحكم كيف جاء فيها الغنى عن العالمين ؟ ) # وهو مما يسقط نسبة العالم عنها مطلقا ، ( فلهذا ) أي لأنّ الذات لها الغنى ( خرج ~~العالم على صورة من أوجدهم ) فإنّها مستغنية عن نسبة الإيجاد ( وليس ) الموجد ( إلا ~~النفس الإلهي ) فعلم من هذا الفرق بين نفس الحقّ المتّصفة بالنفس وبين ذاته . # وكأنّك قد نبّهت في المقدّمة أنّ من الجلالة ما يلوّح عليهما تلويحا بيّنا فلا ~~نعيده . # وليس في الوجود بمراتبه ظاهرا وباطنا إلا النفس الإلهي ( فبما فيه من الحرارة علا ~~، وبما فيه من الرطوبة سفل ، وبما فيه من اليبوسة ثبت ولم يتزلزل ، فالرسوب ) في ~~العالم الكبير ( للبرودة والرطوبة ) كذلك فيما يماثله من أفراد الإنسان . # ( ألا ترى الطبيب إذا أراد سقى دواء لأحد ينظر في قارورة مائه ، فإذا رآه رسب علم ~~أنّ النضج ) وهي استعداد أخلاط المزاج وتهيّؤ موادّه للصلاح بما يقبل تصرّف الطبيب ~~فيه ( قد كمل ، فيسقيه الدواء ليسرع في النجح ) فإنّه بدون النضج التامّ لا يتوقّع ~~ذلك . # ( وإنّما يرسب لرطوبته وبرودته الطبيعيّة ) فهما المقتضيان لكمال النضج المنجح ، ~~والمزاج الحاصل منهما هو المسمى بالطين . # خلق الإنسان بيديه تعالى # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ثمّ إنّ هذا الشخص الإنساني عجن طينته بيديه ، وهما ~~متقابلان) ممّا يظهر منه الآثار المتقابلة : كالخير والشرّ ، واللطف والقهر ، ~~والرحمة والغضب ( وإن كانت كلتا يديه يمينا ) في مصدريّة الرحمة واللطف كما قال في ~~غير هذا الموضع أنّ وجود الغضب والقهر لرحمته عليهما . # وإليه أشار بقوله : " سبقت رحمتي غضبي " ( فلا خفاء بما بينهما من الفرقان ) فإن ~~ذلك لا ينفي الفرقان والثنويّة ، فلا بدّ من التكثّر ( ولو لم يكن إلا كونهما اثنين ~~، أعني يدين ) وإنما لزم ذلك ( لأنه لا يؤثّر في الطبيعة ) بعجن الطينة المشتملة ~~على المتقابلين ( إلا بما يناسبها ، وهي متقابلة فجاء باليدين) . # ( ولمّا أوجده باليدين سمّاه بشرا ، للمباشرة اللائقة بذلك الجناب ) فإنّ ~~المباشرة حقيقة هي الإفضاء بالبشرتين . والبشرة : ظاهر الجلد . # وذلك المباشرة إنما تكون ( باليدين المضافتين إليه ) تعالى . أعني مبدأ التأثير ~~من حيث التعدّد والتكثّر ، الذي هو طرف ظاهريّة الحق وبشرة مباشرته . # ( وجعل ذلك من عنايته لهذا النوع الإنساني ) فلذلك أمر ذوي العقول الشريفة ~~بسجودهم له ( فقال لمن أبى عن السجود له : " ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما ~~خَلَقْتُ بِيَدَيَّ"[ 38 / 75 ] . # "يوميئ" موميا فيه أن سبب استيهلاله لسجود الكل إنما هو مخلوقيته باليدين ( " ~~أَسْتَكْبَرْتَ " على من هو مثلك عني عنصري " أَمْ كُنْتَ من الْعالِينَ " عن ~~العنصر ، ولست كذلك ، ويعني بالعالين من عل بذاته عن أن يكون في نشأته النوريّة ~~عنصريّا ، وإن كان طبيعيّا ) . # فضل الإنسان على سائر المخلوقات # (فما فضل الإنسان غيره من الأنواع العنصريّة إلا بكونه بشرا من طين ) فإنّه مزاج ~~كمال النضج المنجح كما سبق تحقيقه . # ( فهو أفضل نوع من كلّ ما خلق من العناصر من غير مباشرة ) وأنت عرفت معنى ~~المباشرة من ملامسة ظاهر الجلد وملاقاته ، وقد سبق لك أنّ الإنسان بسمعه وبصره عند ~~أحد القربين يتحقّق فيه ملاقاة الظاهرين ، كما لا يخفى - دون غيره من الأنواع ، ~~علويّة شريفة كانت أو سفليّة خسيسة ( فالإنسان في الرتبة فوق الملائكة الأرضيّة ~~والسماويّة ) . # ( والملائكة العالون ) - أي الذين ظهروا في الوجود قبل ظهور عوالم الإمكان كما ~~أفصح عنه النظم الذي هو مطلع كتاب عقلة المستوفز ، وهو : # الحمد لله الذي بوجوده %~% ظهر الوجود وعالم الهيمان # والعنصر الأعلى الذي بوجوده %~% ظهرت ذوات عوالم الإمكان # - فهم ( خير من هذا النوع الإنساني بالنصّ الإلهي ) كما علم من قوله: "أَمْ ~~كُنْتَ من الْعالِينَ" . # وذكر الشيخ في فتوحاته المكيّة: # « إنّي رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فسألت أنّ الإنسان أفضل أم ~~الملائكة ؟ فقال عليه السّلام : أما علمت بأن الله يقول : " من ذكرني في نفسه ذكرته ~~في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه " . # ففرحت بذلك » . فالملأ الذي خير منه هم العالون . # "" أضاف الجامع : قال الشيخ رضي الله عنه قى الفتوحات الباب الثالث والسبعون في ~~إجابة السؤال التاسع والعشرون على الحكيم الترمذي : # " وأما المسألة الطفولية التي بين الناس واختلافهم في فضل الملائكة على البشر # فإني سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الواقعة # فقال لي إن الملائكة أفضل # فقلت له يا رسول الله فإن سألت ما الدليل على ذلك فما أقول؟ # فأشار إلى أن قد علمتم أني أفضل الناس وقد صح عندكم وثبت وهو صحيح إني قلت عن ~~الله تعالى أنه قال : "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ~~ملأ خير منهم ". # وكم ذاكر لله تعالى ذكره في ملأ أنا فيهم فذكره الله في ملأ خير من ذلك الملإ ~~الذي أنا فيهم . # فما سررت بشيء سروري بهذه المسألة # فإنه كان على قلبي منها كثير وإن تدبرت قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي يُصَلِّي ~~عَلَيْكُمْ ومَلائِكَتُهُ" # لا مفاضلة ولا أفضل من جهة الحقائق :- # وهذا كله بلسان التفصيل وأما جهة الحقائق فلا مفاضلة ولا أفضل لارتباط الأشخاص ~~بالمراتب وارتباط المراتب بالأسماء الإلهية . # وإن كان لها الابتهاج بذاتها وكمالها فابتهاجها بظهور آثارها في أعيان المظاهر ~~أتم ابتهاجا لظهور سلطانه # كما تعطي الإشارة في قول القائل المترجم عنها حيث نطق بلسانها من كناية نحن ~~المنزل عن الله في كلامه وهي كناية تقتضي الكثرة # نحن في مجلس السرور ولكن %~% ليس إلا بكم يتم السرور # فمجلس السرور لها حضرة الذات وتمام السرور لها ما تعطيه حقائقها في المظاهر وهو ~~قوله بكم وذلك لكمال الوجود والمعرفة لا لكمال الذات إن عقلت أه "" # وينبغي أن يعلم أنّ الخيريّة هاهنا هو غلبة أحكام الوجود - أعني الوجوب وما يتبعه ~~- وذلك هو الشرف والقرب بالمبدأ ، دون الكمال الذي هو جمعيّة الوجوه ، إمكانيّة ~~كانت أو وجوبيّة فعلم أن الخيريّة هاهنا ليست بحسب عموم الأفراد فقط ، وأنّه لا ~~تدافع بين خيريّة بعض الملإ الأعلى لإنسان ، وبين ما له عندهم من الكمال الجمعيّ ~~الإحاطيّ ، الذي به استحقّ خلافة الحقّ . # ثمّ إذا عرفت أنّ العالم على صورة من أوجده - أعني العالم - وهو المعبّر عنه ~~بالنفس الرحماني - كما ثبت آنفا . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فمن أراد أن يعرف النفس الإلهي فليعرف العالم ، فإنّه ~~« من عرف نفسه عرف ربه » الذي ظهر فيه ) أي في ربّه ، فإنّ العالم ظاهر والربّ ~~مظهره . # ( أي العالم ظهر في النفس الرحماني الذي نفّس الله به عن الأسماء الإلهيّة ما ~~تجده ) من الكرب ( من عدم ظهور آثارها ) بظهور أثرها ، ( فامتنّ على نفسه بما أوجده ~~في نفسه ، فأوّل أثر كان للنفس إنّما كان في ذلك الجناب ) بظهور آثار الأسماء ~~الإلهيّة بأعيانها الثابتة # (ثمّ لم يزل الأمر يتنزّل بتنفيس الغموم إلى آخر ما وجد ) وهو الإنسان بمراتبه من ~~مدارج الإيقان ثم أخذ في تفصيله نظما بقوله : # ( الكلّ في عين النفس %~% كالضوء في ذات الغلس ) # أي ظهور حروف الحقائق الكيانيّة في عين النفس الرحماني كظهور الضوء في مطلع ~~تباشير إصباح الإظهار عند انغمار أشعّة الأضواء المظهرة للأكوان العدميّة المتكثّرة ~~في ظلمة الوحدة الإطلاقيّة الذاتيّة ، فإن « الغلس » هو ظلمة آخر الليل ، وهذا أوّل ~~نهار الإظهار . # كما أنّ العلم بالبرهان في آخر نهاره ، وذلك لأنّه إنّما يتحقّق في اللطيفة ~~الإنسانيّة التي هي آخر أجزاء ذلك النهار ، ونهاية مراتب ظهوره عند إعراضها عن هذه ~~التماثيل الموهمة ومشاعرها المشوّشة ، ذاهلا عن الموادّ الهيولانيّة ، ناعسا عن ~~قواها فإنّ النفس الإنسانيّة حينئذ لا بدّ وأن ترى عند توجّهها إلى مبدئها الفيّاض ~~بالذّات رؤيا تدلّ على ذلك النفس الجامع للكلّ ، وهي المرتبة المسمّاة عندهم بالعقل ~~المستفاد . وإليه أشار بقوله : # ( والعلم بالبرهان في %~% سلخ النهار لمن نعس ) # ( فيرى الذي قد قلته %~% رؤيا تدلّ على النفس ) # فعلم أنّ البرهان من امّهات صور النفس الرحماني ، فإنّه عليه يترتّب الإيقان ~~المنفّس له عن هموم الظنون والشكوك والجهالات المضلَّة كما قال . # ( فيريحه من كل غمّ %~% في تلاوته عبس ) # وذلك لأنّ من توجّه تلقاء حضرة الجواد لا يمكن أن يخيب منه الآمال ، ومن استوهب ~~المواهب من الوهّاب بالذات لا بدّ وأن يرجع مقضيّ الحوائج على كلّ حال أما رأيت ~~موسى عليه السّلام لما جدّ في طلب القبس قد ظهر له في صورة مطلوبه الناري معاينا له ~~، مع أنّه نور لملوك نهار الكشف وعسس ليالي البرهان وغياهب الحجاب كما أشار إليه ~~بقوله : # ( ولقد تجلَّى للذي %~% قد جاء في طلب القبس ) # ( فرآه نارا - وهو نور %~% في الملوك وفي العسس ) # وإذا فهمت هذه المقالة علمت أنّ الطالب لا بدّ له من إظهار الاحتياج والافتقار ، ~~متشمّرا أذيال التوجّه في مواقف الاستكانة والاضطرار ، فإنّه عليه السّلام لما ~~استجمع فيه شروط الطلب ، لو كان يطلب غير النار لرآه فيه ، وما خاب من سعيه وطلبه ~~كما قال : # ( وإذا فهمت مقالتي %~% تفهم بأنك مبتئس ) أي فقير # ( لو كان يطلب غير ذ %~% لرآه فيه وما نكس ) # ما حكاه القرآن من محاورة عيسى عليه السّلام في القيامة # ثمّ إنّه لما بيّن أن شخص الأب الأولى - المعبّر عنه بآدم - له الختم بحسب الوجود ~~من حيث استيعابه أحكام الكثرة الأسمائيّة ، وأحديّة الجمع الذاتيّة ، أخذ يبيّن أنّ ~~الكلمة العيسويّة لها تلك المرتبة بحسب الشهود ، قائل : ( وأما هذه الكلمة ~~العيسويّة ) تبيينا لقوله تعالى : " إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ ~~" [ 3 / 59 ] . # وذلك لأنّها ( لمّا قام لها الحقّ في مقام « حَتَّى نَعْلَمَ » و « يَعْلَمِ » ) ~~يعني مقام الاختبار المفيد للمختبر تجدّد العلم وحصول الحادث من نوعي العلم - على ~~ما نبّهت إليه آنفا . # مقتبسا من قوله تعالى : " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا ~~يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ " [ 3 / 142 ] ~~. # ومن قوله : " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ ~~وَالصَّابِرِينَ " [ 47 / 31 ] # فإنّ هذا المقام كما يفيد اختبار المخاطب يقتضي استخراج ما عليه كلمته ، من الحكم ~~الكاشفة عن الأمر نفسه ، تنبيها للطالبين من الحاضرين ، وتبيينا للمسترشدين من ~~الأمم الآتية ، طريق الحقّ. # وفي صيغة " حَتَّى نَعْلَمَ " وتكراره ما يدلّ على هذ . ### || (استفهمها عما نسب إليها : « هل هو حقّ أم لا » ؟ ### || مع علمه الأول بـ « هل وقع ذلك الأمر أم لا » ؟ # فقال : " أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ من دُونِ ~~الله " [ 5 / 116 ] # ولا بدّ في الأدب من الجواب للمستفهم ) تفصّيا عن اختباره وما يتبعه من إظهار ~~الأمر على ما عليه في نفسه . # وذلك ( لأنّه لما تجلَّى له في هذا المقام ) وهو مقام « حتى يعلم ونعلم » ( وهذه ~~الصورة ) يعني صورة اتّخاذه وامّه إلهين والسؤال عنه : ( اقتضت الحكمة الجواب في ~~التفرقة بعين الجمع ) الذي هو العبارة الكاشفة عن التوحيد الختمي ، جوابا للصورة ~~المسؤول عنها ، وأداء لما هو مقتضى المقام . # (فـ " قالَ " وقدّم التنزيه - : " سُبْحانَكَ " فحدّد بالكاف الذي يقتضي المواجهة ~~والخطاب ) اللذين إنّما يتحقّقان بالتشبيه ، فأتى بالقرآن الجامع في مطلع كلامه ، ~~ثمّ فصّله بقوله : # قال الشيخ رضي الله عنه : ( " ما يَكُونُ لِي " من حيث أنا لنفسي دونك " أَنْ ~~أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ " أي ما يقتضيه هويّتي ولا ذاتي ) ذلك القول ( " ~~إِنْ كُنْتُ قُلْتُه ُ فَقَدْ عَلِمْتَه ُ " لأنّك أنت القائل ، ومن قال أمرا فقد ~~علم ما قال ، وأنت اللسان الذي أتكلَّم به ) . # قرب النوافل والفرائض في مكالمة عيسى عليه السّلام # وبيّن أنّ في ظاهر كلامه هذا تدافع ، حيث نسب القول إلى الله والكلام إلى نفسه ، ~~فدفع ذلك التدافع بقوله : # قال الشيخ رضي الله عنه : ( كما أخبرنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن ربّه ~~في الخبر الإلهي فقال: « كنت لسانه الذي يتكلم به » فجعل هويّته عين لسان المتكلَّم ~~، ونسب الكلام إلى عبده ) . # فظهر أنّه لا تدافع بين أن يكون القائل أعني اللسان عين هويّة الحقّ . وبين أن ~~يكون الكلام للعبد ، كما ورد به الحديث القدسي . وعلم أنّ هذا كلَّه قرب النوافل . # وإذ كان مقامه يستوعب القربين ، أشار إلى ذلك بقوله : ( ثمّ تمّم العبد الصالح ) ~~- أي المتقرّب بالنوافل - ( الجواب ) عند مقاربته ومخاطبته بقرب الفرائض ، حيث يكون ~~الحقّ متكلَّما والعبد آلته ( بقوله : " تَعْلَمُ ما في " نَفْسِي " والمتكلَّم ~~الحق " وَلا أَعْلَمُ " ما فيها ) . # ثمّ لما استشعر أن يقال هاهنا : إذا كان المتكلَّم فيها هو الحقّ ، كيف يصدق منه ~~قوله : « لا أعلم ما فيها ؟ » . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فنفى العلم عن هويّة عيسى من حيث هويّته ، لا من حيث ~~أنّه قائل وذو أثر ) . # وإذ قد كان هذا القرب يستلزم الاتحاد الذاتي نبّه إليه بقوله : « ولا أعلم ما ~~فيها » - بإيراد الضمير وبإيراد الفصل على الاتّحاد الوصفي ، الدالّ على مبدأ القول ~~المسؤول عنه - واصله بقوله : ( " إِنَّكَ أَنْتَ " ) "عَلَّامُ الْغُيُوبِ " [ 5 / ~~116 ] # ( فجاء بالفصل والعماد تأكيدا للبيان واعتمادا عليه ، إذ لا يعلم الغيب إلَّا ~~الله ) . # ثمّ إنّه لما بيّن أنّه قد أتى في هذا الجواب بالتفرقة ، التي هو عين الجمع ، ~~أفصح عن ذلك بقوله : ( وفرّق وجمع ) - بالتنزيه والخطاب - ( ووحّد وكثّر ) من حيث ~~انتفاء القول عن نفسه وإثباته للسانه الذي هو الحقّ تعالى ( ووسّع وضيّق ) من إثبات ~~علم الحقّ بنفسه وسلبه عنها ، وبيّن أنه حينئذ قد أتى بالمتقابلين في صورة التثليث ~~. # وذلك هو تمام الكثرة كما لا يخفى على الواقف بأساليب علم العدد . فيكون هذا غاية ~~فيما اقتضت الحكمة من أصل الجواب بالتفرقة التي هي عين الجمع . # وإذ قد كان السؤال المذكور إنّما هو عن مصدريّته للقول المذكور وبلاغه إلى الناس ~~- وما سبق منه إنّما يفيد نفي استحقاقيّته من حيث هويّته لذلك القول وأن الذي ~~يستحقّ ذلك من هو ، ثمّ تمم بتحقيق مواطن ذلك المستحقّ وتبيين مبدأ القول المذكور - ~~أعني العلم - ولا دلالة له أصلا على قوله للناس وبلاغه لهم على ما هو مقتضى مقام ~~النبوة . # ومبتنى أصل السؤال - لا بد في الجواب من التعرّض لذلك وأنّ القول المنبّأ به ~~إليهم ما هو ، حتى يتمّ الجواب فلذلك قال : ( ثمّ قال متمّما للجواب : " ما قُلْتُ ~~لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي به " فنفى أولا مشيرا إلى أنّه ما هو ) عيسى ( ثمّ ) ~~- أي عند القول - ( ثمّ أوجب القول أدبا مع المستفهم ) لأنّه سأل عن القول وبيّن ~~أنّ عين العبد وإن كانت ممحوّة الوجود بالذات فينفى عنه الصفات الوجوديّة ضرورة . # ولكن باعتبار أنّه عبد مأمور لا يخلو عن الوجود ، فلا ينفى عنه الوجود وأوصافه من ~~جميع وجوهه ، بل بوجه ووجه ( ولو لم يفعل كذلك لا تصف بعدم علم الحقائق - حاشاه من ~~ذلك ) فإنّ صاحب علم الحقائق يعرف كل حقيقة بوجهها - وجه نفي - كما قال : " ما ~~قُلْتُ لَهُمْ " ووجه إثبات ( فقال : " إِلَّا ما أَمَرْتَنِي به " [ 5 / 117 ] ~~وأنت المتكلَّم على لساني ) - أي في قرب الفرائض - ( وأنت لساني ) يعني في قرب ~~النوافل . # ( فانظر إلى هذه التثنية الروحيّة الإلهيّة ) التي قد اشتملت عليها الكلمة ~~العيسويّة ، وكيفيّة سريانها في سائر أحوالها وأفعالها وأقوالها: # أوّل في أمر التحقّق والتوهّم اللذين في أصل خلقته . # "" أضاف المحقق : في شرح القيصري: « التنبئة » . وقال : « التنبئة تفعلة من نبأ . ~~وأكثر الناظرين فيه قرؤا « تثنية » من الثني . # وهو تصحيف منهم إذ هذه الحكمة نبوية ولا يحتاج التثنية - بالثاء - إلى الوصف ~~بالروحية والإلهية . # أي فانظر إلى هذا الإنباء الروحاني الإلهي ما ألطفها - أي عبارة - وما أدقها - أي ~~إشارة». "" # وثانيا في الآية التي نزلت في حكاية إحيائها الموتى واحتمالها للوجهين كما سبق ~~بيانه . # وثالثا في السؤال عنها : " أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي ~~إِلهَيْنِ " حيث ثنّى الخطاب والإلهيّة . وكذلك في الجواب حيث ثنّى ضمير المتكلم في ~~" كُنْتُ قُلْتُه ُ" وثنّى القول وثنّى العلم مرتين ، وثنّى ضمير الخطاب بـ " ~~إِنَّكَ أَنْتَ " . # وفي استيناف الجواب أيضا تثنية ، وكذلك اشتماله على النفي والإيجاب فيه تثنية . # اللطائف الذوقيّة في محاورة عيسى عليه السّلام # ثمّ إنّ هذا الجواب مع دلالته على التوحيد الجمعي الختمي وإشارته إلى القربين له ~~لطيف معنى ودقيق فحوى . وإليه أشار بقوله : ( ما ألطفها وأدقّها ! ) أما وجه لطفها ~~فهو إيراد الجواب مطابقا للسؤال ، حيث أنّ في السؤال ثنويّة في مقولة ، يعني قوله : ~~" اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ " أتى في جوابه بمثل ذلك . # ووجه دقّتها هو أنّه قد أدرج في عبارته ما يلوّح على الثنويّة المشتمل عليها ~~كلمته من التروّح والتأله ، حيث قال : " إِلَّا ما أَمَرْتَنِي به " وذلك لأن « ~~الأمر » إشارة إلى طرف تروّحه - فإنّ الروح منه - والتاء إلى التألَّه ، فإنّه مع ~~اشتماله عليه كناية عن الحقّ . # وهاهنا تلويح آخر ، وهو أنّ التمييز بين الكنايتين - أعني التاء والياء المشار ~~بهما إلى الحقّ والعبد - تميّز نسبيّ اعتباريّ ، لا حقيقيّ في الدرج ، أعني في عالم ~~الامتزاج والتركيب . # وذلك لأنّه إنما يتمايزان بتحتيّة النقطتين وفوقيّتهم . # ويمكن أن يشار بوجه الدقة واللطف إلى هذا التلويح . # وذلك المأمور به الذي قيل لهم : ( " أَنِ اعْبُدُوا الله " فجاء باسم " الله " ~~لاختلاف العباد في العبادات والشرايع ، ولم يخصّ اسما خاصا دون اسم ) من الأسماء ~~الجزئيّة التي تتحوّل أحكامها بتجدّد الأزمنة والاستعدادات . # ( بل جاء باسم الجامع للكل ) فإن كلامه لا بدّ وأن يكون تامّا كاملا شاملا ليطابق ~~ما أصله في الجواب من الجمع بين التنزيه والتشبيه والنفي والإثبات ، وسائر ~~المتقابلات . # ثمّ إنه لما أمرهم بعبادة الله - وهو الدالّ على جميع الأرباب إجمالا - أتى بما ~~يخصّ تفصيلا ، إفصاحا بما هو المطلوب من دعوة الامّة المختصّة به ، وتمكينا لذلك في ~~خواطرهم - فإنّ التفصيل بعد الإجمال أمكن وأوقع - وتطبيقا لما جبل عليه الكلمة ~~العيسويّة من الثنويّة بقوله : # ( ثمّ قال " رَبِّي وَرَبَّكُمْ " ومعلوم أن نسبته إلى موجود بالربوبيّة ليست عين ~~نسبته إلى موجود آخر ) ضرورة لزوم تغاير النسبة عند تغاير أحد المنتسبين . # ( فلذلك فصّل بقوله : "رَبِّي وَرَبَّكُمْ " بالكنايتين : كناية المتكلم وكناية ~~المخاطب ) اللتان هما أدلّ ما يفصّل به الإجمال ويميّز به العام ، ولذلك قيل : ~~"إنهما أعرف المعارف في صناعة آداب الألفاظ " . # ثمّ إنّه قد أشار في هذه الآية إلى أنّه عابد لله في قوله لهم ذلك ، فإنّه تحت ~~حكم الأمر في ذلك الفعل ، على ما أشار إليه قوله : ( " إِلَّا ما أَمَرْتَنِي به " ~~فأثبت نفسه مأمورا ، وليست ) نفسه في أفعاله وأقواله : ( سوى عبوديّته) # فعلم أن ذلك القول منه لهم عين عبوديّته لله على أيّ معنى حمل ، وذلك هو مقتضى ~~أصل استعداده . # ( إذ لا يؤمر إلا من يتصوّر منه الامتثال وإن لم يفعل ولمّا كان الأمر تنزل بحكم ~~المراتب ) فإن الأمر هاهنا بمعنى طلب الفعل ، فهو فعل ، وهو آخر مراتب التنزّلات ، ~~وله الإحاطة وبه تحصل المرتبة و ( لذلك ينصبغ كل من ظهر في مرتبة ما بما تعطيه ~~حقيقة تلك المرتبة ) من الآثار والأفعال - ( فمرتبة المأمور لها حكم يظهر في كل ~~مأمور ) حقّا كان أو عبدا ، ( ومرتبة الآمر لها حكم يبدو في كل آمر ) كذلك . # ( فيقول الحقّ : " أَقِيمُوا الصَّلاةَ ") [ 2 / 43 ] ( فهو الآمر والمكلَّف ~~المأمور ويقول العبد : « رب اغفر لي » فهو الآمر والحقّ المأمور . فما يطلب الحقّ ~~بأمره هو بعينه يطلب العبد من الحقّ بأمره ) وإن اختصّ طلب العبد بالدعاء في عرف ~~الأدب ، وطلب الحقّ بالأمر . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ولهذا كان كلّ دعاء مجابا ولا بدّ ، وإن تأخّر كما ~~يتأخّر بعض المكلَّفين ممّن أقيم مخاطبا بإقامة الصلاة فلا يصلَّي في وقت ، فيؤخّر ~~الامتثال ويصلَّي في وقت آخر إن كان متمكَّنا من ذلك ، فلا بدّ من الإجابة ولو ~~بالقصد ) بأن يجيب الدعاء من جانب الحقّ ، أو يؤديّ الصلاة من جانب الخلق . # وملخّص كلامه هذا أن عيسى عليه السّلام عند قوله المذكور منصبغ بما يعطيه أمره ~~المنزل عليه ، غير قادر على السكوت عنه . # قال الشيخ رضي الله عنه : (ثمّ قال : " وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ " - ولم يقل : « على ~~نفسي معهم » كما قال : " رَبِّي وَرَبَّكُمْ " ، " شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ" لأن ~~الأنبياء شهداء على أممهم ما داموا فيهم) # وفي تكرار ضميري المتكلَّم والغائب ما هو مقتضى الكلمة العيسويّة ( " فَلَمَّا ~~تَوَفَّيْتَنِي " أي رفعتني إليك وحجبتهم عنّي ، وحجبتني عنهم ، " كُنْتَ أَنْتَ ~~الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ " في غير مادّتي ، بل في موادّهم ، إذ كنت بصرهم الذي يقتضي ~~المراقبة ، فشهود الإنسان نفسه شهود الحقّ إيّاه . وجعله بالاسم الرقيب لأنه جعل ~~الشهود له ) - لدلالته على الحضور. # ( فأراد أن يفصل بينه وبين ربّه حتى يعلم أنّه هو ) يعني أن عيسى في غيب كمونة ~~وعدميّته الأصليّة ( لكونه عبدا ، وأنّ الحقّ هو الحقّ ) أي الحيّ القائم الدائم ~~الباقي ( لكونه ربّا له ، فجاء لنفسه بأنّه شهيد ، وفي الحقّ بأنّه رقيب ) . # ووجه اختصاص نفسه بالشهيد لإشعاره بأنّ عيسى في الهويّة الإطلاقيّة وصرافة غيبها ~~من حيث أنّه عبد ، وبيّن أنّ لتلك الهويّة تعانق الأطراف وجمعيّة الأضداد - على ما ~~بيّن غير مرّة - فلا بدّ وأن يكون ذلك الغيب هو الحضور ، والشهيد هو الحاضر . # ثمّ إنّ الحضور أمر نسبي إنما يتصور بين اثنين ، فإنّ الحاضر إنما يقال له ذلك ~~باعتبار قرينه ، فعلم على مسلك الاشتقاق الكبير وجه مناسبة الرقيب واختصاصه هاهنا ~~بالحقّ . # على أنّ هاهنا تلويحا يكشف عن وجهي الاختصاص كشفا بيّنا ، فإنّ الشهيد مع أن عقده ~~عقد العبد ، فإن بيّناتهما يتوافقان بالموادّ ، كما أنّ الرقيب باعتبار ملاحظة ~~الأوّل والآخر هو الربّ ، وعقد الربّ بفضله هو عقده . # (وقدّمهم في حقّ نفسه فقال : " عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ " إيثارا ~~لهم في التقدّم ، وأدبا ) لما هو مقتضى مقام تواضع الكمّل وإشارة أيضا على اختصاص ~~شهادته بهم ( وأخّرهم في جانب الحق عن الحقّ في قولهم: " الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ " ~~لما يستحقّه الرب من التقدّم بالرتبة ) وعدم اختصاص رقابته تعالى بهم . # (ثمّ اعلم أنّ للحقّ : الرقيب . الاسم الذي جعله عيسى لنفسه ، وهو الشهيد في ط : ~~" عَلَيْهِمْ شَهِيداً " فقال : " وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ " ) ففي ~~مقابلة تخصيص شهادته المستفاد من تقديم « عليهم » تعميم شهادة الحق ( فجاء بـ « كل ~~» للعموم ، وبـ « شيء » لأنّه أنكر النكرات . وجاء بالاسم الشهيد فهو الشهيد على كل ~~مشهود بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك المشهود ) على ما هو مقتضى تعميمه . # ثمّ إنّ هذا التعميم والتخصيص إنما يستفادان من التركيب بحسب ظاهره وخواصّه التي ~~هي مطمح نظر علماء الرسوم في صناعة المعاني . # فلذلك قال : " اعلم " فإنّ ما سبق من المعاني وأكثر ما يتعرّض له من اللطائف ~~الشريفة على الآيات الكريمة في هذا الكتاب وغيره إنّما يظهر بضرب من الإيماء ويفصح ~~عنه لسان الإشارة والتنبيه ، دون الإعلام ، كما في دلالة هذه الآية على أنّ الحقّ ~~هو الشهيد في المادّة العيسويّة ، فإنّه أيضا بلسان التنبيه . # فلذلك قال : ( فنبّه على أنّه تعالى هو الشهيد على قوم عيسى حين قال : "وَكُنْتُ ~~عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ " فهي شهادة الحقّ في مادّة عيسويّة كما ثبت ~~أنّه لسانه وسمعه وبصره ) . # الكلمة العيسويّة والمحمديّة # ( ثمّ قال ) بلسانه الذي هو الحقّ بعد إعلامه بالسمع وتنبيهه بالبصر - فإنّ محل ~~الإعلام هو السمع ، كما أنّ موطن التنبيه إنما هو البصر - ( كلمة عيسويّة ومحمديّة ~~) وهذا أيضا من ثمرات شعب الثنويّة الأصليّة التي عليها الكلمة العيسويّة في مرتبة ~~الكلام الكاشف عن الكل أنّه تكلم بلسانين ، وانتسب قوله إلى الرسولين ، عيسى ومحمد ~~- عليهما الصلاة والسلام . # ( أما كونها عيسويّة فإنّها قول عيسى بإخبار الله عنه في كتابه وأما كونها ~~محمديّة فلموقعها من محمد صلَّى الله عليه وسلَّم بالمكان الذي وقعت منه ) من ~~إجلاله لها وقيامه في مواقف تعظيمها ، ( فقام بها ليلة كاملة يرددها لم يعدل إلى ~~غيرها حتّى طلع الفجر ) وفيه إشارة إلى أن ترتّب طلوع فجر الإظهار في غياهب الغيبة ~~والكمون على كلامه الكامل هو إجابة دعائه صلَّى الله عليه وسلَّم . # وذلك قوله: ("إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ~~فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " [ 5 / 118 ] ) . # نظر في الضمائر المذكورة في الآية # ( و « هم » ضمير الغائب ، كما أن « هو » ) في قوله : " وَهُوَ الَّذِي في ~~السَّماءِ إِله ٌ وَفي الأَرْضِ إِله ٌ " [ 43 / 84 ] ( ضمير الغائب ) فمن غلب ~~عليهم حكم الغيب الذاتي ، وظهر فيهم مقتضاه من اندماج الأحكام الظاهرة فيهم وعدم ~~إذعانهم للمشهود الحاضر ، هم الذين أبوا من متابعة الأنبياء ، ولذلك أشار إليهم ~~بضمير الغائب (كما قال: " هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا " [ 48 / 25 ]). # (بضمير الغائب - فكان الغيب سترا لهم عمّا يراد بالمشهود الحاضر ) من الإيمان به ~~واليقين له # ( فقال : " إِنْ تُعَذِّبْهُمْ " بضمير الغائب ) وذلك العذاب ( هو عين الحجاب ~~الذي هم فيه عن الحقّ ، فذكرهم الله قبل حضورهم ، حتّى إذا حضروا تكون الخميرة ). # المنضجة لاستعداداتهم المستكملة لهم ، أعني تذكير عيسى إيّاهم عند الله ، فإنّ ~~الوجود الكلامي مرتبة من الوجود يستتبع الشهود ويستلزمه على ما لا يخفى ( قد ~~تحكَّمت في العجين ) - أي عجين تعيّناتهم المحجوبة في الغيب – ( فصيّرته مثلها ) في ~~الحضور والشهود ، والذي يدلّ على أنّ حجابهم هو عين كمونهم في الغيب الذاتيّ قوله : ~~( " فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ " فأفرد الخطاب للتوحيد الذي كانوا عليه ) في تلك الغيبة ~~، وأشار بانقهارهم وإذلالهم في ذلك الغيب عند تسميته إيّاهم بالعباد ، ( ولا ذلَّة ~~أعظم من ذلَّة العبيد ، لأنّهم لا تصرّف لهم في أنفسهم ) لغلبة قهرمان الأحكام ~~الذاتيّة في الغيب عليهم ( فهم بحكم ما يريد به سيّدهم ، ولا شريك له فيهم ، فإنه ~~قال : ### || " عِبادُكَ " فأفرد ) . # قال الشيخ رضي الله عنه : (والمراد بالعذاب إذلالهم ، ولا أذلّ منهم ، لكونهم ~~عبادا ، فذواتهم تقتضي أنهم أذلَّاء ) بما جبلوا عليه من الغيب وكمونهم فيها ، ( ~~فلا تذلَّهم ، فإنّك لا تذلَّهم بأدون مما هم فيه من كونهم عبيدا ) . # (" وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ " أي تسترهم عن إيقاع العذاب الذي يستحقّونه بمخالفتهم ~~) لما يراد منهم من الإيمان بالمشهود الحاضر ، وامتثال الأوامر في عالم الأفعال ، ( ~~أي تجعل لهم غفرا يسترهم عن ذلك ) المخالفة ( ويمنعهم منه " فَإِنَّكَ أَنْتَ ~~الْعَزِيزُ " [ 5 / 118 ] أي المنيع الحميّ ). # قال الشيخ رضي الله عنه : (وهذا الاسم إذا أعطاه الحقّ لمن أعطاه من عباده يسمى ~~الحق ب " المعزّ " والمعطي له هذا الاسم ب « العزيز » ، فيكون منيع الحمى عمّا يراد ~~به المنتقم المعذّب من الانتقام والعذاب ) وفيه إشارة إلى التوحيد الذاتي حيث قال : ~~" فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ". # ( وجاء بالفصل والعماد أيضا تأكيدا للبيان ) من حصر العزّة والحكمة فيه المستلزمة ~~للتوحيد هاهنا على ما بيّن ( ولتكون الآية على سياق واحد ) من الاشتمال على ~~الثنويّة المجبولة عليها الكلمة هذه ، كما مرّ غير مرّة – ( في قوله : " إِنَّكَ ~~أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ " ) عند التعبير عن أصل ما تفرّع عنه أحواله وأقواله ~~المسؤول عنها ، ( وقوله : " كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ " ) عند الكشف عن ~~ظاهر ما ابتنى عليه تلك الأحوال منه والأقوال . # ( فجاء أيضا : " فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " ) على مساقها في ~~الاشتمال على الثنويّة التي هي أصل أمر الكثرة وتمامها ، على ما بيّن في موضعه ~~ولوّح عليه . # لما ذا كرّر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هذه الدعاء ليلة كاملة # ومن ثمّة ترى الخاتم يردّدها عند الاستجابة منه ، وأظهرها بصورة الكثرة التي هي ~~مقتضى أمرها ، ( وكان سؤالا من النبيّ وإلحاحا منه على ربّه في المسألة ليلته ~~الكاملة إلى طلوع الفجر ، يردّدها طلبا للإجابة ، فلو سمع الإجابة في أوّل سؤال ما ~~كرّر ، وكأنّ الحق يعرض عليه فصول ما استوجبوا به العذاب عرضا مفصّلا ، فيقول له في ~~كل عرض عرض وعين عين ) عند استطلاعه صلى الله عليه وسلَّم على ما عليه أمر الكل في ~~طي ثنويّة الفريقين وكثرتها الأصليّة الكماليّة : ( " إِنْ تُعَذِّبْهُمْ ~~فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ " ) المفتقرون إليك ، المتذللون عندك نهاية الذلَّة ، فهم ~~المستأهلون السائلون بلسان القابليّة عذابك - وهاهنا تلويح يدلّ على مناسبة بيّنة ~~بين العباد والعذاب . # ( " وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " ) بدون ~~تمييز عين وتخصيصه بالدعاء له ، غير أنّه خصّص الفريق الأوّل بنسبتهم إليه تعالى ~~وجعلها ذريعة في تحقيق أمرهم ، والثاني بالمغفرة الساترة لهم عن إظهار تلك النسبة . # ولذلك رتّب عليه صورة الحصر والتوحيد ، فهو الدعاء للفريقين على ما هو مقتضى ~~جبلَّتهم . # قال الشيخ رضي الله عنه : (فلو رأى في ذلك العرض ما يوجب تقديم الحقّ وايثار ~~جنابه لدعا عليهم - لا لهم - فما عرض الآية من التسليم لله والتعريض لعفوه ) . # فـ « ما » في « ما يعطيه » بدل ممّا استحقّوا به وفيه إشارة إلى أنّ وصول أهل ~~العذاب والمغفرة إلى ما استحقّوه إنما هو بدعاء الخاتم ، على ما هو مقتضى الأصول . # قال الشيخ رضي الله عنه : (وقد ورد أنّ الحقّ إذا أحبّ صوت عبده في دعائه إيّاه ~~أخّر الإجابة عنه حتى يتكرّر ذلك منه حبّا فيه ، لا إعراضا عنه ولذلك جاء باسم ~~الحكيم ، والحكيم هو الذي يضع الأشياء مواضعها ، ولا يعدل بها عمّا تقتضيه وتطلبه ~~حقائقها بصفاتها ، فالحكيم : العليم بالترتيب ) . # أي العارف بترتيب الأحكام والأوصاف على الحقائق ، ووضع كلّ منها مواضعها ~~بمواقيتها المختصّة بها ، فإنّه من آثار الاسم الحكيم . # ( فكان صلَّى الله عليه وسلَّم بترداد هذه الآية على علم عظيم من الله ) يعني ~~العلم بمواضع كل شيء ومواقع تحقّقها وثبوتها ، وما يستتبعه من العلم بترتيب الإجابة ~~على دعائه وسائر الصفات والأحكام مطلقا . # أدب الدعاء رمز الاستجابة # ( فمن تلا فهكذا يتلو ) بمثل هذا التحقّق العلميّ الشهوديّ التفصيليّ على ما بيّن ~~وراثة لحضرة الختميّة وفي هذا الكلام إيماء إلى أن الشيخ قد تلاها هذه التلاوة ، ~~كما أنّ في اكتفائه بالضمير والصلاة إشارة إلى أنّ الرسولين إنّما وفّقا للمصدريّة ~~المذكورة بميامن الكمال الختميّ الذي لمحمّد بالذات ، ولعيسى بالتبع من وجه . # (وإلَّا فالسكوت أولى به ) لأنّ ذلك مقتضى مقامه ، فهو من المرحومين على ما ورد : ~~« رحم الله امرأ عرف قدره ولم يتعدّ طوره » فالسكوت للجاهل نجاته واستراحته من ~~التعب . # ( وإذا وفّق الله العبد إلى نطق بأمر ما ) - دعاء كان أو تمنّيا أو ترجّي ( فما ~~وفّقه إليه إلا وقد أراد إجابته فيه وقضاء حاجته ) في طلبه ، على ما هو مقتضى الجود ~~وقهرمان أمره في ديوان الخلق والإيجاد. # ( فلا يستبطئ أحد ما يتضمّنه ما وفّق له ، وليثابر مثابرة رسول على هذه الآية في ~~جميع أحواله ) فإنّه لا بدّ من الإجابة وإسعاف المسؤول ، وإن تأخّر في هذه الدار ~~الصوريّة . # وإليه أشار بقوله : ( حتى يسمع باذنه ) الجسمانيّة التي في هذه النشأة ( أو بسمعه ~~) الروحانيّ ( كيف شئت أو كيف أسمعك الله الإجابة ، فإن جازاك بسؤال اللسان أسمعك ~~بإذنك ، وإن جازاك بالمعنى أسمعك بسمعك ) وفق ما نبّه عليه في تسوية العبارتين ~~بقوله : # « كيف شئت أو كيف أسمعك الله » أي جواب تحقّق المجازاة مترتّب على سؤال القائل ، ~~إمّا بلسان أصل قابليّته وشيئيّته الكونيّة ، أو بلسان جمعيّته السمعيّة الإلهيّة . # وهذا أيضا من أحكام تلك الثنويّة المشتمل عليها الكلمة هذه . # ثمّ إنّك ينبغي أن تعلم هاهنا أنّ من آثار ما اشتمل عليه الكلمة النبويّة من أمر ~~الثنويّة وجلائل ثمارها - التي إنّما تجتنى من شجرة النبوّة عند بلوغها ووقت إدراك ~~مقصودها - هو معرفة الفريقين التي عليها فيصل التفرقة ومباني أحكام التفصيل ، وهو ~~الذي به تتفاوت مراتب الأنبياء عند الارتقاء إلى معارج كمالها في أمر النبوّة - ~~ولذلك تراه أنّه به وافق الذوق الختميّ وعليه طابق نقطة تمام النبوّة ، حيث أخذ ~~يردّده الخاتم ، إلى أن استجيب . # وكأنّك قد نبّهت في التلويحات السابقة بما يطلعك على أصل هذه النكتة عند تحقيق ~~نهاية أمر الكثرة التي عليها استقرّت إمالة قهرمانها في الاثنين فليكن ذلك على ذكر ~~منك إذ به ينكشف من جلائل الدقائق ما يعسر للعبارة المتعاورة أن ينبّه عليها بضرب ~~من الدلالات المعتبرة عند أرباب الرسوم. # ثم شرع فى التالي بقوله : # فصّ الحكمة الرحمانيّة في الكلمة السليمانية ### || تم الفص العيسوي # . # %~% ### | فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية ### | 16 - فصّ حكمة رحمانيّة في كلمة سليمانيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن ~~الدين علي ابن محمد التركة # شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم الشيخ ~~الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # ووجه اختصاص الكلمة السليمانيّة بالحكمة الرحمانيّة هو عموم حكمها ، فإنّ للكلمة ~~السليمانيّة إحاطة سلطنة وقهرمان على البريّة كلَّها ، كما أنّ "الرحمن" بين ~~الأسماء هو الشامل حكمه على الموجودات كلها ، فما من موجود له نوع من الحياة إلا ~~وهو تحت ضبطهما وأمرهما. # ولذلك يلوح فضلهما على اسم « الحي » على ما أخبر عنه قوله تعالى حاكيا عنه :"يا ~~أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا من كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ ~~هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ “ [ 27 / 16 ] # تصدير كتاب سليمان عليه السّلام باسم الله تعالى # وحيث أنّ لسليمان عموم الحكم على كلَّية تفاصيل الأمر وبيانه صدّر الفصّ بقوله : ~~( “ إِنَّه ُ “ يعني الكتاب “ من سُلَيْمانَ وَإِنَّه ُ “ عني مضمونه ) وهذا قول ~~بلقيس . # يقول لقومها عند إراءتها لهم الكتاب ، لا حكاية مضمون الكتاب وما في طيّه ، على ~~ما توهّمه أكثر أهل الظاهر من المفسّرين ، وارتكبوا في توجيه تقديم سليمان اسمه على ~~اسم الله تعسّفات بعيدة كما سيشير إليه الشيخ - . # فقوله : “ إِنَّه ُ من سُلَيْمانَ “ بيان لمرسل الكتاب ، فإنّه أول ما اهتمّ ~~ببيانه وإشاعته ، سيّما إذا كان سلطانا مثل سليمان “ وَإِنَّه ُ “ بيان لمضمون ~~الكتاب يعني (“ بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ") # فالكتاب حينئذ مصدّر باسم الله ، وعلى ما فهمه أهل الظاهر مصدّر باسم سليمان ، ~~وإليه أشار بقوله رضي الله عنه : ( فأخذ بعض الناس في تقديم اسم سليمان على اسم ~~الله تعالى ) بما توهّموه ( ولم يكن كذلك ، وتكلموا في ذلك بما لا ينبغي ) من ~~التوجيهات البعيدة ، كما يقولون : « إنما قدّم اسمه على اسم الله وقاية له أن يقع ~~عليه الخرق ، وأنّه إن وقع الخرق يكون على اسمه ، لا على اسم الله » . # و « أنّ اسمه لكمال مهابته في قلوب البرية مانعة لهم عن الخرق » ، # وغير ذلك ( مما لا يليق بمعرفة سليمان عليه السّلام بربّه ، وكيف يليق ما قالوه ~~وبلقيس تقول فيه : “ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ “) [ 27 / 29 ] . ، ~~فإنّه لا بدّ لكل نبيّ وداع إلى الله أن يكون عارفا بمقادير استعدادات المدعوّين ~~ومدارج نسبهم في الإنكار والإقرار # . فإذا كانت بلقيس في هذا المقام من الإقرار كيف # يليق بسليمان على جلالة قدره أن يخاف منها على خرق كتابه ؟ وهي يقول عند ورود ذلك ~~الكتاب : “إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ “ (أي يكرم عليها ) . # ثمّ أشار إلى منشأ خطأهم إقامة لعذرهم على ما هو مقتضى أدب الطريق بقوله رضي الله ~~عنه : ( وإنما حملهم على ذلك - ربما - تمزيق كسرى كتاب رسول الله صلَّى الله عليه ~~وسلَّم ، وما مزّقه حتى قرأه كلَّه وعرف مضمونه . فكذلك كانت تفعل بلقيس - لو لم ~~توفّق لما وفّقت له - ) من النسبة الداعية لها إلى القبول . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فلم يكن يحمي الكتاب عن الخرق لحرمة صاحبه تقديم اسمه ~~عليه السّلام على اسم الله تعالى ، ولا تأخيره ) عنه . # الرحمة الامتنانيّة والوجوبيّة # ثمّ إن سليمان لعموم سلطانه على الموجودات له خصوصيّة نسبة إلى الرحمة التي هو ~~الوجود ، كما عرفت ذلك . # ولما كانت الرحمة نوعين : # امتنانيّة : وهي التي لا تترتّب على ما يستجلبه من الاستعدادات والأعمال المورثة ~~، بل به يحصل الاستعداد وما يتقوّم به من القوابل ، كالفائض بالفيض الأقدس من ~~الوجود العامّ الشامل ، الذي به يتنوّع الاستعدادات في التعيّن الأوّل . # ووجوبيّة : وهي التي تترتّب على الاستعدادات والأعمال المورثة له ، كالعلوم ~~والكمالات المترتّبة على ما يستتبعه من المقتضيات والمعدّات – # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فأتى سليمان بالرحمتين : رحمة الامتنان ، ورحمة ~~الوجوب ، اللتان هما الرحمن الرحيم ) كاشفا بهما عن معنى اسم الله ، المصدّر به ~~الكتاب ، تبيينا للذّات بأظهر أوصافها ، وتحقيقا لمبادئ ما ظهر من الكثرة الكونيّة ~~في الوحدة الوجوديّة . # ( فامتنّ بالرحمن ) أي بتعميم الرحمة والوجود على الكل بدون سابقة استعداد مقتضية ~~لها ، كما قال تعالى : “ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ “ [ 7 / 156 ] . # ( وأوجب بالرحيم ) أي بتخصيص الرحمة التي هي العلم والكمالات على من يستجلبها ~~باستعداده ، كما قال : “ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ “ [ 7 / 156 ] . # عموميّة اسم الرحيم ودخوله في الرحمن بالتضمّن # وإذ قد ظهر لك أنّ الرحمة الامتنانيّة حيث ليس للمرحوم عين أصلا ، ثمّ بها ظهر ~~المرحومون وعمّت لهم . # والوجوبية حيث ليس للمرحومين كمال ثمّ بها انفردوا بالكمال وخصّوا بما يليق به ~~انتسابهم إلى جناب الراحم وجلاله الأحدي : # كأن إلى مثل هذا المعنى أشار قول إمام المحقّقين جعفر الصادق: # "الرحمن اسم خاصّ صفته عامة . والرحيم اسم عامّ صفته خاصّة " . # وبيّن أنّ الوجود العام - يعني الرحمة الامتنانية - له الإحاطة بالكل : ~~فالوجوبيّة منها مندرجة فيها - اندراج الجزء تحت الكل . # وإليه أشار بقوله : ( وهذا الوجوب من الامتنان ، فدخل الرحيم في الرحمن دخول ~~تضمّن ) . # وبيّن أنّ هذا غير اعتبار العموم والخصوص فإنّ دخول الخاصّ تحت العامّ ليس دخول ~~تضمّن ثمّ إنّه وإن أمكن اعتبار العموم والخصوص في الرحمتين ، ولكن ليس فيما نحن ~~بصدده ، فإنّ هذه النسبة إنما تتصور عند اتّحادهما وحملهما بهو هو ، وهو غير مراد ~~هاهنا . # ولذلك علّله بقوله : ( فإنّه كتب على نفسه الرحمة سبحانه ) فإنّ نسبة بعض المكتوب ~~إلى الجملة من الكتاب نسبة الجزء إلى كله ، لا نسبة الجزئي الخاص إلى كليّه العام ، ~~وهذا المكتوب هو رحمة الوجوب إنما كتبه ، # ( ليكون ذلك للعبد بما ذكره الحقّ من الأعمال التي يأتي بها هذا العبد حقّا على ~~الله أوجبه له على نفسه ، فيستحقّ بها ) . # أي بتلك الأعمال (هذه الرحمة - أعني رحمة الوجوب) كما عبّر عنه الحديث القدسيّ ~~المفصح عن قرب النوافل . # تسمية العبد باسم الأول والآخر والظاهر والباطن # ( ومن كان من العبد بهذه المثابة ) في القرب بالتزام النوافل من الأعمال ( فإنّه ~~يعلم من هو العامل منه ) - أي من العبد ، فإنّ له أعضاء عاملة وغير عاملة . # ( والعمل مقسم على ثمانية أعضاء من الإنسان ) - اليدين والرجلين والسمع والبصر ~~واللسان والجبهة. # قال رضي الله عنه : ( وقد أخبر الحقّ ) في الحديث المذكور ( أنّه تعالى هويّة كل ~~عضو منها ، فلم يكن العامل غير الحقّ ، والصورة للعبد ، والهويّة مدرجة فيه ) . # أي في العبد الذي هو اسم من أسماء الحقّ ، والاسم عين المسمّى ، فلم يكن للغير ~~هنا دخل . # وعنه أفصح بقوله : ( أي في اسمه ، لا غير ) أي ما بقي من المدرج فيه تلك الهويّة ~~غير اسم العبد (لأنّه عين ما ظهر وسمّي خلقا وبه كان الاسم الظاهر والآخر للعبد ). # وهذا نتيجة رحمة الوجوب . # قال رضي الله عنه : ( وبكونه لم يكن ثمّ كان ، ويتوقّف ظهوره عليه وصدور العمل ~~منه ) - أي يتوقّف ظهور الحقّ على العبد الكائن كونا متجدّدا وصدور العمل منه # قال رضي الله عنه : ( كان الاسم الباطن والأول ) أما الأول فظاهر ، لكونه لم يكن ~~ثمّ كان . # وأمّا الباطن فلأنّه يتوقّف على كونه المتجدّد ظهور الحق ، فلا بدّ وأن يكون ~~باطنا بالنسبة إليه ، وإلا لم يتوقّف عليه الظاهر . # سيّما إذا كان مصدرا للأعمال . فإنّ الآثار إنما يصدر عن البواطن . # فلئن قيل : قد صرّح آنفا بأنّ العامل لم يكن غير الحقّ ، فكيف يكون مصدر الأعمال ~~عبدا ؟ # قلنا : إنّ العامل وإن كان هو الحقّ ، لا غير ، ولكن مصدريّته أمر معنويّ هو صفة ~~العبد ، كما أفصح عنه الحديث . # حيث قال: « كنت سمعه الذي يسمع وبصره الذي يبصر » ، فإنّ ضمير يسمع ويبصر للعبد . ~~وإن كان السمع عين الحقّ . # وكذلك ما يتوقّف عليه ظهور الحقّ من العبد . هكذا ينبغي أن يفهم هذا الموضع ، ~~فإنّه قد اضطرب الأقوال هاهنا كل الاضطراب . # وإذ قد عرفت أن هذه الأسماء إنما ظهرت من الخلق ( فإذا رأيت الخلق رأيت الأوّل ) ~~بكونه لم يكن ثمّ كان ، ( و ) رأيت ( الآخر ) بكونه أنهى مراتب الصورة ، ( والظاهر ~~) بكونه هو المدرك بالمشاعر الحسيّة ، ( والباطن ) بكونه يتوقّف عليه ظهور الحقّ ~~ويصدر منه صنوف الأعمال التي منها الإظهار . # ملك سليمان الذي لا ينبغي لأحد # قال رضي الله عنه : ( وهذه معرفة لا يغيب عنها سليمان عليه السّلام ) يعني رؤية ~~هذه الأسماء التي لها الإحاطة التامّة والجمعية الكاملة من الخلق ( بل هي من ) جملة ~~( الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده ) . # وهاهنا تلويح يدلَّك على أمور لا بدّ من الاطَّلاع عليها ، وهو أنّ للتسعة ~~الإحاطة التامّة والجمعيّة الكماليّة - كما عرفت غير مرّة - وبيّن أنّها إذا وقعت ~~في مرتبة العشرات لاكتساب الجمعيّة البرزخيّة التي هناك لها مزيد كمال ، ولذلك تراه ~~يترتّب عليها حينئذ إشعار بأمور تستتبعه آثار في عالم الإظهار . # لإبرازه النسب التي هي منبع العجائب وأصل بدائع الصنائع - كما بيّن في موضعه - ~~ولوقوع ذلك العدد في اسم سليمان موقعه وإحاطته بطرفيه بوحدتهما الكماليّة قد ظهر ~~منه ما ظهر ، وهو الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده - كما لا يخفى . # كان لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مثل ملك سليمان ولا يتظاهر به # ثمّ إن ذلك الملك قد يكون بحسب العلم والشعور ، وقد يكون بحسب الوجود والظهور ، ~~والذي اختصّ به سليمان بين الكمّل هو الظهور به . # وإليه أشار بقوله : ( يعني الظهور به في عالم الشهادة ) المسمّاة بعالم الملك ~~أيضا ، ( فقد أوتي محمّد عليه الصلاة والسّلام ما أوتي به سليمان وما ظهر به ) ، ~~ومن تأمّل في كيفيّة انطواء الاسمين على ذلك العدد يظهر له ذلك . # والذي يدلّ على أنّه أوتي محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم ذلك الملك أنّه جاءه ~~عفريت أي خبيث ، من الجن # قال رضي الله عنه : ( فمكَّنه الله تمكين قهر من العفريت الذي جاءه بالليل ليفتك ~~به ، فهمّ بأخذه وربطه بسارية من سواري المسجد حتى يصبح فيلعب به ولدان المدينة ، ~~فذكر دعوة سليمان فردّه الله خاسئا ، فلم يظهر عليه بما أقدر عليه ، وظهر بذلك ~~سليمان ) . # قال رضي الله عنه : ( ثم قوله “ مُلْكاً “) أي ثمّ إظهاره ، فإنّ القول أبين ~~مراتب الإظهار ( فلم يعمّ ، فعلمنا ) بتنكير الملك في قوله وإظهاره ( أنّه يريد ~~ملكا ما ) خاصّا من الأملاك ، ( ورأيناه قد شورك في كل جزء جزء من الملك ) فإنّ لكل ~~أحد من النبيّين تصرّفا في جزء من أجزاء الملك ( الذي أعطاه الله تعالى ، فعلمنا ) ~~بهذه الآية المنزلة ( أنّه ما اختصّ إلا بالمجموع من ذلك ) الأملاك . # فأحديّة جمع الكلّ هو الملك الخاصّ الذي سأله هذا ، وعلمناه لمنطوق كلامه ( ~~وبحديث العفريت أنّه ما اختصّ إلا بالظهور وقد يختصّ بالمجموع والظهور ) الذين هما ~~أثر رحمة الامتنان ورحمة الوجوب . و « قد » هاهنا للتحقيق ، مثل : “ قَدْ يَعْلَمُ ~~الله “ [ 24 / 63 ] . . # قال الشيخ رضي الله عنه : (ولو لم يقل صلَّى الله عليه وسلَّم في حديث العفريت : ~~« فأمكنني الله منه » لقلنا : إنّه لما همّ بأخذه ذكَّر الله دعوة سليمان ، ليعلم ~~أنّه لا يقدره الله على أخذه ، فردّه الله خاسئا . فلما قال : « أمكنني الله منه » ~~علمنا أنّ الله تعالى قد وهبه التصرّف فيه ، ثمّ إنّ الله ذكَّره فتذكَّر دعوة ~~سليمان ، فتأدّب معه . فعلمنا من هذا أنّ الذي لا ينبغي لأحد من الخلق بعد سليمان ~~الظهور بذلك في العموم ) على ما هو مؤدّى الرحمتين . # عموميّة الاسم الرحيم # ) قال الشيخ رضي الله عنه : (وليس غرضنا من هذه المسألة إلا الكلام والتنبيه على ~~الرحمتين ، اللتين ذكرهما سليمان في الاسمين اللذين تفسيرهما بلسان العرب الرحمن ~~الرحيم . فقيّد رحمة الوجوب ) في قوله : “ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ “ [ 9 / ~~128 ] # ( وأطلق رحمة الامتنان في قوله : “ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ “ ( [ 7 / ~~156 ] ( حتى الأسماء الإلهية ، أعني حقائق النسب ) . # وإنّما فسّر الأسماء الإلهية بحقائق النسب ، فإن الأسماء من حيث خصوصيّاتها ~~الامتيازية التي بها تغاير الذات ، لها مرتبتان : # إحداهما عند وجود النسبة بظهور المنتسبين كليهم ، ويسمّى أسماء الربوبيّة . # والأخرى أقدم منها رتبة وأبطن نسبة ، وذلك عند فقد أحد المنتسبين وجودا ، أعني ~~المعلوم والمقدور والمراد. # فإنّه ليس لها في الحضرات الأول إلا محض الاعتبار ، ويسمّى بالأسماء الإلهية فهي ~~حقائق النسب وبواطنها - . # هو الراحم والمرحوم # ( فامتنّ عليه بن ) لظهورها بأعيانن ( فنحن نتيجة رحمة الامتنان بالأسماء ~~الإلهيّة والنسب الربانيّة ) أي هذا النوع الإنساني . # "" أضاف المحقق : اختلف الشراح في تفسير قول الماتن « بنا » ، فالجندي والكاشاني ~~اعتقدا أنها خاص بالكمل ، واعترض عليهم القيصري قائلا أنه عام لجميع أفراد الإنسان ~~كاملا أو ناقصا ، ولعل القول الوسط كلام الشارح بأن المراد هو النوع هو النوع ~~الإنساني . "" # لكونه أنهى ما ينساق إليه مقدّمات المراتب الاستيداعيّة والاستقراريّة ، وأقصى ما ~~يستنتج منه أقيسة الأسماء الإلهيّة والنسب الربانيّة ، فهو إذن النتيجة المستحصلة ~~من تلك الامتزاجات بنوعه لا بأشخاصها المتفاضلة ، كما لا يخفى . # فلمّا أفضى أمر رحمة الامتنان وترتيب أشكالها البيّنة الإنتاج إلى هذه النتيجة ~~الجمعيّة الكماليّة ، التي هي حاصرة للكل ، ثمّ بها أمر تلك الرحمة ، فأفاض في رحمة ~~الوجوب ، وإليه أشار بقوله : ( ثمّ أوجبها على نفسه بظهورنا لنا ) . # ظهورا علميّا ليرحمنا بالرحمة الرحيميّة الشهوديّة ، كما رحمنا بالرحمة ~~الرحمانيّة الوجوديّة ، وبيّن أن هذه النتيجة وإن كانت نتيجة من وجه ، ولكن هو ~~الكلّ من وجه آخر ، وهو من حيث ظهور العلم والشهود . # ولذلك قال في هذه الرحمة « على نفسه » تنبيها إلى هذه الدقيقة : # (وأعلمنا أنّه هويّتنا) عند ذلك الظهور بقوله : “وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ“ [ ~~42 / 11 ] # لنعلم أنّه ما أوجبها على نفسه إلا لنفسه ، فما خرجت الرحمة عنه ) فهو الراحم ~~والمرحوم - امتنانيّة كانت الرحمة أو وجوبيّة كما بيّن . # ( فعلى م امتنّ وما ثمّ إلا هو) هذا مقتضى لسان الإجمال. "في نسخة اخري : فعلى من ~~" # الذي عبّر عن صرف الوحدة الإجمالية . وكأنّك قد عرفت غير مرّة أنّه لبيان تمام ~~التوحيد لا بدّ مما يشعر بطرف التفصيل منها لئلا يتوهّم الوحدة العدديّة المقابلة ~~للكثرة ، على ما هو المبادر إلى سائر الطباع . # وإليه أشار بقوله : ( إلا أنّه لا بدّ من حكم لسان التفصيل ) توفية لحقّ أدائه ، ~~وذلك ( لما ظهر من تفاضل الخلق في العلوم ، حتّى يقال : « إنّ هذا أعلم من هذا » مع ~~أحديّة العين ) وفي عبارته لطيفة حيث أنّ في هذا أحديّة تأبى الشركة ، ففي لسان ~~التفصيل إشعار بعين الإجمال ، وقوله : « مع أحدية العين تنبيه إليه » . # التفاضل في الأسماء # قال رضي الله عنه : ( و ) هذا التفاضل ( معناه معنى نقص تعلق الإرادة عن تعلَّق ~~العلم ) # فإنّك قد عرفت في المقدّمة أنّ العلم له التقدّم الاحاطي والتحكَّم الشمولي على ~~الإرادة . كما أنّ الإرادة لها التقدّم الإحاطي على القدرة ، فإنّ العلم عندهم ~~عبارة عن تعلَّق الذات بنفسها وبجميع الحقائق على ما هي عليه . # ثمّ ذلك التعلَّق إن اعتبر على الممكنات خاصة بتخصّصها بأحد الجائزين مطلقا يسمّى ~~إرادة ، كما أنّه إن اعتبر اختصاصه بإيجاد الكون يسمّى بالقدرة. # قال رضي الله عنه : (فهذه مفاضلة في الصفات الإلهية ) ومرجعها ترتّب نسبة بعضها ~~إلى بعض بالكمال والنقص ، وهو نقص تعلَّق الإرادة عن تعلَّق العلم (وكمال تعلَّق ~~الإرادة وفضلها وزيادتها على تعلَّق القدرة) هذا فيما ظهر فيه نسبة الكمال والنقص ~~من الأسماء المترتبة . # ( وكذلك السمع الإلهي والبصر ) الإلهي ، فيما الظاهر فيه التقابل في حيطة الترتّب ~~المذكور ، فإنّه داخل تحت حكم التفاضل المذكور ، كما للسمع هاهنا بالنسبة إلى البصر ~~، وفي عبارة المتن إشعار بذلك . # قال رضي الله عنه : (و) كذلك ( جميع الأسماء الإلهيّة على درجات في تفاضل بعضها ~~على بعض ) في الحيطة والتقدّم . # وإن ظهر ذلك في بعض منها ، واختفى في بعض ( كذلك تفاضل ما ظهر في الخلق ) في ~~اتّصافه بالأوصاف الكمالية ( من أن يقال هذا أعلم من هذا مع أحديّة العين ) فإنّ ~~الموافقة والمطابقة بين الظاهر والمظهر ، يعني الأسماء والأعيان واجبة التحقّق . # هذا إن قلنا بالمغايرة بين الظاهر والمظهر ، وإن أجملنا القول في ذلك ، فالتفاضل ~~بين الأشخاص عين التفاضل الأسمائي. الفتوحات ج 2 / 61 . # "" أضاف الجامع : خير مثال على التفريق بين الظاهر والمظهر ما قاله الجيلي في ~~الثلج والماء." # وما الخلق في التمثال الا كثلجة %~% وأنت لها الماء الذي هو نابع # فالظاهر: الماء والمظهر: الثلجة # - فالظاهر، هو عين المظهر كما أن الماء هو عين الثلجة. # - والمظهر ليس على التحقيق غير الظاهر كما أن الثلجة ليست على التحقيق غير الماء. ~~"" # قال الشيخ في الفتوحات الباب الثالث والسبعون في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار : # واعلم أنه من شم رائحة من العلم بالله لم يقل لم فعل كذا وما فعل كذا ؟! وكيف ~~يقول العالم بالله لم فعل كذا ؟ # وهو يعلم أنه السبب الذي اقتضى كل ما ظهر وما لم يظهر وما قدم وما أخر وما رتب ~~لذاته # فهو عين السبب . # فلا يوجد لعلة سواه ولا يعدم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا فمشيئته ~~عرش ذاته. # كذا قال أبو طالب المكي : إن عقلت فإن فتح لك في علم نسب الأسماء الإلهية التي ~~ظهرت بظهور المظاهر الإلهية في أعيان الممكنات فتنوعت وتجنست وتشخصت "قَدْ عَلِمَ ~~كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وكُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ ". # فسبب ظهور كل حكم في عينه اسمه الإلهي وليست أسماؤه سوى نسب ذاتية فاعقل. ### || والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ # وقال الشيخ في الفتوحات الباب الثالث والسبعون عن الوجوب على الله هل هو من حيث ~~مظاهره أو لمظاهره : # فهل هذا كله من حيث مظاهره أو هو وجوب ذاتي لمظاهره من حيث هي مظاهر لا من حيث ~~الأعيان . # فإن كان للمظاهر فما أوجب على نفسه إلا لنفسه فلا يدخل تحت حد الواجب ما هو وجوب ~~على هذه الصفة . # فإن الشيء لا يذم نفسه وإن كان للاعيان القابلة أن تكون مظاهر كان وجوبه لغيره . # إذ الأعيان غيره والمظاهر هويته %~% # وبقيت الرحمة في حقه مطلقة ينتظرها من عين المنة التي منها كان وجوده. # أي منها كان مظهرا للحق لتتميز عينه في حال اتصافها بالعدم عن العدم المطلق الذي ~~لا عين فيه. # ألا ترى إبليس كيف قال لسهل في هذا الفصل : يا سهل التقييد صفتك لا صفته فلم ~~ينحجب بتقييد الجهالة والتقوى عما يستحقه من الإطلاق فلا وجوب عليه مطلقا أصل فمهما ~~رأيت الوجوب فاعلم إن التقييد يصحبه . أهـ. "" # وفي عبارة المتن ما يشعر بهذا الإجمال ، حيث قال : « معناه معنى نقص تعلَّق ~~الإرادة عن تعلَّق العلم » بتكرار « المعنى » كما لا يخفى على الفطن. # تضمن كل اسم على سائر الأسماء وسريان هذا الحكم في المظاهر # ( وكما أنّ كل اسم إلهي إذا قدّمته ) - ذكرا كان أو اعتبار . # ( سمّيته بجميع الأسماء ونعتّه بها ، كذلك فيما ظهر من الخلق ، فيه أهليّة كلّ ما ~~فوضل به ) إذ كل شيء وإن ظهر فيه اسم لكن لا بدّ من تضمّنه للكلّ واختفائه فيه ، ~~وهو المراد بالأهليّة ، إذ أهل الشيء إنما يقال لمن جمعه وإيّاه ذلك من دين ونسب أو ~~صناعة وبلد وما يجري مجراه . فالأهليّة للشيء هو جمعيّته له ، ولا شكّ في جمعيّة ~~كلّ شيء لسائر الأشياء ، # كما قال الشيخ : # كل شيء فيه معنى كل شيء %~% فتفطَّن واصرف الذهن إليّ # كثرة لا تتناهى عدد %~% قد طوتها وحدة الواحد طيّ # اشتمال كل جزء على المجموع # ( فكل جزء من العالم مجموع العالم - أي هو قابل لحقائق متفرّقات العالم كله ) ، ~~فإنّك قد لوّحت أن العالم هو العالم نفسه - بفتح لام التفصيل - وكلّ جزء من العالم ~~عالم حيّ ناطق ، ولذلك تراه قد جمع جمع السلامة التي لذوي العقول الناطقة في قوله ~~تعالى : “ الْحَمْدُ لِلَّه ِ رَبِّ الْعالَمِينَ “ [ 1 / 2 ] . # والذي يقضى منه العجب حال هؤلاء الذين ادّعوا : « أنّا نحن نحكم بالظاهر » وهم ~~مضطرّون في ظواهر أمثال هذه الألفاظ المفصحة عن الحقائق إلى التأويلات البعيدة ، ~~تطبيقا لما تواطئوا عليه من العقائد التقليديّة ، وهذ # من الحكم البالغة للحكيم العليم ، ونعمه السابغة على المسترشدين ، أنّه جعل فعلهم ~~ينادي على تكذيبهم فيما أدعوه أنّ الظاهر لهم . # ولله درّ " ابن الفارض" من قال: # ونهج سبيلي واضح لمن اهتدى %~% ولكنما الأهواء عمّت ، فأعمت # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فلا يقدح قولنا : « إنّ زيدا دون عمرو في العلم » أن ~~تكون هويّة الحق عين زيد وعمرو ، ويكون في عمرو أكمل وأعلم منه في زيد ، كما تفاضلت ~~الأسماء الإلهيّة وليست غير الحقّ فهو تعالى من حيث هو عالم أعمّ في التعلَّق من ~~حيث هو مريد وقادر ،وهو هو ،ليس غيره .) # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فلا تعلمه - هنا يا وليّ - وتجهله هنا ، وتثبته هنا ~~وتنفيه هنا ، إلَّا إن أثبتّه بالوجه الذي أثبت نفسه ، ونفيته عن كذا بالوجه الذي ~~نفى نفسه ) ، وبيّن أن النفي إنّما يتوجه إليه باعتبار النسب وإضافتها إليه ، ولذلك ~~فيه قال : # " عن كذا " إشعارا به . وذلك ظاهر في كلّ ما يدلّ على النفي . # ( كالآية الجامعة للنفي والإثبات في حقّه حين قال : “ لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ“ ~~[ 42 / 11 ] فنفى) عن أن ينسب إليه بالذات نسبة ما أو إضافة ، إذ المنتسبان هما ~~المثلان ، فالنسبة تثبت المثليّة ، فنفيها يستلزم نفي النسبة ضرورة ، فنفاها عن ~~الذات بأبلغ وجه كما يقال :«مثلك لا يبخل» # ( “ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ“ فأثبت بصفة تعمّ كل سامع بصير من حيوان # ) # . # ( وما ثمّ إلَّا حيوان ، إلا أنّه بطن في الدنيا عن إدراك بعض الناس ) كما نبّهت ~~إليه في معنى « العالمين » وجمعه جمع السلامة . # وهذه التفاوت في المدارك إنما هو في الدنيا ، ( وظهر في الآخرة لكل الناس ، ~~فإنّها الدار الحيوان وكذلك الدنيا ، إلا أن حياتها مستورة عن بعض العباد ) استتار ~~التفاضل الأسمائي في بعض أفرادها المتقابلة ، كما سبق التنبيه إليه . # وذلك ( ليظهر الاختصاص والمفاضلة بين عباد الله بما يدركونه من حقائق العالم ) ، ~~وذلك لأنّ النشأة الدنياوية - لإتمام أمر الصورة وغلبة سلطانها فيها ، وهي إنما ~~تقتضي التمييز وتحكم بالتفرقة بين الأعيان وفاء بما هو مقتضى نشأته - آبية عن ظهور ~~الوحدة الإطلاقية والإجمال الذاتيّ فيها كلّ الإباء . # ( فمن عمّ إدراكه ) في هذه النشأة سائر مراتب الأشياء ومدارج بطونه ( كان الحقّ ~~فيه أظهر في الحكم ممّن ليس له ذلك العموم ، فلا تحجب بالتفاضل وتقول ) - أي قائلا ~~أنت - ( لا يصحّ كلام من يقول « إنّ الخلق هويّة الحقّ » بعد ما أريتك التفاضل في ~~الأسماء الإلهيّة التي لا تشكّ أنت أنّها هي الحقّ ) عند وقوفك على مواقف خلقيّتك ، ~~وأنّها الممنون بها على الأسماء لإظهارها إيّاه ( ومدلولها المسمّى بها ليس إلا ~~الله ) . # لم يقدّم اسم سليمان عليه السّلام على اسم الله تعالى في كتابه # وإذ قد بيّن أمر التفصيل بما هو مقتضى لسانه على ما لا بدّ منه ، أخذ فيما هو ~~بصدده في الفصّ # قائلا : رضي الله عنه : ( ثمّ إنّه كيف يقدم سليمان اسمه على اسم الله - كما ~~زعموا - وهو من جملة من أوجدته الرحمة ) المسبوقة باللَّه . # قال رضي الله عنه : ( فلا بدّ أن يتقدّم « الرحمن الرحيم » ليصحّ استناد المرحوم ~~) يعني سليمان فإنّك قد عرفت أن المقدّم - ذكرا أو فكرا أو كتابة - من الأسماء لا ~~بدّ وأن يكون أصلا لما يتأخّر ويتفرّع عليه ، حتى يكون على ترتيب نظم الحقائق ، ~~فإنّ المستحقّ للتقديم في كل جمعيّة ومزاج إنّما هو الأمر الكلَّي النافذ الحكم ~~فيما دونه من # الجزئيّات المتفرّعة عنه ، فإنّ رتبة الجزئيّات المتفرّعة إنما هو التأخير ، فلا ~~بدّ من تأخير سليمان . فلو قدّم على الاسمين يكون على غير الترتيب . # فقوله :رضي الله عنه ( هذا عكس الحقائق ، تقديم من يستحقّ التأخير ، وتأخير من ~~يستحقّ التقديم في المواضع الذي يستحقّه ) إشارة إليه . # بلقيس كانت عالمة حكيمة # ثم أشار إلى وجه نسبة بلقيس إلى سليمان ، والرابطة القاضية بينهما بهذه المراسلة ~~وما يتبعها من الهداية والاهتداء ، بما في بلقيس من تدبير سياسة الملك وتأسيس بنيان ~~السلطنة وإرهاص أمرها بقوله : # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ومن حكمة بلقيس وعلوّ علمها كونها لم تذكر من ألقى ~~إليها الكتاب . وما عملت ذلك إلَّا ليعلم أصحابها أنّ لها إيصالات إلى أمور لا ~~يعلمون طريقها وهذا من التدبير الإلهي في الملك . لأنّه إذا جهل طريق الأخبار ~~الواصل للملك خاف أهل الدولة على أنفسهم في تصرّفاتهم ، فلا يتصرّفون إلا في أمر ~~إذا وصل إلى سلطانهم عنهم يأمنون غائلة ذلك التصرّف . # فلو تعيّن لهم « على يدي من تصل الأخبار إلى ملكهم » لصانعوه وأعظموا له الرشا ، ~~حتى يفعلوا ما يريدون ولا يصل ذلك إلى ملكهم . # فكان قولها : “ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ “ [ 27 / 29 ] ولم تسمّ من ألقاه ~~- سياسة منها ، أورثت الحذر منها في أهل مملكتها وخواصّ مدبّريها . وبهذا ) # الوجه من المناسبة التي بينها وبين سليمان ( استحقّت التقدم عليهم ) والاختصاص ~~بالمكاتبة إليه . هذه حكمة بلقيس التي هي عالمة الجنّ . "" أضاف المحقق : في ~~التفاسير أن أم بلقيس كانت جنية راجع مجمع البيان : 7 / 224 ، سورة النمل / 45 . ~~الدر المنثور : 7 / 363 ، عن مجاهد . # وقال ابن العربي في الفتوحات الباب العاشر ومائتان في المكاشف : # « قالت بلقيس كَأَنَّهُ هُوَ وهو كان لم يكن غيره فطلبنا عين السبب الموجب لجهلها ~~به # حتى قالت : "كَأَنَّهُ هُوَ " فعلمنا إن ذلك حصل لها من وقوفها مع الحركة ~~المعهودة في قطع المسافة البعيدة. # وهذا القول الذي صدر منها يدل عندي أنها لم تكن كما قيل متولدة بين الإنس والجان ~~إذ لو كانت كذلك لما بعد عليها مثل هذا من حيث علمها بأبيها وما تجده في نفسها من ~~القوة على ذلك .أه . "" # فضل الإنس علي الجنّ # قال الشيخ رضي الله عنه : (أمّا فضل العالم من الصنف الإنساني على العالم من ~~الجنّ بأسرار التصريف وخواصّ الأشياء ، فمعلوم بالقدر الزماني ، فإنّ رجوع الطرف ~~إلى الناظر به أسرع من قيام القائم من مجلسه.) # ( لأنّ حركة البصر في الإدراك إلى ما يدركه ) - لكونه من اللطائف البرزخيّة التي ~~إنما غلب عليه التروّح وانقهر التجسّم - ( أسرع من حركة الجسم فيما يتحرّك منه ) ~~لغلبة الكثافة العائقة له في حركته . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإنّ الزمان الذي يتحرّك فيه البصر عين الزمان الذي ~~يتعلَّق بمبصره مع بعد المسافة بين الناظر والمنظور . فإنّ زمان فتح البصر زمان ~~تعلَّقه بفلك الكواكب الثابتة ، وزمان رجوع طرفه إليه عين زمان عدم إدراكه). # وذلك لأنّ هذه الحركة ليست للأجسام التي في حيطة الزمان حتى تكون متقدّرة به - ~~تقدّر حركات الأجسام به - بل للقوّة الجسدانيّة التي هي البرزخ بين لطيف الروح ~~وكثيف الجسم ، فإنما تتقدّر بباطن الزمان ، المسمى بلسان الاصطلاح ب « الآن الدائم ~~» و « الدهر » فلا يكون حينئذ للزمان - الذي هو النقوش والأشكال المترتّبة عليه - ~~قدر عند هذه الحركة أصل . # فعلم أن الزمان هاهنا بمعناه ، وأنّ الآن الذي يتقدّر به هذه الحركة هو # باطن الزمان وأصله ، لا جزؤه في الخارج - كما قيل في توجيه هذا الموضع : فإنّ ~~الزمان لا جزء له في الخارج ، إذ هو متّصل واحد في نفسه ، إنما يفصله الوهم . # "" أضاف الجامع : يقول الشيخ كمال الدين القاشاني عن باطن الزمان : # " باطن الزمان : هو المسمى باصطلاح القوم : الوقت ، وهو الحال المتوسط بين الماضي ~~والمستقبل وله الدوام . # فإن هذا الحال هو الظرف المعنوي الذي هو محل جميع المعلومات التي كانت جميعها ~~متعلقة به وكائنة فيه من الحضرة العلمية ، وكل معلوم كان حاصلا في حصة معنوية منه ~~بجميع توابعه وبه . ويسمى : الآن الدائم ، والحال الدائم المضاف إلى الحضرة العندية ~~المشار إليها بقوله : " ليس عند ربكم صباح ولا مساء " ، ولهذا كان هذا الحال هو ~~باطن الزمان وأصله الذي لا ماضي ولا مستقبل فيه ، بل كل لمحة منه مشتملة على مجموع ~~الأزمنة بحكم المرتبة الأولى ، وكل لحظة منه كالدهور من الزمان المتعارف ، والدهور ~~منه كلمحة من هذا الزمان الظاهر الغالب عليه حكم الماضي والمستقبل .أه # يقول الشيخ الأكبر ابن العربي : " علم الزمان هو علم شريف منه يعرف الأزل %~% ~~وهذا علم لا يعلمه إلا الأفراد من الرجال ، وهو المعبر عنه : بالدهر الأول ، ودهر ~~الدهور ". أه "" # كيفية إحضار عرش بلقيس # ( والقيام من مقام الإنسان ) لكونه حركة الجسم المتقدّرة بالزمان ( ليس كذلك ، أي ~~ليس له هذه السرعة . فكان آصف بن برخيا أتمّ في العمل من الجنّ ) ضرورة أن عمله غير ~~متخلَّلة بالزمان ، وهو الغاية في تلك الحركة المطلوبة . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فكان عين قول آصف بن برخيا عين الفعل في الزمن الواحد ~~. فرأى في ذلك الزمان بعينه سليمان عليه السّلام عرش بلقيس مستقرّا عنده ) . # وإنما صرّح بالاستقرار ( لئلا يتخيّل أنّه أدركه وهو في مكانه من غير انتقال ، ~~ولم يكن عندنا باتّحاد الزمان انتقال ) ضرورة أن الانتقال لا بدّ له من الزمان ، ~~ليطابق الحركة والزمان والمسافة ، فهو ما كان من قبيل الانتقال ( وإنما كان إعدام ~~وإيجاد من حيث لا يشعر أحد بذلك ) من المحصورين في حيطة القوى الجزئية ، التي إنما ~~يدرك الأمور بإحساسها من الخارج ( إلا من عرفه ) من الداخل . # العالم في خلق دائم # ( و ) الذي يدل على أنّهم محجوبون عن هذه المرتبة ( هو قوله تعالى : “ بَلْ هُمْ ~~في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ “ ) [ 50 / 15 ] . # ( ولا يمضى عليهم وقت لا يرون فيه ما هم راؤون له ) حتى يفهموا من الخارج معنى ~~الخلق الجديد . وذلك لأنّه ليس في حيطة الزمان . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وإذا كان هذا كما ذكرناه فكان زمان عدمه - أعني عدم ~~العرش من مكانه عين وجوده عند سليمان من تجديد الخلق مع الأنفاس . ولا علم لأحد ~~بهذا القدر) من الخارج ، كما سبق بيانه ، ولا من الداخل إلا بالتعريف الإلهي . # وإليه إشارة بقوله : ( بل الإنسان لا يشعر به من نفسه أنّه في كل نفس لا يكون ، ~~ثمّ يكون ) . # وفي إيراد لفظة « ثمّ » هاهنا إيهام معنى التراخي وما يستتبعه من التقدّم ~~والتأخّر الزمانيّين . فلذلك قال رضي الله عنه : ( ولا تقل : « ثمّ تقتضي المهلة » ~~. فليس ذلك بصحيح وإنما ثم ) في أمثال هذه المواضع ( تقتضي تقدّم الرتبة العليّة ) ~~وذلك فيما لم يكن للزمان دخل . # كقوله تعالى : “ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ “ [ 41 / 11 ] أو ~~يكون للزمان هناك دخل ، ولكن لا ترتيب فيه زمانيّ ، وذلك كما في اللغة ( عند العرب ~~في مواضع مخصوصة ، كقول الشاعر) : ( كهزّ الردينيّ . . . ثمّ اضطرب ) # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وزمان الهزّ عين زمان اضطراب المهزوز بلا شكّ . وقد ~~جاء ب « ثم » ولا مهلة ، كذلك تجديد الخلق مع الأنفاس ، زمان العدم زمان وجود المثل ~~) # "" أضاف المحقق : شطري بيت لأبي دؤاد جارية بن الحجاج الشاعر الجاهلي ، من قصيدة ~~له يصف فيها الفرس :كهزّ الردينيّ تحت العجاج %~% جرى في الأنابيب ثمّ اضطرب # الرديني : الرمح نسبه إلى امرأة تسمى ردينة . والعجاج : الغبار . والأنابيب : جمع ~~أنبوبة وهي ما بين كل عقدتين من القصب . # يقول : إذا هززت الرمح جرت تلك الهزّة فيه حتّى يضطرب كله ( شرح شواهد المغني ~~للسيوطي : شواهد ثم ، 1 / 358 ) . "" # وقد عثر أكثر أهل النظر على هذا الترتيب ، وهو المسمى عندهم بالتقدّم الذاتيّ ~~والطبيعيّ وبذلك تفطَّنوا على تبدّل الأعراض . # وإليه أشار بقوله ( كتجديد الأعراض في دليل الأشاعرة ) فإنّ علومهم لما كانت ~~مأخوذة من الخارج وأمر الأعراض هو الظاهر بالذات هناك دون الجوهر ، لذلك فهموا ~~تجديدها دونه ، وذهبوا إليه . # وعرش بلقيس لما كان من الجواهر المستقرّة ، إنما يعرف من عرّفه الله من الداخل ~~أمر ذلك التجديد . # قال الشيخ رضي الله عنه : (فإنّ مسألة حضورعرش بلقيس من أشكل المسائل ، إلا عند ~~من عرف ما ذكرناه آنفا في قصّته ، فلم يكن لآصف من الفضل في ذلك إلا حصول التجديد ~~في مجلس سليمان ، فما قطع العرش مسافة ، ولا زويت وطويت له أرض ، ولا خرقها - لمن ~~فهم ما ذكرناه ) # من كيفيّة تبديل العرش في صورة التحويل، من حكيم يعرف طريق تحصيله وميزان تقويمه ~~وتعديله . # كان سليمان هبة الله لداود عليهما السّلام # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وكان ذلك على يدي بعض أصحاب سليمان عليه السّلام ~~ليكون أعظم لسليمان عليه السّلام في نفوس الحاضرين من بلقيس وأصحابها ، وسبب ذلك ) # الظهور من سليمان عليه السّلام بين الأنبياء - يعني ظهور قهرمان تصرّفه في ~~الثقلين ونفوذ حكمه في الملوين. وأن أمر تصريف العالم بيدي أحد من خدّامه. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( كون سليمان هبة الله لداود عليه السّلام من قوله ~~تعالى : “وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ“ [ 38 / 30 ] والهبة عطاء الواهب بطريق ~~الإنعام ). # أي مبدأ صدوره هبة الجواد المطلق ، وغاية ظهوره هو إنعام منه لخلَّص خواصّه من ~~العبيد ، فهو حينئذ في جلالة القدر # لا بدّ وأن يكون بما لا يقابله ولا يعادله شيء من أعمال العباد - تخلَّقا كان ذلك ~~أو تحقّقا - وإليه أشار بقوله : ( لا بطريق الجزاء الوفاق أو الاستحقاق ) وهو أن ~~يكون العبد قد استحقّ ذلك بمحض استعداده لما يستحقّه بنفسه وإنّما لم يكن ذلك : # أما الأول فلأنّه لا بدّ من معادلة الجزاء لما يورثه من الأعمال ، وموافقته له في ~~ميزان ظهور الأحكام والآثار ، وليس من العبيد ما يكون بذلك المنزلة والاعتبار . # وأما الثاني فلأنّ استعداد العبد - من حيث هو عبد - إنما يقتضي الأوصاف العدميّة ~~- على ما هو مؤدّى أمر القبول وتنفيذ حكمه - فلا يقتضي التأثير والتصرّف في شيء ، ~~فضلا عن تقلَّد أمر التصريف في الثقلين . # ( فهو النعمة السابغة ) من الله على العالمين من حيث إفاضة الحقائق على ~~المسترشدين من أمّته وتغذيتهم بها وتربيتهم منها ، ( والحجّة البالغة ) من حيث ~~غلبته بمجرّد البرهان على المستبصرين منهم من ذوي الأنظار وأولي الأفكار ، ( ~~والضربة الدامغة ) من حيث ظهوره بالسيف على العامّة من المنكرين من الثقلين ، فهو ~~الوليّ ، النبيّ ، الرسول الظاهر على العالمين بالفيض والرحمة الظاهرة والباطنة ~~والقهر . # ثم هاهنا تلويح : # اعلم أنّ حروف « داود » بعددها وعدد بيناتها « يسأل عطية » ويقتضيها ولذلك تراه ~~قد اختصّ بها بين الأنبياء . # وإذ كان لسليمان - حسبما فيه من الحروف ثلاث جهات - : الولاية ، والنبوّة ، ~~والرسالة . يقتضي توجّه هبة الله له وترشيحه لمراقي عزّه إلى أن يبلغ تلك الجهات ~~منتهى كمالها بما لا مزيد عليه . # فترقى في الأول منها إلى أن أصبح نعمة سابغة في إفاضة ما يربي المسترشدين ~~ويغذّيهم . وفي الثانية منها حجّة بالغة للمتردّدين . وفي الثالثة منها ضربة دامغة ~~للمنكرين . # وهذه هي الغاية في المراتب المذكورة . # ولذلك وصف كلا منها بما هو تمامه بكمال الحروف - أعني الغين الذي لا مزيد عليه ~~بينهما ، فإنّ كل كلمة آخرها وتمامها ذلك الحرف يقتضي الكمال والختم في معناها ، ~~على ما لا يخفى لمن تصفّح ذلك وتأمّل . # علم داود وسليمان عليهما السّلام وأمة محمد صلَّى الله عليه وسلَّم # قال رضي الله عنه : ( وأما علمه ) - وهو الأول من الوجوه الثلاثة الكماليّة – ( ~~فقوله “ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ “ مع نقيض الحكم ) الصادر من داود عليه السّلام ~~في مسألة الزرع وأكله الماشية ( وكلَّا ) من الأنبياء ( “ آتَيْنا حُكْماً “) بحسب ~~ما تقتضيه استعدادات أممهم ("وَعِلْماً “ ) [ 21 / 79 ] هو مبدأ ذلك الحكم . # قال رضي الله عنه : ( وكان علم داود ) على ما هو مقتضى النص الكريم - وهو قوله : ~~" آتَيْنا" (علما مؤتى، آتاه الله) وحيا كان أو إلهام ( وعلم سليمان علم الله في ~~المسألة ) على ما هو مقتضى قوله تعالى : "فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ". # قال رضي الله عنه : ( إذ كان الحاكم ) عند تفهيمها إيّاه ( بلا واسطة ، وكان ~~سليمان ) في تلك المسألة ( ترجمان حقّ في مقعد صدق ) وكلّ من الحكمين بما فيهما من ~~التناقض حقّ . # قال رضي الله عنه : ( كما أنّ المجتهد المصيب لحكم الله ، الذي يحكم به الله في ~~المسئلة لو تولاها بنفسه أو بما يوحى به لرسوله : له أجران ، والمخطئ لهذا الحكم ~~المعين له أجر ، مع كونه علما وحكما ) . # حديث البخارى « إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم ~~أخطأ فله أجر » . رواه البخاري ومسلم. # ( فأعطيت هذه الامّة المحمّديّة ) - لكونهم ورثة الخاتم - ( رتبة سليمان في الحكم ~~، ورتبة داود ، فما أفضلها من امّة ) . # واعلم أنّ القرابة المستدعية للوراثة لا بدّ وأن تكون بين كل نبي وامّته ، ومن ~~ثمّة ترى في أمر بلقيس وقصّتها سراية الحكمين المتناقضين مع جمعيّتهما ، من أحكام ~~تلك القرابة القاضية بالوراثة . # وإلى ذلك أشار بقوله : ( ولمّا رأت بلقيس عرشها - مع علمها ببعد المسافة واستحالة ~~انتقاله في تلك المدّة - عنده “ قالَتْ كَأَنَّه ُ هُوَ “ [ 27 / 42 ] وصدّقت بما ~~ذكرناه من تجديد الخلق بالأمثال . وهو هو ) في نفس الأمر . # ( وصدق الأمر ) في حكمه بالاتّحاد ، كما صدقت بقيس في حكمها بالمغايرة . # أما الثاني فلما ذكر من أمر التجديد. # وأما الأول # فظاهر يعرف كل أحد من نفسه ، ( كما أنّك ) لا تشكّ أنّه ( في زمان التجديد عين ما ~~أنت في الزمن الماضي ) . # إشارة سليمان عليه السّلام بالتباس أمر الوجود على الناس # هذا بيان علم سليمان ، وأنّه النعمة السابغة على البريّة ، وأما بيان إثباته لذلك ~~العلم ، وأنّه الحجّة البالغة فيه . فإليه أشار بقوله : ( ثمّ إنّه من كمال علم ~~سليمان التنبيه الذي ذكره في الصرح ) أي استحضره فإنّ « الذكر » هو استحضار الشيء ، ~~وهو إمّا بالفعل في القلب ، وإما بالقول في الحسّ ، وهذا يشملهما . # أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فلدلالة قوله : ( فـ “ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي ~~الصَّرْحَ“ ) [ 27 / 44 ] وهو البيت العالي المروّق ، الخالص من الشوب ، الصافي من ~~الكدر . # ومنه جاء : « صراحا » أي جهارا ، و « هذا أمر صريح » أي لا تعريض فيه ولا خفاء . ~~وفيه إيماء إلى ما أشار إليه سليمان قولا، وهو قوله سائلا عنها : “ أَهكَذا ~~عَرْشُكِ “ [ 27 / 42 ] فإن ذلك تنبيه قوليّ غير صريح في المراد ، وهذا فعليّ محسوس ~~صريح فيه . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وكان صرحا أملس ، لا أمت فيه ) ولا اعوجاج ( من زجاج ~~“ فَلَمَّا رَأَتْه ُ حَسِبَتْه ُ لجة “ ماء فـ “ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها “ حتى لا ~~يصيب الماء ثوبها . # فنبّهها بذلك على أنّ عرشها الذي رأته من هذا القبيل ، وهذا غاية الإنصاف فإنّه ~~أعلمها بذلك إصابتها في قولها “ كَأَنَّه ُ هُوَ “) ذاهلة عن تلك الإصابة بإدخالها ~~في صرح صريح المحسوسات وإراءتها ما عليه كلمتها من المطابقة للواقع ، والمخالفة لما ~~عليه الأمر في نفسه. # ( فقالت عند ) ظهور ( ذلك ) الحجّة البالغة والتنبيه الصريح : ( “ رَبِّ إِنِّي ~~ظَلَمْتُ نَفْسِي “) بظلام الجهل وحجاب الكفر فيما كنت عليه قبل ( “وَأَسْلَمْتُ ~~مَعَ سُلَيْمانَ“ أي إسلام سليمان ) ، يعني أنّ المعيّة إنما هو في الإسلام ( ~~“لِلَّه ِ رَبِّ الْعالَمِينَ “) [ 27 / 44 ] . # مقارنة بين قول بلقيس وفرعون # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فما انقادت لسليمان وإنما انقادت لربّ العالمين ، ~~وسليمان من العالمين ، فما تقيّدت في انقيادها ) وإسلامها بتلك المعيّة ، فإنّها ~~قارنت إسلامها بإسلام الرسل ، فلا تتقيّد . # ( كما لا تتقيّد الرسل في اعتقادها في الله ، بخلاف فرعون ، فإنّه قال : “رَبِّ ~~مُوسى وَهارُونَ“ [ 7 / 122 ] وإن كان يلحق بهذا ) التصريح بالرسل في إسلامه وإظهار ~~من هو الواسطة في فوزه بهذه الكرامة شكرا لها . # ( الانقياد البلقيسي من وجه ، لكن لا يقوي قوّتها) فإنّه قد قيّد الربّ الذي أسلم ~~له دونها . # ( فكانت أفقه من فرعون في الانقياد لله ) يعني الربّ المطلق . # ثمّ إنّ الذي ظهر من فرعون على ما ورد به النصّ قوله : # "آمنت بالذي آمَنَتْ به بَنُوا إِسْرائِيلَ" ل “ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ “ على ما ~~نقل عنه . # "إشارة إلى قوله تعالى : "وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ ~~فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُه ُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَه ُ ~~الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّه ُ لا إِله َ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِه ِ بَنُوا ~~إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ" # [ 10 / 90 ] ." # وإن كان الذي آمنت به بنو إسرائيل هو ربّ موسى وهارون، لا تفاوت بينهما إلا ~~بالإجمال والتفصيل. # فاستشعر بلسان تعبير فرعون مقصوده بتلك العبارة المجملة قائلا : ( وكان فرعون تحت ~~حكم الوقت حيث قال : « آمنت بالذي “ آمَنَتْ به بَنُوا إِسْرائِيلَ » فخصّص ) الربّ ~~الذي أسلم له بالذي آمنت به بنو إسرائيل (و إنما خصّص لما رأى السحرة ) # - الذين جعلهم مقابلين لموسى ومناظرين له توهينا لأمره وإهانة له . # وذلك لابتذال السحر بين الناس واختصاص مباشريه بين كل قوم بالخسّة والاحتقار - ( ~~قالوا في إيمانهم باللَّه “ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ “ ) [ 7 / 122 ] . # فمنع فرعون احتشام علوّه في الأرض وغلوّه في الاستكبار أن يتبعهم في ذلك القول ~~استنكافا عن تقليدهم ، وإباء عن الاقتداء بهم في ذلك ، فغيّر العبارة وقال : "آمنت ~~بالذي " آمَنَتْ به بَنُوا إِسْرائِيلَ » . # والعجب حال من لم يتفطَّن لهذه اللطيفة المصرّح بها ، وارتكب المجاز في نسبة ذلك ~~القول إلى فرعون . # "" أضاف المحقق : إشارة إلى ما قاله الكاشاني في شرحه: « وإنما نسب إليه الشيخ ~~الإيمان برب موسى وهارون ، لأن إيمان بني إسرائيل إنما كان برب موسى وهارون ، فأسند ~~إليه مجازا ، وإلا لم يقل فرعون : رب موسى وهارون » . وقد تبعه في ذلك القيصري أيض ~~. "" # قال رضي الله عنه: ( فكان إسلام بلقيس إسلام سليمان ، إذ قالت : " مَعَ ~~سُلَيْمانَ") [ 27 / 44 ]. # وعنت بهذه المعيّة المقارنة بسليمان في نفس هذا الانقياد والإذعان بما يستتبعه ، ~~لا المقارنة الزمانيّة و المكانيّة . # وبيّن أن المراد بالمعيّة والمقارنة إذا كان هو المقارنة في الفعل ، يلزم أن يكون ~~المتقارنان متساويين في طريان ما يلزم ذلك الفعل من الأحوال والأوضاع . # وبلقيس إذ قارنت بسليمان تلك المقارنة ( فتبعته ) في سائر عقائده وأحواله ، ~~ولازمته في مسالكه بجميع أغوارها وأنجادها . # قال رضي الله عنه : ( فما يمرّ بشيء من العقائد إلا مرّت به معتقدة ، ذلك كما نحن ~~على الصراط المستقيم الذي الربّ عليه ، لكون نواصينا في يده ، ويستحيل مفارقتنا ~~إيّاه ) . # فيجب مقارنتنا له في جميع الأفعال والأقوال وجملة الأحوال . # وبيّن أن المعية من الطرفين وأنّ عين العبد في عدمه الأصلي كما كان ، ( فنحن معه ~~بالتضمين ) مختفيا في ضمنه ، ( وهو معنا بالتصريح ) ظاهرا في مجلاه . # ومن ثمّة ترى في الكلام المنزل السماوي الذي هو المبيّن الكاشف عن الأمر بما هو ~~عليه ظاهرا مفصحا عن ذلك ( فإنّه قال : “وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ “ ) [ ~~57 / 4 ] مصرّحا بمعيّته لنا ، فهو معنا بهذا النصّ الصريح في المعيّة ( ونحن معه ~~بكونه آخذ بنواصينا ) وهو إنما يدلّ على المعيّة ضمنا ، فإنّ دلالته على المعيّة ~~عقليّة ضمنيّة . إذ الناصية لغة هي : قصاص الشعر . # وهي ما ينتهي به الشعر مقدّما كان أو مؤخّرا، وذلك في عرف أهل الذوق عبارة عن ~~الكثرة الإحاطية التي قد انحشرت في الإنسان وظهر سواد ازدحامها على الدماغ ، فإنّ ~~فيه مدارك الشعور والإشعار ، ومصادر الأفعال الاختيارية التي من جملتها الكلام ، ~~الذي هو منتهى غايات الكثرة المتّصل طرفها بالوحدة ، فإنّه صورة العلم ، وهو ظاهر ~~الوجود كما عرفت . # وبيّن أنّ الآخذة بالناصية هو الذي يتحرّك بها وفيها، فإنّ لكلّ كثرة جهة جمعيّة ~~، هي الآخذ بأزمّة آثارها وإظهار مطاوي أسرارها ، فإنّ تلك الكثرة هي باطن تلك ~~الجهة من وجه ، وإن كان ظاهرها من آخر ، وهذا هو الوجه الذي نتكلم عليه . # ولذلك قال الشيخ رضي الله عنه : (فهو تعالى مع نفسه حيثما مشى بنا من صراطه) فإنّ ~~النفس في عرفهم مشتقّ من النفس المنسوب إلى الرحمن، وبيّن أنّ تلك الجهة الجمعيّة ~~التي بها يظهر العالم بأجناسه وأنواعه وأشخاصه لا بدّ لها من هيأة وحدانيّة ~~اعتداليّة في كلّ منها ، هي منهج ظهور ذلك النوع وصراط صورته الخاصّة ، بحيث لو ~~تجاوز عنها إلى طرفيها من الإفراط والتفريط لم يمكن ظهورها أصل . # قال رضي الله عنه: ( فما أحد من العالم إلا على صراط مستقيم ، وهو صراط الربّ ~~تعالى ) فإنّه لكل نوع ربّ يحفظ ذلك الهيئة الوحدانيّة على استقامته . # قال رضي الله عنه: ( وكذا علمت بلقيس من سليمان ) عند إسلامها من دقائق حكمه ، ~~وإذعانها له في لطائف إرشاده وهدايته ، ( فقالت “ لِلَّه ِرَبِّ الْعالَمِينَ “ ) [ ~~27 / 44 ] مفصحة عن معبودها بأسمائه الإلهيّة والربوبيّة ، وسماته الكيانيّة ، بما ~~يكشف عن المعيّة المذكورة ، لما في الربّ من معنى النسبة التي يلازم طرفيها معا . # ولذلك عمّت ( وما خصّصت عالما من عالم ) فإنّه لو أنّها ما علمت من سليمان تلك ~~المعيّة الإطلاقية ما عمّت ، بل خصّصت كما خصّص بنو إسرائيل . # التسخير المختصّ بسليمان عليه السّلام # ثمّ لما ظهر أمر بالغيّة حجّة سليمان في إسلام بلقيس وإرشاده لها ، إلى أن بلغت ~~مراقي كمالها على ما بيّن ، شرع في تحقيق دامغيّة ضربته على الترتيب المشار إليه ~~أول # بقوله رضي الله عنه : ( وأما التسخير الذي اختصّ به سليمان وفضل به على غيره ، ~~وجعله الله من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده : فهو كونه عن أمره ) وقوله وآثار ~~منطوق كلامه وحرفه # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فقال : “ فَسَخَّرْنا لَه ُ الرِّيحَ تَجْرِي ~~بِأَمْرِه ِ “ [ 38 / 36 ] فما هو من كونه تسخيرا ، فإنّ الله يقول في حقّنا كلَّنا ~~من غير تخصيص : “ وَسَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّماواتِ وَما في الأَرْضِ جَمِيعاً ~~مِنْه) [ 45 / 13 ] # أي من غير تخصيص من الله ، فإن مبدأ ذلك التخصيص إنما هو تراكم التفرقة المشوّشة ~~لتوجّه الهمّة وصلابتها ، الموجبة لنفوذ حكمها في المسخّر لها ، وذلك من جهة العبد ~~. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وقد ذكر تسخير الرياح والنجوم وغير ذلك ، ولكن لا عن ~~أمرنا ، بل عن أمر الله ، فما اختصّ سليمان إن عقلت إلا بالأمر من غير جمعيّة ولا ~~همّة ، بل لمجرّد أمر ) لفظيّ وحرف صوتيّ رقميّ . # وكأنّك لوحت في مطلع الفصّ على ما يطلعك على كيفيّة ذلك ولميّته إجمالا من ~~تلويحات اسم سليمان - فتذكَّر . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وإنما قلنا ذلك لأنّا نعرف أن أجرام العالم تنفعل ~~لهمم النفوس إذا أقيمت في مقام الجمعيّة ، وقد عاينّا ذلك في هذا الطريق ، فكان من ~~سليمان مجرّد التلفظ بالأمر ) - صرّح بالتلفّظ تبيينا لما ذكر من مبادئ نفوذ كلامه ~~، وهو محض تلفّظه - ( لمن أراد تسخيره من غير همّة ولا جمعيّة ). # اختصاص سليمان عليه السّلام بالملك في الدنيا ، ولا يعمّ الآخرة # ثمّ إنّ هاهنا إشكالا ، وهو أنّ استجابة دعاء سليمان يقتضي أن لا يكون بعده لأحد ~~مثل ما أعطي له من الملك ، وهذا خلاف ما تقرّر من أمر خاتم الولاية ، وما ثبت أن ~~لكلّ أحد في الآخرة من عوام المؤمنين أضعاف ما في الدنيا من الملك . # فأشار إلى إزاحة مثل هذه الشبهة بقوله : # قال الشيخ رضي الله عنه : ( واعلم - أيّدنا الله وإيّاك بروح منه - أنّ مثل هذا ~~العطاء إذا كان لعبد - أيّ عبد كان - فإنّه لا ينقصه ذلك من ملك آخرته ) فلا يخالف ~~استجابة دعاه ما ادّخر له ولغيره في الآخرة ، فإنّ ذلك لسليمان ولغيره من المؤمنين ~~بحاله ما ينقصه شيء . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ولا يحسب عليه ، مع كون سليمان طلبه من ربه تعالى ، ~~فيقتضى ذوق الطريق أن يكون قد عجّل له ما ادّخر لغيره ) - يعني لخاتم الولاية . # ( ويحاسب به إذا أراده في الآخرة ) ، والذي يدلّ على هذا ما ظهر من طيّ كلامه ، ~~حيث نسب العطاء إلى نفسه ، وما نسب إلى العبد بوجه ، ( فقال الله له : “ هذا ~~عَطاؤُنا “ ولم يقل : لك ولا لغيرك “ فَامْنُنْ “ أي أعط "أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ ~~حِسابٍ" ) [ 38 / 39 ] . # فما نسب إلى العبد إلا الإعطاء أو الإمساك بما لا يحاسب عليه ، ( فعلمنا ) - لا ~~بمجرّد فهم المعاني الوضعيّة ، بل - ( من ذوق الطريق أنّ سؤاله ذلك كان عن أمر ربه ~~) ولذلك لا يحاسب عليه . # ( والطلب إذا وقع عن الأمر الإلهيّ كان الطالب ، له الأجر التامّ ) ، أي الخالي ~~عن غوائل الحساب والعقاب على طلبه ، فإنّ طلبه ذلك امتثال أمر وعبادة . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( والباري تعالى إن شاء قضى حاجته فيما طلب منه ، وإن ~~شاء أمسك . فإن العبد قد وفّى ما أوجب الله عليه من امتثال أمره فيما سأل ربّه فيه ~~) . # حيث قال : “ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[ 40 / 60 ] . ( فلو سأل ذلك من نفسه ، ~~من غير أمر ربّه له بذلك ، ليحاسب به.) # اللبن صورة العلم # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وهذا سار في جميع ما يسأل فيه الله كما قال لنبيّه ~~محمّد - عليه الصلاة والسّلام - : " قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً " [ 20 / 114 ] ، ~~فامتثل أمر ربّه ، فكان يطلب الزيادة من العلم ) # وينتظر وروده لتغذية فطرته في جميع المراتب والعوالم . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( حتى كان إذا سيق له لبن يتأوّله علما ، كما تأوّل ~~رؤياه لما رأى في النوم أنّه اتي بقدح لبن ، فشربه وأعطى فضله عمر بن الخطاب . قالو ~~: فما أوّلته ؟ قال : العلم . وكذلك لما أسري به أتاه الملك بإناء فيه لبن وإناء ~~فيه خمر ، فشرب اللبن .) # وأنت عرفت وجه مناسبة اللبن بالعلم سابقا ، لكن له وجه آخر يليق بهذا المقام ، ~~وهو أنّ اللبن أقبل غذاء للاتحاد بالمزاج الكونيّ الجمعيّ ، والخمر أبعدها قبولا ~~للاتّحاد به ، لامتداد زمان التغالب والتقابل بينه وبين ذلك المزاج. # وهو زمان سكره وانقهار سلطان جمعيّته تحت تأثير الخمر ونشأته ، فهو يخالطه ~~ويخامره زمانا إلى أن يقهره المزاج ويغتذي به ، والعلوم والمعارف الإلهيّة متفاوتة ~~بحسب المشارب وقبولها إيّاها ، فإنّ من ذوي الأذواق من لا يفهم التوحيد إلا بنوع من ~~امتزاج الظاهر بالمظهر ومخامرته إيّاه ، ويتوقّف في أمر الاتّحاد غاية التوقّف . # وأما المحمّد والمحمّدون ، إذ وردوا عين الإطلاق الذاتيّ وشربوا من زلال قراحه ~~الذي لا يمازجه شوائب السوي ، ولا يخامره كدر الغير ، فهم الذين قد أصابوا ما عليه ~~أصل قابليّة الإنسان ووصلوا إليه ، وإليه أشار بقوله : ( فقال له الملك : « أصبت ~~الفطرة » ) ، إذ الفطرة في ظاهر اللغة من قولهم : فطرت العجين : إذا عجنته فخبزته ~~من وقته . # وفطرة الله للخلق هو إيجاده وإبداعه على هيأة مترشّحة لفعل من الأفعال ، وهو ما ~~ركز في الناس من المعرفة . # هذا كلامهم ، وعلم منه أن الفطرة تتضمّن ما عليه أصل استعداد الناس أجمع ، من ~~الإجمال الجمعيّ الإطلاقيّ ، دون التفصيل الفرقانيّ الذي اختصّ به . # وإليه أشار بقوله : ( أصاب الله بك امّتك ) ولما كان اللبن إشارة إلى هذا النوع ~~من العلم ، أعطى فضله لعمر بين أصحابه ، فإنه طرف عمومه الذي منه يستفيض الامّة . # ( فاللبن متى ظهر فهو صورة العلم ) - عينيّة كانت الصورة أو مثاليّة - هذا عبارة ~~لسان الفرق التفصيليّ ، وأما بلسان الجمع القرآنيّ ( فهو العلم ) ، لا غير ، ( ~~تمثّل في صورة اللبن ) ، تنزّلا في مدارج الامتزاج والاختلاط ، ( كجبرئيل تمثّل في ~~صورة بشر سويّ لمريم ) . # قال الشيخ رضي الله عنه : (ولما قال عليه الصلاة والسّلام : « الناس نيام فإذا ~~ماتوا انتبهوا » نبّه على أنّه كل ما يراه الإنسان في حياته الدنيا إنما هو بمنزلة ~~الرؤيا للنائم ) في أنّه صور يعبّر بها عن الأمور الواقعة ، أو الذي سيقع ، فهو من ~~هذه الحيثيّة ( خيال ، فلا بدّ من تأويله ) . # (إنما الكون خيال %~% وهو حق في الحقيقة) # ( إنما الكون ) وهو كما عرفت في المقدّمة عبارة عن الأعراض المتشخّصة بها الأشياء ~~في هذا العالم من المحسوسات ، وما يتقوّم بها . ولا شكّ أنّها أمور متحوّلة متغيّرة ~~، وصور غير مستقرّة كاشفة عن آخر مثلها ، فهو بهذا الوجه : ( خيال ) وإن كان بوجه ~~آخر ( وهو ) من حيث أصله الباقي منه دون الهلاك ( حقّ في الحقيقة ) . # (والذي يفهم هذا %~% حاز أسرار الطريقة) # (والذي يفهم هذا ) أي الكون بوجهيها ، أو طريق تأويل هذه الصور الكونيّة ~~الخياليّة وسبيل تعبيرها ، فإنّ السالك إذا فهم ألسنة إرشاد الكائنات ( حاز أسرار ~~الطريقة ) فاستغنى عن مرشد آخر في صورة شخصيّة معيّنة ، فإنّ الحقّ يرشده في صور ~~الأكوان . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وكان صلَّى الله عليه وسلَّم إذا قدّم له لبن ، قال : ~~" اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه " لأنه كان يراه صورة العلم ، وقد امر بطلب الزيادة ~~من العلم . # وإذا قدم إليه غير اللبن قال : « اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه » ) . # السؤال إذا كان عن أمر إلهي لا يحاسب به السائل # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فمن أعطاه الله ما أعطاه بسؤال عن أمر إلهيّ ، فإنّ ~~الله لا يحاسبه به في الدار الآخرة . ومن أعطاه الله ما أعطاه بسؤال عن غير أمر ~~إلهيّ ، فالأمر فيه إلى الله : إن شاء حاسبه به ، وإن شاء لم يحاسبه . وأرجو من ~~الله في العلم خاصّة أنه لا يحاسبه به ، فإنّ أمره لنبيه عليه الصلاة والسّلام بطلب ~~الزيادة من العلم عين أمره لامّته . فإن الله يقول : “ لَقَدْ كانَ لَكُمْ في ~~رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ “ [ 33 / 21 ] ، وأيّ أسوة أعظم من هذا التأسّي لمن ~~عقل عن الله ) تعالى واستفاض العلوم من محلَّه خالصة عن شوائب امتزاج الوسائط ؟ # المقام السليماني # ثم إنّه لما كان طرف التشبيه غالبا على ذوق سليمان - على ما علم في طيّ أوضاعه من ~~التفاته إلى الملك ، وانقياد الأكوان له جملة ، على ما علم منه ومن تلويح اسمه - ~~وبيّن أن مقتضيات أحكام هذا الطرف مما لا يفهمه - فهم قبول - إلا الندر من العلماء ~~، اولي الأذواق الكاملة والحكم الشاملة . # قال رضي الله عنه : ( لو نبّهنا على المقام السليماني على تمامه ، لرأيت أمرا ~~يهولك الاطلاع عليه ) لاشتمال ذلك على أصول غريبة تنهدم بها قواعد العقائد التي ~~عليها تعويل أهل التحقيق . # قال رضي الله عنه : ( فإنّ أكثر علماء هذه الطريقة جهلوا حالة سليمان ومكانته ~~وليس الأمر كما زعموا ) ، كما نبّه في مطلع الفصّ على بعضه وفي طيّه على آخر حيث ~~قال : مبدأ تسخيره عليه السّلام إنما هو مجرّد التلفّظ بدون ضميمة همّة ولا جمعيّة ~~، كما بيّن آنفا . # ولهذا البحث تفاصيل يحتاج إلى أصول غريبة وعلوم غير مأنوسة ، لذلك اكتفى عنه بهذا ~~الإجمال. # تمهيد للفصّ الآتي # ثم اعلم أنّ الوجود الذي هو قهرمان أمر الظهور ومصباح ذلك النور - على ما لا يخفى ~~- له ظاهر يعبّر عنه بالرحمانيّة . # كما أن داود الذي هو سلطان أمر الإظهار بما ورد في حقه من الخلافة المنصوص عليه - ~~كما ستقف على تحقيقه - وتسخير الطير والجبال اللذين هما أشدّ ما في العالم علوّا ~~على الإنسان ، وأكثره عصيانا وإباء للإذعان ، له نتيجة يظهر منها تمام تلك السلطنة ~~، وهو سليمان. # فيكون بين « داود » و « الوجود » خصوص نسبة ، كما بين « سليمان » و « الرحمن » . ~~وإليه أشار بقوله : فصّ الحكمة الوجوديّة في الكلمة الداودية # . # %~% ### | فص حكمة وجودية في كلمة داودية ### | 17 - فصّ حكمة وجوديّة في كلمة داودية .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين ~~علي ابن محمد التركة # شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم الشيخ ~~الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # 17 - فصّ حكمة وجوديّة في كلمة داودية # ويلوّح على تلك النسبة بيّنات عددهما. # النبوّة والرسالة اختصاص إلهي ، لا كسبي # وبيّن أن مراتب كمال العباد ومدارج ترقّيهم فيه ضربان : # أحدهما : ما يصلح لأن تحصل لهم وراثة من « 2 » أعمالهم المعدّة لهم في استحصاله ، ~~كاستفاضة المعارف واستعلام الحقائق واستجلاب تطوّرات الأحوال وفنون الأذواق بضرب من ~~الأفكار الصافية والتوجّهات الخالصة عن الشوائب المشوّشة . # وثانيهما : ما لا يصلح لأن يكون من العبد عمل يوازيه ، ويورث ذلك ، لجلالة شأنه ~~عن رتبة العبد بما هو عبد ، واختصاصه بالحق ، كالرسالة والنبوّة التشريعيّة ، # ولما كان من مقتضى الكلمة الداوديّة ومؤدّى كمالاته الخصيصة به أمر الخلافة ~~وكمالها الذي هو الرسالة والنبوّة التشريعيّة ، # صدّر الفصّ بتحقيقها قائلا : ( اعلم أنّه لما كانت النبوّة والرسالة اختصاصا ~~إلهيا ليس فيها شيء من الاكتساب - أعني نبوة التشريع - ) ، وهو وضع الصور الجزئيّة ~~والأحكام التكليفيّة - الكاشفة عن الأمر وتفصيله - على ما هو حقّ الإنباء وكماله . # وقد احترز به عن نبوّة تعريف الحقائق الكليّة وتبيين العلوم الإلهيّة - مما يمكن ~~اكتسابه بوراثة الأعمال الفكرية والمهيّجات الذوقيّة ، كما قال النبي صلَّى الله ~~عليه وسلَّم : # " من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم " أو بقرب نسبة الأنبياء ووراثتهم ~~ذلك منهم ، كما قال: " العلماء ورثة الأنبياء " . # وذلك لأنّه قد يستحصل كليّات الحقائق الأسمائيّة والمعارف الإلهيّة الجمليّة ~~بالفكر وسائر ضروب التوجّهات وفنون التعمّلات ، دون جزئيّات تفاصيل تلك الحقائق ، ~~على طبق ما في العين من الأشخاص الخارجيّة . # فإنّ ذلك من الخصائص الإلهيّة التي إنما يتحقّق بها العبد بطريق الوهب فقط وبيّن ~~أن حكم الأصول الكليّة يسري في الفروع وجزئيّاتها ، فلذلك ( كانت عطاياه لهم من هذا ~~القبيل : مواهب ليست جزاء ) لسوابق أعماله الوارثة لها ( ولا يطلب عليها منهم جزاء ~~) بلواحق شكره المستجلبة للمزيد عليه . # ( فإعطاؤه إيّاهم على طريق الإنعام والإفضال ) بدون سوابق مقتضيات ولا لواحقه # ( فقال : “ وَوَهَبْنا لَه ُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ “ [ 6 / 84 ] يعني لإبراهيم ~~الخليل ، وقال في أيوب : “ وَوَهَبْنا لَه ُ أَهْلَه ُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ “ [ ~~38 / 43 ] ، وقال في حقّ موسى : “ وَوَهَبْنا لَه ُ من رَحْمَتِنا أَخاه ُ هارُونَ ~~نَبِيًّا “ [ 19 / 53 ] ، إلى مثل ذلك ) مما حصل لسائر الأنبياء من جلائل النعم ~~ودقائقها بطريق الوهب ، على ما نصّ عليه في كلامه . # وفي هذه الآيات الكريمة ما يكشف عن كمال تحقّق الخليل وبلوغه فيه مبلغ التمام ، ~~حيث أنّ موهوبه ليست فيه نسبة ولا غيبة مما هو مقتضى السلوب والإضافات ، بل محض ~~الوجود - كما اطَّلعت عليه في فصّه ، فتذكَّر . # ( فالذي تولَّاهم أوّلا ) في كليّة أمرهم - أعني النبوّة التشريعيّة - ( هو الذي ~~تولاهم في عموم أحوالهم ) الجزئيّة ( أو أكثرها ) ، فإنّه يمكن أن يكون بعض تلك ~~الجزئيّات بالكسب ولكن على سبيل الندرة . ويعلم من هذا الكلام وجه امّية الخاتم ، ~~ومعنى قوله : "أنتم أعلم بأمور دنياكم " . # ( وليس ) ذلك المتولي أوّلا وثاني ( إلا اسمه الوهّاب ) . # ما آتى الله تعالى داود عليه السّلام من الفضل # (وقال في حق داود : “ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا “ ) [ 34 / 10 ] . ~~( فلم يقرن به جزاء يطلبه منه ) بل نسب ذلك إلى نفسه وقال : “ مِنَّا “ ، ( ولا ~~أخبر أنّه أعطاه هذا الذي ذكره جزاء ) بل نصّ على أنّه كان فضلا وعطاء . # ( ولما طلبه الشكر على ذلك ) النعمة الجليلة ( بالعمل ) الذي هو مقتضى حكمه ( طلب ~~من آل داود ولم يتعرّض لذكر داود ، ليشكره الآل على ما أنعم به على داود ، فهو في ~~حقّ داود عطاء نعمة وإفضال ، وفي حقّ آله على غير ذلك ، لطلب المعاوضة ) بالأعمال ~~القلبيّة والجوارحيّة ، شكرا لتلك النعمة . # وهذا الطلب من آل داود مما عليه داود من الخلافة المطلقة المنصوص عليه . # فإنّه إذا كان يطلب من غيره المستخلفين عليهم الأعمال شكرا على ما أنعم على داود ~~يكون غاية في تعظيم خلافته وجلال قدره ، سيّما إذا طلب ذلك من أهل الخليفة الذين هم ~~مجبولون على التنافس والتباغض ، فإنّ دلالته على جلالة قدر الخليفة أكثر وأظهر . # (فقال تعالى : “ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً “ [ 34 / 13 ] ، فعلم أنّ انتصاب “ ~~شُكْراً “ إمّا على التمييز ، وإمّا على أنّه مفعول لأجله . # شكر الأنبياء # ثمّ إنّ الشكر وإن لم يكن مطلوبا من الأنبياء عليهم السّلام ، ولكن لم يزل ~~يواظبون عليه ، وذلك الشكر هو البالغ في الشكريّة . وإلى ذلك أشار بقوله تعالى : ~~("وَقَلِيلٌ من عِبادِيَ الشَّكُورُ “) [ 34 / 13 ] . # وإليه نبّه بقوله : رضي الله عنه : ( وإن كانت الأنبياء قد شكروا الله تعالى على ~~ما أنعم به عليهم ووهبهم ، فلم يكن ذلك عن طلب من الله ، بل تبرّعوا بذلك من نفوسهم ~~كما قام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى تورّمت قدماه ، شكرا لما غفر الله له ~~ما تقدّم من ذنبه وما تأخر ، فلما قيل له في ذلك قال : " أفلا أكون عبدا شكورا " # وقال في نوح : “ إِنَّه ُ كانَ عَبْداً شَكُوراً “ [ 17 / 3 ] ، فالشكور من عباد ~~الله قليل ) # وذلك لأن الشكر البالغ إلى كماله التامّ فيه هو أن يكون بلا طلب من المنعم الواهب ~~، وهو إنما يكون للكمّل من الأنبياء الذين يصل إليهم النعم من ديوان الوهب كما عرفت ~~. # خصوصيّة اسم داود # ثم إنّ الخلافة التي تحقّق بها داود إنما تقتضي التصرّف والتأثير في العالم ، وهو ~~إنما يتصور بعد قطعه عن العالم ، ضرورة أنّ المتأثّر ما لم ينفصل عن المؤثّر فيه - ~~انفصال قطع يقابله به - لم يتمكَّن من التصرّف فيه والتسلَّط عليه كلّ التسلَّط . # قال الشيخ رضي الله عنه : (فأوّل نعمة أنعم الله بها على داود أن أعطاه اسما ليس ~~فيه حرف من حروف الاتّصال ، فقطعه بذلك عن العالم إخبارا لنا عنه بمجرّد هذا الاسم ~~) # فإنّ اسم « داود » يلوح على القطع بعينه بأوّل بيناته ، وذلك لأنّ الأسامي ~~والألقاب المنزلة من سماء الوهب مخبرة عمّا اشتمل عليه المسمى من الخصائص والأوصاف ~~التي له عند العارف بفنون دلالات الحروف ووجوه كشفها وتبيّنها ، # وهذا من خصائص علوم أصحاب الأئمّة الهداة وتلامذتهم - وقد نبّهت عليه في المقدمة ~~- فيكون انتصاب « إخبار » على أنه مفعول له من « قطعه » لا غير. # الحروف المتصلة والمنفصلة # ثمّ إنّ الحروف الكتابيّة التي هي الكاشفة عن الحقائق ، التي تتعلَّق بطرف ~~الولاية والبطون - كما سبق التنبيه عليه - تنقسم بالحصر القطعي إلى ما يتّصل ويتّصل ~~به - وهو حروف الاتّصال ، وأكثر الحروف كذلك - وإلى ما يتّصل ولا يتّصل به ، بل ~~ينقطع به الكلمة وينفصل ، فهو جهة تمامها ، وهو حروف الانفصال . # وذلك ستّة يجمعها « روزداذ » وإلى ما لا يتّصل ولا يتّصل به ، وهذا غير ظاهر ولا ~~معدود في الحروف . # لأنّ الظهور يستدعي مظهرا يتّصل به حتّى يتمكَّن من البروز عن سواد الخفاء على ~~بياض الظهور ، فهذا القسم مندمج في سواد الخفاء غير معدود في جملة الحروف . # لأنّ ملاك أمرها إنما هو الإظهار والإبراز - كما عرفت - وهذا هو الهمزة فقط . # المناسبات الحرفية في اسمي محمّد وداود عليهما السّلام # ثمّ إنّ المناسب لعالم الامتزاج والاختلاط هو القسم الأوّل ، # كما أنّ الموافق لعظمة الخلافة وحشمة أمرها هو الانفراد والانقطاع عن الرعاي وهو ~~القسم الثاني . # فلذلك سمّي داود الذي قد اختصّ في التنزيل بنصّ منشور الخلافة بحروف هذا القسم ، # ( وهي : الدال ، والألف ، والواو ، وسمّي محمّدا صلَّى الله عليه وسلَّم بحروف ~~الاتّصال والانفصال ، فوصله به وفصّله عن العالم ، فجمع له بين الحالتين في اسمه ) ~~. # وذلك لأنّ الاسم محل إظهار الشخص بما هو عليه ، ولما كان محمد صلَّى الله عليه ~~وسلَّم خاتم أمر الإظهار وسلطان حكمه - الذي إنما يتحقّق في الكثرة والانفصال مع ~~انطوائه على تمام المعنى الذي يقتضي الوحدة والاتّصال - لا بدّ وأن يكون من الحروف ~~المختصّة به دلالة على وجهيه . # إذا عرفت هذا تبيّن لك أنّه لا بدّ من اشتمال اسمه على النوعين من الحروف ، دلالة ~~منه على طرفيه . وسائر الأنبياء وإن كانوا ذا طرفين ولكن ليس لأحد بينهم أمر تمام ~~الإظهار وختمه ، فلا يكون في اسمه الذي هو مبدأ الإظهار دال عليه . فلذلك قال : # " فجمع له بين الحالتين في اسمه " ، ( كما جمع لداود بين الحالتين من طريق المعنى ~~، ولم يجعل ذلك في اسمه ) . ### || "" أضاف المحقق : # قال الكاشاني : وهو اختصاصه بالجمع بين النبوة والرسالة والخلافة والملك والعلم ~~والحكمة. "" # ( فكان هذه ) الجمعيّة الاسميّة ( اختصاصا بمحمّد على داود ) لما بينهما من ~~الاشتراك في الظهور بالخلافة والرسالة الإحاطيّة . # ومن ثمّة ترى المشترك بين اسميهما هو « الدال » الدالّ على الدولة والظهور ، ولكن ~~لما كان في المحمد متصلا بميم التمام والكمال يكون دالَّا على جمعيّته الصوريّة ~~والمعنويّة ، فإنّ الاتّصال يستتبع الاتّحاد الذي هو من لوازم المعاني والعلوم . # وإليه أشار بقوله : ( أعني التنبيه عليه ) - أي على الاختصاص المذكور الذي له بين ~~الأنبياء - ( باسمه ، فتمّ له عليه السّلام الأمر من جميع جهاته ) اسما ومسمّى ~~وصورتا ومعنى . # وفي آدم وإن كان الدال فيه مع ميم التمام ، ولكن منفصلا عنه ، غير متّصل به فلا ~~يدلّ إلا على الدولة الصوريّة والجمعيّة الوجوديّة التي له . # ( وكذلك في اسمه ) المنصوص عليه اسميّته في التنزيل في قوله تعالى “ مُبَشِّراً ~~بِرَسُولٍ يَأْتِي من بَعْدِي اسْمُه ُ أَحْمَدُ “ [ 61 / 6 ] . # ( فهذا من حكمة الله ) المستفادة من الصور المنزلة من عنده ، فإنّ الحكم منها ما ~~يستحصل بالفكر وما يجري مجراه من أنواع التعمّلات والسعي وفنون التسبّبات والكسب . ~~ومنها ما يستفاد من الصور الحرفيّة القرآنيّة ، والدلائل الكشفيّة العيانيّة . # وبيّن أنّ الحكم وإن كان كلها من الله ، ولكن المنتسب منها إليه أوّلا وبالذات هو ~~الثاني . # سرّ تسبيح الجبال والطير مع داود عليه السّلام # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ثمّ قال في حق داود فيما أعطاه على طريق الإنعام عليه ~~ترجيع الجبال معه التسبيح ، فتسبّح لتسبيحه ليكون له عملها ، وكذلك الطير ) ، # والوجه في تخصيص هذين النوعين بالمتابعة ، هو أنّهما أشدّ أنواع الأكوان ترفّعا ~~على الإنسان ، وعلوّا عليه وإباء لقبول الإذعان له ، لغلوّ القساوة والخفّة فيهما ، ~~وبيّن أن كلا منهما يمنع الانقياد وقبول التصرف . # أمّا الأوّل فلإفراطها في طرف الكثافة العاصية عن القبول. # وأمّا الثاني فلتفريطه في طرف الخفّة وعدم استقراره بين يدي الفاعل عند التأثّر ~~والقبول . # وبيّن أنّ الطرفين مع غلوّ إبائهما وعلوّهما على الإنسان إذا دخلا في انقياده ~~وإسلامه ، فما في أواسطهما - مما يقرّب إلى حدّ الاعتدال - يكون بذاك الانقياد أحرى ~~وأولى . # ضرورة أنّ رقيقة نسبته إلى الإنسان أوثق وأظهر . # ولا يخفى على الواقف بأساليب هذا الكلام من المستبصرين ، أنّ تأويل الجبال والطير ~~هاهنا بالعظام والقوى لا يوافق كمال خلافة داود وانقياد البريّة له وتسلَّطه عليها. # ثمّ هذا المعنى وإن كان له وجه في حدّه عند الكلام على الحكم الأنفسيّة ، ولكن لا ~~يوافق هذا السياق ، فإنّه في صدد تسخير الأكوان الآفاقية له ، على ما هو من خصائص ~~خلافته الخاصّة به ، وسيجئ في معنى تليين الحديد ما يؤيّد ذلك . # سرّ إعطاء القوّة والحكمة لداود عليه السّلام # ثمّ إنّ مثل هذه الخلافة لا بدّ وأن يكون بالقوّة التي بها يتمكَّن من الظهور ~~سياسة وحكما . والحكمة التي بها تترتّب الأمور على الوضع الأتمّ والنظم الأليق ، ~~والفصاحة التي بها تظهر الأشياء والأحكام فإلى هذه الأمور أشار بقوله : ( وأعطاه ~~القوّة ونعته بها ) في كريم كتابه إظهارا لما أنعم عليه فيها ، كما هو مقتضى كمال ~~أمر الخلافة وتمام إظهارها في قوله : “ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الأَيْدِ ~~إِنَّه ُ أَوَّابٌ “ [ 38 / 17 ] أيّ القوّة ( وأعطاه “ الْحِكْمَةَ “ ) أي معرفة ~~حقائق الموجودات كلها تحقيق ( “ وَفَصْلَ الْخِطابِ “ ) [ 38 : 17] أي إظهار ما ~~يفصّل الأشياء ويميّزها حقّ التمييز من الكلام والخطاب اللايق بأمم زمانه . # "" أضاف المحقق : # كلام الشارح تعريض لما أورده الجندي وتبعه الكاشاني فقال : " إن الجبال تحكي ~~بصورها رسوب الأعضاء والتمكن والثبات التي هي مخصوص بالكمل في ظواهرهم ، والطير ~~تحكي بطيرانها حركة القوى الروحانية فيه وفي كل عبد كامل إلى تحصيل مطالبها عند ~~التسبيح الكامل # ولما كان داود من كمال توجهه وتجرده وانقطاعه إلى اللَّه بالمحبة الذاتية . . . # تبعته ظواهره وبواطنه وجوارحه وقواه كلها ، أظهر اللَّه تعالى سر انخراط أعضائه ~~وقواه الروحانية في التنزيه والتقدس في صور الجبال والطير متمثلة له %~% " . # وقال القيصري مكملا لكلامهم : " %~% ولما كانت الجبال الظاهرة والطير المحشورة ~~مثالا للأعضاء والقوى الروحانية والجسمانية ، وصورا ظاهرة في الخارج لهذه الحقائق ~~التي في العالم الإنساني %~% حصل ذلك التأثير الروحاني أيضا في روحانية الجبال ~~والطير ، فسبحن ذلك التسبيح بعينه %~% " . أه "" # ومبدأ فصل الخطاب هو ما أنعم عليه في اسمه بحسب الصورة الخطيّة كما يشعر به ~~عبارته هذه ، كما أنّ مبدأ المعرفة ما فيه بحسب معناه ، كما لا يخفى # اختصاص داود عليه السّلام بالتنصيص على خلافته # وبيّن أنّ هذه الكمالات الوجوديّة المستتبعة لإظهار ما عليه كلمته ، من فنون ~~جلائل الأوصاف كلَّها متفرّعة على خلافته المنصوص عليها في التنزيل فهي مبدؤها ~~وأصلها . # وإليه أشار بقوله : ( ثمّ المنّة الكبرى والمكانة الزلفى التي خصّه الله بها ~~التنصيص على خلافته ، ولم يفعل ذلك مع أحد من أبناء جنسه ) من الرسل ( وإن كان فيهم ~~خلفاء ، فقال : “ يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأَرْضِ فَاحْكُمْ ~~بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى “ [ 38 / 26 ] أي ما يخطر لك في ~~حكمك من غير وحي مني “ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله “ أي عن الطريق الذي أوحي بها ~~إلى رسلي ) . # وذلك أنّ لكل عبد طريقين إلى منهج الاستفهام واستعلام الأحكام : # أحدهما طرف قدس العقل ، الذي به يوحى إذا ترقى أمره إلى غايته الكمالية ، كما في ~~الرسل عليهم السلام ، وهو الذي يأتي بالحقّ على مدارج تنزّلاته الوجوديّة ، ~~وترتيبها الأصلي التي منها جاء من عالم المعاني إلى المثال ، إلى الحسّ والآخر طرف ~~هويّته الإطلاقيّة وجمعيّته الكماليّة التي يسمّى بالهوى . # وهما في الحقيقة سبيل الله . فإنّ الهوى يلوّح بيّناته على الحقّ ، ولذلك فسّر ~~سبيل الله بقوله : " أي عن الطريق الذي أوحي بها إلى رسلي " ، تفسير تخصيص . # فإنّ الخلافة إنما يتمّ أمرها بالترتيب الحكمي المتقن ، على ما عليه السلام نظام ~~الوجود في مدارج تنزّلانه ، وطريق الوحي هو المعطي لذلك الحكم دون الهوى . فإنّ ~~الغالب في هذا الطريق أمر الإجمال وأذواقه الجماليّة ، وقد اختفى فيه أمر الفرق ~~ونظام أحكامها جملة ، كما يلوّح ذلك من بيناته . # ( ثمّ تأدّب سبحانه معه ) إعظاما لقدر مرتبته العظمى ، وترشيحا لمزيد حشمته التي ~~ربّى له # ( فقال : إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ~~بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ) [ 38 / 26 ] أي موطن تمام التفصيل الذي من جملته ~~تعرّف أحكام الجزئيّات وخواصّها ، # وهي إنما يستكشف حق الكشف والتبيين من العدد والحساب ، كما عرفت وجه لمّيته في ~~المقدمة - فتذكّر . ### || (ولم يقل له : " فإن زللت عن سبيلي فلك عذاب شديد " ) . # تفاضل آدم وإبراهيم وداود عليهم السّلام في الخلافة ### || قال الشيخ رضي الله عنه : (فإن قلت : « وآدم ، قد نصّ على خلافته » ؟ # قلنا : ما نصّ مثل التنصيص على داود ) على صورة التفويض مخاطبا إيّاه ، آمرا له ~~بالحكم ، # ( وإنما قال ) في قضيّة خلافة آدم : (" لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ في الأَرْضِ ~~خَلِيفَةً “ [ 2 / 30 ] ، ولم يقل : « إني جاعل آدم خليفة في الأرض » ولو قال ، لم ~~يكن مثل قوله : “ جَعَلْناكَ خَلِيفَةً “ في حقّ داود ، فإن هذا محقّق ) . # لدلالة النصّ على تفويض الخلافة لداود ، على ما لا يخفى ، ( وذلك ) النصّ الوارد ~~في آدم (ليس كذلك ) ، أمّا أو لا فلأنّه ليس فيه صيغة التفويض أصلا ، بل إنما هو ~~إخبار . # وأمّا ثانيا فلأنّه لا يدلّ بوجه من وجوه الدلالات على أن ذلك - الخليفة التي هو ~~جاعلها - آدم . # (وما يدلّ ذكر آدم في القصّة بعد ذلك على أنّه عين ذلك الخليفة الذي نصّ الله ~~عليه ) وبيّن أن مرتبة الكلام من المراتب له الكمال في المجالي الوجوديّة لأنّه مع ~~ظهور الأمر فيه ، مظهر إيّاه ، كاشف عن الخصائص والأوصاف ووجوه التفاصيل التي فيه . ~~ومن ثمّة ترى دلائل خلافة آدم في هذه المرتبة إجماليّة ، لعدم ظهور الخلافة ~~بأحكامها الخصيصة بها فيه مفصّلا ، بل كان فيه مجملا وبالقوّة . # وإلى مثل هذا أشار بقوله : ( فاجعل بالك لإخبارات الحقّ عن عباده إذا أخبر ) ~~فإنّها كاشفة عن المرتبة التي لذلك العبد ، مبيّنة عن مبلغ كماله فيها ، كما في ~~قصّة آدم وإجمال حكم خلافته . # قال رضي الله عنه : (وكذلك في حقّ إبراهيم الخليل : “إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ ~~إِماماً“) [ 2 / 124 ] فإنّه وإن دلّ على وجوه من الكمال الذي له حيث خاطبه وخصّصه ~~بإمامة الناس والإمام هو المقدّم رتبة وشرفا ، فعلا وقولا ، # ليقتدى به الأمم فالإمامة أخصّ من الخلافة ، وكل خاصّ يستلزم عامّه ، ولكن لما ~~قال « إماما » ( ولم يقل : « خليفة » ) ما دلّ على خصوصية كمال الخلافة فيه وما ظهر ~~ذلك منه ، ( وإن كنّا نعلم ) ضمنا بحسب النظر العقليّ - كما عرفت آنفا . # قال رضي الله عنه : ( أن الإمامة هنا خلافة ، ولكن ما هي مثلها لو ذكرها بأخصّ ~~أسمائها ، وهي الخلافة ) كما في خلافة داود ، فإنّه ذكرها باسمها الخاصّ بها ، ~~مفوّضا لها إيّاه ، دون خلافة إبراهيم ، وإن كان لذلك أيضا وجوه من الكمال ، قد خلت ~~عنها غيره ، # من جملتها التعبير عن تقدّم إبراهيم فيه بالوجوه المذكورة بالجملة الاسميّة ، ~~الدالَّة على الاستمرار الزماني وبالاسم الفاعل لئلا يتوهّم التجدّد الزماني في ~~جعله إماما ، كما لغيره من الأنبياء ، فهو ذاتي له ، ولذلك ترى الخاتم يقتدي به في ~~الصلاة عليه . # قال رضي الله عنه : ( ثمّ في داود من الاختصاص بالخلافة أن جعله خليفة حكم ) في ~~الوجود الكلامي والتنزيل الختمي ، الذي هو منتهى مراتب الإظهار وغاية أمر الكلّ في ~~تطورات الشعور والإشعار ، ( وليس ذلك ) الإظهار ( إلا عن الله ، فقال له : “ ~~فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ “ [ 38 / 26 ] ، # وخلافة آدم قد لا تكون من هذه المرتبة ) . # في أمر الإظهار والتنصيص في التنزيل بالخلافة في الحكم ، الذي هو السلطنة ، فإنّ ~~الخلافة قد تطلق على من يخلف من هو قبله ، فيحتمل أن يكون خلافة آدم من هذا القبيل ~~، # قال رضي الله عنه : ( فيكون خلافته أن يخلف من كان فيها قبل ذلك ، لا أنّه نائب ~~من الله في خلقه بالحكم الإلهي فيهم . وإن كان الأمر كذلك وقع ) في آدم بحسب الظهور ~~، فإن ظهور الخلافة فيهما سواء # ( ولكن ليس كلامنا إلا في التنصيص عليه والتصريح به ) في التنزيل الختمي العربيّ ~~المبين ، الذي هو أجلى مراتب الإظهار ، وأتمّ أصناف الصور وأجلّ أطواره . # خليفة الله تعالى ، وخليفة رسول الله صلَّى الله عليه وآله # قال رضي الله عنه : (وللَّه في الأرض خلائف عن الله ، وهم الرسل . وأمّا الخلافة ~~اليوم فعن الرسول ، لا عن الله) وذلك لأنّ أمر الإظهار مطلقا - إمامة كان أو نبوّة ~~، أو رسالة أو خلافة - إنما يتمّ دائرة كماله ويختم خزائن ترقّيه بالخاتم الرسول ، ~~فقبل بلوغ أمر الإظهار تلك المرتبة تكون الخلافة عن الله حتى يتمّ كماله ، فإذا بلغ ~~وتمّ فإنّما يتفرّع من الخاتم ذلك ، كما لا يخفى . فالخلفاء بعد محمّد إنما هم عنه ~~لا عن الله . # ( فإنّهم لا يحكمون إلا بما شرع لهم الرسول ، لا يخرجون عن ذلك ) . # قال رضي الله عنه : (غير أنّ هاهنا دقيقة ) ذوقيّة إنما يدركها أصحاب الرسول ~~الخاتم برقيقة نسبتهم إليه ، وقرابتهم المورثة لهم عنه ( فلا يعلمها إلا أمثالنا ، ~~وذلك في أخذ ما يحكمون به ، مما هو شرع للرسول صلّى الله عليه وآله . فالخليفة عن ~~الرسول من يأخذ الحكم بالنقل عنه صلّى الله عليه وآله أو بالاجتهاد الذي أصله أيضا ~~منقول عنه عليه السّلام ) . # ولا يخفى على من له ذائقة إدراك اللطائف من موائد الحقائق ، أن الأوضاع الشرعيّة ~~والصور المنزلة الفرقانيّة والقرآنيّة بهيئاتها الجمعيّة الوحدانيّة ، من جملة ~~الصور الشخصيّة التي للخاتم الرسول عليه السّلام ، الباقية على صفحات الأيّام مدى ~~الدهور والأعوام . # فتلك الصورة هي محلّ استفاضة خواصّ امّته ، ومجلى هدايتهم ، فهو الطريق الأمم ~~والصراط الأقوم لمن له نسبة القرابة المورثة إلى موطن تحقّق الخاتم ، ومأخذ أحكامه ~~، فإنّه إذا اجتمع النسبة المعنويّة المورثة مع صورته الختمية لا يمكن أن يكون لذلك ~~عائق عن الوصول . # وإلى ذلك أشار بقوله صلّى الله عليه وآله: « إنّي تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله ~~وعترتي » . # فمن سلك مسلكه من وارثيه وتصوّر بصورته الباقية ، لا بدّ وأن يصل إلى الحقّ ، # ويأخذ الأحكام من معدنه ، ولكن في مادة الخاتم أيضا . فإن الواصل هو الرقيقة ~~الاتحادية الأصليّة ، في صورة شخصيّة الخاتم ، فهم في صورة الخفاء والكمون بين ~~أصحاب الخاتم . وإلى مثل ذلك أشار حيث لم يقل : « منّا » # وقال : رضي الله عنه : ( وفينا من يأخذه عن الله ، فيكون خليفة عن الله بعين ذلك ~~الحكم ، فتكون المادّة له من حيث كانت المادّة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ) ~~. # ( فهو في الظاهر ) بصورة شخصيّته العنصريّة ( متّبع ، لعدم مخالفته في الحكم ) ، ~~وإن كان في نفسه مستقلّ في أخذه ذلك الحكم ، ( كعيسى إذا نزل فحكم ) ، فإنّه في ~~الظاهر متّبع ، وفي نفس الأمر مستقلّ . # وإذ كان للخاتم مرتبة تمام الإظهار في جميع ما يحقّق به غيره من الكمّل سرى ذلك ~~في سائر الأحكام منه ، فكذا في أمر الاتّباع . # وإليه أشار بقوله : ( وكالنبي في قوله : “ أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله ~~فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه ْ “ ) [ 6 / 90 ] ، فإنّه ظهر أمر الاتّباع والاقتداء في ~~مرتبة الإظهار الكلاميّ المعرب . # قال رضي الله عنه : ( وهو ) - أي الحكم المأخوذ على الاستقلال من الوليّ المتّبع ~~- ( في حقّ ما يعرفه من صورة الأخذ مختصّ ) بالآخذ من وجه و ( موافق ) لشرع النبيّ ~~من آخر ، فالحكم المذكور للوليّ المتّبع ، ( هو فيه بمنزلة ما قرّره النبي صلَّى ~~الله عليه وسلَّم من شرع من تقدّم من الرسل ، بكونه قرّره ، فاتّبعناه من حيث ~~تقريره ) الذي هو وجه موافقته ، ( لا من حيث أنّه شرع لغيره قبله ) الذي هو وجه ~~الاختصاص . # فضل حكم الرسول على حكم الخليفة # قال رضي الله عنه : ( وكذلك أخذ الخليفة عن الله ) بعد رسول الله صلَّى الله عليه ~~وسلَّم ( عين ما أخذه منه الرسول . فنقول فيه بلسان الكشف : خليفة الله ) - فإنّ ~~الكشف هو المعرب عن وجه الاختصاص ، ليس إلا - ( وبلسان الظاهر : خليفة رسول الله . # ولهذا مات رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وما نصّ بخلافته عنه إلى أحد ولا ~~عيّنه ) بوجه غير التنصيص ، ( لعلمه أنّ في امّته من يأخذ الخلافة عن ربّه ، فيكون ~~خليفة عن الله مع الموافقة في الحكم المشروع ) ، لما تبيّن من لزوم اشتماله على ~~وجهي الاختصاص والموافقة ، ( فلما علم صلَّى الله عليه وسلَّم لم يحجز الأمر ) . # قال رضي الله عنه : (فللَّه خلفاء ) غير الرسل ( في خلقه يأخذون من معدن النبيّ ~~والرسول ما أخذته الرسل عليهم السّلام . ويعرفون فضل المتقدم هناك ، لأن الرسول ~~قابل للزيادة ) إذ لم يتمّ حينئذ أمر الإظهار ، ولم يختم أبواب خزائن النبوّة ~~والرسالة . # قال رضي الله عنه : ( وهذا الخليفة ) حيث أنّها بعد الخاتم ( ليس بقابل للزيادة ) ~~فإن الأمر بعد ختمه وتمامه لا يقبل الزيادة بوجه ، وإلا فلا يكون ختم . # وهذا جهة فضل المتقدّم التي تعرفها الخليفة أن ما أخذته من الحكم لا يقبل الزيادة ~~( التي لو كان الرسول قبلها ) . # فبهذا فضل حكم الرسول على حكم الخليفة . # ثمّ إنّ إظهار العلم والحكم وتبيين الحقائق والمعارف من الأوضاع والأحكام ~~المشروعة لما كان من خصائص منصب الوليّ والخليفة ، فهو يوهم أنّه زيادة من الخليفة ~~، نبّه على دفع مثله بقوله : ( فلا يعطى من العلم والحكم فيما شرّع إلى ما شرّع ~~الرسول خاصّة ، فهو في الظاهر ) عند إظهار تلك الحقائق العلميّة والمعارف الحكميّة ~~( متّبع غير مخالف ) حيث أن إظهارها وتبيينها من عين ما شرّع الرسول مطابقا إيّاه ، ~~مستنبطا ذلك منه ، ودالَّا هو عليه ( بخلاف الرسل ) . # قال رضي الله عنه : (ألا ترى عيسى عليه السّلام لما تخيّلت اليهود أنّه لا يزيد ~~على موسى مثل ما قلناه في الخلافة اليوم مع الرسول ) - زعما منهم أن لعيسى رتبة ~~الخلافة مع موسى لا غير ، ولذلك لم يروه يزيد حكما على حكمه . # قال رضي الله عنه : (آمنوا به وأقرّوه ، فلما زاد حكما أو نسخ حكما كان قد قرّره ~~موسى ) ورأوا منه ذلك لإظهاره على صحائف الأزمان والأعيان ( لكون عيسى رسولا ) ~~ومقتضى أمر الرسالة إظهار أحكامه المنزّلة عليه . # قال رضي الله عنه : ( لم يحتملوا ذلك ، لأنّه خالف اعتقادهم فيه . وجهلت اليهود ~~الأمر على ما هو عليه ) # - من رسالة عيسى وأنّ إظهاره تلك الأحكام منه من تلك الحيثيّة الشريفة التي قد ~~حصروها في موسى اعتقادا . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فطلبت قتله . وكان من قصّته ما أخبرنا الله تعالى في ~~كتابه العزيز عنه وعنهم . فلما كان رسولا قبل الزيادة - إمّا بنقص حكم قد تقرّر ، ~~أو زيادة حكم ) وكلاهما صورة الزيادة . # فإن الزيادة إدخال ما لم يكن معتبرا قبل في درجة الاعتبار ، سواء كان بإضافة أمر ~~وزيادته على السابق ، أو بإسقاط شيء ونقصه عنه ، وإليه أشار بقوله : # مسألة الاجتهاد # قال رضي الله عنه : (على أن النقص زيادة حكم بلا شك ، والخلافة اليوم ليس لها هذا ~~المنصب ) ضرورة أنّ بعد ختم الرسالة ، يعني بلوغ أمر الإظهار إلى مرتبة تماميّته ~~وختم خزائن الأحكام والأوضاع الشرعيّة المنبئة عن الحقائق بما هي عليه في نفس الأمر # قال رضي الله عنه : ( وإنما تنقص أو تزيد على الشرع الذي قد تقرر بالاجتهاد ) ~~المنوط أمره برؤية الأئمّة وآراء العلماء . # وفي ذلك من وجوه السعة وصنوف الاحتمالات ما لا يخفى . فإنّهم مختلفون فيه حسب ~~اختلافهم في مدارج الأذهان والقرائح تارة ، وفي موادّ العلوم والمعتقدات أخرى ، ~~وذلك في الأحكام الخالية عن النصوص الجليّة والسنن البيّنة المؤيّدة بالقرائن ، ~~فإنّ النصوص ما لم تكن كذلك تكون مورد تطرّق الاحتمالات ، فإنّ الألفاظ الدالَّة ~~بتوسّط الأوضاع لا يخلو عن وجوه من الاحتمالات - مثل الحذف والإضمار وصنوف المجاز ~~وغير ذلك . # وفي عبارة الشيخ حيث قال : ( لا على الشرع الذي شوفه به محمد صلَّى الله عليه ~~وسلَّم ) إيماء إلى ذلك ، فإن المشافهة تستتبع تلك القرائن ، دون التنصيص . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فقد يظهر من الخليفة ما يخالف حديثا ما في الحكم ، ~~فيتخيّل أنّه من الاجتهاد ، وليس كذلك وإنما هذا الإمام لم يثبت عنده من جهة الكشف ~~ذلك الخبر عن النبي ، ولو ثبت لحكم به ، وإن كان الطريق فيه العدل عن العدل ، فما ~~هو معصوم من الوهم ) الذي هو مبدأ السهو والنسيان . # قال رضي الله عنه : ( ولا من النقل على المعنى ) الذي هو مثار سائر التبديلات ~~والتحريفات . # ( فمثل هذا يقع من الخليفة اليوم ، وكذلك يقع من عيسى ) حين يزيد في الشرع ما ~~يزيد ، ( فإنّه إذا نزل يرفع كثيرا من شرع الاجتهاد المقرّر ) في زماننا بتقرير ~~المجتهدين من الأئمّة الأربعة وغيرهم . # قال رضي الله عنه : ( فيبيّن برفعه صورة الحقّ المشروع الذي كان عليه عليه الصلاة ~~والسلام ) فإنّ الذي عليه الحقّ في نفسه من الصور التي اختلفت الأئمّة في زماننا ~~فيها ، إنما هو الواحد منها بلا شكّ ، ( ولا سيّما إذا تعارضت أحكام الأئمّة في ~~النازلة الواحدة ) . # قال رضي الله عنه : (فتعلم قطعا أنّه لو نزل وحي لنزل بأحد الوجوه ، فذلك هو ~~الحكم الإلهي ، وما عداه - وإن قرّره الحقّ - ) في صور المجتهدين على ما مكَّنهم ~~محمد صلَّى الله عليه وسلم في ذلك حيث قال : « أصحابي كالنجوم ، بأيّهم اقتديتم ~~اهتديتم » فهو رحمة للعالمين . # ( فهو شرع تقرير ) إنما عمل ذلك ( لرفع الحرج عن هذه الامّة واتّساع الحكم فيها ) ~~فإنّه لو لم يتعلَّق أمر إثبات الأحكام بالاجتهاد ما كان يظهر فيها الوجوه ~~المتكثّرة التي هي صورة سعة الحقّ ، وهي مقتضى الرحمة المجبول عليها محمّد صلَّى ~~الله عليه وسلم . # الخليفة الظاهرة واحدة # ثمّ لما استشعر أن يقال : « إنّ تعارض أحكام الخلفاء والمجتهدين ينافي ما عليه ~~اتّفاقهم عن الأصل الذي ثبت صحته عن النبي عندهم من قتل الثاني من الخليفتين » ، # رفع ذلك بقوله : ( وأمّا قوله صلَّى الله عليه وسلم : « إذا بويع لخليفتين ، ~~فاقتلوا الآخر منهما » ، هذا في الخلافة الظاهرة التي لها السيف ، وإن اتّفقا فلا ~~بدّ من قتل أحدهما ) - وهو الآخر رتبة وزمان . # (بخلاف الخلافة المعنويّة ، فإنّه لا قتل فيها ) فإنّه لا يزاحم أحدهما الآخر كما ~~في الصورة التي هي موطن التزاحم ومحل الضيق والتصادم . # وإليه أشار بقوله : ( وإنما جاء القتل في الخلافة الظاهرة ) مطلق ( وإن لم يكن ~~لذلك الخليفة ) الظاهرة التي في الثانية من الرتبة (هذا المقام ، وهو ) مقام أخذ ~~الحكم عن الله . # فإنّ ذلك لا يتعلَّق بالصورة التي هي الحاكمة بالقتل . فبين هذه الخليفة وبين ~~الخليفة الأولى تخالف في رتبة الخلافة ، غير متّحد في النسبة فيها . # فإنّ الأولى أخذه عن الله ، وهو خليفة الله حقيقة والثانية ليست له هذا المقام ( ~~خليفة رسول الله إن عدل ) . # فوجوب القتل فيها - مع تفاوت النسبة المعنويّة - لما في تعدّد ولاة الأمر ~~والخلفاء الصوريّة من الفساد الذي في دليل التمانع ، الوارد في التنزيل السماويّ ، ~~الذي هو أصل سائر الأحكام . # وإليه أشار بقوله : ( فمن حكم الأصل الذي به يحيل وجود إلهين ) جاء مثله ، # وهو قوله تعالى : (" لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا “ [ 21 / ~~22 ] وإن اتّفقا ) وذلك لأنّه على اتّفاقهما إمّا أن ينفذ حكم كل منهما في الآخر ، ~~فلا يكون واحد منهما إلها ، لنفوذ حكم الآخر فيه . # وإن لم ينفذ أيضا فكذلك ، لعدم القدرة والعجز . وإن نفذ حكم أحدهما دون الآخر ~~فالنافذ الحكم هو الإله ، فلا يكون في الآلهة تعدّد أصل . # لا يجري حكم في العالم بغير مشيئة الله تعالى # ثم إنّه لما كان الكلام في قتل الخليفة الثانية - وإن عدلت - لذلك قيّد الدليل ~~بقوله : « وإن اتّفقا » تطبيقا لما هو بصدد تبيينه من المدّعى ، وبعد ذلك تعرّض ~~للشقّ الآخر تعميما للدليل بقوله : # ( فنحن نعلم أنّهما لو اختلفا تقديرا لنفذ حكم أحدهما ) فقط ، # قال رضي الله عنه : ( فالنافذ الحكم هو الإله على الحقيقة ، والذي لم ينفذ حكمه ~~ليس بإله . ومن هنا تعلم أن كلّ حكم ينفذ اليوم في العالم أنّه حكم الله وإن خالف ~~الحكم المقرّر في الظاهر - المسمّى شرعا - إذ لا ينفذ حكم إلا لله في نفس الأمر ، ~~لأنّ الأمر الواقع في العالم إنما هو على حكم المشيئة الإلهية ، لا على حكم الشرع ~~المقرّر ، وإن كان تقريره في المشيئة . ولذلك نفذ تقريره خاصّة ) دون العمل بأحكامه ~~والتزام ما جاء به . # قال رضي الله عنه : ( فإن المشيئة ليست لها فيه إلا التقرير ) أي إثبات عينه في ~~الخارج ( لا العمل بما جاء به ) . # وكأنك قد اطَّلعت في مطلع الفصّ الآدمي عند الكلام على المشيئة ما يلوّح على هذا ~~الكلام وعلى اشتقاق الشيء منه . # قال رضي الله عنه : ( فالمشيئة سلطانها عظيم ) حيث أنّه لا شيء إلا ويستقرّ أمره ~~بالمشيّة ، فهي مستقرّ الأشياء في الوجود ( ولهذا جعلها أبو طالب عرش الذات ، لأنها ~~لذاتها تقتضي الحكم ) وتثبت الأمر وتقرّره بالذات ، دون توسّط رسالة نبيّ ولا دلالة ~~أمر تنزيلي . # "" أضاف الجامع : # قال الشيخ رضي الله عنه : # إن المشيئة عرش الذات ليس لها %~% في غيرها نسبة تبدو ولا أثر # وهي الوجود فلا عين تغايرها %~% تفنى وتعدم لا تبقي ولا تذر # قال الشيخ رضي الله عنه : في الفتوحات الباب الثاني عشر وثلاثمائة # "" ليس للإرادة اختيار ولا نطق بها كتاب ولا سنة ولا دل عليها عقل وإنما ذلك ~~للمشيئة فإن شاء كان وإن شاء لم يكن قال عليه السلام: "ما شاء الله كان وما لم يشأ ~~لم يكن" . # فعلق النفي والإثبات بالمشيئة وما ورد ما لم يرد لم يكن بل ورد لو أردنا أن يكون ~~كذا لكان كذا فخرج من المفهوم الاختيار فالإرادة تعلق المشيئة بالمراد وهو قوله ~~إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ هذا تعلق المشيئة # وقد ذهب بعض الناس من أهل الطريق أن المشيئة هي عرش الذات وهو أبو طالب أي ملكها ~~أي بالمشيئة ظهر كون الذات ملكا لتعلق الاختيار بها فالاختيار للذات من كونها إلها ~~فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل وهو التردد الإلهي # في الخبر الصحيح ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نسمة المؤمن يكره الموت. ~~أه # تقول د. سعاد الحكيم : # إن المشيئة هي عرش الذات من حيث أن المتصوفة وخاصة أصحاب وحدة الوجود يرمزون إلى ~~الوجود بالعرش ، فالمشيئة هي النسبة الإلهية التي استوت عليها الذات فأظهرت الوجود ~~بأسره . "" # قال رضي الله عنه : ( فلا يقع في الوجود شيء ، ولا يرفع خارجا عن المشيئة ، فإن ~~الأمر ) التنزيلي ( الإلهي إذا خولف هنا بالمسمى معصية ، فليس إلا الأمر بالواسطة ) ~~أعني الأمر التنزيلي الذي هو بواسطة النبيّ ، ( لا الأمر التكوينيّ ) الذي لا واسطة ~~فيه . # قال رضي الله عنه : ( فما خالف الله أحد قطَّ في جميع ما يفعله من حيث أمر ~~المشيئة ) التي لا دخل للواسطة فيه ولا لغيرها مما يشوب به صرافة الوحدة ( فوقعت ~~المخالفة من حيث أمر الواسطة ، فافهم ) حيث أن منشأ المخالفة إنما هو إدخال الواسطة ~~الحاكمة على ما يترتّب على إيجاد الفعل من العوارض الاعتباريّة التي تعرض الفعل ~~المذكور بالإضافة إلى فاعله المخصوص في الزمان الخاصّ ، كالإباحة والحرمة وغيرهما . # مرجع المعصية والطاعة # قال رضي الله عنه : (وعلى الحقيقة فأمر المشيئة إنما يتوجّه على إيجاد عين الفعل ~~، لا على من ظهر على يديه ، فيستحيل إلا أن يكون ) ذلك الإيجاد بعينه ، ضرورة توجّه ~~الأمر قادرا عليه ومستعليا وحاكما ومستوليا ، ولتضمّن التوجّه المذكور في نفسه هذه ~~المعاني كلَّها عدّاه ب "على " . # فعلم أنّ متوجّه أمر المشيئة المتحتّم امتثاله إنما هو إيجاد عين الفعل مطلقا . # ولكن لما كان ذلك إنما يتصوّر وجوده في الخارج ، إذا كان في محلّ وزمان يشخّصانه ~~، وبذلك يصير عرضة للمدح والذمّ والمخالفة والمعصية . # كما ورد في الحديث : " كلّ مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه " ~~، وإلى ذلك أشار بقوله : ( ولكن في هذا المحلّ الخاصّ فوقتا يسمى به مخالفة لأمر ~~الله . ووقتا يسمّى موافقة وطاعة لأمر الله ) وذلك بحسب ما عيّنه الشارع ، حيث أن ~~المشخّصين المذكورين إذا كان تشخيصهما في الحد الذي عيّنه الشارع يكون محمودا ، ~~وإذا وقع خارجا عنه يكون مذموما . ولذلك قال : ( ويتبعه لسان الحمد والذمّ على حسب ~~ما يكون ) فيه من جهتي الموافقة والمخالفة. ### || مآل الخلق إلى السعادة # قال رضي الله عنه : ( ولما كان الأمر في نفسه على ما قرّرناه ) من أنّ الحمد ~~والذمّ والموافقة والمخالفة منشؤها إنما هو المشخّصات الخارجيّة ، وهي نسبة ذلك ~~العين إلى الزمان والمكان المخصوص ، والنسب إنما هي اعتبارات محضة لا حظَّ لها من ~~الوجود ، # فيكون عين الأفعال التي هي متوجّه أمر المشيئة في نفسها مبرّأة عن هذه النسب ، ~~وإن كان في الخارج لا يخلو عن نسبة من تلك النسب ، ( لذلك كان مآل الخلق إلى ~~السعادة - على اختلاف أنواعها - ) ، فإنّ لكل نسبة خاصيّة وأثرا يترتّب عليها . ~~إمّا في طرف الحمد - ويسمّى بدرجات الجنّة. # أو في جهة الذمّ - ويسمّى بدركات الجحيم ، والكلّ سعادة لشمول الرحمة إيّاه . # قال رضي الله عنه : ( فعبّر عن هذا المقام بأنّ « الرحمة وسعت كل شيء » ) من ~~متوجّهات أمر المشيئة ، ( وأنّها سبقت الغضب الإلهي ) سبقا ذاتيّا يستلزم العلوّ ~~والاستيلاء ، ( والسابق متقدّم ) في الوجود ونفاذ الأمر ، ( فإذا لحقه هذا الذي حكم ~~عليه المتأخّر ) يعني الغضب المسبوق بالقهر والشقاوة ( حكم عليه المتقدّم ) يعني ~~الرحمة السابقة باللطف والسعادة ، ( فنالته الرحمة إذ لم يكن غيرها سبق ) بالعلو ~~الإحاطي الذي هو أثر التقدّم الذاتي. ### || سبقة الرحمة على الغضب # قال رضي الله عنه : ( فهذا معنى « سبقت رحمته غضبه » لتحكم على من وصل إليه . ~~فإنّها في الغاية وقفت ) ، وهي الحدّ المحيط الذي ما وراءه شيء ، ( والكل سالك إلى ~~الغاية ) ، متوجّه إليها في الحركة الظهوريّة ، ( فلا بدّ من الوصول إليها ، فلا ~~بدّ من الوصول إلى الرحمة ومفارقة الغضب ) الذي له عند فقدان الغاية والحدّ ( فيكون ~~) الحاكم هو الغاية ، # و ( الحكم لها في كلّ واصل إليها بحسب ما يعطيه حال الواصل إليها ) وإذ كانت ~~أحوال الواصلين متخالفة الأنواع ، تكون سعاداتهم متخالفة بحسبه . # ثمّ إنّه إذ قد انساق الكلام في الحكمة الوجوديّة إلى هذه الجمعيّة الحقيقيّة ~~والتفصيل الجمعيّ ، حان أن ينتقل إلى النظم ويتنقل في مجلس انبساط الذوق ونشوات ~~معارفه المنعشة للروح بلطائف ثمرات الوقت ويوانع الزمان ، # من مقطعات التفصيل ومنظومات الإجمال ، فإنّك قد نبّهت غير مرّة على أنّ النظم ~~يكشف عن وجوه جمال الإجمال ما لا يكشفه غيره من العبارات ، # فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلن %~% وإن لم يكن فهم فيأخذه عنّ # بقوله رضي الله عنه : ( فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا ) مشاهدة يقين عينيّ ، ~~فإنّه يفهم من مسطورات صحائف الأكوان ، سيّما في هذه الأوان ، أمر الإجمال على ~~التفصيل الذي حقّقه ، واقتصاره على الفهم تنبيه على أنّ الزمان هذا مما يكفيه مجرّد ~~الفهم ، ولا يحتاج إلى ترقّيه إلى رتبة الذوق ، لأنّ العقل إذا صفى موارد إدراكاته ~~عن شوائب التقليدات وشواكل العقائد من الخياليّات لا يقصر فهمه عن إدراك الحقّ فيه ~~. # قال رضي الله عنه : ( وإن لم يكن فهم فيأخذه عنّا ) وذلك أيضا بعد تصفية الباطن ~~عن ضروب العقائد التقليديّة الظنيّة ، حتى يكون له قابليّة الأخذ من ذوي الحقائق ~~اليقينيّة . # وفيه استشعار ما ورد في الحديث : « الناس عالم أو متعلَّم والباقي همج » . # "" عن خالد بن معدان، قال: الناس عالم ومتعلم، وما بين ذلك همج لا خير فيه" . ~~إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة ابن حجر العسقلاني "" # عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: «الناس عالم، ومتعلم، ولا خير، فيما بعد ذلك». ~~رواه الدارامي "" # "" وروي عن علي رضي الله عنه قال: «الناس ثلاث، فعالم رباني ومتعلم على سبيل ~~نجاة، والباقي همج رعاع أتباع كل ناعق» جامع البيان للقرطبي "" # وإليه إيماء بقوله : ( فما ثمّ إلا ما ذكرناه %~% فاعتمد عليه وكن بالحال ) التي ~~أنت ( فيه ) في زمانك ، ( كما كنّا ) في زمانن # فمنه إلينا ما تلونا عليكم %~% ومنّا إليكم ما وهبناكم منّ # قال رضي الله عنه : ( فمنه إلينا ما تلونا عليكم ) من الصور الكتابيّة والكلاميّة ~~المنزلة التي هي الكاشفة عن كنه التفاصيل ، كما بيّن في ديباجة الكتاب ، # قال رضي الله عنه : (ومنّا إليكم ما وهبناكم منّا ) من الحقائق والمعارف التي هي ~~لبّ تلك الصور ، وتلك الحقائق هي عين حقيقة الكمّل وفصّ كلمتها ، لا غيرها عند ~~التحقيق . ف : « منّا » الثانية ، بيان ل « ما » على هذا التقدير . # ويحتمل أن يكون صلة للوهب ، والأولى منها ابتدائية . # ولما كانت هذه الحكمة من خزانة الوهب - كما بيّن - وباطن الكلمة الداوديّة ~~وبيّناتها كاشفة عنها ، صرّح بعبارة الوهب تطبيقا لما مهّد سابق . # وحاصل هذا الكلام أنّ الواصل إليه من المبدء بوساطة النبيّ صلَّى الله عليه وسلم ~~إنما هو الكلام المتلوّ الكاشف عن الكل ، ذوقا لا لغة ووضع . # وأما المعارف التي أظهرها وباح بإفشائها في عبارات دالَّة عليها وضعا ولغة ، فهي ~~مستنبطة أولا من أصل حقيقتها ، التي هي الكتاب الجامع ، # ولتوافق النسخ وجد الكلام المنزل مطابقا له كما قيل : # يا معدن الأسرار يا كنز الغنى %~% يا مشرق الأنوار للمتوسّم # يا عين غيب الله يا سرّ الهدى %~% يا نقطة الخط البديع الأقوم # اقرأ كتابك قد كفى بك شاهد %~% يهديك منك علوم ما لم تعلم # وافقه رسوم هياكل قد أنزلت %~% ينبئك عن سرّ الكتاب المبهم # وفي ترك لام الصلة بين « الوهب » ومفعوله إشعار بما بين الواهب والموهوب له من ~~وجوب المناسبة الاتّصالية ، وعدم تخلَّل الوسائط هنالك. # تأويل تليين الحديد لداود عليه السّلام # ثمّ إنّه من الحكم المختصّة بالكلمة الداوديّة أمر تليين الحديد ، وهو إشارة إلى ~~بلوغ تأثيره لدى الإبلاغ إلى أعصى البريّة للقبول ، وأقواها للإباء عند الدعوة ~~النبويّة ، فإنّ قابليّات الأمم واستعداداتهم متخالفة في ذلك : # فمنهم من ليس له في مقابلة تلك الدعوة إلا القبول والإذعان ، وسائر الأنبياء في ~~تسخيرهم متساوي القوّة لا اختلاف لهم في ذلك . # ومنهم من له قوّة التقابل والتجادل عند دعوتهم متمسّكين بالشبه الناشئة لديهم من ~~الحجج ، والدلائل الدالَّة على عقائدهم التي لهم ، والأنبياء في تربيتهم متفاوتو ~~القوّة ، متخالفون لدى التأثير والتصرّف . # وهم أيضا على اختلاف طبقاتهم طائفتان : منهم من يمكن أن يليّن شدّة إبائهم ، وهم ~~بمنزلة الحديد في العصيان ، فإنّه يلينهم نار الزجر بالوعد والوعيد ، وإحراق ذلك ~~شوائب شبههم . ومنهم من لا يمكن فيهم ذلك أصلا ، فهم في عدم القبول والامتناع عن ~~التليين كالحجارة أو أشدّ قساوة منه . # ثمّ اعلم أن الأنبياء والمرسلين الذين لهم الخلافة والظهور بالسيف لا بدّ لهم في ~~ذلك من تسخير الطائفة الثانية ، حتى يقابلوا بها أعداءهم الواقعين في تلك الدرجة ، ~~فإنّ الحديد بالحديد يكسر ، وكذلك الحجارة أيضا . # وإلى ذلك كلَّه أشار بقوله رضي الله عنه : ( وأما تليين الحديد ، فقلوب قاسية ~~يلينها الزجر والوعيد ، تليين النار الحديد ) وهو إشارة إلى الطائفة الثانية ، # ( وإنما الصعب قلوب أشد قساوة من الحجارة ) ، وهذه إشارة إلى الطائفة الثالثة ، # وإنما كانوا أشدّ قساوة من الحجارة ( فإنّ الحجارة تكسرها وتكلسها النار ) فيفنى ~~صورتها النوعيّة بالكليّة ( ولا يلينها ) مع بقاء تلك الصورة وترتّب آثارها ~~وأوصافها عليه . # ثمّ يشير إلى ما مهّدنا قبل من أنّ الظاهر بالخلافة لا بدّ له من تسخير الطائفة ~~الثانية التي حكمة مظاهرته بهم بقوله رضي الله عنه : ( وما ألان له الحديد إلا لعمل ~~الدروع الواقية تنبيها من الله . أي لا يتّقى الشيء إلا بنفسه ) ، فإنّ الأنبياء ~~عليهم السّلام ما لم يكونوا متلبّسين ومحفوفين بأقوام أشدّاء على مقاومة الأعداء . # الذين هم في الشدّة يماثلهم ، لم يمكن لهم أن يظهروا بالخلافة على الأمم . # ولما كانت طوائف الأعداء متخالفين بالنوع في شدّتهم وتمانعهم لقبول الدعوة الحقّة ~~، والطائفة الثانية إذا استكملوا بقرب الأنبياء وفازوا بقوّة الاقتفاء لهم تقاوموا ~~جميعهم في فنون نكاياتهم وحروبهم . # أشار إلى ذلك بقوله رضي الله عنه : ( فإنّ الدرع ) - يعني الطائفة الثانية - ( ~~يتّقي به السنان والسيف والسكَّين والنصل ) ، إشارة في تفضيله إلى تنوع طوائف ~~الأعداء وتطوّر حروبهم وتمانعهم ، مع كفاية الطائفة الثانية لقربهم إلى الأنبياء ~~لمقاومة الكل . # وسرّ هذه الحكمة وروحها هو ظهور الوحدة الإجماليّة والإطلاق الذاتيّ في أقصى ~~غايات الكثرة ونهاياتها ، # وعنه أفصح بقوله رضي الله عنه : ( فاتّقيت الحديد بالحديد ، فجاء الشرع المحمدي ) ~~المعرب المبين ( بـ « أعوذ بك منك » ) حيث أنّه عبّر عن تلك الجهة الجمعيّة ~~الإجماليّة والوحدة الذاتيّة بكاف الخطاب ، الكاشف عن كنه الكل ( فافهم ) فإن كاف ~~الخطاب مع دلالته على الوحدة التنزيهيّة لا يخلو من حيث الخطاب عن الجمعيّة ~~التشبيهيّة . # قال رضي الله عنه : ( فهذا روح تليين الحديد ، فهو المنتقم ) الذي في عين كونه ~~منتقما وهو ( الرحيم . والله الموفق ) لفهمه وتحقيقه . ### || تم الفص الداودي # . # %~% ### | فص حكمة نفسية في كلمة يونسية ### | 18 - فصّ حكمة نفسية في كلمة يونسية .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين ~~علي ابن محمد التركة # شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم الشيخ ~~الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # 18 - فصّ حكمة نفسية في كلمة يونسية # وجه تسمية الفصّ # ووجه اختصاص الكلمة اليونسيّة بالحكمة النفسيّة ما في أصل حقيقة النفس وكنه ~~قابليّتها من أنّها ما لم تتنزّل من معارج أعالي القدس ومطالع أنوار الجبروت إلى ~~محاوي أسافل بحور الجسم وظلمات بطون حيتان الأمزجة ، لم يحصل لها استعداد الترقّي ~~إلى مراقي القرب ونادي الخطاب والمناداة ، حتى فاز في عين تلك الظلمات بالتوحيد ~~التنزيهيّ في حضرة الحضور ، والتسبيح الجمعي في مجلى الخطاب ، إلى أن نفّسه الله ~~تعالى من كربه ونجّاه من تعبه . # فعلم أن للكلمة اليونسيّة اختصاصا بمادّة حروف النفس - بفتح الفاء كانت أو ~~بسكونها - فإنّ الجهة الامتيازيّة بين المادّتين إنما هو الفاء والواو ، وذلك ~~تتقاربان لفظا ومخرجا . # وإنما يفترقان رقما بالاتصال الموجب للخفاء ، والانفصال الحاكم بالظهور . # ثمّ إنّك قد عرفت عند الكلام على وجه ترتيب الكتاب ونظم فصوصه على النسق المخصوص ~~أن الكلمة اليونسيّة هي التي تمّت بها السير الكمالي ، الذي في عرض الأرض الاعتدالي ~~الإنساني ، صوب إظهار الأوضاع الكماليّة من الصور الشرعيّة والأحكام المشعرة ، # ولذلك تراها وقد جمعت بين الرسالة إلى مائة ألف أو يزيدون وهي منتهى مراتب ~~الإظهار وبين الاختفاء في غياهب طبقات الظلمات ، فإنّ كل متوجّه إلى طرف ما لم يصل ~~إلى ما يقابله من الطرف الذي يضادّه في تلك الجهة المتوجّه إليها لم يتمّ له ذلك ~~الطرف عند التحقيق. # ومن هاهنا ترى الهويّة المطلقة - التي هي موطن كل كمال وتمام - يسمّى عند القوم ~~بمجمع الأضداد ومعتنق الأطراف . # وبيّن أن منتهى أمر هذا الإظهار المذكور هي الخلافة المترتّبة على الرسالة . # ومن جملة أحكام الخلافة وخصائصها اللازمة لها الغلبة على بني نوعه وقهرهم وقتل ~~الأنفس منهم ، فلذلك بنى الكلام في هذا الفصّ عليه وأطنب في تحقيقه . # من يتولَّى حلّ نظام النشأة الإنسانيّة ؟ # قال الشيخ رضي الله عنه : ( اعلم أنّ هذه النشأة الإنسانية بكمالها ) - عند بروز ~~ما استجنّ في أرض قابليّتها على مزارع الإظهار ( روحا ونفسا وجسما - خلقها الله على ~~صورته ) الجامعة بين التنزيه الذي هو مدرك الروح ، والتشبيه الذي هو مدرج الجسم ، ~~والجامع بينهما أعني اللطيفة التي هي النفس الناطقة وهي المسمّاة بالقلب في عرفهم ~~الخاصّ . # فإطلاق النفس هاهنا على النفس الناطقة بالعرف العامّ الذي عليه كلمة أهل النظر ~~والحكماء وكثيرا ما يتنزّل في هذا الكتاب على عرفهم ومداركهم ، كما قد اطَّلعت عليه ~~في الفصّ الآدمي . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فلا يتولَّى حلّ نظامها إلا من خلقها ) ، وذلك ~~التولية ( إمّا بيده ) كما سبق بيانه في حكم المشيئة التي هي بلا واسطة . # "" أضاف المحقق : المؤلف يتعرض لما قاله القيصري : " أو بواسطة أمره ، وهو الملك ~~، فسمى الملك أمرا لكونه موجودا بالأمر ، كما يسمى عالم الأرواح بالأمر " . "" # كما قال : “ الله يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها “ [ 39 / 42 ] ( وليس ) ~~في الحقيقة ( إلا ذلك أو بأمره ) وهو الذي بالواسطة ، أي بواسطة الرسل وأحكامهم ~~المنزلة عليهم . # فلا يحتاج إلى أن يجعل « الأمر » بمعنى « الملك » فإنّ أمر الرسل أمره بالواسطة . # وقد حقّق آنفا أنّ الواقع في نفس الأمر لا يخلو عن الأمرين ، والكلّ تحتهما وإن ~~كان عند التحقيق - الذي بالواسطة بيد الله ، كما سبق في بحث المشيئة تحقيقه . # وكان قوله : « وليس إلا ذلك » إشارة إلى هذا المعنى . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ومن تولَّاها بغير أمر الله فقد ظلم نفسه ) من حيث ~~أنه هدم صورته الكاملة ( وتعدّى حدّ الله فيها ) ومن حيث أنه حكم بالكفّ عنه ( وسعى ~~في خراب من أمره الله بعمارته ) وهو إصلاح الصورة وإتمام أمرها . فإنّ سائر ~~الأنبياء إنما وضعوا الأحكام لإتمام تلك الصورة وإحكام نظامها ، فإن سائر تلك ~~الأحكام متعلقة بأفعال هذه الصورة ، والفعل تمام صورة الشخص. # مراد الخالق إبقاء الحياة وتعميرها ، لا هدمه # قال الشيخ رضي الله عنه : (واعلم أنّ الشفقة على عباد الله أحقّ بالرعاية من ~~الغيرة في الله ) فإنّ الأول مبدؤه وأصله الرحمة . والثاني منشؤه القهر والغضب . # فإنّ سائر أوصاف العبد وأفعاله فرع أوصاف الحقّ وظلالها . # وقد عرفت أنّ الرحمة هو السابق حكما وإحاطة ، فهي أحقّ بالرعاية لقربها إلى الذات ~~، فكذلك ما يتفرّع عليها من أوصاف العبد . # ومما يؤيّد ذلك أن داود لما تمّ له أمر الخلافة والرسالة استقرّ على عرش إيالته و ~~( أراد داود بنيان بيت المقدس ، فبناه مرارا ، فكلَّما فرغ منه تهدّم . فشكا ذلك ~~إلى الله فأوحى الله إليه : إنّ بيتي هذا ) أي البيت المقدس . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( لا يقوم على يدي من سفك الدماء ) وذلك لأنّ سفك ~~الدماء مبدؤه من الغيرة ، التي إنّما تنشأ وتشتقّ من « الغير » ، وهو ينافي التقدّس ~~. # قال الشيخ رضي الله عنه : (فقال داود : " يا رب ألم يكن ذلك في سبيلك ؟ " . قال : ~~« بلى ، ولكنهم أليسوا بعبادي ؟ » . قال : " يا رب فاجعل بنيانه على يدي من هو منّي ~~" . فأوحى الله إليه : « إن ابنك سليمان يبنيه » . فالغرض من هذه الحكاية مراعاة ~~هذه النشأة الإنسانية ، وأنّ إقامتها أولى من هدمها ) . # شواهد مراعاة النشأة الإنسانيّة في الشرع # هذا ما في الأمم السالفة ، وفي شريعتنا أيضا ما يؤيّد ذلك ، ( ألا ترى عدوّ الدين ~~) مع كمال اهتمام واضع الدين بإقامة أحكامه ، وذلك على أنّه منوط برفع العدوّ وقمعه ~~، ( قد فرض فيهم الجزية والصلح ، إبقاء عليهم ، وقال : " وَإِنْ جَنَحُوا ~~لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى الله " ) [ 8/61]. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ألا ترى من وجب عليه القصاص ، كيف شرّع لوليّ الدم ~~أخذ الفدية أو العفو ؟ فإن أبى فحينئذ يقتل ألا تراه سبحانه إذا كان أولياء الدم ~~جماعة فرضي واحد بالدية أو عفى - وباقي الأولياء لا يريدون إلا القتل - كيف يراعى ~~من عفى ويرجّح على من لم يعف ، فلا يقتل قصاصا ألا تراه يقول صلَّى الله عليه ~~وسلَّم في صاحب النسعة ) ، # وهي حبل عريض كالحزام ، قيل : إنّها كانت لرجل وجد مقتولا ، فرأى وليّه النسعة في ~~يد رجل ، فأخذ بدم صاحبه فلما قصد قتله # قال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : ( « إن قتله كان مثله » ) أي في الظلم ~~، إذ لا يثبت به القصاص شرعا . # ""أخرج ابن ماجة : « أتى رجل بقاتل وليه إلى رسول الله ، فقال النبي صلّى الله ~~عليه وآله وسلّم : اعف . فأبى . فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : خذ أرشك . فأبى . ~~قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : اذهب فاقتله فإنك مثله » . "" # وفيما يثبت أيضا ، فإنّه هدم بنيان الحقّ . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ألا تراه يقول : “ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ ~~مِثْلُها “ [ 42 / 40 ] فجعل القصاص سيّئة ، أي يسوء ذلك الفعل ، مع كونه مشروعا ؟ ~~“ فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُه ُ عَلَى الله “ لأنّه على صورته ، فمن عفى عنه ~~ولم يقتله فأجره على من هو على صورته لأنّه أحقّ به إذ أنشأه له). # أي الحقّ ما أنشأ هذه النشأة الكاملة العبديّة إلا لنفسه ، فإنّه ما تصوّر إلا به ~~. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وما ظهر بالاسم الظاهر إلا بوجوده ، فمن راعاه إنما ~~يراعى الحقّ ) إذ قد تقرّر غير مرّة أن العبد ممحوّ ، والعبودية ممحوّة الأثر . # مرجع الذمّ والحمد # ثمّ إنّه لما استشعر أن يقال هاهنا : كيف يصحّ أن يكون ذلك صورة الحقّ ، وهي ~~مذمومة تارة ومحمودة أخرى ؟ # نبّه على جوابه بقوله رضي الله عنه : ( وما يذمّ الإنسان لعينه ، وإنما يذمّ ~~الفعل منه ، وفعله ليس عينه ، وكلامنا في عينه ) أنّه صورة الحق . # فلئن قيل : الفعل له عين أيضا موجودة ، فكيف يصحّ أن يكون مرجع الذمّ - وهو العين ~~من حيث هي - غير مذمومة ؟ # قلنا : إنّ عين الفعل من حيث أنّها عين غير مذمومة ، وإنما اكتسبت ذلك من النسبة ~~التي له إلى عين تلك الصورة ، # وأشار إلى هذا الاستكشاف بقوله رضي الله عنه : ( ولا فعل إلا لله ، ومع هذا ذمّ ~~منها ما ذمّ ) أي ذم الفعل من العين واكتسب منها ذلك عند نسبته إليه ( وحمد ما حمد ~~) وفي بعض النسخ : وحمد منه . # ثمّ إنّه يمكن أن يقال : إنّ منشأ الذمّ إذا كان مجرّد نسبة الفعل إلى العين فكيف ~~يكون الفعل منها محمودا تارة ، ومذموما أخرى ؟ # فبيّن كيفية ذلك التمييز والتفصيل بقوله : ( ولسان الذمّ على جهة الغرض ) أي لغرض ~~من الذامّ بخصوصه ، لا على جهة العموم وحفظ صورة الجمعيّة ( مذموم عند الله ولا ~~مذموم إلا ما ذمّه الشرع ) الحافظ لتلك الصورة ، فإنّه هو الكاشف عن أحكام الأعيان ~~وأوصافها . # إذ زمام أمر الإظهار إنّما هو بيده ، وهو الذي يتمكَّن عن إظهار بعض الأشياء ~~بالحمد له وإخفاء الآخر بذمّه . # المشيئة والتشريع # وبيان ذلك أنّك قد عرفت أن الأمر المقتضي لإيجاد المكوّنات - عينا كانت أو حكما - ~~له مدرجتان في التنزل : إحداهما ذاتيّة بلا واسطة ، إنّما يتوجّه إلى تحقق الأعيان ~~فقط ، وهو المشيئة ، والذي يتوجه لتحصيله هو الشيء ، وهو لكونه ذاتيّا لا يخالف - ~~كما مرّ بيانه والأخرى بالواسطة وهي إنما يتوجّه إلى أحكام الأعيان وأوصاف أفعالها ~~وهو التشريع . # والذي يتوجّه لتحصيله هو الشرع . # وهاهنا تلويح كاشف : وهو أن شين « الشكل » الشاخص للمعاني ، إذا ظهر بحروف المدّ ~~- التي هي مبادئ أصول الحروف وموادّ عيونها وذواتها - إنما يصلح لأن يدلّ على أعيان ~~الموجودات فقط ، وهو « الشيء » الحاصل من أمر المشيئة . # وإذا ظهر بحروف الإظهار - أعني الراء والعين ، فإنهما لا يجتمعان في كلمة إلا ~~ويدلّ ذلك على الإظهار فإنّهما أصل الرؤية والعيان - وهو الذي يصلح لأن يكشف عن ~~أحكام الأعيان وإظهار أوصافها ، وذلك هو الشرع الحاصل من أمر التشريع . # وجه المذموميّة المصلحة الشرعيّة # ثمّ إن وجه لمّية أمر الإظهار أعني بيان محموديّة بعض الأفعال وخصوصيّتها ~~المقتضية لها ، ومذموميّة الاخرى من جلائل الحكم ودقائقه . فإنّ الكل من حيث أنّه ~~مظهر لأوصاف الحقّ وأسمائه فهو محمود . فإن ذمّه الشرع فلمصلحة . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإن ذمّ الشرع لحكمة ) دقيقة لا يطَّلع عليها بالقوّة ~~البشريّة ، بل ( يعلمها الله أو من أعلمه الله كما شرع القصاص للمصلحة ، إبقاء لهذا ~~النوع وإرداعا للمتعدّي حدود الله فيه ) توفية لحكمي المقتضي والمانع . # والذي يكشف عن تلك المصلحة قوله تعالى : ( “ وَلَكُمْ في الْقِصاصِ حَياةٌ يا ~~أُولِي الأَلْبابِ “ [ 2 / 179 ] “ ، فخصّ الخطاب باولي الألباب تنبيها على أن هذا ~~السرّ إنّما يختصّ به هؤلاء # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وهم أهل لبّ الشيء ، الذين عثروا على سرّ النواميس ~~الإلهيّة والحكميّة ) # ، فإنّ للبّ مدرجتين : إحداهما خصوصيّة صورة الشيء ذي اللبّ ، مما يتعلَّق بظهور ~~آثاره وخواصّه بين العباد وهي الحكميّة والأخرى جهة أصله ومعناه ، مما يتعلَّق ~~بحقيقته من النسبة التي لها إلى الأسماء الإلهيّة . # و "الباء " يلوّح إلى هذه المدرجة الأسمائية ، كما عرفت وجه ذلك . # واللام إلى الأولى فإنّها إشارة إلى تمام التفصيل الكتابيّ ، وذلك هو تمام الحكمة ~~. # هذا كلام وقع في البين . والحاصل منه تمهيد مقدّمة كاشفة عن غاية هذه النشأة ~~وطريق تحصيلها برعاية بنيتها تأسّيا بالحكمة الإلهيّة . وهي أن الله تعالى راعى هذه ~~النشأة . # لزوم مراعاة إقامة النشأة الإنسانيّة # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وإذا علمت أنّ الله راعى هذه النشأة ) في مراعي ~~الأكوان ( و ) راعى ( إقامتها ) في دار الحدوث والإمكان ( فأنت أولى بمراعاتها ، إذ ~~لك ) في مراقي الكمالات ( بذلك ) النشأة وإقامتها ( السعادة ) العظمى ( فإنّه ما ~~دام الإنسان حيّا ) بهذه النشأة الجمعيّة الإحاطيّة ( يرجى له تحصيل صفة الكمال ~~الذي خلق له ) من شهود الحقّ بجميع أسمائه وعبوديّته لله ( ومن سعى في هدمها فقد ~~سعى في منع وصوله لما خلق له ) من الكمال الذي به يستكمل الكل وهو تمام الظهور ~~والإظهار . # ذكر الله غاية الحركة الوجودية # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وما أحسن ما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : ~~« ألا انبّئكم بما هو خير لكم وأفضل من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا رقابهم ويضربوا ~~رقابكم ؟ : ذكر الله » ) . # فإنّك قد عرفت أنّ الغاية لهذه الحركة الوجوديّة هو الظهور التامّ الذي بآدم ، ~~ثمّ الإظهار الكامل الذي بكلامه ، فهو الخير إذا قيس إلى الإنسان نفسه . # وإذا قيس إلى أفعاله فهو الأفضل . فذكر الله الذي هو غاية الغايات - أعني إظهاره ~~تعالى - هي ثمرة هذه النشأة الإنسانيّة . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وذلك لأنّه لا يعلم قدر هذه النشأة الإنسانيّة إلا من ~~ذكر الله ، الذكر المطلوب منه ) فإنّ من جملة المراتب الوجوديّة مرتبة الكلام ~~والذكر . فإذا ظهر الحقّ في هذه المرتبة واستتبع لها جميع المراتب الباقية ، بأن ~~يظهر في سائر تلك المراتب مظهرا إيّاها ، ويكون الكل مجلاه من الحسّ والخيال والذكر ~~والفكر والقلب . # فإنّ الذاكر له في الكلّ حكم وظهور ، فإذا ظهر بسائر هذه المراتب يكون شخصا كاملا ~~فالذاكر لا بدّ وأن يشاهد المذكور بجميع مداركه ، # ( فإنّه تعالى جليس من ذكره ، والجليس مشهود للذاكر . فمتى لم يشاهد الذاكر الحقّ ~~- الذي هو جليسه فليس بذاكر - فإنّ ذكر الله سار في جميع العبد ) # بمراتبه الروحانيّة والنفسانيّة والجسمانيّة ( لأنّ من ذكره بلسانه خاصّة ، فإنّ ~~الحقّ لا يكون في ذلك الوقت إلَّا جليس اللسان خاصّة ) فإنّ صورة المذكور إنما ~~تشخّصت فيه فقط . # ( فيراه اللسان من حيث لا يراه الإنسان ) فإنّ لكل قوّة وكلّ شيء سائر القوى ~~فعلية كانت أو انفعاليّة على ما تقرّر في أصولهم . # كما قال شرف الدين ابن الفارض : # يشاهد منّي حسنها كلّ ذرّة %~% بها كلّ طرف جال في كلّ طرفة # وقوله رضي الله عنه : ( بما هو رأى ) يجوز أن يكون متعلقا ب « لا يراه » أي لا ~~يراه الإنسان بما هو رأى ( وهو البصر ) أو بمعنى أنه لا يرى الإنسان ، مع أن الرائي ~~هو . # ويجوز أن يكون متعلَّقا ب « فيراه » أي فيراه اللسان بما يراه من القوّة الخفيّة ~~التي لا يدرك بالمدارك البشريّة . والثاني أظهر . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فافهم هذا السر في ذكر الغافلين ) فإنه لا يمكن أن ~~يكون في الوجود غافل مطلقا . أي في جميع مراتبه ، فإنّه لا بد لكل شيء من الحضور ، ~~ولو ببعض أجزائه ومراتبه وهو الذاكر منه # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فالذاكر من الغافل حاضر بلا شكّ ، والمذكور جليسه فهو ~~يشاهده . والغافل من حيث غفلته ليس بذاكر ، فما هو جليس الغافل ) . # ولا يلزم من هذا أنّ الإنسان إذا كان غافلا لا يكون الحقّ جليسه مطلقا ، (فإنّ ~~الإنسان كثير ) إذ قد تقرّر أن تشخّصه وأحديّته أحديّة جميع الكل ، فيكون كثير ~~العين . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ما هو أحديّ العين ، والحقّ أحديّ العين ، كثير ~~بالأسماء الإلهيّة ) والأسماء بعضها جزئيّات بعض ( كما أنّ الإنسان كثير بالأجزاء ~~وما يلزم من ذكر جزء منه ذكر جزء آخر . فالحقّ جليس الجزء الذاكر منه ، والآخر ~~متّصف بالغفلة عن الذكر ) . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ولا بدّ أنّ يكون في الإنسان جزء يذكر به ) حتّى يبقى ~~صورة شخصيّته به ، فإنّك قد عرفت أنّ قيام الشخص بالمدد الوجوديّ الواصل إليه ~~بوساطة النسبة وهي الحضور من الجزء # ( فيكون الحقّ جليس ذلك الجزء ، فيحفظ باقي الأجزاء بالعناية ) كما في عالم ~~الكبير بما ورد في الصحيح : « لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول : الله ، الله ~~» . رواه مسلم ومستدرك الحاكم: « لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله » ~~. # وروي بألفاظ أخرى حلية الأولياء و كنز العمال . فكذلك وجود هذا العالم الإنسانيّ ~~. # حقيقة الموت # ثمّ لما استشعر أن يقال : إنّه إذا كان ذكر الجزء كافيا في حفظ صورة شخصيّة ~~الإنسان ، فكان ينبغي أن لا يطرأ عليه الموت أصلا . ضرورة أن ذكر الجزء منه ضروريّ ~~دائما . # نبّه على دفعه بقوله رضي الله عنه : ( وما يتولى الحقّ هدم هذه النشأة بالمسمى ~~موتا : فليس بإعدام ، وإنما هو تفريق ) . # كما يقوم به الأحديّة الجمعيّة الكليّة التي هي تشخّص الإنسان ، وذلك إنما يتقوّم ~~بالأجزاء عند جمعيّته . # فعند التفريق لا يمكن قيامه به ( فيأخذه إليه ، وليس المراد ) من التفريق واجتماع ~~المتفرّقات قبل ( إلا أن يأخذه الحقّ إليه “ وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه ~~ُ “ [ 11 / 123 ] فإذا أخذه إليه سوّى له مركبا غير هذا المركب ) من جمعيّة حاصلة ~~من الحقائق التي ( من جنس الدار التي ينتقل إليها ، وهي ) لعدم بقاء قهرمان الكثرة ~~فيه ، و عدم نفاذ حكم التضادّ المستدعي للتفريق - ( دار البقاء ، لوجود الاعتدال ) ~~فإنّه حينئذ يظهر في تلك الدار حكم الوحدة ، والاعتدال صورته ( فلا يموت أبدا - أي ~~لا تفترق أجزاؤه ) . # مآل أهل النار إلى النعيم # ثمّ إنّه يمكن أن يقال : « إنّ الأمر في الناس وبقاء صورته في تلك النشأة متفاوت ~~: فإنّ السعداء في درجات النعيم . والأشقياء في دركات عذاب الجحيم . فكيف يكون ~~الكلّ مرجعه واحدا ؟ فنبّه على بيانه بقوله :رضي الله عنه ( وأما أهل النار فمآلهم ~~إلى النعيم ، ولكن في النار ) والنصوص الواردة فيهم بمعنى الخلود إنما يدل على ~~الخلود فيها لا في العذاب ( إذ لا بدّ لصورة النار بعد انتهاء مدّة العقاب أن تكون ~~بردا وسلاما على من فيها . وهذا نعيمهم ) . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فنعيم أهل النار بعد استيفاء الحقوق ) يعني بعد أن ~~أدّى حقوق وجوه المخالفات والعداوات ، وصنوف المتقابلات ، مما يقتضي اختفاء حكم ~~الاتّحاد الذي هو مقتضى أمر الخلَّة والمحبّة ( نعيم خليل الله حين القي في النار ) ~~. # ثمّ لما استشعر أنّه يمكن أن يقال : « كيف يجعل الخليل مقيسا عليه ، وهو لم يكن ~~معذّبا قط ؟ » تعرّض لدفعه بقوله : ( فإنّه عليه السّلام تعذّب برؤيتها ) النظريّة ~~التي هي منتهى نتائج مقدّمات الكثرة ( وبما تعوّد في علمه ) تقليدا للمشهور المعهود ~~. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وتقرّر من أنها صورة تؤلم من جاورها من الحيوان ، وما ~~علم مراد الله فيها ومنها في حقّه ، فبعد وجوه هذه الآلام وجد بردا وسلاما مع شهود ~~الصورة الكونيّة في حقّه ، وهي نار في عيون الناس ) بحسب صورته النوعيّة العينيّة ~~المعاينة ، فإنّها ما تغيّرت عن صورته . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فالشيء الواحد يتنوّع في عيون الناظرين ، هكذا هو ~~التجلَّي الإلهي ) فإنّه واحد يختلف ويتنوّع بحسب اختلاف القوابل وتنوّع ~~الاستعدادات . # فمبدأ ذلك الاختلاف والتنوّع إمّا أن يكون قابليّة العبد ، على تقدير أن يكون ~~القابل من الفيض الأقدس - كما عرفت - وإمّا أن يكون الحقّ نفسه ، فإنّه إذا كان ~~القابل من الفيض الأقدس عن ثنويّة المفاض عليه والمفيض ، يكون مؤدّى العبارتين ~~واحدا . # ولذلك قال رضي الله عنه : ( فإن شئت قلت : إنّ الله تجلَّى مثل هذا الأمر ) - أي ~~مثل القابل وعلى شكله ( وإن شئت قلت : إنّ العالم في النظر إليه وفيه مثل الحقّ في ~~التجلَّي ) . # وفي طيّ عبارته هذه نكتة جليلة حكمية : وهي أنّه إذا كان مؤدّى العبارتين واحدا ، ~~فيكون المثل موجودا قطعا ، وليس مثل مثله شيء . وإلا لا يكون القابل من الفيض ~~الأقدس ، ولا يكون لتسوية العبارتين وجه ، كما لا يخفى ذلك على الفطن . # وإيراد لفظ « المثل » هاهنا لإيماء هذا المعنى وتبيين قوله تعالى : “ لَيْسَ ~~كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ “ [ 42 / 11 ] فإنّ المثل محقّق الوجود وليس لمثله وجود . # فإنّ التجلي الوجودي المذكور يتمثّل ، ( فيتنوّع في عين الناظر بحسب مزاج الناظر ~~، أو يتنوّع مزاج الناظر لتنوّع التجلي . وكل هذا جائز سائغ في الحقائق ) ، فإنّه ~~إذا أثبت الفيض والقبول لا بدّ من الثنويّة الاعتباريّة ، لا غير . وهو الذي يسوّغ ~~تسوية العبارتين . # ثمّ إنّ هذا الكلام وقع هاهنا لتمهيد بيان مرجعيّة الكل إليه. # فلذلك أفصح عمّا هو المطلوب بقوله : ( ولو أن الميّت أو المقتول - أيّ ميت كان أو ~~أيّ مقتول كان ) سعيدا كان ذلك أو شقيّا - ( إذا مات أو قتل ، لا يرجع إلى الله لم ~~يقض الله بموت أحد ولا شرع قتله . فالكلّ في قبضته ) وتحت حوز إحاطته ، سواء كان ~~بالجمعيّة الحياتيّة ، أو بالتفرقة الفوتيّة - قتليّة أو موتيّة - ( فلا فقدان في ~~حقّه . فشرع القتل وحكم بالموت ) ، بإرسال الأنبياء وإنزال النواميس ، ( لعلمه بأنّ ~~عبده لا يفوته . فهو راجع إليه ) هذا هو الظاهر ذوقا وشهودا . # إليه يرجع الأمر كلَّه # ( على أنّ ) في الكلام المنزل القرآنيّ ما يدلّ على ذلك المعنى بأبلغ وجه ، دلالة ~~بيّنة غير خفيّة . وذلك في ( قوله : “ وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه ُ “ [ ~~11 / 123 ] أي فيه يقع التصرّف ، وهو المتصرّف ) . # فإنّ « الرجوع » لغة هو العود إلى ما كان منه البدء مكانا كان أو فعلا أو قولا ، ~~وبذاته كان رجوعه أو بجزء من أجزائه . # وذلك لأنّه قد أسند الرجوع إلى « الأمر » الدالّ على العموم ، مؤكَّدا بالكل . ~~فمعناه حينئذ أن مبدأ جميع الأشياء ومرجعه هو الحقّ - سواء اعتبر ذات الأشياء أو ~~فعلها أو قولها. # هذا ما يدلّ عليه بحسب أصل معناه اللغوي ، وأمّا بحسب العرف الذوقي : فيدلّ على ~~أنّ الهويّة الإطلاقيّة مبدأ الكلّ ومرجعه . ويدلّ ذلك عقلا على أنّ سائر التصرّفات ~~حينئذ إنما يقع فيه ومنه . فهو المتصرّف والمتصرّف فيه . # وإلا يلزم أن يكون الخارج عن تلك الهويّة شيئا ، وهو خلاف ما علم من أصل معناه . ~~وتلك الهويّة لها الإحاطة التامّة ( فما خرج عنه شيء لم يكن عينه . # بل هويّته عين ذلك الشيء . وهو الذي يعطيه الكشف في قوله “ وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُ ~~الأَمْرُ كُلُّه ُ “ [ 11 / 123 ] “ فإنّه في ظاهر اللغة يدلّ على أن هو مرجع ~~الأشياء كلها ومبدؤها . # والذوق الكامل يدلّ على أن ما يكون كذلك يكون هويّته عين تلك الأشياء . # ثمّ إنّ سياق هذا الكلام يقتضي الفحص عن الحكمة الغيبيّة مع ما ذكرنا في وجه نظم ~~الفصوص وترتيبها عند الكلام على تحقيقها فلذلك أخذ في بيانها قائل : فصّ حكمة ~~غيبيّة في كلمة أيّوبيّة # . # %~% ### | فص حكمة غيبية في كلمة أيوبية ### | 19 - فصّ حكمة غيبية في كلمة أيوبية .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين ~~علي ابن محمد التركة # شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم الشيخ ~~الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # وجه تسمية الفص # إنّك قد عرفت أنّ هذه الحكمة هي أول ما يظهر من سلسلة التجليّات الجلاليّة ~~المغيّبة للأحكام الامتيازيّة ، المؤلمة لما هو مقتضى النشأة العنصريّة المزاجيّة ، ~~إبرازا لما عليه النسبة الاتحاديّة العلميّة الكماليّة التي إنما يختمها الخاتم ~~المطلق لهذا السير الإظهاري الإرسالي الإنبائي. # وذلك هو الحكمة الغيبيّة فإنّ الغيب هو أوّل ما يطلق عليه مبدئيّة الظهور ، ولذلك ~~نسب هذه الحكمة إلى الغيب . # مناسبة الفص مع أيّوب عليه السّلام # ثمّ إنّ « أيّوب » لما لم يتميّز عن « الغيب » إلَّا بالألف - التي هي باطن الهاء ~~- والواو ، اللتين هما مادّة اسم « هو » ، المعرب عن الغيب طبعا وذاتا - لا وضعا ~~وجعلا فقط - : ناسب تخصيص هذه الحكمة به . # ومن ثمّة ترى تصادم نبال النوائب المضنية وتراكم نصال المصائب المفنية له عن ~~خصوصيّاته الشخصيّة قد أبادت بنيان قواه المشخّصة له ، إلى أن طهّرته عن شوائب ~~الأحكام الامتيازيّة ، وأفنته عن نفسه بالكليّة فعند ذلك امر بركض الرجل - الذي هو ~~أبعد الأعضاء عن مظهريّة الأوصاف السبعة الإلهيّة ، # فهو غيب الأعضاء - نحو الأرض التي هي مظهر الغيب أيضا في الكائنات الآفاقيّة ~~ضرورة اندماج سائر الأوصاف الوجوديّة الإلهيّة فيها ، # حتّى نبع من عين تلك الغيوب ماء حاضر يصلح لرطوبته أن يغتسل به درن الصور ~~الكونيّة الإمكانية ويمحو النقوش الباطلة ، وببرودته تثبت الصور الحقيقيّة ~~الأسمائيّة ، والمعارف العلميّة اليقينيّة ، وبها يسكَّن الحرارة المفنية المفرّقة ~~للصورة الجمعيّة ، المؤذية للمزاج العنصري الشخصيّ ، وبشر به يصلح لأن يكون مادّة ~~للرطوبة الغريزيّة التي هي بمنزلة الدهن لسراج المزاج وبقاء نور حياته فإنّ الحرارة ~~المشتعلة بنور الحياة ما لم يتغذّ بها لم يتمكَّن من ذلك ، كما لم يتمكَّن للسراج ~~أن يشتعل بنور الإراءة ما لم يتغذّ بالدهن . # وقد اومي إلى تلك الحقائق كلَّها بقوله تعالى : “ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا ~~مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ “. # ثمّ إنّك قد عرفت أن الحياة كما تطلق على الحياة الصوريّة الطبيعيّة التي هي مبدأ ~~الظهور من الحيّ بأوصافه الوجودية ، فقد تطلق أيضا على الحياة المعنوية العلمية ~~التي هي مبدأ الإظهار من الحيّ الحقيقي بأوصافه الكماليّة ، كما قال تعالى : ~~“أَوَمن كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناه ُ وَجَعَلْنا لَه ُ نُوراً يَمْشِي به في ~~النَّاسِ “ [ 6 / 122 ] . # وقد ظهر لك من هذا التحقيق الذي اقتبس من مشكاة الآية الكريمة أنّ للماء نسبة ~~اتحاديّة إلى كلي نوعي الحياة ولذلك قال :" وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ ~~حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ " [يونس : 30] # ( اعلم أنّ سرّ الحياة سرى في الماء ، فهو أصل العناصر و ) سائر ( الأركان ) فإنّ ~~الكلّ به يتقوّم حقائقهم فلو لم تكن مقدّما في الوجود على الكل لم يمكن وجود شيء ~~أصل ( ولذلك جعل الله “ وَجَعَلْنَ من الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ “ [ 21 / 30 ] ~~وما ثمّ شيء إلَّا وهو حيّ ) ، # فإنّ مبدأ الظهور المذكور في سائر الأشياء - على ما لا يخفى - هو الحياة ، # ( فإنّه ما ثمّ شيء إلا وهو حيّ “ يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ِ “ [ 17 / 44 ] ولكن لا ~~نفقة تسبيحه إلا بكشف إلهي - ولا يسبّح إلا حيّ ) متكلم ، وهو الكامل في الحياة ، ~~والكل مشترك في تلك الحياة الكاملة . " د. أبو العلا عفيفي : فإنه ما من شيء إلا ~~وهو يسبح بحمد الله . ". ### || "" أضاف الجامع : # قال الشيخ رضي الله عنه في الفتوحات الباب الثالث والأربعون عن كل شيء حي يسبح ~~بحمد ربه: فالله يقول "وإِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكِنْ لا ~~تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً " # بإمهالكم حيث لم يؤاخذكم سريعا بما رددتم من ذلك "غَفُوراً " ، حيث ستر عنكم ~~تسبيح هؤلاء فلم تفقهوه . # وقال تعالى في حال من مات ممقوتا عند الله "فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ ~~والْأَرْضُ" فوصف السماء والأرض بالبكاء على أهل الله ، # ولا يشك مؤمن في كل شيء أنه مسبح ، وكل مسبح حي عقلا ، # وورد أن العصفور يأتي يوم القيامة فيقول يا رب سل هذا لم قتلني عبثا ، # وكذلك من يقطع شجرة لغير منفعة أو ينقل حجرا لغير فائدة تعود على أحد من خلق الله ~~.أه # "" # ( فكلّ شيء حيّ ، وكل شيء الماء أصله ) ، فإنّ الماء هو ظاهر الحياة - على ما سبق ~~الإيماء إليه - كما أنّ الشيء هو ظاهر الماء عقدا ، إذا بسط بيّناتهما فهو أصل سائر ~~الأشياء ( ألا ترى العرش كيف كان على الماء ) ، يعني عرش الحياة ، التي هو مقدّم ~~العروش الخمسة فإنّه صرّح في كتاب # عقلة المستوفز : " إنّ العرش خمسة : عرش الحياة - وهو عرش هو - وعرش الرحمانية ، ~~والعرش العظيم ، والعرش الكريم ، والعرش المجيد فعرش الحياة هو عرش المشيئة ، وهو ~~مستوى الذات ، وهو عرش الهويّة " . # وهاهنا تلويح يدلّ على هذا : وهو أنّ بينات " الحياة " إذا أضيفت إلى عددها تشتمل ~~على اللام ، التي هي ظاهر " ماء " كما أنّ عددها إذا أخذ بحسب العقد فهو " هو " . # فعرش الحياة منها هو الذي على الماء ، لا الجسمانيّ فقط ، المسمى بالعرش الرحماني ~~، فإنّ ذلك أيضا داخل فيه ، وعرش الحياة محيط بالكلّ ، وهو الذي على الماء ، فإنّ ~~الماء من الطبائع هو الجامع بين الرطوبة التي هي مبدأ قبول الصور ، والبرودة التي ~~هي مبدأ إثبات تلك الصور والحياة هو وجود الصور مع بقائها ، ومبنى أمرهما على الماء ~~، # ( لأنّه منه تكوّن ) # إذ الماء أصل كل شيء وامّه - على ما عرفت تحقيقه فلا نعيده - فالكلّ إنما تكوّن ~~منه . # ( فطفا عليه ) لأنّه ظهر منه ، والظاهر لا بدّ وأن يكون طافيا على أصله ، # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فهو يحفظه من تحته ، كما أنّ الإنسان خلقه الله عبدا ~~، فتكبّر على ربّه وعلا عليه ، فهو سبحانه مع هذا يحفظه من تحته ، بالنظر إلى هذا ~~العبد الجاهل # بنفسه ) ، # وهو المنهمك في أحكام التفرقة الكونيّة ، الحائر في ظلمات كثرة الإمكان كما دلّ ~~عليه كلام الخاتم حيث خاطب بالجمع ، ( وهو قوله صلَّى الله عليه وسلَّم : " لو ~~دلَّيتم بحبل لهبط على الله " ) . # "" الحديث : عن أبي هريرة، قال: بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه ~~إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون ما هذا؟» فقالوا: ~~الله ورسوله أعلم. قال: «هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقه الله تبارك وتعالى إلى ~~قوم لا يشكرونه ولا يدعونه» ثم قال: «هل تدرون ما فوقكم»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. ~~قال: «فإنها الرقيع، سقف محفوظ، وموج مكفوف»، ثم قال: «هل تدرون كم بينكم وبينها؟» ~~قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «بينكم وبينها مسيرة خمس مائة سنة». ثم قال: «هل ~~تدرون ما فوق ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن فوق ذلك سماءين، ما بينهما ~~مسيرة خمسمائة عام» حتى عد سبع سماوات، ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض، ثم ~~قال: «هل تدرون ما فوق ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن فوق ذلك العرش ~~وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين». ثم قال: «هل تدرون ما الذي تحتكم»؟ قالوا: ~~الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها الأرض». ثم قال: «هل تدرون ما الذي تحت ذلك»؟ قالوا: ~~الله ورسوله أعلم. قال: «فإن تحتها أرضا أخرى، بينهما مسيرة خمس مائة سنة» حتى عد ~~سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمس مائة سنة. ثم قال: «والذي نفس محمد بيده لو أنكم ~~دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله». ثم قرأ {هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3]. "" # رواه الترمذي والبيهقي وفي العظمة للآصبهاني والسنة لابن أبي عاصم وتحفة الأحوذي ~~والهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد والجامع الكبير للسيوطي. # ظهر جهة الفوق والتحت باللَّه تعالى ، وباقي الجهات بالإنسان # ثمّ إنّه لما كان لله بحسب أسمائه الحسنى عند التوجّه إلى كمالها مظهران - : # أحدهما عند تمام أمر الظهور ، وهو العالم بأسره وهيأته الجمعيّة الإحاطيّة هو ~~العرش . # وثانيهما عند كمال أمر الإظهار ، وهو آدم بتمامه وهيأته الجمعيّة الإحاطيّة هو ~~الإنسان العبد - أشار إليهما في إثبات نسبة التحت وإضافته إلى الحقّ . # ( فأشار ) بكلامه هذ (إلى أنّ نسبة التحت إليه كما نسب الفوقيّة إليه في قوله : “ ~~يَخافُونَ رَبَّهُمْ من فَوْقِهِمْ “ [ 16 / 50 ] “وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِه ~~“ [ 6 / 18 ] فله الفوق والتحت) . # وهما الجهتان الحقيقيّتان اللتان قد حصلتا بظهور الحقّ وأمّا باقي الجهات فلا ~~يظهر إلا بالإنسان ، الذي هو محلّ إظهار الحقّ تمام . # ( ولهذا ما ظهرت الجهات الستّ إلا بالإنسان ) الذي هو موطن تمام الظهور والإظهار ~~( وهو على صورة الرحمن ) الجامع لتمام الأسماء . # وكيف لا يكون الأمر على هذا ( و ) قد أفاد الذوق الصحيح أنّه ( لا مطعم إلا الله ~~) ، أي لا مفيض لما يتغذّى به الشخص في أطواره روحانيّا ذلك أو نفسانيّا أو ~~جسمانياًّ إلا الله ، ( وقد قال في حقّ طائفة : “ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا ~~التَّوْراةَ وَالإِنْجِيلَ “ ) بإنفاذ أحكامهما وهما الكتابان المنزلان على ~~الرسولين : أحدهما الغالب عليه التنزيه ، والآخر التشبيه . # ولما كان فيض الحقّ لا يختص بأن يكون من الرسول أو كتابه ، فإنّ لكل أحد مدرجة ~~خاصّة إلى فيضه العامّ ، لذلك قال - : ( ثم نكَّر وعمّم وقال : “وَما أُنْزِلَ ~~إِلَيْهِمْ من رَبِّهِمْ “ - فدخل في قوله : “وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من ~~رَبِّهِمْ “ كلّ حكم منزل على لسان رسول أو ملهم ) # على غيره من الناس ( “لأَكَلُوا من فَوْقِهِمْ “ ، وهو المطعم من الفوقيّة التي ~~نسبت إليه ) عقلا وعقدا من العلو التنزيهي . # (“وَمن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ“ [ 5 / 66 ] وهو المطعم من التحتيّة التي نسبها إلى ~~نفسه ، على لسان رسوله المترجم عنه صلَّى الله عليه وسلَّم “). # المعرب عن الأشياء والمظهر إيّاها على ما هي عليه في نفسها ، وذلك في قوله صلَّى ~~الله عليه وسلَّم : « لهبط على الله » ، وهو طرف التشبيه الحقيقيّ الختميّ ، الذي ~~فيه نهاية التنزيه - كما نبّهت عليه غير مرّة . # ويمكن أن ينزل هذين الطرفين للفيض الوارد من الحقّ إلى طريقي الكسب والوهب ، فإنّ ~~الوهب من جهة فوق الامتنان وعلوّ رحمته تعالى ، والكسب من طرف تحت السؤال ومساعي ~~أرجل جدّ العبد وتعبه . # الماء مبدأ نظام الأركان ، وسر الإرجاع إليها في قصة أيوب عليه السّلام # ثمّ إذا تقرّر أنّ الماء الذي عليه العرش هو الذي يحفظه ( ولو لم يكن العرش على ~~الماء ما انحفظ وجوده ، فإنّه بالحياة ينحفظ وجود الحيّ ) على هيأته الشخصيّة ~~المزاجيّة ، # ( ألا ترى الحيّ إذا مات - الموت العرفي - تنحلّ أجزاء نظامه وتنعدم قواه عن ذلك ~~النظم الخاصّ ) فإنّ لتلك الأجزاء والقوى نظما في كلّ عالم بما يناسبه ، وحياة ~~يقبله ويوافقه ولذلك قيّد الموت ب "العرفي " والنظم ب « الخاص » ظهر من هذه ~~المقدّمات أنّ الماء هو مبدأ نظام الأجزاء والأركان والقوى ، التي عليها بناء ~~المزاج الشخصي والهيئة الوحدانيّة الجمعيّة . # ولذلك ( قال تعالى لأيّوب عليه السّلام ) حين أشرف مزاجه على الانحلال ، ونظام ~~أمره إلى الاختلال : ( “ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ“ يعني ماء “بارِدٌ “) [ ~~38 / 42 ] . # وكأنّك قد نبّهت على وجه خصوصيّة العبارة في مطلع الفصّ واختصاص ذلك بأيّوب ( لما ~~كان عليه من إفراط حرارة الألم ، فسكَّنه الله ببرد الماء ) وكسره شدّة حرارته ~~ونقصه له . # قال رضي الله عنه : ( ولهذا كان الطبّ النقص من الزائد ، والزيادة في الناقص ) ~~حتّى يستقرّ في مقام الاعتدال ( والمقصود طلب الاعتدال ، ولا سبيل إليه ) أي إلى ~~الاعتدال الحقيقيّ المطلق ، الذي شهد البراهين بامتناعه واستحالة تكوّنه . # فإنّ المبادر إلى الأفهام مما قال من « أنّ المطلوب من الطبّ زيادة الناقص ونقصان ~~الزائد » : هو أنّ التساوي المطلق والاعتدال الحقيقي هو المطلوب ولا يخفى أنّه لا ~~يصلح لأنّ يكون غاية لحركة حكمية ، لأنّه ممتنع . # فقال : ولا سبيل إلى الاعتدال الحقيقي ، ( إلا أنّه يقاربه ) ، أي المطلوب في ~~الطبّ هو ما يقرب الاعتدال وهو غير ممتنع . # لا سبيل إلى الاعتدال الحقيقي وإلا يلزم التعطيل # قال الشيخ رضي الله عنه : (وإنما قلنا : « ولا سبيل إليه » - أعني الاعتدال - من ~~أجل أنّ الحقائق الحكمية والشهود ) الذوقي ( تعطي التكوين مع الأنفاس على الدوام ، ~~ولا يكون التكوين إلا عن ميل ) من أحد أجزاء ذلك المكوّن فإنّ التكوين إنما يلحق ~~المركَّبات من الطبائع وليس في الوجود إلا ذلك ، كما سبق تحقيقه ، فإنّ الطبائع ما ~~لم يحصل بينها تفاعل وتقاهر لم يتكوّن منها مزاج واحد بالشخص - كما بيّن تحقيقه في ~~الصنائع الحكميّة - وهذا الميل الذي عند التفاعل والتقاهر ( يسمّى في الطبيعة ~~انحرافا ) إذا كان ذلك الميل مبدأ فساد مزاج ( أو تعفينا ) إن كان مبدأ كون ذلك ~~المزاج ، هذا في عالم الطبائع . # وإذ كان الأمر متطابق الأحكام ، لا بدّ وأن يكون في الحضرات الأسمائيّة هذا الميل ~~، وإليه أشار بقوله : # ( وفي حقّ الحقّ إرادة ، وهي ميل إلى المراد الخاصّ ) # من مقتضيات الأسماء فإنّ لكلّ منها اقتضاء حكمه الخاصّ به ، وأحديّة جمع الكل قد ~~حكم بإطلاق خزائن الجود المطلق على سائر تلك الأحكام لكنّ الإرادة ما لم تخصّص أحد ~~الأحكام الخاصّة لم يتكوّن . # فعلم أنه ما لم يحصل في هذه الحضرة أيضا ميل إلى مراد خاصّ ( دون غيره ) لم يمكن ~~التكوّن ، ( والاعتدال ) الذي هو مقتضى أحديّة الجمع والإطلاق ( يؤذن بالسواء في ~~الجميع ، وهذا ليس بواقع فلهذا منعنا من حكم الاعتدال ) وظهور ذلك في مظهر كونيّ ، ~~والتفاوت بين المكوّنات هو بحسب مدارج قربه إليه وبعده عنه . ومن هاهنا ترى المقام ~~المحمدي يعبّر عنه ب « أَوْ أَدْنى » فإنّه لا أعدل منه في المكوّنات ، فهو الأقرب ~~على الإطلاق ، كما هو مؤدّى قوله تعالى : “ أَوْ أَدْنى“ [ 53 / 9 ] هذا في المظاهر ~~الكونيّة . # تقابل الأسماء تنفي الاعتدال الحقيقي # قال الشيخ رضي الله عنه : (وقد ورد في العلم الإلهيّ النبويّ اتّصاف الحقّ بالرضا ~~والغضب ، وبالصفات ) المتقابلة جملة ( والرضا مزيل للغضب ، والغضب مزيل للرضا عن ~~المرضيّ عنه ) ، أيّ لا بدّ من إنفاذ أحد الحكمين المتقابلين عند التوجّه إلى ~~المحكوم عليه ، فإنّ الحقّ في نفسه له الإطلاق في سائر هذه الأوصاف ، كما سيشير ~~إليه . # وإذ كان لا بدّ من إنفاذ أحد الحكمين المتقابلين عند ملاحظة المحكوم عليه ، فكيف ~~يتصوّر الاعتدال ، # قال الشيخ رضي الله عنه : ( والاعتدال أن يتساوى الرضا والغضب ، فما غضب الغاضب ~~على من غضب عليه ، وهو عنه راض فقد اتّصف بأحد الحكمين في حقّه ، وهو ميل ) ، وإن ~~كان للحقّ في نفسه سائر المتقابلات مطلقا ، ( وما رضي الراضي عمّن رضي عنه وهو غاضب ~~عليه فقد اتّصف بأحد الحكمين في حقّه ، وهو ميل ) . # قال رضي الله عنه : ( وإنما قلنا هذا ) الكلام هنا - وهو أنّه لا بدّ من إنفاذ ~~حكم أحد المتقابلين - أعني الرضا والغضب - بالنسبة إلى العبد ، ولا يزال العبد تحت ~~أحدهما - ( من أجل من يرى أن أهل النار لا يزال غضب الله عليهم دائما أبدا ) هذ ( ~~في زعمه ، فما لهم حكم الرضا من الله فصحّ المقصود ) من عدم التساوي والاعتدال على ~~زعمهم . # هذا إن كان كما قالوا فهو يطابق الظاهر ، ( فإن كان - كما قلنا - مآل أهل النار ~~إلى إزالة الآلام وإن سكنوا النار ) وبقي عندهم صورتها النوعية الناريّة على ما ~~عليه ذوق اولي الألباب من أهل الباطن. ( فذلك رضى ) عنهم ، لأنه زال تألَّمهم منها ~~. # قال الشيخ رضي الله عنه : (فزال الغضب لزوال الآلام ، إذ عين الألم عين الغضب # إن فهمت فمن غضب فقد تأذّى ، فلا يسعى في انتقام المغضوب عليه بإيلامه إلَّا ليجد ~~الغاضب الراحة بذلك ، فينتقل الألم الذي كان عنده إلى المغضوب عليه ) # فلا يزال هذا الميل متحقّقا . # فعلم أنّ هذا الكلام يوافق عقائد أهل الظاهر ويطابق أذواق أهل الباطن . # تعالى الحق تعالى في مقامه الإطلاقي عن الرضا والغضب # ثمّ إنّه لما كان سوق كلامه هذا إلى مساقه المذكور مع أهل الظاهر ولأجلهم نزّله ~~إلى مداركهم الجزئيّة ، لأنّ أمثال هذه الأحكام التي قيل للغضب والغاضب من الانتقام ~~والالتذاذ به يختصّ به المظاهر الكونيّة ، # والكلام في صفات الله تعالى على ما هي عليه في نفسها عند أهل التحقيق في مشهدهم ~~الذوقيّ لذلك أشار إلى وجه تحقيق الأمر بما عنده بقوله : # ( والحقّ إذا أفردته عن العالم يتعالى علوّا كبيرا عن هذه الصفة ) # فإنّك قد عرفت أنّ أحكام هذه الأسماء المتقابلة وظهور تنافيهما وتقابلهما ليس إلا ~~باعتبار المحكوم عليه وملاحظة المظاهر الكونيّة ، وإذا أفردت الحقّ عنها فله ~~الإطلاق في سائر هذه الأسماء والتقدّس بها عنه . # وفي بعض النسخ ( على هذا الحدّ ) ، وأنت عرفت أن الكلام بإطلاقه صحيح ، فلا ~~احتياج إلى هذا القيد إلا لمجرّد تبيين خصوصيّة المحلّ والظاهر أنّه كان من الحاشية ~~فوقع في المتن . # قال الشيخ رضي الله عنه : (وإذا كان الحقّ هويّة العالم فما ظهرت الأحكام كلها ~~إلا فيه ومنه) # فلا يكون الغضب والانتقام إلا له ، (وهو قوله : “وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُ الأَمْرُ ~~كُلُّه ُ“ [ 11 / 123 ] حقيقة وكشفا ) . # وينبغي أن يعلم هاهنا أنّ العلم له مدرجتان في العالم عند إنفاذ حكمه فيه - يعني ~~إظهار المعلوم - إحداهما تبيّنه في نفس العالم وتيقّنه وتحقّقه فيها ، ويلزمه إظهار ~~المعلوم للعالم فقط . # والأخرى هي مبدأ تبيّنه مع ذلك التيقّن وكشفه ، ويلزمه الإظهار للعالم ولمن يقربه ~~في النسبة ممن يفهم عرفه ووجوه تخاطبه . # ثمّ إنّه إذ قد وقع في عبارته ما هو مبدأ لهذين المرتبتين ، حيث قال : « ما ظهرت ~~الأحكام كلها إلا فيه ومنه » أي متحقّقة فيه ، وظاهرة منه أفصح عنهما في مرتبة ~~العلم والعين ، بجميع الأحوال التابعة لهما ، تبيينا لكليّة حكمته وتعميما لخصائص ~~ذوقه ، فإنّ ذلك هو المستتبع لانتظام قوانين التوحيد وتطبيق لطائف جمال الإجمال منه ~~بدقائق جلائل التفصيل وإلى المرتبتين الأخريين أشار بقوله : # (" فَاعْبُدْه ُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه # ِ # ") # أي فاعبده تحقّقا ، وتوكَّل عليه كشفا وتبيينا ، حتى تكون العبادة # ( # حجابا و ) # التوكَّل # ( سترا ) # فقد طابق بهذا التحقيق الإجمال بالتفصيل علما وعينا وحالا . # ظهور الحقّ بظهور العالم # ثمّ إنّه إذا كان العالم هذا - مع أنّ الحقّ عين هويّته - يكون محلا للأحكام ~~المتقابلة ، والكلّ منه وفيه . # ولهذا قال : ( وليس في الإمكان أبدع من هذا العالم ، لأنّه على صورة الرحمن أوجده ~~الله ) وهو شامل لجميع الأسماء ، فله أحديّة الجمع الوجوديّة فكلّ شيء على صورته له ~~وجود الحقّ ، وبه ظهوره # ولهذا قال : ( أي ظهر وجوده تعالى بظهور العالم ) فإنّه ظهر بالعالم أحكام سائر ~~الأسماء جمعا وفرادى ( كما ظهر الإنسان بوجود الصورة الطبيعيّة ) فإنّه ما لم توجد ~~هذه الصورة لم تكن لأوصاف الإنسان وأحكامه أثر . # ظهور الحقّ بظهور العالم # ( فنحن ) بجميع أعيان العالم وأحكامه ( صورته الظاهرة ، وهويّته روح هذه الصورة ~~المدبّرة لها ) ، ولا شكّ أنّ الروح باطن الصورة ( فما كان التدبير ) الذي هو حكم ~~الروح ( إلَّا فيه ، كما لم يكن ) ظهور الأوصاف والأحكام الخارجيّة ( إلَّا منه . # فهو "الأَوَّلُ " بالمعنى "وَالآخِرُ " بالصورة ، وهُوَ " الظَّاهِرُ " بتغيير ~~الأحكام والأحوال "وَالْباطِنُ " بالتدبير ) . # فعلم أنّ سائر هذه الأحكام التي للعالم إنما هو في الحقّ من حيث الباطن ، ومنه من ~~حيث الظاهر ، (" وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " ) [ 57 / 3 ] في الباطن ، ( فهو " ~~عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ") [ 58 / 6 ] في الظاهر . # فإنّ العلم الصحيح هو أن يكون مبدؤه الذوق القلبي ، أو الشهود الحسّي ، كما أشير ~~إليه في قوله تعالى : “ لِمَنْ كانَ لَه ُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ ~~شَهِيدٌ “ [ 50 / 37 ] . # العلم الصحيح هو علم الأذواق # ولذلك قال ( ليعلم عن شهود ، لا عن فكر فكذلك علم الأذواق ، لا عن فكر ، وهو ~~العلم الصحيح ، وما عداه ) - أي ما عدا ما كان عن شهود وذوق # ( # فحدس وتخمين ) # ، فإنّ الحدسيّات والمتواترات والتجربيّات وإن عدّت من اليقينيّات عند أهل النظر ~~، ولكن لما أمكن فيها تطرّق الشبه من قوّتي الوهم والخيال ما عدّها من العلم وكذلك ~~البرهانيّات إذا استحصلت بمجرّد الفكر العاري عن الذوق جملة ، ولذلك أطلق عليه ~~التخمين ، الذي فيه بقيّة تردّد الظن وتشويشه . # ولذلك قال : # ( ليس بعلم أصلا ) # ، ولذلك لا تراها لمتعطَّشي بوادي الطلب عند الاستفاضة منها أنّها تشفي غلَّتهم ، ~~ولا لمتخمّصي سني الافتقار أنها تسمنهم أو تغنيهم من جوع وأنت عرفت أنّ الماء صورة ~~العلم ، فهو الذي يزيل ألم العطش الذي من نصب المتعلَّقات المحلَّلة للروح وعذابه . # قال الشيخ رضي الله عنه : (ثمّ كان لأيّوب ذلك الماء شرابا لإزالة ألم العطش الذي ~~هو من النصب ) - أي التعب - وهي التعلَّقات الناصبة للشخص في مناصب المتجوّهين ~~وأنصابهم الشاغلة المتعبة ، ( والعذاب ) وهو ما يستعذبون منها من مؤلمات الروح ~~ومكدّرات لطائف صفوه ، وهو (الذي مسّه به الشيطان - أي البعد عن الحقائق أن يدركها ~~على ما هي عليه .فيكون بإدراكها في محلّ القرب). # الشيطان والبعد # ولما كان الشيطان مبدأ الأحكام العدميّة كلها ، وأصل ذلك هو النسبة التي مبدأ ~~سائر التعيّنات ، فهو النسبة التي هي مبدأ الأوصاف العدميّة . # وفي تحليل موادّ # « إبليس » # ما يدلّ على هذا ومن ثمّة ترى المصنّف عرّفه بالبعد عن الحقائق أن يدرك . فبالبعد ~~أفصح عن النسبة ، وبالباقي عن مبدئيّته للأوصاف العدميّة العامّة ، كالجهل والإباء ~~للإذعان . # فعلم أنّ هذا بيان ماهيّة الشيطان حقيقة ، وليس فيه ارتكاب مجاز كيف وهو في صدد ~~التعريف والإبانة عن حقيقته بما هو عليه ، وأدب هذا المقام يأبى أن يستعمل فيه غير ~~الحقيقة - على ما بيّن في صناعته . # والذي يلوّح على هذا الكلام أنّ البعد إذا أخذ مع بيّناته هو عدد الشيطان ناقصا ~~منه عقدان من العشرة ، الدالَّة على هيأتيه الفرقيّة والعلميّة فتأمّل . # وهاهنا تلويح آخر : وهو أنّ « العين » الذي هو الدالّ على عين الجمع ، إذا ظهر ~~على باء البينونة والبيان والإباء . # التي هي بدؤ التعينات - إذ بها انتشاء النقطة ومنها ظهرت فهو العبد الذي له ~~الإطاعة . # وأمّا إذا ظهر الباء المذكورة على العين ، واختفيت هي تحتها ، فهو البعد الذي منه ~~الإباء ، وهو الشيطان . # ثمّ إنّه لما كان هو البعد عن إدراك الحقائق ، فإنّ المدرك قريب لمن يدركه فإنّ ~~المدرك مشهود ( فكل مشهود قريب من العين ، ولو كان بعيدا بالمسافة ، فإنّ البصر ~~يتّصل به ) على رأي الذاهبين إلى الشعاع . # ( من حيث شهوده ولولا ذلك لم يشهده أو يتّصل المشهود بالبصر ) على رأي الذاهبين ~~إلى الانطباع ( كيف كان ، فهو قرب بين البصر والمبصر ) . # فقد علم أنّ الشيطان هو البعد عن هذا القرب ، والبعد من جملة الإضافة ( ولهذا ~~كنّى أيّوب في المسّ ) الذي هو من الإضافات ( فأضافه إلى الشيطان ) الذي هو البعد ، ~~إضافة إسناد ( مع قرب المسّ ) أي مع أنّ المسّ هو القرب فأسند القرب إلى البعد ( ~~فقال : البعد منى قريب بحكمه في ) ، أعني البعد . # ثمّ إنّه يمكن أن يقال : إنّ حكم القريب إنما هو القرب ، كما أن حكم البعيد هو ~~البعد . فكيف جعل حكم القريب هو البعد ؟ # فدفع ذلك بقوله : ( وقد علمت أنّ القرب والبعد أمران إضافيّان ، فهما نسبتان لا ~~وجود لهما في العين ) . # فلئن قيل : فكيف يكون الشيطان هو البعد ، وله وجود في العين كما لا يخفى ؟ # قلنا : إن البعد المطلق - من حيث هو هو - وإن لم يكن له وجود عيني ، ولكن أفراده ~~المشخّصة منه موجودة في الخارج وهو البعد المشخّص في البعيد . # وإلى ذلك أشار بقوله : ( مع ثبوت أحكامهما في البعيد والقريب ) . # لا مباينة بين صبر العبد ودعائه لكشف الضرّ # ثمّ إنّ هاهنا سرّا عزيزا يدلّ على علوّ ذوق أيوب في العلم باللَّه ، وعلى قرب ~~صاحب هذه الإضافات المتقابلة من الذات وهي أنّ أبين وصف للهويّة الذاتيّة ~~الإطلاقيّة هو جمعيّة الأضداد - كما عرفت غير مرة - وقد أشير في قوله : “ مَسَّنِيَ ~~الشَّيْطانُ “ [ 38 / 41 ] # إلى تلك الجمعية على ما لا يخفى على الفطن وإليه أشار بقوله : ( واعلم أن سرّ ~~الله في أيّوب الذي جعله عبرة لنا وكتابا مسطورا حاكيا ، يقرؤه هذه الامّة ~~المحمديّة ) ، التي لها جمعيّة كمالات الأمم السالفة ، وقابليّة استفهام جوامع ~~الكلم وتعلَّمها ، # ولذلك قال : ( لتعلم ما فيه ، تلحق بصاحبه ، تشريفا لها ) ، وحسبهم تشريفا ~~وتعظيما أنّ سائر أساطين الأنبياء السالفة وأممهم قد ظهر لهم بالوجود الكلامي كاشفا ~~عن دقائق عرفانهم وإيقانهم ، حاكيا عن كنه تجاربهم ومآل آمالهم ، عبرة لهذه الامّة ~~الشريفة عن جملة ما كانوا عليه في أحوالهم . وذلك الظهور تارة في الصور الكتابيّة ~~مسطورا ، منبّها بها إلى جلائل المعاني بلطائف الإشارات ، وأخرى في الصور الكلاميّة ~~مقروّا ، دالا بها على دقائق الحقائق بخفيّ المناسبات . وإلى هذا كلَّه إشارة في ~~المتن فلا تغفل. # الترجي من الله تعالى وأو من الأسباب # ومن جملة تلك الحكم التي هي عبرة المعتبرين ما صدر منه ( فأثنى الله عليه - أعني ~~على أيوب - بالصبر مع دعائه في رفع الضرّ عنه . فعلمنا أنّ العبد إذا دعي الله في ~~كشف الضرّ عنه ، لا يقدح في صبره ) ، بل الكفّ عن ذلك الدعاء - بما فيه من رائحة ~~رعونة الدعوى والتجلَّد وقوّة الاحتمال - ينافي كمال العبوديّة . # ولذلك قال تعالى حين أظهر ما به : ( وأنّه صابر ، وأنّه " إِنّا وَجَدْنَاهُ ~~صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ " ، كما قال ) في بيان تحققه بكمال ~~العبوديّة : ( “ إِنَّه ُ أَوَّابٌ “ أي رجّاء إلى الله ، لا إلى الأسباب ، والحقّ ~~يفعل ) فيما يفعل ( عند ذلك ) الفعل ( بالأسباب ) فهي الآلة ، والفاعل هو الحقّ ( ~~لأنّ العبد ) الكامل في عبوديّته هو الذي ( يستند إليه ) نفسه وسائر الأفعال ، ~~ويسأل عنه سائر ما يستحصل من الأسباب ، لا عنها ، # ( إذ الأسباب المزيلة لأمر ما كثيرة ، والمسبّب واحد العين ، فرجوع العبد إلى ~~الواحد العين المزيل بالسبب ذلك الألم أولى من الرجوع إلى سبب خاصّ ، إذ ربما لا ~~يوافق علم الله فيه فيقول : إن الله لم يستجب لي ، وهو ما دعاه ، وإنّما جنح إلى ~~سبب خاصّ لم يقتضه الزمان ولا الوقت ) # اللذان هما مدارج تنزّل الصور العلمية إلى العين هذا بيان تحقّقه بكمال العبوديّة ~~وأنّه نعم العبد . # الصبر هو عدم الشكوى إلى غير الله ، لا إلى الله # وأمّا وجه أن هذا الدعاء لا يقدح في صبره وأنّه صابر ، فقوله : ( فعمل أيّوب ~~بحكمة الله ، إذ كان نبيّا ) عارفا بدقائق الأحوال والمقامات ووجوه كمالها ونقصها ، ~~( لما علم أنّ الصبر الذي هو حبس النفس عن الشكوى عند الطائفة ) من متصوّفة أهل ~~الظاهر ، ( وليس ذلك بحدّ للصبر عندنا وإنّما حدّه حبس النفس عن الشكوى لغير الله ~~لا إلى الله ) . # كما قال صاحب التائيّة : # ولم أحك في حبّيك حالي تبرّم %~% بها لاضطراب ، بل لتنفيس كربتي # ويحسن إظهار التجلد للعدى %~% ويقبح إلَّا العجز عند الأحبّة # ويمنعني شكواي حسن تصبّري %~% ولو أشك ما بي للأعادي لأشكت # وعقبى اصطباري في هواك حميدة %~% عليك ، ولكن عنك غير حميدة # والذي حمل المتصوّفة على الوقوف في هذا المدحض أنّهم رأوا أن الشكوى تنافي الرض # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فحجب الطائفة نظرهم في أنّ الشاكي يقدح بالشكوى في ~~الرضا بالقضاء ، وليس كذلك . فإنّ الرضا بالقضاء لا تقدح فيه الشكوى إلى الله ، ولا ~~إلى غيره . وإنما تقدح في الرضا بالمقضي ونحن ما خوطبنا بالرضا بالمقضيّ والضرّ هو ~~المقضيّ ، ما هو عين القضاء) . # حبس النفس عن الشكوى إليه تعالى مقاومة قهره # ثمّ أخذ في تبيين دقائق كشف أيّوب في الشكوى المذكورة وعلوّ ذوقه في ذلك بقوله : # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وعلم أيّوب أنّ في حبس النفس عن الشكوى إلى الله في ~~رفع الضرّ مقاومة القهر الإلهي ) ، وهي مما يأباها العبوديّة إذا كان الشخص له وقوف ~~على مواقف العبوديّة وعلم . # ولذلك قال الشيخ رضي الله عنه : ( وهو جهل بالشخص إذا ابتلاه الله بما تتألَّم ~~نفسه ، فلا يدعوا الله في إزالة ذلك الأمر المؤلم ) ، فالجهل هذا يمكن أن يحمل على ~~ما يقابل العلم كما عرفت ، ويمكن أن يحمل على فعل في غير موقعه ، فإنّ من جملة ~~معاني الجهل فعل الشيء بخلاف ما حقّه أن يفعل ، سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو ~~فاسدا ، كمن يترك الصلاة متعمّدا ، وعلى ذلك قوله : “ أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ ~~أَعُوذُ بِالله أَنْ أَكُونَ من الْجاهِلِينَ “ [ 2 / 67 ] ، فجعل فعل الهزء جهل . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( # بل ينبغي له عند المحقّق أن يتضرّع ويسأل الله في إزالة ذلك عنه ، فإنّ ذلك إزالة ~~عن جناب الله عند العارف صاحب الكشف ) # ، فإنّ العبد في صحائف الوجود ممحوّ ، والعبوديّة ممحوّة الأثر عندهم فمرجع اللذة ~~والألم إنما هو الموجود الحقّ ، وذلك غير ممنوع في ظاهر الشرع # (فإنّ الله قد وصف نفسه بأنّه يؤذى، فقال :"إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله ~~وَرَسُولَه # ُ # ") # .[ 33 / 57 ] # قال الشيخ رضي الله عنه : (فأيّ أذى أعظم من أن يبتليك ببلاء عند غفلتك عنه ، أو ~~عن مقام إلهيّ لا تعلمه ، لترجع إليه بالشكوى، فيرفعه عنك ، فيصحّ الافتقار الذي هو ~~حقيقتك ) # تصحيحا لنسبة العبوديّة وإقامة لك في مواقف العجز والاستكانة # ( # فيرتفع عن الحقّ الأذى بسؤالك إيّاه في رفعه عنك إذ أنت صورته الظاهرة # ) # ولا شكّ أنّ الصورة من الشيء إذا كانت متأذّية يكون الكلّ متأذّيا وإزالة الأذى ~~عنها إزالة عنه . # قال الشيخ رضي الله عنه : (كما جاع بعض العارفين ، فبكى . فقال له في ذلك من لا ~~ذوق له في هذا الفن معاتبا له . فقال العارف : إنما جوّعني لأبكي ) # . وكذلك فيما نحن فيه # قال الشيخ رضي الله عنه : ( يقول : إنما ابتلاني بالضرّ لأسأله في رفعه عنّي ، ~~وذلك لا يقدح في كوني صابرا . فعلمنا أنّ الصبر إنما هو حبس النفس عن الشكوى لغير ~~الله). # ثمّ إنّه يمكن أن يقال هاهنا : إنّ الغير الذي هو معدوم العين عندكم كيف يتصوّر ~~الشكوى له ؟ # فأشار إلى جوابه بقوله : ( وأعني بالغير وجها خاصّا من وجوه الله ) عيّنه الشاكي ~~نفسه للشكوى إليه ، تصوّرا منه أنّه السبب في ذلك ، ( وقد عيّن الحقّ وجها خاصّا من ~~وجوه الله ، وهو المسمّى وجه الهوية ) للدعاء وإزالة الشكوى كما قال : فادعوه ~~مخلصين له الدين" فَادْعُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ وَلَوْ كَرِهَ ~~الْكَافِرُونَ " . # ( فيدعوه من ذلك الوجه في رفع الضرّ - لا من الوجوه الأخر المسماة أسبابا - وليست ~~) تلك الأسباب ( إلا هو من حيث تفصيل الأمر في نفسه ) . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فالعارف لا يحجبه سؤاله هويّة الحقّ في رفع الضرّ عنه ~~، عن أن يكون جميع الأسباب عينه من حيثيّة خاصّة ) # كل بحسب خصوصيّته في حضرة النسب الأسمائيّة . # (وهذا ) وإن أمكن طروقه لبعض الموقنين من المؤمنين ، ولكن ( لا يلزم طريقته إلا ~~الأدباء من عباد الله ) العارفون بآداب العبوديّة والموفون حقّه والأمناء على أسرار ~~الله من الذين لا يظهرون منها على غير أهله ، كما قيل : # ومستخبر عن سر ليلي رددته %~% بعمياء من ليلي بغير يقين # يقولون خبرنا فأنت أمينها %~% وما أنا إن أخبرتهم بأمين # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإن لله أمناء لا يعرفهم إلا الله ، ويعرف بعضهم بعضا ~~، وقد نصحناك فاعمل ). ### || ( وإيّاه سبحانه فاسأل ). # . # %~% ### | فص حكمة جلالية في كلمة يحيوية ### | 20 - فصّ حكمة جلالية في كلمة يحيوية .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين ~~علي ابن محمد التركة # شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم الشيخ ~~الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # وجه تسمية الفصّ # ووجه اختصاص هذه الكلمة بحكمتها هو أنّ من شأن الجلال القهر لما يقال له الغير ~~والسوي ، ونفي ما يشعر بالثنويّة مطلقا ، واثبات الوحدة الإطلاقيّة قطعا على ما هو ~~مقتضى التعيّنات الجلائيّة ، ولذلك يستلزم الأوليّة والخفاء وإذ كان في يحيى أيضا ~~هذه الوحدة حتى لا تغاير بين اسمه وصفته وصورته ومعناه وبه صار مظهرا للأوليّة بأن ~~لم يكن سميّا قبله اختص بحكمته . # وأيضا فإنّ في تلويحه الكلامي ما يدلّ على أنّه تمام الصور الإظهاريّة الإشعاريّة ~~التي بها بعث الخاتم الآخر ، فذلك أيضا من أدلَّة أوليّته وجلاله . # وإلى ذلك الاختصاص أشار بقوله : # وجه تسمية يحيى عليه السّلام # قال رضي الله عنه : ( هذه الحكمة ) الجلاليّة هي ( الأولية في الأسماء فإنّ الله ~~سمّاه يحيى ) مطابقا لما عليه في المعنى ، متّحدا به وإليه أشار بقوله : ( أي يحيى ~~به ذكر زكريّا ، ولم يجعل له من قبل سميّا ) ، فبين اسمه العلم ووصفه وفعله اتّحاد ~~في لفظ « يحيى » فإنّه فعله أولا - إذ هو صيغة الفعل - وهو وصفه واسمه والشيخ أدرج ~~الفعل في الصفة # ولذلك قال رضي الله عنه : ( فجمع بين حصول الصفة - التي فيمن غبر ممن ترك ولدا ~~يحيى به ذكره - وبين اسمه ، بذلك ) اللفظ الدالّ على حصول الإحياء بذكره ، ( فسمّاه ~~يحيى ) ، ففي لفظ « الحصول » تنبيه إلى مرتبة الفعل أيضا . # فرق العلوم الاستدلاليّة والذوقيّة # ثمّ إن العلوم أيضا لها ثلاث مراتب : # 1 - ذات وهو المعلوم الحاصل في العالم ، # 2 - ووصف يثبته وهو الدليل ، فإنّ الأوصاف هي الدليل المثبت للأعيان . # 3 - وفعل : وهو ما يترتب عليه من الالتذاذ به ، وهو لم يفارق حصول الصفة التي هو ~~الدليل ، فلذلك عبّره به . # ثمّ العلوم الاستدلاليّة تفارق أوصافها الذوات منه فإنّ الدليل منها علوم أخر غير ~~المدلول مادّة وصورة . # وأمّا العلوم الذوقيّة فمنطوية على دليله ، وهو متّحد بالمعلوم منها ، مندرج فيه ~~. # ولذلك ترى العالم يلتذّ به أكثر مما يلتذّ البرهانيّات ، ومن ثمّة تختصّ باسم « ~~الذوقيات » ( فكان اسمه يحيى ) من حيث اشتماله على وصفه ومعناه ( كالعلم الذوقي ) ~~المندرج فيه وصفه ومعناه ، يعني دليله . # إحياء ذكر زكريّا بيحيي عليه السّلام # وإنما قال رضي الله عنه : « يحيى به ذكر زكريّا » ( فإنّ آدم حيّي ذكره بشيث ، ~~ونوحا حيّي ذكره بسام - وكذلك الأنبياء - ولكن ما جمع الله لأحد قبل يحيى بين الاسم ~~العلم منه ) # أي من يحيى ويحتمل أن يرجع إلى « الله » أي الحاصل منه ، والأوّل أظهر ( وبين ~~الصفة إلا لزكريّا ، عناية منه ) حيث جعل اسمه وعلمه ما يظهر به أوصافه ومعناه . # ثمّ إن هذه العناية وإن كان في حقّ يحيى بحسب الظاهر ، ولكن لما كان مسؤول زكريّا ~~، وقد أجيب وأعطي له من خزانة الوهب مراده على أتمّ وجه وأكمل ظهور - كان في حق ~~زكريّا أيضا نعمة وعناية . # قال رضي الله عنه : ( إذ قال : “ فَهَبْ لِي من لَدُنْكَ وَلِيًّا “ [ 19 / 5 ] ~~فقدّم الحقّ على ذكر ولده - كما قدّمت آسية ذكر الجار على الدار في قولها : “ ~~عِنْدَكَ بَيْتاً في الْجَنَّةِ “ [ 66 / 11 ] فأكرمه الله بأن قضى حاجته وسمّاه ~~بصفته ، حتى يكون اسمه تذكارا لما طلب منه نبيّه زكريّا عليه السّلام ) . # "" أضاف الجامع : قال الشيخ رضي الله عنه في الفتوحات الباب الثاني وثلاثمائة : # وكمال مريم شهد لها بذلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم # ولآسية امرأة فرعون فأما كمال آسية فلشرف المقام الذي ادعاه فرعون فلم يكن ينبغي ~~لذلك المقام أن يكون العرش الذي يستوي عليه إلا موصوفا بالكمال # فحصل لآسية الكمال بشرف المقام الذي شقي به فرعون ولحق بالخسران المبين وفازت ~~امرأته بالسعادة ولشرف المقام الذي حصل لها به الكمال قالَتْ:" رَبِّ ابْنِ لِي ~~عِنْدَكَ بَيْتاً في الْجَنَّةِ " # فما أنطقها إلا قوة المقام ب "عندك" ، # ولم تطلب مجاورة موسى ولا أحد من المخلوقين ولم يكن ينبغي لها ذلك فإن الحال يغلب ~~عليه فإن الكامل لا يكون تحت الكامل ، فإن التحتية نزول درجة ولما كان كمال مريم ~~بعيسى في نسبته إليها لم تقل ما قالت آسية ، # آسية تقول:" نَجِّنِي من فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي من الْقَوْمِ ~~الظَّالِمِينَ" حتى لا تنتهك حرمة النسبة. ومريم تقول "يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ ~~هذا وكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا " وهي بريئة في نفس الأمر عند الله ، # فما قالت ذلك من أجل الله كما قالت آسية " عِنْدَكَ" فقدمته وطلبت جواره والعصمة ~~من أيدي عداته ولكن قالت ذلك مريم حياء من الناس ، # لما علمته من طهارة بيتها وآبائها فخافت من إلحاق العار بهم من أجلها ، # ولما ذكرنا أن العالم كان مستورا في غيب الله وكان ذلك الغيب بمنزلة الظل للشخص # فلو سلخ من الظل جميعه أمر ما لخرج على صورة الظل والظل على صورة ما هو ظل له، # فالخارج من الظل المسلوخ منه على صورة الشخص، # ألا ترى النهار لما سلخ من الليل ظهر نورا فظهرت الأشياء التي كانت مستورة بالليل ~~ظهرت بنور النهار ، # فلم يشبه النهار الليل وأشبه النور في ظهور الأشياء به ، فالليل كان ظل النور ~~والنهار خرج لما سلخ من الليل على صورة النور ، # كذلك العالم في خروجه من الغيب خرج على صورة العالم بالغيب كما قررناه ، # فقد تبين لك من العلم بالله من هذا المقام ما فيه كفاية إن عرفت قدره "فَلا ~~تَكُونَنَّ من الْجاهِلِينَ " .أه "" # ولما كان إظهار الأوصاف الكمالية في الاسم من الصورة التي هي مقتضى أمر النبوّة ~~وحكمها ، أفصح عن ذلك بقوله : « نبيّه زكريّا » تنبيها لذلك . # ثمّ إنّه إنما اختصّ بين الأنبياء بهذه الكرامة ( لأنّه عليه السّلام آثر بقاء ~~ذكر الله في عقبه ) عند استدعائه الولد الذي هو باطن والده ، ( إذ الولد سرّ أبيه ) ~~الظاهر بما في باطنه من الأوصاف الوارث له وهي هاهنا أحكام النبوّة ولذلك ما خصّص ~~زكريّا نفسه بالوارثيّة المذكورة ، # قال رضي الله عنه : ( فقال : “ يَرِثُنِي وَيَرِثُ من آلِ يَعْقُوبَ “) [ 19 / 6 ~~] إفصاحا عن ذلك المقصود ، فإنه إذا كان الوارثون هم الأنبياء ( وليس ثمّ موروث في ~~حق هؤلاء إلا مقام ذكر الله ) ، وهو مقام ولايته ( والدعوة إليه ) ، وهو طرف نبوّته ~~. # قال رضي الله عنه : ( ثمّ ) من جملة ما أكرم الله على يحيى ( أنّه بشّره بما ~~قدّمه ) على الأقران أو بالحياة التي قدّم ذكرها وما يكملها ، أو بشّره بسبب ما ~~قدّم اسم الله على اسمه - وهذا أقرب الوجوه إلى التوجيه ، لكن لا يطابق بيان ( من ~~سلامه عليه يوم ولد ) أي عند ظهوره من مستجنّ بطون امّهات القوابل واستعداداتها . # أيّام الأنبياء # وذلك لأنّ الأنبياء لهم في استحصال كمال النبوّة ثلاث مراتب ، كلّ مرتبة منها يوم ~~من أيّام ذلك النبيّ باعتبار اشتمال ظهور تلك المرتبة على امتداد يكون مبدأ إعلان ~~جملة من تفاصيل الأعيان وأحكامها ، من مبدأ طلوع حكم تلك المرتبة إلى منتهى غروبه ~~وهذا يشمل اليوم الزمانيّ أيض . # فأولاها عند استخراج ما في قوّة قبول ذلك النبيّ وبطون استعداده على صحائف ~~الأكوان ومجالي الفعل والعيان ومن الحكم والحقائق والمصالح على ما عليه الأمر في ~~نفسه ، وكنّى عنها بيوم الولادة . ووجه المناسبة بها ظاهر . # وثانيها عند ظهور تمام ذلك الكمال واجتلائه عليه بأحديّة جمعيّته عند سكون أمره ~~وانقطاع تلك الحركة الوجوديّة الشوقيّة فيه وبهذه المناسبة عبّر عنه بيوم الموت ، ~~وإليه أشار بقوله : ( “ وَيَوْمَ يَمُوتُ “ ) وأيض " الموت " يلوح على « التامّ » ~~بمادته. # وثالثه عند بعثها بأحكام النبوّة وإظهار الصور الشرعيّة والسنن العمليّة التي ~~عليها يحشر الأمم يوم القيامة . ولهذا عبّر عنه بيوم البعث ، وإليه أشار بقوله : ( ~~“ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا “ ). # وإذ كان إحياء اسم زكريّا منه مخصوصا بهذه المرتبة ، نبّه إليه (فجاء بصفة الحياة ~~، وهي اسمه ) الدالّ على وصفه - أعني إحياء ذكر زكريّ . # الوجوه المتعددة في تفسير آية واحدة من القرآن الكريم # ثمّ هاهنا نكتة حكميّة ينبغي أن يقف عليها المتدبّر في الكلام المنزل النبوي ~~ووجوه معانيه وتأويلاته كلّ الوقوف ، وهو أنّ كل معنى لا يمانع الظاهر ولا ينفي ما ~~يستفاد منه بحسب أصل معنى العربيّة مما يفهم منه العامة ويستكشفونه عن كتب التفاسير ~~، بل يعمّه ويشمل غيره من وجوه بطون الكتاب ، المنطوية على الحقائق ، # على ما أشير إليه في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم : " إنّ للقرآن ظهرا وبطنا ~~وحدّا ومطَّلعا " قاله الغزالى في الإحياء و اخرجه ابن حبان . # فذلك هو المعتبر المعوّل عليه عند المحقّقين ، كما في الأيّام الثلاثة ، على ما ~~اطَّلعت عليه . # وذلك لأن سائر المعاني مراد الله تعالى ، فإنّ المعنى أمر واحد يتنزّل ويترقّى ~~بحسب مدارك الأمم ومدارج أذواقهم وأذهانهم عند التوجّه إلى الكلام ، وإذ كان القرآن ~~جوامع الكلم كلَّها ، لا بدّ وأن يكون مطابقا لسائر المذاهب والآراء وجملة الأذواق ~~والأذهان ، وعند التحقيق لا تنافي بين شيء من ذلك ، فلا تغفل عن النكتة . # مقايسة بين عيسى ويحيى عليهما السّلام # وحاصل هذه البشارة أنّه جاء بصفة الحياة على وجه يتضمّن إجابة دعاء زكريّا ، وذلك ~~في علمه الذي بمثابة العلم في الاظهار . # قال رضي الله عنه : ( وأعلم بسلامه عليه ) في الأيام الثلاثة ، ( وكلامه صدق فهو ~~مقطوع به وإن كان قول الروح : “ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ ~~أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا “ [ 19 / 33 ] أكمل في الاتّحاد ) ، لأنّه اتّحاد ~~في مادّة التكلَّم التي لا يشوبه غيبة ولا تعدّد ، فهو التنزيه في غاية التشبيه ~~ولكن هذا لسان الولاية لا النبوّة حيث أنّه مصرّح بالاتّحاد الإطلاقي . # وإليه أشار حيث أسند القول إلى الروح ، لا إلى عيسى . # وأيضا فإنّ الروح هو المكنّى عنه بكناية التكلَّم مطلقا ، فلهذا الكلام أكمليّة ~~في طور الولاية والبطون ، ( فهذا أكمل في الاتّحاد ) الذي يتكلَّم به لسان النبوّة ~~( والاعتقاد ) . # أما في الاتّحاد : فلأنّه وإن اشتملت عبارته على ضمير الغائب ، ولكنّه كناية عن ~~يحيى ، وهو مشهود حاضر ، فله الدلالة على الاتّحاد الكمالي ، مع قيامه بشرائط مقامه ~~الذي يتكلَّم فيه ، فإنّه لسان النبوّة وينبغي أن يتكلَّم به بما لا يأبى مدارك أهل ~~الحجاب عنه . # وأما في الاعتقاد : فلأنّه أدفع للاحتمالات الواهية المرخية لعقود الاعتقادات ( ~~وأرفع للتأويلات ) المشوّشة للمتردّدين من أهل الحجاب ، الذين معهم كلام الأنبياء ~~ظاهر ( فإنّ الذي انخرقت فيه العادة في حقّ عيسى إنما هو النطق ) فقط ، وذلك إنما ~~يستلزم تمكَّن عقله وتكمّل آلات النطق الإنسانية وتماميته ، # قال رضي الله عنه : ( فقد تمكَّن عقله وتكمّل في ذلك الزمان الذي أنطقه الله فيه ~~، ولا يلزم للمتمكَّن من النطق - على أيّ حالة كان - الصدق فيما به ينطق ) لزوما ~~عقليّا برهانيّا خاليا عن قرائن الأحوال وخصائص المواد ( بخلاف المشهود له ) وقد ~~نبّهت آنفا على وجه هذه العبارة ، من أنّ الضمير وإن كان ضمير غائب ، فإنّ مؤدّاه ~~مشهود حاضر ( كيحيى ) . # قال رضي الله عنه : ( فسلام الحق على يحيى من هذا الوجه أرفع للالتباس ) الذي ~~لأهل الحجاب ، فسلام الحق ( الواقع في العناية الإلهية به ) - فيما فيه من أطوار ~~النبوّة وإحكام أحكامه ( من سلام عيسى على نفسه ، وإن كانت قرائن الأحوال ) الخارجة ~~عن دلالة الألفاظ ( تدلّ على قربه من الله في ذلك وصدقه إذ نطق في معرض الدلالة على ~~براءة امّه في المهد ، فهو أحد الشاهدين ) # في الوجود الكلامي الذي هو طرف العلم والشهود ، وهو تولَّد الكلام من امّ الفم ~~التي هي مادّة نتيجة التكلم بدون أب العقل وبلوغ إدراكه . # قال رضي الله عنه : ( والشاهد الآخر ) في الوجود الخارجي الذي هو طرف العين ~~والوجود (هزّ الجذع اليابس ، فسقط رطبا جنياًّ من غير فحل ولا تذكير ، كما ولدت ~~مريم عيسى من غير فحل ولا ذكر ولا جماع عرفي معتاد ) ، فإنّك قد عرفت أنّ في تلك ~~القضية ما هو أصل الجماع وحقيقته . # "" أضاف الجامع : قال الشيخ رضي الله عنه في الفتوحات الباب الثمانون وأربعمائة : # وقد بينا عالم الأمر والخلق ما هو وهو الوجه الخاص الذي في عالم الخلق وما عثر ~~عليه أحد من أهل النظر في العلم الإلهي إلا أهل الله ذوق # ولما كان للصبي حدثان هذا القرب وهو قرب التكوين والسماع ولم يحل بينه وبين إدراك ~~قربه من الله حائل لبعده عن عالم الأركان في خلقه # فلم يكن عن أب عنصري ولكن كان روح الله وكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ فلم ~~يكن ثم ما يغيبه عمن صدر عنه # فقال مخبرا عن ما شاهده من الحال فحكم في مهده على مرأى من قومه الذين افتروا في ~~حقه على أمه مريم فبرأها الله بنطقه وبحنين جذع النخلة إليه إذ أكثر الشرع في ~~الحكومة بشاهدين عدلين ولا أعدل من هذين # فقال إِنِّي عَبْدُ الله فحكم على نفسه بالعبودية لله وما قال ابن فلان لأنه لم ~~يكن # ثم وإنما كان حق تجلى في صورة روح جبريل لما في القضية من الجبر الذي حكم في ~~الطبيعة بهذا التكوين الخاص الغير معتاد # آتانِيَ الْكِتابَ فحصل له إنجيله قبل بعثه فكان على بينة من ربه # فحكم بأنه مالك كتابه الإلهي وجَعَلَنِي نَبِيًّ # فحكم بأن النبوة بالجعل لأن الله يقول في أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ # فهو في الصورة بالجعل لئلا يتخيل أن ذلك بالذات بل هو اختصاص إلهي وجَعَلَنِي ~~مُبارَكاً أي خصني بزيادة لم تحصل لغيري # وتلك الزيادة ختمه للولاية ونزوله في آخر الزمان وحكمه بشرع محمد صَلَّى اللهُ ~~عَليهِ وسَلَّم # حتى يكون يوم القيامة ممن يرى ربه الرؤية المحمدية في الصورة المحمدية # أينما كنت من دنيا وآخرة فإنه ذو حشرين يحشر في صف الرسل ويحشر معنا في أتباع ~~محمد صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم أهـ. "" # المستفاد من تكلم عيسى عليه السّلام في المهد # وإذ كان لكلامه هذا دقّة تأبى نفوس أكثر الناس عنه ، مثّله بمثال يكشف وجه دقّته ~~، وهو قوله : # قال رضي الله عنه : ( لو قال نبيّ : « آيتي ومعجزتي أن ينطق هذا الحائط » فنطق ~~الحائط وقال في نطقه : « تكذب ، ما أنت رسول الله » لصحّت الآية وثبت بها أنّه رسول ~~الله ، ولم يلتفت إلى ما نطق به الحائط ) فإن الآية هو نفس التكلم ، لا الكلام ~~بمؤدّاه . # وكذلك أمر نطق عيسى ، ( فلما دخل هذا الاحتمال في كلام عيسى بإشارة امّه إليه - ~~وهو في المهد - فموضع الدلالة أنّه عبد الله من أجل ما قيل فيه ) من قبل المنكرين : ~~( أنّه ابن الله ، وفرغت الدلالة بمجرّد النطق ) فإنّه كاف في براءة امّه كما سبق ~~بيانه ، لا يحتاج إلى أمر زائد. # قال رضي الله عنه : ( وإنّه عبد الله عند الطائفة الأخرى القائلة بالنبوّة ) ~~لعيسى ( وبقي ما زاد ) على عبوديّته لله وبراءة امّه - وهو أنّه قد آتاه الله ~~الكتاب وجعله نبيّا وجعله مباركا حيث كان - ( في حكم الاحتمال في النظر العقلي ،حتى ~~ظهر في المستقبل ) . # بعد ظهور الخاتم وتصديقه إيّاه بكتابه المنزل عليه ( صدقه في جميع ما أخبر به في ~~المهد ) ولذلك ما ظهر أمر نبوّة عيسى إلا بعد رفعه واختفائه ، # فإنّه في زمان عيسى ما آمن به إلا شرذمة قليلة ، وما تمكَّن من إبلاغ ما بعث ~~لأجله إلا بعد بعث الخاتم وإبلاغ كتابه الكامل على امّته ، # فحينئذ استعدّوا لتصديق الروح بتمام ما أخبر به في المهد فلذلك تنزل الروح بعد ~~الخاتم ويتمّ أمره الذي خلق له وبعث به ومن ثمّة قال : ( فتحقّق ما أشرنا إليه ). ### || والله يقول الحق وهو يهدي السبيل # . # %~% ### | فص حكمة مالكية في كلمة زكراوية ### | 21 - فصّ حكمة مالكيّة في كلمة زكرياويّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن ~~الدين علي ابن محمد التركة # شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم الشيخ ~~الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # وجه تسمية الفصّ # ووجه اختصاص هذه الكلمة بحكمتها هو أنّ « المالك » له معنى الشدّة . # كما يقال : « ملكت العجين » إذا شدّد عجنه . فله معنى شدّة الامتزاج . # وله معنى الوسط أيضا كما قيل ومِلْك الطريق: وسطه، قال يصف ناقة : # أقامت على ملك الطريق فملكه %~% لها ، ولمنكوب المطايا جوانبه # أي في وسط الطريق . # وإذ قد كان لزكريّا شدّة قوّة المزاج لوقوعه في وسط طريق الاعتدال - ولذلك تراه ~~قد قاوم تصادم البليّات بدون تبرّم ولا إظهار اضطراب وتشكّ ومن هاهنا تراه ما انقطع ~~له عند بلوغ الكبر مادّة التوالد كما هو المعهود من أمزجة بني نوعه . # هذا ما له من القوّة بحسب ظاهر مزاجه وله أيضا قوّة بحسب باطن ذلك المزاج - يعني ~~الهمّة - وهي أنّه قد همّ بحصول ولد يحيى به ذكره مع يأس بالغ كان له من تحصيله ، ~~بوهن آلات التناسل منه ومن زوجته حيث قال “ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ ~~امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ من الْكِبَرِ عِتِيًّا “ [ 19 / 8 ] ، # وأنّه قد وهب له يحيى ، حيث أنّ اسمه ينطوي على وصفه المطلوب إظهاره - كما قد ~~اطَّلعت على ذلك . # وأيضا قد عرفت في الفصّ اللوطي الذي هو رابع الثانية أنّ حكمته ملكيّة لما فيه من ~~الشدّة التي يأوي إليها من قومه ، # وإذ كان ذلك القوّة لزكريّا بين أفراد قومه من ابنه يحيى ، تفرّد في ثالث الثالثة ~~الختميّة بالمالكيّة كما لا يخفى على اللبيب وجهه . # المناسبات الحرفية في اسم زكريا ومالك # ثمّ إنّ هاهنا تلويحات : وهي أنّ حاصل فضل عدد « زكريا » يوافق ذلك من مالك في ~~أصل العقود ، وفي عدد « زكريا » أيضا مادّة حروف " الرحمة " أكثرها بالفعل والباقي ~~بالقوّة . # ومن كمال هذه النسبة أنه ظهر أمر رحمته الوجوديّة في مرتبة الكلام ، الذي هو ~~مادّة « المالك » ، ولذلك خصّ بين الأنبياء بالمذكوريّة فإنّ صاحب الوجود الكلامي ~~هو المذكور الذي ظهر اسمه في هذه المرتبة - لا الذاكر - حيث قال تعالى : “ ذِكْرُ ~~رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَه ُ زَكَرِيَّ “ [19 : 1 ] . ولذلك أخذ في تحقيق معنى ~~الرحمة قائلا : # سعة الرحمة وشمولها للكل # قال الشيخ رضي الله : ( اعلم أنّ رحمة الله وسعت كل شيء : وجودا ) - وهو ظهور ~~ذاته وعينه في مراتب الوجود - ( وحكما ) وهو ظهوره واعتباره في حضرة الغيب بالفيض ~~الأقدس قبل الوجود ، وبعده أيضا عند طريان الأحكام الكونيّة ، فإنّ الكلّ داخل في ~~رحمة الله تعالى . # فالرحمة هي العامّة التي لا شيء يشذّ عنها . وما توهّم بحسب مفهومه أنّه مقابل ~~لها - يعني الغضب - فهو أيضا داخل فيها ، ضرورة أنّه مشمول للوجود الذي هو من ~~الرحمة . # قال الشيخ رضي الله : ( وأنّ وجود الغضب من رحمة الله بالغضب ، فسبقت رحمته غضبه ~~) سبقا ذاتيّا إحاطيّ ( أي سبقت نسبة الرحمة إليه نسبة الغضب إليه ) ، فإنّ الرحمة ~~أقرب نسبة إلى الهويّة المطلقة من سائر الأسماء ، لعموم نسبتها وتمام إحاطتها والذي ~~يدلّ على ذلك هو ما أشار إليه بقوله رضي الله عنه : ( ولمّا كان لكل عين وجود يطلبه ~~من الله ، لذلك عمّت رحمته كلّ عين ) ، أي لما كان وجود العين مطلوبا من الله ~~ومسئولا عنه ، والضرورة حاكمة بأنّ المطلوب من الجواد المطلق موهوب على كل حال ، ~~عمّت رحمة الله كلّ الأعيان . # ثمّ إنّه يمكن أن يقال هاهنا : إنّ طلب العين وجوده ، قبل وجوده وحصوله ، والطلب ~~وصف لا بدّ وأن يكون لمحلَّه حظَّ من الوجود ؟ # فأزال ذلك بقوله : ( فإنّه ) أي فإنّ كلّ عين ( برحمته التي رحمه ) الله ( بها ) ~~- في الفيض الأقدس والتجلَّي الغيبيّ الذاتي - حصل له حظَّ من الرحمة به ( قبل ~~رغبته في وجود عينه ، فأوجدها ) بالفيض المقدّس في التجلَّي العيني # فقبول العين لرغبته التجلي وطلبه ، من حكم الرحمة التي بالفيض الأقدس ( فلذلك ~~قلنا : إنّ رحمة الله وسعت كلّ شيء وجودا وحكما ) . # ثمّ إنّه قد أدرج في طيّ هذه العبارة نكتة ، وهي أنّ الضمائر التي لكل عين قد ~~ذكَّرها ما كان منها قبل قوله : « فاوجدها » اعتبارا بلفظ الكلّ ، وتنبيها بذلك على ~~أنّ الأعيان في الفيض الأقدس غير متميّزة عمّا فيه من التجلي الغيبي الذي هو بمنزلة ~~كله ، بل الأعيان هناك عين الكلّ وأما في الفيض المقدس فقد حصل للعين امتياز ، كما ~~بيّن وجهه في موضعه . # ولذلك أنّث الضمير في " أوجدها " . فلا تغفل عن دقائق إشاراته في لطائف عباراته . # ثمّ إنّك إذا عرفت هذا ظهر لك أنّ من جعل قوله « قبل رغبته » ظرفا بمعنى « سابق ~~رغبته » ، فهو في طرف من مقصود الكتاب ، كما أنّ من جعله فعلا راجعا فاعله إلى « ~~الله » في آخر منه . # الأسماء في الفيض الأقدس # ثمّ إنّه لما ذكر أنّ سبق الرحمة إنما هو لقرب نسبته إلى الحقّ ، وذلك لشمول ~~إحاطتها وكمال سعتها ، أخذ يحقّق مراتب سعة الرحمة وموادّها بقوله : # قال الشيخ رضي الله : ( والأسماء الإلهية من الأشياء ) التي شملتها الرحمة ( وهي ~~) من حيث أنّها مشمولة للرحمة والوجود ( ترجع إلى عين واحدة ) كما سبق تحقيقه من ~~أنّ الأسماء من حيث خصوصيّاتها الامتيازيّة نسب لا وجود لها ، ومن حيث أنّها راجعة ~~إلى عين واحدة لها الوجود . فتلك العين الواحدة مبدأ وجود الأسماء . # قال الشيخ رضي الله : ( فأول ما وسعت رحمة الله شيئيّة تلك العين الموجدة للرحمة ~~بالرحمة ) فهي الراحمة ، وهي المرحومة . وهذه مرتبة الفيض الأقدس ، الذي لا ثنويّة ~~فيه بين الفائض والمفاض . # وفي هذه الحضرة ظهرت أعيان سائر الأسماء والحقائق ، لا وجودها وشيئيّتها والأعيان ~~في هذه الحضرة هي المسمّاة بالشؤون الذاتيّة اصطلاحا ومعناه بلسان الإشارة ~~التلويحية أنّ شيئيّتها عين عينيّتها فيه . # مراحل انتشار الأسماء والأعيان # قال رضي الله عنه : ( فأوّل شيء وسعته الرحمة نفسها ) ، ونفس الرحمة هي المسمّاة ~~بالنفس الرحماني عند فتح فاء التفصيل ونصبه شفتيه وفاه لجمع الكلمات الوجوديّة ~~والفرق فيها في الثاني من الحضرتين . # قال الشيخ رضي الله : ( ثمّ الشيئيّة المشار إليها ) بالشيء المطلق ، وهو ~~التجلَّي الثاني النفسيّ في الحضرة الواحدية . وهاهنا تتميّز الأعيان عن الوجودات ، ~~ويقال لها الأعيان الثابتة . # قال الشيخ رضي الله : ( ثمّ شيئيّة كل موجود ) في العوالم والمراتب الإمكانية ~~التي غلبت الكثرة وحكمها حتّى ( يوجد إلى ما لا يتناهى ، دنيا وآخرة ) ، صورة ومعنى ~~( و ) الصورة ( جوهرا وعرضا ، و ) الجوهر ( مركَّبا وبسيطا ) فلا تخصيص لوصف ولا ~~وضع أصلا ، ( ولا يعتبر فيها حصول غرض ولا ملاءمة طبع ، بل الملائم وغير الملائم ~~كلَّه وسعته الرحمة الإلهيّة وجودا ) في العوالم ، فتكون الرحمة سابقة على الغضب . # الأثر للمعدوم ، لا للموجود # ثمّ إنّه قد ظهر لك من تحقيقه هذا أنّ الوجود أثر طلب الأعيان الثابتة في العدم ، ~~إذ طلبها للوجود إنما يكون عند خلوّها عنه ضرورة ، وإلا لزم طلب الحاضر وتحصيل ~~الحاصل فقال مفصحا عن أنّه مجرّد الاستبعاد الناشئ عن عدم حكم الجمعيّة القلبيّة ~~الإنسانيّة وعزلها عند استكشاف الحقائق عن صدد الاعتبار والاعتداد : # قال الشيخ رضي الله : (وقد ذكرنا في الفتوحات أنّ الأثر لا يكون إلا للمعدوم لا ~~للموجود ) ، فإنّ التوجّه نحو الأثر إنما يتصور عند فقد المتوجّه ما يستحصل بذلك ~~الأثر ، فذلك المتوجه إمّا أصل القابليّة الأولى ، الفاقدة سائر الأسماء ، الخالية ~~عن الكلّ حتى الرحمة والوجود ، فإنّها الطالبة إيّاها ، المستجلبة لها ، المؤثّرة ~~فيها فذلك الأثر للمعدوم ، لا للموجود . # "" قال الشيخ رضي الله عنه في الفتوحات الباب التاسع والخمسون وخمسمائة : ### || لأن الأمور إنما هي بغاياتها ولها وجدت ، # قال عز وجل وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، # فاعتبر الغاية وإن تأخرت في الوجود مثل طالب الاستظلال بالسقف فحركته الغاية إلى ~~ابتدائها، فما وقعت العبادة إلا بعد الخلق ، فالغاية هي التي أبرزتهم إلى الوجود # فهي المبتدأ وإن تأخرت في الوجود فما تأخرت بالأثر فإن الحكم والأثر له # ولذلك قلنا إن الأثر أبدا في الموجود إنما هو للمعدوم والغاية معدومة ولهذا يصح ~~من الطالب طلبه # لأن الموجود غير مراد فالغاية المعدومة هي التي أثرت الإيجاد أو هي سبب في أن ~~أوجد الحق ما أوجده مما لم يكن له وجود عيني قبل هذا الأثر السببي ، # ويسمونه بعض العلماء العلة وبعضهم يسميه الحكمة وبعد أن عرف المعنى فلا مشاحة في ~~الإطلاق ومن ذلك الجهر والهمس لفظ النفس # الأمر في العقل وفي النفس %~% مقرر في الجهر والهمس # فكل ما يشهده ناظري %~% أدركه بالعقل والحس # وأشهد المعنى الذي ساقه %~% ولست من ذلك في ليس "" # وأمّا حقيقة الحقائق عند تطوّرها في أطوار المراتب الاستيداعيّة منها ~~والاستقراريّة ، فذلك الأثر قال الشيخ رضي الله : ( وإن كان للموجود ) ولكن إذ كان ~~التوجّه له نحو الأثر إنما ينبعث عند عثوره بفقد المستحصل به ، الحاصل منه ، يكون ~~الحكم والقهرمان في هذه الصورة أيضا للمعدوم وإليه أشار بقوله : ( فبحكم المعدوم ) ~~. # وهذا يناسب ما تسمع الحكماء يقولون : « إنّ الغاية علَّة عليّة الفاعل » وهي ~~حينئذ معدومة ، وإن كان ذوو النظر منهم يعكسون القضيّة ويحكمون جزما بأنّ الأثر ~~إنما يكون للموجود ، والمعدوم لا أثر له ويجعلون هذا الحكم مبادئ مسائلهم ومباني ~~أصولهم ومقاصدهم . # ولذلك قال الشيخ رضي الله : (وهو علم غريب ) - فإنّه بعيد عن مدارك العقل الذي ما ~~جاوز عما هو خاصّة مرتبته ، ولا تلطَّف من هذا الامتزاج الجمعي بعض التلطَّف ، ولا ~~تقلَّب بهذه التقلَّبات البرزخيّة القلبيّة بعض التقلب – # قال رضي الله عنه : ( ومسألة نادرة ) فإنّ أكثر المسائل في عرف تخاطب هذا المصطلح ~~مبنى براهينها على الاستدلال بوجود الأثر على وجود المؤثّر ، والجزم بوجود المعلول ~~عند العثور على وجود علَّته وهذه المسئلة نادرة بين تلك المسائل ، حيث أنّ مبنى ~~حكمها على عكس ما عليه مباني البراهين اليقينيّة الكاشفة عن الأحكام أنفسه . # فلئن قيل : لو اعتبر اصطلاح التخاطب في استعمال المسألة لا يصحّ أصلا ، فإن ~~المسألة في عرف التخاطب بين أرباب هذه الصناعة هو ما برهن عليه ، ولا برهان على هذا ~~الحكم ، فكيف يكون مسألة ، حتّى يقال : إنّها نادرة ؟ # قلنا : كأنّ الغرض في استعمال لفظ « المسألة » هاهنا التنبيه على أنّها مما يمكن ~~أن يبرهن عليها لذوي القرائح اللطيفة ، # والخواطر الفارغة الخفيفة وذلك أنّه لو اعتبر حيثيّة التأثير في المؤثّر لا يمكن ~~أن يكون بذلك الاعتبار موجودا عند المتفطَّن الذي لا يقصر أمر الحكم في الحقائق على ~~ما هو مجرّد العقل وفيما سبق لك هاهنا من كلام الحكماء دلالة بيّنة على حقيقة الأمر ~~، # فإنّ الغاية إذا كانت علَّة لعليّة الفاعل والسبب المحرّك له نحو تحصيل المعلول ~~وإيجاده في مرتبة تكون الغاية معدومة فيها ، كانت العلَّة الفاعلية فيها معدومة ، ~~وإن # كان لها حظَّ من الوجود في مرتبة أخرى ولكن الكلام في أنّ الأثر - حيثما كان - ~~إنما هو للمعدوم فيه وهذا البرهان إنما هو لمن جمع بين سائر القوى الإدراكيّة التي ~~في الجمعيّة القلبيّة الإنسانيّة ، غير عاذل ولا معطَّل لشيء فيها ، كما هو دأب ~~المترهّبين من المتصوّفة والمتفلسفة. # العقل والخيال والوهم # ثم إنّ هاهنا نكتة حكميّة لا بدّ من الوقوف عليها ، وهي أنّ مقتضى نشأة العقل ~~ومؤدّى مداركه وحكمه إنما هو التنزّه والتجرّد عن القيود المشخّصة مطلقا - صوريّة ~~كثيفة ظلمانيّة كانت ، أو معنويّة لطيفة غير ظلمانيّة - فلا يكون مسرح أنظاره إلا ~~الكليّات من المعاني المجرّدة عن الموادّ الهيولانيّة الظلمانيّة ، # والقيود المشخّصة الإمكانيّة ، والخيال - بما في حيطة حكمه من سدنة القوى الحسّية ~~- يقابل العقل في مداركه فإنّه إنما يدرك الصور الجزئيّة المشخّصة ، المحفوفة ~~بالغواشي الإمكانية والمواد الهيولانيّة # وأمّا الوهم فهو البرزخ الجامع بينهم ، فإنّه إنما يدرك المعاني المجرّدة عن ~~الكثائف الهيولانيّة التي بها يتصوّر المعاني ، ولكن محفوفة بالمشخّصات المعنويّة ~~فهو الجامع بين المدارك الجزئيّة الصوريّة التي هي مناط أمر التشبيه ، وبين المعاني ~~الكليّة التي هي مظاهر حكم التنزيه . # ومن هاهنا تراه مبدأ أمر الوجد ومنشأ ظهور الشوق . وكأنّا قد أشرنا في كتاب ~~المناظرات إلى مزيد بحث لذلك البحث ، فمن أراد الوقوف عليه فليطالع ثمة . # مدرك أصحاب الأوهام # وإلى مغزى هذه النكتة أشار بقوله : ( ولا يعلم تحقيقها إلا أصحاب الأوهام ) الذين ~~لم يقتصروا في هذه الجمعيّة الكماليّة الإنسانيّة على حكم العقل الصرف ، بل مزّجوه ~~بما هو مقتضى هذا الاعتدال ، وقلَّبوا حكم العقل بالتقلَّبات القلبيّة ، ومدرك ~~القلب هو المسمى بالذوق . # وإليه أشار بقوله : ( فذلك بالذوق عندهم ) الناشئ من إدراك المعاني الجزئيّة في ~~المراتب ، لا بالفكر المستحصل من تعقّل الكلَّيات المجرّدة عن الموادّ جملة . # قال الشيخ رضي الله : ( وأمّا من لا يؤثّر الوهم فيه فهو بعيد عن هذه المسألة ) ~~فإنّ من الناس من سلَّط في محكمة علومه وإدراكاته العقل ، وعزل الوهم عنها ، وذلك ~~إنما يتمّ له بفنون التعمّلات الشاقّة ، والرياضات المتعبة له فوق الطاقة فإنّه ~~خلاف مقتضى هذه النشأة القلبيّة الإنسانيّة ، إذ الوهم في هذه النشأة له سلطان عظيم ~~وقهرمان قوىّ على العقل ، ولذلك ترى العقل واقفا بما له من المقدّمات البيّنة ~~الإنتاج عندما توقّف الوهم ، كما في صورة جماديّة الموتى وعدم الخوف من الجماد . # وذلك لأنّ حكم الجزئيّات في الوجود الخارجي وسائر المراتب الظهوريّة غالب على حكم ~~الكليّات . حيث أنّها موطن ظهور الجزئيّات ، ونفاذ أحكامه . # والوهم هو الحاكم الفصل بين القوى المدركة للجزئيّات ، فإنّه المتدبّر في لطائف ~~المعاني منها ، دون كثائف الصور ومن ثمة ترى مقاليد أحكام طرف التشبيه بيده - كما ~~سيبيّن تحقيقه في الفصّ الآتي :- # ثمّ إنّ هذه المسألة أصلها من تأثير حكم المرتبة التي هي معدومة في نفسه . # وبيّن أن مبادئ التأثير من تلك المراتب إنما هي معاني جزئيّة مستحصلة من النسب ~~العدميّة ، والوهم هو الذي يفهم ذلك الحكم بين المشاعر ، فمن لم يكن للوهم سلطان ~~وتأثير في باطنه يكون بعيدا عن إدراك هذه المسألة . # مناقشة ما قاله بعض الشارحين # وإذا عرفت هذا ظهر لك أنّ من أوّل « الوهم » هاهنا بـ « الهمة المؤثّرة في ~~الأشياء » بعيد عن إدراك هذا الموضع ، وكأنّه إنما حمله على ذلك ما سمعه من بعض ~~أرباب النظر ومترهّبيهم - : « إنّ الوهم والخيال هما المانعان عن إدراك الحقائق ، ~~فيجب عزلهما عن الحكم » وقصدهم في ذلك إنما هو تحقيق الحقائق التنزيهيّة ، ### || "" أضاف المحقق : # إشارة إلى ما قاله الكاشاني: « أي الذين يؤثرون الأشياء بالوهم فيوجدونها » . "" # فإنّ العلوم عندهم مقصورة عليها - ذاهلا عمّا مهّد الشيخ من الأصول النافية لذلك ~~، وعمّا سيحقّقه في الفصّ الإلياسي من أنّ التشبيه في عين التنزيه إنما يفهمه الوهم ~~، كما أن التنزيه في عين التشبيه إنما يدركه العقل . # ثمّ إذ قد انساق الكلام في بحث الرحمة إلى أنّ الأعيان والأكوان الجزئيّة الظاهرة ~~في المراتب هي المؤثّرة في الرحمة الوجوديّة السارية فيها ، المكتسبة منها أحكامها ~~. عبّر عن ذلك نظما ، مفصحا بقوله : # قال الشيخ رضي الله : ( فرحمة الله في الأكوان سارية ) %~% بكمال لطفها وبكون ~~ألطف ما في المراتب والعوالم من الذوات والأعيان ، فلذلك قال فيه « سارية » إشعارا ~~لمعنى السري الذي هو السير بالليل لخفائه وبطونه . # قال الشيخ رضي الله : ( وفي الذوات وفي الأعيان جارية ) فإنّ الجريان إنما يقال ~~لما له قوام وكثافة ما وظهور . ثم إنّ نسبة السراية والجريان في الجزئيّات المذكورة ~~إنما هي مدرك الوهم الذي هو مؤسّس قواعد الشهود ، دون الفكر ، # ولذلك قال رضي الله عنه : ( مكانة الرحمة المثلى إذا علمت %~% من الشهود مع ~~الأفكار ، عالية ) # أي مكانة الرحمة وإن علمت مع الأفكار ، فهي عالية عنها لأن مدارك الأفكار ~~والأنظار مقصورة على المجرّدات من الغواشي المشخّصة الخارجية واللواحق المعيّنة ، ~~أعني الكليّات المنزهّة جملة عن الموادّ وما يتبعها . # ونبّه بلفظ « المعيّة » هاهنا إلى أنّ الأفكار أيضا من الأكوان التي سرت فيها ~~الرحمة ، فيكون معها ، فالرحمة إذا علمت يكون معها الأفكار ، لا بها ومنها . # ذكر الرحمة شيئا عين إيجاده # ثمّ إنّه إذا ظهر أنّ الرحمة هي التي بسريانها وجريانها وجدت الأكوان والأعيان ( ~~فكلّ من ذكرته الرحمة ) بنفسها ، المسمّى بالنفس الرحماني ( فقد سعد ) فإنّ السعادة ~~هي معاونة الأمور الإلهيّة للإنسان على نيل الخير ، والوجود منبع الخيرات ( وما ثمّ ~~الا من ذكرته الرحمة ) فإنّ ذكر الرحمة عبارة عن ظهور الكلمات الوجوديّة بالنفس ~~الرحماني، وما لم يظهر به فهو معدوم . # قال الشيخ رضي الله : ( وذكر الرحمة الأشياء عين إيجادها إيّاها ) فإنّ ذكر ~~الرحمة من قبيل إضافة المصدر إلى فاعله ، # قال رضي الله عنه : ( فكل موجود مرحوم ولا تحجب - يا وليّ - عن إدراك ما قلناه ~~بما تراه من أصحاب البلاء ، وما تؤمن به من آلام الآخرة التي لا تفترّ عمن قامت به ~~) # ولا تسكن وذلك لأنّ ما تدفعه المقدّمات اليقينيّة كالمحسوسات أو ما يجري مجراها ~~من العقائد الراسخة بفنون المؤيّدات وصنوف الشواهد والبيّنات # لا بدّ وأن يحتجب بذلك اللبيب الطالب عن التفطَّن له ، يعني أرباب الذكاء ، ممن ~~له نسبة أكيدة بأهل الحقّ وإليه أشار بقوله : « يا وليّ » ، فإنّ من دونه في الفهم ~~والنسبة لا تقف في مقام الحجاب والتردّد أصلا ، بل ينبو عن ذلك ويتنفّر - فرار ~~الحمر من القسورة - إذ هي الغلبة ، وأهل الحجاب القويّ والتعيّن الغالب يتنفّرون من ~~تلك الغلبة التي بها ينكسر تعيّنهم ، ويفرّون فرار الحمر من قسورة الأسد أو الصائد ~~. # الحقّ المخلوق أول مرحوم # ثمّ إنّه أخذ في بيان ما يكشف به حجاب التدافع المذكور بقوله : # قال الشيخ رضي الله : ( واعلم أوّلا أنّ الرحمة إنما هي في الإيجاد عامّة ) بناء ~~على ما مهّد في مطلع الفصّ من أنّ الرحمة لها الإحاطة بالوجود ، ( فبالرحمة بالآلام ~~أوجد الآلام . ثم إنّ الرحمة ) عند انبساطها المسمّى بالإيجاد ( لها الأثر بوجهين : ~~أثر بالذات ) في أنفس الأشياء وذواتها ، # ( وهو إيجادها كل عين موجودة ، ولا تنظر ) الرحمة عند تأثيرها بهذا الأثر إلى ما ~~يزيد على نفس الأعيان والذوات فلا تنظر ضرورة حينئذ ( إلى غرض ، ولا إلى عدم غرض ) ~~بالنسبة إلى الموجد ، # قال الشيخ رضي الله : ( ولا إلى ملائم ، ولا إلى غير ملائم ) بالنسبة إلى الموجود ~~، فإنّها نسب خارجة عن الذوات والأعيان ، وهي غير منظور ولا ملتفت إليها في هذه ~~الأثر ( فإنّها ناظرة في عين كل موجود قبل وجوده ) عند إفضاء حكم الرحمة إليه - على ~~ما عرفت تحقيقه - ( بل تنظره في عين ثبوته ) ، ولا تغفل عمّا نبّهت هناك في وجه ~~تذكير الضمير وتغليب حكم الكل على العين . # قال الشيخ رضي الله : ( ولهذا رأت الحقّ المخلوق في الاعتقادات ) ، يعني الصور ~~المجعولة لكلّ أحد في متخيّلته ، على أنّه الحقّ ، مأخوذة إمّا من الدلائل النظريّة ~~معقّدة بها ، أو من المستحسنات التقليديّة مستوثقة منها فهذه صور الحقّ رأتها ~~الرحمة في هذه الحضرة ( عينا ثابتة في العيون الثابتة ، فرحمته ) ، أي الرحمة عند ~~رؤيتها الحقّ المخلوق في العيون الاعتقاديّة ، رحمه الحقّ ( بنفسها بالإيجاد ) ، أي ~~إيجاد الأعيان فإنّ الأعيان بوجودها يظهر الحقّ المخلوق . فهو المرحوم هاهنا كما ~~أنّه الراحم . # قال الشيخ رضي الله : (ولذلك قلنا إنّ الحقّ المخلوق في الاعتقادات أوّل شيء ~~مرحوم ) باعتبار أنّه الغاية وهي الأوّل في مرحوميّته ، وإن كان بعد أسباب بحسب ~~الوجود فهو الأوّل والآخر # وإليه أشار بقوله : ( بعد رحمتها بنفسها في تعلَّقها بإيجاد المرحومين ) . # ثمّ ليعلم أنّ المصنّف قد أدرج في عبارته هذه دقيقة منطوية على جلائل الحكم ، وهي ~~أنّ الأوّل إنما يكون أكمل إذا ظهر فيه أنّه الآخر من حيث أنّه باطن . # وتلك الأوّلية إنما يتصف بها الكامل إذا كان غاية لذي غاية مفضية إليها ، كما في ~~الحقّ المخلوق وهذا من الحكم الجليلة لهذا الأثر الذاتي من الرحمة والتنزّل الجمليّ ~~منها ، فإنّه به صار أوّلا باطنا ، آخرا ، ظاهرا - فلا تغفل . # يختلف سؤال أعيان أهل الحجاب وأهل الكشف # فهذا أوّل الآثار من الرحمة عند انبساطها بنفسه ( ولها أثر آخر بالسؤال ) # من تلك الأعيان ، فتتفاوت مقترحاتهم بحسب نيّاتهم ومقتضياتهم عند إفصاح ألسنة ~~استعداداتهم وأحوالهم وأقوالهم ، ( فيسأل المحجوبون من الحقّ أن يرحمهم ) من حيث ~~صورته المخلوقة لهم ( في اعتقادهم ) . # و « الحقّ » في لسان الاصطلاح من الأسماء العامّة التي تشمل مراتب الوجود - ~~إلهيّة وكيانيّة - فإنّ الشيخ قال في مصطلحاته : # " الحقّ ما أوجب على العبد من جانب الله ، وما أوجب الحق على نفسه " . " وما ~~أوجبه " # فيصدق على الصورة المخلوقة التي هي مسؤول المحجوبين . ### || "" أضاف الجامع : # قال الشيخ رضي الله عنه في الفتوحات الباب الخامس والسبعون ومائتان : # فالرجوع الإلهي الأول رجوع عناية وتفضل والرجوع الثاني الذي أنتجه رجوعهم إليه # سبحانه في قوله من تقرب إلى شبرا تقربت منه ذراع %~% # فالرجوع الإلهي الثاني يتضمن أمرين رجوع الاستحقاق منه بمنزلة الجسد # ورجوع المنة منه بمنزلة الروح للجسد الذي به حياته # فإنه وإن كان الاستحقاق بما أوجبه الحق على نفسه فإن الحقيقة تعطي أن لا يستحق ~~العبد شيئا على سيده فمن منته سبحانه على عبد إن أوجب له على نفسه ليأنس العبد بما ~~أوجبه الحق عليه من طاعته ليسارع بأداء ما وجب عليه ### || فإذا حصل العبد في هذا المقام فليس وراءه مرمى لرام # ويعلم أن الله قد أراد أن ينقله من عالم شهادته إلى عالم غيبه ليكون له غيبه ~~شهادة في موطن آخر غير هذا الموطن له حكم آخر ### || وهو الموطن الذي تكون فيه المظاهر الإلهية وهو أوسع المواطن # فلهذا عبر عن هذا المنزل بالأجل المسمى لأنه أجل البعث إليه من عالم الشهادة ~~المقيد بالصورة التي لا تقبل التحول في الصور لكن تقبل التغيير وهو زوال عينها ~~بغيره # لذلك الغيب الذي كانت به فيدبر الروح الغيبي صورة ذلك الغير # فلهذا قلنا يقبل التغيير ولا يقبل التحويل فإن الحقائق لا تتبدل . أه "" # قال الشيخ رضي الله : ( وأهل الكشف ) إذ تحققوا أنّ ذواتهم أثر سريان الرحمة ~~الذاتيّة ما عيّنوا للمسئول منه وجها ، فهم ( يسألون رحمة الله ) مطلقا ، لا من اسم ~~خاصّ ( أن تقوم بهم ) وإذ كان القائم بهم والحاكم على نشأتهم الخاصّة إنما هي ~~الرحمة الإلهية ، # قال الشيخ رضي الله : ( فيسألونها باسم الله ) لا بأنفسهم ، ولا بشيء من الأسماء ~~الجزئية فهم لا يزالون تالين بسائر الألسنة : « بسم الله الرحمن الرحيم » ، داعين ~~سائلين به الرحمة المقوّمة لهم ، القائمة بهم ( فيقولون : يا الله ارحمن ) . # الرحمة هي الحاكمة # ثمّ إنّ المبادر من عبارته حيث قال : « أن يقوم بهم » أنّ الرحمة قائمة بالعين ، ~~والعين مقوّمة لها ، والحكم إنما هو للرحمة ، # فصرّح بذلك قائلا : ( ولا يرحمهم إلا قيام الرحمة بهم ، فلها الحكم ، لأنّ الحكم ~~إنما هو في الحقيقة للمعنى القائم بالمحل ) # وكما بيّن ذلك في الفصّ الآدمي ، أنّ الحياة هي الحاكمة على الحيّ كما ترى في أنّ ~~السلطنة هي الحاكمة على السلطان ، وأنّ الوزارة هي الحاكمة على الوزير ، وكذا سائر ~~المراتب والمناصب هي الحاكمة على من قامت به . # العلم الذوقي أنهى مراتب الرحمة # فعلم أنّ ذلك المعنى هو الحاكم ( فهو الراحم ) ، أي المعنى القائم بالمحل هو ~~الراحم ( على الحقيقة . فلا يرحم الله عباده المعتنى بهم إلا بالرحمة ) القائمة ~~بالأعيان أنفسها ، ومن جملة صورها الوجود أو العلم والمراد بهذه الرحمة هو العلم ، ~~فلذلك خصّ العباد المعتنين بهم . # وقال أيض : ( فإذا قامت بهم وجدوا حكمها ذوقا ) وهذا أنهى مراتب الرحمة ، أعني ~~العلم الذوقيّ الذي هو عبارة عن وجدان العارف رحمة الله القائمة به ، المقوّمة ~~إيّاه بما هو الأوّل والآخر . # فقد بيّن بهذا الكلام أمر الرحمة وتفصيل جزئيّاتها من المبدء الذي هو قبول القابل ~~وسؤاله بألسنة الاستعدادات ، إلى المنتهى الذي هو العلم الذوقيّ . # ويصدق على سائر المراتب أنّه ذكر الرحمة ، فإنّ المراتب الوجوديّة منها ذكر النفس ~~الرحماني ، والشهوديّة منها ذكر النفس الإنساني ، والرحمة تشمله # وإليه أشار بقوله : ( فمن ذكرته الرحمة فقد رحم ) ، فالمذكور هو اسم المفعول ، ( ~~واسم الفاعل هو الرحيم الراحم ) وقد علم أنّ غاية ما استقرّ عليه أمر أهل الكشف في ~~الأثر السؤالي من الرحمة ، هو وجدان حكم الرحمة ، كما أنّ غاية أمر المحجوبين فيه ~~أن يرحمهم الحقّ المخلوق في اعتقادهم . # الأحوال وأنها لا موجودة ولا معدومة # فظهر أنّ حظَّ أهل الكشف من الرحمة وأثرها أوفى وكعبهم أعلى ، فإنّ حظَّهم من حكم ~~الرحمة ( والحكم لا يتصف بالخلق ، لأنه أمر توجبه المعاني لذواتها ) ، والخلق إنما ~~يقال لمن تنزّل المبدء فيه بصورة الأثر والفعل . فتكون له مرتبة أخرى في الوجود ~~أظهر وأنزل . # والحكم ليس كذلك فإنّه مقتضى المعاني لذواتها ، فلا تنزل فيه أصلا ، فإنّه في ~~الرتبة الأولى السابقة على الوجود ، فإنّه من الأحوال . # قال رضي الله عنه : (فالأحوال لا موجودة ولا معدومة أي لا عين لها في الوجود ~~لأنّها نسبة ) والنسبة لا عين لها في الوجود ، ( ولا معدومة ) أيضا لأنّ لها حظَّا ~~من الوجود باعتبار الظهور الذي له ( في الحكم ) ، فإنّ الأحوال وإن لم تكن لها عين ~~في الوجود - مثل العلم والحياة - إلا أنّ لها ظهورا في الحكم ( لأن الذي قام به ~~العلم يسمى عالما ) ، فحكم العالم موجود - يعني العلم # قال رضي الله عنه : ( و ) العالم ( هو الحال ) ليست لها عين في الوجود ، لأن ~~العين الموجودة هاهنا واحدة ، وهي العالم ( فعالم : ذات موصوفة بالعلم ) ، وكونها ~~عالم ( ما هو عين الذات ، ولا عين العلم ، وما ثم الأعلم وذات قام بها هذا العلم ~~وكونه ) - أي كون الذي قام به العلم – # ( عالما ، حال لهذه الذات باتّصافها بهذا المعنى ) ، وهو العلم . ### || "" أضاف الجامع : # قال الشيخ رضي الله عنه في الفتوحات الباب الثاني والسبعون وثلاثمائة: # فعلى الحقيقة لا أثر لموجود في موجود وإنما الأثر للمعدوم في الموجود وفي المعدوم # لأن الأثر للنسب كله وليست النسب إلا أمورا عدمية يظهر ذلك بالبديهة في أحكام ~~المراتب # كمرتبة السلطنة ومرتبة السوقية في النوع الإنساني مثلا فيحكم السلطان في السوقة ~~بما تريد رتبة السلطانة وليس للسلطنة وجود عيني # وإذا كان الحكم للمراتب فالأعيان التي من حقيقتها أن لا تكون على صورة طبيعية ~~جسمية في نفسها إذا ظهرت لمن ظهرت له في صورة طبيعية جسدية في عالم التمثيل كالملك ~~يتمثل بَشَراً سَوِيًّا وكالتجلي الإلهي في الصور .أه "" # وفي عبارته هذه إشعار بسبب تسمية الحال حالا ، إذ بها تتحول الذوات . # قال رضي الله عنه : ( فحدثت نسبة العلم إليه ) أي إلى الذي قام به بسبب الاتّصاف ~~بالمعنى العلمي الذي هو مبدأ هذه النسبة . وإنما جعل هذين الضميرين للذي قام به دون ~~الذات - مع قربها ، # لأنّ أصل الكلام في مطلق الحال ، وتشخيص هذه الذات وهذا المعنى للتمثيل فقط ، على ~~ما هو الظاهر من عبارته ( فهو المسمّى عالما ) . # فعلم أنّ العالم له حظَّ من الوجود باعتبار العلم الذي هو حكمه . # الحقّ تعالى عين الرحمة # قال رضي الله عنه : ( والرحمة على الحقيقة نسبة من الراحم ) وإن كان بحسب الظاهر ~~الراحم من الرحمة ، وهي مبدؤه كما سبق في بيان العلم والعالم . # ( و ) تلك الرحمة ( هي الموجبة للحكم ) ظاهرا وحقيقة ، ( فهي الراحمة ) أي ~~الموجبة لقيام الرحمة بالذات وتسميتها بالراحم ( والذي أوجدها ) من الرحمة ( في ~~المرحوم ما أوجدها ليرحمه بها ) من حيث أنه مرحوم ، ( وإنما أوجدها ليرحم بها من ~~قامت به ) # تلك الرحمة على ما بيّن ذلك في العلم : أنّه سبب حدوث نسبة العلم إلى من قام به - ~~فيكون إيجاد المرحوم وغايته ليس ليرحم المرحوم من حيث أنّه مرحوم ، بل لثبوت الرحمة ~~لمن قامت به الرحمة ، يعني الحقّ ، ( وهو سبحانه ليس بمحل للحوادث ، فليس بمحل ~~لإيجاد الرحمة فيه ) من جهة إيجاد المرحوم ( وهو الراحم ولا يكون الراحم راحما إلا ~~بقيام الرحمة به فثبت أنّه عين الرحمة ) وإلا لم يكن هو الراحم . # صفات الحقّ تعالى عين ذاته # قال رضي الله عنه : ( ومن لم يذق هذا الأمر ) بذائقة حصّته الخاصّة به من الرحمة ~~الوجوديّة ( ولا كان له فيه قدم ) في المسالك العلميّة من تلك الرحمة حتّى يفهم ما ~~هو الحقّ في الأسماء والأوصاف - من أنّ الرحمة وسائر الأوصاف الوجوديّة لو لم يكن ~~عين الراحم والموصوف بها يلزم أن يكون الموصوف محل تجدد الحوادث . # قال رضي الله عنه : ( ما اجترأ أن يقول : إنّه عين الرحمة أو عين الصفة ) مطلقا - ~~على ما ذهب إليه الحكماء والمعتزلة والشيعة بين المليّين ، # ( فقال : ما هو عين الصفة ولا غيرها ) يعني الأشعري ( فصفات الحق عنده لا هي هو ، ~~ولا هي غيره ، لأنّه لا يقدر على نفيها ) لشهادة بديهة العقل بخلافه ، ( ولا يقدر ~~أن يجعلها عينه ) لأنّه يخالف أكثر أصوله ، ( فعدل إلى هذه العبارة ، وهي ) عبارة ( ~~حسنة ) لأنّها تطابق الأحكام الظاهرة وتناسب أوضاعها ، والحسن هي التناسب . # قال رضي الله عنه : ( وغيرها ) من العبارات الكاشفة عن ذلك ( أحقّ بالأمر منها ) ~~على ما بيّن آنف ( وأرفع للإشكال ) فإن في تلك العبارة إشكالات عند التحقيق ، على ~~ما يعلم من تصفّح كلامهم ، وهي إنما يزيد إجمالا في اللفظ ، والتحقيق ما سبق ( وهو ~~القول بنفي أعيان الصفات ، وجودا قائما بذات الموصوف . وإنما هي نسب وإضافات بين ~~الموصوف بها وبين أعيانها المعقولة ) ، التي هي مبدأ تمايز الأسماء وتخالفها عند ~~تباين أحكامها وتضادّها . # تختلف كيفية سعة الرحمة لكل اسم # ثمّ إنّه ( وإن كانت الرحمة جامعة ) لسائر تلك النسب والإضافات ، ( فإنّها ~~بالنسبة إلى كل اسم إلهيّ مختلفة ) فإنّ رحمة المعزّ غير المذلّ والضارّ غير النافع ~~، مغايرة بالحقيقة ، لتضادّ ما يترتّب عليها من الأحكام والآثار ( فلهذا يسأل ~~سبحانه ) بلسان الاستعداد ( أن يرحم ) الأعيان ( بكل اسم إلهيّ ، فرحمه الله ) على ~~ما عبّر عنه لسان الخاتم الناطق بالقول الثابت للاستعدادات بقوله تعالى : “ ~~رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ “ ، والتعبير عن الرحمة بصيغة الماضي إشارة إلى ما ~~مهّد من شمول الرحمة لسؤال القابل وأحكامه ، فلها تقدّم ذاتي على السؤال وإن تأخّر ~~عنه وجودا وحكم . # قال رضي الله عنه : ( والكناية ) المعبّرة بياء التكلَّم ( هي التي وسعت كل شيء ) ~~بناء على ما تقرّر من أنّ الرحمة عين الراحم . ### || "" أضاف المحقق : # قال القيصري : " الكناية هي ضمير المتكلم في قوله : ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ ~~شَيْءٍ ) [ 7 / 156 ] والمخاطب في قوله : ( رَبّنَا وَسِعْتَ كُلّ شَيْءٍ رَحْمَةً ~~وَعِلْماً ) [ 40 / 7 ] ، أي رحمة الله ، والذات التي الكناية تدل عليها هي التي ~~وسعت كل شيء ، إذ رحمته عين ذاته" . "" # والذي يلوحك على تحقيقه دلالة الياء على النسبة الجامعة لمختلفات المنتسبات في ~~نفس نسبته وإضافته ، وهو لا ينسب إلى شيء . # ومن ثمة قال : # الذات والأسماء ، واختلاف الرحمة بالنسبة إلى كلّ اسم # قال رضي الله عنه : ( ثم ) إنّ الرحمة ( لها شعب كثيرة تتعدّد بتعدّد الأسماء ~~الإلهيّة ) وتتخصّص بخصائصها ، ( فما تعمّ بالنسبة إلى ذلك الاسم الخاصّ الإلهيّ ) ~~الذي به تتخصّص ، سواء كان ظاهر الاندراج في حيطة الرحمة كم ( في قول السائل : " يا ~~ربّ ارحم " ، وغير ذلك من الأسماء ) # الخفيّة الاندراج ( حتّى المنتقم له أن يقول : « يا منتقم ارحمني » ، وذلك لأنّ ~~هذه الأسماء تدلّ على الذات المسمّاة ، وتدلّ بحقائقها على معان مختلفة ، فيدعو بها ~~في الرحمة من حيث دلالتها على الذات المسماة بذلك الاسم ) # لا من حيث دلالتها على الأسماء المتقابلة وخصوصياتها الامتيازيّة . فالرحمة ~~المدعوّ بها في كل اسم دالَّة على الذات باعتبار خصوصيّة ذلك الاسم ، ( لا بما ~~يعطيه مدلول ذلك الاسم ) فقط بدون دلالتها على الذات ، # فإنّه هو ( الذي ينفصل به عن غيره ويتميّز ) وهذه الحيثيّة لإشعارها بالغير لا ~~تصلح لأن تكون دالَّة على الذات ، ( فإنّه لا يتميّز عن غيره ، وهو عنده دليل الذات ~~) ، أي من حيث التميّز ، وعند كونه مميّزا لا يصلح للدلالة . # منشأ التفرقة بين الأسماء # وهذا منشأ التفرقة بين الأسماء الإلهيّة التي عيّنها الشارع لأن يدعو بها الحقّ ، ~~وبين الأسماء الكيانيّة التي لا رخصة فيها لذلك من الشارع ، على أن الكلّ أسماء ~~الحقّ ، فإنّ الدالّ منها على الخصوصيّة الامتيازيّة إنما يدلّ على نفسه الممتازة ~~عن الغير ، ( وإنما يتميّز بنفسه عن غيره لذاته ) ، فإنّ التمييز والتفرقة ذاتي ~~الاسم ، # ( إذ المصطلح عليه بأيّ لفظ كان ) - عربيّا معرّبا أو غيره - ( حقيقة متميّزة ~~بذاتها عن غيرها ، وإن كان الكلّ قد سيق ) في نفس الأمر بدون اعتبار من الوضع ~~والاصطلاح ( ليدل على عين واحدة مسماة ، فلا خلاف في أنّ لكل اسم ليس للآخر . فكذلك ~~أيضا ينبغي أن يعتبر كما تعتبر دلالتها على الذات المسماة ) . # والحاصل أنّ الألفاظ لها في نفسها دلالة على الذات المسماة ، وعلى الخصوصيّة ~~الامتيازيّة ، فإذا اعتبر لها هذان المعنيان فهي أسماء الحقّ ، وإن كان باعتبار ~~الوضع والاصطلاح وجعل الجاعل ليست له إلا الدلالة على الخصوصيّة فقط . # كلّ اسم مسمّى بجميع الأسماء # ثمّ إنّه إذا كان لكل اسم في نفسه - بدون اعتبار الخارج من الوضع والجعل - له ~~دلالة على الذات المسمّاة ، يكون له جهة جمعيّة الأسماء كلَّه ( ولهذا قال أبو ~~القاسم بن قسي ) صاحب كتاب خلع النعلين ( في الأسماء الإلهية : « إنّ كلّ اسم على ~~انفراده مسمّى بجميع الأسماء الإلهيّة كلَّها ، إذا قدّمته بالذكر نعتّه بجميع ~~الأسماء » ) ، أي إذا خصّصته بالذكر - ذكرا وجوديّا ، أو لفظيّا ، أو رقميّا ، أو ~~قلبيّا - لا بدّ وأن يستتبعه النعت بسائر الأسماء . # قال رضي الله عنه : ( وذلك لدلالتها على عين واحدة ) أي لدلالة الأسماء كلَّها ~~على عين هي واحدة بالوحدة الإطلاقية الجمعيّة ( وإن تكثّرت الأسماء عليها ) أي على ~~العين الواحدة فإنّ كل اسم بخصوصه له دلالة عليه ( وإن اختلفت حقائقها ) - أي حقائق ~~تلك الأسماء . # تقسيم الرحمة بالوجوبيّة والامتنانيّة # قال رضي الله عنه : ( ثمّ إنّ الرحمة ) لها تقسيم آخر باعتبار وصولها إلى ~~المرحومين ونيلهم منها ، فإنّه ( تنال على طريقين : طريق الوجوب ) أي اللزوم ~~المترتّب على ما يقتضيه اقتضاء ضروريّا ، كما نصّ عليه الشارع في القرآن الختمي ( ~~وهو قوله : “ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ “ ) [ 7 ~~/ 156 ] ، # فإنّه يدلّ على أنّ الرحمة قد أوجبها على نفسه للعالمين ، الذين يجعلون أنفسهم ~~وقاية للحقّ في الذمّ ، والحقّ وقاية لهم في الحمد - كما سبق بيانه – # وللعالمين الذين ينمون بجوارحهم الظاهرة والباطنة عند ازدياد الأعمال منها ~~والأفعال والأقوال ، فإنّه يزيد بها مرتبة أخرى من الوجود على شخصه ، أو الذين ~~يعلَّمون الطالبين ذلك وأصل الزكاة : النموّ ، يقال : زكى الزرع : إذا حصل له نموّ ~~. # وإليه أشار بقوله : ( وما قيدهم به من الصفات العملية والعلمية ) . # قال رضي الله عنه : (والطريق الآخر الذي تنال به هذه الرحمة طريق الامتنان ~~الإلهيّ الذي لا يقترن به عمل ) ولا يوازيه من العبد فعل أصلا ، كالوجود وما قبله ~~من مراتب الرحمة . وإليه إشارة من القرآن الختمي ( وهو قوله : « وسعت رحمتي كل شيء ~~» ) ، هذا لسان الإجمال الشامل لمراتب الرحمة إجمالا ، وفيه ما يدلّ عليها تفصيلا ، # قال رضي الله عنه : ( ومنه قيل : “ لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ “ ) على ~~هذه النشأة ( "من ذَنْبِكَ وَ" ) وهو ما يتأخّر عن رتبة الاعتبار من الأوصاف ~~الحدثانيّة والأحكام الإمكانيّة ، فإنّ أذناب القوم أراذلهم ، وذنب الدابة : هو ما ~~يتأخّر من أعضائه عن درجة الاعتبار ورتبة الاحتياج ( " وَما تَأَخَّرَ ") [ 48 / 2 ~~] منها ، # فإنّ الفتح المبين الذي تفرّد به الخاتم يستتبع هذه الرحمة الامتنانيّة التي لا ~~يوازيها عمل من العبد ، وهو الستر لما تقدّم من نشأته هذه من أحكام الإمكان . وما ~~تأخّر عنها منها وإخفائهما في صحائف الظهور وإسقاطهما عن درجة التأثير . # ويمكن أن يجعل هذه الآية إشارة إلى قسمي الرحمة ، فإنّ « ما تقدّم » إشارة إلى ~~الرحمة الامتنانيّة المتقدّمة على الأعمال ، # كما أنّ " ما تأخّر " إشارة إلى الوجوبيّة المترتّبة المتأخّرة عن الأعمال ، # والذنب حينئذ عبارة عن أحكامه صلَّى الله عليه وسلَّم المتمّمة التي بها تمام ~~الأوضاع النبويّة المشعرة ، كما أنّ الذنب تمام الأعضاء ، كذلك إنّ المراد بالغفران ~~في هذا اللسان هو الإظهار الذي يلزمه ضرورة . # ولكن التوجيه الأوّل أوفق بسياق كلامه ، وإن كان الثاني أعلى . # قال رضي الله عنه : ( ومنها قوله : « اعمل ما شئت فقد غفرت لك » ) وذلك لأنّ ~~الغفر أصله إلباس الشيء ما يصونه عن الدنس . # ومنه قيل : « أغفر ثوبك في الوعاء ، واصبغ ثوبك فإنه أغفر للوسخ » . # وبيّن أن أوضاع محمد صلَّى الله عليه وسلَّم وشرائعه - لأنّه خاتم النبوّة - لا ~~بدّ وأن يكون هو التامّ الكامل من مراتب الرحمة وصورها الصائنة للكائنات عن دنس ~~النقص والبوار ، وذنب العيب والعوار . # ومن هاهنا ترى الحديث القدسي يفصح عن أنّ العبد المذكور المخاطب مغفور ، ولو عمل ~~من الذنب ما عمل . # وتمام تحقيق ذلك ما أورده الشيخ في الفتوحات ، فإنّه قال فيها : " إنّه ثبت في ~~الأخبار الإلهيّة وصحّ أنّ العبد يذنب الذنب ويعلم أنّ له ربّا يغفر الذنب ويأخذ ~~بالذنب ، ثم يذنب الذنب فيعلم أنّ له ربّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ، فيقول الله في ~~ثالث مرّة أو رابع مرّة : اعمل ما شئت فقد غفرت لك " إلى هنا كلامه . ### || "" أضاف الجامع : # قال الشيخ رضي الله عنه في الفتوحات الباب الرابع والسبعون في التوبة : # ومما يؤيد ما ذكرناه من أن التوبة اعتراف ودعاء لا عزم على أنه لا يعود # ما ثبت في الأخبار الإلهية وصح أن العبد بذنب الذنب ويعلم أن له ربا يغفر الذنب ~~ويأخذ بالذنب # ولم يزد على هذا مثل صورة آدم سواء ثم يذنب الذنب فيعلم إن له ربا يغفر الذنب ~~ويأخذ بالذنب فيقول الله له في ثالث مرة أو رابع مرة اعمل ما شئت فقد غفرت لك # وهذا مشروع أن الله قد رفع في حق من هذه صفته المؤاخذة بالذنب على من يرى أن ~~الخطاب على غير من ليس بهذه الصفة منسحب # وأما ظاهر الحديث فإن الله قد أباح له ما قد كان حجر عليه لأجل هذه الصفة كما أحل ~~الميتة للمضطر وقد كانت محرمة على هذا الشخص قبل أن تقوم به صفة الاضطرار # ثم إنه قد بينا أن من عباد الله من يطلعه الله على ما يقع منه في المستأنف # فكيف يعزم على أن لا يعود فيما يعلم بالقطع أنه يعود # ولم يرد شرع نقف عنده أن من حد التوبة المشروعة العزم في المستأنف # فلم تبق التوبة إلا ما قررناه في حديث آدم عليه السلام # ثم يؤيد ذلك قوله تعالى ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ الله هُوَ ~~التَّوَّابُ # يعني في الحالتين ما هم أنتم ينظر إليه قوله وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ ~~الله رَمى # وقوله فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكِنَّ الله قَتَلَهُمْ # وقوله ما قَطَعْتُمْ من لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها ~~فَبِإِذْنِ الله . أه "" # فقد ظهر من هذا الخبر الإلهي أنّ سبب انطلاق ذلك العبد المذكور عن مؤاخذة ~~التكاليف هو علمه بأنّ له ربّا يغفر الذنب ، والعلم من جزئيّات الرحمة الامتنانية ، ~~والأولياء المحمديّون أصحاب السبق في ذلك الميدان ، # وإليه أشار بقوله : ( فاعلم ذلك ) فإنّه لبّ معنى الرحمة وأصله . # وعلم من هذا الكلام أنّ الرحمة الامتنانيّة هي الفاتحة لغيب الوجود والخاتمة ~~لكمال إظهاره . # . # %~% ### | فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية ### | 22 - فصّ حكمة إيناسيّة في كلمة إلياسيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن ~~الدين علي ابن محمد التركة # شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم الشيخ ~~الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي ### || 22 - فصّ حكمة إيناسيّة في كلمة إلياسيّة # تسمية الفصّ # اعلم أنّ من الصور الكماليّة الإنسانيّة أن يرتبط بين القوى الجسمانيّة من الشخص ~~وبين الروحانيّة منه برقائق اعتداله النوعي ، ووثائق امتزاجه الطبيعي ثمّ إنّه لا ~~يزال تشتدّ قوّة ذلك الارتباط والالتيام عند ترشيحه بلطائف الأغذية التجريديّة ~~القدسيّة ، # وتربيته بفنون الحقائق التنزيهيّة العلميّة ، إلى أن يبلغ رتبة التلازم والتجاذب ~~فإذا أخذ القوى الجسمانيّة منه في الضعف ، وتمايل أركان مزاجه إلى طرفيه الخارجين ~~عن الاعتدال ، لا بدّ وأن يجذبه الروحاني منه ويستجلب سائر وجوه تلك القوى وأعيانها ~~إلى عالمه ، ضرورة ظهور قهرمان أمر الروح حينئذ وانقهار غيره تحته . # فعلم أنّه لا بدّ وأن يكون بين الكمّل منه ضرب من هذا الكمال ، ولذلك ترى في كل ~~نسق من النسقات الثلاث الكماليّة التي اشتمل عليها نظم الفصوص واحدا : # كإدريس ، فإنّه في الرابع من الأوّل وعيسى ، فإنّه في السادس من الثاني وإلياس ، ~~وهو أيضا في الرابع من الثالث وبه تمّ هذه الصورة الكماليّة في النبوّة . # وكأنّك قد عرفت في المقدّمة عند التلويحات الكاشفة عن حكم حرف السين أنّه يرتبط ~~الظاهر منه بالباطن ربط انطباق واتّحاد ولذلك ترى مبنى موادّ الكلمات الثلاث عليه . # تلويحات حرفية في إلياس وإيناس # ثمّ إنّك إذا عرفت هذا فهمت منه وجهين من المناسبة بين الكلمة الإلياسيّة والحكمة ~~الإيناسيّة : وجها حكميّا معنويّا ، وآخر لوحيّا حرفيّا : # أمّا الأوّل : فلأن الإيناس ضد الإيحاش ، ولغير هذه الكلمة وحشة من المفارقة ~~والمباينة التي بين الروح وجسده ، وبها تمّت هذه الصورة الكماليّة ولذلك جمعت بين ~~الكلمتين في النبوّة . # وأمّا الثاني : فلأنّك قد عرفت أن « ياسين » له مزيد اختصاص بين الحروف بهذا ~~الكمال - ولذلك ورد : « إنّه قلب القرآن » - ومادّة هذه الكلمة هي « يس » مصدّرا ~~بالألف واللام الكاشفتين عن التعريف والإظهار ، على ما هو مقتضى منصب النبوّة كما ~~أنّ « الإيناس » من جملة صور قلبه عند تمام انبساطه . # على أنّ فضل عدد بيّنات إيناس كاشف عن حرفي البقاء ، الذين هما مؤدّى عدد إلياس ، ~~فتأمّل . # إلياس هو إدريس # ثمّ إنّه قد صدّر هذه الحكمة بقصّة كاشفة عن أمر بعث هذه الكلمة مرّتين رمزا ~~وإيماء ، فلا تغفل عن دقائق إشاراته في طيّ لطائف عباراته حيث قال : ( إلياس هو ~~إدريس ، كان نبيّا قبل نوح ) عندما كان ألسنة الإظهار والإنباء من الرسل كاشفة عن ~~محض التنزيه ، كما عرفت أمره . # ثمّ إنّه لما كان في شخص الكلمة الإدريسيّة مبدأ الجمعيّة الإطلاقيّة باشتماله ~~على « يس » ، ظهر في مزاجه الارتباط القوىّ ، فأبقاه ( ورفعه الله مكانا عليّا ، ~~وهو في قلب الأفلاك ساكن ) لانطوائه على قلب القرآن ، وهو صورة جمعيّة الكل ، ( و ) ~~ذلك ( هو فلك الشمس ) التي هي مبدأ أمر الإظهار . # بعث إلياس إلى بعلبك # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ثم بعث إلى قرية بعلبك ) ، بعثا ثانيا لإتمام ما بعث ~~له من التنزيه الحقيقي الذي في عين التشبيه فإنّه بعث إلى القرية التي هي عبارة عن ~~المجتمع لغة بين صنم صورة نقش المعاني وبين سلطانها الذي هو الوهم ، ( و ) إليه ~~أشار بقوله : ( « بعل » : اسم صنم ) ، فإنّ البعل كناية عن الصورة الجزئيّة التي هي ~~زوج المعنى الكلَّي وبعله ، # ( و « بك » : سلطان تلك القرية ) التي هي المجتمع من الصورة والمعنى والبرزخ ~~الجامع بينهما وهو الوهم ( وكان هذا الصنم المسمّى بعلا ) - وهي الجزئيات المعروضة ~~للصورة - ( مخصوصا بالملك ) ، فإنه لا حكم لشيء من القوى غير الوهم عليها وبين « ~~بعل » و « إلياس » نسبة اتحاديّة في تلويح العدد ، فلذلك بعث إليه . # كان إلياس عقلا بلا شهوة # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وكان إلياس - الذي هو إدريس - ) أي عندما كان مسمّى ~~بإدريس ( قد مثّل له انفلاق الجبل ) - أي جبل جبلَّته وتعيّنه - ( المسمّى لبنان ، ~~من اللبانة - وهي الحاجة - ) فإنّه إنما تستحصل الأغراض والحوائج منه وبه ( عن فرس ~~من نار ) ، أي مركب يطوى عليه المسالك بالتفرّس ، وهو النظر والتثبّت في الأمور ، # كما ورد : « اتّقوا فراسة المؤمن » فهي القوّة النظريّة وأمّا كونه من النار ~~لأنّه يتنوّر به ما يمرّ به من المراحل ، فيظهر ولأنّه أيضا مبدأ تفرقة الأشياء ~~وتمييزه ، ( وجميع آلاته من نار ) وهي القوى الإدراكية التي بدونها لا يصلح للركوب ~~، ( فلما رآه ) مهيّأ للركوب ، مشدودا بالآلات ( ركب عليه ) طاويا به مسالكه ~~المعهودة من الحقائق التنزيهيّة الكليّة والعلوم المجرّدة عن الموادّ ، # ( فسقطت عنه الشهوة ) التي إنما نشأت من إدراك الجزئيّات ، عند انتهاج طرقها ~~وأطرافها ، ( فكان عقلا بلا شهوة ) ، أي ما يشتهيه مطلقا سواء كان في صورة الجذب أو ~~الدفع ، فيشمل الشهوة والغضب . # المعرفة الكاملة هي الجمع بين التشبيه والتنزيه # قال الشيخ رضي الله عنه : (فلم يبق له تعلَّق بما تتعلَّق به الأغراض النفسيّة ، ~~وكان الحقّ فيه منزّها ) عن الموادّ الجزئيّة والكثائف الأرضيّة السفليّة ، ( وكان ~~) لقصره النظر على لطائف سماء التنزيه وكليّات حقائق التقديس ( على النصف من ~~المعرفة باللَّه ، فإنّ العقل إذا تجرّد لنفسه ) معرّى عن الآلات والجوارح المتمّمة ~~لأمره ، المكمّلة لآثاره ، ( من حيث أخذه العلوم عن نظره ) الخاصّ به ، ( كانت ~~معرفة باللَّه على التنزيه ) فقط - وهي المعرفة الحاصلة من كلَّيات الحقائق بالنظر ~~والاستدلال - ( لا على التشبيه ) المستحصل من اللطائف الجزئية بالذوق والوجدان ، ( ~~وإذا أعطاه الله المعرفة بالتجلي ) الكاشف عن وجهه بما عليه في نفسه ( كملت معرفته ~~باللَّه ، فنزّه في موضع ، وشبّه في موضع ) . # وإذ كان تكميل معرفته بالبعثين فصّل في الموضعين ، وأيضا جمع بين التفصيل المصدّر ~~به ، والإجمال المستردف له ، وفاء بمقتضى حكم نبوّته المقدّم فيه أمر التفصيل حيث ~~قال : ( ورأى سريان الحقّ بالوجود في الصور الطبيعيّة ) ، بل ( والعنصريّة ) أيضا ~~والصور كلها إمّا طبيعيّة أو عنصريّة ، # فلذلك قال : ( وما بقيت له صورة إلا ويرى الحقّ عينها ) ، فلا يرى في الوجود صورة ~~ومعنى ، ظاهرا وباطنا ، أوّلا وآخرا ، إلا الحقّ . # خاصيّة الوهم بين المشاعر # قال الشيخ رضي الله عنه : (وهذه هي المعرفة التامّة الكاملة التي جاءت بها ~~الشرايع ) الختميّة ( المنزلة من عند الله - وحكمت بهذه المعرفة الأوهام كلها ) ، ~~وذلك لما عرفت من أن الوهم بين المشاعر البشريّة هو البرزخ الجامع بين المعاني ~~الكلَّيّة والصور الجزئيّة ، فهو الذي يتمكَّن من إدراك المعنى المنزّه عن هذه ~~الصورة فيها وعينها ، # فإنّ إدراك الحقّ المنزّه في الصورة عينها إنما يمكن لما له مدرجتان من الإدراك ، ~~مدرجة الإطلاق والتنزيه وهو طرف المعاني وكليّة أحكامها ، ومدرجة القيود المشخّصة ~~وهو طرف الصورة وجزئيّة أحكامه . # وهذان المدرجتان للوهم فقط بين المشاعر البشريّة ، ( ولذلك كانت الأوهام أقوى ~~سلطانا في هذه النشأة من العقول ) مع علوّ قدرها وقوّة أمرها لقربها من المبدء ~~وغلبة أحكام الوجود فيها . # الوهم هو السلطان الأعظم في الصورة الإنسانيّة # وأما بيان قوّة سلطان الوهم عليها إنّا : ( لأن العاقل لو بلغ ما بلغ في عقله لم ~~يخل عن حكم الوهم عليه ، والقصور فيما عقل ) بإثارة الشبه المشوّشة له عن الاطمئنان ~~بما حكم به العقل والسكون به . # وأما البيان اللمّي : فهو أنّ مقاليد أزمّة التحريك والتسكين في المملكة ~~الإنسانية ظاهرا وباطنا إنما هو بيد الوهم وسدنته ، فإنّ سائر عمّال القوى المحركة ~~- المنبثّة في الأعصاب والعضل والرباطات - ما لم يبلغهم حكم من الوهم لا يتحرّكون ~~عن أمر ، ولا يسكنون بتّة ، ( فالوهم هو السلطان الأعظم في هذه الصورة الكاملة ~~الإنسانيّة ) . # ويمكن أن يجعل هذا إشارة إلى تأويل ما رمز فيه من القصّة المصدّر بها ، فإنّ قرية ~~جمعيّة هذه النشأة التي فيها صنم الصورة الكاملة الإنسانيّة - الملوّح إليه في ~~كلامه ظاهرا سلطانها - إنما هو الوهم وذلك الصنم قد اختصّ به على ما بيّن في طيّ ~~عبارته هذه . # الآيات الناظرة بحكم الوهم # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وبه جاءت الشرايع المنزلة ) أي بحكم الوهم ومقتضاه ~~أنزلت الآيات الكاشفة عن التشبيه ، كقوله تعالى : “ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ~~وَلكِنَّ الله رَمى “ [ 8 / 17 ] وقوله : “ لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ وَهُوَ ~~السَّمِيعُ الْبَصِيرُ “ [ 42 / 11 ] - وغيره من الآيات . # ( فشبّهت ونزّهت : شبّهت في التنزيه بالوهم ) ، إذ من شأن الوهم أن يعيّن المعاني ~~الكلَّيّة المنزّهة عن الموادّ المشخّصة ويشخّصها ، # ثمّ يجري عليها أحكام الجزئيّات والأشخاص كما أنّ من شأن العقل أن ينتزع من ~~الأشخاص الماديّة موادّهم المشخّصة ، وحذف عنهم موجبات التشخّص بإجراء أحكام ~~الكليّات المنزّهة عن الموادّ عليها ولذلك قال : ( ونزّهت في التشبيه بالعقل ) . # الكلي والجزئي # ثمّ إذ قد كان الأمر في الوجود بين كلَّين : # كلّ منزّه عن الموادّ المشخّصة التي يلبسه إيّاها الوهم ، وبها يدركه ، وهو ~~المسمّى بالكلي في عرف النظر . # وكلّ متلبّس بالموادّ المشخّصة ينتزعها عنه العقل ، وبها يتعقّله ، وهو الذي ~~يسمّى بالجزئي عندهم . # وذلك لما تقرّر في المقدّمة أنّ الإطلاق له صورتان : مؤدّى إحداهما التنزيه ، ~~ومؤدّى الأخرى التشبيه وإذ كان ظاهر الإطلاق هو الكليّة الإحاطيّة ، فهي صورته . # ولذلك قال : ( فارتبط الكلّ بالكلّ ) ارتباط الكلَّي بجزئيه - وهو الكلّ - والكلّ ~~بجزئه وهو الكلَّي ويلازم أحدهما الآخر ، تلازم حكم العقل حكم الوهم ( فلم يمكن أن ~~يخلو تنزيه عن تشبيه ، ولا تشبيه عن تنزيه ) . # التنزيه في عين التشبيه في القرآن الكريم # أما الأول فكما ( قال تعالى : "لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ " فإنّه ظاهر في ~~التنزيه ، حيث نفى عن كلّ شيء أن يماثل مثله ، فضلا عن أن يكون مثله . # ولذلك قال : ( فنزّه ) . # وإذ قد توجّه النفي إلى مثل المثل - الذي هو مدلول كاف التشبيه - يكون المثل ~~مثبتا في أصل دلالة الآية ، وقوله : # ( فشبّه ) # إشارة إليه . # فعلم أن التنزيه والآيات الدالَّة عليه لا يخلو عن تشبيه ، وكذلك التشبيه والآيات ~~الدالَّة عليه لا يخلو عن التنزيه ، كما في قوله تعالى : # ( "وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " ) # ، فإنّ ظاهره أن صاحب السمع والبصر هو الحقّ ، وهو محض التشبيه ولذلك قال : # ( فشبّه ) # بحسب الدلالة التي له في أصل معناه اللغوي . # ونزّه أيضا بحسب الدلالة التي له أيضا ، وذلك بحسب خاصيّة التركيب لدى التخاطب ، ~~وهو ما يفيد الحصر من وضع صورة تركيبه - على ما بيّن في صنعة الأدب - وما قال : « ~~فنزّه » اكتفاء بما مهّد أنّ كل تشبيه لا يخلو عن تنزيه ، وتنبيها أيضا على أنّ ~~دلالته على التنزيه ليست غير دلالته على محض التشبيه ، فإنّ تنزيهه يحصر السمع ~~والبصر فيه ، وهو عين التشبيه الكاشف عن محض التنزيه . # ولذلك قال رضي الله عنه : (وهي أعظم آية تنزيه نزلت، ومع ذلك لم يخل عن تشبيه ~~بالكاف) ، فإنّ أصل معنى الكاف - لغة - هو التشبيه . # هذا ما انزل لبيان تعريف الحقّ نفسه ، من القرآن الذي هو كلام الله المنزل على ~~عبده ، يعني الخاتم ، ( فهو أعلم العلماء بنفسه ، وما عبّر عن نفسه إلَّا بما ~~ذكرناه ) . قصور المنزّهين من أهل النظر عن التنزيه الحقيقي ثمّ إنّه بعد ما أظهر ~~معنى التنزيه الحقيقي وبيّن حقيقته ، نبّه على قصور التنزيه الرسمي الذي هو مدرك ~~العقول الخالية عن آثار الجمعيّة القلبيّة الإنسانيّة ، # وإليه أشار بقوله : ( ثمّ قال : “ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا ~~يَصِفُونَ “) [ 37 / 180 ] ، والعامّة من ذوي العقول النظريّة ، وأهل الكثرة ~~الإمكانيّة ، على ما هو مدلول ضمير الجمع في “ يَصِفُونَ “ والمفهوم منه ذوقا ولغة ~~، ( وما يصفونه إلا بما تعطيه عقولهم فنزّه نفسه عن تنزيههم ) ، وهو التنزيه الذي ~~يقابل التشبيه ، وهو المقيّد المحدّد ( إذ حدّدوه بذلك التنزيه ، وذلك لقصور العقل ~~عن إدراك مثل هذا ) ، لغلبة التجرّد على نشأته القدسيّة العلية ، على ما عليه الملأ ~~الأعلى . # ما جاء في الشرائع مما تحكم به الأوهام # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ثمّ جاءت الشرايع كلَّها بما تحكم به الأوهام ) ، لما ~~لها من الإدراكات البرزخيّة الجمعيّة القلبيّة التي بها تفرّد الإنسان ، ومنها ~~يستحصل كمالاته الخصيصة به ( فلم تخل ) الشرايع ( الحقّ ) عند إظهاره للأمم ( عن ~~صفة يظهر فيها ) من الأوصاف الوجوديّة والمعاني الجزئيّة التي هي مدارك الأوهام ، ~~كالاستواء على العرش ، والاختصاص بالفوقيّة ، وإثبات بعض الجوارح كاليد وغيره من ~~القوى . # قال الشيخ رضي الله عنه : (كذا قالت ) الشرايع ( وبذا جاءت ) الرسل من عند الله ( ~~فعملت الأمم على ذلك ) من الاعتقاد بتلك المعاني تقليدا لهم ، ولأنّ التقليد في ~~العقائد القلبيّة التي يعقدها المقلَّد تابعا للمقلَّد له فيه إنما هو من قبيل ~~الأعمال ، لا العلوم ، قال : « فعملت » ، دون : « علمت » مع أنّه من المعلومات ، ~~تنبيها لهذه الدقيقة ( فأعطاها الحقّ التجلَّي ، فلحقت بالرسل وراثة ) للقرابة التي ~~هي للأمم بحسب نيّاتهم وهممهم ، من الصورة التي عليها عقد بواطنهم ، وبها تصوّرت ~~عقولهم ( فنطقت بما نطقت به رسل الله ) من الكلمة الجامعة بين التشبيه والتنزيه ، ~~صورة ومعنى . # وجهي التفسير في الآية الكريمة : الله أعلم . . . # فلذلك ترى في كلامه هذا وجهين من الصورة : إحداهما كاشفة عن التنزيه ، والأخرى عن ~~التشبيه فإن قوله تعالى : ( “ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه " رسالاته ) ~~فيه الوجهان المذكوران ( فـ “ الله أَعْلَمُ “ موجّه ) بالوجهين : # (له وجه بالخبريّة إلى “ رُسُلُ الله “ ) وذلك أن توقف على قولهم “ لَنْ نُؤْمِنَ ~~حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ “ [ 6 / 124 ] أي هذا الرسول . # فتمّ هنا كلام القوم ، وابتدأ بقوله : " رُسُلُ الله الله " ، بمعنى أنّ رسل الله ~~هم الله ، وهو طرف التشبيه ووجهه الكاشف عنه ، و " أَعْلَمُ " حينئذ خبر مبتدأ ~~محذوف ، أي "هو أعلم حيث يجعل رسالاته " . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وله وجه بالابتداء إلى « أعلم حيث يجعل رسالاته » ) # وهذا الوجه هو الكاشف عن التنزيه ظاهرا ، فإنّه تضمّن التشبيه أيضا ، كما أن ~~الأوّل متضمّن للتنزيه على ما يخفى ، إلَّا أنّ الغرض اشتمال هذه الصورة الكلاميّة ~~للوجهين . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وكلا الوجهين حقيقة فيه ) ، أي لا تفاوت بينهما بحسب ~~التقدّم والتأخّر والوضوح والخفاء على ما هو المبادر إلى الأذهان العامّة من ~~العلماء الرسميّة التي عندهم لا محتمل للوجه الأوّل أصلا ، # وذلك لما لهم من الحجب التقليدية والاعتقادات الاعتياديّة التي قد استحصلوها من ~~آبائهم وراثة ومن مشايخهم واستاذيهم تعلَّما وكسبا ، فلا يمكن لهم الترقّي عنها ~~أصلا ، ولذلك ترى الكمّل من الأنبياء لا يظهرون لهم من ذلك شيئا ، مع أنهم مبعوثون ~~للإظهار ، ومأمورون بالإشاعة والإبلاغ وإلى ذلك أشار بقوله : # كلَّموا الناس على قدر عقولهم # قال الشيخ رضي الله عنه : (فلذلك قلنا بالتشبيه في التنزيه ، وبالتنزيه في ~~التشبيه وبعد أن تقرّر ) أمر إظهاره ( هذا ) على الطالب المسترشد والمتفطَّن ~~المهتدي ( فنرخي الستور ونسدل الحجب على عين المنتقد ) الذي ينقد بنظره العقليّ ~~فرائد الحقائق والمعارف ، ويذهب إليها ، كما هو سبيل سائر المتكلَّمين والحكماء ، ~~وهو صاحب التنزيه ، لا حظَّ له في التشبيه أصل ( والمعتقد ) الذي يعتقد ظاهر ما ~~انزل من الكتاب بلا تأويل فيه ولا تدبّر وتفتيش عنه ، كما قيل : « الاستواء معلوم ، ~~والكيفيّة مجهولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة » وهو المشبّه الصرف الذي ~~لا حظَّ له في التنزيه أصل . # فلا بدّ للمحقق أن يمكَّنهما فيما هم عليه بإرخاء الستور والحجب ، ( وإن كانا من ~~بعض صور ما تجلَّى فيها الحقّ ، ولكن أمرنا بالستر ) وأن لا يظهر للناس إلا ما هو ~~على قدر عقولهم وطبق عقائدهم ، وذلك ( ليظهر تفاضل استعداد الصور ) ويتمّ به أمر ~~ظهور تفاصيل أحكام الأسماء بجزئيّاتها على ما هو مبتغى ألسنة استعداداتهم . # التجلي بحكم استعداد محله # ( و ) يظهر ( أن المتجلَّي في صورة بحكم استعداد تلك الصورة ، فينسب ) المتجلَّى ~~له ، أو على صيغة المجهول وهو أظهر وفي بعض النسخ أيض : " فإنّ المتجلي " ، وذلك ~~غير بعيد عن الصواب . # ( إليه ) أي إلى المتجلَّي ( ما تعطيه ) تلك الصورة ( حقيقتها ولوازمها ) أي ينسب ~~المجلى إلى المتجلَّي ما يعطيه عين ذلك المجلى من التنزيه والتشبيه ولوازمه - من ~~الظهور والستر والمعرفة والنكر كذا وغير ذلك - كل ذلك تحقيقا لقضيّة الظهور ~~والإظهار ، وتفصيل أحكام الجزئيّات وإعطاء حكم الكثرة حقّها . # رؤية الحقّ في النوم والاختلاف في تعبيره # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ولا بدّ من ذلك ، مثل من يرى الحقّ في النوم ، ولا ~~ينكر هذا ) لسعة عالم المثال ، وظهور كل ما يمكن أن يتخيّل فيه عند كلّ أحد ( وأنّه ~~لا شك الحقّ عينه ) ، فإنّه عين سائر المراتب من الحضرات والعوالم ، ( فيتبعه ) ~~الحقّ ( لوازم تلك الصورة ) ، أي أعراضها الخارجة عن ذاتها - كالوضع والمقدار ~~واللون المعيّن مما يلزم تلك الصورة - ( وحقائقها ) أي ذاتيّاتها التي يتقوّم بها ~~الصورة ( التي تجلَّى فيها ) الحقّ ( في النوم ثمّ بعد ذلك ) عند الانتباه في ~~النشأة الجمعيّة وانقهار حكم الخيال والمثال ( يعبر ) أصله من العبر ، وهو تجاوز من ~~حال إلى حال ، ومنه اشتق عبرة العين والعبارة ، وإليه أشار بقوله : # قال الشيخ رضي الله عنه : (أي يجاوز عنها إلى أمر آخر يقتضي التنزيه ) عقلا ، إن ~~كان المعبّر من أرباب العقول والأنظار ، ( فإن كان الذي يعبرها ذا كشف أو إيمان فلا ~~يجوز عنها إلى تنزيه فقط ) فإنّ أحدهما صاحب القلب . # والآخر من ألقى إليه السمع وهو شهيد وهما إنما يحكمان بالتنزيه الذي في التشبيه - ~~لا بالذي يقابله ، وهو المعبّر عنه بـ « فقط » - ( بل يعطيها حقا من التنزيه ومما ~~ظهرت فيه ) من الأوصاف التي هي مبدأ التشبيه إذ قد عرفت أنّ الحقّ عين هذه الصورة ~~المثاليّة في عالمها . # التعبير والعبارة # وأما في عالم اليقظة والانتباه الذي هو موطن التحقيق ، فهو العبارة التي يعبّر ~~بها عن تلك الصورة ، وإليه أشار بقوله : ( فاللَّه على التحقيق عبارة ) يعبّر بها ~~سائر الصور التي رأى بها الراؤون في مداركهم . # فإنّ الوجود الكلامي هو الذي تفرّد به الحقّ من العين الموجود ، واختصّ به من بين ~~الصور الخارجيّة تحقيقا ، على ما نطقت به الشرايع وجاءت به الرسل وإلَّا فسائر ~~الأطوار من الوجود وجميع المراتب الاستيداعيّة منها والاستقراريّة للحقّ فيها جهة ~~وللعالم فيها أخرى ، كما سيحقّق أمره آنف . # ثمّ إنّ العبارة التي قد اختصّت بالحقّ لها صورة ظاهرة ، وهي الحروف التي هي ~~مختزن الحقائق الإلهيّة ، كما نبّهت على بعض ما اشتمل عليه الحروف « الله » ، ولها ~~معنى خفيّ ، وهو العبور عمّا يدرك ، ويحيط به المدارك كما نبّه عليه في تعبير ~~الرؤيا ، وإليه أشار بقوله : ( لمن فهم الإشارة ) ، فإنّ الإشارة هي المعنى الخفيّ ~~. # المؤثر هو الله تعالى ، والمؤثر فيه العالم # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وروح هذه الحكمة وفصّها ، أنّ الأمر ينقسم إلى مؤثر ~~ومؤثر فيه ، ولهما عبارتان ) # كاشفتان عن خصوصيّتيهما الامتيازيّة ، أي يعبّر بهما إلى ما هو لبّه ومغزاه # ( فالمؤثّر بكلّ وجه ) # سواء كان بالتبعيّة أو الاستقلال ، تامّا في التأثير أو غير تامّ ، # ( وعلى كل حال ) # من أحوال الوجود - موجودا كان في الخارج أو في الذهن ، حقيقيّا أو اعتباري # ( وفي كل حضرة ) # من الحضرات الإلهية والعوالم الكيانيّة : # ( هو الله ) # ، فإنّك قد عرفت أنّه العبارة الكاشفة عن الخصوصيّة الخاصّة به دون غيرها من ~~الوجوه والأحوال والحضرات . # قال الشيخ رضي الله عنه : (والمؤثّر فيه بكل وجه وعلى كل حال وفي كل حضرة هو ~~العالم # ) # ، أي هو العبارة الكاشفة عن خصوصيّة العالميّة ، لا غير ذلك من الوجوه والأحوال ~~التي للعوالم . # ( فإذا ورد ) لك من عالم الأعيان والحقائق شيء ( فألحق كلّ شيء بأصله الذي يناسبه ~~فإنّ الوارد ) الذي يحدث ظهوره ( أبدا لا بدّ وأن يكون فرعا عن أصل ) وجزئيّا لكليّ ~~، مما يحيط به مما هو فيه بالقوّة . فيخرج عنه بالفعل كالفاعل والقابل مثلا فإنّه ~~لا بدّ لكلّ وارد أن يكون تحت أحدهما ، فرعا عنه سواء كان الوارد من الحقائق ~~الإلهيّة أو الكيانيّة ، # ( كما كانت المحبّة الإلهيّة ) في قرب النوافل إنما ظهرت (عن النوافل من العبد ، ~~فهذا أثر ) يعني المحبّة الإلهيّة ( بين مؤثّر ) هو العبد بقوّة النوافل ، ( ومؤثّر ~~فيه ) هو الحقّ ولذلك ( كان الحقّ سمع العبد وبصره وقواه عن هذه المحبّة ) إلحاقا ~~بأصله ، فإنّ قوى العبد هو المؤثّر بالتزام النوافل في الحقّ ، حتّى يخرج الأثر - ~~وهي المحبّة - من القوّة إلى الفعل ، فإذا الحق كلّ شيء بأصله يكون قوى العبد هو ~~الحقّ ، والمحبّة الإلهيّة هنا أثر من العبد . # أقسام الناس في فهم المعارف # ثمّ إنّ هذا الكلام لبعده عن مدارك العامّة وأذواقهم مهّد مقدّمة لبيانه ، قد ~~فصّل فيها مراتب الناس في فهم ذلك الأصل ، تنزّلا إلى مداركهم ، # وقال : ( فهذا أثر محقّق لا تقدر على إنكاره ، لثبوته شرعا ) لوروده بطرق صحيحة ~~من الحقّ بلسان الخاتم ، ( إن كنت مؤمنا ) حقّا ، لا تقليدا مبدؤه الرعونة وقبول ~~الناس . # ( وأمّا العقل السليم ) - عمّا يعوقه عن كماله - ( فهو إمّا صاحب تجلّ إلهيّ ) ~~إذا وفّق لما قدّر لأصل استعداده من إدراك الحقائق كلَّها ، على ما هي عليه ، فهو ( ~~في مجلى طبيعيّ ، فيعرف ما قلناه ، وإما مؤمن مسلم ) يلقى السمع لصاحب التجلَّى ~~والبيان ، فهو ( يؤمن به ، كما ورد في الصحيح ) فم بقي إلَّا صاحب النظر والاستدلال ~~، فإنّه غير مؤمن بإلقاء السمع إلى صاحب التجلَّي ، ولا بالغ عقله إلى كماله ~~الطبيعي. # ( و ) حينئذ ( لا بدّ من سلطان الوهم أن يحكم على العاقل الباحث ) ضرورة نفاذ ~~أمره في هذه النشأة وعدم انقهاره أصلا ، فيكون تحت حكمه (فيما جاء به الحق في هذه ~~الصورة لأنّه مؤمن بها ) . # هذا على تقدير أن يكون الباحث من حكماء الإسلام والمتكلَّمين من الملَّيين ، ~~فأمّا إذا لم يكن منهم - كالفلاسفة الذين قصروا طريق الاستفاضة على النظر المجرّد ~~والبحث البحت - فإليه أشار بقوله : ( وأمّا غير المؤمن فيحكم على الوهم بالوهم ) ~~فإنّهم يوصون أولا بتسخير قوّتي الوهم والخيال وعزلهم عمّا في تصرّفهما من مدارك ~~الجزئيّات مطلقا - صوريّة ومعنويّة - حتى يصفو لهم حكم صرافة العقل في الكليّات ~~المنزّهة عما يشوب به قدس التنزيه ويميل إلى هذا المشرب أكثر المنتمين إلى التحقيق ~~والمنتسبين إلى التصوّف ، حتى أنّ بعض شارحي هذا الكتاب يستشمّ المتفطَّن من كلامه ~~رائحة ذلك الميل ، ومن ثمّة تراه يستهجن مدركات الوهم كل الاستهجان. # الغرض من الحكايات القرآنيّة تقرير أحوال الإنسان # وكأنّك قد اطَّلعت في طيّ هذه التعليقات أنّ ما في القرآن الكريم مما يفهم منه ~~العامة أنّه حكاية الأمم السالفة في الأزمنة الماضية ، إنما هو تقرير أحوال الأمم ~~الحاضرة في كلّ زمان ، على ما عبّر عن ذلك ألسنة استعداداتهم ويعبر من الأزل إلى ~~الأبد ما هو أساطير الأوّلين ، # على ما زعم الجاحدون للتنزيل وجلالة قدره من أرباب الزيغ والطغيان - ومن ذلك ~~حكاية تخصيص آدم بمنصب الخلافة ، واغتباط الملإ الأعلى له في ذلك وادّعاؤهم أنّهم ~~المستحقون لها بتقديسهم وتسبيحهم ، # وأنّ آدم بما فيه من قوّتي الوهم والخيال والشهوة والغضب ، بعيد عن نيل مثل تلك ~~المنقبة الكريمة ، وتعيير الحق عزّ شانه لهم في ذلك الدعوى بأنّ آدم بجمعيّته التي ~~اختص بها من احتياز القوى - التي هي مبدأ الشعور والإشعار لطرف التشبيه من الحقّ - ~~يعلم من الأسماء الكاشفة للحقّ ما لا يعلمون ، وهي الأسماء الوجوديّة المبيّنة ~~للحقائق التشبيهيّة التي بها يتمّ أمر التنزيه . # التشابه الفكري بين الملائكة وأهل النظر # فإنّ تلك القصّة بعينها هي التي بين الحكماء من أهل النظر والاستدلال وبين أرباب ~~الأذواق من اولي الألباب ، فإنّهم هم الذين يستفتحون مدارك القوى البشريّة ~~والجمعيّة الآدميّة ، ويستحقّون ما يستحصل من تلك القوى - التي رئيسهم الوهم - ~~بأنّها لا يمكن لها تسبيح الحقّ ، # فإنّها مبدأ الإفساد وإهراق الدماء ، فيعزلون تلك القوى عن درجة الاعتداد ~~بمداركها والاعتبار بأحكامها ويحصرون أمر ذلك الاعتداد والاعتبار في العقل المجرّد ~~الذي يسبّح الحقّ ويقدّسه ، ذاهلين عن قصور عقلهم المجرّد عن أداء التنزيه حقّه ، ~~وأنّهم هم المفسدون في عزل تلك القوى ، ولكن لا يشعرون منزلتهم . # تسلَّط الوهم على أصحاب النظر # ومن آيات قصورهم في رتبة الشعور والعلم أنّهم يحكمون على الوهم وسدنته بالوهم ، ~~ويعزلونه بأمره ، ذاهلين عنه وعن أنّه هو الحاكم ، يعزل نفسه بما لا يشعر به صاحب ~~النظر الفكريّ ، ضرورة أنّ الوهم من المعاني الجزئيّة التي إنما يدركها الوهم فصاحب ~~النظر انما يدركه ويعزله به ، ( فيتخيّل بنظره الفكري أنّه قد أحال على الله ما ~~أعطاه ذلك التجلَّي في الرؤيا ) مما لا يناسب تنزيه العقل المجرّد له من الصور ~~الجسدانيّة والمثل الجسمانيّة التي استحال عنده بنظره الفكري أن يكون لله . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( والوهم في ذلك ) التخيّل ( لا يفارقه من حيث لا يشعر ~~به ) ، فإنّه هو السلطان الحاكم في هذه النشأة - كما عرفت آنفا - ولكن لاتّحادّه ~~بالكلّ - لما تقرّر من أنّ السلطان هو الهيئة الجمعيّة الكلَّيّة - لا يشعر به ( ~~لغفلته عن نفسه ) ، فإنّه يحسب أنّ الوهم أمر غيره ، وعرض يفارقه ، فهو بعد في سنة ~~الغفلة ورقاد الذهول ، إذا مات عن نظره الفكريّ انتبه من نومه ، وتيقّظ ليومه فلا ~~تغفل عن دقائق هذه الإشارات فإنّه من جلائل الحقائق . # المؤثّر والمتأثّر في الداعي والمجيب # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ومن ذلك ) - أي مما ورد لك مما لا بدّ فيه من إلحاق ~~كلّ شيء من أحكامه المتكثّرة المتفرّعة بأصله ، الذي يتفرّع عنه ولكن الحكم مع ~~أحديّة العين حتى يتحقّق معناه - ( قوله تعالى : “ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ") [ ~~40 / 60 ] # فإنّ الدعاء يخالف الإجابة حكما ، فلذلك نسب الدعاء إلى العبد المتأثّر بحسب أصله ~~، والإجابة إلى الحقّ المؤثّر . # هذا ما يدل على ذلك إجمالا ، والذي يدلّ على ذلك تفصيلا م ( قال تعالى : “ وَإِذا ~~سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ “ ~~) [ 2 / 186 ] ، # فإنّ أحكام المتأثّر العبد والمؤثّر الحقّ قد فصّل في هذه الآية تفصيلا ، حيث ~~عيّن مقام بعد العبد السائل بإثبات الواسطة ، وقرب المجيب الحقّ بقوله : “ قَرِيبٌ ~~“ ، وأشار إلى أحديّة فعل الحقّ المؤثّر بقوله : “ أُجِيبُ “ ، وإلى أنّ اختلافه ~~بحسب الصور والأحكام المتكثّرة إنّما هو من جهة العبد المتأثّر بقوله : “ دَعْوَةَ ~~الدَّاعِ إِذا دَعانِ “ ، حيث عبّر ما يتعلَّق بالعبد من السؤال والدعاء بصيغ ثلاثة ~~متكثّرة - من المصدر والصفة والفعل . # وفيه إشارة أيضا إلى ما للعبد من الألسنة التي له عند الدعاء : # أحدها لسان الاستعداد المشار إليه بصيغة المصدر . # والثاني لسان الحال ، المعبّر عنه بصيغة الوصف . # والثالث لسان الفعل والقول المدلول فيه بصيغة الفعل . # وإذ قد تختلف قبلة الدعاء في موطن الفعل لتشابه الصور والأشكال هنالك دون غيره ، ~~فتنحرف حينئذ عن سمت إطلاقه ، خصّصه بقوله : “ إِذا دَعانِ “ . # ثمّ إنّه لا بدّ من اختلاف الصور هناك ، ( إذ لا يكون مجيبا إلا إذا كان من يدعوه ~~) ووجد الداعي مستقلا بحسب الصورة ( وإن كان عين الداعي عين المجيب ، فلا خلاف في ~~اختلاف الصور ) فإنّ العين متّحدة ، فلو لم تكن الصورة منها تتكثّر وتختلف ، لا ~~يمكن ورود المتقابلين لها ، ( فهاتان صورتان بلا شكّ ) . # ثمّ إنّك قد عرفت مما سبق لك آنفا أنّ للهويّة المطلقة كليّتين إحاطيّتين بحسب ~~مشعري الوهم والعقل ، الذي هما مناط أمر التنزيه والتشبيه ، وأنّ الذين هو مدرك ~~الوهم منهما هو المسمّى بالكلّ - في عرف النظر ، والذي هو مدرك العقل يسمّى ~~بالكلَّي - في عرفهم وقد أشار إليهما بقوله : " فارتبط الكلّ بالكلّ " ، فهاتان هما ~~الصورتان اللتان قد أشار إليهما بصورة التمثيل . # فالأوّل من الكلَّين - أعني مدرك الوهم ومناط حكم التشبيه - هو الذي دلّ عليه ~~قوله : ( وتلك الصور كلَّها كالأعضاء لزيد ، فمعلوم أنّ زيدا حقيقة واحدة شخصيّة ، ~~وأنّ يده ليست صورة رجله ولا رأسه ولا عينه ولا حاجبه، فهو الكثير الواحد الكثير ~~بالصور ، الواحد بالعين ). # والثاني من الكلَّين الذي هو مدرك العقل ومناط حكم التنزيه ، وهو الذي أشار إليه ~~بقوله : ( وكالإنسان : واحد بالعين بلا شكّ ) وحدة نوعيّة ، ( ولا شكّ أن عمرا ما ~~هو زيد ولا خالد ولا جعفر ، وأنّ أشخاص هذه العين الواحدة لا تتناهى وجودا ، وإن ~~كان واحدا بالعين ، فهو كثير بالصور والأشخاص) . # فقد علم بهذا التصوير والتمثيل أنّ العين الواحدة قد تظهر في الصور الكثيرة ، ~~سواء كان في تنزيه العقل أو تشبيه الوهم . # مثال آخر لرؤية الواحد كثير # ثم إنّ هذا التقرير إنما يفيد للمستبصرين بطريق النظر والاستدلال ، وأما أهل ~~الإيمان العقدي فلا نفع لهم فيه أصلا ، ولذلك قال منبّها لهم : ( وقد علمت قطعا إن ~~كنت مؤمنا حقّا ) ، بما روي في الصحاح من ثقات الرواة عن الحضرة الختميّة ، الكاشفة ~~عن الأمر بما هو عليه ( أنّ الحقّ عينه يتجلَّى يوم القيامة في صورة ، فيعرف ، ثمّ ~~يتحوّل في صورة فينكر ، ثمّ يتحوّل عنها في صورة فيعرف) . # ( وهو هو المتجلَّي - ليس غيره - في كلّ صورة ومعلوم أنّ هذه الصورة ما هي تلك ~~الصورة الأخرى ، فكان العين الواحدة قامت مقام المرآة ) في إراءة الصور المتخالفة ~~في القبول والرد عند توجّه المعتقد إليها. # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإذا نظر الناظر فيها إلى صورة معتقده في الله ) ~~المأنوسة إليها ، المشغولة بها ، لقوّة الرقائق الارتباطية التي بين تلك الصورة ~~ومعتقدها ، حيث حكمت بتصويره إيّاها ، وجعلها قبلة قبوله بين الصور : ( عرفه وأقرّ ~~به وإذا اتّفق أن يرى فيها معتقد غيره ) من الصور المتمثّلة بها : ( أنكره كما يرى ~~في المرآة صورته وصورة غيره ، فالمرآة عين واحدة والصور كثيرة في عين الرائي ) لا ~~في العين الواحدة ، فإنّها منزّهة عن الصور كلَّه ( وليس في المرآة صورة منها جملة ~~واحدة ) فإنّها بمنزلة العين الواحدة التي هي القابليّة الأولى ، وهي من الفيض ~~الأقدس عن الثنويّة مطلق . # أثر المرآة في الرؤية # ثمّ إنّك قد عرفت أن مبدأ التعيّنات إنما هو القابل ، ومن ثمة قال : ( مع كون ~~المرآة لها أثر في الصور بوجه ) وهو حيثيّة كونها بمنزلة القابل الطالب بلسان ~~الاستعداد أحكام التعيّنات ووجوه التخصيصات ، ( وما لها أثر بوجه ) وهو من حيث ~~أنّها بمنزلة العين الواحدة التي قد اندمجت فيها تلك الأحكام ، وتلاشت وجوه ظهورها ~~. # مبدأ الاختلاف في الخصوصيّات # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فالأثر الذي لها كونها تردّ الصور متغيّرة الشكل - من ~~الصغر والكبر ، والطول والعرض ) ، فإنّها بمنزلة مبادئ الاختلاف الأسمائيّة والشؤون ~~الذاتيّة وإنما تختلف الأسماء بالحيطة والشمول ، والاندراج والكليّة ، وهي التي ~~بمنزلتها الصغر والكبر والطول والعرض ، فإنّها مقادير إنما تتخالف بها الأشياء ، ~~تخالفا عرضيّا نسبيّا لا ذاتيا حقيقيّ . # ( فلها أثر في المقادير ) التي هي مبدأ الخصوصيّات وهذا يناسب ما تسمعه من الصدر ~~الأول من الحكماء الفيثاغوريين - أرباب التعاليم – حيث ذهبوا إلى أن العدد أصل ~~الماهيّات ، وما تراه قد عوّل عليه أهل التحقيق من تلامذة الأئمّة المهتدين ، نقلا ~~عنهم ، حيث ذهبوا إلى أنّ استخراج الخواصّ من الأشياء إنما يعلم من العدد المستخرج ~~من أسمائها وهذا من أصول ما ذهب إليه السيد سلام الله على آبائه الكرام وعليه ، على ~~ما أومى إليه في المقدمة . # فعلم أنّ مبدأ خصوصيّات الأشياء وتمايزها إنما هو القابليّة الأولى المتمثّلة ~~هاهنا بالمرآة ، ( وذلك ) الأحكام الخصيصة بكل منها تفصيل ( راجع إليها ) . # ثمّ إنّك قد عرفت أنّ تلك القابليّة إنما هو من الفيض الأقدس ، الذي لا مجال ~~للثنويّة فيه أصلا فوجّه ذلك المعنى في المثال المذكور بقوله ( وإنما كانت هذه ~~التغيّرات منها لاختلاف مقادير المرائي ) ، أي تلك الآثار والخواصّ ليست من الأفعال ~~المباينة للمرائي والقابليّات الخارجة عنها ، بل القوابل إنما هي قوالب تلك ~~الخصوصيّات ، # وهي صورة ظهورها ومثال ظلَّها وعكسه . # ثمّ إنّ التجليّات كما أنّ منها ما هو أسمائيّ وهي متخالفة الأحكام ، فمنها ما هو ~~ذاتيّ أحدىّ العين والحكم ، والمثال يجب أن يطابق سائر أفراد الممثّل وجميع ~~جزئيّاته ، فأشار إلى تصوير الأسمائيّ منها والذاتيّ مفصلا فالذاتيّ الذي هو أحديّ ~~العين والحكم هو المعبّر عنه بقوله # التجلَّي الذاتي والأسمائي # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فانظر في المثال مرآة واحدة من هذه المرائي ) عند ~~تمثّل الصورة بنظرك الواحد بالعين والشخص ، ( لا بنظر الجماعة ) ، فإنّه لا مجال ~~للتعدّد في هذا التجلَّي أصلا ، - فلذلك قال : ( وهو بنظرك من حيث كونه ذاتا ) ، أي ~~المرآة هاهنا ليس إلَّا نظرك نفسك ، من حيث الوحدة العينيّة - التي لا مجال ~~للمغائرة ولا للكثرة فيها أصلا ، فهو الظاهر ، وهو المظهر ( فهو غنيّ عن العالمين ) ~~هذا أمره من حيث الذات . # ( و ) أم ( من حيث الأسماء الإلهيّة فذلك الوقت ) والزمان الجامع لشتات المقولات ~~التي كانت كل واحدة منها مظهر اسم من الأسماء الإلهيّة ، فذلك الزمان الجامع ( يكون ~~كالمرائي فأي اسم إلهي نظرت فيه نفسك أو من نظر ، فإنما يظهر في الناظر حقيقة ذلك ~~الاسم ) ، فالناظر هاهنا هو الذي في المثال المذكور بمنزلة المرآة ، التي يظهر فيها ~~مثال الشخص عند التعاكس ، وهي معدومة بنفسها ، لا حظَّ لها من الوجود ، والموجود ~~بالحقيقة هو ذلك الاسم ولذلك قال : "حقيقة ذلك الاسم " . # ( فهكذا هو الأمر ) من أنّ الناظر نفسها معدومة العين والأثر كما ظهر في المثال ( ~~إن فهمت ، فلا تجزع ) من هذا العدم ( ولا تخف ) من نسبة البوار والهلاك إلى نفسك ، ~~( فإنّ الله يحبّ الشجاعة ولو على قتل حيّة ، وليست الحيّة سوى نفسك ) . # ثمّ إنّ في العبارة الختميّة - هذه - لطائف قد نبّه إليها إيماء منها أن النفس ~~بقتلها لا تموت في حدّها الذاتي وفي عبارة « الحيّة » دلالة على ذلك وإليه أشار ~~بقوله : ( والحيّة حيّة لنفسها بالصورة والحقيقة ) . # النفس معدومة غير قابلة للعدم # ومنها أنّها إذا كانت النفس حيّة بذاتها فلا تقبل بالقتل سوى فساد الصورة الحسيّة ~~وإسقاط النسبة الوهميّة ، وبيّن أنّهما ليسا من حقيقتها القائمة الدائمة في شيء ، ~~وذلك هو مبدأ محبّة الله تعالى له وإلى ذلك أشار بقوله : ( والشيء لا يقتل عن نفسه ~~، وإن فسدت الصورة في الحسّ ، فإنّ الحدّ ) العقليّ ( يضبطها ) بذاتيّاتها ، ضبطا ~~جامعا لأفرادها ، مانعا عن غيرها ، (والخيال لا يزيلها) عن الصورة الجسدانيّة التي ~~عليها ، ( وإذا كان الأمر على هذا فهذا هو الأمان على الذوات ) من الجزع عن فنائها ~~حيث مهّد « فلا تجزع » ، ( والعزّة والمنعة ) من تطرّق النقص إليها ، فلا خوف عليهم ~~حيث مهّد « ولا تخف » ( فإنّك لا تقدر على فساد الحدود ) الذاتيّة التي للحقائق . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وأي عزّة أعظم من هذه العزّة ؟ ) التي لا يمكن أن ~~يحوم حول حمى حدوده الذاتيّة تطرّق نقص ولا فساد ، ولكن لما فسدت الصورة الحسيّة ~~التي هي مبادئ حكم الخيال ، بالقتل الذي هو مبدأ ثوران أمر الوهم وسلطانه ، حكم ~~الوهم تابعا للمتخيّلة بذلك القتل ، (فتخيّل بالوهم أنّك قتلت) . # أيّ وهم حكمه باطل # وهذا الوهم الذي يتبع المتخيّلة في أحكامها هو الذي يذمّه الحكماء المحققون ~~وينسبون أحكامه إلى الفساد ، حيث يشيرون إلى الأحكام الفاسدة بأنّها أوهام ، وصار ~~ذلك مزلَّة أقدام المتأخّرين منهم ، وحسبوا أن الوهم مطلقا حكمه باطل وليس كذلك ، ~~فإنّ الوهم المستقلّ بالحكم أو الذي يتبع العقل في حكمه ، فهو من أساطين حكَّام هذه ~~النشأة عند اقتناص الحقائق الذوقيّة ، # ولذلك قال : ( وبالعقل والوهم لم تزل الصورة موجودة في الحدّ ) ، أي الحدّ ~~الكلَّي الكاشف عن الحقيقة ، لا يزال الوهم يتصوّر فيه أشخاصها وجزئيّاتها فصورة ~~الشخص التي غابت بالقتل عن الحسّ وحكمت المتخيّلة - عند استتباعها الواهمة - ~~بفسادها تبعا للحسّ ، لا زالت موجودة فإنّ مقوّمات حقيقته وذاتيّات حدّه غير قابلة ~~للفساد أصلا ، والعوارض المشخّصة لها إنما هي لوازم غير ممكنة الانفكاك عنها . # وما رميت إذ رميت # فعلم من تشبيب هذه المقدّمات أنّ نفس العبد حيّة في ذاتها ، على ما أشير إليه في ~~العبارة الختميّة ، ولها تأثير في ذاتها ، ولكن لا من حيث أنّها عبد وإن قتلت ~~وأسقطت عنها الإضافات من الأفعال والصفات ، ( والدليل على ذلك ) عقلا وذوقا ما أشير ~~إليه آنفا ونقلا قوله تعالى : ( “ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ الله رَمى ~~“ والعين ما أدركت ) عند مشاهدة ذلك الفعل وصدوره من الفاعل ( إلَّا الصورة ~~المحمديّة ، التي ثبت لها الرمي في الحسّ ) ، ولا شكّ أنّ الصورة الحسيّة من كل شيء ~~هي الفاسدة بذاتها ، لأنّها صورة كونيّة ظليّة ، وإن كانت في الحقيقة هي المشتملة ~~على الصورة الحيّة بذاتها ، وهي التي باعتبار التأثير منها ونسبة الفعل إليها حقّ - ~~كما سبق بيانه . # ولذلك قال : ( وهي التي نفى الله الرمي عنها أولا ) ، يعني باعتبار الصورة الأولى ~~، ( ثم أثبته لها وسطا ) ، يعني باعتبار الصورة الحقيقيّة التي هي البرزخ الجامع ~~بين العبديّة والحقيّة ، الواقعة في وسط الاعتدال ولذلك وقعت في العبارة القرآنيّة ~~وسطا بين نفي التأثير عن الصورة المحمديّة وبين استدراك إثباته لله تعالى فيها ، ~~كما قال : # الرامي هو الله في الصورة المحمّديّة # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ثمّ عاد بالاستدراك أنّ الله هو الرامي في صورة ~~محمديّة ) وفي خصوصيّة عبارته هاهنا بقوله : « ثم عاد » إشعار بدقيقة من جلائل ~~الحكم ، وهي أنّ المعاد الحقيقيّ والمراد الغائيّ إنما هو الظهور بصورة الأثر ، ~~والبروز بكسوة الغلبة بالفعل والقهر ، والكلام والخبر فهي إشارة إلى ختم الولاية ، ~~كما أنّ الأولين - يعني النفي والإثبات - إشارة إلى ختم النبوّة. # ( ولا بدّ من الإيمان بهذا ) ، يعني أنّ التأثير مطلقا بدءا وإعادة للحقّ ، ولكن ~~في صورة محمديّة ( فانظر إلى هذا المؤثّر ) كيف تنزل متدرّجا في إظهار كماله صورة ~~ومعنى ، من آدم في مدارج الأنبياء ( حتى أنزل الحقّ في صورة محمّديّة ) خاتميّة ~~مظهرة لأمر الكمال بالتعبير عن تمام الكلام ، وكاشفه له عن تمام المرام ، حيث أبان ~~( وأخبر الحقّ نفسه عباده بذلك ، فما قال أحد منّا ذلك ، بل هو قال عن نفسه - وخبره ~~صدق والإيمان به واجب ، سواء أدركت علم ما قال أو لم تدركه ) ، # فإنّ الفائزين بنيل الكمال الإنساني - كما مرّ غير مرّة - قد انحصر أمرهم في ~~طائفتين : وهما العالمون أصحاب القلوب ، أو المؤمنون أرباب إلقاء السمع : ( فإمّا ~~عالم ، وإمّا مسلم مؤمن ) . # الفرق بين حكم النظر والذوق في مسألة العلة والمعلول # ثمّ إنّه استشعر أن يقال هاهنا : إنّ أصحاب العقول - الذين يستحصلون المعارف ~~والحقائق بالنظر والفكر - لا يتمّ هذا الكلام عندهم ولا يستقيم هذا الحصر في ~~الطائفتين لديهم ، فأشار إلى دفع مقالهم بقوله : ( ومما يدلَّك على ضعف النظر ~~العقلي من حيث فكره ) - لا مطلقا ، فإنّه الذي يدركه العقل عند بلوغه رتبة ذوق ~~الرجال ، وما قصر عنه أفهام الواقفين في مواقف بدايات المدارك البشريّة - من أطفال ~~أهل الطلب وطفيليّ طريق نوال كمالهم - حكم العقل من حيث فكره فيما نحن بصدده ، # وهو ( كون العقل يحكم على العلَّة أنّها لا تكون معلولة لمن هي علَّة له هذا حكم ~~العقل ) من حيث نظره الفكريّ على ما هو الظاهر عند المسترشدين بطريق النظر ، ( لا ~~خفاء به ) عندهم بناء على الأصل المبرهن : "إنّ القابل لا يكون فاعلا " . # ( وما في علم التجلَّي إلَّا هذا ) الذي حقّق أمره لك ، ( وهو أنّ العلَّة ) التي ~~هي مبدأ التأثير ( تكون معلولة ) متأثّرة ( لمن هي علة له ) ، كفعل الحقّ في الصورة ~~المحمّديّة ، فإنّه علَّة لها مع أنّ الصورة المحمّديّة في التجلَّي علَّة للفعل ~~الحقّ ، وهو الرمي . # تقريب حكم العقل والذوق في مسألة العلة والمعلول # قال الشيخ رضي الله عنه : ( والذي حكم به العقل ) في هذه المسألة - من أنّ الفاعل ~~من حيث أنّه فاعل لا يمكن أن يكون قابلا بتلك الحيثية - ( صحيح ) ولكن ( مع التحرير ~~) يعني إذا حرّر ما هو محلّ النزاع حقّ التحرير فإنّه ما لم يحرّر ويبيّن المبحث ( ~~في النظر ) والبحث لا يتمّ تقريب الطرفين فيه ، ولا يتميّز الصحيح عن الفاسد منه ~~على ما بيّن في صناعته . # ( و ) العقل الفكريّ ( غايته في ذلك ) البحث ( أن يقول ) في توجيه ما رآه مخالفا ~~لمقتضى النظر والفكر ، وتطبيقه على قانون البحث وميزانه # ( إذا “ رأى الأمر على خلاف ما أعطاه الدليل النظري ) عند بلوغه رتبة الكمال ~~البشري والذوق القلبي : ( إنّ العين بعد أن ثبت أنّها واحدة في هذا الكثير ) من ~~التعيّنات الصورية ( فمن حيث هي علة في صورة من هذه الصور ) التي هي مجلى العين في ~~منصّات معرس الإظهار - كما تقرّر أمره آنفا - ( لمعلول ما ، فلا تكون معلولة ~~لمعلولها ) بتلك الصورة بعينه ( في حال كونها علَّة بل ينتقل الحكم ) بالعلَّية ~~والمعلوليّة وسائر المتقابلات والمتخالفات على تلك العين الواحدة ( بانتقالها في ) ~~تلك ( الصور ) التعيينيّة ، حتّى يجتمع الحكمان على الصورة الواحدة بحيثيّة واحدة ، ~~( فتكون معلولة لمعلولها ، فيصير معلولها علَّة لها ) . # ( هذا غايته ) أي غاية العقل عند بلوغه مرتبة الإحاطة القلبيّة ، والسعة ~~الإنسانيّة التي يلزمه أمر كمال الإدراك والإظهار ، وتمام مرتبة الشعور والإشعار # وإليه أشار بقوله : ( إذا كان قد رأى الأمر على ما هو عليه ، ولم يقف مع نظره ~~الفكري ) الذي للعقل في مواقف نقصه عند عدم بلوغه رتبة الكمال المقدّر له ، فإنّ ~~النظر الفكري يحيل أن يكون لواحد أحكام متنافية ، فإنّ تنافي اللوازم من أبين ما ~~يستدلّ به على تباين الملزومات وتكثّر أعيان ماهيّاته . # هذا ما لم يبلغ أشدّه ولم تحصل له رتبة الإحاطة القلبيّة وسعتها الإطلاقيّة التي ~~تمحو آثار التفرقة ، وتزيل ضيق التباين والتكثّر . # ثمّ إنّ التفرقة لها مراتب متفاوتة الأحكام في الجلاء والخفاء ، أبينها ظهورا ~~لحكم التفرقة وضيق أمرها هو التقابل ، فأقسام المتقابلات هي أشدّ المضايق المتمانعة ~~الأحكام ، وأجلاها في ذلك هو الفاعل والمنفعل ، ضرورة ظهور أمر تمانع أحكامهما ~~وتنافي لوازمهما على صحائف الأكوان الخارجيّة ومجالي الألوان الحسّية ، وهذا هو ~~المعبّر عنه بالعليّة والمعلوليّة ، # ولذلك قال رضي الله عنه : ( وإذا كان الأمر في العليّة ) التي هي أجلى المضايق ~~المتباينة وأقواها حكما للتمانع ( بهذه المثابة ) - حيث حكم العقل بما وصل إليه من ~~الوحدة الذاتيّة وحياطة القلبيّة وسعتها : أنّ العين الواحدة يصلح لأن تكون موردة ~~لحكمي العلَّية والمعلوليّة ، والفاعليّة والقابليّة - ( فما ظنّك باتّساع النظر ~~العقلي في غير هذا المضيق ) ، الذي ليس بهذه الشدّة من الضيق . # وذلك عند طلوع تلك الوحدة على العقل بأنوارها الإطلاقيّة وتجليّاتها الإحاطيّة ~~الماحية لظلام أحكام التعيّنات الفارقة ، وهي مرتبة كمال العقل وبلوغه ، فما دونها ~~من العقول في مواقف النقص ومقام القصور . # قال رضي الله عنه : ( فلا أعقل من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ) لبلوغ عقولهم ~~مرتبة كماله ( وقد جاؤوا بما جاؤوا به في الخبر ) المنزل ( عن الجناب الإلهيّ ) ، ~~الكاشف عن الحكم الحقّة ، ( فأثبتوا ما أثبته العقل ) من الحكم الطبيعيّة والعمليّة ~~أكثرها ، ومن الإلهيّة ، الأحكام التنزيهيّة منها فقط ( وزادوا ما لا يستقلّ العقل ~~بإدراكه ) مجرّدا عن الوهم من الأحكام التشبيهيّة وحكمها اللازمة له ( وما يحيله ~~العقل رأسا ) ، سواء كان مستقلا بنفسه أو مع غيره ، كاتّصاف العين الواحدة بالأحكام ~~المتنافية من حضرة تعانق الأطراف ومجمع الأضداد ، ( ويقرّ به في التجلَّي ) لظهوره ~~بما لا يمكن أن يتطرّق إليه شبهة من بين يديه ولا من خلفه . # حكم عبد الربّ وعبد النظر # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإذا خلا بعد التجلَّي بنفسه ، حار فيما رآه ) مما ~~يخالف نظره الفكري وعقله النظري ، ( فإن كان عبد ربّ ) بتصحيح نسبة العبوديّة إليه ~~عند استفاضة ما يغتذي به ظاهرا وباطنا ، عبادة وعبودة ، ( رد العقل إليه ) ، بما ~~زاد في دائرة إدراكه من السعة القلبية التي عرفت أمرها آنفا ، ( وإن كان عبد نظر ) ~~بتصحيح نسبته إليه عند استفاضة ما يقويه ويغتذي به ( ردّ ) عقله ( الحقّ إلى حكمه ) ~~، أي حكم النظر الفكري ، الغالب على مشاعره ومداركه أمر التفرقة التعيّنيّة ، ذاهلا ~~عن الوحدة العينيّة ، بعيدا عنه . # العارف مجهول في الدني # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وهذا ) الردّ والتحيّر ( لا يكون إلا ما دام في هذه ~~النشأة الدنياويّة ) محاطا لأحكامه ، ( محجوبا عن نشأته الاخرويّة في الدنيا ) ~~لغلبة الأحكام الدنيوية على مداركهم من الصور الحسّية والمثاليّة ، وانقهار أحكام ~~الاخرويّات فيهم من المعارف المعنويّة والحقائق الإطلاقيّة ، وهذا إنما هو ~~للمحجوبين في الدنيا ، المحاطين لحكمها ، دون العارفين الذين لا ينحجبون عن أحد ~~المتقابلين بالآخر ، # ولا يحاطون لحكم أصل ( فإنّ العارفين يظهرون هنا كأنّهم في الصور الدنياويّة ، ~~لما يجري عليهم من أحكامها ) التعينيّة الفارقة ، ( والله تعالى قد حوّلهم في ~~بواطنهم في النشأة الاخرويّة ) ، تحويل تقلَّبات قلبيّة إطلاقيّة ، # ( لا بدّ ) للعارف ( من ذلك ) ، حتى يكون عارف ( فهم بالصورة مجهولون ) لاشتراكهم ~~مع العامّة فيها قولا وفعلا ، ولا يظهرون من آثار العرفان شيئا ، كما قال ابن ~~الفارض : # سقتني حميا الحب راحة مقلتي %~% وكأسي محيا من عن الحسن جلت # فأوهمت صحبي أن شرب شرابهم %~% به سر سري في انتشائي بنظرة # وبالحدق استغنيت عن قدحي، ومن %~% شمائلها، لا من شمولي، نشوتي # ففي حان سكري حان شكري لفتية %~% بهم تم لي كتم الهوى مع شهرتي # فهم في قباب العزة والخفاء في الدنيا على أهله ( إلا لمن كشف الله عن بصيرته ) ~~المدركة للحقائق ، النافذة في البواطن ، غير الواقفة في مواقف الحسّ والخيال على ما ~~هو موطن إدراك العامّة من أهل الرسوم وأرباب العادات ( فأدرك ) الصور ببواطنها ، ~~وميّزها حقّ التمييز . # العارف شاهد بعين الآخرة في دنياه # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فما من عارف باللَّه من حيث التجلَّي الإلهيّ ) - لا ~~من حيث النظر العقلي والعقائد التقليديّة ( إلا وهو على النشأة الآخرة قد حشر في ~~دنياه ) أي أظهر عليه مواطنها الحسابيّة ومواقفها الميزانيّة الخطابيّة ، وأخرج له ~~صورة الجمعيّة الكليّة الكتابيّة ، بما انطوت عليه من خيره وشره ، وتميّز بينهما في ~~ميزان العدل ، فإنّ الحشر إخراج الجماعة عن مقرّهم ( ونشر من قبره ) ، أي بسط صورة ~~تلك الجمعيّة من مقرّ خفائه ومكامن صنوف حجبه الجسمانيّة # والطبيعيّة والعاديّة ، على صحائف الإظهار ومجالي الشعور والإشعار ، برقوم ~~الانبساط والانتشار . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فهو يرى ما لا يرون ) حسّ ( ويشهد ما لا يشهدون ) ~~ذوقا وعقلا ، ( عناية من الله ببعض عباده في ذلك ) الكمال الخاصّ ، موطن تعانق ~~الأطراف ، الظاهر به النهايات والغايات ومن ثمّة يرى ظهور كل من المتقابلين في ~~مقابله كالآخرة في الدنيا ، والخفاء في الصورة الظاهرة ، والعروج في صورة النزول ~~كما يشير إليه بقوله : # سلوك من أراد الحكمة الإلياسيّة # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فمن أراد العثور على هذه الحكمة الإلياسية الإدريسية ~~) التي إنما يتحقّق بهما كلّ من استحكمت فيه رقائق الجمعيّة المزاجيّة فيه ، ~~واستعدّ بذلك للعروج في مدارج تنزّلات المزاج من الاستيداعيّة منه والاستقراريّة ~~والترقّي إلى المعراج الذاتي والوحدة الحقيقيّة ، ولذلك يتمكَّن من الجمع بين ~~المنزلتين والفوز بخصائص الزمانين في سلسلتين. # وصاحب هذه الحكمة هو ( التي أنشأه الله نشأتين ) بقوّة الرقيقة الاتحاديّة التي ~~له بين الباطن منه والظاهر . # وفي ظاهر عبارته ما يدلّ على هذا ، حيث أنّث الموصول للحكمة ، وذكَّر الضمير ~~لصاحبها لكمال الاتّحاد بينهما ، فإنّ صاحب هذه الحكمة أنشئ أوّلا في السلسلة ~~الآدميّة التي بها يؤسّس مادّة الأوضاع التشريعيّة الدينيّة ، التي إنّما تمّت ~~قواعد بنيانها بنوح ، كما يكشف عن ذلك تلويحه مع بيّناته # وإليه أشار بقوله : ( وكان نبيّا قبل نوح ) لتحقّقه بالدراية الحكميّة العلميّة ، ~~كما يكشف عنه اسمه التي سمّي به فيها - يعني إدريس - وقيل : هو المسمّى بهرمس ~~الهرامسة ، واضع قوانين الحكمة وممهّد ترتيبها وتدوينها ، ( ثمّ رفع ) بميامن تلك ~~العلوم وكمال رقيقته الاتحاديّة التي بها ، ( ونزل ) بقوّة تلك الرقيقة الاتحاديّة ~~الامتزاجيّة ( رسولا بعد ذلك ) في السلسلة التي ختم فيها أمر الرسالة ، ولذلك سمّي ~~فيها ب « إلياس » أي معرّف قلب القرآن ومظهره ( فجمع الله له ) في رفعه ونزوله أولا ~~وآخر ( بين المنزلتين ) نبوّة ورسالة . # النزول إلى الحيوانيّة # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فلينزل ) ذلك المريد الذي أراد العروج على هذا ~~المعراج الذاتي والوحدة الإطلاقيّة ، منحدرا يرتقي ( عن حكم عقله إلى شهوته ويكون ~~حيوانا مطلقا ) ، فإنّ العقل وإن كان موطن العلم والحكم بما هو مقتضى التنزّه ~~والتقدّس ، ولكن لوقوعه في مقابلة الإطلاق الحقيقيّ والعين الواحدة بالوحدة ~~الذاتيّة قد قوي فيه قهرمان التقيّد والتعيّن ، وظهر سلطان التفرقة العالميّة ~~والامتياز الخلقيّ العبديّ ولذلك تراه وقد قيل في قطر من أقطار عالمه : “ أَنَا ~~خَيْرٌ “ ، وفي آخر منها : “ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ “ . # ومن ثمّة إذا تنزّل عن حكمه المفرّق إلى الحيوان المطلق الذي هو أصل بنيته ومادّة ~~جمعيّته يظهر له من أمر الجمع الإطلاقيّ ما يتبيّن لديه كليّات الأمور وجزئيّاتها ~~على ما هي عليه ، ( حتّى يكشف ما يكشفه كلّ دابّة ) ممّا هو في غيب العقل ومداركه ~~الفارقة ، من الأمور الظاهرة لدى الحيوانات المطلقة ، المخفّفة عن أعباء أحمال ~~العقل وتكاليفه - يعني ( ما عدا الثقلين - فحينئذ يعلم أنّه قد تحقّق بحيوانيّته ) ~~. # علامة النزول إلى الحيوانيّة # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وعلامته علامتان : الواحدة هذا الكشف ) الكاشف عن ~~موطن الجمع ، والعين الواحدة الإطلاقيّة ، فلا ينحجب صاحبه بأحد العالمين عن الآخر، ~~( فيرى من يعذّب في قبره ومن ينعّم ) ، ولا بأحد المتقابلين عمّا يقابله ( فيرى ~~الميت حيّا ، والصامت متكلَّما ، والقاعد ماشيا. # ( والعلامة الثانية الخرس ) الذي هو مقتضى الحيوان بإطلاقه ، ( بحيث أنه لو أراد ~~أن ينطق بما رآه لم يقدر فحينئذ يتحقق بحيوانيّته ) . # (وكان لنا تلميذ قد حصل له هذا الكشف ، غير أنّه لم يحفظ عليه الخرس فلم يتحقّق ~~بحيوانيّته ولما أقامني الله في هذا المقام تحقّقت بحيوانيّتي - تحقّقا كليّا - ~~فكنت أرى وأريد النطق بما أشاهده ، فلا أستطيع فكنت لا افرّق بيني وبين الخرس الذين ~~لا يتكلمون ) . # العقل البالغ # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإذا تحقّق بما ذكرناه ) من الإطلاق الحقيقيّ الجامع ~~بين الوحدة العينيّة والكثرة التعينيّة عند تحقّقه بالحيوانيّة الكليّة تحقّقا ~~كليّا ، خالصا عن تقيّدات الموادّ وتشخّصات الأفراد . # فلذلك ( انتقل إلى أن يكون عقلا مجرّدا ) عن مشخّصاته الفارقة ( في غير مادة ~~طبيعية ) ، فإنّها هي مبدأ التفرقة والتكثّر ، وهذا العقل هو البالغ رتبة استوائه ~~القلبي - كما أشير إليه غير مرّة - والعالم حقائق الأمور بما هي عليه بأصولها ~~وفروعها وخصائصها وأعراضه ( فيشهد أمورا ) في ذلك الموطن العلمي الإطلاقي # ( هي أصول لما يظهر في الصور الطبيعيّة فيعلم من أين ظهر هذا الحكم في صورة ~~الطبيعة ) يعني ظهور شخص واحد في صورتين ، كظهور إدريس في صورة إلياس ، مع بقاء ~~الأول بحاله ، بدون نسخ ولا فسخ على ما هو مدرك العامّة في ذلك . # فإنّك قد عرفت حيث حقّق الارتباط بين الكلَّين أنّ طريان الكثرة للواحد لا يزيله ~~عن أمر الوحدة وما يعوقه عنها ، بل يقوّيه ويكمله . # ومن جملة ما ظهر من هذه الأصول أمر العقل ومدركه في الصور الطبيعيّة ، حيث قصر ~~نظر العقل فيها على طرق التنزيه ، ولا يتمكَّن من إدراك طرف التشبيه أصلا ، ما دام ~~في صورته الطبيعيّة ، والوهم على عكس ذلك - ( علما ذوقيّا ) فإنّ العقل حينئذ في ~~مقرّ إطلاقه الجمعي ، لا مجال لتفرقة الدليل والمدلول هناك أصل . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فإن كوشف ) مع العلم بهذه الكثرة وخصائص الكثير ( على ~~أنّ الطبيعة ) التي هي مبدأ تلك الكثرة ( عين نفس الرحمن ) - وهي العين الواحدة في ~~الصور الكثيرة - ( فقد أوتي خيرا كثيرا ) ، ضرورة أنّ نفس الرحمن هو الوجود الذي هو ~~الخير ، فإذا شوهد ذلك في الكثير فقد أوتي خيرا كثير . # وظهر من كلامه هذا أنّ الحكمة - التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثير - إنما هو ~~التحقّق بالوحدة الحقّيّة مع الكثرة الكونيّة ، مرتبطا أحدهما بالآخر ، على ما لا ~~يخفى للمتأمّل في حروفها الكاشفة عنه ( وإن اقتصر معه على ما ذكرنا ) من التحقّق ~~بأصول تلك الصور ، ومبادئ تلك الخصائص ، دون الوجه الجمعيّ الإحاطيّ النفسي ~~الرحمانيّ ، ( فهذا القدر يكفيه من المعرفة الحاكمة على عقله ) بالقصور ما دام في ~~صورته الطبيعيّة . # لا يعرف حقّ الأمر غير العارفين # وفي هذا القيد استشعار أنّ طائفة أهل النظر من الفلاسفة والمتكلمين الذين قد حكم ~~عليهم عقولهم ، ليسوا من المعرفة في شيء وهذه الطائفة لمّا علمت قصور مدارك العقل ~~وعجزه عرفت أمر العقل بما هو عليه ( فيلحق بالعارفين ، ويعرف عند ذلك ) التحقّق ~~بمبادئ الأفعال ، وارتباط كل أصل بفروعه المنشعبة عنه ( ذوقا ) يعني قوله تعالى : - ~~("فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ الله قَتَلَهُمْ“). # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وما قتلهم ) لدى المدارك الحسّية ( إلا الحديد ~~والضارب الذي خلف هذه الصور ) منحجبا بها عن تلك المدارك ، منكشفا لدى العقل الصافي ~~مشرب شعوره عن شوائب العادات والتقليدات الواهية ، ورسومها الخالية ( فبالمجموع وقع ~~) هذا ( القتل والرمي ) . # وإنما خصّ هذان الفعلان في تحقيق الأمر من عالم الأفعال لكمال ظهورهما وتوجّه ~~المدارك نحوهما بجوامع قصدها ، ولأنّهما أيضا من الكليّات التي تترتّب عليها أمور ~~وأحكام جزئيّة فإذا نظر العارف فيهما عند صدورهما من المجموع ، وتميّز بين الأصول ~~والفروع ( فيشاهد الأمور بأصولها وصورها ، فيكون تامّا ). # قال الشيخ رضي الله عنه : (فإن شهد النفس ) الرحمانيّ - الذي هو أصل الأصول - ( ~~كان مع التمام كاملا ) فإنّك قد عرفت فيما سلف أنّ الكمال باحتياز غايات الأمور ~~وحدودها ، وهو الحقّ في صورة النفس الرحماني الذي تتّحد به الكلمات الوجوديّة ~~كلَّها ، اتّحاد الكلمات اللفظيّة بالنفس الإنسانيّ ( فلا يرى إلَّا الله عين ما ~~يرى ، فيرى الرائي عين المرئي ) ، # وهذا هو احتياز الغايات فإنّ الرؤية التي هي غاية الحركة الوجوديّة قد اتّحدت بها ~~غاية الظهور ، يعني المرئي - وغاية الإظهار - يعني الرائي - فانحازت برؤية الغايات ~~. # ( وهذا القدر يكفي ) للبيب المتفطَّن في تحقيق أمر الكمال ، ( والله الموفّق ~~والهادي ) له إلى إدراكه وتحقّقه . ### || تم الفص الإلياسي # . # %~% ### | فص حكمة إحسانية في كلمة لقمانية ### | 23 - فصّ حكمة إحسانيّة في كلمة لقمانيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن ~~الدين علي ابن محمد التركة # شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم الشيخ ~~الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # ( الإحسان ) لغة يقال على وجهين : أحدهما الإنعام على الغير ، والثاني إحسان في ~~فعله ، وذلك إذا علم علما حسنا أو عمل عملا حسنا وعلى هذا قول أمير المؤمنين : « ~~الناس أبناء ما يحسنون » أي منسوبون إلى ما يعلمونه ويعملونه من الأفعال المعجبة ~~لهم ، وقوله تعالى : “ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَه ُ “ [ 32 / 17 ]. # وتحقيق : على إظهار الحسن ، يعني ما فيه النسبة الكماليّة التي هي مبدأ الحياة ~~والحمد ، فإنّ الإحسان له تلويح بيّن على السين والحاء باسميهما ، # والأوّل كاشف عن تمام النسبة ، # والثاني على كمال إظهارها كما مرّ تحقيقه فهو أوثق نسبة بين الحقّ والعبد وأظهرها ~~، # كم قال تعالى :" وَمن يُسْلِمْ وَجْهَه ُ إِلَى الله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ~~اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى " [ 31 / 22 ] . # وقال صلَّى الله عليه وسلَّم : « الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه ، فإن لم تكن ~~تراه فإنّه يراك ». # رواه البخاري ومسلم وأين ماجه وغيرهم. # فإنّه قد اعتبر في مفهومه النسبة بأبلغ وجه ، كما هو مؤدّى عبارته الختميّة ، حيث ~~صرّح بالتشبيه الذي هو النسبة الكماليّة بين أمرين ، الجامعة لوجوه المناسبات ~~بالرؤية التي هي أبين نسبة بين الحقّ والعبد ، ثمّ كرّر المنتسبين ثلاث مرّات إبانة ~~لأمر تلك النسبة في صورة تمام الإظهار . # تسمية الفصّ # ثمّ إنّه لغلبة سلطان هذه النسبة على الكلمة اللقمانيّة تراه - عند إبلاغه نبأه ~~الكمالي وإظهاره حكمه الحسنة - مخاطبا لابنه خطاب شفقة وعطوفة ، وبيّن أن الخطاب هو ~~أقرب النسب بين الرسول والمرسل إليه ، كما أنّ الابن الذي هو المخاطب فيه مختصّ ~~بأوثق النسب ، مؤدّى في صيغة تصغير الإشفاق ، الدالّ على كمال تلك النسبة ، # وبيّن أنّ النسبة كماله الأتمّ في الوثاقة وقوّة الربط أن يؤول أمرها إلى ~~الاتّحاد بين منتسبيها بغلبة وجوه الجمع على ما به الامتياز كالاغتذاء مثل ، فإنّه ~~إنما يتحقّق عند جعل الغذاء جزء للمغتذي متّحدا به في صورته الشخصيّة التي بها أصبح ~~واحدا كلَّ . # ومن ثمّة صدّر هذا الفصّ اللقمانيّ بتحقيق تلك النسبة الغذائيّة بين الحقّ والخلق ~~لم بينهما من النسبة الظاهرة لفظا ، ولما عرفت من قرب تأدّيها للكشف عن الوجوه ~~الجماليّة التي هو بصدده هن . # وأيض في الصورة النظميّة من النسبة الوثيقة الجمعيّة ما ليس في النثر ، فهو ~~اللائق بتحقيق أمرها ، كما هو مؤدّى الكلمة اللقمانيّة فقال : # ( إذا شاء الإله يريد رزقا %~% له ، فالكون أجمعه غذاء ) # مفصح عن مبدأ تلك النسبة من حضرة الأسماء ، يعني المشيئة والإرادة اللتين بهما ~~يتحقّق الشيء والمراد ، وما يدور به أمر ظهوره من الأحكام والخصائص فالمشيئة لها ~~تقدّم - كما سبق في المقدّمة . # ثمّ إنّك قد عرفت أنّ نسبة القرب بين الخلق والحقّ تارة في صورة الفرض القطعي ، ~~وهو أن يتوجّه المشيئة والإرادة نحو الكون الدائر في دائرة إحاطته وجمعيّته ، إلى ~~أن يغتذي به الحقّ ، فهذا إشارة إليه وأخرى في صورة النفل الزائد ، وهو أن يتوجّها ~~نحو رزاقيّة الحقّ إيّاه ، ليغتذي به الخلق ، # وإليه أشار بقوله :( وإن شاء الإله يريد رزق %~% لنا، فهو الغذاء كما يشاء ) # أيّ يكون المشيئة متوجّهة إليه ، فهو الشيء . # ثمّ بعد تحقيق أمر النسبة بين الحقّ والخلق يريد إبانة ما بين مبدأيهما من النسبة ~~- يعني المشيئة والإرادة - بوجهي جمّيتهما وافتراقهما ، فإلى الأولى منهما أشار ~~بقوله : # مشيئة الحقّ إرادته # ( مشيئته إرادته ) ، أي هما متّحدان عند نسبتهما إلى الهويّة الذاتيّة ، ولكن ~~للمشيئة تقدّم على الإرادة تقدّم إحاطة وشمول ، كما نبّهت عليه في المقدّمة عند ~~الكلام في ترتيب الأسماء وإنّ المشيئة هي توجّه الذات نحو حقيقة الشيء وعينه ، اسما ~~كان أو وصفا أو عينا ، والإرادة تعلَّقها بتخصيص أحد الجائزين من الممكن ، فتكون ~~الإرادة مما يتعلَّق به المشيئة ، # وإليه أشار بقوله : ( فقولوا . بها ) أي بالإرادة ، فإنّ التغاير بينهما اعتباريّ ~~إنما يظهر حكمه في القول والعقل فقط ، دون العين ( قد شاءها ، فهي المشاء ) بفتح ~~الميم ، اسم مفعول من المشيئة على غير القياس هذا جهة جمعيّتهما ، وأما جهة الفرق ، # فقد أشار إليه بقوله :( يريد زيادة ويريد نقص %~% وليس مشاءه إلَّا المشاء ) # أي متعلق الإرادة قابل للزيادة والنقص ، حيث أنّها تعلَّق الذات بتخصيص أحد ~~الجائزين من طرفي الممكن ، دون المشيئة ، فإنّ متعلَّقها ذات الشيء ، وهي بحالها ف ~~« المشاء » هاهنا مصدر ميمي ، ولو جعل الأول مصدرا و الثاني اسم مفعول ، له معنى . # ( فهذا الفرق بينهما ، فحقّق %~% ومن وجه ، فعينهما سواء ) # لأنّه لا تمايز بينهما في العين كما عرفت . # اختصاص لقمان بالإحسان # ثمّ إنّه يريد أن يبيّن وجه اختصاص الكلمة المذكورة بالحكمة الإحسانيّة التي هي ~~إظهار ما هو حسن - أي ذو نسب كماليّة - بقوله : ( قال الله تعالى : "وَلَقَدْ ~~آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ " [لقمان :12 ] . " وَمن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ ~~أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً " [البقرة : 269] ) # وفي هذين اللفظين من الإشعار بالنسبة الكماليّة المذكورة ما لا يخفى ، فلذلك صرّح ~~بالمقصود في قوله : ( فلقمان بالنصّ هو ذو الخير الكثير ، بشهادة الله تعالى له ~~بذلك ) # إبانة لما هو بصدده من إثبات النسبة الكماليّة المذكورة للقمان وقد أدرج في طيّ ~~عبارته هذه مفهومات ذات نسب شهادة بذلك . # ثمّ إنّ الإظهار المذكور قد يكون بصورة النطق والإفصاح ، وقد يكون بصورة الإشارة ~~والسكوت على ما هو مقتضى كل حكمة، بما لها من الموطن والزمان كما قيل "ابن الفارض": # ولولا حجاب الكون قلت وإنما %~% قيامي بأحكام المظاهر مسكتي # وقيل : " وما كل ما أملت عيون الضبي يروى " # الآتي بكل شيء هو الله تعالى # فأخذ في تبيين القسمين بقوله : # قال الشيخ رضي الله عنه : (والحكمة قد تكون متلفّظا بها ، ومسكوت عنها مثل قول ~~لقمان لابنه) # فيم هو بصدده من أمر التغذية ، وجعل الغذاء فيها متّحدا بالمغتذي وأنّ الآتي به ~~من مستجنّ البطون إلى مجالي الشهادة هو الله تعالى مظهرا إيّاه ، منطوقا به : # (" يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ ") أي مقدارا ~~يقدّر به الكميّة العدديّة من موزونات الأشياء ، فهو أصغر المقادير من الصورة ~~المشخّصة الحبيّة من جنس الخردل الذي هو أصغر الحبوب المقتاتة وأبعدها نسبة إلى ~~الاتّصال الغذائي لغلبة المزاج الدوائي عليه ، المانع عنه من التقطيع الذي يستتبع ~~تنفيذ الكيموسات اللزجة . # ويقال من اللغة : « خردلت اللحم » أي قطعته قطعا فإذا كان هذا المقدار من حبّة من ~~هذا الجنس البعيد عن الاتّصال الغذائي والامتزاج الوحداني ، ويكون في أبعد المواضع ~~للتناول ( "فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ ") هي أصلب المركَّبات وأشدّه منعا لاستخراج ما ~~فيها يعني المادّيات المزاجيّة المانعة لخروج ما فيه ، ("أَوْ في السَّماواتِ") من ~~البسائط العلى ، يعني المجرّدات المنزّهة عن الموادّ التي هي أبعد منها ، ("أَوْ في ~~الأَرْضِ ") وهي أرض القابليّة الأصلية التي تنزل منها المتحرّك نحو الظهور إلى ~~السماء - وكأنّك قد نبّهت عليها فله زيادة البعد، ("يَأْتِ بِهَا الله ") [ 31 / 16 ~~] # للامتزاج الجمعي والاتّصال الوحدانيّ الغذائيّ فكيف بما دونه والآتي المحرّك له ~~هو الله . # قال الشيخ رضي الله عنه : (فهذه حكمة منطوق بها ، وهي أن جعل الله هو الآتي بها ) ~~بناء على الأصل الممهّد أنّ المؤثريّة وما يتفرّع عليها مرجعها إلى الحقّ عند تفصيل ~~الأحكام وتمييز الطرفين من الحقّ والعبد ، فذلك هو الذي يصلح لأن يثبت على صحائف ~~الإعلان ، ويقرّر في منابر البيان ، ولذلك نطق به : ( وقرّر الله ذلك في كتابه ، ~~ولم يردّ هذا القول على قائله ) لا عقلا ولا شرعا. # الحكمة التي أشار لقمان رمز # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وأما الحكمة المسكوت عنها ، وعلمت بقرينة الحال ) ~~التي إنما يفهمها من يصلح لأن يكشف له عن وجوه جمال الإجمال : ( فكونه سكت عن ~~المؤتى إليه بتلك الحبّة ، فما ذكره ) في ظاهر منطوقه ، ( ولا قال لابنه ) عند ~~تعليمه إيّاه رعاية لأدب الإرشاد والتسليك في علوم الحقائق ، وتنبيها لمن هو بصدده ~~من الأولياء المحمديّين ، الذين يرثون علوم الأنبياء أجمع ، حيث صرّح بنسبة التأثير ~~إلى الحقّ ، وسكت عن التأثّر ونسبته إلى أحد - يعني المغتذي . # فإنّه صرح بالغذاء الفرضي العلمي ومواضعه ، وأنّ الحقّ هو الآتي به ، دون المأتي ~~إليه فإنّه ما قال : ( " يأت بها الله إليك " ولا " إلى غيرك " فأرسل الإتيان ) من ~~حيث متعلَّقه المتأثّر منه ( عامّا ) غير معيّن ، ( وجعل المؤتى به ) متوسّطا بين ~~الآتي المصرّح به معيّنا ، وبين المأتيّ إليه ، المسكوت عنه مطلقا ، حيث عيّن مكانه # بأن قال : ( "في السَّماواتِ " إن كان "أَوْ في الأَرْضِ"، تنبيها ) إلى أنّ ~~تعيين الآتي ليس تعيين تفرقة يكون في جهة العلو فقط ، بل تعيين جمعي إحاطيّ ، ~~(لينظر الناظر في قوله: "وَهُوَ الله في السَّماواتِ وَ في الأَرْضِ") [ 6 / 3 ] ~~فتجده مطابقا لذلك. # الحقّ تعالى عين كلّ معلوم # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فنبّه لقمان بما تكلَّم به ) في تعميم الغذاء الفرضيّ ~~ومقداره العدديّ ومكانه الجمعيّ الإحاطيّ ، وأن الآتي به هو الله ( وبما سكت عنه ) ~~في عدم تعيين المأتيّ إليه ( أنّ الحقّ عين كلّ معلوم ) ، فإنّ المعلوم هو الذي ~~يشمل المراتب المذكورة كلَّها ، من المأتيّ به الفرضي ، بعموم أحواله ، والآتي به ~~بذلك العموم والمأتيّ إليه من غير تعيين ، دون الشيء الذي يساوي الوجود الخارجي ~~الإمكاني على رأي أو يعمّه والثابت منه على آخر أو يرادف الوجود العارض المعلول ~~فإنّه على كل تقدير يختصّ بالإمكانيات ويخرج عنه الامتناعيّات الفرضيّة والواجب . # وأم « المعلوم » فيشمل الكلّ (لأنّ المعلوم أعمّ من الشيء ، فهو أنكر النكرات) ~~إطلاقا ، وأشمل المفهومات حيطة وكفى بذلك شهادة على كمال إطلاقه وحيطته ما فيه من ~~التعانق - بين المعرفة والنكرة ، فإنّ المعلوم مع أنّه أبين الأشياء أنكر النكرات . # التنزيه مع التشبيه # ثمّ إنّ إثبات هذه المفهومات الإطلاقيّة الواحدة بالوحدة ، النافية للنسب ~~والتعيّنات وصور الإضافات والخصوصيّات جملة للحق ، إنما يدلّ على طرف التنزيه منه ~~فقط ، دون التشبيه المتمّم له . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ثمّ تمّم الحكمة ) بإيراد ما يدلّ على التشبيه منه ( ~~واستوفاه ) بكمالها الجمعي من طرفي الظهور والإظهار والشعور الإشعار بقوله : "إِنَّ ~~الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ" (لتكون النشأة) اللقمانيّة عند التعبير عن حكمتها (كاملة ~~فيها فقال : "إِنَّ الله لَطِيفٌ ") لكمال سرايته في المراتب ، صوريّة كانت أو ~~معنويّة . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( فمن لطافته ) في الصورة ولطفه المعنوي ( أنّه في ~~الشيء المسمّى كذا ) صورة ( المحدود بكذا ) معنى ( عين ذلك الشيء ، حتى يقال فيه ) ~~أي في ذلك المسمى المحدود ( إلا ما يدلّ عليه اسمه ) إجمالا وتفصيلا إذ المسمّى ~~الصوري إنما يقال فيه ما يدلّ عليه ( بالتواطؤ ) إجمالا ، والمحدود المعنوي إنما ~~يقال فيه ما يدلّ عليه بالتفصيل ، ( والاصطلاح ) ، فإنّ الأسامي والحدود إنما ~~تتخالف بالتواطؤ والاصطلاح ، كما فيما نحن بصدده من الغذاء والمغتذي ، ومكامن ~~الغذاء وأماكنه # ( فيقال : هذا سماء وأرض وصخرة و ) يقال : ( شجرة ) وهي ما في الصخرة ( و ) يقال ~~: ( حيوان وملك ) في المغتذي ( و ) يقال : ( رزق وطعام ) في الغذاء . # الاتحاد بالعين والاختلاف بالعوارض # قال الشيخ رضي الله عنه : ( والعين واحدة من كل شيء ) هذا في المسمى بالتواطؤ ~~إجمالا ، وهو الذي يختلف فيه الناس بحسب تباين الأقاليم وألسنتهم ، وذلك لظهوره بما ~~يفرض لوجه التخالف وأما في المحدود بالاصطلاح تفصيلا ، المختلف فيه الناس بحسب ~~تباعد الأزمنة ومقتضياتها ، # فهو المشار إليه بقوله : ( وفيه كما يقول الأشاعرة : إنّ العالم كلَّه متماثل ~~بالجوهر ، فهو جوهر واحد ) بالنوع على زعمها ، ( فهو عين قولنا : « العين واحدة » ) ~~إنما يختلف بمجرّد الاصطلاح . # قال الشيخ رضي الله عنه : (ثمّ قالت: « ويختلف بالأعراض ». وهو قولنا : وتختلف ~~وتتكثر بالصور والنسب حتّى تتميّز) بحسبها ، فتكون موردا للأحكام المتقابلة الموهمة ~~للتفرقة في العين والجوهر ( فيقال : هذا ليس هذا من حيث صورته ) في عرف التحقيق ( ~~أو عرضه ) في عرف التكلَّم ( أو مزاجه ) في عرف الحكمة ( كيف شئت فقل ) فإنّ ~~المؤدّى في الكل واحد . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وهذا ) الواحد المشخّص بتلك الصور والأعراض ( عين هذا ~~) الآخر المشخّص بها ( من حيث جوهره ، ولهذا يؤخذ عين الجوهر في حد كل صورة ) كم ~~يقال في تعريفها : « إنّها المتقوّم بالمحلّ » وهو الجوهر . هذا في عرف التحقيق وفي ~~عرف الحكمة يقال لها : المزاج . وإليه أشار بقوله : ( ومزاج ) . # كم يقال : هو الكيفيّة الوحدانيّة الحاصلة من تفاعل الكيفيّات . # والكيفيّة هي عرض غير قابل للقسمة والنسبة ، والعرض هو الموجود في موضوع ، وهو ~~الجوهر وم تعرض للعرض الذي هو عرف المتكلَّم ، اكتفاء بالمزاج، فإنّه عرض كما عرفت. # ثمّ إذا تقرّر أنّ الجوهر عين هذه الصور ، المعبّر عنها بوجوه من العبارات ~~المتخالفة حسب اختلاف الاصطلاحات والاعتبارات ، # قال الشيخ رضي الله عنه : (فنقول نحن :"إنّه ليس سوى الحقّ"، ويظنّ المتكلَّم أنّ ~~مسمّى الجوهر وإن كان حقّا) ثابت عنده ، مطابقا لما هو الواقع في نفسه (ما هو عين ~~الحقّ الذي يطلقه أهل الكشف والتجلَّي) على مشهودهم ، فإنّهم يطلقونه عن الجوهريّة ~~أيض ( وهذ حكمة كونه لطيفا ) حيث أنّه سرى في المعلوم من كلّ صورة ومعنى بما يتنوّع ~~به ويتشخّص منه ، حتى يعطيه اسمه وحده وهو الذي من آيات أنّه هو هو ، كما بيّن أمره ~~في صناعة الميزان . # هذ ما له من التشبيه والسريان بحسب العين الوجودي . ### || التشبيه في الصفة # وأم العلميّ الشهوديّ منه ، فإليه أشار بقوله : (ثمّ نعت فقال : خبيرا، أي عالما ~~عن اختبار) فإنّ من العلوم الذي يتّصف بها الحقّ هو العلم بالجزئيّات بعد الاختبار ~~، وعقيب الإظهار المترتّب على الاستتار ، المنساق أمر تمامه إلى الإخبار على ما دلّ ~~عليه النصّ القرآني (وهو قوله : “ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ “) [ 47 / ~~31 ] ، فإنّ الخبر لغة هو معرفة الأشياء بطريق الخبر والبيان . # وقيل : هو المعرفة ببواطن الأشياء # . # وحيث أنّ الكلام الكامل هو الجامع بين المعنيين بصدقهما عليه فإنّه هو البيان ~~المنبئ عن البواطن كنهها ، بصورتيه الرقميّ واللفظيّ ، وكسوتيه القطعيّ والمزجيّ ~~يكون من امّهات ما يتحصّل به الخبر ، ويتوصّل منه العالم إلى أن يكون خبيرا وبيّن ~~أن مدركه هو السمع ، كما أنّ مدرك غيره من تلك الأمهات هو باقي القوى والجوارح . # وإليه أشار بقوله : # علم الأذواق # قال الشيخ رضي الله عنه : ( وهذا هو علم الأذواق ) المستفاد بهذه القوى والجوارح ~~من مبادئها المدركة بها ، ( فجعل الحقّ نفسه - مع علمه بما هو الأمر عليه - مستفيدا ~~علما ، ولا نقدر على إنكار ما نصّ الحقّ عليه في حقّ نفسه ) فإنّه مما يستنكره أهل ~~الظاهر كل الإنكار وفي هذه العبارة لطيفة إجمالا كما فيم سبق ، حيث حكى عن ~~المتكلمين أنّهم مقرّون فعلا بلسان الإنكار . # قال الشيخ رضي الله عنه : ( ففرّق تعالى ما بين علم الذوق ) هذا ( والعلم المطلق ~~) كما قال : "وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " [ 57 / 3 ] فأطلق . وقال ~~:"وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ " فقيّد . # قال الشيخ رضي الله عنه : (فعلم الذوق مقيّد بالقوى ، وقد قال عن نفسه : أنّه عين ~~قوى عبده في قوله: «كنت سمعه» وهو قوّة من قوى العبد ، «وبصره» وهو قوّة من قوى ~~العبد ) وجزء من أجزاء باطنه ، ( « ولسانه » وهو عضو من أعضاء العبد ) وجزء من ~~أجزاء ظاهره ، ( « ورجله ويده » ) وهما البرزخ بينهم # ( فما اقتصر في التعريف على القوى فحسب ، حتى ذكر الأعضاء ، وليس العبد بغير لهذه ~~الأعضاء والقوى فعين مسمّى العبد هو الحقّ ، ل عين العبد هو السيّد ) # أي المجموع من تلك القوى والأعضاء التي هي مسمّى العبد ، الذي هو من المفهومات ~~الإضافيّة ، فإنّه إنّما يعقل بالقياس إلى سيّده عين الحقّ الواحد بدون هذه الإضافة ~~، فإنّ أحد المتضايفين من حيث هو كذلك لا يمكن أن يكون المتضائف الآخر من حيث هو ~~الآخر . ### || "" أضاف المحقق : # قال القيصري: أي العين الواحدة التي لحقتها العبوديّة وصارت مسماة بالعبد، هو ~~الحق مجردة عن العبودية وليس عين العبد مع صفة العبودية عين السيد مع صفة ~~السيادة.أهـ شرح القيصري. "" # الوحدة للعين والتميز للنسب # قال رضي الله عنه : ( فإنّ النسب متميّزة لذواتها ) فإنّها مبدأ تميّزات الأسماء ~~والأعيان ، فهي المتميّزة بذاتها ، المتميّز بها غيره ، وما بالذات من الشيء ل يزول ~~عنه أصلا هذا في نفس النسبة لا في منتسبيها ، فإنّه لا تمايز فيها بالذات ، بل ( ~~وليس المنسوب إليه متميّزا ) في نفسه ، فإنّ الأب عينه هو الابن لآخر . # فلو كان المنسوب إليه متميّزا بعينه لم يمكن ذلك وقد علم أنّ العين لا تمايز فيها ~~أصل ، ولا تمايز إلَّا في النسب التعينية ، ( فإنّه ليس ثمّ سوى عينه في جميع النسب ~~) المتخالفة ، كالواحد مثلا في العدد ، فإنّ النسب العارضة إيّاه في صور مراتبه ~~وتعيّناته ، هي التي عيّنته بالتعيّنات وسمّته بالأسامي ، لأنّه ليس ثمّ سوى عينه ~~في جميع النسب ( فهو عين واحدة ، ذات نسب وإضافات وصفات ) . # وملخّص هذا الكلام : أنّ الخبير إنما هو باعتبار العلم المستفاد من قوى العبد ، ~~من حيث أنّ الحقّ عينه ، فهو منتهى التشبيه باعتبار الشعور والشهود ، كما أنّ « ~~اللطيف » منتهاه باعتبار العين والوجود . # (فمن تمام حكمة لقمان في تعليمه ابنه ما جاء به في هذه الآية من هذين الاسمين ~~الإلهيّين « لطيفا خبيرا » سمّي بهما الله تعالى ) . # نكتة حكميّة # ثمّ إنّ هاهنا نكتة حكميّة لها كثير دخل في استكشاف هذا الموضع ، وهي أنّ الصورة ~~مطلق - حيثما ظهرت - إنما يتمّ أحكامها ويظهر قهرمانها إذا دخل في حيطة خاتمها ، ~~وختم عليها بنقشها الخاصّ به ، أعني خاتم النبوّة - صلوات الله وسلامه عليه وعلى ~~آله - وكذلك المعاني بالنسبة إلى خاتم الولاية . # ثمّ إنّ الكلام الظاهر بصورة العينيّة المظهرة للمعاني الغيبيّة - إنم يتكمّل ~~أركانه ويتم أمره إذا وسم بأحد الختمين ، واشتمل بما يدلّ على إحدى الجمعيّتين ، ~~يعني الظهور الوجوديّ العينيّ والإظهار الشهوديّ العلميّ ك « الكون » فإنّه صاحب ~~أزمّة الجمعيّة في الأوّل ، و « القول » فإنّه صاحبها في الثاني . # ولذلك ترى فواتح الآيات القرآنيّة وخواتمها مشحونة بهما ومن ثمّة قال : ( فلو جعل ~~ذلك في الكون - وهو الوجود - فقال : « كان » لكان أتم في الحكمة وأبلغ ) . # ثمّ إنّه يمكن أن يقال عذرا من لقمان : إنّه إنما يكون أتمّ إذا لم يكن ذلك منه ~~على طريق التعليم ، فإنّه يجب في أمثال ذلك مراعاة أمر المتعلَّم وسهولة فهمه وعسى ~~أن يكون تكميل الحكمة لا يجمعه وكان قوله في تعليمه ابنه إشارة إلى هذا الوجه ( ~~فحكى الله قول لقمان على المعنى ) فإنّه إنما أدّى ذلك المعنى بصورة يقتضيها زمانه ~~واممه فيه ، من العربي المعرب عن الأمر ، إعراب كشف وتبيين ، فإنّه ما أرسل رسول ~~إلَّا بلسان قومه ، حتى يتمكَّن من أمر البلاغ ويتفصّى من مقتضى حكم الرسالة . # فهذه حكاية مؤدّى كلامه ( كما قال : لم يزد عليه شيئا ، وإن كان قوله ) في القرآن ~~الكريم : ( “ إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ “ [ 31 / 16 ] من قول الله ) فإنّه العربي ~~المبين الذي قبل الخاتم ما كان أن يظهر ( فلم علم الله من لقمان أنّه لو نطق متمّما ~~لتمّم بهذا ) خاليا عمّا يدلّ على تلك الجمعيّة الختميّة . # الذرة أصغر المقادير وزنا # ( وأما قوله : "إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ ") فهو أدنى ما يصلح لأن ~~يكون غذاء - كمًّا وكيفا ، كما نبّهت عليه - وذلك ( لمن هي له غذاء ) ممن يناسبه ~~قدرا وطبيعة # ( وليس إلا الذرّة المذكورة في قوله تعالى : “ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ~~خَيْراً يَرَه ُ . وَمن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ُ “ [ 99 / 8 - 7 ] ~~فهي أصغر متغذّ ، والحبّة من الخردل أصغر غذاء ) ، ولما كان الغالب على الكلمة ~~اللقمانيّة أمر الحكمة الكاشفة عن خصوصيّات الأشياء ومقاديرها ، وبيّن أنّ الحدود ~~من كلّ شيء هي مداخل استعلامها وفيها أبواب استكشافها واستفهامها ، # وأحد الحدود هو نهاية الكثرة الكليّة وكبرها ، والآخر هو غاية القلَّة الجزئيّة ~~وصغره ، ثمّ أنّ العبد من حيث أنّه محصور جزئي إنما يقرب إليه الحدّ الثاني منهما : ~~فتبيّن أن الكبير الكثير لا يعلم حتى يتقدّر حدّه بالصغير القليل ، فلذلك عيّن أصغر ~~الأشياء في الغذاء والمغتذي إبانة لطريق معرفة الكلّ من كلّ شيء . # وهذ مما يؤيّد ما عليه المحقّقون من أنّ أصل الحقائق وخصوصيّاتها هو العدد وإنم ~~يستعلم تلك الخصوصيّات من الفحص عمّا يختصّ به من الرتبة المقداريّة العدديّة وبيّن ~~أنّه لا يعلم ذلك إلَّا بعد معرفة الأصغر مطلقا ويقدّر الكلّ من كلّ شيء به ، ولذلك ~~جاء بالأصغر . # (ولو كان ثمّ أصغر لجاء به ، كما جاء بقوله تعالى : “ إِنَّ الله لا يَسْتَحْيِي ~~أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً “ ثمّ لما علم أنّه ثمّ ما هو أصغر من البعوضة ~~قال : “ فَم فَوْقَها “ يعني في الصغر وهذا قول الله ، والتي في الزلزلة قول الله ~~أيض ) # حيث عيّن المقدار المعين في الذرّة ( فاعلم ذلك فنحن نعلم أنّ الله تعالى ما ~~اقتصر على وزن الذرّة وثمّ ما هو أصغر منها ، فإنّه جاء بذلك على المبالغة ) هذا ~~على الظاهر من القول وأمّا حقائقه بحسب خصوصيّات الحروف والأعداد فلا يحتمل إظهاره ~~كلّ وقت ، إلى أن يطلع من أفق البيان فضل الكمال الختمي وزيادة علمه على مقتضى ~~الوعد الموعود # وإليه أشار بقوله : ( والله أعلم ) . # ثمّ إنّ أمر التلطيف والتصغير الذين يستتبعان حكم السريان قد غلب على هذه الحكمة ~~، حتى ظهر في المرتبة الكلامية عند الخطاب إلى ابنه ( و ) إليه # أشار بقوله : ( أمّا تصغير اسم ابنه فتصغير رحمة ) وعطوفة ولطف ، ( ولهذ وصّاه ~~بما فيه سعادته إذا عمل بذلك ) . # الشرك ظلم عظيم # ( وأمّا حكمة وصيّته في نهيه إيّاه أن « لا تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ ~~لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » ) وبيّن أنّ الظلم إنما يتحقّق بين ظالم ومظلوم ، والظالم هاهنا ~~المشرك ( والمظلوم المقام ) الذي يقع فيه الشرك ( حيث نعته بالانقسام ) والثنويّة ، ~~وهو وضع الشيء في غير موضعه ، فإنّ العين الواحدة لا انقسام فيها ، ( و ) ذلك ~~المقام ( هو عين واحدة ) فإنّ لكل ذي اعتقاد مقاما محمودا عنده ، ومنزلة كريمة ~~محتوية على جملة من الصفات الكماليّة ومحامدها ، يتصوّر بها الإله في عقيدته ، ~~ويتميّز بها عند متخيّلته . # ثمّ إذا رأى ذلك المقام أنّه يقبل الانقسام والثنويّة بالنظر إلى من يقوم به ذلك ~~المقام في خياله ، والصورة المشخّص بها فيه ، لا بدّ وأن يتوهم لذهوله عن العين ~~الواحدة بالذات - أنّ الثنويّة الصوريّة فيها ، فإنّه لا شيء أعلى من ذلك المقام ~~عنده ، فيشرك بتلك الصورة الثانية ، لما تصوّرها في ذلك المقام ، ولا شرك عند ~~التحقيق ، ( فإنّه لا يشرك معه إلا عينه ) الواحدة بالذات التي لا تتخالف بتوارد ~~الصور ، ولا تتكثر بتعدّد الوجوه والنسب ، فحيث تصوّر فيها النسبة المكثّرة لها صار ~~صاحب جهل ، فإنّه ما فرّق بين الواحد والكثير وحيث توهّم أنّ تلك الكثرة والتفرقة ~~كثرة مقابل مشارك في مقام معاند له فيه ، بلغ غايته ، # ولذلك قال : ( وهذا غايته الجهل ) وهو الظلم العظيم . # اعتقاد الشرك ناش من الجهل # ( وسبب ذلك ) الوصيّة والحكمة ( أنّ الشخص الذي لا معرفة له بالأمر على ما هو ~~عليه ) يعني الصور المتخالفة جنسا ونوع وشخص ( ولا بحقيقة الشيء ) الواحدة بالوحدة ~~الحقيقيّة ( إذا اختلفت عليه الصور ) التعيّنية ( في العين الواحدة ، وهو لا يعرف ~~أنّ ذلك الاختلاف في عين واحدة يجعل الصورة مشاركة للأخرى في ذلك المقام ) المحمود ~~والمنزلة المعبودة لديه # ( فجعل لكل صورة جزءا من ذلك المقام ) فتكون الصورة متشاركة في أمر المحموديّة ~~والمعبوديّة وبيّن أنّ الشركة إمّا بالتجزية والتقسيم ، بأن يكون لكل من المتشاركين ~~حصة من المتشارك فيه ، أو بالإشاعة والبدل ، بأن يكون المتشارك فيه مشاعا لهما ، ~~وهما يحكمان فيه على سبيل البدل ولا سبيل إلى شيء منهم عند التحقيق . # أمّا الأوّل : فلأنّه مبيّن ( ومعلوم في الشريك ) بذلك المعنى ( أنّ الأمر الذي ~~يخصّه مما وقعت فيه المشاركة ) كالجزء المفروض بالنسبة إلى المقام ( ليس ) ذلك ~~الأمر الذي يخصّ أحد الشريكين ( عين الآخر الذي شاركه ) من الجزء الباقي ، ( إذ هو ~~للآخر ) من الشريكين وخصائصه فإنّ لكل من الشريكين خصائص متمايزة على هذا التقدير ( ~~فاذن ما ثمّ شريك على الحقيقة ، فإنّ كل واحد على حظَّه مما قيل فيه أنّ بينهم ~~مشاركة ) . # وأمّا الثاني فلأنّ مبناه على تحقّق الإشاعة ( وسبب ذلك ) الوهم ( الشركة المشاعة ~~) # المتوهّمة لديهم ، وذلك غير متحقّق ( فإن كانت ) الشركة ( مشاعة ) فالإشاعة غير ~~زائلة ولا باطلة ، ولكن التالي باطل ( فانّ التصريف من أحدهما ) دون تعيين أبدا ( ~~يزيل الإشاعة ) . # ومرجع هذا أيضا إلى ما مرّ من أنّ تخالف الصورتين من المتعينتين لا يقدح في وحدة ~~العين ، فإنّ العين فيهما واحدة . # وفي قوله تعالى : ("قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ ") إشارة إلى تينك ~~الصورتين ، كما أنّ قوله : "أَيًّا ما تَدْعُوا " إشارة إلى تلك العين الواحدة ~~الجامعة بينهما ، ولذلك كنّى عنه بالهويّة الجامعة للأسماء الحسنى كلها بقوله : ~~"فَلَه ُ الأَسْماءُ الْحُسْنى ". # والذي يلوّح على هذا أنّ “ أَيًّا ما “ لفظا هو باطن الاسمين ، وبيّناتهما بحذف ~~المكرّر . # ثمّ إنّ أمر مسألة الشركة حسبم حقّق أمره إنما يؤول إلى الشركة المشاعة وبيّن أنّ ~~الأمر في المقام المحمود منحصر فيما يعتقده أرباب العقائد التقليديّة ، من الصور ~~العقليّة أو الخياليّة المتبطَّنة . # وفيم يظهر لدى المشاعر الحسّية من الصور العينيّة الخارجيّة التي هي ظاهر الوجود ~~والرحمة. # و « الله » إشارة إلى صورة جمعيّة الأوّل من المقامين ، كما أنّ " الرحمن" إشارة ~~إلى الثاني منهم . # والذي يلوّح على هذا أنّ الخمسة التي هي مظهر وجود الحقّ فيهما على ما قال : # أقول وروح القدس ينفث في نفسي بأنّ وجود الحق في العدد الخمس وهو الحرف الآخر ~~فيهما قد ظهر في " الرحمن " زوجا بالأزواج فإنّ ما في طيّه من الحروف كلَّها أزواج ~~. # وقد ظهر في الله فردا بالأفراد . # ولذلك قال : ( هذا روح المسألة ) إذ بتلك الآية يتقوّم أمر استكشاف الشركة على ما ~~لا يخفى للفطن ، بعد تطلَّعه لما مهّدنا له فيه . ### || تم الفص اللقماني # . # %~% ### | فص حكمة إمامية في كلمة هارونية ### | 24 - فصّ حكمة إماميّة في كلمة هارونيّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن ~~الدين علي ابن محمد التركة # شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم الشيخ ~~الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # تسمية الفصّ # ووجه اختصاص هذه الكلمة بحكمتها هو أنّ هارون قد غلب عليه الرحمة المشتقة منها ~~الرحم ، على ما ورد في الحديث أنّه : « لما خلق الرحم ، قال : أنا الرحمن وأنت ~~الرحم ، شققت اسمك من اسمي ، فمن وصلك وصلته ومن قطعك بتتّه » . رواه أحمد و أبو ~~داود # الإمام والإمامة # ومن ثمّة ظهر عليه عند الإنباء عن محمّد نشأته نسبة الأمومة ، حيث قال : “ يَا ~~بْنَ أُمَّ “ [20 : 94 ]. # والإمام عبارة عن « الامّ » بتكرار الإضافة اللازمة لمثله ، ولذلك صار مع نبوّته ~~وخلافته عن الحقّ خليفة أخيه ، فله الخلافة الكاملة ، والإمامة هي كمال الخلافة ، ~~فإنّه تستتبع إطاعة الأمم خالصة عن القهر والغلبة والظهور بالسيف والسفاك . # ولذلك قال تعالى لخليله : “ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً “ [ البقرة : 124 ~~] . # فالإمامة عند التحقيق هي النسبة الجمعيّة الوجوديّة الحبّية ، الموجبة لانقياد ~~الأمم طوع ورغبة. # ومم يلوّحك على هذا أنّ لفظ « الإمام » عبارة عن باطن لام الجمع وبيّناته مكرّرا ~~، كما أنّ الكلمة « الهارونيّة » عبارة عن الهاء التنبيهيّة الدالَّة على الحاضر ~~ظاهرة بالنور وقلبه الذي هو ظاهر الوجود المنبسط على الكائنات ، المعبّر عنه ~~بالرحمة ، # وذلك إذا اعتبر انبساطها على الجهات من الكائنات يعبّر عنها بالرحموت . # كان هارون من حضرة الرحموت # ولذلك قال رضي الله عنه : ( اعلم أنّ وجود هارون كان من حضرة الرحموت ، بقوله “ ~~وَوَهَبْن لَه ُ من رَحْمَتِنا “ يعني موسى “ أَخاه ُ هارُونَ نَبِيًّا “ [ مريم : ~~53 ] وكانت نبوّته من حضرة الرحموت ) ، فإنّ النبوّة صورة كمال الوجود وغاية ~~تطوّراته الإظهارية فإذا كان وجود هارون من حضرة الرحموت ، يكون ما يتفرّع عليه ~~منها ، ضرورة وإذ كان الغالب على موسى أمر الغلبة القهريّة والغضب التسلَّطي ، وكان ~~الغالب على هارون الرقّة والشفقة مما هو مقتضى الرحمة التي عليها جبلَّته ، سأل ~~الله تعالى بقوله : “ وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً من أَهْلِي . هارُونَ أَخِي . اشْدُدْ ~~به أَزْرِي . وَأَشْرِكْه ُ في أَمْرِي “ [ طه / 31 - 29 ] ، # ليعتدل مزاج صورته النبويّة ، ويناسب به لأمزجة العامّة ، تيسيرا بما هو بصدده من ~~البلاغة والرسالة . # وإنم قال : “ اشْدُدْ به أَزْرِي . وَأَشْرِكْه ُ في أَمْرِي “ [طه : 31-32] ، ( ~~فإنّه أكبر من موسى سنّا ، وكان موسى أكبر منه نبوّة ) . # ظهور آثار الرحمة من هارون # (ولم كانت نبوّة هارون من حضرة الرحموت لذلك قال لأخيه موسى :“ ابْنَ أُمَّ “ ~~فناداه بامّه ) عندما يريد الإبانة عن مجمع تفرقتهما ، ( لا بأبيه ) على أنّ أمر ~~الجمعيّة بينهما في الأب أحكم امتزاجا واقترانا ، ( إذ كانت الرحمة للامّ - لا للأب ~~- أوفر في الحكم ) وظهور الأثر المترتّب عليها من الرقّة والعطوفة ، # قال رضي الله عنه : # ( ولولا تلك الرحمة ) # الوافرة الحكم ، الظاهرة الأثر منها # ( ما صبرت على مباشرة التربية ) # والتزام مقاساتها ، مع قصور القوّة فيها وضعف مزاجها بالنسبة إلى الأب . # قال رضي الله عنه : ( ثمّ قال ) عندما رأي موسى تفرقة امّته في أيّام خلافة هارون ~~وغيبته عنهم فتحرّك منه الغضب وغلب عليه : (" لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا ~~بِرَأْسِي ") [ طه : 94 ] . # فإنّهم منشأ التفرقة من الشخص وبيّن أنّ ترشيح أمر التفرقة وتنفيذ أحكامها من ~~مقتضى الرحمة ، والمؤاخذة على ما هو مقتضى أصل الطبيعة مما يشمت به أعداءه من ~~المخالفين له في تلك الاقتضاء ، فلذلك قال : (و" فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْداءَ " ) ~~[ الأعراف : 150] . # غضب موسى وما كتب في الألواح # قال رضي الله عنه : ( فهذا كلَّه نفس من أنفاس الرحمة ، وسبب ذلك ) الغضب وظهوره ~~عليه ( عدم التثبّت في النظر فيما كان في يديه ) من مبدأي قوّته وفعله ( من الألواح ~~) التفصيلية الثابتة فيها كل شيء ، ( التي ألقاها من يديه ) عند ثوران الغضب وشدّة ~~حدّته ( فلو نظر فيها نظر تثبّت لوجد فيها الهدى والرحمة. ) # قال رضي الله عنه : مما عليه موسى وأخوه فلذلك لما سكت عنه الغضب أخذ الألواح فما ~~وقعت عينه مما كتب فيها إلا على الهدى والرحمة ، فقال : " رَبِّ اغْفِرْ لِي ~~وَلأَخِي وَأَدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ." # قال رضي الله عنه : ( فالهدى بيان ما وقع من الأمر الذي أغضبه ، مما هو هارون ~~بريء منه والرحمة بأخيه ، وكان لا يأخذ بلحيته بمرأى من قومه مع كبره ) وشيخوخته ( ~~وأنّه أسنّ منه وكان ذلك ) القول ، أو ظهور ما ظهر في بني إسرائيل ( من هارون شفقة ~~على موسى ) حيث ما ظهر من ذلك القول منه مع إهانته إيّاه ما يدلّ على تغيّره ~~وتأثّره منها ، استنكافا وغيرة نفسانيّة ، # قال رضي الله عنه : ( لأنّ نبوّة هارون من رحمة الله ، فلا يصدر منه إلا مثل هذا ~~) فإنّ التفرقة الظاهرة في امّته عند خلافة هارون من أثر تلك الرحمة والرقّة . # عذر هارون # قال رضي الله عنه : ( ثمّ قال هارون لموسى " إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ ~~فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ " فتجعلني سببا في تفريقهم ، فإنّ عبادة العجل ~~فرّقت بينهم ، فكان منهم من عبده اتّباعا للسامري وتقليدا له ، ومنهم من توقّف عن ~~عبادته حتّى يرجع موسى إليهم ، فيسألونه في ذلك ) . # تفريق أمم كلّ زمان عند تصوير سامر الخيال لهم عجل العاجل من التجوّهات ~~والتموّلات ، فإنّه قد استحصل من حليّ القوم ، ( فخشي هارون ) الذي هويّته النور ، ~~الذي هو ظاهر الوجود والرحمة ( أن ينسب ذلك الفرقان بينهم إليه ) نفسه ، لا إلى ~~الرحمة التي هي أصل جبلَّته . ### || "" أضاف المحقق : # قال القيصري: « واعلم أن هذا الكلام وإن كان حقا من حيث الولاية والباطن ، لكن لا ~~يصح من حيث النبوة والظاهر ؛ فإن النبي يجب عليه إنكار العبادة للأرباب الجزئية ، ~~كما يجب عليه إرشاد الأمة إلى الحق المطلق ، لذلك أنكر جميع الأنبياء عبادة الأصنام ~~وإن كانت مظاهر للهوية الإلهية ، فإنكار هارون عبادة العجل من حيث كونه نبيا حق ، ~~إلا أن تكون محمولا على أن موسي عليه السلام علم بالكشف أنه ذهل عن شهوده الحق ~~الظاهر في صورة العجل ، فأراد أن ينبهه على ذلك وهو عين التربية والإرشاد منه ".أه ~~"" # قال رضي الله عنه : ( وكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنّه علم ما عبده أصحاب ~~العجل ) وأنّ التفرقة التي نشأت من عبادته لا يقدح في الجمعيّة الإلهيّة ( لعلمه ~~بأنّ الله قد قضى أن لا يعبد إلا إيّاه ، وما حكم الله بشيء إلَّا وقع فكان عتب ~~موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتّساعه ) ، لضيق مشربه عن أن يقبل ~~تلك التفرقة الكونيّة عين الجمعيّة الوجوديّة الإلهيّة وعدم ظرافته له . # العارف يرى الحقّ في كلّ شيء # وهذ مما لا بدّ للعارف منه ( فإنّ العارف من يرى الحقّ في كلّ شيء ) وذلك لمن لا ~~يتميّز في ذوقه ظاهر الوجود عن مظهره ، تميّز الظل عن النور ، قائل بالمتقابلين وإذ ~~كان موسى قد خلع نعلي المتقابلين عند طيّه طوى التوحيد ، لا تميّز عنده أصلا ، كما ~~قال صاحب هذا المقام فيه : # ل ترم في شمسها ظلّ السوي %~% فهي شمس وهي ظل وهي فيء # وإليه أشار بقوله : ( بل يراه عين كل شيء ) . # موسى وهارون # قال رضي الله عنه : ( وكان موسى ) عند إهانته وتشدّده مما يوهم غلبة الغضب ~~النفساني ( يربّي هارون تربية علم ) ل مرتبة ومنصب ، فإنّ موسى لغلبة أحكام الباطن ~~على كلمته أعلم من هارون لغلبة حكم الظاهر عليه . # أمّا الأول فيعلم من التلويح العقدي . # وأما الثاني فلما عرفت ما في اسم هارون من الدلالة على الظاهر فلموسى أن يربّي ~~هارون تربية علم ( وإن كان أصغر منه سنّا ، ولذلك لما قال له هارون ما قال ) من ~~خشيته أن ينسب التفرقة إليه معتذرا به - قبل منه . # موسى والسامري # و ( رجع إلى السامري فقال له : " فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ " ) والخطب لغة هو ~~الأمر العظيم ، الذي يكثر فيه التخاطب وفيه لطيفة منبّهة على ما يستتبع فعله من ~~الخبط - ( يعني فيما صنعت من عدو لك ) عن معنى أحديّة الجمع بعمومه ( إلى صورة ~~العجل على الاختصاص وصنعك هذا الشبح ) المبهج للناظر في صورة عجل العاجل من الأحوال ~~( من حليّ القوم ) ومزيّنات ظواهرهم وحاليّاتهم المتحوّلة السريعة الزوال ، ( حتى ~~أخذت بقلوبهم ) . # عبادة المال # فإنّ البواطن لها ارتباط وثيق واتّصال قريب بالظاهر ولذلك ترى قلوب بني إسرائيل ~~قد انجذبت إلى هذا العجل ، ( من أجل أموالهم ) التي يميل إليها قلوبهم بقوّة ذلك ~~الارتباط ( فإن عيسى يقول لبني إسرائيل : يا بني إسرائيل قلب كل انسان حيث ماله ) - ~~مما يميل إليه بحسب نسبته ، سواء كان من ظاهر الأمور ، كالمال العرفي وما يستحصل به ~~، أو باطنه كالعلوم والأحوال القلبيّة ومقاماتها - ( فاجعلوا أموالكم في السماء ) ~~وطرف العلو ، كالعلوم الحقيقيّة والأحوال القلبيّة ، ( تكن قلوبكم في السماء ) . # قال رضي الله عنه : ( وما سمّي المال ) العرفي ( مالا إلَّا لكونه تميل القلوب ~~إليه بالعبادة ، # فهو المقصود الأعظم ) ، حيث جعل صاحبه نفسه التي هي أعظم شيء عنده عبده ، وهو ~~أعظم من نفسه النفيسة بجعله معبودها ومقصودها وهو ( المعظَّم في ) سائر ( القلوب ، ~~لما فيها من الافتقار إليها ) في نيل المستلذّات واستحصال الأقوات . # تلويحات في حرف اللام # ثمّ إن هاهنا تلويحا يكشف عن جملة من الحقائق ، وهو أنّ "ألم " الذي هو المعرب عن ~~الكتاب - كما عرفت وجه جمعيّته وبيانه - له صورة واحدة بالشخص بين الحروف ، وهو ~~اللام الذي إذا ظهر به كاف كنه الكل يصير "كلاما " يعرب عن كافّة الأشياء - صوريّة ~~كانت أو معنويّة - ويظهر الجميع بما لا مزيد عليه فيه ، فهو مالك أزمّة الإظهار هذا ~~إذا ظهر شخص اللام ببيّناته مختفيا فيها ، فإذا ظهر شخصه بها يصير « مالا » يستحصل ~~به الأشياء أنفسها ، فإذا ظهر به الكاف يصير « كمالا » به يزيد الأمر ظهور وإظهار . # وإذ ظهر بالكاف يصير « مالكا » يغلب على الكلّ ، غلبة تصرّف يظهر له سلطانه ومنه ~~يعرف وجه انجذاب القلوب بالمال ، كما يعرف وجه أنّ الكمال عزيز محبوب لذاته ، وأن ~~المالك كذلك له العزّة والمحبّة ولكن قهرا وبالواسطة . # فتأمّل فيه يظهر لك غير ذلك من الوجوه الحقيقيّة . # حرق العجل ونسفه # قال رضي الله عنه : ( وليس للصور بقاء ) كما تقرّر سابقا ، وقد ظهر ذلك حتى عثر ~~عليه بعض أهل النظر من المتكلمين ، كم أشار إليه ، ( و ) حينئذ ( لا بدّ من ذهاب ~~صورة العجل لو لم يستعجل موسى بحرقه فغلبت عليه الغيرة ) حيث أنّ تلك الصورة ~~بالنسبة إلى جمعيّته الكماليّة جزء محاط تحت حيطة كماله الإنساني ، ( فحرّقه ثمّ ~~نسف رماد تلك الصورة في اليمّ ) - يعني محيط الإطلاقي الجمعي - ( نسفا ) اقتلع به ~~أثره يقال : نسف الريح الشيء : اقتلعته وأزالته . # وفي الآية : " ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّه ُ في الْيَمِّ نَسْفاً " [طه : 97]، أي نطرحه ~~فيه طرح النسافة ، وهي ما يثور من غبار الأرض . # ( و ) لذلك لما غرق في محيط الجمع الإطلاقي ( قال له : "انْظُرْ إِلى إِلهِكَ " [ ~~طه / 97 ] فسماه « إلها » بطريق التنبيه للتعليم ) ، لا التهكَّم للتعيير ، كما هو ~~مبلغ أفهام العامة . # وفيه تلويح : حيث أنّ العجل من الحلي الذي هو المال ، وهو اللام الظاهر ببيّناته ~~، فطرح ذلك في اليمّ بعد حرقه وتفتّت أجزائه ، وهو باطن ميم الجمع الإطلاقي ~~وبيّناته . # ثمّ إنّ ذلك لأنّه ( لما علم أنّه ) يعني العجل الذي جعلوه معبودا ، من ( بعض ~~المجالي الإلهيّة ) وأجزاء المجلى الكليّ الإنسانيّ . # فلذلك قال الشيخ رضي الله عنه : ( لأحرقنّه فإنّ حيوانيّة الإنسان ) بقوّة قهرمان ~~الجمعيّة وسلطانها ( لها التصرّف في حيوانيّة الحيوان ) فمن حيث الجمعيّة الإلهيّة ~~ينقاد الكل لتصرّفه ، وإليه أشار بقوله : ( لكون الله سخّره للإنسان ) . # التسخير والمسخّر # هذ على تقدير دخوله في الجمعيّة الحيوانيّة ( لا سيّما و ) العجل المجعول ( أصله ~~ليس من حيوان ، فكان أعظم في التسخير ) لكونه أنزل وأقلّ جمعية منه ( لأنّ غير ~~الحيوان ما له إرادة ) تكون مبدأ لأفعاله الخاصّة الاختياريّة ، ( بل هو بحكم من ~~يتصرّف فيه من غير إباء ) لأنّ قابليّته غير مشوبة بغرض خاصّ واختيار يتوجّه إليه ، ~~( وأما الحيوان فهو ذو إرادة وغرض ) تحرّكه تلك الإرادة نحو ذلك الغرض ، # قال رضي الله عنه : ( فقد يقع منه الإباء ) إذا لم يوافق جهة غرضه جهة يوجّه ~~المتصرّف فيه نحوها ( في بعض ) أنحاء ( التصريف ، فإنّ كان فيه قوّة إظهار ذلك ) في ~~مقابلته ( ظهر منه الجموح لم يريده منه ) ذلك ( الإنسان ) المتصرّف ، ( وإن لم يكن ~~له هذه القوّة ) التي بها يقدر على المقابلة ( أو يصادف ) غرض الإنسان المتصرّف ( ~~غرض الحيوان ) في بعض أنحاء الطرق ( انقاد مذلَّلا لما يريده منه ) المتصرّف ، ~~لأنّه واقع في طريق غرضه ( كما ينقاد ) الإنسان ( مثله لأمر ما رفعه الله به عليه ) ~~، فذلك الانقياد ليس طبيعيّا ، بل لما رفعه الله به ( من أجل المال الذي يرجوه منه ~~، المعبّر عنه في بعض الأحوال ) - عند استجماع ما اعتبر من الشروط الشرعي - ( ~~بالأجرة ) . # وقد نصّ على ذلك ( في قوله : ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليتخذ بعضكم بعضا سخريا ) ~~، والسخريّ هو الذي يقهر أن يتسخّر بإرادته . # " قوله تعالى : ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَ ~~بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ ~~بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ ~~خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) سورة الزخرف )" # وإذ قد ظهر أنّ المال الذي به التسخير إنما هو لنيل مقتضيات القوى الطبيعية ~~واللذّات الجسمانيّة مما يختص به الحيوان - دون الإدراكات الكماليّة الإنسانيّة ، ~~فإنّه هو العائق لتلك الإدراكات أن تبلغ كمالها ، فضلا عن أن تكون معدّا لنيلها - ( ~~فم يسخّر له من هو مثله ) في الإنسانيّة ( إلا من حيوانيّته ، لا من إنسانيّته ، ~~فإنّ المثلين ضدّان ) ، هذا في المسخّر المشترك الذي يتوجّه نحو اللذات الجسمانيّة ~~السافلة . # وأم المسخّر المتعالي الذي يتوجّه نحو معالي الأمور ، فهو مقتضى الكمال الإنساني ~~، فإنّه يحب العلو ويقتضيه بحسب نشأته الذاتية ، ( فيسخّره الأرفع في المنزلة ~~بالمال أو بالجاه بإنسانيّته ) المجبولة على أن يتسخّر له من في السماوات ومن في ~~الأرض جميعا ، # ولذلك ذهب الشيخ إلى أنّ معنى قوله صلَّى الله عليه وسلَّم : "آخر ما يخرج من ~~رؤوس الصدّيقين حبّ الجاه " يطلع منها ويبرز ، فإنّه مقتضى أصل جبلَّته . # ومن ثمة ترى الدهاة من أئمّة المسلمين في صدر الإسلام قد ارتكب في نيل الرفعة ~~والعلوّ كل صعب وذلول ، واستوقف كل مقدام منهم نفسه في تلك المهالك قائلا : مكانك ، ~~تحمدي، أو تستريحي فجعل القتل في مقابلة نيل ذلك المبتغى فوزا واستراحة . # قال رضي الله عنه : ( ويتسخّر له ذلك الآخر ، إمّا خوفا أو طمعا ) من مبدأ الغضب ~~والشهوة الحيوانيّتين فهو أيضا : ( من حيوانيّته ل من إنسانيّته ، فما تسخّر له من ~~هو مثله ) من حيث هو مثله . # قال رضي الله عنه : ( ألا ترى ما بين البهائم من التحريش ) ، وهو العداوة التي ~~بينها ، كما هو المشاهد من الكلاب والثيران ، وكل ذي قوّة منها مع بني نوعه ، دون ~~غيره مما سواه ، ( لأنها أمثال فالمثلان ضدان ) لما تقرّر أنّ ما به الاشتراك هو ~~محلّ التنازع ، فكلَّما كان أكثر ، كان التنازع أشدّ ، كما بين أهل ضيعة وصناعة ~~وقرابة . # وفيه تلويح حكميّ جمعيّ ، حيث أنّ الجامع هو الفارق ، فلا تغفل عنه. # ولذلك ( قال : " وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ " ) فإنّ المسخّر # ليس مع المسخّر له في درجة ، وإن كان معه في الحدّ والزمان والمكان والفعل ( فم ~~هو معه في درجته ) ، فتلك الأمور الجامعة مع أنّها أوصاف حقيقيّة ونسب ذاتيّة ما ~~أثرت تأثير نسبة الدرجة التي هي اعتبارية محضة . # وفيه أيضا نكتة جمعيّة ، حيث أنّ الأثر إنما هو الأعدام وما يقربه . ### || ( فوقع التسخير من أجل الدرجات ) . # التسخير على قسمين # قال رضي الله عنه : (والتسخير على قسمين : تسخير مراد للمسخّر - اسم فاعل - قاهر ~~في تسخيره لهذا الشخص المسخّر ) على سبيل القصد والاختيار فمبدأ ذلك التسخير منه ~~إمّا أن يكون المال ، ( كتسخير السيّد لعبده ، وإن كان مثله في الإنسانيّة ، و ) ، ~~إمّا أن يكون الجاه ( كتسخير السلطان لرعاياه ، وإن كانوا أمثالا له يسخّرهم ~~بالدرجة ) نفسه . # قال رضي الله عنه : ( والقسم الآخر ) أي الذي ليس مرادا للمسخّر - اسم الفاعل – ( ~~تسخير بالحال ) ، من غير قصد منه واختيار ، ( كتسخير الرعايا للملك القائم بأمرهم ~~في الذبّ عنهم وحمايتهم وقتال من عاداهم وحفظه أموالهم وأنفسهم عليهم وهذ كلَّه ~~تسخير بالحال من الرعايا يسخّرون بذلك ملوكهم ) . # ثمّ إن مبدأ هذا التسخير عند الفحص عنه إنما هو مرتبة السلطنة ، فإنّها هي التي ~~تقهر السلطان على ارتكاب ما التزم من المشاقّ ، لا الرعايا ولذلك # قال رضي الله عنه : : ( ويسمّى على الحقيقة تسخير المرتبة ، فالمرتبة حكمت عليه ~~بذلك ، فمن الملوك من سعى لنفسه ) ذاهلا عمّا حكم عليه المرتبة من تسخيره لرعاياه ( ~~ومنهم من عرف الأمر فعلم أنّه في المرتبة ) مقهور تحت حكمها ( في تسخير رعاياه ، ~~فعلم قدرهم وحقّهم ، فآجره الله على ذلك ، أجر العلماء بالأمر ) أي الظاهر من ~~الأمور كالأفعال وأحكامها ، على ما نبّهت عليه في صدر الكتاب ، عند تحقيق معنى ~~الأمر ، فإنّهم إذ علموا الأمر ( على ما هو عليه ) لا بدّ وأن يحكم عليهم تلك ~~المرتبة بإظهار تلك الأحكام وإثباتها وتفهيمها للعامّة ، حتى يتلقّوها بالقبول ( ~~وأجر مثل هذ يكون على الله في كون الله في شؤون عباده ) كالسلطان في شؤون رعاياه . # قال رضي الله عنه : ( فالعالم كلَّه يسخّر بالحال من لا يمكن أن يطلق عليه اسم ~~إنّه مسخّر ) ، بناء على الأصل الممهّد من أنّ أسماء الحقّ ما يدلّ على التأثير مما ~~يتبع أحكام الوجوب الذاتي ، إلا أنّه لما كان باعتبار هويّته الإطلاقيّة ربّا ~~للعالمين كان # مسخّر بالحال للعالم تعالى عن ذلك . ولذلك قال : ( قال تعالى : " كُلَّ يَوْمٍ ~~هُوَ في شَأْنٍ " ) [ 55 / 29 ] ، وما قال : « الله في شأن » ، ولا غيره من الأسماء ~~المختصّة به . # حكمة عدم تنفيذ هارون ما أنفذه موسى في العجل # ثمّ إنّ موسى له تسخير سلطنة النبوّة على بني إسرائيل ، كما أنّه هو المسخّر ~~بالحال تحت قيامه بأمرهم وحفظه صورة جمعيّتهم . ولذلك لما رجع وفرغ من إنفاذ حكم ~~ذلك التسخير ، أخذ في إنفاذ حكم التسخّر بالتشدّد على خليفته هارون وحرق العجل ، ~~وقلع آثاره في العين . # على ما وقع في خلافة هارون ما كان منكرا في نظر كمال موسى كلّ الإنكار ، بل كان ~~معذور فيه كما سبق . # قال رضي الله عنه : ( فكان عدم قوّة إرداع هارون بالفعل أن ينفّذ ) ذلك الإرداع ( ~~في أصحاب العجل بالتسليط على العجل ) وإفنائه ( كما سلَّط موسى عليه ، حكمة من الله ~~ظاهرة في الوجود ) - وأنت عرفت ما لهارون من النسبة الارتباطيّة والرقيقة ~~الاتحاديّة إلى ظاهر الوجود حتى تصوّر في أيام خلافته صورة المعبود في العجل العاجل # قال رضي الله عنه : ( ليعبد في كلّ صورة ، وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك ) عند ~~إنفاذ حكم موسى عليها ، ولكن بعد أن عبدوه ، ( فما ذهبت إلا بعد ما تلبّست عند ~~عابدها بالالوهيّة ) # هو المعبود في كلّ صورة # قال رضي الله عنه : ( ولهذا ما بقي نوع من الأنواع إلَّا وعبد . إمّا عبادة ~~تألَّه ، وإمّا عبادة تسخير ) وبيّن أن ظهور الأعيان بأنواعها إنما هو لإظهار ~~أحكامها وإنفاذ قهرمانها ، وذلك بأن يكون معبود لهذا النوع الكمالي ، مطاعا أحكامها ~~بالنسبة إليه ، ولو في شخص واحد منهم ( فل بد من ذلك لمن عقل ) أنّ الغاية من ~~الحركة الوجوديّة لا بدّ وأن يترتب على أعيان الوجود ، # قال رضي الله عنه : ( وما عبد شيء من العالم إلا بعد التلبّس بالرفعة عند العابد ~~) في الخارج ، ( والظهور بالدرجة ) الكماليّة العزيزة ( في قلبه ، ولذلك تسمّى ~~الحقّ ) نفسه ( لنا بـ " رَفِيعُ الدَّرَجاتِ “ [ 40 / 15 ] ، ولم يقل : « رفيع ~~الدرجة » فكثّر الدرجات في عين واحدة ) بالوحدة الحقيقيّة ، التي لا وجه للتكثّر ~~فيها أصلا ، لما في المعبودين من التخالف في وجوه عبودتهم ، وذلك هو المستلزم ~~لتباعد جهات العباد في قبلة عبادتهم ووجهة طاعتهم . # وكل ذلك حق " وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها " ( فإنّه قضى أن لا يعبد إلا ~~إياه في درجات كثيرة مختلفة أعطت كل درجة مجلى إلهيّا عبد فيه ) وتلك المجالي ~~متفاوتة بحسب العلوّ والإحاطة تسخيرا وتألَّها . "قال تعالى :وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا ~~تَعْبُدُو إِلَّا إِيَّاهُ[ الإسراء : 23 ]" # أعظم مجلى عبد الحقّ فيه الهوى # ( وأعظم مجلى عبد فيه ) تسخيرا ( وأعلاه ) تأله ( الهوى ، كما قال : ~~"أَفَرَأَيْتَ من اتَّخَذَ إِلهَه ُ هَواه ُ " ) [ 45 / 23 ] ، حيث أطلق عليه اسم « ~~الإله » ، # ( فهو أعظم معبود ، فإنّه لا يعبد شيء إلَّا به ، ولا يعبد هو إلَّا بذاته ) ، ~~وذلك لأنّ الهوى عبارة عن الميل الطبيعي نحو مستلذّات الطبيعة ، # من استيفاء حكم الشهوة والغضب وما يندرج فيهما ، مما يترتّب ذلك عليه ، كحبّ ~~المال والجاه وغيرهما وبيّن أنّ كل من يعبد شيئا ويخضعه ويطيعه إنما يعمل ذلك ~~لتصوّر توقّف شيء من ذلك عليه وطمعه منه فذلك الميل هو الباعث على تلك العبادات في ~~صوره المتخالفة ، بحسب تخالف المعبودين ، # فالمعبود لا يعبد إلَّا به ، وهو المعبود لذاته في صور عبادات العابدين ، طمعا في ~~الجنّة ، أو خوفا من النار آجلا وعاجلا ، في استحصال الجاه والمال ، وارتكاب ما به ~~يوجدان من الأعمال الشاقّة والأفعال المزعجة مدى الأعوام والدهور بدون تعب ولا نصب ~~. # وهاهن تلويح : وهو أنّ « هو » الذي هو موطن الإطلاق ومعدن القابليّات التي تنجذب ~~نحو مقتضياتها القلوب بقوالبها ، إذا فتح هاء هويّته المضمومة بإشباع واو البطون ، ~~ظاهرا بألف الإلف والمحبّة ، غالبا عليه بفتحة فتح أبواب الظهور هو « هوا » ومن ثمة ~~تراه في أحد أوضاعه دالَّا على مبدأ تمام الجمعيّة الإحاطيّة ظهورا وإظهار . # أمّا الأوّل : فلأنّ الهواء - الممدود - هو مادة الروح الحيواني ، الذي به تتقوّم ~~اللطيفة الإنسانيّة الكماليّة . # وأما الثاني : فلأنّه هو المطيّة لفرسان ميدان البيان ، والمجلى لعرائس مخدّرات ~~البنان ، وهما صورت الكلام الكلامي ، والكتاب الإنزاليّ ، كما نبّهت عليه غير مرّة ~~. # هذ على وضع آخر غير ما نحن فيه ، وعلى هذا الوضع أيضا له الإحاطة باعتبار أنّه ~~الحركة والميل الإرادي الحبّي الذي هو أصل سائر الحركات والسبب للكل عينا وعقلا ، # ولذلك قال : ( وفيه أقول ) نظما محلَّفا به باعتبار أنّه هو اسم « هو » الظاهر ~~بفتح هويّات أعيانه بقوله : ( وحقّ الهوى أنّ الهوى سبب الهوى ) يعني بحقّ الاقتضاء ~~الذاتي ، المعبّر عنه في بعض العبارات بالعشق ، وهو الذي عبّر عنه بالهوى ، إنّ ~~الهوى الذي هو الميل الطبيعي المعبّر عنه بالحركة الحبّية السارية في سائر ~~الموجودات هو سبب هذا الميل الجزئي الإرادي ، الذي للناس ، به يتوجهون نحو معبودهم ~~، ويولَّون قبلة مقصودهم ، فهو أصل سائر الميول والحركات ظاهرا وباطنا . بل أصل ~~الكلّ ميلا كان أو صاحبه ، # ولذلك قال : ( ولول الهوى في القلب ) أي الميل الكلَّي والحركة الوجوديّة الأصلية ~~( ما عبد الهوى ) بالحركات الجزئيّة الكونيّة فالمعبود في الكلّ إنما هو الحق ، ~~وكذلك العابد على ما هو المعلوم من الآية الكريمة القائلة : " وَأَضَلَّه ُ الله ~~عَلى عِلْمٍ " [ 45 / 23 ] . # وإليه أشار بقوله : ( ألا ترى علم الله بالأشياء ما أكمله ، كيف تمم في حقّ من ~~عبد هواه واتخذه إلها ) حيث ما أخرجه في تلك الضلالة عن أن يكون عن علم # ( فقال :" وَأَضَلَّه ُ الله عَلى عِلْمٍ " [ 45 / 23 ] والضلالة : الحيرة ) على ~~ما هو مقتضى تعدّد وجهة المتّخذين هواهم إلها ، لتكثّر صور هويّات متعلَّقات ~~أهويتهم ، فإنّ تعدّد جهات المقصد وتخالفها مما يوجب التحيّر ضرورة ، ولكن لما عرف ~~إيصال الكلّ إجمالا ، يكون ذلك على علم . # لا يعبد معبود إلا بالهوى # ( و ) وجه تفصيل ( ذلك ) التتميم ( أنّه لما رأى هذا العابد م عبد إلَّا هواه ~~بانقياده لطاعته فيما يأمره به في عبادة من عبده من الأشخاص ) - التي هي متعلَّقات ~~أهوية العباد ، عينيّة ذلك ، أو عقليّة ، وهميّة أو خياليّة فإنّه يشمل سائر ~~العبادات من العبد - ( حتّى أنّ عبادته لله كانت عن هوى أيضا ، لأنّه لو لم يقع له ~~في ذلك الجناب المقدّس ) من حيث هو عن تطرّق الأهوية # قال رضي الله عنه : ( هوى ) من عند نفسه - ( وهو الإرادة ) المنبعثة عمّا يسوق ~~همّته إليه ، من الملاذّ الجسمانيّة ، أو الأحوال الوجدانيّة ، أو المدارك ~~الروحانيّة – ( لم اختار ما عند الله ) من تلك المقاصد المتعالية بحسب علوّ الهمم ( ~~ولا آثره على غيره ) . # معنى : أضله الله على علم # هذ إذا كان المعبود له صورة اعتقاديّة ذهنيّة ( وكذلك كلّ من عبد صورة ما من صور ~~العالم ) وأصنامه - ماليّة كانت أو جاهيّة - ( واتّخذها إلها ، ما اتّخذه إلَّا ~~بالهوى فالعابد لا يزال تحت سلطان هواه ثم رأى المعبودات ) التي هي متعلَّقات الهوى ~~( تتنوّع في العابدين ) بحسب تخالف حقائقها وتدافع بعضه البعض ، # قال رضي الله عنه : ( فكلّ عابد أمرا ما يكفّر من يعبد سواه ، والذي عنده أدنى ~~تنبّه ) - وهو الذي ينخرط في جملة من يدخل في التخاطب بالكلام المنزل السماوي ، ~~فإنّ من دونه ليس بداخل في ذلك التخاطب أصلا ، فهو الذي يقصد بقوله تعالى : " ~~وَأَضَلَّه ُ الله " ولذلك ( يحار لاتّحاد الهوى ) عند اعتبار نسبة الهوى إلى ~~متعلَّقاتها ، فإنّ الكلّ فيه متّحد ، فأمّا عند قطع النظر من تلك المتعلَّقات فله ~~الأحديّة الذاتيّة ، # ولذلك قال مضربا عنه بقوله : ( بل لأحديّة الهوى ، فإنّه عين واحدة في كل عابد ، ~~فأضلَّه الله ) من حيث تلك المتعلَّقات عند تخالف جهات التوجّه مما يوجب تحيّر ~~المتوجّهين ، ولذلك قال : ( أيّ حيرة ) . # ثم إنّ هذا إذا اعتبر الهوى من حيث المتعلَّقات التي هي مبدأ الاتّحاد وهو الموجب ~~للضلال والحيرة . فأمّا عند قطع النظر عنها وظهور الهوى بأحديّة عينه لديه فهو ( ~~على علم ) فلكلّ عابد باعتبار هذين الوجهين من معبوده علم في حيرة وحيرة على علم ، ~~فهذا وجه تتميم العلم وتعميمه - فلا تغفل . # قال رضي الله عنه : (فإنّ كلّ عابد ما عبد إلَّا هواه ، ولا استعبده إلا هواه ، ~~سواء صادف الأمر المشروع ) من الصور الاعتقاديّة والشعائر الشرعيّة ، ( أو لم يصادف ~~) ذلك ، كالمقتضيات الطبيعيّة والرسوم العاديّة ( والعارف المكمّل من رأى كلّ معبود ~~) - مشروع كان أو غير مشروع - ( مجلى للحقّ يعبد فيه ، ولذلك سموه كلَّهم إلها مع ~~اسمه الخاصّ بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك هذا اسم الشخصيّة فيه ) ~~، فإنّ كل ذي مرتبة من الأشخاص كما أنّ له أسماء بحسب شخصيّته ، لا بدّ وأن يكون له ~~آخر بحسب مرتبته ، كالقاضي والسلطان والحاكم . # قال رضي الله عنه : ( والالوهة ) أيضا ( مرتبة ) لذلك الشخص من الشجر والحجر ~~والإنسان ( يتخيّل العابد له أنّها مرتبة معبوده ) على الإطلاق ، ( وهي على الحقيقة ~~) غير ذلك ، فإنّه ( مجلى للحقّ لبصر هذا العابد ) الخاصّ ، ( المعتكف على هذ ~~المعبود في هذا المجلى المختصّ ) من بين المجالي الغير المحدودة التي للمعبود ~~الواحد الحقيقي ، فإنّه من حيث تلك المجالي المتكثّرة الكونيّة لا يصلح لأن يعبد . # قول الجاهل والعارف في المعبود # ( ولهذا قال بعض من عرف ) الأمر من حيث حقيقته العالمة بالذات من غير ظهور ذلك ~~العرفان منه - ولذلك قال : - ( مقالة جهالة ) حيث ما عرف مؤدّى قوله : ( " ما ~~نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى ") [ 39 / 3 ] ، فإنّ له ~~دلالة بيّنة على أنّ هذه المجالي الكثيرة المعبودة لهم غير معبودة لذاتها ، بل إنما ~~يعبدونها تقرّبا إلى المعبود بالذات ، وهو الله الواحد الحقّ إلا أنّهم جهلوا ~~مقالتهم ، فإنّهم في مقالتهم ذلك م اعتبروا التعيّنات الكونيّة معبودات ، كما ظهر ~~من أحكامهم العينيّة ( مع تسميتهم إيّاهم آلهة ، حتّى قالوا ) عندما ظهر عليهم ~~سلطان الإطلاق الجمعيّ الختميّ ، وأثبت الواحد الحق في عين تلك التعيّنات المتكثّرة ~~: ( " أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ " ) . # قال رضي الله عنه : ( فما أنكروه ) لعلمهم في حقيقتهم الأصليّة به ، ( بل تعجّبوا ~~من ذلك ) لغرابته بالنسبة إلى مأنوسات عقائدهم ومألوفات تقليداتهم بآبائهم ، ( ~~فإنّهم وقفوا مع كثرة الصور ) التعيّنية ( ونسبة الالوهة لها ، فجاء الرسول ودعاهم ~~إلى إله واحد ، يعرف ول يشهد ) - على صيغة المبنيّ للمفعول - فإنّ الإله من حيث ~~الوحدة الحقيقيّة معلومة غير مشهودة بالبصر ، # فحينئذ قوله : ( بشهادتهم ) متعلق بالواحد ، أي دعاهم الرسول إلى الإله الواحد ~~الحقّ بشهادتهم ( أنّهم أثبتوه عندهم واعتقدوه ) ، أي أثبتوا ذلك الواحد واعتقدوه ( ~~في قولهم : " ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى "). # ويمكن أن يقرء « يشهد » على المبنيّ لفاعله ، وهو ضمير الرسول ، # وقوله :"بشهادتهم " أي لا يشهدوا الرسول بشهادتهم ذلك لعدم مطابقة علمهم فقوله : ~~( لعلمهم ) متعلَّق بـ « لا يشهد » حينئذ وعلى التقدير الأوّل متعلَّق ب "اعتقدوه " ~~أي اعتقدوا ذلك الواحد لعلمهم ( بأنّ تلك الصورة حجارة ولذلك قامت الحجّة عليهم ) ~~عند الامتحان والاختبار عن مبلغ علمهم ( بقوله : "قُلْ سَمُّوهُمْ “ [ 13 / 33 ] ، ~~فما يسمّونهم إلَّا بم يعلمون ) لأنّ الكلام صورة العلم ، وذلك ( أنّ تلك الأسماء ~~لهم حقيقة ) عندهم ، وليس لهم غير تلك الحقيقة . # قال رضي الله عنه : ( وأما العارفون بالأمر ) وهم المكمّلون ، الذين يرون الكلّ ~~مجالي الواحد الحقّ ولكن لا يظهرون إلا ما يقتضي الوقت الظاهر بصور الأنبياء والرسل ~~إظهاره ، لأنّهم عرفوا الأمر ( على ما هو عليه ، فيظهرون بصورة الإنكار لما عبد من ~~الصور ) ، مع رؤيتهم أنّها من مجالي الحقّ ( لأنّ مرتبتهم في العلم تعطيهم أن ~~يكونوا بحكم الوقت ) فيما يظهرون به من الصورة الكلاميّة ( بحكم الرسول الذي آمنوا ~~به عليهم ) وهم مغلوبون تحت ذلك الحكم ، محاطون به ، وذلك الحكم هو ( الذي به سمّوا ~~مؤمنين ، فهم عبّاد الوقت ) وذلك هو المجلى الجمعيّ الذي له الإحاطة بالكلّ . # والمتّصف بتلك العبادة هو المتّقي ، كما يدلّ عليه تلويحه ، فإن التقوى هو الظهور ~~بحكم الوقت ، والحاكم من الشيء هو باطنه - كما عرفت مرار - فلذلك ترى باطن الوقت ~~ظاهر التقوى . # ولذلك ينكرون غيرهم من العابدين ، # قال رضي الله عنه : ( مع علمهم بأنّهم ما عبدوا من تلك الصور أعيانها ، وإنما ~~عبدوا الله فيها بحكم سلطان التجلَّي ) الظاهر حكمه عليهم ، # وهو ( الذي عرفوه منهم ، وجهله المنكر الذي لا علم له بما تجلَّى ) ، أو له علم ( ~~و ) لكن ( يستره ) ، وهو ( العارف المكمّل ) الظاهر بحكم الوقت (من نبيّ ورسول ~~ووارث عنهم ). # قال رضي الله عنه : (فأمرهم بالانتزاح عن تلك الصورة ، كما انتزح عنها رسول الوقت ~~) الحاكم بمقتضاه ، العارف به ، ( اتّباعا للرسول ، طمعا في محبّة الله إيّاهم ) ، # فإنّ المحبّة التي هي أصل الحركة الوجوديّة التي منها تحصّلت الأنواع وتكوّنت ~~الأشخاص ، متعلَّقها هو الكمّل من الرسل ، # فمن تبعهم من تلك الأشخاص واندرج تحت كليّة أمرهم وإحاطتهم ، نال تلك المرتبة ~~وفاز بمحبّة الله إيّاه ، ومن استقلّ بحكم شخصيّة الجزئيّة بعد عنها ضرورة فمن ~~اعتكف سدّة المحبّة وقرع بابها لا بدّ له من المتابعة حتى يفتح عليه ذلك الباب . # ولذلك ترى المتابعة واقعة بين المحبّتين ، كما أشار إليه ( بقوله : " قُلْ إِنْ ~~كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله ".) # والمتابعة هاهنا هو الانتزاح والبعد عن تلك المجالي المشهودة الظاهرة ، حفظا ~~لعزّة المعبود وجلاله ، ووفاء بخلوص العبوديّة وانكساره ( فدعا إلى إله يصمد إليه ) ~~ويقصد عند الافتقار والاحتياج ، ( ويعلم ) بمثل هذه الصفات بوجه ( من حيث الجملة ، ~~ولا يشهد ) لأنّ المشهود - كان من كان - ليس له ابّهة الغالب في عزه وعظمته . # وإنّك قد عرفت أنّ الكيفيّات والانفعالات وما يجري مجراها - مما يختصّ به الكثائف ~~- ل يناسب المعبود الإله ، وهو لا يتّصف به في لسان الظاهر ، # ولذلك قال : ( " لا تُدْرِكُه ُ الأَبْصارُ “ [ 6 / 103 ] ، بل "هُوَ يُدْرِكُ ~~الأَبْصارَ " للطفه وسريانه في أعيان الأشياء ) وبيّن أن الساري في الشيء لا يقبل ~~قوّة الإبصار ، فإنّها إنما يتعاكس أشعّتها أو يتمثّل انطباعها في كثيف غير نافذ ~~ولا سار في بطون آخر - كما عرفت أمره في المقدمة. # قال رضي الله عنه : (فـ " لا تُدْرِكُه ُ الأَبْصارُ " [ 6 / 103 ] كم أنّها لا ~~تدرك أرواحها المدبّرة أشباحها وصورها الظاهرة ) يعني الحيوانيّ والنفسانيّ ~~والطبيعيّ فإنّ قوّة البصر لا يدرك شيئا منها مع ظهور آثارها وأفعاله ( فهو " ~~اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ") ، فاللطف إشارة إلى كماله في الظهور ، والخبرة إلى كماله ~~في الإظهار ( و ) ذلك لأنّ ( الخبرة ذوق ، والذوق تجلّ ، والتجلَّي في الصور ) ، ~~فإنّ التجلي إنما هو الظهور فلا بدّ له من المظهر ، # قال رضي الله عنه : ( فلا بدّ منها ) - يعني الصور ، فإنّها مظاهر التجلَّي - ( ~~ولا بدّ منه ، فلا بد أن يعبد من رآه ) في تلك الصور والمظاهر ( بهواه ) أي بحكمه ~~وقهرمانه ، فإنّ الهواء هو الرقيقة بين تلك الصور والمجالي ، وبين من يهيم بها ممن ~~رآه فيها . # ولكن لما كان إظهار هذا لا يوافق كمال العبوديّة وجلال عزّة المعبود - كما عرفت ~~آنفا - طوى عن الإفصاح به ، فالأمر فيه موكول إلى الفهم والفطانة ، # وأشار إليه بقوله : ( إن فهمت ) . # ( وَعَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ ) مطلقا ، سواء ساق إليه الشرع ، أو قاد إليه ~~الهوى . ### || تم الفص الهاروني # . # %~% ### | فص حكمة علوية في كلمة موسوية ### | 25 - فصّ حكمة علوية في كلمة موسوية .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين ~~علي ابن محمد التركة # شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم الشيخ ~~الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # وجه تسمية الفصّ # اعلم أنّ علوّ الرتبة في الوجود والتفوّق على البريّة في أمر الإنباء والإظهار ~~إنما يتصوّر لمن اختصّ بين الكمّل بالتحقّق بما هو الأنزل رتبة والأسفل ظهورا ودرجة ~~، كما أنّ الأوّلية فيه إنما يتصوّر لمن تفرّد بالآخريّة والختميّة وبيّن أنّ ~~الأنزل رتبة والأسفل درجة في الظهور إنما هو الكلام كما بيّن أمره والمختصّ بتحقّقه ~~بين الأنبياء الذين هم أساطين بنيان الإظهار والإشعار هو موسى . # ولذلك قد ورد في التنزيل : "وَكَلَّمَ الله مُوسى تَكْلِيماً " [ 4 / 164 ] ، ~~فإنّه يدلّ مع تحقّقه بالكلام ، على اختصاصه بمزيد من التكثير فيه ، على ما هو ~~مقتضى تلك المرتبة ومن ثمّة تراه قد ورد في الآثار الختميّة : « إنّه تعالى كتب ~~التوراة بيده ، كما أنّه خلق آدم بيده » ، فهو في أمر الإظهار بمنزلة آدم في الظهور ~~، وإنّه قد اختصّ بين الأنبياء بتكثّر الامّة . # وإذا عرفت هذا فقد ظهر لك وجه اختصاص حكمته بالعلوّ ، ومن هاهنا ترى من قابله في ~~سباق ميدان الظهور إنما ركب مطيّة العلوّ والتفرّد بادّعائه ، وهو قد غلبه بذلك ~~حيثما نصّ على اختصاصه له في صورة الخطاب الذي هو أرفع المنازل وأعلاها لدى ~~التكلَّم بقوله تعالى : " إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى ". # وأيضا فإنّ في تلويح الكلمة الموسويّة ما يدلّ على اختصاصه بالحكمة العلويّة عند ~~حذف المكرّر منها ، كما أنّ مادّته هي مادّة السموّ والسماء . # ثم إنّ من آيات علوّ الرتبة الإحاطة والحكم على من دونه بالغلبة والقهر ، ولذلك ~~تراه عند سطوع تباشير ظهوره قد قتل أبناء امّته في ورود مقدمه في هذه المرتبة ~~الكماليّة ، إمدادا لقوّة جمعيّته وقربانا له ، وإليه أشار بقوله : # حكمة قتل الأبناء من أجل موسى # (حكمة قتل الأبناء من أجل موسى ، لتعود إليه بالإمداد حياة كلّ من قتل من أجله ) ~~وتحقيق هذ الكلام يحتاج إلى تذكَّر مقدمة حكميّة هي أنّ التعيّن الذي هو عبارة عن ~~العوارض المميّزة لأفراد الحقيقة النوعيّة الواحدة بالذات ، تميّزا عرضيا كونيّا ~~على ضربين : # أحدهم ما يتميّز به الشخص عند نفسه ممّا تصوّر به قلبه ، وهو صورة # باطنه المسماة بالهمة - وقد وقفت في صدر الكتاب عليه . # والآخر ما يتميّز به عند بني نوعه ممّا يظهر به عندهم من الأعراض الخارجيّة وهو ~~صورة ظاهره المسمّاة بالهويّة وبيّن أن الأول منهما إنما يظهر في الشخص عند تمييزه ~~وبلوغه كمال الاستواء ، فلا يكون للطفل قبل تمييزه منه شيء . # فإذا عرفت هذا تبيّن لك أنّه ليس لتلك الأبناء المقتولين من ذينك التعيّنين شيء ~~مما يعود إليهم . # أم الأول فلم عرفت . # وأم الثاني فلأنهم متعيّنون عند بني نوعه بالتعيّن الموسوي ، متّفقين فيه عندهم ، ~~( لأنّه قتل على أنّه موسى ) ، وهو في نفسه كذلك ، فإنّه إذ لم يكن لهم تعيّن ~~يظهرون به وقد يكمل استعدادهم له ، فإنما يتكوّنون بالتعيّن الكلَّي الغالب الذي له ~~القهرمان في ذلك الزمان على ما هو غير مستبعد ولا خفيّ عند الذكيّ ، الخالص ذائقة ~~فهمه عن شوائب التقليد وتعصّبه ، وإليه أشار بقوله :" إمداد موسى بحياة جميع من قتل ~~من أجله " # قال رضي الله عنه : ( وما ثمّ جهل ، فل بدّ أن تعود حياته ) ، أي حياة من قتل من ~~شخص الإنسان ، بناء على ما مرّ من أنّ في النوع - من الكليّات المتبطَّنة فيه ، # المتقوّمة هو بها - أحكاما وآثارا يظهر بها أفراده ، كالحياة من الحيوان في أفراد ~~الإنسان ، فل بدّ من عود الحياة "على موسى - أعني حياة المقتول من أجله " ضرورة أنه ~~متكوّن بتعيّنه ( وهي حياة طاهرة على الفطرة لم تدنّسها الأغراض النفسيّة ، بل هي ~~على فطرة " بَلى " ) الدالَّة على كمال قابليّته لتربيته الربّ المظهر ، # قال رضي الله عنه : ( فكان موسى مجموع حياة من قتل على أنّه هو ، فكلّ ما كان ~~مهيّأ لذلك المقتول مما كان استعداد روحه له ) مما اشتمل على حقيقته النوعيّة من ~~الحياة والعلم ، اللذين هما أحكام جنسه وفصله ( كان في موسى عليه السّلام ) ، فهو ~~يستمدّ من همم أشخاص الامّة ، كما أنّ محمّدا صلَّى الله عليه وسلَّم يمدّ الهمم - ~~على ما عرفت - ويطلعك عليه م في القرآن الكريم من قوله تعالى حكاية عن موسى : # " رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي " [ 20 / 25 ] وخطابا لمحمد صلَّى الله عليه وسلَّم ~~: " أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ " [ 94 / 1 ] فإنّ الصدر هو طرف ظاهريّة القلب ، ~~وهو صورته المعبّر عنها بالهمّة - كما عرفت . # ولذلك قال رضي الله عنه : ( وهذا اختصاص إلهيّ بموسى لم يكن لأحد من قبله ، فإنّ ~~حكم موسى كثيرة ، وأنا إن شاء الله أسرد منها في هذا الباب على قدر ما يقع به الأمر ~~الإلهي في خاطري ، فكان هذا أوّل ما شوفهت به في هذا الباب ) وهذا من غلبة حكم ~~النبوّة في حكم موسى ، حيث شوفه بها كلام . # قال رضي الله عنه : (فما ولد موسى إلَّ وهو مجموع أرواح كثيرة جمع قوى فعّالة ، ~~لأنّ الصغير يفعل في الكبير ) بم عرفت غير مرّة أنّ التّأثير إنما هو من طرف البطون ~~والصغير قريب العهد به ( أل ترى الطفل يفعل في الكبير بالخاصيّة ، فينزل الكبير من ~~رياسته إليه ، فيلاعبه ويزقزق له ) ويرقصه ( ويظهر له بعقله ، فهو تحت تسخيره وهو ~~لا يشعر ، ثم شغله بتربيته وحمايته وتفقّد مصالحه وتأنيسه ، حتى لا يضيق صدره ) . # قال رضي الله عنه : ( هذا كله من فعل الصغير بالكبير ، وذلك لقوّة المقام ) ~~والمقام والمرتبة هو المؤثّر لبطونه وعدميّته ، وإنما قوى مقامه على الكبير ( فإنّ ~~الصغير حديث عهد بربّه لأنّه حديث التكوين ، والكبير أبعد ) . # القريب من الحقّ تعالى يسخّر البعيد # ثمّ إنّه كم أنّ القرب الزماني من المبدء الحقّ يوجب قوّة التسخير من القريب به ~~على البعيد بذلك البعد - كما في المثال المذكور - فكذلك القرب بحسب قلَّة الوسائط ~~وكثرة وجوه المناسبات - من اللطافة والنزاهة في الجملة - فإنّه أيضا يوجب تسخير ~~القريب به على البعيد ، كم بين الملإ الأعلى والحقّ ، وإليه أشار بقوله : ( فمن كان ~~من الله أقرب سخّر من كان من الله أبعد ، كخواصّ الملك ، للقرب منه يسخّرون ~~الأبعدين ) . # ثمّ إنّ من جهات القرب إلى الحقّ تصحيح نسبة العبوديّة وتخليص رقيقتها عن شوائب ~~التعمّلات الاختياريّة والأحكام الجعليّة ، وإنفاذ أحكامها ومقتضياتها ، من كمال ~~الإذعان وتمام الانقياد والتبرّي عمّا هو مشوب بضرب من الإباء والاستقلال كما ~~للجمادات ، # وإليه أشار بقوله رضي الله عنه : ( كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يبرز ~~بنفسه للمطر إذا نزل ، ويكشف رأسه له حتى يصيب منه ، ويقول : « إنّه حديث عهد بربه ~~» ) أحمد المسند ومستدرك الحاكم و حلية الأولياء . # وهو العهد الذي بينه وبين العباد في ميثاق " أَلَسْتُ " [ 7 / 172 ] بأن لا يشوب ~~رقيقة العبوديّة بما يخالطها ، وقد التزموا ذلك بقولهم : " بلى " . # معرفة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم باللَّه # قال رضي الله عنه : (فانظر إلى هذه المعرفة باللَّه من هذا النبيّ : ما أجلَّها ~~وما أعلاها وما أوضحها ) . # أمّا وجه جلالة هذه المعرفة فهو أنّه مع ختمه سائر الصفات الكماليّة التي للعبد ~~وعلوّ شأنه على البريّة كلَّها ، قد اتّضع للجماد الذي هو أنزل البريّة وأخسّها ~~وهذا صورة تماميّة الجلالة معرفة وعلما ، فإنّه إنما يتمّ كلّ شيء في مقابله عند ~~العارف به ، # وإلى هذا الوجه أشار بقوله رضي الله عنه : # ( فقد سخّر للمطر أفضل البشر لقربه من ربّه ) # في مدارج العبوديّة والبعد العبدي ، الذي هو المسلك الذاتيّ للممكنات ، والطريق ~~الأصليّ للكائنات . # وأمّا وجه علوّها فهو أنّه فهم من وجه عبوديّته هذه لسان الرسالة حيث اتّخذه رسول # ( فكان مثل # الرسول الذي ينزل بالوحي عليه ، فيدعوه بالحال ) # التي عليها # ( بذاته ) # ، فإنّ الممكن له الافتقار والعبوديّة بذاته . # وأمّا وجه وضوحها : فهو أنّه أجاب دعوته وسمع رسالته سماع امتثال وطاعة ، واستقبل ~~بلاغة استقبال شوق وخضوع ، ( فيبرز إليه ليصيب منه ما أتاه به من ربّه ) من الحياة ~~والعلم ، اللذين هما إمام أئمّة الأسماء والحقائق ، وبهما تنفجر عيون مزارع الظهور ~~والإظهار فإنّ للماء دلالة عليهما صورة ومثالا - كما عرفت . # قال رضي الله عنه : ( فلو لا ما حصلت له منه الفائدة له منه الفائدة الإلهيّة ) ~~من لطائف العلوم والمعارف ، ( بما أصاب منه ) على رأسه المنكشف له - الذي هو جمجمة ~~جميع المدارك والمشاعر ، ( ما برز بنفسه إليه ) مستقبل إيّاه ، استقبال رسول كريم . # ( فهذه رسالة ماء جعل الله منه ) كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ " حياة صوريّة طبيعيّة ، ~~ومعنويّة علميّة ، على م هو من خصائص الختمين ( فافهم ) . # هذا حكمة قتل أولاد بني إسرائيل من جهة موسى . # حكمة إلقاء موسى في التابوت ورميه في اليمّ # قال رضي الله عنه : ( وأمّا حكمة إلقائه في التابوت ورميه في اليمّ : فالتابوت ~~ناسوته ) من حيث الحصر والإحاطة ، ( واليمّ ما حصل له من العلم ) ، فإنّ له نسبة ~~إلى العلم حكمة وتلويح . # أمّا الأول فلاشتماله على الماء الذي هو صورة العلم ولكمال سعته وإحاطته . # وأمّا الثاني فلأنّه بيّنات ميمي « العلم » ولامه الظاهر بهما عين عينه عيانا ~~ولذلك جعله إشارة إلى العلم الخاصّ المستحصل من العين ببيّنات أشكالها المنتجة ~~لضروب الحقائق ، وهو العلم الحاصل للنفس ( بواسطة الجسم ، مما أعطته القوّة ~~النظريّة الفكريّة ) من الحقائق التنزيهيّة ( والقوى # الحسّية والخياليّة ) من اللطائف التشبيهيّة كما وقفت عليه . # وأيضا اليمّ : صورة طرفي الجسم وبيّناتهما ، فلذلك جعله إشارة إلى العلم الحاصل ~~من الجسم بتلك القوى ، ضرورة أنّ تلك القوى هي # قال رضي الله عنه : ( التي لا يكون شيء منها ولا من أمثالها لهذه النفس ~~الإنسانيّة إلَّا بوجود هذا الجسم العنصري ) الكثيف وذلك لأنّ القوى المذكورة إنما ~~هي هيئات برزخيّة ، مستحصلة من تعاكس النور المجرّد اللطيف عن الجسم الهيولانيّ ~~الكثيف ، كما عرفت تحقيقه في المقدّمة . # اثر ارتباط النفس مع الجسم في ترقّيها # فالنفس ما لم تحصل له علاقة التصرّف والتدبير في الجسم ، لا يمكن لها وجود قوّة ~~من تلك القوى ولا أمثالها ، مما يستحصل به إدراك المحسوسات من العوارض الجسمانيّة ~~والأشباح الهيولانيّة والمثاليّة والمعاني الجزئيّة ، # قال رضي الله عنه : ( فلما حصلت النفس في هذا الجسم وأمرت بالتصرّف فيه ، جعل ~~الله له هذه القوى آلات يتوصّل بها إلى ما أراده الله منها ) ، من المدارك الجمعيّة ~~الكماليّة الحاصلة من تعاكس النور المجرّد عن الجسم ، مكتسبا منه جمعيّته البرزخيّة ~~متدرّجا في تلك الجمعيّة إلى أن يصل إلى القلب ، # برزخ البرازخ وهو الذي أراده الله من النفس عند تفويض التصرّف إليها ( في تدبير ~~هذا التابوت ) يعني الوعاء الثابت الذي يصلح لأن يودع فيه الجسد عند سكونه عن حركة ~~الحياة واضطرابها ، وصلوحه لأن يستكنّ في القبر ، الذي هو صورة القرب . # تأويل التابوت بالمزاج الإنساني # هذا بحسب العرف واللغة مطلقا ، فإنّه هاهنا في قوله تعالى : "أَنْ يَأْتِيَكُمُ ~~التَّابُوتُ فِيه ِ سَكِينَةٌ من رَبِّكُمْ " . # كناية عن المزاج الإنساني الذي يصلح لأن يظهر فيه الوحدة الاعتداليّة القلبيّة ~~الساكنة المطمئنّة عن الميول الانحرافيّة الأطرافيّة التي هي محل قرب الحقّ وسكينة ~~كمال الربّ وظهوره ، # ولذلك قال رضي الله عنه : ( الذي فيه سكينة الربّ ، فرمى به في اليمّ ) العلمي ~~المحيط بالكل ، ( ليحصل بهذه القوى ) قوّة مسلطة قادرة ( على فنون العلم ) ذوقيّة ~~وبرهانيّة ، بديهيّة وكسبيّة ، كتابيّة وكلاميّة ، رقميّة ولفظيّة ، تشبيهيّة ~~وتنزيهيّة فإنّ هذه الفنون من العلوم انما يستحصل إذا القى موسى النفس إلى تابوت ~~الناسوت والقى في يمّ مداركه الجسمانيّة . # ثمّ إنّه من جملة ما علم من هذه الحكمة الجهة الارتباطيّة التي بين الروح والجسد ~~الجسمانيّ ، وإليه أشار بقوله رضي الله عنه : ( فأعلمه الله بذلك ) التابوت ( أنّه ~~وإن كان الروح المدبر له هو الملك ) في مدينة جمعيّته الإنسانيّة ، ( فإنّه لا ~~يدبّره ) - أي لا يدبّر هذ الجسم الموسويّ الكماليّ تدبيرا يوصله إلى غايته ~~النوعيّة وكماله الحقيقيّ الذي هو صلوحه لأن يكون سكينة للربّ ( إلَّا به ) ، ~~باعتبار استجماع هذا الجسم المنوّر بتدبير الملك صنوفا من القوى والجوارح ، بها ~~تقتنص شوارد الحقائق عن شواهق علوّ إطلاقه . # وقد استقصين الكلام في أمر تلك المملكة وتبيين أشغالها ووجوه عمّالها ، وتفاوت ~~درجاتهم عند تدبير الوصول إلى كمالها في المناظرات الخمس ، من أراد ذلك فليطالع ~~ثمّة . # قال رضي الله عنه : (فأصحبه هذه القوى الكائنة في هذا الناسوت ، الذي عبّر عنه ) ~~عند استشعار التدبير الربطي منه ( بالتابوت من باب الإشارات ) التلويحيّة من الصور ~~الحرفية - وهي أنّ « التابوت » خصوصيّته الفارقة له عن "الناسوت" إنما هو التاء ~~والباء ، اللذان يلوّحان على التدبير الربطي - ( والحكم ) الذوقيّة من النسب ~~المعنوية وهي أنّ الربط بين التابوت وما فيه من الجسد الميّت إلى حيث يتحرّك ~~بتحريكه اليمّ ويسكن بتسكينه إيّاه ، وهي غاية قوّة الجهة الارتباطية . # فعلم أنّ تدبير الروح الذي عليه ملاك أمر الكمال الوجوديّ إنما هو بالجسم ، ومبنى ~~الكل على الجهة الارتباطيّة والنسبة الامتزاجيّة التي بين بين . # كيفيّة تدبير العالم # قال رضي الله عنه : ( كذلك تدبير الحقّ العالم ، ما دبّره إلا به ) نفسه ( أو ~~بصورته ) الوجوديّة التي هذه الأشكال والصور الكونيّة من ظلالها ( فما دبّره إلَّا ~~به ) نفسه كتدبير بعض أجزاء العالم بالبعض وتوقّفه عليه ، ( كتوقّف الولد على إيجاد ~~الوالد ) فإنّ تدبير وجود الولد إنما هو بالوالد وإيجاده إيّاه مع تباين ذاتيهما ~~وضعف القوّة الارتباطيّة . # قال رضي الله عنه : (والمسبّبات على أسبابها ) ، فإنّ تدبير السرير - مثلا - في ~~العالم إنما هو بالنجّار وتخيّله صورته وغايته المترتّبة عليه ، المشوّقة له إلى ~~تحريكه نحو ترتيب المادّة والصورة منه ، وهذا الارتباط أقوى من الأول ، ولكنه إنما ~~يحتاج إلى عدم المانع ووجود المقتضي ، وهو المعبّر عنه بالشرط ، ولذلك قال بعده : ( ~~والمشروطات على شروطه ) فإنّه تدبّر بها ويترتّب عليها وجود المسبّبات ضرورة . # هذا كلَّه في المركَّبات الامتزاجيّة الزمانيّة ، وأمّا في المجرّدات والعقليّات ~~وما بعدها من الحقائق الجلائيّة كتدبير المعلولات بعللها التامّة فإليه أشار بقوله ~~: ( والمعلولات على عللها ) هذا الارتباط مع تباين الوجودين في الخارج وأما فيم لا ~~تغاير بين وجودي المرتبطين في الخارج فلا شكّ في قوّة الجهة الارتباطيّة هناك ، ~~فلذلك تراه موصلا - لمن تحقّق بأحدهما - إلى الآخر. ### || وهما قسمان : # أحدهم م اشتمل على نسبة مستقلة ، # والآخر ما لا نسبة فيه أيضا والأول هو المشار إليه بقوله : ( والمدلولات على ~~أدلَّتها ) ، فإنّه انما يدبّر في تحصيل المدلول بدليله ، والقوّة الارتباطيّة ~~بينهما وصلت إلى مرتبة الاتّحاد ، فإنّ الأدلة تحمل على مدلولاتها بـ هو هو ، ولكن ~~ذلك الاتّحاد في الخارج فقط ، وأمّا في العقل فبينهما تغاير ، ضرورة أنّ الدليل ~~سابق فيه ، وهو الذي توصل المتحقّق به إلى المدلول . # هذا فيما فيه نسبة ، وأمّا ما لا نسبة فيه وهو الغاية في سلسلة الربط الاتّحادي ~~التدبيري فإليه أشار بقوله : ( والمحقّقات بحقائقها ) كالأشخاص المحقّقة الخارجيّة ~~، فإنّه إنما يدبّر تحصيلها بحقائقها النوعيّة التي هي عينها خارجا وعقلا ، ظاهرا ~~وباطن فلا تغفل عن تدرّج هذه القوّة الارتباطيّة إلى الوحدة الجمعيّة العينيّة وما ~~نبّهت عليه في المقدّمة أنّ العالم مشتمل على أفراد وأعيان متفرّقة ، # وعلى نسب جمعيّة بينها ولذلك قال : ( وكلّ ذلك من العالم و ) الارتباط الوحداني ~~منه بين الأفراد ( هو تدبير الحقّ فيه ، فما دبّره إلا به ) . # العالم تجلي الأسماء الحسنى وصفات الحقّ العلى # قال رضي الله عنه : ( وأمّا قولنا : « أو بصورته » أعني بصورة العالم ) إشارة ~~إليه بلسان التفصيل كما عبّر عنه أول بلسان الإجمال ، وذلك لأنّه قد اطَّلعت مما ~~وقفت عليه آنفا أن للعالم صورة كونيّة هي عبارة عن كثرة نسبيّة . # وذلك أعيانه المفردة الظاهرة حسّا - وصورة وجوديّة هي عبارة عن وحدة نسبيّة ، ~~وذلك هي النسب الجمعيّة المتبطَّنة فيه ، الظاهرة أحكامها وآثارها في الإنسان . # وتلك النسب في الحقيقة هي أسماء الحق وأوصافه ، كالحياة والعلم والقدرة والإرادة ~~وغيرها ، وهي التي فيه مستند الأفعال والآثار والأحكام وبيّن أنّ إطلاق صورة العالم ~~على المعنى الثاني منهما غريب في مدارك العامّة من المسترشدين ، # فلذلك خصّه بالذكر قائلا : ( فأعني به الأسماء الحسنى ) . # ثمّ إنّه كم أنّ للعالم ظاهرا محسوسا وباطنا معقولا ، لا بدّ وأن يكون للصورة منه ~~ما يطابق الطرفين جميعا ، فلذلك قال : ( والصفات العلى ) إشارة إلى ما يطابق طرف ~~الباطن منها ، كما أنّ الأول إشارة إلى ما يطابق طرف الصورة وفي عبارته إشارة غير ~~خفيّة إلى الطرفين ، حيث وصفهما بالحسنى والعلى فإنّ الحسن مقتضى الظاهر ، كما أن ~~العلوّ مقتضى الباطن . # ثمّ إنّه يريد أن يبيّن ما به يتحقّق وجوديّة هذه الصورة منهما ، وكونها وحدة ~~نسبيّة فقال : ( التي تسمّى الحقّ بها ) اسما حسنا ( واتّصف بها ) صفة عليّ . # وقوله رضي الله عنه : ( فما وصل إلينا من اسم يسمّى به إلَّا وجدنا معنى ذلك ~~الاسم وروحه ) بطرفيه ( في العالم ) إشارة إلى بيان كونه صورة وذلك أنّ المعنيّ من ~~معنى الشيء هو طرف خفائه واندماج أحكامه وآثاره ، وما يقرب إلى العدم منه . # وبيّن أنّ الصورة الكونيّة بهذه النسبة أولى من الوجوديّ ، فإنّ معنى الأسماء ~~حقيقة هو الأعيان الكونيّة ، وإن كان بحسب مداركنا إذا قسنا إلى الترتيب الواقع ~~فيها ظهر الأمر على عكس ذلك ولكن الكلام هاهنا إنما هو بحسب الأمر نفسه لا بحسب ~~المدارك والمجالي ، فإنّها نسب تتخالف بالاعتبار . # قال رضي الله عنه : ( فما دبّر العالم ) في لسان التفصيل ( أيضا إلا بصورة العالم ~~) . # آدم هو الجامع بين الصورتين # ثمّ إنّ مجموع الصورتين بأحديّة جمع الصور إنما هو صورة الحقّ ، وآدم هو الجامع ~~بينهم # ( ولذلك قال في خلق آدم الذي هو البرنامج ) - معرّب " برنامه " بالفارسية . وفي ~~بعض النسخ : « هو الأنمونامج » ، معرّب " نموذ نامه " . # وعلى التقديرين هو العنوان الجامع لما في صحيفة الكتاب من السلام والأوصاف ~~والأحكام - فإنّ آدم أيضا هو ( الجامع لنعوت الحضرة الإلهيّة التي هي الذات والصفات ~~والأفعال : " إن الله خلق آدم على صورته"). رواه البخاري و مسلم وابن حبان و أحمد ~~في المسند و البيهقي وغيرهم . # فإنّ في اسم « آدم » ما يلوح على المراتب الثلاث التي للحضرة الإلهيّة فإنّ « ~~الألف » إشارة إلى الذات ، و « الدال » الدالَّة على الأسماء إشارة إلى الصفات ، ~~لأنّها مبدأ الاسم ، دالَّة عليه و " الميم " المتمّم للكل إشارة إلى الأفعال كما ~~أن في اسم « الله » ما يلوّح على تفصيل الحضرة الإلهيّة وتكرار اللام الدالّ على ~~الصفات في هذا السياق يلوّح إلى ما للصفات من النسبة إلى الذات ، وهي التي تصير بها ~~أسماء الحقّ وإلى الأفعال والآثار التي باعتبارها تصير عينا . # آدم جامع الأسماء الإلهيّة # قال رضي الله عنه : ( وليست صورته سوى الحضرة الإلهيّة ) الظاهرة بها آدم ، فهو ~~مثله - وليس كمثله شيء . # ( فأوجد في هذا المختصر الشريف ) الممتزج به صور التفاصيل امتزاجا تنعكس به نسبة ~~بعضها إلى البعض ، به يأنس الكلّ ضرورة أنّ الاختصار # يوجب قرب الأجزاء ، والقرب يستلزم الأنس ، فحيثيّة الاختصار فيه هو مبدأ تسميته ~~بالإنسان ، # ولذلك وصفه بقوله رضي الله عنه : (الذي هو الإنسان الكامل جميع الأسماء الإلهيّة ~~) ، التي هي الصورة الوجوديّة للعالم ( وحقائق ما خرج عنه في العالم الكبير المنفصل ~~) بعضها عن البعض ، فإنّه أعيان مفردة متمايزة بالذات كثيرة ، وهي الصورة الكونيّة ~~للعالم ، فللإنسان الصورة الكاملة الجامعة بين الجمع الوجوديّ والتفرقة الكونيّة . # آدم روح العالم والعالم مسخّر له # قال رضي الله عنه : ( وجعله ) باعتبار تلك الجمعيّة والكمال ( روحا للعالم ) ، ~~مقوّما لأعيانه المتفرّقة المنفصلة بالذات ، بأن صيّر ذلك الكثير شخصا واحدا ، ~~تقويم الروح الحيواني جسده . # ( فسخّر له العلو ) # وهو طرف اللطائف الروحانية والمجرّدات # ( # والسفل ) # وهو طرف الكثائف الجسمانيّة والمتعلَّقات بالموادّ الهيولانيّة ، # ( # لكمال الصورة ) # الجامعة بين الكيانيّة من الصور والإلهيّة منها وبهذا الكمال يطلق عليه المثليّة ~~. # قال رضي الله عنه : ( فكما أنّه ليس شيء من العالم إلا وهو يسبح الله بحمده ) بما ~~يعطيه حقيقة ذاته ، ( كذلك ليس شيء في العالم إلَّا وهو سخّر لهذا الإنسان لما ~~تعطيه حقيقة صورته ، فقال ) مفصحا عن ذينك الطرفين : ( " وَسَخَّرَ لَكُمْ ما في ~~السَّماواتِ وَما في الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه ُ " فكلّ ما في العالم تحت تسخير ~~الإنسان علم ذلك من علمه ، وهو الإنسان الكامل ) لأنّه ظاهر بصورته الكماليّة ~~الكلاميّة # الإظهاريّة ( وجهل ذلك من جهله ، وهو الإنسان الحيوان ) لاندماج ذلك الكمال في ~~المادّة الحيوانيّة الظهوريّة فقط . # عود إلى بيان حكمة إلقاء موسى في اليمّ # ثمّ إنّه يمكن أن يقال : إذا كان ظلمات بحر الحيوان مما يوجب خفاء تلك الصورة ~~الكماليّة الإظهاريّة والجهل بمقتضاها ، فكيف يتصوّر أن يجعل اليمّ إشارة إلى العلم ~~الحاصل بواسطة الجسم ، كما أشار إليه # فاستشعر لم يندفع به ذلك بقوله رضي الله عنه : ( فكانت صورة إلقاء موسى في ~~التابوت وإلقاء التابوت في اليمّ صورة هلاك ) ، كم هو الظاهر من التابوت وإلقائه في ~~اليمّ ، ( وفي الباطن كانت ) الصورة المذكورة ( له نجاة من القتل ) فكذلك يمّ ~~الإدراكات الجسمانيّة وإلقاء موسى إليه بعد إلقائه في التابوت من القوى الجسمانيّة ~~الحاصرة له ، وإن كان في الظاهر صورة هلاكه في ظلمات الجهالة ، ولكن في الباطن له ~~نجاة منها . # الإحياء بالعلم # قال رضي الله عنه : ( فحيّي ) بماء هذا اليمّ ( كما يحيي النفوس بالعلم من موت ~~الجهل ، كما قال : " أَوَمن كانَ مَيْتاً " يعني بالجهل " فَأَحْيَيْناه ُ " يعني ~~بالعلم ) هذا في العلم الظاهر للعالم باعتبار ظهوره له ، وأما باعتبار إظهاره للغير ~~، # فإليه أشار بقوله رضي الله عنه : ( " وَجَعَلْنا لَه ُ نُوراً يَمْشِي به في ~~النَّاسِ " ) أي يسلك فيهم وبهم مسلك السداد ، ( وهو الهدى " كَمَنْ مَثَلُه ُ في ~~الظُّلُماتِ " ) أي ظلمات الموادّ الهيولانيّة (وهي الضلال " لَيْسَ بِخارِجٍ ~~مِنْها " أي لا يهتدي أبدا ) ولا يترقّى من مهاوي تلك المدارك الجسمانيّة إلى ~~الحقائق الجمعيّة الكماليّة ، # كما عرفت ( فإنّ الأمر في نفسه ) - صعودا كان أو هبوطا - ( لا غاية له يوقف عندها ~~) وينقطع بها السلوك ويتمّ الوصول . # الهدى عبارة عن الاهتداء إلى الحيرة # قال رضي الله عنه : ( فالهدى هو أن يهتدي الإنسان إلى الحيرة ، فيعلم أنّ الأمر ~~حيرة ) وذلك لأنّ النقائض والأضداد متعانقة في الوحدة الحقيقيّة والهويّة ~~الإطلاقيّة ، وتقابل الأحكام مم يوجب الحيرة ضرورة . # هذا من جهة المسلك . وعلم أنّه ليس فيه ما ينقطع به السلوك ، وكذلك من جهة السالك ~~لا يمكن له أن يقعد عن السلوك ، فإنّ الأمر حيرة كما عرفت . # قال رضي الله عنه : (والحيرة قلق وحركة ، والحركة حياة ، فلا سكون ، فلا موت - ~~ووجود فلا عدم ) . # ( وكذلك في الماء الذي ) بحسب الظاهر سبب خراب الأرض وهدم صورة جمعيّته ، فإنّه ( ~~به حياة الأرض و ) به ( حركتها ) كما كشف عنه ( قوله : فـ " اهْتَزَّتْ" ) . # ( و ) به ( حملها - قوله : " وَرَبَتْ " ) ( و ) به ( ولادتها "وَأَنْبَتَتْ من ~~كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ " أي أنّها ما ولدت إلا من يشبهها ، أي طبيعيّ مثلها ) # فالزوج عبارة عن الولد هاهنا ، فإنّه زوج والده بحسب المماثلة الطبيعيّة ، وصورة ~~بسطه على م دلّ عليه بهيج . # الزوجية تلزم الوجود # قال رضي الله عنه : ( وكانت الزوجيّة التي هي الشفعيّة لها بما تولَّد منها وظهر ~~عنها ، كذلك وجود الحقّ كانت الكثرة له وتعداد الأسماء أنّه كذا وكذا بما ظهر عنه ~~من العالم ) ظهور الزوج عن النابت له ، وهو ( الذي يطلب بنشأته ) الحاملة لسائر ~~القوابل ( حقائق الأسماء الإلهيّة ) التي هي أولاد القوابل وأزواجه ، طلب اهتزاز ~~وانبساط وربى ، ( فنبت به ، وبخالقه أحديّة الكثرة ) أي نبت بالعالم وبخالقه شجرة ~~أحديّة الكثرة العدديّة التي هي ذات ثمار كريمة ونعم جسيمة ومن ذلك جلائل العلوم ~~وفنون الحقائق التي ظهرت من الحروف المتعدّدة وأعداده . # فقد ظهر من هذا أنّ الشفعيّة والزوجيّة التي هي أحديّة الكثرة تلزم وجود الحقّ ~~بما ظهر عنه . # قال رضي الله عنه : ( وقد كان ) قبل هذا الطلب ( أحديّ العين من حيث ذاته ) فنبت ~~أحديّ العين ، أحديّ كثرة نبات الواحد العددي سائر المراتب العدديّة المتكثّرة . # هذا مثاله في العقل ، وأمّا ما في الخارج منه فهو المشار إليه بقوله : ( كالجوهر ~~الهيولانيّ ، أحديّ العين من حيث ذاته ، كثير بالصور الظاهرة فيه ، التي ) ذلك ~~الجوهر الهيولانيّ ( هو حامل لها بذاته ) ، فإنّه من حيث أحديّة عينه محيط بالصور ~~الكثيرة ، إحاطة الحامل بالجنين . # ومن هاهن ترى كلمة المشّاءين وغيرهم من الحكماء متّفقة على أنّ وحدة الهيولى ~~شخصيّة لا غير ، ( كذلك الحقّ بما ظهر منه من صور التجلَّي ، فكان مجلى صور العالم ~~مع الأحديّة المعقولة ) كما أنّ الجوهر الهيولاني مع أحديّة عينه مجلى سائر صوره ~~النوعيّة وتنوّعاته الطبيعيّة ، التي أرض قابليته أنبتت بها من كلّ زوج بهيج . # قال رضي الله عنه : (فانظر ما أحسن هذ التعليم الإلهي الذي خصّ الله بالاطلاع ~~عليه من شاء من عباده ) من أمر التولَّد والتوالد الواقع بين الوالد وزوجه ، ومن ~~أمر تعانق الأطراف الموجب للحيرة كالنجاة من القتل في صورة الهلاك ، والاهتداء في ~~صورة الضلال ، والعلم في الحيرة ، وتربية الأرض وإنباتها في صورة الهدم وتخريبها ، ~~وأحديّة العين في كونه مجلى للكثير . # كلّ ذلك قد استشعر من الآيات الدالَّة عليه ، دلالة غير خفيّة على الخواصّ من ~~عباده من الورثة الختميّة الواقفين على مطلع الآيات وغاياتها وفي عبارته ما يشعر به ~~. # تسمية موسى وحضانة آل فرعون له # ثمّ إنّه تنشعب من هذا الأصل تربية آل فرعون موسى : ( و ) لذلك ( لما وجده آل ~~فرعون ) يعني القوى الطبيعيّة الهيولانيّة ( في اليمّ عند الشجرة ) ، وهي الجمعيّة ~~الحيوانيّة بأصولها وفروعها وشعبها وأغصانها وثمرتها ، وهي الإنسان ( سماه فرعون : ~~موسى ) فإنّ من شأن المقابل أن يسمّى # مقابله الآخر بما عنده من وجوه النسبة ، كالابن ، فإنّه الذي سمّى الأب أبا ، كما ~~قيل : « فبضدها تتبيّن الأشياء » . # قال رضي الله عنه : ( و « المو » هو الماء بالقبطيّة ، و « السا » هو الشجرة ~~فسماه بما وجده عنده ) من الماء الذي هو صورة العلم والنطق ، والشجرة التي هي صورة ~~الجمعيّة الحيوانيّة ( فإنّ التابوت ) - يعني الناسوت ، باعتبار تدبير الظاهر بين ~~بين ، تدبيرا وحدانيّ الحكم ، تامّ الأثر - ( وقف عند الشجرة في اليمّ ) لا يتجاوز ~~عن تلك الجمعيّة مزاجا ، وقوف تنزّل الوحدة الجنسيّة لذي الطبيعة الحيوانيّة طبعا . # تأويل فرعون وموسى # وإذا كان فرعون صورة شخصيّة تلك الطبيعة من حيث حيوانيّتها الجنسيّة فإنّه هو ~~الإنسان الحيوان كما أنّ موسى صورة شخصيّة تلك الطبيعة أيضا ، ولكن من حيث بلوغه ~~ونوعيّتها الكماليّة ، فلذلك قابله ( فأراد قتله ) وإبادة ما له من البنيان الجمعيّ ~~الكمالي المتوجّه إلى إبادة فرعون ( فقالت امرأته ) وهي التي تحت فرعون الطبيعة ~~الهيولانيّة الفرقيّة العينيّة ، من الجمعيّة المتبطَّنة فيها ، الحاكمة عليه ~~بالصوت النطقي ، وذلك عين حقيقتها الذاتيّة - كما ستقف عليه – # ولذلك قال رضي الله عنه : ( وكانت منطقة بالنطق الإلهي ) الذي به نطق كلّ شيء ( ~~فيم قالت لفرعون ، إذ كان الله خلقها للكمال ) ولهذا أنطقه بالكلام الذي هو صورة " ~~الكمال ". # الجنس والفصل # ثمّ إنّه ل بدّ من الإفصاح هاهنا عن تتميم هذا المساق والإبانة عن الجهات ~~الارتباطيّة التي بها يتكلَّم لسانه هذا في وجوه تأويله ، وذلك بأن يفهم من فرعون ~~صورة حصّة المادّة الجنسيّة من الحيوان ، فإنّه المسمّي ما تحته ، # كما أشار إليه في تسمية موسى وامرأته التي تحته هي صورة حصّة طبيعة الفصل الذي ~~للحيوان ، فإنّها خلقت لكمال هذه المادّة وتحصيلها مواسية لها ومساوية إيّاها ، كما ~~أنّ مريم ابنة عمران صورة فصل الإنسان ، فإنّها ولدت من الحيوان الذي هو صورة عمران ~~العالم ، كما ولدت منها كلمة الله عيسى ، الذي هو صورة تمام المراد . # وهاتان المرأتان في الصدر الأول هما الكاملتان باعتبار مبدئيّتهما للشعور ~~والإشعار ، ومصدريّتهما للظهور والإظهار . # وأما وجه المناسبة : فهو أنّ الفصل مصدر حمل النوع وفصاله ، كما أنّ الجنس مبد ~~تلك المادّة التي بها حمل الفصل وفصاله . # فلئن قيل : إنّ الجنس متوغَّل في بطون إبهامه وغيب غمومه ، وكذلك الفصل من حيث ~~أنّه كلَّي ، وبيّن أنّ هذه القصص التنزيليّة إنما هي حكاية أشخاص عينيّة خارجيّة ، ~~فكيف يتصوّر تنزيله على الكلَّيات وتأويلها بها ؟ . # قلنا : كانّك قد اطَّلعت مما مهّدنا في الفصّ الآدمي أنّ لكل من تلك الكلَّيات من ~~حيث طبيعته حقيقة نوعيّة واحدة بالذات في مرتبته ، سواء # كان ذلك جنس أو نوعا ذاتيّين ، أو عرضا وخاصّا خارجيّين بالقياس إلى الأفراد ~~المفروضة لدى البحث - كما بيّن وجه تحقيقه في الصناعة الباحثة عنه - وتلك الحقيقة ~~هي التي يتحصّل بها لأشخاص التي لها ، متعيّنة في الخارج ، فإنّه إذا تأمّلت في ~~الجوهر - مثلا - صادفته عند تحصّل حقيقته النوعيّة في مرتبته التي قد علت على جملة ~~الممكنات قد تعيّن في الخارج بصور اشخاص الملإ الأعلى ، أهل التقديس والتسبيح ، ~~فإنّ العلويات - على تفاوت درجاتهم - أفراد حقيقته النوعيّة ، وهم الذين قابلوا آدم ~~في الخلافة الإلهيّة. # خاصيّة الإنسان وأقسامه # ثمّ إنّه إذ تقرر هذا ، فاعلم أنّه قد ظهر لك غير مرّة أنّ الإنسان من حيث هو ~~قابل لظهور أحكام سائر الكلَّيات بأجناسها المترتّبة ، ومصدر نفوذ آثارها ، فإنّ ~~الإنسان صورة عين الكلّ ، فمن أفراده من ظهر بأحكام العوالي وغلب عليه آثارها ~~الخاصّة بها ، وهم الواقفون في مواقف التسبيح والتقديس - كما وقفت عليه - ومنهم من ~~غلب عليه أحكام الأواسط والأسافل ، # وبه قابل من غلب عليه أمر الاعتدال الإنساني والحكم الجمعيّ المضادّ لسائر ~~الخصوصيّات من الكمّل ، الظاهرين في كلّ زمان بحسبه كفرعون فإنّه لغلبة حكم الطغيان ~~- الذي هو مقتضى الطبيعة الحيوان ، # آخر تنزّلات تلك السلسلة - قابله موسى في أمر العبوديّة التي هي مقتضى العدالة ~~الإنسانيّة وكذلك لكل نبيّ مقابل في مرتبته من تلك السلسلة به يظهر ، " وَكَذلِكَ ~~جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّ شَياطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ " # وتفصيل الكلام في مثل هذا المرام يقتضي مجالا آخر - يسّرنا الله لذلك . # ثمّ هاهن نكتة إجماليّة لا يبعد أن يدرج فيه ويومي إليه ، : # وهي أنّ الأول في كل ترتيب ونظام له حكم العلوّ والشرف فيه ، كما أنّ الآخر منه ~~له حكم الجمعيّة والكمال فالمستعدّ للظهور في كلّ نظام هو الأول منه والآخر ، وما ~~بينهم ظهوره بحسب القرب من أحدهما والتشابه به ، # ففيما نحن فيه من السلسلة الإنبائيّة الإظهاريّة له هذا السبيل ، ومن هاهنا ترى ~~ورود قصّة آدم وموسى في التنزيل القرآني أكثر من سائر القصص . # ثمّ إنّه ل يخفى على الواقفين بأساليب اولي الذوق ، من مستكشفي رموز التنزيل ~~ولطائف التأويل ، أنّ تنزيل فرعون على هذا المعنى أعلى وأحكم تطبيقا من النفس ~~الأمّارة التي هي بعض تنزّلات النفس الناطقة بعينها ، المسمّاة بالروح ، الظاهرة ~~بالتابوت ، الذي هو الناسوت الموسوي - على ما صرّح به الشيخ . ### || "" أضاف المحقق : # تعريض لقول القاشاني: " على تأويل التابوت بالبدن الإنساني وموسى بالروح يأول ~~فرعون بالنفس الأمارة والشجر بالقوة العلوية " . "" # أم الأول : فلأنّ هذه الصورة للنفس إنما هي من أحكام تلك الحصّة وآثارها الظاهرة ~~وعينها ، فهذ المعنى أيضا مما يندرج فيما نزّلنا عليه فله العلوّ . # وأمّ الثاني : فلأنّ ما نزل عليه فرعون مما أشرنا إليه حقيقة مستقلَّة في الأثر ~~لها سدنة خاصة وأهالي ممتازة في الوجود والأثر ، منها ما هو أقرب من الكلّ يمتزج به ~~تحته امتزاج حمل ويتولَّد من ذلك الامتزاج آخر من جنسه ، فهو الصالح لأن يكون مرآته ~~إذ الآثار الإدراكيّة التي هي مبدأ الكمال ومصدر الإذعان والإيمان منها ، # كما دلّ عليه الآيات الكاشفة عنها ، وبيّن أنّ الأصول إنما يتمّ عند تطبيقها ~~بسائر الفروع وأحكامها ، سيّما فيما نزل عليه الحقائق التنزيليّة . # ثمّ هاهنا نكتة تؤيّد ذلك التطبيق وتقرره : # وهي أنّه قد ثبت في الميزان العقليّ أنّ الفصل له نسبتان إلى الجنس : # إحداهم تقويم أمره وتحصيل حقيقته بالامتزاج الحملي ، وهي نسبة الزوجيّة # والأخرى تقسيم تلك الحقيقة بعد الحمل والفصال إلى ما يتولَّد من ذلك الامتزاج ~~الحملي ، وهو المعبّر عنها بنسبة البنت # وقد عرفت أيضا أنّ الخاتم صورة كماليّة الكلّ ، وشخص جمعيّة الجميع وعينه ، فجمع ~~فيه النسبتان ضرورة . # وإلى ذلك كلَّه أشار بقوله صلى الله عليه وسلم : " كملت من النساء أربع : مريم ~~بنت عمران ، وآسية امرأة فرعون ، وخديجة ، وفاطمة " . # ويمكن استخراج كثير من الحقائق الجليلة عنه بهذا التطبيق فلا تغفل عنه . # ثمّ إنّ هذ على حدّ ما ذهب إليه الشيخ في سياقه هاهنا ، ويمكن تنزيل كلّ من هذه ~~الكلمات على غير ذلك مما ينطوي عليه وعلى غيره علوا من الأصول المنبئة بحسب ~~المؤيّدات الحكميّة والبيّنات التلويحيّة ، مما قضى الزمان به ، إن قادنا التوفيق ~~الإلهي نتعرّض بجملة منها في مجال غير هذا إن شاء الله تعالى . # ثمّ إنّه قد علم في طيّ هذه النكت وجه قوله : ( كما قال عليه السّلام عنها حيث ~~شهد له ولمريم بنت عمران بالكمال الذي هو للذكران ) . # فإنّهم طرف ظهور الحقّ - على ما بيّن تحقيقه في الفصّ الأول - على ما دلّ عليه ~~لفظ « الذكران » ، وهن طرف خفائه وستره على ما لا يخفى وقد عرفت وجه اختصاص هاتين ~~المرأتين بالكمال بلسان هذا السياق ، فلا نعيده . # تأويل قول آسية # قال رضي الله عنه : (فقالت لفرعون في حق موسى : إنه " قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ~~" فيه قرّت عينها بالكمال الذي حصل لها ، كما قلنا ) وهذا من مؤيّدات ذلك التأويل ~~فإنّ « الكمال » هو « الكلام » تلويحا وتحقيقا ، كما عرفت غير مرّة وهو إنّما حصل ~~لفصل الحيوان الذي هو مبدأ سائر الإدراكات بوحدانيّة الناسوت ، فهو قرّة عين له ، ~~كما أنّه قرّة عين للحيوان ، فإنّه مبدأ إذعانه ، وكسر شكيمة عصيانه الذي هو مقتضى ~~ذاته . # إيمان فرعون # وإليه أشار بقوله : ( وكان قرّة عين لفرعون بالإيمان الذي أعطاه الله ) فإنّه حصل ~~له الإيمان من الوهب الإلهي ، وأصل ما هو عليه إنّما هو الإباء والعصيان ، # وذلك الوهب إنّما فاز به عند إعداده المحلّ يعني ( عند الغرق ) في بحر الوحدة ~~الإطلاقية ، باقتفائه آثار موسى ومتابعته إيّاه في الخوض فيما خاض # قال رضي الله عنه : ( فقبضه طاهرا ) من حدث الشرك بمتابعته موسى ، ( مطهّرا ، ليس ~~فيه شيء من الخبث ) يعني خبث الإباء والعصيان . # قال رضي الله عنه : ( لأنّه قبضه عند إيمانه ) وإذعانه لموسى بالتزام المتابعة ~~فدخل في الإيمان قولا وفعلا ( قبل أن يكتسب شيئا من الآثام ، و « الإسلام يجبّ ما ~~قبله » ) ### || "" أضاف الجامع : # ( الإسلام يجبّ ما قبله حقيقة وقاعدة راسخة أجمعت عليه الأمة والأئمة ، وهي ~~متواترة في جل كتب تفاسير القرآن وكتب شراح الحديث وكتب الفقة .) # ووردت بحديث : (قد عفوت عنك، وقد أحسن الله بك حيث هداك للإسلام، والإسلام يجب ما ~~كان قبله ) . قاله لهبار بن الأسود أسلم بعد فتح مكة . أوره جمع الجوامع للسيوطي و ~~كنز العمال للمتقي الهندي # وشاهد لها حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التائب من الذنب، كمن لا ~~ذنب له» رواه ابن ماجة والطبراني والبيهقي وابي نعيم في حلية الأولياء وغيرهم . # ،وفي رواية أخرى : (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التائب من الذنب، كمن لا ~~ذنب له» ثم تلا "إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين") . "" # وذلك أنه عبارة عن الدخول في الوحدة الوجوديّة الجمعيّة الكماليّة الظاهرة في كل ~~زمان بصورة الرسول المبعوث فيه على لسان قومه ، والإذعان فيه لأحكامه ومقتضياته ، ~~فيجبّ حينئذ حكم التفرقة العدميّة التي لذلك الشخص قبل دخوله في هذه الوحدة ~~الوجوديّة جبّ سائر الأحكام العدميّة التي قبل هذه النشأة بالدخول فيها. # ثمّ إنّ هذ الكلام مما تفرّد به الشيخ المؤلَّف بين أئمة الإسلام ، وبذلك سار ~~مضغة للقاصرين عن فهمه من أهل الظاهر جميعا ، وشنعة عند الذاهلين من فرق المعطَّلين ~~كلهم ، # فتعرّض أولا لما يصلح لأن يكون حجّة للمسترشدين عليهم من النصوص التنزيليّة ، # وثانيا لما يمكن أن يدفع به ما يستدلَّون منه على عدم الاعتداد بإيمانه ذلك على ~~قواعدهم . # فإلى الأول أشار بقوله : ( وجعله آية على عنايته سبحانه ) على ما نصّ عليه بقوله ~~: # "فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً " فإنّه ~~إنّم يكون آية لو كان من أهل النجاة مقبول الإيمان ، ليدلّ على أنّه عناية الحقّ ~~غير متعلَّقة بطاعة العبد وعصيانه ، فإنّ ذلك ( لمن يشاء ، حتى لا ييأس أحد من رحمة ~~الله ، فإنّه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون ) وفي هذا الحصر دلالة على ~~عدم دخول فرعون فيهم ، فإنّه ما ييأس من رحمة الله ، ( فلو كان فرعون ممن ييأس ما ~~بادر إلى الإيمان ) . # فعلم إن إيمانه هذا ليس إيمان الغرغرة عند اليأس - على ما ذهب إليه الظاهريون - ~~كما يتّفق للكافرين عند ظهور أحكام الدار الآخرة عليهم ، بعد تعطيل قواهم الحسيّة ، ~~فإنّ ذلك عند اليأس ، وهو الذي لا يعتبر شرعا وأمّا فرعون فهو على ثقة من النجاة ~~بإيمانه ، لما رأى طريقا واضحا في البحر يختصّ بالمؤمنين من بني إسرائيل ممّن تابع ~~موسى ، وبيّن أنّ التجربة إذا شوهدت مكرّرة مما يفيد اليقين ، فهو على يقين من ~~نجاته ، فضلا عن أنّه ييأس منه . # قال رضي الله عنه : ( فكان موسى كم قالت امرأة فرعون فيه ) منطقا بالنطق الإلهي : ~~(إنّه " قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ " ، " عَسى أَنْ يَنْفَعَنا " وكذلك وقع ، فإنّ ~~الله نفعهما به ، وإن كانا ما شعرا بأنّه النبيّ الذي يكون على يديه هلاك ملك فرعون ~~وهلاك آله ) . # ردّ موسى إلى امّه # ( ولما عصمه الله من فرعون ) وإجراء أحكامه الخاصّة به عليه ، من الانقهار تحت ~~ظلمته الطبيعيّة وإبادة ما عليه جبلَّة موسى من الأنوار الكماليّة العلميّة ( " ~~أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى " ) التي ألقاه في التابوت ، فألقاه في اليمّ - ( " ~~فارِغاً " من الهمّ ) مطلقا ، عن الهويّات المقيّدة له من ( الذي كان قد أصابها ) ~~قبل ، فما تقيّد بشيء ممّا كان مقيّدا به قبل تلك العصمة ، فتأكَّد بهذه الفراغة ~~والإطلاق الباطني رقيقة النسبة بينها وبين ابنه . # وقد عرفت أنّ امّ موسى هي عبارة في سياقه هذا عن الصورة الفصليّة التي بحملها ~~وفصالها تتحقّق الحقيقة الكليميّة ، وذلك مبدأ صنوف الكمالات العلميّة ومولد جملة ~~اللطائف الإدراكيّة ، فمن أفراد تلك الحقيقة الكماليّة من اغتذى عند الرضاع بغير ما ~~أرضعته امّه التي منها فصاله ، وذلك من جهة تقيّد قابليّته وعدم فراغ امّه فممّا ~~اختصّ به موسى فراغها وإطلاقها الذي به كملت النسبة بينها وبين ابنه . # قال رضي الله عنه : ( ثمّ إنّ الله حرّم عليه المراضع حتى أقبل على ثدي أمّه ، ~~فأرضعته ، ليكمّل الله لها سرورها به ) وانبساطها منه ، حتى يظهر به سائر الحقائق ~~العلميّة من المعارف الإلهيّة . # الشرائع # قال رضي الله عنه : ( كذلك علم الشرايع ) الكاشفة عن أصل الأمر كلَّه ، فإنّه ~~يبيّن أحكام أفعال الإنسان الذي هو الآخر في تنزّلات الوجود ونهايتها ، وقد عرفت ~~مرارا أنّ الأول هو الآخر عينا ، والنهاية هو البداية حكما ، ( كما قال : " لِكُلٍّ ~~جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً " ) أي طريقا نشأ منكم (" وَمِنْهاجاً " أي من تلك ~~الطريقة جاء ) الكل ، ( فكان هذا القول إشارة إلى الأصل الذي جاء منه ) # الكل ، يعني القابليّة الأولى التي هي الامّ ، ومنها يغتذي الجميع وبها يقوم ~~أمرهم ( فهو غذاؤه ، كما أنّ فرع الشجرة لا يتغذّى إلا من أصله ) ، وهو مزاج واحد ل ~~اختلاف فيه أصلا ، فالاختلاف إنّما ظهر بالمغتذي عند تفنّن مقتضياته وتشعّب جهات ~~وجهته وطرق نباته ، ( فما كان حراما في شرع يكون حلالا في شرع آخر يعني في الصورة ) ~~التي هي ثمرة شجرة الظهور ، وأنهى ما يتفرّع على الأصل من فنون مراتبه وصنوف ~~تنوّعاته . # وبيّن أن الأحكام الشرعيّة لا تظهر لها صورة محسوسة إلَّا في مرتبة الكلام ، فقال ~~مفصحا عنه : ( أعني قولي يكون حلالا ) والفعل الذي هو معروض الحلَّية التي ظهرت بهذ ~~القول في زمانه ، غير ما هو معروض الحرمة فيما قبله منه ، كحرمة الجمع بين الأختين ~~مثلا في شرعنا فإنّ تزويجهما في الشرائع المتقدمة كان حلالا، والأختان في تلك ~~الشرائع غير الأختين في شريعتن . # وبيّن أنّ الفعل - أعني التزويج - وإن كان واحدا في الصورتين صدقا ومفهوما ، ( و ~~) لكن ( في نفس الأمر ما هو عين ما مضى ، لأنّ الأمر خلق جديد فلا تكرار ) في ~~الوجود أصلا ، كما سبق بيانه . # فعلم بذلك أنّ الغذاء له الوحدة الأصليّة ، وإن اختلفت الصور من المغتذي بحسب ~~اختلاف الأزمنة وتباين مقتضياتها ، فإن نشوء كلّ أحد إنّما يتصوّر أن يكون مما حضر ~~في وقته ، فل يغتذي إلا من طرّيات لحوم زمانه ، ولا يحتظي إلا بيوانع أثمار أوانه ، ~~وأم الاغتذاء من الأصل والارتضاع من امّ الولادة فليس حدّ كلّ أحد ( فلهذا نبّهناك ~~) على اختصاص موسى بذلك . # الأمّ من أرضعت ، لا من ولدت # قال رضي الله عنه : ( وكنّى عن هذا ) الاختصاص ( في حق موسى بتحريم المراضع ، ~~فامّه ) التي فرغ فؤادها له ( على الحقيقة من أرضعته ، لا من ولَّدته ، فإنّ امّ ~~الولادة حملته على جهة الأمانة ، فتكوّن فيها ) بدون جعل منها ( وتغذّى بدم طمثها ~~من غير إرادة لها في ذلك ، حتى لا يكون لها عليه امتنان ، فإنّه ما تغذّى إلا بما ~~لو لم يتغذّ به ولم يخرج عنها ذلك الدم لأهلكها وأمرضها فللجنين المنّة على امّه ~~بكونه تغذّى بذلك الدم ، فوقاها بنفسه من الضرر الذي كانت تجده ، لو امتسك ذلك الدم ~~عندها ولا يخرج ولا يتغذّى بها جنينها والمرضعة ليست كذلك ، فإنّها قصدت برضاعته ~~حياته وإبقاءه ) . # تأويل الإيلاد والرضاع # ثمّ إنّ هاتين المدرجتين من الامّ في تربية الولد ، يمكن تطبيقها على ما نزلت ~~عليه وأولت به من الحصّة الكماليّة المذكورة ، التي عبّر عن باطنها بالعلم ، وعن ~~ظاهره بالنطق ، # وذلك في الإنسان هي خصوصيّته المنفرد هو بها وذلك أنّ لها مرتبتين في تربية ~~الحقيقة النوعيّة المتولَّدة عنها ، إحداهما عند حملها في بطون العقل إيّاه بتقويم ~~مفهومه الحدّي العقلي وسائر ما يلزمه من النسب الاعتباريّة # التي لا تزال في بطون العقل مقصورا بها ، وبيّن أنّ ذلك التقويم والتصوير من ~~فضلات تلك الحصّة الكماليّة ، حيث أنّها لو لم تصدق على الجنين العقلي وتتّحد بها ~~لأهلكت تلك الطبيعة وبطلت عن وحدتها الوجوديّة ، # وذلك التقويم والاغتذاء إنما هو في العقل من غير اختيار لتلك الحصّة فيه ، فإنّ ~~ذلك قبل ظهوره في العين ، # والأخرى عند فصالها في الأفراد الخارجيّة التي لذلك النوع ، بتكميل تلك الحصّة في ~~عينها إيّاه ، وإظهار آثارها الكماليّة فيها من العلم الذي هو الحياة الحقيقة ~~والبقاء السرمدي ، كما أشار إليه في تربية المرضعة . # ثمّ إنّ الارتضاع من هذه الحصّة الكماليّة التي هي خصوصيّة هذا النوع وهو عبارة ~~عن الاغتذاء بلبن العلم الجمعيّ القلبىّ ، الذي هو مؤدّى النطق الإنساني قلَّما ~~يهتدي إليه الأولاد من أفراده ، ضرورة أنّ ذلك مما تفرّد به واحد بعد واحد من ~~الكمّل فإنّ العامّة من أفراد هذا النوع يرتضعون بغير زوجة هذا النوع التي هي امّ ~~الولادة لهم ، # فإنّهم إنّم يغتذون في مهد قبولهم باللذات الجسمانيّة وما يترتّب عليها في ~~مداركهم الجزئيّة في طائفة ، وباللذات الروحانيّة وما يترتّب عليها في مداركهم ~~الكليّة في أخرى وبيّن أنّ ذينك الغذائين لا يستفاضان من امّ ولادتهم - أعني النطق ~~الإنساني والعلم الجمعي - بل من امّهات أخر أجنبيّات . # قال رضي الله عنه : ( فجعل الله ذلك ) الرضاع ( لموسى في امّ ولادته ، فلم يكن ~~لامرأة عليه فضل إلَّا لامّ ولادته ، لتقرّ عينها أيضا ) - كما قرّت عين فرعون ~~وامرأته # ( بتربيته ) هذا عند ظهور آثارها به في العين ، ( وتشاهد انتشاه في حجرها ) ، أي ~~عند عروجه في مراقي أمر الإظهار أيض يشاهد امّه أنّه في طيّ تربيتها وحجر اصطناعها ~~، فتنبسط به ( " وَل تَحْزَنَ " ) ومن ثمة اختصّ بكمال الصورة الكليميّة ، ( ونجّاه ~~الله من غمّ التابوت ) المادّة الجسميّة ، ( فخرق ظلمة الطبيعة بما أعطاه الله ) ~~عند فوزه برتبة الكمال الكليمي ( من العلم الإلهي وإن لم يخرج عنها ) بحسب تعيّنه ~~الجسديّ . # فنبّه بهذ أنّ العروج في معراج الكمالات إنما هو بالعلم والخلاص من ظلمات المراتب ~~الطبيعيّة الكونيّة لا يتحقّق إلَّا به . # قتل القبطي وتأويله # قال رضي الله عنه : ( وفتّنه فتونا - أي اختبره في مواطن كثيرة ) ظلمانيّة عند ~~مقابلة فرعون ، ونورانيّة عند مصاحبة خضر ، ( ليتحقّق في نفسه صبره على ما ابتلاه ~~الله به فأوّل ما ابتلاه الله به قتله القبطيّ بما ألهمه الله ووفّقه له ووقى شرّه ~~) عند النهوض بمقابلته ، والقبط على طبق ما ذكر من التأويل كناية عن الشركة ~~التطبيقيّة التي من قبل المادّة الجنسيّة . # وفي بعض النسخ : « ووفّقه له في سرّه » - ( وإن لم يعلم له بذلك ) الإلهام ~~والتوفيق ، ( ولكن ) يظهر أثره عنده ، وهو أنّه ( لا يجد في نفسه اكتراثا بقتله ، ~~مع كونه ما توقّف حتى يأتيه أمر ربّه بذلك ) الفعل ، كما هو دأب النبوّة . # وذلك كلَّه ( لأنّ النبي معصوم الباطن ) في نفسه ( من حيث لا يشعر حتى ينبّأ أي ~~يخبر بذلك ولهذا أراه الخضر ) عندما قصد تنبيهه على ما ذهل عنه من العلوم المخزونة ~~فيه . # قال رضي الله عنه : ( قتل الغلام ، فأنكر عليه قتله ولم يتذكَّر قتله القبطيّ ، ~~فقال له الخضر : " ما فَعَلْتُه ُ عَنْ أَمْرِي " ، ينبّهه على مرتبته قبل أن ينبّأ ~~: إنّه كان معصوم الحركة في نفس الأمر وإن لم يشعر بذلك ) وإنّه ما فعل ذلك عن أمره ~~. # وقدّم هذ التنبيه لعظم شأنه وظهور آثاره على موسى ، وكمال نبوّته واختباره به ، ~~وإلَّ فالمقدّم وجودا وذكرا أمر السفينة . # تأويل خرق السفينة # قال رضي الله عنه : ( وأراه أيضا خرق السفينة ، التي ظاهرها هلك وباطنها نجاة من ~~يد الغاصب ) الذي يتصرّف فيما لغيره أن يتصرّف فيه ويفسده عن مزاجه المتوجّه نحو ~~غايته المقصودة منه ، ( جعل له ذلك في مقابلة التابوت الذي كان في اليمّ مطبقا عليه ~~) فإنّ إلقاء الشخص في التابوت المطبق عليه ( ظاهره هلاك وباطنه نجاة ، وإنّما فعلت ~~به امّه ذلك خوف من يد الغاصب) . # أي القوّة الحيوانيّة المتفرّعة عن أصل الحيّ ، الطاغية عليه ، وهي التي عبّر عن ~~مبدئها باسم ( فرعون ) لما يدلّ عليه مادّة كلمته من الفرع الفرقي الرفيع والعرف ~~الظاهر الكوني ، ظاهرة بالواو والنون ، الذين من أبين دلائل التفرقة والكون ، ولذلك ~~تراه في لغة العرب ، المعرب علامة الجمع . # الجنس السافل أجمع للكثرة # ثمّ هاهن نكتة حكمية لها كثير دخل فيما نحن بصدده ، وهي أنّ سلطان التفرقة إنّما ~~استقرّت على سرير خلافته في الجنس السافل وطبيعته ، فإنّ غيره من الأجناس وإن كان ~~أعم مفهوما وأشمل أفرادا ، # ولكن تخالف حقائق الأفراد وتباين أحكامها المتباعدة عن ربط الوحدة فيه أشدّ تضادا ~~وأظهر حكم وبيّن أنّ ذلك التخالف والتبائن هو مرقى ظهور التفرقة الإمكانيّة ، ~~ومستوى حكم الكثرة الكونيّة فالجنس السافل أجمع لوجوه الكثرة والأحكام الكونيّة من ~~الكل ، ولذلك ترى حقيقته منطوية على حقائق العوالي كلها. # فإذا عرفت هذا وجدت المطابقة الطبيعيّة بين ذلك الاسم وهذا المعنى بما لا مزيد ~~عليه . # مقتضى الكلمة الموسوية طرف العلو # ثمّ إنّه إنّما وقع التطبيق في القصّة الموسويّة بلسان أهل النظر ، وظهرت الكلمات ~~المنزلة فيها بصور أصول الحكمة النظريّة كما عرفت لأنّ مقتضى الكلمة الكاملة ~~الموسويّة طرف الظهور والعلو من كل مسلك وموطن ، # ومن ثمّة تراه قد طلب في موطن الشعور ومرتبة الظهور الرؤية التي هي أجلى ~~المحسوسات وأعلاه قدرا في أمر الظهور ، # وفي موطن الإشعار ومرتبة الإظهار فاز برتبة الكليميّة التي أنهى غايات كماله ، ~~وذروة شاهق جلاله ، وفي موطن الإنباء ومرتبة الرسالة بإنزال كتاب التوراة المشحونة ~~بالقصص والأحكام ، المشتمل صورتها التلويحية على مادّة الرؤية ، محفوفة بتاء ~~التفصيل والتبيين . # فكذلك في أمر تبيين الحقائق ، فإنّه ظهر فيه بما هو أبين أطرافه ، وهو مدرك ~~القوّة النظريّة العقليّة التي تشترك فيها العامّة من أهل الظاهر ، ولذلك سلك فرعون ~~عند مناظرته إيّاه وسؤاله عنه حقيقة الحقّ مسلكهم في إيراد " مطلب ما " في مطلع ~~استكشافه - كما ستقف عليه - وكان اللسان المتداول والعلم المتناول بينهم في زمانهم ~~هو الحكمة بهذه الصورة " وَما أَرْسَلْنا من رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِه ِ " . # كل حكم ولازم لا بد له من صورتين عدميّة ووجوديّة # ثم إنّ كل حكم ولازم ظهر - في أيّ مرتبة كانت لا بدّ له من الصورتين : # إحداهم عدميّة كونيّة من نفس المرتبة التي هي الظاهرة منها ، # وأخرى وجوديّة من أصل حقيقتها وكذلك ما هو مبدأ فعل امّ موسى به ، له فيها صورة ~~ظاهرة عدميّة ، وهي الخوف من يد الغاصب ( أن يذبحه صبرا ، وهي تنظر إليه ) أي بمحضر ~~منها ، فإنّ هذه الصورة هي أشدّ ما يكون تأثيرا في الامّ ونكاية لها ، والذبح صبرا ~~هو أن يحبس ذو روح لأن يرمى عليه لقتله . # وفيه إشارة إلى م بين تلك المادّة وبين اللطيفة الإنسانيّة من البعد الرتبي ~~وقصدها بتوجيه سهام القوى واقتضاءاتها المتفرّقة المفرّقة نحوها ، وهي المهلكة لها ~~عن صورتها الجمعيّة الكماليّة اللطيفة ، من غير ضعف ونقصان للقابل ، بل بقهر من ~~الفاعل ، وهو المعبّر عنه بالذبح . # وإلى الصورة الأخرى الوجوديّة التي للمبدإ أشار بقوله : ( مع الوحي الذي ألهمها ~~الله به من حيث لا تشعر ) ، فإنّه طرف خفاء ذلك المبدء ، ( فوجدت ) من حيث هذه ~~الصورة الوجوديّة الأصليّة التي لها ( في نفسها أنّها ترضعه فإذا خافت عليه ) من ~~حيث سريان الصورة الأخرى فيها ( ألقته في اليمّ ) ، يعني طرف المدارك المتفرقة ~~الجسمانيّة ، ليغيب عن نظرها فيخفّ نكايته عليها ( لأنّ في المثل : « عين لا ترى ، ~~قلب لا يفجع » ) أي لا توجع ، من أفجعته المصيبة : إذا أوجعته . # قال رضي الله عنه : ( فلم تخف عليه خوف مشاهدة عين ) هذا عند النظر وقبله ، ( ولا ~~حزنت عليه ) بعد ذلك ( حزن رؤية بصر ) ولتقدم الخوف على الحزن في الوجود والرتبة - ~~جارحة ومدركا - تقدّم الأصل على فرعه خصّ كلا منهما بمحله المرتّب ذلك الترتيب . # ثم إنّه من مقتضى غلبة الصورة الوجوديّة على باطنها ظهر عليها ( وغلب على ظنّها ~~أنّ الله ربما ردّه إليها بحسن ظنها به ، فعاشت بهذا الظن في نفسها والرجاء ) الذي ~~من أثر ذلك المبدء الوجودي ( يقابل الخوف واليأس ) الذي هو مبدأ الحزن ، مقابلة ~~الرسول فرعون والقبط وغلب حكم هذا الرجاء حتى ظهر أمره في الكلام . # قال رضي الله عنه : ( فقالت حين ألهمت لذلك : لعل هذا هو الرسول الذي يهلك فرعون ~~والقبط على يده ، فعاشت وسرّت بهذ التوهم والظنّ ) # اللذين هم مبدأ الحزن والخوف العدميين ، الحاصلين بالنظر إلى المظهر الكوني ، ~~ولذلك قال : ( بالنظر إليه ) . # وأمّا من حيث الأمر الوجودي ( فهو علم في نفس الأمر ) ، وهذا كلَّه ظهر من الامّ ~~التي هي الخصوصيّة الكماليّة التي للنوع الحقيقيّ الكماليّ وقد عرفت أنّ تلك ~~الخصوصيّة هي أحديّة الجمعيّة ، فيصلح لأن يكون مولدا للكل كما نبّه إليه . # الحركة الحبّية # قال رضي الله عنه : ( ثمّ إنّه ) سرت خصوصيّات الامّ في ولدها وخلفها الحقّ ، ~~ولذلك ( لما وقع عليه الطلب خرج فارّا خوفا في الظاهر ، وكان في المعنى حبّا في ~~النجاة ، فإنّ الحركة أبدا إنّما هي حبّية ، ويحجب الناظر فيها بأسباب أخر ) عدميّة ~~قريبة إلى الصورة الكونيّة ، لكونه محجوبا بها ، # قال رضي الله عنه : # ( وليست ) # الأسباب في الحقيقة # ( تلك ) # الأمور ، # ( وذلك لأنّ الأصل ) # في سائر الحركات # ( حركة العالم من العدم الذي كان ساكنا فيه ) # إلى العدم الإضافي الذي له بالقياس إلى كونه عالما ، وهو المسمّى بالثبوت ، فإنّه ~~ينتقل عين العالم منه # ( إلى الوجود ، ولذلك يقال : إنّ الأمر حركة عن سكون فكانت الحركة - التي هي وجود ~~العالم - حركة حبّ ) # يعني الحياة والبقاء ، كما يلوّح عليهما بحرفيه . # قال رضي الله عنه : (وقد نبّه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم على ذلك بقوله : « ~~كنت كنزا لم أعرف ، فأحببت أن اعرف » ) أي أظهر ، ( فلو لا هذه المحبّة ما ظهر ~~العالم في عينه ، فحركته من العدم إلى الوجود حركة حبّ الموجد لذلك ) . # هذا بلسان الإجمال ، وأما لسان التفصيل : فأشار إليه بقوله رضي الله عنه : ( ~~ولأنّ العالم أيضا يحبّ شهود نفسه وجود ، كما شهدها ثبوتا ) في الحضرات الجلائيّة ( ~~فكانت بكلّ وجه حركته من العدم الثبوتيّ إلى الوجود حركة حبّ من جانب الحقّ و ) من ~~( جانبه فإنّ الكمال محبوب لذاته ) وساير ما ينسب إليه المحبّة فلاشتماله على ~~الكمال كالحسن - مثلا - فإنّه كمال النسبة الاعتداليّة التي هي ظلّ الوحدة ، وكذلك ~~كلّ ما يميل إليه القلب من المستلذّات الجسمانيّة فإنّه كمال تلك القوة المدركة ~~لتلك اللذة فإنّ الكمال هو الظهور على نفسه بصورته الكلَّية العلميّة والجزئيّة ~~الحسيّة . # علمه تعالى مبدأ وجود الخلق # قال رضي الله عنه : ( وعلمه تعالى بنفسه من حيث هو غنيّ عن العالمين ، هو ) ~~الظهور الكمالي الذي ( له ) لذاته ، وهو الذي يقال له الكمال الذاتي وبيّن أنّ ~~الكمال الإلهي أعمّ من الذاتي والأسمائي ، إذ له الكمال على الإطلاق . # فإلى الأسمائيّ منه أشار بقوله : ( وما بقي ) له ( الإتمام مرتبة العلم بالعلم ~~الحادث الذي يكون من هذه الأعيان ، أعيان العالم ) الظاهرة بصورة الآثار من كلّ اسم ~~، كالعلم مثلا ، فإنّه ظاهر بصورة الكلام الذي هو أثره ، والحياة فإنّها ظاهرة ~~بصورة الحسّ والحركة الإراديّة التي هي أثرها وكذا في سائر الأسماء . # وكأنّك قد عرفت أنّه كما أنّ في الأعيان آثارا من الأسماء - كما بيّن - كذلك في ~~الأسماء آثارا من الأعيان ، وهي اتّصافها بالحدوث وذلك لأنّ الأعيان # قال رضي الله عنه : (إذا وجدت ) حكمت على علمها بالحدوث ، ( فتظهر صورة الكمال ~~بالعلم المحدث والقديم ، فتكمل مرتبة العلم بالوجهين ) وكذا غيره من الأسماء ( ~~وكذلك تكمل مراتب الوجود ) وإذ كان الوجود أصل الكلّ فمرتبة كل اسم هي مرتبة الوجود ~~، نبّه إلى تلك الدقيقة بصيغة الجمع . # قال رضي الله عنه : ( فإنّ الوجود منه أزليّ ، وغير أزليّ وهو الحادث : فالأزلي ~~وجود الحقّ لنفسه ) وعليه يطلق الكمال الذاتي ، ويلزمه الغناء المطلق من حيث علمه ~~بنفسه فإنّه به مستغن عن العالم . # قال رضي الله عنه : ( وغير الأزلي وجود الحقّ بصور العالم الثابت ) في المراتب ~~الجلائيّة ، القديم بذلك الوجه إلَّ أنّ العالم بذلك الوجه له الخفاء من حيثيّة ~~العالم ، ولذلك ما كانت أعيانه ظاهرة بصورها لنفسها ولا بعضها للبعض ، فإنّه إنما ~~يتحقّق له ذلك في الوجود الذي له بحقّ الوهب من حضرة الجود ، ويستقلّ كل من تلك ~~الأعيان به ظهورا وإظهارا فتحدث النسب الإدراكية التي بعضها للبعض . # وإليه أشار بقوله : ( فيسمّى حدوثا ، لأنّه ظهر بعضه لبعضه ) في أعيان العالم ، ( ~~فظهر لنفسه ) من حيث تلك الأعيان ( بصور العالم ) ، كم ظهر لها بصورته ، ( فكمل ~~الوجود ) بصورتيه وظهوريه . # قال رضي الله عنه : ( فكانت حركة العالم حبّية للكمال ) الأسمائي الذي هو عبارة ~~عن ظهور الأعيان بعضها للبعض ، ولنفسه جملة وفرادى ، وتفرقة وجمعا ( فافهم ) بل ~~الحركة مطلقا سواء كان للعالم أو للحضرات كلها حبّية . # النفس الرحماني # قال رضي الله عنه : ( ألا تراه ) يعني الهوية المطلقة ( كيف نفّس عن الأسماء ~~الإلهيّة ما كانت تجده ) في غيبه ( من عدم ظهور آثارها في عين مسمّى العالم ) ، ~~فإنّه نفّس في عين العالم عن الأسماء الإلهيّة - المعبّر عنها جملة بالرحمن - مالها ~~من الكرب الذي لها في عينه ولهذ يقال له النفس الرحماني (فكانت الراحة محبوبة له ، ~~ولم يوصل إليه إلا بالوجود الصوري ، الأعلى والأسفل ) يعني الحضرات والعوالم . # العلم بالحركة الحبيّة وعدمه سبب اختلاف الصوفيّة وأهل النظر # قال رضي الله عنه : ( فثبت أنّ الحركة كانت للحبّ ، فما ثمّ حركة في الكون إلَّا ~~وهي حبّية فمن العلماء من يعلم ذلك ) فينسب سائر ما يظهر في المراتب الكونيّة من ~~الآثار إلى الحبّ ، باعتبار المحبيّة والمحبوبيّة ، كبعض المتأخّرين من الصوفيّة ، ~~الذين يجعلون موضوع كلامهم العاشق والمعشوق ، ويثبتون سائر الأحكام بهم # قال رضي الله عنه : ( ومنهم من يحجبه السبب الأقرب ) كأكثر أهل النظر من الحكماء ~~والمتكلمين ( بحكمه في الحال واستيلائه على النفس ) ، فإنّ أعيان المراتب المحسوسة ~~منها الآثار والأحكام ، لظهور حكمها على مدارك العامّة ، هي أقرب ما ينسب إليه تلك ~~الآثار - ومما يتفرّع على ذلك الأصل الاختلاف بين أهل النظر في أنّ اللذة والراحة ~~من دفع المنافي وإدراك الملائم . # ذكر سبب فرار موسى # قال رضي الله عنه : ( فكان الخوف لموسى مشهودا له لما وقع من قتله القبطي ) ، فهو ~~صورته الكونيّة ، ( وتضمّن الخوف حبّ النجاة من القتل ) ، تضمّن الصور الكونيّة ~~حقائقها الوجوديّة ، ( ففرّ ) عندما هو الظاهر عند العامّة ( لمّا خاف وفي المعنى : ~~ففرّ لمّ أحبّ النجاة من فرعون وعمله به فذكر السبب الأقرب المشهود له في الوقت ~~الذي هو كصورة الجسم للبشر ) ، فإنها الصورة الكونية للشخص ( وحبّ النجاة متضمن فيه ~~تضمين الجسد للروح المدبّر له ) وهو صورة حقيقته الوجوديّة . # الأنبياء يتكلمون بلسان العموم ، والخاصة يفهمون منهم الإشارات # ثمّ إنّه يمكن أن يقال : « لو كان الأمر كذلك ، كان منطوق التنزيل على طبقه ، ~~والواقع على خلاف ذلك فإنّ منطوق التنزيل في هذا الأمر أنّ سبب الفرار إنما هو ~~الخوف ، بقوله : " فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ". # فأشار إلى دفع ذلك بقوله : ( والأنبياء لهم لسان الظاهر به يتكلَّمون لعموم ~~الخطاب ) ، فإنّ بعث الأنبياء للعامّة أولا ، وكلامهم في ظاهر ما فهم منه معهم ، ~~والخواصّ إنما يفهمون الحقائق منه بضرب من الإشارات الخفيّة والدلالات الطبيعيّة ، ~~دون الجعليّة الوضعيّة ، # ( واعتمادهم ) في اخفاء الحقائق ( على فهم العالم السامع ، فلا يعتبر الرسل ) عند ~~إظهار الأحكام في الصور الكلاميّة # قال رضي الله عنه : ( إلَّا العامّة ، لعلمهم بمرتبة أهل الفهم ، كما نبّه رسول ~~الله صلَّى الله عليه وسلَّم على هذه المرتبة في العطايا ، فقال : " إنّي لاعطى ~~الرجل - وغيره أحبّ إليّ منه - مخافة أن يكبّه الله في النار " ) ، فعلم أنّه في ~~إحكام رقيقة الأبعدين ، مخافة أن يبعدوا عنه كلّ البعد ، فيكبّوا في النار . # قال رضي الله عنه : (فاعتبر الضعيف العقل والنظر ، الذي غلب عليه الطمع و ) هو ~~عين ( الطبع ) الذي طبع على قلوبهم - بميم التمام ، بدل باء الإبانة والظهور - ( ~~فكذا ما جاؤوا به من العلوم ، جاؤوا به وعليه خلعة أدنى الفهوم ) أي صورة قبول من ~~كان في أوائل درجات الفهم الذي يختصّ بنوعه ( ليقف من لا غوص له ) في الصور ~~القشريّة التي هي لشخص المعنى - وبدن الأب بمنزلة الخلقة للشخص من الأبعدين . # قال رضي الله عنه : ( عند الخلعة ) كعلماء الرسوم المتدبّرين فيه بما عندهم من ~~العلوم الأدبيّة المميّزة بين الفاخرة من تلك الخلع التركيبيّة وغيرها ، والعلوم ~~الاعتقاديّة العلميّة والعمليّة أصول وفروع . # قال رضي الله عنه : ( فيقول : ما أحسن هذه الخلعة ) عند مطابقتها أصل عقيدتهم ~~وعلى قدر نيّتهم وامنيّتهم فيم يحسنونه من العلوم ، ( ويراها غاية الدرجة ) حيث ~~يقول صاحب علم الأدب : « إنّه حد الإعجاز » . # قال رضي الله عنه : ( ويقول صاحب الفهم الدقيق ، الغائص على درر الحكم ) عند ~~الخوض في بحور معانيه ولطائف حقائقه ( بما استوجب هذا ) القول ( « هذه الخلعة - ~~الفاخرة التي على قدر جملة النيّات والعقائد - من الملك » ) الذي إنما يخلع على كل ~~أحد بقدّ قابليّته . # ( فينظر في قدر الخلعة ) من الصفاء والخلوص المعبّر عندهم بالفصاحة والبلاغة ~~(وصنفها من الثياب ) المعمولة هي منها ، ككونها في كسوة العربيّ أو السريانيّ ، أو ~~غير ذلك . # قال رضي الله عنه : ( فيعلم منها قدر من خلعت عليه ) من المعاني اللطيفة الذوقيّة ~~المستنبطة تارة من قدر تلك الخلعة وصورتها التركيبيّة وخواصّ هيئاتها الجمعيّة ، ~~وأخرى من أصل كسوتها وموادّ حروفه ، رقميّة ولفظيّة ، ( فيعثر على علم لم يحصل ~~لغيره ممن لا علم له بمثل هذا ) الانتقال والاستنباط . # قال رضي الله عنه : ( ولما علمت الأنبياء والرسل والورثة أنّ في العالم وفي ~~امّتهم من هو بهذه المثابة ) في الفهم عن الكلام المنزل إليهم ، الظاهر عنهم ، ( ~~عمدوا في العبارة إلى اللسان الظاهر الذي يقع فيه اشتراك الخاصّ والعامّ ، فيفهم ~~منه الخاصّ ما فهم العام منه وزيادة ، مما صحّ له به اسم أنّه خاصّ ، فيتميّز به عن ~~العامّي فاكتفى المبلَّغون ) في إبلاغهم ( العلوم بهذا ) القدر من الإيماء والإشارة ~~. # ل منافاة بين فهم أهل الخصوص والعموم من القرآن الكريم # ثم إنّه ممّ علم في طيّ هذه المقدّمات من الحكم أنّ فهم أهل الخصوص يشارك فهم ~~العامّة عند الاحتظاء من الكلام النبوي ويوافقونهم عند الاغتذاء من نوال كمالهم غير ~~أنّ الخواصّ يفهمون مع ذلك غيره من اللطائف الذوقيّة ، فلا منافاة بين المفهومين ~~أصلا ، # والذي تسمعه من المعزوّين إلى الصوفية " إنّ ما في التفاسير من المعاني غير مراد ~~من القرآن ، وإنّ المراد منه أمر آخر " . # فمما لا أصل له في التحقيق ، فإنّ كل ما فهم منه عند الأذكياء على أصل من أصول ، ~~لا بدّ وأن يكون من المراد نعم - الحصر في معنى معيّن ومفهوم خاصّ من ذلك المعاني ~~ينافي التحقيق ، كما علم أنّ غير الأنبياء من ورثتهم ، الذين لهم استحقاق إبلاغ ~~العلوم ، لا بدّ وأن يكون كلامهم أيضا جامعا بين الطرفين ، محيطا بالفهمين . # ) قال رضي الله عنه : فهذا حكمة قوله : “ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ~~“ ) حيث عبر عن مبدأ فراره وحركته بالخوف ، تنزّلا إلى مدارك فهوم العامّة ، وممّا ~~يؤيّد هذا تكرر الخطاب بصورة الجمع والتفرقة الكونيّة ( ولم يقل : « ففررت منكم ~~حبّا في السلامة والعافية » ) . # ارتباط سقي موسى للجاريتين وإقامة خضر للجدار # قال رضي الله عنه : ( فجاء إلى مدين ) - الدين الجمعي والكمال الإظهاري وإفاضة ~~علمي الظاهر والباطن الإنبائي والتشريعي ، العامّي والخاصّي - ( فوجد الجاريتين ( ~~القابلتين لتينك الإفاضتين بوثاقة نسبة القرب والجارية ، ( فسقى لهما من غير أجر ) ~~من النقود الفعليّة المعدّة لهما في استفاضة ذلك النوع من صنفي الكمال والأعمال ~~الصالحة ، المورّثة لهما تلك العلوم والمعارف . # قال رضي الله عنه : ( " ثُمَّ تَوَلَّى " ) من التفرقة الكونيّة ( " إِلَى ~~الظِّلِّ " الإلهيّ ) والجمع الإجمالي ، فإنّ « الظلّ » هو لام الجمعيّة الإلهيّة ~~وشجرة كليّتها التي أصلها ثابت وفرعها في السماء - كما عرفت من تلويحاته - إذا ظهر ~~به ظاء الظهور وبيّن أنّ هذا الظلّ مستقرّ الكلمات الكاملة ومقيل استراحتهم وقربهم ~~إلى أصل تلك الشجرة ، وموطن مناداتهم ومناجاتهم معه . # قال رضي الله عنه : ( " فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ " ) مما ~~سقيته لهم ( "من خَيْرٍ") - يعني إفاضة اللطائف الكماليّة الوجوديّة فإنّ الخير هو ~~الوجود - ( " فَقِيرٌ " ) إليك ، محتاج لأن تفيض علي من ذلك الخير ، ويشفي به غلَّة ~~طلبي وشوقي ، ويكفي ذلك في إشباع غاذية استعدادي . # قال رضي الله عنه : ( فجعل عين عمله السقي عين الخير الذي أنزله الله إليه ، ووصف ~~نفسه # بالفقر إلى الله في الخير الذي عنده ، فأراه الخضر إقامة الجدار من غير أجر ) ، ~~يعني جدار الإظهار في مقابلة سقيه وإفاضته ، ( فعتبه على ذلك ، فذكَّره بسقايته من ~~غير أجر ) تنبيها لظهور مثل ذلك منه ، على ما هو مقتضى تقابل كلمتيهم وتعاكس الأمر ~~فيهما ، كما في الصورة المشار إليها ، ( إلى غير ذلك مما لم يذكر ) . # النبوّة سلطان الاسم الظاهر ، والولاية سلطان الاسم الباطن # ثمّ هاهن نكتة حكميّة لها كثير دخل في استكشاف أسرار هذا الموضع ووجوه لطائفه ، ~~وهي أنّ طرف النبوّة - من حيث هي هي - لغلبة حكم الصورة فيها سلطنة للاسم الظاهر ، # كما أن سلطنة طرف الولاية - من حيث هي - لغلبة حكم المعنى فيها للاسم الباطن ومن ~~ثمّة ترى الآثار المترتّبة على النبوّة ليست إلَّا إظهار الشرائع والنواميس ، ~~وأحكامها الخصيصة به إنّما هي الصور المنبئة عن الحقائق والأمور في نفسها والآثار ~~المترتّبة على الولاية من حيث هي ليست إلَّا العلم بما انطوى عليه تلك الشرائع ~~والنواميس من الحقائق ، وحكمها المختصّة بها إنّما هو كشف تلك الصور عن وجوه ~~حقائقها . # وجه اختفاء بعض الحكم على صاحب النبوّة # ويتفرّع عن هذا الأصل وجوه من الحكم : # منها : ما سبق الإيماء به من أنّ النبوّة - من حيث أنّها نبوّة - قد يظهر منها ~~أحكام وصور ذوات حكم وإيقان على ذهول من صاحبها ، بل قد يشتبه عليه وجه حقيقتها مع ~~كمال عصمته ، فضلا عن عثوره على وجوه حكمتها ، إلى أن يبلغ مجمع بحري الولاية ~~والنبوّة ، # ويظهر حكم قهرمان الجمعيّة بمصاحبة الصاحبين هنالك وحينئذ ينكشف لصاحب النبوّة ما ~~اشتبه عليه وذهل عنه كما اشتبه على الكلمة الموسويّة ما جرى عليها ، ذاهلة عنه من ~~الأمور المعدّة لها في نشوء تلك المرتبة الرفيعة ، # إلى بلوغه الحافظة لها عمّا يعوقها عن كمالها الموصلة إيّاها ، لتمام أمرها من ~~إفاضة مدرار الإنباء والإظهار - يعني صورة إلقاء موسى في التابوت ، وقتله القبط ، ~~وسقيه الجاريتين - إلى أن عاين وجوه حكمة تلك الصور عندم بلغ مجمع البحرين وبه صاحب ~~خضر . # وجه اختصاص الكلمة الموسويّة بهذه الخصوصيّات # ومنها : وجه اختصاص الكلمة الموسويّة بين الأنبياء بهذا الاشتباه والذهول وذلك ~~لأنّ النبوّة قد ظهر فيها بخصوصيّات أحكامها المنفردة بها عمّا يقابلها من العلوّ ~~والظهور بالقهر والقوّة ، وسائر مقتضيات الكثرة ولوازم الصورة - كما نبّهت عليه في ~~مطلع الفصّ - ومن شأن الحكم الإلهيّة أنّه إذا ظهر أحد المتقابلين بخصوصيّته ~~الفارقة ، لا بدّ وأن يستعدي ذلك الظهور إلى الآخر ، بل يوجب ظهور الآخر بما اختصّ ~~به . # كما عرفت تحقيق ذلك آنفا عند الكلام في حكمة إلقاء موسى في التابوت ، وإلقائه في ~~اليمّ ، من أنّ ظهور المقابل إنّما يتمّ ويكمل بظهور ما يقابله فلا بدّ وأن تظهر ~~الولاية بخصوصيّتها المميّزة إيّاها من العلوم والحكم الفائضة من بطون الوحدة ~~وحضرات القرب في كلمة خضريّة ، عند ظهور الكلمة الموسويّة بخصوصيّة النبوّة ~~وأحكامها الفارقة من الصور والأوضاع الناشئة من ظهور الكثرة فإنّ منها ما اختصّ به ~~تلك الكلمة من الظهور بالآيات التسع ، وهي أنهى مراتب الكثرة ، وأقصى غاية الصور . # ومن هاهن ترى حكم الكثرة والتقابل سارية في سائر مدارج ظهوره : # حيث لا يحصل لها كمال في مرتبة إلَّا عند مقابلة الآخر لها في تلك المرتبة ~~كالمنجمّين عند حكمهم على قتلها . # أول ما يدخل في المراتب الاستيداعية # ثمّ مقابلتها القبطي قبل دعوتها ، # ثمّ مناظرتها السحرة عند دعوتها وإظهار معجزتها ، # ثمّ معاداة فرعون إيّاها عند ظهور نبوّتها ، # ثمّ مباحثة خضر معها عند كمال نبوّته # ولذلك قد امر عند طيّها طوى الغرب وبساط الخطاب بخلع نعلي التقابل . # الولاية والنبوّة في زمان الخاتم صلَّى الله عليه وآله # ثمّ إذ تقرّر هذا تبيّن لك أن ظهور الولاية والنبوّة بخصوصيّتهما الفارقتين ، ~~المميّزتين إيّاهما ، المنبئتين عن قصص ما بينهما من تفاصيل الأحكام ، إنّما يتوقع ~~بلوغهم إلى مرتبة التمام في أيّام موسى ، وظهور كلمته العليا ، # فإنّ زمان خاتم النبوّة صلَّى الله عليه وسلَّم - لظهوره بأحديّة جمع الخصائص ~~الكماليّة كلَّها - قد غلب فيه حكم الجمعيّة والوحدة ، ولا مجال للكثرة والتقابل . # على أنّ الولاية مندمجة مغلوبة تحت حكم نبوّته الختميّة في ذلك الزمان ، فما كان ~~لها أن يظهر فيها خصوصيّتها الامتيازيّة ، ولذلك تراه طالبا عند الإنباء عن تينك ~~الخصوصيّتين والإفصاح عمّا نطق به لسان الولاية والنبوّة بخصوصيّتيهما أن يظهر لسان ~~الولاية بأحكامها الخاصّة بها أكثر مما ظهر ، # قال رضي الله عنه : ( حتى تمنّى صلَّى الله عليه وسلَّم أن يسكت موسى عليه ~~السّلام ) عن مقتضيات خصوصيّة النبوّة والغلبة التي من جهتها - كما ورد في الآثار ~~الصحيحة منه : « لو صبر لرأى العجب ، ولكن أخذته من صاحبه ذمامة » ، ضرورة أنّ ~~أحكام الباطن التي هي من خصوصيّات الولاية موطن عجائب الآثار وغرائب الأطوار . # "" # أضاف الجامع : # حديث مسلم : رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " رحمة الله علينا، وعلى موسى ~~لولا أنه عجل، واستحيا وأخذته ذمامة من صاحبه، فقال: "إن سألتك عن شيء بعدها فلا ~~تصاحبني" [الكهف: 76] لرأى من صاحبه عجبا ". رواه مسلم وابن حبان وابي داود ~~والنسائي وابن ماجة واحمد ابن حنبل والحاكم في المستدرك وغيرهم. "" # حكمة نسيان موسى وعدم سكوته عند خضر عليهما السّلام # فلو أنّ موسى يسكت ( ولا يعترض حتى يقصّ الله عليه ) بلساني موسى وخضر اللذين هم ~~وجها النبوّة والولاية ( من أمرهم ، فيعلم بذلك ما وفّق إليه موسى من غير علم منه ) ~~فإنّه وجه النبوة . # وبيّن أن ذلك الوجه وإن صدر عنه الأفعال المتقنة والأوضاع المحكمة ذوات نظم وحكم ~~، ولكن لا علم له من هذا الوجه بها ، ( إذ لو كان عن علم ) فيما صدر منه ( ما أنكر ~~مثل ذلك على الخضر ، الذي قد شهد الله له عند موسى ) بالعلم - حيث قال : " ~~وَعَلَّمْناه ُ من لَدُنَّا عِلْماً " " وزكَّاه". # (وعدّله ) حيث قال " آتَيْناه ُ رَحْمَةً من عِنْدِنا " ( ومع هذا غفل موسى عن ~~تزكية الله وعمّا شرط عليه في اتّباعه ) ، على ما هو المستفاد من قوله تعالى : # ( هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّ عُلِّمْتَ رُشْداً . قالَ ~~إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً . وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ ~~به خُبْراً . قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ الله صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً . ~~قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ ~~مِنْه ُ ذِكْراً ) . # ثم إنّ موسى مع هذه التنبيهات والتعريكات قد غفل عمّا شرط عليه حتى سأل مع كمال ~~تيقّظه وتفطَّنه ( رحمة بنا إذ نسينا أمر الله ولو كان موسى عالما بذلك ما قال له ~~الخضر : " ما لَمْ تُحِطْ به خُبْراً ") # بعد قوله : " إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً " ( أي إنّي على علم لم ~~يحصل لك عن ذوق ) ، فإنّ الخبرة هو العلم الحاصل من الذوق ، كما أنّ الإحاطة بالشيء ~~يستلزم العلوّ عليه ، ( كما أنت على علم لا أعلمه أنا - فأنصف ) . # حكمة فراق خضر وموسى # قال رضي الله عنه : ( وأمّا حكمة فراقه ) - مع إمكان الاستفادة من الطرفين ~~والإفاضة من آثارهما على العالمين ( فلأنّ الرسول يقول الله فيه ) إنباء لحكم ~~مرتبته الرفيعة ، وتنبيها لمبلغ تعظيم الناس إيّاها : ( " وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ ~~فَخُذُوه ُ وَما نَهاكُمْ عَنْه ُ فَانْتَهُوا " فوقفت العلماء باللَّه - الذين ~~يعرفون قدر الرسالة والرسول - عند هذا القول وقد علم الخضر ) في طيّ ما علَّمه الله ~~من لدنه . # قال رضي الله عنه : ( أنّ موسى رسول ، فأخذ يرقب ما يكون منه ، ليوفى الأدب حقّه ~~مع الرسل ) توفية لعبوديّة الله حقّه . # ( فقال له ) موسى الخضر فيما شرط معه : ( " إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها ~~فَل تُصاحِبْنِي") # ووجه ذلك أنّ موسى له أن يسأل عن المواطن الثلاثة التي نبّهت عليه من مبدأ أمر ~~النبوّة وأوسط ظهوره وكمال إظهاره # وأمّ الرابع منه - وهو موطن ختمها - فل حقّ له في ذلك ، # فلذلك قال : " فَل تُصاحِبْنِي " بعد الثالثة ، ( فنهاه عن صحبته فلمّا وقعت منه ~~الثالثة : قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ " ، ولم يقل له موسى : "لا تفعل " ، ~~ولا طلب صحبته ) # على كمال اهتمامه بما يترتّب على تلك الصحبة من العلوم ، كما استفاد من سوابق ~~الشروط ووثائق العهود مرّة بعد أخرى . # قال رضي الله عنه : ( لعلمه بقدر الرتبة التي هو فيها ) وهي الرسالة العليا ( ~~التي أنطقته بالنهي عن أن يصحبه ) بعد الثالثة من المواطن المذكورة ( فسكت موسى ) ~~عند إخبار الخضر إيّاه بالفراق وإجازته ذلك عنه ، ( فوقع الفراق ) من قبل موسى ~~وسكوته عند الإخبار والاستجازة . # الكلام متعلق بالنبوّة والكتاب بالرسالة # ثمّ هاهن نكتة جليلة لا بدّ من التلويح إليها ، وهي أنّك قد عرفت فيما بيّن لك ~~أنّ ما يرسل به الرسل من الحروف له طرف ظاهر كلامي يتعلَّق بخصوصيّته النبويّة ، ~~وطرف باطن كتابيّ يتعلَّق بخصوصيّته الولائيّة . # وكما أنّ الأول إنّما يظهر عند تموّج الهواء وتكيّفه بالكيفيّات المسموعة ، كذلك ~~الثاني ل تظهر إلَّا بتوسّط الضياء وتكيّفه بالكيفيّات المبصرة . # وإذا تقرّر هذا فاعلم إنّ موسى بناء على الأصل الممهّد آنفا له استحقاق الظهور ~~بالخصوصيّة النبويّة ، فلذلك عيّن له منصب الكليميّة وفاز به ، فلا بدّ أن يتحقّق ~~بإزائه في زمانه من له استحقاق الظهور بالخصوصيّة الولائيّة وتعيّن بصورته ~~الكتابيّة - وهو الخضر - فمن تأمّل في هذه التلويح ظهر له وجوه من الحكم منها سبب ~~تسميته « خضرا » ودوام حياته وخوضه في الظلمات - إلى غير ذلك . # مراعاة موسي وخضر عليهما السّلام كمال الأدب الإلهي في التعليم والتعلَّم # قال رضي الله عنه : ( فانظر إلى كمال هذين الرجلين في العلم ) بشرائط التعليم ~~والتعلَّم وانتهاج طريق الأدب فيهم خالصا عن شائبتي الرعونة والاستنكاف ، وهو الأدب ~~الإلهيّ المنزّه عن حكم الكون ، # ولذلك قال رضي الله عنه : ( وتوفية الأدب الإلهيّ حقّها ) ، وهو القيام بحقوق كلّ ~~ذي رتبة من الاتّضاع له على قدر ما عليه من الارتفاع ، كسؤال موسى مع علوّ شأنه في ~~الرسالة والخلافة : "هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ ~~رُشْداً " . # قال رضي الله عنه : ( وإنصاف الخضر فيما اعترف به عند موسى ، حيث قال : " أنا على ~~علم علَّمنيه الله لا تعلمه أنت ، وأنت على علم علَّمك الله لا أعلمه أن " ، فكان ~~هذا الإعلام من الخضر ) الذي له رتبة التعليم والإرشاد في هذه الصحبة . ### || "" أضاف الجامع : # حديث الحميدي: ( %~% قال: رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل ~~مسجى ثوبا فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام، قال: أنا موسى، قال: ~~موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا، قال: (إنك لن تستطيع معي ~~صبرا)، يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه ل تعلمه أنت، وأنت على علم من علم ~~الله علمكه الله لا أعلمه، فقال موسى: "ستجدني إن شاء الله صابرا، ولا أعصي لك ~~أمرا" [الكهف: 69]، فقال له الخضر: "فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ~~ذكرا" [الكهف: 70]، فانطلق يمشيان على ساحل البحر %~% ) صحيح البخاري و ابن حبان ~~والبيهقي و مسند احمد ومسند الحميدي و الجامع الصغير للسيوطي ومسند ابي عوانه . "" # قال رضي الله عنه : ( لموسى دواء لم جرحه به في قوله : " وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ~~ما لَمْ تُحِطْ به خُبْراً ") كما هو مقتضى حكم الإرشاد والتسليك من تمكين السالك ~~الطالب أولا في مقام التخلية مطلقا ، عمّا هو بصدد طلبه من الكمالات ، # وتنبيهه آخر على ما هو المتحلَّى به في نفسه فمكَّن الخضر موسى في مقام التخلية ~~أول ( مع علمه بعلوّ مرتبته بالرسالة ، وليست تلك المرتبة للخضر ) وفاء بما له من ~~الرتبة وتعليما للعباد من الأمم الآتية . # قال رضي الله عنه : ( وظهر ذلك ) الإنصاف ( في الامّة المحمّديّة ) بالنسبة إلى ~~محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم على كماله الأتمّ # قال رضي الله عنه : ( في حديث إبار النخل ، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابه ~~: « أنتم أعلم بمصالح دنياكم » ) واعترف بأعلميّة الامّة في المصالح الجزئيّة ، # قال رضي الله عنه : ( ولا شكّ أنّ العلم بالشيء ) مطلقا جزئيّا كان أو كليّا ( ~~خير من الجهل به ) والاتّصاف به هو الكمال ، ( ولهذا مدح الله نفسه بأنّه :" ~~بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " فقد اعترف صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابه بأنّهم أعلم ~~بمصالح الدنيا منه ، لكونه لا خبرة له بذلك ، فإنّه علم ذوق وتجربة ) يحتاج إلى ~~تكرّر مباشرة لذلك الفعل الذي هو مبدأ استعلامه ، # قال رضي الله عنه : ( ولم يتفرّغ عليه السّلام لعلم ذلك ) الجزئيات المستحصلة من ~~الأفعال ( بل كان شغله بالأهمّ فالأهمّ ) مما له دخل في أمر كماله الختميّ . # قال رضي الله عنه : ( فقد نبّهتك على أدب عظيم تنتفع به إن استعملت نفسك فيه ) ~~وهو أن لا يحجبك الكمال الذي أنت به عن الاستفادة وتمكين غيرك ممن هو دونك في ~~الرتبة في مقام الفيض والإفادة . # ومما نبّه عليه من الأدب هو أنّه نسب هذا إلى الامّة أوّلا ثمّ بيّن أنّ من هو في ~~مقام الإفادة والتعليم بالنسبة إلى الخاتم إنّما هو أصحابه لا غير وذلك في أمر ~~جزئيّ ل دخل له في الكمال الإنسانيّ من حيث هو . # الخلافة والرسالة # قال رضي الله عنه : ( وقوله " فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً " يريد الخلافة " ~~وَجَعَلَنِي من الْمُرْسَلِينَ " يريد الرسالة). # ولأنّ الخلافة التي له من الخصائص الإلهيّة التي ليس للعبد من حيث أنّه عبد قوّة ~~قبول واستعداد لها وعمل يوازيها ويورثها - نسبها إلى الوهب ، دون الرسالة ( فما كل ~~رسول خليفة فالخليفة صاحب السيف والعزل والولاية ) بالظهور والغلبة ، ( والرسول ليس ~~كذلك ، إنّما عليه البلاغ لما أرسل به ) على ما هو الظاهر من نصّ “ما عَلَى ~~الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ “ من الخضر ، # قال رضي الله عنه : ( فإن قاتل عليه وحماه بالسيف ) وفرّق بين أهل نسبته بالعزل ~~والولاية ( فذلك الخليفة الرسول فكما أنّه ما كلّ نبيّ رسولا ، كذلك ما كلّ رسول ~~خليفة أي ما أعطي الملك والتحكَّم فيه ) . # الحكم في محاورة موسى وفرعون # ثمّ إنّ موسى لما انساق كلامه مع فرعون إلى أن يظهر ما عليه من الكمالين رسالة ~~وخلافة في ذلك الوقت ، اقتضى الأمر أن يظهر فرعون ما عليه من الكمال ، فلذلك سأله ~~عن الله بمطلب « ما » الحقيقة . # وهاهن نكتة حكميّة لا بدّ من الوقوف عليها والتدبّر فيها ، وهي أنّ المادّة ~~الجنسيّة التي هي مستقرّ سلطان الكثرة الكونيّة والتفرقة الشيطانيّة - على ما عرفت ~~تحقيقه آنفا - لها من الكمال الإنساني - عند بلوغ أمرها إلى النوع العيني واستواء ~~قامة تماميّتها في الشخص الخارجي - حظَّ خاصّ فيه ، هو منتهى مراقي ظهورها ، # وغاية صورة جمعيّتها وتماميّتها فإنّها إنّما ظهرت فيه بصورة الأثر ، وأثرها ~~الظاهر هي به وصورتها البائنة من الشخص هي القوّة العقليّة النظريّة التي بها ~~يستخرج جميع الحقائق من مكمن الخفاء الغيبي إلى مجلى الظهور العلمي تأمّل في هذه ~~النكتة ثمّ تلطَّف ، فإنّه يستكشف به كثير من الدقائق : # منها ما وجد في بعض تصانيف صاحب المحبوب أنّ رئيس أهل النظر ابن سينا هو عكس صورة ~~إبليس في عالمه الإنساني . # ومنها وجه م جلس فرعون على ركبتي المناظرة عند مقابلته لموسى في إظهار كماله ~~الخاصّ به ، كم أظهر له موسى فإنّه قد أظهر ذلك في صورة المباحثة ، وتكلَّم بلسان ~~تلك القوّة ومصطلحات أهله . # "" قال تعالى : قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ ~~عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ ~~الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) ~~فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّ خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي ~~مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ ~~بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ ~~رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) ~~قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ~~آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ ~~إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا ~~بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا ~~غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ ~~بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) ~~فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا ~~هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا ~~لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ~~فَمَاذَ تَأْمُرُونَ (35) سورة الشعراء "" # فإنّه " قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ " عندم قال موسى " فَوَهَبَ لِي ~~رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي من الْمُرْسَلِينَ ". # ثمّ إنّه يمكن أن يقال هاهنا : إنّ لسان أهل النظر ومقتضى أصولهم أن لا يسأل عن ~~الواجب بـ « ما هو » ، فإنّ جوابه عندهم يجب أن يكون هو الحدّ الذاتي المشتمل على ~~جزئين : # تمام المشترك وكمال المميّز وليس للواجب شيء منهما ، فلا يطابق سؤال فرعون هذا ~~عرف تخاطبهم ولسان اصطلاحهم ، فقال مستشعرا منه دفع ذلك : # حكمة سؤال فرعون بـ « ما » الحقيقة # قال رضي الله عنه : ( وأمّا حكمة سؤال فرعون عن الماهيّة الإلهيّة ) مع تنزّهه ~~عنها ، ( فلم يكن عن جهل ، وإنّما كان عن اختبار ، حتى يرى جوابه مع دعواه الرسالة ~~عن ربّه ، وقد علم فرعون ) بقوة كماله الخاصّ به ( مرتبة المرسلين في العلم ، ~~فيستدلّ بجوابه على صدق دعواه ) . # هذا بما له في نفسه ، وله ملاحظة ما حوله من أصحابه وأصحابه موسى في # هذا السؤال ، حيث لا يظهر عليهم أمر موسى قبله ، فلذلك أبهم في السؤال ( وسأل ~~سؤال إيهام ) يحتمل الوجهين ، ظاهرا وخفيّا ، فإنّه سأل بمطلب الماء بحسب الحقيقة ، ~~وهو في الظاهر إنّما يطلب به عن الجهتين والحد المشتمل عليهما وإن كان هاهنا ما طلب ~~به فرعون إلا الحقيقة مطلقا ، كما سيتبيّن ذلك . # فسأل سؤال يكون ذا جهتين مختلفتين بالتوجيه وعدمه ( من أجل الحاضرين ) من ~~الطائفتين ( حتى يعرّفهم ) ما يوافق مصالحه ويناسب ما له من المنصب ( من حيث لا ~~يشعرون بم شعر هو في نفسه ) من أمر موسى ( في سؤاله ) إيّاه وجوابه له ( فـ ) لذلك ~~تراه ( إذا أجابه جواب العلماء بالأمر ) - كما ستطلع عليه - ( أظهر فرعون إبقاء ~~لمنصبه ) في نظر الحاضرين ( أنّ موسى م أجابه على طبق سؤاله فيتبيّن عند الحاضرين ) ~~المعوّدين برسوم أهل النظر والتزام معهوداتهم - فإنّ ذلك هو الغالب في زمان موسى ، ~~فهم كسائر المقيّدين برسوم زمانهم ومستحسنات أبنائه ، # فإنّهم م داموا على عادتهم المعهودة من آبائهم بمعزل عن أهليّة الكمال في أيّ ~~زمان كانو وأيّ طريقة سلكوا - ( لقصورهم فهمهم ) عن إدراك الأمر على ما عليه في ~~نفسه ، حتّى أظهر لهم من جواب موسى ذلك ( أنّ فرعون أعلم من موسى ولهذا لما قال له ~~في الجواب ما ينبغي ) أن يجاب به سؤاله على ما سيبيّنه # قال رضي الله عنه : ( وهو في الظاهر غير جواب على ما سأل عنه ) بناء على ما عهد ~~من التخاطب والتقاول الذي بينهم ( وقد علم فرعون أنّه لا يجيبه إلَّا بذلك ، فقال ~~لأصحابه : " إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ " أي مستور ~~عنه علم م سألته عنه ، إذ لا يتصوّر أن يعلم أصلا ) ، فإنّ المستور عن المدارك لا ~~يتصوّر أن يعلم . # قال رضي الله عنه : ( فالسؤال صحيح ، فإنّ السؤال عن الماهية ) على ما هو مؤدّى " ~~م " الحقيقة ( سؤال عن حقيقة المطلوب ، ولا بدّ أن يكون على حقيقة في نفسه ) فإنّ ~~لكلّ شيء حقيقة هو بها هو ، سواء كان بسيطا لا يمكن تفصيل مفهومها ، أو مركَّبا ~~يفصّل ذلك ، ويسمى بالحد ، # ويقال في جواب « ما هو » ، على عرف تخاطبهم ولسان اصطلاحهم ، وبيّن أنّ القول ~~الكاشف عن الحقيقة يصلح لأن يقال في جواب ما هو ، سواء كان فيه تفصيل المفهوم ~~وتبيين جهتي الاشتراك والتمييز ، أو لم يكن - لغنائه عنه . # قال رضي الله عنه : ( وأما الذين جعلو الحدود مركَّبة من جنس وفصل ، فذلك في كلّ ~~ما يقع فيه الاشتراك ) ، وقد عرفت أنّ الواحدة بالوحدة الحقيقيّة ممّا يمتنع أن تقع ~~فيه الشركة ، فلا جنس له بالضرورة ، ( ومن لا جنس له لا يلزم أن لا يكون على حقيقة ~~في نفسه لا يكون لغيره ) بل الذي لا جنس له ولا شركة مع غيره أحرى بذلك . # الجواب الحقّ ما أجاب موسى # قال رضي الله عنه : ( فالسؤال صحيح على مذهب أهل الحقّ ) وسواء سبيلهم الذي ليس ~~فيه عوج الرسوم الاصطلاحية ، ( والعلم الصحيح ) الذي هو عن أصله خالص عن سقامة ما ~~يستتبع النظر من الشبه والشكوك المدهشة ، ( والعقل السليم ) بفطرته الأصليّة عن ~~تطرّق الآفات وطريان العوائق والعاهات ( والجواب عنه لا يكون إلَّا بما أجاب به ~~موسى ) ظاهرا وباطن . # أم الأول فلأنّه سأل عن ربّ العالمين بـ « ما » الحقيقة ، والجواب ظاهرا هو تفصيل ~~ما دلّ عليه الاسم إجمالا ، والحدّ ليس إلَّا ذلك التفصيل وبيّن أنّ التثليث في ~~متعلَّق الربوبيّة الذي أفصح عنه في الجواب هو غاية التفصيل فيه . # وأمّ الثاني فلأنّ الجواب هو الكاشف عن المسؤول بأبين ما له من الأحكام المظهرة ~~له ، المحمولة عليه بهو هو وأبين الأحكام لما سأل عنه فرعون هو الفعل العينيّ ~~الظاهر هو فيه بصورة الأثر - كما عرفت غير مرّة. # وإليه أشار بقوله : ( وهنا سرّ كبير : فإنّه أجاب بالفعل لمن سأل عن الحد الذاتي ~~) ، الذي يسأل عنه بـ « ما » ، ( فجعل الحد الذاتي عين إضافته إلى ما ظهر به من صور ~~العالم ) وتلك الإضافة هي الفعل الظاهر في الحقّ بصورة أثره المسمّى بالعين . # تأمّل في جواب موسى # ثمّ إنّك قد عرفت أنّ العالم إذا نسب إلى الحقّ في مشهد الكمّل له صورتان يعبّر ~~عنهما بقربي النوافل والفرائض فإنّه إمّا أن يكون العالم آلة ظهور الحقّ والظاهر هو ~~الحق أو يكون على العكس ، والظاهر هو العالم والجواب يشمل الصورتين لذلك قال : ( أو ~~م ظهر فيه من صور العالم ) تنبيها إلى وجه تماميّة الجواب وجامعيّة كلمته . # ثمّ إنّ هذه الإضافة التي وقعت جوابا وحدا فيها إجمال ، فإنّها هو الكلام الكامل ~~الذي هو صورة جمعيّة الكل من العلو والسفل ، وما بينهما من النسبة ، ومنه يظهر ~~السرّ الكبير ، فلذلك بيّن تحقيقه سرّا بقوله: ( فكأنّه قال له في جواب قوله : " ~~وَما رَبُّ الْعالَمِينَ " قال : الذي يظهر فيه صور العالمين ) و « القال » لغة هو ~~المنتشر من "القول" ، فهو نصب على المصدر ، أو فعل هو بجملته مقول القول . # وعلى التقديرين هو الفعل الذي أجاب به لمن سأل عن حدّه الذاتيّ فإنّ القول هذا هو ~~الذي اومي به إلى منتهى مراتب الفعل والإضافة ، وآخر تنزّلاته التي فيه يظهر صور ~~العالمين بتفاصيلها ، إيماء خفيّا على ما هو مقتضى صورة السرّ فإنّه إذا ظهر إنّم ~~يتصوّر بما لا يطَّلع عليه إلا أهله - وهو أولو الأيدي والأبصار من ذوي الإيقان ~~والغالب على ذوقهم من الصورتين هو الثانية منهما ، وهو أنّ الظاهر العالم ، كم قيل ~~: " ظاهر لا يكاد يبدو ". # فلذلك قدّمه ذكرا وقال : « الذي يظهر فيه صور العالمين » ( من علو ) ، وهو طرف ~~اللطائف من الوجوبيّات الروحانيّات (وهو السماء - ومن سفل ) وهو طرف الكثائف من ~~الإمكانيات الجسمانيات (وهو الأرض " إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ " ) لما عليه الأمر ~~نفسه بدون تقيّده بالمدارك ، وحصره بما يعطيه المشاعر ، ( أو يظهر هو بها ) ، على ~~أنّ الظاهر إنّم هو الحقّ ، والعالم آلة لظهوره ، وهو الغالب على ذوق أرباب العقول ~~والحكم . # ثمّ إنّ كلام فرعون في طيّ هذه المقاولة لقومه وإن كان بحسب الظاهر لارتفاع شأن ~~منصبه في نظرهم وحطَّ مرتبة موسى ، ولكن في نفس الأمر يفيد لهم قوّة الترقّي إلى ~~كمالهم وذلك لم لهم من الرقيقة الإخلاصيّة بالنسبة إليه # ولذلك لم قال لهم فرعون عندما قال موسى: "أَل تَسْتَمِعُونَ " استحقّوا للخطاب ، ~~فعدل موسى من الغيبة إلى الخطاب لهم # مبيّنا لم ذكر في جواب الـ "ما" بحسب الحقيقة : " رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ ~~الأَوَّلِينَ " فإنّ قوله : " رَبُّكُمْ " هو بيان ما بينهما بإضافة ربّه الخاص به ~~إليه ، تبيينا لما هو أظهر صور تنوّعاته عندهم وقوله : " رَبُّ آبائِكُمُ ~~الأَوَّلِينَ " هو بيان السماوات والأرض ولذلك ما جعل هذا جوابا مستقلا وما تعرّض ~~له المصنّف . # تطبيق بين قول موسى وما انزل على الخاتم صلَّى الله عليه وآله # فهذا الجواب بما قبله عند التحقيق هو مؤدّى ما صدر من الخاتم بقوله : # " هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ " على ما لا يخفى . كما أن الجواب الآخر يعني : " ~~رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ " مؤدّى قوله " الظَّاهِرُ وَالْباطِنُ " ، ولكن ~~ما أعرب عن المقصود إعراب كلام الخاتم وإفصاحه . # ثمّ إنّ بسط الكلام في مثل هذا المرام يحبّ مجالا آخر ، يسع لتفصيل أطواره وبسط ~~جوامع أسراره - حقّقنا الله تعالى به ووفّقنا إليه - وأما فيما نحن بصدده إذ قد ~~انعطف أعنّة البيان نحو استكشاف م في هذا الكتاب المتن ، فإنما نتعرّض لما له فيه ~~أثر عنه ، محتذيا حذو المؤلَّف في طريق التأويل ومسلك الخوض في حقائق التنزيل . # فرق بيان الحقائق عند أهل الإيقان وأهل العقل # ثمّ إنّ بيان الحقائق له مسلكان : # أحدهم مسلك أهل الإيقان ، وهو إظهار الحقائق بصورها الكاشفة لها في نفسه مطلقا ، ~~أعني الصور الوجوديّة الظاهرة لأهل الكشف والوجود - كما سبق بيانه – # والآخر مسلك العقل ، وهو إظهارها بصورها المتبيّنة بها لدى العقل ومشاعره # ويكفي في الأول نفس الصور الوجوديّة كما ظهر من الجواب الأول ، # والثاني يحتاج مع ذلك إلى ما يبيّنها ويظهرها عند العقل من الأدلَّة النظريّة ~~وصورها الكونيّة وم يجري مجراها وهذا المسلك أبين ظهورا وأتمّ إبانة لدى المدارك ~~المتعاورة للعامّة . # ولذلك لم أتى موسى عند الجواب على المسلك الأول بما أتى من البيان التامّ ، # قال فرعون خوفا من عثور الأصحاب عليه : « إِنَّه ُ لَمَجْنُونٌ » . # رجوع إلى تحليل محاورة فرعون وموسى # قال رضي الله عنه : ( فلمّا قال فرعون لأصحابه : « إِنَّه ُ لَمَجْنُونٌ » كما ~~قلنا في معنى كونه مجنونا ) بأنّه مستور ، محجوب عن ربّه لا يكاد يتصوّره ، ( زاد ~~موسى في البيان ) بأخذه في المسلك الثاني ( ليعلم فرعون رتبته في العلم الإلهي ) ~~بإحاطته وجمعه بين الطريق الكشفيّ الإيقانيّ والحكميّ العقليّ ، وتمّ به الكلام ، ( ~~لعلمه بأنّ فرعون يعلم ذلك ، ف ( قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) فجاء بما ~~يظهر ويستتر ) ، وبيّن أنّ ذلك إنما يتصوّر بحسب المدارك والمشاعر ، فإنّ الحقّ في ~~نفسه لا يطلق عليه الظهور ول الاستتار . # قال رضي الله عنه : ( وهو ) مؤدّى ما صدر من الخاتم - صلوات الله وسلامه عليه - ~~بقوله : ( " الظَّاهِرُ وَالْباطِنُ " كما عبّر في المسلك الأول عن مؤدى قوله : " ~~الأَوَّلُ وَالآخِرُ ". # وأمّا قوله في المسلكين : ( " وَما بَيْنَهُما " ) فهو أيضا ممّا أشعر به الكلام ~~الختميّ مع زيادة من الحقائق # قال رضي الله عنه : ( وهو قوله : " بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " ، "إِنْ كُنْتُمْ ~~تَعْقِلُونَ " أي إن كنتم أصحاب تقييد ، فإنّ العقل يقيّد ) مداركه كما عرفت في ~~المقدمة . # قال رضي الله عنه : ( فالجواب الأول جواب الموقنين ، وهم أهل الكشف والوجود ) وهم ~~المطَّلعون على الأمر بما عليه في نفسه من الصورة الوجوديّة الشارحة له شرح علم ~~وإيقان ، # قال رضي الله عنه : ( فقال له : " إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ " أي أهل كشف ووجود ، ~~فقد أعلمتكم بما تيقّنتموه في شهودكم ووجودكم ، فإن لم تكونوا من هذا الصنف فقد ~~أجبتكم في الجواب الثاني إن كنتم أهل عقل وتقييد ) ، وهم المدركون للأمر بما عليه ~~لدى المدارك من الصور الكونيّة الحاجبة له ، العاقدة عليه عقد حصر وتقييد ، فهم ~~أرباب العقود الاعتقاديّة الحاصرة ، # ولذلك قال : ( وحصرتم الحقّ فيما تعطيه أدلَّة عقولكم ) . # صحّة جواب موسى # قال رضي الله عنه : ( فظهر موسى بالوجهين ) إظهارا للكمالين ( ليعلم فرعون فضله ~~وصدقه ) في ادّعائه الرسالة والخلافة ، ( وعلم موسى أنّ فرعون علم ذلك ) البيان ( ~~أو يعلم ذلك ) من كلامه ( لكونه سأل عن الماهيّة ، فعلم ) موسى ( إنّه ليس سؤاله ~~على اصطلاح القدماء في السؤال بـ « ما » ) حيث أنّهم ذهبوا إلى أنّه إنّما يسأل به ~~عن الحدّ المشتمل على جزئي المسؤول عنه ، # وهم الكاشفان عن جهتي تمام الاشتراك وكمال التمييز ، # والأمر عند المحقّقين على خلاف ذلك ، فإنّه إنّما يسأل ب « ما » عن الحقيقة مطلقا ~~، ( فلذلك أجاب ) بما يكشف عنها بوجهها الشهوديّ والعقليّ . # تأويل ما قاله فرعون # قال رضي الله عنه : ( فلو علم منه غير ذلك لخطَّأه في السؤال ) فإنّ تمكين المخطئ ~~للجواب في قوّة الخطأ - حاشاه من ذلك - فعلم من تمكين موسى له أنّ له علما بذلك ، ( ~~فلما جعل موسى المسؤول عنه ) في جوابه إيّاه ( عين العالم ) التي يظهر فيها صور ~~تفاصيله ، أو يظهر به تلك التفاصيل ( خاطبه فرعون بهذا اللسان ) الخاصّ بهما ( ~~والقوم ل يشعرون ) ، فإنّهم إنّما يعرفون لسان التخاطب الاصطلاحي ، وموسى على طبق ~~ذلك مخطئ مجنون ، كما نبّههم فرعون بذلك ( فقال له ) بلسانه الخاصّ : ( " لَئِنِ ~~اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ من الْمَسْجُونِينَ " ) وهو الجنون الذي ~~عليه موسى بزعمه ، بزيادة سين الستر والسرّ ، # قال رضي الله عنه : ( والسين في « السجن » من حروف الزوائد ، أي ) إن اتّخذت على ~~ما أجبتني به من التصريح بالعينيّة إلها غيري ( لأسترنّك ) إنيّتك الموسويّة ، لأنّ ~~جوابك على طبق ما أنا عليه ، فلم يمكن لك أن تظهر عليّ ، فإنّ الظاهر هو قولي ، ~~وأنت مختف تحت ظهوري ، ( فإنك أجبت بما أيّدتني به أن أقول لك مثل هذ القول ) من ~~الخفاء والستر الذي هو مقتضى ذاتك ، فكيف تتمكَّن حينئذ من الظهور بالخلافة ~~والرسالة . # ثمّ إنّك قد عرفت أنّ فرعون في هذا الموطن صورة القوّة النظرية ، التي بلغت ~~كمالها في الإنسان الكامل بها ، فاقتضى المقام أعني مقام المقابلة والمناظرة - على ~~ما عليه القوّة المذكورة - أن يتعرّض من جهة موسى وعلى لسانه ما يمكن أن يورد بطريق ~~تلك القوّة ، توفية للمقام وإتماما للكلام # فلذلك قال من جهة موسى : # قال رضي الله عنه : (فإن قلت ) بلسانك هذا ( لي : « فقد جهلت يا فرعون بوعيدك ~~إيّاي ، والعين واحدة فكيف فرّقت ) بيننا بحيلولة الحاجب سترك إيّاي به » ؟ # ( فيقول فرعون : « إنّما فرّقت المراتب العين ) عند تخصيصه بأحكامها التعيّنية ~~التي تفرّد بها كلّ مرتبة ، والحكم إنّما هو للمرتبة والتمييز والتفرقة منها ( ما ~~تفرّقت العين ولا انقسمت في ذاتها ) ، كما مرّ بيان ذلك غير مرّة ( ومرتبتي الآن ~~التحكَّم فيك يا موسى ) والظهور عليك ( بالفعل ) ، فلي أن أسترنّك وأسجننّك بحسب ~~المرتبة الحاكمة ( وأنا أنت بالعين ، وغيرك بالرتبة » ). # جواب موسى # قال رضي الله عنه : ( فلما فهم ذلك موسى منه ) في قوله : " لأَجْعَلَنَّكَ من ~~الْمَسْجُونِينَ " فهم العارف بلسان إشارة أهل الخصوص ( أعطاه حقّه ) ، فإنّ لكلّ ~~مقابل ومناظر حقّا إذا أعطي سكن عن المقابلة ، # فلذلك أفحم فرعون بهذا وما ناظر بعد ذلك ، بل ظهر سلطان موسى عليه وذلك ( في كونه ~~يقول له : لا تقدر على ذلك ، والرتبة تشهد له بالقدرة عليه ، وإظهار الأثر فيه ، ~~لأنّ الحقّ في رتبة فرعون من الصورة الظاهرة ) بيان للحقّ في رتبة السلطنة . # وفيه إشارة غير خفيّة ( له التحكَّم على الرتبة التي كان فيها ظهور موسى في ذلك ~~المجلس ، فـ " قالَ " له يظهر له المانع من تعدّيه عليه ) # في صورة الستر والسجن : ( " أَوَ " ) يفعل ذلك ( " لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ ~~مُبِينٍ " ) أي مظهر لي عليك من الآيات . # قال رضي الله عنه : ( فلم يسع فرعون إلَّا أن يقول : " فَأْتِ به إِنْ كُنْتَ من ~~الصَّادِقِينَ " حتى لا يظهر فرعون عند ضعفاء الرأي من قومه بعدم الإنصاف ، فكانوا ~~يرتابون فيه ، وهي الطائفة التي استخفّها فرعون فأطاعوه ، " إِنَّهُمْ كانُوا ~~قَوْماً فاسِقِينَ ". # قال رضي الله عنه : ( أي خارجين عم يعطيه العقول الصحيحة من إنكار ما ادّعاه ~~فرعون باللسان الظاهر في العقل ) فإنّهم خارجون عن مقتضى العقل ، وهو إنكار ما ~~ادّعاه فرعون باللسان الظاهر فيه ، # قال رضي الله عنه : ( فإنّ له حدا يقف عنده ) وهو مقتضى نشأته التنزيهيّة ~~الرسميّة المقتضية للتقابل بين مشرق الظهور ومغرب الاختفاء على ما عرفت ( إذا جاوزه ~~صاحب الكشف واليقين ) بمقتضى الجمعيّة القلبيّة . # فلصاحب العقل حد خاصّ مقيّد من هذه الجمعيّة الإطلاقيّة التي هو مشهد القلب وكشفه ~~، ( ولهذ جاء موسى في الجواب بما يقبله الموقن ) أولا بإطلاقه عموما ، ( والعاقل ) ~~يتقيّده في مشارقه المظهرة ومغاربه المخفية ( خاصّة ) . # تأويل انقلاب العصي حيّة # ثمّ إنّ موسى إذ أعطى حقّ فرعون في أمر مقابلته له ومناظرته معه سكن عنها ( " ~~فَأَلْقى عَصاه ") وهو مما يستلزم إعطاء حقّه ، ولذلك أسند الإلقاء أيضا إلى موسى ، ~~مع أنّ العصا هي صورة ما عليه فرعون ، # على ما أشار إليه قوله: (وهي صورة ما عصى به فرعون موسى في إبائه عن إجابة ~~دعوته)، وهي على سياق م سبق من التأويل إشارة إلى النظر الذي بيد العقل ، يعتمد ~~عليه في جملة أعماله عند تبيين أحكامه وتمييز أحواله ، ويتوكَّأ عليه عند التجلَّي # بجميل أفعاله وأقواله ، ويهشّ به أوراق شجرة الجمعيّة الكماليّة القلبيّة من ~~البراهين الباهرة المقوّية على غنم غنائمه وأمواله ، ممّا يميل إليه ويغنم به عند ~~المقابلة والمناظرة مع الموافقين والمخالفين ، # من الصور الاعتقاديّة والمحسّنات الإدراكيّة التي ترعي وتغتذي بتلك الحجج وبها ~~يقوم أو على مراعي تلك المزارع ممن هو تحت حيطة رعية ورعايته من تلامذته وأصحابه من ~~المستفيدين منه ، المستفيضين من مشرب كماله وله فيه " مَآرِبُ أُخْرى " عند بلوغه ~~إلى رتبة كماله في الإنسان الكامل ، # ولذلك تراه إذا ألقى موسى إلقاء إظهار خصائصه الكمالية (" فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ") ~~تنثعب منه وتنفجر عيون علم وكشف من : ثعبت الماء ، فانثعب : أي فجرت فانفجر فإنّ ~~النظر من صاحب الكمال إذا ألقى وأظهر انفجر من عيون قوّته المفصّلة فنون علم وفيض ~~(" مُبِينٌ ") . # ثم إنّك قد عرفت أنّ الحياة الحقيقيّة هي الحياة العلميّة الفائضة من معدن كماله ~~أبدا ، من غير نقص انقراض وتوهّم انصرام ، # وإلى ذلك أشار في تفسيره الثعبان بقوله : ( أي حيّة ظاهرة فانقلبت المعصية التي ~~هي السيّئة ) وهي التي عليها من التنزيه الذي هو مقتضى نشأة صاحبه - يعني العقل – ( ~~طاعة - أي حسنة - كما قال : " يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ " يعني في ~~الحكم ) ، # فإنّ الأعيان أنفسها لا تتبدّل ولكن تتقلب أحكامها عند العروج في مراقي كمالها ، ~~كما فيما نحن فيه إذا نقلت العقل قلبا ( فظهر الحكم عينا متميّزة ) # أي ظهور عين متميزة بحسب الاسم والأثر ( في جوهر واحد ) . # قال رضي الله عنه : ( فهي العصا ) للعوام باعتبار الاعتماد عليها في الآراء ~~المبيّنة للمبدإ والمعاد ( وهي الحيّة ) أيضا للخواصّ ، باعتبار فيضان ماء حياة ~~العلم منها ( والثعبان الظاهر ) أيضا باعتبار انفجار عيون انبساطه وكماله على مزارع ~~قلوب القابلين من أهل الطلب ، المحاطين تحت حيطته ( فالتقم أمثاله من الحيّات ، من ~~كونها حيّة ، والعصيّ من كونها عصا) . # والذي يدلّ على تطبيق هذا التأويل وإصابة سهامه مرامي قصد صاحب الكتاب قوله في ~~تأويل الالتقام : ( فظهرت حجة موسى على حجج فرعون في صورة عصىّ وحيّات وحبال ) ، # وهي باعتبار جذب القلوب بها واقتناص خواطر أهل القرب والنيّة منها ( فكانت للسحرة ~~الحبال ، ولم يكن لموسى حبل ) ، فإنّه العلم الذي هو مبدأ التخيّل والإيهام ، مما ~~يشوّق ويجذب إلى العالم به ، ويوهم وينفّر عن غيره وليس لموسى من ذلك العلم شيء ، ~~لعلوّ قدره عن أمثال تلك الحيل ، # ولذلك قال رضي الله عنه : ( والحبل : التلّ الصغير ) ، وهو الممتدّ من الرمل ~~المستطيل الذي به يهتدي الساري إلى بيته ، فلذلك استعير به للوصل ، ولكل ما يتوصّل ~~به ، قوله تعالى : " اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله ". # موسى والسحرة # قال رضي الله عنه : (أي مقاديرهم بالنسبة إلى قدر موسى بمنزلة الحبال من الجبال ~~الشامخة فلما رأت السحرة ذلك علمو رتبة موسى ) وعلوّ قدره ( في العلم ، وأنّ الذي ~~رأوه ليس من مقدور البشر ) من حيث أنّه بشر ، ( وإن كان من مقدور البشر ) مطلقا ( ~~فلا يكون إلَّا ممن له تميّز في العلم المحقّق عن التخيّل والإيهام ) اللذين بهم ~~تنجذب القلوب من عوام الناس ، ( فآمنوا " بِرَبِّ الْعالَمِينَ " ) ، # وهذا القول عند القوم فيه إجمال ، لادّعاء فرعون أنّه ذلك ، فينبّه بقوله : ( " ~~رَبِّ مُوسى وَهارُونَ" أي الرب الذي يدعوا إليه موسى وهارون ) . # إفصاح بالمقصود ، وإزالة للإجمال بحسب أفهام القوم ( لعلمهم بأنّ القوم يعلمون ~~أنّه ما دعا لفرعون ، ولما كان فرعون في منصب التحكَّم ) على مسند الخلافة والظهور ~~بها في ذلك. # ( صاحب الوقت ، وأنّه الخليفة بالسيف ) الذي عليه مبنى أمر الظهور ، وبحكمه يتمّ ~~القطع والفصل عند تأمير الوقت أحدا من أبنائه ، فهو آية سلطانه على غيره وقهرمانه ~~على الكلّ # ، فصاحب السيف هو صاحب الوقت ، كما قيل " الوقت سيف " . # قال رضي الله عنه : ( وإن جار في العرف الناموسي ) ومقتضى شريعته ، كما ورد من ~~الخاتم صلَّى الله عليه وسلَّم : « أطيعوا أميركم ولو جار » . ""لا طاعة في معصية، ~~إنما الطاعة في المعروف"" ### || "" أضاف الجامع : # حديث مسلم : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا، وأمر عليهم رجلا، فأوقد ~~نارا، وقال: ادخلوها، فأراد ناس أن يدخلوها، وقال الآخرون: إن قد فررنا منها، فذكر ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: «لو دخلتموها لم ~~تزالوا فيها إلى يوم القيامة»، وقال للآخرين قولا حسنا، وقال: «لا طاعة في معصية ~~الله، إنما الطاعة في المعروف» ) رواه البخاري و مسلم و أحمد بالمسند و ابن حبان و ~~النسائي ومسند البزار و البيهقي والشريعة للآجري وغيرهم. "" # فرعون والسحرة # قال رضي الله عنه : ( ولذلك ) السلطنة وكونه صاحب الوقت ( قال : " أَنَا ~~رَبُّكُمُ الأَعْلى " أي وإن كان الكلّ أربابا بنسبة ما ) وإضافة إلى ما يتعلَّق به ~~تعلَّق # تصرّف وتربية - كما يقال : « ربّ العبد ، وربّ البيت » - ( فأنا الأعلى بما ~~أعطيته في الظاهر من التحكَّم فيكم ) بالسيف ، والإحاطة عليكم بالغلبة . # قال رضي الله عنه : ( ولما علمت السحرة صدقه فيما قاله لم ينكروه وأقرّوا له بذلك ~~) وأذعنو أمره ( فقالوا له : " إِنَّما تَقْضِي هذِه ِ الْحَياةَ الدُّنْيا " ) ~~والصورة الظاهرة المبتنية أمرها على الغلبة بالسيف ، # ( " فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ " ) فيه وحاكم عليه من الصورة الجسمانيّة ، ( فالدولة ~~) التي عليها مدار أمر الصورة ( لك ) . # قال رضي الله عنه : ( فصحّ قوله ) لهم : ( " أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى " وإن كان ~~) الربّ الذي هو أعلى الأرباب على الإطلاق لا يكون إلا ( عين الحقّ فالصورة ) ~~المتعيّنة به ذلك ( لفرعون فقطع الأيدي والأرجل وصلب بعين حقّ في صورة باطل ) فإنّ ~~من جملة ما تعيّنت به ذلك العين وتصوّرت هو الباطل. # كما قال شيخ الشيخ المؤلف أبو مدين : # ل تنكر الباطل في طوره %~% فإنّه بعض ظهوراته # وأعطه منه بمقداره %~% %~% حتى توفّي حقّ إثباته # فالحقّ قد يظهر في صورة %~% ينكرها الجاهل في ذاته # ومما يؤيّد ما تلونا عليك في تأويل فرعون من مبدأ أمر تربيته لموسى إلى منتهى ~~مقام مقابلته له واستكماله منه تخصيص قهره مع عموم قدرته على الكلّ بأعوانه وأصحابه ~~، # من قطع آلات القوّة والسير ، وتفريقهم عن مستقرّهم الأصلي وما هم عليه بحسب ~~نشأتهم النظريّة بتعليقهم على صليب الإفناء عن تعيّناتهم وآثارهم الخاصّة بهم - فلا ~~تغفل . # ترتيب الأمور بالأسباب ، ولا سبيل إلى تعطيله # ثمّ إنّه إذ بيّن أن لمبدإ هذا الفعل جهتي حقّ وباطل من حيثيّتي عين وجوديّة ~~وصورة كونيّة ، ولا بدّ أن يكون لسائر ما يتفرّع عنه أثر من تينك الجهتين أشار إلى ~~جهة حقيّة القطع المذكور لوضوح الأخرى منهما بقوله : ( لنيل مراتب لا تنال إلَّا ~~بذلك الفعل ) من طرف فرعون في تحقيق سياسته وقوّة سلطانه ، ومن طرف السحرة وآله في ~~وصولهم إلى درجات الشهادة والشهود التي لا يمكن لهم الوصول إليها إلا به ، # قال رضي الله عنه : ( فإنّ الأسباب ل سبيل إلى تعطيلها ، لأنّ الأعيان الثابتة ~~اقتضتها ) بحسب النظام العلمي والربط الأسمائي ، والسلسلة الكماليّة التي في ~~الحضرات الجلائيّة وهو المعبّر عنها في صناعة الحكمة بالعناية الأزليّة . # قال رضي الله عنه : ( فلا يظهر ) الأعيان بهيئاتها الجمعيّة الارتباطيّة ( في ~~الوجود إلَّا بصورة ما هي عليه في الثبوت ، إذ " لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ الله "، ~~وليست كلمات الله سوى أعيان الموجودات ، فينسب إليها القدم من حيث ثبوتها ) في ~~الحضرة العلميّة الجلائيّة ، # قال رضي الله عنه : ( وينسب إليه الحدوث من حيث وجودها ) في العوالم الاستجلائية ~~( وظهورها ) فيها ، ( كما تقول : « حدث اليوم عندنا إنسان أو ضيف » . ولا يلزم من ~~حدوثه أنّه ما كان له وجود قبل هذا الحدوث لذلك قال تعالى في كلامه العزيز - أي في ~~إتيانه ) أي في إثبات الحدوث لإتيان الكلام ، كما في المثال # قال رضي الله عنه : ( مع قدم كلامه : " ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ ~~مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوه ُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ " ) أي محدث عندهم إتيانه ، # وكذلك في قوله : (" ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا ~~كانُو عَنْه ُ مُعْرِضِينَ "). # قال رضي الله عنه : (والرحمن لا يأتي إلَّا بالرحمة ) التي هي الحياة والعلم ( ~~ومن أعرض عن الرحمة ) العلميّة التي بها يتفطَّن بمثل هذه الدقائق ( استقبل العذاب ~~الذي هو عدم الرحمة ) . # إيمان فرعون ونجاته # ثمّ إنّ من تلك الدقائق ما أثبت لفرعون من نيل المراتب العلميّة الكماليّة التي ~~أشار إليها ، وهي التي لم يتفطن لها أكثر أهل الظاهر ، مع دلالة الآيات عليها : # قال رضي الله عنه : ( وأمّا قوله : " فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ ~~لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِه ِ " ) # وكذلك قوله مع الاستثناء في سورة يونس :" فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ " أي ~~في وقت رؤيتهم العذاب . # " فَنَفَعَها إِيمانُها "، (" إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ " فلم يدلّ على ذلك أنه لا ~~ينفعهم في الآخرة بقوله في الاستثناء " إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ") . # فإنّ سياق الآية دالّ على أنّ النفع المنفي من إيمانهم هو النفع الآجل ، ( فأراد ~~أنّ ذلك لا يرفع عنهم الأخذ في الدنيا ، فلذلك أخذ فرعون مع وجود الإيمان منه ) م ~~نفعه في ذلك . # قال رضي الله عنه : ( هذا ) على تقدير التنزّل مع المجادل ( إن ) سلم أنّه ( كان ~~أمره أمر من تيقّن بالانتقال في تلك الساعة ) ، حتّى يكون داخلا في عموم مفهوم ~~الآية المذكورة ( وقرينة الحال تعطي أنّه ما كان على يقين من الانتقال لأنّه عاين ~~المؤمنين يمشون في الطريق اليبس الذي ظهر بضرب موسى بعصاه البحر ، فلم يتيقّن فرعون ~~بالهلاك إذا آمن ) ، بل آمن من الهلاك بإيمانه ومشاهدته المؤمنين قد نجوا به ، ( ~~بخلاف المحتضر ) الذي تيقّن بالهلاك فآمن ( حتى لا يلحق ) فرعون ( به ) ، فإنّه م ~~كان الإيمان منه مسبوقا بتيقّن الهلاك سبق إيمان المحتضر فإنّه رأى المؤمنين بموسى ~~من بني إسرائيل قد نجوا ، # قال رضي الله عنه : ( فآمن بالذي "آمَنَتْ به بَنُوا إِسْرائِيلَ " على التيقّن ~~بالنجاة فكان كما تيقّن ، ولكن على غير الصورة التي أراد ) ، وذلك لأنّ إيمانه ~~وتيقّنه على غير الصورة التي أراد موسى منه ، بأن يكون في محضر من قومه حتّى يعمّ ~~به الخبر ، وإذا لم يكن إيمانه على ما أريد ، فلم يكن نجاته كما أراد . # قال رضي الله عنه : ( فنجّاه الله من عذاب الآخرة في نفسه ، ونجّى بدنه ) أيضا من ~~الغرق في البحر وأن يكون غائبا عن نظر قومه ( كما قال : " فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ ~~بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً " لأنّه لو غاب بصورته ربما قال قومه ) ~~من المعتقدين فيه اعتقاد صدق : « إنّه ( احتجب ) بصورته » ( فظهر بالصورة المعهودة ~~ميتا ليعلم ) قومه ( أنّه هو فقد عمّته النجاة حسّا ) ببدنه ( ومعنى ) بروحه ، ~~لإيمانه قبل أن يظهر عليه من آيات الآخرة شيء ، # قال رضي الله عنه : ( ومن حقّت عليه كلمة العذاب الأخروي ) بظهوره فيه آيته أن ( ~~لا يؤمن ) في الدنيا ( ولو جاءته كل آية " حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الأَلِيمَ " ) ~~عند حضوره الموت وتيقّنه به ، فإنّه من العذاب الأخروي ، ولذلك فسّر الرؤية ~~المذكورة بقوله : ( أي يذوقوا العذاب الأخروي فخرج فرعون من هذا الصنف ) لما مرّ من ~~عدم تيقّنه بالموت ، وإيمانه قبل رؤيته العذاب الأليم . # قال رضي الله عنه : ( هذا هو الظاهر الذي ورد به القرآن ) كما عرفت في هذه الآية ~~وغيرها ، مما يمكن أن يتمسّك به أهل الظاهر على ما اعتقدوه في فرعون من أنّه غير ~~نصّ فيه ولا ظاهر ، بل الظاهر منها خلافه ، ولذلك قال : ( ثمّ إنا نقول بعد ذلك ) ~~البيان الذي ظهر من الآيات القرآنية : ( والأمر فيه ) أي في فرعون وكفره ( إلى الله ~~) لعجزنا عن الإبانة عن ذلك الأمر بما هو عليه ( لما استقرّ في نفوس عامّة الخلق من ~~شقائه ، وما لهم نصّ في ذلك يستندون إليه ) كما في غيره من الصور الاعتقاديّة ~~الرسميّة التي لهم . # حكم آل فرعون # وأما النصوص الواردة في آل فرعون ، كقوله تعالى : " وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ ~~سُوءُ الْعَذابِ " ، "وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ ~~أَشَدَّ الْعَذابِ ". # فلا دخل لها فيما نحن فيه ، وإليه أشار بقوله : ( وأما آله ، فلهم حكم آخر ليس ~~هذا موضع ذكره ) فإنّ النسبة الارتباطيّة التي بينه وبين قومه ليست حقيقيّة وجوديّة ~~، كما للأنبياء مع أصحابهم ، بل كونيّة [ . . ] كما عرفت من طيّ ما جرى بينه وبين ~~موسى . # وتحقيق هذ يحتاج إلى بسط لا يليق بهذا الموضع ، كما أشار إليه في التفرقة بين ~~الكافر المحتضر والكافر المقتول غفلة أو الميّت فجأة بقوله : # كلّ محتضر مؤمن ، وليس كذلك المقتول غفلة والميت فجأة # قال رضي الله عنه : ( ثمّ ليعلم أنّه م يقبض الله أحدا إلَّا وهو مؤمن - أي مصدّق ~~بما جاءت به الأخبار الإلهيّة) لظهور الأمر عليه عند رفعه الحجب المانعة عن ذلك ، ~~وهي القوى الإدراكية وما يترتّب عليها ، كما قال الشيخ رضي الله عنه : # وأم المسمى آدما ، فمقيّد %~% بعقل وفكر أو قلادة إيمان # بذ قال سهل والمحقق مثلنا %~% لأنا وإياهم بمنزل إحسان # فمن شهد الأمر الذي قد شهدته %~% يقول بقولي في خفاء وإعلان # ول تلتفت قولا يخالف قولنا %~% ولا تبذر السمراء في أرض عميان # ( وأعني ) بذلك ( من المحتضرين ) أي من حضره الموت ، وهو واقف عليه حاضر ، ( ~~ولهذا يكره موت الفجأة ) حيث استعيذ منه في الدعوات المأثورة ( وقتل الغفلة ) . # ثمّ إنّه يشير إلى مبدأ ذلك الإكراه وبيان لمّيته ، وذلك أن الإنسان ينبغي أن ~~يكون عند خروجه من دار الدنيا في جمعيّة فطرته الأصليّة وإحاطته الذاتيّة ولو ~~بمجرّد الاعتبار وصورة ذلك جمع ما تفرّق وشذّ عنه ، وهو بإدخال ما لم يكن داخلا في ~~الوجود أو في العلم ، كالنفس الداخل مثلا ، وإثبات العقائد وامتياز الصور العلميّة ~~، وليس ذلك في موت الفجأة وقتل الغفلة . # أمّ الأول : فإليه أشار بقوله : ( فأمّا موت الفجأة : فحدّه أن يخرج النفس الداخل ~~، ولا يدخل النفس الخارج ، فهذا موت الفجأة وهذا غير المحتضر ) فإنّه في حضور من ~~تصوّر الموت وما يترتّب عليه ، وفيه جمعيّته . # وأمّ الثاني : فإليه أشار بقوله : ( وكذلك قتل الغفلة بضرب عنقه ) # صاحبه ( من ورائه وهو لا يشعر ) ، فإنّه لو لم يكن من ورائه ، أو يكون له شعور ~~بذلك ، كان له صورة جمعيّة في الجملة ، بإدخال الخارج فيه وتصوّره ، ( فيقبض على ما ~~كان عليه من إيمان ) وهو ظهور فطرته الأصليّة وجمعيّته الكماليّة له ( أو كفر ) وهو ~~خفاء ذلك عليه وستره عنه (ولذلك قال عليه السّلام :" ويحشر على م عليه مات " كما ~~أنّه يقبض على ما كان عليه") . # قال رضي الله عنه : (والمحتضر لا يكون إلَّا صاحب شهود) وحضور ، لارتفاع الحجب ~~الإدراكيّة عنه حينئذ بتعطيل القوى عمّا يشغله عن شهود ما عليه الأمر في الآخرة ، ( ~~فهو صاحب إيمان بما ثمّ ، فل يقبض إلَّا على ما كان عليه ) في ذلك الوقت ، ولا ~~يختصّ بذلك الوقت من الزمان الماضي ، ويزول عند حلول الحال على ما هو مؤدّى صيغة « ~~كان » ، # ( لأنّ « كان » حرف وجوديّ لا ينجرّ معه الزمان إلَّا بقرائن الأحوال ) الخارجة ~~عن نفس مفهومه ، ( فتفرق بين الكافر المحتضر في الموت ، وبين الكافر المقتول غفلة ~~أو الميّت فجأة ، كما قلنا في حد الفجأة ) ، وبه يعرف ما بين فرعون وآله من ~~البينونة والفرق . # حكمة التجلي لموسى في صورة النار # قال رضي الله عنه : ( وأما حكمة التجلَّي ) الظهوريّ عليه ( والكلام ) وهو ~~الإظهاريّ منه ( في صورة النار ) التي لها العلوّ في الأسطقسات : ( لأنّها كانت ~~بغية موسى ) بحسب المناسبة الأصلية ، وبما ساق إليه حكم الوقت ، ( فتجلَّى ) الله ~~تعالى # قال رضي الله عنه : (له في ) صورة ( مطلوبة ليقبل عليه ولا يعرض عنه ) لغلبة حكم ~~الصورة عليه ( فإنّه لو تجلَّى له في غير صورة مطلوبه ، أعرض عنه لاجتماع همّته على ~~مطلوب خاصّ ) حسب ما حكم عليه الوقت من التفرقة التي ظهرت قهرمانها عليه في ذلك ~~الزمان ، على ما هو مقتضى كلمته العليّة الموسويّة ، على ما نبّهت إلى بعض حكمها ~~الكاشفة عنه . # قال رضي الله عنه : ( ولو أعرض لعاد عمله عليه ) بناء على تحقّق مجازاة العمل على ~~وفق معادلته وطبق موازاته ، كم هو مؤدّى قوله تعالى : " فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ~~" ( فأعرض عنه الحقّ وبالا لعمله وهو مصطفى ) ، بقوله تعالى : " اصْطَفَيْتُكَ ~~عَلَى النَّاسِ " (مقرّب ) لقوله : " قَرَّبْناه ُ نَجِيًّا " ( فمن قربه ) وتقريب ~~الله إيّاه نجيّا ( أنّه تجلَّى له في مطلوبه وهو لا يعلم ) : # ( كنار موسى ، يراها عين حاجته %~% وهو الإله ولكن ليس يدريه ) # وفيه إشارة إلى أن المطلوب والمحتاج إليه عينه هو الحقّ إذا توجّه إليه بجمعيّة ~~من الهمّة ، وإن لم يكن يعلم المتوجّه ، كما وقع لموسى مع كماله في العلم . # . # %~% ### | فص حكمة صمدية في كلمة خالدية ### | 26 - فصّ حكمة صمديّة في كلمة خالديّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين ~~علي ابن محمد التركة # شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم الشيخ ~~الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # تسمية الفصّ # ووجه اختصاص هذه الكلمة بحكمتها هو أنّ الصمد : السيد المصمود إليه في الحوائج - ~~من صمد : إذ قصد - فلا بدّ أن يكون جامعا لخصوصيّات الكلّ ، حتى يتمكَّن من تفصّي ~~مقتضيات الجمع ففيه معنى أحديّة جمع الخصوصيّات والحكمة الخالديّة لو ظهرت وتمّت ~~كان أمره أن ينبئ عن تصديق نبوّة جميع الأنبياء وتحقيق خصوصيّاتهم ، فالحكمة هاهنا ~~مشتملة على أحديّة جميع الحكم كلَّها ، كما أنّ الكلمة كذلك . # وأيضا بيّنات « الصمد » بنفسها هو « الدائم » بموادّها ، وهو « الخالد » مفهوما ~~ومعنى . # النبوّة البرزخيّة # ثمّ إنّ الصورة التي هي أصل قواعد النبوّة وأساس بنائها لها مجليان فيالعوالم : # أحدهما في عالم الشهادة ، والصورة فيه هيولانيّة جسمانيّة ، تامّة في مصدريّة ~~أحكامها وآثارها ، كاملة بالكمال الجمعيّ والإحاطة الذاتيّة ، ولكن لا دوام له # والأخرى عالم المثال ، والصورة فيه شبحانيّة جسدانيّة ، غير تامّة في مصدريّة ~~الخواصّ والآثار ، ولكن لها الجمعيّة البرزخيّة ، بحسب احتياز الأوصاف وجمع الأطراف ~~فإنّ من شأن البرزخ أن يحيط بطرفيه ويحوي أوصافهما ويظهر بهم . # والمثال هو البرزخ بين عالم الأرواح والأجسام ، ولها الخلود والدوام بالنسبة إلى ~~الشهاديّة . # ثمّ إذا تقرّر لك هذا فاعلم إنّه كما أنّ النبوّة الشهاديّة في الصورة التماميّة ~~قد اقتضت ظهور الأنبياء عليهم السّلام بالإنباء عمّا عليه أمرها والإظهار بجملة ~~أحكامها وآثاره ، # كذلك النبوة البرزخيّة اقتضت أن يكون لها كلمة مستقلَّة بين الأنبياء ينبئ عم ~~عليه تلك الصورة في حدّها ، تتميما لأحكام النبوّة المطلقة واستيفاء لمقتضى الصورة ~~التي أصلها بطرفيها ، واستقصاء لأمر الإظهار الذي هو غايتها بعالميها . # وحكمتها هو المشار إليها بقوله : # خالد بن سنان أراد أن يخبر عن البرزخ ### || "" أضاف المحقق : # اسمه خالد بن سنان بن غيث بن عبس علي ما ذكره المسعودي في مروج الذهب و أيضا أسد ~~الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير و الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ~~العسقلاني "" # قال رضي الله عنه : ( وأما حكمة خالد بن سنان ، فإنّه أظهر بدعواه النبوّة ~~البرزخيّة ) والظهور بها في عالم البرزخ ، ( فإنّه ما ادّعى الإخبار بما هنالك ~~إلَّا بعد الموت ) وتحقّقه بالصورة البرزخيّة ، خالصة عمّا يخالفها من الأحكام ~~المزاجيّة التي هناك ، حتى يتمكَّن عن الإنباء بم عليه أمر ذلك العالم بخصوصه ، ~~متحقّقا به . # قال رضي الله عنه : ( فأمر أن ينبش عليه ، ويسأل ، فيخبر ) بعد تحقّقه بها ( أنّ ~~الحكم ) بجمله وتفاصيله ( في البرزخ على صورة الحياة الدنيا ، فيعلم بذلك صدق الرسل ~~كلَّهم فيما أخبروا به في حياتهم الدنيا ) فإنّ الصور البرزخيّة غير متحيّزة ~~بالمكان ، ولا مقترنة بالزمان ، فلا اختصاص لأحكامها والإنباء عنها بامّة زمانه ، ~~بل تشمل العالمين ، وإذ لم يكن تلك الرقيقة بينه وبين امّة زمانه خاصّة في البرزخ ، ~~لم يتمّ له ذلك الأمر وما سمعوا كلامه . # قال رضي الله عنه : ( وكان غرض خالد إيمان العالم كلَّه بما جاءت به الرسل ، ~~ليكون رحمة للجميع ) من العالمين ، ولكن في البرزخ ، فإنّ ذلك العالم لتقدّمه على ~~الشهادة لا يظهر أمر من الأمور بالصور الشهاديّة قطَّ ، إلَّا بعد ظهوره بالصور ~~المثاليّة في البرزخ فإذا ظهر بالصور المثاليّة يكون آية ، لقرب ظهوره بالصور ~~الشهاديّة . # ومن هذ الأصل تتفرّع معرفة الرؤيا واستعلام الأحوال المستقبلة عن تعبيرها ، وإلى ~~ذلك أشار بقوله رضي الله عنه : ( فإنّه تشرّف بقرب نبوّته من نبوّة محمد صلَّى الله ~~عليه وسلَّم وعلم ) بميامن ذلك القرب أيضا ( أنّ الله أرسله رحمة للعالمين ، ولم ~~يكن خالد برسول ) حتى يصحّ له النسبة الكاملة بامّة زمانه ، ويترتّب عليها البلاغ ~~وسماعهم منه سماع قبول وتربية ، ( فأراد أن يحصّل من هذه الرحمة ) الشاملة # قال رضي الله عنه : ( التي في الرسالة المحمديّة على حظَّ وافر ، ولم يؤمر ~~بالتبليغ ) حتى يتحقّق بذلك الحظَّ في عالم الشهادة . # ( فأراد أن يحظى بذلك في البرزخ ، ليكون ) ذلك من خوارق العادات والمعجزات ~~المختصّة به ، وحينئذ يكون ( أقوى في العلم في حقّ الخلق ) ، لأنّه إعلام أمر مع ~~الإعجاز المؤيّد له ، وهو الدليل الواضح عند العامّة. # خصائص الأمور البرزخيّة وسبب عدم توفيق خالد بن سنان # قال رضي الله عنه : ( فأضاعه قومه ) لعدم وثاقة النسبة وتصحيحها المترتّب عليه ~~أحكامها ، ولأنّ الصورة البرزخيّة - من حيث هي كذلك - إنّما تقتضي ظهورا ما في ~~مرتبتها على ما اقتضته ، غير كامل النظام ولا متّسق الترتيب فإنّ مبنى أمر النظام ~~والترتيب الزمان والمكان ، وقد عرفت أنّ هذه الصورة في هذه المرتبة غير متحيّزة ولا ~~مقترنة مكانا وزمانا ، وبيّن أنّ نسبة السيّد والنبيّ إلى قومه إنّما استوثقت من ~~الصور الترتيبيّة والهيئة التأليفيّة الشهاديّة ، التي لا بدّ له من نظام حتى يتمّ ~~. # فالنسبة بين خالد وامّته وثيقة حيث كان في الصور الشهاديّة ، وإذا انتقل إلى ~~البرزخ ما بقي النسبة على ما كانت عليه فلذلك قال النبي : « قومه » ، لا : " امّته" ~~. # وإذا لم يكن خالد برسول مأمور بالتبليغ ، بل ذلك إنما هو غرضه المختصّ به أن ~~يحتظي من الرحمة العامّة الختميّة من دون وحي إلهيّ ، ولذلك قال : " أضاعه قومه " . # ( ولم يصف النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قومه بأنهم ضاعوا ) ، ولو كان رسولا ~~مأمور بالتبليغ # كانوا هم الضائعين أولا ، ( وإنّما وصفهم بأنهم أضاعوا نبيّهم ، حيث لم يبلغوا ~~مراده ) وهو النبش على ما وصّاهم به . # تفصيل قصّة خالد بن سنان # وقصّته أن خالد رجل من العدن ، ظهر به داعيا إلى الله ومبدأ أمره أنّه خرجت في ~~أيّامه نار عظيمة من مغارة ، فأهلكت الزرع والضرع ، والتجأ إليه قومه ، فأخذ خالد ~~يضرب تلك النار بعصاه حتى رجعت هاربة منه إلى حيث خرجت عنه ، ثمّ وصّى لأولاده أنّي ~~أدخل المغارة خلف النار لاطفئها ، وأمرهم أن يدعوه بعد ثلاثة أيّام . # فلما دخل صبروا يومين فاستفزّهم الشيطان ولم يصبروا تمام الثلاثة وصاحوا فخرج ~~خالد وعلى رأسه ألم من صياحهم ، # وقال رضي الله عنه : « ضيّعتموني وأضعتم قولي ووصيّتي » ، وأخبرهم بموته ، وأمرهم ~~أن يقبروه ويرقبوه أربعين يوما ، فإنّه يأتيهم قطيع من الغنم ، يقدمها حمار أبتر ~~مقطوع الذنب ، فإذا حاذى قبره ووقف فلينبشوا عليه قبره ، فإنّه يقوم لهم ويخبرهم ~~بأحوال البرزخ والقبر عن يقين . # فانتظرو أربعين يوما فجاء قطيع كذلك ، فهمّ مؤمنو قومه أن ينبشوا ، فأبى أولاده ~~خوفا من العار عند العرب أن يقال لهم : " أولاد المنبوشين " ، فضيّعوا وصيّته ~~وأضاعوه . # فلما بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جاءته بنت خالد ، فقال صلَّى الله ~~عليه وسلَّم : « مرحبا بابنة نبيّ أضاعه قومه » . ### || "" أضاف المحقق : # عن المسعودي في مروج الذهب ( 1 / 75 ) : « وقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال : ذلك نبي أضاعه قومه » . # وفيه ( 2 / 370 ) : « وردت ابنة له عجوز قد عمّرت على النبيّ ص ، فتلقاها بخير ~~وأكرمها ، فأسلمت وقال لها : مرحبا بابنة نبيّ ضيّعه أهله » . "" # تأويل قصّة خالد # ثمّ إنّ لهذه القصّة تأويلا لطيفا يمكن حملها عليه ، ولكن يحتاج فهمه إلى مقدمة : ### || وهي أن الولاية أقسام ثلاثة : # ولاية هي باطن النبوة المطلقة ، وهي شاملة لولايات جميع الأنبياء ، وولاية هي ~~باطن النبوة الخاصّة بكل من النبيّين ، وكمالها ما هو باطن النبوّة المحمديّة ، # وولاية مطلقة لا اختصاص لها بالنبوّة . # ولكل من هذه الأقسام خاتم ظهر به تمامها ، وخاتم الولاية منهم هو الذي ختم به ~~القسم الثالث ، أعني الولاية المطلقة الشاملة للكلّ . # وأما القسم الثاني ، فخاتمه الشيخ المؤلَّف ، كما علم من تصفّح كلامه أنّه خاتم ~~الولاية المحمديّة وأما القسم الأول ، فخاتمه علىّ عليه السّلام ، ولذلك قال ما ~~معناه : " لو اجتمع أهل الكتب الأربعة لحكمت علي كلّ منهم بكتابه " . # ثمّ إنّ خالدا صورة باطن نبوّة الأنبياء ، وباطنها هو الولاية المختصّة بها ، ~~ولذلك ما امر بالتبليغ ، واقتضى النبوّة البرزخيّة التي هي باطن هذه المرتبة ، وبه ~~سمّي ب « الخالد » واقتضى « الحكمة الصمدانية » التي لها الدوام كما عرفت فإنّ ~~الولاية لا انقطاع لها كما سبق بيانه . # وإذا تقرّر هذا فاعلم أنّ الولاية التي هي باطن نبوّة الأنبياء قد ظهر بعد ختم ~~النبوّة بمحمد صلوات الله وسلامه عليه - في أهل بيته ، فمن قرب إليه زمانا غير خاتم ~~الولاية ، فإنّه مظهر الولاية المطلقة ، والكلام هاهنا في الولاية التي هي باطن ~~النبوّة . # ثمّ إنّه ل يخفى على المتفطَّن أنّ الرجل الذي ظهر من عدن معدن الكمال والظهور من ~~هو ؟ # فإنّه قد ظهر في أيّامه نار فتنة عظيمة من مغارة الغيرة والتنافس ، فأهلكت زرع ~~أحكام النبوّة وأوضاعها العمليّة ، وضرع الحقائق وكمالاتها العلميّة التي في أيّام ~~الخاتم فانطفت النار بقوّة رأيه ونظره الثاقب المشار إليها بعصا ، # واختفى في تلك المغارة ، ووصّى أولاده وأتباعه أن لا يدعوه إلى الظهور والخروج ~~إلَّا بعد انقضاء ثلاثة أيام من الظهورات الكاملة ، فما صبروا إلى أن يتمّ الثالث ، ~~بل استفزّهم الشيطان وجعلوه تامّا ، وصاحوا عليه ليخرج ، فخرج وعلى رأس رياسته ألم ~~لمخافة الناس ، وتفرّقهم عن اتّصال كمال ظهوره . # وأمّا صورة وعدهم بالنبش - عند وصول القطيع الذي تقدمه حمار أبتر حذاء قبره ، حتى ~~يظهر تلك الولاية ، ويخبرهم عن أحكام البرزخ التي بين الخاتمين - هو صورة ما ظهر في ~~أيّام أبي مسلم الخراساني ، فهو الحمار الأبتر ، لخيرته وانقطاع ذنب أمره ، وباقي ~~الصور ظاهر للفطن إذا تأمّل فيه . # ومن آيات تطبيق هذا التأويل هو أنّ الواسطة في نسبة هذا الرجل إلى محمد - صلوات ~~الله وسلامه عليه - هو البنت ، حيث قال عند رؤيته إياه : " مرحبا بابنة نبيّ أضاعه ~~قومه " . # أجر النيّة # ثمّ إنّه قد علم أن أمة خالد ما بلغته مراده ، وفي عبارته هذه لطيفة كاشفة عن أصل ~~هذه الحكمة وخصوص كلمتها ، حيث أنّ قوم خالد هو المبلغ إيّاه ، كما أنّه هو المضيّع ~~له ، على خلاف ما عليه كلمة النبيّين بأجمعهم . # ثمّ أخذ يشير في طيّ هذه اللطيفة إلى أصل كلَّي وقانون جملي يتعلَّم منه كثير من ~~الأحكام الجزئية عند استخراج فروعه ، وذلك أنّ المتوجّه إلى أيّ نحو من طرق الكمال ~~إذا وقع له في الطريق قبل وصوله إلى ما جعله قبلة امنيّته ومقصد توجّهه ما يقطع ~~رابطته التي له بحسب هذه النشأة الجمعية - هل يمكن له الوصول إليه في العوالم ~~البرزخيّة والنشآت الآتية ، # حيث قال رضي الله عنه: ( فهل بلغه الله أجر امنيّته ؟ فلا شكّ ولا خلاف أنّ له ~~أجر امنيّته وإنّما الشك والخلاف في أجر المطلوب : هل يساوي تمنّى وقوعه نفس وقوعه ~~بالوجود أم لا فإنّ في الشرع م يؤيّد التساوي في مواضع كثيرة ) ظهوريّة غير متعدّية ~~وإظهاريّة متعدّية : ### || فالأوّل ( كالآتي للصلاة في الجماعة ، فتفوته الجماعة ، فله أجر من حضر ~~الجماعة ) # وأمّ الثاني : ( كالمتمنّي مع فقره ما هم عليه أصحاب الثروة والمال من فعل الخير ~~فيه ، فله مثل أجورهم ) في نيّاتهم . # فهذا ما يدلّ في الشرع على التساوي بين الأجرين : أجر المتمنّي الفائت منه العمل ~~، وأجر العامل ولكن فيه إجمال ، فإنّ العامل له أجر التمنّي أيضا ، فالمساواة ~~المشار إليها في الشرع هل هو ما بين أجري التمنّي للفائت والعامل ، أو بين أجريهما ~~مطلقا ؟ # وإليه أشار بقوله رضي الله عنه : ( ولكن مثل أجورهم في نيّاتهم أو في عملهم ، ~~فإنّهم جمعوا بين العمل والنيّة ) وليس في كلام النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ما ~~يرجّح أحد الاحتمالين ( ولم ينصّ النبيّ عليهما ولا على واحد منهما ، والظاهر أنّه ~~لا تساوي بينهما ) ، فإنّ النسبة بينهما نسبة الكل إلى الأجزاء والجمع إلى أفراده . # قال رضي الله عنه : ( ولذلك طلب خالد بن سنان الإبلاغ ، حتى يصحّ له مقام الجمع ~~بين الأمرين ، فيحصّل على الأجرين ). # . # %~% ### | فص حكمة صمدية في كلمة خالدية ### | 26 - فصّ حكمة صمديّة في كلمة خالديّة .كتاب شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين ~~علي ابن محمد التركة # شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة على متن فصوص الحكم الشيخ ~~الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي # تسمية الفصّ # ووجه اختصاص هذه الكلمة بحكمتها هو أنّ الصمد : السيد المصمود إليه في الحوائج - ~~من صمد : إذ قصد - فلا بدّ أن يكون جامعا لخصوصيّات الكلّ ، حتى يتمكَّن من تفصّي ~~مقتضيات الجمع ففيه معنى أحديّة جمع الخصوصيّات والحكمة الخالديّة لو ظهرت وتمّت ~~كان أمره أن ينبئ عن تصديق نبوّة جميع الأنبياء وتحقيق خصوصيّاتهم ، فالحكمة هاهنا ~~مشتملة على أحديّة جميع الحكم كلَّها ، كما أنّ الكلمة كذلك . # وأيضا بيّنات « الصمد » بنفسها هو « الدائم » بموادّها ، وهو « الخالد » مفهوما ~~ومعنى . # النبوّة البرزخيّة # ثمّ إنّ الصورة التي هي أصل قواعد النبوّة وأساس بنائها لها مجليان فيالعوالم : # أحدهما في عالم الشهادة ، والصورة فيه هيولانيّة جسمانيّة ، تامّة في مصدريّة ~~أحكامها وآثارها ، كاملة بالكمال الجمعيّ والإحاطة الذاتيّة ، ولكن لا دوام له # والأخرى عالم المثال ، والصورة فيه شبحانيّة جسدانيّة ، غير تامّة في مصدريّة ~~الخواصّ والآثار ، ولكن لها الجمعيّة البرزخيّة ، بحسب احتياز الأوصاف وجمع الأطراف ~~فإنّ من شأن البرزخ أن يحيط بطرفيه ويحوي أوصافهما ويظهر بهم . # والمثال هو البرزخ بين عالم الأرواح والأجسام ، ولها الخلود والدوام بالنسبة إلى ~~الشهاديّة . # ثمّ إذا تقرّر لك هذا فاعلم إنّه كما أنّ النبوّة الشهاديّة في الصورة التماميّة ~~قد اقتضت ظهور الأنبياء عليهم السّلام بالإنباء عمّا عليه أمرها والإظهار بجملة ~~أحكامها وآثاره ، # كذلك النبوة البرزخيّة اقتضت أن يكون لها كلمة مستقلَّة بين الأنبياء ينبئ عم ~~عليه تلك الصورة في حدّها ، تتميما لأحكام النبوّة المطلقة واستيفاء لمقتضى الصورة ~~التي أصلها بطرفيها ، واستقصاء لأمر الإظهار الذي هو غايتها بعالميها . # وحكمتها هو المشار إليها بقوله : # خالد بن سنان أراد أن يخبر عن البرزخ ### || "" أضاف المحقق : # اسمه خالد بن سنان بن غيث بن عبس علي ما ذكره المسعودي في مروج الذهب و أيضا أسد ~~الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير و الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ~~العسقلاني "" # قال رضي الله عنه : ( وأما حكمة خالد بن سنان ، فإنّه أظهر بدعواه النبوّة ~~البرزخيّة ) والظهور بها في عالم البرزخ ، ( فإنّه ما ادّعى الإخبار بما هنالك ~~إلَّا بعد الموت ) وتحقّقه بالصورة البرزخيّة ، خالصة عمّا يخالفها من الأحكام ~~المزاجيّة التي هناك ، حتى يتمكَّن عن الإنباء بم عليه أمر ذلك العالم بخصوصه ، ~~متحقّقا به . # قال رضي الله عنه : ( فأمر أن ينبش عليه ، ويسأل ، فيخبر ) بعد تحقّقه بها ( أنّ ~~الحكم ) بجمله وتفاصيله ( في البرزخ على صورة الحياة الدنيا ، فيعلم بذلك صدق الرسل ~~كلَّهم فيما أخبروا به في حياتهم الدنيا ) فإنّ الصور البرزخيّة غير متحيّزة ~~بالمكان ، ولا مقترنة بالزمان ، فلا اختصاص لأحكامها والإنباء عنها بامّة زمانه ، ~~بل تشمل العالمين ، وإذ لم يكن تلك الرقيقة بينه وبين امّة زمانه خاصّة في البرزخ ، ~~لم يتمّ له ذلك الأمر وما سمعوا كلامه . # قال رضي الله عنه : ( وكان غرض خالد إيمان العالم كلَّه بما جاءت به الرسل ، ~~ليكون رحمة للجميع ) من العالمين ، ولكن في البرزخ ، فإنّ ذلك العالم لتقدّمه على ~~الشهادة لا يظهر أمر من الأمور بالصور الشهاديّة قطَّ ، إلَّا بعد ظهوره بالصور ~~المثاليّة في البرزخ فإذا ظهر بالصور المثاليّة يكون آية ، لقرب ظهوره بالصور ~~الشهاديّة . # ومن هذ الأصل تتفرّع معرفة الرؤيا واستعلام الأحوال المستقبلة عن تعبيرها ، وإلى ~~ذلك أشار بقوله رضي الله عنه : ( فإنّه تشرّف بقرب نبوّته من نبوّة محمد صلَّى الله ~~عليه وسلَّم وعلم ) بميامن ذلك القرب أيضا ( أنّ الله أرسله رحمة للعالمين ، ولم ~~يكن خالد برسول ) حتى يصحّ له النسبة الكاملة بامّة زمانه ، ويترتّب عليها البلاغ ~~وسماعهم منه سماع قبول وتربية ، ( فأراد أن يحصّل من هذه الرحمة ) الشاملة # قال رضي الله عنه : ( التي في الرسالة المحمديّة على حظَّ وافر ، ولم يؤمر ~~بالتبليغ ) حتى يتحقّق بذلك الحظَّ في عالم الشهادة . # ( فأراد أن يحظى بذلك في البرزخ ، ليكون ) ذلك من خوارق العادات والمعجزات ~~المختصّة به ، وحينئذ يكون ( أقوى في العلم في حقّ الخلق ) ، لأنّه إعلام أمر مع ~~الإعجاز المؤيّد له ، وهو الدليل الواضح عند العامّة. # خصائص الأمور البرزخيّة وسبب عدم توفيق خالد بن سنان # قال رضي الله عنه : ( فأضاعه قومه ) لعدم وثاقة النسبة وتصحيحها المترتّب عليه ~~أحكامها ، ولأنّ الصورة البرزخيّة - من حيث هي كذلك - إنّما تقتضي ظهورا ما في ~~مرتبتها على ما اقتضته ، غير كامل النظام ولا متّسق الترتيب فإنّ مبنى أمر النظام ~~والترتيب الزمان والمكان ، وقد عرفت أنّ هذه الصورة في هذه المرتبة غير متحيّزة ولا ~~مقترنة مكانا وزمانا ، وبيّن أنّ نسبة السيّد والنبيّ إلى قومه إنّما استوثقت من ~~الصور الترتيبيّة والهيئة التأليفيّة الشهاديّة ، التي لا بدّ له من نظام حتى يتمّ ~~. # فالنسبة بين خالد وامّته وثيقة حيث كان في الصور الشهاديّة ، وإذا انتقل إلى ~~البرزخ ما بقي النسبة على ما كانت عليه فلذلك قال النبي : « قومه » ، لا : " امّته" ~~. # وإذا لم يكن خالد برسول مأمور بالتبليغ ، بل ذلك إنما هو غرضه المختصّ به أن ~~يحتظي من الرحمة العامّة الختميّة من دون وحي إلهيّ ، ولذلك قال : " أضاعه قومه " . # ( ولم يصف النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قومه بأنهم ضاعوا ) ، ولو كان رسولا ~~مأمور بالتبليغ # كانوا هم الضائعين أولا ، ( وإنّما وصفهم بأنهم أضاعوا نبيّهم ، حيث لم يبلغوا ~~مراده ) وهو النبش على ما وصّاهم به . # تفصيل قصّة خالد بن سنان # وقصّته أن خالد رجل من العدن ، ظهر به داعيا إلى الله ومبدأ أمره أنّه خرجت في ~~أيّامه نار عظيمة من مغارة ، فأهلكت الزرع والضرع ، والتجأ إليه قومه ، فأخذ خالد ~~يضرب تلك النار بعصاه حتى رجعت هاربة منه إلى حيث خرجت عنه ، ثمّ وصّى لأولاده أنّي ~~أدخل المغارة خلف النار لاطفئها ، وأمرهم أن يدعوه بعد ثلاثة أيّام . # فلما دخل صبروا يومين فاستفزّهم الشيطان ولم يصبروا تمام الثلاثة وصاحوا فخرج ~~خالد وعلى رأسه ألم من صياحهم ، # وقال رضي الله عنه : « ضيّعتموني وأضعتم قولي ووصيّتي » ، وأخبرهم بموته ، وأمرهم ~~أن يقبروه ويرقبوه أربعين يوما ، فإنّه يأتيهم قطيع من الغنم ، يقدمها حمار أبتر ~~مقطوع الذنب ، فإذا حاذى قبره ووقف فلينبشوا عليه قبره ، فإنّه يقوم لهم ويخبرهم ~~بأحوال البرزخ والقبر عن يقين . # فانتظرو أربعين يوما فجاء قطيع كذلك ، فهمّ مؤمنو قومه أن ينبشوا ، فأبى أولاده ~~خوفا من العار عند العرب أن يقال لهم : " أولاد المنبوشين " ، فضيّعوا وصيّته ~~وأضاعوه . # فلما بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جاءته بنت خالد ، فقال صلَّى الله ~~عليه وسلَّم : « مرحبا بابنة نبيّ أضاعه قومه » . ### || "" أضاف المحقق : # عن المسعودي في مروج الذهب ( 1 / 75 ) : « وقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال : ذلك نبي أضاعه قومه » . # وفيه ( 2 / 370 ) : « وردت ابنة له عجوز قد عمّرت على النبيّ ص ، فتلقاها بخير ~~وأكرمها ، فأسلمت وقال لها : مرحبا بابنة نبيّ ضيّعه أهله » . "" # تأويل قصّة خالد # ثمّ إنّ لهذه القصّة تأويلا لطيفا يمكن حملها عليه ، ولكن يحتاج فهمه إلى مقدمة : ### || وهي أن الولاية أقسام ثلاثة : # ولاية هي باطن النبوة المطلقة ، وهي شاملة لولايات جميع الأنبياء ، وولاية هي ~~باطن النبوة الخاصّة بكل من النبيّين ، وكمالها ما هو باطن النبوّة المحمديّة ، # وولاية مطلقة لا اختصاص لها بالنبوّة . # ولكل من هذه الأقسام خاتم ظهر به تمامها ، وخاتم الولاية منهم هو الذي ختم به ~~القسم الثالث ، أعني الولاية المطلقة الشاملة للكلّ . # وأما القسم الثاني ، فخاتمه الشيخ المؤلَّف ، كما علم من تصفّح كلامه أنّه خاتم ~~الولاية المحمديّة وأما القسم الأول ، فخاتمه علىّ عليه السّلام ، ولذلك قال ما ~~معناه : " لو اجتمع أهل الكتب الأربعة لحكمت علي كلّ منهم بكتابه " . # ثمّ إنّ خالدا صورة باطن نبوّة الأنبياء ، وباطنها هو الولاية المختصّة بها ، ~~ولذلك ما امر بالتبليغ ، واقتضى النبوّة البرزخيّة التي هي باطن هذه المرتبة ، وبه ~~سمّي ب « الخالد » واقتضى « الحكمة الصمدانية » التي لها الدوام كما عرفت فإنّ ~~الولاية لا انقطاع لها كما سبق بيانه . # وإذا تقرّر هذا فاعلم أنّ الولاية التي هي باطن نبوّة الأنبياء قد ظهر بعد ختم ~~النبوّة بمحمد صلوات الله وسلامه عليه - في أهل بيته ، فمن قرب إليه زمانا غير خاتم ~~الولاية ، فإنّه مظهر الولاية المطلقة ، والكلام هاهنا في الولاية التي هي باطن ~~النبوّة . # ثمّ إنّه ل يخفى على المتفطَّن أنّ الرجل الذي ظهر من عدن معدن الكمال والظهور من ~~هو ؟ # فإنّه قد ظهر في أيّامه نار فتنة عظيمة من مغارة الغيرة والتنافس ، فأهلكت زرع ~~أحكام النبوّة وأوضاعها العمليّة ، وضرع الحقائق وكمالاتها العلميّة التي في أيّام ~~الخاتم فانطفت النار بقوّة رأيه ونظره الثاقب المشار إليها بعصا ، # واختفى في تلك المغارة ، ووصّى أولاده وأتباعه أن لا يدعوه إلى الظهور والخروج ~~إلَّا بعد انقضاء ثلاثة أيام من الظهورات الكاملة ، فما صبروا إلى أن يتمّ الثالث ، ~~بل استفزّهم الشيطان وجعلوه تامّا ، وصاحوا عليه ليخرج ، فخرج وعلى رأس رياسته ألم ~~لمخافة الناس ، وتفرّقهم عن اتّصال كمال ظهوره . # وأمّا صورة وعدهم بالنبش - عند وصول القطيع الذي تقدمه حمار أبتر حذاء قبره ، حتى ~~يظهر تلك الولاية ، ويخبرهم عن أحكام البرزخ التي بين الخاتمين - هو صورة ما ظهر في ~~أيّام أبي مسلم الخراساني ، فهو الحمار الأبتر ، لخيرته وانقطاع ذنب أمره ، وباقي ~~الصور ظاهر للفطن إذا تأمّل فيه . # ومن آيات تطبيق هذا التأويل هو أنّ الواسطة في نسبة هذا الرجل إلى محمد - صلوات ~~الله وسلامه عليه - هو البنت ، حيث قال عند رؤيته إياه : " مرحبا بابنة نبيّ أضاعه ~~قومه " . # أجر النيّة # ثمّ إنّه قد علم أن أمة خالد ما بلغته مراده ، وفي عبارته هذه لطيفة كاشفة عن أصل ~~هذه الحكمة وخصوص كلمتها ، حيث أنّ قوم خالد هو المبلغ إيّاه ، كما أنّه هو المضيّع ~~له ، على خلاف ما عليه كلمة النبيّين بأجمعهم . # ثمّ أخذ يشير في طيّ هذه اللطيفة إلى أصل كلَّي وقانون جملي يتعلَّم منه كثير من ~~الأحكام الجزئية عند استخراج فروعه ، وذلك أنّ المتوجّه إلى أيّ نحو من طرق الكمال ~~إذا وقع له في الطريق قبل وصوله إلى ما جعله قبلة امنيّته ومقصد توجّهه ما يقطع ~~رابطته التي له بحسب هذه النشأة الجمعية - هل يمكن له الوصول إليه في العوالم ~~البرزخيّة والنشآت الآتية ، # حيث قال رضي الله عنه: ( فهل بلغه الله أجر امنيّته ؟ فلا شكّ ولا خلاف أنّ له ~~أجر امنيّته وإنّما الشك والخلاف في أجر المطلوب : هل يساوي تمنّى وقوعه نفس وقوعه ~~بالوجود أم لا فإنّ في الشرع م يؤيّد التساوي في مواضع كثيرة ) ظهوريّة غير متعدّية ~~وإظهاريّة متعدّية : ### || فالأوّل ( كالآتي للصلاة في الجماعة ، فتفوته الجماعة ، فله أجر من حضر ~~الجماعة ) # وأمّ الثاني : ( كالمتمنّي مع فقره ما هم عليه أصحاب الثروة والمال من فعل الخير ~~فيه ، فله مثل أجورهم ) في نيّاتهم . # فهذا ما يدلّ في الشرع على التساوي بين الأجرين : أجر المتمنّي الفائت منه العمل ~~، وأجر العامل ولكن فيه إجمال ، فإنّ العامل له أجر التمنّي أيضا ، فالمساواة ~~المشار إليها في الشرع هل هو ما بين أجري التمنّي للفائت والعامل ، أو بين أجريهما ~~مطلقا ؟ # وإليه أشار بقوله رضي الله عنه : ( ولكن مثل أجورهم في نيّاتهم أو في عملهم ، ~~فإنّهم جمعوا بين العمل والنيّة ) وليس في كلام النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ما ~~يرجّح أحد الاحتمالين ( ولم ينصّ النبيّ عليهما ولا على واحد منهما ، والظاهر أنّه ~~لا تساوي بينهما ) ، فإنّ النسبة بينهما نسبة الكل إلى الأجزاء والجمع إلى أفراده . # قال رضي الله عنه : ( ولذلك طلب خالد بن سنان الإبلاغ ، حتى يصحّ له مقام الجمع ~~بين الأمرين ، فيحصّل على الأجرين ). # . # %~%