######OpenITI# #META# URI: 1378YusufKaram.TarikhFalsafaYunaniyya.Hindawi19204286 #META# Tags: philosophy :: history #META# ID: 19204286 #META# Title: تاريخ الفلسفة اليونانية #META# AuthorID: 15207908 #META# Author: يوسف كرم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تصدير‏ # تنبيهات‏ # مقدمة‏ # الباب الأول: نشأة العلم والفلسفة‏ # 1 - الطبيعيون الأولون‏ # 2 - الفيثاغوريون‏ # 3 - الإيليون‏ # 4 - الطبيعيون المتأخرون‏ # 5 - السوفسطائيون‏ # 6 - سقراط‏ # الباب الثاني: أفلاطون‏ # 1 - حياته ومصنفاته‏ # 2 - المعرفة‏ # 3 - الوجود‏ # 4 - الأخلاق‏ # 5 - السياسة‏ # الباب الثالث: أرسطوطاليس‏ # 1 - حياته ومصنفاته‏ # 2 - المنطق‏ # 3 - الطبيعة‏ # 4 - النفس‏ # 5 - ما بعد الطبيعة‏ # 6 - الأخلاق‏ # 7 - السياسة‏ # الباب الرابع: مدارس قديمة وجديدة‏ # 1 - صغار السقراطيين‏ # 2 - أبيقوروس‏ # 3 - الرواقية‏ # 4 - الشكاك‏ # 5 - الأفلاطونية الجديدة‏ # مراجع‏ # تصدير‏ # تنبيهات‏ # مقدمة‏ # الباب الأول: نشأة العلم والفلسفة‏ # 1 - الطبيعيون الأولون‏ # 2 - الفيثاغوريون‏ # 3 - الإيليون‏ # 4 - الطبيعيون المتأخرون‏ # 5 - السوفسطائيون‏ # 6 - سقراط‏ # الباب الثاني: أفلاطون‏ # 1 - حياته ومصنفاته‏ # 2 - المعرفة‏ # 3 - الوجود‏ # 4 - الأخلاق‏ # 5 - السياسة‏ # الباب الثالث: أرسطوطاليس‏ # 1 - حياته ومصنفاته‏ # 2 - المنطق‏ # 3 - الطبيعة‏ # 4 - النفس‏ # 5 - ما بعد الطبيعة‏ # 6 - الأخلاق‏ # 7 - السياسة‏ # الباب الرابع: مدارس قديمة وجديدة‏ # 1 - صغار السقراطيين‏ # 2 - أبيقوروس‏ # 3 - الرواقية‏ # 4 - الشكاك‏ # 5 - الأفلاطونية الجديدة‏ # مراجع‏ # | تاريخ الفلسفة اليونانية # | تاريخ الفلسفة اليونانية # تأليف # يوسف كرم # | تصدير # لسنا بحاجة إلى كثير شرح لنبين خطر الفلسفة اليونانية في تاريخ الفكر؛ فقد يكفي أن نذكر ~~أنها فلسفة الشرق الأدنى منذ فتوح الإسكندر، وأنها فلسفة الغرب منذ استولى الرومان على بلاد ~~اليونان في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، فعرفوا نبوغ المغلوبين وأخذوا عنهم أسباب ~~الحضارة المادية والعقلية ومنها الفلسفة، واصطنع المفكرون المسيحيون هذه الفلسفة ثم اصطنعها ~~المفكرون المسلمون، ودخلت المدارس في الشرق والغرب فكونت العقول وهيمنت على وضع ~~العلوم. # أجل لقد وجد العقل مع الإنسان وبقي هو هو في جوهره، واستخدمته الأمم الشرقية في الماضي ~~السحيق فاستحدثت الصناعات والعلوم والفنون ولقنتها لليونان، فأغنتهم عن بذل الجهد والوقت في ~~استكشافها بأنفسهم، وفضلا عن الفنون والعلوم نجد عند الأمم الشرقية القديمة قصصا دينية ~~وأفكارا في العالم والحياة إذا اعتبرنا موضوعها ومغزاها رأيناها حقيقة بأن تسمى ~~فلسفية؛ فقد نظروا في أسمى المسائل مثل الوجود والتغير والخير والشر والأصل والمصير، فكان ~~التوحيد والشرك، وكانت الثنائية الفارسية، ms001 وكانت وحدة الوجود عند الهنود، وكان غير ذلك، ولم ~~تخرج الفلسفة فيما بعد عن هذه النظريات الكبرى، بل قد نستطيع أن نجد لكل فكرة يونانية مثيلة ~~شرقية تقدمتها أو أصلا قد تكون نبتت منه. # غير أنا إذا لحظنا صيغة القول ومنهج البحث عند الشرقيين لم ندع هذا الضرب من المعرفة ~~والتفكير علما وفلسفة، بل دعوناه ما قبل العلم والفلسفة؛ فإن علومهم جميعا من حساب وهندسة ~~وفلك وغيرها لم تكن تعدو ملاحظات تجريبية أدت إليها حاجات عملية، وفيها تعثر وتردد يدلان ~~على أنه لم يكن لدى أصحابها أية فكرة عامة عن المبادئ والعلل والبرهان، هذا رأي العلماء المحدثين # 1 # بل هذا رأي عالمنا الكبير البيروني # 2 # الذي وعى العلم القديم كله، وخبر الهند، ووقف على «مقولاتها» فهو يقول: «وكانوا ~~- أي الهنود - يعترفون لليونانيين بأن ما أعطوه من العلم أرجح من نصيبهم منه ... كنت أقف من ~~منجميهم مقام التلميذ من الأستاذ؛ لعجمتي فيما بينهم، وقصوري عما هم فيه من مواضعاتهم، فلما ~~اهتديت قليلا لها أخذت أوقفهم على العلل وأشير إلى شيء من البراهين، وألوح لهم الطرق ~~الحقيقية في الحسابات فانثالوا علي متعجبين وعلى الاستفادة متهافتين ... فكادوا ينسبونني ~~إلى السحر ... أقول: إن اليونانيين ... كانوا على مثل ما عليه الهنود من العقيدة ... «ولكنهم» ~~فازوا بالفلاسفة ... نقحوا لهم الأصول ... ولم يك للهند أمثالهم ممن يهذب العلوم، فلا تكاد ~~تجد لذلك لهم خاص كلام إلا في غاية الاضطراب وسوء النظام ... إني ما أشبه ما في كتبهم من ~~الحساب ونوع التعاليم إلا بصدف مخلوط بخزف ... والجنسان عندهم سيان؛ إذ لا مثال لهم لمعارج ~~البرهان.» # أما الفلسفة فالشرقيون فيها متفاوتون: فقد يمكن القول عن البابليين والمصريين والعبرانيين ~~أنهم جهلوا الفلسفة بالرغم مما بلغ إليه علماؤهم من ثقافة عالية ولم يحصلوا فيما يلوح سوى ~~بضعة معارف عامة جدا ومختلطة بالدين في الألوهية والنفس والعالم الآخر، عالجوها بالبداهة ~~والخيال دون الاستدلال، وبالعكس قد زاول الفرس والهنود والصينيون النظر العقلي المجرد إلى ~~حد بعيد، ولكنهم قصروا مهمة هذا النظر على تمحيص ms002 الدين وإصلاحه ولم يوفقوا إلا بعض التوفيق ~~في تبين ماهية الفلسفة وإقامتها علما مستقلا، كان قصدهم الأول النجاة من الشر فلم يتخذوا ~~العلم غاية لذاته بل وسيلة لهذه النجاة، وأرادوا أن يجاوزوا العقل إلى نوع من الكشف يستغني ~~عن التحليل والتفصيل ويتصل بموضوعه اتصالا مباشرا أو يفنى فيه ، فكأنه كان مكتوبا لليونان ~~أن يعبروا في وقت من الأوقات الهوة الفاصلة بين التجربة والعلم بمعناه الصحيح؛ أي معرفة ~~الماهية والعلة بالحد والبرهان، ويضعوا الفلسفة علما كاملا قائما برأسه ويقنعوا بها لا ~~يتطلعون إلى كشف أو إشراق، وإن تطلعوا فهموه كشفا عقليا إلا أن يتأثر بعضهم بالشرق في ~~أواخر عهدهم بالتفلسف فيعدل عن العقل إلى الذوق كما وقع للأفلاطونية الجديدة، في هذه الحدود ~~يصح القول: إن الشرق لم يعلم اليونان؛ أي لم يلقنهم مذهبا أو منهجا، ولكنه حفزهم إلى ~~التفكير بما أدى إليهم من مواد جمعها أثناء قرون طويلة فقاموا يعالجونها على نحو علمي، لم ~~يفلحوا دفعة واحدة - وهذا الكتاب تاريخ محاولاتهم، ولكنهم ساروا في طريقهم وأعملوا العقل في ~~نشاط وجرأة عجيبين فكانوا أساتذة الإنسانية. # | تنبيهات # (1) # قسمنا الكتاب إلى أبواب، والباب إلى فصول، والفصل إلى أعداد، والعدد إلى فقرات، ~~وجعلنا الأعداد مسلسلة، ورقمنا الفقرات في كل عدد بالأحرف الأبجدية، فإذا أردنا ~~إحالة القارئ إلى موضع من الكتاب ذكرنا بين قوسين العدد والفقرة، مثلا ~~(32-ب). ~~(2) # رسمنا الأعلام اليونانية كما وردت في الكتب العربية أو على نسقها إلا القليل ~~منها؛ اختصارا، أو محافظة على الأصل، أما الاختصار فبحذف حرف السين الأخير وهو في ~~اليونانية علامة من علامات «الإعراب» وليس جزءا من الاسم، وإثباته غير مطرد عند ~~العرب بدليل قولهم: سقراط وأفلاطون مثلا، وأما المحافظة على الأصل فباستبقاء حرف # p # باء بدل قلبه فاء، وإنما حدث هذا القلب عن ~~طريق الترجمات السريانية من اليونانية، وفي الخط السرياني يرمز بحرف واحد إلى حرفي ~~باء وفاء فتعذر على الناقلين من السريانية إلى العربية تمييز ذينك الحرفين، أما ~~العرب أنفسهم فلم يصطلحوا أبدا على وضع الفاء مكان # p ms003 # اليونانية، وإنما أشاروا إليها بالباء ~~(نلينو: علم الفلك، تاريخه عند العرب ص226)، وعلى ذلك فقد كتبنا فيثاغورس وأفلاطون ~~وفوروفوريوس ... لشهرتها، ولكنا قلنا بارمنيدس وأنبادوقليس وأبيقورس ... ~~(3) # جرت العادة في الإحالة إلى أقوال أفلاطون باعتماد طبعة # Henri ~~Estienne ~~(ليون 1578) وصفحاتها مقسمة خمسة أقسام يدل عليها ~~بالأحرف # a b c d e ~~؛ لتسهيل الرجوع إلى الموضع ~~المقصود، ومعظم الطبعات الجزئية والترجمات الحديثة تشير في هوامشها إلى هاته ~~الصفحات وأقسامها فرأينا أن نتبع هذا الاصطلاح مع استبدال الأحرف الأبجدية أ ب ج د ~~ه بالأحرف الإفرنجية فنكتب مثلا: الجمهورية ص440 (ب) في مقابل: # Rep. 440 b ~~. ~~(4) # أما أقوال أرسطو فيحال فيها إلى طبعة أكاديمية برلين وصفحاتها مقسمة إلى عامودين ~~يدل عليهما بحرفي # b # و # a # وفي كل عامود السطور مرقومة فيذكر مثلا # De Anima 429 b 10-24 # ونكتب نحن: كتاب النفس ~~ص429 ع ب س10-24؛ أي صفحة 429 عامود ب سطر 10-24، أو نكتفي بذكر اسم الكتاب ورقم ~~المقالة والفصل؛ فإن كتبه مقسمة إلى مقالات، وهذه إلى فصول. # | مقدمة # | الفكر اليوناني قبل الفلسفة # (1) العالم اليوناني ~~(أ) كان اليونان يعتقدون أنهم أصيلون في جزيرتهم؛ والحقيقة أنهم جاءوها من آسيا، فهم ~~آريون أو هنديون أوروبيون، وكانوا يدعون سكان بلادهم الأولين بالبلاجيين ويدعون أنفسهم ~~بالهلانيين، وكانوا أربع قبائل كبرى مختلفة خلقا ولهجة: الأيوليون والدوريون في ~~الشمال، والأخيون والأيونيون في بلوبونيسيا - المورة الآن - ولكن هذا التقسيم اضطرب في ~~القرن الثاني عشر قبل الميلاد؛ إذ أغار أهل تساليا على شمال اليونان فهاجر الأيوليون ~~إلى آسيا واحتلوا لسبوس أكبر جزر الشاطئ الآسيوي، واحتلوا هذا الشاطئ من الدردنيل إلى ~~خليج أزمير فسميت هذه المنطقة أيولية، أما الدوريون فهبطوا المورة وأخضعوا الأخيين، ~~وتهددوا الأيونيين؛ فجلا هؤلاء فريق منهم صعد إلى الأتيك في شمال المورة إلى الشرق ~~وفريق أبحر إلى آسيا فاحتل جزيرتي خيوس وساموس والشاطئ الآسيوي من أزمير إلى نهر ~~مياندر؛ فعرفت هذه المنطقة باسم أيونية وقامت فيها مدن شهيرة؛ أهمها: أزمير - اغتصبوها ~~من الأيوليين - وأفسوس وملطية، ولم يقتصر الدوريون على فتح ms004 المورة، بل استعمروا الجزر ~~الممتدة من قيثارة في جنوب المورة إلى رودس عند الشاطئ الآسيوي وقسما من هذا الشاطئ ~~إلى جنوب أيونية، وسمي هذا القسم بالدورية. ~~(ب) وفي القرنين الثامن والسابع نشبت حروب أهلية بين الشعب والأشراف انتهت في أثينا واسبرطة ~~بديموقراطية مقيدة نظمها في الأولى دستور سولون، وفي الثانية دستور ليقورغ، أما في غيرهما من المدن ~~فكانت الحظوظ متباينة واضطر المغلوبون للهجرة، ولكنهم لم يذهبوا شرقا في هذه المرة بل قصدوا إلى ~~مناطق ثلاث: فمنهم من صعد إلى الشمال فحل شواطئ تراقية وخلقيدية؛ أي الروملي الحالية، ومنهم من سافر ~~إلى الغرب فاستعمر إيطاليا الجنوبية - وقد سماها الرومان لذلك باليونان الكبرى - وصقلية، والأندلس، ~~وجنوب فرنسا؛ حيث أنشئوا مرسيليا، ومنهم من يمم الجنوب فنزل قبرس ومصر وشمال أفريقيا، وفي هذا العصر ~~بنى بعض الدوريين مدينتين على ضفتي البوسفور: إحداهما على الضفة الشرقية هي: خلقيدونية (أشقودرة) ~~والأخرى على الضفة الغربية هي: بيزنطية (استانبول). ~~(ج) وكانت هذه المدن والمستعمرات المنتشرة في البحر المتوسط من الشرق إلى الغرب ~~مستقلة في السياسة والإدارة، ولكنها كانت تؤلف عالما واحدا هو العالم اليوناني تجمع ~~بين أجزائه وحدة الجنس واللغة والدين، فكانوا كلهم يعبدون تزوس ويحجون إلى معبده الأكبر ~~في أولمبية بالمورة، كما كانوا يأتون دلف في سفح جبل برناس يستنزلون وحي أبولون ويبعثون ~~بالمندوبين في الأعياد الكبرى يحملونهم التقدمات والقرابين، وكانت تلك الأعياد أزمنة ~~حرما توقف فيها الحروب، وتقام الألعاب الرياضية وأسواق الأدب والفن، فينشد الشعراء، ~~ويغني المغنون، ويعرض المصورون والمثالون آياتهم، والمهاجرون يشاركون في كل ذلك فكان ~~هذا الاتصال المستمر بالوطن الأول، وتلاقى الجميع في آجال معينة وتبادل الأفكار والسلع ~~عاملا قويا في إنضاج الحضارة اليونانية على النحو الذي جعلها فذة في التاريخ، ويرجع ~~الفضل الأكبر فيها للمستعمريين بالإجمال، وللأيونيين منهم بنوع خاص، فإن مخالطتهم للأمم ~~الأجنبية قوت نسلهم، ووسعت مداركهم وحررت عقولهم، وكان الأيونيون أنجب اليونان، جاوروا ~~الأمم الشرقية فانتفعوا بعلومها واصطنعوا وسائل مدنيتها؛ فكانت بلادهم مهد الثقافة ~~اليونانية فيها نظمت القصائد الهوميرية؛ ومنها خرج ms005 العلم والفلسفة. ~~(2) هوميروس ~~(أ) كان المعتقد إلى سبعين سنة خلت أن شعر هوميروس يمثل طفولة الفكر اليوناني، ومن ~~ثمة طفولة الإنسانية على تقدير أن تصور هوميروس من السذاجة بحيث يصح اعتباره أول مرحلة ~~من مراحل العقل يحاول فهم الطبيعة وفهم نفسه، ولكن العلماء كشفوا سنة 1871، وما زالوا ~~يكشفون عن آثار في شبه الجزيرة وفي بعض الجزر، وعلى الخصوص كريت عرفوا منها أن حضارة ~~مادية عظيمة أزهرت في اليونان قبل هوميروس بثمانية قرون هي المذكورة في أساطيرهم، وفي ~~وقائع طروادة إلى أن دمرها الدوريون في إغارتهم المشهورة حوالي سنة 1100 وأيقنوا أن ~~الحياة التي يصفها الشعر الهوميري بما فيها من غنى وقوة وفن وترف وليدة تطور قديم، على ~~أن أقدم ما وصل إلينا من شواهد الفكر اليوناني الإلياذة والأوذيسيه وهما تنسبان ~~لهوميروس منذ زمن بعيد، إلا أن الشك قديم في حقيقته وفي نسبة القصتين جميعا لشاعر ~~واحد، ولقد أثبت النقاد المتأخرون أن كليهما مجموعة قصائد لشعراء مختلفين في موضوع واحد ~~مما يحدو للظن أن النسبة أتت من أن هوميروس كان واحد من أولئك الشعراء وكان أشهرهم، أو ~~أنه كان أحدثهم عهدا؛ حفظها وأنشدها فنسبت إليه باعتباره الجامع لها فإن اسمه يعني ~~«المنسق»، ويرد النقاد الإلياذة إلى القرن التاسع، والأوذيسيه إلى آخر هذا القرن ~~التاسع والنصف الأول من القرن الثامن، فإذا حكمنا على هذا العصر بالقصائد الهوميرية ~~وضعناه في مرتبة دنيئة من مراتب الفكر؛ لما نجد فيها من سذاجة في تصور الطبيعة ~~والإنسان، ومن إسراف في تأنيس الآلهة واستهتار بالأخلاق ليس له مثيل. ~~(ب) أما الطبيعة فهي عند هوميروس حية مريدة وقد يكون هذا متابعة للتصور المعبر عنه ~~بالبدائي كما يريد بعض المؤلفين، ولكنه على أي حال مألوف في الشعر إلى أيامنا، فلا ~~غرابة في قوله مثلا: إن نهر زونتوس استشاط غضبا؛ لأن أخيل ملأه بالجثث - ولا في ~~تشخيصه الليل والظلمات والموت والنوم والحب والشهوة والعماية - بل لا غرابة في تأليهه ~~الأرض، وقوله: إنها ولدت الجبال الشاهقة والسماء المزدانة بالكواكب، ثم تزوجت ms006 من السماء ~~المحيطة بها من كل جانب فولدت أقيانوس والأنهار، وأن أقيانوس المصدر الأول للأشياء، ~~فعندنا أن الأساطير القديمة في جملتها رموز تخفي وراءها مقاصد علمية إذا ترجمناها إلى ~~لغتنا المعهودة بدت واضحة مقبولة، وأخطر من ذلك تصور الآلهة والمبادئ الخلقية، فالآلهة ~~في قمة الأولمب يؤلفون حكومة ملكية على رأسها تزوس ويجيء من بعده سائر الآلهة والإلهات ~~وكلهم في صورة بشرية، إلا أن سائلا عجيبا يجري في عروقهم فيكفل لهم الخلود، وهم أقوى ~~من الأبطال وأسرع حركة، يظهرون للناس أو يختفون كما يشاءون، يسكنون قصورا في السماء ~~فخمة يقضون فيها حياة ناعمة في ربيع مقيم يأكلون ويشربون ويتزاوجون، تجرحهم السهام ~~والرماح فيألمون وينتحبون، وهم حادثون، وجدوا في الزمان، وما يزالون خاضعين لتعاقب ~~الأيام، وهم على مثل هذا النقص من الناحية الخلقية لهم شهواتهم وعصبياتهم، يتفرقون ~~أحزابا ويتدخلون في منازعات البشر، يؤيد بعضهم اليونان، ويناصر البعض الآخر أهل ~~طروادة، يتشاتمون ويتضاربون، يخونون ويغدرون، لا يرعون من البشر إلا من يتقرب إليهم ~~كيفما كانت أخلاقه، ويذهبون في رعايتهم إلى حد أن يهبوا مختاريهم التوفيق في الخديعة أو ~~المهارة في السرقة، لا يحفلون بعدل أو بظلم إلا فيما ندر، ولا يعتد كثيرا بما ورد في ~~الأوذيسيه من إشارات خلقية ومن ذكر عدالة تزوس؛ فإن فيها أيضا تسليما بالقدر يقضي به ~~الآلهة على البشر دون اعتبار لقيمة أفعالهم، بل إن القدر يسخر من الفضيلة ويعبث ~~بالإرادة الصالحة، وأما الإنسان عند هوميروس ومعاصريه من اليونان فمركب من نفس وجسد، ~~والجسد مكون من ماء وتراب ينحل إليهما بعد الموت، والنفس هواء لطيف متحد بالجسد متشكل ~~بشكله ينطلق بالموت شبحا دقيقا لا يحسه الأحياء فينزل إلى مملكة الأموات في جوف الأرض ~~وقد احتفظ بالشعور وفقد القدرة على العمل، فهو يألم لذلك ويقضي هناك حياة باهتة تافهة ~~خير منها بألف مرة الحياة على وجه الأرض في ضوء النهار مهما تبلغ من البساطة والفقر، ~~وليس في هذا العالم الآخر ثواب ولا عقاب إلا في النادر يوزعهما الآلهة بمثل ما ms007 يوزعون ~~في الحياة الفانية من عدل معكوس فيحابون أصدقاءهم وينكلون بأعدائهم، وليست صداقتهم ~~قائمة على الخير أو عداوتهم مسببة عن الشر. ~~(ج) فنحن هنا في أحط درجات التشبيه وبإزاء أوقح أشكال الاستهتار نرى العاطفة الدينية ~~ضعيفة إلى حد العدم، والمبادئ الخلقية مقلوبة رأسا على عقب، ونظن السبب راجعا إلى أن ~~هذا الشعر كان ينشد في بلاط أمراء أيونية، وكان هؤلاء على جانب كبير من الغنى والترف، ~~فلم يكن الشعراء يتغنون بغير ما يروقهم، فيصورون الحياة سهلة جميلة، والشهوة غلابة لا ~~يقفها وازع، والقوة ممدوحة لذاتها لا يحدها حق، غير أن الأوذيسيه أكثر تقديرا للفضائل؛ ~~فهي بالإجمال تمجد الرجل الحكيم الشجاع الصبور، والزوجة الوفية، والابن البار، والخادم ~~الأمين، ولما كان اليونان قد تدارسوا هذا الشعر جيلا بعد جيل؛ فقد بقي التأنيس عندهم، ~~وتأليه السماوات بما فيها، والإيمان بالقدر الأعمى أصولا للدين، وتغذى ميلهم الطبيعي ~~للتمتع بالحياة بما وجدوه في هذا الشعر من الصور والأمثال، وسوف لا يني الفلاسفة عن ~~معارضته حتى تبلغ هذه المعارضة أشدها عند أفلاطون. ~~(3) هزيود ~~(أ) ولم يعدم الضمير الإنساني في ذلك العصر صوتا يجهر بأحكامه المقدسة ويتكلم عن ~~الدين والأخلاق في جد ووقار، هو صوت هزيود أقدم شاعر تعليمي في الغرب، عمر في القرن ~~الثامن، نشأ في بوبثيا فلاحا بعيدا عن بهرج الحضارة، ونظم للفلاحين ديوانا أسماه: ~~«الأعمال والأيام» ملأه حكما وأمثالا تسودها فكرة عامة هي فكرة العدالة، فتراه يقول: ~~«السمك والوحش والطير يفترس بعضها بعضا؛ لأن العدالة معدومة بينها، أما الناس فقد ~~منحهم تزوس العدالة، وهي خير وأبقى.» وأيضا: «إن للملوك آكلي الهدايا عدالة ملتوية، ~~أما تزوس فأحكامه قويمة.» ويقول: «من يضر الغير يجلب الشر على نفسه. عين تزوس تبصر كل ~~شيء. إذا كان الذي يربح الدعوى هو الأكثر طلاحا فمن الضار أن يكون الإنسان صالحا، ~~ولكني لا أعتقد أن يكون تزوس الحكيم جدا قد صنع مثل هذا. إن ساعة العقاب آتية لا ~~محالة، وإن تزوس يهب القوة ويذل الأقوياء، يضع الذي يطلب الظهور ويرفع الذي ms008 يقعد في ~~الخفاء.» وغير ذلك كثير خلاصته أن الحق فوق القوة، والإنسانية فوق الحيوانية. ~~(ب) ويذكر لهزيود ديوان آخر في «أصل الآلهة» يرى بعض العلماء أنه منحول وأنه متأخر عن ~~عهده بقرن أو يزيد، وهو على الطريقة التعليمية حاول فيه الشاعر أن يؤلف مجموعة معقولة ~~من الأساطير والمعارف القديمة، افتتحه بالضراعة إلى إلهات الشعر أن توحي إليه ما كان ~~وما هو كائن وما سيكون، وأن تعلن قوانين الأشياء جميعا، ثم مضى يسلسل الأشياء والآلهة ~~في ترتيب يدل على أنه راعى ما بينها من علاقات العلية، وتدرج إلى النظام، ومبدؤه أن ~~الأصغر يخرج من الأكبر، فأخرج الجبال من الأرض والأنهار من أقيانوس وهكذا إلى آلهة ~~الأولمب وهم آخر المواليد على اعتبار أن القوى الطبيعية سابقة على الآلهة المكلفين بتدبيرها، # 1 # فهذا الديوان يعد أول محاولة في العلم الطبيعي بالرغم من أن نصيب المخيلة ~~فيه أكبر من نصيب العقل، وأن الشاعر يروي ولا يفسر، فإن القصص الرمزي كان مألوفا عند ~~الأقدمين، ونبغ غير واحد من هؤلاء الشعراء والكتاب الذين يدعوهم أرسطو باللاهوتيين؛ ~~لمعالجتهم العلم في صورة الأسطورة. ~~(4) الحكماء ~~(أ) ولما كان القرن السابع اشتدت الخصومات السياسية بين اليونان، وقويت حركة التوسع ~~الاستعماري والتنظيم الاجتماعي، ونبغ فيهم رجال معدودون أشهرهم «الحكماء السبعة» على ~~ما هو متواتر، ولو أن القدماء اختلفوا في عددهم وأسمائهم، ومنهم على كل حال سولون ~~المشرع المعروف (640-558) وطاليس أول الفلاسفة، هؤلاء الحكماء كان مقصدهم الأكبر إصلاح ~~النظم والأخلاق، وقد ذكر أفلاطون بعض حكمهم فإذا هي عبر عملية استخرجوها من تجاربهم ~~الشخصية وصاغوها في عبارات موجزة ذهبت أمثالا، قال: «واجتمعوا في دلف وأرادوا أن ~~يقدموا لأبولون في هيكله بواكير حكمتهم فاختصوه بالآيات التي يرددها الناس الآن مثل: ~~«اعرف نفسك» و«لا تسرف» و«الصلاح عسير».» # 2 # فكانوا مصلحين ومشرعين ولم يكونوا فلاسفة بمعنى الكلمة، وشاع هذا النوع من ~~الحكمة وظهرت «أمثال إيسوب» وهو شخص أسطوري يرجعون عهده إلى النصف الثاني من القرن ~~السابع، ثم ظهر الشعر الحكمي فيه أمثال منظومة ونقد لأخلاق ms009 الناس، ثم خطا العقل خطوة ~~حاسمة وانتقل إلى العلم والفلسفة. ~~(5) الفلسفة اليونانية وأدوارها # مرت الفلسفة اليونانية بثلاثة أدوار: دور النشوء ودور النضوج ودور الذبول. # والدور الأول فيه وقتان: الوقت المسمى بما قبل سقراط، وهو يمتاز باتحاد وثيق بين ~~العلم الطبيعي والفلسفة، ووقت السوفسطائيين وسقراط يمتاز بتوجه الفكر إلى مسائل المعرفة ~~والأخلاق. # والدور الثاني يملؤه أفلاطون وأرسطو، اشتغل أفلاطون بالمسائل الفلسفية كلها، وجهد ~~نفسه في تمحيصها، ولكنه مزج الحقيقة بالخيال، والبرهان بالقصة، حتى إذا ما جاء أرسطو ~~عالجها بالعقل الصرف، ووفق إلى وضعها الوضع النهائي. # والدور الثالث يمتاز بتجديد المذاهب القديمة وبالعود إلى الأخلاق والتأثر بالشرق، ~~والميل إلى التصوف مع العناية بالعلوم الواقعية. # والكتاب كله شرح لهذا الإيجاز، ونظرا لجلالة قدر أفلاطون وأرسطو وعظم أثرهما خصصنا ~~لكل منهما بابا فجاء الكتاب في أربعة أبواب. # الباب الأول # | نشأة العلم والفلسفة # | (6) تمهيد # (أ) قلنا إن الدور الأول ينقسم إلى وقتين: ففي الوقت الأول نرى ثلاثة اتجاهات متعاصرة ~~تمثل الوجهات الثلاث التي يمكن تبينها في الوجود، ويؤلف مجموعها الفلسفة الموضوعية: وهي ~~الوجهة الطبيعية، والوجهة الرياضية، والوجهة الميتافيزيقية، فإن الفكر يتجه أولا نحو ~~الخارج ويطلب حقيقة الأشياء، فإما أن يستوقفه التغير وهو بالفعل أعم وأخطر ظاهرة في ~~الطبيعة سواء أكان عرضيا؛ وهو انقلاب الشيء من حال إلى حال، أو جوهريا؛ وهو تحول ~~الشيء إلى شيء آخر، كتحول الغذاء إلى جسم الحي، والخشب إلى الرماد، فيدرك أن الأجسام ~~المختلفة مصنوعة من مادة أولى هي محل التغيرات؛ فيبحث عن هذه المادة التي تتكون منها ~~الأجسام ثم تعود إليها وتبقى هي هي تحت التغيرات المتنوعة المتعاقبة، وإما أن يعنى بما ~~في تركيب الأجسام من نظام وفي أفعالها من اطراد، ويعلم أن النظام في العدد فيتصور ~~الأشياء تصورا رياضيا، وإما أن يستعصي عليه تفسير التغير فينكره ويقول بالوجود ~~الثابت. # فالوجهة الأولى أخذ بها طاليس، وأنكسيمندريس، وأنكسيمانس، وهرقليطس: نشأ الثلاثة ~~الأول في ملطية، والرابع في أفسوس، وكانتا في مقدمة المدن الأيونية عمرانا وثقافة، ~~ولكن الفرس أغاروا على أيونية وأخضعوها منذ ms010 سنة 546، ودمروا ملطية سنة 494 فانتقلت ~~الحياة العقلية إلى إيطاليا الجنوبية وصقلية؛ حيث نبغ فيثاغورس، وهو صاحب الوجهة ~~الرياضية، وظهرت المدرسة الإيلية القائلة بالوجود الثابت، ثم نشأ فلاسفة حاولوا التوفيق ~~بين الوجهات الثلاث هم: أنبادوقليس، وديموقريطس، وأنكساغورس. ~~(ب) وفي الوقت الثاني اجتاز العقل اليوناني أزمة عصيبة، هي أزمة السوفسطائية؛ كان ~~مركزها أثينا بعد حروب اليونان والفرس في أيام بركليس المتوفى سنة 429، تشكك ~~السوفسطائيون في العقل وفي مبادئ الأخلاق، وحاربهم سقراط والتف حوله تلاميذ؛ فخاضوا ~~كلهم مسائل منطقية وخلقية كونت مواد الفلسفة الذاتية، فكان هذا التطور متطابقا للتطور ~~الطبيعي في الفرد ينظر أولا إلى الخارج، ولا يتجه إلى الداخل إلا فيما بعد، وقد ضاعت ~~كتب رجال هذا الدور جميعا، ونحن نعرفهم مما يذكره عنهم أفلاطون وأرسطو، ومن أخبار ~~دونت في عهد متأخر، ومن عبارات لهم جمعت من مختلف الكتاب القدماء، وإليك جدولا ~~بأسمائهم وتواريخهم - وكلها تقريبية: # طاليس 624-546 # أنكسيمندريس 610-547 # أنكسيمانس 588-524 # فيثاغورس 582-497 # أكسانوفان 570-؟ # هرقليطس 540-475 # بارمنيدس 540-؟ # أنكساغورس 500-428 # زينون 487-؟ # أنبادوقليس 493-433 # ديموقريطس 470-361 # بروتاغوراس 480-410 # غورغياس ؟-375 # سقراط 469-399 # مليسوس 440-؟ # الفصل الأول # | الطبيعيون الأولون # (7) طاليس ~~(أ) هو أحد الحكماء السبعة انفرد بالعناية بالعلم وكانوا يعنون بالسياسة ~~والأخلاق، جال أنحاء الشرق وتبحر في العلوم، ومما يذكر عنه أنه عمل كمهندس حربي في ~~خدمة قارون - آخر ملوك ليديا في آسيا الصغرى - وبرهن على أن الزوايا المرسومة في ~~نصف الدائرة فهي قائمة، وكان يحسب من فوق برج أبعاد السفن في البحر، وأنبأ بكسوف ~~الشمس الكلي الذي وقع في 28 مايو سنة 585 ووضع تقويما للملاحين من أهل وطنه ضمنه ~~إرشادات فلكية وجوية منها: أن الدب الأصغر أدق الكواكب دلالة على الشمال، ولما جاء ~~مصر أخذ علم المساحة وشغل بمسألة فيضان النيل، ودل أساتذته المصريين على طريقة ~~لقياس ارتفاع الأهرام وكانوا قد تعبوا في البحث عنها فنبههم إلى أنه في الوقت الذي ~~يكون فيه ظل الشيء مساويا لمقداره الحقيقي، فإن طول ظل الأهرام هو مقدار ارتفاعها، ~~وأن النسبة تبقى محفوظة بين طول الظل ms011 وارتفاع الشيء في أي وقت من النهار. ~~(ب) أما أثره في الفلسفة فهو أنه وضع المسألة الطبيعية وضعا نظريا بعد محاولات ~~الشعراء واللاهوتيين فشق للفلسفة طريقها فبدأت باسمه، قال: إن الماء هو المادة ~~الأولى والجوهر الأوحد الذي تتكون منه الأشياء، وكان هذا القول مألوفا عند ~~الأقدمين وقد مرت بنا عبارة هوميروس أن أقيانوس المصدر الأول للأشياء، ومن قبل قالت ~~أسطورة بابلية: «في البدء قبل أن تسمى السماء، وأن يعرف للأرض اسم كان المحيط وكان ~~البحر.» وجاء في قصة مصرية: «في البدء كان المحيط المظلم أو الماء الأول حيث كان ~~أتون وحده الإله الأول صانع الآلهة والبر والأشياء.» وجاء في التوراة: «في البدء ~~خلق الله السموات والأرض وكانت الأرض خاوية خالية وعلى وجه الغمر ظلام وروح الله ~~يرف على وجه المياه.» ويعادل هذه الأقوال قول علمائنا الآن: إن تكوين العالم بدأ ~~منذ أن تحولت الأبخرة الأولى ماء، ولكن طاليس يمتاز بأنه دعم رأيه بالدليل فقال: # 1 # إن النبات والحيوان يغتذي بالرطوبة، ومبدأ الرطوبة الماء، فما منه ~~يغتذي الشيء يتكون منه بالضرورة، ثم إن النبات والحيوان يولد من الرطوبة، فإن ~~الجراثيم الحية رطبة وما منه يولد الشيء فهو مكون منه، بل إن التراب يتكون من الماء ~~ويطغى عليه شيئا فشيئا كما يشاهد في الدلتا المصرية وفي أنهر أيونية؛ حيث يتراكم ~~الطمي عاما بعد عام، وما يشاهد في هذه الأحوال الجزئية ينطبق على الأرض بالإجمال ~~فإنها خرجت من الماء وصارت قرصا طافيا على وجهه كجزيرة كبرى في بحر عظيم وهي ~~تستمد من هذا المحيط اللامتناهي العناصر الغاذية التي تفتقر إليها فالماء أصل ~~الأشياء. ~~(ج) وثمة قول آخر يذكره له أرسطو هو «أن العالم مملوء بالآلهة» # 2 # ويغلب أن يكون معناه أنه مملوء بالأنفس؛ أي إن كل فعل إنما هو من ~~النفس، وإن النفس منبثة في العالم أجمع فتكون المادة حية ويكون الماء المؤلفة منه ~~الأشياء حاصلا على قوة حيوية حاضرة فيه دائما وإن لم تظهر دائما، ويشترك في هذا ~~الرأي الطبيعيون الأولون الذين ms012 نتكلم عنهم؛ لذلك دعوا «هيلوزويست» أي أصحاب المادة ~~الحية، ومما يؤيد هذا التأويل عبارة منسوبة لطاليس ويوردها أرسطو بتحفظ # 3 # هي أن للحجر المغناطيسي نفسا؛ لأنه يحرك الحديد فإنها تدل على أن مبدأ ~~الفعل والحركة عنده النفس، ولما كانت الحركة ظاهرة كلية، كانت النفس كلية ~~كذلك. ~~(د) هذا كل ما نعلم عن طاليس ويتبين منه أنه تمثل العلم البابلي والمصري وعمل على ~~تقدمه ولكنه استبقاه تجريبيا حتى أنبئوه بالكسوف لم يكن صادرا عن أساس نظري من ~~حيث إنه كان يعتقد أن الأرض قرص مسطح، وأنه - على ما يذكر هيرودت - إنما أنبأ بكسوف ~~تلك السنة فقط، ومن غير أن يعلم إن كان هذا الكسوف يرى في بقعة من الأرض معينة، فقد ~~يكون اهتدى إليه اتفاقا، وقد يكون اعتمد على جداول البابليين، أما فلسفته فهي على ~~العكس شيء جديد، فبدل أن يفسر تنوع الكائنات بتشخيص القوى الطبيعية والرواية عن ~~الآلهة نظر إليها على أنها أشياء معروفة محسوسة، وحاول الاستقراء والبرهنة فهذا ~~النظر وهذا المنهج هما الربح الذي عاد على الفلسفة، أما قوله بالماء فقد كان آخر ~~صدى للتقليد القديم ولم يتابعه فيه خلفاؤه ولكنهم فهموا أن وجهته ومنهجه أمران لهما ~~قيمتهما الخاصة، وأنهما مستقلان عن كل قول معين. ~~(8) أنكسيمندريس ~~(أ) هو تلميذ طاليس فيما يرجح وخليفته في ملطية، يذكرون عن مشاركته الشخصية في ~~تقدم العلم أمورا كثير منها لم يثبت، فيقولون مثلا: إنه اخترع المزولة، والأرجح ~~أنه أخذها عن البابليين؛ إذ قد كانت معروفة عندهم، وأنه صنع كرة فلكية ووضع خريطة ~~أرضية؛ استنادا إلى المعلومات التي كان يأتي بها اليونان إلى ملطية من أنحاء ~~العالم المعروف وقتذاك، فرسم الأرض تحيط ببحر ويحيط بها بحر. ~~(ب) ولكن المهم عندنا نظريته في العالم؛ فقد رأى أن الماء لا يصح أن يكون مبدأ؛ ~~أولا: لأنه استحالة الجامد إلى سائل بالحرارة «فالحار والبارد» - أي الجامد - ~~سابقان عليه، ولأن المبدأ الأول لا يمكن أن يكون معينا، وإلا لم نفهم أن أشياء ~~متمايزة تتركب منه، فدعا المادة الأولى ms013 باللامتناهي وقال: إنها لا متناهية بمعنيين: ~~من حيث الكيف أي لا معينة، ومن حيث الكم أي لا محدودة، هي مزيج من الأضداد جميعا ~~كالحار والبارد واليابس والرطب وغيرها، إلا أن هذه الأضداد كانت في البدء مختلطة ~~متعادلة غير موجودة بالفعل من حيث هي كذلك، ثم انفصلت بحركة المادة وما زالت الحركة ~~تفصل بعضها من بعض وتجمع بعضها مع بعض بمقادير متفاوتة حتى تألفت بهذا الاجتماع ~~والانفصال الأجسام الطبيعية على اختلافها، وأول ما انفصل «الحار والبارد» فتصاعد ~~البخار بفعل الحار وكان من هذا البخار الهواء، أما الراسب فيبس بالتدريج فكان منه ~~البحر ثم الأرض، وتكون الحار كرة نارية حول الهواء كما تتكون القشرة حول الشجرة ~~وتمزقت هذه الكرة النارية فتناثرت أجزاؤها، ودخلت أسطوانات هوائية مبططة هي الكواكب ~~تشتعل فيها النار وتبدو لنا من فوهاتها، فكل ما نراه من وجوه القمر ومن كسوف وخسوف ~~ناشئ إما من انسداد الفوهات انسدادا كليا أو جزئيا، وإما مما للأسطوانات من ~~حركة تجعل الفوهات تبدو حينا وتغيب حينا آخر، والأرض جسم أسطواني كذلك نسبة ~~ارتفاعه إلى عرضه كنسبة 1 : 3، ونحن نشغل قسمها الأعلى وهو منتفخ قليلا، وليست ~~تقوم على شيء بخلاف ما ارتأى طاليس؛ إذ لا بد من سماء سفلى تجتازها الشمس والكواكب ~~من المغرب؛ لتعود فتظهر في الشرق، كما أنها تجتاز السماء العليا من الشرق إلى ~~المغرب، فالأرض معلقة في وسط السماء ثابتة في مكانها؛ لأنها واقعة على مسافة واحدة ~~من الأجرام السماوية، فليس هناك ما يجعلها تتحرك إلى جهة دون أخرى، ولأن النسبة ~~المذكورة بين ارتفاعها وعرضها تكفل لها الاستقرار بذاتها. ~~(ج) أما الأحياء فقد تولدت في الرطوبة بعد التبخر؛ أي في طين البحر، وهو مزاج من ~~التراب والماء والهواء، فكانت في الأصل سمكا مغطى بقشر شائك حتى إذا ما بلغ بعضها ~~أشده نزح إلى اليبس وعاش عليه ونفض عنه القشر، والإنسان لم يوجد أول ما وجد على ما ~~نراه اليوم طفلا عاجزا عن توفير أسباب معاشه وإلا لكان انقرض، ولكنه منحدر هو ~~أيضا ms014 من حيوانات مائية مختلفة عنه بالنوع حملته في بطنها زمنا طويلا إلى أن نمت ~~قواه وتم تكوينه، فاستطاع أن يقف على اليابسة وأن يحفظ حياته بنفسه. ~~(د) والتطور قانون عام: تخرج الأشياء من اللامتناهي ثم تنحل وتعود إليه ويتكرر ~~الدور وهلم دواليك، منها ما «يشرق ويغرب في آجال بعيدة» هي العوالم التي لا تحصى، ~~ومنها ما يتكون ويفسد في أوقات قصيرة «ويعوض بعضها البعض على مر الزمان» هي ~~الجزئيات مثل الحرارة تشرب ماء الأرض، فيرد البخار هذا الماء للأرض مطرا، وهكذا ~~إلى نهاية الدور، فالحركة دائمة، والموجودات متغيرة، والمادة اللامتناهية باقية غير ~~حادثة ولا مندثرة. ~~(ه) فأنكسيمندريس يفسر تكوين الأشياء تفسيرا «آليا» أي بمجرد اجتماع عناصر ~~مادية وافتراقها بتأثير الحركة دون علة فاعلية متمايزة ودون غائية، وهي في تصوره ~~لهذا التكوين يكاد يقترب من تصور غير واحد من العلماء المحدثين - لابلاس مثلا - ~~ويكاد يقول بمذهب التطور في عالم الحياة، بل يكاد يقول بقانون الجاذبية لولا أن ~~رأيه يرجع - على حد تعبير أرسطو - إلى أن الأرض المستقرة في مركز العالم تشبه رجلا ~~يهلك جوعا؛ لأنه لا يجد سببا يحمله على الأكل من طبق دون آخر من أطباق تحيط به ~~على مسافة واحدة! وأنكسيمندريس يمد لوجود إلى غير حد في المكان وفي الزمان فيقول ~~بعوالم لا تحصى وبدور عام يتكرر إلى ما لا نهاية، والقول الأول وليد المخيلة تأبى ~~أن تتمثل حدا للمادة وخلاء ليس فيه شيء، والقول الثاني قديم ربما نشأ من النظر في ~~حركات الأفلاك تتجدد باستمرار وتأيد بتحول الأجسام بعضها إلى بعض وتداول الفصول وهو ~~على كل حال يعني ضرورة مطلقة وقانونا كليا يسيطر على الوجود ويفسر كيف أن الوجود ~~لم يبدأ ولن ينتهي - وهذه عقيدة شائعة بين فلاسفة اليونان - يسميها الإسلاميون ~~بالدهرية؛ لقولها: إن الدهر دائر لا أول له ولا آخر، غير أن أنكسيمندريس مع إنكاره ~~على طاليس أن يكون المبدأ الأول شيئا معينا قد وضع مبادئ عديدة معينة هي هذه ~~الأضداد الموجودة في اللامتناهي دون أن يبين ms015 أصلها، أليست هي المبادئ الحقيقية؟ ~~أوليس اللامتناهي حالة اختلاطها وتعادلها؟ فلا يصح أن يسمى مبدأ بالمعنى الذي فهمه ~~طاليس؛ أي ما منه تتكون الأشياء؛ لكنه مبدأ باعتباره نقطة بداية التطور العام، وهذه ~~نظرة علمية، فالمسألة الفلسفية ما تزال قائمة. ~~(9) أنكسيمانس ~~(أ) هو تلميذ أنكسيمندريس وأقل منه توفيقا في العلوم، وأضيق خيالا، عاد إلى رأي ~~طاليس في الأرض؛ فاعتقد أنها قرص مسطح قائم على قاعدة، وأنكر حركة الشمس ليلا ~~تحتها، واستبدل بها حركة جانبية حولها، وعلل اختفاء الشمس من المساء إلى الصباح بأن ~~جبالا شاهقة تحجبها عن الأنظار من جهة الشمال، أو بأنها أبعد عن الأرض في الليل ~~منها في النهار، وقد كان مثل هذا القول معروفا عند المصريين، واشتغل بالظواهر ~~الجوية، ولا يلوح أنه أفاد العلم من هذه الناحية. ~~(ب) وعاد إلى موقف طاليس أيضا في مسألة المادة الأولى فقال: إنه محسوس متجانس، ~~ولكن هذا الشيء هو الهواء وأن الهواء لا متناه يحيط بالعالم ويحمل الأرض، ولسنا ~~ندري على وجه التحقيق السبب الذي حداه إلى إيثار الهواء؛ فقد يكون أن الهواء ألطف ~~من الماء، وأنه يقوم بذاته بينما الماء يسقط إن لم يرتكز إلى قاعدة، وأنه أسرع ~~حركة، وأوسع انتشارا، وأكثر تحقيقا لللاتناهي، وقد يكون أن علة وحدة الحي النفس، ~~والنفس هواء - ولفظ Psyché # يعني باليونانية النفس ~~والنفس - فالهواء نفس العالم وعلة وحدته، ومهما يكن هذا السبب فالمحقق أن المبدأ ~~الأول عنده الهواء، وأن الموجودات تحدث منه بالتكاثف والتخلخل، فإن تخلخل الهواء ~~ينتج النار وما يتصل بها من الظواهر الجوية النارية والكواكب وتكاثفه ينتج الرياح ~~فالسحاب فالمطر، وتكاثف الماء ينتج التراب - الطمي في الأنهر - فالصخر. ~~(ج) فأنكسيمانس يستعيض عن اللامتناهي الذي هو مزاج من الأشياء جميعا بشيء واحد ~~هو الهواء، وعن الحركة وما تحدثه من اجتماع وافتراق عارضين لأجزاء المادة بخاصتين ~~متلازمتين للهواء يتكاثف ويتخلخل بذاته فيحدث النار فالماء فالتراب فتتكون منه ~~ومنها الأشياء بأنواعها، وعلى ذلك فهو يفسر العالم بعلة واحدة تعمل على نحو آلي، ~~وفي هذا التفسير تقدم ms016 كبير بالمذهب الآلي إلى الوحدة والبساطة - وهما غايته ~~المنطقية - إلى أن تتما له على يد ديموقريطس. ~~(د) فالمدرسة الملطية؛ إذ توجهت إلى العالم المحسوس؛ تحاول معرفته بالملاحظة ~~والاستدلال، قد وضعت العلم الطبيعي؛ وهي إذ اعتبرت المادة قديمة حية أو متحركة ~~بذاتها وتخيلتها تتحول إلى صور الوجود المختلفة بموجب ضرورة طبيعية أي قانون ثابت ~~قد وضعت الأحادية المادية المعروفة في الفلسفة الحديثة، والتي ترد الأشياء إلى جوهر ~~مادي واحد وتفسرها بتطور هذا الجوهر في الشكل والكم ليس غير، وبهذه النظرية سيقول ~~أيضا هرقليطس. ~~(10) هرقليطس ~~(أ) ولد في أفسوس من أسرة عريقة في الحسب، ولكنه زهد كل جاه وتوفر على التفكير؛ ~~إلا أنه ظل أرستقراطيا بكل معنى الكلمة، يعتد بنفسه، ويباعد بينه وبين الناس، ~~يحتقر العامة ومعتقداتها الدينية، وعباداتها السخيفة، ومعارفها التقليدية، وينقم من ~~هوميروس وهزيود أنهما ثبتا فيها الخرافات والأضاليل، ويستخرج من حكمها السياسي ~~الشواهد على جهلها وعبثها، فيشبهها تارة بالأطفال، وأخرى بالكلاب، وثالثة بالحمير، ~~بل إن كبرياءه تعدى العامة إلى العلماء؛ فكان يزدري العلم الجزئي «الذي لا يثقف ~~العقل» وينعي على فيثاغورس وأكسانوفان اشتغالهما به فلم يحسب، ولم يرسم، ولم يجر ~~التجارب، ولكنه كان يعتبر العلم الجدير به التفكير العميق في المعاني الكلية، يخلع ~~عليها أسلوبا فخما مبهما كثير الرمز والتشبيه حتى لقب بالغامض، وقد قال هو نفسه ~~في أسلوبه: «إنه لا يفصح عن الفكر ولا يخفيه، ولكن يشير إليه.» وإن الشذرات المائة ~~والثلاثين التي بقيت لنا من كتابه لتدل على ذلك دلالة كافية؛ غير أن ازدراءه العلم ~~الجزئي تركه جاهلا بالطبيعة جهلا فاضحا وهبط به إلى صف العامة؛ فقد اعتقد مثلا ~~أن غروب الشمس انطفاؤها في الماء، وأنها تتجدد كل يوم، وأن قطرها قدم واحدة كما ~~يبدو للبصر، وغير ذلك من الأوهام، أما فلسفته فعميقة قوية هي التي خلدت اسمه وكان ~~لها أثر بعيد. ~~(ب) «الأشياء في تغير متصل» هذا قوله الأكبر وملخص مذهبه، وهو يمثل له بصورتين: ~~إحداهما جريان الماء فيقول: «أنت لا تنزل النهر الواحد مرتين، فإن ms017 مياها جديدة ~~تجري من حولك أبدا.» والصورة الأخرى اضطرام النار وهي أحب لديه من الأولى؛ لأن ~~النار أسرع حركة وأدل على التغير، ولأنه يرى في النار المبدأ الأول الذي تصدر عنه ~~الأشياء وترجع إليه، ولولا التغير لم يكن شيء فإن الاستقرار موت وعدم، والتغير صراع ~~بين الأضداد؛ ليحل بعضها محل بعض «والشقاق أبو الأشياء وملكها»؛ لولا المرض لما ~~اشتهينا الصحة، ولولا العمل لما نعمنا بالراحة، ولولا الخطر لما كانت الشجاعة، ~~ولولا الشر لما كان الخير، «أليست النار تحيي موت الهواء، والهواء يحيي موت النار، ~~والماء يحيي موت التراب، والتراب يحيي موت الماء، والحيوان يحيي موت النبات، ~~والإنسان يحيي موت الاثنين؟» فالوجود موت يتلاشى، والموت وجود يزول، كذلك الخير شر ~~يتلاشى، والشر خير يزول، فالخير والشر والكون والفساد أمور تتلازم وتنسجم في النظام ~~العام بحيث يمتنع تعيين خصائص ثابتة للأشياء: «ماء البحر أنقى وأكدر ماء يشربه ~~السمك ولا يستسيغه الإنسان، هو نافع للأول ضار بالثاني، ونحن ننزل النهر ولا ننزل - ~~من حيث إن مياهه تتجدد بلا انقطاع - ونحن موجودون وغير موجودين - من حيث إن الفناء ~~يدب فينا في كل لحظة.» فكل شيء هو كذا، وليس كذا موجود وغير موجود. ~~(ج) قلنا: إنه يرى في النار المبدأ الأول الذي تصدر عنه الأشياء وترجع إليه، لا ~~النار التي ندركها بالحواس، بل نار إلهية لطيفة جدا أثيرية، نسمة حارة حية عاقلة ~~أزلية أبدية تملأ العالم، يعتريها وهن فتصير نارا محسوسة، ويتكاثف بعض النار فيصير ~~بحرا، ويتكاثف بعض البحر فيصير أرضا، وترتفع من الأرض والبحر أبخرة رطبة تتراكم ~~سحبا فتلتهب وتنقدح منها البروق وتعود نارا أو تنطفئ هذه السحب فتكون العاصفة ~~وتعود النار إلى البحر، ويرجع الدور، فالتغير يجري في طريقين متعارضين: طريق إلى ~~أسفل وطريق إلى أعلى مع بقاء كمية المادة الأولى أو لنار واحدة، ومن تقابل هذين ~~التيارين يتولد النبات والحيوان على وجه الأرض، غير أن النار تخلص شيئا فشيئا مما ~~تحولت إليه، فيأتي وقت لا يبقى فيه سوى النار، وهذا هو الدور ms018 التام أو «السنة الكبرى» # 4 # تتكرر إلى غير نهاية بموجب قانون ذاتي ضروري - «لوغوس» - «فالمبادلة ~~متصلة من الأشياء إلى النار، ومن النار إلى الأشياء، كما يستبدل الذهب بالسلع، ~~وتستبدل السلع بالذهب. وهذا العالم لم يصنعه أحد من الآلهة أو البشر، ولكنه كان ~~أبدا وهو كائن وسيكون نارا حية تستعر بمقدار وتنطفئ بمقدار» هذه النار هي الله. ~~«والله نهار وليل، شتاء وصيف، حرب وسلم، وفرة وقلة، يتخذ صورا مختلفة كالنار ~~المعطرة تسمى باسم العطر الذي يفوح منها.» أما النفس الإنسانية فهي بخار حار - ~~والحرارة ضرورية للحي - هى قبس من النار الإلهية تدبر الجسم كما تدبر النار العالم، ~~فيجب عليها أن تعلم قانونها وأن تعمل به فلا تتشبث بالجسم ومطالبه، بل تضع ذاتها في ~~التيار العام وتقمع الشهوة؛ لأن الشهوة توكيد للشخصية، والشخصية انتقاض على القانون ~~الطبيعي ومعارضة للتغير، والدين الحق مطابقة الفكر الفردي للقانون الكلي - «لوغوس» ~~- والفناء في النار العالمية. ~~(د) فهرقليطس يقول بوحدة الوجود مثل فلاسفة ملطية، ويمتاز بشعوره القوي بالتغير، ~~وإن الفكرتين لتستتبعان الشك حتما، فوحدة الوجود تعني أن شيئا واحدا هو الموجود، ~~وأن ما عداه مظاهر وظواهر، والتغير يعني أن كل موجود جزئي فهو كذا وليس كذا في آن ~~واحد، أو هو نقطة تتلاقى عندها الأضداد وتتنازعها فيمتنع وصفه بخصائص دائمة ضرورية ~~ويمتنع العلم، فلا عجب أن يقوم لهرقليطس أتباع من السوفسطائيين يذهبون في سبيل الشك ~~إلى أقصى حد، ولو أنه هو لم يكن يقصد إلى هذه النتيجة، فإنه إذ قال باللوغوس أراد ~~أن يضع حقيقة مطلقة فوق التغير المحسوس، وعلما يقينيا في الجوهر الأوحد، وفي ~~العقل الإنساني الذي يدركه، ولكن تاريخ الفلسفة يعلمنا أن منطق المذهب أقوى من ~~مقاصد صاحب المذهب، فهرقليطس سواء أراد أو لم يرد هو الجد الأول للشك في الفلسفة ~~اليونانية (23-ب، 31-ب ج، 65-ج د). # الفصل الثاني # | الفيثاغوريون # (11) النحلة الأرفية ~~(أ) كان من جراء وقوف اليونان على الأفكار الشرقية أن تبدلت أفكارهم الدينية ~~واصطنعوا إلى جانب الديانة الأهلية ديانات سرية متوخين غاية جديدة ms019 هي الاتصال ~~بالآلهة والمشاركة في سعادتهم متخذين سبيلا إلى تحقيقها ممارسة طقوس معينة يعتقد ~~فيها الصلاحية لذلك على مثل ما هو معروف في السحر، وأهم هاته الديانات «الأرفية»؛ ~~نسبة لشاعر من أهل تراقيا اسمه أرفيوس يستحيل علينا معرفة حياته وآرائه ومنشأ ~~نحلته؛ لكثرة ما روي عنه من الأخبار المتضاربة، وأضيف إليه من الكتب المتناقضة، ~~ولكن التاريخ عرف الأرفية أول ما عرفها في القرن السادس ذائعة ذيوعا قويا؛ ~~وبالأخص في إيطاليا الجنوبية وصقلية، والمذهب قائم على أسطورة مؤداها أن تزوس وهب ~~ديونيسوس - إله الحب، وهو ابنه من ابنته برسفون - السلطان على العالم، وهو ما ~~يزال طفلا فغارت منه هيرا زوجة تزوس وألبت عليه طائفة من الآلهة الأشداء هم ~~«الطيطان» فكان ديونيسوس يستحيل صورا مختلفة ويردهم عنه إلى أن انقلب ثورا فقتلوه ~~وقطعوه وأكلوه، إلا أن الإلهة بلاس - مينرفا - استطاعت أن تختطف قلبه فبعث من هذا ~~القلب ديونيسوس الجديد، وصعق تزوس الطيطان وخرج البشر من رمادهم. # فالإنسان مركب من عنصرين متعارضين: من العنصر الطيطاني وهو مبدأ الشر، ومن دم ~~ديونيسوس وهو مبدأ الخير، ويجب عليه أن يتطهر من الشر وهذا أمر عسير لا تكفي له ~~حياة أرضية واحدة، بل لا بد من سلسلة ولادات تطيل مدة التطهير والتكفير إلى آلاف ~~السنين، ورتبوا على هذه العقيدة طقوسا كانوا يقيمونها ليلا؛ منها: التطهير ~~بالاستحمام باللبن أو بالماء تضاف إليه مادة تلونه بلون اللبن، وتقدمة القرابين غير ~~الدموية، وتمثيل قصة ديونيسوس، بما في ذلك تقطيع ثور وأكل لحمه نيئا، وتلاوة صلوات ~~بينها وبين كتاب الموتى المعروف عن المصريين مشابهات كثيرة، وقد اكتشفت مقابر في ~~إيطاليا الجنوبية وجدت فيها صفائح من ذهب عليها إرشادات للنفس عما يجب أن تسلك بعد ~~الموت من طرق وتتلو من صلوات، فكانت هذه الصفائح دليلا قاطعا على أنهم عرفوا كتاب ~~الموتى وأخذوا عنه كما أنهم أخذوا فكرة الولادات المتعاقبة عن الهنود - مباشرة أو ~~بواسطة الفرس - وتمتاز الأرفية بالإيمان الراسخ بالعدالة الإلهية وبالسعي وراء ~~الطهارة، بينا باقي «الأسرار» كانت تستبيح بعض المخازي ms020 وتدمجها في الشعائر، وتتصور ~~العالم الآخر تصورا ماديا، والطهارة في الأرفية خلاص النفس من البدن وهو لها ~~بمثابة القبر، وهو عدوها اللدود يجري معها على خصام دائم تتأجج ناره في صدر ~~الإنسان، كذلك تمتاز الأرفية بأن إلههم عديم النظير بين آلهة اليونان؛ فهم يمجدون ~~فيه العذاب غير المستحق والفوز النهائي للضعيف صاحب الحق، وتمتاز أخيرا بأنها شيعة ~~الطبقى الوسطى المثقفة، وقد نبغ فيها رجال اعتمدوا على التفكير الشخصي في حل مسألة ~~نشوء العالم، فلم يقبلوا الأساطير اليونانية على علاتها، بل هذبوها واستعانوا ~~بأساطير الشرقيين وعلومهم، فكانوا طبقة وسطى بين اللاهوتيين الأولين وبين الفلاسفة ~~- مع بقائهم في دائرة الأسطورة - وظلت الأرفية حية إلى أوائل المسيحية، وكان لها ~~أثر فعال في الشعراء والمفكرين من نشأتها إلى اندثارها، بل يمكن القول: إنها هي ~~التي وجهت الفلسفة وجهتها العقلية الروحية على أيدي فيثاغورس - كما سنرى الآن - ~~وأكسانوفان وسقراط وأفلاطون وأصحاب الفيثاغورية الجديدة والأفلاطونية الجديدة، ~~فسنجد عندهم جميعا عقائدها وتعابيرها كأصول يحاولون ترجمتها ترجمة عقلية والبرهنة ~~عليها. ~~(12) فيثاغورس وفرقته ~~(أ) نشأ فيثاغورس في ساموس، وكانت جزيرة أيونية مشهورة ببحريتها وتجارتها، وتقدم ~~الفنون فيها، طوف في أنحاء الشرق، ولما ناهز الأربعين قصد إلى إيطاليا ~~الجنوبية، وكان المهاجرون اليونان قد بلغوا فيها درجة عالية من المدنية والثقافة، ~~ونزل ثغر أقروطونا؛ حيث كانت مدرسة طبية شهيرة، وما لبث أن عرف بالعلم والفضل، فطلب ~~إليه مجلس الشيوخ فيما يذكر أن يعظ الشعب ففعل فذاع اسمه وأقبل عليه المريدون من ~~مختلف مدن إيطاليا وصقلية، وحتى من روما؛ فأنشأ فرقة دينية علمية تشبه الأرفية، أو ~~هي أخذت عنها، ثم أثرت فيها، وكانت فرقته مفتوحة للرجال وللنساء من اليونان ~~والأجانب على السواء؛ يعيش أعضاؤها في عفة وبساطة بموجب قانون ينص على الملبس، ~~والمأكل، والصلاة، والترتيل، والدرس، والرياضة البدنية؛ فكانوا منظمين تنظيما ~~دقيقا يصدعون بما يؤمرون غير ناظرين إلا إلى «أن المعلم قد قال»، وكان المعلم ~~متشبعا بعاطفة دينية قوية ومقتنعا بفكرة جليلة هي أن العلم وسيلة فعالة لتهذيب ~~الأخلاق وتقديس النفس؛ فجعل ms021 من العلم رياضة دينية إلى جانب الشعائر، ووجه تلاميذه ~~هذه الوجهة؛ فاشتغلوا بالرياضيات، والفلك، والموسيقى، والطب، وشرح هوميروس ~~وهزيود. ~~(ب) وكان طبيعيا من هذه الجماعة المثقفة المتضامنة الرامية إلى الإصلاح في بلد ~~حديث خلو من التقاليد، كثير التقلبات الديموقراطية، أن تفكر في السياسة وتميل إلى ~~نظام أرستقراطي يقر الأمور في نصابها فتؤثر من هذه الناحية أيضا فيمن ينتمي إليها ~~من الحكام والأهلين؛ بل تتحول إلى هيئة سياسية وتتولى الحكم بنفسها، وهذا ما حدث في ~~أقروطونا وغيرها من المدن الإيطالية في ظروف لم تصل إلينا أخبارها؛ غير أن الشعب ~~والأعيان المبعدين عن الحكم لم يرضوا عن هذا الانقلاب، وما زال المعارضون يعملون في ~~الخفاء حتى تألبوا ذات يوم على الدار التي كان زعماء الفرقة مجتمعين فيها فأحرقوها؛ ~~ولم ينج من الفيثاغوريين سوى اثنين، أما فيثاغورس فقد قيل: إن حملات أعدائه اضطرته ~~للهجرة فاعتزل في ميتابونتس ومات هناك قبل الثورة، وقيل: بل كان في أقروطونا ولكنه ~~كان متغيبا عن مركز الجمعية يوم الحريق فاستطاع أن ينجو بنفسه، وذهب إلى لوقريس ثم ~~إلى ترنتا، وأخيرا إلى ميتابونتس وقضى فيها بعد أن صام أربعين يوما، وشبت الثورات ~~على أنصاره في مختلف المدن فثبتوا لها في مدينتي رچيوم وترنتا، وعبر البحر إلى ~~القارة اليونانية من خذل منهم؛ فقصد فريق إلى طيبة، وآخر إلى فليونتس، ولما تعاظم ~~شأن أثينا قدمها نفر منهم، فكان لهم أثر خطير في الفلسفة والعلوم، ثم تلاشت الجمعية ~~في عهد أفلاطون - حوالي سنة 350 - ولم يبق منها سوى أفراد تناقلوا تعاليمها فكانوا ~~حلقة الاتصال بين هذا العصر وعصر ثان بدأ في منتصف القرن الأول قبل الميلاد، ~~واستمر إلى القرن الرابع بعده. ~~(ج) هذا ما يقال بالإجمال عن فيثاغورس وفرقته، وليس من المستطاع زيادة البيان ~~دون الاستهداف للخطأ؛ فإن آثار رجال العصر الأول قد فقدت جميعا، وكل ما ينسب ~~لفيثاغورس من «أشعار ذهبية» ومن «كتب ثلاثة» - المهذب والسياسي والطبيعي - فهو ~~منحول يرجع إلى العصر الثاني، كذلك الكتب المعزوة لتلاميذه الأولين - وأشهرهم ~~فيلولاوس - منحولة ms022 أو مشكوك فيها إلى حد كبير، أما أقوال الفيثاغورية الجديدة عن ~~المدرسة القديمة فيجب أن تقابل بغاية الحذر لما فيها من ميل ظاهر إلى الغريب الشاذ ~~ومن تأويل شخصي، يزاد على ذلك أنها تضيف للفيثاغورية الأولى أفكارا وأمورا لم ~~تعرف إلا بعدها؛ منها: الأفلاطوني، والرواقي، بل البوذي، وحتى هيرودوت - وقد عاش في ~~الأوساط الفيثاغورية في إيطاليا الجنوبية وصقلية بعد وفاة فيثاغورس بنصف قرن - فإنه ~~يخلط في كلامه عنه وعن جمعيته؛ ذلك أن مخيلة الأتباع والأنصار كانت قد تناولت ~~فيثاغورس ونسجت حوله الأساطير فقالوا: إنه ابن أبولون أو هرمس ورووا عنه من الخوارق ~~كل عجيب غريب، أما الجمعية فيروى عنها أشياء كثيرة: أشهرها أنها كانت تحرم أكل ~~الحيوانات وبعض النبات، ويقال: إن هذا التحريم لم يكن مطلقا، ويذكر أنها كانت سرية ~~يتعارف أفرادها بإشارات خاصة، ويتعهدون بكتمان تعاليمها الديني منها والعلمي، وأنهم ~~أعدموا واحدا منهم غرقا؛ لإفشائه سرا هندسيا وليس ما يمنع من التصديق بهذه ~~السرية، لا سيما أن أرسطو نفسه، إذ يتحدث عن المذهب لا يميز بين ما كان لفيثاغورس ~~فيه من نصيب وما كان لتلاميذه، بل يذكرهم جملة بقوله: «الذين يدعون بالفيثاغوريين» ~~أو «المدرسة الإيطالية» مما يدل على أن الجمعية كانت وحدة توارت وراءها شخصيات ~~أفرادها، حتى تسربت آراؤهم ومكتشفاتهم إلى الخارج فاندمجت في الثقافة اليونانية ~~خالصة من كل شخصية. ~~(13) مذهبهم ~~(أ) يذكر أن فيثاغورس هو الذي وضع لفظ «فلسفة»؛ إذ قال: «لست حكيما؛ فإن الحكمة ~~لا تضاف لغير الآلهة، وما أنا إلا فيلسوف» أي محب للحكمة وقد كان رياضيا بارعا، ~~ولعل أهم آثاره في هذا الباب أنه برهن على أن قوة الأصوات تابعة لطول الموجات ~~الصوتية، فبين أن الأنغام تقوم خصائصها بنسب عددية ويترجم عنها بالأرقام؛ فوضع ~~الموسيقى علما بمعنى الكلمة بإدخال الحساب عليها، ولا شك أن دراسة الفيثاغوريين ~~الأعداد والأشكال والحركات والأصوات وما بينها من تقابل عجيب، وما لها من قوانين ~~ثابتة، صرفت عقولهم إلى ما في العالم من نظام وتناسب «فرأوا أن هذا العالم أشبه ~~بعالم ms023 الأعداد منه بالماء أو النار أو التراب، وقالوا: إن مبادئ الأعداد هي عناصر ~~الموجودات، أو إن الموجودات أعداد، وإن العالم عدد ونغم.» # 1 # وقالوا أيضا: «إن الأعداد نماذج تحاكيها الموجودات دون أن تكون هذه ~~النماذج مفارقة لصورها» # 2 # إلا في الذهن، والقولان يرجعان إلى واحد مؤداه التوحيد بين عالم ~~الموجودات وعالم الأعداد، وساعد على هذا التصور أنهم لم يكونوا يتمثلون العدد ~~مجموعا حسابيا بل مقدارا وشكلا، ولم يكونوا يرمزون له بالأرقام، بل كانوا ~~يصورونه بنقط على قدر ما فيه من آحاد، ويرتبون هذه النقط في شكل هندسي، فالواحد ~~النقطة، والاثنان الخط، والثلاثة المثلث، والأربعة المربع، وهكذا، وكانوا من ثمة ~~يصفون الأعداد بالأشكال فيقولون: الأعداد المثلثة والمربعة والمستطيلة؛ أي التي ~~تصور بنقط مرتبة بشكل مخصوص، فخلطوا بين الحساب والهندسة ومددوا في المكان ما لا ~~امتداد له، وحولوا العدد أو الكمية المنفصلة إلى المقدار أو الكمية المتصلة، ثم لم ~~يجدهم ذلك شيئا في تفسير الطبيعة؛ لأنهم إنما «أصابوا خصائص الجسم الرياضي لا ~~خصائص الجسم الطبيعي، ولم يفسروا الحركة والكون والفساد، وهي أمور بادية في العالم ~~المحسوس، ولم يبينوا علة ثقب التراب والماء وخفة النار وسائر الخصائص في الأجسام ~~المحسوسة، ولكنهم ركبوا الأجسام الطبيعية من الأعداد؛ أي إنهم ركبوا أشياء حاصلة ~~على الثقل والخفة من أشياء ليس لها ثقل ولا خفة.» # 3 ~~(ب) وهذا هو السبب في أنهم لم يضعوا في العلم الطبيعي رأيا جديدا، بل نقلوا عن ~~أنكسيمندريس وبالأخص عن أنكسيمانس فتصوروا العالم كائنا حيا - حيوانا كبيرا - ~~يستوعب بالتنفس خلاء لا متناهيا فما وراء العالم هو عبارة عن هواء غاية في ~~اللطافة، ضروري للفصل بين الأشياء وتمييزها بعضها من بعض، ومنعها من أن تتصل ~~فتكون شيئا واحدا، # 4 # وقالوا بعوالم كثيرة ولكن في عدد متناه، وجعلوا الأشياء تحدث بالتكاثف ~~والتخلخل لا بتحول بعضها إلى بعض؛ لأن الأعداد نظام ثابت متجانس، وقالوا بالدور ~~وعودة الأشياء هي بأنفسها في آجال طويلة - «السنة الكبرى» - إلى غير نهاية، ويروى ~~في هذا الصدد أن أوديموس تلميذ أرسطو ms024 قال مخاطبا تلاميذه: «إذا صدقنا الفيثاغوريين ~~فسيجيء يوم نجتمع ثانية في هذا المكان فتجلسون كما أنتم لتسمعوا إلي وأتحدث أنا ~~إليكم كما أفعل الآن.» ~~(ج) أما النفس فقد وصلت إلينا عنهم أقوال متباينة فيها، فنحن نجد عند أفلاطون ~~رأيا لبعضهم يقول: إن النفس نوع من النغم، ومعنى ذلك أن الحي مركب من كيفيات ~~متضادة - الحار والبارد واليابس والرطب - والنغم توافق الأضداد وتناسبها بحيث تدوم ~~الحياة ما دام هذا النغم وتنعدم بانعدامه، # 5 # وهذه من غير شك نظرية أطباء الفرقة - أو نفر منهم - صدروا فيها عن ~~فكرتهم العامة - «العالم عدد ونغم» - وخالفوا أمورا جوهرية في مذهبهم؛ فإن النغم ~~نتيجة توافق الأضداد، فإذا كانت النفس نغما لزم من جهة أن ليس لها وجود ذاتي - ~~والفيثاغورية تؤمن بالخلود - ولزم من جهة أخرى أن ليس لها وجود سابق على عناصر ~~البدن - والفيثاغورية تؤمن بالتناسخ # 6 ~~- على أن أرسطو إذ يذكر هذه النظرية لا يعزوها للفيثاغوريين، # 7 # ولكنه يضيف إليهم صراحة قولين: يذهب الواحد إلى أن النفس هي هذه الذرات ~~المتطايرة في الهواء، والتي تدق عن إدراك الحواس فلا تبصر إلا في شعاع الشمس وتتحرك ~~دائما حتى عند سكون الهواء، فكأن أصحاب هذا الرأي أرادوا أن يفسروا الحركة الذاتية ~~في الحيوان فافتكروا أن هذه الذرات المتحركة دائما تدخل جسمه وتحركه، ولعلهم ظنوا ~~أن هذا التصور يفسر أيضا كيف أن المولود يجد ساعة ميلاده نفسا تحل فيه، وهم على ~~كل حال يتابعون معاصريهم فيتصورون النفس مادية وإن جعلوها مادة لطيفة جدا، ~~ويذهب القول الآخر إلى أن النفس هي المبدأ الذي تتحرك به هذه الذرات، # 8 # وهو قول يخيل إلينا أنه رأيهم الحق، وهو أرقى من القولين السابقين ~~وجامع لهما بحيث تكون النفس عندهم مبدأ أو علة توافق الأضداد في البدن وعلة حركته ~~جميعا. ~~(د) وبعد الموت تهبط النفس إلى «الجحيم» تتطهر بالعذاب ثم تعود إلى الأرض تتقمص ~~جسما بشريا أو حيوانيا أو نباتيا ولا تزال مترددة بين الأرض والجحيم حتى يتم ~~تطهيرها، وفيثاغورس أول من قال ms025 بالتقمص أو التناسخ في اليونان، والعقيدة هندية، وقد ~~رأينا أن الأرفية كانت تقول بولادات متعاقبة، ويروى أنه كان يدعي أنه متجسد للمرة ~~الخامسة، وأنه يذكر حيواته السابقة، وعند الفيثاغوريين أن أزمنة التقمص قد حددها ~~الآلهة ونحن ملكهم، فليس لنا أن نخالف النظام الذي وضعوه بالانتحار أو بإهلاك ~~الحيوان فيما عدا التضحية، وقد يلوح أن نظرية التناسخ متمشية مع نظرية الدور تؤيدها ~~وتفسرها فيما يختص بالأحياء، ولكن الغاية من التناسخ الطهارة التامة والسعادة ~~الدائمة؛ فكيف نوفق بين هذا الدوام وبين الدور؟ ~~(ه) ولم تصل إلينا نصوص صريحة عن عقيدتهم في الألوهية، أما ما يذكر من أنهم كانوا ~~يضعون «الواحد» فوق الأعداد والموجودات ويجعلونه مصدرها جميعا فتأويل أفلاطوني، ~~وكل ما يمكن أن يقال: إنهم طهروا الشرك الشعبي من أدرانه، ونزهوا الآلهة عما ألحقت ~~بهم المخيلة العامة من نقائص. ~~(14) علومهم ~~(أ) وإذا انتقلنا من تصورهم للمسائل الكلية إلى آرائهم في العلوم الجزئية وجدنا ~~فكرتهم الأساسية مسيطرة عليها كذلك، وقد مرت بنا الإشارة إلى أطبائهم فنقول الآن: ~~إنهم أثروا أكبر تأثير في مدرسة أقروطونا وحولوها إلى مذهبهم، بنوا الطب على تناسب ~~الأضداد فقالوا: إن مبدأ الحياة الحار ملطفا بالبارد أي بالهواء الخارجي يجذب ~~بالشهيق ويدفع بالزفير فإذا اختلت النسبة بينهما كان المرض، وإذا زاد الاختلال كان ~~الموت، فالحياة والصحة تناسب وتناسق، والمرض والموت اختلال التناسب أي إفراط أو ~~تفريط بالإضافة إلى الحد الملائم، والتطبيب حفظ التناسب أو إعادته، وطبقوا هذا ~~الرأي تطبيقا عاما فقالوا مثلا: إن المناخ الأحسن هو مناخ المنطقة المعتدلة؛ أي ~~المتوسطة بين الحار والبارد، وهكذا، ومن نوابغهم في هذا الفن القميون زعيم مدرسة ~~أقروطونا، ومما يذكر له قوله: ليست النفس في القلب - وكان هذا اعتقاد القدماء - ~~وإنما في الدماغ، والدماغ هو مركز التفكير تصل إليه بواسطة قنوات دقيقة التأثيرات ~~الواقعة على أعضاء الحواس، ويقال: إنه أثبت رأيه بالتجربة فبين بالتشريح أن كل ~~اضطراب في المخ يفسد الوظائف الحاسة. ~~(ب) وامتازوا في علم الفلك وصدروا فيه أيضا عن اعتباراتهم الرياضية؛ فمضوا ~~يصورون ms026 العالم كما شاءت لهم غير حافلين بالواقع، كأنما مهمتهم تكوين العالم لا ~~تمثيله وتفسيره، فقالوا مثلا: «إن العدد الكامل هو العشرة؛ لأنه مؤلف من الأعداد ~~جميعا، وحاصل على خصائصها جميعا، فيلزم أن الأجرام السماوية المتحركة عشرة؛ «لأن ~~العالم كامل وحاصل على خصائص الكامل»، ولكن لما كان المعروف المنظور منها تسعة فقط ~~(59-ج) فقد وضعوا أرضا غير منظورة مقابلة لأرضنا إلى أسفل؛ ليكملوا العدد عشرة.» # 9 # كذلك ذهبوا إلى أن مركز العالم يجب أن يكون مضيئا بذاته؛ لأن الضوء ~~خير من الظلمة، ويجب أن يكون ساكنا؛ لأن السكون خير من الحركة فليست الأرض مركز ~~العالم وهي مظلمة وفيها نقائص كثيرة، ولكنه «نار مركزية» غير منظورة؛ لأنها واقعة ~~هي أيضا إلى أسفل أرضنا والمأهول من الأرض في اعتقادهم نصفها الأعلى، ولم يفتهم أن ~~يعينوا لكل من النار المركزية والأرض الأخرى شأنا في نظام العالم: النار المركزية ~~تمد الشمس بحرارتها فتعكس الشمس الحرارة على الأرضين وعلى القمر، والأرض الأخرى ~~تفسر الكسوف والخسوف بتوسطها بين النار المركزية وبين القمر أو الشمس. # 10 # ومهما يكن من قيمة استدلالهم فإن تنحيتهم الأرض عن مركز العالم كان ~~ثورة على التصور القديم، وثمة ثورة أخرى هي قولهم بكروية الأرض، ولم يبلغ إلينا سبب ~~هذا القول، وقد يكون أن الدائرة خير الأشكال؛ لكمال انتظام جميع أجزائها بالنسبة ~~للمركز على ما هو معروف عنهم، وبديهي أن الخيال والعاطفة الدينية كانا يجدان غذاء ~~في التصورات التي يوحيانها، فالفيثاغوريون؛ إذ اخترعوا النار المركزية ووضعوها في ~~وسط العالم مجدوها وأسموها أم الآلهة، وقلعة تزوس والهيكل وموقد العالم والمصدر ~~الأول لكل حياة وكل حركة، على أن المتأخرين منهم لم يترددوا في العدول عن النار ~~المركزية والأرض الأخرى بعد أن بلغ الإسكندر الهند، ولم تظهر لا هذه ولا تلك، وقام ~~واحد منهم هو أرسطرخوس من علماء القرن الثالث، فاستبدل الشمس بالنار المركزية فتم ~~له الرأي المعول عليه الآن، ولكنه لم يصادف قبولا عند أهل زمانه، فبقي في بطون ~~الكتب إلى أن قرأه كوبرنيكوس في شيشرون ms027 فوضع نظريته. ~~(ج) ومن المأثور عنهم قولهم: إن لحركات الأفلاك نغمات، # 11 # وحجتهم في ذلك أن الجسم إذا تحرك بشيء من السرعة أحدث صوتا هو صوت ~~اهتزاز الهواء أو الأثير، فلا بد أن يكون لحركات الأفلاك في الأثير العلوي أصوات، ~~وتتفاوت سرعة الأفلاك بتفاوت مسافتها كما تتفاوت في العود سرعة الاهتزازات بتفاوت ~~طول الأوتار، فلا بد أن يكون في السماء ألحان كألحان العود، وإن كنا لا نشعر بها ~~فإنما ذلك لأنا نحسها باتصال، والصوت لا يشعر به إلا بالإضافة إلى السكوت، ولا يبعد ~~أنهم كانوا يخرجون من هذا القول إلى مثل ما خرج إليه إخوان الصفاء حيث قالوا: «إذا ~~تفكر ذو اللب تبين له أن في نغمات تلك الحركات لذة وسرورا مثل ما في نغمات أوتار ~~العيدان في هذا العالم، فعند ذلك تشوقت نفسه إلى الصعود إلى هناك والاستماع لها ~~والنظر إليها، فاجتهد يا أخي في تصفية نفسك وتخليصها من بحر الهيولى وأسر الطبيعة ~~وعبودية الشهوات الجسمانية، فإن هذه هي المانعة لها من الصعود إلى هناك بعد الموت.» # 12 ~~(د) فالفيثاغورية نهضة عظيمة متعددة الوجهات، هي نحلة دينية كانت أصدق نظرا في ~~الدين من الأرفية، وهي مذهب فلسفي يعد أول محاولة للارتفاع عن المادة التي وقف ~~عندها فلاسفة أيونية وفهم العالم بقوانين واضحة وأعداد معينة، وهي مدرسة علمية عنيت ~~بالرياضة والموسيقى والفلك والطب، وعرفت بضع قضايا حسابية وهندسية، ووضعت في ~~الهندسة ألفاظا اصطلاحية، وهي هيئة سياسية ترمي إلى إقرار النظام في هذه الحياة ~~الدنيا. # الفصل الثالث # | الإيليون # (15) أكسانوفان ~~(أ) بارمنيدس هو المؤسس الحقيقي للمدرسة الإيلية - والنسبة إلى إيليا مدينة بناها ~~الإيونيون الهاربون من وجه الفرس على الشاطئ الغربي في إيطاليا الجنوبية حوالى سنة ~~540 - ولكن كان قد سبقه فيها أكسانوفان فأعلن أصل المذهب ثم وضعه هو في صورته ~~الكاملة، وجاء بعده زينون فنصب نفسه للدفاع عنه، ثم مليسوس أدخل عليه بعض التعديل ~~دون أن يمس جوهره، وكلهم «يقولون: إن العالم موجود واحد وطبيعة واحدة، يقولون هذا ~~لا كالطبيعيين الذين يفرضون ms028 موجودا واحدا - ماء أو هواء أو نارا - ويستخرجون منه ~~كثرة الأشياء بالحركة والتغير العرضي - اجتماع وانفصال، أو تكاثف وتخلخل - بل ~~يقولون: إن العالم ساكن.» # 1 # فهم ينكرون الكثرة والحركة. ~~(ب) ولد أكسانوفان في قولوفون من أعمال أيونية بالقرب من أفسوس، ويرجح أن غزوة ~~الفرس لبلاده هي التي حملته على مغادرتها، فطوف في أنحاء العالم اليوناني سنين ~~عديدة إلى أن بلغ صقلية، ثم انتقل إلى إيطاليا الجنوبية واستقر في إيليا، كان ~~شاعرا حكيما شريف النفس حر الفكر مر النقد، قال ساخرا من تكريم الناس للمصارعين: ~~«إن حكمتنا خير وأبقى من قوة الرجال والخيل.» وقال متهكما على فيثاغورس لاعتقاده ~~بالتناسخ: إنه «مر ذات يوم برجل يضرب كلبا فأخذته الشفقة فصاح وهو ينتحب : أمسك عن ~~ضربه يا هذا، إنها نفس صديق لي؛ لقد عرفته من صوته.» ~~(ج) ويقال بالإجمال: إنه ارتفع بعقله فوق حكايات قدماء الشعراء وصرف جهده إلى ~~القول بنظام أسمى من التجربة المحسوسة ومن الرأي العام الجاهل المتقلب، وأهم ~~أقواله: «إن الناس هم الذين استحدثوا الآلهة وأضافوا إليهم عواطفهم وصوتهم وهيئتهم، ~~فالأحباش يقولون عن آلهتهم: إنهم سود فطس الأنوف، ويقول أهل تراقية: إن آلهتهم زرق ~~العيون حمر الشعور، ولو استطاعت الثيرة والخيل لصورت الآلهة على مثالها، وقد وصفهم ~~هوميروس وهزيود بما هو عند الناس موضوع تحقير وملامة، ألا إنه لا يوجد غير إله واحد ~~أرفع الموجودات السماوية والأرضية ليس مركبا على هيئتنا ولا مفكرا مثل تفكيرنا ~~ولا متحركا ولكنه ثابت كله بصر وكله فكر وكله سمع يحرك الكل بقوة وبلا عناء.» هذا ~~كلام قوي في التنزيه والتوحيد، لم يعهد له مثيل في اليونان، غير أن أرسطو يذكر: «أن ~~أكسانوفان نظر إلى مجموع العالم وقال: إن الأشياء جميعا عالم واحد، ودعا هذا ~~العالم الله ولم يقل شيئا واضحا، ولم يبين إن كان العالم عنده واحدا من حيث ~~الصورة أو من حيث المادة.» # 2 # فكأنه كان حلوليا أو كأنه أخذ وحدة الوجود عن فلاسفة وطنه أيونية، ~~وتصور الوجود تصورا روحيا، وعلى أي حال ms029 فلعبارته قيمتها في نفسها وهي جديرة أن ~~تجعل منه واضع «العلم الإلهي». ~~(16) بارمنيدس ~~(أ) ولد في إيليا «ويقال: إنه تتلمذ لأكسانوفان.» # 3 # ومن المحقق أنه تأثر به فآمن بوحدة الوجود، وضع كتابه «في الطبيعة» ~~شعرا، فكان أول من نظم الشعر في الفلسفة، وكتابه قسمان: الأول في الحقيقة أي ~~الفلسفة، والثاني في الظن أي في العلم الطبيعي، فإن المعرفة عنده نوعان: عقلية؛ وهي ~~ثابتة كاملة، وظنية؛ وهي قائمة على العرف وظواهر الحواس، فالحكيم يأخذ بالأولى ~~ويعول عليها كل التعويل ثم يلم بالأخرى ليقف على مخاطرها ويحاربها بكل قواه. ~~(ب) والحقيقة الأولى هي «أن الوجود موجود ولا يمكن ألا يكون موجودا» أما ~~اللاوجود «فلا يدرك؛ إذ إنه مستحيل لا يتحقق أبدا ولا يعبر عنه بالقول، فلم يبق ~~غير طريق واحد هو أن نضع الوجود وأن نقول: إنه موجود. والفكر قائم على الوجود ولولا ~~الوجود لما وجد الفكر؛ لأن شيئا لا يوجد ولن يوجد ما خلا الوجود.» ولما كان الوجود ~~موجودا فهو قديم بالضرورة؛ لأنه يمتنع أن يحدث من اللاوجود، ويمتنع أن يرجح حدوثه ~~مرجح في وقت دون آخر، فليس للوجود ماض ولا مستقبل ولكنه في حاضر لا يزول وعلى ذلك ~~«يمتنع الكون ولا يتصور الفساد» وينتفي التغير، والوجود والواحد متكافئان فيلزم أن ~~الوجود واحد فقط متجانس «مملوء كله وجودا» ويلزم أنه ثابت ساكن في حدوده «مقيم كله ~~في نفسه»؛ إذ ليس خارج الوجود ما منه يتحرك وما إليه يسير، وهو كامل متناه أي معين ~~«لا ينقصه شيء»؛ إذ ليس خارج الوجود وجود يكتسب، وهو تام التناهي والتعيين في جميع ~~جهاته؛ إذ لا يمكن أن يكون بعضه أقوى أو أضعف من بعض مثله مثل كرة تامة الاستدارة ~~متوازنة في جميع نقطها، وبالجملة لما اقتنع بارمنيدس بأن العالم واحد رأى أن ما ~~يطلق عليه بهذا الاعتبار هو أنه وجود، وتأمل معنى الوجود مجردا ومفرغا من كل ~~مفهوم سوى هذا المفهوم البسيط الهزيل الذي يعني الوجود بالإطلاق، فأدرك أن الوجود ~~واحد قديم ثابت كامل، وأن ms030 هذه الصفات لازمة من معنى الوجود فآثر هذا اليقين العقلي ~~وأنكر الكثرة والتغير واعتبرهما وهما «وظنا»: أليس التغير يعني أن الموجود كان ~~موجودا ولم يكن موجودا - ما صار إليه - وأنه باق في الوجود، ومع ذلك فهو ليس ~~موجودا على ما كان؟ أوليست الكثرة تعني أن كل وحدة من وحداتها هي كذا أي شيء معين، ~~وليست كذا أي ليست غيرها؟ ولكن قولنا عن شيء: إنه ليس كذا معناه أن هذا الشيء حاصل ~~على اللاوجود وهذا معنى غير معقول. ~~(ج) «ولكنه اضطر أن يتبع الظواهر المحسوسة وقال: إن الأشياء واحد في العقل كثير ~~في الحس» # 4 # فانتقل من يقين العقل إلى ظن الحواس، ومن الفلسفة إلى العلم الطبيعي ~~يحاول أن يفسر الظواهر وأن يورد ما يبلغ إليه الظن فيها فقبل الوجود واللاوجود في ~~آن واحد وهو يعلم أن هذا طريق معارض للعقل، ولكنه يعلم أيضا أنه أهون عند العقل من ~~طريق الذين يعتقدون «أن الوجود واللاوجود شيء واحد، ثم إنهما ليسا شيئا واحدا.» ~~يريد فيما يلوح معاصره هرقليطس، فتصور بارمنيدس الوجود الكامل غير المنقسم كرة ~~مادية كما تصور الفيثاغوريون العدد ممتدا، وشرع يسرد آراء تذكر بقصص هزيود وأقوال ~~أنكسيمندريس وأنكسيمانس فهل كان جادا في هذا القسم الثاني من الكتاب مغلوبا على ~~أمره كما يقول أرسطو، أم أنه بجمعه بين خيال هزيود وعلم الإيونيين أراد أن يسخر من ~~العلم الطبيعي ومن أصحابه، وأن يؤيد بالخلف القسم الأول فيبين أن العالم المحسوس لا ~~يفسر بغير ما يقتضيه التغير من اجتماع الوجود واللاوجود، وأن هذا الاجتماع غير ~~معقول وأن التغير وهم؟ ~~(د) ومهما يكن من هذه المسألة ومن تشخيص الوجود في كرة مادية متصلة هي مع ذلك ~~واحدة غير منقسمة، فإن ميزة بارمنيدس هي أنه فيلسوف الوجود المحض تجاوز عالم ~~الأعداد والأشكال، وبلغ إلى الموضوع الأول للعقل وهو الوجود، ولقد بهره معنى الوجود ~~فلم يعد يرى غير أمر واحد هو «أن ما هو موجود فهو موجود ولا يمكن ألا يوجد»، وأن ~~«الوجود موجود، واللاوجود ليس ms031 موجودا، ولا مخرج من هذه الفكرة أبدا» فكان أول ~~فيلسوف جرد مبدأ الذاتية # 5 # ومبدأ عدم التناقض (65-ج) وأعلنهما صراحة وجعل منهما أساس العقل الذي ~~لا يتزعزع في نفس الوقت الذي كان هرقليطس يهوي فيه على هذا الأساس بكل قوته، ولئن ~~لم يفطن بارمنيدس إلى أن الوجود والواحد يقالان على أنحاء عدة، ولم يفرق بين ~~معانيهما المختلفة فعذره أن هذه المعاني لم تكن قد تميزت بعد وأنها لن تتميز إلا ~~على يد أرسطو (55-ب) وحسبه فخرا أنه ارتفع إلى مبادئ الوجود ومبادئ العقل بقوة لم ~~يسبق إليها فأنشأ الفلسفة الأولى أو الميتافيزيقا، واستحق أن يدعوه أفلاطون ~~«بارمنيدس الكبير». ~~(17) زينون الإيلي ~~(أ) هو تلميذ بارمنيدس نكاد لا نعرف شيئا عن حياته سوى أنه ائتمر بطاغية مدينته ~~فانكشف أمره فأذيق عذابا أليما احتمله بثبات عظيم حتى الموت، وإذا أخذنا برواية أفلاطون # 6 # قلنا: إنه وضع كتابا في شبابه قصد به إلى تأييد مذهب معلمه ضد الذين ~~سخروا منه وحاولوا أن يبينوا أن القول بالوحدة يستتبع نتائج مضحكة ومناقضة له - ~~وهؤلاء هم الفيثاغوريون الذين يؤلفون العالم من أعداد أي من وحدات منفصلة - فحارب ~~أصحاب الكثرة بأن ألزمهم المحالات وبين أن لمذهبهم نتائج هي أدعى للضحك، فهو قد نهج ~~منهجا جدليا بحتا يقوم على برهان الخلف ويرمي إلى إفحام الخصم، ولم يصل إلينا ~~من المعلومات ما يكفي لتكوين فكرة مضبوطة عن كتابه وترتيب أقواله، ولكن أرسطو أورد ~~بعض حججه في امتناع الكثرة والحركة. # 7 ~~(ب) أما الكثرة فله عليها حجج أربع: يقول لا تخلو الكثرة أن تكون إما كثرة مقادير ~~ممتدة في المكان وإما كثرة آحاد - أعداد - غير ممتدة ولا متجزئة، والحجة الأولى ~~تنظر في الفرض الأول ومؤداها أن المقدار قابل للقسمة بالطبع فيمكن قسمة أي مقدار ~~إلى جزأين، ثم إلى جزأين، وهكذا دون أن تنتهي القسمة إلى آحاد غير متجزئة؛ لأن مثل ~~هذه الآحاد لا يؤلف مقدارا متقسما وإذن يكون المقدار المحدود المتناهي حاويا ~~أجزاء حقيقية غير متناهية العدد وهذا خلف. الحجة الثانية ms032 في الفرض الثاني وهو أن ~~الكثرة مكونة من آحاد غير متجزئة فتقول: إن هذه الآحاد متناهية العدد؛ لأن الكثرة ~~إن كانت حقيقية فيجب أن تكون معينة، وهذه الآحاد منفصلة بالضرورة وإلا اختلط بعضها ~~مع بعض وهي مفصولة حتما بأوساط، وهذه الأوساط بأوساط وهكذا إلى ما لا نهاية، وهذا ~~يناقض المفروض فالكثرة بنوعيها غير حقيقية. والحجة الثالثة تدعي أنه إذا كانت ~~الكثرة حقيقية كان كل واحد من الأشياء يشغل مكانا حقيقيا ولكن هذا المكان يجب أن ~~يكون هو أيضا في مكان، وهكذا إلى غير نهاية فالكثرة غير حقيقية. والحجة الرابعة ~~تذهب إلى أنه إذا كانت الكثرة حقيقية فإن النسبة العددية بين كيلة الذرة وحبة الذرة ~~وجزء على عشرة آلاف من الحبة يجب أن يقابلها نفس النسبة بين الأصوات الحادثة من ~~سقوطها إلى الأرض، ولكن الواقع أن لا، وإذن فليست الكثرة حقيقية. ~~(ج) وله حجج أربع كذلك ضد الحركة: الأولى تسمى بالقسمة الثنائية وهي مأخوذة من ~~فرض المقدار مركبا من أجزاء غير متناهية، وتقول: إن الجسم المتحرك لن يبلغ إلى ~~غايته إلا أن يقطع أولا نصف المسافة إليها ونصف النصف وهكذا إلى ما لا نهاية، ولما ~~كان اجتياز اللانهاية ممتنعا فإن الحركة ممتنعة. والحجة الثانية تمثيل للأولى ~~وتسمى «أخيل» مؤداها إذا فرضنا أخيل «ذا القدمين الخفيفين» يسابق سلحفاة وهي أبطأ ~~الحيوان، وأن هذه السلحفاة متقدمة عليه مسافة قصيرة، وأنهما يبدآن الحركة في وقت ~~واحد، فإن أخيل لن يدرك السلحفاة إلا أن يقطع المسافة الأولى الفاصلة بينهما ثم ~~المسافة الثانية وهكذا إلى ما لا نهاية. والحجة الثالثة تسمى بالسهم، وهي قائمة على ~~أن الزمان مؤلف من آنات غير متجزئة، وترجع إلى أنه لما كان الشيء في مكان مساو له، ~~فإن السهم في مروقه يشغل في كل آن من آنات الزمان مكانا مساويا له، فهو إذن لا ~~يبارح المكان الذي يشغله في الآن غير المتجزء، ومعنى ذلك أنه ساكن غير متحرك وهكذا ~~في كل آن. والحجة الرابعة تسمى بالملعب وتقوم كذلك على فرض الزمان ms033 مؤلفا من ~~آنات غير متجزئة، والمكان مركبا من نقط غير منقسمة، وتلخص كما يلي: ~~.... ← ~~-> .... ~~.... # لنفرض ثلاثة مجاميع كل منها مؤلف من أربع وحدات أو نقط والثلاثة متوازية في ملعب، ~~الواحد يشغل نصف الملعب إلى اليمين والآخر يشغل نصفه إلى اليسار، والثالث في الوسط، ~~ولنفرض الأول والثاني يتحركان بسرعة واحدة كل منهما إلى الجهة المقابلة بينما ~~الثالث ساكن في مكانه، فإن الواحد منهما يصل إلى نهاية الآخر في زمن هو نصف الزمن ~~الذي يقضيه للوصول إلى نهاية الساكن؛ أي إن الانتقال من إحدى نقط المجموع الساكن ~~إلى النقطة التي تليها يتم في آن هو ضعف الآن الذي يتم فيه الانتقال من إحدى نقط ~~المجموع المتحرك إلى النقطة التي تليها، فتقطع الحركة نفس المسافة - من حيث إن طول ~~المجاميع واحد - في زمن معين، وفي ضعف هذا الزمن فيكون نصف الزمن مساويا لضعفه ~~وهذا خلف، وإذن فالحركة وهم. ~~(د) ولكن زينون يتجاهل أن كل واحد من المجموعين المتحركين يوفر بحركته نصف ~~المسافة على الآخر، بينما المجموع الساكن يبقيها على حالها، وأن هذا هو سبب الفرق ~~في الزمن، كما أنه يتجاهل أن المكان والزمان والحركة أشياء متصلة، وأنها مع قبولها ~~للقسمة إلى ما لا نهاية ليست مقسمة بالفعل إلى أجزاء غير متناهية، نقول: إنه يتجاهل ~~ولا نرميه بالجهل؛ لأنه لم يقصد إلى نقد المقدار المتصل - والمقدار عند بارمنيدس ~~خاصية من خواص الوجود - بل إلى نقد المقدار المنفصل كما توهمه الفيثاغوريون، فجاءت ~~حججه «لهوا جديا» على حد تعبير أفلاطون، # 8 # ولكنها جاءت أمرا جديدا في الفلسفة فإنه لم يستعمل الجدل عرضا ~~وطبعا على ما يتفق لسليقة العقل، وإنما قصد إليه قصدا، ووضعه في صيغة فنية فكان ~~أول واضع لعلم الجدل، وكانت حججه داعية لتحليل معاني الامتداد، والزمان والمكان ~~والعدد والحركة واللانهاية عند أفلاطون، وبالأخص عند أرسطو. ~~(18) مليسوس ~~(أ) هو إيوني من ساموس كان أمير البحر على عمارتها في انتقاضها على أثينا فانتصر ~~على عمارة بركليس سنة 442؛ فكان يجمع بين العلم والعمل كمعظم فلاسفة هذا العصر ms034 ~~الأول الذين كانوا يفكرون في الوجود ويشتغلون بالسياسة والاقتصاد، وضع كتابا «في ~~الطبيعة أي في الوجود» دافع فيه عن مذهب بارمنيدس لا ضد الفيثاغوريين كما فعل ~~زينون؛ بل ضد مواطنيه الإيونيين فهو ممثل المذهب الإيلي في إيونية وآخر ~~رجاله. ~~(ب) وتلخص مناقشته للمذاهب الإيونية القائلة بالكثرة والتغيير كما يلي: # لو كانت الأشياء وكيفياتها حقيقية على ما تبدو في الحس، ولو كان هناك حقا تراب ~~وماء ونار وذهب وحديد وأبيض وأسود لوجب أن يبقى كل منها على حاله بدون تغير؛ إذ إن ~~ما يتغير يبطل أن يكون هو هو، وكيف نصدق أن شيئا هو بارد بعد أن نكون قد صدقنا أنه ~~حار؟! ولو صح التغير لكان معناه أن الوجود ينعدم، وأن اللاوجود يظهر، ولكن ~~الطبيعيين أنفسهم يقولون: إن شيئا لا يخرج من لا شيء، ولا يعود إلى لا شيء، فقولهم ~~يرتد عليهم، والمعرفة الحسية التي يعتمدون عليها كاذبة فإنها ترينا الوجود كثرة ~~متغيرة، والحق الواضح في العقل أن الوجود واحد متجانس ثابت. ~~(ج) ويتلخص برهانه على هذه القضية في الأقوال الآتية: كل ما يحدث فله مبدأ، وإذن ~~كل ما لا يحدث فليس له مبدأ، وليس الوجود حادثا وإلا كان حادثا من اللاوجود وهذا ~~خلف، وإذن ليس للوجود مبدأ، وما ليس له مبدأ فليس له نهاية، وإذن فليس للوجود مبدأ ~~ولا نهاية فهو لا متناه، واللامتناهي واحد فقط؛ إذ يمتنع أن يوجد شيء خارج ~~اللامتناهي، وهو ساكن من حيث إنه لا يوجد مكان خارجه يتحرك إليه، وهو ثابت؛ لأنه إن ~~تغير فقد باين نفسه ولم يعد واحدا؛ وإذن فالوجود واحد لا متناه ساكن ثابت. # 9 ~~(د) وليس في هذه الأقوال من جديد سوى أن مليسوس يجعل الوجود لا متناهيا، وكان ~~بارمنيدس قد ذهب إلى أنه متناه، وقد اعتقد مليسوس أن المطلق من حيث الزمان أي ~~القديم مطلق كذلك من حيث المكان أي لا متناه فعاد إلى رأي الإيونيين، ولكنه لم ~~يبرهن على صحة الانتقال من المعنى الأول إلى الثاني وأخذ لفظ المبدأ ms035 على وجهين فغلط ~~أو غالط؛ إذ إن ما ليس بحادث وليس له مبدأ زماني قد يكون له مبدأ من حيث المقدار أي ~~حد وبداية في المكان، كذلك نراه يخرج من اللاتناهي إلى السكون مع أنه يمكن تصور ~~الوجود اللامتناهي يتحرك في مكانه، # 10 # ثم هو يفترق عن بارمنيدس في نقطة أخرى هي أنه جرد الوجود من الجسمية ~~الكثيفة ليسلب عنه التجزئة ويصون وحدته دون أن يبين كيف يصح ألا ينقسم اللامتناهي ~~في المكان مهما كان لطيفا، وهناك فرق آخر يقربه من أكسانوفان هو أنه يضيف للوجود ~~حياة عاقلة فدل بهذا على ميله إلى وجود روحاني أرقى من وجود بارمنيدس. # والآن نظن الوجهات الثلاث التي أشرنا إليها في مفتتح هذا الباب قد توضحت للقارئ، ~~فعرف ماهية كل منها والفرق بينها ، وتدرجها من المحسوس إلى المعقول. # الفصل الرابع # | الطبيعيون المتأخرون # (19) أنبادوقليس ~~(أ) ندرس في هذا الفصل فلاسفة ثلاثة متعاصرين عادوا إلى معالجة المسألة الطبيعية ~~وهم متأثرون بالإيلية والفيثاغورية، يشتركون في القول بأن أصل الأشياء كثرة حقيقية ~~وأنه لا يوجد تحول من مادة إلى أخرى، وإنما الأشياء تأليفات مختلفة من أصول ثابتة، ~~ويفترقون في تصور هذه الأصول وطرائق انضمامها وانفصالها، هؤلاء الفلاسفة هم ~~أنكساغورس وأنبادوقليس وديموقريطس، ولما كان الأول قد تأخر في نشر آرائه عن الثاني ~~مع أنه أقدم منه، # 1 # وكان من جهة أخرى قد عمر بعده، وتفلسف في أثينا واستقرت فيها الفلسفة ~~منذ ذلك الحين إلى زمن طويل، فقد أخرنا الكلام عليه. ~~(ب) نشأ أنبادوقليس في إغريغنتا وكانت من أعظم مدن صقلية عمرانا، وفي أسرة من ~~أوسع أسر المدينة ثروة ونفوذا، وكان هو من أنبغ أهل زمانه، اشتهر بالفلسفة والطب ~~والشعر والخطابة، وقال أرسطو: إنه منشئ علم البيان. أشبه فيثاغورس في كثير من ~~النواحي فكان قوي العاطفة الدينية إلى حد ادعاء النبوة بل الألوهية، واستخدم علمه ~~في سبيل الخير فصدق الناس دعواه، وكانوا يتسابقون إليه جماعات جماعات أينما حل ~~«يسأله البعض أن يهديهم طريق الصلاح، ويطلب إليه آخرون أن يكشف لهم ms036 الغيب، ويتوسل ~~إليه غيرهم أن يسمعهم الكلمة التي تشفي المرض» على حد قوله هو، وزاد في احترام ~~الناس له وتعلقهم به أنه كان يعطف على الشعب ويسعى لتحقيق المساواة، ويبذل ماله في ~~الإحسان، فعرض عليه أن يتوج ملكا على المدينة فأبى، وعاون على إقامة الديموقراطية ~~ودافع عنها، ثم حدته الغيرة على الخير إلى الهجرة، فجاب أنحاء صقلية وإيطاليا ~~الجنوبية وعبر البحر إلى المورة، وقضى هناك فيما يرجح. ~~(ج) لم يحاول أنبادوقليس رد الأشياء إلى مادة أولى واحدة كما فعل الإيونيون ~~ولكنه وضع أصولا أربعة: الماء والهواء والنار والتراب، فكان أول من اعتبر التراب ~~مبدأ، ولعل ثقل التراب هو الذي منع القدماء من اعتباره كذلك، قال: إن هذه الأربعة ~~مبادئ على السواء ليس بينها أول ولا ثان لا تتكون ولا تفسد فلا يخرج بعضها من بعض ~~ولا يعود بعضها إلى بعض، لكل منها كيفية خاصة: الحار للنار والبارد للهواء والرطب ~~للماء واليابس للتراب، فلا تحول بين الكيفيات، ولكن الأشياء وكيفياتها تحدث بانضمام ~~هذه العناصر وانفصالها بمقادير مختلفة على نحو ما يخرج المصور بمزج الألوان صورا ~~شبيهة بالأشياء الحقيقية، وإنما تجتمع العناصر وتفترق بفعل قوتين كبريين يسميهما ~~المحبة والكراهية، # 2 # المحبة تضم الذرات المتشابهة عند التفرق، والكراهية تفصل بينها، ويتغلب ~~كل منهما حينا في الدور الواحد من أدوار العالم دون أن تستقر الغلبة للمحبة، فتسود ~~الوحدة الساكنة، أو للكراهية فتسود الكثرة المضطربة، فيمر العالم بدور محبة تتخلله ~~الكراهية وتحاول إفساده، ثم بدور كراهية تتخلله المحبة وتعمل على إصلاحه، فتارة ~~ترجع الكثرة إلى الوحدة - وهي الكرة الأصلية الإلهية فيها العناصر جميعا - وطورا ~~تنتقل الوحدة إلى الكثرة، وتتعاقب الأدوار كل منها كما كان بالتمام إلى ما لا ~~نهاية، والدور الذي نحن فيه الآن تسيطر عليه الكراهية. ~~(د) وتتكون الآلهة والنفوس كما تتكون الأشياء الفاسدة - وهو الوحيد الذي أدخل ~~التراب في تركيب النفس - غير أنها أمزجة يغلب فيها الهواء والنار لذلك كانت ألطف ~~وأدق، فالآلهة الحقة عنده العناصر والمحبة والكراهية، وكذلك تتكون الأجسام الحية: ~~تجتمع ms037 العناصر بمقادير معينة بفعل المحبة «فتنبت في الأرض رءوس بدون رقاب، وتظهر ~~أذرع مفصولة عن الأكتاف، وعيون مستقلة عن الجباه»، وتتقارب هذه الأمزجة اتفاقا على ~~أنحاء متعددة؛ فتكون منها المسوخ، وتكون المركبات الصالحة للحياة؛ فتنقرض الأولى ~~وتبقى الأخرى، فالحياة تعلل بأسباب آلية هي اجتماع العناصر وتأثير البيئة، والحياة ~~واحدة في الأحياء جميعا لا تختلف إلا بالقلة والكثرة، فللنبات شعور كما للحيوان، ~~ويفسر الإحساس بأنه تقابل الأشباه وإدراك الشبيه للشبيه: تنبعث عن الأشياء أبخرة ~~لطيفة فتلاقي الحواس؛ فإن كانت النسبة في التركيب متفقة في الجهتين دخل البخار ~~المسام وكان الإحساس، وهذا سبب أن الحاسة الواحدة لا تحس ما هو خاص بأخرى، ولهذا ~~السبب أدخل أنبادوقليس التراب في تركيب النفس؛ أي لكي تدرك الأشياء الترابية، أما ~~الفكر فمركزه عند القلب؛ لأن الدم أكمل الأمزجة، واختلاف الناس عقلا يرجع إلى ~~اختلاف أجزاء الدم في حجمها وطريقة توزعها وتمازجها، وإنما أخذ أنبادوقليس قوله: إن ~~القلب مركز الفكر عن مدرسة الطب في صقلية، وقد مر بنا (14-أ) أن ألقميون إمام مدرسة ~~أقروطونا كان يذهب إلى أن مركز الفكر المخ، والنفوس البشرية آلهة خاطئة وقعت في ~~سلطان الكراهية، وقضي عليها أن تهيم ثلاثين ألف سنة بعيدة عن مقر السعداء وأن تتقمص ~~على التوالي جميع الصور الفنية، قال أنبادوقليس: إنه يذكر حيواته الماضية ويعلم أنه ~~في المرحلة الأخيرة يبلغ بعدها إلى مقامه القديم بعيدا عن الشر والألم، وقد كان ~~فيثاغورس قد قال مثل ذلك عن نفسه، ووسيلة النجاة والتطهير والزهد وتغليب العقل على ~~الحواس، فإن الحواس كثرة وشقاق تخدعنا بأمور زائلة، والعقل وحدة ومحبة، والغاية ~~القصوى العودة للمحبة والوحدة. ~~(ه) ولسنا ندري كيف تتفق هذه الغاية مع الدور (13-ج) ولا كيف تكون العناصر في وقت ~~ما - مع تباينها تباينا جوهريا - كرة متجانسة ثم تفصلها الكراهية مبادئ متباينة ~~ثم تضمها المحبة في كرة متجانسة، ولسنا ندري ماهية المحبة والكراهية، أنتصورهما ~~قوتين روحيتين فنسميهما الخير والشر، أم قوتين طبيعيتين فنسميهما التجاذب والتنافر؟ ~~الفرض الأول يؤيده أن المحبة في رأي ms038 أنبادوقليس علة النظام والخير والجمال البادية ~~في العالم، والكراهية علة الاضطراب والشر والقبح، # 3 # والعلة التي من النوع الأول على الأقل عاقلة بالضرورة، ولكنه في تفسيره ~~أصل الأحياء يصور المحبة تفعل فعلا آليا، والأحياء تتألف اتفاقا بحيث يترجح ~~الفرض الثاني، ونحن على الحالين بإزاء مذهب ثنائي ناقص قلق ومنشأ هذا القلق تأثر ~~أنبادوقليس بالمذاهب السابقة ومحاولته الملاءمة بينها؛ فقد عني بالعلم الطبيعي على ~~طريقة الإيونيين ولم يؤثر مادة على أخرى بل جمع بين المواد الأربع، إلا أنه خطا ~~خطوة إلى الأمام بفصله العلة عن المادة ووضعها مستقلة، وقد أخذ عن الفيثاغوريين ~~التطهير والتناسخ والدور وفكرة أن الأشياء مركبات بمقادير معينة أي بنسب عددية، ~~وتابع بارمنيدس في القول بالكرة الأصلية، وفي إنكار بعض التغير؛ وهو التغير الكيفي، ~~فتصور حقائق الأشياء أصولا ثابتة الماهية وتصور التغير تنقل هذه الأصول، فجاء ~~مذهبه مزاجا من عناصر مختلفة. ~~(20) ديموقريطس ~~(أ) ولد في أبديرا من أعمال تراقية، وكانت مدينة غنية بناها فريق من الإيونيين ~~بالقرب من مناجم ذهب، وقد ذكر عن نفسه «أن أحدا من أهل زمانه لم يقم بمثل ما قام ~~من رحلات ولم ير مثل ما رأى من بلدان ولم يستمع إلى مثل ما استمع من أقوال ~~العلماء، ولم يتفوق عليه في علم الهندسة حتى ولا المهندسون المصريون.» وفي مقدمة ~~الذين استفاد بعلمهم رجل اسمه لوقيبوس يرجح أنه ولد في ملطية ورحل إلى إيليا، وأخذ ~~عن زينون ثم جاء أبديرا وأنشأ فيها مدرسة، وهذا كل ما نعرف عنه، لذلك لا يفرد له ~~مكان في تاريخ الفلسفة، وأرسطو نفسه يقرن اسمه دائما باسم ديموقريطس تلميذه ~~وصديقه، ويضيف إليهما مذهبا واحدا، وعرف هذا المذهب في القديم من كتب ديموقريطس، ~~وكانت تؤلف موسوعة كبرى في أسلوب تعليمي تناولت أصناف العلوم والفنون - الأخلاق ~~والطبيعة والنفس والطب والنبات والحيوان والرياضيات والفلك والموسيقى والجغرافيا ~~والزراعة والصنائع - ولم يبق لنا منها سوى شذرات متفرقة. ~~(ب) ويلوح أن أصل المذهب محاولة التوفيق بين الإيلية والتجربة، وأن لوقيبوس ~~وديموقريطس كانا مقتنعين من جهة ms039 بقول الإيليين: إن الوجود كله ملاء، وإن الحركة ~~ممتنعة بدون خلاء، والخلاء لا وجود، من جهة أخرى بأن الكثرة والحركة لا تنكران، ~~ودلتهما التجربة على وجود ذرات مادية غاية في الدقة كالتي تتطاير في أشعة الشمس، ~~وكالذرات الملونة التي تذوب في الماء، والذرات الرائحية التي تتصاعد مع الدخان أو ~~الهواء، ودلتهما التجربة أيضا على أن اللبن والخشب يرشح منهما الزيت والماء، وأن ~~الضوء يخترق الأجسام الشفافة، وأن الحرارة تخترق جميع الأجسام تقريبا، فبدا لهما ~~أن في كل جسم مسام خالية يستطيع جسم آخر أن ينفذ منها، وكانت طريقتهما في التوفيق ~~أن قسما الوجود الواحد المتجانس عند الإيليين إلى عدد غير متناه من الوحدات ~~المتجانسة غير المنقسمة غير المحسوسة لتناهيها في الدقة، ووضعاها في خلاء غير متناه ~~تتحرك فيه فتتلاقى وتفترق فتحدث بتلاقيها وافتراقها الكون والفساد، وقالا: إنها ~~قديمة من حيث إن الوجود لا يخرج من اللاوجود، وإنها دائمة من حيث إن الوجود لا ~~ينتهي إلى اللاوجود، وإنها متحركة بذاتها، وواحدها الجوهر الفرد، فإنها جميعا ~~امتداد فحسب أو ملاء غير منقسم، فهي متشابهة بالطبيعة تمام التشابه، وليست لها أية ~~كيفية ولا تتمايز بغير الخصائص اللازمة من معنى الامتداد وهي الشكل والمقدار، أما ~~الشكل فمثل # Λ # و # Ν # ومنها المستدير والمجوف والمحدب والأملس والخشن ~~إلى غير ذلك، وأما المقدار فيتفاوت مع إبائه القسمة وخلوه عن الثقل، كذلك يتميز ~~الخلاء الفاصل بينها بالمقدار والشكل، وليس الخلاء عدما ولكنه امتداد متصل متجانس ~~يفترق عن الملاء بخلوه من الجسم والمقاومة، ويسمي لوقيبوس وديموقريطس الملاء وجودا ~~والخلاء لا وجودا، ويعتبرانهما علتين مادتين على السواء؛ # 4 # ذلك أنهما ظنا أنه لولا الخلاء لما تمايزت الجواهر، ولما كانت الكثرة، ~~ولامتنعت الحركة، وأن القول بالحركة والكثرة يقتضي حتما القول بالخلاء واعتباره ~~مبدأ حقيقيا إلى جانب الملأ. ~~(ج) وتفصيل القول في الكون والفساد أن الحركة تعصف بالجوهر منذ القدم وتوجهها ~~إلى كل صوب في الخلاء الواسع، فتتقابل على أنحاء لا تحصى، وتتشابك بنتوآتها في ~~مجاميع هي الموجودات، وإنما تختلف الموجودات ms040 باختلاف الجواهر المؤلفة لها شكلا ~~ومقدارا ثم باختلاف الجواهر المتشابهة الشكل ترتيبا ووضعا بعضها من بعض: الترتيب ~~مثل # Λ Ν # و # Ν Λ # والوضع مثل # Ι # و # Η # أو # Ζ # و # Ν # 5 # بحيث يمكن القول: إن الأشياء هندسة وعدد، ولما تتكون المجاميع تكتسب ~~الثقل والخفة، فالأثقل هو الأكبر حجما، والأقل خلاء يستقر بسهولة في المركز ~~ويتحرك ببطء، والأخف هو الأصغر حجما، والأكثر خلاء ينتثر بسهولة نحو محيط المجموع ~~سواء أكان هذا المجموع عالما أو شيئا جزئيا في العالم الواحد، وتكتسب سائر ~~الكيفيات المحسوسة من لون وطعم وحرارة وغيرها، فإن هذه الكيفيات تابعة من ناحية ~~لتركيب الأشياء ومسافتها ووضعها، ومن ناحية أخرى لتركيب الأشخاص وتغيرهم من حال إلى ~~حال والشواهد كثيرة، # 6 # لذلك يقول ديموقريطس: إنها «اصطلاح» أي نسبة حادثة بين الجواهر في ~~الأشياء وفي الحواس، وإنها موضوع معرفة غامضة، أما الجواهر والخلاء فإنها موجودة ~~حقا وهي الموضوع الوحيد للمعرفة الحقة. ~~(د) والنفس مادية طبعا مؤلفة من أدق الجواهر وأسرعها حركة من حيث إن النفس مبدأ ~~الحركة في الأجسام الحية، ومثل هذه الجواهر هي المستديرة التي تؤلف النار ألطف ~~المركبات وأكثرها تحركا، فالنفس جسم ناري، وهذه الجواهر منتشرة في الهواء يدفعها ~~إلى الأجسام فتتغلغل في البدن كله وتتجدد بالتنفس في كل آن، وما دام التنفس دامت ~~الحياة والحركة، # 7 # وهي أوفر عددا في مراكز الإحساس والفكر؛ أي في أعضاء الحواس والقلب ~~والكبد والمخ، فإنها تكتسب الحساسية إذا توافرت، وما دامت حاصلة كلها في البدن دام ~~الشعور، فإذا ما فقد بعضها كان النوم واللاشعور، وإذا فقد معظمها كان الموت الظاهر، ~~وإذا فقدت جميعا كان الموت الحقيقي أي فناء الشخص، وتحقيق الإدراك الحسي أن بخارات ~~لطيفة تتحلل من الأجسام في كل وقت محتفظة بخصائص الجسم المتحللة منه، فهي صور ~~وأشباه تفعل في الهواء المتوسط بين الشيء والحاسة فعل الخاتم أو الطابع في الشمع، ~~وتتغلغل في مسام الحواس فتدرك، وإنما يختلف انفعالنا بها لاختلاف الجواهر ~~المؤلفة للأجسام، فالخشنة منها تؤلف الأجسام الحامضة والمرة، ms041 بينما الملساء تؤلف ~~الأجسام الحلوة وهكذا، وأما الفكر فهو الحركة الباطنة التي تحدثها الإحساسات في ~~المخ ليس غير، أو هو الصور المحسوسة ملطفة؛ فإن الإحساس هو المصدر الوحيد للمعرفة، ~~ولم نخرج عن المادة وإذن فليس للإنسان أن يرجو خلودا، وإنما سعادته في طمأنينة ~~النفس وخلوها من الخرافات والمخاوف، وتتحقق هذه الطمأنينة بالعلم والتسليم لقانون ~~الوجود والتمييز بين اللذات والتزام الحد الملائم فيها - فإن تجاوز الحد يجر الألم ~~- واجتناب الانفعالات العنيفة. ~~(ه) فديموقريطس قد مضى بالمذهب الآلي إلى حده الأقصى ووضعه في صيغته النهائية ~~فقال: إن كل شيء امتداد وحركة فحسب ولم يستثن النفس الإنسانية كما رأينا ولم ~~يستثن الآلهة، فذهب إلى أنهم مركبون من جواهر كالبشر إلا أن تركيبهم أدق، فهم ~~لذلك أحكم وأقدر وأطول عمرا بكثير، ولكنهم لا يخلدون؛ فإنهم خاضعون للقانون العام؛ ~~أي للفساد بعد الكون واستئناف الدور على حسب ضرورة مطلقة ناشئة من «المقاومة ~~والحركة والتصادم» دون أية غائية أو علة خارجة عن الجواهر مثل المحبة والكراهية ~~ودون أية علة باطنة مثل التكاتف والتخلخل ودون أية كيفية، فالمذهب غاية في البساطة ~~ولكنه حافل بالصعوبات، فما هي الضرورة التي يزعمها ديموقريطس لاجتماع الجواهر ~~وتفرقها على نظام مطرد وأنواع ثابتة؟ أليس الأصح أن عالمه عالم اتفاق ومصادفة؟ بل ~~ما هي علة الحركة منظمة كانت أم مضطربة؟ ونحن نفهم أن الثقل غير لازم بالذات من ~~الكمية ولكن سلبه عن الجواهر يسلب عنها الحركة فتبقى في سكون مطلق، ثم كيف تتفاوت ~~الجواهر بالمقدار وتتفق في عدم الانقسام؟ بل كيف يمكن أن يكون عدم الانقسام خاصية ~~أصلية للجوهر، والجوهر امتداد بحت خلو من كل مبدإ يرده للوحدة؟ وما هو الخلاء وكيف ~~يوجد امتداد غير مقاوم؟ وديموقريطس يعتبر المعرفة الحسية نسبية، ويقول: إن المعرفة ~~الحقة في العقل، ولكنه يجعل العقل صدى الحس، ولا يفسر كيف يرتفع العقل فوق الحس ~~ويدرك اللامحسوسات مثل الجواهر والخلاء، وكيف يتفق الإحساس والعقل للطبيعة المادية ~~بما هي مادية؟ ~~(21) أنكساغورس ~~(أ) ولد في أقلازومان بالقرب من أزمير من أعمال ms042 إيونية في أسرة شريفة، وتلقى ~~العلم في مدرسة أنكسيمانس على ما يرجح، ولما ناهز الأربعين نزح إلى أثينا وكانت قد ~~بلغت مكانة عالية بعد انتصارها على الفرس وصد غارتهم عن العالم اليوناني، وكان ~~بركليس يستقدم إليها الأدباء والعلماء؛ ليجعل منها مركز اليونان في الثقافة ~~والسياسة على السواء، فلما دخلها أنكساغورس دخلت معه الفلسفة لأول مرة، أقام فيها ~~ثلاثين سنة كان في خلالها قطب الحركة الفكرية، ولما آذن نجم بركليس صديقه وولي ~~نعمته بالأفول أصبح هدفا لكيد الخصوم السياسيين، واتهمه هؤلاء بالإلحاد؛ آملين أن ~~ينالوا من الرجلين جميعا، واستشهدوا بما كان قد ذهب إليه من أن القمر أرض فيها ~~جبال ووديان، وأن الشمس والكواكب أجرام ملتهبة لا تختلف طبيعتها عن طبيعة الأجسام ~~الأرضية كما يتبين من مقابلة الأحجار المتساقطة من السماء بما عندنا من أحجار، ولم ~~يكن الأثينيون يطيقون مثل هذا القول؛ لاعتقادهم أن كل ما هو سماوي فهو إلهي، فاضطر ~~لمغادرة المدينة وعاد إلى آسيا الصغرى فنزل لمبساقوس ومات فيها. ~~(ب) وهو يعتقد أن الأشياء متباينة في الحقيقة كما تبدو لنا، وأن قسمة الأجسام ~~بالغة ما بلغت تنتهي دائما إلى أجزاء مجانسة للكل: تنتهي إلى لحم في اللحم، وإلى ~~عظم في العظم فلا تلاشي أبدا طبيعة الشيء المقسم، وعلى ذلك فلا ترد الأشياء إلى ~~مادة واحدة أو بضعة مواد معينة ومن باب أولى إلى تنوع الكمية والحركة، على أن الذي ~~حدا بالطبيعيين إلى مواقفهم هو المشاهد من تحول الأشياء بعضها إلى بعض وضرورة تفسير ~~هذا التحول وأنكساغورس يعلم ذلك - يعلم مثلا أن الخبز الذي نأكله والماء الذي ~~نشربه ينميان جميع أجزاء البدن على السواء من دم ولحم وعظم وشعر وظفر إلخ - ولكنه ~~يأبى أن يتابعهم ويقول: إذا كان الوجود لا يخرج من اللاوجود - باتفاقهم جميعا - ~~«فكيف يخرج الشعر من اللاشعر واللحم مما ليس لحما؟» أمامنا ثلاث قضايا كبرى: ~~الأشياء متباينة بالذات، ولا يخرج الوجود من اللاوجود، والكل يتولد من الكل - أي ~~شيء يتولد من أي شيء - فإذا أردنا الاستمساك بها ms043 جميعا قلنا: إن الأشياء موجودة ~~بعضها في بعض على ما هي، وإن الكل في الكل؛ أي إن الوجود مكون من مبادئ لا متناهية ~~عددا وصغرا هي طبائع أو جواهر مكيفة في أنفسها تجتمع في كل جسم بمقادير متفاوتة، ~~فيتحقق بهذا التفاوت الكون والفساد ويتعين لكل جسم نوعه بالطبيعة الغالبة فيه بحيث ~~يكون كل جسم عالما لا متناهيا يحوي الطبائع على اختلافها كلا منها بمقدار ~~فتختلف الظواهر والأسماء، وإذن فالماء والخبز يحويان مبادئ لا متناهية في الصغر ~~عظمية ولحمية ودموية، بل إن المبادئ جميعا تلتقي في كل ذرة عظمية ولحمية ودموية ~~وغيرها تقع تحت الحس فلا يوجد جسم محسوس متجانس مهما دق بل المتجانس الطبائع ~~الأولى؛ لذلك سميت بالمتجانسات - «متشابهة الأجزاء» عند الشهرستاني - وهي أدق من أن ~~ينالها الحس، ولا يوجد كل هو أبيض خالص أو أسود أو حلو أو لحم أو عظم ولكن ما يغلب ~~في الشيء هو ما يلوح أنه طبيعته فيعرف به ويتميز عما عداه، فالكون والفساد استحالة ~~شيء إلى شيء بأن يزيد بعض الطبائع فيظهر للحواس أو ينقص فيخفى عنها، وبعبارة أخرى ~~«الكون ظهور عن كمون» - الشهرستاني - والفساد كمون بعد ظهور دون أي تغير في الكيفية. # 8 ~~(ج) والطبائع قديمة ولكنها ليست متحركة بذاتها، وليس لها ما يجعلها تنتظم من ~~تلقاء نفسها، وقد كانت في الأصل مختلطة أشد اختلاط، وكان المزاج الأول متساويا ~~غاية التساوي لا يتميز فيه شيء من شيء على ما ارتأى أنكسيمندريس حين وضع اللامتناهي ~~ثم حدثت بفعل فاعل الحركة التي ميزتها ونظمتها، وليس هذا الفاعل الاتفاق؛ فما ~~الاتفاق سوى لفظ نستر به عجزنا عن اكتشاف العلة - وليس هذا الفاعل القدر؛ فما القدر ~~سوى لفظ أجوف اخترعه الشعراء - إنما الفاعل العقل «ألطف الأشياء وأصفاها، بسيط ~~مفارق للطبائع كلها؛ إذ لو كان ممتزجا بشيء آخر أيا كان لشابه سائر الأشياء، ~~ولما استطاع وهو ممتزج أن يفعل بنفس القدرة التي يفعل بها وهو خالص، عليم بكل شيء، ~~قدير على كل شيء، متحرك بذاته» حرك المزاج الأول ms044 في إحدى نقطه فامتدت الحركة واتسعت ~~في دوائر متتابعة حتى عمت الكل وانفصلت الأجرام السماوية عن المركز - الأرض - ~~بالحركة الأولى، وترتبت الأشياء كل في مكانه، الخفيف إلى أعلى، والثقيل إلى أسفل، ~~وستظل الأجرام السماوية مستقلة حتى تنفد القوة التي تستبقيها في مداراتها فتعود إلى ~~المركز، أما الأجسام الحية فقد أتتها الحياة بمشاركة العقل، والعقل نفس تصدر عنها ~~نفوس. ~~(د) ولسنا نناقش أنكساغورس فيما يثير مذهبه من إشكالات أهمها وضعه عددا ~~لا متناهيا من الطبائع في الجسم المتناهي، ونقتصر على ملاحظة أنه في تفصيل التكوين ~~يفسره تفسيرا آليا مثل من تقدمه من الطبيعيين # 9 # حتى إنه يعلل رقي الحيوان على النبات بأنه طليق غير مرتبط بالأرض، ورقي ~~الإنسان على الحيوان بأن له يدين وأن اليد خير الآلات ونموذجها دون أن يضيف أي أثر ~~للعقل الذي قال به علة محركة منظمة بحيث يمكن وصف مذهبه بأنه «آلية كيفية»، الحق ~~أنه لم يفطن لخصب هذه الفكرة ولم يوفق لاستغلالها، ولكنها فكرة جليلة كافية لأن ~~تجعل له مكانا خاصا في هذا الدور من الفلسفة قال بها «فبدا كأنه الوحيد الذي ~~احتفظ برشده بإزاء هذيان سلفائه» # 10 # واهتزت لها نفس أفلاطون وانبعثت إلى تفكير بعيد المدى، # 11 # وإذا أضفنا إليها تصور الوجود طبائع وماهيات؛ أي أشياء عقلية ومعقولة، ~~عددنا أنكساغورس طليعة الحركة السقراطية والفلسفة الروحية. # الفصل الخامس # | السوفسطائيون # (22) نشوء السوفسطائية ~~(أ) بالرغم مما ذكرنا من عناية الفيثاغوريين بالأخلاق، والإيليين بالمبادئ ~~العقلية والجدل، فإن الفكر اليوناني كان في هذا الدور الأول متجها نحو العالم ~~الخارجي مستغرقا فيه، أما العالم الداخلي الذي هو مصدر الأخلاق وموطنها، وأما ~~العقل الذي هو مصدر المعرفة ومستقرها، فلم يعن بهما بالذات، ولكنه لم يلبث ~~طويلا حتى طرأت عليه أحوال ساقته إلى الاشتغال بهذه الناحية من الفلسفة، فبذل فيها ~~نشاطا عظيما وذهب في مسائلها كل مذهب، فكانت النتيجة وضع المنطق والفلسفة الخلقية ~~والسياسية؛ ذلك أنه بعد أن دحرت أثينا الفرس وحفظت لليونان استقلالهم وعقليتهم مضى ~~هؤلاء يستكملون أسباب الحضارة بهمم جديدة، ونبغ ms045 فيهم العلماء والشعراء والفنانون ~~والمؤرخون والأطباء والصناع، وقويت الديموقراطية في جميع المدن، وتعاظم التنافس بين ~~الأفراد، فزادت أسباب النزاع أمام المحاكم الشعبية، وشاع الجدل القضائي والسياسي، ~~فنشأت من هاتين الناحيتين الحاجة إلى تعلم الخطابة وأساليب المحاجة واستمالة ~~الجمهور، ووجد فريق من المثقفين المجال واسعا لاستغلال مواهبهم فانقلبوا معلمي ~~بيان، وهؤلاء هم السوفسطائيون؛ ملئوا النصف الثاني من القرن الخامس. ~~(ب) وكان اسم «سوفيست» يدل في الأصل على المعلم في أي فرع كان من العلوم ~~والصناعات، وبنوع خاص على معلم البيان، ثم لحقه التحقير في عهد سقراط وأفلاطون؛ لأن ~~السوفسطائيين كانوا مجادلين مغالطين وكانوا متجرين بالعلم، أما الجدل فقد وقفوا ~~عليه جهدهم كله، خرجوا من مختلف المدارس الفلسفية لا يرمون لغير تخريج تلاميذ ~~يحذقونه، وكانوا يفاخرون بتأييد القول الواحد ونقيضه على السواء، وبإيراد الحجج ~~الخلابة في مختلف المسائل والمواقف، ومن كانت هذه غايته فهو لا يبحث عن الحقيقة، بل ~~عن وسائل الإقناع والتأثير الخطابي، ولم يكن ليتم لهم غرضهم بغير النظر في الألفاظ ~~ودلالاتها، والقضايا وأنواعها، والحجج وشروطها، والمغالطة وأساليبها، فخلفوا في هذه ~~الناحية من الثقافة أثرا حقيقا بالذكر، أما سائر العلوم فكانوا يلمون بها إلماما ~~يساعدهم على استنباط الحجج والمغالطات وعلى التظاهر بالعلم، فتناولوا بالجدل ~~المذاهب الفلسفية المعروفة، وعارضوا بعضها ببعض، وتطرق عبثهم إلى المبادئ الخلقية ~~والاجتماعية، فجادلوا في أن هناك حقا وباطلا وخيرا وشرا وعدلا وظلما ~~بالذات، وأذاعوا التشكك في الدين، فسخروا من شعائره واختلقوا على آلهته الأقاويل، ~~ومجدوا القوة والغلبة، وكان الأمر إلى الديموقراطية تتعدد فيها القوانين وتتناسخ ~~فيدخل على النفوس أن القانون والحق ما يريده القوي. ~~(ج) وأما اتجارهم بالعلم فقد كان شائنا حقا؛ كانوا يتنقلون بين المدن يطلبون ~~الشباب الثري ويتقاضونه الأجور الوفيرة، وكان هذا الشباب يهرع إليهم ليتقوى بالعلم ~~فوق ما توفر له من أسباب الغلبة كالمال والعصبية، فيستمع إلى خطبهم العلنية ودروسهم ~~الخاصة، فأصابوا مالا طائلا وجاها عريضا، ولكن اليونان كانوا يستقبحون أن يباع ~~العلم ويشترى، وكانوا يفهمون المدرسة على أن التلاميذ يفدون على المعلم ms046 يقيم في ~~مكان دائم، ولا يبذلون من المال إلا الضروري لحاجات المدرسة، فعكس السوفسطائيون ~~الآية وتنزلوا بالعلم إلى مستوى الحرف والصنائع، فلحقتهم الزراية، لم يأخذوا بالعلم ~~على أنه معرفة الحقيقة، ولم يكترثوا لقيمته الذاتية ولا لفطرة العقل التي تدفعه ~~لطلب الحق، بل استعملوا العلم وسيلة لجر منفعة غريبة عن العلم، وهزءوا من العقل، ~~فكانوا معلمين وخطباء ولم يكونوا حكماء، هذا هو الموقف الشاذ الأثيم الذي جعل اسمهم ~~سبة على مر الأجيال. # وأشهرهم اثنان: بروتاغوراس وغورغياس. ~~(23) بروتاغوراس ~~(أ) ولد في أبديرا وعرف فيلسوفها الكبير ديموقريطس، وبعد أن طاف أنحاء إيطاليا ~~الجنوبية واليونان يلقي فيها الخطب البليغة قدم أثينا حوالي سنة 450 ولم تطل إقامته ~~فيها؛ لأنه كان قد نشر كتابا أسماه «الحقيقة» وردت في رأسه هذه العبارة: «لا ~~أستطيع أن أعلم إن كان الآلهة موجودين أم غير موجودين فإن أمورا كثيرة تحول بيني ~~وبين هذا العلم أخصها غموض المسأله وقصر الحياة.» فاتهم بالإلحاد وحكم عليه ~~بالإعدام وأحرقت كتبه علنا ففر هاربا ومات غرقا في أثناء فراره. ~~(ب) وقد وصلت إلينا من الكتاب المذكور عبارة أخرى هي قوله: «الإنسان مقياس ~~الأشياء جميعا، هو مقياس وجود ما يوجد منها ومقياس لا وجود ما لا يوجد.» وشرحها ~~أفلاطون كما يلي، قال: # 1 # يتبين معناها بالجمع بين رأي هرقليطس في التغير المتصل، وقول ~~ديموقريطس: إن الإحساس هو المصدر الوحيد للمعرفة فيخرج منهما «أن الأشياء هي ~~بالنسبة إلي على ما تبدو لي، وهي بالنسبة إليك على ما تبدو لك، وأنت إنسان وأنا ~~إنسان» فالمقصود بالإنسان هنا الفرد من حيث هو كذلك لا الماهية النوعية، ولما كان ~~الأفراد يختلفون سنا وتكوينا وشعورا، وكانت الأشياء تختلف وتتغير، فإن ~~الإحساسات تتعدد بالضرورة وتتناقض: «أليس يحدث أن هواء بعينه يرتعش منه الواحد ولا ~~يرتعش الآخر، ويكون خفيفا على الواحد عنيفا على الآخر؟ فماذا عسى أن يكون في هذا ~~الوقت الهواء في ذاته؟ هل نقول: إنه بارد أم نقول: إنه ليس باردا؟ أم نسلم أنه ~~بارد عند الذي يرتعش، وأنه ليس ms047 ببارد عند الآخر؟» # 2 ~~«وإذن فلا يوجد شيء هو واحد في ذاته وبذاته، ولا يوجد شيء يمكن أن يسمى ~~أو يوصف بالضبط؛ لأن كل شيء في تحول مستمر» فما نحسه هو موجود على النحو الذي نحسه ~~وما ليس في حسنا فهو غير موجود، وعلى ذلك تبطل الحقيقة المطلقة لتحل محلها ~~حقائق متعددة بتعدد الأشخاص وتعدد حالات الشخص الواحد، ويمتنع الخطأ؛ إذ يمتنع أن ~~نتصور غير ما نتصور في وقت ما، والنتيجة المنطقية أن ما يصدق على المعرفة يصدق ~~أيضا على العمل، وأن الفرد مقياس النفع والضر والخير والشر والعدل والظلم، غير أن ~~هذا لا يعني ترك الأمور فوضى وإنكار الحكمة والحكيم، فإن من التصورات ما بعضه «خير» ~~من بعض، فالطبيب حكيم؛ إذ يستخدم العقاقير لاستبدال تصورات الصحيح بتصورات المريض، ~~والأولى «خير» من الثانية، والسوفسطائي أو تلميذه حكيم؛ إذ يحدث في السياسة مثل هذا ~~الانقلاب، فما يسمى حقا في العمل هو النافع في وقت معين وظروف معينة. # 3 ~~(ج) ويتابع أرسطو أفلاطون في تأويل عبارة بروتاغوراس، # 4 # على أن لأفلاطون محاورة اسمها «بروتاغوراس» أقدم من «تيتياتوس» يصور ~~فيها السوفسطائي حيا يرزق غير شاك لا كثيرا ولا قليلا بينما هو يقول عنه في ~~المحاورة الأخرى: إنه مات من زمن طويل، ويورد «مذهبه» على أنه «رأي خاص» يختلف عما ~~كان يعلنه للجمهور، ومما يلاحظ أيضا أن بروتاغوراس علل توقفه عن القول بالآلهة ~~بصعوبة المسألة من جهة، وبقصر العمر من جهة أخرى، ولم يقل: «الآلهة موجودون ~~بالإضافة إلى من يؤمن بهم وغير موجودين بالإضافة إلى من ينكرهم»، لهذا كله يمكن ~~الارتياب في أن يكون بروتاغوراس قد ذهب إلى هذا الحد من الشك ويبقى أن «مذهبه» يمثل ~~النتيجة المحتومة لمذهب هرقليطس، وأن أفلاطون اتخذ اسم بروتاغوراس عنوانا لها، وكل ~~قصده أن يبرزها في صورة قوية. ~~(24) غورغياس ~~(أ) ولد في لونثيوم من أعمال صقلية، وأخذ العلم عن أنبادوقليس واشتغل بالطبيعيات ~~مثله، وعني باللغة والبيان؛ فكان أفصح أهل زمانه وأبلغهم، قدم أثينا سنة 427 ~~يستنصرها باسم مدينته ms048 على أهل سراقوصة، فخلب ألباب الأثينيين ببلاغته، ويصوره ~~أفلاطون في الحوار المعنون باسمه مفاخرا بمقدرته على الإجابة عن أي سؤال يلقى ~~عليه، مات في تساليا، وقد قاربت سنه المائة أو جاوزتها وعظم صيته وضخمت ~~ثروته. ~~(ب) وضع كتابا «في اللاوجود» قصد به إلى التمثيل لفنه والإعلان عن مقدرته بالرد ~~على الإيليين والتفوق عليهم في الجدل، وتتلخص أقواله في قضايا ثلاث؛ الأولى: لا ~~يوجد شيء. الثانية: إذا كان هناك شيء فالإنسان قاصر عن إدراكه. الثالثة: إذا فرضنا ~~أن إنسانا أدركه فلن يستطيع أن يبلغه لغيره من الناس. أما عن الأولى فيقول: ~~اللاوجود غير موجود من حيث إنه لا وجود، والوجود غير موجود كذلك؛ فإن هذا الوجود ~~إما أن يكون قديما أو حادثا، فإن كان قديما فهذا يعني أنه ليس له مبدأ وأنه لا ~~متناه ولكنه محوي بالضرورة في مكان، فيلزم أن مكانه مغاير له وأعظم منه، وهذا ~~يناقض كونه لا متناهيا وإذن فليس الوجود قديما، أما إن كان حادثا فإما أن يكون ~~قد حدث بفعل شيء موجود أو بفعل شيء غير موجود، ففي الفرض الأول لا يصح أن يقال: إنه ~~حدث؛ لأنه كان موجودا في الشيء الذي أحدثه فهو إذن قديم، وفي الفرض الثاني ~~الامتناع واضح. وأما عن القضية الثانية فإنه يقول: لكي نعرف وجود الأشياء يجب أن ~~يكون بين تصوراتنا وبين الأشياء علاقة ضرورية هي علاقة المعلوم بالعلم؛ أي أن يكون ~~الفكر مطابقا للوجود وأن يوجد الوجود على ما نتصوره، ولكن هذا باطل فكثيرا ما ~~تخدعنا حواسنا وكثيرا ما تركب المخيلة صورا لا حقيقة لها. وأما عن القضية الثالثة ~~فترجع حجته إلى أن وسيلة التفاهم بين الناس هي اللغة، ولكن ألفاظ اللغة إشارات ~~وضعية؛ أي رموز، وليست مماثلة للأشياء المفروض علمها، فكما أن ما هو مدرك بالبصر ~~ليس مدركا بالسمع والعكس بالعكس، فإن ما هو موجود خارجا عنا مغاير للألفاظ، فنحن ~~ننقل للناس ألفاظنا ولا ننقل لهم الأشياء، فاللغة والوجود دائرتان متخارجتان. # 5 ~~(ج) هذا مثال من عبث السوفسطائيين، ومهما ms049 يقل من أنهم أخرجوا الثقافة من ~~المدارس الفلسفية ونشروها في الجمهور وأنهم مهدوا للمنطق وللأخلاق؛ فقد كادوا يقضون ~~على الفلسفة لولا أن أقام الله سقراط ينتشلها من هذه الورطة المهلكة. # الفصل السادس # | سقراط # (25) حياته ~~(أ) نحن نعلم أن سقراط ولد في أثينا وعلم فيها واتهم بالإلحاد وحكم عليه ~~بالإعدام، ونعلم أنه أثار من الإعجاب والعداوة في آن واحد ما لا يتفق إلا للرجال ~~الممتازين، وأن أثره كان من القوة بحيث إن اسمه يشطر الفلسفة اليونانية شطرين: ما ~~قبله، وما بعده، فإذا أردنا أن نصور شخصيته وأن نقيد آراءه - وهو لم يعن ~~بالكتابة قط - اعترضنا تضارب الروايات وتباين المدارس الآخذة عنه، # 1 # وأشهر الروايات ثلاث صادرة عن ثلاثة معاصرين هم: أرسطوفان وأفلاطون ~~وأكسانوفون، أما الأول فشاعر هزلي يقوم فنه على الهزؤ والهجو، فليس من الحكمة أن ~~نعول على كلامه، وسنعود إليه بعد قليل. # وأما أكسانوفون فلم يكن من أخصاء سقراط حكم عليه بالنفي ثلاثين سنة قبل محاكمة ~~سقراط بسنتين ، ولما عاد كان أفلاطون قد نشر مؤلفاته «السقراطية»، # 2 # فشرع هو يكتب «مذكرات سقراط» واضعا الأحاديث متأثرا بناحية خاصة من ~~نواحي الفيلسوف هي هذه البساطة المعروفة عنه، فغلا في تصويرها وأبلغها حد التبذل، ~~فأخرج لنا صورة تافهة لا تفسر ما كان لسقراط من خطر، فلا يبقى سوى أفلاطون نلتمس ~~عنده ترجمة لسقراط وهو تلميذه الأمين لزمه طوال السنين العشر الأخيرة، وعرف ~~التلاميذ القدماء وشهد المحاكمة واختلف إليه في سجنه وحفظ له أجمل الذكرى، ولكن كتب ~~أفلاطون محاورات يتوارى فيها وراء شخص سقراط، يستخدمه لأغراضه وينطقه بأفكاره على ~~ما يفعل مؤلف القصص التمثيلي، فكيف السبيل إلى تبين الحقيقة من الخيال والتمييز بين ~~ما لأفلاطون وما لسقراط من آراء؟ المسألة دقيقة، ونعتقد أن المراجع المأمونة هنا ~~المؤلفات الأولى فهي قريبة العهد بسقراط، وغرضها الرواية والمحاكاة يضاف إليها ~~الصفحات التاريخية في «فيدون» وبعض مواضع من المؤلفات الأخرى، ثم إن لأرسطو نصوصا ~~قليلة، ولكنها صريحة تعين على تصوير المذهب. ~~(ب) اشتد بسقراط الميل للحكمة في سن ms050 مبكرة فأخذ يغذي عقله ويهذب نفسه؛ لأنه فهم ~~الحكمة على أنها كمال العلم لكمال العمل، فمن الناحية العقلية أفاد من مناهج ~~السوفسطائيين ولم يأخذ بشكوكهم ونظر في الطبيعيات والرياضيات، ولم يطل النظر؛ ~~لبعدها عن العمل فضلا عن تناقض الطبيعيين فيما بينهم، واقتنع بأن العلم إنما هو ~~العلم بالنفس لأجل تقويمها، واتخذ شعارا له كلمة قرأها في معبد دلف هي «اعرف نفسك ~~بنفسك.» ومن الناحية الخلقية كان يغالب مزاجه الحاد ويقسو على جسمه القوي؛ ليروضه ~~على طاعة العقل، فلما تم له بعض ما كان يبتغي طلع على الأثينيين يخوض معهم فيما كان ~~يثيره السوفسطائيون من مسائل أدبية وخلقية واجتماعية، والأثينيون يقبلون عليه ~~رغم دمامة خلقته معجبين بحديثه البسيط البليغ معا وبقوة عارضته وشدة مراسه في ~~الجدل، ولم يكن له مدرسة بمعنى الكلمة بل كان يجتمع بالناس أينما اتفق، فيجادل أو ~~يخطب أو يشرح الشعراء، وكانت له مع ذلك حلقة من الإخوان والمريدين منهم الأثيني ~~ومنهم الغريب يختلف إلى أثينا من حين إلى حين؛ ليراه ويستمع إليه، منهم حديث العهد ~~بالفلسفة، ومنهم المعروف بانتمائه لمدرسة أخرى، وكان يؤثر التحدث إلى الشباب يصلح ~~ما أفسد السوفسطائيون من أمرهم ويبصرهم بالحق والخير؛ ليهيئ للبلد مستقبلا طيبا ~~على أيديهم. # وحدث أن سأل أحد مريديه كاهنة دلف الناطقة بوحي أبولون: «هل يوجد رجل أحكم من ~~سقراط؟» فكان الجواب بالسلب، فعجب له سقراط، ولم يكن يرى في نفسه شيئا من الحكمة، ~~وأراد أن يستبين غرض الإله فطفق يمتحن الشعراء والخطباء والفنانين والسياسيين؛ ~~ليتحقق إن كان أحكم منهم ويكشف عن ماهية حكمته، كان يسألهم في حلقات واسعة تضم ~~أشتات الناس فيما حذقوه من فنهم فلا يلبث أن يتبين وأن يبين لهم أنهم لا يعلمون ~~شيئا، وأنهم إنما يصدرون عن مجرد ظن أو عن إلهام إلهي وكلاهما مباين للعلم، # 3 # وخرج من هذا الامتحان الطويل بأن مراد الإله هو أن حكمته قائمة في علمه ~~بجهله، بينا غيره جاهل يدعي العلم، فمضى في مهمته يبذل الحكمة بلا ثمن وهو يعتقد ms051 ~~أنه يحمل في عنقه أمانة سماوية، وأن الله أقامه مؤدبا عموميا مجانيا يرتضي ~~الفقر ويرغب عن متاع الدنيا؛ ليؤدي هذه الرسالة الإلهية، وكان إلى جانب هذا وطنيا ~~صادقا وجنديا باسلا، خدم في الجيش ضمن المشاة واشترك في حربين دامت الأولى من ~~سنة 432 إلى سنة 429، ووقعت الثانية سنة 422 وتوسطتهما موقعة سنة 424، فدل في كل ~~فرصة على رباطة جأش وشجاعة وصبر على مكاره الجندية، ونجى من الموت ألفبيادس في إحدى ~~المعارك وأكسانوفون في أخرى، وأصابته القرعة فدخل مجلس الشيوخ، وكان عضوا في لجنته ~~الدائمة سنة 406 فعرف بالنزاهة واستقلال الرأي بين الديموقراطيين والأرستقراطيين، ~~وكانت له مواقف مشهودة جهر فيها بالحق والعدل مستهدفا للخطر صامدا للهياج، وما أن ~~انقضت مدة انتخابه حتى عاد إلى سابق أمره من البحث والإرشاد إلى أن بلغ السبعين. # 4 ~~(26) فلسفته ~~(أ) انتهج سقراط منهجا جديدا في البحث والفلسفة، أما في البحث فكان له مرحلتان ~~«التهكم والتوليد»: ففي الأولى كان يتصنع الجهل ويتظاهر بتسليم أقوال محدثيه، ثم ~~يلقي الأسئلة ويعرض الشكوك شأن من يطلب العلم والاستفادة بحيث ينتقل من أقوالهم إلى ~~أقوال لازمة منها، ولكنهم لا يسلمونها؛ فيوقعهم في التناقض، ويحملهم على الإقرار ~~بالجهل، وهذا ما يسمى بالتهكم السقراطي أي السؤال مع تصنع الجهل # 5 # أو تجاهل العالم، وغرضه منه تخليص العقول من العلم السوفسطائي - أي ~~الزائف - وإعدادها لقبول الحق، وينتقل إلى المرحلة الثانية فيساعد محدثيه بالأسئلة ~~والاعتراضات مرتبة ترتيبا منطقيا على الوصول إلى الحقيقة التي أقروا أنهم ~~يجهلونها فيصلون إليها وهم لا يشعرون ويحسبون أنهم استكشفوها بأنفسهم، وهذا هو ~~التوليد - أي استخراج الحق من النفس - وكان سقراط يقول في هذا المعنى: إنه يحترف ~~صناعة أمه - وكانت قابلة - إلا أنه يولد نفوس الرجال، # 6 # والأمثلة كثيرة في محاورات أفلاطون. ~~(ب) وأما في الفلسفة فكان يرى أن لكل شيء طبيعة أو ماهية هي حقيقته يكشفها العقل ~~وراء العوارض المحسوسة ويعبر عنها بالحد، وأن غاية العلم إدراك الماهيات أي تكوين ~~معان تامة الحد، فكان يستعين بالاستقراء، ويتدرج من الجزئيات ms052 إلى الماهية المشتركة ~~بينها، ويرد كل جدل إلى الحد والماهية، فيسأل: ما الخير وما الشر، ما العدالة وما ~~الظلم، ما الحكمة وما الجنون، ما الشجاعة وما الجبن، ما التقوى وما الإلحاد؟ وهكذا، ~~فكان يجتهد في حد الألفاظ والمعاني حدا جامعا مانعا، ويصنف الأشياء في أجناس ~~وأنواع؛ ليمتنع الخلط بينها، في حين كان السوفسطائيون يستفيدون من اشتراك الألفاظ، ~~وإبهام المعاني، ويتهربون من الحد الذي يكشف المغالطة، فهو «أول من طلب الحد الكلي ~~طلبا مطردا وتوسل إليه بالاستقراء، وإنما يقوم العلم على هاتين الدعامتين، يكتسب ~~الحد بالاستقراء، ويركب القياس بالحد، فالفضل راجع إليه في هذين الأمرين.» # 7 # ولقد كان لاكتشافه الحد والماهية أكبر الأثر في مصير الفلسفة؛ فقد ميز بصفة ~~نهائية بين موضوع العقل وموضوع الحس، وغير روح العلم تغييرا تاما؛ لأنه إذ جعل ~~الحد شرطا له قضى عليه أن يكون مجموعة ماهيات، ونقله من مقولة الكمية؛ حيث استبقاه ~~الطبيعيون والفيثاغوريون إلى مقولة الكيفية، فهو موجد «فلسفة المعاني» أو الماهيات ~~المتجلية عند أفلاطون وأرسطو والتي ترى في الوجود مجموعة أشياء عقلية ~~ومعقولة. ~~(ج) سبقت الإشارة إلى أنه لم يحفل بالطبيعيات والرياضيات، ولم يكن موقفه بإزاء ~~النظريات العلمية ليختلف كثيرا عن موقف السوفسطائيين، فآثر النظر في الإنسان ~~وانحصرت الفلسفة عنده في دائرة الأخلاق # 8 # باعتبارها أهم ما يهم الإنسان، وهذا معنى قول شيشرون: إن سقراط أنزل ~~الفلسفة من السماء إلى الأرض؛ أي إنه حول النظر من الفلك والعناصر إلى النفس، وتدور ~~الأخلاق على ماهية الإنسان، وكان السوفسطائيون يذهبون إلى أن الطبيعة الإنسانية ~~شهوة وهوى، وأن القوانين وضعها المشرعون لقهر الطبيعة، وأنها متغيرة بتغير العرف ~~والظروف فهي نسبية غير واجبة الاحترام لذاتها، ومن حق الرجل القوي بالعصبية أو ~~بالمال أو بالبأس أو بالدهاء أو بالجدل أن يستخف بها أو ينسخها ويجري مع الطبيعة، ~~فقال سقراط: بل الإنسان روح وعقل يسيطر على الحس ويدبره، والقوانين العادلة صادرة ~~عن العقل ومطابقة للطبيعة الحقة وهي صورة من قوانين غير مكتوبة رسمها الآلهة في ~~قلوب البشر، فمن يحترم ms053 القوانين العادلة يحترم العقل والنظام الإلهي، وقد يحتال ~~البعض في مخالفتها بحيث لا يناله أذى في هذه الدنيا ولكنه مأخوذ بالقصاص العدل لا ~~محالة في الحياة المقبلة، والإنسان يريد الخير دائما ويهرب من الشر بالضرورة، فمن ~~تبين ماهيته وعرف خيره بما هو إنسان أراده حتما، أما الشهواني فرجل جهل نفسه ~~وخيره، ولا يعقل أنه يرتكب الشر عمدا، وعلى ذلك فالفضيلة علو والرذيلة جهل، وهذا ~~قول مشهور عن سقراط يدل على مبلغ إيمانه بالعقل وحبه للخير، وإن كان فيه إسراف فما ~~أجمله من إسراف! ~~(د) ولا شك أن سقراط كان متأثرا بالأرفية المندمجة في الفيثاغورية، وأن ما بسطه ~~أفلاطون في محاورته «أوطيفرون» من رأي في الدين يرجع لمعلمه، ونحن نقرأ فيها أن ~~سقراط يأبى أن يصدق ما يروى عن شهوات الآلهة وخصوماتهم وإلا انهار الدين من أساسه، ~~ولم نعد نعلم أي الأعمال يروق في أعين الآلهة وأيها لا يروق، ولا إن كان العمل ~~الحسن عند أحدهم لا يعد مرذولا عند غيره، ويحد الدين بأنه تكريم الضمير النقي ~~للعدالة الإلهية لا تقديم القرابين وتلاوة الصلوات مع تلطخ النفس بالإثم، كذلك كان ~~يعتقد أن الآلهة يرعوننا وأنهم عينوا لكل منا مهمة في هذه الدنيا، وكان يؤمن ~~بالخلود ويعتقد أن النفس متمايزة من البدن فلا تفسد بفساده بل تخلص بالموت من سجنها ~~وتعود إلى صفاء طبيعتها، وليس يهمنا كثيرا أن نقف على شروحه وأدلته؛ فقد اصطنعها ~~أفلاطون بلا ريب وزاد عليها، وليس من غضاضة على سقراط أن يفنى مجهوده في مجهود ~~أفلاطون، فحسبه أنه باعث الفلسفة وموجهها وجهتها الروحية وشهيدها الأمين. ~~(27) محاكمته ومماته ~~(أ) إذا كان منهجه قد حشد حوله جماهير الأثينيين وأفاده شهرة واسعة؛ فقد جلب عليه ~~سخط هؤلاء الشعراء والخطباء والسياسيين الذين كانوا يقعون فريسة بين يديه يعبث بهم ~~في الجدل، ويظهر الناس على فراغ رءوسهم وبطلان دعاواهم، وأقدم طعن وجه إليه فيما ~~نعلم رواية «السحب» لأرسطوفان يصوره فيها ذائع الصيت عظيم النفوذ - وكان سقراط ~~حينذاك في السابعة والأربعين - صاحب مدرسة يعيش ms054 فيها التلاميذ عيشة مشتركة في فقر ~~وقذارة، ويدرسون عليه الهندسة والطبيعة والفلك والآثار العلوية والجفرافيا وأعماق ~~الأرض والكائنات الحية والبيان والنحو والعروض، ويمثله مرفوعا في الفضاء يرصد ~~السماء ويعزو إليه القول: إن الهواء مبدأ الأشياء ومبدأ الفكر، ويتهمه بالكفر بآلهة ~~المدينة وبتعليم التلاميذ تغليب الباطل على الحق، ويعلن أن القصاص العادل إحراق ~~المدرسة وقتل صاحبها والتلاميذ جميعا، فأرسطوفان جمع في شخص سقراط خصائص الطبيعيين ~~والسوفسطائيين، وقد يكون خدع في ذلك لما أراد أن يهجو الجماعة المتفلسفة المبتدعة؛ ~~لما كان من مشابهة ظاهرة بين أسلوب سقراط وأسلوب السوفسطائيين يجادل مثلهم ويخوض ~~مسائلهم، بحيث لم يكن من الميسور تمييزه منهم إلا للمقربين إليه الواقفين على ~~آرائه، فاختاره بطلا لروايته؛ لشهرته عند الأثينيين وغرابة هيئته، ورآه أدعى ~~المتفلسفين لتكوين شخص رواية هزلية وإسقاط الجماعة الذين يمثلهم، وقد يكون سقراط ~~امتحنه فيمن امتحن وأفحمه أمام الجمهور، فأراد هو أن ينتقم لنفسه ولزملائه، وأن ~~يوقع بهذا الخصم العنيد، ومهما يكن من الباعث له فإن روايته لم تصادف إقبالا ولم ~~تلحق أي أذى بسقراط . ~~(ب) وبعد ذلك بثلاث وعشرين سنة (399) أخذ ثلاثة على أنفسهم أن يبعثوا اتهامه وأن ~~يؤيدوه أمام القضاء، فتقدموا بعريضة يدعون فيها «أنه ينكر آلهة المدينة ويقول ~~بغيرهم ويفسد الشباب» ويطلبون الإعدام عقابا له، هؤلاء الثلاثة هم: أنيتوس أحد ~~رءوس الصناعة وزعماء الديمقراطية، وملاتوس شاعر شاب خامل، وليقون خطيب لا بأس به، ~~أقام الدعوى ملاتوس وانضم إليه ووقع على عريضته الاثنان الآخران، ولكن المحرك ~~الأصلي أنيتوس، أغرى صاحبيه بالمال واستغل حفيظتهما فإنه كان أقدر منهما على ~~التأثير في سير الدعوى، فأسباب الاتهام شخصية وسياسية؛ لأن سقراط علاوة على تسفيه ~~الشعراء والخطباء كثيرا ما كان يحمل على النظام الديمقراطي، وينتقد ما يقوم عليه ~~من مساواة مسرفة وقوة العدد وانتخاب بالقرعة، أما أركانه فهي أولا: إنكار آلهة ~~أثينا، وكان أكبر الكبائر عند الأثينيين؛ لأن كل مدينة كانت تعتبر آلهتها جزءا لا ~~يتجزأ من تقاليدها المقدسة، وترجع إليهم الفضل في نشوئها وحمايتها وترقيها، فالكفر ~~بهم نكران ms055 للجميل واستنزال لغضبهم على المدينة وأهلها، ولكن سقراط كان يعتقد ~~بالآلهة وعنايتهم، وكان يشترك في الشعائر الدينية فيلوح أن متهميه كانوا يتخذون حجة ~~أنه فيلسوف، وقديما كان الفلاسفة متهمين في عقيدتهم، ثم إنهم كانوا يرمون إلى أن ~~يستدرجوه لشرح رأيه في الآلهة فيثيروا العامة عليه. والركن الثاني من أركان الاتهام ~~قوله بآلهة جدد، ويظهر أن المقصود به ذلك الصوت الذي كان سقراط يقول: إنه يسمعه في ~~نفسه ينهاه عما اعتزمه من أفعال ضارة به وهو لا يدري، وكان يسميه بالروح الإلهي ولا ~~ينسبه لإله معين. والركن الثالث إفساد الشباب؛ يقيمونه على أن سقراط يحدث تلاميذه ~~ومستمعيه بآرائه في الآلهة، فينفرهم من الديانة الموروثة ويحضهم على التفكير الشخصي ~~دون استناد إلى النقل والتقليد، فيضعف من طاعتهم لوالديهم ومن إخلاصهم ~~للدولة. ~~(ج) أما المحكمة فكانت مؤلفة من محلفين اختيروا بالقرعة فيمن كانت سنهم تزيد على ~~الثلاثين، ويظن أن عددهم كان خمسمائة واثنين فكانت المحكمة إذن جمعا حاشدا من ~~النوتية والتجار، يتأثرون بالنزعات الشعبية، والتيارات الفجائية، ولا يصلحون بحال ~~للنظر فيما ندبوا له، ودافع سقراط عن نفسه ولا نعلم ماذا قال، ولكنا إذا رجعنا إلى ~~الدفاع الذي كتبه أفلاطون وأجرى فيه الكلام على لسان أستاذه ألفيناه يبدأ بالاعتذار ~~من الكلام بلا تحضير ولا تنميق، ثم يذكر خصومه المتقدمين والمتأخرين فيرد أولا على ~~الشعراء الهزليين وبالأخص على أرسطوفان فينكر أنه اشتغل بالعلوم الطبيعية وأنه عرض ~~للآلهة بسوء، ويعلل التحامل عليه بامتحانه المشهور، ويلتمس عذرا لهذا الامتحان ~~رغبته في التحقق من مراد أبولون، وينتقل إلى ملاتوس فيهزأ منه ويلقي عليه الأسئلة ~~ويربكه، ولكنه لا يبسط معتقده الديني ولا يدحض التهمة دحضا قاطعا، وربما كان ~~السبب في هذا التهرب إشفاقه على مثل هذه المسائل أن تثار أمام مثل هذه المحكمة، ~~وتحاشيه إهاجة الجمهور على غير طائل، ويعود إلى رسالته ويقول: إن إرادة إلهية أوحت ~~إليه أن يعظ مواطنيه ويحثهم على الصلاح وبعثته فيهم مهمازا يحفزهم فهو نورهم ~~وهدايتهم والمحسن إليهم بتعاليمه ونصائحه يبذلها لهم؛ ليؤدي واجبا، ms056 ولا يبغي عرضا ~~من أعراض الدنيا، ويعلن إليهم أنه إذا صرف بريء الساحة فلن يغير من سيرته شيئا، ~~وكيف يغير وهو لا يخشى الموت، بل يؤثره على الحياة مع خيانة الواجب، وأخيرا يفوض ~~لهم الأمر بعد أن يذكر أنه يأبى أن يستعطفهم وأن يتنزل إلى ما يتنزل إليه غيره من ~~ضروب الاسترحام المألوفة في المحاكم الشعبية كالبكاء والاستبكاء في حضرة الآباء ~~والأبناء. # ولم يكن هذا الشمم وهذا التحدي ليعجبا القضاة، ويقترع هؤلاء وتعلن النتيجة فإذا ~~بالغالبية على أن سقراط مذنب، وكان القانون يخول المتهم حق مناقشة العقوبة المطلوبة ~~وتعيين العقوبة التي يرتضيها، فيستأنف سقراط الكلام ويصرح أنه لا يدهش للقرار، بل ~~يدهش؛ لأنه صدر بغالبية ضئيلة؛ إذ كان يكفي أن ينحاز ثلاثون صوتا منها للأقلية حتى ~~تتساويا - فكأن الغالبية كانت 281 والأقلية 221 على تقدير أن عدد القضاة كان كما ~~ذكرنا - ويرفض كل عقوبة؛ لأن الرضا بواحدة أيا كانت إقرار بالذنب وهو بريء محسن ~~يجب أن يثاب على إحسانه، والثواب اللائق به أن يعيش في مجلس الشيوخ على نفقة ~~الدولة ، غير أن تلاميذه يلحون عليه فينتهي بأن يقبل تأدية غرامة، ويتقدم أفلاطون ~~وبعض الأصدقاء بكفالته، ولكن القضاة كانوا قد غضبوا عليه فيقترعون فتحكم عليه ~~بالإعدام أغلبية أعظم، فيعاود الكلام ويقول: إنه لا يأسف على شيء؛ لأنه لم يفعل ولم ~~يقل إلا ما بدا له أنه حق، ويختم بكلمة طيبة إلى الذين اقترعوا في جانبه مؤكدا لهم ~~أنه مغتبط بالموت، وأنه لا يعتبر الموت شرا بل يرى فيه الخير كل الخير، سواء ~~افترضناه سباتا أبديا، أم بعثا لحياة جديدة. # 9 ~~(د) وكانت أثينا ترسل كل سنة حجيجا إلى معبد أبولون في جزيرة ديلوس، فاتفق أن ~~كلل مؤخر المركب في اليوم السابق على صدور الحكم، وكان قانونا مرعيا أن لا تدنس ~~المدينة بإعدام طوال زمن الحج، وقد استغرق تلك السنة ثلاثين يوما، فانتظر سقراط في ~~سجنه أوبة المركب، وكان تلاميذه يختلفون إليه كل يوم يتلاقون عند الفجر في المحكمة، ~~فإذا ما فتح ms057 باب السجن دخلوا، وكثيرا ما كانوا يقضون معه النهار بأكمله، وكان هو ~~ينظم في أوقات الفراغ: فنظم أمثال إيسوب، ونشيدا لأبولون؛ ولم يكن قد نظم الشعر ~~قبل ذلك، وإنما نظم امتثالا لصوت طالما سمعه في المنام، # 10 # وائتمر تلاميذه فهيئوا له أسباب الفرار، ووفروا له وسائل العيش في ~~تساليا، وكان الفرار مستطاعا، وكان العرف يعذر الفار في مثل هذه الحال، ولكنه أبى ~~أن يهرب كالعبيد، وأن يخرج على قوانين بلاده، والقوانين سياج الدولة، في ظلها ينشأ ~~الأفراد ويحيون؛ فإن كان الأثينيون قد ظلموه فبأي حق يستهين هو بالقوانين ويظلمها؟ ~~ثم كيف يهرب وهو لم يغادر أثينا قط إلا للحرب دونها؟ وهو أينما يذهب سيثابر على ~~خطته من الوعظ والتأنيب وإلا ضاع لديه كل معنى للحياة وأغضب الإله، فهل يكون ~~الأجانب أوسع صدرا من مواطنيه؟ # 11 ~~(ه) ولما عادت المركب وحل الجل بكر التلاميذ ما خلا أفلاطون فقد كان مريضا، وجاء ~~بعض الفيثاغوريين فأدخلوا عليه فوجدوا زوجته جالسة بجانبه تحمل ابنهما الصغير، فلما ~~وقع نظرها عليهم أخذت تنتحب وتندب فأمر أن تصرف إلى المنزل ، فأخذها بعض الخدم وهي ~~تصيح وتضرب صدرها، # 12 # وجلس إليه مريدوه، وكان هو سعيدا، وكان شيء من هذه السعادة ينتقل إلى ~~نفوسهم فيتحدثون معه على عادتهم ويضحكون ثم يفكرون في موته فيبكون ثم يستأنفون ~~الحديث وهكذا، # 13 # وكان معظم حديثهم في خلود النفس حتى إذا ما تقدم النهار قام فاستحم ~~ليكفي النساء مئونة إحمام جثة هامدة؛ فلما رجع أدخل عليه قريباته ومعهن أولاده ~~الثلاثة فكلمهم ثم صرفهم، ولما آذنت الشمس بالمغيب دخل السجان وأبلغه دنو الساعة ~~وأثنى على خلقه وبكى - وكان الغروب ميعاد الإعدام عندهم - فأمر سقراط بالسم فأحضر ~~له مسحوقا في كاس فتناولها بثبات ودعا الآلهة أن يوفقوه في هذا الرحيل من العالم ~~الفاني إلى العالم الباقي، وشرب الكأس حتى النهاية دون تردد ولا اشمئزاز، وأجهش ~~التلاميذ بالبكاء فانتهرهم وأخذ يتمشى حتى إذا ما أحس بثقل رجليه استلقى على ظهره ~~كما أوصاه صاحب السم، وأخذت البرودة ms058 تغشى جسمه من أسفل إلى أعلى فيفقد الإحساس ~~شيئا فشيئا حتى بلغت القلب فاعترته رجفة فأطبق أقريطون فمه وعينيه. # 14 ~~••• ~~(و) «ولما ضرب الراعي تشتتت الخراف»، ونقصد بهذه الخراف على الخصوص النابهين من ~~تلاميذه؛ فشخص إقليدس إلى ميغاري وأنشأ المدرسة الميغارية، ولحق به أفلاطون وقضى ~~معه زمنا غير يسير، ورحل أرستبوس إلى صقلية ثم عاد إلى وطنه قورينا # 15 # وأنشأ المدرسة القورينائية، وأسس أنتستان في أثينا المدرسة الكلبية، ~~وكان لهذه المدارس شأن، ولكنا نرجئ الكلام عليها إلى الدور الثالث؛ لأنها متصلة به، ~~شبيهة بمدارسه. # الباب الثاني # | أفلاطون # الفصل الأول # | حياته ومصنفاته # (28) حياته ~~(أ) ولد أفلاطون في أثينا أو في أجينا - أهم مدن الجزيرة المسماة بهذا الاسم - ~~سنة 427ق.م في أسرة عريقة الحسب كان لبعض أفرادها المقام الأول في الحزب ~~الأرستقراطي وشأن كبير في السياسة الأثينية، تثقف كأحسن ما يتثقف أبناء طبقته، وقرأ ~~شعراء اليونان وعلى الخصوص هوميروس، ونظم الشعر التمثيلي وأقبل بعد ذلك على العلوم، ~~وأظهر ميله خاصا للرياضيات، ثم تتلمذ لأقراطيلوس أحد أتباع هرقليطس واطلع على كتب ~~الفلاسفة، وكانت متداولة في الأوساط العلمية، وفي سن العشرين تعرف إلى سقراط، ذهب ~~به إليه شقيقاه الأكبران أديمنت وأغلوقون - وهما محدثا سقراط في «الجمهورية» - وبعض ~~أقربائه، وكان هؤلاء يختلفون إلى سقراط وإلى السوفسطائيين ورائدهم الاستطلاع واللهو ~~بالجدل، ولكن أفلاطون أعجب بفضل سقراط فلزمه، وما كاد يبلغ الثالثة والعشرين حتى ~~أراد نفر من أهله وأصدقائه - وقد اغتصبوا الحكم بمساعدة اسبرطة - أن يقلدوه أعمالا ~~تناسبه فآثر الانتظار، وطغى الأرستقراطيون وبغوا وأمعنوا في خصومهم نفيا وتقتيلا ~~وصادروا ممتلكاتهم، ثم انقسموا على أنفسهم فملئوا المدينة فسادا وملئوا قلبه ~~غما، ولما هزمهم الشعب وقامت الديمقراطية أنصفت بعض الشيء فأحس رغبة في السياسة ~~يبغي المعاونة على تأييد العدالة وتوفير السعادة، ولكن الديموقراطية أعدمت سقراط، ~~فيئس أفلاطون من السياسة وأيقن أن الحكومة العادلة لا ترتجل ارتجالا، وإنما يجب ~~التمهيد لها بالتربية والتعليم، # 1 # فقضى حياته يفكر في السياسة ويمهد لها بالفلسفة، ولم تكن له قط مشاركة ~~عملية فيها. ~~(ب) ms059 وداخله من الحزن والسخط لممات معلمه ما دفعه إلى مغادرة أثينا، فقصد إلى ~~ميغاري حيث كان بعض إخوانه قد سبقوه والتفوا حول إقليدس أكبرهم سنا، مكث هناك نحو ~~ثلاث سنين ثم سافر إلى مصر - وهو يذكرها في غير ما موضع من كتبه ولا سيما ~~«الجمهورية» و«القوانين» ذكر من عرفها معرفة شخصية - وانتهز الفرصة فذهب إلى ~~قورينا لزيارة عالمها الرياضي تيودوروس ومدرسته، وعاد إلى مصر فقضى زمنا في عين ~~شمس واتصل بمدرستها الكهنوتية، وأخذ بنصيب من علم الفلك، ولا بد أن يكون قد استفاد ~~أيضا بملاحظة الديانة والحكم والأخلاق والتقاليد فإن في مؤلفاته الشواهد العديدة ~~على ذلك، ونشبت بين اسبرطة وأثينا الحرب المعروفة بحرب قورنتية سنة 395 وحالف ~~نفريتس ملك مصر السفلى اسبرطة، فاضطر أفلاطون لمغادرة مصر، وأقام في بلده طول الحرب ~~أي إلى سنة 388 متوفرا على الدرس ناشرا من المحاورات ما أثار إعجاب الأثينيين، ~~ولما انتهت الحرب رحل إلى جنوبي إيطاليا يقصد في الأرجح إلى الوقوف على المذهب ~~الفيثاغوري في منبته؛ وكان قد شغف به، فنزل ترنتا وزار رئيس جمهوريتها القائد ~~أرخيتاس، وكان فيثاغوريا مذكورا وتوثقت بينهما روابط الصداقة، وفيما هو هناك سمع ~~بذكره دنيسوس ملك سراقوصة، وكان مثقفا ينظم القصائد والقصص التمثيلية فاستقدمه ~~إليه، فعبر أفلاطون البحر إلى صقلية ودخل سراقوصة، فقابله الملك بالحفاوة ولكنه لم ~~يلبث أن غضب عليه، فإن أفلاطون استمال ديون صهر الملك، ولم يكن هذا يطمئن إليه؛ بل ~~لم يكن يطمئن إلى أحد، وقد يكون الفيلسوف أفصح عن بعض آرائه الإصلاحية، وأنكر ~~الفساد المتفشي في البلاط فأمر به الملك فاعتقل ووضع في سفينة اسبرطية أقلع ربانها ~~إلى جزيرة أجينا، وكانت حينذاك حليفة لاسبرطة ضد أثينا، فعرض في سوق الرقيق فافتداه ~~رجل من قورينا كان قد عرفه في تلك المدينة. ~~(ج) ورجع إلى أثينا وأنشأ سنة 387 مدرسة على أبواب المدينة في أبنية تطل على ~~بستان أكاديموس فسميت لذلك بالأكاديمية، أنشأها جمعية دينية علمية وكرسها لآلهات ~~الشعر وأقام فيها معبدا، ونزل لها عن الأبنية ومحتوياتها، ms060 وظل يعلم فيها ويكتب ~~أربعين سنة ما خلا فترتين قصيرتين سافر فيهما إلى سراقوصة الواحدة سنة 367 والأخرى ~~سنة 361 كان حظه فيهما مع دنيسوس الثاني مثل حظه مع أبيه المتوفى، ولم تصلنا أخبار ~~مفصلة عن الأكاديمية، ولكنا نعلم أن مستمعيه كانوا خليطا من الأثينيين، ويونان ~~الجزر، وتراقية وآسيا الصغرى، بينهم بضع نساء، ونستطيع أن نقول إن الحركة العلمية ~~كانت شديدة، وأن دروس المعلم كان يتخللها ويعقبها مناقشات في جلسات متوالية تتعارض ~~فيها الآراء وتتمحص على النحو الذي نشاهده في المحاورات المكتوبة، وكان التعليم ~~يتناول جميع فروع المعرفة، وكان إلى جانب أفلاطون وتحت رياسته عدد من العلماء كل ~~منهم مختص بمادة، يشرحون الرياضيات والفلك والموسيقى والبيان والجدل والأخلاق ~~والسياسة والجغرافيا والتاريخ والطب والتنجيم، فكانت المدرسة جامعة وعت تراث ~~اليونان العقلي من هوميروس إلى سقراط، وتوفي أفلاطون وقد بلغ الثمانين في أثناء حرب ~~فيلبوس المقدوني على أثينا، فلم يشهد ما أصاب وطنه من انحطاط لم تقم له من بعده ~~قائمة. ~~(29) مصنفاته ~~(أ) لم يحدث لكتب أفلاطون مثل ما حدث لكتب الفلاسفة القدماء وأقرانه تلاميذ ~~سقراط؛ فإن كتبه حفظت لنا كلها، بل وصل إلينا كتب عدة نسبت له من عهد بعيد مع شيء ~~من الشك، فقطع النقد الحديث بأنها منحولة وضعها بعض أصحابه أو بعض مقلديه، وليست ~~كتبه مؤرخة ولا موضوعة وضعا تعليميا، ولكنها محاورات كما قلنا كان يقيد فيها ~~آراءه كلما عرضت، فرتبها الأقدمون على حسب شكل الحوار أو موضوعه، فقاربوا بين ما ~~كتب في أزمان مختلفة، وباعدوا بين ما وضع في دور واحد: نسبوا له ستة وثلاثين ~~تأليفا، منها محاورات ومنها رسائل قسموها إلى تسعة أقسام سميت رابوعات؛ لاحتواء كل ~~قسم على أربعة مصنفات، أما المحدثون فقد آثروا أن يرتبوها بحسب صدورها ليمكن تتبع ~~فكر الفيلسوف في تطوره، فاستعملوا طرائق «النقد الباطن» وأمعنوا النظر في خصائص كل ~~مؤلف من حيث اللغة مفرداتها وتراكيبها، ومن حيث الأسلوب الأدبي والفلسفي فقسموها ~~إلى طوائف ثلاث تبعا لتقاربها في هذه الخصائص، ثم عينوا مكانها ms061 بعضها من بعض ~~بالقياس إلى أسلوب «القوانين» # 2 # لما هو معلوم من أن هذا الكتاب آخر ما كتب أفلاطون، فوضعوا في دور ~~الشيخوخة المحاورات التي تشابهه، وفي دور الشباب المحاورات المعدومة فيها هذه ~~المشابهة، وفي دور الكهولة المحاورات التي تلتقي فيها خصائص الطائفتين، فكان لهم ~~ترتيب راجح فقط؛ ولا يزال التقديم والتأخير موضع أخذ ورد. ~~(ب) أما مصنفات الشباب فتسمى بالسقراطية؛ لأن منها ما هو دفاع عن سقراط واحتجاج ~~على إعدامه وبيان لآرائه، ومنها ما هو مثال للمنهج السقراطي؛ فمن الناحية الأولى ~~نجد «احتجاج سقراط» أو دفاعه أمام المحكمة، و«أقريطون» يذكر فيها ما عرضه هذا ~~التلميذ من الفرار وما كان من جواب سقراط، ثم «أوطيفرون» يصف فيها موقف سقراط من ~~الدين بإزاء هذا المتنبي المشهور الممثل لرأي الجمهور، ومن الناحية الثانية نجد ~~«هيبياس الأصغر» وهي بحث في علاقة العلم بالعمل، وفي هل الذي يأتي الشر عمدا أحسن ~~أو أردأ من الذي يأتيه عن غير عمد؟ و«ألفبيادس» وفيها فكرتان أساسيتان: إحداهما أن ~~ما هو عدل فهو نافع، فلا تناف بين العدالة والمنفعة، والأخرى أن معرفة الذات ليست ~~معرفة الجسم بل معرفة النفس ، والنفس الإنسانية فيها جزء إلهي هو العقل، و«هيبياس ~~الأكبر» في الجمال؛ ما هو؟ ونظن أن الأكبر والأصغر يدلان على الأطول والأقصر، ~~و«خرميدس» في الفضيلة ولها ثلاثة حدود؛ الأول: أنها الاعتدال في العمل، والثاني: ~~أنها عمل ما هو خاص بالإنسان بما هو إنسان، والثالث أنها علم الخير والشر، و«لاخيس» ~~في تعريف الشجاعة، و«ليسيز» في الصداقة، و«بروثاغوراس» في السوفسطائي؛ ما هو؟ وما ~~الفائدة من تعليمه، وهل يمكن تعليم السياسة والفضيلة، وهل الفضيلة واحدة أم كثرة، ~~وفي أن من يعلم الخير والشر يعلم عواقبهما فلا يفعل الشر؛ إذ ما من أحد يريد الشر ~~لنفسه، و«إيون» في الشعر وشرح الإلياذة، و«غورغياس» في نقد بيان السوفسطائيين، وفي ~~أن الفن خطر من حيث إنه يقدم الحجج للشهوة دون البحث في الخير والشر وفي أصول ~~الأخلاق، والمقالة الأولى من «الجمهورية» في العدالة؛ هل هي وضعية أم ms062 طبيعية؟ ويصح ~~أن يترجم عنوان الكتاب - «بوليتيا» - بالدستور، ولكن شيشرون قال: # Res Publica # فشاع هذا اللفظ من بعده، وقال ~~الإسلاميون: الجمهورية، وقالوا: السياسة المدنية، فلا ينبغي أن يؤخذ اللفظ الأول ~~على مفهومه عندنا الآن، وكل هذه الكتب يدور الحوار فيها حول الفضيلة بالإجمال أو ~~حول فضيلة على الخصوص، وهي نقدية تذكر آراء السوفسطائيين وتعارضها، واستقرائية ~~تستعرض عددا من الجزئيات لتستخلص منها معنى كليا، وكثير منها لا ينتهي إلى نتيجة ~~حاسمة بل ينتهي بعضها إلى الشك وينتهي البعض الآخر إلى حل قلق مؤقت؛ فهي بكل هذه ~~الصفات قريبة من عهد سقراط. ~~(ج) وأما محاورات الكهولة فقد كتبها بعد أوبته من سفرته الأولى إلى إيطاليا ~~الجنوبية وإنشائه الأكاديمية؛ فإن الأفكار الفيثاغورية بادية فيها، وهي تنقسم إلى ~~طائفتين: تشمل الطائفة الأولى: «منكسينوس» يعين فيها موقفه من البيانيين ويبسط رأيه ~~في البيان بعد أن نقد في «غورغياس» رأي السوفسطائيين فيه، و«مينون» يحاول فيها أن ~~يحد الفضيلة فيعرض نظريته المشهورة أن العلم ذكر معارف مكتسبة في حياة سماوية سابقة ~~على الحياة الأرضية، و«أوتيديموس» يحمل فيها على السوفسطائية ويبين أنه يمتنع تعليم ~~الفضيلة من غير معرفة برهانية، و«أقراطيلوس» يفحص فيها عن أصل اللغة هل نشأت من محض ~~الاصطلاح أم من محاكاة الأشياء وأفعالها، وفي «المأدبة» - أوسمبوسيون - يدرس الحب ~~ويشرح مذهبه في الحب الفلسفي، وفي «فيدون» يصور المثل الأعلى للفيلسوف، ويدلل على ~~خلود النفس، ويقص موت سقراط، وتشمل الطائفة الثانية الباقي من «الجمهورية» - تسع ~~مقالات - يراجع فيها الآراء المكتسبة ويتعمق ويرسم المدينة المثلى، والراجح أن هذه ~~المقالات كتبت في أوقات متباعدة على بضع سنين؛ لطولها وأهميتها، و«فيدروس» يعود ~~فيها إلى موضوع المأدبة وغورغياس وفيدون والجمهورية يمحص آراءه ويهذبها ويشبه أن ~~تكون هذه المحاورة إعلانا عن الأكاديمية وبرنامجا لها، و«بارمنيدس» يراجع فيها ~~نظريته في «المثل» ثم ينقد المذهب الإيلي نقدا طويلا دقيقا، و«تيتياتوس» يحد ~~فيها العلم ويعلل الخطأ ويشرح الحكم في حالتي الصدق والكذب، وهو في هذه الفترة مهتم ~~اهتماما خاصا بمسائل المنطق والميتافيزيقا، ومصنفاته جافة بالقياس إلى ms063 التي ~~سبقتها. ~~(د) وتمتاز محاورات الشيخوخة كذلك بالجفاف والجدل الدقيق، ففي «السوفسطائي» - ~~سوفسطس - يحاول أن يجد حدا لهذا المخلوق العجيب، ثم يتكلم في الفن وتقسيمه، وفي ~~تصنيف المعاني إلى أنواع وأجناس، ويعود إلى مسألة الخطأ والحكم، ويحلل معنى الوجود ~~واللاوجود، وفي «السياسي» - بوليطيقوس - يسأل ما هو ويعود إلى «الجمهورية» مع شيء ~~من الاعتدال ومراعاة الأحوال، وفي «فيلابوس» ينظر في منهج البحث العلمي وفي الفن ~~وشرائطه، وفي اللذة والأخلاق، وفي «ثيماوس» يصور تكوين العالم فيذكر الصانع ~~والطبيعة إجمالا وتفصيلا، وفي «أقريتياس» يقصد إلى أن يصور المثل الأعلى للجماعات ~~البشرية بوصف ما كانت عليه أثينا في زمن متقدم جدا، ولكنه يترك الحوار ناقصا، ~~إما لأن المنية عاجلته قبل أن يتمه، وإما لأنه تحول عنه إلى تأليف «القوانين» فلم ~~يتيسر له الرجوع إليه، وفي «القوانين» تشريع ديني ومدني وجنائي في اثنتي عشرة ~~مقالة، وهذا المؤلف هو الوحيد الذي خلا من شخص سقراط، وقد جمعت له ما عدا ذلك رسائل ~~خاصة، أما كتاب «التقسيمات» الذي يذكره أرسطو فلم يصل إلينا، والراجح أنه كان ~~فهرسا مدرسيا، وأما حوارا «الفيلسوف» و«هرموقراطس» فالراجح كذلك أن أفلاطون لم ~~يكتبهما بعد أن أعلن عنهما. ~~(30) أسلوبه ~~(أ) المحاورة الأفلاطونية نوع خاص من أنواع الكتابة نجد فيها فنونا ثلاثة مؤلفة ~~بمقادير متفاوتة هي الدراما والمناقشة والشرح المرسل، أما إنها دراما فإن أفلاطون ~~يعين فيها الزمان والمكان وسائر الظروف، ويعرض فيها أصنافا من الأشخاص يصورهم ~~أدق تصوير، ويدمجهم في حوادث تستحث اهتمام القارئ، وتستبقي انتباهه إلى النهاية، ~~ولا تخلو محاورة مهما كانت الدراما فيها ضعيفة من النكتة والهجو، وأهم الأشخاص ~~سقراط يظهر في جميع أدوار حياته، ويظهر حوله بحسب المناسبات السوفسطائيون والفلاسفة ~~والشعراء والشبان الموسرون والسياسيون مما يجعل كتب أفلاطون مرآة لعصره تعكسه في ~~جميع جهاته، وأما المناقشة فهي نسيج المحاورة، هي بحث في مسألة ومحاولة لحلها ~~بتمحيص ما يقال فيها، يسأل سقراط محدثيه رأيهم فيناقشه، فيتحولون إلى غيره فيناقشه ~~أيضا، وهكذا، وقد ينتهي الحديث إلى نتيجة وقد لا ينتهي، ولكنه على ms064 كل حال طلب ~~للحقيقة بخلاف الجدل عند السوفسطائيين؛ فإنه معارضة قولين لأجل المعارضة، ومناظرة ~~خصمين كل منهما مصمم على موقفه. والشرح المتصل على نوعين في مؤلفات الدور الأول ~~والثاني: هما الخطاب والقصة؛ الخطاب يؤيد قضية، ويصدر في الغالب عن محدثي سقراط ~~يقلد به أفلاطون طريقة المتكلم ويغلو في التقليد؛ ليهزأ منه، والمتكلم سوفسطائي أو ~~شاعر أو خطيب، غير أن أفلاطون استعمل الخطاب للتعبير عن فكره في محاورات الكهولة ~~والشيخوخة مثل فيدون والجمهورية والقوانين، وكانت القصة في البدء حلية يزين بها ~~أفلاطون كلام السوفسطائي أو الخطيب، ولكنها وردت بعد ذلك ومنذ الدور الأول على لسان ~~سقراط يسردها، لا مندمجة في خطاب؛ بل مستقلة بعد انتهاء المناقشة، ونحن نعلم أن ~~القصة أول أسلوب اتخذه العلم عند قدماء الشعراء واللاهوتيين، فاصطنعها أفلاطون؛ ~~ليصور بالرموز ما لا ينال بالبرهان، وليمثل الغيبيات على وجه الاحتمال، فهو تارة ~~يروي تاريخ النفس قبل اتصالها بالبدن أو بعد مفارقته، ويصف عالم الأرواح، ويرسم ~~خريطته على طريقة هوميروس في الأوذيسيه، وطورا يصور ما كانت عليه الإنسانية الأولى ~~من حياة سعيدة قبل ظهور المجتمع السياسي، ومرة يقص تاريخ الأرض ويذكر أتلنتيد ~~وأهلها، وأخرى يسرد كيفية تكوين العالم إلى غير ذلك. # 3 ~~(ب) أما أسلوبه في الفلسفة فهو التوفيق والتنسيق: لم ير في تعارض المذاهب سببا ~~للشك مثل السوفسطائيين، وإنما وجد أنها حقائق جزئية، وأن الحقيقة الكاملة تقوم ~~بالجمع بينها وتنسيقها في كل مؤتلف الأجزاء، وطريقة التوفيق حصر كل وجهة في دائرة، ~~وإخضاع المحسوس للمعقول، والحادث للضروري، فنحن نجد عنده تغير هرقليطس، ووجود ~~بارمنيدس، ورياضيات الفيثاغوريين وعقيدتهم في النفس، وجواهر ديموقريطس، وعناصر ~~أنبادوقليس، وعقل أنكساغورس فضلا عن مذهب سقراط، وسندل على هذه الظاهرة كلما ~~صادفناها، وثمة ظاهرة أخرى هي محاولته تحويل المعتقدات الأرفية آراء فلسفية؛ أي ~~وضعها في صيغة عقلية ودعمها بالدليل، فهو لم يزدر شيئا من تراث الماضي، وأراد أن ~~ينتفع بكل شيء، ثم طبع هذا التراث بطابعه الخاص، وزاد فيه فتوسع وتعمق إلى حد لم ~~يسبق إليه. # الفصل الثاني ms065 # | المعرفة # (31) الجدل الصاعد ~~(أ) لم يكن إيثار أفلاطون للحوار عبثا أو إرضاء لنزوعه الأول للقصص ~~التمثيلي، ولكن معاصر السوفسطائيين وتلميذ سقراط تأثر بالجدل واعتقد مع أستاذه أن ~~الحوار بمرحلتيه (26-أ) هو الطريق الوحيد للبحث في الفلسفة، فاصطنع الجدل وتحدى ~~السوفسطائيين؛ فنقل اللفظ من معنى المناقشة المموهة إلى معنى المناقشة المخلصة التي ~~تولد العلم، وهي مناقشة بين اثنين أو أكثر أو مناقشة النفس لنفسها، بل ذهب إلى أبعد ~~من هذا فأطلق اللفظ على العلم الأعلى الذي ليس بعده مناقشة، وحد الجدل بأنه المنهج ~~الذي يرتفع العقل به من المحسوس إلى المعقول لا يستخدم شيئا حسيا، بل ينتقل من ~~معان إلى معان بواسطة معان، # 1 # ثم بأنه العلم الكلي بالمبادئ الأولى والأمور الدائمة يصل إليه العقل ~~بعد العلوم الجزئية، فينزل منه إلى هذه العلوم يربطها بمبادئها، وإلى المحسوسات ~~يفسرها، فالجدل منهج وعلم يجتاز جميع مراتب الوجود من أسفل إلى أعلى وبالعكس، # 2 # ومن حيث هو علم فهو يقابل ما نسميه الآن نظرية المعرفة بمعنى واسع يشمل ~~المنطق والميتافيزيقا جميعا. ~~(ب) وأفلاطون أول فيلسوف بحث مسألة المعرفة لذاتها، وأفاض فيها من جميع جهاتها، ~~وجد نفسه بين رأيين متعارضين: رأي بروتاغوراس وأقراطيلوس وأمثالهما من الهرقليطيين ~~الذين يردون المعرفة إلى الإحساس ويزعمونها جزئية متغيرة مثله، ورأي سقراط الذي يضع ~~المعرفة الحقة في العقل ويجعل موضوعها الماهية المجردة الضرورية، فاستقصى أنواع ~~المعرفة فكانت أربعة؛ الأول: الإحساس؛ وهو إدراك عوارض الأجسام أو أشباحها في ~~اليقظة وصورها في المنام. الثاني: الظن؛ وهو الحكم على المحسوسات بما هي كذلك. ~~والثالث: الاستدلال؛ وهو علم الماهيات الرياضية المتحققة في المحسوسات. والرابع: ~~التعقل؛ وهو إدراك الماهيات المجردة من كل مادة، وهذه الأنواع مترتبة بعضها فوق بعض ~~تتأدى النفس من الواحد إلى الذي يليه بحركة ضرورية إلى أن تطمئن عند الأخير. # 3 # وإليك البيان: ~~(ج) الإحساس أول مراحل المعرفة، ويدعي الهرقليطيون أن المعرفة مقصورة عليه وأنه ~~ظاهرة قائمة بذاتها متغيرة أبدا ليس لها جوهر تتقوم به ولا قوة تصدر عنها، ولكن لو ~~كان ms066 الإحساس كل المعرفة كما يقولون لاقتصرت المعرفة على الظواهر المتغيرة ولم ندرك ~~ماهيات الأشياء، ولصح قول بروتاغوراس: إن الإنسان مقياس الأشياء، وإن ما يظهر لكل ~~فرد فهو عنده على ما يظهر، فأصبحت جميع الآراء صادقة على السواء؛ المتناقض منها ~~والمتضاد، وامتنع القول إن شيئا هو كذا أو كذا على الإطلاق، ليس فقط في النظريات؛ ~~بل في السياسة والأخلاق والصناعات أيضا، فيستحيل العلم والعمل، ولكنهما ممكنان ~~فالقول مردود، وهو مردود كذلك من جهة أنه ينكر الفكر كملكة خاصة، والواقع أن ~~الذاكرة والشعور بالتبعية ينقضان هذه الدعوى من حيث إن الذكر يعني دوام الشخص الذي ~~يذكر، ثم إن فينا قوة تدرك موضوعات الحواس على اختلافها وتركبها معا في الإدراك ~~الظاهري؛ فتعلم أن هذا الأصفر حلو، بينما الحواس لا يدرك كل منها إلا موضوعا ~~خاصا وتفوته موضوعات سائر الحواس، وليس يكفي لفهم اللغة مثلا رؤية ألفاظها أو ~~سماعها، بل إن الإحساس ينبه قوة في النفس لولاها ما كان فهم أبدا، ومع اشتراك ~~العالم والجاهل في الإحساس فإن العالم وحده يتوقع المستقبل بعلمه، ويؤيد المستقبل ~~توقعه، مما يدل على وجود قوة تعلم وقوانين ثابتة للأشياء، وهذه القوة تضاهي ~~الإحساسات بعضها ببعض وتصدر عليها أحكاما مغايرة للحس بالمرة، فتقول عن صوت وعن ~~لون مثلا: إن كلا منهما هو عين نفسه وغير الآخر وإن كلا منهما واحد، وإنهما ~~اثنان، وإنهما متباينان: جميع هذه العلاقات يحكم بها المركز المركب، والمضاهاة ~~وإدراك العلاقة فعلان متمايزان من الإحساس، فليس العلم الإحساس؛ ولكنه حكم النفس ~~على الإحساس، وبهذا الحكم يمتاز الإنسان على الحيوان الأعجم مع اشتراكهما بالإحساس. # 4 ~~(د) ولكن الحكم يختلف باختلاف موضوعه، فإذا كان الموضوع المحسوسات المتغيرة من ~~حيث هي كذلك كان الحكم «ظنا» أي معرفة غير مربوطة بالعلة فلا يعلم للغير؛ لأن ~~التعليم تبيان الأمور بعللها، ولا يبقى ثابتا بل يتغير بتغير موضوعه في عوارضه ~~وعلاقاته: انظر إلى الطب والحرب والفنون الجميلة والآلية والسياسة العملية والعلوم ~~الطبيعية تجدها جميعا متغيرة نسبية؛ لتعلقها بالمادة لا تتناولها المعرفة إلا ms067 في ~~حالات وظروف مختلفة، فليس الظن العلم الذي تتوق إليه النفس؛ إذ إنه قد يكون صادقا ~~وقد يكون كاذبا، والعلم صادق بالضرورة، والظن الصادق متمايز من العلم؛ لتمايز ~~موضوعهما؛ فإن موضوع الظن الوجود المتغير، وموضوع العلم الماهية الدائمة، ثم إن ~~العلم قائم على البرهان، والظن تخمين، والظن الصادق نفحة إلهية أو إلهام لا اكتساب ~~عقلي، والظن بالإجمال قلق في النفس يدفعها إلى طلب العلم. # 5 ~~(ه) وترقى النفس درجة أخرى بدراسة الحساب والهندسة والفلك والموسيقى، فإن هذه ~~العلوم ولو أنها تبدأ من المحسوسات وتستعين بها إلا أن لها موضوعات متمايزة من ~~المحسوسات ومناهج خاصة؛ فليس الحساب عد الجزئيات كما يفعل التاجر بل العلم الذي ~~يفحص عن الأعداد أنفسها بصرف النظر عن المعدودات، وليست الهندسة مسح الأرض بل النظر ~~في الأشكال أنفسها، ويمتاز الفلك من رصد السماء بأنه يفسر الظواهر السماوية بحركات ~~دائرية راتبة، بينما الملاحظة البحتة لا تقع إلا على حركات غير منتظمة، # 6 # ويفترق العالم الذي يكشف النسب العددية التي تقوم بها الألحان عن ~~الموسيقي الذي يضبط النغم بالتجربة، فهذه العلوم تضع أمام الفكر صورا كلية ونسبا ~~وقوانين تتكرر في الجزئيات؛ لذلك يستخدم الفكر الصور المحسوسة في هذه الدرجة من ~~المعرفة، لكن لا كموضوع؛ بل كواسطة؛ لتنبيه المعاني الكلية المقابلة لها والتي هي ~~موضوعه، ثم يستغني عن كل صورة حسية ويتأمل المعاني خالصة، وهو يستغني عن التجربة ~~كذلك في استدلاله، ويستخدم المنهج الفرضي الذي يضع المقدمات وضعا ويستخرج النتائج: ~~مثال ذلك قد تعرض مسألة للمهندس أو الفلكي فيقول في نفسه: «أفرض أن حلها بالإيجاب ~~وأنظر ما يلزم من نتائج»، أو «أفرض أن حلها بالسلب وأنظر ما يخرج لي» فإذا وجد أن ~~نتيجة كاذبة تلزم من فرض ما انتقل إلى نقيض هذا الفرض وأخذ به، ولكن يلاحظ على هذا ~~المنهج أمران؛ الأول: أنه قد يبين كذب فرض ما، ولا يبين صدق الفرض الذي يقف عنده؛ ~~إذ قد تخرج نتائج صادقة من مقدمات كاذبة، والثاني: أنه يرغم العقل على قبول النتيجة ms068 ~~ولا يقنعه؛ لأنه يأخذ المسائل من خلف ولا يستعمل إلا حيث يتعذر النظر المستقيم، ~~ويلاحظ على هذه العلوم أنها لا تكفي أنفسها؛ لأنها تضع مبادئها وضعا ولا تبرهن ~~عليها باستخراجها من مبادئ عليا، ويمتنع أن يقوم علم كامل حيث لا توجد مبادئ ~~يقينية، فالرياضيات معرفة وسطى بين غموض الظن ووضوح العلم، هي أرقى من الظن؛ لأنها ~~كلية تستخدم في الفنون والصناعات والعلوم وتعلمها ضروري لكل إنسان، وهي أدنى من ~~العلم؛ لأنها استدلالية. # 7 ~~(و) والتجربة الحسية والعلوم الرياضية تستحث الفكر على اطراد سيره؛ ذلك أنه يحكم ~~عليها بأمور ليست لها بالذات وغير متعلقة بمادة أصلا، كأن يرى الشيء الواحد كبيرا ~~بالإضافة إلى آخر صغيرا بالإضافة إلى ثالث شبيها بآخر أو مضادا أو مباينا ~~مساويا أو غير مساو جميلا خيرا عادلا إلى غير ذلك من الصفات المفارقة ~~للأجسام والمتعقلة من غير معاونة الحواس، فيتساءل عن الكبر والصغر والتشابه والتضاد ~~والتباين والتساوي والجمال والخير والعدالة وما أشبه ذلك كيف حصل عليها وهي ليست ~~محسوسة وهي ضرورية لتركيب الأحكام على المحسوسات، فيلوح له أنها موجودة في العقل ~~قبل الإدراك الحسي ، # 8 # وهكذا يتدرج الفكر من الإحساس إلى الظن إلى العلم الاستدلالي إلى ~~التعقل المحض مدفوعا بقوة باطنة «وجدل صاعد»؛ لأنه في الحقيقة يطلب العلم الكامل ~~الذي يكفي نفسه ويصلح أساسا لغيره. ~~(32) نظرية المثل ~~(أ) وللجدل الصاعد شوط آخر: فإن المحسوسات على تغيرها تمثل صورا كلية ثابتة هي ~~الأجناس والأنواع، وتتحقق على حسب أعداد وأشكال ثابتة كذلك، فإذا فكرت النفس في هذه ~~الماهيات الثابتة أدركت أولا أن لا بد لاطرادها في التجربة من مبدأ ثابت؛ لأن ~~المحسوسات حادثة تكون وتفسد، وكل ما هو حادث فله علة ثابتة ولا تتداعى العلل إلى ~~غير نهاية، وأدركت ثانيا أن الفرق بعيد بين المحسوسات وماهياتها، فإن هذه كاملة في ~~العقل من كل وجه، والمحسوسات ناقصة تتفاوت في تحقيق الماهية ولا تبلغ أبدا إلى ~~كمالها، وأدركت ثالثا أن هذه الماهيات بهذه المثابة معقولات صرفة كالتي ذكرناها ~~الآن. # فيلزم مما ms069 تقدم أن الكامل الثابت أول، وأن الناقص محاكاته وتضاؤله، وأنه لا يمكن ~~أن يكون المعقول الكامل الثابت قد حصل في النفس بالحواس عن الأجسام الجزئية ~~المتحركة، ويقال مثل ذلك من باب أولى عن المجردات التي لا تتعلق بالمادة، فلا يبقى ~~إلا أن الماهيات جميعا حاصلة في العقل عن موجودات مجردة ضرورية مثلها لما هو واضح ~~من أن المعرفة شبه المعروف حتما، فتؤمن النفس بعالم معقول هو مثال العالم المحسوس ~~وأصله، يدرك بالعقل الصرف، الماهيات متحققة فيه بالذات على نحو تحققها في العقل ~~مفارقة للمادة بريئة عن الكون والفساد؛ الإنسان بالذات والعدالة بالذات، والكبر ~~والصغر والجمال والخير والشجر والفرس بالذات وهلم جرا، فهي مبادئ و«مثل» الوجود ~~المحسوس والمعرفة جميعا؛ ذلك أن الأجسام إنما يتعين كل منها في نوعه «بمشاركة» جزء ~~من المادة في مثال من هذه المثل، فيتشبه به ويحصل على شيء من كماله ويسمى باسمه، ~~فالمثال هو الشيء بالذات والجسم هو شبح للمثال، والمثال نموذج الجسم أو مثله الأعلى ~~متحققة فيه كمالات النوع إلى أقصى حد، بينا هي لا تتحقق في الأجسام إلا متفاوتة ~~بحيث إذا أردنا الكلام بدقة لم نسم النار المحسوسة نارا، بل قلنا: إنها شيء شبيه ~~بالنار بالذات، وإن الماء المحسوس شيء شبيه بالماء بالذات وهكذا، أما أن المثل ~~مبادئ المعرفة أيضا فلأن النفس لو لم تكن حاصلة عليها لما عرفت كيف تسمى الأشياء ~~وتحكم عليها، المثل معاييرنا الدائمة يحصل لنا العلم أولا وبالذات بحصول صورها في ~~العقل، فهي الموضوع الحقيقي للعلم، وعلة حكمنا على النسبي بالمطلق وعلى الناقص ~~بالكامل وعلى التغير بالوجود. # 9 ~~(ب) كيف عرفنا هذه المثل وليس بيننا وبين العالم المعقول اتصال مباشر فيما نعلم؟ ~~إن شيئا من التأمل يدلنا على أننا نستكشفها في النفس بالتفكير، فحينما تعرض لنا ~~مسألة نقع في حيرة ونشعر بالجهل ثم يتبين لنا «ظن صادق» يتحول إلى علم بتفكيرنا ~~الخاص أي بجدل باطن أو بالأسئلة المرتبة يلقيها علينا ذو علم، وما علينا إلا أن ~~نجرب الأمر في فتى لم ms070 يتلق الهندسة نجده يجيب عن الأسئلة إجابة محكمة، ويستخرج من ~~نفسه مبادئ هذا العلم، فإذا كنا نستطيع أن نستخرج من أنفسنا معارف لم يلقنها لنا ~~أحد، فلا بد أن تكون النفس اكتسبتها في حياة سابقة على الحياة الراهنة، # 10 # كانت النفس قبل اتصالها بالبدن في صحبة الآلهة تشاهد «فيما وراء ~~السماء» موجودات «ليس لها لون ولا شكل» ثم ارتكبت إثما فهبطت إلى البدن، فهي إذا ~~أدركت أشباح المثل بالحواس تذكرت المثل، # 11 ~~«فالعلم ذكر والجهل نسيان» وكما أن الإحساس الحاضر ينبه في الذهن ما ~~اقترن به في الماضي وما يشابهه أو يضاده، وكما أنا نذكر صديقا عند رؤية رسمه، ~~فكذلك نذكر الخير بالذات بمناسبة الخيرات الجزئية، والمتساوي بالذات والجمال بالذات ~~بمناسبة الأشياء المتساوية أو الجميلة وهكذا، فما التجربة إلا فرصة ملائمة لعودة ~~المعنى الكلي إلى الذهن، وما الاستقراء إلا وسيلة لتنبيهه، أما هو في ذاته فموجود ~~في النفس ومتصور بالعقل الصرف. # 12 ~~(ج) هذا العالم المعقول مثلنا معه مثل أناس وضعوا في كهف منذ الطفولة وأوثقوا ~~بسلاسل ثقيلة، فلا يستطيعون نهوضا ولا مشيا ولا تلفتا، وأديرت وجوههم إلى داخل ~~الكهف فلا يملكون النظر إلا أمامهم مباشرة، فيرون على الجدار ضوء نار عظيمة وأشباح ~~أشخاص وأشياء تمر وراءهم، ولما كانوا لم يروا في حياتهم سوى الأشباح فإنهم ~~يتوهمونها أعيانا، فإذا أطلقنا أحدهم وأدرنا وجهه للنار فجأة فإنه ينبهر ويتحسر ~~على مقامه المظلم، ويعتقد أن العلم الحق معرفة الأشباح ثم يفيق من ذهوله وينظر إلى ~~الأشياء في ضوء الليل الباهت، أو إلى صورها المنعكسة في الماء حتى تعتاد عيناه ضوء ~~النهار، ويستطيع أن ينظر إلى الأشياء أنفسها، ثم إلى الشمس مصدر كل نور، فالكهف هو ~~العالم المحسوس، وإدراك الأشباح المعرفة الحسية، والخلاص من الجمود إزاء الأشباح ~~يتم بالجدل، والأشياء المرئية في الليل أو في الماء الأنواع والأجناس والأشكال أي ~~الأمور الدائمة في هذه الدنيا، والأشياء الحقيقية المثل، والنار ضوء الشمس، والشمس ~~مثال الخير أرفع المثل ومصدر الوجود والكمال، فالفيلسوف الحق هو الذي ms071 يميز بين ~~الأشياء المشاركة ومثلها، ويجاوز المحسوس المتغير إلى نموذجه الدائم، ويؤثر الحكمة ~~على الظن، فيتعلق بالخير بالذات والجمال بالذات. # 13 ~~(د) والآن كيف تمت لأفلاطون هذه النظرية؟ لقد وصل إليها بالتفكير في المذاهب ~~السابقة «فإنه أخذ عن أقراطيلوس وهرقليطس أن المحسوسات لتغيرها المتصل لا تصلح أن ~~تكون موضوع علم، وكان سقراط يطلب الكلي في الخلقيات فاعتقد أفلاطون أن هذا الكلي ~~لمغايرته المحسوس يجب أن يكون متحققا في موجودات مغايرة للمحسوسات وأسمى هذه ~~الموجودات مثلا، أما المشاركة فهي اسم آخر لمسمى وجده عند الفيثاغوريين؛ فإنهم ~~كانوا يقولون: إن الأشياء تحاكي الأعداد أو تشابهها فأبدل هو اللفظ، وقال: إن ~~الأشياء تشارك في المثل دون أن يبين ماهية هذه المشاركة، غير أن الفيثاغوريين لم ~~يكونوا يجعلون الأعداد مفارقة وإنما قالوا: إن الأشياء أعداد، ولم يكن سقراط ينصب ~~الماهيات أشياء قائمة بأنفسها، # 14 # ففطن أفلاطون إلى أنه لما كان الكلي يغاير المحسوسات من حيث هي كذلك ~~فيجب وضع الكليات فوق الجزئيات.» # 15 # فتحقق له بها موضوع للعلم وعلل صورية أو نماذج للمحسوسات، وتحقق له ما ~~كان يرمي إليه أنبادوقليس بقوله بالمحبة أو الخير، وأنكساغورس بقوله بالعقل والنظام ~~والكمال، ثم أخذ عن الفيثاغوريين فكرة حياة سابقة وأحال التوليد السقراطي تذكيرا، ~~فالقارئ يرى كيف تلاقت كل هذه المذاهب في مذهب أفلاطون وتلاءمت فوفقت بين المحسوس ~~والمعقول والتغير والوجود. ~~(ه) ولم يكن أفلاطون غافلا عن صعوبات نظريته فقد عاد إليها يمتحنها # 16 # فرأى أن المنطق يقضي عليه أن يضع مثلا للمشابهة والواحد والكثير ~~والجمال والخير وما شاكلها، ولكنه يقول: إنه كثيرا ما تردد في وضع مثل للإنسان ~~والنار والماء ... وأنه يجد من الغرابة بمكان عظيم أن يكون هناك مثل للشعر والوحل ~~والوسخ، وما إلى ذلك من الأشياء الحقيرة، ثم ينتهي إلى أن هذا التردد إنما يعرض له؛ ~~لأنه يلحظ رأي الناس ولأن الفلسفة لم تستول عليه بعد بالقوة التي يرجو أن تستولي ~~يوما، وحينئذ فلن يشعر في نفسه احتقارا لشيء، وينتقل إلى المشاركة، فيقول: إذا ~~كانت ms072 أشياء عدة تشترك في مثال واحد، فإما أن يوجد المثال كله في كل واحد من هذه ~~الأشياء، وهذا يعني أن المثال متحقق كله في نفسه ومتحقق كله في كل واحد من الأشياء، ~~أي مفارق لنفسه، وهذا خلف، وإما أنه يوجد مقسما في الأشياء المشاركة فيه وحينئذ ~~يفقد بساطته من جهة، ويلزم القول من جهة أخرى أن جزء الكبير بالذات ينقلب صغيرا ~~بالنسبة إلى كل الكبير، وأن كل الصغير بالذات يصبح كبيرا بالنسبة إلى جزئه؛ أي إن ~~الشيء المشارك يصير على خلاف الشيء المشارك فيه، وهذا خلف كذلك، ثم إن الغاية من ~~نظرية المثل إنما هو وضع جزئيات عدة تحت مثال واحد يقال عليها، ولكن هذه الوحدة ~~ممتنعة؛ لأنه إذا ساغ لنا أن نضع الكبير بالذات فوق الكبار المتكثرة؛ لتشابهها في ~~هذه الصفة، فإن تشابه المثال والأشياء الكبيرة يحتم علينا أن نضع لنفس السبب كبيرا ~~آخر فوقها جميعا وهكذا إلى غير نهاية، وليس يغني القول أن المثال تصور في العقل، ~~وأنه من حيث هو كذلك يمكن أن يقال على كثيرين دون أن يفقد شيئا من وحدته؛ فإن ~~العقل إنما يتصور بالمثال شيئا حقيقيا هي الماهية المشتركة بين كثيرين، وهذه ~~الناحية المشتركة هي المثال فلم يتغير الموقف، أما إن قيل إن نسبة الجزئي إلى ~~المثال ليست كنسبة الجزء إلى الكل بل كنسبة الصورة إلى النموذج، أمكن الإجابة أن ~~النموذج في هذه الحالة يشبه الصورة، فيتعين أن نضع فوقها نموذجا آخر يشتركان فيه ~~وهكذا إلى ما لا نهاية ... ولكنه يعود فيقول إن هذه الصعوبات ليست ممتنعة الحل، وإنما ~~يتطلب حلها عقلا ممتازا، أما إذا وقفنا عندها وأنكرنا المثل فلسنا ندري إلى أين ~~نوجه الفكر: أإلى التغير المتصل فيمتنع العلم؟ أم إلى الوجود الثابت فيمتنع العلم ~~كذلك؟ إن المثل «نقطة ثابتة» فوق التغير تفسره، وعليها هي يقع العلم، ولكن ... ~~(33) الجدل النازل ~~(أ) ولكن العلم حكم بأن شيئا ما هو كذا أو كذا، والمثل قائمة بأنفسها، فكيف يمكن ~~الحكم عليها، والحكم يعني أن شيئا (الموضوع) ms073 مشارك في شيء (المحمول)؟ هل المثل ~~منفصلة بعضها عن بعض، أم مشاركة كلها في كلها، أم بعضها مشارك في بعض دون بعض؟ ~~الفرض الأول يرجع إلى مذهب بارمنيدس أي إلى السكون التام فيستحيل معه الحكم، فإنه ~~إذا لم تكن الحركة مشاركة في الوجود فليس هناك حركة، وإذا لم يكن السكون مشاركا في ~~الوجود فليس هناك سكون، والفرض الثاني يرجع إلى موقف هرقليطس أي إلى الاختلاط العام ~~والتغير المتصل فيستحيل معه الحكم كذلك، فإننا إذا قبلناه لزم منه أن السكون في ~~حركة وأن الحركة في سكون، يبقى الغرض الثالث وهو الصحيح، والجدل هو الذي يتبين ~~ملاءمة المثل بعضها لبعض، وهو رأس العلوم يجعل العلم ممكنا؛ لأنه يرى المثل مترتبة ~~في أنواع وأجناس أي يرى بعضها مرتبطا بالبعض بواسطة مثل أعلى وأعم، وهذه مرتبطة ~~كذلك بمثل أعلى وأعم، وهكذا إلى مثال أول قائم فوقها جميعا هو الخير بالذات، ويرى ~~مبادئ العلوم مترتبة من الأخص إلى الأعم حتى يصل إلى مبدأين أساسيين هما مبدأ عدم ~~التناقض ومبدأ العلية، الأول قانون الفكر بين بنفسه لا يقام عليه برهان ولا ~~اعتراض ويقوى استمساكنا به إذا نظرنا إلى ما يترتب على إنكاره من نتائج هي النتائج ~~التي ينتهي إليها بروتاغوراس وأضرابه، ومبدأ العلية قانون التغير وهو على شكلين: ~~مبدأ العلة الفاعلية والعلة الغائية، ويضع الجدل هذه العلاقات في أحكام، فالحكم ~~الذي يعني أن الشيء هو هو، وفي آن واحد شيء آخر «المحمول» يعني أن المثال الواحد ~~يشارك في مثال آخر «وفي غيره» مع بقائه هو هو، والعلم استقصاء هذه المشاركات بين ~~المثل، فإن أضاف مثالا لمثال مشارك فيه كان صادقا، وإن ألف مثالين ليس بينهما ~~مشاركة كان كاذبا. # 17 ~~(ب) كيف يمكن الحكم الكاذب أو الخطأ؟ إن الحكم الكاذب يعبر عما ليس موجودا ~~واللاوجود غير موجود، فلا يمكن أن يكون موضوع فكر أو إحساس أو قول، كيف يمكن أن ~~تتصور النفس «بالمحمول» غير ما تتصور «بالموضوع» فلا تعلم ما تعلم أو تعلم ما لا ~~تعلم؟ شغلت ms074 المسألة أفلاطون فعالجها في «تيتياتوس» وعاد إليها في «السوفسطائي»، قال ~~في المحاورة الأولى: ينشأ الخطأ عندما نحاول أن نوفق بين إحساس ومعنى سابق محفوظ في ~~النفس، كما إذا رأيت سقراط فأضفت هذه الرؤية إلى صورة تيودورس وبالعكس، فليس الخطأ ~~معرفة كاذبة بل ذكرا كاذبا وتنافرا بين المعرفة الحسية والمعرفة التذكرية، ولكن ~~ما القول إذا كان الطرفان فكرتين؛ مثل أن 5 + 7 = 11؟ النفس تخطئ في اختيار أحد ~~الطرفين من بين المعاني المحفوظة كما يخطئ الذي يتناول يمامة من قفص وهو يطلب ~~حمامة، ولكن أليس هذا عودا إلى الصعوبة الأولى وهي أن النفس تعلم ما لا تعلم أو لا ~~تعلم ما تعلم؟ وينتهي الحوار من غير حل ولا يحل الإشكال إلا في «السوفسطائي» فيهتدي ~~أفلاطون إلى أن اللاوجود قد يعني ما هو نقيض الوجود وما هو لا وجود ما، وأن ~~اللاوجود في الحكم هو من النوع الثاني؛ فحينما نتحدث عن اللاكبير نقصد الصغير أو ~~المساوي؛ أي نقصد وجودا هو غير الكبير؛ فالخطأ تفصيل أو تركيب حيث لا ينبغي بين ~~أطراف وجودية، وفي الخطأ يقع الفكر على وجود هو غير الوجود المقصود ويعلم نوعا من ~~العلم. وقد كان لهذا التمييز بين معنيي اللاوجود شأن كبير، فإنه مهد السبيل لقول ~~أرسطو: إن الوجود يطلق على أنحاء عدة، ولحل إشكالات بارمنيدس. ~~(ج) كيف يستكشف الجدل العلاقات بين المثل ليؤلفها في أحكام؟ وبعبارة أخرى كيف ~~يرتب المثل في أجناس وأنواع فيتصور العالم المعقول على حقيقته؟ بالنزول من أرفع ~~المثل إلى أدناها، وهذا هو الجدل النازل، ووسيلته القسمة، فإن قسمة الجنس ممكنة ~~بخاصيات نوعية تنضاف إليه فتضيق ما صدقه، وتجعل فيه أقساما مختلفة لها أسماء ~~مختلفة، وتشترك مع ذلك في معنى واحد، # 18 # وللقسمة قواعد تتبع ومخاطر تجتنب: يجب أن تطابق طبيعة الشيء فلا تقسم ~~إلا حيث تقتضي الطبيعة القسمة كما يجزأ الحيوان في مفاصله من غير تهشيم، ويجب أن ~~تكون تامة فتستخرج من الجنس نوعين أو ثلاثة، ومن كل منهما صنفين أو ثلاثة حتى تنتهي ~~إلى ms075 البسائط، أما ما يتحرز منه فهو اعتبار المركب بسيطا والعرضي جوهريا، والقسمة ~~المثلى هي الثنائية كأن نقول: السياسة علم والعلم نظري وعملي، والسياسة تدخل في ~~الطائفة الأولى، والعلم النظري علم يأمر وعلم يقرر، والسياسة تدخل في الطائفة ~~الأولى وهكذا حتى يتعين معنى السياسة، # 19 # أو كأن نحاول تعريف السوفسطائي فنمضي من قسمة إلى أخرى حتى نبلغ إلى ~~التعريف الذي لا ينطبق إلا عليه، # 20 # فالقسمة تبدأ من اللامعين وتتدرج إلى التعيين أي إنها تتأدى من وحدة ~~الجنس إلى كثرة الأنواع، ومن وحدة المبدأ إلى كثرة النتائج؛ فالجدل النازل منهج ~~مكمل للجدل الصاعد وهو آمن منه وأكفل باستيعاب الأقسام جميعا. ~~(د) هذا إيجاز لأبحاث أفلاطون في المعرفة فيها منطق وفيها ميتافيزيقا كما قلنا: ~~أخذ الحد والاستقراء عن سقراط وتعمق في تفسير الحكم ولكنه أقامه على مشاركة المثل ~~بعضها في بعض وهي أغمض من مشاركة المحسوسات في المثل، واقترب من القياس بالقسمة ~~الثنائية؛ فإنها عبارة عن وضع علاقة بين طرفين بواسطة طرف ثالث علاقته بهما معلومة، ~~ولكنها لا تشبه القياس إلا من بعيد كما سيبين أرسطو (50-ه)، ونظر في أصول المعرفة ~~نظرا دقيقا عميقا وبلغ إلى عالم معقول هو أساس المعرفة والوجود المحسوس ، فكان ~~وضعه المثل جواهر قائمة بأنفسها توكيدا لهذا الوجود الأعلى لفت به الإنسانية بقوة ~~إلى الفرق بين الجزئي والكلي والمحسوس والمعقول فلن تنسى الإنسانية هذا الفرق، غير ~~أنه في أواخر أيامه وفي دروسه الشفوية مال عن سقراط إلى الفيثاغورية فاستبدل ~~الأعداد بالمثل وتابعه تلاميذه الأولون حتى قال أرسطو مؤرخ هذه المرحلة الأخيرة: ~~«لقد أصبحت الرياضيات عند فلاسفة العصر الحاضر كل الفلسفة ولو أنهم يقولون: إنها ~~إنما تدرس لأجل الباقي.» # 21 # فكأنه في محاولته البلوغ إلى المعقولية التامة أراد أن يلغي المادة ~~الكثيفة المستعصية على التجريد والتعقل، وأن يرد الوجود كله أعدادا ونسبا عددية ~~فيلغي الظن من المعرفة، ولا يستبقي غير العلم في شكله الرياضي، وسيظل هذا الهدف ~~مطمح أنظار كثيرين من المفكرين يكفي أن نذكر منهم ديكارت؛ لندل على ms076 شدة جاذبية هذه ~~الوجهة. # الفصل الثالث # | الوجود # (34) الله ~~(أ) نظرية أفلاطون في الوجود مماثلة لنظريته في المعرفة بمعنى أنها تصعد من ~~المحسوس إلى المعقول وتخضع الأول للثاني، وقد قص حكاية حاله بإزاء العلم الطبيعي ~~فقال ما خلاصته - بلسان سقراط: لما كنت شابا كثيرا ما قاسيت الأمرين في ~~معالجة المسائل الطبيعية بالمادة وحدها على طريقة القدماء، وسمعت ذات يوم قارئا ~~يقرأ في كتاب لأنكساغورس «هو العقل الذي رتب الكل وهو علة الأشياء جميعا» ففرحت ~~لمثل هذه العلة وتناولت الكتاب بشغف، ولكني ألفيت صاحبه لا يضيف للعقل أي شأن في ~~العلل الجزئية لنظام الأشياء، بل بالضد يذكر في هذا الصدد أفعال الهواء والأثير ~~والماء وما إليها، مثله مثل رجل يبدأ بأن يقول: إن سقراط في جميع أفعاله يفعل بعقله ~~ثم يعلل جلوسي هنا - في السجن - بحركات عظامي وعضلاتي، ويعلل حديثي بفعل الأصوات ~~والهواء والسمع وما أشبه، ولا يعنى بذكر العلل الحقة وهي: لما كان الأثينيون قد ~~رأوا أحسن أن يحكموا علي، ورأيت أنا أحسن؛ أي أقرب إلى العدالة أن أتحمل القصاص ~~الذي فرضوا علي، فقد بقيت في هذا المكان، ولولا ذلك لكانت عظامي وعضلاتي منذ زمن ~~طويل في ميغاري أو في بويتيا؛ حيث كان قد حملها تصور آخر للأحسن، فتسمية مثل هذه ~~الأشياء عللا منتهى الضلالة، أما إن قيل: لولا العضلات والعظام فلست أستطيع تحقيق ~~أغراضي فهذا صحيح، وعلى ذلك فما هو علة حقا شيء، وما بدونه لا تصير العلة علة شيء آخر. # 1 # والعلة الحقة عاقلة تلحظ معلولها قبل وقوعه وترتب الوسائل إليه، فإن ~~شيئا لا يفعل إلا إذا قصد - أو قصد به - إلى غاية، والغاية لا تتمثل إلا في ~~العقل، وعند هذه الصخرة يتحطم كل مذهب آلي، ولما كان «الموجود الوحيد الكفء للحصول ~~على العقل هو النفس، # 2 # كانت العلل العاقلة نفوسا تتحرك حركة ذاتية، وكانت المادة شرطا ~~لفعلها أو علة ثانوية خلوا من العقل تتحرك حركة قسرية وتعمل اتفافا، إلا أن ~~تستخدمها العلل العاقلة وسيلة وموضوعا وتوجهها إلى أغراضها، ms077 # 3 # والنفس غير منظورة بينما العناصر والأجسام جميعا منظورة، # 4 # فيبلغ أفلاطون من هذا الطريق إلى عالم معقول يصفه بأنه إلهي؛ لاشتراكه ~~في الروحية والعقل، ولكنه يعين فيه مراتب ويضع في قمته الله. ~~(ب) يبرهن أفلاطون على وجود الله من الوجهتين المتقدمتين: وجهة الحركة ووجهة ~~النظام، فمن الوجهة الأولى يقرر أن الحركات سبع: حركة دائرية، وحركة من يمين إلى ~~يسار، ومن يسار إلى يمين، ومن أمام إلى خلف، ومن خلف إلى أمام، ومن أعلى إلى أسفل، ~~ومن أسفل إلى أعلى، وحركة العالم دائرية منظمة لا يستطيعها العالم بذاته، فهي ~~معلولة لعلة عاقلة، وهذه العلة هي الله أعطى العالم حركة دائرية على نفسه وحرمه ~~الحركات الست الأخرى وهي طبيعية، فمنعه من أن يجري بها على غير هدى. # 5 # ومن الوجهة الثانية يقول: إن العالم آية فنية غاية في الجمال، ولا يمكن ~~أن يكون النظام البادي فيما بين الأشياء بالإجمال وفيما بين أجزاء كل منها بالتفصيل ~~نتيجة علل اتفاقية، ولكنه صنع عقل كامل توخى الخير ورتب كل شيء عن قصد، # 6 # وثمة برهان آخر: فقد رأينا أفلاطون يضع المثل؛ لأنه وجد المحسوسات ~~تتفاوت في صفاتها، فدله هذا التفاوت على أن الصفات ليست لها بالذات ولكنها حاصلة في ~~كل منها بالمشاركة فيما هو بالذات، وخص بالذكر مثال الجمال في المأدبة، ومثال الخير ~~في الجمهورية، فقال عن الأول: إنه علة الجمال المتفرق في الأشياء، والمقصد الأسمى ~~للإرادة في نزوعها إلى المطلق، والغاية القصوى للعقل في جدله، لا يوصف؛ أي لا يضاف ~~إليه أي محمول؛ لأنه غير مشارك في شيء ولكنه هو هو. # 7 # وقال عن الثاني: في أقصى حدود العالم المعقول يقوم مثال الخير، هذا ~~المثال الذي لا يدرك إلا بصعوبة، ولكنا لا ندركه إلا ونوقن أنه علة كل ما هو جميل ~~وخير، هو الذي ينشر ضوء الحق على موضوعات العلوم ويمنح النفس قوة الإدراك، فهو ~~مبدأ العلم والحق يفوقهما جمالا مهما يكن لهما من جمال، هو أسمى موضوع لنظر ~~الفيلسوف والغاية من الجدل ms078 تعلقه، وإن جماله ليعجز كل بيان، لا يوصف إلا سلبا ولا ~~يعين إيجابا إلا بنوع من التمثيل الناقص، وكما أن الشمس تجعل المرئيات مرئية ~~وتهبها الكون والنمو والغذاء دون أن تكون هي شيئا من ذلك فإن المعقولات تستمد ~~معقوليتها من الخير، بل وجودها وماهيتها، ولو أن الخير نفسه ليس ماهية وإنما هو شيء ~~أسمى من الماهية بما لا يقاس كرامة وقدرة. اعلم أن الخير والشمس ملكان: الواحد على ~~العالم المعقول، والآخر على العالم المحسوس، # 8 # ومقصد أفلاطون واضح، هو أن التفسير النهائي للوجود هو «أن الخير رباط ~~كل شيء وأساسه» # 9 # من حيث إن العلة الحقة عاقلة، وإن العاقل يتوخى الخير بالضرورة. ~~(ج) فالله روح عاقل محرك منظم جميل خير عادل كامل بسيط لا تنوع فيه، ثابت لا ~~يتغير، صادق لا يكذب، ولا يتشكل أشكالا مختلفة كما صوره هوميروس ومن حذا حذوه من الشعراء، # 10 # وهو كله في حاضر مستمر، فإن أقسام الزمان لا تلائم إلا المحسوس، ونحن ~~حينما نطلق الماضي والمستقبل على الجوهر الدائم فنقول: كان وسيكون، ندل على أننا ~~نجهل طبيعته؛ إذ لا يلائمه سوى الحاضر، # 11 # وهو معني بالعالم بخلاف ما يدعيه السوفسطائيون محتجين بنجاح الأشرار، ~~فإن الله إن كان لا يعنى بسيرتنا؛ فذلك إما لأنه عاجز عن ضبط الأشياء ؛ وهذا محال؛ ~~وإما لأن السيرة الإنسانية أتفه عنده من أن تستحق عنايته؛ وهذا محال كذلك؛ لأن كل ~~صانع يعلم أن للأجزاء شأنها في المجموع فيعنى بها، فهل يكون الله أقل علما من ~~الإنسان؟! إن ساعة الأشرار آتية لا محالة، هذا عن الشر الخلقي، أما الشر الطبيعي ~~فما هو في ذاته إلا نقص في الوجود أو خير أقل؛ هو ضد يتميز به الخير كما يتميز ~~الصدق بالكذب، لم يرده الله بل سمح به فداء للخير الفائض على العالم، ويستحيل أن ~~يكون العالم المصنوع خيرا محضا فيشابه نموذجه الدائم، هو إذن ناقص، ولكنه أحسن ~~عالم ممكن، وعناية الله تشمل الكليات والجزئيات أيضا بالقدر الذي يتفق مع الكليات، ~~ونحن نرى ms079 الطبيب يراعي الكل قبل الجزء، والفنان يدبر أفعاله على مقتضى الغاية ويرمي ~~إلى أعظم كمال ممكن للكل فيصنع الجزء لأجل الكل لا الكل لأجل الجزء، كذلك حال ~~الصانع الأكبر، فإن تذمر الإنسان فلأنه يجهل أن خيره الخاص يتعلق به وبالكل معا ~~على مقتضى قوانين الكل، فوجود الله وكماله وعنايته حقائق لا ريب فيها، وإنكارها ~~جملة أو فرادى جريمة ضد الدولة يجب أن يعاقب عليها القضاء؛ لأن هذا الإنكار يؤدي ~~مباشرة إلى فساد السيرة فهو إخلال بالنظام الاجتماعي، وقد ينكر المرء الله بتاتا، ~~وقد يؤمن به وينكر عنايته، وقد يؤمن به وبعنايته وينكر كماله وعدالته فيتوهم أنه ~~يستطيع شراء رضائه بالتقدمات والقرابين دون النية الصالحة، والبدعة الثالثة أشنع من ~~الثانية؛ لأن الإهانة فيها أعظم، والثانية أشنع من الأولى لنفس السبب؛ فإن إنكار ~~الله أهون من إنكار عنايته مع الإيمان به، وإنكار العناية أهون من تصور الله ~~مرتشيا. الأولى والثانية جديرتان بالمناقشة، أما الأخيرة فأحق بالسخط منها بالتفنيد. # 12 ~~(35) الطبيعة ~~(أ) لما أراد أفلاطون أن يبين كيف تحقق النظام في العالم وحصلت الصور الكلية في ~~الأجسام، أنطق «ثيماوس» الفيثاغوري بقصة التكوين، وإنما أورد آراءه على لسان واحد ~~من الفيثاغوريين؛ لأنها قائمة على مبادئ عقلية رياضية، وإنما آثر القصة على الحوار ~~والخطاب؛ ليدل على أن العالم المحسوس لا يوضع في قضايا ضرورية، وأن العقل البشري لا ~~يستطيع أن ينفذ إلى أغراض الله في الطبيعة؛ فليس أمامه إلا الظن والتشبيه، # 13 # قال ثيماوس: كل ما يحدث فهو يحدث بالضرورة عن علة، والعالم حادث قد ~~«بدأ من طرف أول»؛ لأنه محسوس، وكل ما هو محسوس فهو خاضع للتغيير والحدوث وله صانع، ~~ولما كان الصانع خيرا والخير بريئا من الحسد، فقد أراد أن تحدث الأشياء شبيهة ~~به على قدر الإمكان؛ فرأى أن العاقل أجمل من غير العاقل، وأن العقل لا يوجد إلا في ~~النفس؛ فصور العالم كائنا حيا عاقلا لا على مثال شيء حادث بل على مثال «الحي بالذات» # 14 # أجمل الأحياء المعقولة الحاوي في ذاته ms080 جميع هذه الأحياء، كما أن العالم ~~يحوي جميع الأحياء التي من نوعه، فالعالم واحد؛ لأن صانعه واحد ونموذجه واحد، وهو ~~كل محدود ليس خارجه ما يؤثر فيه ويفسده فلا تصيبه شيخوخة ولا مرض، وهو كروي؛ لأن ~~الدائرة أكمل الأشكال، متجانس يدور على نفسه في مكانه، أما نفسه فهي سابقة على ~~الجسم صنعها الله «من الجوهر الإلهي البسيط والجوهر الطبيعي المنقسم ومزاج من ~~الاثنين»؛ فكانت غلافا مستديرا للعالم تحويه من كل جانب، وتتحرك حركة دائرية ~~وتحرك الباقي، وتدرك المحسوس المنقسم والمعقول البسيط، وتنفعل بالسرور والحزن ~~والخوف والرجاء والمحبة والكراهية، وتملك أن تخالف قانون العقل فتصير شريرة حمقاء ~~وتضطرب حركتها فتنزل النكبات بالعالم، وأما جسم العالم فلما شرع الله يركبه أخذ ~~نارا ليجعله مرئيا، وترابا ليجعله ملموسا، ووضع الماء والهواء في الوسط. # 15 ~~(ب) غير أن هذه العناصر لم تكن كذلك منذ البدء، وإنما كان العالم في الأصل «مادة ~~رخوة» أي غير معينة، غامضة لا تدرك في ذاتها بل بالاستدلال، كل ما نعقله عنها أنها ~~موضوع التغير أو المكان والمحل الذي تحصل فيه الصور المعينة؛ لأنه إذا كان الأصل ~~معينا وكانت له صورة ذاتية فليس يفهم التغير الذاتي، وعلى ذلك فليست العناصر مبادئ ~~الأشياء؛ لأنها معينة من جهة، ولأنها من جهة أخرى تتحول بعضها إلى بعض، فيدلنا هذا ~~التحول على أنها صور مختلفة تتعاقب في موضوع واحد غير معين في ذاته، ألست ترى أن ما ~~نسميه ماء إذا تكاثف صار ترابا وحجارة، وإذا تخلخل صار هواء وريحا؛ وأن الهواء ~~إذا اشتعل تحول نارا؛ وأن النار إذا تقلصت وانطفأت عادت هواء؛ وأن الهواء إذا ~~تكاثف صار سحابا وضبابا؛ وأن هذه إذا تكاثفت جرت ماء، وهكذا دواليك؟ # 16 # هذه المادة الأولى كانت تتحرك حركات اتفاقية، تلك الحركات الست التي ~~قلنا: إن الأشياء تتحرك بها إذا تركت وشأنها من غير نفس تدبرها، فاتحدت ذراتها على ~~حسب تشابهها في الشكل، وألفت العناصر الأربعة: النار مؤلفة من ذرات هرمية أي ذات ~~أربعة أوجه تشبه سن السهم؛ لذلك ms081 كانت أسرع الأجسام وأنفذها، والهواء مؤلف من ذرات ~~ذات ثمانية أوجه أي من هرمين، والماء من ذرات ذات عشرين وجها، والتراب أثقل ~~الأجسام من ذرات مكعبة، وبعد أن تنظمت المادة هذا النوع من التنظيم بتوزعها عناصر ~~أربعة - وهو أقصى ما تستطيع أن تبلغ إليه بذاتها - ظلت العناصر مضطربة هوجاء «كما ~~يكون الشيء وهو خلو من الإله» حتى عين الصانع لكل منها مكانه على ما ذكرناه ورتب حركته. # 17 ~~(ج) ثم فكر الصانع فيما عسى أن يزيد العالم شبها بنموذجه، ولما كان النموذج ~~حيا أبديا فقد اجتهد أن يجعل العالم أبديا، ولكن لا كأبدية النموذج فإنها ~~ممتنعة على الكائن الحادث، فعني بصنع «صورة متحركة للأبدية الثابتة» فكان الزمان ~~يتقدم على حسب قانون الأعداد، وكانت الأيام والليالي والشهور والفصول ولم تكن من ~~قبل، ورأى الصانع أن خير مقياس للزمان حركات الكواكب، فأخذ نارا وصنع الشمس والقمر ~~والكواكب الأخرى مشتعلة مستديرة وجعل لكل منها نفسا تحركه وتدبره، ولما كان مبدأ ~~التدبير إلهيا بالضرورة فقد صنع هذه النفوس مما تخلف بين يديه بعد صنع النفس ~~العالمية؛ إلا أنه جعل تركيبها أقل دقة من تركيب هذه فكانت أدنى منها مرتبة ولكنها ~~إلهية مثلها عاقلة خالدة يأتيها الخلود لا من طيب عنصرها - وكان أفلاطون قد ذهب إلى ~~هذا الرأى في المقالة العاشرة من الجمهورية - بل من خيرية الصانع تأبى عليه أن يعدم ~~أحسن ما صنع. # 18 ~~(د) ثم اتخذ منها أعوانا تصنع نفوس الأحياء المائتين، وإنما مست الحاجة إلى هذه ~~النفوس لتتحقق في العالم جميع مراتب الوجود نازلة من أرفع الصور إلى أدناها، وليكون ~~العالم كلا حقا، وإنما وكل أمر صنعها إلى نفوس الكواكب؛ لأن كل صانع يصنع ما ~~يماثله، والصانع الأول لا يصنع إلا نفوسا إلهية فلا يكون هناك التفاوت المطلوب، ~~أخذ إذن ما تخلف من الجوهرين الثاني والثالث وصنع مزيجا قسمه على الكواكب وكلف ~~آلهتها أن تنزله أجزاء في أجسام مهيأة لقبوله وأن تضم إليه نفسين مائتتين: إحداهما ~~انفعالية والأخرى غذائية، أما الانفعالية فغضبية ms082 وشهوانية تحس اللذة والألم والخوف ~~والإقدام والشهوة والرجاء يضعونها في أعلى الصدر بين العنق والحجاب لكيلا تدنس ~~النفس الخالدة المستقرة في الرأس، وأما الغذائية فيضعونها في أسفل الحجاب، فصنع ~~الآلهة الرجل كاملا بقدر ما تسمح طبيعته، والرجل الصالح يعود جزء نفسه الخالد، بعد ~~انحلال هذا المركب، إلى الكوكب الذي هبط منه ويقضي هناك حياة سعيدة شبيهة بحياة إله ~~الكوكب، أما النفس الشريرة فتولد ثانية امرأة، فإن أصرت على شقاوتها ولدت ثالثة ~~حيوانا شبيها بخطيئتها وهكذا بحيث لا تخلص من آلامها ولا تعود إلى حالتها الأولى ~~حتى تغلب العقل على الشهوة وتصعد السلم فترجع رجلا صالحا، ودرجات هذا السلم ~~المرأة فالطير فالدواب فالزحافات فالديدان فالأحياء المائية، أوجدتها الخطيئة ~~والجهالة نازلة بها نحو الأرض درجة فدرجة «وهكذا كان الأحياء في ذلك الزمان، واليوم ~~أيضا، يتحول بعضهم إلى بعض بحسب ما يكسبون أو يخسرون من العقل»، # 19 # وأراد الآلهة أن يلطفوا أثر الحرارة والهواء في الإنسان، مع ضرورتهما ~~له، وأن يوفروا له الغذاء، فمزجوا جوهرا مماثلا لجوهر الإنسان بكيفيات أخرى، ~~وأوجدوا طائفة جديدة من الأحياء هي الأشجار والنباتات والبذور تحيا بنفس غذائية، ~~وليست هذه النفس عاقلة؛ ولكنها تحس اللذة والألم والشهوة فهي منفعلة وليست فاعلة؛ ~~إذ قد حرمت الحركة الذاتية فكانت جسما مثبتا في الأرض. # 20 ~~(ه) هذه خلاصة حديث ثيماوس في مواضعه الفلسفية، وهذا الحديث مثال آخر لنزعة ~~أفلاطون التوفيقية وملكته التنسيقية؛ فقد أخذ بالعقل الذي قال به أنكساغورس وبين ~~عيب المذهب الآلي وأقام الغائية على أساس متين، ثم استبقى الآلية في الكليات ~~والجزئيات حتى في الظواهر الحيوية كالاغتذاء وحركة الدم والتنفس والشيخوخة والموت، # 21 # وصور الأجسام جميعا، حية وغير حية، مركبة من نفس العناصر متمشية على ~~نفس القوانين لا يميزه في ذلك من ديموقريطس إلا أن هذه الآلية خاضعة لتدبير الصانع ~~يفرض عليها غاياته من خارج فتحققها هي بوسائلها الخاصة أي بحركة تلك المثلثات ~~والأشكال الهندسية التي للعناصر، وأخذ أفلاطون صفات العالم عن الإيليين - وبالأخص ~~عن أكسانوفان - فجعله واحدا كرويا متناهيا ms083 حيا عاقلا، ولكنه استبقاه حادثا ~~متغيرا، وأضاف الثبات والضرورة للعالم المعقول، ونبذ رأي الطبيعيين في الأجرام ~~السماوية وانحاز إلى العقيدة القديمة «كل ما هو سماوي فهو إلهي» وأقامها على افتقار ~~الحركة الدائرية لمحرك عاقل، فوفر بها حلقات في سلسلة الموجودات الروحية وأمكنة ~~لخلود النفوس الإنسانية، وأخذ التناسخ عن الفيثاغوريين، ومع أنه أضاف الإحساس ~~للنبات فقد قصر التناسخ على الحيوان، وكانوا يمدونه إلى جميع الأحياء، وبنى عليه ~~فكرته الغريبة في التطور النازل من الرجل إلى المرأة إلى أدنى أنواع الحيوان تبعا ~~للخطيئة ونقص العقل، فكان أمينا لمبدئه «إن النقص تضاؤل الكمال.» ~~(و) يبقى مسألتان؛ إحداهما: ما معنى حدوث العالم في القصة؟ والأخرى: ما هي بالضبط ~~فكرة الله عند أفلاطون بعد ما رأينا من اشتراك الألوهية وكثرة الآلهة؟! أما عن ~~المسألة الأولى فالواقع أن أسلوب هذه القصة غير مألوف في الفلسفة اليونانية، حتى ~~لقد قال أرسطو: «إن الأقدمين جميعا ما عدا أفلاطون اعتقدوا أن الزمان قديم، أما هو ~~فقد جعله حادثا؛ إذ قال: إنه وجد مع السماء، وإن السماء حادثة.» # 22 # وقد مر بنا ذلك ورأيناه يضع دورا خاضعا للآلية البحتة قبل تدخل ~~الصانع، فيكون مقصوده على الأقل أن العالم حادث في الزمان من حيث الصورة، وإذا ~~اعتبرنا قوله: إن النفس العالمية سابقة على جسم العالم وإنها مصنوعة، لزم أن جسم ~~العالم مصنوع أيضا، وأن العالم حادث مادة وصورة، فأخذنا عبارته «العالم ولد وبدأ ~~من طرف أول» بحرفيتها، على أن تلاميذه الأولين ومن جاء بعدهم من الأتباع قد عارضوا ~~أرسطو في إجرائه الكلام على ظاهره، وقالوا: إن «ثيماوس» قصة، وإن للقصة عند أفلاطون ~~حكما غير حكم الحوار والخطاب، وإن الغرض من تصويره العالم مبتدئا في الزمان، ومن ~~قوله: «قبل وبعد» سهولة الشرح فقط، والحق أن فكرتي حدوث العالم والإبداع من لا شيء ~~لم تكونا معروفتين لليونان، ولا يوجد في كتب أفلاطون نص يسمح بحل هذا الإشكال، ~~ولكنها جميعا ناطقة بأن النظام من الله، وهذا كاف لإقامة المذهب الروحي. ~~(ز) ولكن ما الله ms084 عند أفلاطون؟ فقد قيل من ناحية: إن إرسال الكلام على الصانع قصة ~~رمزية يجيز القول أن ليس الصانع شخصا قائما بذاته، ولكنه يمثل ما للمثل من قدرة ~~وعلية في المادة، والرد على هذا التأويل أن نفس البرهان وارد في «القوانين» وهي ~~ليست قصة، وقيل من ناحية أخرى: إن كل شيء عند أفلاطون إله أو إلهي: المثل ومثال ~~الخير ومثال الجمال، والصانع والنموذج الحي بالذات، والنفس العالمية والجزء الناطق ~~من النفس الإنسانية، وآلهة الكواكب، وآلهة الأولمب والجن، # 23 # فأين الله بين هؤلاء؟ وكيف وحدنا الصانع ومثال الخير ومثال الجمال، ولم ~~يقرب أفلاطون بينهم، بل تركهم متفرقين؟ مفتاح الجواب ما أشرنا إليه من اشتراك لفظ ~~الله والإلهي في لغته، وهو يقصد «مبدأ التدبير» متمايزا من المادة كل التمايز، ~~فحيثما وجد التدبير والنظام وجد العقل ووجدت الألوهية أي الروحية ولكن متفاوتة ~~بتفاوت الوجود، فالنفس الكلية وآلهة الكواكب - وأفلاطون لا يذكر آلهة الميثولوجيا ~~إلا تسامحا وبشيء من التهكم ظاهر - مدينون للصانع بوجودهم وخلودهم، فهم آلهة ~~باشتراك الاسم فقط، أما الصانع والخير والجمال والنموذج فتوحيدهم لا يكلف كبير ~~عناء، فهم من جهة موضوعون على قدم المساواة كل في قمة نوع أو «مقولة»: الصانع ~~الفاعل الأول، والخير غاية العقل القصوى، والجمال المطمح الأسمى للإرادة، والنموذج ~~أول المثل وحاويها جميعا، وهم من جهة أخرى موصوفون بعضهم ببعض: الصانع خير ومثال ~~الخير مصدر المثل والنموذج محلها، وكلهم جميل وكلهم أجمل الموجودات، فالله الصانع ~~من حيث هو علة فاعلية تطبع صور المثل في المادة «على نحو يصعب وصفه»، وهو النموذج ~~من حيث هو علة نموذجية تحتذى، وهو الجمال والخير من حيث هو علة غائية تحب وتطلب، هم ~~صفات لواحد ميزها أفلاطون بحسب المناسبات، وكان همه موجها لوضع المذهب الروحي ضد ~~الطبيعيين والسوفسطائيين ولم يكن لمسألة التوحيد في أيامه مثل ما صار لها من ~~الأهمية فيما بعد، فلما أحل الأعداد محل المثل في دروسه الأخيرة عبر عن الله ~~بالواحد «الواحد بالذات». ~~(36) النفس الإنسانية ~~(أ) رأينا نظرية المثل تتضمن القول بالنفس ms085 موجودة قبل اتصالها بالبدن من حيث إن ~~هذه المثل ليست متحققة في التجربة بما هي مثل ولا مكتسبة بالحواس؛ فلا بد من قوة ~~روحية تعقلها أو بالأحرى تذكرها بعد أن عقلتها في عالم يماثلها، ورأينا تفسير ~~الحركة يرجع إلى مبدأ غير مادي يتحرك بذاته ويحرك المادة، وهذا التفسير ينطبق على ~~العالم بالإجمال وعلى كل جسم بالخصوص، وإذن فللإنسان نفس، قد يقول قائل: ما النفس ~~إلا توافق العناصر المؤلفة للبدن وليس لها وجود ذاتي وإنما هي كالنغم بالإضافة إلى ~~الآلة والأوتار، # 24 # ولكن التوافق والنغم نتيجة والنتيجة لا تباين المقدمات والنفس تدبر ~~البدن وتتحكم في الأعضاء وتقاوم البدن بالإرادة متى كانت حكيمة ولم يكن ذلك ليتأتى ~~لو كانت النفس نتيجة تناسق عناصره وطبائعه فليست نغما ولكنها الموسيقي الخفي الذي ~~يحدث النغم، # 25 # وعلى ذلك فالنفس حقيقة لا ريب فيها يدل على وجودها تذكر المثل وحركة ~~الجسم وتدبيره بمقتضى الحكمة. ~~(ب) على أن رأي أفلاطون في ماهية النفس وعلاقتها بالجسم لا يخلو من التردد ~~والغموض، ففي المحاورة الواحدة «فيدون» يحد النفس تارة بأنها فكر خالص، وطورا ~~بأنها مبدأ الحياة والحركة للجسم دون أن يبين ارتباط هاتين الخاصتين، ولا أيتهما ~~الأساسية، كذلك الحال في علاقة النفس بالجسم، فتارة يعتبرهما متمايزين تمام التمايز ~~فيقول: إن الإنسان النفس، وإن الجسم آلة، وتارة يضع بينهما علاقة وثيقة فيذهب إلى ~~أن الجسم يشغلها عن فعلها الذاتي - الفكر - ويجلب لها الهم بحاجاته وآلامه، وأنها ~~هي تقهره وتعمل على الخلاص منه # 26 # دون أن يبين ماهية هذا التفاعل، بل هو يذهب بهذا التفاعل إلى حد علاج ~~الجسم بالنفس والنفس بالجسم # 27 # وقيام الشعور والإدراك في النفس عند تأثر الجسم بالحركة المادية على ما ~~بين هذه الحركة والظاهرة النفسية من تباين، وفي الجمهورية يرد الأفعال النفسية إلى ~~ثلاثة: الإدراك والغضب والشهوة، ويسأل: هل يفعل الإنسان بمبادئ ثلاثة مختلفة، أم أن ~~مبدأ واحدا بعينه هو الذي يدرك ويغضب ويحس لذات الجسم؟ فيقرر أن المبادئ عدة؛ لأن ~~شيئا ما لا يحدث ولا ms086 يقبل فعلين متضادين في وقت واحد ومن جهة واحدة، فلا يضاف ~~إليه حالات متضادة إلا بتمييز أجزاء فيه فيجب أن نميز في النفس جزءا ناطقا وجزءا ~~غير ناطق لما نحسه فينا من صراع بين الشهوة تدفع إلى موضوعها والعقل ينهى عنه، ~~ولنفس السبب يجب أن نميز في الجزء غير النطقي بين قوتين هما الغضب والشهوة: الغضب ~~متوسط بين الشهوة والعقل، ينحاز تارة إلى هذا وطورا إلى تلك، ولكنه يثور بالطبع ~~للعدالة، ونحن لا نغضب على رجل مهما يسبب لنا من ألم إذا اعتقدنا أنه على حق؛ لذلك ~~كثيرا ما يناصر الغضب العقل على الشهوة ويعينه على تحقيق الحكمة فيما هو خلو من ~~العقل والحكمة، # 28 # وهذا كلام لا غبار عليه إذا أريد به تمييز قوى ثلاث في النفس الواحدة، ~~ولكنا رأينا أفلاطون في «ثيماوس» يضع في الإنسان ثلاث نفوس ويعين لكل منها محلا ~~في الجسم فيزيد إلى صعوبة التوفيق بين النفس والجسم صعوبة التوفيق بين النفوس ~~الثلاث، وبينا هو في «فيدروس» يشبه النفس في حياتها السماوية الأولى بمركبة مجنحة، ~~الحوذي فيها العقل، والجوادان الإرادة والشهوة، # 29 # إذا بكلامه في «ثيماوس» يشعر أن الغضبية والشهوانية صنعهما الآلهة ~~للحياة الأرضية والوظائف البدنية. ~~(ج) وقد اختص أفلاطون مسألة الخلود بقسط كبير من عنايته، ذكرها في جميع كتبه ~~وخصص لها «فيدون» وكان يحس إحساسا قويا بخطورتها ووجوب بحثها، ونحن نجد في ~~«فيدون» ثلاثة أدلة على خلود النفس: يبدأ أفلاطون بأسهلها تناولا وهو التناسخ، ~~وتداول الأجيال البشرية، تلك العقيدة القديمة الأرفية الفيثاغورية، فيقول: إذا كان ~~صحيحا أن النفس التي تولد في هذه الدنيا تأتي من عالم آخر كانت قد ذهبت إليه بعد ~~موت سابق وأن الأحياء يبعثون من الأموات، ينتج لنا أن النفس لا تموت بموت الجسم، ~~ولكن هذا تسليم برأي متواتر لا تدليل؛ لذلك يحاول ربط هذا الرأي بقضية كبرى ~~واستخراجه منها نتيجة لازمة فيقول: إذا نظرنا في التغير بالإجمال - وهو قانون ~~العالم المحسوس - وجدناه تبادلا دائرا بين الأضداد يتولد الأكبر من الأصغر ~~والأحسن ms087 من الأسوأ وبالعكس، فتصح لدينا العقيدة القديمة بأن الحياة تبعث من الموت، ~~ولو لم يكن الأمر كذلك لكانت الأشياء قد انتهت إلى السكون المطلق، وإذن فقد كانت ~~النفس قبل الولادة وستبقى بعد الموت، ويتأيد هذا الدليل من ناحية أخرى: ذلك أن هناك ~~ضدين هما العلم والجهل، وبعثا من نوع آخر هو تذكر المثل بعد نسيانها، فإذا كانت ~~النفس قد عرفت المثل قبل هبوطها إلى الأرض فليس ما يمنع بقاءها بعد الموت. # 30 # والدليل الثاني يدور على تعقل المثل: فإن هذه بسيطة ومن ثمت فهي ~~ثابتة؛ إذ إن المركب هو الذي ينحل إلى بسائطه ويتحول، أما البسيط فلا يجوز عليه ~~تحول أو انحلال، فلا بد أن تكون النفس التي تعقل المثل شبيهة بها على حسب القول ~~القديم «الشبيه يدرك الشبيه» وعلى ذلك فالنفس بسيطة ثابتة. # 31 ~~«ويسكت سقراط ويسكت الجميع وبعد هنيهة يقول سيمياس: إن العلم بحقيقة ~~مثل هذه الأمور ممتنع أو عسير جدا في هذه الحياة ولكن من الجبن اليأس من البحث ~~قبل الوصول إلى آخر مدى العقل فيجب إما الاستيثاق من الحق، وإما - إن امتنع ذلك - ~~استكشاف الدليل الأقوى والتذرع به في اجتياز الحياة كما يخاطر المرء يقطع البحر على ~~لوح خشب، ما دام لا سبيل لنا إلى مركب أمتن وآمن؛ أعني إلى وحي إلهي» (ص ~~85). # ويقول قابس: إن كل ما يلزم من الدليل الأول بفروعه الثلاثة هو أن النفس كانت قبل ~~الولادة، ومن الثاني أنها شبيهة بالمثل، فمن هذين الوجهين لا تتنافى خصائصها مع ~~البقاء، أما البقاء نفسه فلم يقم الدليل عليه؛ إذ من يدرينا؟ لعل النفس تفنى بتلاشي ~~قوتها بعد أن تكون تقمصت أجساما عدة، # 32 # هنا يلجأ أفلاطون إلى نظريته في المشاركة ويقدم دليلا ثالثا فيقول: ~~لما كانت النفس حياة فهي مشاركة في الحياة بالذات ومنافية للموت بالطبع، وليست تقبل ~~الماهية ما هو ضد لها؛ فالنفس لا تقبل الموت. # 33 # فيقتنع قابس ويعلن سيمياس أنه مقتنع أيضا إلا أن شعوره المزدوج بعظم ~~المسألة وبالضعف البشري يضطره ms088 لبعض التحفظ بإزاء هذه الأدلة على وجاهتها، فيسلم له ~~سقراط بحقه في هذا التحفظ ويزيد قائلا: بل إن المقدمات أنفسها مفتقرة لبحث أوكد. # 34 ~~(د) وإذا رحنا نحن نقوم أدلته ونمتحن مقدماتها كما يريد وجدنا الأول يسلم ~~بالدور تسليما، فلا يحاول دعمه حتى يقع في غلط هو أشبه بالمغالطة حين يدعي أن الضد ~~يخرج من الضد وكلامه يدل فقط على أن الضد لا ينقلب إلى ضده حتى يتلاشى أولا كالحار ~~والبارد أو يكسب أو يخسر شيئا كالصغير يصير كبيرا وبالعكس، أما التذكر فليس ~~التفسير الوحيد لتعقل الكليات فقد نجردها من الجزئيات على مذهب أرسطو، وأما أن ~~النفس حياة وحركة فلا يدل قطعا على بقاء النفوس إلا إذا صح أن الحركة والحياة لها ~~بذاتها أو أن مشاركتها في الحياة بالذات لا يجوز أن تكون مؤقتة كسائر المشاركات أو ~~أن بقاء العالم قضية ضرورية، يبقى تعقل المثل وهو الدليل الأقوى فيما نرى؛ فإنه ~~ينظر للنفس في ذاتها لا بالإضافة للجسم وللطبيعة ويراها روحية تدرك الروحيات وتتوق ~~إليها وتعلم ما بينها وبين المادة من تغاير وأن حياتها الخاصة لا تتحقق تماما إلا ~~بخلاصها من المادة في عالم روحي مثلها: وهذا لب عقيدة أفلاطون، وما عداه محاولة ~~لتوكيدها. # وسواء أفلحت هذه المحاولة أم أخفقت فالعقيدة ثابتة «يدافع عنها بشدة» # 35 # هي ثابتة من مذهبه بأكمله؛ إذ يستحيل على من اقتنع بالعقل والروح ~~والفضيلة أن يصدق بفناء النفس وغلبة المادة وبطلان الحياة الإنسانية، وكيف لا نعجب ~~بهذا الرجاء وهذا الشوق إلى السماء وهذا الأسف الرائع؛ لأن وحيا إلهيا لم ينزل ~~ليحيل الرجاء الجميل يقينا وطيدا؟ نقطة واحدة تشوب هذا المذهب: هي التناسخ، وقد ~~كان في وسع أفلاطون أن يمحوها وهو القائل: «إن النفس الحيوانية التي لم تدرك ~~الحقيقة قط لا تستطيع أن تقوم في جسد إنساني» # 36 # فكيف تقوم نفس إنسانية في جسم حيواني؟ نحن نعلم أن التناسخ ركن من ~~أركان مذهبه (34-أ، 36-ج) ولكن كان في وسعه أن يضع نفسا للمرأة ونفوسا حيوانية ~~مترتبة ms089 بترتب الأنواع - كما وضع نفسا نباتية - وأن يحصر التناسخ في دائرة النوع، ~~الخيال هو الذي طغى هنا على المنطق، ويغتفر لأفلاطون أنه كان يصدر عن وجوب التكافؤ ~~بين العمل والجزاء وإيمانه بالعدالة الإلهية. # الفصل الرابع # | الأخلاق # (37) القانون الخلقي والطبيعة ~~(أ) لما كان أفلاطون قد ميز بين العقل والحس والنفس والجسم؛ فقد ميز في الأخلاق ~~بين اللذة والألم من جهة، والفضيلة والرذيلة من جهة أخرى، وكما أنه حارب الحسيين في ~~المعرفة، والآليين في الطبيعة؛ فقد أعلن الحرب على السوفسطائيين وتلاميذهم القائلين ~~باللذة، عرض نظريتهم في أقوى صورها وأبعد نتائجها ثم فندها تفنيدا، # 1 # قالوا: إن القانون الخلقي الذي يخشاه الناس إنما هو من وضع الناس ~~كالقانون المدني لا من وضع الطبيعة، بل إن الطبيعة تعارضه وتأباه: فبحسب الطبيعة ~~الأمر الأقبح هو الأخسر، والأخسر تحمل الظلم، وبحسب القانون ارتكاب الظلم هو الأخسر ~~الأقبح، ولقد نشأ هذا التباين من أن القانون سنه الضعفاء والسواد الأعظم بالإضافة ~~إلى مصلحتهم الخاصة، فقصدوا إلى تخويف الأقوياء وصدهم عن التفوق عليهم، وذهبوا إلى ~~أن الظلم يقوم بالذات في إرادة التسامي على الآخرين، ولكن الطبيعة تقدم الدليل على ~~أن العدالة الصحيحة تقضي بأن يتفوق الأحسن الأقدر، فترينا أن هذا هو الواقع في كل ~~موطن: في الحيوان والإنسان، في الأسر والمدن، وأن علامة العدالة سيادة القوي على ~~الضعيف، وإذعان الضعيف لهذه السيادة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى الكل يطلب ~~السعادة، فكيف يستطيع أن يعيش سعيدا من يخضع لأي شيء كان قانونا أم إنسانا؟ ألا ~~إن العدالة والفضيلة والسعادة على حسب الطبيعة أن يتعهد الإنسان في نفسه أقوى ~~الشهوات ثم يستخدم ذكاءه وشجاعته لإرضائها مهما تبلغ من قوة، مع تظاهره بالصلاح ~~لإسكات العامة والانتفاع بحسن الصيت، ولا يتسنى هذا لغير الرجل القوي؛ لذلك ترى ~~العامة تعنف الذين تعجز عن مجاراتهم لتخفي بهذا التعنيف ضعفها وخجلها من هذا الضعف، ~~وتعلن أن الإسراف عيب محاولة أن تستعبد من ميزته الطبيعة من الرجال، وتشيد بالعفة ~~لقصورها عن إرضاء شهواتها الإرضاء التام، وبالعدالة ms090 لجبنها وقعودها عن عظائم ~~الأمور، ولو صح ما تقول من أن السعادة في الخلو من الحاجات والرغائب لوجب أن ندعو ~~الأحجار والأموات سعداء. ~~(ب) هذي دعاوى السوفسطائيين، فلنسألهم أولا: أليس يتفق مع الطبيعة أن الكثرة ~~أقدر من الفرد؟ فإن كانت الكثرة هي التي فرضت القانون فهي الأحسن من حيث إنها ~~الأقدر وقوانينها حسنة حسب الطبيعة؛ لأنها قوانين الأقدر، وإن كانت ترى أن العدالة ~~تقوم بالمساواة وأن الظلم أقبح من الانظلام فرأيها مطابق للطبيعة، وإذن فلا تعارض ~~بين الطبيعة والقانون. ولنسألهم ثانيا: من هو الأحسن الأقدر الذي يتمدحون به؟ وهل ~~هاتان الصفتان متلازمتان أم يمكن أن يكون إنسان حسنا ضعيفا معا، قويا رديئا ~~معا؟! مهما نقلب المسألة فلا محيص من التسليم بأن الأحسن هو الأحكم في عمله، أيا ~~كان هذا العمل، وأن الحكيم بالإجمال هو الملتزم جادة القصد والاعتدال، والحكيم في ~~السياسة على الخصوص هو الذي يحقق في نفسه هذا الاعتدال ويضبط شهواته قبل أن يحكم ~~الآخرين، وإلا ساءت حاله وحالهم جميعا، ولنتصور رجلهم الأقوى الذي يقيمونه مثلا ~~أعلى وقد بلغ إلى قمة السلطان فصار طاغية لا يردعه رادع من ضميره ولا من الناس ولا ~~تشتهي نفسه شيئا حتى تنال من اللذات أصنافا، هل هو سعيد؟ كلا، بل إن حياته مخيفة ~~تعسة فإن جزء النفس الذي تقوم فيه الشهوة لا يعرف القصد ولكنه يميل بالطبع إلى ~~الإسراف، ولما كان الاشتهاء ألما من الحرمان كان إنماء الشهوات لأجل إرضائها عبارة ~~عن تعهد آلام في النفس لا تهدأ، وكانت حياة الشهوة موتا متكررا، مثلها مثل الدن ~~المثقوب تصب فيه فلا يمتلئ، أو مثل الأجرب لا يفتأ يحس حاجته لحك جلده فيحك بقوة ~~فتزيد حاجته ويقضي حياته في هذا العذاب، أو مثل مدينة رعاعها هائجة مائجة، أو مثل ~~مسخ متعدد الرءوس، وسبع جائع تمزقه الشهوات وتتغذى بلحمه ودمه وهو لا يملك فكاكا ~~بعد أن ارتمى بين أيديها عبدا وضحية، هذا المخلوق لا يمكن أن يحبه الناس ولا ترضى ~~الآلهة عنه، بل لا تمكن معاشرته ms091 فلا يذوق لذة الصداقة، فهو شقي للغاية، والدولة ~~التي يحكمها أشقى الدول. ~~(ج) فلا تقل: إن السعادة تقوم في الشهوة القوية وفي اللذة بالإطلاق، ولكن قل: إن ~~الإنسان أسعد في النظام منه في الإسراف، ولو اتبعنا حساب أصحاب اللذة بشرط أن نضبط ~~الحساب لوجدنا أن الحياة الفاضلة هي أيضا ألذ حياة، تمتاز بخفة الانفعال وضعف ~~اللذة والألم، ولكن اللذة فيها أغلب وأدوم، في حين أن الألم أغلب وأدوم في حياة ~~الرذيلة، فالقائلون باللذة لا يقدرون مرمى قولهم ولا يدرون ما يريدون: يطلبون ~~السعادة وفق الطبيعة، فتنكل بهم الطبيعة شر تنكيل، وتؤيد القانون الذي يسخرون ~~منه، وما ذلك إلا لأن القانون مستخرج من الطبيعة مفهومة على حقيقتها، وهي تضطر ~~الناظر في السيرة الإنسانية أن يعدل عن اللذة إلى المنفعة، وأن يحكم على الأولى ~~بالثانية، فيقر أن من اللذات ما هو حسن أي نافع، وما هو رديء أي ضار، وأن من الآلام ~~ما هو حسن نافع كتعاطي الدواء وتحمل العلاج، وما هو رديء ضار، وأن اللذات والآلام ~~الحسنة هي التي تطلب، واللذات والآلام الرديئة هي التي تجتنب، وأن النافع ما يجلب ~~الخير، والضار ما يجلب الشر، والمنفعة التي توسم بالخير هي التي تكمل الشيء وفق ~~حقيقة هذا الشيء، والضرر الذي يوسم بالشر هو الذي ينتقص الشيء أو يقضي عليه، فإن كل ~~شيء إنما يقوم بالنظام والتناسب فإذا اختل النظام فقد الشيء قيمته وفضيلته، إن ~~الذين نسميهم أخيارا وأشرارا يحسون اللذة والألم على السواء فليس الأخيار أخيارا ~~باللذة بل بالخير، وليس الأشرار أشرارا بالألم بل بالشر، وكما أن الكيفية التي ~~تحدث في الجسم عن النظام والتناسب تدعى الصحة والقوة، فإن النظام والتناسب في النفس ~~يسميان القانون والفضيلة. ~~(38) الفضيلة ~~(أ) الفضائل ثلاث تدبر قوى النفس الثلاث: الحكمة فضيلة العقل تكمله بالحق، والعفة ~~فضيلة القوة الشهوانية تلطف الأهواء فتترك النفس هادئة والعقل حرا، ويتوسط هذين ~~الطرفين الشجاعة وهي فضيلة القوة الغضبية تساعد العقل على الشهوانية فتقاوم إغراء ~~اللذة ومخافة الألم، والحكمة أولى الفضائل ومبدؤها؛ فلولا ms092 الحكمة لجرت الشهوانية ~~على خليقتها، وانقادت لها الغضبية، ولو لم تكن العفة والشجاعة شرطين للحكمة تمهدان ~~لها السبيل وتتشرفان بخدمتها لما خرجتا من دائرة المنفعة إلى دائرة الفضيلة؛ إذ «ما ~~الهرب من لذة لنيل أعظم سوى عفة مصدرها الشره، وما خوض الخطر لاجتناب خطر آخر سوى ~~شجاعة مصدرها الخوف، ليست الفضيلة هذه الحسبة النفعية التي تستبدل لذات بلذات ~~وأحزانا بأحزان ومخاوف بمخاوف كما تستبدل قطعة من النقد بأخرى؛ فإن النقد الجيد ~~الوحيد الذي يجب أن يستبدل بسائر الأشياء هو الحكمة، بها نشتري كل شيء ونحصل على كل ~~الفضائل، أما الفضيلة الخالية من الحكمة والناشئة عن التوفيق بين الشهوات فهي فضيلة عبدة.» # 2 # فالفضيلة إذن من جنس العقل والنفس ولا يسوغ أن نذكرها إلا بالإضافة ~~إليهما، والحياة الفاضلة لا تستمد قيمتها من لذتها أو منفعتها بل من هذه الإضافة، ~~ويستحيل على من ينكر النفس والعقل أن يبلغ إلى معنى الفضيلة. ~~(ب) وإذا ما حصلت هذه الفضائل الثلاث للنفس فخضعت الشهوانية للغضبية، والغضبية ~~للعقل، تحقق في النفس النظام والتناسب، ويسمي أفلاطون حالة التناسب هذه بالعدالة ~~باعتبار أن العدالة بوجه عام إعطاء كل شيء حقه، فليست العدالة عنده فضيلة خاصة ~~ولكنها حال الصلاح والبر الناشئة عن اجتماع الحكمة والشجاعة والعفة، أما العدالة ~~الاجتماعية فهي تحقيق مثل هذا النظام في علاقات الأفراد، فإن الرجل الصالح في نفسه ~~صالح بالضرورة في معاملاته والعكس بالعكس، بل إن العدالة تستتبع الإحسان تاما ~~شاملا، فلا نحدها بأنها الإحسان إلى الأصدقاء والإساءة إلى الأعداء؛ لأن الإساءة ~~إساءة للنفس أولا، فالذي يقابل الشر بالشر يفقد عدالته ويزيد الشرير شرا فتنتج ~~هذه العدالة المزعومة ضدها من الناحيتين وهذا خلف، استمع إلى سقراط يتحدى ~~السوفسطائيين، ويقلب آيتهم رأسا على عقب؛ حيث يقول: «أنا لا أبتغي ارتكاب الظلم ~~ولا تحمله، ولكن إذا وجب الاختيار فانا أختار الثاني.» ويقول: «أنا أنكر أن يكون ~~منتهى العار أن أصفع ظلما أو أن تقطع أعضائي أو أن أسلب مالي، وأدعي أن العار يلحق ~~المعتدي وأن الظلم أقبح ms093 وأخسر لصاحبه منه لضحيته.» # 3 ~~(ج) وتستتبع العدالة السعادة مهما يكن من حال الجسم وشئون هذه الحياة؛ لأن ~~العدالة خير النفس، والنفس أسمى وأبقى من الدنيويات جميعا؛ فقد تنزل بالعادل ~~المصائب ويتهم كذبا ويجلد ويعذب ويوثق بالأغلال وتكوى عيناه ويعلق على صليب وهو ~~سعيد بعدالته، أما الطاغية الذي ينكل بالناس، وأما السياسي الذي يوقع بخصومه ~~فكلاهما شقي حقيق بالرثاء؛ لأن الظلم أعظم الشرور، وليست المسألة بيننا وبين ~~السوفسطائيين إن كان الظالم منتصرا دائما أم غير منتصر ولكن إن كان سعيدا أم ~~شقيا، وقد أوردنا لها حلا أولا لما خاطبناهم بلغتهم وجادلناهم من وجهتهم فبينا ~~أنه تعس معذب في جسمه وشعوره، والآن وقد عرفنا النفس والفضيلة نستطيع أن نسلم لهم ~~جدلا بأنه موفق هانئ في ظلمه ونؤكد مع ذلك أنه شقي غاية الشقاء؛ لأنه ظالم، وأن ~~العادل سعيد؛ لأنه عادل، بل نتحداهم مرة أخرى ونذهب إلى أن الظالم أشقى إن لم يكفر ~~عن آثامه، ومعنى التكفير تحمل القصاص العادل، وكل ما هو عادل فهو جميل فتحمل القصاص ~~جميل، وهو خير يستقيم به النظام وتخلص به النفس من شرها الذي هو أعظم الشرور؛ لأنه ~~شر النفس، وكما أن علاج الطبيب مفيد ولم يكن مستحبا وأن السعادة الكبرى للجسم أن ~~لا يمرض أبدا ويليها أن يشفيه الطب إذا مرض، فإن أسعد الناس البريء من الشر ويليه ~~الذي يشفى من شره، أما الذي يحتفظ بشره فأشقى الناس لا يدري أن مصاحبة الجسم المريض ~~لا تعد شيئا مذكورا بالقياس إلى مصاحبة النفس المريضة، وكما أن المريض يسعى إلى ~~الطبيب ويتحمل الكي والشق، كذلك يجب على الخاطئ أن يسعى إلى القاضي بنفسه فيعترف ~~بخطيئته ولا يكتمها في صدره، ويطلب العقاب ولا يتهرب منه، فإن استحق الجلد قدم جسمه ~~للسوط أو استحق الغرامة أداها أو النفي رحل عن وطنه أو الموت تجرعه، فإن التكفير ~~أفضل الخيرات بعد البر. ~~«هذي حقائق قائمة على أدلة من حديد وماس» من يعلمها بأدلتها ومراميها يأت الخير ~~حتما من حيث إن الإنسان ms094 يطلب الخير بالضرورة ويستحيل عليه أن يؤثر الشر مع علمه ~~بالخير علما صحيحا، أما الذي يعلم الخير ويأتي الشر فعلمه ناقص وحقيقته أنه «ظن» ~~قلق عار من الأصول والنتائج لا يقوى على إغراء اللذة والمنفعة، # 4 # فالفضيلة علم والفاضل هو الحاصل على العلم بالخير يعرف ما يجب أن يفعل ~~في كل حالة؛ لأن نظره شاخص دائما إلى الخير المطلق، فالفاضل دليل يجب الاسترشاد ~~بفكره كما يسترشد بالقيثاري لتعلم العزف على القيثارة، أما الرذيلة فجهل بالخير ~~الحقيقي واغترار بالخير الزائف. # 5 ~~(39) الأخلاق والجدل الصاعد ~~(أ) كل هذا الحوار وكل هذا الجهد في إقامة الأخلاق اضطر إليهما أفلاطون لمحاربة ~~جهل السوفسطائيين، ولكنه سلك طريقا آخر معبدا هينا هو طريق الجدل: فإن للإرادة ~~جدلها كما أن للعقل جدله، طريقان متوازيان يقطعان نفس المراحل ويتقابلان عند نفس ~~الغاية في اللانهاية ... غاية تتلاشى دونها الغايات وتسقط الاعتراضات وتستقر عندها ~~النفس في غبطة ليس بعدها غبطة، فلنسر إذن وراء أفلاطون نر أن الحياة الحكيمة هي ~~المطلب الحقيقي للنفس، وأن الجهل هو علة الإعراض عنها والامتناع عليها؛ ذلك أنا إذا ~~تأملنا النفس وجدنا فيها قوة عظمى تحركها أبدا هي الحب، والحب اشتهاء صادر عن ~~الحرمان؛ إذ ما من أحد يشتهي ما هو حاصل له، هو قلق دائم وشوق إلى الخير أي إلى ما ~~شأنه أن يعوض من الحرمان وجودا فيملأ فراغ النفس، فالحب مبدؤه الخير وغايته الخير ~~هو وجود ناقص ووسط متحرك من الحرمان إلى الوجود الذي لا يفنى، هو اشتهاء الحصول على ~~الخير حصولا دائما، هو جهد الكائن الفاني في سبيل الخلود، فإن اشتهاء الخلود متحد ~~باشتهاء الخير وليس يعقل أن يطلب الخير إلى أجل. ~~(ب) ويتجه الحب أول ما يتجه إلى جمال الأجسام والأشكال، عند هذا الجمال يقف ~~الأكثرون ظانين أنه الغاية، ولكن النفس الحكيمة تدرك أنه زائف زائل لا يبرد شوقها ~~ولا ينضب معين حبها، فتجاوز هذا الوهم، وتدرك أن الجمال المتحقق في جسم هو أخ ~~للجمال المتحقق في سائر الأجسام، وأن الجمالات الجسمية ms095 أشباه بعيدة لجمال واحد ~~بعينه يحويها في وحدته هو مثال الجمال المحسوس فتخلص النفس من التعلق بواحد وتمد ~~إعجابها ومحبتها إلى الجمال الحسي أينما تألق لعينيها، ثم تدرك أن ما تحب في ~~الأجسام إنما هي صفاتها، وأن هذه الصفات فائضة عليها من النفس مصدر حياتها، فترتفع ~~من المعلول إلى العلة وتنفذ إلى النفس، تنفذ إليها مهما كان غلافها دميما لعلمها ~~أن النفس جميلة في ذاتها فتتعلق بها، ثم تعلم أن النفوس مشتركة في جمال واحد هو ~~الجمال المعنوي، فتصعد من جمال النفوس إلى جمال الفنون، فإلى جمال العلوم النظرية، ~~ولا تزال تصعد من علم إلى علم حتى تبلغ إلى الجمال كله، فتقف متأملة وتتهيأ بهذا ~~التأمل إلى مشاهدة الجمال المطلق غير المخلوق وغير الفاني، لا يزيد ولا ينقص ولا ~~يتغير بحال، الجمال بالذات الذي يحب لذاته، من يشاهده يتعلق به ويخلد فيه، إن ما ~~يعطي قيمة لهذه الحياة إنما هي مشاهدة الجمال السرمدي نقيا لا تشوبه شائبة، ~~بسيطا لا تغطيه أشكال وألوان مصيرها إلى الفناء. هذي مراحل الحب يقطعها في البحث ~~عن ضالته وشفاء لغليله فهو واسطة ومساعد يحفز النفس إلى الكمال، ويهيج فيها الذكرى ~~القديمة: ذكرى المثل والحياة السماوية الأولى، ذكرى الفردوس المفقود تحن إليه بكل ~~جوارحها، فالمحب الحقيقي الكامل - الأفلاطوني - هو الفيلسوف يزدري الجمال الزائل ~~الذي يملأ النفس جنونا؛ ليتعلق بالجمال الدائم. # 6 ~~(ج) انظر الآن إلى أفلاطون يصور هذا المحب الكامل والحكيم العادل رجلا حيا ~~يشعر ويعقل ويتكلم: هذا الرجل هو سقراط في سجنه وقد دنا أجله، ليس يكفي القول في ~~وصف حاله أنه لا يخشى الموت أو أنه ينتظره بشجاعة فهو مغتبط به أشد اغتباط، هو يعلم ~~أننا ملك الآلهة وأن الانتحار انتقاض على إرادتهم، ولكنه يرحب بالموت يأتي على يد ~~غيره؛ لأن الفيلسوف يحس الشوق إلى الإلهيات، ويحس ثقل الجسم يعوقه عن اللحاق بها، ~~فالموت خلاص النفس وبداية حياة جديدة مع الآلهة، والفيلسوف الحق يجتهد ساعة فساعة ~~أن يعيش في هذه الدنيا العيشة الروحية التي ms096 يشتهيها، وأن يتعجل الحياة الأخرى ~~بممارسة العفة بمعناها الأسمى، وهو الرغبة عن اللذة والتجرد من الجسم والمران على ~~الموت، فيبلي جسمه ويصفيه من المادة بقدر الاستطاعة؛ لأنه يعلم أن سعادته في التشبه بالله! # 7 # الفصل الخامس # | السياسة # (40) المدينة الفاضلة ~~(أ) السياسة عند أفلاطون العدالة في المدينة، كما أن الفضيلة العدالة في الفرد؛ ~~لذلك يفتتح القول في «الجمهورية» بالرد على السوفسطائيين والبرهنة على أن العدالة ~~قائمة على الطبيعة لا على العرف، وغرضه أن يبني مدينته على أساس من العدالة متين، ~~ثم ينظر في الاجتماع فيقرر أنه ظاهرة طبيعية ناشئة من تعدد حاجات الفرد وعجزه عن ~~قضائها وحده، تألف الناس أولا جماعات صغيرة تعاونت على توفير المأكل والمسكن ~~والملبس، ثم تزايد العدد حتى ألفوا مدينة، فلم تستطع أن تكفي نفسها بنفسها، فلجأت ~~للتجارة والملاحة، هذه المدينة الأولى مدينة الفطرة، مثال البراءة السعيدة، ليس لها ~~من حاجات إلا الضرورية وهي قليلة ترضيها بلا عناء، يقنع أهلها بالشعير والقمح ~~والخضر والثمار والخمر الخفيفة فيعيشون عيشة سليمة ويعمرون، لا يعرفون الفاقة ولا ~~الحرب. # ولكن هذا العصر الذهبي انقضى يوم فطن الناس إلى جمال الترف والفن فنبتت فيهم ~~حاجات جديدة واستحدثوا صناعات لإرضائها، وضاقت الأرض بمن عليها، فنشبت الحروب ~~وتألفت الجيوش، هذه المدينة الثانية هي المدينة المتحضرة وهي عسكرية، فعلى أية صورة ~~نبني مدينتنا لنحقق فيها العدالة؟ يجب أن نشخص بأبصارنا إلى «المدينة بالذات»: نجد ~~أن بينها وبين النفس شبها قويا، فإن للمدينة ثلاث وظائف: الإدارة والدفاع ~~والإنتاج، تقابل قوى النفس الثلاث: الناطقة والغضبية والشهوانية، وهذه الوظائف ~~متباينة، فلا يمكن أن تتركب المدينة من أفراد متساوين متشابهين، وإنما يجب أن تتركب ~~من طبقات متفاوتة لكل منها وظيفة وكفاية خاصة لهذه الوظيفة، وأن يؤلف مجموعها وحدة ~~تشبه وحدة النفس في قواها الثلاث، فترتب الطبقات فيما بينها كترتب القوى النفسية ~~والفضائل الخلقية وإلا توزعت الجهود وبذلت اتفاقا وفات الناس الغرض من الاجتماع، ~~هذه الطبقات الثلاث هي: الحكام والجند والشعب، والطبقتان الأولى والثانية حراس ~~المدينة، فكيف نحصل على حراس ms097 أشداء فضلاء؟ # 1 ~~(ب) يجب على الذين يتولون بناء المجتمع المنشود أن يميزوا من بين الأحداث أصحاب ~~الاستعداد الحربي، فيفصلوهم طائفة مستقلة ويتعهدوهم بالتربية، عليهم أن يرتبوا لهم ~~رياضة بدنية تنشئهم أصحاء أقوياء، وعليهم أن يغذوا نفوسهم بالآداب والفنون، فتكون ~~التربية واحدة للجميع إلى حوالي الثامنة عشرة، وتكون سهلة لذيذة؛ لأن الإكراه لا ~~يكون الرجال الأحرار، وتكون فاضلة: تبدأ بالقصص الجدية البريئة الحاثة على الخير، ~~وتستبعد منها قصص هوميروس وهزيود ومن نحا نحوهم من الشعراء؛ فإنها مرذولة من حيث ~~المادة ومن حيث الصورة، أما من حيث المادة فقد سممت عقول اليونان وأفسدت ضمائرهم ~~بما تروي عن الآلهة والأبطال من أخبار الخصومات وقبيح الأفعال، وبما لا تفتأ تردده ~~من أن الرجل العادل يعمل لخير غيره وشقاء نفسه، وبما تصف من هول الموت وتفاهة ~~الحياة الأخرى مما يوهن العزيمة، ويقعد عن الجهاد في سبيل الوطن، وأما من حيث ~~الصورة فإن الفن يقوم بالمحاكاة ويخلق المحاكاة، والشعر بألفاظه وأوزانه يحاكي كل ~~شيء: القوى الطبيعية والحيوانات والبشر والنزعات الرفيعة والشهوات الدنيئة، فيبعث ~~في النفس مثل ما يصف من العواطف والأفعال، والمحاكاة المتصلة تصير عادة، فتلقين ~~الحراس القصص القديمة يفسد طبيعتهم، فنحن مع إعجابنا بمحاسن هذا الشعر ننعته بأنه ~~معلم وهم، ونعمد إلى صاحبه فنضع إكليلا على رأسه ونشيعه إلى حدود المدينة فننفيه ~~منها ونحن نترنم بمديحه، ولا نستبقي غير الشاعر عف اللسان سديد الرأي هادئ النسق ~~يحاكي الخير ليس إلا. # 2 ~~(ج) وينتقل أفلاطون من الشعر الهوميري إلى الفن بالإجمال # 3 # ويتحامل عليه ويتعسف في نقده، فهو لا يرى الفن شيئا أولا له قيمة في ~~ذاته، ولكنه يضعه في المرتبة الثالثة بعد المثال أو الوجود الحق، وبعد صورته ~~المحسوسة المتحققة في الطبيعة، فإن الفن يحاكي الوجود الطبيعي، وهذا الوجود يحاكي ~~المثال، فالفن صورة الصورة وشبح الشبح: يصنع النجار السرير محاكيا مثل السرير ~~ويصور المصور سرير النجار، فهو ليس حاصلا على العلم الحق الذي موضوعه المثال أو ~~الشيء بالذات ولا على الظن الصادق، وإنما هو ms098 جاهل مخادع يأخذ على نفسه محاكاة ~~الأشياء الطبيعية فيبرزها مشوهة في غير نسبها الحقيقية من حيث المقدار والشكل، ~~ولكنه لا يخدع إلا عن بعد، ولا يخدع إلا الجهلاء، كذلك قل في الشاعر؛ فإنه لو كان ~~يعلم حقا ما يتظاهر بعلمه لكان يعمل بدل أن يقول، لكان يقود الجيوش أو يشرع ~~القوانين، وهوميروس لم يفعل شيئا من ذلك، ولكان يؤثر أن يحيا حياة مجيدة، وهوميروس ~~ارتضى لنفسه أن يكون قصاصا للحياة المجيدة وراوية، فالفن بالإجمال أداة إيهام ~~وتخييل، والشعر دجل كالتصوير إذا نزعت عنه سحر اللفظ والتوقيع بدا شاحبا فقيرا، ~~وهو يستطيب وصف العواطف وهي متقلبة متنوعة، ولا يجد له موضوعا في العقل الثابت ~~الهادئ فيهيج العواطف ويشل العقل، مثله مثل طاغية يقلد السلطة للأشرار، ويضطهد ~~الأخيار، فإنه يوحي العطف على أفعال وانفعالات رديئة، ويضعف إشرافنا على الجزء ~~الشهوي من النفس فيحرك فينا البكاء تارة والضحك طورا، ويدفعنا ونحن نشهد التمثيل ~~إلى استحسان ما ننكر في الحياة الحقيقية وإلى التصفيق لما نغضب له في الواقع، ~~والتراجيديون لا يرمون لغير إحراز إعجاب الجمهور، والجمهور لا يميل للأشخاص الحكماء ~~الرزينين؛ بل يطلب أشخاصا شهويين متقلبين تملأ تقلباتهم وشهواتهم القصة فيلهو بها ~~ويميل معها إلى كل جانب، وأما الكوميديا فهي رديئة بالذات تضحك من إخواننا في ~~الإنسانية، وتنمي حاجة المزاح والسخرية، وإذن فعلى الشارع أن يراقب جميع مظاهر الفن ~~وجميع الفنانين من شعراء ومغنين وممثلين ومصورين وغيرهم، فيخلق بيئة كلها جمال سليم ~~رزين، وينشئ مواطنين كاملين يتوجهون إلى الفضائل عفوا، ويصون نفوسهم من كل خدش؛ إذ ~~ليست الغاية من الفن توفير اللذة بل التهذيب والتطهير. ~~(د) ولا شك أن وضع أفلاطون الفن في المرتبة الثالثة بعد المثال وشبحه المحسوس ~~تحامل وتعسف، وكان المعقول أن يساوي بين الفنانين والصناع فيعترف للأولين أنهم ~~يحاكون المثل مباشرة كما يحاكيها الآخرون، ولكنها حماسة الحرب دفعته إلى المغالاة، ~~والغيرة الحارة على الخير نبهته إلى مخاطر الفن، فراح يمتهنه ويذله وهو الفنان ~~العظيم، وعلى أي حال لم يكن في وسع ms099 أفلاطون أن يتابع القائلين بالفن لأجل الفن بعد ~~أن ميز بين الخير والشر ونصب الطهارة مثلا أعلى للإنسان وهو يعلن أن المسألة مسألة ~~العدالة، وأن الواجب إيثار العدالة على كل شيء، وإنما شدد النكير على الشعر ~~الهوميري؛ لأن هذا الشعر كان قوة هائلة يأخذ عنه اليونان جيلا بعد جيل حكمة الحياة ~~في الأخلاق والدين والسياسة والحرب والصناعات؛ فكان خطره عظيما وسحره فعالا، وكما ~~أن أفلاطون حارب السوفسطائيين وعرض بيانهم بالفلسفة؛ فقد أراد أن يخضع لها الفن ~~أيضا ويقيده بحدودها - لنعد إلى منهج التربية وبناء المدينة. ~~(41) الحكومة المثلى ~~(أ) وعند الثامنة عشرة ينقطع الحراس عن الدرس ويزاولون الرياضات البدنية ~~والتمرينات العسكرية، فإذا ما بلغوا العشرين فصل الأجدرون منهم طائفة على حدة ~~يعكفون على دراسة الحساب والهندسة والفلك والموسيقى، وهي العلوم التي تستغني عن ~~التجربة وتستخدم البرهان؛ فتنبه الروح الفلسفي، وواضح أنهم لا يستطيعون، مع ما لهم ~~من المقام الرفيع وما عليهم من التكاليف العديدة، أن يسعوا لتحصيل معاشهم، فيجب أن ~~نوفره لهم ونحن بهذا التوفير نهيئ لهم الفراغ اللازم لاستكمال تهذيبهم، ونبعد عنهم ~~كل ما من شأنه أن يغريهم بأن يحولوا وظيفتهم إلى تسلط واستمتاع فينقلبون أسيادا ~~وطغاة، ونحن نريدهم حراسا ليس غير؛ لذلك يعيشون معا ويأكلون معا، يقدم لهم الشعب ~~مئونتهم فلا يحتاجون لذهب ولا فضة فيحظر عليهم اقتناء أي شيء منهما، سواء أكان ~~نقودا أو آنية أو حليا، ويحظر عليهم التصرف بشيء من ذلك؛ بل رؤيته إن أمكن؛ إذ ~~إن الحكم خدمة لا استغلال، والحراس لأجل المدينة وليست المدينة لأجل الحراس، يحمد ~~هؤلاء للشعب إطعامه إياهم، ويحمد الشعب لهم حراستهم إياه فينتفي الحسد والنزاع. # 4 # فيرى القارئ أن ما يضاف عادة لأفلاطون من اشتراكية وشيوعية، إنما هو ~~قاصر على طبقة الحراس، ولهم عنده وظيفتان: الإدارة والدفاع، أما الإنتاج وبه تتم ~~للمدينة وظائفها الثلاث فمتروك للشعب من زراع وصناع وتجار يتملكون مصادره وآلاته ~~تملكا شخصيا، ويستغلونها ويتاجرون بنتاجها كما يرون على شرط أن يؤدوا لمن فوقهم ~~الضريبة الواجبة، وأن تحصر ms100 الملكية في حدود معقولة؛ بحيث لا يثرى الشعب فيتهاون في ~~العمل أو يتركه، ولا تسوء حاله فيعوزه المال للصناعة والتجارة، ولا يثرى البعض دون ~~البعض فينقسم طائفتين متنابذتين: الأغنياء والفقراء، وهذا الانقسام آفة الدول غير ~~المنظمة تنظيما عقليا، وليس تحريم الملك على الحراس تشريعا اقتصاديا، ولكنه ~~تدبير سياسي يرمي إلى الفصل بين السلطة التنفيذية والمال؛ لكيلا تفسد به، ويقوم ~~الصراع في نفوس الحراس بين الواجب العام والمنفعة الذاتية. ~~(ب) والحراس ذكور وأناث على السواء، يسري عليهم جميعا نفس النظام، نعم إن المرأة ~~أضعف من الرجل ونحن لا نغضي عن هذا التفاوت، إلا أنها مهيأة لنفس الوظائف؛ فقد تصلح ~~للطب أو للموسيقى أو للرياضة أو للحرب أو للفلسفة كما تصلح للأعمال المنزلية، فليس ~~ما يمنع من تكليف النساء الحراسة إذا ساوين الرجال في الكفاية لها، فإن الأصل في ~~الوظيفة أنها لخير المجموع وأنها تقلد للكفء دون أي اعتبار آخر، وإذن فنحن نكلف ~~المرأة ذات الاستعداد كل أعمال الحراس تقوم بها متشحة فضيلتها، وندع الحمقى يضحكون، ~~والغاية من أخذ النساء بهذه التربية أن نوفر للدولة نساء ممتازات إلى جانب الرجال ~~الممتازين ينجب منهم نسل ممتاز، فمصلحة الدولة هي التي تقتضي ذلك وتتطلب منا ~~التغاضي عن العرف ومعارضته. # وكما أنا انتزعنا من نفوس الحراس شهوات الحياة المادية وشواغلها، فإنا ننتزع منها ~~أيضا عواطف الأسرة وشواغلها، فيحظر على الحراس أن تكون لهم أسرة ويكونون جميعا ~~للجميع لكن لا اتفاقا، بل يقيم الحكام كل سنة، في أحسن الأوقات وأسعد الطوالع، ~~حفلات دينية يجمعون فيها الحراس من الجنسين ويوهمونهم أن اقترانهم سيكون بالقرعة؛ ~~تفاديا من التحاسد والتخاصم، والحكام يقصدون في الحقيقة أن يعقدوا لكل كفء على ~~كفئه، فيعقدون زواجا رسميا، ولكنه مؤقت، الغرض منه الإنسال على قدر حاجة الدولة ~~وتحسين النسل بمقتضى القواعد المرعية في الحيوان، ويوضع الأطفال في مكان مشترك يعنى ~~بهم فيه أناس خصيصون، وتأتي الأمهات يرضعنهم دون أن يعرفنهم، فلا يوجد بين الحراس ~~قرابة معروفة، ولكنهم جميعا أسرة واحدة يعتبر بعضهم بعضا قريبا، ms101 ويعامل بعضهم ~~بعضا على هذا الاعتبار، فيتسع مجال التعاطف والتحاب. # هذا؛ والأسرة مباحة للشعب مع شيء من المراقبة؛ لمنع الزيادة البالغة في عدد ~~السكان، فإن ولد للشعب أو للحراس أطفال في غير الزمن المحدد أعدموا كما يعدم الطفل ~~ناقص التركيب، والولد فاسد الأخلاق، والضعيف عديم النفع، والمريض الذي لا يرجى له ~~شفاء؛ لأن الغاية هي أن يبقى عدد السكان في المستوى الذي يكفل سعادة المدينة، وأن ~~يحتفظ بقيمتهم البدنية والخلقية. # 5 ~~(ج) وإذا ما بلغ الحراس الثلاثين يميز من بينهم أهل الكفاية الفلسفية رجالا ~~ونساء، الذين يتوفر فيهم محبة الحق وشرف النفس وضعف الشهوة وسهولة الحفظ، واجتماع ~~هذه الصفات نادر وتأليفها بالقدر اللازم عسير؛ فالحراس الفلاسفة أقلية، يقضون خمس ~~سنين في دراسة الفلسفة والمران على المناهج العلمية؛ ليجيدوا فهم الحقيقة والدفاع ~~عنها، ثم يزج بهم في الحياة العامة ويعهد إليهم بالوظائف الحربية والإدارية إلى سن ~~الخمسين، فالذين يمتازون في العمل كما قد امتازوا في النظر يرقون إلى مرتبة الحكام، ~~ويدعون الحراس الكاملين، فهم خلاصة الخلاصة قد زال من نفوسهم في هذه السن الطمع وما ~~زال النشاط، فيعيشون فلاسفة متوفرين على تأمل المعقولات الصرفة والخير المطلق، ~~ويتناوبون الحكم يزاوله كل بدوره - وهذه هي الموناركية أي حكم الفرد العادل - أو ~~جماعة جماعة - وهذه هي الأرستقراطية أي حكم الطائفة العادلة - على حد سواء ما داموا ~~محافظين على المبادئ. # وإنما نريد الحكام فلاسفة؛ لأن التربية الأولى خلقت في الحراس ظنونا صادقة ~~وعواطف طيبة، مستعينة بالطبع والتطبع لا بالعلم، فيمكن أن تضعف الظنون بالنسيان وأن ~~تلين العواطف للخوف أو للإغراء، فلا بد أن يكون الحكام فلاسفة يعلمون الخير ~~ويريدونه إرادة صادقة، والفيلسوف هو الرجل الوحيد الذي يستطيع أن يتصور القوانين ~~العادلة تصورا علميا وأن يلقنها للآخرين بأصولها وبراهينها فتدوم في المدينة، ~~بينا تصور السياسيين العمليين، إن أصاب، فهو ظني لا ينقل للغير فيقبر معهم. # وعلى ذلك فالفلسفة هي الوسيلة الوحيدة لوضع سياسة محكمة مستديمة، ويجب تحضير ~~أذهان الجمهور لهذا الانقلاب، والجمهور ميال لاعتقاد أن الفلسفة ms102 عديمة النفع ~~للمدنية، ولكن متى استخدمت فلم تفلح؟ هم السوفسطائيون الذين وضعوا الفلسفة موضع ~~سخرية بمغالطتهم ومخاتلتهم، وساعد على الاستخفاف بها أن كثيرا ما يتصدى لها ~~الجهلاء الأدعياء، وأن الشبان يلجونها قبل الأوان ويتركونها قبل الأوان كأنها فترة ~~انتقال بين زمن التحصيل والحياة العملية، ويعتبرونها حلية يحسن أن يتحلوا بها لكن ~~على أن تكون خفيفة سريعة، وقد قلنا: إنه لا ينبغي الاشتغال بها قبل الثلاثين، وإنه ~~يجب التهيؤ لها بالفضيلة التي تخلص النفس من الشهوات وتعدها لقبول الحق، فإن الحق ~~لا ينكشف للنفس تطلبه، وهي منقسمة على نفسها، بل للنفس المخلصة تتوجه إليه بكليتها، ~~فلنعمل على علاج هذه الحال لعل الشعب يدرك يوما أن الفلاسفة أصلح الناس لإقامة شيء ~~من النظام الإلهي على هذه الأرض، أو لعله يولد للملوك أبناء ذوو استعداد للفلسفة ~~يحتفظون بهذا الاستعداد حتى إذا ما آل إليهم السلطان أسلموه للفلاسفة فيتم إنشاء ~~المدينة المثلى على أسرع الوجوه وأيسرها، وتدوم المدينة المثلى ما دام الحكام ~~معنيين بالأطفال مستبقين طبقة الحراس في المستوى اللائق، ينزلون إلى الطبقة الثالثة ~~من يلحظون فيه انحطاطا من أولاد الحراس، ويرقون إلى الحراسة من يتوسمون فيه ~~الصلاحية لها من أولاد الشعب، فتظل المدينة واحدة متحدة، حكيمة من حيث إن أولي ~~الأمر فيها حكماء، شجاعة من حيث إن التربية الفاضلة قد طبعت العدالة في قلوب الحراس ~~فعرفوا ما يطلب وما يجتنب، عفيفة تكبح شهواتها وتنظم ملذاتها وتحارب الترف والفقر ~~على السواء. # 6 ~~(د) هذا نموذج يحتذى ولكنه لا يحقق بالتمام؛ لأن كمال المثال ممتنع على كل ما هو ~~محسوس، وما يحقق من هذا النموذج لا يدوم؛ لأن كل ما يتكون فهو عرضة للفساد لا ~~محالة، وإذا فسدت مدينتنا تدهورت من حكومة إلى أخرى أردأ منها حتى تبلغ أسوأ ~~الحكومات كأنها مدفوعة بقوة قاهرة وقانون ضروري، والحكومات خمس، فقد سبق القول: إن ~~الحكومة الفاضلة إما أن يتولاها فرد فتسمى موناركية أو ملكية، وإما أن يتولاها ~~جماعة فتسمى أرستقراطية، ولا فرق بين الحكومتين؛ وإنما هما واحد ms103 في الحقيقة، ويحدث ~~أن يخطئ الرئيس أو الرؤساء في اختيار الوقت الملائم للتزويج فينجب للدولة أولاد حين ~~لم يكن يجب، أو أن يخلطوا بين الأكفاء وغير الأكفاء فينجب للدولة أولاد بعيدون عن ~~مشابهة آبائهم حكمة واعتدالا، أو أن يتهاونوا في تربية الأحداث؛ فيضطرب النظام ~~وتنشب الفتن، ولكن الحكام والجند يتغلبون آخر الأمر؛ لأنهم ما يزالون ممتازين وما ~~تزال القوة في أيديهم، غير أنهم لا يعيدون النظام إلى نصابه، وقد انحطت قيمتهم ~~بفساد الوراثة أو التربية، بل يستغلون غلبتهم لمنفعتهم الذاتية، فيقتسمون الأراضي ~~والدور، ويستخدمون الشعب في شئونهم الزراعية والصناعية بعد أن كان الشعب حرا يوفر ~~لهم أسباب المعاش، ويهملون الدرس والنظر مؤثرين المال والسلطان: وهذه هي ~~الطيموقراطية أو حكومة الطماعين. # ويصبح للمال أهمية عظمى، ويثرى البعض دون البعض، ويقتضى نصاب مالي لولاية الوظائف ~~العامة، فتتفكك وحدة الجماعة وتنقسم المدينة إلى اثنين: الأغنياء والفقراء، وتسود ~~الشهوات الدنيئة ويكثر اللصوص: وهذه هي الأوليغركية أو حكومة الأغنياء. # ويزداد الأغنياء طلبا للثروة، فيقرضون الشبان الموسرين مالا بالربا ينفقه هؤلاء ~~في الملذات فيصيبهم الفقر وتبقى لهم نعرتهم فيبدو لهم أن يعارضوا الثروة بالقوة، ~~فيثيرون الشعب فيفوز الفقراء الأقوياء على الأغنياء المترفين: وهذه هي الديموقراطية ~~أو حكومة الكثرة، وشعارها الحرية والمساواة المطلقة دون اعتبار لقيم الرجال. # ويبرز من بين دعاة الديمقراطية وحماة الشعب أشدهم عنفا وأكثرهم دهاء، فينفي ~~الأغنياء أو يعدمهم، ويلغي الديون، ويقسم الأراضي، ويؤلف لنفسه حامية يتقي بها شر ~~المؤامرات، فيغتبط به الشعب ويستأثر هو بالسلطة، ولكي يمكن لنفسه ويشغل الشعب عنه ~~ويديم الحاجة إليه يشهر الحرب على جيرانه بعد أن كان قد سالمهم؛ ليفرغ إلى تحقيق ~~أمنيته في الداخل، ويقطع رأس كل منافس أو ناقد، ويقصي عنه كل رجل فاضل، ويقرب إليه ~~جماعة من المرتزقة والعتقاء، ويجزل العطاء للشعراء الذين نفيناهم من مدينتنا، ~~فيكيلون له المديح كيلا، وينهب الهياكل ويعتصر الشعب ليطعم حراسه وأعوانه، فيدرك ~~الشعب أنه انتقل من الحرية إلى الطغيان، وهذه هي الحكومة الأخيرة. # والحكومات الأربع الفاسدة مراحل تمثل استفحال الشر ms104 وافتئات الطبقات السفلى في ~~المجتمع والقوى السفلى في النفس على الطبقات والقوى العليا: فالطيموقراطي مولع ~~بالمجد والسلطان، هو الشجاعة خرجت عن طور العقل، والأوليغركي شره للمال؛ خلو من كل ~~عاطفة شريفة، والديمقراطي متقلب مع الأهواء ليس لحياته قاعدة وليس فيها إكراه، ~~يتوهم خيره في الحرية المسرفة فيقتله هذا الإسراف، والطاغية متهتك مبذر سارق مجرم ~~خائف أبدا، لا يعاشر غير الأشرار، ويعاشرونه ليفيدوا منه، إلا أن العدالة وحدها ~~تكفل السعادة للفرد وللجماعة، وأقل حيدة عنها تودي بهما جميعا. # 7 ~~(ه) هذا تلخيص المقالات السياسية في الجمهورية يتبين منه القارئ أن أفلاطون نهج ~~منهج الرياضي، يضع الأصول ويستخرج نتائجها دون التجاء للتجربة، كأن بني الإنسان ~~آحاد مجردة أو أشكال هندسية، وكأن طبائع الاجتماع تطيع المشرع كما يطيع الصلصال يد ~~الخزاف، ولقد ظن الفيلسوف أنه يحتاط للأمر بما فيه الكفاية إذا هو أراد المدينة على ~~أن تكون صغيرة لا تزيد ولا تنقص فيسهل تحقيق العدالة فيها على النحو الذي تصور، ~~ولكنه وضع لذلك قيودا فظيعة وقوانين وحشية، وبالغ في تقدير القوة البدنية وفي ~~تمثيل الإنسان بالحيوان؛ ولو أنه ذكر في هذا الموقف مذهبه في النفس الناطقة، وشرفها ~~وجمالها لكان نبا عن هذه المخازي التي أخذها عن الأسبرطيين الغلظاء، كما أخذ عنهم ~~بدعة المرأة الجندية فأخطأ فهم طبيعة المرأة وحقيقة شأنها في المجتمع، وهو الذي ~~أقام مدينته على تفاوت الاستعدادات، وعرف أن المرأة أضعف من الرجل بالطبع لم يفطن ~~إلى أنه لا خير للجندية في المرأة؛ ولا للمرأة في الجندية، ولو أنه ذكر مذهبه في ~~النفس لكان احترم النفس في كل جسم ولم يزهقها جزافا، ولكان فهم الزواج الإنساني ~~على أنه اتحاد النفس بالنفس لا يخضع لإرادة غريبة تعقده وتحله كما تشاء، ولكان فهم ~~أن روابط الأسرة أكبر عامل على تهذيب الطبع وترقيق الشعور، وتمدين الإنسانية؛ فإن ~~انفصمت لم تمح الأنانية كما توهم؛ بل محيت المحبة، وإنما تنشأ المحبة من هذه ~~الروابط المعروفة المحسوسة بين أفراد الأسرة. # ولم يكن أفلاطون أكثر توفيقا في مسألتي ms105 الحرب والرق؛ فإنه يكيل هنا بكيلين ~~الواحد لليونان والآخر للأعاجم، ينصح للمدن اليونانية أن تتعهد فيما بينها العلائق ~~الودية؛ بل أن تتحالف وتؤلف أسرة واحدة، فإن تحاربت فلا تدمر ولا تحرق، ولا يسحق ~~الغالب جميع أهل المدينة المغلوبة كأنهم أعداء؛ بل يضرب الأقلية التي أثارت الخصام، ~~ويعامل الباقي معاملة الأصدقاء، ويقصر التدمير والتحريق والسحق على محاربة الأعاجم، ~~ثم هو يصرح بأن اليونان لا يسترق بعضهم بعضا وإنما يسترقون الأعاجم؛ لأن الرجل ~~العدل لا يسترق قريبه وصديقه بل يسترق عدوه. # 8 # الحق أن قارئ «الجمهورية» ينتظر من صاحبها غير هذه العدالة المنقوصة، وإن هو ~~التمس له العذر بأن الحرب ضرورة يمتنع تفاديها، وأن الرق كان قديما في حكم ~~الضرورة، فهو لا يفهم أن تقصر العدالة على اليونان دون سائر خلق الله بعد أن علم أن ~~الإساءة إلى العدو هي أولا وقبل كل شيء إساءة إلى الذات، لقد بدا لأفلاطون أن ~~يطالع مثال الإنسان وهو ينظم حياة الفرد، ثم فاته أن يطالعه وهو ينظم المدينة ~~والإنسانية. ~~(42) المدينة الإنسانية ~~(أ) عرض أفلاطون «لموجات ثلاث» # 9 # هي تجنيد المرأة وشيوعية النساء والأولاد وحكومة الفلاسفة، وجهد نفسه ~~في اجتيازها وظن بعد كفاحه الجدلي أنه قد أفلح في ذلك وبلغ الشاطئ الأمين فتكفلت ~~الأيام برده إلى الحق وأقنعته أن مدينته المثلى ممتنعة التحقق؛ لامتناع وجود ~~الفيلسوف الكامل، وهو إنما بناها لاعتقاده الذي ما يزال راسخا في نفسه أن الفيلسوف ~~هو الحاكم الأكمل والملك الحق، يرجع لحكمته في كل ظرف ويحكم بما توحي إليه، فهو ~~يفضل القانون الموضوع؛ لأن الأحوال الإنسانية دائمة التغير والقانون صلب لا يلين ~~لجميع المناسبات، فالفيلسوف هو القانون الحي وحكمه هو الحكم العدل، أما سائر ~~الحكومات فالأحرى أن تسمى عصابات، ولكن هذا الحاكم الأمثل حديث خرافة أو ما يشبه ~~ذلك، والناس لا يصدقون أن إنسانا مثلهم يستطيع أن يضطلع بالسلطة المطلقة دون أن ~~تنتابه نشوة القوة فيفقد كل عقل وكل صفة إنسانية، فيجب أن نعدل عن حلمنا الجميل، ~~وأن نقنع بحكومة أدنى وأقرب ms106 إلى حال الإنسان هي حكومة قائمة على دستور، في مثل هذه ~~الحكومة الديمقراطية أقل صلاحية من الأرستقراطية، وهذه أقل صلاحية من الملكية؛ لأن ~~الفرد أقدر على تطبيق الدستور من الكثرة، والكثرة أقدر من الكافة، أما الحكومة التي ~~لا يقيدها دستور فإن حالها تسوء حتما، حكم الفرد فيها طغيان، وحكم الجماعة ~~أوليغركية، وأقل منهما ضررا الديمقراطية؛ لأن تداول السلطة فيها يؤدي إلى تعارض ~~النزعات الضارة وتناسخها. # 10 ~~(ب) فالواجب أن يكون للدولة دستور - وهذه الفكرة أصل كتاب «القوانين» وهو آخر ~~وأوسع ما كتب أفلاطون - موضوعه التشريع لتحقيق المثل الأعلى للمدينة كما رسمته ~~«الجمهورية» لكن مع مراعاة طاقة الإنسان ومقتضيات الحياة، وهو ينقسم بالإجمال ثلاثة ~~أقسام: المقالات 1-4: مقدمة عامة في أن التشريع يجب أن يقوم على الفضيلة والعدالة، ~~والمقالات 5-8 في نظام الدولة السياسي وقوانينها، والمقالات 9-12 في الجزاءات من ~~ثواب وعقاب؛ ففي المقالة الأولى ينعي أفلاطون على المشرعين والسياسيين رأيهم أن ~~الدولة حربية قبل كل شيء وأن النصر المبين قهر العدو الخارجي، ويذهب إلى أنه التغلب ~~على العناصر الرديئة في النفس وفي المدينة وتعهدها حتى تنصلح، فخير الحالات السلم ~~لا الحرب، وهو الغاية التي يجب على المشرع أن يتوخاها في وضع دستوره، والشجاعة ~~الحربية أدنى نوعي الشجاعة والنوع الأرفع والأشق مغالبة اللذة وقمع الشهوة، ~~فالشجاعة الحربية في المحل الرابع بعد الحكمة والعفة والشجاعة الأدبية. ونأخذ من ~~المقالة الثالثة أن خير الحكومات، الأرستقراطية المقيدة بهيئات نيابية تكفل التوازن ~~بين السلطات المختلفة، وهي وسط بين الطغيان والديمقراطية: الطغيان يسرف في حب ~~السلطة، والديمقراطية تغلو في حب الحرية، فكلاهما رديء في ذاته ولكن المزج بينهما ~~بالقدر الملائم ينتج النظام الأمثل في هذه الحياة الدنيا. ولا يذكر أفلاطون الطبقات ~~الثلاث المقابلة للقوى النفسية، ويصطنع قسمة أخرى ثلاثية كذلك، فيضع المواطنين ~~وعبيدهم من ناحية، والصناع والغرباء يحترفون التجارة من ناحية أخرى، وجيشا أهليا ~~من ناحية ثالثة، ويعدل عن الشيوعية ولو أنه ما يزال يرى فيها دواء الأثرة، إلا أنه ~~قد أيقن أن البشر «يولدون وينشئون ms107 كما نرى اليوم» لا قبل لهم بها، وأنها إنما تصلح ~~لموجودات أسمى من البشر، فهو يقول بالملكية ولكنه يحض المالك على أن يعتبر ملكه ~~خاصا بالمدينة كما هو خاص به، وهو يقول بالأسرة ويشيد بكرامة الزواج ولكنه يبقي ~~على رأيه في تحديد النسل؛ لأنه يستبقي مدينته صغيرة ويحدد عدد الأسر بخمسة آلاف ~~وأربعين؛ «لأن هذا العدد ينقسم بالتمام على الأعداد الاثني عشر الأولى ما خلا أحد ~~عشر!» ويخص كل أسرة بحصة من الأرض لا تباع ولا تجزأ بل يورثها الأب لمن يختار من ~~أبنائه الذكور، ويعتبر في تقدير الحصة نوع التربة بحيث لا يغبن أحد، والحصة قسمان: ~~أحدهما قريب من المدينة، والآخر بعيد، ويغلب أن يكون القصد حمل المواطنين على محبة ~~المدينة كلها والدفاع عن القلب والأطراف على السواء، وتكتفي الأسرة بغلاتها فلا ~~تقتني ذهبا ولا فضة، وتحظر الحكومة تداول النقد إلا بمقدار ما يلزم لشراء ~~الضروريات وصرف أجور العمال، فلا تزيد الثروة، وهذا خير للدولة؛ لأن فلاحها يقوم ~~بالفضيلة وحدها، أما عدم تساوي الأسر في الثروة فسبب للحسد والشقاق (م5). والسلطات ~~سبع: (1) حراس الدستور وعددهم 37 يحافظون عليه ويحولون دون تعديله. (2) القواد ~~وعددهم ثلاثة يعينون الضباط لمختلف فرق الجيش. (3) مجلس الشيوخ وأعضاؤه 360 يحكمون ~~بالاتفاق مع حراس الدستور، يتداولون السلطة كل ثلاثين منهم شهرا، وفي باقي ~~السنة يعنون بشئونهم الخاصة. (4) الكهنة والكاهنات في عدد يكفي لإقامة الطقوس والعناية ~~بالهياكل. (5) الشرطة. (6) «وزير للتربية» ينتخبه الشيوخ لخمس سنين. (7) المحاكم؛ ~~وهي ثلاث: واحدة لفض الخلافات الشخصية وتؤلف من جيران المتخاصمين، وأخرى تستأنف ~~إليها الخصومات التي تعجز المحكمة الأولى عن فضها، والثالثة للحكم في الجنح ~~والجنايات، وأفلاطون يريد التربية الفاضلة بالطبع، ولكنه يلطف من صرامته بإزاء ~~التراجيديا والكوميديا؛ فيسمح بهما على شرط أن تعرض القصص على «قلم مراقبة»، وألا ~~يتعاطى مهنة التمثيل المرذولة سوى العبيد والأجانب، وهو يعلن هنا أن الرق ضرورة ~~يقبلها على كره، وأن السبب في انحطاط الرقيق ليس الطبيعة؛ بل سوء المعاملة ~~(م6). ~~(ج) ويمضي أفلاطون في سرد القوانين وتبيان ms108 الجزاءات ويعنى بأن يمهد لكل قانون ~~«بمذكرة إيضاحية» وأن يعقب عليه بعظة خلقية؛ لأن القانون الخليق بهذا الاسم صنع ~~العقل ونتيجة العلم يصدر للعقل فيولد العلم، ولأن حقيقة الشارع أنه هاد ومرب ~~يقنع قبل أن يأمر (م4)، ويرتقي أفلاطون إلى أصل القوانين والمبدأ الذي تستمد منه ~~سلطانها فيقول: إن الله لا يحكمنا مباشرة بل بواسطة العقل الذي وهبنا، فالقوانين ~~التي يقررها العقل تحاكي قوانين العناية الإلهية وترمي إلى الخير العام؛ فالخضوع ~~لها واجب، ولكنه يسرف في التقنين والتنظيم، ويتدخل في أدق الشئون فيبين أن عقليته ~~الرياضية لم تفارقه، وأنه ما يزال يرنو إلى مدينته الأولى، ويعتقد أن الأمور ~~الاجتماعية والاقتصادية من البساطة بحيث يمكن إخضاعها للقانون، وكل الفرق هو أنه ~~يحاول أن يستخرج من عقل الملك الفيلسوف الحكمة السياسية كلها دفعة واحدة؛ ليحلها ~~محله، ناسيا ما قرره من أن الأحوال الإنسانية دائمة التغير وأن القانون أصلب من أن ~~يتلاءم مع كل حال، وهو يرمي إلى إقامة حكم العقل والعدل واستبقاء وحدة الأمة بتلطيف ~~الأثرة الشخصية إلى الحد الأدنى، وبالحيلولة دون البدع، فيضع مجموعة واسعة من ~~الأوامر والنواهي تخنق كل استقلال في الفكر، وتجرد الفرد من نزعاته الطبيعية لتتركه ~~آلة صماء وعبدا للدولة، فهو ينتهي إلى صورة من الحكم المطلق هي أعقد صوره وأعجزها ~~عن تحقيق الغرض من الحكومة، غير أنه خلف لنا عددا كبيرا من الآراء الجزئية هي ربح ~~صاف للاجتماع والسياسة. ~~(43) خاتمة الباب الثاني ~~(أ) نرجو أن نكون قد وفقنا في أثناء تصويرنا مذهب أفلاطون إلى إشعار القارئ بعض ~~الشيء بسمو روحه وعمق فكره وتنوع أسلوبه، جمع أفلاطون في شخصه كل مزايا العقل ~~اليوناني فأبلغها إلى أقوى وأبهى مظاهرها: الجرأة والتؤدة، الحدس والاستدلال، ~~العاطفة والملاحظة، الفن والرياضة، واستوعب جميع الأفكار فمحصها إلى حد بعيد، ~~وسلكها في نظام واحد بديع، وأحس جميع النزعات الروحية؛ فاستخلصها من الأرفية وسائر ~~الأسرار، ووضحها وأحالها معاني عقلية؛ فنقل الدين إلى الفلسفة؛ قال: إن المطهرين ~~الذين تتحدث عنهم الأسرار ما هم إلا الذين يعنون بالفلسفة ms109 بمعناها الصحيح، # 11 # وأن الفلسفة هي التي تخلص النفس وتدخلها النعيم، # 12 # وأعلى كلمة الفلسفة على كل كلمة، فكان بكل هذه المميزات أحد ينبوعي ~~حكمة نهلت منه العقول من أيامه إلى أيامنا، ولن تزال ترده إلى ما شاء الله، ~~والينبوع الآخر تلميذه أرسطوطاليس. ~~(ب) أما الأكاديمية فتولاها من بعده ابن أخته أسبوسيبوس، وخلفه أكسانوقراطيس، ~~والاثنان «أحالا الفلسفة رياضيات» على حد قول أرسطو المذكور آنفا (33-د)، وتوالت ~~على المدرسة حظوظ شتى # 13 # وبقيت قائمة إلى سنة 529 ميلادية؛ أي إلى أن أغلق يوستنيانوس المدارس ~~الفلسفية. # الباب الثالث # | أرسطوطاليس # الفصل الأول # | حياته ومصنفاته # (44) حياته ~~(أ) ولد أرسطو سنة 385 في أسطاغيرا، وكانت مدينة أيونية قديمة على بحر إيجه في ~~الشمال الشرقي من شبه جزيرة خلقيدية في تراقية على حدود مقدونية، وفي عهده استولى ~~عليها المقدونيون وخربوها وسميت فيما بعد أسطافرو، وكانت أسرته معروفة بالطب كابرا ~~عن كابر، وكان أبوه نيقوماخوس طبيبا للملك المقدوني أمنتاس الثاني أبي فيليبوس أبى ~~الإسكندر، توفي وما يزال أرسطو حدثا فلم يأخذ عنه، ولما بلغ الثامنة عشرة قدم ~~أثينا ليستكمل علمه، فدخل الأكاديمية، وما لبث أن امتاز بين أقرانه فسماه أفلاطون ~~«العقل» لذكائه الخارق، و«القراء» لاطلاعه الواسع، ثم أقامه معلما للخطابة فيما ~~يقال، ولزم أرسطو الأكاديمية عشرين سنة أي إلى وفاة صاحبها، وحسبنا هذا دليلا على ~~بطلان ما جرت به بعض الأقاويل من مجافاته أستاذه في العهد الأخير، أو على مغالاتها ~~فيما قد يكون وقع بينهما من المنافسة العلمية، فإن أرسطو كان قد نقد نظرية المثل، ~~ولعله كان قد كون مذهبه ونقد نظريات أخرى، فهو في كتبه لم يدع قولا لأفلاطون ~~إلا تناوله بالتجريح في لفظ جاف وإلحاح عنيف، اللهم إلا مرة واحدة؛ حيث قال كلمته ~~المشهورة: «أحب أفلاطون وأحب الحق وأوثر الحق على أفلاطون.» # 1 # وبقاؤه في الأكاديمية يدل على أنه عرف كيف يوفق بين إيثار الحق وبين ~~احترامه لأستاذه وعرفانه لجميله. ~~(ب) ولما توفي أفلاطون غادر أرسطو أثينا، وتريد هاته الأقاويل أن يكون سبب ~~ارتحاله حنقه ms110 من ترؤس غيره على المدرسة، والإنصاف يقضي أن نذكر أن موقفه في المدينة ~~كان قد تحرج، وقد تألف فيها حزب وطني بزعامة ديموستين لمقاومة فيليبوس، وكانت علاقة ~~أسرة أرسطو بالبلاط المقدوني معلومة للجميع، قصد إذن إلى آسيا الصغرى وقضى فيها مدة ~~وتزوج، وفيما هو هناك استقدمه فيليبوس؛ ليعهد إليه بتثقيف ابنه الإسكندر البالغ من ~~العمر ثلاث عشرة سنة، ولا نعلم كيف كان منهجه مع تلميذه ولكنا نعلم أن فيليبوس أمر ~~بإعادة بناء أسطاغيرا من ماله الخاص فدل بذلك على عظيم مكانة الفيلسوف عنده، واستمر ~~أرسطو على العناية بولي العهد أربع سنوات متصلة حتى إذا ما بلغ الإسكندر السابعة ~~عشرة شارك الجيش في حروبه وذاق لذة النصر فتباعدت الصلة بينهما، ولما ناهز العشرين ~~نودي به ملكا بعد أبيه المقتول غيلة، فتوفر على توطيد حكمه وتوسيع سلطانه، وعاد ~~أرسطو إلى أثينا في أواخر سنة 335، وكانت قد خضعت لقوة فيليبوس. ~~(ج) فلما استقر بها أنشأ مدرسة في ملعب رياضي يدعى لوقيون فعرفت بهذا الاسم، ~~ولكنه لم يكن صاحبها القانوني؛ لأنه كان أجنبيا فسجلها باسم ثاوفراسطوس صديقه ~~وتلميذه ووهبه لهذا الغرض منازل وبساتين ابتاعها في المدينة، وقسم رجال المدرسة ~~طائفتين: أعضاء مسنين ينتخبون الرئيس، وأعضاء أحداثا، وكان من عادته أن يغشى ممشى ~~إلى جانب الملعب فيوافيه التلاميذ إليه فيلقي عليهم دروسه وهو يتمشى وهم يسيرون من ~~حوله؛ فلقب لذلك هو وأتباعه بالمشائين، ويقال: إن دروسه كانت نوعين: صباحية مخصصة ~~للتلاميذ تدور على الفلسفة، ومسائية عامة تدور على الخطابة، ويذكر كذلك أنه أنشا ~~مكتبة كانت الأولى من نوعها في العصر القديم ومعملا للتاريخ الطبيعي، ويشهد ما وصل ~~إلينا من كتبه وكتب تلاميذه على أن العمل كان كثيرا والبحث شاملا جميع فروع ~~العلم. ~~(د) وبعد اثنتي عشرة سنة اضطر أرسطو أن يبرح أثينا مرة ثانية، فإن الإسكندر مات ~~بالحمى سنة 323 فعاودت ديموستين وحزبه آمالهم وعادوا إلى نشاطهم وأخذوا يطاردون ~~الأجانب، واتجهت الأنظار إلى أرسطو مع أنه لم يشتغل بالسياسة قط، ومع أن العلائق ~~كانت قد ms111 توترت بينه وبين الإسكندر من قبل سنتين لما علم الملك بمؤامرة عليه وقتل ~~فيمن قتل من المتآمرين ابن أخت أستاذه، لم يبال الأثينيون بذلك ولجئوا إلى حيلة ~~طالما اصطنعوها من قبل فاتهموه بالإلحاد فعهد بالمدرسة إلى ثاوفراسطوس وغادر ~~المدينة وهو يقول متهكما: «لا حاجة لأن أهيئ للأثينيين فرصة جديدة للإجرام ضد ~~الفلسفة.» وقصد إلى مدينة خلقيس في جزيرة أوبا، وكان ممعودا منذ زمن طويل فمات ~~هناك بمرضه في السنة التالية وهو في الثالثة والستين، عن زوجته الثانية - وكانت ~~الأولى قد توفيت - وابنة من هذه، وابن من تلك اسمه نيقوماخوس. ~~(45) مصنفاته ~~(أ) لكتب أرسطو قصة ذكرها أسترابون في جغرافيته وأفلوطرخس في ترجمة سيلا ملخصها ~~أن ثاوفراسطوس لما حضرته الوفاة أوصى بمكتبته لزميل له وكانت فيها مخطوطات أرسطو مع ~~مخطوطاته، فلما توفي هذا الزميل وأدرك ورثته قدر الكتب ضنوا بها أن تقع في أيد ~~غريبة، وكان بعض الأمراء وقتذاك يطلبون الكتب في جميع مظانها، فخبئوها في قبو بقيت ~~فيه مائة سنة أو أكثر إلى أن اكتشفت مكدسة من غير ترتيب، وقد نال منها التعفن ~~فاشتراها رجل خبير بالكتب واستنسخها كما وجدت دون عناية بإصلاح ما فسد منها، ثم ~~وقعت مكتبة هذا الرجل في أيدي الرومان فنقلوها إلى روما وكلفوا بمراجعتها عالما ~~كان عند شيشرون مؤدبا وأمينا للمكتبة، فلم يجئ عمله وافيا بالمرام فعرض للأمر ~~بعد ذلك بقليل أندرونيقوس الرودسي الزعيم الحادي عشر على اللوقيون بعد أرسطو، وأخرج ~~للناس نسخا صحيحة أضاف إليها فهارس وكتابا بين فيه المنهج الذي اتبعه. هذه القصة ~~موضوعة من غير شك؛ إذ كيف يعقل أن مكتبة اللوقيون لم تكن تحتوي على نسخ من مصنفات ~~أرسطو يرجع إليها المعلمون والتلاميذ؟! وكان للمدرسة فروع منها فرع رودس أنشأه ~~أوديموس تلميذ أرسطو وخرج منه أندرونيقوس فكيف يمكن الاعتقاد أن هذه المدارس كانت ~~خلوا من نسخ تعول عليها؟ يلوح أن الأصل في وضع القصة أن الجمهور المثقف لم يكن ~~يعرف من أرسطو غير المصنفات التي أذاعها في دور الشباب، وأن تآليفه العلمية ms112 بقيت ~~وقفا على بعض المدارس والعلماء إلى أن نشرها أندرونيقوس في منتصف القرن الأول قبل ~~الميلاد، وقد نسلم بصحة القصة إجمالا فلا يلزم منها سوى أن ما ترويه من الأحداث ~~أصاب نسخا من كتب أرسطو لم تكن هي مخطوطاته ولا النسخ الوحيدة؛ لما قدمناه. ~~(ب) أما مصنفات الشباب فقد ضاعت جميعا، وكل ما نعلمه عنها مستمد من فهارس ~~قديمة وإشارات ومقتبسات وردت لدى قدماء الكتاب، هي محاورات على طريقة أفلاطون في ~~عهده الأخير، بل إن الحوار فيها قصير جدا لا يتعدى افتتاح الكلام ووضع المسألة ثم ~~يشرح المؤلف رأيه في خطاب طويل كما يشرح سقراط رأي أفلاطون، يذكرون منها: السياسي، ~~السوفسطائي، منكسينوس، المأدبة، في البيان، إسكندر، في العدالة، في الشعراء، في ~~الصحة، في الصلاة، في التربية، في اللذة، ويذكرون «أوديموس» في خلود النفس، ~~ويقولون: إن أرسطو حذا في هذا الكتاب حذو أستاذه في «فيدون» وأبان ضمنا أنه كان ~~يقبل القول بحياة سابقة وبالتناسخ والتذكر، وكتابا «في الفلسفة أو في الخير» وضعه ~~في الوقت الذي كان يتحرر فيه من تأثير أفلاطون، بدأه بفذلكة عن تاريخ الفكر وتقدم ~~الإنسانية، وتطرق إلى نقد نظرية المثل وحدوث العالم، وانتهى بالبرهنة على ألوهية ~~الكواكب. ~~(ج) وأما مصنفات الكهولة فقد بقي معظمها وليس للحوار أثر فيها، وإنما هي موضوعة ~~في قالب تعليمي، لم تكن معدة للنشر ولكنها مذكرات أجزاء منها فقط محررة تحريرا ~~نهائيا والباقي منه ما دونه لنفسه - وهو الأكثر - ومنه ما دونه تلامذته عنه ~~وراجعه هو، وهذا يفسر صعوبة أسلوبها وافتقارها للشرح منذ القديم وكونها لم تتداول ~~إلا في المدرسة إلى أن نشرها أندرونيقوس كما قلنا، وكان يعود عليها كل وقت بالتنقيح ~~والزيادة والإحالة من بعضها إلى بعض؛ لذلك يستحيل تأريخها أو تبين أي تطور من كتاب ~~إلى آخر، ولسنا بحاجة لتأريخ فإن لكل منها موضوعا خاصا لا يخرج عنه والكلام فيه ~~مرتب ترتيبا منطقيا والمذهب فيها واحد متناسق، ولسنا نصف هنا محتوياتها فإن هذا ~~الوصف سيأتي في سياق عرض المذهب، فنقتصر على ذكر ms113 أسمائها، وهي تنقسم خمسة أقسام ~~بحسب مبدأ سنبينه في موضعه (47-أ): ~~(1) # الكتب المنطقية، وقد لقبت فيما بعد بأورغانون أي الآلة «الفكرية»: ~~المقولات، العبارة، التحليلات الأولى أو القياس، التحليلات الثانية أو ~~البرهان، الجدل، الأغاليط، وقد جرت عادة الفلاسفة الإسلاميين أن ~~يذكروها بأسمائها اليونانية فيقولون: قاطيغورياس، باري أرمنياس، ~~أنالوطيقا الأولى، أنالوطيقا الثانية، طوبيقا، سوفسطيقا. ~~(2) # الكتب الطبيعية ومنها كتب كلية يتعلم منها الأمور التي تعم جميع ~~الطبائع، وكتب جزئية يتعلم منها الأمور التي تخص كل واحد من الطبائع ~~وهي: السماع الطبيعي أو سمع الكيان - وهو كتاب كلي في الطبيعة - الكون ~~والفساد، الآثار العلوية، المسائل الحيلية - الآليات - يشك البعض في ~~إمكان نسبتها إليه ويقبلها البعض، ثم كتاب النفس؛ وهو كلي يأتي بعده ~~ثمانية كتب صغيرة جمعت تحت اسم «الطبيعيات الصغرى» هي: الحس والمحسوس، ~~الذكر والتذكر، النوم واليقظة، تعبير الرؤيا في الأحلام، طول العمر ~~وقصره، الحياة والموت، التنفس، الشباب والهرم. ثم خمسة كتب في التاريخ ~~الطبيعي هي تاريخ الحيوان، أعضاء الحيوان، تكوين الحيوان، مشي الحيوان، ~~حركة الحيوان. ~~(3) # الكتب الميتافيزيقية أي ما بعد الطبيعة: يلوح أن أندرونيقوس هو الذي ~~جمعها على الترتيب المعروف منذ أيامه ووسمها بهذا الاسم؛ لأنها تأتي ~~بعد الطبيعيات، وكان أرسطو قد سمى موضوعها بالعلم الإلهي وبالفلسفة ~~الأولى، وهي تؤلف مجموعة واحدة وتعرف عند الإسلاميين بهذه الأسماء ~~الثلاثة وأيضا بكتاب الحروف؛ لأنها مرقومة بحروف الهجاء ~~اليونانية. ~~(4) # الكتب الخلقية والسياسية: الأخلاق الأوديمية «في سبع مقالات» ~~والأخلاق النيقوماخية «في عشر مقالات»، والأخلاق الكبرى «في مقالتين»، ~~والكتابان الأول والثاني روايتان لدروس أرسطو الشفوية، ولكن الأول ~~أقدم؛ لأنه أقرب إلى أفلاطون، والثاني أقرب إلى مذهب أرسطو وأكمل؛ لأن ~~المقالات: الرابعة والخامسة والسادسة من الأول ضاعت فوضعت مكانها ~~المقالات المقابلة لها في الثاني، أما الثالث فهو تلخيص الكتابين ~~بالرغم من ضخامة اسمه، ولم نقل الأخلاق «إلى» نيقوماخوس و«إلى» ~~أوديموس؛ لأن الإخصائيين الآن يعدلون عن هذه الترجمة ويقولون: إن ~~العنوان اليوناني مبهم يحتمل ثلاثة معاني: الواحد «الأخلاق إلى ...» يعني ~~أن الكتاب مهدى إلى ... والآخر «أخلاق نيقوماخوس» يعني اسم الناشر، ms114 ~~والثالث «الأخلاق النيقوماخية» ويذهبون إلى أن المعنى الأول غير مقبول ~~بحجة أن الكتاب من أقدم كتب أرسطو فيما يلوح، وأن نيقوماخوس كان صبيا ~~عند وفاة أبيه، ولسنا نرى ما الذي يمنع أن يكون أرسطو أضاف اسم ابنه ~~للكتاب، كذلك يرفضون المعنى الثاني بحجة أن ليس عليه دليل، ويميلون ~~للمعنى الثالث؛ لأنه مبهم كالأصل، ويقال مثل ذلك في الأخلاق الأوديمية؛ ~~أي أن ليس هناك ما يؤيد المعنى الأول أو الثاني. أما الكتب السياسية ~~فهي كتاب السياسة، وكتاب النظم السياسية وهو مجموعة دساتير نحو 158 ~~مدينة يونانية لم يصل إلينا منها سوى دستور أثينا وجد في مصر على بردي ~~سنة 1890. ~~(5) # الكتب الفنية وهي: الخطابة، والشعر. ~~(د) وتذكر له كتب أخرى أثبت النقد أنها منحولة: منها كتاب العالم، كان قد ضم إلى ~~كتاب السماء ولقب بالسماء والعالم ولكن فيه آراء رواقية تخرجه من المجموعة ~~الأرسطوطالية، ومنها تدبير المنزل، وكتاب المسائل يتناول مسائل من مختلف العلوم وهو ~~يرجع إلى المدرسة، وكتاب «في مليسوس وأكسانوفان وغورغياس» وهو بقلم أرسطوطالي من ~~أهل القرن الأول للميلاد (انظر ما قلناه في الحاشية على عدد 15-ب) وكتاب المناظر، ~~وكتاب الخطوط، وكتاب فيضان النيل، وكتاب اللاهوت المعروف عند الإسلاميين ~~«بأوثولوجيا أرسطوطاليس» وهو مجموعة مقتطفات من أفلوطين. ويتبين من هذا الفهرس أن ~~مؤلفات أرسطو موسوعة كبرى انتظم فيها العلم القديم بأكمله ما عدا الرياضيات، ولئن ~~بليت أجزاء منها بتقدم العلوم، فإن كتبه الفلسفية وكثيرا من نظرياته المنبثة في ~~كتبه الجزئية خالدة؛ ليس فقط من حيث أهميتها التاريخية؛ بل أيضا وعلى الأخص من حيث ~~قيمتها الذاتية. ~~(46) أسلوبه ~~(أ) كان القدماء معجبين بكتابة أرسطو، وقد قال شيشرون: إن أسلوبه يتدفق كنهر من ~~تبر. ولا شك أن هذا الإعجاب كان منصبا على مصنفاته الأولى؛ فإن كتبه العلمية جافة ~~مجهدة موضوعة بلغة دقيقة لا تخلو من الاقتضاب والغموض، وليس فيها حوار ولا قصص ولا ~~شيء مما يتميز به أسلوب أفلاطون، وكان أرسطو قد دل على هذا الاتجاه منذ المرحلة ~~الأولى؛ إذ قسم للحوار نصيبا ضئيلا ms115 وللشرح النصيب الأوفر، على أن الكتب العلمية ~~تحمل البينات على صدق إعجاب القدماء فكتبه في الجدل والشعر والخطابة تدل على تضلعه ~~من الثقافة اليونانية بجميع فنونها، وعلى رسوخ قدمه في الأدب وسمو ذوقه، ثم هو قد ~~عني عناية عظيمة بتحديد معاني الألفاظ، ووضع ألفاظا جديدة في العلوم وفي الفلسفة ~~ذاعت في لغته ونقلت إلى اللغات الأوروبية وإلى اللغة العربية بحيث يصح أن يقال: إنه ~~الواضع الحقيقي للغة العلمية العامة. ~~(ب) أما أسلوبه في التأليف فله مراحل أربع: فهو أولا يعين موضوع البحث ثم يسرد ~~الآراء في هذا الموضوع ويمحصها - وهو بالفعل قد جهد نفسه للوقوف على الآراء في جميع ~~فروع العلم - ثم يسجل «الصعوبات» # 2 # أي المسائل المشكلة في الموضوع ويستقصيها للنهاية، وأخيرا ينظر في ~~المسائل أنفسها، ويفحص عن حلولها مستعينا بالنتائج المستخلصة في المراحل السابقة، ~~وإليك نصا بما تقدم: «من الضروري أن يبدأ العلم بالفحص عن مسائله؛ لأن العقل إنما ~~يبلغ إلى الاطمئنان بعد حل الصعوبات التي اعترضته، ثم لأن الباحث الذي لا يبدأ بوضع ~~المسألة كالماشي الذي لا يدري إلى أي جهة هو متوجه، بل هو مستهدف لعدم معرفة إن كان ~~قد وجد ما يبحث عنه أم لم يجد من حيث إنه لا يتوخى غاية، وأما الذي يبدأ بمناقشة ~~الصعوبات فهو الذي يستطيع أن يعين لنفسه غاية، والذي يسمع الحجج المتعارضة جميعها ~~يكون موقفه أفضل للحكم.» # 3 # ولتعيين الموضوع ميزة أخرى هي تعيين نوع الدليل الذي يلائمه؛ فإن ~~«البعض لا يقبل إلا لغة رياضية، والبعض لا يريد إلا أمثلة، والبعض يريد الاستشهاد ~~بالشعر، والبعض يحتم في كل بحث برهانا محكما، بينما غيره يعتبر هذا الإحكام ~~إسرافا ... «ولكن» يجب أن يبدأ بتعرف مقتضيات كل نوع من العلم ... فلا تقتضى الدقة ~~الرياضية في كل موضوع، وإنما فقط في الكلام على المجردات، ولذلك فالمنهج الرياضي لا ~~يصلح للعلم الطبيعي؛ لأن الطبيعة تحتوي على المادة.» # 4 # الفصل الثاني # | المنطق # (47) المنطق وأقسامه ~~(أ) كان أرسطو أول من نظر إلى العلم في مجموعه ووضع ms116 مبادئ تصنيف تام للعلوم، ~~فالعلم عنده ينقسم أولا إلى نظري وعملي بحسب الغاية التي ينتهي إليها: العلم ~~النظري ينتهي إلى مجرد المعرفة ويقع على الوجود فينظر فيه من ثلاث جهات: من حيث هو ~~متحرك ومحسوس؛ وهذا هو العلم الطبيعي، ومن حيث هو مقدار وعدد؛ وهذا هو العلم الرياضي، # 1 # ومن حيث هو وجود بالإطلاق؛ وهذا هو ما بعد الطبيعة. # أما العلم العملي فالمعرفة فيه ترمي إلى غاية متمايزة منها، وهذه الغاية هي تدبير ~~الأفعال الإنسانية؛ وذلك إما في نفسها؛ وهذا هو العلم العملي بمعناه المحدود، وإما ~~بالنسبة إلى موضوع يؤلف ويصنع وهذا هو الفن، والعلم العملي يدبر أفعال الإنسان بما ~~هو إنسان من ثلاث نواح: في شخصه؛ وهو الأخلاق، وفي الأسرة؛ وهو تدبير المنزل، وفي ~~الدولة؛ وهو السياسة، والفن يدبر أفعال المخيلة والأعضاء ويحدث مصنوعات مفيدة أو ~~جميلة وينقسم بحسب الموضوعات التي يتناولها. والعلم النظري أشرف؛ لأنه كمال العقل، ~~والعقل أسمى قوى الإنسان، ولأنه العلم للعلم لا لغرض آخر يرتب إليه ويتبعه، وأشرف ~~العلوم النظرية ما بعد الطبيعة؛ لسمو موضوعه وبعده من التغير، كذلك العلم العملي ~~أشرف من الفن؛ لشرف موضوعه وبعده من المحسوس بالقياس إلى موضوع الفن. # 2 ~~(ب) ولم يدخل أرسطو المنطق في أقسام العلم النظري؛ لأن موضوعه ليس وجوديا ولكنه ~~ذهني؛ إذ هو علم قوانين الفكر بصرف النظر عن موضوع الفكر، وعلى ذلك فهو علم يتعلم ~~قبل الخوض في أي علم آخر ليعلم به أي القضايا يطلب البرهان عليه وأي برهان يطلب لكل قضية؛ # 3 # فإن من الخلف طلب العلم ومنهج العلم في آن واحد، وليس هذا ولا ذاك ~~بسهل التناول، # 4 # وإذن فالمنطق آلة العلوم - أورغانون - أو هو علم جديد ينشأ من رجوع ~~العقل على نفسه لتقرير المنهج العلمي، فموضوعه صورة العلم لا مادته، ولم يرد لفظ ~~«لوجيكا» في كتب أرسطو كاسم لهذا العلم ثم ورد في عصر شيشرون بمعنى الجدل، إلى أن ~~استعمله إسكندر الإفروديسي بمعنى المنطق، ويقول أرسطو بهذا المعنى «العلم التحليلي» ~~أي العلم ms117 الذي يحلل العلم إلى مبادئه وأصوله، وإن كانت «التحليلات» تدل بالذات على ~~تحليل القياس إلى أشكاله فلا مانع من إطلاق الاسم بحيث يشمل تحليل القياس إلى قضايا ~~والقضية إلى ألفاظ. ~~(ج) موضوع المنطق أفعال العقل من حيث الصحة والفساد، ولما كانت أفعال العقل ~~ثلاثة: التصور الساذج، والحكم أو تركيب التصورات وتفصيلها، والاستدلال أو الحكم بواسطة؛ # 5 # فقد جاءت كتب أرسطو المنطقية موزعة أولا إلى ثلاثة أقسام: كتاب ~~المقولات يدور على الأمور المتصورة تصورا ساذجا، وكتاب العبارة في الأمور أو ~~الأقوال المؤلفة، وكتاب التحليلات الأولى في الاستدلال بالإجمال أي من حيث صورته، ~~ولما كان الاستدلال من حيث المادة إما برهانيا صادرا عن مبادئ كلية يقينية ~~ومؤديا للعلم، وإما جدليا مركبا من مقدمات ظنية، وإما سوفسطائيا مؤلفا من ~~مقدمات كاذبة تحتوي على النتيجة احتواء ظاهريا لا حقيقيا، خرجت لنا ثلاثة كتب: ~~الأول: في التحليلات الثانية أو البرهان، والثاني: في الجدل، والأخير: في الأغاليط. ~~وواضح أن هذا «المنطق المادي» يختلف عن المراد بهذا الاسم عند المحدثين وهو «منطق ~~العلوم»؛ على أن أرسطو لم يغفل هذا النوع من النظر كما يتجنون عليه؛ وكل ما هنالك ~~أنه لم يجمعه في كتاب واحد؛ فقد مر بنا قوله: إن لكل موضوع نوعا من الدليل أو ~~البرهان يلائمه، وكتابه «التحليلات الثانية» منطق العلوم المجردة وله في أول كل علم ~~كلام عن منهج هذا العلم، أما قوانين الاستقراء فقد كانت معروفة: كان معروفا أن ~~العلة متى وضعت وضع المعلول، ومتى ارتفعت ارتفع، ومتى تعدلت تعدل، وبالجملة لسنا ~~نرى بحثا من أبحاث ستوارت مل في منطقه الاستقرائي إلا وفي كتب أرسطو ما يقابله أو ~~مبادئ تمكن معالجته بها، وليس الغرض هنا تلخيص الكتب المنطقية؛ فإن هذا التلخيص بين ~~أيدي الجميع في الكتب العربية القديمة، وإنما نقتصر على إشارات تصور كل كتاب ~~بالإجمال متوخين جلاء بعض النقط وشرح بعض المسائل لنؤدي واجب التاريخ. ~~(48) المقولات ~~(أ) هي عشر مذكورة هنا بتمامها، ومذكورة تارة كلها، وتارة بعضها في جميع كتب ~~أرسطو تقريبا، وهي: ms118 الجوهر مثل رجل، الكمية مثل ثلاثة أشبار، الكيفية مثل أبيض، ~~الإضافة مثل نصف، المكان مثل السوق، الزمان مثل أمس، الوضع مثل جالس، الملك مثل ~~شاكي السلاح، الفعل مثل القطع، الانفعال مثل مقطوع. والكتاب مقدمة لكتاب العبارة أي ~~القضية، ولفظ «قاطيغورياس» يعني عند أرسطو الإضافة أو الإسناد؛ فعلى ذلك المقولات ~~أمور مضافة أو مسندة أو «مقولة» أي محمولات، أو بتعريف أدق: المقولة معنى كلي يمكن ~~أن يدخل محمولا في قضية، ولا يخرج الجوهر عن هذا التعريف مهما يتبادر إلى الذهن من ~~أن المقولات التسع تحمل عليه وهو لا يحمل على شيء؛ فإن الجوهر أول وثان: الأول هو ~~الجزئي الموجود في الواقع، وهو الذي لا يضاف إلى موضوع وليس حاصلا في موضوع مثل ~~سقراط، والثاني هو النوع والجنس أي ما يعبر عن ماهية الجوهر الأول ويندرج تحته ~~الجوهر الأول مثل إنسان وحيوان، وهو يضاف إلى موضوع كقولنا: «سقراط إنسان»، ولو أن ~~الجوهر الأول يمكن أن يضاف بالعرض مثل: «هذا العالم هو سقراط»؛ إلا أنه دائما ~~موضوع بالذات كما تقدم، والجوهر الذي هو مقولة هو الجوهر الثاني. ويختلف الجوهر عن ~~باقي المقولات في أمور؛ أهمها: قبوله الأضداد بينما هي لا تقبل أضدادها؛ وذلك لأنه ~~موضوع التغير فيمكن أن ينقلب من أبيض إلى أسود، ومن طيب إلى رديء، أما هي فتغيرها ~~زوالها، والجوهر الأول مقدم في الجوهرية على الثاني؛ أي إن الجزئي مقدم على الكلي؛ ~~لأنه هو الذي يوجد حقا ويقبل العوارض؛ بينما الكلي لا يوجد من حيث هو كذلك إلا في ~~الذهن، وبين الجواهر الثانية النوع جوهر أكثر من الجنس؛ لأنه أقرب إلى الوجود ~~الحقيقي يتشخص في الجزئي، أما الجنس فلا يتشخص إلا بواسطة النوع، وهذا الترتيب ~~يعارض الترتيب الأفلاطوني النازل من المثل باعتبارها الموجودات الحقة إلى الجزئيات ~~المعتبرة أشباحا، ويدل على الاتجاه الواقعي عند أرسطو إلى جانب اعتقاده أن العلم ~~موضوعه الكلي، وأن ما يزيده الجزئي على الماهية الكلية إنما هو آت من المادة ~~المحسوسة التي لا تدخل العلم. ~~(ب) قلنا: إن ms119 المقولات محمولات؛ هي أوائل المحمولات أو أجناسها العليا تمثل وجوه ~~الوجود المختلفة لا بمعنى أنها أقسام أو طوائف كل منها متحقق على حدة؛ بل بمعنى ~~أنها وجهات متمايزة في كل شيء شيء؛ فإن الشيء الواحد يمكن أن يعتبر من جهة ما هو ~~جوهر أو كم أو كيف ... إلخ، بحيث إن أي محمول يضاف إليه فهو داخل في واحدة من ~~المقولات، وكان أفلاطون قد قال بأجناس عليا - الوجود والذاتية والتغاير والسكون ~~والحركة - وبمعاني مشتركة - التشابه والتباين، الوجود واللاوجود، الذاتية والتغاير، ~~الزوج والفرد، الوحدة والعدد. # 6 # ولكن لا علاقة بين هذه وبين المقولات، وقد وردت في أفلاطون معاني ~~الجوهر والكم والكيف والإضافة والفعل والانفعال، ولكنه لم ينظر إليها نظرة أرسطو ~~ولم يحاول ردها إلى نظام واحد. ~~(ج) لم يذكر أرسطو المبدأ الذي اعتمد عليه في تقسيم المقولات، فذهب بعض المؤلفين ~~إلى أنه جمعها جمعا تجريبيا، ولسنا نظن ذلك، وعلى كل حال يمكن وضعها وضعا ~~منطقيا، وقد فعل ذلك القديس توما الأكويني في شرحه على ما بعد الطبيعة - المقالة ~~الخامسة الدرس التاسع - على النحو الآتي، قال: قد تكون نسبة المحمول إلى الموضوع ~~على ثلاثة أوجه: فإما أن يكون المحمول هو الموضوع، وإما أن يؤخذ من ذات الموضوع، ~~وإما أن يؤخذ مما هو خارج عن الموضوع، فمن الوجه الأول المحمول هو الموضوع في قولنا ~~«سقراط إنسان» فإن سقراط هو ما هو إنسان، والمحمول هنا يعبر عن الجوهر «الأول»، ومن ~~الوجه الثاني المحمول صفة للموضوع، وهذه الصفة إما أن تكون لازمة للموضوع من مادته؛ ~~وهذا هو الكم، أو من صورته؛ وهذا هو الكيف، وإما أن تكون له بالإضافة إلى آخر وهذه ~~هي الإضافة، ومن الوجه الثالث المحمول خارج عن الموضوع إما بالمرة وإما بعض الشيء: ~~والخارج بالمرة إما ملك وإما مقاس، والمقاس إما زمان وإما مكان، والمكان إما «أين» ~~غير ملحوظ فيه ترتيب أجزاء الجوهر في المكان، وإما «وضع» ملحوظ فيه ذلك، والخارج ~~بعض الشيء إما أن يكون الموضوع مبدأ له وهذا هو الفعل، وإما ms120 أن يكون نهاية وهذا هو ~~الانفعال. ~~(49) العبارة ~~(أ) كتاب العبارة مقالة واحدة في اليونانية ككتاب المقولات ومقسم إلى مقالتين في ~~الترجمة اللاتينية، والعبارة «صوت مفرد أو مركب دال بنفسه دلالة وضعية» فهي إذن غير ~~الصوت الدال بالطبع الصادر عن البهائم والإنسان كالتأوه والأنين، وغير الحروف؛ ~~فإنها لا تدل بنفسها؛ بل مع غيرها، والصوت المفرد هو الاسم والفعل والأداة أي ~~الحرف، والصوت المركب هو المؤلف وهو الأجدر باسم العبارة أو القضية؛ لأنه وحده ~~يتضمن الصدق أو الكذب ويصح السكوت عليه، أما الاسم والفعل فأجزاء العبارة، وينظر ~~فيها الكتاب بهذا الاعتبار فيستبعد من العبارة التمني والدعاء والاستفهام؛ لأن ~~العبارة تركيب محمول مع موضوع بالرابطة أي بلفظة دالة على نسبة بينهما، وقد تطوى ~~هذه الرابطة فتسمى العبارة ثنائية كقولنا: سقراط كاتب أو سقراط يتكلم، وقد تعلن ~~فتسمى العبارة ثلاثية مثل سقراط هو كاتب، ولو كان الإنسان حيوانا أعجم لاكتفى بما ~~يقوم في نفسه من الانفعالات عن الأشياء واقتصر على الأصوات الطبيعية التي تترجم عن ~~الانفعال الحاضر، ولكنه حيوان ناطق مدني فاحتاج إلى تأدية انفعالاته للآخرين فاصطنع ~~الألفاظ والكتابة: الكتابة دلالة الألفاظ، والألفاظ دلالات انفعالات النفس، ~~والانفعالات مثل الأشياء؛ لأن الشيء إنما تدركه النفس بمثال منه في الحس أو في ~~العقل، ولكن دلالة الكتابة على الألفاظ وضعية باتفاق الجميع، ودلالة الألفاظ على ~~الانفعالات وضعية كذلك؛ خلافا لما ذهب إليه أفلاطون في «أقراطيلوس»؛ إذ لو كانت ~~طبيعية لاتفقت عند الناس اتفاق الأصوات الطبيعية، وأما دلالة الانفعالات على ~~الأشياء فطبيعية؛ لذلك كانت واحدة عند الكل. ~~(ب) فالكتاب ينظر في الأصوات الدالة بالإجمال ثم في الاسم والفعل والأداة، وينتقل ~~إلى العبارة وقسمتها إلى بسيطة ومركبة وموجبة وسالبة وصادقة وكاذبة، ثم إلى تقابل ~~القضايا البسيطة وقوانينه في التناقض والتضاد، وتقابل التناقض في قضايا الممكن ~~المستقبل، ثم يبحث في القضايا المحصلة والمعدولة والقضايا المركبة والقضايا الموجهة ~~وتقابلها، وكل هذا وارد في كتب المنطق كما ذكره أرسطو فلا نقف إلا عند أمر واحد هو ~~تقابل التناقض في القضايا الممكنة المستقبلة؛ ms121 لأهمية هذا الأمر في مسألة الحرية ~~الإنسانية، فإن أرسطو يقول: إن القضيتين المتناقضتين الواحدة منهما صادقة بالضرورة ~~والأخرى كاذبة بالضرورة فيما سوى الممكنات المستقبلات أي الأفعال الاتفاقية ~~والأفعال المتعلقة باختيار الإنسان، فنحن نعلم أن أفعالنا المستقبلة لها بداية في ~~مشورتنا وأن من الأشياء ما يمكن أن يوجد أو لا يوجد على السواء، وإذن فبعض الأشياء ~~لا يقع بالضرورة وليس الإيجاب فيه قبل الحدوث بأصدق من السلب. # 7 ~~(50) التحليلات الأولى ~~(أ) التحليلات أتاها اسمها من موضوعها ومنهجها؛ فموضوعها أجزاء القياس والبرهان ~~وهما آلة العلم الكامل، ومنهجها تحليل القياس والبرهان إلى أجزائهما، فإن العلم ~~الكامل إدراك الشيء بمبادئه، ولا يتسنى هذا الإدراك إلا بالتحليل، والبرهان ينظر ~~إليه من حيث صورته ومن حيث مادته، فهو ينحل إلى مبادئ صورية وأخرى مادية، ~~والتحليلات التي ترد البرهان إلى المبادئ الصورية التي يتعلق بها لزوم التالي من ~~المقدم لزوما بينا ضروريا بصرف النظر عن مادة البرهان تسمى بالأولى وهي ~~مقالتان، والتحليلات التي ترد البرهان إلى المبادئ المادية التي يتعلق بها صدق ~~التالي تسمى بالثانية، وهي مقالتان كذلك. ~~(ب) القياس قول مؤلف من أقوال إذا وضعت لزم عنها بذاتها لا بالعرض قول آخر غيرها ~~اضطرارا، فماهية القياس تقوم في لزوم النتيجة من المقدمتين هذا اللزوم الضروري، ~~حتى إن المقدمتين الكاذبتين قد تلزم عنهما نتيجة صادقة لا من حيث مادتهما بل من حيث ~~تأليفهما معا، فإن النتيجة لا تخرج إلا باجتماعهما في الذهن وإدراك ما بينهما من ~~نسبة، فلا وجه لادعاء قدماء الشكاك وستوارت مل بأن القياس مصادرة على المطلوب ~~الأول؛ إذ إن النتيجة في القياس متضمنة في المقدمتين مجتمعتين، أما في المصادرة ~~فالنتيجة متضمنة في مقدمة واحدة، # 8 # وقد نتوهم أن النتيجة متضمنة في القضية الكبرى في الشكل الأول، ولكن ~~هذا الوهم يتبدد في الأشكال الأخرى، فإن لزوم النتيجة فيها من المقدمتين معا واضح ~~غاية الوضوح. وتركيب أرسطو للقياس يختلف عن التركيب المألوف، فهو لا يضع الموضوع في ~~أول القضية بل المحمول، ويركب القياس هكذا: إذا كان ms122 أ «مائت» مقولا على كل ب ~~«حيوان» وكان كل ب مقولا على كل ج «إنسان»، فإن أ «مائت» مقول على كل ج «إنسان». ~~وتسمية القضايا والحدود مأخوذة من خصائصها في هذا التركيب: الحد الأوسط بين الطرفين ~~«مائت وإنسان» والطرفان الواحد منهما أكبر من الأوسط، والآخر أصغر من الأوسط بحيث ~~يتأدى الفكر من الأكبر - أو الأول - إلى الأوسط، ومن الأوسط إلى الأصغر - أو الأخير ~~- وهذا هو الشكل الكامل أو الأول، أما وضع الأوسط قبل الطرفين أو بعدهما، فإنه ينتج ~~شكلين غير كاملين النتيجة فيهما لا تلزم رأسا من المقدمتين كما تلزم في الشكل ~~الأول، وهذا الشكل أول أيضا؛ لأن النتيجة فيه يمكن أن تكون إحدى القضايا الأربع: ~~كلية موجبة أو سالبة، وجزئية موجبة أو سالبة، ومبدؤه عنده «حينما تكون نسبة الحدود ~~بعضها إلى بعض بحيث يكون الأخير متضمنا في الأوسط، والأوسط متضمنا أو غير متضمن ~~في الأول فحينئذ يكون بالضرورة قياس كامل يربط الأول والأخير.» ويعتمد أرسطو هنا ~~على الماصدق؛ لأن هذه الوجهة أسهل وأكثر إيضاحا لماهية القياس، ولكنه حين ينظر إلى ~~الحكم يعتبر المفهوم؛ لأن الحكم عنده وصف شيء بشيء قبل أن يكون إدراج شيء تحت شيء، ~~واعتبار الماصدق في المقدمتين يؤدي إلى أن أشكال القياس ثلاثة فقط؛ ذلك أن الأوسط ~~إما أن يكون أكبر من طرف وأصغر من آخر، وإما أن يكون أكبر منهما، وإما أن يكون أصغر ~~منهما، أما الشكل الرابع فلا يلزم إلا من نظر آخر هو اعتبار موضع الأوسط على ما فعل ~~جالينوس من بعد فخرج له تصنيف جديد هو المذكور في الكتب الحديثة المتداولة، على أن ~~أرسطو يذكر موضع الأوسط في كل شكل، إلا أن هذه الوجهة ثانوية عنده، ثم هو يعترف ~~ضمنا بأضرب الشكل الرابع الخمسة المنتجة، فجعلها تلميذه ثاوفراسطس أضربا تابعة ~~للشكل الأول. ~~(ج) ولتعيين أضرب كل شكل لم يؤلف أرسطو القضايا الأربع بعضها مع بعض إلا في ~~المقدمات وأهمل النتائج فخرج له 16 ضربا ممكنا بدلا من 64 في كل شكل، وهذا ms123 أخصر ~~وأصوب؛ لأن النتائج تابعة للمقدمات وليس لها أحكام خاصة، ولتعيين الأضرب المنتجة ~~يبدأ بمراجعة الأضرب التي مقدماتها كلية، ثم ينتقل إلى الأضرب التي تحتوي على مقدمة ~~جزئية، ويستبعد جملة الأضرب التي مقدمتاها جزئيتان، ومع أنه استخرج أهم قواعد ~~القياس، كما سنشير إلى ذلك، نراه يراجع بالأمثلة لا بتطبيق القواعد، ولما كان ~~الأوسط في الشكلين الثاني والثالث ليس كالأوسط في الأول؛ أي ليس متوسطا بين ~~الطرفين من حيث الماصدق، فإنه يعالجه لجعله متوسطا ولرد الشكلين غير الكاملين إلى ~~الأول الكامل، وله في ذلك ثلاث طرائق: طريقة مباشرة بعكس القضايا، وطريقتان غير ~~مباشرتين؛ إحداهما بنقل الكبرى صغرى والصغرى كبرى، والأخرى بالخلف أي ببيان أنه إذا ~~لم تسلم نتيجة القياس، تسلم نتيجة مناقضة لقضية سلمت، وفي العكس يذكر أن الكلية ~~السالبة تنعكس مثل نفسها، والكلية الموجبة تنعكس جزئية موجبة والجزئية الموجبة ~~تنعكس مثل نفسها، وأما الجزئية السالبة فيقول: إنها لا تعكس ولا يذكر عكس النقيض؛ ~~لأنه لا يفيد في رد الأقيسة، وأرسطو لا يتكلم عن العكس في كتاب العبارة - كما نفعل ~~الآن؛ إذ ندرسه في باب القضية - بل في التحليلات بمناسبة القياس، وبعد أن يرد أضرب ~~الشكلين الثاني والثالث إلى أضرب الأول يرد الضربين الجزئيين في الأول إلى الضربين ~~الكليين فلا يستبقي في النهاية غير هذين الأخيرين، الواحد موجب والآخر سالب. ويذكر ~~الأقيسة الموجهة ويركبها بعضها مع بعض على كل الأنحاء وينظر في ماهية النتيجة في كل ~~قياس فيستغرق في ذلك خمسة عشر فصلا مطولا، فاختصر ثاوفراسطس الطريق بتطبيقه قاعدة ~~على أن النتيجة تتبع أضعف المقدمتين، وبعد أن يستعرض جميع الأقيسة يقرر القواعد ~~العامة المستخلصة من الملاحظات الجزئية، وهذه القواعد خمس: ~~(1) # يتألف القياس من ثلاثة حدود لا أكثر. ~~(2) # في كل قياس لا بد من مقدمة موجبة؛ أي لا تلزم نتيجة عن ~~سالبتين. ~~(3) # في كل قياس لا بد من مقدمة كلية؛ أي لا تلزم نتيجة عن ~~جزئيتين. ~~(4) # النتيجة الكلية لا تلزم إلا عن كليتين؛ أي إذا كانت إحدى المقدمتين ~~جزئية فالنتيجة جزئية حتما. ms124 ~~(5) # النتيجة الموجبة لا تلزم إلا عن موجبتين؛ أي إذا كانت إحدى المقدمتين ~~سالبة فالنتيجة سالبة حتما. وقد جمعت بعد ذلك القاعدتان الأخيرتان في ~~واحدة هي أن النتيجة تتبع أضعف - أو أخس - المقدمتين. ~~(د) إذا تأملنا القياس وجدنا أن نتيجته كانت قبل تركيبه «مطلوبا» أي إنها هي ~~المسألة التي عرضت أولا «هل المحمول يوافق الموضوع أم لا يوافقه؟» ثم ركب القياس ~~لحلها، وإنما ركب بالأوسط فلا بد من منهج لاستكشاف هذا الأوسط، والمنهج أن يوضع ~~ثبتان: واحد: لكل الموضوعات الممكنة للأكبر - المحمول - وآخر: لكل المحمولات ~~الممكنة للأصغر - الموضوع - دون الذهاب إلى أبعد من الجنس القريب، فالحد الأوسط ~~يوجد بالضرورة في الجزء المشترك بين الثبتين، وبعبارة أخرى توجد أشياء هي دائما ~~موضوعات ولا تكون غير ذلك كالجواهر، وأخرى هي دائما محمولات كالأجناس العالية، ~~وطائفة ثالثة قد تكون موضوعات وقد تكون محمولات كالأنواع، ولما كان الأوسط يجب أن ~~يكون موضوعا ومحمولا فإن البحث عنه يجب أن يتجه إلى النوع أي يجب البحث عن حد ~~مشترك بين موضوع النتيجة ومحمولها في كل ما يمكن إيجابه لأحدهما وفي كل ما يمكن أن ~~يوجب له الآخر أو - إن كانت النتيجة سالبة - في كل ما يمكن سلبه عن الواحد أو عن ~~الآخر، فليكن هذا المطلوب: هل سقراط مائت؟ الإنسان واحد من المحمولات التي يمكن ~~إسنادها لسقراط وواحد من الموضوعات التي يمكن أن يسند إليها مائت فيمكن أن يقوم ~~حدا أوسط بين سقراط ومائت، فاستكشاف الحد الأوسط يقتضي إمعان الفكر والنفاذ إلى ~~الماهيات، وإذن فليس القياس قاصرا على أنه عرض البرهان ولكنه أيضا آلة للاستكشاف ~~ولإقامة البرهان؛ فإن محاولة تركيب القياس شيء وتركيبه بالفعل شيء آخر وهذا ما لم ~~ينتبه إليه نقاد القياس المتقدمون والمتأخرون، فإن قالوا: إن الاستكشاف العلمي سابق ~~على تركيب القياس فالقياس فعل لاحق عقيم، أجبنا أن الرائد في الاستكشاف إنما هي ~~طبيعة القياس القائمة على حد أوسط متعلق بالماهية، فالقياس علة غائية، ومعلوم أن ~~الغاية تتصور أولا وتحقق في النهاية. ~~(ه) بعد تعريف القياس ms125 وتحليله يقارن أرسطو بين القياس والقسمة الأفلاطونية (33-ج) ~~فيقول: إن هذه القسمة قياس ضعيف أو عاجز؛ لأنها خلو من حد أوسط، فهي تقول مثلا: ~~الكائنات إما حية وإما غير حية، فلنضع الإنسان في الحية؛ والحيوانات إما أرضية وإما ~~مائية، فلنضع الإنسان في الأرضية وهكذا حتى تحصى جميع خصائص الإنسان، ولكنها لا ~~تبين علة إضافة خاصة دون الخاصة المقابلة وإنما تضعها وضعا، فما لا نجده عند ~~أفلاطون هي فكرة أن الاستدلال إقامة البرهان على أن المحمول يوافق الموضوع، وهذا لا ~~يتحقق في القسمة، بل إن القسمة مصادرة على المطلوب الأول في جميع مراحلها. فإن صح ~~أن القسمة الأفلاطونية هي التي أدت بأرسطو إلى القياس فإن الفرق بعيد بين ~~الطريقتين. ~~(و) ومسائل المقالة الثانية قياس الدور في الأشكال الثلاثة، وقياس الخلف فيها، ~~والفرق بين البرهان المستقيم وبرهان الخلف، ورد كل منهما للآخر في كل من الأشكال ~~الثلاثة، والأقيسة الفاسدة وأهمها المصادرة على المطلوب الأول، ثم لواحق القياس ~~وأهمها الاستقراء والتمثيل، وقد كثر الكلام في الاستقراء الأرسطوطالي؛ لأن صاحبه ~~يشترط فيه ذكر الجزئيات جميعا فقال النقاد: إن الفيلسوف لم يفهم الاستقراء على ~~حقيقته ولم يفطن إلى إمكان إقامته على جزئيات معدودة، بله على جزئي واحد وإلى أن ~~الجزئيات لا تقع تحت حصر، هذا اتهام باطل لا يعقل أن يجوز على واضع المنطق والفلسفة ~~الأولى والعلم الطبيعي، وإنما ساق أرسطو عبارته هذه في واحد من الكتب التي تبحث في ~~المنطق الصوري، فلم ينظر فيه لغير صورة الاستقراء ودل على الشرط الذي يمكن بموجبه ~~عد الاستقراء بين الأقيسة وهو إمكان عكس الصغرى عكسا مستويا، ولا مشاحة في أن ~~الانتقال من الجزئيات إلى الكلي يقتضي الجزئيات جميعا؛ ليكون صحيحا من الوجهة ~~الصورية، وإلا كان التالي أعم من المقدم وبأن الاستقراء سفسطة، ولكن أرسطو لم يقل: ~~إن هذا الشرط يمكن تحقيقه، ونفس المثال الذي يورده دليل على ذلك؛ إذ إن الجزئيات ~~فيه غير تامة وأرسطو يعلم ذلك: «الإنسان والفرس والثور طويل العمر. والإنسان والفرس ~~والثور قليل المرارة؛ ms126 إذن فكل حيوان قليل المرارة فهو طويل العمر.» # وحتى لو تحقق الشرط لما عده أرسطو كافيا؛ إذ إن العلم عنده لا يؤلف من حقائق ~~واقعة بل من حقائق ضرورية، ولأرسطو في هذه النقطة كلام ليس أصرح ولا أقوى منه قاله ~~في التحليلات الثانية وهو الكتاب الذي يبحث في البرهان والعلم اليقيني؛ قال: «إن من ~~يبين ببرهان واحد - تذكر فيه الجزئيات - أو ببراهين عدة - كل منها خاص بجزئي - أن ~~كلا من المثلث متساوي الأضلاع وغير متساويها ومتساوي الضلعين مجموع زواياه يساوي ~~قائمتين فليس يحصل له العلم بأن نفس المثلث تساوي زواياه قائمتين اللهم إلا على وجه ~~سوفسطائي - أي جدلي قائم على أن هذه الثلاثة هي جميع المثلثات - وليس يحصل له العلم ~~بالمثلث الكلي ولو لم يكن هناك مثلث غير ما ذكر؛ ذلك أنه لا يعلم من أجل المثلث، ~~ولا كل مثلث إلا من حيث العدد، أما من حيث الصورة - الماهية - فليس يعلم كل مثلث ~~ولو لم يوجد مثلث إلا وهو يعرفه، وإنما يعلم علما كليا متى قام عنده أن ماهية ~~المثلث وجميع المثلثات واحدة بحيث إن وضع المثلث ورفعت المثلثات وافقه المحمول.» # 9 # إذن فالعلم معرفة الماهية، لا يؤدي إليه الاستقراء مهما يبلغ عدد الجزئيات إلا ~~إذا أدركت العلاقة الضرورية بين المحمول والموضوع في نتيجته، فإن لم تدرك بقي ~~الاستقراء علما ناقصا يحفز العقل إلى طلب علة اطراد المحمول للموضوع، فكيف يمكن ~~القول مع القائلين: إن القياس قلب صناعي للاستقراء بوضع الخاصة التي بينتها نتيجة ~~الاستقراء موضع الوسط والعلة، وإن العلم الضروري عند أرسطو ما هو إلا صورة مجردة ~~للنظام الطبيعي المستخلص من التجربة؟ هؤلاء القائلون ينسون أو يتناسون معنى «إدراك ~~الماهية» ولقد ميز أرسطو بين الاستقراء والقياس تمييزا تاما قال: # 10 # الاستقراء أبين من القياس بالإضافة إلينا؛ لأنه يبدأ من الجزئيات، أما ~~القياس فأبين بالذات؛ لأنه يبدأ من الكليات فيبين علة النتيجة بخلاف الاستقراء الذي ~~يضع النتيجة من أجل ما شوهد في الجزئيات، والحد الأوسط فيه أوسط من حيث الشكل ms127 فقط؛ ~~لأن الاستقراء يضيف الأكبر للأوسط بالأصغر كما يتبين من المثال المذكور آنفا، ولا ~~يختلف الأوسط عن الأصغر من حيث الماصدق؛ لأنه مكتسب بوضع حد كلي في موضع الجزئيات، ~~وهذا الوضع هو نفس الاستقراء. ~~(ز) ولا يذكر أرسطو القضية الإضافية التي بين موضوعها ومحمولها نسبة إضافة مثل ب ~~أكبر من ج أو ب إلى يمين ج وما أشبه، ولا بد أن يكون السبب في هذا الإغفال أن ~~تعريف القضية عنده عام يشمل كل نسبة بين موضوع ومحمول، لا أنه جهل هذا النوع من ~~القضايا الكثير الاستعمال في الرياضيات وأرسطو يلحظ الرياضيات في منطقه ويأخذ منها ~~بعض مصطلحاته المنطقية مثل الحد والشكل، ويمثل لكل واحد من أشكال القياس بشكل هندسي ~~خاص الخطوط فيه تمثل القضايا والنقط تمثل الحدود، كذلك لم يذكر القضية الشرطية ~~بنوعيها متصلة ومنفصلة؛ لأنهما تنحلان إلى حمليتين، وأهمل الأقيسة المقابلة لهذه ~~القضايا؛ لأن القياس الإضافي لا يخرج عن تعريف القياس بالإجمال، ولأن القياس ~~الاستثنائي يرد إلى قياس اقتراني بتحويل القضية الشرطية إلى قياس إضماري مثل قولنا: ~~«إذا كان الله ثابتا فهو فعل محض» «شرطية متصلة» فإنه يرجع إلى «الله ثابت فهو فعل ~~محض» ثم بالتصريح بالقضية الكبرى المطوية في هذا القياس يخرج لنا «كل ما هو ثابت ~~فهو فعل محض، والله ثابت؛ إذن فالله فعل محض». ومثل قولنا: «العدد إما فرد وإما ~~زوج» «شرطية منفصلة» فقد يرد إلى السابق «إذا لم يكن العدد فردا فهو زوج» أو إلى ~~حملية مباشرة «كل ما ليس فردا فهو زوج.» ~~(51) التحليلات الثانية ~~(أ) تقع في مقالتين كالأولى: إحداهما تدور على ماهية العلم وشرائط مقدماته وخصائص ~~البرهان بما هو برهان أي من حيث إبانته عن علة حصول المحمول للموضوع، وتدور الثانية ~~على خصائص البرهان من حيث هو وسيلة لحد المحمولات، وعلى المطالب العلمية أي الأسئلة ~~التي تقع في العلوم وعلى الحد وعلاقته بالبرهان. يبدأ أرسطو بالبحث في أساس العلم ~~فيقول: إن كل علم وكل تعلم إنما يستند علم سابق، لكن لا يتسلسل العلم ms128 إلى غير نهاية ~~فلا يتم أبدا، ولا يتوقف بعضه على بعض فنقع في دور، وللقول بالتسلسل والدور مصدر ~~واحد هو توهم البرهان الوسيلة الوحيدة للمعرفة، ولكن هناك مقدمات أولية لا تفتقر ~~إلى برهان ولا تحتمل البرهان وإنما هي أصول البراهين، وللبرهان تعريف أول ظاهري ~~بالعلة الغائية هو أنه «قياس منتج للعلم» والقياس مأخوذ هنا بمعناه المحدود من حيث ~~هو قسيم الاستقراء، ولفظ العلم يعني معرفة العلة وهي معرفة ثابتة ضرورية بينما ~~الإحساس والظن يقعان على الحادث والممكن، وقد يقع العلم والظن في شخصين على موضوع ~~واحد بعينه فلا ينتفي التمييز بينهما؛ لأن موقف كل شخص من هذا الموضوع غير موقف ~~الآخر، فالشخصان يستطيعان أن يحكما بأن الإنسان حيوان لكن أحدهما يعتبر الحيوان من ~~ماهية الإنسان ويعتبره الآخر محمولا حاصلا بالفعل، والفرق ظاهر بين هذين النوعين ~~من المعرفة، وللبرهان تعريف ثان جوهري بالعناصر المؤلفة له هو أنه «القياس المنتظم ~~من مقدمات صادقة أولية سابقة في العلم على النتيجة وأبين منها وعلة لزومها.» ولما ~~كانت المقدمات تتضمن الموضوع والمحمول، كانت عناصر البرهان الموضوع والمحمول ~~والمقدمتين، ووجب أن يعلم قبل البرهان أن الموضوع موجود وما هو وما المحمول أو ما ~~يعني اسمه وأن المقدمتين صادقتان وإلا لم ينتج برهان، والصدق هنا يقتضي أن تكون ~~النسبة بين الموضوع والمحمول نسبة ذاتية أي جوهرية فتصير المقدمة أولية، وإلا ~~افتقرت إلى برهان ولم تصلح أساسا يستند إليه. ~~(ب) ومقدمات البرهان ثلاثة أقسام: الأول مقدمات أولية بالإطلاق وتسمى «علوما ~~متعارفة» مثل مبادئ عدم التناقض والثالث المرفوع والعلية وهي لا تدخل عادة في ~~القياس بل يتمشى القياس بموجبها دون ذكرها؛ أي إنها مقدمات بالقوة لا بالفعل، وهي ~~ليست غريزية في العقل لكن العقل يكتسبها بالحدس فتبدو كالغريزية، والقسم الثاني ~~مقدمات تسمى «أصولا موضوعة» ليست أولية ولكن المتعلم يسلمها عن طيب نفس، والقسم ~~الثالث مقدمات تسمى «مصادرات» يطلب إلى المتعلم تسليمها فيسلمها مع عناد في نفسه ~~ويصبر عليها إلى أن تتبين له في علم آخر. فحينما تكون المقدمات أولية ms129 ويستدل على ~~المعلول بالعلة يسمى البرهان «برهان لم» يفيد علة حصول النتيجة ويحاكي نظام الوجود ~~حيث العلة سابقة على المعلول وهو البرهان بالمعنى الصحيح والعلم الأكمل، وهناك ~~برهان آخر يسمى «برهان إن» وهو الذي مقدماته تقتضي البرهنة أو الذي يستدل على العلة ~~بالمعلول وهو برهان بالمعنى الواسع؛ لأنه يترك للعقل مجالا للتساؤل، كبرهان الطبيب ~~الذي يستند إلى نتائج الرياضيات فيقول: إن الجروح المستديرة أبطأ اندمالا من ~~سواها، وكبراهين علوم المناظر والموسيقى والفلك التي تتقبل مبادئها من ~~الرياضيات تقبلا. وفي هذا القدر كفاية بعد الذي ذكرناه عن القياس وليس لنا كلام ~~خاص في باقي مسائل الكتاب وهي مبسوطة في كتب المنطق. ~~(52) الجدل ~~(أ) كان أفلاطون قد رفع الجدل إلى مقام العلم والمنهج العلمي (31-أ) ولكن أرسطو ~~عاد به إلى معناه المتعارف فحده بأنه «الاستدلال بالإيجاب أو بالسلب في مسألة واحدة ~~بالذات، مع تحاشي الوقوع في التناقض، والدفاع عن النتيجة الموجبة أو السالبة.» وليس ~~يمكن ذلك بالاستناد إلى حقائق الأشياء؛ لأن المقدمات الصادقة لا تنتج النقيضين في ~~آن واحد، فلا يدور الجدل إلا بمقدمات محتملة أي آراء متواترة أو مقبولة عند العامة ~~أو عند العلماء، فالقياس الجدلي يتفق مع البرهاني في أنه استدلال صحيح ويختلف عنه ~~في أن مقدماته محتملة، ولا يتفق مع السوفسطائي في شيء؛ لأن هذا يستند إلى قضايا ~~مموهة والاستدلال فيه قد يكون صحيحا أو فاسدا، وإذن فليس الجدل علما أو منهج ~~العلم كما أراد أفلاطون ولكنه الاستدلال على وجه الاحتمال، وهو يستعمل في الخطابة ~~بنوع خاص. ~~(ب) وللجدل فوائد منها أنه رياضة عقلية، وأنه منهج يستطيع العالم والجاهل أن ~~يمتحن بموجبه مدعي العلم، بل إن له فائدة علمية هي أنه يساعد على كشف المبادئ ~~الأولية في علم من العلوم ببحث الآراء العامة وآراء العلماء في موضوع ذلك العلم؛ ~~فإن العلوم الجزئية لا تبرهن بنفسها على مبادئها الخاصة؛ فامتحان الآراء يعين العقل ~~على الاقتراب من المبادئ ووضع المسائل، وقد كان أرسطو القدوة في هذا المنهج علما ~~وعملا، ففي كل ms130 علم وكل مسألة سرد أقوال المتقدمين ومحصها ومهد بذلك لدراسة المسألة ~~في ذاتها بحيث يمكن أن يستخرج من كتبه تاريخ الفلسفة والعلم والفن. ~~(ج) ولما كان الجدل قياسا واستقراء لإضافة محمول إلى موضوع فيلزم النظر في هذه ~~الإضافة وتعيين أنواعها والكلام في كل نوع، فالمحمول إما أن يكون مساويا للموضوع ~~في الماصدق وإما أن لا يكون: فإن كان مساويا - أي ينعكس - فإما أن يكون ماهية ~~الموضوع وهو إذن حده وإما أن لا يكونها وهو إذن خاصة، وإن لم يكن مساويا فإما أن ~~يكون جزءا من الحد وهو إذن جنس الموضوع أو فصله النوعي وإما أن لا يكون جزءا من ~~الحد وهو إذن عرض، فكل موضوع يوصف من هذه الوجهات تحصل لنا به معرفة، وكل مقدمة وكل ~~مسألة ترجع إلى واحدة من هذه الوجهات؛ لأن المحمول لا يخلو أن يكون إما جنسا أو ~~خاصة أو فصلا أو عرضا، فهذه الوجهات هي المواضع التي تستمد منها القضايا الجدلية ~~على هذا الترتيب في القياس والاستقراء وهذا موضوع الكتاب ومن هنا أتى اسمه فإن ~~«طوبيقا» من «طوبوي» أي الأمكنة التي تؤخذ منها الاستدلالات الخطابية، وتجد في كتاب ~~النجاة لابن سينا تلخيصا للمقالات السبع في الفصل المعنون «في بيان وجوه الغلط في ~~الأقوال الشارحة»، أما المقالة الثامنة والأخيرة فتدور على ترتيب الجدل أي على ~~قواعد السؤال والجواب. ~~(د) هذا تعيين الكليات وتصنيفها عند أرسطو وقد تناولها فورفوريوس وجعلها موضوعا ~~لكتاب خاص أسماه «المدخل إلى مقولات أرسطو» (إيساغوجي = المدخل) فانقسم الكلام في ~~التصور الساذج إلى قسمين: الكليات والمقولات، وإنما وضعت الكليات أولا؛ لأنها ~~ذهنية صرفة وألصق بالمنطق، أما المقولات فذهنية من حيث هي أقسام تندرج تحتها ~~الموضوعات والمحمولات، وحقيقية من حيث هي أقسام تترتب فيها الأشياء أنفسها، ثم إن ~~البحث في الكليات مفيد بل ضروري للحد والقسمة، وهما مستعملان في كتاب المقولات، غير ~~أن الكليات عند أرسطو أربعة زاد عليها فورفوريوس كليا خامسا هو النوع ولم يكن ~~أرسطو يعتبره واحدا من الكليات وإنما كان يعتبره الموضوع ms131 نفسه من حيث إن الأحكام ~~العلمية صادرة على الأنواع لا على الأفراد، والنوع لا يضاف إلا للفرد مثل قولنا: ~~سقراط إنسان. ~~(53) الأغاليط ~~(أ) كتاب الأغاليط أو تفنيد الحجج السوفسطائية في مقالتين: تبدأ الأولى بتعريف ~~الغلط أو السفسطة بأنها قياس في الظاهر فقط لا في الحقيقة، وتستطرد إلى بيان ~~العلاقة بين هذا الكتاب وسائر الكتب المنطقية، وأن «أفعال السوفسطائية إما في ~~القياس المطلوب به إنتاج شيء، وإما في أشياء خارجة عن القياس»، فالمغالطات في ~~القياس «إما أن تقع في اللفظ أو في المعنى أو في صورة القياس أو في مادته، وإما أن ~~تكون غلطا أو مغالطة»، والأشياء الخارجة عن القياس «مثل تخجيل الخصم وترذيل أقواله ~~والاستهزاء به وقطع كلامه والإغراب عليه في اللغة واستعمال ما لا مدخل له في ~~المطلوب وما يجري مجرى ذلك.» # 11 # والمقالة الثانية في حل هذه الإشكالات. ~~(ب) ويقول أرسطو في الفصل الأخير من الكتاب: إن العلم أو الفن يوضع شيئا فشيئا ~~بأن يزيد المتأخرون على ما يخلفه المتقدمون وأنه هو قد سبق إلى فنون كثيرة فتلقى ~~البيان مثلا عن الأقدمين وأكمله، أما القياس والبرهان والجدل والسفسطة فلم يسبقه ~~إليها أحد، نعم؛ إن السوفسطائيين وأمامهم غورغياس كانوا يعلمون المحاجة، ولكنهم ~~كانوا يقتصرون على تلقين تلاميذهم بعض حجج عامة وتدريبهم على تركيب بعض المغالطات ~~بطريقة تجريبية مما هو أدخل في علم البيان، أما الفن نفسه بما له من موضوع محدد ~~ومبادئ ونتائج فقد استكشفه من عند نفسه في زمن طويل. انتهى كلامه. # والحق أن من يقابل بين ما عرفته المدارس السابقة من المنطق وما ورد في أفلاطون ~~وقد آلت إليه الفلسفة اليونانية من أبحاث متفرقة ضعيفة في الحد والقسمة والاستقراء، ~~وبين كتب أرسطو الغنية العميقة ليدهش من عظم الفرق ويوقن أن القياس بمبادئه وأشكاله ~~وقواعده، وأن البرهان بأصوله وأنواعه وشروطه، وأن الاستقراء بماهيته ومكانه من ~~العلم، أمور جديدة في تاريخ الفكر أصبحت من يوم وجدت جزءا من الفلسفة لا يتجزأ، ~~وإذا كان العلم الكامل هو علم الذي يعلم ms132 أنه يعلم أي الذي يبرهن على علمه ويدفع عنه ~~الشبه والاعتراضات وهو على بينة من أمره، فإن أرسطو بوضعه المنطق قد يسر للناس مثل ~~هذا العلم وبصر العقل بنفسه وأبلغه رشده. # الفصل الثالث # | الطبيعة # (54) العلم الطبيعي وأقسامه ~~(أ) الوجود الطبيعي هو الذي يتعلق بالمادة في الحقيقة وفي الذهن، فإنا مهما نحاول ~~فلن نستطيع أن نتصور الإنسان إلا في لحم وعظم، وهكذا سائر الموجودات الطبيعية في ~~المادة التي تلائمها، وكل ما هو مادي فهو متحرك، فموضوع العلم الطبيعي الوجود ~~المتحرك حركة محسوسة، بالفعل أو بالقوة، والحركة على أنواع، ولأجل تعيين عدد هذه ~~الأنواع يجب الرجوع إلى معنى أعم من الحركة هو التغير أو الصيرورة: كل تغير فهو من ~~طرف إلى طرف ضده؛ وعلى ذلك فلا تغير من اللاوجود إلى اللاوجود؛ إذ ليس بينهما تضاد، ~~وإنما التغير من اللاوجود إلى الوجود، ومن الوجود إلى اللاوجود، ومن الوجود إلى ~~الوجود. # أما النوع الأول فليس حركة ولكنه «كون»؛ لأن الحركة تقتضي قبلها وجود المتحرك، ~~والكلام هنا على كونه أي على وجوده بعد لا وجود، ثم إن للحركة وسطا ولا وسط بين ~~اللاوجود والوجود، وأما النوع الثاني فليس حركة كذلك ولكنه «فساد»؛ إذ لا وسط بين ~~الوجود واللاوجود، والانتقال من الأول إلى الثاني فجائي، فلا يبقى إلا النوع الثالث ~~وهو انتقال نفس الشيء من وجود إلى وجود هو حال لهذا الشيء، ويتحرك الشيء حركات ~~مختلفة؛ لكن لا من حيث الجوهر؛ فإن الجوهر عرضة للكون والفساد ليس غير، ولا من حيث ~~جميع المقولات الأخرى؛ بل من حيث بعضها، فإن الإضافة لا وجود لها بذاتها، وإنما ~~توجد بطرفيها، فتغيرها تابع لتغيرهما، والفعل والانفعال هما تغير ولا تغير للتغير، ~~والزمان مقياس الحركة فليس هو الذي يتحرك، يبقى أن الحركة تحدث في ثلاث مقولات هي: ~~الكيفية، والكمية، والمكان: فالحركة التي في الكيفية «استحالة»، والتي في الكمية ~~«نمو ونقصان»، والتي في المكان «نقلة»، وفي هذه المقولات فقط يتفق الانتقال من ضد ~~إلى ضد، والنقلة شرط الحركتين الأخريين؛ إذ لا بد ms133 فيهما من تماس المحرك والمتحرك، ~~ولا بد لتماسهما من تقاربهما، والنمو والنقصان حركة الجسم الحي، فهو يبدأ صغيرا ~~فيتحرك نحو الكمية المقتضاة له حسب طبيعته، ثم يعتريه الذبول والنقصان. # 1 ~~(ب) وعلى ذلك ينقسم العلم الطبيعي إلى الكلام في الموجود الطبيعي بالإجمال وهذا ~~موضوع كتاب السماع الطبيعي، ثم في الموجود الطبيعي بالتفصيل أي أولا: في الموجود ~~الطبيعي المتحرك بالنقلة وهذا موضوع كتاب السماء أي العالم، وثانيا: في الموجود ~~الطبيعي المتحرك بالاستحالة المنتهية إلى فساد جوهر وكون آخر وهذا موضوع كتاب الكون ~~والفساد، وثالثا: في الموجود الطبيعي المتحرك بالنمو والنقصان أي الجسم الحي وهذا ~~موضوع كتاب النفس ولواحقه الطبيعيات الصغرى وكتب الحيوان. وسندرس في هذا الفصل ~~الكتب الثلاثة الأولى ونخصص الفصل الآتي للكلام على النفس. # والأصل في اسم السماع الطبيعي على قول البعض أن أرسطو ألقاه دروسا فدونه ~~التلاميذ، وعلى قول البعض الآخر أنه يتعذر فهمه من غير الاستماع إلى معلم، والكتاب ~~في ثماني مقالات؛ الأولى: في تجوهر الأجسام الطبيعية أي تركيبها. والثانية: في ~~العلية والاتفاق والضرورة والغائية. والثالثة: في تعريف الحركة وفي اللانهاية. ~~والرابعة: في المكان والخلاء والزمان. وسنلخص هذه المقالات تلخيصا وافيا، وكان ~~أرسطو يعتبرها قسما تاما يسميه «في المبادئ» - الطبيعية - ويعتبر الباقي قسما ~~آخر يسميه «في الحركة» وسنهمل هذا الباقي هنا إلا مسألة واحدة منه، فإن المقالة ~~الخامسة تدور على تفصيلات في الحركة لا نرى فائدة في تتبعها. والمقالة السادسة تبحث ~~في اتصال الجسم والمكان والزمان، وأهم ما فيها وارد في الكلام على اللانهاية، ~~والمقالة السابعة تعنى بتفصيلات أخرى في الحركة، وقد وردت في روايتين يظن أنهما ~~لبعض التلاميذ، وقد أقحمتا على الكتاب. والمقالة الثامنة تدلل على قدم حركة العالم ~~- وهذه هي المسألة التي سنذكرها - وتبرهن على وجود المحرك الأول، وهذا بحث سيعود ~~إليه أرسطو في «ما بعد الطبيعة» فنرجئه نحن تفاديا من التكرار ولأنه أدخل في هذا ~~العلم الأخير. وبعد ذلك نقول كلمة في كتاب السماء وأخرى في كتاب الكون ~~والفساد. ~~(55) تجوهر الأجسام الطبيعية ~~(أ) العلم معرفة ms134 العلل والمبادئ والأصول، وقد تعددت الآراء في المبادئ الطبيعية، ~~فمن الفلاسفة من وضع مبدأ واحدا ثابتا مثل بارمنيدس ومليسوس، ومنهم من وضع مبدأ ~~واحدا متحركا ماء أو هواء أو نارا وهم طاليس وأنكسيمانس وهرقليطس، ومنهم من ~~قال بمبادئ عدة محدودة العدد مثل أنبادوقليس، ومنهم من قال بمبادئ عدة غير متناهية ~~العدد وهم طائفتان: واحدة ذهبت إلى أن هذه المبادئ متفقة جنسا مختلفة شكلا مثل ~~لوقيبوس وديموقريطس، وطائفة أخرى ذهبت إلى أن المبادئ متباينة مثل أنكسيمندريس ~~وأنكساغورس. ~~(ب) أما رأي بارمنيدس فهو عبارة عن إنكار العلم الطبيعي؛ إذ إن الأجسام الطبيعية ~~متمايزة ومتغيرة، وهو يجعل الطبيعة كلها واحدا ساكنا، فهو لم يفطن إلى أن الوجود ~~يقال على أنحاء هي المقولات العشر لا على نحو واحد، وأن كل مقولة تقال كذلك على ~~أنحاء فيقال جوهر للإنسان والفرس والنفس، ويقال كيفية للأبيض والحار وما أشبه، ~~فعبارته: «كل ما خلا الوجود فهو لا وجود» غير صحيحة، فإن ما خلا الوجود من وجه أي ~~من حيث الجوهر مثلا أو من حيث جوهر معين فقد يكون وجودا من وجه آخر أي عرضا أو ~~جوهرا آخر، وإذن فليس يلزم أنه لا شيء، كذلك الواحد يؤخذ بمعاني مختلفة فيقال على ~~المقدار وعلى غير المنقسم وعلى الماهية، فإن قيل على المقدار كان الواحد كثيرا ~~بالقوة؛ لأن المقدار ينقسم إلى أجزاء، وإن قيل على غير المنقسم بطلت الكمية ولم يعد ~~الوجود متناهيا كما يرى بارمنيدس، ولا لا متناهيا كما يرى مليسوس، وإن قيل على ~~الماهية فيجب أن يفهم قول: إن الوجود واحد؛ بمعنى أن كل موجود - أي كل ماهية - فهو ~~واحد في ذاته، لا بمعنى أن الموجودات جميعا واحد، وإلا وقعنا في مذهب هرقليطس ~~فاستوى معنى الخير ومعنى الشر ومعنى الإنسان ومعنى الفرس ومعنى الكيفية ومعنى ~~الكمية، وهذا خلف، ولاتجه القول إلى عدم الوجود لا إلى وحدة الوجود، وبارمنيدس ~~يتحدث عن الوجود كأنه ماهية متحققة في الخارج على مثال تحققه في الذهن، ولما رأى أن ~~الأشياء واحد على نحو ما ms135 من حيث إنها تدخل تحت معنى الوجود، توهم أن الأشياء واحد ~~على نحو لا يتفق معه أن تكون موجودات متكثرة، والواقع أن في الخارج ماهيات مشاركة ~~في الوجود، وأن معنى الوجود جرده العقل، وأنه يقال على كل موجود بحسب هذا الموجود ~~من حيث هو جوهر «فيوجد في ذاته» أو عرض «فيوجد في غيره» أو ماهية معينة «فيوجد بحسب ~~هذه الماهية». ~~(ج) وأما آراء الطبيعيين فلا تثبت للنقد كذلك، فإن تركيب الأجسام الطبيعية من ~~مادة واحدة معينة يبطل تمايزها تمايزا جوهريا ويجعلها متمايزة بالعرض فقط من حيث ~~الشكل والحجم؛ في حين أن الملاحظة تدل على أنها تتباين بالخصائص، وأن العقل يدل على ~~أن الاختلاف في العرض لا يحدث اختلافا في الجوهر، وتركيب الجسم الطبيعي من عدة ~~مواد كلها معينة ومجتمعة بمقادير قد يعلل تميزه من غيره إلى حد ما، ولكنه يبطل ~~وحدته؛ إذ إن ما هو مؤلف من عناصر معينة لا يمكن أن يكون واحدا في ذاته ما لم نفرض ~~مبدأ يرد العناصر إلى الوحدة، وتتبين قوة هذه الحجة بملاحظة الكائن الحي على الأقل، ~~فإنه واحد من غير شك مع تعدد أجزائه ووظائفه، وإنما هو واحد بشيء آخر غير الأجزاء ~~هي النفس؛ زد على ذلك أن مبادئ الأجسام الطبيعية لا يمكن أن تكون كلها معينة وإلا ~~صارت التغيرات جميعا عرضية، وانتفى التغير الجوهري وهو مشاهد على الأقل في الحي ~~يتغير إلى غير الحي بالموت والانحلال، وفي غير الحي يتغير إلى الحي بالاغتذاء ~~والتوليد. ~~(د) فلأجل تفسير الأجسام الطبيعية وتغيراتها يجب القول: إن المبادئ ثلاثة فقط، ~~ويتبين ذلك من النظر في التغير، فإنه يقتضي أولا موضوعا يتم فيه، وثانيا كون هذا ~~الموضوع غير معين في نفسه وإلا لم يمكن أن يصير شيئا آخر، وثالثا ما يعين الموضوع ~~بعد اللاتعيين: فالأول الهيولى أو المادة الأولى، والثاني العدم، والثالث الصورة، ~~فقبل التغير الشيء المتغير واحد بالعدد ولكنه يحتوي على مبدأين؛ أحدهما: يبقى ~~بالرغم من التغير، والآخر: يحل ضده محله، ولا بد من مبدأ ثالث ms136 لإمكان التغير هو عدم ~~الضد لقبول الضد الآخر، وهي مبادئ بمعنى الكلمة؛ أي إنها أولية لا مكونة من أشياء ~~أخرى، وأنها متضادة لا مكونة بعضها من بعض، إلا أن الهيولى والصورة مبدآ الماهية، ~~أما العدم فمبدأ بالعرض؛ أي إنه نقطة نهاية صورة، وبداية صورة، وليس شيئا ثالثا ~~محويا في الجسم؛ لأن الكائن إنما يكون بارتفاع العدم لا بوجوده. ولما كانت ~~الهيولى موضوعا غير معين في نفسه؛ فهي ليست ماهية، ولا كمية، ولا كيفية، ولا شيئا ~~داخلا في المقولات التي هي أقسام الوجود، ولكنها قوة صرفة لا تدرك في ذاتها، وإنما ~~نضطر لوضعها وندركها بالمماثلة كما ندرك الخط شيئا بغير صورة؛ لأنه تارة يكون في ~~صورة، وطورا في أخرى، وأما الصورة فهي كمال أول لهذا الموضوع أو فعل أول لهذه ~~القوة؛ أي إنها ما يعطي الهيولى الوجود بالفعل في ماهية معينة، فهي معقولة؛ لأنها ~~فعل؛ بل هي ما نعقل من الشيء، وباتحاد هذين المبدأين اتحادا جوهريا يتكون كائن ~~واحد؛ من حيث إن كلا منهما ناقص في ذاته مفتقر للآخر، متمم له؛ فهما يتميزان ~~بالفكر، ولا ينفصلان في الحقيقة؛ فلا توجد الهيولى مفارقة ولكنها دائما متحدة ~~بصورة، وكذلك لا تقوم الصورة الطبيعية مفارقة للمادة؛ اللهم إلا النفس الإنسانية ~~قبل اتصالها بالبدن، وبعد انفصالها عنه بالموت (63-ج، د)، وهناك صورة مفارقة أصلا ~~هي الله والعقول محركة الكواكب (68-د، ه)، وما خلا هذه الصور فليست المعقولات قائمة ~~بأنفسها كما ذهب إليه أفلاطون، ولكنها حالة في المادة حلول الفعل في القوة، وليست ~~المادة متشبهة بالمعقولات أو مشاركة فيها من بعيد وبالعرض، ولكنها متقومة بها، وإذن ~~فالجسم الطبيعي موجود حقيقي، وهو واحد بوحدة حقيقية. ~~(56) العلية والاتفاق ~~(أ) أنزل أرسطو إذن المثال الأفلاطوني من السماء إلى الأرض وسماه صورة، وسماه ~~أيضا «طبيعة»؛ فإنه يقول: ونستطيع أن نبحث مسألة تجوهر الأجسام من وجهة أخرى ~~فنلاحظ أن من الموجودات ما هو بالطبع، ومنها ما هو بالصناعة أو الفن، ومنها ما هو ~~بالاتفاق أو المصادفة، والأجسام الطبيعية هي الحيوانات وأعضاؤها ms137 والنبات والعناصر، ~~وهي تختلف اختلافا بينا عن التي ليست بالطبع؛ فإن الموجود الطبيعي حاصل في ذاته ~~على مبدإ حركة وسكون بالإضافة إلى المكان، أو إلى النمو والذبول، أو إلى الاستحالة، ~~أما المصنوعات كالسرير والرداء وما أشبه فإن اعتبرناها بما هي مصنوعات لم نجد فيها ~~أي نزوع طبيعي للحركة؛ فإن تحركت فذلك إما بالمواد المركبة منها ومن هذا الوجه، ~~وإما بفعل الصانع، والمبدأ الذاتي للحركة والسكون في الجسم نسميه بالطبيعة، ~~«فالطبيعة مبدأ وعلة حركة وسكون للشيء القائمة فيه أولا وبالذات لا بالعرض»، وقد ~~عرفنا ما هي الحركة وسنعود إليها، أما السكون فهو غاية الحركة، فإن جميع الحركات ~~الطبيعية - ما عدا حركات الأجرام السماوية - من نقلة العناصر الأرضية ومركباتها، ~~ومن استحالة، ومن نمو النبات والحيوان، لها حد تنتهي إليه بالطبع وتسكن عنده؛ فلا ~~يوجد كائن يفعل أي شيء كان، أو ينفعل بأي حال من أي كائن على ما يتفق، ولا يوجد كون ~~هو كون أي موجود عن أي موجود، ولا يوجد فساد هو انحلال شيء إلى أي شيء، أما قولنا: ~~«القائمة فيه أولا وبالذات» فللتمييز بين الموجود الطبيعي وغيره مما يتحرك ~~بالصناعة أو بالاتفاق، وأما قولنا: «لا بالعرض» فيتضح معناه من ملاحظة أن الطبيب ~~الذي يداوي نفسه فيبرأ ليس علة للصحة من حيث هو مريض؛ بل عرض أن رجلا بعينه طبيب ~~وقابل للصحة؛ لذلك قد تفترق هاتان الكيفيتان، وهكذا الحال في جميع المصنوعات؛ فليس ~~واحد منها حاصلا على مبدإ صنعه وحركته، إنما مبدأ بعضها خارج عنها كالبيت، ومبدأ ~~البعض الآخر داخل، ولكنها علل لأنفسها بالعرض لا بالذات كما تقدم. وليست الطبيعة ~~نفسا كما ظن أفلاطون؛ فإن الفرق بعيد بين حركة الحي الذي يتحرك ويسكن بذاته، وحركة ~~الجماد الذي لا يستطيع أن يبدأ الحركة ولا أن يقفها، وإنما الطبيعة هي الصورة، ~~والصورة طبيعة الشيء ما دام الشيء، فإنه هو هو، ويفعل كل ما يفعل بصورته، أما ~~الهيولى فليست طبيعة؛ لأنها بالقوة وما هو بالقوة لا يقال له مصنوع ولا طبيعي حتى ~~يخرج إلى ms138 الفعل؛ أي يتخذ صورة وماهية، ويفترق أرسطو عن أفلاطون في نقطة أخرى؛ فهو ~~حين يطلق لفظ الطبيعة على العالم لا يقصد أن يدل على موجود واحد مركب من نفس وجسم؛ ~~بل يريد مجموع الأجسام مرتبة في نظام واحد، وحين يضيف إليها خصائص وأفعالا لا ~~يشخص الطبيعة في قوة واحدة؛ بل يريد الطبائع الجزئية بالإجمال. ~~(ب) وتعريف الطبيعة يستتبع البحث فيما يتميز به العلم الطبيعي من العلم الرياضي؛ ~~فإن السطوح والحجوم والخطوط والنقط التي هي موضوع الرياضي متحققة في الأجسام ~~الطبيعية؛ فكيف يتميز العلمان؟ إنهما يتميزان بأن الرياضي يفحص عن موضوعاته مجردة ~~عن الجسم الطبيعي وحركاته وكيفياته المحسوسة من ثقل وخفة وصلابة وليونة وحرارة ~~وبرودة، ولا يحتمل هذا التجريد أي خطأ من حيث إن العقل يدرك أن التجريد فعله الخاص، ~~وإنما الخطأ في محاولة أفلاطون أن يجرد عن المادة أشياء المادة داخلة فيها، وهي ~~الأشياء الطبيعية مثل اللحم والعظم والإنسان والشجر، لا يمكن دراستها إلا في ~~المادة، كما لا يمكن تصور الأفطس دون تصور الأنف، بينما المنحني مثلا لا تدخل فيه ~~مادة بالذات، فالعلم الرياضي يستبقي المادة المعقولة التي هي امتداد فحسب، ويصرف ~~النظر عن المادة المحسوسة الواقعة في الحركة، والعلم الطبيعي ينظر في المادة ~~والصورة جميعا غير منفصلتين، أما الصور المفارقة فدراستها من شأن الفلسفة الأولى، ~~أو ما بعد الطبيعة. ~~(ج) الآن عرفنا الجسم الطبيعي على الوجه الذي يقتضيه العلم أي بالعلة، فإن ~~الهيولى والصورة علتان ذاتيتان يتكون منهما الشيء ويعلم بهما كما يتكون التمثال من ~~النحاس وصورة أبولون، على أن العلة تقال أيضا على نحوين آخرين الواحد ما تصدر عنه ~~بداية الحركة والسكون، والثاني الغاية التي تقصد إليها الحركة، فتكون العلل أربعا: ~~علة مادية، وصورية، وفاعلية، وغائية، يعنى الطبيعي بها جميعا من حيث إن غرضه ~~تفسير الحركة، بينما الرياضي ينظر في صورة صرفة وماهية مجردة فلا يحتاج في معرفة ~~موضوعه لأكثر من اعتباره في ذاته، وللحركة مبدأ محرك بالضرورة؛ لأن الشيء لا يتحرك ~~بذاته من جهة ما هو قابل ms139 لأن يتحرك، وللحركة غاية تقصد إليها بالضرورة وإلا لم تكن ~~حركة أصلا، ونستطيع أن نرد العلتين الفاعلية والغائية إلى الصورة على نحو ما، فإن ~~الفاعل إنما يفعل على حسب صورته، ويحرك الشيء على حسب صورة الشيء، فإذا ما قبل ~~الشيء الحركة تحرك بصورته وعلى حسبها، أما الغاية فإنها مرتسمة في صورة المحرك يقصد ~~إليها، وفي صورة المتحرك يوجه إليها، بحيث ننتهي إلى أن العلل طائفتان: العلة ~~المادية، والعلل الثلاث الأخرى مختصرة في الصورة أو الطبيعة التي بها يكون الشيء ما ~~هو ويتحرك ويسكن (انظر أيضا ما بعد الطبيعة م5 ف2). ~~(د) على أنه يقال أيضا: إن الاتفاق والبخت أو الحظ علة، والاتفاق والبخت واحد ~~إلا أن البخت أخص يطلق على الأمور الإنسانية أي تلك التي تتعلق بالاختيار، ويطلق ~~الاتفاق على الأمور الطبيعية أي تلك التي تصدر عن الجماد والحيوان والطفل وهم ~~جميعا عاطلون عن الاختيار، فلا يقال للحجارة التي يشيد بها الهيكل: إنها سعيدة ~~الحظ؛ بالقياس إلى التي توطأ بالأقدام إلا مجازا، ولا يقال لمجيء الفرس: بخت؛ إذا ~~كان الفرس بهذا المجيء قد نجا من الهلاك دون قصد إلى النجاة ولكنه اتفاق، وبعد فما ~~معنى العلية هنا؟ نلاحظ أولا أن من الظواهر ما يقع دائما على نحو واحد، ومنها ما ~~يقع في الأكثر، ومنها ما يقع استثناء، وأن هذا النوع الأخير وحده هو الذي يقال عنه: ~~إنه يقع بالاتفاق، ونلاحظ ثانيا أن الظواهر التي تقع دائما أو في الأكثر تقع لأجل ~~غاية هي التي ينتهي إليها البعض بالاختيار والبعض بالطبع، فإن كل ما يحدث لأجل غاية ~~إنما يحدث عن الفكر أو عن الطبيعة، بينما الظواهر الاتفاقية تقع لا لغاية أي إنها ~~تنتهي عند غاية ليست مهيأة لها بالذات، فمثلا لقاء المدين بالسوق والحصول على ~~الدين أمر كان يمكن أن يكون غاية للدائن لو أنه علم أنه سيلقى مدينه هناك ولكنه ذهب ~~من غير أن يعلم ولغير هذه الغاية، فعرض له؛ إذ جاء السوق أنه جاء لقبض دينه فكان ~~هذا بختا، ms140 أما إذا كان يعلم أو إذا كان من عادته أن يذهب للسوق؛ لاستيفاء أمواله ~~فإن الأمر لا يعد حينئذ من قبيل البخت، وعلى ذلك فالاتفاق تقابل علل طبيعية أو ~~إرادية تقابلا بالعرض، من حيث إنها لم تفعل لأجل هذا التقابل، فهو داخل في العلة ~~الفاعلية مع هذا الفارق وهو أنه لما كانت العلة الفاعلية إما فكرا وإما طبيعة كان ~~الاتفاق لاحقا للفكر وللطبيعة لا سابقا كما توهم بعض القدماء؛ لأنه علة عرضية ~~لمعلولات الفكر والطبيعة يحدثانها بالذات، وما هو بالعرض فهو لاحق لما هو بالذات، ~~هو إذن علة غير معينة محجوبة عن الإنسان معارضة للعقل؛ لأن العقل يعقل الأمور التي ~~تقع دائما أو في الأكثر لا الأمور الاستثنائية؛ لذلك لا يحكم العقل بين نقيضين ~~ممكنين (49-ب). ~~(ه) فالعلل أربع كما قلنا ولا يمكن قصر العلية على المادة والفاعل والقول إن ~~الأشياء لازمة عن سوابقها المادية والفاعلية بالضرورة كما ارتأى كثير من القدماء، ~~إن مثلهم مثل قائل: إن الحائط يحدث ضرورة؛ لأن الأجسام الثقيلة كالحجارة تسقط إلى ~~أسفل فتؤلف الأساس، وتصعد الأجسام الأخف كالتراب فوق الحجارة، والأخف كالخشب إلى ~~أعلى، نحن بالفن نراعي هذا الترتيب ونضع الأشياء هذا الوضع، ولكن ليس في الأشياء ما ~~يجعلها تتألف من أنفسها على هذا الشكل، والفن يحاكي الطبيعة أو يصنع ما الطبيعة ~~عاجزة عن تحقيقه، وهو في الحالين يصنع لغاية فكيف يعقل أن الطبيعة تصنع لا لغاية؟ ~~لو كان البيت شيئا يحدث بالطبيعة لكان يحدث كما يحدثه الفن، ولو كانت الأشياء ~~الطبيعية تحدث أيضا بالفن لأحدثها الفن كما تحدثها الطبيعة، فإن نفس النسبة لازمة ~~بين السوابق واللواحق في المصنوعات والطبيعيات على السواء، والأمر أوضح في النبات ~~والحيوان وكلاهما يفعل بالطبع من غير بحث ولا مشورة، فإذا كان السنونو يبني عشه ~~بدافع طبيعي ولأجل غاية، وكان العنكبوت ينسج خيوطه، وكانت النمل والنحل تقوم ~~بوظائفها المعروفة، وكان النبات ينتج ورقه لحماية ثمره، ويرسل جذوره لا إلى أعلى بل ~~إلى أسفل لامتصاص الغذاء، فمن البين أن الغائية متحققة ms141 في الطبيعة، ولا يقدح فيها ~~أن الطبيعة تنتج أحيانا مسوخا فتفوتها الغاية، فإن الحي الذي لا يحقق نوعه صادر ~~عن مادة فاسدة غير مطاوعة أو عن فاعل عاجز، لا عن عدم اتجاه الطبيعة إلى ~~الغاية. # وإنما يقال مسخ بالقياس إلى الأصل الذي تتوخاه الطبيعة كما يقال خطأ أو لحن ~~بالقياس إلى القاعدة النحوية، فالغائية القاعدة، والمسوخ الأخطاء، وإذا تقرر ذلك ~~كانت السوابق المادية شرطا ضروريا للغاية، ولم تكن الغاية نتيجة ضرورية لها، ~~فتنعكس الآية ويخرج لنا معنى للضرورة لا يتنافى مع الغائية بل يدخل فيها، هو ضرورة ~~الشرط اللازم لتحقيق الغاية بحيث تكون الغاية متقدمة على المادة مع افتقارها لها، ~~فبناء البيت من الضروري فيه ترتيب أجزائه على ما ذكر، والسبب هو الغاية منه أي ~~الإيواء والصيانة، وكذلك إذا أردنا نشر الخشب وجب أن نصنع المنشار من حديد وعلى ~~الصورة المعروفة وإلا لم تتحقق غايتنا، فالضرورة تقال عن المادة؛ لأنه من الضروري ~~أن تكون المادة كذا وأن ترتب على نحو كذا، ولكن علة هذه الضرورة هي الغاية والصورة، ~~بحيث إن المتحقق في العالم هي الضرورة الشرطية لا الضرورة المطلقة. هذا حل أرسطو ~~للمسألة الطبيعية، يخضع المادة للعقل والآلية للغائية، ويكسر النطاق الضروري الذي ~~كان قدماء الفلاسفة قد ضربوه حول العالم، ويفتح مجالا للإمكان بنوعيه: الاتفاق ~~والحرية. ~~(57) الحركة ولواحقها ~~(أ) عرفنا الطبيعة بأنها مبدأ حركة، فدراسة الحركة داخلة في هذا العلم، وللحركة ~~لواحق فإنها خاصة بالأجسام الطبيعية المتصلة، والمتصل إما أن يكون متناهيا أو لا ~~متناهيا فيتعين النظر في ذلك، ثم إن الحركة ممتنعة بغير مكان وخلاء وزمان فيجب ~~البحث في هذه الأمور أيضا. نقول عن الحركة: لما كان الموجود إما بالقوة وإما ~~بالفعل فإن الحركة «فعل ما هو بالقوة بما هو بالقوة» أي تدرج من القوة إلى الفعل ~~ووسط بين القوة البحتة والفعل التام، فإن ما هو بالقوة أصلا غير متحرك وما هو فعل ~~تام غير متحرك كذلك من جهة ما هو بالفعل، فالحركة فعل ناقص يتجه إلى التمام، والفعل ms142 ~~الناقص عسير الفهم ولكنه مقبول عند العقل، وينطبق هذا التعريف على جميع أقسام ~~الحركة، ففي المستحيل من حيث هو قابل للاستحالة الفعل هو الاستحالة، وفي النامي من ~~حيث هو قابل للزيادة والنقصان الفعل زيادة أو نقصان، وفيما هو قابل للكون والفساد ~~الفعل كون أو فساد، وفيما هو قابل للحركة المكانية الفعل النقلة. وإذا نظرنا في ~~المحرك والمتحرك خرجت لنا قضيتان؛ إحداهما: أن المحرك الطبيعي متحرك هو أيضا من ~~جهة ما هو بالقوة؛ لأنه إنما يؤثر في المتحرك بالتماس فينفعل هذا التماس في نفس ~~الوقت، والقضية الأخرى: أن الحركة واحدة في المحرك والمتحرك إلا أنها تسمى فعلا ~~باعتبارها صادرة عن المحرك، وتسمى انفعالا باعتبارها حاصلة في المتحرك، كما يقال: ~~صعود ونزول؛ والطريق واحدة، فإن قيل: إن المقذوف يشذ عن هاتين القضيتين من حيث إنه ~~يتحرك بعد انفصاله عن المحرك، أجاب أرسطو جوابا غريبا؛ هو أن هذه الحركة تفسر ~~بانتقال الدفع الأصلي إلى الوسط - الهواء - الذي يجتازه المتحرك فيدفع هذا الوسط ~~المقذوف من خلف ويضعف الدفع بالتدريج بسبب ثقل المتحرك ومقاومته حتى يسكن المتحرك، ~~فكل وسط يعتبر محركا يحرك بالتماس، غير أن هذا التفسير بمحركات كثيرة هي أجزاء ~~الوسط الذي يجتازه المقذوف يبطل اتصال الحركة اتصالا حقيقيا، فلم لا نقول: إن ~~فعل المحرك ينبه في المتحرك قوة معادلة تخرج إلى الفعل تدريجا بحيث يكون المقذوف ~~بعد انفصاله محركا ومتحركا من جهتين مختلفتين؟ ~~(ب) أما اللامتناهي فحده أنه ما يمكن الاستمرار في قسمته كالمقدار أو في الإضافة ~~إليه كالعدد، والقسمة والإضافة ترجعان إلى واحد؛ إذ إن انقسام المقدار إلى غير ~~نهاية يتضمن قبول العدد الزيادة إلى غير نهاية، وعلى ذلك وبهذا المعنى فلا يمكن أن ~~يوجد اللامتناهي بالفعل سواء أكان جوهرا مفارقا أم جسما أم عددا: فإن كان ~~جوهرا مفارقا كان غير منقسم ومن ثمة لم يكن لا متناهيا، وإن كان جسما طبيعيا ~~أو رياضيا كان متناهيا؛ لأن الجسم يحده سطح بالضرورة، ولا عبرة بوهم الخيال؛ لأن ~~الزيادة والنقصان يحصلان في التخيل لا ms143 في نفس الشيء، وإن كان عددا كان قابلا للعد ~~وممكن العبور فلم يكن لا متناهيا، وإنكار اللامتناهي بالفعل لا يبطل اعتبارات ~~الرياضيين؛ إذ إنهم بغير حاجة إليه ولا هم يستعملونه ولكنهم يستعملون مقادير مهما ~~يفرضون لها من عظم فهي متناهية. # على أن اللامتناهي إن لم يوجد بالفعل فهو موجود بالقوة، لا القوة التي تخرج كلها ~~إلى الفعل بل التي تخرج إلى الفعل بحيث لا تقف عند نهاية أخيرة ليس وراءها مزيد، ~~فلا ينبغي أخذ لفظ «بالقوة» كما يؤخذ في قولنا: «هذا تمثال بالقوة» أي سيكون ~~تمثالا، كأن هناك شيئا لا متناهيا سيتحقق بالفعل، كلا وإنما اللامتناهي بالقوة ~~يبقى دائما بالقوة ويزيد باستمرار، فهو متناه من غير شك مع اختلافه بلا انقطاع، ~~وعلى ذلك فليس اللامتناهي ما قد قال القدماء من أنه ما لا شيء خارجه، ولكنه على ~~العكس ما خارجه شيء دائما، فهو ضد التام والكامل أي المحدود، وهو لا مدرك بما هو ~~لا متناه؛ لأنه مادة من غير صورة وقوة لا تنتهي إلى فعل، وبذلك يتضح بطلان حجج ~~زينون (17-ب، ج) فإنها قائمة على فرض المكان والزمان مؤلفين من أجزاء غير متناهية، ~~والحقيقة أنهما متصلان متناهيان وقابلان للقسمة إلى أجزاء غير متناهية، فعدد أجزاء ~~المكان والزمان متناه ولا متناه في آن واحد لكن لا من جهة واحدة: هو متناه ~~بالفعل لا متناه بالقوة، بحيث إن المقدار المتصل هو غير المقسوم القابل للقسمة، ~~وإذن فأخيل يلحق السلحفاة؛ لأن المسافة بينهما متناهية، والسهم متحرك؛ لأن المكان ~~والزمان متصلان كما قلنا وليسا مؤلفين من أجزاء غير متناهية بالفعل، أما حجة ~~«الملعب» فالغلط فيها ناشئ من توهم أن الجرمين المتساويين المتحركين بسرعة متساوية ~~يقطع كلاهما في زمن متساو طول المتحرك الآخر وطول الساكن على السواء. # 2 ~~(ج) وأما المكان فنوعان: مكان مشترك يوجد فيه جسمان أو أكثر، ومكان خاص يوجد فيه ~~كل جسم أولا، فمثلا أنت الآن في السماء؛ لأنك في الهواء، والهواء في السماء، ثم ~~أنت في الهواء؛ لأنك على الأرض، وأنت ms144 على الأرض؛ لأنك في هذا المكان الذي لا يحوي ~~شيئا غيرك، فإذا كان المكان الخاص هو الحاوي الأول للجسم، كان مفارقا للجسم ~~خارجا عنه؛ لأن الجسم يتنقل ويتخذ له أمكنة على التوالي، وعلى ذلك يكون المكان ~~الخاص سطح الجسم الحاوي أعني السطح الباطن المماس للمحوي، وقد يتحرك الجسم الحاوي ~~فيبقى الجسم المحوي ساكنا بذاته متحركا بالعرض ويبقى مكانه ثابتا، ويلزم مما ~~تقدم أن للمكان طولا وعرضا دون عمق؛ لأنه سطح، ويلزم أيضا أن الجسم يقال: إنه في ~~مكان متى وجد جسم يحويه، أما إذا لم يوجد لم يكن في مكان إلا بالقوة، كالأرض فهي في ~~الماء، والماء في الهواء، والهواء في الأثير، والأثير في العالم، والعالم ليس في ~~شيء ولا في مكان، فقول زينون مردود (17-ب)؛ لأن سطح الجسم الحاوي - أي المكان - هو ~~في الجسم الحاوي لا كأنه في مكان بل كالحد في الشيء المحدود، فليس صحيحا أن كل ما ~~هو موجود فهو في مكان، ويلزم أخيرا أن من الأشياء ما هو في المكان بالذات مثل كل ~~جسم جزئي، ومنها ما هو في المكان بالعرض مثل النفس التي ليست جسما ولكنها متعلقة ~~بجسم. ~~(د) وثمة مسألة متصلة بالسابقة هي مسألة الخلاء؛ فإن القائلين به يعتبرونه نوعا ~~من المكان؛ أي امتدادا خلوا من كل جسم حتى من الهواء، يصير ملاء حين يحل فيه ~~جسم، وعلى هذا يكون الخلاء والملاء والمكان شيئا واحدا يختلف بالتصور، هم يقولون: ~~إن الملأ لا يقبل شيئا، وإلا لأمكن أن يحل جسمان في مكان واحد ولأمكن ذلك لأي عدد ~~من الأجسام فاحتوى الأصغر الأكبر وهذا خلف، فإذا سلمنا بذلك وجب التسليم بضرورة ~~الخلاء للنقلة وتكاثف الجسم الطبيعي ونمو الجسم الحي؛ لأن النقلة حلول المتنقل في ~~أمكنة متعاقبة، والتكاثف امتلاء الخلاء المتخلل الجسم، ويحصل النمو بحلول الغذاء في ~~خلاء، وهم يؤيدون حجتهم هذه بالإناء الذي يقبل من الماء، وهو ممتلئ رمادا، بقدر ما ~~يقبل وهو خلو، ولو لم يكن في الرماد خلاء لكان ذلك ممتنعا، ولكن هذه الأقاويل ms145 ليست ~~ملزمة، فالخلاء غير ضروري للنقلة؛ إذ إن الأجسام تستطيع أن يحل بعضها محل الآخر دون ~~فرض خلاء كما يدفع الماء بعضه بعضا حين يلقى فيه حجر، أما التكاثف فليس يحدث ~~بالانضغاط في الخلاء، بل بطرد الهواء أو أي جسم آخر يتخلل الجسم المتكاثف، وهذا هو ~~الحال في الإناء المملوء رمادا، فإن الماء المسكوب فيه يطرد الهواء المتخلل الرماد ~~ويحل محله، والتكاثف والتخلخل انقباض المادة نفسها أو انبساطها بما لها من قوة ~~باطنة ولا دخل للخلاء فيهما، وأما النمو فإن احتجاجهم به يرتد عليهم؛ إذ إن الجسم ~~إنما ينمو في جميع أجزائه، فإما أن يكون في المكان الحال فيه الغذاء جسم وحينئذ ~~يتداخل الجسمان وهذا باطل، وإما أن لا يكون جسم بل خلاء فيكون الحي كله خلاء وهذا ~~باطل كذلك، وبعد أن بين أرسطو أن الخلاء غير ضروري على ما قدمنا شرع يدلل على أنه ~~ممتنع، وأدلته كلها قائمة على العلم القديم تقتضي شروحا طويلة، فنضرب عنها صفحا، ~~وننتقل إلى مسألة الزمان. ~~(ه) يلوح أن الزمان غير موجود، أو أن ليس له سوى وجود ناقص غامض؛ لأن الماضي فات ~~والمستقبل غيب والحاضر في نقص مستمر، هذا التقضي يوحي للفكر أن الزمان حركة، ولكن ~~الحركة خاصية المتحرك غير منفكة عنه، والزمان مشترك بين الحركات جميعا، ثم إن ~~الحركة سريعة أو بطيئة والزمان راتب ليس له سرعة، على أن الزمان إن لم يكن حركة فهو ~~يقوم بالحركة، ونحن حينما لا تتغير حالتنا النفسية أو حينما لا ندرك تغيرها، فليس ~~يبدو لنا أن زمانا قد تقضى، وهذا هو شعور الذين تقول عنهم الأسطورة: إنهم إذ ~~ينامون في هيكل سردا - عاصمة ليديا - بجانب رفات الأبطال، ويستيقظون، يصلون لحظة ~~يقظتهم بأول لحظة نومهم، كأن لم يكن بين اللحظتين زمان؛ لأن هذا الزمان خلو من ~~الشعور، إذن بين الزمان والحركة علاقة، والواقع أن الزمان متصل؛ لأنه مشغول بحركة ~~متصلة، والحركة متصلة؛ لأنها في مكان متصل، فالمكان هو المتصل الأول، ثم إنا نجد في ~~الزمان متقدما ومتأخرا ms146 لأنا نجدهما في الحركة، ولما كانت الحركة في المكان فهما ~~يقالان بالاضافة إلى المكان أولا، وإلى الحركة ثانيا، وإلى الزمان ثالثا، وعلى ~~ذلك يحد الزمان بأنه «عدد الحركة بحسب المتقدم والمتأخر» أي إنه يقوم في مراحل ~~متميزة بعضها من بعض لحصولها بعضها بعد بعض ومن ثمة معدودة، ولما كانت النفس ~~الناطقة هي التي تعد فيمكن القول: إنه لولا النفس لما وجد زمان، بل وجد أصل الزمان ~~أي الحركة غير معدودة، وإذن فاعتبار الزمان كلا مؤلفا من ماض ومستقبل هو من ~~النفس، أما ماهيته فقائمة في «الآن» يتجدد باستمرار تبعا لاستمرار الحركة، فالزمان ~~متصل بواسطة الآن ومقسم بحسبه بالقوة؛ أي إن الآن يصل الماضي بالمستقبل، فإذا قسمنا ~~الزمان بالوهم كان الآن بداية جزء ونهاية جزء، فالآن حد الزمان وليس جزءا من ~~الزمان، كما أن النقطة ليست جزء الخط بل إن خطين هما جزءا خط واحد؛ ذلك لأنه لا ~~يوجد حد أصغر للزمان ولا للخط وهما متصلان وكل متصل فهو ينقسم، ويلزم من تعلق ~~الزمان بالحركة أن الموجودات الدائمة ليست في الزمان؛ لأنها ليست متحركة وليس ~~الوجود في الزمان مرادفا للوجود مع الزمان، وإنما الموجودات المتحركة أو القابلة ~~لأن تتحرك هي التي في الزمان يقيس حركتها وسكونها، والحركة التي يقيسها الزمان قد ~~تكون الكون أو الفساد والنمو والاستحالة والنقلة، ولكن هذه أولى أنواع الحركة بأن ~~تعد؛ لأنها الوحيدة التي تتقضى على نحو راتب، والصورة الأولى للنقلة هي النقلة ~~الدائرية، ومن هنا نشأ التصور القديم الذي كان يجمع بين الزمان وحركة السماء، ~~والتصور الذي يعتبر التغير والزمان بما في ذلك الشئون الإنسانية خاضعة ~~للدور. ~~(58) قدم العالم والحركة ~~(أ) كان أرسطو يعتقد بقدم العالم وقدم الحركة وله في ذلك حجة كلية وجيهة بعض ~~الشيء وحجج أخرى جزئية تكلفها تكلفا وهي في الواقع أغاليط إن لم نقل مغالطات، ~~وحجته التي لها بعض الوجاهة منصبة على قدم الحركة ولكنها قائمة على مبدإ كلي فيجب ~~تقديمها، وهي تلخص فيما يلي: العلة الأولى ثابتة (68-ب) هي هي دائما ms147 لها نفس القدرة ~~ومحدثة نفس المعلول، فلو فرضنا وقتا لم يكن فيه حركة لزم عن هذا الفرض أن لا تكون ~~حركة أبدا، ولو فرضنا على العكس أن الحركة كانت قدما لزم أنها تبقى دائما، لقد ~~ظن أنكساغورس أن العقل ظل ساكنا زمنا لا متناهيا ثم حرك الأشياء، ولكن هذا الظن ~~فضلا عن أنه يضيف التغير للعلة الأولى - وهذا محال - فإنه لا يبين المرجح لتدخلها ~~لا في نفسها ولا في وقت دون آخر من أوقات الزمان المتجانس، وقد تخيل أنبادوقليس ~~العالم يمر بدور حركة يعقبه دور سكون يليه دور حركة وهكذا إلى غير نهاية، ولكن هذا ~~التصور لا يقوم على أساس؛ فما دام مبدأ الحركة واحدا ثابتا فالحركة مطردة ليس ~~فيها صعود ولا هبوط. # 3 # والرد على هذه الحجة أن القول بحدوث العالم لا يعني أن مرجحا قد استجد ~~- مهما يكن من تصور أنكساغورس وأنبادوقليس - وإنما هو يتفق تمام الاتفاق مع ثبات ~~العلة الأولى ويعني أن إرادة قديمة تعلقت بأن يكون العالم في الزمان فلما كان ~~العالم لم يحدث تغير في العلة من حيث إن الإرادة قديمة، وإن مفعولها هو المتعلق ~~بالزمان، فقدم العلة لا يستتبع قدم المعلول إلا إذا كان المعلول من شأنه أن يصدر عن ~~علته صدورا ضروريا، ولا يكون هذا شأنه إلا إذا تكافأ مع العلة، وليس بين العالم ~~المتغير والله الثابت تكافؤ، وليس العالم ضروريا لله، فليس من شأن الله أن يحرك - ~~أو يخلق - بالضرورة. ~~(ب) والحجج الأخرى مركبة على نمط واحد حتى لتكاد تكون حجة واحدة في الحقيقة، هي ~~طائفتان: طائفة خاصة بقدم العالم وأخرى خاصة بقدم الحركة، فعن قدم العالم يذهب ~~أرسطو إلى أن الهيولى أزلية أبدية، ويقول: لو كانت الهيولى حادثة لحدثت عن موضوع ~~(55-د) ولكنها هي موضوع تحدث عنه الأشياء بحيث يلزم أن توجد قبل أن تحدث وهذا خلف، ~~ولو كانت فاسدة لوجبت هيولى أخرى تبقى لتحدث عنها الأشياء بحيث تبقى الهيولى بعد أن ~~تفسد وهذا خلف كذلك، # 4 # نقول: صحيح في التغيرات ms148 الجزئية أن الهيولى ليست حادثة؛ لأنها موضوع ~~تحدث فيه الصورة، ولكن إذا وضعنا حدوث العالم فما الذي يمنع أن تحدث الهيولى؟ ~~ونلاحظ على الشق الثاني - «لو كانت الهيولى فاسدة ...» - أنه قائم على الاعتقاد ~~بأبدية العالم وليست هذه الأبدية ضرورية شأنها شأن الأزلية سواء بسواء. ~~(ج) يقول أرسطو: # 5 # وتتبين ضرورة القول بقدم الحركة من اعتبار المتحرك، والمحرك، والزمان: ~~أما المتحرك فلا يخلو أن يكون إما قديما وإما حادثا، فإن كان حادثا وكان الحدوث ~~أو الكون يقتضي الحركة (54-أ) كان كونه تغيرا اقتضى حركة سابقة على البداية ~~المزعومة للحركة وهذا خلف، وإن كان قديما فهو متحرك لا ساكن؛ لأن السكون ما هو إلا ~~عدم الحركة فهو متأخر عنها يقتضي إحداثه حركة أولى قبل الحركة وهذا خلف، وأما من ~~جهة المحرك فإن عدم الحركة يعني أن المحرك والمتحرك بعيدان الواحد من الآخر، فلأجل ~~أن تبدأ الحركة لا بد من حركة تقرب بينهما، وهذه الحركة تكون سابقة على بداية ~~الحركة، وهذا خلف، وأما الزمان فهو مقياس الحركة أو هو نوع من الحركة؛ فإن كان ~~قديما كانت الحركة قديمة، وقد أخطأ أفلاطون في معارضة قدم الزمان (35-ج)؛ فإن ~~الزمان يقوم بالآن؛ والآن وسط بين مدتين؛ هو نهاية الماضي وبداية المستقبل، فليس ~~للزمان بداية ولا نهاية، وإلا لزم أن لا يكون زمان قبله ولا بعده، ولكن قبل وبعد ~~يتضمنان الزمان فهذا خلف. نقول عن الحجة الأولى الخاصة بالمتحرك: ليس الخلق كونا ~~شبيها بأنواع الكون المشاهدة في هذا العالم والتي تتم في موضوع بتأثير محرك مادي، ~~ولكنه إحداث من لا شيء، فهو ليس حركة، ولا يقتضي الحركة كما ظن أرسطو، وعن الحجة ~~الثانية الخاصة بالمحرك نقول: لما كان الخلق إبداع الشيء بمادته وصورته فلا يمكن أن ~~يصور بأنه حركة من العلة نحو موضوع، ثم إن العلة الأولى عند أرسطو ليست محركة كعلة ~~فاعلية بل كعلة غائية (68-ه) وليس يقتضي فعل الغاية تماسا واقترابا فالحجة ساقطة ~~من الجهتين، ونجيب عن الحجة الثالثة الخاصة بالزمان أن الآن وسط ms149 بين مدتين متى بدأ ~~الزمان، أما عند بدايته فالآن الأول أول بالإطلاق، ولا يمكن وضع زمان قبل الزمان ~~المحدث إلا بالوهم مثل المكان الوهمي الذي نتخيله خارج العالم سواء بسواء، وأرسطو ~~نفسه يقول أن ليس خارج العالم خلاء فنقول كذلك ليس قبل الزمان زمان، وكما أن ~~«خارج» يدل في قولنا «خارج العالم» على مكان بالقوة لا بالفعل فإن «قبل» يدل على ~~زمان بالقوة لا بالفعل. هذه حجج أرسطو ركبها للتدليل على قدم الحركة وهي لا تستقيم ~~إلا مع الاعتقاد بهذا القدم، فأولى بها أن تسمى مصادرات لا حججا أو أدلة، ونظن أنه ~~إنما تورط فيها؛ لاعتقاده أن ثبات العلة الأولى يستتبع بالضرورة دوام المعلول، وكان ~~يكفيه أن يلحظ ما بينهما من تفاوت كما ذكرنا فيعلم أن هذا التفاوت يبطل أن يكون ~~العالم ضروريا ويعلم أن فعل العلة الأولى غير ضروري كذلك وإنما هو فعل حر، ثم ~~يرقى بالتنزيه فيتصور الحرية في الله بحيث لا تتنافى مع الثبات، ولكن هذه الخطوات ~~لم يخطها العقل إلا في المسيحية بعد أرسطو بزمن طويل. ~~(د) وبعد أن دلل أرسطو على قدم الحركة قال: إنها أبدية أيضا وعرض حجة ذات شقين؛ ~~الأول: أنه لو وقفت الحركة لبقيت الأشياء القادرة على التحريك والتحرك فتستأنف ~~الحركة، ولكن ما القول إذا فرضنا المحرك والمتحرك بعيدين الواحد من الآخر ومن أين ~~تأتي الحركة التي تقرب بينهما لتستأنف الحركة؟ الشق الثاني: فالحركة لا تنتهي إلا ~~بإعدام الموجودات المحركة والمتحركة، والعلة الثابتة مفعولها ثابت، فهذا الإعدام ~~يعني أن علته حادثة فاسدة ولإعدام هذه العلة علة فاسدة، وهكذا إلى غير نهاية بحيث ~~لا تقف الحركة أبدا، ولكن العلة العاقلة المريدة تستطيع أن تعدم في لحظة إذا كانت ~~إرادتها القديمة قد تعلقت بالإعدام بعد الإحداث، وهكذا تمكن معرضة كل حجة، ولعل ~~أرسطو كان يدرك ذلك تمام الإدراك حين قال في كتاب الجدل (م1 ف9): إن قدم العالم ~~والحركة من المسائل الجدلية أي التي تحتمل قولين، ولقد كان لهذه المسألة شأن خطير ~~في المسيحية ms150 والإسلام، ونظن القارئ قد تبين أن خطرها أهون مما يقدر معظم الناس، ~~فإذا أضفنا إلى هذه المعارضة السلبية أن الزمان عدد الحركة، وأن العدد متناه - ~~والقضيتان لأرسطو - وأن للزمان طرفا أخيرا هو الآن الحاضر، خرج لنا أن للزمان ~~طرفا أولا بالضرورة وبدت قضية الحدوث راجحة على قضية القدم. ~~(59) السماء ~~(أ) السماء بمعنى واسع مرادفة للعالم؛ لأنها تحوي الأشياء الطبيعية جميعا أو هي ~~مكانها المشترك، والكلام في كتاب السماء يدور على العالم بالإجمال من جهة ما هو ~~متحرك بالنقلة، وهو يقع في أربع مقالات: الأولى والثانية تقرران صفات العالم وهي ~~أنه محدود أو متناه واحد منظم أزلي أبدي كري، ثم تبحثان في السماء بمعناها ~~المتعارف وهو أنها مجموع الكواكب، وتبحث المقالتان الثالثة والرابعة في حركة ~~العناصر الأرضية، والعالم عند أرسطو قسمان كبيران متفاوتان مقدارا وكمالا: ما فوق ~~فلك القمر وما تحته، ونحن نجمل الكتاب في نقط ثلاث: # صفات العالم. # الأجرام السماوية. # العناصر الأرضية. ~~(ب) العالم متناه؛ لأنه جسم، والجسم يحده سطح بالضرورة (57-ب) أما أن العالم واحد ~~فله عليه دليل نؤخره إلى النقطة الثالثة؛ لأنه قائم على نظرية «الأمكنة الطبيعية» ~~ودليل آخر في «ما بعد الطبيعة» (68-د)، والعالم منظم، هو آية فنية، هو جميل وحسن ~~بقدر ما تسمح المادة ومطاوعتها للصورة، وقد بينا ذلك بإسهاب، والعالم قديم بمادته ~~وصورته وحركته وأنواع موجوداته، لا يكون ولا يفسد فيه سوى جزئيات الأنواع، والعالم ~~كري؛ لأن الدائرة أكمل الأشكال، ولأنها الشكل الوحيد الذي يمكن معه للمجموع أن ~~يتحرك حركة أزلية أبدية ومن غير خلاء خارجه، وإليك بضع قضايا توضح ما تقدم، وهي ~~مأخوذة من كتاب السماء ومن السماع الطبيعي (م8 ف7-10): لكي تكون الحركة قديمة يجب ~~أن تكون متصلة، ولكي تكون متصلة يجب أن تكون واحدة لا سلسلة حركات متمايزة متعاقبة، ~~ولكي تكون واحدة يجب أن تكون في متحرك واحد وعن محرك واحد ثابت، هذه الحركة نقلة؛ ~~لأن النقلة أولى أنواع الحركة وشرطها (54-أ) وهي الحركة الوحيدة التي يمكن أن تكون ~~متصلة، أما الاستحالة ms151 والنمو فلهما طرفان، وبين أنواع النقلة النوع الأول النقلة ~~الدائرية وهي وحدها التي يمكن أن تكون واحدة متصلة لا متناهية، فإن الحركة ~~اللامتناهية لا تتم على خط مستقيم ولا على خط منحن مفتوح؛ لأن لكل منهما طرفين ~~يحدان الحركة، وحتى لو فرضنا المتحرك يعود أدراجه ويستأنف نفس الحركة، فإن كل حركة ~~متناهية، ومهما جمعنا المتناهيات فلن نبلغ إلى اللامتناهي، فلا بد للحركة الأزلية ~~الأبدية من خط منحن مقفل لا يصادف المتحرك عليه طرفا يقف حركته ويقسمها إلى أجزاء ~~متناهية، وهذا الخط المنحني المقفل دائرة تامة الاستدارة؛ لأن العلة التي يرتسم ~~بفعلها هذا الخط مساوية لنفسها دائما، فليس هناك من سبب يجعل الحركة تنحني في نقطة ~~أكثر أو أقل منها في نقطة أخرى. ~~(ج) دوام الأجرام السماوية ودوام حركتها دليل على أن مادتها تختلف عن مادة ~~الأجسام الأرضية المتغيرة تغيرا متصلا، ومادتها الأثير أو العنصر الخامس جسم ليس ~~له ضد فهو لذلك غير متغير، طبيعته أنه لا يتحرك بغير الحركة المكانية الدائرية، ~~بينما العناصر الأربعة ومركباتها فاسدة متحركة حركة مستقيمة من أعلى إلى أسفل ~~وبالعكس، وليس يعني هذا كما توهم بعض المؤلفين أن السماء تتحرك بالطبع، وأن الحركة ~~الدائرية غير مفتقرة إلى محرك بخلاف ما ارتأى أفلاطون (34-ب) فإن أرسطو يقول بمحرك ~~أول كما سبق، وبمحركين آخرين كما سيجيء، ولكن المقصود أن تكون الحركة الدائرية، وهي ~~أكمل الحركات، ممثلة في العالم بالطبع لا بالقسر، كما أن الحركة المستقيمة ممثلة ~~بالطبع في العناصر الأربعة، والطبع قوة مفتقرة إلى محرك يخرجها إلى الفعل، والكواكب ~~أجسام كرية، منها سبع يقال لها: السيارة، وهي من أعلى إلى أسفل: زحل فالمشتري ~~فالمريخ فالشمس فالزهرة فعطارد فالقمر، والباقية يقال لها: ثابتة وهي وراء السبعة، ~~ولكل كوكب من السيارة فلك يخصه أو أفلاك كما سنرى، والأفلاك أجسام كرية مشفة مجوفة، ~~يضاف إليها فلك الكواكب الثابتة فالفلك المحيط وراءها جميعا، مركبة بعضها في جوف ~~بعض، والكواكب كلها ثابتة لا تتحرك حتى على نفسها، إنما الذي يدور هو الفلك الحامل ms152 ~~للكوكب، ولما كانت حركة الأفلاك سريعة جدا فإنها تسخن بالحرارة وتصير مضيئة، ~~الفلك المحيط أو السماء الأولى هو المتحرك الأول عن المحرك الأول وهو «غلاف العالم» ~~مواز لخط الاستواء باق دائما على مسافة واحدة من الأرض، وهو دائم الدوران يدور ~~من المشرق إلى المغرب فوق الأرض، ومن المغرب إلى المشرق تحتها في كل يوم وليلة دورة ~~واحدة، ولما كانت الأفلاك بعضها في جوف بعض فهي متسامتة ذات مركز واحد، قطبا كل ~~منها مماسان لما فوقه وما تحته مباشرة بحيث إن كلا منها متحرك بما فوقه محرك لما ~~تحته إلى أن ننتهي إلى فلك القمر المتحرك غير المحرك، وعلى ذلك فالفلك المحيط يدير ~~سائر الأفلاك معه: النجوم الثابتة تدور معه دورة كاملة في 24 ساعة وليس لها حركة ~~خاصة، أما السيارة فلها حركات خاصة أي إنها تدور أيضا في اتجاهات مختلفة عن اتجاه ~~الفلك المحيط، ولكل حركة فلك، ولكل فلك محرك مفارق غير المحرك الأول وأدنى منه، ~~والفلك المحيط علة دوران الشمس حول الأرض، فهو علة تعاقب الليل والنهار، وعلة ~~الظواهر الحيوية المتصلة بهذا التعاقب على وجه الأرض، وهو علة حركتها السنوية على ~~فلك البروج، وعلة ما ينشأ عن هذه الحركة من تعاقب الفصول وما ينشأ عن هذا التعاقب ~~من كون وفساد بحسب اقتراب الشمس من الأرض وابتعادها؛ فإن ميل فلك البروج سبب ~~الاختلاف في تولد الحركة والضوء على فصول السنة في مختلف مناطق الأرض، وهذا أصل ~~الدور في الكون والفساد: تتحول العناصر بعضها إلى بعض، وتتكون الأحياء وتنمو وتذبل ~~بتفاعل القوتين الفاعليتين وهما الحار والبارد، والقوتين المنفعلتين وهما الرطب ~~واليابس تحت تأثير فلك الثوابت، وهو بمثابة الصورة العليا، والأرض بمثابة المادة الدنيا، # 6 # أما الأرض فهي ساكنة في مركز العالم لأنها من تراب، والمكان ~~الطبيعي ~~للتراب هو أسفل، وهي كرية: ولأرسطو على ذلك أدلة نذكر منها اثنين، الواحد ما يقع في ~~منظر دوران السماء من اختلاف باختلاف عروض البلدان، والآخر ظل الأرض المستدير على ~~سطح القمر في خسوفه الجزئي، وفي ms153 عصر أرسطو كان علماء اليونان متفقين على كروية الأرض، # 7 # وهو يقدر محيطها بما يقرب من 73000 كيلومتر أي نحو ضعف ~~طوله الحقيقي، ~~وبهذه المناسبة يرتأى أن المسافة ليست بعيدة بين إسبانيا والهند عن طريق المحيط ~~الغربي، وكان هذا الرأي أحد الأسباب الهامة التي حملت كولمبوس على سفرته ~~المشهورة. ~~(د) وما دون فلك القمر أقل اتساعا من السماء ويختلف عنها بسبب بعده من الحركة ~~الأولى؛ فهو دار الكون والفساد، فيه موجودات جمادية وأحياء غير عاقلة، فيه الأمراض ~~والمسوخ والخطأ والخطيئة والاتفاق، بينا السماء دائمة، والعناصر التي تكونه متضادة ~~فيما بينها في حين أن الأثير لا ضد له، هي متضادة من حيث الثقل ومن حيث الكيف: فهي ~~ثقيلة أو خفيفة بالذات، وهي حارة أو باردة أو رطبة أو يابسة، وهذا التضاد أصل ما ~~نراه من تحول العناصر بعضها إلى بعض، وهبوطها وصعودها، بينما الأثير لا كيف له ولا ~~ثقل ولا خفة، لا يتحول ولا يحيد عن مجراه، ولكل واحد من العناصر الأربعة مكان طبيعي ~~وحركة طبيعية إلى هذا المكان على خط مستقيم إن لم يعترضه عائق: النار إلى أعلى فهي ~~الخفيف المطلق، والتراب إلى أسفل فهو الثقيل المطلق، والهواء تحت النار فهو الخفيف ~~بالإضافة، والماء تحت الهواء وفوق التراب فهو الثقيل بالإضافة، وأعلى وأسفل ويمين ~~ويسار وأمام وخلف أجزاء وأنواع للمكان، وهي تسمى بأسمائها لا بالإضافة إلينا فقط، ~~فإنها من هذا الوجه غير مطردة تختلف باختلاف اتجاهنا، بل بالإضافة إلى الطبيعة ~~أولا وبالإطلاق، # 8 # وإذا تقرر ذلك فالعالم واحد وليس يمكن أن يكون هناك غير هذا العالم؛ ~~لأن الجهات التي تتحرك العناصر إليها وتستقر عندها هي الجهات المطلقة، فكل مادة - ~~إن وجدت - يجب أن تتجه إليها أي تتحد بمادة هذا العالم، وكل أثير يجب أن يتحرك حول ~~مركز هذا العالم. ~~(60) الكون والفساد ~~(أ) هذا الكتاب تتمة المقالتين الثالثة والرابعة من كتاب السماء ، وهو في مقالتين ~~تبحثان في الأجسام التي تحت فلك القمر لا من جهة النقلة بل من جهة تأليفها من ms154 ~~العناصر الأربعة، وبعد الذي قلناه في هذا الفصل نقتصر على إشارات وجيزة فيما لا بد ~~منه فنقول: القدماء فريقان في الكون والفساد؛ الفريق القائل بمادة واحدة يعتبرها ~~تغيرا كيفيا في هذه المادة الواحدة، والفريق القائل بمواد عدة يعتبر الكون ~~اجتماع الأجزاء المؤلفة للجسم والفساد افتراقها، والرأيان لا يفسران التغير الجوهري ~~أي تحول الشيء بكليته من طبيعة إلى أخرى (55-ج) فيتعين الرجوع إلى المذهب المذكور ~~في السماع الطبيعي، والقول بأن العلة المادية للكون والفساد هي الهيولى القابلة ~~للصور على التوالي، ففساد جوهر هو كون جوهر آخر والعكس بالعكس، فليس الكون كونا من ~~لا شيء وليس الفساد عودا إلى العدم ولكنهما وجهان لتحول واحد، على أن تحول جوهر ~~أدنى إلى جوهر أعلى أحق باسم الكون، وتحول جوهر أعلى إلى جوهر أدنى أحق باسم ~~الفساد، مثل حدوث النار عن التراب فإنه كون بالإطلاق؛ لأن الحار صورة والبرودة ~~عدمها، ولزيادة التعريف بالكون ندل على ما يتميز به من سائر أنواع التغير: يتميز من ~~الاستحالة وهي التغير بالكيفية، فإنها تتحقق عندما يبقى موضوع محسوس وتكون الكيفية ~~الجديدة كيفية لهذا الموضوع الباقي، أما في الكون فالموضوع الباقي غير محسوس وهو ~~الهيولى، وإن اتفق للكون أن كيفية ما لجوهر ما ظهرت في الجوهر المتحول عنه فليست ~~هذه الكيفية متخلفة عن الأول ولكنها كيفية للثاني، ويتميز الكون من نمو الحي؛ فإن ~~النمو تغير يتناول الحجم والمقدار أي إنه يتضمن تغيرا مكانيا ليس هو نقلة ولا ~~دورانا ولكنه انتشار في المكان مع بقاء طبيعة النامي هي هي؛ فإن النامي ينمو في ~~جميع أجزائه على السواء، أما الكون فتغير بتناول الجوهر، وتناول الاستحالة ~~الكيفية. ~~(ب) كيف يحدث الكون؟ العناصر في ذاتها مركبات من هيولى وصورة، وبهذا المعنى ليست ~~مبادئ كما زعم أنبادوقليس، غير أن الهيولى لا توجد مفارقة، وهي موجودة أولا في هذه ~~البسائط؛ فبالقياس إلى المركبات الطبيعية العناصر مبادئ وأصول لا تنحل إلى أبسط ~~منها، ولكنها تتحول بعضها إلى بعض وهي الموضوع المباشر للكون، والمركب الطبيعي ~~المتجانس طبيعة واحدة ms155 أي صورة في هيولى، ويسمى مزيجا - كالماء عندنا الآن - وليس ~~المزيج اجتماع أجزاء أحد الممتزجين إلى أجزاء الآخر؛ فإن مثل هذا الاجتماع يسمى ~~خليطا يبقى فيه كل من المختلطين قائما بالفعل وهو عبارة عن تجاورهما وتماسهما، ~~بينما المزيج جسم متجانس كل واحد من أجزائه شبيه بالكل وبأي جزء آخر، فالكون ~~بالإجمال يقتضي فعلا وانفعالا، ويقتضي الفعل والانفعال التماس، ويجب أن يكون ~~الفاعل والمنفعل متفقين بالجنس مختلفين بالنوع؛ أي أن يكونا ضدين أو وسطين بين ~~ضدين، وكان بعض القدماء يقول: يجب أن يكونا متباينين ليحصل تحول، وكان البعض الآخر ~~يقول: بل يجب أن يكونا متشابهين ليمكن تأثير الواحد في الآخر، ولكن الحق في الموقف ~~الوسط الذي ذكرناه؛ فإن الشيء لا يدخل أي تغيير على شبيهه ولا يؤثر فيما هو مباين ~~له بالمرة، والكون تشبه المنفعل بالفاعل فليس يخرج أي شيء من أي شيء، وفي المزيج لا ~~يبقى الممتزجان هما هما ولا يفسدان بالكلية، ولكنهما يتفاعلان فيفسد كل منهما صورة ~~الآخر حتى يحيله طبيعة متوسطة بين طبيعتيهما الأصليتين، فتظهر الصورة الجديدة وتبقى ~~الصورتان الأوليان بالقوة، وتعودان فتظهران بالتحليل كما نشاهد الآن بتركيب ~~الأوكسيجين والهيدروجين ماء ثم بتحليل الماء إليهما، وبهذا يتم هدم المذهب الآلي ~~الذي تضطره مبادئه إلى رد المزيج للاختلاط ومعارضة الظواهر المحسوسة، وبهذا يتم ~~تفسير الأشياء بأنها طبائع وماهيات، ومن يدري؟ لعل الكيمياء ترجع إلى هذا التفسير ~~يوم تفرغ الفلسفة الحديثة من الخضوع للآلية - والعلم تابع للفلسفة مهما ادعى ~~الاستقلال عنها - فيكون لأرسطو فضل السبق في هذه النقطة كما في كثير غيرها. # الفصل الرابع # | النفس # (61) تعريف النفس ~~(أ) يتضمن كتاب النفس مقالات ثلاث: الأولى مقدمة في علم النفس وحصر مسائله وآراء ~~الفلاسفة وتمحيصها، والثانية في حد النفس بالإجمال وفي النفس النامية والنفس ~~الحاسة، والثالثة قي النفس الناطقة وفي القوة المحركة، وسنجمل في هذا العدد المقالة ~~الأولى والقسم الأول من الثانية، ثم نلخص باقي الأقسام على التوالي، أما «الطبيعيات ~~الصغرى» فنقتبس منها أشياء قليلة في الكلام على المخيلة والذاكرة. ~~(ب) النفس ms156 للجسم الحي بمثابة الصورة والطبيعة لغير الحي أي إنها مبدأ الأفعال ~~الحيوية على اختلافها، فعلم النفس جزء من العلم الطبيعي؛ لأن موضوعه مركب من مادة ~~وصورة، وهو أشرف جزء؛ لأنه يفحص عن أكمل وأشرف صورة من بين الصور الطبيعية، وهو ~~عظيم الفائدة في الفحص عن الحقيقة بأكملها؛ «لأن العلوم العقلية والخلقية إنما تنشأ ~~من رجوع النفس على ذاتها وتعرف أحوالها.» والمنهاج القويم في هذا العلم مزاج من ~~الاستقراء والقياس، فنحن لا ندرك النفس في ذاتها فيجب أن نبدأ بالظواهر النفسية أي ~~الأفعال الصادرة عن الحي من حيث هو كذلك، وهذه الظواهر؛ إذ ترتب ترتيبا علميا ~~تعرفنا بمصادرها المباشرة وهي القوى النفسية، وهذه تعرفنا بالنفس، بل يجب أحيانا ~~قبل النظر في بعض الأفعال دراسة موضوعاتها، فمثلا في دراسة القوة الحاسة المحسوس ~~هو الأول الذي يعرفنا بالإحساس، وفي دراسة القوة العاقلة المعقول هو الذي يعرفنا بالتعقل. # 1 ~~(ج) قلنا: إن علم النفس جزء من العلم الطبيعي، وقد يسلم بذلك من جهة الحياة ~~النباتية، ولكن الأمر يحتاج إلى إيضاح من جهة الحياة الحسية والعقلية لما يبدو من ~~مباينة أفعالهما للمادة مباينة ظاهرة، وأرسطو يقرر أن الانفعالات - مثل الغضب ~~والخوف والرجاء والفرح والبغض والمحبة - لا يمكن أن تصدر عن النفس وحدها، ولكنها ~~تصدر عن المركب من النفس والجسم كما سنبين الآن، وأن الاحساس فعل النفس بمشاركة ~~العضو الحاس المعد لإدراك المحسوس كالعين والأذن، وأن التعقل ولو أنه خاص بالنفس ~~إلا أنه مفتقر للتخيل ولا يتحقق التخيل من غير الجسم، وإذن فجميع الأفعال النفسية ~~في الأجسام الحية متعلقة بالجسم وداخلة في العلم الطبيعي، وسيأتي الدليل على ~~القضيتين الثانية والثالثة (62-ب، 63-ب). # أما الأولى فيدل عليها أولا أنه في نفس الوقت الذي يحدث فيه انفعال نفسي يحدث ~~تغير في الجسم. وثانيا أن المرء قد يعرض له ما هو خليق أن يشعره بالخوف أو الغضب ~~فلا يخاف ولا يغضب ، ثم تجده أحيانا أخرى يهتاج لأهون الأسباب؛ لأن جسمه مهتاج أو ~~مجهد، وثالثا أنه يمكن استشعار الخوف دون ms157 أي سبب خارجي مثلما نرى عند العصبيين ~~والسوداويين، فإن الهم والجزع ناشئان عندهم من اختلال الجسم، فإذا كان ذلك فواضح أن ~~الانفعالات صور متحققة في مادة، ويجب أن يشتمل حدها على العنصرين فلا يقال مثلا ~~على طريقة الجدليين: إن الغضب شهوة الانتقام، ولا على الطريقة المألوفة عند ~~الطبيعيين: إن الغضب غليان الدم حول القلب، بل يجمع بين الحدين فيقال: الغضب توارد ~~الدم إلى القلب مع شهوة الانتقام، وعلى ذلك فليس التعبير الصحيح أن يقال: إن النفس ~~تخاف أو تغضب، بل إن الإنسان يغضب أو يخاف بالنفس، من حيث إن الانفعال يحدث عندما ~~تحكم النفس بأن الحال تدعو إليه، كما أنه لا يصح القول بأن النفس تبني أو تحيك، ~~وإنما يجب أن نقول: إن الإنسان يحيك ويبني بالنفس، ولسنا نقصد بهذا أن الحركة هي في ~~النفس بل إنها تارة تصدر عنها وطورا تنتهي إليها. # 2 # فأرسطو يضع النفس والجسم جزأين لجوهر واحد متحدين اتحاد الهيولى ~~والصورة، لا جوهرين تامين كما يفعل أفلاطون، ونظرته في الانفعالات أصدق من نظرة ~~ديكارت ولنج ووليم جيمس وغيرهم من المحدثين الذين يضعون الجسم من جهة والنفس - أو ~~الظواهر النفسية - من جهة ثم يحارون في التوفيق بينهما. ~~(د) ويستعرض أرسطو الآراء على عادته للإفادة من حقها واجتناب باطلها واستخراج ~~مسائل العلم فيقول: إن الفلاسفة جميعا لاحظوا أن الحي يمتاز من غير الحي بخاصتين ~~هما الحركة الذاتية والإدراك، فمن قال منهم بمبدإ واحد للأشياء تصور هذا المبدأ ~~متحركا وعالما وجعل النفس شيئا منه، مثل طاليس وأنكسيمانس وهرقليطس، أو تصور ~~المبدأ متحركا فقط ثم حاول أن يعلل به الإدراك، مثل ديموقريطس، ومن قال بمبادئ عدة ~~ألف النفس منها جميعا، مثل أنبادوقليس وأفلاطون؛ لكي تدرك النفس بكل واحد من ~~أجزائها العنصر الشبيه به في الأشياء، ثم إن كثرتهم أضافت للنفس اللطافة والبعد عن ~~كثافة الجسمية ما أمكن. # 3 # وردود أرسطو طويلة نجتزئ منها بالنقط الآتية: لا يمكن أن تكون النفس ~~جسما فإن التخيل والتذكر والإحساس لا تشبه ظواهر النار ولا ms158 الهواء ولا أي جسم آخر: ~~إنها إدراك؛ والإدراك غير منقسم لا يتصور له نصف أو ربع، فمحال أن يصدر عن الامتداد ~~المنقسم، ويقال مثل ذلك من باب أولى عن التعقل، يضاف إليه أن الوجدان يرد مختلف ~~الظواهر النفسية إلى الوحدة، فكيف كان يتسنى ذلك لو كانت النفس مجموعة ذرات؟ وكيف ~~كانت النفس تدرك الكثرة لو لم تكن واحدة غير منقسمة؟ # 4 # وإذن فقد أصاب أفلاطون؛ إذ وضع النفس روحية - بالرغم من بعض تعبيراته - ولكنه ~~يعرفها بأنها متحركة بذاتها، ومعنى هذا أنها في المكان بالذات لا بالعرض، والواقع ~~أنها في الجسم وأن الجسم هو الذي في المكان، ثم إن التعقل - وهو عنده الوظيفة ~~الأخرى للنفس - يبدو كأنه سكون لا حركة وبالأخص التعقل الإلهي فإنه دائما هو هو ~~دون تعاقب ولا تكرار، وليس يجدي تعريف أفلاطون للنفس في تفسير الحركة البادية في ~~الطبيعة، فإن النفس إذا كانت تتحرك بذاتها فهي تستطيع أيضا أن لا تتحرك فتصبح ~~الحركة العالمية ممكنة لا ضرورية، ولقد ذهب أفلاطون إلى أن للإنسان نفوسا ثلاثا، ~~ولكن هذا التصور يهدم وحدة الحي، فإن الحي لا يستمد وحدته من الجسم، والجسم مفتقر ~~بطبعه لمبدإ يرده واحدا، والواقع أن النفس واحدة، وأنها كلها في الجسم كله، يقابل ~~أفعالها المتعددة قوى فيها متعددة، يدل على ذلك أن النباتات والحيوانات الدنيا إذا ~~قسمت كان من أقسامها أحياء من ذات النوع، كل منها حاصل على جميع قوى النفس المقسومة ~~قائم بجميع وظائف نوعه، والتعليل الوحيد أن النفس واحدة بالفعل كثيرة بالقوة، ولا ~~يقدح في ذلك أن الحشرات الناتجة عن القسمة لا تعمر، فإن قصر عمرها راجع إلى أن ~~القسمة تضعف فيها آلات البقاء. # 5 ~~(ه) وبعد النقد ووضع المسائل يعرض أرسطو تعريفين للنفس، ونحن نمهد لهما ~~بالتقسيمات الآتية مأخوذة من مجموع كلامه وإن لم ترد على هذا الوجه في موضع واحد ~~فنقول: أنواع الحياة ثلاثة: نامية وحاسة وناطقة، والحاس منه ما هو ثابت في الأرض ~~ومنه ما هو متحرك، فتكون درجات الحياة أربعا: النامية ms159 والحاسة والمتحركة بالنقلة ~~والناطقة، ثم إن الحاس والناطق نازع طبعا إلى الخير الذي يدركه بالحس أو بالعقل، ~~فتكون أجناس القوى النفسية خمسة: النامية والحاسة والناطقة والنازعة والمحركة، ~~ويظهر من هذا أن الحياة والنفس لا تقالان بالتواطؤ بل بالمماثلة، بحيث لا تعد النفس ~~جنسا تحته أنواع بل شبه جنس؛ لأن كل نفس فهي قائمة برأسها. # نأتي إلى التعريفين: فمن جهة كونها شبه جنس يعرفها بأنها «كمال أول لجسم طبيعي ~~آلي»، وهو يعني بقوله: «كمال أول» أن النفس صورة الجسم الجوهرية وفعله الأول، كما ~~أن قوة الإبصار صورة الحدقة، أما الأفعال الثانية فهي التي تصدر عن المركب بفضل ~~النفس أي هي الحاصلة باستعمال الوظائف، وبقوله: «لجسم طبيعي» أن الجسم الحي يمتاز ~~من الجسم الصناعي الذي ليس له وجود ذاتي، والموجود بالذات أجزاؤه، وبقوله: «آلي» ~~أنه مؤلف من آلات - أعضاء - وهي أجزاء متباينة مرتبة لوظائف متباينة، أما البذرة ~~فهي حي بالقوة البعيدة؛ لأنها قابلة للآلات وللنفس ولكنها خلو منها، وباعتبار أنحاء ~~الحياة يعرف النفس بأنها «ما به نحيا ونحس وننتقل في المكان ونعقل أولا»، وهذا ~~تعريف بالمعلولات الصادرة عن النفس، وهو أبين بالإضافة إلينا من التعريف الأول ~~المأخوذ من العلة، ولتعدد الأنواع الحية لا تؤخذ واو العطف - «نحيا ونحس و...» - على ~~التركيب؛ بل على التفصيل؛ فإن النفس مبدأ الحياة على جميع أنحائها متى وجدت هذه ~~الأنحاء كلها أو بعضها. # 6 ~~(62) النفس النامية والنفس الحاسة ~~(أ) تقال الحياة أولا على النامية؛ لأنها مشتركة بين الأجسام الحية جميعا، فهي ~~موجودة في النبات دون الحس والعقل، ولا يوجد الحس والعقل بدونها في الحيوان الأعجم ~~والإنسان، وللنفس النامية وظيفتان: النمو، والتوليد، والحي ينمو أو يتناقص في جميع ~~أجزائه على السواء، لا كالجماد الذي يزداد في جهة واحدة أعلى أو أسفل يمينا أو ~~شمالا، والحي يحيا وينمو ما دام يقبل الغذاء، وليست التغذية مجرد إضافة مادية، ~~وليس نمو الحي ناتجا عن مجرد فعل العناصر الداخلة في تركيبه كما يزعم أنبادوقليس ~~وديموقريطس، وإنما هذه العناصر مساعدة فقط، والفاعل النفس، ms160 والتغذية تمثيل شأنه أن ~~يحول المباين شبيها؛ أي إن الغذاء يفقد صورته ويتخذ صورة المغتذي، على أن الغذاء ~~ليس مباينا بالمرة؛ لأن التغذية لا تتم بأي شيء، ولكنه مباين بالفعل شبيه بالقوة، ~~لذلك نرى الحي يختار مواد معينة يأكلها ويشربها، ويختار في هذه المواد ما يلائمه ~~فيتمثله ويفرز ما لا يلائمه، فالغذاء لحم ودم وعظم بالقوة، والشيء لا يصير كذا ~~بالفعل إلا وهو كذا بالقوة. # ثم إن للنمو والمقدار في المركب الطبيعي حدا ونسبة، أما في الصناعي فلا، وليس ~~ينمو الحي اتفاقا وإلى غير نهاية؛ بل هو يتخذ حجما وشكلا هما هما في كل نوع، ~~والنسبة والحد تابعان للصورة لا للمادة أي للنفس لا للجسم، فإن المادة لا تترتب ~~بذاتها بل بمرتب، وأما التوليد فيحفظ النوع كما أن الاغتذاء يحفظ الفرد «والتوليد ~~مشاركة في الدوام والألوهية بقدر ما يستطيع الكائن المائت، وهذه المشاركة مطلب جميع ~~الموجودات وغاية أفعالها الطبيعية؛ فبالتوليد يبقى الكائن المائت لا هو هو بل ~~شبيها بنفسه، لا واحدا بالعدد بل واحدا بالنوع.» # 7 ~~(ب) والمذهب الآلي عاجز عن تفسير الاغتذاء والتمثيل وتكون الحي في صورة ومقدار ~~معينين وولادة الحي حيا شبيها به، على أن أرسطو كان يعتقد بالتولد الذاتي في بعض ~~الحيوانات الدنيا أي بتولدها اتفاقا من الطين أو من مواد متعفنة # 8 ~~«بقوة المادة» وقد اضطر إلى هذا الاعتقاد لما كان يبدو من مطابقته ~~للواقع، وهو يريد بالمادة هنا جسما ماديا له كيفياته لا الهيولى، ويشبه قوة ~~المادة هذه تحدث كائنا حيا من غير جرثومة تحت تأثير الحرارة؛ بقوة الجسم المريض ~~يبرأ بحرارة عارضة دون تدخل الطبيب؛ فإن من شأن الطبيب أن يحدث الحرارة بالفن فتعمل ~~الطبيعة على البرء، فإذا ما حدثت الحرارة اتفاقا قامت الطبيعة بعملها كذلك. # والمذهب الآلي عاجز عن تفسير النفس الحاسة، فإنها لو كانت مؤلفة من مبادئ الأشياء ~~للزم أن الحواس تحس أعضاءها، وأنها تحس في غير حضور المحسوسات من حيث إنها حاصلة ~~على العناصر التي هي موضوع إحساس، والواقع ينقض النتيجتين، ms161 والسبب أن العضو ليس هو ~~الحاس بالذات بل بالقوة المتحدة به؛ وأن القوة الحاسة ليست بالفعل بل بالقوة فقط، ~~وتخرج إلى الفعل بتأثير المحسوس؛ فإنها لا تحس دائما، حتى اللمس وهو منتشر في ~~الجسم كله لا يؤدي وظيفته دائما أو على الأقل لا يحس دائما جميع الكيفيات التي ~~يستطيع أن يحسها، ليست إذن القوى الحاسة مادية، ويتبين ذلك أيضا من أن انفعالها ~~ليس من قبيل الحركة أو الاستحالة المعروفة في الطبيعيات والتي شأنها أن يفسد بها ~~المنفعل شيئا فشيئا بتأثير الفاعل، وإنما هو انفعال من نوع آخر ليس له اسم خاص، ~~وليس فيه تدرج، لا يفسد به الحس؛ لأنه قوة صرفة من غير صورة، ولكنه يخرج من القوة ~~فيقبل صورة المحسوس ويتكمل بها مع بقائه هو هو، # 9 # والعضو نفسه يجب أن يحقق هذا الشرط بالقدر الذي تطيقه المادة، وهو في ~~الواقع نوع من المزاج والوسط بين الأضداد في المحسوسات، بحيث لا يحس إلا ما يزيد عن ~~كيفيته هو، ولأنه وسط فهو يستطيع أن يصير واحدا من الضدين أي ينفعل به في حين أنه ~~لا ينفعل بما يعادله في الكيفية، إن ما يجب أن يدرك الأبيض والأسود ينبغي أن لا ~~يكون بالفعل لا هذا ولا ذاك بل أن يكون كليهما بالقوة، وعضو اللمس لا ينبغي أن ~~يكون بالفعل حارا ولا باردا. # 10 # فوضع الحس قوة غير معينة، والعضو وسطا بين الأضداد، ضروري لفهم الإحساس؛ فإن ~~الإحساس تمثيل كالاغتذاء ولكنهما يفترقان في أن المغتذي يتمثل الغذاء بمادته أي ~~يحيله إلى ذاته بينما الحاس يتمثل بالمحسوس أي يستحيل إلى صورة المحسوس استحالة ~~طبيعية في العضو - كتمثل الشبكية بصورة الشيء - ومعنوية في القوة الحاسة، ~~والاستحالة الطبيعية شرط لإدراك الحس ولكنها غير كافية لتفسير الإحساس؛ فالهواء ~~ينفعل بالرائحة ويصير رائحا لا مدركا للرائحة، ونحن هنا بإزاء حالة من حالات ~~اتحاد النفس بالجسم الذي ذكرناه عند الكلام على الانفعالات النفسية بالإجمال ~~(61-ج)، والاستحالة المعنوية قبول الحس صورة المحسوس دون مادته كما يقبل الشمع صورة ~~الخاتم ms162 دون معدنه «فليس الحجر هو الذي في النفس بل صورته»، # 11 # ولأن النبات خلو من مثل هذا التوسط بين الأضداد، ومن مبدإ كفيل بقبول ~~صور المحسوسات دون مادتها، فهو لا يحس مع انفعاله بالملموسات كالحرارة والبرودة ~~انفعالا ماديا وانقلابه حارا أو باردا، # 12 # ولأن الحس قوة صرفة فالإحساس «موضوعي»: إذا ما تأثر الحس بالصورة ~~المحسوسة أضافها حالا وبالطبع إلى علتها الخارجية؛ لأنه يشعر باتحاده بهذه العلة ~~ويدرك حضور الشيء طبقا للمبدأ الذي تقرر في الطبيعة (57-أ) من أن الفعل والانفعال ~~يقومان في المنفعل. # وعلى ذلك فالحس بالفعل والمحسوس بالفعل شيء واحد، وحينما يرن الصوت مثلا ويسمعه ~~السامع، في هذه اللحظة يحدث معا الصوت بالفعل والسمع بالفعل، فقول ديموقريطس: إن ~~الإحساس اختراع أو اصطلاح قول باطل؛ لأن الإحساس يقتضي المحسوس كما يقتضي المتحرك المحرك. # 13 ~~(ج) ويدل لفظ المحسوس على ثلاثة أنواع من الموضوعات: اثنان مدركان بالذات ~~والثالث بالعرض، أما الاثنان الأولان فأحدهما المحسوس الخاص لكل حاسة، والآخر ~~المحسوس المشترك بين الحواس جميعا، ونعني بالمحسوس الخاص ذلك الذي له حاسة معينة ~~معدة لقبوله بحيث لا تستطيع حاسة أخرى أن تحسه، والذي يمتنع الخطأ فيه متى كانت ~~الحواس سليمة ولم تؤثر فيها المخيلة والشهوة: فاللون محسوس البصر، والصوت محسوس ~~السمع، والطعم محسوس الذوق، أما اللمس فله موضوعات عدة «الحار والبارد، اليابس ~~والرطب، الأملس والخشن، الصلب واللين» فهو مجموعة حواس، وإن أخطأ الحس فليس يخطئ في ~~موضوعه أي في اللون أو الصوت مثلا بل في ماهية الشيء الملون أو الصائت وفي مكانه؛ ~~فإن الحس إنما ينفعل بالشيء لا من حيث إن هذا الشيء هو شيء معين بل من حيث إن له ~~كيفية معينة هي التي تؤثر في الحس، وأما المحسوسات المشتركة فهي: الحركة والسكون ~~والعدد والشكل والمقدار، تدركها الحواس جميعا وتدركها بالحركة فمثلا نحن ندرك ~~المقدار بحركة اليد أو بحركة العين تطوف به؛ غير أن اليد تدركه بواسطة الصلابة ~~وتدركه العين بواسطة اللون، وبإدراك المقدار ندرك الشكل ؛ إذ إن الشكل حد المقدار، ~~وندرك ms163 السكون بعدم الحركة، وندرك العدد باليد أو بالعين تحسان أشياء منفصلة، ~~وأخيرا المحسوس بالعرض؛ فهو مثل أن ندرك أن هذا الأبيض ابن فلان، فإن هذا الإدراك ~~الثاني محسوس بالعرض؛ لاتصاله عرضا بالأبيض، ولأن الحس لا ينفعل به من حيث هو كذلك. # 14 # وهذا التقسيم أوفى وأدق من التقسيم الذي أذاعه جون لوك إلى كيفيات أولية هي ~~المحسوسات المشتركة مضاف إليها المقاومة - الصلابة - وكيفيات ثانوية هي المحسوسات ~~الخاصة ما عدا المقاومة، فإن لوك قسمها إلى ما هو موضوعي وما هو غير موضوعي في ~~اعتباره، وأما أرسطو فقد اعتبرها كلها موضوعية وقسمها بحسب إدراكنا إياها، وقد ~~رأينا أن المحسوسات المشتركة تدرك تبعا للمحسوسات الخاصة فكيف تكون هذه ذاتية ~~وتكون تلك موضوعية؟ وكيف تكون المقاومة موضوعية وتكون باقي المحسوسات الخاصة ذاتية ~~وكلها محسوسة على السواء؟ ثم إن لهذا التمييز الدقيق بين أنواع المحسوسات أهمية ~~كبرى في تقدير ما يسمى عادة بخطأ الحواس وما هو في الحقيقة خطأ تأويل أو تصديق حاسة ~~في غير موضوعها الخاص، ونحن نصحح الأخطاء بسهولة: نصحح الإحساس الحاضر بالتجربة ~~السابقة، مثل ما نصحح إحساسنا حركة الشاطئ ونحن في السفينة بعلمنا أن الشاطئ غير ~~متحرك فنحكم بأن السفينة هي التي تتحرك، ونصحح الإحساس الحاضر بالتجربة الحاضرة، ~~مثل ما إذا حركنا بين الأصابع شيئا من لب الخبز فنحسه بعد برهة اثنين ولكن البصر ~~لا يرى سوى واحد، ونصحح الإحساس بالعقل والبرهان؛ فإننا نعلم بالعقل أن الشمس لكي ~~ترسل أشعتها على الأرض كلها يجب أن تكون بعيدة جدا، ولكي تنطبع صورتها على العين ~~مع بعد المسافة يجب أن تكون عظيمة المقدار، فليست هي إذن بالمقدار الذي يراه البصر. # 15 ~~(د) والحواس آلات حياة كما أنها آلات إدراك، وهي تترتب من هذين الوجهين ترتيبا ~~عكسيا: فباعتبارها مدركة، البصر أول؛ لأنه يظهرنا على موضوعات أكثر، خاصة ومشتركة ~~وبالعرض، وعلى فوارق أكثر؛ فإن الأشياء جميعا ملونة ومن ثمة داخلة في نطاقه، ~~والسمع في المحل الثاني؛ لأنه وسيلة التفاهم والتعليم والترقي، وكان يفضل البصر من ~~هذه ms164 الناحية ويتقدم عليه لولا أن هذا الفضل ليس له بالذات بما هو حس الأصوات، ولكنه ~~يرجع إلى العقل الذي يدرك دلالات الأصوات، ثم الشم لمشابهته البصر والسمع في بعد ~~علته عن جسم الحاس، وأخيرا الذوق فاللمس؛ والسبب واضح مما تقدم. # 16 # وبالنظر إلى أهمية الحواس في حفظ حياة الحيوان، اللمس أول؛ لأنه ضروري ~~بالإطلاق لوجود الحيوان، وهو ما من أجله يقال للحي: إنه حساس، يدرك به النافع ~~والضار واللاذ والمؤلم؛ فهو أساس النزوع من طلب وهرب، وهو حاسة الطعام والشراب؛ ~~لأنه حاسة الحار والبارد والرطب واليابس وهي كيفيات المأكول والمشروب، أما سائر ~~الحواس فلا تفيد الوجود بل كمال الوجود؛ لذلك قد لا توجد في بعض الحيوان مع وجود ~~اللمس، أضف إلى ذلك أنه أساسها جميعا فهو منبث في الجسم كله وهي مركبة عليه، ويليه ~~الذوق؛ لأنه مرتب كذلك لحفظ الحيوان ولا غنى عنه، ثم الشم فإنه أقل ضرورة منهما، ~~أما البصر والسمع فهما من هذه الوجهة كماليان، ولئن ظهرت لهما فائدة حيوية في ~~الحيوانات العليا فذلك بالعرض لا بالذات. # 17 ~~(ه) وبعد الحواس الظاهرة الحواس الباطنة وهي: الحس المشترك والمخيلة والذاكرة، # 18 # فأما الحس المشترك فله ثلاث وظائف؛ الأولى: إدراك المحسوسات المشتركة - ~~بما فيها الزمان - والمحسوسات بالعرض، فإن هذا الإدراك يستعين بالتخيل والتذكر فلا ~~بد من قوة واحدة يلتقي عندها الإحساس الظاهر والتجربة السابقة وتكون الصلة بينهما. ~~الوظيفة الثانية: إدراك الإدراك أي الشعور، فبالحس المشترك يدرك الإنسان نفسه ~~رائيا أو سامعا ... إذ إن الحس لا ينعكس على ذاته لارتباطه بعضو مادي، وليس فعله من ~~جنس موضوعه حتى يدركه؛ فالرؤية ليست ملونة ولا السمع صائتا وهكذا، فلا بد أن تنتهي ~~الحواس الظاهرة إلى مركز مشترك. والوظيفة الثالثة: التمييز بين المحسوسات في كل حس ~~باعتباره جنسا كالتمييز بين الأبيض والأخضر والحامض والمالح، وبين موضوعات الحواس ~~المختلفة كالتمييز بين الأبيض والحلو مثلا؛ فإن هذا التمييز لا يمكن أن يصدر عن ~~الحواس أنفسها؛ إذ إن كلا منها معين إلى موضوع، فيجب أن يصدر عن ms165 قوة واحدة تجتمع ~~عندها الإحساسات فتضاهي بينها، أما مركز الحس المشترك فهو عند أرسطو القلب، وحجته ~~في ذلك أن شرط الإحساس الحرارة، والقلب هو الذي يوزع الحرارة مع الدم في أطراف الجسم. # 19 ~~(و) ويترك الإحساس أثرا يبقى في قوة باطنه هي المخيلة فتستعيده وتدركه في غيبة ~~موضوعه؛ فالتخيل إحساس ضعيف، وبينهما فوارق؛ الأول: أن الإحساس متعلق بالشيء، ~~والتخيل مستقل عنه. الثاني: أن الإحساس صورة مطابقة للشيء، وقد يكون التخيل ~~اختراعا أي تأليفا، وهو كذلك إما عفوا كما في الحياة الحسية المشتركة بين ~~الحيوان والإنسان، وإما بالتفكير عند الإنسان وحده. الفارق الثالث: أن الإحساس ~~مفروض علينا، والتخيل تابع للإرادة في موضوعه وفي زمنه نتخيل ما نشاء ومتى نشاء، ~~والمخيلة تساعد على تأويل الإحساس الحاضر بالصور المحفوظة فيها، وهي التي تكون ~~«الصور اللاحقة» إيجابية وسلبية، مثال ذلك: إذا تأملنا مدة من الزمن لونا ما أبيض ~~أو أخضر ثم حولنا البصر إلى شيء فإنا نرى هذا اللون منبسطا على الشيء، وإذا حدقنا ~~في الشمس أو في لون ساطع ثم أغمضنا العينين فإن هذا اللون يبدو إلى الأمام في ~~الاتجاه المعتاد للبصر؛ ثم ينقلب قرمزيا فأرجوانيا فأسود ثم يتلاشى، والتعليل ~~أن التأثير القوي ينتشر في العضو كله ويتمكن فيه ويعاند التأثيرات الأخرى. وللمخيلة ~~شأن كبير في الأحلام فهي المصدر الذي تنبعث منه صور الإحساسات السابقة فتظهر في ~~النوم وتخدع الحالم؛ لأن ذهنه منصرف عن كل شاغل خارجي ولا يستطيع ما يستطيعه ~~اليقظان من مراجعة حاسة بأخرى، وكذلك القول في التخييل في حالة المرض أو الانفعال ~~القوي فإنهما يهيجان الصور فتجتمع وتفترق فتخيل أشياء كثيرة. # 20 ~~(ز) والذاكرة قائمة على المخيلة؛ فإن الذكر ممتنع من غير التخيل، وهما في بعض ~~الحالات يتشابهان إلى حد يتعذر معه التفريق بينهما، غير أنهما يفترقان في أن ~~المخيلة تقتصر على إدراك الصورة بينما الذاكرة تدرك أن هذه الصورة هي صورة شيء قد ~~سبق إدراكه، فهي تتعلق بالماضي، ومما يدل على تمايزهما أنه قد توجد في الذهن صورة ~~فنعتبرها ms166 مجرد صورة، وهي صورة شيء عرض لنا في الماضي، وقد توجد في الذهن صورة هي ~~مجرد صورة فنظنها مذكورة، والذاكرة قد تؤدي وظيفتها عفوا وقد تستحثها الإرادة، ~~ويسمى هذا النوع الثاني تذكرا وهو خاص بالإنسان؛ لأنه يستلزم التفكير، وتستعين ~~الإرادة فيه بالحركات النفسية التي صاحبت الإحساس وبالحركات البدنية أيضا - المخية ~~- فإن هذه وتلك مسلسلة يتبع لاحقها سابقها على حسب قوانين معينة، كما يتبين إذا ~~أردنا أن نتذكر جملة أو بيتا من الشعر فإنا نأخذ في ترديد اللفظة الأولى ولا نزال ~~في ذلك حتى نظفر بالكل، فالذكر والتذكر متوقفان على تداعي أو ترابط الصور والحركات، ~~وعلاقة اللاحق بالسابق إما ضرورية كالعلاقة بين العلة والمعلول فإن كلا منهما ~~يذكر بالآخر، وإما ناشئة بالعادة وهو الأغلب، وفي هذه الحالة اللاحق إما شبيه ~~السابق وإما ضده وإما قرينه في الملاحظة الأولى، وكلما تكرر التداعي توثقت العلاقة ~~بين الطرفين فننتقل من الواحد إلى الآخر عفوا بفعل العادة، وأحيانا تنشأ العادة ~~من غير تكرار متى كان الإحساس قويا أو اهتمامنا به شديدا. # 21 ~~(63) النفس الناطقة ~~(أ) ارتأى الأقدمون أن العقل نوع من الحس وأنه قوة جسمية بحجة أن العقل يدرك ~~الجسميات وأن الشبيه يدرك الشبيه، ولكن هذا القول الأخير لا يمكن إطلاقه؛ إذ إن ~~الإدراك الخاطئ ليس إدراك الشبيه، ثم إن جميع الحيوان يحس ولكن أقله يعقل وهو ~~الإنسان، وإذن فليس التعقل والحس واحدا؛ وإلا لكان جميع الحيوان يعقل من حيث إن ~~جميعه يحس. ويمتاز العقل من المخيلة أيضا، فإن التخيل متعلق بإرادتنا كما ذكرنا ~~أما الحكم على الأشياء - وهو فعل العقل - فلا يتعلق بالإرادة؛ إذ إنه صادق أو كاذب ~~بالضرورة أما الصورة فلا، ونحن حينما نحكم على شيء بأنه مخيف نشعر بالخوف، ولكنا ~~بإزاء الصورة المخيفة مرسومة قد لا ننفعل أو ننفعل قليلا جدا، وعلى كل حال ~~فالانفعال غير مصحوب بتصديق، # 22 # هذا إلى أن العقل يدرك الصورة الكلية أي الماهية، بينما الحس يدرك ~~الصورة الجزئية أي العوارض المتشخصة فيها الماهية، والعقل قوة صرفة كالحس ms167 وإلا لما ~~استطاع أن يتعقل الموضوع كما هو؛ إذ لو كانت له صورة أو كيفية خاصة لحالت دون ~~الصورة المعقولة أن تتحقق فيه، فطبيعته أنه بالقوة، كاللوح لم يكتب فيه شيء بالفعل، ~~غير أنه أمعن من الحس في معنى القوة؛ إذ إنه يدرك ماهيات الأشياء جميعا في حين أن ~~الحس لا يدرك سوى المحسوسات من حيث هي كذلك، فالعقل «مفارق» أي ليس له عضو يعينه ~~إلى موضوع ويشاركه في فعله، وهذه المفارقة تفسر لنا أيضا كيف أن انفعاله يختلف عن ~~انفعال الحس فإن الحس لا يستطيع الإدراك بعد الثأثير العنيف، كالسمع لا يدرك الصوت ~~بعد أصوات قوية ولا يدرك البصر والشم بعد ألوان ساطعة وروائح شديدة، أما العقل ~~فبالعكس يستطيع بعد تعقل موضوع شديد المعقولية أن يتعقل موضوعات أدنى معقولية، ~~والسبب في ذلك أن الحس لاتحاده بعضو يتأثر بفعل الشيء فيه بينما العقل مفارق لكل ~~عضو وغير منفعل انفعالا طبيعيا كالحس. ويلي هذه القوة الصرفة قوة أقرب؛ فإن ~~العقل بعد أن يخرج إلى الفعل يحفظ صورة الموضوع الذي تعقله ويستطيع أن يستعيدها، ~~فهو بالإضافة إلى هذه الاستعادة بقوة أقرب إلى الفعل من القوة الأولى السابقة على ~~العلم - ويسمى حينئذ عقلا بالملكة - والعقل يدرك الماهيات مباشرة ويدرك الجزئيات ~~المتحققة فيها الماهيات بانعكاسه على الحس الذي هو مدرك الجزئيات بأعراضها، فالعقل ~~يدرك الكليات والجزئيات جميعا، ولكن باختلاف، فهو يدرك ماهية الماء ويدرك أن هذا ~~المعلوم بالحس ماء، # 23 # وباعتباره مدركا للماهيات في أنفسها يسمى عقلا نظريا، فإذا ما حكم ~~على الجزئيات بأنها خير أو شر فحرك النزوع إليها أو النفور منها سمي عقلا عمليا، ~~والفرق بين الحس والعقل من هذه الجهة أن الحس يدرك اللاذ أو المؤلم في حقيقتة ~~المتشخصة، والعقل العملي يدرك الخير والشر من حيث هما كذلك وهما معقولان كالحق والباطل. # 24 ~~(ب) والمعقولات موجودة بالقوة في الصور المحسوسة، سواء المجردات الرياضية ~~والكيفيات الجسمية - لا مفارقة كما ذهب إليه أفلاطون - لهذا لا يمكن التعلم أو ~~الفهم من غير الإحساس، فإن ms168 المحروم حاسة محروم المعارف المتعلقة بها، ولهذا يجب أن ~~تصاحب التعقل صورة خيالية، ولو أن التخيل متمايز من الإيجاب والسلب كما قدمنا، ~~وليست المخيلة مشاركة للعقل في تعقله كمشاركة العين لقوة الإبصار، وإنما هي لازمة ~~لتقديم مادة التعقل. # 25 # ولما كان العقل بالقوة فلا بد من شيء بالفعل يستخلص المعقولات من الماديات ويطبع ~~بها العقل فيخرجه إلى الفعل، وهذا الشيء بالفعل هو «العقل الفعال»، ولم ترد هذه ~~التسمية في كتب أرسطو كما أنه لم يقل «العقل المنفعل» سوى مرة واحدة سنشير إليها ~~فيما بعد ونبين أنه أراد بهذا التعبير شيئا آخر غير العقل الذي يخرج من القوة إلى ~~الفعل والمذكور هنا، والتسميتان من الشراح وضعوهما بناء على ألفاظ أرسطو ومذهبه ~~العام، ونظرا لأهمية هذا البحث في تاريخ الفلسفة الإسلامية ولغموض كلام أرسطو في ~~مواضع رئيسية غموضا كان مثار جدل كثير منذ زمان طويل، نترجم هنا عباراته ثم نعود ~~إليها بالشرح، قال: «يجب أن يكون في النفس تمييز يقابل التمييز العام بين المادة ~~وبين العلة الفاعلية التي تحدث الصور في المادة. وفي الواقع نجد في النفس من جهة ~~واحدة العقل المماثل للمادة من حيث إنه يصير جميع المعقولات، ومن جهة أخرى العقل ~~«المماثل للعلة الفاعلية»؛ لأنه يحدثها جميعا، وهو بالإضافة إلى المعقول كالضوء ~~بالإضافة إلى الألوان يحولها من ألوان بالقوة - في الظلمة - إلى ألوان بالفعل، وهذا ~~العقل «الفعال» هو القابل للمفارقة، وهو غير منفعل «أصلا» غير ممتزج بمادة؛ لأن ~~ماهيته أنه فعل، والفاعل أشرف دائما من المنفعل، والمبدأ - العلة - أشرف من المادة ~~... وبعد أن يفارق يعود ما هو بحسب ماهيته، وهو وحده من حيث هو كذلك خالد ودائم، غير ~~أننا لا نتذكر «في حال المفارقة»؛ لأنه غير منفعل بينما العقل المنفعل فاسد، ومن ~~غير هذا فليس شيء يفكر.» # 26 # نقول: يؤخذ من هذا النص أولا أن في النفس عقلا مماثلا للمادة، ولهذا السبب سمي ~~بالهيولاني وبالمنفعل لا لكونه ماديا، وعقلا مماثلا للعلة الفاعلية هو الفعال، ~~وهو في النفس أيضا بدليل قوله: ms169 «نجد في النفس» وقوله: «وبعد أن يفارق » فلا سبيل ~~إلى القول مع إسكندر الإفروديسي أنه الله، ولا إلى اعتبار ابن سينا وابن رشد معبرين ~~عن فكر أرسطو؛ إذ يجعلان العقل الفعال مفارقا للإنسان. ويؤخذ ثانيا أن العقل ~~الفعال يجرد الصور المعقولة ويتيح للمنفعل أو الهيولاني أن يتحد بها كما يتحد الحس ~~بموضوعه، فالهيولاني أو المنفعل هو المتعقل وأما الفعال فهو المجرد، وهذا طبقا ~~للمبدأ العام «أن ما هو بالقوة يصير بالفعل بتأثير شيء هو بالفعل.» وقوله: «قابل ~~للمفارقة» هو المقصود لا «مفارق» بالفعل، ولو أن اللفظ اليوناني يحتمل المعنيين؛ ~~وذلك لما أوضحناه الآن، ولقول أرسطو: «وبعد أن يفارق»، مما لا يدع مجالا للشك، ~~وقوله: «هذا العقل هو» يشعر أن العقل الفعال وحده قابل للمفارقة دون العقل المنفعل، ~~ولكنه قال عكس ذلك في الفصل السابق، فالمراد: «وهذا العقل أيضا»؛ لأن السبب واحد ~~من الجهتين، وهو أن إدراك العقل للمجردات يستلزم أن يكون هو مجردا، غير أن قوله: ~~«والفاعل أشرف من المنفعل» يدل على مفاضلة بين العقلين وتفضيل الفاعل على المنفعل ~~وهذا إشكال، أو هو يدل على أنه إذا كان المنفعل مفارقا، فالفعال أحرى أن يكون ~~مفارقا من حيث إنه أشرف، وقوله: «غير منفعل» يعني أنه دائم بالفعل وليس فيه شيء ~~بالقوة يتطلب التحقيق، وقوله: «غير ممتزج بمادة»، يعني أنه غير متحد بعضو ولكنه ~~يعمل دون عضو. ~~(ج) والعبارات التالية خاصة بالخلود، ولقد كان أرسطو مقلا في هذه المسألة ~~بخلاف أفلاطون، ويا ليته كان صريحا مع هذه القلة! يقول: «وبعد أن يفارق يعود ما هو ~~بحسب ماهيته» أي إن العقل الفعال ولو أنه غير منفعل إلا أن اتصاله بالجسم يظلم ~~طبيعته فلا يستعيد صفاءها إلا بانتهاء هذا الاتصال، ويقول: «وهو وحده خالد»، فكأنه ~~ينفي الخلود عن المنفعل وقد سبق له عكس ذلك، وفي نصوص أخرى سنذكرها الآن يثبت بقاء ~~العقل من غير تمييز بين منفعل وفعال، ثم يقول: «غير أننا لا نتذكر؛ لأنه غير منفعل» ~~ويعني أن العقل الفعال لما كان غير ms170 منفعل فليس يحفظ أي أثر من ظروف الحياة، فإذا ما ~~فارق انعدمت الذاكرة؛ لأن «الفكر كالمحبة والبغض ليس انفعال العقل بل انفعال الشخص، ~~لهذا حين يفسد الشخص لا تبقى ذكرى ولا صداقة.» # 27 # وهنا دليل آخر على أن أرسطو لم يكن يرى العقل الفعال مستقلا عن النفس ~~وخالدا وحده، فإنه يقول: «غير أننا لا نتذكر» يقصد النفس كلها وإلا فإن مثل هذا ~~التأويل يؤدي إلى وضع صورتين في الجسم الإنساني هما النفس مبدأ الحياة والعقل ~~الفعال مبدأ التعقل، وهذا ينافي مذهب أرسطو منافاة صريحة في أن الموجود الطبيعي ~~واحد بصورته الواحدة، ويقربه من رأي أفلاطون في النفوس الثلاث وقد أنكره أرسطو ~~(61-د) وهو إنما يريد، كما قد دل على ذلك في غير ما موضع، أنه كما أن النفس كلها ~~صورة الجسم كله، فإن قوى النفس صور لأجزاء الجسم - كقوة الإبصار فهي صورة الحدقة - ~~وقوى النفس لا تبقى «فاعلة» بعد فساد مادتها إلا العقل «بالإطلاق» فهو باق؛ لأنه ~~ليس صورة لمادة. # 28 # نعود إلى كلامه فنجده يقول: «بينما العقل المنفعل فاسد» وهذا هو الموضع ~~الوحيد الذي يذكر فيه «العقل المنفعل» فليس يصح تقييده بلفظ لم يطلقه هو صراحة على ~~ما سمي بعده بالعقل المنفعل؛ لذلك يذهب بعض الشراح إلى أن العقل المنفعل المذكور ~~هنا إنما المقصود به المخيلة وهي قوة للمركب وتسمى عقلا بالمشاركة من جهة أنها ~~تطيع العقل وتتبع إشارته، ومن جهة أن العقل يعتمد على ما تقدمه إليه من الصور ~~الجزئية يجرد منها المعقولات، # 29 # وأرسطو نفسه يقول عن التخيل: إنه نوع من التعقل. # 30 # ويقول ابن سينا: «وهذا الشيء يسمى ... عقلا فعالا كما يسمى العقل ~~الهيولاني بالقياس إليه عقلا منفعلا أو يسمى الخيال بالقياس إليه عقلا منفعلا آخر.» # 31 # سيما وأن أرسطو قد أثبت أن العقل بالإطلاق غير فاسد، ورد على الاعتراض ~~المأخوذ من ضعف الفكر في الشيخوخة بأنه ناشئ لا من انفعال النفس بل من انفعال الشخص ~~القائمة فيه كما يحدث في السكر والمرض، وأن مثل العقل ms171 كمثل الحس، فالشيخ إن استعاد ~~عينا جيدة أبصر كالشاب، وإذن ففعل العقل يضعف بفساد - أو بضعف - عضو باطن، أما ~~العقل في ذاته فغير منفصل. # 32 # أو يمكن تفسير النص الذي نحن بصدده بأن فعل التعقل ينتهي لارتباطه بالتخيل ~~وامتناع التخيل بفساد الجسم، أما العقل نفسه فباق، والعبارة الأخيرة «ومن غير هذا ~~فليس شيء يفكر» يدل ظاهرها على أن «هذا» يعود على العقل المنفعل المذكور قبله ~~مباشرة «ويستقيم المعنى أيا كان المراد بالعقل المنفعل»، ولكن بعض الشراح يرده ~~إلى العقل الفعال ويضع الجملة السابقة بين قوسين، وهذا التاويل وتأويلات أخرى كثيرة ~~إنما اصطنعها الناظرون في هذا الموضع من المقالة الثالثة؛ لغموض أقوال أرسطو ~~واضطرابها، وقد حاولنا أن نوضحها ونلائم بينها بقدر الإمكان. ~~(د) تبقى مسألة أصل هذا العقل الخالد - أو النفس الناطقة - ونحن نجد عند أرسطو ~~قولا فيها متفقا مع رأيه في مباينة العقل للمادة وسموه عليها وإن كان يعوزه بعض ~~البيان: هذا القول هو: «أما العقل فيلوح تماما أنه يأتي فينا وهو حاصل على وجود ~~ذاتي وغير فاسد» # 33 # بينما سائر الصور الطبيعية تخرج من «قوة المادة» وتعود إليها، ولسنا ~~نستطيع أن نقول: إن النفس الناطقة مخلوقة؛ فإن أرسطو لم يعرف فكرة الخلق، ولا أن ~~نقول بالتناسخ؛ لأنه يلح في أن العلل الفاعلية فقط لها وجود سابق على معلولاتها أما ~~العلل الصورية فمساوقة لمعلولاتها في الوجود، وأن كل ما يمكن الفحص عنه هو بقاء ~~الصورة بعد انحلال المركب لا سبقها على تأليفه، # 34 # وإذن فمن أين يأتي العقل؟ المسألة معلقة. # الفصل الخامس # | ما بعد الطبيعة # (64) وصف الكتاب ~~(أ) يشتمل الكتاب على أربع عشرة مقالة مرقومة بأحرف الهجاء اليونانية، غير أن ما ~~فيها من تكرار كثير وما بينها من قلة التناسق يحمل على الاعتقاد أن أرسطو لم يقصد ~~إلى جمعها كلها في مؤلف واحد وترتيبها على النحو الذي نراه؛ لذلك أسماها البعض ~~«الكتب الميثافيزيقية» إلا أن بعضا آخر يرفض هذه التسمية؛ استنادا إلى أن ~~المقالات يحيل بعضها إلى بعض؛ ويذهب إلى ms172 أنه يمكن تعيين ترتيب صحيح على ما يبدو من ~~عدم ترتيب، فالمقالة الأولى تعرف الحكمة بأنها علم العلل الأولى وتعرض مذاهب ~~الفلاسفة في هذه العلل، ثم تنقدها على مثل ما هو وارد في السماع الطبيعي بإضافة ~~كلام في نظرية المثل الأفلاطونية. # والمقالة الثانية موسومة بالألف الصغرى، مما يدل على أنها أضيفت إلى الكتاب بعد ~~أن تم جمعه، وكان الأقدمون يعزونها إلى أحد التلاميذ، ولكن إسكندر الإفروديسي يقرر ~~أنها لأرسطو، وعلى كل حال فأسلوبها ومضمونها أرسطوطاليان، والغرض منها بيان إمكان ~~هذا العلم بإبطال التداعي إلى غير نهاية في سلسلة العلل، وإظهار وجوب الوقوف عند ~~علل أولى. # والمقالة الثالثة تعرض مسائل هذا العلم وما يقوم من إشكالات بصدد كل منها، ولما ~~كانت هذه المسائل ستعالج في المقالات التالية فإن هذه المقالة تبين وحدة الكتاب. ~~والمقالة الرابعة في موضوع هذا العلم أي في الوجود بما هو وجود وفي المبادئ الأولى، ~~وبالأخص في مبدأي عدم التناقض والثالت المرفوع والدفاع عنهما ضد ~~هرقليطس وأقراطيلوس وبروتاغوراس. والمقالة ~~الخامسة معجم فلسفي يعرف ثلاثين لفظا أو أكثر، وهي بهذه الصفة لا تلتئم مع ترتيب ~~الكتاب، ولكن أرسطو يحيل إليها في عدة مقالات منه وفي السماع الطبيعي وفي الكون ~~والفساد، فهي بمثابة تمهيد لما بعد الطبيعة. والمقالة السادسة في تقسيم العلوم ~~النظرية، وفي أنه لا يوجد علم بالعرض، وفي ماهية العرض، وفي الوجود المقول في الحكم ~~أي في إضافة المحمول إلى موضوع. والمقالة السابعة في الوجود من حيث قسمته إلى جوهر ~~وعرض، وفي الهيولى والصورة جزأي الجوهر المحسوس، وفي الرد على نظرية المثل أي إبطال ~~كون الكليات جواهر. والمقالة الثامنة في الهيولى والصورة أيضا من الوجهة ~~الميتافيزيقية أي بالإضافة إلى الوجود لا بالإضافة إلى التغير كما في العلم ~~الطبيعي. والمقالة التاسعة في القوة والفعل. والمقالة العاشرة في الواحد والكثير ~~المقولين على الوجود. والمقالة الحادية عشرة قسمان: الأول (ف1-7) تكرار الثالثة ~~والرابعة والسادسة، والقسم الثاني (ف8-12) تكرار لما في المقالتين الثالثة والرابعة ~~من السماع الطبيعي عن الحركة والتغير اللامتناهي، والصلة ms173 بين القسمين ضعيفة فقد ~~تكون هذه المقالة تلخيصا حرره أحد التلاميذ. والمقالة الثانية عشرة في ضرورة محرك ~~أول دائم، وفي ماهية المحرك الأول، وفي عقول الكواكب، فهي إذن تتمة المقالة الثامنة ~~من السماع الطبيعي. والمقالتان الثالثة عشرة والرابعة عشرة متصلتان بالأولى ~~وبالثالثة، وموضوعهما عرض آراء أفلاطون الأخيرة في المثل والأعداد ونقد هذه الآراء، ~~ولم يشرحهما ابن رشد، ولكنه يشير إليهما مرارا، وفيهما صعوبات كبيرة، وفهمهما عسير ~~جدا. ~~(ب) فإذا استبعدنا المقالة الثالثة؛ لأنها مجرد ذكر مسائل، والخامسة؛ لأنها معجم ~~ألفاظ واردة في الكتاب، والحادية عشرة؛ لأنها تكرار، تبقى لنا إحدى عشرة مقالة، ~~فإذا ضممنا الثالثة عشرة والرابعة عشرة إلى الأولى كان لنا منها مقدمة في العلم ~~والمذاهب، ونحن نغفل المذاهب بعد الذي قلناه في فصل الطبيعة، ونرجئ نقد أرسطو ~~لنظرية المثل إلى الكلام على الجوهر، وإذا ضممنا الثانية إلى الرابعة كان لنا منهما ~~مقدمة في إمكان هذا العلم، وضممنا السادسة إلى السابعة والثامنة والعاشرة كان لنا ~~منها بحث في الجوهر ولواحقه، ثم تجيء التاسعة في القوة والفعل، والثانية عشرة في ~~الإلهيات، وهذا هو الترتيب الذي اعتمدناه في هذا الفصل. ~~(65) ما بعد الطبيعة ~~(أ) كل الناس يشتهون المعرفة بالطبع: يدل على ذلك أن الإحساس يعجبهم لذاته بصرف ~~النظر عن نفعه، وبالأخص في إحساس البصر؛ فنحن نؤثره على غيره ليس فقط حينما نقصد ~~إلى العمل بل حينما لا نتوخى أي عمل، والسبب أن البصر أكثر الحواس اكتسابا للمعارف ~~واكتشافا للفوارق، والحس طبيعي للحيوان، ولكنه يولد الذاكرة في بعضه دون بعض؛ لهذا ~~كان الفريق الأول أذكى وأقدر على التعلم من الفريق الذي لا يذكر، والحيوان الأعجم ~~مقصور على الخيال والذاكرة، أما الإنسان فإن ذكريات عدة متعلقة بشيء واحد تنتهي بأن ~~تكون عنده «تجربة»، وبواسطة التجربة يبلغ إلى الفن والعلم؛ فإن الفن يظهر حينما ~~يستخلص من معارف تجريبية عدة حكم كلي يطبق على جميع الحالات المتشابهة، فمثلا ~~الحكم بأن الدواء الفلاني شفى كالياس من المرض الفلاني ثم سقراط ثم آخرين كلا ~~بمفرده فهو يرجع ms174 للتجربة، أما الحكم بأن الدواء الفلاني يشفي جميع المصابين بالمرض ~~الفلاني فيرجع للفن، وتعددت الفنون؛ بعضها للضروريات ، وبعضها للذة وزينة الحياة، ثم ~~اكتشفت العلوم التي لا تتصل باللذات ولا بالضروريات، نشأت في البلاد التي توفر فيها ~~الفراغ بفضل الحضارة، مثلما كانت مصر مهد الرياضيات لما كان متروكا فيها للكهنة من ~~فراغ كثير، وآخر مراحل العلم الفلسفة، وموضوعها العلل والمبادئ الأولى. # وهذا الترتيب التاريخي ترتيب من حيث القيمة أيضا، فالتجربة أعلى من المعرفة ~~الحسية البحتة، والفن أعلى من التجربة - مع تفاوت بين الفن العملي والفن الجميل - ~~والعلوم النظرية أعلى من العلوم العملية؛ # 1 # وذلك لاعتبارات؛ منها: أولا أن العلم بالعلة وبالكلي أعلى من العلم ~~بالواقع فقط؛ لأن صاحبه يعلم بالقوة جميع الجزئيات المندرجة تحت الكلي، والكلي ~~يتفاوت. ثانيا أن الذي يعلم العلة أقدر على التعليم، وتتفاوت هذه القدرة أيضا ~~بتفاوت العلم بالعلة. ثالثا أن معنى العلم أكثر تحققا في طلب العلم لذاته لا ~~لمنفعة أية كانت، فإن العجب هو الذي يدفع الناس إلى الهرب من الجهل؛ أي إلى طلب ~~العلم للعلم، وهذه الخاصية أكثر تحققا في الجزء النظري من الفلسفة فإنه هو الذي ~~يبطل كل عجب. # 2 ~~(ب) وأعلى العلوم النظرية «الحكمة» للاعتبارات عينها، هي علم يدرس الوجود بما هو ~~وجود ومحمولاته الجوهرية، بينا سائر العلوم يقتطع كل منها جزءا من الوجود ويبحث في ~~محمولات هذا الجزء فقط، ولما كنا نطلب المبادئ الأولى وأعلى العلل، فهناك بالضرورة ~~موجود ترجع إليه بالذات هذه العلل والمبادئ؛ # 3 # ذلك أن الوجود يؤخذ على عدة أنحاء، وفي كل نحو منها يؤخذ بالإضافة إلى ~~طرف بعينه؛ أي إلى طبيعة واحدة، فمثلا «صحي»، فهو راجع للصحة، ويقال على ما يحفظها ~~وما يحدثها وما هو أثر لها وعلامة وما هو معد لقبولها، وكما أن علما واحدا يبحث ~~في كل ما هو صحي، وأن الحال كذلك في سائر الأشياء، فإن الفحص عن جميع الموجودات بما ~~هي موجودات يرجع لعلم واحد، ولما كان الجوهر هو النحو الأول من أنحاء الوجود ms175 كان ~~موضوع هذا العلم الفحص عن مبادئ الجوهر وعلله ولواحقه الكلية، # 4 # فإذا كانت الفلسفة حكمة فهذا العلم أحق أقسامها باسم الحكمة؛ لأنه ينظر ~~في العلل الأولى بالإطلاق بينما الأقسام الأخرى تنظر في العلل التي هي الأولى في ~~جنس ما، وهو الفلسفة الأولى لنفس السبب، يشبه أن يكون جنسا لسائر العلوم، والفلسفة ~~الثانية هي العلم الطبيعي، وموضوعها الجواهر المختلفة، وهو العلم الإلهي؛ لأنه يبحث ~~في الله الموجود الأول والعلة الأولى، ولأن دراسة الله عبارة عن دراسة الموجود من ~~حيث هو كذلك؛ إذ إن الطبيعة الحقة للوجود إنما تتجلى فيما هو دائم لا فيما هو حادث. # 5 ~~(ج) ويرجع للفلسفة الأولى أيضا النظر في المبادئ الكلية التي تعم جميع ~~الموجودات، نعم إن الناس يستخدمونها ولكن بالقدر الذي يلائم موضوع ... ولا يعرض أحد ~~من أصحاب العلوم الجزئية للخوض في صدقها أو كذبها بعين هذا الخوض على الفيلسوف الذي ~~يدرس الكلي والجوهر الأول، وأوكد هذه المبادئ يجب أن تتوفر فيه شروط: يجب أن يكون ~~بحيث يمتنع الخطأ فيه «وإلا لم يبق شيء ثابتا في العقل» وأن يكون أوليا بذاته ~~أي غير صادر عن آخر أوليا بالاضافة إلينا أي حاصلا لنا قبل كل اكتساب «وإلا لم يكن ~~مبدأ وافتقر هو وافتقرنا نحن إلى مبدإ سابق عليه»، هذا المبدأ هو: «يمتنع أن يحصل ~~نفس المحمول وأن لا يحصل في نفس الوقت لنفس الموضوع ومن نفس الجهة» # 6 # وهو حائز للشروط المذكورة؛ إذ ليس من الممكن البتة تصور أن شيئا بعينه ~~هو موجود وغير موجود كما يعتقد البعض أن هرقليطس قد قال، وقد يكون قال ولكن ليس من ~~الضروري أن يعقل القائل كل ما يقول، # 7 # وهو الأعلى والأخير، إليه يستند كل برهان، ولم يطلب بعض الفلاسفة ~~البرهان عليه إلا لجهلهم بالمنطق وعدم تمييزهم بين ما يفتقر إلى برهان وما لا ~~يفتقر، هم يطلبون علة لما ليس له علة، ومن المستحيل البرهنة على كل قضية والتداعي ~~إلى غير نهاية؛ فإن مبدأ البرهان ليس برهانا، بل إن ms176 هناك حقائق لا يطلب عليها ~~برهان، وهذا المبدأ أقلها اقتضاء للبرهان وكل ما نستطيعه بصدده هو أولا: إقامة ~~برهان الخلف ضد منكريه وبيان أنهم إذ ينكرونه يقرون بصدقه. وثانيا: إدحاض الحجج ~~التي يعرضونها لإنكاره، فمن الناحية الأولى نطلب إلى الخصم أن يقول شيئا، فإن لم ~~يقل كان من المضحك أن نبدي أسبابنا لمن لا يستطيع إبداء سبب أصلا فأشبه النبات، ~~ونحن لا نطلب إليه أن يقول: إن شيئا ما هو موجود أو غير موجود «أي أن يلفظ قضيته ~~تامة»؛ إذ قد يظن أن في هذا مصادرة على المطلوب، بل نكتفي منه بلفظ واحد له مفهوم ~~عنده أو عند غيره وإلا كان عاجزا عن التفكير والتفاهم فيما بينه وبين نفسه وفيما ~~بينه وبين غيره، فليقل مثلا: «إنسان» وحينئذ فهو يعني ماهية معينة يستحيل أن تكون ~~«لا إنسانا» فيقر ضمنا أن ما هو إنسان ليس لا إنسانا أي يقر بصدق المبدأ وبصدق ~~الفوارق بين الأشياء، والواقع أن أحدا من الناس لا ينكر ذلك، وإلا فلم يتوجه ~~فيلسوفنا إلى ميغاري بدل أن يفكر أنه متوجه إليها ويلزم داره؟ ولم يحاذر السقوط ~~في بئر تصادفه كأنه يعتقد أن السقوط ليس خيرا وشرا على السواء؟ # 8 ~~(د) أما الحجج التي يعرضها بروتاغوراس وأمثاله فهي إشكالات قامت في فكرهم بصدد ~~العالم المحسوس: ~~(1) # فقد رأوا الأضداد - كالحار والبارد - تتفق لشيء واحد فقالوا: إنها ~~كانت فيه جميعا؛ لأن من المحال أن يخرج وجود من لا وجود. نجيب على ذلك ~~أن من الممكن أن يكون الشيء الواحد وجودا ولا وجودا في آن واحد لكن ~~لا من جهة واحدة، فمن جهة القوة من الممكن أن يكون الشيء الأضداد في ~~آن واحد أي قابلا لها، وأما من جهة حصولها فيه بالفعل فلا. ~~(2) # ولاحظوا أن الشيء الواحد يبدو في آن واحد حلوا للبعض مرا للبعض، ~~أو يبدو لذات الشخص تارة حلوا وتارة مرا، فقالوا أن ليس إحساس أصدق ~~من إحساس؛ لأن الإحساس مجرد انفعال، ولأن كل إنسان يعتقد أن من لا ~~يوافقه ms177 فهو مخطئ، وإذن فالإحساس الواحد والرأي الواحد صادق وكاذب في ~~نفس الوقت، ونحن نقول: ليس بصحيح أن كل ما يبدو فهو حقيقي؛ إذ ما من شك ~~في أن المقادير والألوان هي كما تبدو عن قرب لا عن بعد، وكما تبدو ~~للأصحاء لا للمرضى، وأن الحقيقة ما نراه في اليقظة لا في المنام، وأن ~~المستقبل يتحقق على ما يتوقع العالم لا الجاهل، وقد نبه إلى ذلك أفلاطون، # 9 # ثم إن شهادة الحس أوثق في موضوعه الخاص منها في موضوع ~~مشترك، وليس يحدث أن حسا ما ينبئنا في وقت واحد وعن موضوع واحد أنه ~~كذا وليس كذا. ~~(3) # واعتقدوا أن المحسوسات هي كل الموجودات، ولما كانوا يرون المحسوسات ~~في حركة متصلة فقد ظنوا أنه يستحيل التعبير عن أية حقيقة بخصوصها، ومن ~~هنا نشأ أبعد المذاهب تطرفا بين أتباع هرقليطس وهو مذهب أقراطيلوس؛ ~~فإن هذا الأخير انتهى إلى تحريم الكلام وكان يقتصر على تحريك أصبعه، ~~ويلوم هرقليطس لقوله: إنه لا يمكن النزول في النهر الواحد مرتين، ويعلن ~~أنه لا يمكن النزول فيه حتى مرة واحدة، ولكنهم وهموا في تصورهم هذا، ~~فإن الأشياء لا تتغير من كل وجه بل تذهب الصورة وتبقى الهيولى تحل فيها ~~صورة أخرى، وما دام الشيء دامت صورته وتغير من حيث العوارض فقط، ونحن ~~إنما نعلم الأشياء بالصورة لا بالعوارض، ثم إن القول بالوجود واللاوجود ~~في آن واحد يلزم عنه في الحقيقة أن الأشياء ساكنة لا أنها متحركة؛ إذ ~~لا يبقى هناك شيء تتحول إليه ما دامت جميع المحمولات حاصلة لجميع الموضوعات، # 10 # وهكذا ينتهي مذهب هرقليطس إلى مذهب بارمنيدس وكلاهما زائف، ~~فالفلسفة الأولى ممكنة وإلا وجب العدول عن كل تفكير. ~~(66) الجوهر ~~(أ) موضوع الفلسفة الأولى الوجود الثابت، غير أن الوجود قد يعني أيضا الوجود ~~العرضي والاتفاقي والوجود من حيث هو حق أي المعبر عنه بالرابطة في القضية، وكل هذه ~~المعاني خارجة عن نطاق هذا العلم، فالوجود العرضي لا يصح أن يكون موضوع علم أيا ~~كان؛ لأن العوارض عديدة لا تحصى ms178 وزائلة غير ثابتة، وكذلك يقال في الاتفاقي فهو ~~معلول عرضي وليس يعني العلم إلا بالضروري، أما الوجود من حيث هو حق فلا يتعلق ~~بالأشياء بل بالعقل فهو يرجع للمنطق، وإذا قلنا: «شيء صادق» وأردنا أنه موجود، ~~وقلنا: «شيء كاذب» وأردنا أنه غير موجود، فهذا معنى آخر غير معنى الصدق والكذب ~~بالذات، وإذا قلنا: «شيء كاذب» وعنينا شيئا له مظهر شيء آخر «كقولنا: ذهب كاذب» ~~ومثل الصورة أو الحلم فهذا يرجع لعلم النفس، # 11 # فموضوع هذا العلم الجوهر. ~~(ب) الجوهر أحق المقولات باسم الوجود، أما التسع الباقية فلا تسمى وجودات إلا ~~بالتبعية؛ لأنها حالات للجوهر، وهو سابق عليها فإنها تتقوم به وهو يتقوم بذاته، ~~وليس يعني أرسطو بقوله: «تتقوم به» أنها تنضاف إليه إضافة خارجية؛ كلا، بل إن ~~الجوهر هو الشيء بمقولاته، ونحن إذا قلنا: «سقراط أبيض» إنما نعني أن البياض هو ~~لشخص حاصل عليه وعلى غيره من المحمولات مؤتلفة فيه، فليس الجوهر «شيئا مجهولا» ~~تحت المحمولات متمايزا منها في الوجود كما يتخيل كثير من المحدثين، ولكنه الموضوع ~~الذي يتصف بها، وقد يتصف بغيرها بعدها كما يدل عليه التغير؛ فإن التغير لا يفهم من ~~غير هذا التمييز الميتافيزيقي بين الجوهر والعرض. ويقال: الجوهر على الهيولى موضوع ~~الصورة، وعلى الصورة موضوع الخصائص والعوارض، وعلى المركب من الصورة والهيولى، ~~ومبدأ تشخص الجوهر المادي الهيولى لا الصورة؛ فإن الهيولى هي التي تقبل الصورة ~~وتقبضها في وجود جزئي وهي تختلف باختلاف الأفراد، ولما كانت غير معلومة بالذات فإن ~~الأفراد لا يعلمون من حيث هم أفراد إلا بالحواس، ولا يقع الحد إلا على الصورة ~~النوعية أو الماهية. # 12 # وبناء على هذا القول ذهب الفلاسفة المسيحيون إلى أن الملك - وهو روح ~~مفارق - نوع قائم برأسه أو صورة متشخصة بذاتها، وأن الملائكة جنس له أنواع هي في ~~ذات الوقت أشخاص. ~~(ج) أما الجواهر الثواني - الأجناس والأنواع - فهي معان كلية وموجودات ذهنية لا ~~أعيان قائمة بأنفسها كما ارتأى أفلاطون، ولقد أفاض أرسطو في نقد نظرية المثل، # 13 # واشتد في ms179 الحملة عليها إلى حد التحامل والتعسف ومجانبة الحق أحيانا، ~~ونحن نقتصر هنا على حجج أربع؛ الأولى: يمتنع قيام مثل للجواهر المحسوسة فإن المادة ~~جزء منها ولا يوجد الإنسان مثلا إلا في لحم وعظم، فإذا فرضنا المثل مفارقة كانت ~~معارضة لطبيعة الأشياء التي هي مثلها، وإذا فرضناها متحققة في مادة صارت متشخصة ~~جزئية وفاتنا المقصود منها وهو أن تكون مجردة ضرورية. # الحجة الثانية: إن من المعاني الكلية ما ليس يدل على جوهر فلا يمكن أن يقابله ~~مثال، وذلك مثل الماهيات الرياضية، والأجناس، والعوارض، والإضافات، فإن الشكل ~~الرياضي حد المقدار ومتحقق في مادة طبعا فحكمه حكم الجوهر المحسوس في الحجة ~~السابقة وحكم العرض الذي لا يتقوم بذاته، والجنس كالحي والنبات والحيوان والمثلث لا ~~يتقوم بنفسه؛ بل بأنواعه، والعرض متقوم بجوهر بالضرورة، والإضافة علاقة بين طرفين ~~ليس لها وجود ذاتي. فإذا كانت كل هذه المعاني ذهنية صرفة فما الذي يمنع أن توجد ~~المعاني جميعا في العقل دون أن يقابلها مثل؟ # الحجة الثالثة: إذا كان كل ما هو مشترك بين أشياء عدة يرفع إلى مقام مثال، فإن ما ~~هو مشترك بين الإنسان المحسوس ومثال الإنسان يعتبر إنسانا ثالثا وما هو مشترك بين ~~هذا الإنسان الثالث ومثال الإنسان والإنسان المحسوس يعتبر إنسانا رابعا وهكذا إلى ~~غير نهاية. # 14 # الحجة الرابعة: ليست النظرية مجدية شيئا، فلم يبين أفلاطون نوع العلاقة بين ~~المثل والجزئيات وكيفية مشاركة هذه في تلك، فلا يظهر أن للمثل أثرا في إحداث ~~المحسوسات ولا في استبقائها في الوجود ولا في تغيرها فإنها ثابتة وإن كانت فاعلة ~~فيجب تبعا لهذا الثبات أن يكون فعلها مطردا على وتيرة واحدة، ولا يظهر أن للمثل ~~أثرا في علمنا بالمحسوسات فإنها مفارقة لها بعيدة منها؛ فالقول إنها مثلها وإن ~~المحسوسات مشاركة فيها استعارة شعرية لا طائل تحتها، وكل ما فعله أفلاطون أنه أقام ~~عالما خياليا فيه من المسميات بقدر ما في العالم الحقيقي، فكان الأول بمثابة ~~«بطانة» للثاني عديمة الفائدة. ومع ذلك أليس كل حادث يستند إلى ضروري ms180 وكل صورة إلى ~~نموذج؟ لقد أصاب أفلاطون في فكرته هذه وأخطأ في تشخيص المعاني، وأصاب أرسطو في بيان ~~ما يلحق هذا التشخيص من محالات وأخطأ في نبذ الفكرة الأساسية، وسيقوم من المسيحيين ~~من يقول: إن المعاني هي معاني الله وهي ثابتة دائمة مثله، والله خالق طبقا ~~لمعانيه، فيوفق بين الموقفين أحسن توفيق. ~~(67) القوة والفعل ~~(أ) ينقسم الموجود إلى ما هو بالقوة وما هو بالفعل، والقوة فعلية وانفعالية: ~~القوة الفعلية هي قدرة شيء على إحداث تغير في شيء آخر أو في نفسه من حيث هو آخر أي ~~من حيث هو حاصل على مبدإ فاعل ومبدإ منفعل، كالرجل الذي يبرئ نفسه لا من حيث هو ~~مريض بل من حيث هو طبيب، والقوة الانفعالية هي قدرة المنفعل على الانتقال من حال ~~إلى حال بتأثير موجود آخر أو بتأثيره هو من حيث هو آخر، # 15 # والطبيعة أيضا مبدأ حركة لكن لا في موجود آخر بل في نفس الموجود من ~~حيث هو هو فهي قوة بمعنى واسع، # 16 # والقوى منها ما في المادة، ومنها ما في النفس الناطقة، فهي إذن نطقية ~~وغير نطقية، لذلك كانت الفنون جميعا قوى؛ لأنها مبادئ تغيير في آخر أو في الفنان ~~نفسه من حيث هو آخر، والقوى النطقية قوى الأضداد، أما غير النطقية فمحدودة بالطبع ~~إلى معلول واحد، مثل الحرارة فهي قوة التسخين ليس غير، في حين أن الطب قوة المرض ~~والصحة جميعا، والسبب في ذلك أن العلم علة الأشياء في العقل، ونفس العلة تفسر ~~الشيء وعدمه، ولما كانت النفس مبدأ حركة فهي تحدث الضدين المتعلقين بعلة واحدة # 17 # تحدث أحدهما أو الآخر باختيار الإرادة، # 18 # ويؤخذ الفعل تارة كالحركة بالإضافة إلى القوة، وطورا كالصورة بالإضافة ~~إلى المادة، ولكن الحركة فعل ناقص، أما الفعل الكامل فمثل الإبصار والتفكر، وما ~~بالقوة منه ما يخرج إلى الفعل مثل المبصر بالقوة إذا أبصر، ومنه ما لا يخرج خروجا ~~تاما مثل الخلاء وقسمة الجسم إلى غير نهاية، # 19 # والقوة قريبة وبعيدة: القريبة هي التي ms181 لا تفتقر لغير فعل واحد للخروج ~~إلى الفعل، والبعيدة هي التي تفتقر إلى تهيئة مثل البذرة فهي نبات بالقوة البعيدة، ~~وتصير بالقوة القريبة متى تهيأت لأن تكون نباتا. # 20 ~~(ب) ومن الفلاسفة من يدعي أن القوة لا توجد إلا متى وجد الفعل، وأن الذي لا يبني ~~ليس له قوة البناء، ولكنها للذي يبني في الوقت الذي يبني، ولنا على هذا الادعاء ~~أربعة ردود؛ الأول: إن فن البناء مكتسب وصاحبه يستطيع أن يبني بعد أن يكون قد انقطع ~~عن البناء بخلاف الذي لم يتعلمه، فكيف اكتسب الفن وكيف استعاده؟ الثاني: إن الحال ~~كذلك في القوى غير النطقية، فإن للمحسوس قوة التأثير في الحاس، وإلا وجب رد المحسوس ~~إلى الحاس على مذهب بروتاغوراس. الثالث: إن إنكار القوة يلزم عنه وصف الإنسان ~~الواحد بأنه أعمى وأصم مرات في اليوم أي كلما انقطع عن الرؤية والسمع، والحقيقة أنه ~~راء سامع؛ تارة بالقوة، وطورا بالفعل. الرابع: إن ما لا قوة له فهو لا يفعل، ~~وهؤلاء الفلاسفة ينتهون إلى إبطال الحركة والتغير من حيث أرادوا رفع التمييز بين ~~القوة والفعل، والاقتصار على الفعل وحده. # 21 ~~(ج) وتمكن مقارنة القوة والفعل من حيث التقدم والتأخر، ومن حيث الحسن والقبح، ~~فمن الوجه الأول نجد من ناحية أن الفعل متقدم بالطبع على القوة؛ لأنه يدخل في حدها؛ ~~إذ إن القوة الفعلية إنما هي قوة؛ لأنها تستطيع أن تفعل، مثل قوة البناء هي في الذي ~~يستطيع البناء، وقوة الإبصار في الذي يستطيع الإبصار، وهكذا الحال في القوة ~~الانفعالية، بحيث إن معرفة الفعل سابقة بالضرورة على معرفة القوة؛ فالفعل معقول ~~بذاته والقوة معقولة بالإضافة إليه، ونجد من ناحية أخرى أن الشيء الواحد الذي هو ~~تارة بالقوة وتارة بالفعل القوة فيه متقدمة على الفعل تقدما زمانيا، ولكن الفعل ~~متقدم على القوة بالإطلاق؛ لأن الشيء كان بالقوة قبل أن يكون وخرج منها إلى الفعل ~~بتأثير شيء بالفعل، # 22 # ومن الوجه الثاني الفعل الحسن أحسن من القوة عليه؛ لأن القوة ليست ~~شيئا معينا وإنما ms182 هي قوة الضدين، فالفعل الحسن تعيين وإبطال للضد، والفعل القبيح ~~أقبح من القوة عليه والسبب واضح مما تقدم، وتقدم الفعل على القوة يقضي بإنكار مبدإ ~~للشر في العالم قائم بذاته؛ لأن الشر يلزم عن القوة على ضدين أحدهما خير ، فهو متأخر ~~بالطبع عن القوة، وهو إذن في موجودات بالفعل تخالطها القوة وهي الموجودات الأرضية؛ ~~أما الموجودات الدائمة فلما كانت خلوا من القوة فهي خلو من الشر، فليس يوجد الشر بذاته، # 23 # وفي هذا رد على ثنائية زرادشت وأنبادوقليس وإبطال للقول بإله للشر أو ~~مبدأ كله كراهية. ~~(68) الإلهيات ~~(أ) موضوع هذا العلم الجوهر فيتعين علينا «أن نبين أنه يوجد بالضرورة جوهر دائم ~~غير متحرك» فنقول: «الجواهر أوائل الموجودات، فلو كانت كلها فاسدة لكانت الموجودات ~~كلها فاسدة» ولكن الحركة الدائرية والزمان أزليان أبديان (58) والحركة عرض لجوهر ~~والزمان مقياس الحركة؛ إذن توجد جواهر دائمة غير متحركة. # 24 # هكذا يفتتح أرسطو القول في إلهيات ما بعد الطبيعة، وهكذا يتكلم أيضا ~~في السماع الطبيعي، # 25 # ولنا على هذا النص ملاحظتان؛ الأولى: إنه يعلق دوام الجوهر الأول على ~~دوام الحركة، وهذا دليل ساقط عندنا بعدما أثبتناه من أن الأدلة على أزلية الحركة ~~وأبديتها غير منتجة، ثم إنه مفتقر لدليل آخر على أن كل ما يتحرك فهو يتحرك بغيره، ~~وقد جاء أرسطو بهذا الدليل الآخر وبذل كل العناية في تأييده وهو الدليل المتين ~~وسنذكره الآن. الملاحظة الثانية: إن أرسطو ينتقل من الجوهر بصيغة الفرد إلى الجواهر ~~بصيغة الجمع، وسيجيء الكلام على هذه النقطة. ~~(ب) كل ما هو متحرك فهو متحرك بشيء آخر، والأمر بين في الكائن الحي الذي وإن ~~قلنا: إنه يتحرك بذاته إلا أن المحرك والمتحرك فيه يختلفان من حيث إنه مؤلف من نفس ~~محركة وجسم متحرك، وللنفس قوى مختلفة يحرك بعضها بعضا، وللجسم أعضاء تتأثر من ~~الخارج فتسخن أو تبرد وترطب أو تيبس ويحدث فيه عن كل ذلك حركات، والحي العارف يدرك ~~الأشياء فيحدث فيه عن هذا الإدراك نزوع وعن النزوع حركة في المكان، والأمر ms183 بين كذلك ~~في غير الحي أو هو أبين؛ فإن غير الحي متصل متجانس فلا يمكن التمييز فيه بين محرك ~~ومتحرك، فإن تحرك كانت حركته بمحرك خارجي هو علة كونه وصورته، أو رافع العائق له عن ~~حركته الطبيعية الصادرة عن الصورة، وإذن فالقضية صادقة بالإطلاق، # 26 # ولكن قولنا: إن كل متحرك فهو متحرك بشيء آخر، قد يعني حركة مباشرة من ~~المحرك إلى المتحرك، أو حركة غير مباشرة بتوسط متحرك محرك أو أكثر مثل الحجر ~~المتحرك بالعصا، والعصا باليد، واليد بالإرادة، ففي هذه الحالة الثانية المحركات ~~المتوسطة متناهية العدد بالضرورة، ويمتنع التداعي إلى غير نهاية في سلسلتها فنصل ~~إلى المحرك الأول المطلوب؛ فإن كان متحركا فهو متحرك بذاته، وتتضح ضرورة تناهي عدد ~~المحركات المتوسطة إذا عكسنا السير وحاولنا التأدي من المحرك إلى المتحرك بدل ~~التأدي من المتحرك إلى المحرك، فإنا نرى حينئذ امتناع البلوغ إلى المتحرك إذا لم ~~تكن الوسائط متناهية، ولا يمكن أن يكون المحرك الأول متحركا بذاته كما سلمنا جدلا ~~وإلا وجب أن ينقسم إلى جزء محرك وجزء متحرك؛ لأن شيئا واحدا بعينه لا يتحرك بنفس ~~الحركة التي يحرك بها، كما أن الذي يعلم الهندسة لا يتعلمها في نفس الوقت؛ فإن ~~وجد فيه جزء محرك فهذا الجزء هو المحرك الأول؛ أي إن المحرك الأول غير متحرك ~~بالضرورة، وإن قيل: إن أجزاءه جميعا محركة ومتحركة في آن واحد؛ أي إنها تحرك ~~بعضها بعضا؛ أجبنا أن في هذا القول إنكارا لبداية الحركة، ومن ثمة إنكارا للحركة ~~نفسها وهي واقعة، فالنتيجة أن لحركة العالم علة أولى ثابتة غير متحركة. # 27 ~~(ج) فالجوهر الأول فعال لا كالمثل الأفلاطونية، بل إنه فعل محض لا تخالطه قوة، ~~وإلا لم تتحق أزلية الحركة وأبديتها؛ إذ من الممكن أن ما هو حاصل على القوة لا ~~يفعل، كما أن من الممكن أن ما هو بالقوة ينعدم من الوجود، ففعل التحريك هو ماهية ~~الجوهر الأول، والفعل سابق على القوة إطلاقا، وإذن فقد أخطأ اللاهوتيون الذين ~~وضعوا في الأصل الليل (أي ms184 العدم) والسديم (أي الاختلاط والقوة) زمنا غير ~~متناه، وأخطأ ديموقريطس وأنبادوقليس وأفلاطون الذين قالوا بحالة اتفاق وفوضى قبل ~~حالة النظام؛ إذ لو صح قولهم لكانت القوة أولا، ولما أمكن أن تخرج الأشياء من ~~القوة إلى الفعل ومن الفوضى إلى النظام، من حيث إن ما هو بالقوة إنما يخرج إلى ~~الفعل بتأثير شيء هو بالفعل، فيجب القول بأن المبدأ ليس البذرة أي القوة، بل ~~الموجود التام أي الفعل الذي تصدر عنه البذرة، وبأن نفس الأشياء - أي الأنواع - قد ~~وجدت دائما. # 28 # وقد لاحظ القارئ من غير شك أن أرسطو في هذا النص ينتقل من سبق الفعل ~~على القوة - وهذا مبدأ مسلم به - إلى قدم العالم، وهذا غير ضروري كما بينا ~~آنفا. ~~(د) لما كانت الحركة أزلية كان المحرك الأول أزليا، وإذا كان هناك حركات أزلية ~~عدة وجب القول بمحركين أوائل أزليين على رأسهم أول هو مبدأ حركة سائر الأشياء، # 29 # والواقع أنه توجد إلى جانب الحركة الأولى الدائمة الواحدة الصادرة عن ~~المحرك الأول، حركات أخرى خاصة للسيارات (59-ج) قد نصل في حسابها إلى 55 أو 47، ~~فهناك مثل هذا العدد من الجواهر غير المتحركة، والعقيدة القديمة صادقة؛ إذ تقول: إن ~~الكواكب آلهة، والكواكب إلهية حقا بشرط أن ننظر إليها في أنفسها، مجردة عما أضيف ~~إليها فيما بعد من أساطير وتصاوير بشرية وحيوانية؛ لإقناع العامة وخدمة القوانين ~~والمصالح المشتركة. # 30 # ولكن ما الفرق بين هؤلاء المحركين والمحرك الأول؟ يلوح من جهة أن ~~المحرك الأول غير متحرك أصلا لا بالذات ولا بالعرض وأن المحركين الآخرين متحركون ~~بالعرض مع أفلاكهم كالنفس تنتقل بانتقال جسمها الذي تحركه، # 31 # ويلوح من جهة أخرى أن المحرك الأول خارج العالم بينما الباقون في ~~أفلاكهم دون أن يكون اتصالهم بها اتصال الصورة بالهيولى؛ لأنهم عقول مفارقة، ولكن ~~هذين الفارقين عرضيان، وفكر أرسطو في هذه النقطة غامض قلق، ويزيدنا حيرة أنه بعدما ~~تقدم يقرر أن العالم واحد ويبرهن على هذه الوحدانية بما يلي: لو كان هناك عوالم عدة ~~لكان هناك مبادئ ms185 محركة عدة متفقة بالنوع مختلفة بالعدد، ولكن الموجود الأول بريء عن ~~المادة فلا يمكن أن يتكثر من حيث إن المادة هي التي تكثر الصور، فالمحرك الأول واحد ~~والعالم واحد، # 32 # ولكنا نسأل: ما القول إذن في المحركين الخمسة والخمسين أو السبعة ~~والأربعين، وهم بريئون عن المادة كذلك؟ كيف أمكن أن يتكثروا مع كونهم أفعالا محضة؟ ~~لقد خالف أرسطو مبادئه في هذه المسألة الخطيرة وخرج على التوحيد اللازم من مذهبه؛ ~~لنفس السبب الذي جعله يتشبث بقدم العالم وهو أن الله يفعل ضرورة لا اختيارا وأن ~~الفعل الضروري محدود إلى مفعول واحد، فكان مشركا بأدق معنى لكلمة الشرك، لا ~~كأفلاطون الذي يجعل آلهة الكواكب مصنوعين، ولا كالمخيلة العامة التي تضع بين الآلهة ~~واحدا أولا وآخرين أدنين. ~~(ه) نعود إلى المحرك الأول نتعرف ماهيته فنجد عند أرسطو ثلاث قضايا هي: أن المحرك ~~الأول ليس جسميا، وأنه يحرك كغاية، وأنه معقول ومعشوق. فلننظر في كل منها: # القضية الأولى: # ليس المحرك الأول جسميا؛ لأنه إن كان جسما فلا يخلو أن يكون ~~إما لا متناهيا وإما متناهيا، ولا يمكن أن يكون جسم لا متناهيا ~~(57-ب) ولا يمكن أن يكون المحرك الأول جسما متناهيا؛ لأنه يمتنع ~~أن قوة متناهية تحرك حركة لا متناهية منذ الأزل وإلى الأبد، # 33 # ونحن نفضل على هذا الدليل دليلا أعمق يذكره في موضع ~~آخر هو أن المادة قوة ونحن نطلب جواهر دائمة لا تكون بالقوة بل ~~تكون فعلا ليس غير؛ فهي إذن مفارقة للمادة. # 34 # القضية الثانية: ~~«المحرك الأول يحرك دون أن يتحرك، وهذا شأن المعشوق والمعقول» أي ~~شأن العلة الغائية؛ لأن المحرك الطبيعي ينفعل طبيعيا (57-أ)، ~~والمحرك الإرادي ينفعل بالغاية وهي لا تنفعل به، «هو الخير بالذات ~~فهو مبدأ الحركة، هو المبدأ المتعلقة به السماء والطبيعة»، # 35 # وبهذا القول يتفادى أرسطو صعوبة عاتية هي: كيف يمكن أن ~~موجودا غير مادي يبعث حركة مادية والتحريك عنده بالجذب أو بالدفع؟ ~~وقد كان عرض لهذه المسألة غير مرة فارتأى مرة أن الله عند محيط ms186 ~~العالم وأن التماس ضروري ليحرك الله العالم كعلة فاعلية، # 36 # وما معنى هذا والله غير جسمي؟ وارتأى مرة أخرى أن ~~الفاعل يماس المنفعل دائما ولكن العكس لا يصدق إذا كان الفاعل غير ~~مادي، بحيث يكفي أن يماس الله العالم دون أن يماسه العالم، # 37 # وكيف يماس اللامادي المادي ويحركه حركة مادية؟ وقال في ~~موضع آخر : إن المحرك الأول ليس في مكان، # 38 # وهذا لازم من أنه غير جسمي فيبقى أن القول بأن الله ~~علة غائية لحركة العالم وأنه لذلك في غير حاجة لمقر معين ولا ~~لفعل خاص يبذله، أقرب لمذهب أرسطو، ولكن هذا الموقف يثير صعوبات من ~~نوع آخر: ففيم كان الإلحاح بأن المحرك فعال، وفيم كان التعريض ~~بالمثل الأفلاطونية وهي نماذج وغايات؟ وكيف يدرك العالم الله وكيف ~~يشتاق إليه وكيف يترجم هذا الشوق بالحركة المكانية؟ يقول أرسطو: إن ~~السماوات تشتهي أن تحيا حياة شبيهة بحياة المحرك ما أمكن ولكنها لا ~~تستطيع؛ لأنها مادية فتحاكيها بالتحرك حركة متصلة دائمة هي الحركة الدائرية، # 39 # وهذا كلام أدخل في باب الخيال والشعر من المشاركة ~~الأفلاطونية، اضطر أرسطو إليه وإلى غيره مما مر بنا؛ لأنه استبعد ~~فكرة الخلق وقصر فعل الله بالإضافة إلى العالم على التحريك فقط ~~وجعل هذا التحريك فعلا ضروريا لا حرا وفاته التمييز بين فعل ~~الله أي إرادته القديمة وبين مفعوله في الخارج الذي يمكن أن يحدث ~~وأن يتغير وأن يفسد بالإرادة القديمة دون أن يلحق الله من ذلك تغير ~~ما. # القضية الثالثة: # إن الله يحرك كمعقول ومعشوق، هو معقول؛ لأنه فعل محض وفعله ~~التعقل فهو التعقل القائم بذاته، والتعقل بالذات تعقل الأحسن ~~بالذات أي الخير الأعظم، والتعقل فيه عين المعقول، فحياته تحقق ~~أعلى كمال ونحن لا نحياها إلا أوقاتا قصارا، أما هو فيحياها ~~دائما أبدا وعلى نحو أعظم بكثير مما يتفق لنا، # 40 # ومعقوله ذاته لا شيء آخر فإنه فعل محض لا يتأثر عن ~~غيره، فإذا عقل غيره فقد عقل أقل من ذاته وانحطت قيمة فعله، فإن من ~~الأشياء ms187 ما عدم رؤيته خير من رؤيته ... فالعاقل فيه والمعقول والعقل واحد، # 41 # كلام طيب ولكنه يستتبع في مذهب أرسطو أن الله لا يعلم ~~العالم ولا يعنى به، ومع ذلك نرى الفيلسوف يلوم أنبادوقليس مرتين؛ ~~لأنه أخرج من علم الله جزءا من الوجود هو الكراهية ومفاعيلها فجعل ~~الله أقل الموجودات حكمة؛ # 42 # غير أنا نعتبر هذا النقد من باب الجدل فقط ، ولم يكن ~~أرسطو يتورع عن الجدل في مناقشة الفلاسفة؛ فإنه يذكر حجة ~~أنبادوقليس وإذا هي تشبه حجته تمام المشابهة: ينزه أنبادوقليس الله ~~عن العلم بالكراهية؛ لأنه محبة صرفة وسعيد غاية السعادة، وإذا جاز ~~لنا أن نعتبر هذا النقد معبرا عن فكر أرسطو استطعنا أن نؤول ~~كلامه هنا بأن الله لا يعلم الموجودات في أنفسها كموضوعات يتلقى ~~عنها علمه، ولكنه يعلمها في ماهيته نموذج الوجود - والله أعلم - ~~أما من جهة أن الله معشوق فهو «علة الخير في العالم فإنا نرى كل ~~شيء منظما في ذاته ونرى الأشياء منظمة فيما بينها، وكما أن خير ~~الجيش نظامه وأن القائد خيره أيضا وبدرجة أعظم؛ لأنه علة النظام، ~~فكذلك للعالم غاية ذاتية هي نظامه وغاية خارجية هي المحرك الأول ~~علة النظام.» # 43 # وهذا أيضا كلام طيب كنا نود أن نختتم به هذا الفصل من غير ~~تعليق، ولكن ما معناه في مذهب يقصر عليه الله على العلية الغائية، ~~وإن هو أضاف إليه علية فاعلية قصرها على التحريك الدائري ليس غير، ~~وترك العالم يدور على نفسه ويدير الشمس معه فتخرج الشمس الصور من ~~«قوة المادة» أو تعيدها إليها بحسب موقعها على فلك البروج (59-ج) ~~فتكون الأشياء وتفسد دون أن يريد الله لها ذلك أو يدري به، إن الله ~~عند أرسطو يشبه قائدا وقف كالتمثال اعتزازا بكرامته، وكان هناك ~~عساكر من خشب أخذت تحاكيه على قدر استطاعتها فتنظمت جيشا ~~حقيقيا! الحق أن اتجاه المذهب هو لناحية إله فعال، وأن تطبيق ~~التمييز بين القوة والفعل تطبيقا دقيقا شاملا يرينا أن العالم ~~المركب من قوة وفعل مفتقر ليس فقط لمحرك ms188 بل أيضا لموجد ترجع إليه ~~كل أنواع التغيير وتفسر به الغائية في الطبيعة، تلك الغائية التي ~~دافع عنها أرسطو أحر دفاع ثم تركها معلقة، ولكن أرسطو هو الذي ~~قال: إن الحقيقة الكاملة عسيرة المنال لا تنال إلا بتعاون الجهود، # 44 # وسبحان العليم الحكيم. # الفصل السادس # | الأخلاق # (69) الأخلاق ومنهجها ~~(أ) المعول في هذا الفصل على «الأخلاق النيقوماخية» وهي في عشر مقالات: الأولى في ~~غاية الحياة وهو بحث تمهيدي جدلي أي قائم على استقصاء الآراء وتمحيصها، ويتخلله ~~كلام في منهج هذا العلم لخصناه على حدة في هذا العدد. المقالة الثانية في الفضيلة. ~~والثالثة قسمان: الأول في الإرادة والاختيار وهما الأصل في الفضيلة، والقسم الآخر ~~بداية تفصيل القول في الفضائل والرذائل، ويستمر هذا التفصيل إلى نهاية المقالة ~~التاسعة. أما العاشرة والأخيرة فبحث ثان في غاية الحياة لا كما يرى السواد؛ بل كما ~~يرى الفيلسوف. ~~(ب) ينظر علم الأخلاق في أفعال الإنسان بما هو إنسان ويدبرها على هذا الاعتبار، ~~فهو علم عملي، والإنسان مدني بالطبع لا يبلغ إلى كماله إلا في المدينة وبمعونتها، ~~ولتدبير المدينة علم خاص هو العلم السياسي، فكما أن الفرد جزء من المدينة فإن علم ~~الأخلاق جزء من العلم السياسي، والعلم السياسي رأس العلوم العملية جميعا يستخدمها ~~لغايته وخيره: يستخدم فن الحرب والاقتصاد والبيان، ويستخدم علم الأخلاق لتقرير ما ~~يجب فعله وما يجب اجتنابه أي لتنظيم الحياة بالقانون، فغايته تشمل غايات العلوم ~~الأخرى، وهذه الغاية هي بعينها غاية الفرد وخيره إلا أنها أرفع وأجمل من حيث إنها ~~أوسع تمتد إلى الشعب بأكمله، # 1 # ولولا الحكومة لما أمكن تحقيق النظريات الخلقية، والناس في الأكثر لا ~~ينتفعون بالقول ولا يتجنبون الشر إلا خوفا من القصاص، إن العلل التي تعاون على ~~إحداث الفضيلة ثلاث: الطبيعة والعادة والتعليم، أما الأمزجة الطبيعية فلا تتعلق بنا ~~ولا حيلة لنا فيها، وأما التعليم فليس يفيد إلا إذا سبقه التحضير بالعادة أي ~~التربية، فإن العادة طبيعة ثانية وميل يتطلب الإرضاء، فمتى وجدت عادة الفضيلة ~~بالتربية أجدى التعليم وسهل الأخذ ms189 به، ولا يحسن القيام على التربية والتعليم غير ~~الدولة؛ لأنها هي الحاصلة على العلم بالخير الكلي الذي تصدر عنه القوانين، فيجب أن ~~تكون في الدولة قوانين تنظم تربية النشء وسيرتهم بل البالغين أيضا طول حياتهم، ~~أجل؛ إن للتربية المنزلية مزايا، فهي تقوم على المحبة الطبيعية بين الآباء ~~والأبناء، وتراعي الطبائع الفردية بدقة أكثر، ولكنها مع ذلك أدنى من تربية الدولة؛ ~~لأن للقوانين من القوة الرادعة ما لا يتفق للأب أو لأي فرد آخر، ولأن الوالدين ~~غالبا ما يكونان عاطلين من العلم اللازم، وإن افترضنا فيهم تجربة فإن هذه التجربة ~~لا تغني عن العلم، ولا يغني عنه جمع التجارب وانتقاء أحسنها؛ لأن هذا الانتقاء نفسه ~~يقتضي العلم بالكلي، فلأجل أن يكون علم الأخلاق تاما يجب الكلام في العلم السياسي. # 2 # هذا رأي أرسطو في علاقة الأخلاق بالسياسة يذكره في بدء الكتاب ويعود ~~إليه في ختامه، إن إخضاعه الأخلاق للسياسة بعيد كل البعد مما يفهم البعض، وإن أمكن ~~مناقشته فيما يخول الدولة من كفاية وسلطة مطلقتين، فلا يمكن الخلط بينه وبين ما ~~يذهب إليه بعض المحدثين وبخاصة الألمان منهم، من أن للدولة أخلاقا غير أخلاق ~~الفرد، فإن أرسطو يصرح بأن غاية الفرد وغاية المدينة شيء واحد، وينبذ قول ~~السوفسطائيين: إن الأخلاق وضعية متغيرة، # 3 # كما كان قد نبذه أفلاطون. ~~(ج) أما منهج هذا العلم فيجب أن يناسب موضوعه، وإذا نحن صرفنا النظر عن الأسس ~~الطبيعية للأخلاق وجدنا الأخلاق مختلفة متغيرة جدا، بحيث قد تبدو صادرة عن العرف ~~لا عن الطبيعة، ويشاهد مثل هذا الاختلاف أيضا في الخيرات التي يسعى الناس وراءها، ~~فما أكثر ما يلحقهم منها الأذى: بعضهم تهلكه الثروة، والبعض تهلكه الشجاعة، لذلك ~~كان هذا العلم من أعقد العلوم، ومن أقلها احتمالا للضبط، ومن أكثرها اقتضاء للخبرة ~~والحنكة، موضوعاته أمور هي كذا في الأكثر ويمكن أن تكون بخلاف، لا كالرياضيات التي ~~موضوعاتها كذا بالضرورة يتعلمها الحدث ولا يستطيع فهم الأخلاق، فيجب أن نقنع في هذه ~~الدراسة ببيان الحقيقة بالإجمال؛ لأننا إذ ms190 نتكلم عما يقع في الأكثر لا بد أن نتأدى ~~إلى نتائج من نفس الجنس، وليس يصلح الحدث لدراسة الأخلاق؛ لأن كلا إنما يحسن ~~الحكم فيما يعلم، والحدث يكاد يكون عديم الخبرة بأمور الحياة وهي مبادئ هذا العلم ~~ومادته، ثم إنه ميال لاتباع الأهواء، فإن استمع للدروس فلا يفيد منها، والغاية ها ~~هنا العمل لا العلم، وسواء في ذلك حدث السن وحدث الخلق، فإن النقص ليس آتيا من ~~الزمن بل من الجري وراء الأهواء والظواهر، أما الذين يضبطون شهواتهم وأفعالهم ~~فيربحون كثيرا من تحصيل هذا العلم. # 4 # يلزم مما تقدم أن المنهج المناسب هنا هو الذي يصعد إلى المبادئ (أي الاستقرائي) ~~لا الذي يصدر عنها (أي القياسي)؛ ذلك لأن المعاني الخلقية معقدة متغيرة كما قلنا ~~وليس من اليسير كشف العلة فيها، فيجب أن نبدأ بما هو أبين بالإضافة إلينا لا بما هو ~~أبين بالذات وأغمض بالإضافة إلينا، فنستقرئ الآراء الشائعة، ونستعين بحكمة الشيوخ، ~~وعلى الأخص بخبرة الفضلاء؛ لأن الرجل الفاضل الذي يعرف الخير بالتجربة أقدر على ~~اكتساب معرفة صريحة عن هذا الخير واستخلاص المبادئ الحاصل عليها ضمنا، # 5 # ومثل هذا المنهج لا يعدو الاحتمال كما سبق، فالأخلاق علم جدلي. # 6 # ويرى القارئ أن أرسطو يقصد بالأخلاق لا العلم النظري الذي يمكن أن يودع ~~الكتب ويعلم دون أن يتحقق بالفعل، بل العلم الحاصل في العقل مع حسن البصر بالظروف، ~~ومطاوعة الإرادة، وخضوع الشهوة، والاستعداد القريب للعمل، فإن العلم الأول لا يفهم ~~تمام الفهم إلا بهذه الشروط، فإن انعدمت كان صاحبه أشبه بالببغاء، لهذا نجده يقول: ~~إن الإنسان يجب أن يكون على شيء من الفضيلة؛ ليصير فاضلا، ولهذا نجد في كتابه إلى ~~جانب الاستدلالات الفلسفية كثيرا من الوصف والتصوير للتشويق والحث على المحاكاة؛ ~~فإن الوصف وسيلة للتهذيب أنجع من المبادئ متى كانت هذه قلقة الأساس كما هي عند ~~الكثيرين. ~~(70) غاية الحياة: بحث أول ~~(أ) «كل فن وكل فحص عقلي وكل فعل وكل اختيار مروي فهو يرمي إلى خير ما؛ لذلك رسم ~~الخير بحق ms191 أنه ما إليه يقصد الكل.» بهذه العبارة يستهل أرسطو الكتاب، ولا غرو فإن ~~الغائية إن كانت ظاهرة في الطبيعة فهي في الإنسان أظهر، ولما كان هذا العلم علما ~~عمليا وكان العمل متجها بالضرورة إلى تحقيق غاية لولاها لما فعل الفاعل، فمن ~~الطبيعي أن يبدأ البحث بمحاولة تعيين غاية الحياة، نقول «غاية الحياة»؛ لأن الغايات ~~وإن تعددت فهي مرتبة فيما بينها، يخضع بعضها لبعض ويؤدي إليه، ولا بد من الوقوف عند ~~حد في سلسلتها أي الانتهاء إلى غاية قصوى لها قيمتها بذاتها وتتوجه إليها الأفعال ~~جميعا، هذه الغاية هي من غير شك الخير الأعظم، وإن معرفتها لتهمنا إلى أكبر حد؛ ~~لأن على معرفة الخير يتوقف توجيه الحياة. # 7 ~~(ب) ويذهب كافة الناس إلى أنها السعادة، ولكنهم يختلفون في فهم السعادة، وهم إنما ~~يحكمون عليها عادة بحسب السير، والسير ثلاث: سيرة اللذة وسيرة الكرامة السياسية ~~وسيرة النظر أو الحكمة، أما اللذة فغاية العبيد والبهائم وهي حياة العوام الأجلاف، ~~إلا أنه يجب النظر فيها وعدها من الخيرات؛ لأن كثيرا من أهل المناصب يطلبونها هم ~~أيضا، وأما الكرامة السياسية فيطلبها الممتازون النشيطون، ولكنها في الحقيقة ~~متعلقة بالذي يوليها أكثر منها بالذي يتقبلها، والخير يجب أن يكون ذاتيا لا يمنح ~~ولا ينتزع، ثم إن طالبها يريدها ليقتنع بفضله، فهو يطلب التكريم من العقلاء ومن أهل ~~بيئته، ويطلبه لفضل أي كمال في نفسه، فالفضيلة خير من الكرامة وألصق بالنفس، ولكن ~~الفضيلة هي أيضا لا تكفي؛ إذ قد تنزل بصاحبها المحن وتنتابه الآلام فتنغص عليه ~~سعادته، تبقى الحكمة، وأرسطو يرجئ الكلام عليها - لأن هذا البحث تمهيدي جدلي كما ~~أسلفنا - ويقول: إنه لم يحص الغنى بين السير والخيرات؛ لأن الغنى وسيلة وليس غاية، # 8 # ثم يقول: «لندع هذا جانبا وقد يكون أولى بنا أن نفحص عن الخير الكلي، ~~ولو أن مثل هذا الفحص أمر دقيق؛ لأن أصحاب المثل أصدقاؤنا، غير أن كلا يعترف بلا ~~شك أن الأفضل بل الواجب التضحية بأعز الأشياء دون الحقيقة وأن هذا على الفيلسوف ms192 ~~أوجب، فمع أن الصداقة والحقيقة عزيزتان علينا فالواجب المحقق إيثار الحقيقة.» ويحشد ~~أرسطو على نظرية الخير الكلي اعتراضات لا نرى إلا أنها جدل متعمل، وأهمها اثنان: ~~الواحد أن الخير كالوجود مقول على المقولات جميعا، فلا يمكن أن يكون شيئا كليا ~~وواحدا، ولا وجب أن يقال على مقولة واحدة فقط، وهذا اعتراض مردود بإقرار أرسطو ~~نفسه أن كل ما يقال على كثيرين إنما يقال أولا وبالذات على طرف واحد بعينه (65-ب ) ~~فإن وجد الموجود الأعظم كان هو الخير الأعظم وأطلق الخير على ما عداه بالمماثلة كما ~~يطلق الوجود (55-أ، 65-ب) وكما يشير إليه أرسطو في آخر الفصل الذي نحن بصدده، ولكنه ~~لا يكاد يشير حتى يرجئ القول إلى علم آخر كأنه يتهرب. الاعتراض الآخر: لو سلمنا ~~بالخير مثالا مفارقا كان من الواضح أن الإنسان لا يستطيع أن يحصل عليه، ونحن إنما ~~نبحث عن الخير الذي يمكن تحقيقه واكتسابه، وأي فائدة يرجو الحائك أو النجار لفنه من ~~معرفة الخير بالذات؟ # 9 # نقول من جهة: إن أفلاطون قد بين أن السعادة إنما تحقق بتأمل الخير ~~الأعظم والاتحاد به، وسنرى أن السعادة عند أرسطو تبقى معلقة؛ لأنه لم يعين لها ~~موضوعا كفؤا لها كما فعل أفلاطون، ونقول من جهة أخرى: إن الفلسفة الخلقية لا تبحث ~~في خير الإنسان من حيث هو نجار أو حائك أو طبيب؛ بل من حيث هو إنسان، وإذن فمعرفة ~~الخير الأعظم هامة بل ضرورية كما ذكرنا عنه الآن. ~~(ج) ما هو إذن خير الإنسان؟ يجب أن يتوفر فيه شرطان: الأول أن يكون غاية قصوى أو ~~خيرا تاما لذاته ولا يكون وسيلة لغاية أبعد. والثاني أن يكون كافيا بنفسه أي ~~كفيلا وحده أن يسعد الحياة دون حاجة لخير آخر، وهذان الشرطان متحققان في السعادة؛ ~~فإن الخيرات التي ذكرناها إنما يطلبها الناس لأجل السعادة ولا يطلبون السعادة لشيء ~~آخر، فالسعادة هي هذا الخير، وفيم تقوم سعادة الإنسان؟ لكل موجود وظيفة يؤديها، ~~وكمال الموجود أو خيره يقوم في تمام تأدية وظيفته، وللإنسان بما ms193 هو إنسان وظيفة ~~خاصة يمتاز بها من سائر الموجودات، ليست هي الحياة النامية ولا الحياة الحاسة ~~ولكنها الحياة الناطقة، وإذن فخير الإنسان يقوم بمزاولة هذه الحياة على أكمل حال؛ ~~أي إن السعادة في عمل النفس الناطقة بحسب كمالها، فإن كانت هناك كمالات عدة فبحسب ~~أحسن كمال؛ وذلك طول الحياة، فإنه كما أن خطافا واحدا لا يبشر بالربيع ولا يوما ~~واحدا «معتدل الهواء» فكذلك السعادة ليست فعل يوم واحد ولا مدة قصيرة من الزمان. # 10 # هذه النتيجة التي وصلنا إليها بالاستدلال مطابقة للآراء الشائعة بين العامة ~~والفلاسفة أيضا؛ ذلك بأن الخيرات تقسم عادة إلى خيرات خارجية وخيرات النفس وخيرات ~~الجسم مع اعتبار خيرات النفس أكثر تحقيقا لمعنى الخير، ونحن قد وضعنا السعادة ~~فعلا نفسيا، ويعتقد الناس أن السعادة تقوم في الكمال بالإجمال أو في كمال جزئي ~~مثل الحكمة أو في الكمالات جميعا مع اللذة والنجاح الخارجي، وحدنا السعادة مطابق ~~لهذه الاعتقادات فقد عرفناها العمل بحسب الكمال وهذا العمل مصدر لذة حقيقية، ونحن ~~نعترف بضرورة النجاح الخارجي للسعادة من حيث إنه من الممتنع أو على الأقل من العسير ~~أن يصنع الإنسان الخير إذا كان معدما، وأن الأصدقاء والمال والنفوذ السياسي وسائل ~~أفعال كثيرة. # ثم إن الحسب والذرية السعيدة وجمال الخلقة عناصر للسعادة إن عدمت أفسدتها؛ إذ ليس ~~يمكن أن يكون إنسان تام السعادة وهو كريه الصورة أو وضيع الأصل أو وحيد في الدنيا ~~ليس له بنون، وأشد وطأة على السعادة فجور الأبناء أو الأصدقاء أو موتهم إن كانوا صالحين. # 11 # ويعتقد الناس أن السعادة يجب أن تكون ثابتة، فهل المقصود أن ننتظر موت ~~الإنسان لنستطيع أن نعلن أنه قد بلغ إلى السعادة حقا؟ ولكنا قد عرفنا السعادة ~~بأنها العمل الكامل ومثل هذا العمل ثابت كما سنبين - في العدد الآتي - وإذن ~~فالسعادة ثابتة، وقد يسطع جمال الحياة الفاضلة في المصائب، والرجل الفاضل أسعد من ~~الشرير أيا كانت الظروف فإنه يأتي في كل حالة أجمل ما تسمح به ظروفه من أفعال، ~~وفضيلته هي السعادة ms194 الجوهرية وما عداها من خيرات فهو سعادة عرضية. # 12 # إلى هذا ينتهي أرسطو في فحصه الجدلي، وقد كان اليونان يؤلفون السعادة ~~من الخيرات جميعا فيجعلونا نادرة بل مستحيلة، فميز هو بين الجوهري والعرضي وقصر ~~السعادة على خير النفس باعتباره خير الإنسان بما هو إنسان، مع تقديره للخيرات ~~الجسمية والخارجية كسائر اليونان، ولم يخالفهم فيما عينوه للسعادة من خصائص وشرائط ~~ولكنه بين أنها تنطبق على حده هو ولا تنافيه فجاءت محاولته هذه مثالا جدليا في ~~تحويل الآراء العامة إلى الوجهة الصحيحة كما كان يفعل سقراط، واستخلاص مبدإ العلم ~~من الأقوال المأثورة. ~~(71) الفضيلة ~~(أ) ليست الفضيلة طبيعية وإنما الطبيعي فينا قوى واستعدادات، وتكتسب الفضيلة ~~بمعاونة الطبيعة أي بطبعها على حالات معينة، فالفضيلة تتعلم كما يتعلم أي فن بإتيان ~~أفعال مطابقة لكمال ذلك الفن، وتفقد الفضيلة بإتيان أفعال مضادة، والأفعال المطابقة ~~تخلق ملكات أو قوى فعلية تجعلنا أقدر على إتيانها، وبهذا يبدو ما للتربية من أهمية كبرى، # 13 # كيف تنشأ هذه الملكات؟ يجب أن يلاحظ أنه في كل فن عملي كالطب مثلا ~~النظر غير كاف بإزاء الحالات الجزئية، ولا بد من ملاءمة يقوم بها صاحب الفن بين ~~النظر والجزئيات بإشراف العقل، ويجب أن يلاحظ أيضا الأشياء التي نجني منها الخير ~~قد تضرنا حين نستعملها بإفراط أو تفريط: فالغذاء المفرط والغذاء غير الكافي يمنعان ~~الصحة على السواء، بينا الغذاء المعتدل يحدثها وينميها. # وكذلك الحال فيما يختص بالنفس؛ فإن الإفراط في التعرض للمخاطر يجعل الإنسان ~~متهورا، وقلة التعرض لها يجعله جبانا، وكلاهما يمنع الشجاعة التي إنما تنشأ وتبقى ~~وتنمو بالممارسة المعتدلة للخطر، والممارسة شرط نمو الملكة واستقرارها في الفضيلة ~~وفي كل فن، والفعل الذي يصير الإنسان شجاعا مثلا هو شبيه بالفعل الذي يصدر عن ~~فضيلة الشجاعة شبها ظاهريا فقط؛ لأن الشجاع هو الحاصل على كمال الشجاعة وهو أقدر ~~سيطرة على أفعاله، فليست توجد الفضيلة حقا إلا إذا صارت ملكة أو عادة وصدرت عن ~~الملكة بمثل ما يصدر به الفعل عن الطبيعة من سهولة، ولا يعد ms195 الرجل عدلا أو عفا ~~حقا إلا إذا عدل أو عف من غير عناء بل بلذة، نعم بلذة؛ فإن علامة لا تخطئ على ~~مبلغ استعداد المرء للفضيلة هو ما يشعر به من لذة أو ألم حين يأتي أفعالا مطابقة ~~لها، ليست اللذات والآلام خارجة عن الفضيلة مهما يظن البعض: إنها ترشدنا في أفعالنا ~~وتصاحب هذه الأفعال، والمؤدبون يحرصون على استخدامها وسيلة للتهذيب، وليس من ينكر ~~أن الإسراف في طلب اللذة هو الذي يصيرنا أراذل لا اللذة نفسها، فأن نلذ فيما ~~ينبغي وحين ينبغي، وأن نألم أو نهرب من الألم فيما ينبغي وحين ينبغي، كل أولئك ~~فضيلة؛ إذ إن الميول ليست بخير ولا شر بالذات ولكنها وسائل للعمل تصير خيرة باتباع ~~العقل وشريرة بعصيانه، # 14 # وكون الفضيلة ملكة يستتبع أنها كالفن كيفية للفاعل فوق أنها كيفية ~~للفعل، مع هذا الفارق وهو أن الآية الفنية لكي تدعى كذلك يكفي أن تحقق بعض كيفيات ~~لا تتطلب في الفنان أكثر من علمه بما يفعل، بينما الفضيلة تتطلب علاوة على ذلك وقبل ~~كل شيء أن يحقق الفاعل في نفسه شرطين آخرين هما: استقامة النية أي اختيار الفعل ~~لذاته، والمثابرة أي صدور الفعل عن ملكة ثابتة، ومن يتوهم أن المثابرة غير لازمة ~~للحصول على الكمال مثله مثل المريض الذي يريد الشفاء ولا يستعمل وسائله. # 15 ~~(ب) بعد هذه التمهيدات يعرف أرسطو الفضيلة بأنها استعداد ما بإزاء الانفعالات ~~ناشئ عن نمو قوة بالمران، وبيانه أن كل فعل إنما تسبقه قوة من نوعه، والفضيلة قوة ~~الفعل الخلقي ولكنها ليست مجرد قوة وليست انفعالا مؤقتا كالغضب أو الشفقة، وإنما ~~هي استعداد أو ملكة أو حال مكتسبة بالمران وموقف دائم بإزاء الشهوات من حيث إن ~~التكرار يولد طبيعة ثانية، # 16 # على أن قولنا: إن الفضيلة ملكة أو كيفية للنفس يعطينا الجنس فقط، فما ~~هو الفصل النوعي؟ ما هو موقف الفضيلة بإزاء الشهوات؟ هو أن تختار الوسط العدل بين ~~إفراط وتفريط كلاهما رذيلة، وليس هذا الوسط كالوسط الرياضي الذي نعنيه في المقدار ms196 ~~المتصل على مسافة واحدة من طرفين فلا يتغير، وإنما هو وسط بالإضافة إلينا متغير ~~تبعا للأفراد والأحوال: فمثلا الوسط الحقيقي بين الحد الأقصى والحد الأدنى لما ~~يستطيع الإنسان أن يتناوله من غذاء يزيد على حاجة المبتدئ بالرياضة ويقل عن حاجة ~~المصارع؛ فالتزام الوسط الفاضل يجب أن يراعى فيه «من وأين ومتى وكيف ولم». # 17 # وعلى ذلك فالفضيلة «ملكة اختيار الوسط الشخصي الذي يعينه العقل بالحكمة» فإن ~~الشهوة ليس لها بذاتها حد تلتزمه؛ فالعقل هو الذي يعين الحد، وهذا هو الفارق بين ~~الفضيلة والرذيلة، وهذا التعيين قد يقوم به الفاعل وقد يدله عليه غيره، ولكن الحال ~~الأول أكمل، ولا تكون الفضيلة فضيلة بمعنى الكلمة إلا إذا صدر الحكم فيها عن عقل ~~صاحبها واتبعته إرادته، على أن الفضيلة إن كانت من حيث الماهية وسطا بين طرفين ~~مرذولين، فإنها من حيث الخير حد أقصى وقمة؛ إذ إن الوسط هو ما تحكم الحكمة بعد ~~تقدير جميع الظروف أنه ما يجب فعله «هنا والآن» فهو خير بالإطلاق، ومما تجب ملاحظته ~~أيضا أن من الأفعال والانفعالات ما لا يحتمل الوسط، فإن من الانفعالات «كالحسد ~~والغيرة» ومن الأفعال «كالسرقة والقتل» ما مجرد اسمه يدل على إثم وما هو مذموم بلا ~~استثناء وأيا كانت الظروف؛ لأنها رذائل بالذات لا بسبب الإفراط فيها أو التفريط، ~~هي شرور قد تتفاوت في الشر لكن لا في الإفراط والتفريط الواقعة بينهما الفضيلة، فهي ~~إذن غير قابلة للوسط الفاضل، كما أن مثل هذا الوسط لا يوجد بين خيرين الواحد أكبر ~~والآخر أصغر من حيث إن الفضيلة قمة في الخير كما قلنا، # 18 # وإذا تدبرنا هذه التحديدات اقتنعنا أن الذين ينقدون نظرية الفضيلة عند ~~أرسطو ما يزالون يتوهمونها وسطا حسابيا أو شيئا بين بين وموقفا هينا لينا في ~~حين أنها حد أقصى ليس بعده زيادة لمستزيد، ومما يدل على أن الوسط الفاضل اعتباري لا ~~رياضي حتى مع غض النظر عن الشخص وظروفه هو أنه أميل لأحد الطرفين منه للآخر، مثل ~~الشجاعة فهي أقرب للتهور ms197 منها للجبن، ومثل السخاء فهو أقرب للتبذير منه للبخل، ومثل ~~العفة فهي أقرب لجمود الشهوة منها للشره، # 19 # وكون الفضيلة مثل هذا الوسط يجعل ممارستها أمرا دقيقا صعبا، والسبيل ~~إلى إصابة الوسط هو الذهاب إلى الطرف الأقرب إليه ثم معالجة النفس حتى تعود إلى الوسط. # 20 ~~(72) الإرادة ~~(أ) عرفنا للآن أن الفضيلة ملكة تقوم في وسط، ولكنها ملكة اختيار؛ فيتعين علينا ~~أن نفحص عن هذا الجزء من أجزاء التعريف، وهناك معنى أعم نقدمه عليه هو معنى الفعل ~~الإرادي، فإن الاختيار صادر عن الإرادة، ولكن ليس كل فعل إرادي اختيارا، الفعل ~~الإرادي هو الصادر عن معرفة ونزوع، فاللاإرادي هو الذي ينقصه أحد هذين الشرطين ~~فيأتي إما معارضا للنزوع وهو الفعل القسري اللازم من إكراه خارجي؛ وإما خلوا من ~~المعرفة وهو الناشئ من الجهل، أما الأفعال التي نأتيها عن خوف اتقاء شر أعظم أو ~~ابتغاء خير أعظم فهي مزاج من الإرادي واللاإرادي، ولكنها إرادية أكثر منها لا ~~إرادية؛ هي إرادية لأن صاحبها يريدها ويفعلها؛ طلبا للغاية مثل إلقاء البضائع في ~~البحر ابتغاء النجاة من العاصفة. وهي لا إرادية لأن أحدا ليس يريدها لذاتها وبغض ~~النظر عن الظروف؛ أي هي إرادية بالإطلاق ولا إرادية بالإضافة، وعلى ذلك فالذي يفعل ~~ما لا ينبغي تحت تأثير الخوف إن كان فعله ذنبا خفيفا يأتيه اتقاء شر يفوق الطاقة ~~البشرية فهو معذور، أما إن كان فعله ذنبا ثقيلا فليس يعذر مهما يكن الدافع له؛ ~~فإن من الأفعال ما العذاب بل الموت خير من ارتكابه. واللاإرادي الناشئ من الجهل هو ~~الذي يفعل مع جهل المفعول أو جهل ظرف من ظروفه بحيث لو علم الفاعل هذا أو ذاك لما ~~فعل، وعلامته أنه يثير الأسف في نفس الفاعل «كما لو أصاب إنسان إنسانا ظانا أنه ~~يرمي حيوانا، فإذا كان المقتول عدوا يلتمس قتله فإن الجهل هنا لا يحيل الفعل لا ~~إراديا إلا من حيث إن المجهول ليس مرادا بالفعل مع كونه مرادا بالقوة؛ لذلك هو ~~لا يثير أسفا ولا ألما»، ms198 وليس سواء الفعل عن جهل أي بسبب الجهل والفعل جهلا أي ~~جهل الفاعل ما يفعل، فمثلا السكران والغضبان يفعلان أمورا كثيرة جهلا، لكن لا عن ~~جهل بل عن غضب أو سكر، وكل من السكر والغضب علة في أن صاحبه يجهل ما يفعل ويفعل ما ~~يجهل، فالجهل مصاحب للفعل وليس علته، والفعل مع هذا الجهل فعل لا إرادي، وإذا كان ~~الفاعل عامدا في جهله كان فعله إراديا؛ لأن جهله إرادي. # 21 ~~(ب) والاختيار أضيق من الإرادي أي إنه نوع تحت جنس، فإن أفعال الأطفال والحيوانات ~~وأفعالنا الفجائية إرادية كلها ولكنها ليست نتيجة اختيار، ويفترق الاختيار عن ~~الإرادة من وجهين: أحدهما أن الإرادة اشتهاء والاختيار تقرير ما يفعل بعد مشورة، ~~وموضوع المشورة هو الممكن في ذاته وبالإضافة إلينا، فإنه إلى جانب ما في العالم من ~~أمور ضرورية يوجد مجال للإمكان وتوجد أمور لا تقع دائما على نحو واحد فتعينها ~~الإرادة بالمشورة، وعلى ذلك قد نريد المستحيل أو نريد ممكنا لا يتعلق بفعلنا ~~الشخصي، ولكنا لا نستطيع اختيارهما. الوجه الآخر أن موضوع الإرادة الغاية، وموضوع ~~الاختيار الوسائل؛ «فإن المشورة لا تكون إلا بحث الإرادة للعقل، ولا تحث الإرادة ~~العقل إلا إذا كانت متوخية غاية، فإن وضعت الغاية موضع مشورة صارت وسيلة لغاية ~~أبعد، وهكذا إلى أن تنتهي إلى غاية أخيرة هي موضوع إرادة»، فالغاية مرفوضة دائما، ~~والمشورة بحث في اختيار الوسيلة إليها. ويفترق الاختيار أيضا عن الحكم النظري؛ ذلك ~~أن الحكم يتناول الأشياء جميعا؛ الممكن منها والضروري والممتنع، أما الاختيار فليس ~~يقع إلا على الجزئي الممكن الذي في مقدورنا كما أسلفنا، ثم إن الحكم ينقسم إلى صادق ~~وكاذب، أما الاختيار فإلى حسن وقبيح، وأخيرا لو كان الاختيار والحكم واحدا لكان ~~الذي يحسن الحكم يحسن الاختيار أيضا، والواقع يدل على خلاف ذلك أحيانا كثيرة بسبب ~~فساد الخلق، وهذا ما أغفله سقراط وأفلاطون. # 22 # وتمر الإرادة في الاختيار بمراحل؛ هي: اشتهاء الغاية، فالمشورة أو الموازنة بين ~~الوسائل، فإدراك الوسيلة الملائمة «هنا والآن»، فاختيار الإرادة هذه ms199 الوسيلة، ~~فالفعل، وعلى ذلك فلا تكون المشورة إلا في حالة الإمكان وعدم التعيين، وهي تركب ~~أقيسة عملية مقدمتها الكبرى قاعدة، مثل: «اللحوم الخفيفة صحية.» والصغرى إدراك: ~~«هذا اللحم خفيف.» والنتيجة الحكم العملي المؤدي مباشرة إلى الفعل «أو الترك إن ~~كانت إحدى المقدمتين سالبة»، فالاختيار هو «الاشتهاء المروي لأشياء هي في مقدورنا» ~~أو هو «العقل المشتهي أو الشهوة العاقلة» لا بمعنى أن الاختيار هو الشهوة + العقل ~~بل بمعنى أنه يتضمن الاثنين متفاعلين أي الشهوة يقودها العقل أو العقل تستحثه الشهوة. # 23 # وموضوع الإرادة هو دائما الخير بإطلاقه أي ما يلوح للشخص أنه خير، ~~والرجل الفاضل يعرف أن يميز الخير الحقيقي ويؤثره، والرجل الشرير يقع غالبا على ~~الخير الظاهر؛ لأن رائده اللذة والألم، يتوهم اللذة خيرا والألم شرا فيسيء الاختيار. # 24 # ينتج من كل ما تقدم أن الفضيلة إرادية وهذا مما لا شك فيه، فالرذيلة ~~إرادية كذلك؛ لأنه إذا كان الفعل متعلقا بنا فالترك متعلق بنا أيضا، والإنسان رب ~~أفعاله صالحة وطالحة: يشهد بذلك الضمير وتصرف المشرعيين في توزيع المكافآت وتوقيع ~~العقوبات وتقدير ظروف الحرية والإكراه والجهل غير المقصود. ~~(73) الفضائل ~~(أ) لما كانت الفضيلة تمام تأدية القوة لوظيفتها، وكان الإنسان عقلا ونزوعا ~~يطيع العقل أو يعصاه فقد انقسمت الفضائل إلى عقلية وخلقية، ويبدأ أرسطو بالثانية؛ ~~لأنها تكتسب قبل الأولى بالتربية والاعتياد، ولأنها هي التي تسمح للعقل بتحصيل ~~كماله الخاص، ويسرد أرسطو عددا منها ويصنفها نوعا من التصنيف قائما على ~~الانفعالات والأفعال لا على قوى النفس كما فعل أفلاطون، فيدخل في جدوله الفضائل ~~المذكورة عند أفلاطون إلى جانب فضائل أخرى، وهذا هو ملخص الجدول: ~~(1) # بالإضافة إلى الخوف والجرأة: الوسط الشجاعة، وله إفراطان واحد سببه ~~انتفاء الخوف وليس له اسم في اللغة، وآخر ناشئ من الجرأة وهو التهور، ~~أما التفريط فهو الجبن؛ أي فرط الخوف وانعدام الجرأة. ~~(2) # بالإضافة إلى بعض اللذات وإلى بعض أقل من الآلام: الوسط الاعتدال، ~~والإفراط الشره، والتفريط وهو الإسراف في اجتناب اللذات نستطيع أن ~~نسميه جمود الشهوة؛ إذ لم يوضع ms200 له اسم؛ لندرة أصحابه. ~~(3) # بالإضافة إلى الخيرات الخارجية: ~~(أ) # عند الرجل قليل المال: الوسط السخاء، والإفراط التبذير، ~~والتفريط البخل. ~~(ب) # عند الثري: سخاؤه المتناسب مع ثروته يسمى الأريحية وهي ~~وسط بين إفراط هو الزهو أو الفخفخة، وتفريط هو ~~التقتير. ~~(4) # بالإضافة إلى الكرامة: ~~(أ) # في الكرامات العالية: الوسط كبر النفس، والإفراط شيء قد ~~نسميه النفخة، والتفريط الهوان. ~~(ب) # في الكرامات الأدنى أهمية: الوسط لا اسم له، أو هو الطمع ~~دون دعوى، والإفراط الطمع «مع الدعوى»، والتفريط لا اسم ~~له، أو هو عدم الطمع. ~~(5) # بالإضافة إلى الانفعالات: الوسط الوداعة، والإفراط الحدة، والتفريط ~~الخمود. ~~(6) # بالإضافة إلى العلاقات الاجتماعية بالأقوال والأفعال: ثلاث ملكات ~~واحدة موضوعها الحقيقة في أقوالنا وأفعالنا، واثنتان موضوعهما الانبساط ~~في أوقات اللهو أو في الحياة الجارية: ~~(أ) # ففيما يختص بالحقيقة الصراحة أو الصدق وسط بين تصنع ~~بإفراط هو النفج أو تكبير الأمور وافتخار المرء بما ليس ~~فيه، وتصنع بتفريط هو التعمية أو تصغير الأمور. ~~(ب) # وفيما يختص باللهو الوسط الدعابة، والإفراط المجون، ~~والتفريط الفظاظة. ~~(ج) # وفيما يختص بالحياة الجارية أي بالانبساط المستديم الوسط ~~الصداقة وله إفراطان واحد مع نزاهة هو ولع الإرضاء، وآخر ~~يراد به نفع ذاتي هو الملق، والتفريط الشراسة. ~~(7) # بالإضافة لا إلى الشهوات بل إلى ما يتصل بها فلا يعد فضيلة أو رذيلة ~~بالذات ولكنه يمدح أو يذم لاتصاله بالشهوات التي هي موضوع الفضيلة ~~والرذيلة والمدح والذم: الوسط الحياء، والإفراط الوجل أو الاحمرار من ~~كل شيء، والتفريط السفه أو القحة. ~~(8) # بالإضافة إلى انفعالنا بما يقع للغير: الوسط روح العدالة وصاحبه يحزن ~~للخير وللشر يصيبان غير أهل، والإفراط الحسد يحزن صاحبه لكل خير، ~~والتفريط الفرح السيئ للشر غير المستحق. ~~(9) # أما العدالة فتقال على أنحاء، لذلك سنبين فيما بعد الوسط في كل قسم ~~من أقسامها. # 25 # ونحن نجتزئ بما تقدم فإن تحليلات أرسطو وتمييزاته الدقيقة تقرأ ولا تلخص، ولكنا ~~نقول كلمة في العدالة وعليها تدور المقالة الخامسة بأكملها. ~~(ب) للفظ العدالة معنيان: فهو قد يعني المطابقة للقانون الخلقي، وقد يعني المساواة، ms201 ~~وبالمعنى الأول العدالة مرادفة للصلاح وللفضيلة كما هي عند أفلاطون فهي العدالة ~~«الكلية»، وبالمعنى الثاني هي فضيلة خاصة «جزئية» ملحوظ فيها علاقة الفرد بأمثاله، ~~وإنما أتى اشتراك اللفظ من أن الإنسان مدني بالطبع وأن سيرته لا بد أن تمس المجتمع ~~فتلائمه أو تفتات عليه، فالرجل الصالح أو الفاضل عدل بهذا المعنى والشرير ظالم بهذا ~~المعنى، إلا أن لفظ العدالة يتعلق بما لكل فضيلة من ناحية اجتماعية بينما لفظ ~~الفضيلة لا يتضمن بالذات هذه الناحية. # 26 # والعدالة الجزئية نوعان: توزيعية وتعويضية، ترجع الأولى للدولة وتتولى قسمة ~~الأموال والكرامات بين المواطنين، وترجع الثانية للقضاء وتتولى تعويض المظلوم من ~~الظالم؛ وذلك إما في المعاملات الإرادية أي الناشئة عن إرادة الطرفين كالبيع ~~والشراء والإقراض وما إليها، وإما في المعاملات غير الإرادية كالسرقة والاعتداء، # 27 # وسميت هذه العدالة تعويضية؛ لأن مهمة القاضي في الحالين رد الأمور إلى ~~نصابها والتعويض عن الغبن، وقد كان اليونان ينظرون إلى المعاملات غير الإرادية من ~~هذه الوجهة، وكذلك يفعل أرسطو، أما كونها جنحا وجرائم فهي ذنوب ضد الدولة لا ضد ~~أفراد وتدخل في العدالة الكلية. والمبدأ واحد في أقسام العدالة الجزئية وهو ~~المساواة، إلا أن المساواة في التوزيعية قائمة بالنسبة الهندسية، وفي التعويضية ~~بالنسبة الحسابية؛ ذلك أن التوزيعية تراعي فضل الأفراد فتعطي كلا على قدر فضله ~~بينما التعويضية تلحظ الظلم الواقع فقط وتعتبر الطرفين متساويين فتأخذ الظالم بمثل ~~ما أخذ به غريمه؛ وهي وإن شذت عن قانون الوسط الاعتباري من حيث موضوعها المعين ~~تعيينا حسابيا إلا أنها مطابقة له من حيث الفاعل، فإن العدالة فيه وسط بين الظلم والانظلام. # 28 # وثمة نوع من العدالة أسمى من عدالة القانون هو «الإنصاف» وهو تصحيح ~~القانون حيث يهن القانون لعمومه: ذلك أن القانون عام بالضرورة ينص على ما يقع في ~~الأكثر ولا يدعي الإحاطة بجميع الحالات، وقد تعرض حالات لو طبقنا عليها النص العام ~~لبدا حكمنا جائرا، فالمنصف يقيم نفسه مكان الشارع ويستوحي روحه فيصحح نصه ويقضي ~~كما كان الشارع يقضي لو كان ms202 حاضرا. # 29 ~~(ج) وموضوع المقالة السادسة الفضائل العقلية، ويتعين النظر في هذه الفضائل ~~لسببين؛ الأول: أنا عرفنا الفضيلة أنها العمل بمقتضى الحكمة، وعرفنا الرجل ~~الفاضل أنه الذي يعمل بموجب القاعدة القويمة، وتقرير هذه القاعدة فعل عقلي والحكمة ~~ملكة عقلية فيجب أن نفحص عنها؛ ليتم لنا معرفة حد الفضيلة. السبب الثاني أنا ~~عرفنا السعادة أنها فعل النفس طبقا لأشرف فضيلة، فإذا أردنا أن نعلم ما هي ~~السعادة وجب علينا أن ننظر في الفضائل العقلية كما نظرنا في الفضائل الخلقية وأن ~~نفحص عن أحسن فضيلة بين فضائل الطائفتين. # نقول إذن: العقل على ما هو معلوم نظري موضوعه الكلي الضروري، وعملي أو «حاسب» ~~موضوعه الوسائل الجزئية لإرضاء الشهوة المستقيمة، ويشترك العقلان في أنهما يطلبان ~~الحقيقة لكن النظري يطلب الحقيقة الدائمة والعملي يطلب الحقيقة في موقف ما لذلك كان ~~هو الذي يحرك ويدفع إلى العمل، ويختلف العقلان في منهج البحث، فإن النظري ينزل من ~~المبادئ إلى النتائج، ويترقى العملي من آخر نتيجة إلى أعلى مبدإ، أي إن آخر طرف يصل ~~إليه النظري هو أول وسيلة يدركها العملي، فمثلا العقل النظري يعلم أن الصحة تقوم ~~في نسبة ما بين أخلاط الجسر وأن هذه النسبة متوقفة على وجود مقدار ما من الحرارة أو ~~البرودة في الجسم وأن هذا المقدار متعلق بحالة هذا العضو أو ذاك، وأن هذه الحالة ~~يحدثها دواء معين، فلأجل تحقيق الصحة ما علينا إلا أن نعود القهقرى فنرى الدواء ~~وسيلة لإحداث حالة ما في عضو ما، وهذه الحالة سببا في زيادة حرارة الجسم أو ~~برودته، وهذه الزيادة سببا في النسبة المطلوبة للصحة. # 30 # والفضائل العقلية هي: العلم والفن والحكمة العملية والفهم والحكمة النظرية، العلم ~~معرفة الكلي الضروري، ولما كانت هذه المعرفة تكتسب بالبرهان كان العلم الملكة التي ~~تؤهلنا للبرهنة، وللبرهان مبادئ أولى يدركها العقل بالفهم بعد استقراء جزئيات، وهذا ~~الاستقراء يختلف عن الاستقراء المنطقي التام والناقص في أن موضوعه أعم وأن نتيجته ~~بينة بنفسها، ومن فهم المبادئ الأولى ومن العلم في أعلى الموضوعات ms203 تتألف الحكمة ~~النظرية، أما الفن فهو الملكة التي تؤهلنا لأن نحدث مصنوعات طبقا لقواعد محكمة، ~~وأما الحكمة العملية فهي ملكة المشورة الجيدة في الأشياء الحسنة والرديئة بالإضافة ~~إلى الإنسان بما هو إنسان، وهذه الملكة يمكن أن تفسد باللذة والألم، أما الملكة ~~النظرية فلا؛ وذلك لأن الرذيلة إنما تتوخى اللذة وتهرب من الألم فتلاشى «المبدأ ~~الأول» أي المقدمة الكبرى في القياس العملي المستقيم وهي «أن غاية العمل الخير» ~~وتحول دون أن نعرف الموضوعات التي يجب أن توجه إليها الحياة، والحكمة العملية إذا ~~تناولت شئون الدولة فهي «العلم السياسي»، ويجب أن تتناول هذه الشئون ؛ لأن الفرد لا ~~يستطيع أن يحيا حياة كاملة في دولة ناقصة، والعلم السياسي يشمل التشريع ووظيفتين ~~خاضعتين للتشريع هما الشورى والقضاء، والحكمة العملية تتضمن الفضيلة، والفضيلة ~~تتضمن الحكمة العملية؛ لأن الفضيلة بمعنى الكلمة ليست العمل تبعا لاستعداد طيب أو ~~طبع عفيف ولكنها عمل الخير؛ لأنه الخير؛ أي مع معرفته ومعرفة أصوله ونتائجه؛ لذلك ~~كان الذي يعمل الخير بناء على إشارة آخر أدنى من الذي يعمله بناء على حكمته ~~الخاصة، والحكمة العملية تتضمن الفضائل جميعا؛ فإن غايتها قيادة الإنسان نحو خيره ~~الأعظم، وموضوعها تدبير القوى والانفعالات بما يحقق هذه الغاية، فمتى وجدت قضت في ~~كل الأمور على نحو واحد بحيث لا يكون إنسان فاضلا في ناحية رذيلا في ناحية أخرى ~~إلا في الظاهر فقط وتكون فضيلته المزعومة صادرة من غير الحكمة العملية. ~~(د) هذا التمييز بين العقلين والحكمتين يسمح بحل الإشكال الذي أثاره سقراط حين ~~قال: «الفضيلة علم والرذيلة جهل.» وكان سقراط قد اصطدم بحقيقة واقعة هي أن كثيرين ~~يأتون الشر مع علمهم بالخير، فارتأى أن علمهم ظن وأنهم إنما يخالفون الظن، ولكن ~~ميزة العلم عنده وعند أفلاطون أنه مصحوب باعتقاد قوي، ومثل هذا الاعتقاد قد يصاحب ~~الظن؛ فإذا كان أهل الظن يخطئون مع الاعتقاد القوي فما الذي يعصم أهل العلم؟ إذن ~~فليس يكفي هذا القول في تفسير الحقيقة الواقعة، وإنما هي تفسر على النحو ~~الآتي: ~~(1) # من الممكن فعل ms204 الشر حين يكون العلم بالخير كامنا بالقوة، ولكن ذلك ~~ممتنع حين يكون العلم بالخير ماثلا بالفعل في العقل وقت العمل؛ فإنا ~~إذا سلمنا بالمقدمة الكبرى ثم بالصغرى سلمنا بالنتيجة وعملناها. ~~(2) # يمكن الحصول بالفعل على المقدمة الكبرى مثل «الأطعمة اليابسة نافعة ~~للإنسان»، والحصول بالفعل أيضا على إحدى المقدمات الصغرى - وهي ~~تطبيقات شخصية - مثل: «الطعام الذي من النوع الفلاني يابس» و«أنا ~~إنسان»، ولكن إذا لم تكن الصغرى الأخيرة «هذا الطعام هو من النوع ~~المذكور» حاصلة بالفعل فيمكن أن نجاري الشهوة. ~~(3) # يمكن الحصول على الصغرى الأخيرة بالفعل مع عدم فهمها وحينئذ لا نتقيد ~~بها ؛ فإن من شأن الشهوة أن تجعل صاحبها كالحالم أو السكران أو المجنون ~~بما تدخله من اضطراب على النفس ومن تغير على الجسم فيفعل الشر ويقول ~~الخير دون علم به؛ مثله مثل المجنون أو السكران ينشد أشعارا ~~لأنبادوقليس ولا يفقه لها معنى. ~~(4) # يجب أن نذكر أن للشهوة منطقها وقياسها العملي يعارض قياس الحكمة؛ ~~فإذا حضرت الكبرى والصغرى في ذهن صاحبها خرج منهما إلى النتيجة وفعلها ~~مع علمه بالقضية الكلية المضادة لكلية قياس الشهوة، وعلى ذلك نصحح رأي ~~سقراط بأن نقول: إن الفضيلة علم بالصغرى الجزئية الأخيرة المدرجة تحت ~~القاعدة الكلية؛ وأن الرذيلة جهل بهذه الصغرى مع العلم بالقاعدة ~~الكلية، فإن الصغرى الجزئية هي العلم المحرك إلى العمل، ووضع هذه ~~الصغرى تابع للحكمة العملية التي هي فضيلة تكتسب بالمران، لا للحكمة ~~النظرية كما ظن سقراط. # 31 ~~(ه) ويخصص أرسطو مقالتين للصداقة - الثامنة والتاسعة - والسبب في ذلك أن للفظ ~~اليوناني معنى أوسع من اللفظ الذي نترجمه به، فهو يدل على كل تعاطف أو تضامن بين ~~شخصين فيشمل جميع الروابط الاجتماعية؛ من روابط الأسرة إلى رابطة المدينة إلى رابطة ~~الإنسانية، والصداقة ضرورية للحياة فليس أحد يرضى أو يستطيع أن يعيش بلا أصدقاء ولو ~~توفرت له جميع الخيرات؛ بل إن صاحب الخيرات لا يحصلها ولا يحفظها إلا بمعونة ~~الأصدقاء، ولا يتم استمتاعه بها بدون أصدقاء يشركهم فيها، الأصدقاء ملاذنا في الشدة ~~يبذلون لنا النصح ms205 في شبابنا ويعنون بنا في شيخوختنا، # 32 # والصداقة على أنواع ثلاثة: صداقة الفضيلة، وصداقة المنفعة، وصداقة ~~اللذة، في النوعين الثاني والثالث يحب الإنسان لا شخص الصديق بل ما يعود عليه هو من ~~منفعة أو لذة؛ فالصداقات التي من هذا القبيل دنيئة واهية تنقضي بانقضاء الحاجة، ~~وهذه الحاجة دائمة التقلب، وصداقة الفضيلة هي الصداقة الكاملة الباقية؛ وهي نادرة؛ ~~لندرة الفضيلة، ليس فيها رجوع على الذات ولو أنها مصدر لذة قوية رفيعة، تريد الخير ~~للصديق وتعينه على أن يحيا أحسن حياة عقليا وخلقيا، فتلتقي عندها الأنانية ~~والغيرية، كما تلتقيان عند الأم تألم لوجع ابنها مثل ما تألم لوجعها، وليست كل ~~أنانية ممقوتة بل فقط تلك التي تطلب اللذات والمنافع، فإن هذه المطالب كلما ازداد ~~حظ الفرد فيها نقص حظ الآخرين، أما صداقة الفضيلة فإنها قائمة على بذل المحبة ~~والجهد والمال، والباذل فرح بحظه الأوفى، مغتبط بالفعل الخير الجميل، وحتى الذي ~~يموت دون صديقه فإنه يربح أكثر مما يخسر. # 33 ~~(74) غاية الحياة: بحث ثان ~~(أ) ويعود أرسطو إلى غاية الحياة فإنه لما استعرض الغايات في المقالة الأولى ~~استبعد اللذة بعبارة واحدة وأرجأ الكلام على حياة النظر أو الحكمة، وهو يدرس اللذة ~~في موضعين # 34 # وهاك ملخص أقواله: اللذة ظاهرة نفسية أصلها أن للإنسان قوى تتطلب العمل ~~ولكل منها موضوع تتجه إليه طبعا، فإذا ما عملت نتجت لذة، فليست اللذة غاية في ~~الأصل وإنما الغاية الموضوع؛ لأنه هو الذي يكمل القوة، وما اللذة إلا ظاهرة مصاحبة ~~لفعل القوة، ولا يكون الفعل لذيذا إلا بشرط أن تفعل القوة حرة لا يعوقها عائق، ~~ومعتدلة بين إفراط وتفريط، فإن العائق يستثير المقاومة أو يبطل العمل وفي كلا ~~الحالين يسبب ألما، وكذلك الإفراط يعقبه ألم؛ لأنه يجهد القوة وقد يفسدها، ~~والتفريط قد يعدل عدم الفعل أو فعلا ضعيفا جدا وفي كلا الحالين لا يحدث لذة، ~~إذن ليست اللذة شيئا متمايزا من الفعل، ولكنها عبارة عن كمال الفعل تنضاف إليه ~~كالنضارة إلى الشباب، فقيمتها تابعة لقيمة القوة والفعل والموضوع، ms206 فلا يجوز القول ~~بالإطلاق إنها حسنة أو إنها رديئة، غير أنها بعد حصولها أول مرة تصير موضوعا ~~للشهوة، وغاية تجعل الفعل أشهى وأحب؛ لأنها هي مشتهاة، وتبعث فينا النشاط فنؤدي ~~الفعل على وجه أحسن، بحيث إنها بعد أن كانت معلول الفعل تصير علة كماله، فمن هذه ~~الناحية أي من حيث صيرورة اللذة غاية متمايزة من غاية الفعل، يتعين على العقل ~~ملاحظتها وتدبيرها؛ لأنها إن طلبت لذاتها أودت بالشخص وفوتت عليه الغايات الأولية ~~فصارت رديئة، ولكن الأفعال هي التي توصف أولا بالخير أو بالشر، واللذات تابعة لها، ~~فاللذة الحسنة أو الحقة تنشأ من الفعل الفاضل ويتذوقها الرجل الفاضل وحده معرضا عن ~~اللذة الكاذبة التي يطلبها الرذيل، فما هي الأفعال أو ما هو الفعل الكفيل بأن يكمل ~~طبيعتنا ويجلب لنا اللذة القصوى أو السعادة؟ ~~(ب) رأينا أن السعادة يجب أن تكون الفعل المطابق لأشرف فضيلة، وأشرف فضيلة هي ~~فضيلة العقل النظري؛ لأنه أشرف جزء فينا وموضوعه أشرف الموضوعات أعني الموجودات ~~الدائمة الثابتة، والنظر هو الفعل الذي نستطيع أن نزاوله زمنا أطول من أي فعل آخر، ~~وهو يعود علينا بلذة لا تعدلها لذة نقاء ودواما، وهو محبوب لذاته بينما سائر ~~الأفعال مرتبة لأشياء أسمى منها، إن العقل يشغل مكانا ضئيلا، ولكنه يفوق جميع ~~القوى بما لا يقاس قوة وكرامة، فلا ينبغي أن نتبع قول القائلين: إننا بشر وإنه يجب ~~أن نقف فكرنا عند الأشياء البشرية، بل يجب أن نتعلق بالحياة الدائمة بقدر المستطاع، ~~وأن نبذل كل جهد لكي نحيا أرفع حياة تطيقها طبيعتنا، فإنها هي أسعد حياة، أما حياة ~~الحكمة العملية فهي حياة المركب الإنساني لا حياة العقل المجرد، وهي مفتقرة للغير ~~وللخيرات الخارجية كموضوع لأفعالها، والعقل في غنى عن أولئك جميعا، وهي توفر سعادة ~~يمكن تسميتها سعادة إنسانية، ولكنها سعادة ثانوية نطلبها؛ لأننا لسنا عقلا صرفا ~~فلا نستطيع أن نحيا حياة نظرية باستمرار، ولأنها تساعدنا على البلوغ إلى الحياة ~~النظرية بقهرها الشهوة وإطلاقها الحرية للعقل. # ويقول أرسطو: إن النظر حياة الآلهة وفضيلتهم ms207 الوحيدة، فإنهم لما كانوا عقولا ~~مفارقة فليس يضاف إليهم فضائل خلقية أو فنية، وإن الإنسان إنما يزاول النظر بما فيه ~~من جزء إلهي هو العقل، ولكنه لا يزاوله إلا أوقاتا قصارا، فسعادته به ناقصة، وكان ~~يكون النظر السعادة الكاملة للإنسان لو أمكن أن يملأ حياته بأكملها، # 35 # ولا يذكر أرسطو أن النظر سيكون بالفعل حياة النفس الناطقة بعد مفارقتها ~~البدن، وإذن فالإنسان قد فاتته غايته بينما سائر الموجودات تحقق غايتها وذلك في ~~مذهب الغائية! هنا نلمس النقص في أساس الأخلاق: إذا كانت القوة مرتبة للفعل وكان ~~الفعل مرتبا للموضوع فلم أنكر أرسطو على أفلاطون إقامته مثال الخير غاية للحياة ~~وموضوعا للتأمل السعيد؟ وإذا كان هذا التأمل هو سعادة الإنسان وكان لا يتحقق ~~تماما وباستمرار إلا للعقل المفارق، أفليست تقتضي الغائية أن تتحقق سعادة الإنسان ~~في حياة أخرى؟ بلى، وإن هذا لبرهان قوي على الخلود كان أرسطو اصطنعه من غير شك لولا ~~ما قام عنده من صعوبات بصدد العقل الإنساني والله قعدت به عن مجاراة أفلاطون في ~~صعوده، وجنحت به إلى القناعة بسعادة ناقصة أيما نقصان. # الفصل السابع # | السياسة # (75) الأسرة ~~(أ) كتاب السياسة من الكتب المطولة وهو يقع في ثماني مقالات يرجع ترتيبها المألوف ~~إلى القرن الأول قبل الميلاد على أقل تقدير، ولكن هذا الترتيب موضع نقاش بين ~~العلماء، ويبدو الكتاب كأنه مجموعة رسائل خمس تتفاوت طولا: ~~(1) # المقالة الأولى في تدبير المنزل، وهي مقدمة لدراسة الدولة. ~~(2) # المقالة الثانية في الحكومات المقترحة على أنها مثلى وفي أكثر ~~الدساتير اعتبارا. ~~(3) # المقالة الثالثة في الدولة والمواطن وفي تصنيف الدساتير. ~~(4) # المقالات الرابعة والخامسة والسادسة في الدساتير الوضعية. ~~(5) # المقالتان السابعة والثامنة في الدولة المثلى. # وجميع هذه المقالات ما خلا الثانية ناقصة أو مشوهة وفيها تكرار كثير وتفصيلات ~~طويلة في كل شكل من أشكال الحكم، ونحن نقتصر هنا على بعض النقط الهامة. ~~(ب) كيف تتكون الجماعة السياسية؟ أما من حيث الزمان فإن أول جماعة هي الأسرة ~~والغرض منها القيام بالحاجات اليومية، وتليها القرية وهي اجتماع عدة أسر ms208 لتوفير شيء ~~أكثر من الحاجات اليومية، ولا يذكر أرسطو هذا الشيء، ويمكن القول: إن القرية تسمح ~~أكثر من الأسرة بتقسيم العمل وبإرضاء حاجات أكثر تنوعا وبحماية أتم من غارة ~~الإنسان والحيوان، والدور الثالث اجتماع عدة قرى في هيئة تامة هي المدينة أرقى ~~الجماعات تكفي نفسها بنفسها وتضمن للأفراد ليس فقط المعاش بل أيضا المعاش الحسن، ~~وهذا هو فصلها النوعي، فمهمة المدينة توفير الأسباب لكي يبلغ أفرادها سعادتهم، وهذه ~~الأسباب مادية وأدبية، والأولى خاضعة للثانية؛ لأن سعادة الإنسان خلقية عقلية، ~~فالمعاش الحسن يشمل شيئين: العمل الخلقي والعمل العقلي، من الوجهة الأولى تعاون ~~المدينة الأفراد على اكتساب الفضائل وتقدم لهم فرصا أكثر لمزاولة هذه الفضائل في ~~العلاقات الاجتماعية المتعددة، ومن الوجهة الثانية تنشط المدينة العمل العقلي بما ~~تسمح به من تقسيم أكثر واتصال العقول بعضها ببعض، والحالة التي يزدهر فيها العملان ~~الخلقي والعقلي هي حالة السلم والرخاء والفراغ، وما الحرب إلا وسيلة للدفاع عن الحق ~~أو للحصول عليه، ولا تبرر بحق الفتح إلا إذا شهرت على شعوب وضيعة متأخرة تعود عليها ~~السيطرة الأجنبية بالخير، فلا تطلب المدينة الحرب لذاتها فتكون حربية كاسبرطة، ولا ~~الغنى لذاته فتكون تجارية تبني السفن وتغزو البلاد، إن قيمة المدينة تقاس بقيمة ~~أفرادها من حيث العلم والخلق ليس غير. # ويتبين مما سبق أن المدينة وإن كانت آخر الجماعات من حيث الزمان إلا أنها الأولى ~~من حيث الطبيعة والحقيقة؛ كما أن الكل أول بالإضافة إلى الأجزاء؛ لأنه علتها ~~الغائية وشرط تحققها على أكمل وجه، وقد رأينا أن المدينة شرط ترقي الفرد وتحقيق ~~جميع قواه، فإذا كانت الهيئات الأولية طبيعية كانت المدينة طبيعية كذلك؛ لأنها ~~غايتها جميعا، ويلزم من هذا أن الإنسان حيوان مدني بالطبع، «والذي لا يستطيع أن ~~يعيش في جماعة أو ليست له حاجات اجتماعية؛ لأنه يكفي نفسه بنفسه فهو إما بهيمة وإما ~~إله»، وإذن فليست المدينة وليدة العرف كما يدعي السوفسطائيون، ولكنها قائمة على ~~الطبيعة الإنسانية النازعة إلى كمالها، وليس القانون حدا عرفيا للحرية، ولكنه ~~وسيلة توفير ms209 الحرية، فيه نجاة الأفراد من الفوضى والفناء. # 1 ~~(ج) وتتألف الأسرة من الزوج والزوجة والبنين والعبيد، الرجل رأس الأسرة؛ لأن ~~الطبيعة حبته العقل الكامل فإليه تعود أمور المنزل والمدينة، أما المرأة فأقل ~~عقلا وليس بصحيح أن الطبيعة هيأتها للمشاركة في الجندية والسياسة وإنما وظيفتها ~~العناية بالأولاد وبالمنزل تحت إشراف الرجل، ويرجع إلى العبيد تحصيل الثروة ~~الضرورية لقوام الأسرة، ويعتبر أرسطو الرق نظاما طبيعيا ويحد العبد بأنه «آلة ~~حية» و«آلة للحياة» ضرورية لضرورة الأعمال الآلية المنافية لكرامة المواطن الحر، ~~والعبد آلة «منزلية» أي إنه يعاون على تدبير الحياة داخل المنزل ولا يعمل في الحقل ~~أو في المصنع : من هو العبد؟ الطبيعة هي التي تعينه: إن تقابل الأعلى والأدنى ~~مشاهد في الطبيعة بأكملها، وهو مشاهد بين النفس والجسم، بين العقل والنزوع، بين ~~الإنسان والحيوان، بين الذكر والأنثى، وكلما وجد هذا التقابل كان من خير المتقابلين ~~أن يسيطر الأعلى على الأدنى، والطبيعة تميل إلى إيجاد مثل هذا التمايز بين البشر ~~بأن تجعل بعضهم قليلي الذكاء أقوياء البنية، وبعضهم أكفاء للحياة السياسية، وعلى ~~ذلك فمن الناس من هم أحرار طبعا، ومن هم عبيد طبعا: «إن شعوب الشمال الجليدي ~~وأوروبا شجعان؛ لهذا لا يكدر أحد عليهم صفو حريتهم، ولكنهم عاطلون من الذكاء ~~والمهارة والأنظمة السياسية الصالحة، لهذا هم عاجزون عن التسلط على جيرانهم، أما ~~الشرقيون فيمتازون بالذكاء والمهارة، ولكنهم خلو من الشجاعة؛ لهذا هم مغلوبون ~~ومستعبدون إلى الأبد، وأما الشعب اليوناني فيجمع بين الميزتين: الشجاعة والذكاء؛ ~~كما أن بلده متوسط الموقع، لهذا هو يحتفظ بالحرية، ولو أتيحت له الوحدة لتسلط على ~~الجميع.» إذن فاليوناني سيد حر، والأجنبي - البربري - عبد له، ولا يستعبد اليوناني ~~أخاه بأي حال. # 2 # هذه فكرة «الشعب المختار» ظنها أرسطو أولية كلية ضرورية، ولم يستطع أن يسمو فوق ~~عرف عصره فيفطن إلى أن الدهر قلب، وأن المزايا تفقد وتكتسب، وأن الأنظمة تتحول، بل ~~لم يستمسك بمذهبه هو أن الماهية واحدة ثابتة وأن العوارض لا تحدث بين جزئياتها مثل ~~هذه الهوة، إن العبد ms210 إنسان وهذه الصفة تتعارض مع اعتباره مجرد آلة حية، وتفاوت ~~الناس خلقا وذكاء لا يخلق أنواعا جديدة ولا يخرج جزءا من الأجزاء عن نوعه ~~وطبيعته، على أن هناك اعتبارات تشفع لأرسطو؛ منها: قوله: إن التمايز بين الحر ~~والعبد ليس واضحا دائما، وإن ابن العبد بالطبع لا يرث بالضرورة انحطاط أبيه، فإن ~~لم يرثه لم يكن عبدا بالطبع وانفتح أمامه باب العتق، وأرسطو نفسه لما حضرته الوفاة ~~أوصى فيما أوصى بعتق عبيده. اعتبار آخر: هو أنه لا يقر الاستعباد بالفتح؛ لأن هذا ~~الاستعباد قائم على القوة لا على الطبيعة، وليست القوة مرادفة دائما للتفوق الأدبي ~~ولا تستطيع القوة أن تقلب وضع الطبيعة؛ فالحر حر رغم القوة، وإذا افترضنا الغلبة ~~ناتجة عن مزايا ذاتية فقد لا تكون الحرب عادلة فيسقط حق الاستعباد، ولما كان الرق ~~ناشئا في معظمه من الحرب فهو ممقوت طبعا. اعتبار ثالث: هو أن أرسطو يرى مصالح ~~السيد والعبد واحدة، ويوجب على السيد أن يحسن استعمال سلطانه وأن يتفاهم مع العبد ~~قبل أن يأمره، بل أن يكون صديقا له بقدر ما تسمح الحال. اعتبار رابع وأخير: أن ~~الرق عند اليونان كان في الأكثر بريئا من الفظائع التي شانته عند الرومان وفي ~~العصر الحديث، فلم يكن لأرسطو أن ينفر منه مثل نفورنا. ~~(د) والأسرة بحاجة للثروة، وتحصل الثروة على نحوين: الواحد طبيعي هو جمع النتاج ~~الطبيعي اللازم للحياة، وينقسم إلى ثلاثة أنواع: تربية الحيوان والقنص والزراعة، ~~والقنص مأخوذ هنا بأوسع معانيه بحيث يشمل القرصنة - أي صيد الرقيق - وقطع الطريق ~~وصيد السمك والطير وسائر الحيوان، والنحو الآخر صناعي هو المبادلة وينقسم كذلك إلى ~~ثلاثة أنواع: النجارة برية وبحرية والقرض والأجر، وتنشأ المبادلة من قلة الإنتاج في ~~أشياء وزيادته في أشياء فتضطر الحال إلى الاستيراد والإصدار ومن هنا تمس الحاجة ~~للنقد وسيلة ورمزا للمبادلة، ولكن الناس لا يلبثون أن يتخذوا النقد غاية فيصير ~~الإنتاج غاية كذلك لا وسيلة لإرضاء الحاجات الطبيعية، فتضطرب الحياة الاجتماعية؛ إذ ~~تبطل غايتها أن تكون السعادة بالفضيلة وتنقلب ms211 الغاية اللذة ويصبح من المستحيل - وقد ~~تحولت الوسائل غايات - تعيين غاية قصوى للوسائل وتعيين حد لتحصيل الثروة، تبعا ~~لهذا النظر يقول أرسطو: إن مبادلة أشياء بأشياء طبيعية ما دامت الغاية إرضاء حاجات ~~الحياة، أما مبادلة الأشياء بالمال أي التجارة فهي غير طبيعية؛ لأنها تجاوز للحد ~~الضروري للحياة وطلب للثروة إلى غير حد، وأما الربا فهو أبشع الوسائل غير الطبيعية ~~لتحصيل الثروة؛ لأنه مبادلة المال - وهو اختراع غير طبيعي - لا بالأشياء - وهي ~~طبيعية - بل بالمال نفسه، إن «الفائدة» تنتج من حقل أو من ماشية، أما المعدن فلا ~~يمكن أن ينتج أو أن يلد، والربا نقد ناتج أو مولود من نقد هو في الحقيقة عقيم وهذا ~~مخالف للطبيعة. # 3 # ولكن أرسطو لم يكن يقصد من غير شك القرض للصناعة بل القرض المنفق في ~~غير سبيل الإنتاج، وهو على كل حال يبين فيما تقدم عن نفوره من الطمع في اكتساب ~~الثروة وعن إيثاره معيشة قدماء اليونان القائمة على الملكية العقارية؛ لأنها أقرب ~~إلى الطبيعة وأدعى لاحتفاظ المدينة بالأخلاق الفاضلة وأنفى لأسباب النزاع في الداخل ~~والحرب في الخارج. ~~(76) المدينة ~~(أ) في المقالة الثانية يستعرض أرسطو ما تصوره المفكرون من حكومات مثلى، وما عرف ~~من الدساتير والشرائع الممتازة؛ ليستخلص أحسن الآراء على حسب عادته، ويبدأ بنقد ~~جمهورية أفلاطون فينكر أن الدولة يجب أن تكون متحدة أعظم اتحاد إلى حد أن يضحى في ~~سبيلها بالأسرة والملكية، إن الوحدة الحقيقية هي للفرد أما الدولة فكثرة، وكثرة ~~منوعة تتحقق وحدتها بالتربية لا بالوسائل التي أشار بها أفلاطون، وإن الأسرة ~~والملكية صادرتان عن الطبيعة لا عن الوضع والعرف، فإلغاؤهما معارض لميل الطبيعة ~~ولخير الدولة جميعا ومستحيل التنفيذ، وليست المرأة مساوية للرجل، وما قياسها بأنثى ~~الحيوان تقوم بجميع أعمال الذكر إلا قياس مع الفارق، فإن للإنسان منزلا وليس ~~للحيوان منزل، وشيوعية النساء تؤدي إلى شيوعية الأولاد، وهذه تؤدي إلى تزاوج ~~الأقارب، وإلى انتفاء المحبة والاحترام فإن الولد الذي هو ولد الجميع ليس ولد أحد، ~~ولن يجد أحدا يشعر نحوه بعواطف ms212 الأب أو الأم، ولن يشعر هو بعواطف الابن، هذا إن ~~أمكن أن تظل القرابة خافية ولم يعمل أحد على كشفها، ولم يدل عليها تشابه الأولاد ~~والوالدين فتنتفي الشيوعية، أما الملكية الخاصة فلا ينكر أن لها مساوئ، ولكن ~~الملكية المشتركة والمعيشة المشتركة مصدر خلافات كثيرة أيضا، وهما تقتلان الرغبة ~~في العمل، فإن الإنسان لا يعنى عادة بغير نفسه وأهله ويتواكل فيما يختص بالصالح ~~العام، ثم إن الشعور بالملكية مصدر لذة؛ لأنه نوع من حب الذات، واستخدام الملكية ~~لمساعدة الأصدقاء والمعارف وللضيافة، مصدر آخر للذة وفرصة لفعل الفضيلة كالسخاء ~~والعفة، فإن المعدم لا يستطيع أن يسخو ولا أن يسمي حرمانه المكره عفة، وليست تنشأ ~~الخلافات من الملكية الخاصة؛ لأنها خاصة بل لفساد الناس، ولو أنصفوا لأشرك بعضهم ~~بعضا في نتاجها فعوض من عنده أكثر على من عنده أقل، فتلتقي حسنات الملكية ~~والشيوعية وتبقى المدينة في مستوى المعيشة الحسنة لا تعدوه إلى الإثراء ~~للإثراء. ~~(ب) أما الحكومة فتختلف أشكالها باختلاف الغاية التي ترمي إليها وعدد الحكام، فمن ~~الوجهة الأولى الحكومة صالحة متى كانت غايتها خير المجموع، وفاسدة متى توخى الحكام ~~مصالحهم الخاصة، فيخرج لنا جنسان تحتهما أنواع تتعين من الوجهة الثانية أي بعدد ~~الحكام: # الحكومات الصالحة # الحكومات الفاسدة ~~(1) الملكية ~~(1) الطغيان ~~(2) الأرستقراطية ~~(2) الأوليغركية ~~(3) الديمقراطية ~~(3) الديماغوغية # فالملكية حكومة الفرد الفاضل العادل، والأرستقراطية حكومة الأقلية الفاضلة ~~العادلة، والديمقراطية حكومة الأغلبية الفقيرة تمتاز بالحرية والمساواة واتباع ~~دستور، أما الطغيان فهو حكومة الفرد الظالم، والأوليغركية حكومة الأغنياء والأعيان، ~~والديماغوغية حكومة العامة تتبع أهواءها المتقلبة. وتبدو الملكية لأول نظرة أنها ~~الحكم الأمثل، ولكن الفرد الممتاز بالفضل لا يوجد إلا نادرا، أو لا يوجد أصلا، ~~والملك يرغب طبعا في أن ينتقل سلطانه إلى أعقابه، وليس هناك ما يضمن أن يكون هؤلاء ~~جديرين بالحكم، والسلطة المطلقة تميل بالطبع إلى الإسراف، وللملك حرس خاص، فمن ~~السهل عليه أن يستبد؛ اعتمادا على قواته، ثم إن الفرد لا يستطيع أن يرى كل شيء ~~بعينيه فهو مفتقر دائما لمعاونين يشاركونه في مباشرة الحكم، وإذن فلم ms213 لا توضع هذه ~~المشاركة من الأصل بدل أن تترك لإرادة فرد واحد؟ والواقع أن حكم الجماعة الفاضلة ~~خير من حكم فرد لا يفوقهم فضلا، ولكن الأرستقراطية غير ممكنة التحقق كذلك، # 4 # أما الديمقراطية فليست تصلح إلا إذا قصرت سلطة الشعب على انتخاب ~~الحكام، فزاول هؤلاء الحكام بإشراف الشعب، ولكن كثيرا من المخاطر تتهدد هذا ~~النظام، وهنا يردد أرسطو نقد أفلاطون. # 5 ~~(ج) كيف تكون إذن الحكومة المثلى؟ الحق أن كل شكل من الأشكال المذكورة يقوم على ~~مبدأ صحيح بعض الصحة لا كلها، لذلك لا يمكن إيثار أحدها واعتباره كاملا، فيجب أن ~~نطبق هنا المبدأ الذي اعتمدناه في الأخلاق وهو «أن خير الأمور الوسط» وأن نجد طبقة ~~من الشعب هي مزاج من ضدين ووسط بين طرفين: هذه الطبقة هي الوسطى، ويسميها أرسطو ~~«بوليتية» أي الدستورية، وهي مؤلفة من أصحاب الثروة العقارية المتوسطة يعيشون من ~~عملهم ولا يملكون فراغا من الوقت، فلا يعقدون إلا الجلسات الضرورية ويخضعون ~~للدستور، فحكومتهم مزاج من الأوليغركية والديمقراطية مع ميل إلى هذه، وكلما كثر ~~عددهم استطاعوا مقاومة الأحزاب المتطرفة وصيانة الدستور، ولا خوف أن يتحد خصومهم ~~عليهم فإنهم لما كانوا وسطا كانت المسافة بينهم وبين كل ضد على حدة أقرب منها بين ~~ضد وآخر، لذلك يثق بهم كل فريق أكثر مما يثق بأضداده. هذا مع اعتراف أرسطو أن تقرير ~~الحكومة الصالحة لشعب ما يجب أن يقوم على اعتبار طبيعة هذا الشعب، فهو لا يبني دولة ~~نظرية ولكنه يستخدم طائفة كبيرة من الملاحظات والتجارب لتعيين الشروط الكفيلة ~~بتحقيق الغاية من الاجتماع، وهو يأخذ على الذين عالجوا هذه المسألة قبله أنهم ~~توهموا أشكال الحكومة أنواعا ثابتة، والواقع أن لكل نوع أصنافا تبعا للظروف وليس ~~هناك ديمقراطية أوليغركية واحدة بعينها، بل ديمقراطيات وأوليغركيات بحسب ما تكون ~~كثرة الشعب زراعا - وهم أميل إلى الاعتدال - أو صناعا - وهم أميل إلى التطرف - أو ~~تجارا ... وبحسب ما تكون الأقلية ممتازة بالثروة المكتسبة أو الموروثة أو بالحسب، ~~فهؤلاء الفلاسفة يردون التنوع الحقيقي إلى وحدة مجردة، ms214 لذلك نراهم يبحثون عن الأحسن ~~بالإطلاق لا عن أحسن ما يمكن بالإضافة إلى الأحوال، ونجدهم يشرعون بالإطلاق لا ~~بالإضافة إلى شكل الحكومة فإن القوانين تختلف حتما باختلافه. ~~(د) والشروط الكفيلة بصلاح المدينة ترجع إلى الثلاثة الآتية: # الأول: # خاص بعدد الأهالي وقد كان أرسطو يرى كأفلاطون أن المدينة أرقى ~~صور الحياة السياسية وأن كل مجموعة أوسع - كالإمبراطورية الفارسية ~~أو المقدونية - فهي مركب غير متجانس، وأن الغاية من الاجتماع ~~الحياة الفاضلة لا الإثراء والغلبة بكثرة العدد، فيجب ألا ينقص ~~العدد عن الحد الأدنى الضروري لكفاية المدينة نفسها، وألا يعدو ~~حدا أقصى نستطيع أن نقدره بمائة ألف مع المبالغة، وإلا تعذر ~~الحكم الصالح واختل النظام؛ فإن المواطنين لكي يحسنوا تدبير الشئون ~~وتوزيع المناصب حسب الكفاية يجب أن يعرف بعضهم بعضا حق المعرفة، ~~أما إذا تعاظم عددهم فإن الأمور تجري اتفاقا، ولاستبقاء عدد ~~الأهالي في المستوى الملائم يقول أرسطو بالإجهاض قبل أن يصير ~~الجنين حاسا وبإعدام الأطفال المشوهين، مع أن الإيمان بالنفس كان ~~خليقا أن يعدل به عن هذين القولين فإن الجنين إنسان بالقوة، ~~وللنفس قيمة تفوق القيم الدنيوية جميعا، فالحيلولة دون تكامل ~~الجنين منع لخير هو أعظم مما قد ينتج من ضرر مزعوم؛ ثم إن للطفل ~~المشوه نفسا فحياته جديرة بالاحترام. # الشرط الثاني: # خاص بمساحة المدينة فإنها يجب أن تكون بحيث تقوم بحاجات الأهلين ~~وتوفر لهم حياة سهلة دون أن يتجاوز ذلك إلى الترف، ويجب أن تكون ~~منيعة ضد الأعادي سهلة الصلة بالبحر لتسهيل التموين، ويجب أن تقسم ~~بين المواطنين بحيث يكون لكل منهم حصتان واحدة قريبة من المدينة ~~وأخرى قريبة من الحدود مع مراعاة العدالة في القسمة فتكون لجميع ~~المواطنين مصلحة في الدفاع عن المدينة كلها، ومع أن أرسطو يعارض ~~الاشتراكية فإنه ينصح بجعل جزء من الأرض ملكا للدولة تنفق منه على ~~الهياكل والمآدب المشتركة فتقرب بهما بين المواطنين وتستبقي وحدة ~~الدولة. # الشرط الثالث: # خاص بوظائف الدولة أو طوائف المدينة وهي ثمان: الزراع والصناع ~~والتجار والجند - للحرب الدفاعية - والطبقة الغنية والكهنة والحكام ms215 ~~والموظفون، لكل منهم استعداد خاص لعمله وكفاية خاصة بحيث لا يقوم ~~بعضهم مقام بعض، وليسوا جميعا «مواطنين» فإن المواطن هو الرجل ~~الممتاز من بين الرجال الأحرار المشارك في سياسة الدولة مشاركة ~~فعلية، هو جندي في شبابه حاكم في كهولته كاهن في شيخوخته، فهو ~~متفرغ طول حياته لخدمة الدولة، لا يزاول عملا يدويا أصلا، فإن ~~العمل اليدوي فضلا عن أنه يصرفه عن سياسة الدولة لا يليق بالرجل ~~الحر؛ إذ إنه يشوه هيئة الجسم ويجعل صاحبه خاضعا له ولما يعود ~~عليه من أجر أو منفعة فيحط من قدر النفس ويسلبها الكفاية لإتيان ~~أفعال فاضلة جميلة مستنيرة؛ حتى الفنون الجميلة من حيث اقتضائها ~~أفعالا جسمية: أليس العزف بالناي يفسد تناسب الوجه؟ وحتى العمل ~~العقلي إذا كان صادرا عن طلب المال - كما هو حال السوفسطائيين - ~~فإنه يحرم صاحبه الفراغ وحرية التفكير، وجملة القول: المواطنون ~~طبقة مختارة تحاول أن تحقق المثل الأعلى للإنسان كما رسمته ~~«الأخلاق»، وهم عماد الدولة، وعلى الدولة أن تعنى بهم خاصة فلا ~~تترك أمرهم للوالدين بل تتعهدهم بتربية واحدة تعدهم لوظائفهم المستقبلة، # 6 # فكأن أرسطو يعود إلى فكرة «الحراس» عند أفلاطون بعد ~~تنقيحها وجعلها أقرب إلى التنفيذ، والفيلسوفان متشبعان بفكرة ~~الترتيب والنظام ومقتنعان بأن العقل مصدر النظام، والرأس في كل ~~شيء. ~~(77) خاتمة الباب الثالث ~~(أ) «من العدل أن نعترف أن الحقيقة الكاملة عسيرة المنال، وأنها لا تنال إلا ~~تدريجا بتعاون الجهود؛ بحيث إن إنتاج كل واحد من الفلاسفة يكاد لا يذكر، ولكن ~~مجموع جهودهم يؤتي نتائج خصبة، ومن العدل أن نحمد ليس فقط للمفكرين الذين نشاطرهم ~~آراءهم بل كذلك للذين عرضوا تفسيرات سطحية؛ لأنهم هم أيضا شاركوا في إقامة العلم ~~وساعدوا على تنمية قوتنا الفكرية.» # 7 # فكم يجب أن نحمد لأرسطو مجهوده العظيم في إقامة العلم ومساعدته التي لا ~~تدانيها مساعدة على تنمية قوتنا الفكرية أجيالا متطاولة! كل من عانى التفكير يعلم ~~مقدار صعوبة الحد والتعريف والبلوغ إلى الحقيقة، وقد أعطانا أرسطو حدودا وتعاريف ~~لا تحصى في جميع فروع المعرفة وهدانا ms216 إلى حقائق لا تقدر: صنف العلوم واشتغل بها ~~علما علما، فكان المعلم الأول في كل علم منها، وخلف لنا كتبا كانت ولا تزال ~~أصولا لا غنى عنها ولن تزال مرجع المفكرين. ~~(ب) ولم يكن لمدرسته في الزمن الأول نفوذ يذكر، وكانت متهمة بالميل إلى مقدونية ~~ومضطهدة حتى اضطر ثاوفراسطوس إلى الرحيل عن أثينا بعد أن ترأس المدرسة من سنة 322 ~~إلى 287؛ إذ كان قد بلغ الخامسة والثمانين، وكان أكثر اشتغاله واشتغال إخوانه ~~بالعلوم الطبيعية وتاريخها بوحي أرسطو وإشرافه؛ فمما يذكر من كتب ثاوفراسطوس «آراء ~~الطبيعيين» و«تاريخ النبات» وأبحاث في العرق والتعب والدوار والإغماء والشلل، ~~والرياح وعلامات الجو والأحجار والنار وغيرها لم يصل إلينا غير عنواناتها، ورسائل ~~في المنطق وعلى الخصوص في القضايا الموجهة والأقيسة الشرطية، ورسائل في الفلسفة ~~الطبيعية والإلهية وفي السياسة والخطابة، وله كتاب مشهور في الآداب العالمية هو ~~كتاب «الأخلاق»؛ أي وصف أخلاق الناس من الوجهة النفسية، وكتابات أدبية كانت موضع ~~إعجاب المتقدمين، ومن إخوانه «أوديموس» مؤسس فرع المدرسة في رودس وضع كتابا في ~~تاريخ الهندسة والحساب والفلك بقيت منه صحف هامة جدا لتاريخ هذه العلوم، و«مينون» ~~أرخ الطب، و«فانياس» أرخ الشعر والمدارس السقراطية، و«ديقايرخوس» أرخ المدنية ~~اليونانية، ووضع كتابا في الجغرافية اسمه «سياحة في الأرض»، و«أرسطوقسانس» كتب في ~~تاريخ الموسيقى، وفي الآلات الموسيقية، وفي مبادئ الألحان، وأشهر رجال الجيل الثاني ~~استراتون اللمبساقي خليفة ثاوفراسطوس على المدرسة مدة ثماني عشرة سنة - توفي حوالي ~~270 - وكان قد قضى زمنا في الإسكندرية ببلاط بطليموس سوتر - من سنة 300 إلى 294 - ~~يؤدب ابنه فيلادلف، ذهب في بعض المسائل الطبيعية مذهبا هو أقرب إلى ديموقريطس منه ~~إلى أرسطو فقال بالخلاء وأنكر الأمكنة الطبيعية وقال: إن النفس هواء ونقد حجج ~~أفلاطون في خلودها وفسر الفكر بأنه إحساس ضعيف. # 8 # الباب الرابع # | مدارس قديمة وجديدة # | (78) تمهيد # (أ) في هذا الباب نجمل القول في الحركة الفلسفية من أوائل القرن الرابع قبل الميلاد ~~إلى أواخر القرن الخامس بعده، نعود إلى ذلك الوقت الذي تفرق فيه أصحاب ms217 سقراط؛ لنؤرخ ~~مدارس تأثرت به وأسميت باسمه، عاصرت الأكاديمية واللوقيون وعارضتهما فمهدت السبيل ~~لمدارس الدور الثالث والأخير من أدوار الفلسفة اليونانية، وهو دور امتاز بانتشار ~~الثقافة اليونانية في بلدان البحر المتوسط بعد وفاة الإسكندر وتجزؤ ملكه، فتعارف ~~فيه العالم اليوناني والعالم الشرقي وتأثر كل منهما بالآخر وشارك الشرقيون ولا سيما ~~الساميون منهم في العلم والفلسفة، وقامت في الشرق حواضر علمية جديدة في مقدمتها ~~الإسكندرية وبرغاما ورودس مع بقاء أثينا مركز الفلسفة، ولكنه دور تناقص فيه الإبداع ~~الفلسفي وعكف رجاله على تجديد المذاهب القديمة مع عناية خاصة بالأخلاق تبعا لموقف ~~سقراط وللفكرة الأساسية عند أفلاطون، فجدد أبيقوروس مذهب ديموقريطس، وجدد الرواقيون ~~مذهب هرقليطس ، وكأن العقول قد شاخت والنفوس تراخت فضعفت الثقة بالعقل ونبت مذهب الشك ~~طغى على الأكاديمية؛ إلى أن خلصتها منه نهضة لم تلبث أن تلاشت. ~~(ب) ولهذا الدور فضل كبير على العلوم والصناعات فقد كان القرن الثالث قبل الميلاد من ~~أخصب عصور العلم القديم؛ نشأ فيه إخصائيون عنوا بتمحيص المعارف الموروثة وتهذيبها ~~والزيادة عليها، وتوالى العمل على هذا المنوال إلى نهاية العصر القديم، نذكر في ~~الرياضيات من رجال هذا القرن الثالث: إقليدس (330-270) صاحب «مبادئ الهندسة» جمعها ~~ورتبها وعلم بالإسكندرية، وأرشميدس السراقوصي (287-212) جاء الإسكندرية في شبابه ~~ولكنه قضى معظم حياته في وطنه، كان يجمع بين النظر والعمل، له أبحاث عويصة في ~~الرياضيات، وله اختراعات كثيرة منها آلات حربية ومرايا محرقة وآلة سماوية تمثل الحركات ~~الظاهرة للأفلاك بدقة عجيبة، وأرسطرخوس الساموسي الفلكي الكبير قال: إن الشمس مركز ~~العالم (14-ب). # ومن رجال القرن الثاثي للميلاد ثاون الأزميري وأقلاديوس بطليموس عرضا العلم في الصورة ~~التي كان قد بلغ إليها في عصرهما، والثاني مشهور بكتاب «المجسطي» - بكسر الميم والجيم ~~وتخفيف الياء - وهو أول كتاب دون كل فروع علم الفلك القديم، نقل إلى العربية، وكان ~~المرجع الأكبر في هذا العلم، واللفظ اليوناني «مجسطوس» يعني العظيم وترجمة العنوان ~~الكامل «التصنيف التعليمي العظيم». # 1 # وتقدم الطب كذلك، ورجاله فرق: منهم العقليون أتباع أبقراط، ومنهم ~~التجريبيون، ms218 ومنهم الانتخابيون، وأشهر هؤلاء جالينوس البرغامي - القرن الثاني للميلاد - ~~اشتغل أيضا بالمنطق، وجعل أشكال القياس أربعة على حسب مكان الحد الأوسط فيه (50-ب)، ~~ولخص محاورات أفلاطون، ونقل السريان والإسلاميون تلخيصاته، وتقدمت الجغرافية بالرحلات، ~~وأشهر رجالها استرابون وأبلينوس الكبير، وشاع التنجيم والسحر بين العلماء والفلاسفة، ~~وبالجملة تكونت العلوم في هذا الدور وبقيت كتبها معتبرة يتناقلها الشرقيون والغربيون ~~إلى النهضة الحديثة. # الفصل الأول # | صغار السقراطيين # (79) ثلاث مدارس ~~(أ) من أصحاب سقراط (27-و) جماعة علموا في حياته أو بعد مماته وكتبوا «مصنفات ~~سقراطية» أجروا فيها على لسانه تأويلهم الشخصي لفكره، مع ادعائهم جميعا صدورهم ~~عنه، أشهرهم ثلاثة: إقليدس مؤسس المدرسة الميغارية، وأنتستانس مؤسس المدرسة ~~الكلبية، وأرستبوس مؤسس المدرسة القورينائية، وظلت مدارسهم قائمة إلى منتصف القرن ~~الثالث بل إلى ما بعد هذا التاريخ، ومع ذلك لم يصلنا من كتبهم الكثيرة سوى شذرات ~~قليلة، وندرت الأخبار عنهم حتى ليتعذر تصوير أشخاصهم ورواية آرائهم بشيء من الدقة ~~والتفصيل، وقد اصطلح على تسميتهم بصغار السقراطيين أو أنصاف السقراطيين على تقدير ~~أن أفلاطون هو السقراطي الكبير والسقراطي الخالص، ويعترض البعض على هذه التسمية ~~فيقول: أما أن أفلاطون أعلاهم قدرا فهذا حكم قائم على أن كتبه قد وصلت إلينا كلها ~~وضاعت كتبهم، وأما أنه السقراطي الحقيقي فمن أين لنا أن تعاليم سقراط هي التي ذكرها ~~أفلاطون؟ ونحن لا نرى بأسا بهذه التسمية ما دام الحظ قد خانهم إلى هذا الحد وأوصد ~~دوننا كل سبيل لإنصافهم إن كانوا يستحقون الإنصاف، وأغلب الظن أنهم لا يستحقون، فإن ~~ما بقي لنا من أقوالهم وأخبارهم يدل على أنهم مارسوا النقد السلبي المعروف عن ~~السوفسطائيين، وأفلاطون وحده أقام مذهبا إيجابيا فهو كبير وهم صغار، ثم إن ~~الصورة التي بقيت للإنسانية عن سقراط هي تلك التي رسمها أفلاطون، فبالقياس إليها ~~وبالإضافة إلى حالة علمنا بهم، أفلاطون السقراطي الكلي وهم أنصاف سقراطيين. ~~(80) إقليدس والمدرسة الميغارية ~~(أ) عاد إقليدس إلى وطنه ميغاري وأنشأ مدرسة اشتهرت بالجدل، ولحق به بعض الإخوان ~~منهم أفلاطون، وكانت تربطهما صداقة متينة، فأحسن ms219 وفادته، وقد مر بنا أن أفلاطون قضى ~~هناك ثلاث سنين، ولا شك أنه تأثر بالجدل الميغاري، كان إقليدس قد تلقى في أول أمره ~~المذهب الإيلي بما فيه من جدل عند بارمنيدس وزينون، ثم عرف الحركة السوفسطائية، ~~فجاء مذهبه مزيجا من الإيلية والسقراطية مع ميل كبير إلى السفسطة، جمع بين الوجود ~~البرمنيدي والخير السقراطي مطلب الإرادة وقاعدة الأخلاق فقال: إن الوجود واحد ~~والخير واحد كذلك، وما ليس خيرا فلا وجود له، أو - على حد تعبير أرسطو - الوجود ~~والخير متساوقان، فالوجود خير والخير وجود، ولكن الخير يسمى بأسماء كثيرة فيقال له: ~~الله أو العناية أو العقل، ويبدو الوجود في ماهيات مختلفة هي مظاهر الوحدة الأصلية ~~وليس لها وجود إلا في الفكر، أما إذا اعتبرناها حقيقية امتنع كل قول وكل حكم؛ لأن ~~وضعها في الحقيقة يجعلها منفصلة متمايزة ثابتة، فكيف تحمل واحدة على أخرى؟ كذلك ~~تمتنع الحركة لامتناع تحول ماهية إلى غيرها، فالحكم لغو والحركة وهم والماهيات ~~واحدة وإن تعددت الأسماء. فإقليدس إيلي عالج مذهب بارمنيدس بما أخذ عن سقراط من ~~أقوال في المعنى الكلي والماهية والحكم والخير، وهو إيلي كذلك في منهجه؛ إذ يقال: ~~إنه كان يقلد زينون فيعتمد على برهان الخلف وهو برهان يهدم النتيجة ببيان ما يترتب ~~عليها من محالات دون التعرض للمقدمات، والجدل السقراطي قائم على الاستقراء بالأمثلة ~~ومهاجمة مقدمات الخصم. ~~(ب) وخلفه أوبوليدس الملطي، وكان خصما عنيدا لأرسطو استخدم برهان الخلف ووضع ~~حججا من طراز حجج زينون يلوح أنه قصد بها إلى معارضة المنطق الأرسطوطالي وعلى ~~الخصوص مبدأ عدم التناقض الذي يقضي بأن المسألة الواحدة لا تحتمل الإيجاب والسلب في ~~آن واحد، ولكنه تناسى الشرط الذي أضافه أرسطو بقوله: «ومن جهة واحدة» فجاءت حججه ~~أغاليط مكشوفة، منها قوله: إذا قلت إنك تكذب، وكنت صادقا في قولك فأنت كاذب وصادق ~~في آن واحد، ومنها: من لم يفقد شيئا فهو حاصل عليه، وأنت لم تفقد قرنين، إذن فلك ~~قرنان، ومنها: إذا تقدم أبوك إليك وكان مقنعا فإنك لا تعرفه، إذن ms220 فأنت تعرف أباك ~~ولا تعرفه في آن واحد، ومنها سؤاله: كم يلزم من الحبوب لتكوين كومة قمح؟ فإن الحبة ~~الواحدة ليست كومة ولا الحبتان ولا الثلاث، فمتى يصح أن يقال كومة مع العلم بأنه ~~مهما يكن العدد المختار فإن الكومة تبدأ بزيادة حبة واحدة، أو كم شعرة يلزم أن تسقط ~~من رأس الرجل ليقال: إنه أصلع؟ وهو نفس القول السابق ولكن من جهة الطرح لا من جهة ~~الجمع، ويذكر له غير ذلك من «الفكاهات المنطقية». ~~(ج) وجاء بعده أستلبون الميغاري، نحا نحوه فأصاب إقبالا كبيرا؛ إذ يقال: إن ~~تلاميذ ثاوفراسطس وتلاميذ المدرسة القورينائية كانوا يختلفون إليه ويستمعون لدروسه، ~~وقد وجه نقده لنظرية المثل الأفلاطونية معتمدا على برهان الخلف أيضا، وذكرت له ~~حجج؛ منها: ليس مثال الإنسان فلانا أو فلانا، ولا متكلما مثلا أو غير متكلم، ~~وإذن فليس يسوغ القول: إن الرجل الذي يتكلم إنسان؛ إذ إنه لا يطابق المثال. حجة ~~أخرى: مثال البقل قديم فليس هذا الذي تعرضه علي بقلا من حيث إنه غير قديم. حجة ~~ثالثة: إذا أردت أن تقول: إن هذا الشخص يحقق معنى الإنسان، وكان هذا الشخص في ~~ميغاري، فيلزمك القول: إنه لا يوجد إنسان في أثينا من حيث إن المثال واحد لا يتعدد. ~~وعرض لمسألة الحكم فذهب إلى أن التفكير بمعان محدودة ثابتة على طريقة أفلاطون ~~وأرسطو يؤدي إلى امتناع الحكم؛ لأن الحكم في هذه الطريقة قول بتطابق ماهيتين ~~متمايزتين مثل «إن الفرس يعدو» و«إن الإنسان طيب»، وهذا يعني أن كلا من الفرس ~~والإنسان هو شيء آخر غير ذاته، وإذا قلت: إن الطيب هو بالفعل نفس الشيء الذي هو ~~إنسان لم يسغ لك إضافة الطيب إلى الدواء مثلا أو إلى الغذاء. والخلاصة أن ~~الميغاريين عنوا بالنقد ولم يعنوا بالإنشاء، فلم يمتازوا عن السوفسطائيين في ~~شيء. ~~(81) أنتستانس والمدرسة الكلبية ~~(أ) ولد أنتستانس في أثينا، وتتلمذ لغورغياس فنشأ على السفسطة، ثم عرف سقراط ~~ولزمه، وبعد وفاة سقراط أخذ يعلم، وكان يجتمع بتلاميذه في مكان اسمه «الكلب ~~السريع»، فأطلق ms221 عليهم اسم الكلبيين، ولعل هذا الاسم لحقهم بالأكثر لسماجتهم وغرابة ~~أطوارهم؛ فقد كان أنتستانس معجبا بتواضع سقراط وبساطة معيشته وحرية قوله، فأسرف في ~~محاكاته وأسرف تلاميذه، كانوا يشترطون للانضمام لزمرتهم أن يعدل المريد عن خيرات ~~الدنيا، وأن ينزل عن مكانته الاجتماعية، فيلبس لباس عامة الشعب، ويرسل شعر الرأس ~~واللحية؛ ولما تغير الزي الشعبي بتأثير المقدونيين احتفظوا هم بزيهم فكان دلالة ~~عليهم، وكانوا يحملون العصا بأيديهم والجراب فوق ظهورهم ويطوفون في التماس قوتهم ~~كالشحاذين المحترفين أو كرهبان الهنود، وليس لهم من مأوى غير المعابد والأمكنة ~~العامة الأخرى، وكان فيهم كثير من الشذوذ، مثل أن يقف الواحد منهم عاريا تحت المطر ~~في برد الشتاء أو يمكث في شمس الصيف المحرقة ليظهر قوة احتماله، وما إلى ذلك، كانوا ~~يغشون المجالس، ويتطفلون على الموائد، فيجابهون الحضور بنقائصهم في قول جريء إلى حد ~~البذاءة، لا يستحيون ولا يفرقون بين المقامات بل يدعون أنهم في كل ذلك يؤدون مهمة ~~كلفهم بها الإله تزوس هي ملاحظة العيوب والتشهير بها، ويتخذون من اسمهم تشبيها ~~فيقولون: إنهم حراس الفضيلة ينبحون على الرذيلة كما ينبح الكلب الحارس عند ~~الخطر. ~~(ب) وأنتستانس إمامهم في آرائهم وسيرتهم، وإذا أخذنا بشهادة أفلاطون وأرسطو لم ~~نضف إليه مقدرة فلسفية خاصة؛ فقد وصفه الأول «بالشيخ البليد العقل» ووصمه الثاني ~~بأنه «رجل فظ أحمق»، تكلم في الماهية فأنكر أن تكون كلية وقال: «إني أرى فرسا ولا ~~أرى الفرسية»، فالماهية عنده فردية غير متجزئة، يعبر عنها بلفظ مفرد لا بحد مركب من ~~لفظين أو أكثر، وعلى ذلك يستحيل الحكم والجدل والخطأ: أما الحكم فلأنه يستحيل تصور ~~شيء إلا بتصور هذا الشيء نفسه، ويستحيل التكلم عنه إلا بذكر اسمه، فإن الماهية إما ~~أن تكون بسيطة فلا تحد بل تشبه بشيء آخر، وإما أن تكون مركبة فتذكر عناصرها، ~~والعناصر لا تحد بل تشبه بغيرها، وفي كلا الحالين تعرف الماهية باسمها أو باسم ~~ماهية تشبهها - وكان يقول بهذا المعنى: «بداية كل تعليم دراسة الأسماء» - فليست ~~تضاف الماهيات بعضها إلى بعض ms222 ولكنها تبقى منفصلة لتباينها مثل مباينة «الإنسان» ~~و«الطيب»، فكل ما يصح أن يقال هو: الإنسان إنسان والطيب طيب، وأما الجدل فمستحيل؛ ~~لأن المتناظرين إما أن يتعقلا شيئا واحدا فهما متفقان، وإما أن يتعقلا أشياء ~~مختلفة فلا معنى للمناظرة، وأما استحالة الخطأ فلأن المفهوم من الخطأ أنه تصور ما ~~ليس موجودا، ويستحيل أن نتصور غير الموجود. هذا الرأي في التصور والحكم يستتبع ~~ازدراء العلم من حيث إن العلم مجموعة معان وأحكام، وكان أنتستانس يزدري العلوم ~~بالفعل ويعتبرها غير مفيدة للسيرة، فقصر كلامه على الفضيلة وهي عنده الشيء الوحيد ~~الضروري للحياة، وكان يحمل على اللذة وأتباعها ويقول: «إني أوثر أن أبتلى بالجنون ~~على أن أشعر باللذة.» وبالطبع لم يستخدم في تعليم الفضيلة الأسلوب الاستدلالي الذي ~~نقده بل كان يورد الأمثال ويذكر الأبطال ويصوغ الحكم، فيبرز الفضيلة في صور حية ~~ويحث عليها بإثارة المحاكاة لا بالبرهان، ويستدل مما وصل إلينا من عناوين كتبه أنها ~~كانت كلها عبارة عن سرد الأمثال وتفصيل أفعال الأبطال وشرح هوميروس شرحا رمزيا ~~يستخرج منه المواعظ والعبر، فإنه كان يقول: إن الفضيلة في الأفعال والأفعال لا تعلم ~~ولكنها تكتسب بالمران، فليست الكلبية إذن مذهبا فلسفيا وإنما هي سيرة ~~وحياة. ~~(ج) وقام بعده ديوجانس (413-327)، وهو يعد أحسن مثال للمدرسة بما أضافت إليه ~~الأساطير من حكايات بعضها مشهور، وهذه الأساطير مؤلفة في الحقيقة من قطع غير ~~متجانسة نتبين فيها شخصين متمايزين: أحدهما ملحد مستهتر، والآخر فاضل جليل، والأرجح ~~أن ديوجانس كان هذا الشخص الثاني؛ استنادا إلى أن أوائل الكلبيين كانوا - ولا ريب ~~- حريصين على زهد شيخهم أنتستانس، والأرجح كذلك أن الحكايات التي تمثله متهتكا ~~إنما وضعت بعده بزمن طويل لما مال الكلبيون أو البعض منهم إلى مذهب اللذة وأخذوا به ~~جهارا في غير كلفة لا استحياء. # كان ديوجانس يحتقر العلوم كأستاذه، ويشبه فلسفته بالفنون الآلية، ويريد الناس على ~~أن يروضوا أنفسهم على الفضيلة فيجيدوها كما يجيد الصانع الذي يزاول مهنته، فالرياضة ~~سبب الفلاح ووسيلة الخلاص من رق الأهواء، ويعنى بالرياضة ms223 البدنية منها والنفسية، ~~الواحدة متممة للأخرى وكل منها مرب للإرادة، وكان يحتقر العرف ويقول بالطبيعة ~~الإنسانية يستوحيها الحكيم ويتبع قوانينها دون القوانين الوضعية والاصطلاح السائر، ~~وكان ينظر إلى الفرد مستقلا عن الجماعة وماهية منفصلة، ويرى الفضيلة ممكنة له ~~بهذا الاعتبار، على عكس أفلاطون وأرسطو اللذين كانا يجعلان المدينة شرط الفضيلة، ~~وكان الكلبيون بالإجمال أقل أهل زمانهم شعورا بالوطنية وحرصا عليها وأكثرهم ميلا ~~للإنسانية، يستحبون الدول الكبرى كدولة الفرس ودولة الإسكندر دون الأوطان الضيقة أي ~~المدن اليونانية وعصبياتها، وهذا اتجاه جديد سيسير فيه الرواقيون، وهو متلائم مع ~~القول بالماهيات منفصلة ليس بينها علاقات توضع في أحكام، فماهية الإنسان لا تتضمن ~~علاقة وطنية أو سياسية ولا ترجع إلى أية ماهية أخرى، فهي مطلق لا يحتمل الإضافة وهي ~~الحقيقة وما عداها فهو عرف لا وزن له عند الحكيم، فيتبين من هذا أن المذهب الكلبي ~~وحدة متماسكة الأجزاء. ~~(82) أرستبوس والمدرسة القورينائية ~~(أ) نشأ أرستبوس في قورينا (27-و) ثم رحل إلى أثينا وانضم إلى السوفسطائيين إلى أن ~~اتصل بسقراط فكان واحدا من تلاميذه المواظبين، وبعد ممات المعلم سافر إلى جهات ~~مختلفة وقضى مدة طويلة في بلاط سراقوصة لعهد دنيسوس الأول وابنه من بعده، والتقى ~~هناك بأفلاطون ولكنه أصاب من النجاح أكثر مما أصاب صاحبه؛ لما كان يظهر من الخنوع ~~والملق؛ استبقاء للنعمة، فدعاه ديوجانس «بالكلب الملكي»، وفي أواخر حياته عاد إلى ~~قورينا وعلم فيها. ~~(ب) ويستدل مما عرف عن مدرسته أنه كان حسيا تصوريا مثل بروتاغوراس يقول: إنا ~~لا ندرك سوى تصوراتنا ولا نبلغ إلى الأشياء التي تسبب الإحساسات، بل لا ندري إن ~~كانت إحساساتنا تشبه إحساسات غيرنا من الناس؛ لأن الإحساس شخصي ونحن منعزلون عن ~~الخارج كأننا في مدينة محصورة ولا يشترك الناس في غير الألفاظ التي يسمون بها ~~إحساساتهم، واللفظ الواحد يدل على شعور مختلف عند كل منهم، وإذن فلا حكم ولا علم، ~~وكان أرستبوس هو أيضا يزدري العلم النظري كالكلبيين، أما الأخلاق فقائمة على هذا ~~الأساس التصوري أي على الشعور باللذة والألم، ms224 وهذا الشعور حركة فإن كانت الحركة ~~خفيفة كان الشعور لذيذا، وإن كانت عنيفة كان مؤلما، فاللذة هي الخير الأعظم وهي ~~مقياس القيم جميعا: هذا هو صوت الطبيعة فلا خجل ولا حياء، وما القيود والحدود إلا ~~من وضع العرف، إذن فالسعادة في اللذة وفي اللذة الحاضرة لكن من غير تعلق بها؛ لأن ~~التعلق مصدر قلق وألم، ومن غير تفكير في المستقبل؛ لأن المستقبل غيب والتفكير فيه ~~مصدر قلق وألم كذلك، فالحرية الحقة والسعادة الصحيحة في التخلص من الشهوة باللذة ~~التي ترضيها، أو بالتخلص من الحياة متى لم يعد منها نفع ... ~~(ج) وخلفته ابنته وخلفها ابنها أرستبوس الصغير، ويقال: إنه هو الذي علم مذهب ~~اللذة فأضيف المذهب إلى جده، وقد يكون هذا القول صحيحا بدليل أن أرسطو لا يذكر ~~أرستبوس في كلامه عن اللذة، ومهما يكن من هذه النقطة فقد غلا رجال المدرسة في ~~الحسية وعلموا الإلحاد، فقال واحد منهم: إن الآلهة في الأصل رجال ممتازون كرمهم ~~الناس بعد مماتهم. وآخر ممثلي المدرسة «هجسياس» ذهب إلى أن اللذة التي هي الخير ~~الأوحد لا تتحقق قوية خالصة إلا في النادر، وأن مجموع آلام الحياة يربى على لذاتها، ~~فالسعادة أمنية مستحيلة، وطلب اللذة عبث بل تناقض؛ لأن اللذة تخلف الألم دائما، ~~فالحكمة تنحصر في اتقاء الألم، ولا يتسنى ذلك إلا بقتل الشهوة والامتناع عن اللذة، ~~ولكن الطبيعة إذا قهرت على هذا النحو عادت خامدة لا خير فيها، وصارت الحياة معادلة ~~للموت، فما على المتعب من الحياة إلا أن يستشفي بالموت، فلقب هجسياس «بالناصح ~~بالموت» واستمع له كثيرون واقتنع البعض بأقواله فانتحروا، وخشي الملك بطليموس أن ~~تمتد عدوى الانتحار فنفى هجسياس وأغلق المدرسة. # الفصل الثاني # | أبيقوروس # (83) حياته ومصنفاته ~~(أ) ولد أبيقوروس في ساموس سنة 341 من أسرة أثينية، وكان أبوه معلما، وكانت أمه ~~ساحرة تعزم في المنازل للتطبيب والتطهير، ولما بلغ الثامنة عشرة قصد إلى أثينا ~~ولم تطل إقامته بها فرحل إلى آسيا الصغرى وعلم في بعض مدنها، ثم عاد إلى أثينا ~~وافتتح مدرسة سنة ms225 306 فأقبل عليه التلاميذ رجالا ونساء يتعلمون منه «حياة اللذة ~~السهلة»، وكان أكثر اجتماعهم في الحديقة لا في حجرات البناء، يتجاذبون أطراف الحديث ~~في الأخلاق، فقيل لذلك: «حديقة أبيقوروس»، كان ضعيف البنية ولكنه كان قوي النفس ~~شديد التجلد للمرض، وكان كثير الاعتداد بنفسه، يدعي أن مذهبه وليد فكره، ويأبى أن ~~يعترف بفضل عليه لأحد ممن تقدمه وعاصره من الفلاسفة، فهجاهم جميعا، نخص بالذكر ~~ديموقريطس وأرسطو، ثم رجلين كان قد استمع إلى دروسهما، أحدهما أفلاطوني والآخر ~~ديموقريطي، ولكنه كان طيب القلب مع أصدقائه وتلاميذه بارا بهم، أوقف عليهم البناء ~~والحديقة وأوصاهم أن يعيشوا جماعة مؤتلفة متحابة، وكانوا هم يحبونه ويجلونه أكبر ~~إجلال، وانتشرت تعاليمه فتأسست مراكز أبيقورية في بعض مدن إيونية وفي مصر «ثم في ~~إيطاليا الرومانية بعد وفاته». ومرض بالحصوة ومات بها سنة 270 بعد أن احتمل آلامها ~~بشجاعة نادرة كانت مثلا عاليا لمريديه، ولفرط إعجابهم به في حياته ومماته اعتبروه ~~إلها جاء العالم بوحي جديد، وكانوا يكرمون ذكراه تكريما دينيا. ~~(ب) وتذكر له كتابات كثيرة، منها كتاب «في الطبيعة» وآخر في المنطق اسمه ~~«القانون» ورسائل إلى مريديه في الخارج، وكل ما بقي لنا ثلاث من هذه الرسائل: واحدة ~~في الطبيعة، وأخرى في الآثار العلوية ربما كانت منحولة، والثالثة في الأخلاق، ثم ~~«الأفكار الرئيسية» وهي عبارة عن ملخص المذهب في مائة وإحدى وعشرين فكرة، إحدى ~~وثمانون منها اكتشفت سنة 1888 وأربعون كانت معروفة من قبل. ~~(84) المنطق ~~(أ) كان أبيقوروس يشبه سقراط والسقراطيين في الرغبة عن كل علم لا يتصل بالأخلاق ~~ولا يعود بفائدة من هذه الجهة، فكانت الأخلاق عنده محور الفلسفة وغايتها، يخدمها ~~«العلم القانوني» - أي المنطق - والعلم الطبيعي، وكان تعريفه الفلسفة أنها «الحكمة ~~العملية التي توفر السعادة بالأدلة والأفكار.» وهي بهذا المعنى ميسورة لكل إنسان في ~~كل سن، فكانت المدرسة مفتوحة لكل «طالب نجاة» ملم بالقراءة وكفى، وبهذا المعنى ~~أيضا كان أبيقوروس يباهي بأنه بدأ يتفلسف في الرابعة عشرة ويقول: «ألا لا يبطئن ~~الشاب في التفلسف، ولا يكلن الشيخ ms226 من التفلسف، فإن كل سن ملائمة للعناية بالنفس، ~~وإن القول بأن ساعة التفلسف لم تحن بعد أو أنها فاتت معناه أن ساعة طلب السعادة لم ~~تحن بعد أو أنها فاتت.» ~~(ب) فهو إذا اشتغل بالمنطق لم يحفل بالمنطق العلمي، وإنما وجه همه لنقد المعرفة، ~~والنظر في علامات الحقيقة، وفي الطريق إلى اليقين أو الطمأنينة العقلية التي تؤدي ~~إلى السعادة، والمعرفة عنده أربعة أنواع: الانفعال والإحساس والمعنى الكلي والحدس ~~الفكري، فالانفعال هو الشعور باللذة والألم، والإحساس الإدراك الظاهري، وكلاهما ~~يظهرنا على علته الفاعلية أي التي تحدثه فينا؛ فإن الإحساسات صادقة على السواء أي ~~إنها صور مطابقة للأشياء بخلاف ما ذهب إليه ديموقريطس من أن الكيفيات المحسوسة ~~«اصطلاح»، أما خطأ الحواس فليس في الإدراك بل في الحكم الذي يضيفه العقل للإدراك؛ ~~فنحن لا نخطئ إن قلنا عن برج بعيد: إنا نراه مستديرا، ولكنا نخطئ إن اعتقدنا أنه ~~مستدير بالفعل، وأنا سنراه كذلك إن اقتربنا منه، وأما تناقض الحواس فليس يقع بين ~~الإحساسات؛ لأن لكل إحساس مجاله الخاص، وإنما هو يقع بين الأحكام التي تضاف إليها، ~~فأبيقوروس يثق بالإحساس ويتهم إضافات العقل. ~~(ج) ومتى تكرر الإحساس أحدث في الذهن معنى كليا ثبتناه في لفظ، ولما كان هذا ~~المعنى الكلي صادرا عن الإحساس فهو صورة حقيقية مثله، وبعد أن يتكون يبقى في الذهن ~~«فكرة سابقة» نطبقها على الجزئيات كلما عرضت لنا في التجربة، فهو الذي يسمح لنا أن ~~نسأل مثلا: «هذا الحيوان الماشي أهو فرس أم ثور؟» وهو الذي يسمح لنا أن نصدر ~~أحكاما تجاوز التجربة الراهنة مثل قولنا: «هذا الشبح الذي أبصره هناك هو شجرة.» ~~فإن الأسئلة والأحكام التي من هذا القبيل تعني أننا حاصلون على المعاني المذكورة ~~فيها حصولا سابقا على الإحساس الذي حملنا على السؤال والحكم، على أن مثل هذه ~~الأحكام لا تصير تصديقات إلا إذا أيدها الإحساس. ~~(د) والحدس الفكري استدلال، وله منهجان: فهو من ناحية يؤدي بنا إلى التصديق ~~بأشياء ليست واقعة في التجربة تقتضيها كعلة أو شرط، أو ms227 لا تبطلها: مثل الجوهر الفرد ~~فإن التجربة تقتضيه كما يتبين من العلم الطبيعي، ومثل الخلاء فإنه شرط الحركة من ~~حيث إن الملاء لا يدع للجسم المتحرك مكانا يتحرك فيه؛ والحركة ظاهرة محسوسة جلية ~~فشرطها موجود، ومثل لا نهاية المادة فإن التجربة إن لم تؤيدها فهي لا تبطلها، هذه ~~الأشياء يسميها أبيقوروس باللامحسوسات ولكنه لا يعني أنها لا ماديات كما هو واضح من ~~الأمثلة المذكورة ومن أن مذهبه حسي، ومن ناحية أخرى الحدس الفكري استدلال يؤدي بنا ~~إلى استخراج تفاصيل العالم من «نظرة إجمالية» مثل استخراج الظواهر الجوية من معرفة ~~مفاعيل العناصر، وهذا منهج يسمح بإدراك اللامحسوسات في أنفسها لا في علاقاتها ~~بالمحسوسات، وسنرى أمثلة على ذلك فيما يلي . ~~(85) الطبيعة ~~(أ) اصطنع أبيقوروس مذهب ديموقريطس؛ ولكنه نظر إليه نظرة خاصة وأدخل عليه بعض ~~التعديل، هذه النظرة وهذا التعديل هما عذره في ادعائه الابتكار وإنكاره فضل سلفه ~~الكبير، أما التعديل فسوف نشير إليه في سياق الكلام؛ وأما النظرة الخاصة فهي أن ليس ~~للعلم الطبيعي قيمة ذاتية ولا يعتبر مطابقا لحقيقة الوجود، وإنما هو، مع استقلاله ~~بقضاياه وبراهينه، مرتب لعلم الأخلاق؛ ذلك لأن الظاهرة الطبيعية قد تحدث عن أكثر من ~~علة؛ فهي لذلك تحتمل أكثر من تفسير، فالعلم الطبيعي مجموعة تفسيرات ممكنة قد يستطاع ~~وضع تفسيرات غيرها ممكنة، والغرض منه على كل حال «تخليص البشر من خوف الظواهر ~~الجوية والموت»، فالتفسيرات سواء ما دامت تفي بهذا الغرض، مثال ذلك: قد تكون علة ~~الكسوف توسط القمر، وقد تكون توسط جسم غير منظور، وقد تكون انطفاء الشمس وقتيا، ~~ولا حاجة لإيثار تفسير على آخر فإن أي واحد منها يكفي لتبديد الخوف من الكسوف، وهذا ~~هو المقصود، ولا حاجة كذلك لاستقصاء تفاصيل العالم فإن «نظرة إجمالية» تكفي؛ إذ ليس ~~العلم الطبيعي مطلوبا لذاته بل لعلم الأخلاق وبالقدر اللازم له فحسب. وهذا موقف له ~~مثيله في العصر الحاضر مع تقدم العلوم واستكمال آلاتها؛ فإن كثيرين من فلاسفتنا ~~وعلمائنا يرون القوانين العلمية نسبية أو «فروضا نافعة» ويظنون أن ms228 هذه النسبية هي ~~الطريقة الوحيدة لتخليص الإنسان من سيطرة الضرورة المطلقة وإقامة الأخلاق. ~~(ب) الجواهر الفردة موجودة ولو لم تكن منظورة، أليست قوة الريح والأصوات والروائح ~~والتبخر والزيادة والنقصان البطيئان أمورا حقيقية غير منظورة؟ «وهذا تطبيق لأحد ~~منهجي الحدس الفكري» أما اتصال المادة الذي يلوح أن الحواس تشهد به فهو وهم يشبه ~~رؤية قطيع الغنم من بعيد بقعة ثابتة، الجواهر الفردة موجودة إذن وهي في عدد غير ~~متناه تؤلف عوالم غير متناهية لكل عالم شكله وموجوداته وقتا ما ثم يتبدل بانتقال ~~الجواهر من عالم إلى آخر، وليست الجواهر متجانسة كما ارتأى ديموقريطس وليس يمكن ~~تركيب أي شيء من أي الجواهر، فإن بقاء الأنواع يقتضي أن تكون الأجزاء التي تدخل في ~~تركيب أفراد النوع حاصلة على مقدار وصورة لا يتغيران، ولو أنها لم تثبت في مركباتها ~~إلا بعد محاولات عديدة، والجواهر متحركة أبدا في خلاء لا متناه، وعلة الحركة باطنة ~~فيها وهي الثقل، وكان ديموقريطس قد سلبها الثقل فترك الحركة من غير علة. بالثقل إذن ~~تتحرك الجواهر في خط مستقيم من أعلى إلى أسفل - كما يشهد به سقوط الأجسام - وبسرعة ~~واحدة مع اختلاف مقاديرها، فإن تفاوت السرعة إنما يتأتى عن تفاوت مقاومة الأوساط ~~التي يجتازها الجسم المتحرك، والخلاء عديم المقاومة فالسرعة فيه متساوية، غير أن ~~للجواهر انحرافا عن خط سقوطها، تنحرف من تلقاء أنفسها مقدارا صغيرا للغاية ~~فتلتقي وتؤلف المركبات، ولا يحتج بأن التجربة لا تظهرنا على هذا الانحراف، ~~فلولاه لاستمرت الجواهر تسقط في الخلاء بلا انقطاع دون أن تلتقي أبدا لتأليف ~~الأشياء، والأشياء موجودة فيلزم أن شرط وجودها حقيقي من حيث إن الانحراف هو الفرض ~~الوحيد الذي يفسر تلاقي الجواهر، هذا من جهة وتطبيقا لأحد منهجي الحدس الفكري. ومن ~~جهة أخرى وتطبيقا للمنهج الثاني نقول: إنا نحس في أنفسنا الإرادة الحرة ومضادتها ~~لحركة الجسم الطبيعية، والإرادة هي الانحراف في الإنسان، فإذا كان الانحراف متحققا ~~فينا فهو متحقق في الجواهر؛ إذ لا يمكن أن نعتبر الإنسان استثناء في الطبيعة ولا ~~يمكن ms229 أن تخرج الحرية من اللاحرية، وهذه نقطة أخرى يفترق فيها أبيقوروس عن ديموقريطس ~~فيخرج على الضرورة المطلقة، ويقول بالحرية شرطا للأخلاق ولو أن هذه الحرية عنده ~~انحراف آلي ليس غير. ~~(ج) والأحياء أعقد المركبات نشأت اتفاقا على ما قال أنبادوقليس وديموقريطس، ~~وبقي الأصلح وثبت نوعه، والنفس الإنسانية جسم حار لطيف للغاية تتألف مع الجسم وتنحل ~~بانحلاله، وهي اثنتان أو لها وظيفتان: إحداهما حيوية هي بث الحياة في الجسم، ~~والأخرى وجدانية هي الشعور والفكر والإرادة، وتؤدي النفس الوظيفة الأولى بجواهر ~~لطيفة متحركة حارة منتشرة في الجسم كله، وتؤدي الوظيفة الثانية بجواهر ألطف ~~محلها القلب، الأولى شرط الثانية والجسم شرط النفس كلها، فإن الجسم إذا انفصلت ~~جواهره انطلقت النفس وتبددت جواهرها، والنفس الحيوية تتألم بألم الجسم، أما النفس ~~المفكرة أو «نفس النفس» فإن لها من الاستقلال ما تستطيع معه أن تكون سعيدة مهما يكن ~~من حال الجسم. ويفسر الإحساس بأن «قشورا» رقيقة غاية الرقة تنبعث باستمرار من سطح ~~الأشياء وتتحرك بسرعة في الهواء محتفظة بصور الأشياء المنبعثة عنها - فهي «أشباه» ~~لها - حتى إذا ما صادفت الحواس وبلغت إلى القلب أحدثت الإحساس، وفي الهواء أشباه لا ~~يحصيها العد متطايرة ليس فقط من الأشياء القريبة بل أيضا من الأشياء البعيدة ~~والماضية، وهذه أصل خيالات المنام واليقظة: فالمخيلة تجري على نسق الحس تماما، ~~والخيالات إحساسات لا صور مستعادة، ولو توهمنا عكس ذلك من أننا نتخيل ما نشاء، ~~فالحقيقة أن ألوفا من الأشباه تزدحم على الفكر في كل وقت، فلا يتأثر الفكر إلا ~~بالتي يوجه إليها انتباهه، فنظن أننا نستعيد صورا ماضية، وهذه الأشباه عرضة لأن ~~يختلط بعضها ببعض في مجاريها أو تلتوي أو تنقسم، وهذا أصل أخطاء الحواس كرؤية البرج ~~المربع مستديرا، وهذا أصل تصورنا في المنام الحيوانات الخرافية التي لم توجد قط، ~~وإذن فلا موجب للخوف مما يبدو لنا في الأحلام ولا إلى اعتباره نذيرا من لدن ~~الآلهة. ~~(د) والآلهة موجودون، يدل على وجودهم أولا: أنهم موضوع «فكرة سابقة» شائعة في ~~الإنسانية جمعاء، والفكرة ms230 السابقة تتكون بتكرار الإحساس وكل إحساس فهو صادق، وأساس ~~هذه الفكرة السابقة الخيالات التي تتراءى لنا في المنام وفي اليقظة، والتي لا بد أن ~~تكون منبعثة عن الآلهة أنفسهم. ثانيا: عندنا فكرة وجود دائم سعيد، والآلهة يقابلون ~~هذه الفكرة. ثالثا: لكل شيء ضده يحقق المعادلة في الوجود، فلا بد أن يقابل الوجود ~~الفاني المتألم وجود دائم سعيد. ويجب أن نتصور الآلهة على حسب أحسن شيء فينا: ~~أجسامهم لطيفة غاية اللطافة متحركة أبدا بين العوالم بمعزل عنها، فلا ينالهم ما ~~ينالها من دثور ولكنهم مخلدون، ولما كانوا سعداء بعيدين عن العوالم كما قلنا فهم لا ~~يعنون بنا ولا يكدرون صفوهم بشئوننا ولا يعلنون عن إرادتهم بالنذر كما تعتقد ~~العامة ، هذه المعتقدات وما يتفرع عليها من خرافات مثل تقديم القرابين للآلهة - ~~وأحيانا القرابين البشرية - لطلب مددهم ورضائهم، تناقض الفكرة السابقة عنهم؛ إذ ~~يستحيل أن يكون الآلهة سعداء مطمئنين مع ما نضيفه إليهم من عواطف وشواغل، فعلينا ~~أن نطمئن نحن من جهتهم وأن ننفي عن نفوسنا الخوف منهم. ولقد كان هذا الخوف عظيما ~~في اليونان بما توارثوه من أساطير عن القدر يعبث بالبشر عبثا، وبما حشدت هذه ~~الأساطير في العالم الآخر من حيوانات هائلة وعذاب أليم، فأراد أبيقوروس أن يرفع ~~عنهم هذا الكابوس وكان في وسعه أن يحول أنظارهم إلى جنات أفلاطون فآثر أن يمحو ~~الجنة والجحيم جميعا بهذا المذهب المتهافت السخيف، ومع اعتقاده هذا في الآلهة فقد ~~كان يختلف إلى المعابد ويشارك في الشعائر، ولعله كان يفعل ذلك؛ استرضاء للعامة، ~~وتفاديا من الخصومة معهم، وهو فيلسوف الراحة والطمأنينة كما سنرى. ~~(86) الأخلاق ~~(أ) في هذا المذهب السعادة هي اللذة الجسمية من حيث إنه لا يعترف بغير المادة، ~~وفي الواقع يقرر أبيقورس أن غاية الحياة اللذة، ولكنه لا يتابع أرستبوس بل يعالج ~~فكرة اللذة بحذق ومنطق حتى يحيلها نوعا من السعادة الروحية ويستبقي الفضائل ~~المعروفة ويستبعد الرذائل، مما يجعل لمذهبه الخلقي مكانا خاصا بين المذاهب، ~~يقول: تشهد التجربة أننا نطلب اللذة وأن الحيوان يطلبها ms231 مثلنا بدافع الطبيعة دون ~~تفكير ولا تعليم، فالطبيعة هي التي تحكم بما يلائمها لا العقل الذي هو في الحقيقة ~~عاجز عن تصور خير مجرد من كل عنصر حسي، وكيف يستطيع ذلك وجميع أفكارنا ترجع إلى ~~إحساسات ومن ثمة إلى لذات وآلام، وإذا نحن استبعدنا الحس من الإنسان فليس يبقى ~~شيء. ومتى تقرر أن اللذة غاية لزم أن الوسيلة إليها فضيلة، وأن العقل والعلم ~~والحكمة تقوم في تدبير الوسائل وتوجيهها إلى الغاية المنشودة، وهي الحياة اللذيذة ~~السعيدة، فليس من الحق وصف اللذة بأنها جميلة أو قبيحة، شريفة أو خسيسة؛ فإن كل لذة ~~خير وكل وسيلة إلى اللذة خير كذلك، بشرط أن تكون اللذة لذة وأن تكون الوسيلة مؤدية ~~إلى لذة، ومعنى هذا الشرط أن للذة عواقب وقد لا تكون جميع عواقبها خيرا؛ فإن ~~الشره مثلا يورث المرض، فيجب تعديل اللذة بالألم واجتناب اللذة التي تجر ألما ~~واعتبارها وسيلة سيئة للسعادة، وللألم عواقب كذلك وقد لا تكون جميعها شرا فيجب ~~تعديل الألم باللذة وتقبل الألم الذي يجر لذة أعظم، وبهذا يستحيل مذهب اللذة إلى ~~مذهب المنفعة، لقد كان أرستبوس يرد كل لذة إلى اللذة الحاضرة؛ مخافة أن يفوتنا ~~المستقبل وأن ينقلب حسبان العواقب قيدا وعبودية، ولكن أليس في محاولة التحرر من ~~المستقبل عبودية للحاضر؟ إن السعي لغاية بعينها طول الحياة يعود بحرية أوسع من حرية ~~مجاراة الأهواء على ما يتفق، وإذن فما يجب طلبه هو أكبر مجموع ممكن من اللذات مدى ~~الحياة. ~~(ب) ويستتبع هذا الموقف تصنيف اللذات، وقد كان أرستبوس يدعي أنها جميعا سواء، ~~وربما صح هذا إذا نظرنا إليها في أنفسها على أنها لذات، أما إذا اعتبرنا صلتها ~~بالطبيعة وعواقبها في الحياة بأكملها وجدناها تتفاوت، وفي الواقع يمكن ردها إلى ~~طوائف ثلاث؛ الأولى: لذات صادرة عن نزعات طبيعية وضرورية وهي تلك التي تسكن آلاما ~~طبيعية مثل لذة الطعام والشراب عند الجوع والعطش، والثانية: لذات صادرة عن نزعات ~~طبيعية ولكنها غير ضرورية وهي تلك التي تنوع اللذة فقط ولا ترمي إلى ms232 تسكين ألم ~~طبيعي مثل لذة الأغذية المترفة، والثالثة: لذات صادرة عن نزعات ليست طبيعية ولا ~~ضرورية ولكنها تقوم في النفس بناء على ظن باطل مثل لذة المال والكرامات ~~الاجتماعية، فالحكيم يصغي دائما إلى نزعات الطائفة الأولى، وهي أبسط النزعات ~~وألزمها تقوم بذاتها وتقوم النزعات الأخرى عليها، وإرضاؤها سهل ميسور، والحكيم يقهر ~~نزعات الطائفة الثالثة ويرفض لذائذها بالكلية، أما نزعات الطائفة الثانية فينظر إن ~~كان يرضيها أم يقمعها، ويرجع هذا النظر إلى الحكمة العملية فإن حكمت بقبولها أرضاها ~~بتؤدة؛ خشية أن يحولها بالشغف إلى نزعات ضرورية فينقلب عبدا لها. ~~(ج) وإنما تنشأ النزعات من اختلال توازن الجسم فإذا استعاد الجسم توازنه زال ~~ألمه فاطمأن وسكن، هذه الطمأنينة هي اللذة تنتهي ويعود الألم إذا عاد الجسم إلى ~~الاختلال، فالنزوع وسط بين سكونين، هو حركة يريد بها الكائن الحي أن يدفع الألم عن ~~نفسه؛ أي أن يستعيد توازنه وسكونه، وليس السكون فراغا من اللذة أو حالة شبيهة ~~بالنوم أو بالموت، فإن مثل هذه الحالة ليس سعادة، ولكنه هو اللذة بعينها، هو ~~الاستمتاع بالتوازن، فإن اللذة تنشأ حالما يزول الألم، وإذا انتفى كل ألم فهناك ~~اللذة العظمى، وإذن فغايتنا القصوى يجب أن تكون التوازن التام والطمأنينة التامة ~~بمأمن من كل اختلال واضطراب، ولكن الجسم عرضة للألم دائما، فمن هذه الجهة تبدو ~~غايتنا مستحيلة، غير أننا نستطيع دائما أن نوجد إلى جانب الألم الجسمي لذة عقلية ~~نلطفه بها مهما اشتد ونحقق الطمأنينة؛ ذلك بأن النفس تلذ باللذة الحاضرة وبذكرى ~~اللذة الماضية وبرجاء اللذة المستقبلة فتستطيع في الوقت الذي تألم فيه أن تذكر ~~اللذة المضادة لألمها وأن ترجوها، وعلى ذلك تكون لذة اللذة مستقلة عن الظروف ~~الخارجية مستطاعة للنفس دائما، فسعادتنا تتوقف على النفس ويجب أن يتوجه جهدنا إلى ~~توفير الطمأنينة للنفس كما نحاول أن نوفر للجسم توازنه، وأول أسباب اضطراب النفس ~~الجهل بالطبيعة وما يلزم عنه من خرافات، أما الحكيم فيعلم أن الأشياء متمشية على ~~نظام ثابت فهو لا يخاف الظواهر الجوية ولا القدر ولا ms233 الآلهة، بل لا يخاف الموت فإن ~~خوف الموت من فعل المخيلة؛ يتخيل الإنسان أن هذا الجسم الممدود هو هو ويضيف إليه ~~حساسيته فيأخذه الرعب من ظلام القبر وتعفن الجسم، أما الحكيم فيعلم أن الموت فناء ~~تام؛ هو يعلم أنه حين نوجد فليس يوجد الموت، وحين يوجد الموت ننعدم، لذلك يبطل خوفه ~~منه، وهو يعلم أن الخلود مستحيل فلا يفكر فيه ولا يتحسر عليه، إن المهم في السعادة ~~قوة اللذة لا مدتها؛ إذ إن المدة لا تزيد في اللذة، ولكن أبيقوروس كان قد قال عكس ~~ذلك لما خالف أرستبوس وآثر اللذة المتصلة مدى الحياة، فإذا كانت اللذة هي الغاية ~~وكان كل شيء ينتهي عند الموت فما هو الفيصل بين المذهبين؟ ولم تفضل الحياة ~~الطويلة الخفيفة اللذة الحياة القصيرة القوية اللذة؟ وقال أبيقوروس عكس ذلك أيضا ~~لما عرف لرجاء اللذة أثره في النفس، فإذا كان هذا الرجاء لاذا إلى حد تلطيف ألم ~~جسمي محسوس فإن رجاء استمرار اللذة يزيد فيها من غير شك، وإن توقع انقضاءها ينقصها ~~ويلاشيها، ولقد كان أبيقوروس بارعا في انتقاله من اللذة إلى المنفعة، ثم انتقاله ~~من لذة الحواس إلى لذة النفس بواسطة الذاكرة والمخيلة دون أن يضع بين الحس والنفس ~~فرقا جوهريا، ودون أن يغير معنى اللذة، ولكن المذهب لا يكمل ولا يتوطد إلا ~~بالانتقال من المنفعة إلى الخير وبالاعتراف للنفس بقيمة خاصة وحياة خالدة وإلا كانت ~~الأخلاق لغوا وكان الموقف المعقول أن نطلب اللذة ما وسعنا الطلب على قول أرستبوس، ~~حتى إذا ما نالنا الإعياء وأصابنا المرض أو أدركتنا الشيخوخة انتحرنا على قول ~~هجسياس. ~~(د) قلنا: إن أبيقوروس يستبقي الفضائل المعروفة، والحقيقة التي وضحت الآن أنه لا ~~يستبقيها إلا في الظاهر وإلى الحد الذي يتفق مع المنفعة ويكفل الطمأنينة، فالعفة ~~تقتصر على اللذات الطبيعية الضرورية وتقنع منها بمقدار خشية الاضطراب والألم، وترجع ~~الشجاعة إلى تحمل الألم في سبيل اللذة والتسليم بما لا مفر منه، والصداقة نافعة ~~لذيذة فالحكيم يتعدها كوسيلة للسعادة، ولكنه يتجنب الحب؛ لأنه مصدر ms234 اضطراب للنفس، ~~كذلك لا يتزوج الحكيم في الأكثر لما يجره الزواج من شواغل متعددة، وللسبب عينه ~~ينبذ الحكيم المناصب الحكومية وينفض يديه من الشئون العامة، أما العدالة فموضوعها ~~ألا يضر بعضنا بعضا؛ مخافة رد الفعل، وهي في الأصل تعاقد قائم على المنفعة بحيث لو ~~انتفى التعاقد أو تعارضت معه المنفعة أصبحنا في حل من هذه العدالة. # وبعبارة أخرى أننا نقبل القانون لنحتمي من العدوان لا أكثر، فإذا رأينا في الخروج ~~على القانون منفعة لنا وأمكننا أن نخرج عليه دون أن ينالنا أذى فلنا ذلك ونحن بمأمن ~~من حكم الضمير، ولنا أن نستوحي المنفعة من باب أولى حين لا يكون هناك عقد؛ إذ لا حق ~~لمن لا يستطيع أو لا يريد التعاقد، فردا كان أو شعبا، فلا عدالة ولا ظلم، ولكننا ~~في الغالب لا نأمن انتقام الغير، فالحكيم يرعى العدالة ليضمن لنفسه السلامة من ~~الانتقام ومن خوف الانتقام وليحتفظ بالطمأنينة وهي خيره الأعظم، وكل هذا منطقي في ~~المذهب الحسي، قال به السوفسطائيون قبل أبيقوروس، وقال به من بعده الحسيون ~~المحدثون، وغاية ما فعله فيلسوفنا أنه احتال على مبادئه حتى طابق بينها وبين ~~الطبيعة الإنسانية كما تفهمها فطرة العقل فاعترف بهذه الطبيعة من حيث لم يرد، غير ~~أن هذه المطابقة ظاهرية فقط كما أسلفنا، فلم تقو طويلا على منطق المبادئ، ولم ~~يلبث الأبيقوريون أن شابهوا القورينائيين، حتى اتخذ العرف اسم أبيقوروس عنوانا ~~لمذهب اللذة والاستهتار فظلمه شخصيا، ولكنه أنصف مذهبه في جوهره وفي سيرة أتباعه ~~وقد تعاقبوا أجيالا إلى ما بعد المسيحية؛ يعيشون عيشة «اللذة السهلة». # الفصل الثالث # | الرواقية # (87) مؤسسو الرواقية ~~(أ) الرواقية معاصرة للأبيقورية ومعارضة لها، وضع أصولها زينون وكملها تابعان من ~~بعده، وثلاثتهم آسيويون، ولد زينون في كتيوم من أعمال قبرص سنة 336، وكان أبوه فيما ~~يروى تاجرا قبرصيا يختلف إلى أثينا للتجارة ويحمل منها كتب السقراطيين، فقرأها ~~ابنه ورغب في الاتصال بأصحابها، قدم أثينا حوالي سنة 312 بعد أن اشتغل هو أيضا ~~بالتجارة، فاستمع إلى ثاوفراسطس وإلى أقراطيس تلميذ ديوجانس ms235 الكلبي وإلى أستلبون ~~الميغاري وإلى رجال الأكاديمية، ثم أنشأ مدرسة في رواق - «ستوي» باليونانية - كان ~~فيما سلف محل اجتماع الشعراء، فدعي وأصحابه بالرواقيين، وكان مستمعوه كثيرين معجبين ~~بسمو أخلاقه، وتوفي سنة 264. ~~(ب) وخلفه أقلاينتوس (331-232)، جاء من أسوس وانضم إلى المدرسة ثم ترأسها من وفاة ~~زينون إلى وفاته، وكان مصارعا قبل أن يتوفر على الفلسفة، وامتاز بقوة إيمانه ~~بالمذهب وشدة تعصبه له، ولكنه كان قليل الحظ من المقدرة الجدلية، قليل التوفيق في ~~مناقشاته مع الأبيقوريين فتقهقرت المدرسة في أيامه، ولكنها عادت فازدهرت بزعامة ~~أقريسيبوس: ولد سنة 282 في سولس من أعمال قبرص؛ حيث كان أبواه قد هاجرا من طرسوس من ~~أعمال كيليكية، ودخل المدرسة فرفع من شأنها بتعليمه القوي وكتبه الكثيرة ، واستحق ~~لقب المؤسس الثاني للرواقية، وتوفي سنة 209، ولم يبق لنا من كتبهم على كثرتها سوى ~~بعض العناوين والشذرات، لذلك يصعب تصوير مذهبهم بشيء من الدقة، وأصعب منه تعيين ~~نصيب كل منهم في مجموعه كما أمكن تركيبه. ~~(88) المنطق ~~(أ) إذا أردنا أن نجمل الرواقية القديمة في عبارة واحدة قلنا: إنها مذهب هرقليطس ~~أفاد من تقدم الفكر في ثلاثة قرون، فهي تقول بالنار الحية وباللوغوس أو العقل ~~منبثا في العالم وتسميه الله وترتب عليه الغائية والضرورة المطلقة وتقيم الأخلاق ~~على الواجب، فتعارض الأبيقورية التي تقول بالآلية والاتفاق والحرية وتقصي الآلهة ~~خارج العوالم وتقيم الأخلاق على اللذة، ووجه إفادة الرواقية من تقدم الفكر أنها ~~اشتغلت بالمنطق أكثر وأحسن مما اشتغل أبيقوروس وأتباعه واصطنعت آراء أفلاطونية ~~وفصلت القول في الأخلاق، والفلسفة عندها «محبة الحكمة ومزاولتها» والحكمة «علم ~~الأشياء الإلهية والإنسانية» تنقسم إلى ثلاثة أقسام: العلم الطبيعي والجدل - أي ~~المنطق - والأخلاق، ولكن هذا التقسيم اعتباري فقط، فإن العلم الطبيعي يعلمنا وحدة ~~الوجود، فالعقل الذي يعلم هذا ويربط المعلولات بالعلل في الطبيعة هو الذي يربط ~~التالي بالمقدم في المنطق، وهو الذي يطابق بين أفعاله وبين قوانين الوجود في ~~الأخلاق، وبعبارة أخرى المنطق صورة الطبيعة في العقل، والأخلاق خضوع العقل للطبيعة، ~~بحيث إن الرجل الفاضل طبيعي ms236 وجدلي، وإن الطبيعي جدلي وفاضل بالضرورة، وبحيث إن ~~«الحكمة تشبه حقلا أرضه الخصبة العلم الطبيعي، وسياجه الجدل، وثماره الأخلاق» ~~وسيتضح ذلك من مجمل هذا الفصل. ~~(ب) الرواقيون ماديون، فكل معرفة هي عندهم معرفة حسية أو ترجع إلى الحس، والأصل ~~في المعرفة أن الشيء يطبع صورته في الحس بفعل مباشر لا بواسطة «أشباه» كما يقول ~~الأبيقوريون، والمعرفة التي من هذا القبيل «فكرة حقيقية» يقينية تمتاز بالقوة ~~والدقة والوضوح، تحمل معها الشهادة بحقيقة موضوعها ويستحيل الخلط بينها وبين فكرة ~~أخرى، والأفكار الحقيقية هي الدرجة الأولى من درجات المعرفة، يشبهها زينون باليد ~~المبسوطة. والدرجة الثانية يشبهها باليد المقبوضة قبضا خفيفا ويعني بها التصديق ~~الذي يقوم في النفس مجاوبة على التأثير الخارجي، وهذا التصديق متعلق بالإرادة ولو ~~أنه يصدر عفوا كلما تصورت النفس فكرة حقيقية. والدرجة الثالثة الفهم يشبه اليد ~~المقبوضة تماما. والدرجة الرابعة والأخيرة العلم يشبه اليد مقبوضة بقوة ومضغوطا ~~عليها باليد الأخرى. والعلم تنظيم المعرفة الحسية أي جمع الإدراكات الجزئية وسلكها ~~في مجموعة متسقة تصور وحدة الوجود فتكتسب بهذا الاتساق يقينا كاملا ثابتا أقوى ~~من اليقين الأولي المصاحب للإحساس المفرد، ولكن العلم لا يخرج عن دائرة المحسوس، ~~وليست معانيه الكلية إلا آثار الإحساسات تحدث عفوا في كل إنسان دون قصد ولا تفكير، ~~فهي غريزية فطرية بهذا المعنى، فالعلم إذن مجموع القضايا المتعلقة بالأشياء، وإذا ~~اعتبرنا القضايا والحجج التي نركبها نحن بمناسبة الأشياء وصرفنا النظر عن الأشياء ~~أنفسها كان لنا علم المنطق. ~~(ج) وكون الموجود جسميا والمعرفة حسية يستتبع أن موضوع القضية جزئي، وقد يكون ~~معينا يشار إليه بالبنان مثل قولنا: «هذا»، أو غير معين مثل قولنا: «بعض»، أو نصف ~~معين مثل قولنا: «سقراط» دون إشارة بالبنان إلى شخص المسمى، والمحمول فعل صادر عن ~~الموضوع أو حدث عارض له مثل «سقراط يتكلم» بحيث تترجم القضية عن فعل جسم في جسم أو ~~انفعال جسم بجسم، فإن لكل شيء في كل ظرف صورة واحدة بعينها هي موضوع التصديق، ~~والجزئيات متميزة بعضها من بعض في وجودها ms237 وتفاصيل تكوينها مهما تشابهت وإلا امتنع ~~تمييز شيء من شيء، فالقضية هي العبارة الدالة على صدور فعل عن فاعل، وليست وضع نسبة ~~بين معنيين كما هو الحال عند أفلاطون وأرسطو، ولما كان العالم مجموعة جزئيات ~~مترابطة متفاعلة كان أهم القضايا وأصدقها تعبيرا عن الوجود وأولاها بالعناية هي ~~التي تتضمن نسبة بين شيئين أي بين قضيتين للترجمة عن النسب الحقيقية بين الأشياء، ~~وبعبارة أخرى هي القضايا المركبة، وبهذه النظرية يظن الرواقيون أنهم يتفادون ~~الصعوبة التي كان قد أثارها السوفسطائيون والسقراطيون في إمكان إسناد ماهية إلى ~~أخرى، وهم يهملون المفهوم والماصدق وما يترتب عليهما من عكس القضايا وقواعد ~~القياس. ~~(د) ولذلك لم يعنوا بغير القياس الاستثنائي، وهو الذي يستخرج النتيجة من قضية ~~مركبة فيها نسبة بين حدثين أو أكثر معبر عن كل حدث بقضية حملية، والقضايا المركبة ~~عندهم خمس؛ فالأقيسة خمسة: ~~(1) # قياس مقدمته الكبرى شرطية متصلة مثل: إذا كان النهار طالعا فالشمس ~~ساطعة، والنهار طالع، إذن فالشمس ساطعة. ~~(2) # قياس مقدمته الكبرى شرطية منفصلة مثل: إما النهار طالع وإما الليل ~~مخيم، والليل مخيم، إذن فليس النهار طالعا، أو: والنهار طالع، إذن ~~فليس الليل مخيما. ~~(3) # قياس مقدمته الكبرى فيها تقابل بالتضاد أو بالتناقض مثل: ليس بصحيح ~~أن يكون أفلاطون قد مات وأن يكون حيا، ولكن أفلاطون قد مات، إذن ليس ~~أفلاطون حيا، أو: ولكن أفلاطون حي، إذن ليس بصحيح أن أفلاطون ~~مات. ~~(4) # قياس قضيته الكبرى سببية مثل: من حيث إن الشمس ساطعة فالنهار ~~موجود. ~~(5) # قضيته الكبرى فيها مفاضلة مثل: زيد أعلم أو أقل علما من ~~عمرو. # وبالجملة هذه الأقيسة تربط حدثين أو تفرق بينهما، والقياس الأول أهم؛ لأنه يعبر ~~عن نسبة ضرورية أي متضمنة منذ البدء في نظام العالم، وليس التالي فيه معلولا ~~للمقدم، ولكنهما جميعا معلولان لهذا النظام العام، ويعادله القياس الذي مقدمته ~~الكبرى تتضمن تقابلا بالتناقض، وإذا ألفت أمثال هذه المقدمات في مجموعة كانت أصول ~~علم أو فن كالطب والتنجيم والعرافة ... إلخ. والمنطق الرواقي استقرائي يقوم على أن ~~العالم مؤلف من ظواهر ms238 مرتبطة بعضها ببعض، لا كالمنطق الأرسطوطالي القائم على ارتباط ~~الماهيات، وهو يشبه منطق الأطباء والمنجمين الذين يستدلون على الأمراض أو الطوالع ~~بعلاماتها كما يتبين من القضية الكبرى في الأقيسة المركبة، غير أن العلاقة بين ~~الظواهر ولو أنها مدركة بالحواس إلا أنها قائمة على العلية المنطقية التي تربط ~~بينها بحيث يكون القياس في الحقيقة استدلالا على الشيء بالشيء نفسه؛ إذ إن النهار ~~وسطوع الشمس واحد، والمرض وعلته واحد، والجرح وأثره واحد وهكذا. ~~(89) الطبيعة ~~(أ) قلنا: إن الرواقيين ماديون فقد كانوا كالأبيقوريين يعتقدون أن كل موجود فهو ~~جسمي حتى العقل وفعله، فإن تحدثوا عن لا جسميات أو معقولات أرادوا بها أفعال ~~الأجسام، ومنها أفكار العقل، وأيضا المكان والخلاء والزمان باعتبارها أوساطا ~~فارغة تقبل ما يملؤها وليس لها ما للأجسام من فعل وانفعال، ولكنهم خالفوا ~~الأبيقوريين في تصور المادة، فلم يقفوا عند أجزاء لا تتجزأ هي الجواهر الفردة، بل ~~ذهبوا إلى أن المادة متجزئة بالفعل إلى غير نهاية، مفتقرة إلى ما يردها للوحدة في ~~كل جسم، فكان الجسم عندهم مركبا من مبدأين هما مادة ونفس حار يتحد بالمادة ~~ويتوتر فيستبقي أجزاءها متماسكة، وانقسام المادة إلى غير نهاية يسمح للنفس الحار ~~أن يتحد بها تمام الاتحاد؛ أي أن ينتشر فيها كلها انتشار البخور في الهواء ~~والخمر في الماء بحيث يؤلفان «مزيجا كليا» فيوجدان معا في كل جزء من مكانهما ~~دون أن يفقدا شيئا من جوهرهما وخواصهما، هما بمثابة الهيولى والصورة عند أرسطو، ~~إلا أن الصورة بسيطة والنفس شيء جسمي يوجد في المكان بالذات، وبتفاوت التوتر ~~يتفاوت التماسك وتتفاوت الشخصية أو الفردية في الأجسام، والنفس الحار هو في ~~الحيوان والإنسان نفس أي مبدأ الحركة الذاتية الصادرة عن نزوع حركة تصور، فبهذا ~~المعنى ليس للنبات نفس؛ إذ ليس له تصور ولا حركة ذاتية من هذا القبيل، والحركة ~~النزوعية في الحيوان تصدر عن التصور بالذات، أما في الإنسان فإن للنفس أن تتدبرها، ~~إن قبلتها صدرت وإن رفضتها بطلت، والقبول والرفض ميسران للإنسان بفضل العقل، ~~والإنسان عاقل من ms239 دون الحيوان. ~~(ب) وحكم العالم بأجمعه حكم أي جسم، فالعالم حي له نفس حار هو نفس عاقلة تربط ~~أجزاءه وتؤلف منها كلا متماسكا، فالحرارة أو النار هي المبدأ الفاعل، والمادة ~~المبدأ المنفعل، كانت النار في الخلاء اللامتناهي ولم يكن عداها شيء، وتوترت ~~فتحولت هواء، وتوتر الهواء فتحول ماء، وتوتر الماء فتحول ترابا، وانتشر في ~~الماء نفس حار ولد فيه «بذرة مركزية» هي قانون العالم «لوغوس» بمعنى أنها تحوي ~~جميع الأجسام وجميع بذور الأحياء منطوية بعضها على بعض أو كامنة بعضها في بعض بحيث ~~إن كل حي فهو «مزيج كلي» من ذريته جمعاء، فانتظم العالم بجميع أجزائه دفعة واحدة ~~وأخذت الموجودات تخرج من كمونها شيئا فشيئا وما تزال تخرج بقانون ضروري أو «قدر» ~~ليس فيه مجال للاتفاق، وإن نظام الطبيعة ليدل على أنها ليست وليدة الاتفاق ولا ~~الضرورة العمياء بل الضرورة العاقلة، فكل ما يحدث فهو مطابق للطبيعة الكلية، ونحن ~~إذ نتحدث عن أشياء مخالفة للطبيعة إنما ننظر إلى طبيعة موجود معين ونفصله عن ~~المجموع، ولكن النار تعود فتخلص بالتدريج من العناصر الأخرى فلا تأتي «السنة ~~الكبرى» حتى يكون قد تم الاحتراق العام، ثم يعود الدور على نفس النسق بنفس ~~الموجودات ونفس الأحداث، وهكذا إلى غير نهاية. ~~(ج) فالعالم قديم ولكن نظامه حادث «خلافا لما ذهب إليه أرسطو» فإن الملاحظة تدل ~~على أن سطح الأرض يتساوى باستمرار والبحر ينحسر باستمرار، فلو كان نظام العالم ~~قديما لكانت الأرض قد صارت مسطحة ولكان البحر قد نضب، ثم إنا نرى جميع جزئيات ~~العالم تفسد فكيف لا يفسد مجموعه؟ وثالثا إن كثيرا من الفنون والصناعات الضرورية ~~للإنسان والتي وجدت معه في وقت واحد لضرورتها ما تزال في أوائلها فلا يمكن أن ~~يرتقي النوع الإنساني إلى عهد بعيد. والعالم جسم كامل كري كله وجود أي ملاء، وخارجه ~~إلى ما لا نهاية اللاوجود أي الخلاء، أما أجزاؤه فليست كاملة؛ لأنها لا توجد بذاتها ~~ولذاتها، ولكنها تتعلق بالكل. والعالم واحد بوحدة القوة المحالة فيه، يحده فلك ~~الثوابت وتزينه ms240 الكواكب وهي أحياء عاقلة تدور بالإرادة، والهواء مأهول بأحياء غير ~~منظورة هي الآلهة والجن، والأرض ثابتة في المركز إما لأن الهواء يضغطها من كل جانب ~~فتثبت كما تثبت حبة الذرة في وسط الأنبوبة المنفوخة، وإما لأن ثقلها على صغرها ~~يوازي ثقل بقية العالم ويوازنه، ولما كان العالم واحدا كانت جميع أجزائه مترابطة ~~متضامنة تنتقل الحركات بينها رغم المسافات كما تنتقل الحركة في الحيوان من جزء إلى ~~آخر، والتأثيرات السماوية علة الأحداث الأرضية تتناول المعلولات الكلية، وهي فصول ~~السنة، والمعلولات الجزئية بالتفصيل على ما يبين علم التنجيم، وكان هذا العلم قد ~~انتشر منذ القرن الثالث، فاشتغل به الرواقيون واشتغلوا بالعرافة وتعبير ~~الأحلام. ~~(د) والعالم إلهي بالنار التي هي العلة الأولى والوحيدة، وبما فيها من عقل وقانون ~~وضرورة وقدر، وكل أولئك مترادفات يراد بها المعقولية التامة في الأشياء، وهذه ~~المعقولية تقتضي القول بالعلل الغائية، وقد قال بها الرواقيون وحشدوا لها الأمثلة ~~الكثيرة من الجماد والنبات والحيوان، وأسرفوا في ذلك فاخترعوا الغايات، وكذلك ظنوا ~~أن هذه المعقولية تقضي بإنكار القوة المقابلة للفعل، وهي في الواقع غير معقولة ~~بذاتها ولا تعقل إلا بالإضافة إلى الفعل، فأنكروها، ورفضوا حد أرسطو للحركة وقالوا: ~~إن المتحرك هو ما هو في كل آن أي إنه في كل آن بالفعل لا بالقوة، وما نظريتهم في ~~كمون الأشياء بعضها في بعض وخروجها بعضها من بعض خروجا آليا سوى نتيجة لإنكار ~~القوة، إذن العالم إلهي معقول تماما، وهم يذكرون الله ويتوجهون إليه بالصلاة، ~~ويقصدون النار وقانونها أو ذلك «العقل الكلي الذي وقعت بموجبه الأحداث الماضية وتقع ~~الأحداث الحاضرة وستقع الأحداث المستقبلة»، وهم يذكرون الآلهة بأسمائهم ~~الميثولوجية، فيجارون الديانة الشعبية في الظاهر ويعنون في الحقيقة ما ترمز له هذه ~~الأسماء من الكواكب والعناصر والأحداث الكونية، وهم يذكرون العناية الإلهية ويريدون ~~بها تلك الضرورة العاقلة التي تتناول الكليات والجزئيات، ويبرئونها من الشر بقولهم: ~~إن لكل شيء ضده، فالشر ضروري للعالم كضد الخير، وإن الله يريد الخير طبعا ولكن ~~تحقيق الخير قد يستلزم وسائل ms241 لا تكون خيرا من كل وجه، أما الشر الخلقي أو الخطيئة ~~فيعزونها إلى حرية الإنسان ويحاولون التوفيق بين هذه الحرية وبين القدر والضرورة ~~بقولهم: إن الظروف الخارجية أي مناسبات أفعالنا محتومة ولكنها ليست محتمة بذاتها، ~~فإن أفرادا مختلفين خلقا إن وجدوا في نفس الظروف لم يأتوا نفس الأفعال، فالظروف ~~تحرك الإنسان وخلقه يعين سيرته، أجل؛ إن الخلق من فعل القدر، وكل ما نأتيه متضمن في ~~القدر، ولكن القدر لا يستتبع القعود والتواكل، فنحن من جهة نعلم أن الظروف الخارجية ~~غير محتمة للفعل ومن جهة أخرى نحن نجهل العلة التي تحتم الفعل، فالفعل بالإضافة ~~إلينا غير محتوم ولنا أن نعمل كأننا أحرار. ~~(90) الأخلاق ~~(أ) تتجه الطبيعة إلى غاياتها عفوا دون تصور ولا شعور في الجماد والنبات، ~~وبالغريزة مع تصور وشعور في الحيوان وتتخذ في الإنسان طريقا آخر هو العقل أكمل ~~الطرق لتحقيق أسمى الغايات، فوظيفة الإنسان أن يستكشف في نفسه العقل الطبيعي وأن ~~يترجم عنه بأفعاله؛ أي أن يحيا وفق الطبيعة والعقل، وقد وهبتنا الطبيعة حب البقاء ~~ميلا أساسيا يهدينا إلى التمييز بين ما هو موافق لها وما هو مضاد، فنحن نطلب ما ~~ينفعنا ونجتنب ما يضرنا بالطبع عملا بهذا الميل الأولي، ومن الخطأ القول مع ~~الأبيقوريين: إن الميل الأولي منصرف إلى اللذة؛ فما اللذة إلا عرض ينشأ حين يحصل ~~الكائن على ما يوافق طبيعته ويستبقي كيانه، وإلى جانب هذا الميل العام وهبتنا ~~الطبيعة ميولا خاصة كلها طيبة وموضوعاتها موافقة للطبيعة، وبالعقل يدرك الإنسان ~~الحكيم أنه جزء من الطبيعة الكلية، وأن حبه للبقاء متصل بإرادة الطبيعة الكلية أن ~~تبقي وتابع لها، فيضع الحكمة والخير بمعنى الكلمة في مطابقة إرادته للإرادة الكلية، ~~ويعتبر الموضوعات الخارجية منافع وأضدادها مضار، ولا يراها جديرة بأن تسمى خيرات ~~وشرورا، فإن هاته الموضوعات أشياء جزئية متعلقة بالطبيعة الجزئية التي تشتهيها ~~ونسبية إليها، أما الإرادة الصالحة فشيء مطلق كالإرادة الكلية ومدرك بالعقل، وهاتان ~~صفتان تميزان الخير مما عداه، والخير مغاير بالكيف للموضوعات الجزئية لا بالكم فلا ~~ينال بجمع ms242 بعضها إلى بعض أو بزيادتها إلى نهاياتها القصوى، وهو ممدوح لذاته، وهي لا ~~تمدح مستقلة عنه، وقد تعرض للحكيم ظروف تصرفه عنها دون أن تجعله مذموما، والخير ~~الفضيلة، فليس للفضيلة موضوع خارجي تتوجه إليه، ولكنها تنتهي عند نفسها وتقوم في ~~إدارة المطابقة مع الطبيعة، وليست تقاس قيمتها بغاية تحققها ولكنها هي الغاية تشتهى ~~لذاتها، فهي كاملة منذ البداية، تامة في جميع أجزائها، وما هذه الأجزاء سوى وجهات ~~لها مختلفة باختلاف الأحوال: الشجاعة هي الحكمة فيما يجب احتماله، والعفة هي الحكمة ~~في اختيار الأشياء، والعدالة هي الحكمة في توزيع الحقوق، فالحكيم أو الإنسان الكامل ~~هو الذي يعلم أن كل شيء في الطبيعة إنما يقع بالعقل الكلي أو بالإرادة الإلهية أو ~~بالقدر، فيعتبر ميوله وظائف لتحقيق هذه الإرادة الكلية، ويقبل مفاعيل القدر طوعا. ~~ولكن أليس القول بالقدر من ناحية وحصر الخير في الإرادة من ناحية أخرى يزهدان ~~الإنسان في كل عمل وينتهيان به إلى الجمود؛ إذ تتساوى عنده الأشياء فلا يقوم لديه ~~سبب لاختيار بعضها دون بعض؟ كلا فإن القدر مغيب عنا كما أسلفنا، والموضوعات ~~الخارجية، وإن لم تكن خيرات وشرورا بالذات، إلا أنها مادة الإرادة، ولولاها لبقيت ~~الإرادة قوة صرفة ولم تخرج إلى الفعل ولم تحقق الخير، وهي إنما تفعل بالاختيار ~~بينها، فالإنسان الكامل يعتبر الموضوعات المطابقة للطبيعة جديرة بالاختيار، ~~والموضوعات المضادة لها منبوذة، دون أن يتعلق بموضوع دون آخر، ودون أن يريد موضوعا ~~ما كما يريد الخير، فإذا ابتلي بمرض أو أصابته مصيبة آثر ذلك لعلمه أنه مقدر عليه، ~~فيتوفر له الخير الحقيقي في كل حال، اللهم إلا إذا نزلت به فوادح لا تطاق، فله ~~حينئذ أن ينتحر ويتخلص من حياة لم يعد فيها شيء مطابقا للطبيعة، وفيما خلا هذه ~~الشدائد فإنه يصمد للدهر لا يخاف ولا يرجو ولا يأسف ولا يندم، بل يرتفع بنفسه فوق ~~كل شيء ويحتفظ بحريته وينعم بفضيلته. ~~(ب) وأدنى من الإنسان الكامل مرتبة إنسان ناقص يعلم وظائفه وحدودها ولكنه لا ~~يرتقي بعقله وإرادته إلى الطبيعة ms243 الكلية، فلا يرى في الوظائف توابع لإرادته بل ~~يعتبرها واجبات مفروضة ويؤديها على هذا الاعتبار واحدة بعد أخرى متفرقة لا تجمعها ~~فكرة الطبيعة الكلية، فتظل أفعاله من جنس موضوعاتها لا خيرا ولا شرا، ينقصها لكي ~~تصير خيرا وفضيلة أن تصدر عن العقل المطابق للعقل الكلي ولأجل هذه المطابقة، ~~والنقصان على درجات: درجة دنيا الإنسان فيها بريء من معظم النقائص لا منها جميعا، ~~ودرجة تالية الإنسان فيها بريء من جميع الأهواء ولكنه عرضة للسقوط فيها، ودرجة ~~ثالثة وأخيرة الإنسان فيها آمن خطر السقوط ولا يفتقر ليكون حكيما لغير الشعور ~~بالحكمة، ولكنه ناقص ما دام لم يبلغ إلى هذا الشعور وفي أية درجة كان، مثله مثل ~~الغريق فإنه مختنق سواء أكان في قاع الماء أو قريبا من السطح، أو مثل الرامي فإنه ~~مخطئ سواء أجاء سهمه قريبا من الهدف أو بعيدا منه؛ ذلك بأن الحكمة شيء غير منقسم ~~لا يحتمل التدرج، هي استقامة الإرادة إما أن توجد أو لا توجد كما أن الخط إما ~~مستقيم أو منحن ولا وسط. ~~(ج) ويليه الإنسان الشرير أو الضال غابت عنه فكرة الطبيعة الكلية وانحرفت ميوله ~~عن استقامتها الأولى فاتخذ نفسه مركزا للوجود وعارض الخير الكلي بأشباح من الخيرات ~~الجزئية أو المنافع وحصر سعادته فيها فتعرض لشتى الهموم والآلام، أفعاله مناقضة ~~للحكمة كل المناقضة، كلها عصيان للعقل وللطبيعة فكلها متساوية ليس بينها خفيف وثقيل ~~إلا من جهة أن منها ما يتضمن معاصي أكثر من غيره فيعد أثقل، كقتل الأب مثلا فإنه ~~يتضمن إزهاق النفس والغدر ونكران الجميل، وتتفاوت العقوبات بهذا الاعتبار، وتنحرف ~~الميول باتخاذ اللذة الناشئة عن إرضائها غرضا وغاية، وتساعد البيئة على ذلك بما ~~تفرض على الأطفال من عادات لاتقاء البرد والجوع والألم على أنواعه فتقنعهم بأن كل ~~ألم شر، وبإشادتها طوال مدة تربيتهم باللذة والمال والكرامة بلسان الأهل والمرضعات ~~والمعلمين والشعراء والفنانين، فتنقلب الميول انفعالات وأهواء أي ميولا مسرفة ~~مضادة للعقل تزعج النفس وتحول دون الفضيلة والسعادة، وليس الانفعال أو الهوى ~~الإحساس اللاذ أو ms244 المؤلم الحادث في النفس عن الأشياء، ولكنه قبول النفس لهذا ~~الإحساس، والفرق بينهما كالفرق بين الألم والحزن أو بين اللذة والغبطة؛ فإن الحزن ~~والغبطة موقفان للإنسان بما هو عاقل بإزاء الألم واللذة اللذان هما حالان له بما هو ~~حاس، فالانفعال صادر عن رضا النفس أو نفورها بإزاء إحساس ما أو حدث ما؛ أي إنه حكم: ~~مثال ذلك ليس حكمنا بأن «موت الصديق مصيبة» هو الذي يحرك النفس بل الحكم بأنه «من ~~اللازم أو اللائق أن نحزن لهذه المصيبة» بحيث إذا أردنا أن نستبعد الحزن وجب أن ~~نستبعد هذا الحكم لا الحكم الأول، وقس على ذلك سائر الانفعالات، فالانفعالات ~~مخالفة للطبيعة وللعقل من هذه الناحية ومن ناحية المبالغة فيها واضطراب النفس بها ، ~~وهي جميعا رديئة يجب استئصالها، وهي أمعن في عدم المعقولية فإن زيادتها ونقصانها ~~مستقلان عن الحكم إلى حد ما؛ إذ نرى الحزن مثلا أشد عند قرب العهد بالحكم منه بعد ~~تقادمه، وقد ينمو الانفعال ويرسخ فيصير مرضا في النفس يتعذر علاجه وهذه أدنى ~~الدركات. # فالرواقيون يعودون إلى رأي سقراط أن الفضيلة علم والرذيلة جهل، ويقولون: إن ~~الانفعال صادر عن قوة غير عاقلة أو إنه العقل يصير غير عاقل بتراخي النفس وجريها مع ~~الميل المسرف والحكم الكاذب، ولكن كيف يمكن مثل هذا الحكم وكل ما في الطبيعة صادر ~~من العقل الكلي صدورا ضروريا؟ ~~(د) إذا انحصر الخير في الإرادة وكانت الأشياء لا خيرا ولا شرا نتج أن الأخلاق ~~والقوانين المختلفة بين الشعوب عرفية بحتة كما كان يقول السوفسطائيون والكلبيون، ~~أما الاجتماع في حد ذاته فمطابق للطبيعة صادر عن الأسرة، وهي جماعة طبيعية، بامتداد ~~التعاطف إلى خارج نطاقها خلافا لما يقول أبيقوروس، ولا ينبغي أن يقف هذا التعاطف ~~عند حد، ولا أن يتفرق الناس مدنا وشعوبا لكل منها عصبيته وقانونه، فإنهم جميعا ~~إخوة ليس بينهم أسياد وعبيد، وهم جميعا مواطنون من حيث إنهم متفقون في الماهية ~~وموجودون في طبيعة واحدة هي أمهم وقانونهم، فوطن الحكيم الدنيا بأسرها - وما أبعدنا ~~عن أفلاطون ms245 وأرسطو - ويقوم الحكيم بجميع وظائف المواطن، بخلاف ما يريده ~~الأبيقوريون، فيؤسس أسرة ويعنى بالسياسة، ولكنه لا يثور على النظام القائم ولا ~~يحاول تحقيق مدينة مثلى، بل يعتبر النظم السياسية سواء ويجتهد في حسن التصرف ~~بها. ~~(ه) ولقد كانت الرواقية مدرسة فضيلة وشمم وشجاعة وإن لم يخل أصحابها من العجب ~~وحب الظهور يذهبان ببعضهم أحيانا إلى حد الانتحار؛ إظهارا لشجاعتهم وفضيلتهم، مع ~~أن مبادئهم تستوجب إنكار الانتحار واعتباره مناقضا لحب البقاء وثورة على الطبيعة ~~الكلية التي وهبتنا ذلك الميل الأساسي، وعرفت المدرسة عصرا ثانيا هو «الرواقية ~~المتوسطة» في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد أهم رجاله آسيويون كذلك من طرسوس ~~وسلوقية وصيدا، خالف بعضهم الزعماء الأولين في مسائل ثانوية، ثم عصرا أخيرا ~~رومانيا هو «الرواقية الجديدة» في أيام القياصرة، أشهر أسمائه سنيكا وأبيقتاتوس ~~والإمبراطور مرقس أوراليوس، وهم الرواقيون الوحيدون الذين وصلت كتبهم إلينا كاملة، ~~وهي متأخرة أربعة قرون على تأسيس المدرسة، وبعد ذلك لم تعدم المدرسة أتباعا ~~متفرقين، ونحن نجد في رسائل إخوان الصفا كثيرا من الآراء الرواقية في وحدة الطبيعة ~~وفي القدر والحرية والأخلاق والتنجيم، ونحن نرى أن مذهب أسبينوزا ما هو إلا المذهب ~~الرواقي في ثوب ديكارتي، وأن الأخلاق عند كنط هي الأخلاق الرواقية. # الفصل الرابع # | الشكاك # (91) الشك الخلقي: بيرون ~~(أ) ليس الشك جديدا في الفلسفة اليونانية، فقديما اتهم بارمنيدس المعرفة ~~الحسية، واتهم أتباع هرقليطس المعرفة العقلية، واتخذ السوفسطائيون من تباين المذاهب ~~والأخلاق والعادات ذريعة قوية للشك، ولكنا الآن بإزاء شك جديد له أسبابه ومميزاته؛ ~~فقد ازداد عدد المذاهب واشتد تعارضها، وفتح الإسكندر بلادا رأى فيها اليونان ~~ألوانا من العادات والأخلاق، ولما قضى وتمزق ملكه وراح اليونان يتقاتلون كان من ~~جراء انحطاطهم السياسي تخاذل الهمم وتعاظم حاجة العقلاء للراحة، فقامت إلى جانب ~~المدارس القديمة النظرية مدارس توجهت إلى طلب الطمأنينة والسعادة أولا وقبل كل شيء ~~على ما رأينا، وكانت منها المدرسة الشكية، لم يكن الشاك في هذا الدور نافيا ~~متهكما كالسوفسطائي ولكنه رجل مغلوب على أمره فقد الإيمان بالحق والخير ms246 في بيئة ~~تبلبلت فيها الأفكار وفسدت الأخلاق إلى حد بعيد فانعزل في نفسه لا يوجب ولا ينفي ~~وإنما يقول: لا أدري، ولم يكن كالسوفسطائي مزهوا بفنه طالبا للمال، ولكنه كان ~~جادا معرضا عن متاع الدنيا، أقرب في أخلاقه إلى الرواقية منه إلى الأبيقورية، ~~ولم يكن هداما مثله، ولكنه كان يرى في الإخلاد إلى التقاليد والعقائد الشعبية ~~وسيلة إلى الراحة والاطمئنان، وكان السوفسطائيون مبتدئين يحاجون بلا ترتيب ولا ~~منهج، أما الشكاك فأناس انتفعوا بتقدم الفكر اليوناني فأتقنوا المحاجة على أصولها ~~وأبلغوا الشك أشده وأقاموه مذهبا بين المذاهب. ~~(ب) وإمامهم بيرون (365-275) المعروف بأنه صاحب مذهب اللاأدرية، المنكر للعلم ~~ولليقين، ولد في إيليس، وتتلمذ لأحد الميغاريين وعرف أحد أتباع ديموقريطس، ورافق ~~وإياه حملة الإسكندر على الشرق، فرأى «فقراء» الهنود وأعجب بما كانوا يبدون من عدم ~~مبالاة بالحياة وثبات في الآلام، وبعد وفاة الإسكندر عاد إلى وطنه، قضى فيه حياة ~~هادئة بسيطة، وكان موضع إجلال مواطنيه، عينوه كاهنا أعظم وأقاموا له تمثالا بعد ~~موته. ~~(ج) لم يدون آراءه وإنما ذكرها تلاميذه، ويرجع ما بقي لنا من أقوالهم إلى ما ~~يأتي: كل قضية فهي تحتمل قولين ويمكن إيجابها وسلبها بقوة متعادلة، فالحكمة في ~~العدول عن الإيجاب والسلب والامتناع عن الجدل والوقوف عند الظواهر؛ «فإن الشك لا ~~يتناول الظواهر وهي بينة في النفس ولكنه يتناول الأشياء في أنفسها، والشاك يقر أن ~~الشيء الفلاني يبدو له أبيض، وأن العسل يبدو لذوقه حلوا، وأن النار تحرق؛ ولكنه ~~يمتنع عن الحكم بأن الشيء أبيض، وأن العسل حلو، وأن من طبيعة النار أن تحرق.» وعلى ~~ذلك ليس هناك خير وشر بالذات، وكل ما هنالك عرف واصطلاح يسير عليهما الناس، الشيء ~~الواحد تارة يكون خيرا وتارة شرا، وكل شيء فهو زائل الخير والشر على السواء، ~~فالناس يخطئون؛ إذ يتوهمون سعادتهم وشقاءهم في الأشياء أنفسها ويعتمدون عليها كأنها ~~باقية، أما إذا اقتنعوا أن الأشياء زائلة والأحوال متقلبة انتفى تصديقهم بها وانعدم ~~ميلهم إليها أو جزعهم منها، ونعموا بالطمأنينة أي السعادة مهما ms247 تكن الظروف. ويلوح ~~أن أقواله كانت من هذا الطراز الأخير، وأن الشك عنده كان خلقيا أكثر منه ~~منطقيا، وكان موجها لقيمة الأشياء بالإضافة إلى السعادة لا إلى قيمة المعرفة في ~~ذاتها، ولم يذكر عنه أنه اشتغل بالمنطق والعلم الطبيعي وعني بالرد على أصحابها كما ~~سيفعل المنتمون إليه في عهد متأخر. ~~(92) الأكاديمية الجديدة أو مذهب الاحتمال: أرقاسيلاس وقرنيادس ~~(أ) قبل هذا العهد وإلى جانب تلاميذ بيرون نجد الشك في مدرسة كانت تظن أبعد ~~المدارس عنه هي مدرسة أفلاطون، وأول من قال به من رجالها أرقاسيلاس (316-241) ونهجت ~~المدرسة نهجه إلى منتصف القرن الأول قبل الميلاد فعرفت لهذا العهد بالأكاديمية ~~الجديدة، ولد أرقاسيلاس في إيولية وجاء أثينا فاستمع إلى ثاوفراسطس ثم اختلف إلى ~~الأكاديمية وبقي فيها وترأسها من سنة 268 إلى وفاته، وكان على جانب عظيم من البراعة ~~الخطابية والمقدرة الجدلية فتقاطرت عليه جماهير التلاميذ، وقد كان يناقش ولا يكتب؛ ~~لأنه أراد أن يعود إلى منهج سقراط في الجدل وتصنع الجهل، أو إلى منهج أفلاطون الذي ~~كان من عادته أن يناقش القولين المتناقضين في قضية واحدة وأن يستعمل صيغا شكية مثل ~~«يلوح وقد يكون» وما إلى ذلك. وجه همه إلى منازلة زينون وأصحابه وزعزعة ثقتهم ~~باليقين فهاجم نظرية «الفكرة الحقيقية» فأنكر أولا أن يقع التصديق على فكرة وهو ~~إنما يقع على قضية؛ وقال ثانيا: إن لدينا تصورات قوية واضحة ليست حادثة عن شيء كما ~~يتبين من أخطاء الحواس وخيالات المنام وأوهام السكر والجنون، فليس لدينا وسيلة ~~للتمييز بين الفكرة الحقيقية وغير الحقيقية وليس هناك علامة للحقيقة، وإذا كانت ~~التصورات سواء كانت الحكمة في تعليق الحكم على الشيء في ذاته، غير أن من الآراء ما ~~يبدو معقولا ومن الأفعال ما يبدو مستقيما؛ هي تلك التي يمكن الدفاع عنها بعد ~~استعراض الحجج المؤيدة لها والمعارضة، دون أن يؤخذ هذا الدفاع برهانا على مطابقتها ~~لحقيقة ممتنعة الإدراك، فأرقاسيلاس كان احتماليا أو مرجحا يعتقد بالعقل في هذه ~~الحدود فيختلف من هذه الناحية عن بيرون وتلاميذه الذين ms248 كانوا يخضعون للعادة ~~والقانون المرعي خضوعا أعمى، ويحتفظ بشيء من سقراط وأفلاطون. ~~(ب) وتوالى على المدرسة زعماء ثلاثة نحوا هذا المنحى ولم يزيدوا شيئا، وجاء ~~بعدهم قرنيادس (214-128)، نشأ في قورينا ودخل الأكاديمية ثم صار زعميها قبل سنة 156 ~~إلى وفاته، ومما يذكر عنه أن أثينا كانت قد خربت مدينة أوروبة فقضى عليها مجلس ~~الشيوخ الروماني بغرامة - وكان قد صار الحكم بين المدن اليونانية بعد فتح اليونان ~~سنة 146 - فأوفد الأثينيون إلى روما سفراء ثلاثة يدافعون عن قضيتهم اختاروهم من ~~ثلاث مدارس فلسفية: واحد رواقي، وآخر أرسطوطالي، وثالث أكاديمي هو قرنيادس، فكان ~~لخطبهم تأثير كبير في المجلس وفي الجمهور، وخطب هو الجمهور يومين متوالين أورد في ~~اليوم الأول الحجج المؤيدة للأخلاق، وفي اليوم الثاني الحجج المعارضة، فكان إعجاب ~~القوم بالخطبة الثانية أعظم، وخافت السلطة على العقائد الموروثة، فطلبت إليه أن ~~يبرح المدينة. ~~(ج) لم يكتب ولكنه جادل، جادل الرواقيين على الخصوص وأنكر أن تكون هناك علامة ~~للحقيقة، نقد الحواس والعقل والعرف، وقال بالاحتمال والترجيح، ووضع لذلك ثلاثة شروط: # الأول: # الانتباه، فكل ما انتبهنا إليه من التصورات وبدا واضحا قويا ~~صدقناه مع الاحتفاظ برأينا أنه قد يكون كاذبا أي اعتبرناه ~~محتملا. # الشرط الثاني: # عدم تناقض التصورات، مثال ذلك إذا أبصرت شخصا فإني أبصر وجهه ~~وقامته ولونه وحركاته وثيابه والأشياء المحيطة به، فإذا اجتمعت هذه ~~كلها صدقت الرؤية أي اعتبرتها محتملة، أما إن غاب بعضها فقد وجب ~~علي الحذر. # الشرط الثالث: # امتحان التصورات في جميع تفاصيلها، مثال ذلك إذا أبصرت حبلا ~~وظننته ثعبانا فإني أضربه بالعصا فأعلم ما هو. # بهذه الشروط نستطيع أن نطمئن إلى التصور، ولكنها لا تخولنا الحق في الحكم على ~~الشيء في ذاته، هي محك للتصور فقط، والاحتمال المستند إليها معادل عمليا للحقيقة ~~الممتنعة الإدراك. ~~(93) الشك الجدلي: أناسيداموس وأغريبا ~~(أ) وتوالى تلاميذ بيرون من جهتهم يحاكون أستاذهم إلى أن قام أناسيداموس فوضع ~~المذهب وضعا عليا ودعمه بالحجج، ولسنا ندري زمانه بالضبط فإنه يتراوح بين أوائل ~~القرن الأول قبل الميلاد ms249 وأواخر القرن الأول بعده، وكل ما يقال عنه أنه علم ~~بالإسكندرية في وقت غير معين، وتذكر له كتب لم تصل إلينا، أما آراؤه فمروية في ~~الكتب القديمة وتلخص فيما يلي: انتمى صراحة إلى بيرون، وميز الشكاك من الأكاديميين ~~بأن هؤلاء يقولون أن لا شيء محقق ثم يفرقون بين المحتمل وغير المحتمل والخير والشر ~~والحكمة والحماقة فيقعون في التناقض، أما الشكاك فلا يوجبون ولا يسلبون أصلا، ~~وأورد حججا عشرا لتبرير تعليق الحكم في المحسوسات وثلاث حجج ضد العلم. ~~(ب) وهذه هي الحجج العشر جمعها من قدماء الفلاسفة ومن الأكاديمية الجديدة: # الأولى: # أن اختلاف الأعضاء الحاسة في الحيوان والإنسان يستتبع أن لكل نوع ~~إحساساته الخاصة؛ فالرؤية مثلا تختلف باختلاف تركيب العين، ويختلف ~~اللمس باختلاف جلد الحيوان فإن منه المغطى بصدف أو ريش أو قشر أو ~~شعر، ويختلف الذوق باختلاف رطوبة اللسان ويبوسته، وإذن فلنا أن ~~نقول عن الشيء المدرك بالحواس: إنه يبدو لنا كذا لا أنه كذا في ~~ذاته؛ إذ لا يسوغ لنا أن نفرض أن إحساساتنا أصدق من إحساسات ~~الحيوان. # الحجة الثانية: # أن اختلاف الناس جسما ونفسا يستتبع اختلاف إحساساتهم وأحكامهم ~~فكيف الاختيار؟ هل نرجع للأغلبية؟ ولكن التجربة لا يمكن أن تتناول ~~الناس جميعا، ثم إن الأغلبية تختلف بين بلد وبلد وبين عصر وعصر ~~فيتعين العدول عن الاختيار والامتناع عن الحكم. # الحجة الثالثة: # أن الحواس تتعارض بإزاء الشيء الواحد؛ فالبصر يدرك بروزا في ~~الصورة واللمس يدركها مسطحة، والرائحة اللذيذة للشم مؤذية للذوق، ~~وماء المطر مفيد للعين ضار للرئة، ومن يدرينا؟ لعل تباين الإدراكات ~~الحسية ناشئ من تباين حواسنا، وإذن فنحن هنا أيضا ندرك الظواهر لا ~~الحقائق. # الحجة الرابعة: # أن إدراكات الحس الواحد تختلف باختلاف الظروف من سن وصحة ومرض ~~ونوم ويقظة وانفعال وهدوء وغير ذلك؛ فمثلا العسل يبدو مرا في ~~الحمى وتبدو الأشياء صفراء للمصاب باليرقان، وإن قيل: إن مثل هذه ~~الحالات مرضي استثنائي. أجاب الشاك: وكيف نعلم أن الصحة ليست ظرفا ~~بغير الظواهر؟ # الحجة الخامسة: # أن الأشياء تبدو لنا باختلاف ms250 على حسب المسافات والأمكنة ~~والأوضاع؛ فالسفينة البعيدة تبدو صغيرة ثابتة فإذا ما اقتربت أو ~~اقتربنا منها بدت كبيرة متحركة، والبرج المربع يبدو مستديرا عن ~~بعد، وتبدو العصا منكسرة في الماء مستقيمة خارجه، وضوء المصباح ~~يبدو ضئيلا في الشمس ساطعا في الظلام، وإذا نظرنا إلى صورة عن ~~بعد رأينا فيها بروزا فإذا نظرنا إليها عن قرب بدت مسطحة، وعنق ~~الحمام يختلف تلوينه باختلاف حركته: فكيف السبيل إلى معرفة الأشياء ~~بغض النظر عن المكان الذي تشغله والأوضاع التي تتخذها والمسافات ~~التي تفصلنا عنها؟ # الحجة السادسة: # أن الأشياء تبدو لنا باختلاف على حسب ما تمتزج به أو تتحد به من ~~هواء أو حرارة أو ضوء أو برد أو حركة؛ فلون الوجه يختلف في الحر ~~وفي البرد، ويختلف الصوت في الهواء اللطيف وفي الهواء الكثيف، ~~ويختلف لون الأرجوان في ضوء الشمس وفي ضوء المصباح، ونحن لا ندرك ~~الأشياء إلا بواسطة أعضاء الحواس، وامتزاجها بالأعضاء يفسد الإدراك ~~كما رأينا في الحجة الرابعة، فكيف السبيل إلى إدراك الشيء في نفسه ~~مع استحالة فصله عما يحيط به؟ # الحجة السابعة: # أن الأشياء تبدو لنا باختلاف على حسب الكمية، فمثلا قرن المعزى ~~يبدو أسود بينما قشوره تبدو بيضاء، وحبة الرمل تبدو خشنة بينما ~~كومة الرمل تبدو رخوة، والنبيذ يقوينا إذا تعاطيناه باعتدال ~~ويضعفنا إذا أسرفنا. # الحجة الثامنة: # أن كل شيء نسبي بالإضافة إلى الأشياء المدركة وإلى الشخص ~~المدرك؛ فالشيء ليس إلى اليمين أو اليسار إلى أعلى أو أسفل بنفسه ~~بل بالنسبة إلى شيء آخر، وكذلك الكبير والصغير والأب والابن، فليس ~~شيء مدركا في نفسه. # الحجة التاسعة: # أن الأشياء تبدو لنا باختلاف على حسب المألوف والنادر؛ فالنجم ~~المذنب يدهشنا لندرته، ولولا أنا نرى الشمس كل يوم لكانت تبدو ~~مخيفة، فليست صفات الأشياء هي علة أحكامنا عليها بل كثرة ورودها أو ~~ندرته. # الحجة العاشرة: # اختلاف العادات والقوانين والآراء؛ فالمصريون يحنطون الموتى ~~والرومان يحرقونهم وبعض الشعوب يلقيهم في المستنقعات، ويجيز الفرس ~~زواج الأبناء من أمهاتهم، ويجيز المصريون زواج الإخوة من أخواتهم، ~~ويحظر ms251 القانون اليوناني كل ذلك، واختلافات الأديان ومذاهب الفلاسفة ~~وقصص الشعراء معلومة للجميع، وإذن فكل ما نستطيع أن نقوله هو أن ~~الناس رأوا أو يرون كذا أو كذا أي ما بدا أو يبدو لهم حقا لا ~~الحق في ذاته. # وهذه الحجج أنواع يمكن ردها إلى واحدة هي حجة النسبية نعتبرها جنسا عاليا تحته ~~أجناس ثلاثة: جنس خاص بالشخص المدرك يشمل الحجج الأربع الأولى، وجنس خاص بالموضوع ~~المدرك يشمل الحجتين السابعة والعاشرة، وجنس خاص بالشخص والموضوع جميعا يشمل ~~الخامسة والسادسة والثامنة والتاسعة. ~~(ج) ونقده للعلم يعتبر أثره الخاص في المذهب، وكان لا بد من هذا النقد ليتم له ~~قوله بتعليق الحكم، وتعريف العلم أنه معرفة العلل بالظواهر، فله حجة تبطل المعرفة ~~بمعنى أنها معرفة الحقيقة، وأخرى تنقد العلية، وثالثة تنفي إمكان التأدي من الظواهر ~~إلى العلل: # فالحجة الأولى: # تقول إن وجدت الحقيقة فهي لا تخلو أن تكون إما محسوسة وإما ~~معقولة، ولكنها ليست محسوسة؛ لأن كل ما هو محسوس فهو مدرك بالحس ~~وليست الحقيقة مدركة بالحس؛ لأن الإحساس بذاته خلو من البرهان وليس ~~يمكن إدراك الحقيقة دون برهان فليست الحقيقة محسوسة، وهي ليست ~~معقولة وإلا لم يكن شيء محسوس حقيقيا وهذا باطل. # الحجة الثانية: # لا يستطيع الجسم أن يحدث جسما؛ إذ يستحيل أن يحدث شيء شيئا لم ~~يكن موجودا وأن يصير الواحد اثنين، ولا يستطيع اللاجسمي أن يحدث ~~لا جسميا؛ وذلك لنفس السبب ولسبب آخر هو أن الفعل والانفعال ~~يقتضيان التماس واللاجسمي منزه عن التماس فلا يفعل ولا ينفعل، ولا ~~يستطيع الجسم أن يحدث لا جسميا ولا اللاجسمي أن يحدث جسما؛ لأن ~~الجسم لا يحتوي طبيعة اللاجسمي، واللاجسمي لا يحتوي طبيعة الجسم؛ ~~فالعلية ممتنعة. # الحجة الثالثة: # يذهب الناس عامتهم وخاصتهم إلى أن الظواهر علامات العلل الخفية، ~~ولكن الظواهر أو العلامات تظهر واحدة للجميع ولا يفسرونها على نحو ~~واحد، مثل أعراض الأمراض تظهر للأطباء ويختلفون في تأويلها، ~~والاختلافات كثيرة من هذا القبيل في جميع فروع المعرفة، فالعلم ~~ممتنع. ~~(د) وكان لأناسيداموس أتباع لم ms252 يحفظ التاريخ شيئا عنهم فلا تفيدنا أسماؤهم، واحد ~~فقط نعلم أقواله ونجهل زمانه وأحواله هو أغريبا يوضع في القرن الأول أو الثاني ~~للميلاد، له خمس حجج: # الأولى: # تناقض الفلاسفة فيما بينهم وفيما بينهم وبين العامة. # الثانية: # نسبية أحكامنا إلينا أو بعضها إلى بعض. وفي هاتين الحجتين تدخل ~~حجج أناسيداموس العشر. # الحجة الثالثة: # التداعي إلى غير نهاية في البرهان بمعنى أن كل قضية فهي تتطلب ~~برهانا وهكذا إلى ما لا نهاية بحيث لا يتم برهان أبدا. # الحجة الرابعة: # أن المبادئ التي يعتمد عليها أصحاب اليقين لتفادي التسلسل في ~~البرهان فروض غير مبرهنة فهي ليست أبين من نقائضها. # الحجة الخامسة: # إذا أردنا تفادي التسلسل فليس لدينا سوى البرهان الدوري الذي ~~يقيم المقدمة على النتيجة والنتيجة على المقدمة فالبرهان ممتنع على ~~كل حال. # والحجتان الأولى والثانية خاصتان بمادة المعرفة أو بالمعرفة الحسية، والحجج ~~الثلاث الباقية خاصة بصورة المعرفة أو بأصول المعرفة العقلية، والقسم الأول يرمي ~~إلى أن اليقين غير موجود بالفعل، والقسم الثاني يرمي إلى أن اليقين لا يمكن أن ~~يوجد. ~~(94) الشك التجريبي: سكستوس ~~(أ) ونشأت طائفة من الأطباء اعتنقوا الشك أو طائفة من الشكاك احترفوا الطب، أخذوا ~~بالموقف الهادم السلبي الذي هو تراث سلفائهم وزادوا عليه موقفا إيجابيا أوحت به ~~صناعتهم هو عبارة عن تنظيم التجربة بالتجربة نفسها دون التجاء إلى العقل أو حكم على ~~حقائق الأشياء، فأقاموا الفن بديلا من العلم وعرفوا لذلك بالتجريبيين، أشهرهم ~~سكستوس أمبيريقوس أي التجريبي، نكاد لا نعرف شيئا عن حياته، عاش في القرن الثاني ~~للميلاد على ما تذكر بعض الروايات، أو في القرن الثالث على ما جاء في روايات أخرى، ~~له كتب هي موسوعة المذهب الشكي فيها أخبار الشكاك وحججهم، وقد وصلت إلينا منها ~~ثلاثة: واحد يدعى الحجج البيرونية وهو موجز المذهب، وآخر عنوانه الرد على الفلاسفة، ~~والثالث في الرد على العلماء. ~~(ب) والقسم السلبي في كتبه تكرار لما سبق إليه من أقوال الشك موزعة على ثلاثة ~~أقسام: ضد المناطقة وضد الطبيعيين وضد الخلقيين، وهو ينبه ms253 إلى أن دحض أصحاب اليقين ~~لا يعني البرهان على أنهم مخطئون «فإن مثل هذا البرهان حكم موجب» ولكنه يعني أنهم ~~غير محقين أو بالأحرى أنه يمكن دائما معارضة أقاويلهم بأقاويل معادلة لها قوة، ~~ومما يذكر من حججه ضد المناطقة نقده للقياس والاستقراء، فهو يقول عن القياس: إن ~~المقدمة الكبرى «كل إنسان فهو حيوان» لم يقلها القائل إلا لعلمه أن سقراط وأفلاطون ~~وديون هم أناسي وحيوانات في آن واحد، فإذا أضاف قوله: «وسقراط إنسان إذن فسقراط ~~حيوان» كان هذا منه مصادرة على المطلوب الأول؛ لأن القضية الكبرى الكلية لا تكون ~~صادقة إلا إذا كانت النتيجة معلومة من قبل (50-ب). ويقول عن الاستقراء: إنه إذا لم ~~يتناول سوى بعض الجزئيات كانت نتيجته الكلية غير منطقية؛ لعدم جواز الانتقال من ~~البعض إلى الكل، ولا يمكن أن يتناول جميع الجزئيات؛ لأن عددها غير متناه، ~~فالاستقراء تاما كان أو ناقصا ممتنع (50-و)، والبرهان بنوعيه - قياس واستقراء - ~~ممتنع. ~~(ج) أما القسم الإيجابي فلم يعرضه صراحة ولكنه ظاهر من عباراته فهو يقول: «لسنا ~~نريد معارضة الرأي العام ولا الوقوف جامدين بإزاء الحياة» ويدل على وسيلة تجريبية ~~خلو من كل فلسفة وكافية للحياة وهي ترجع إلى ثلاثة أمور: ~~(1) # الشاك يتبع الطبيعة فيأكل عند الجوع ويشرب عند العطش ويلبي سائر ~~الحاجات الطبيعية كما يفعل كافة الناس. ~~(2) # والشاك يتبع القوانين والعادات؛ لأنها مفروضة عليه. ~~(3) # والشاك يدرك الظواهر وترابطها فيكتسب تجربة تؤدي به عفوا إلى توقع ~~بعضها عند حدوث بعض، وكل ذلك بناء على ملاحظات كثيرة شخصية أو متواترة، ~~فيحصل بذلك على الفن أي على جملة نتائج الملاحظات في موضوع ما، فيأخذ ~~بهذه النتائج غفلا مما يعتمد عليه أصحاب اليقين من مبادئ كلية ويتوقع ~~المستقبل بناء عليها بالعادة دون أن يكون لهذا التوقع أساس في الحقيقة ~~أو مبرر في عقله؛ فيتعلم القراءة والكتابة دون التفات إلى فقه اللغة، ~~ويتعلم الكلام دون التعرض لعلم البيان، ويستخدم العدد دون الخوض في علم ~~الحساب، وينبئ بالمطر والصحو والزلازل بناء على الملاحظة الصرفة دون ~~نظر ms254 إلى علم الفلك أو علم التنجيم، ويطبب دون ادعاء معرفة ماهيات ~~الأمراض وتعيين عللها. ~~(د) ومعنى هذا أن اليأس من البلوغ إلى العلم يرد الشاك إلى موقف الرجل الساذج مع ~~هذا الفارق وهو أن الساذج لا يعنى بالبحث عن تفسير الأشياء، والشاك يعتقد أن ليس ~~هناك تفسير يبحث عنه أو أن هذا التفسير ممتنع المنال، ولكن مهما يحرص الشكاك على ~~تعليق الحكم فإن الحياة تضطرهم إلى قبول اليقين، فإذا قبلوه إلى هذا الحد المتواضع ~~الذي ذكرنا لم يعد هناك مانع من قبوله إلى حد أكبر، بل إن فطرة العقل تدفعه إلى ~~امتحان أسباب اليقين أيا كان مقداره، وتؤدي به إلى الأسباب الأولى التي هي أصول ~~العلم، وما من حجة من حجج الشكاك إلا وهي مردودة، ولم يكونوا ليغتروا بها لو أنهم ~~نظروا نظرا جديا في تفنيد أفلاطون وأرسطو دعاوى السوفسطائيين والميغاريين، ولكن ~~الناس كما أنهم لا يتعظون بحوادث التاريخ أو ينسونها فكثيرا ما لا ينظرون في آراء ~~من تقدمهم، بحيث إن الفلسفة كالتاريخ تعيد نفسها، ولقد عاد الشك في العصر الحديث ~~فأثر في فكر ديكارت، وتغلب على فكر هيوم، وأيقظ كنط من «سباته اليقيني» فحمله على ~~اصطناع نوع من اليقين التجريبي، وقدم لستوارت مل الأركان الأساسية لمنطقه ~~الاستقرائي بما في ذلك نقده للقياس وتلمسه أساسا للاستقراء. # الفصل الخامس # | الأفلاطونية الجديدة # (95) فيلون الإسكندري ~~(أ) في القرن الثاني قبل الميلاد نهضت الأفلاطونية في عدة مدن بين أهل الطبقة ~~الراقية، وفي القرن التالي نهضت الفيثاغورية كمدرسة خلقية، واختلطت النزعتان عند ~~كثير من المفكرين وتأثرتا بالديانات الشرقية، وفي القرنين الأول والثاني للميلاد ~~زاد الإقبال على كتب أفلاطون ووضعت عليها الشروح وبالأخص على «ثيماوس»، وقام الجدل ~~فيما يذكر هذا الكتاب عن أصل العالم فكانت الكثرة على أن العالم عند أفلاطون قديم، ~~وكان اليهود والمسيحيون على أنه حادث مصنوع. # واتخذت الأفلاطونية شكلا جديدا ظاهرا عند فيلون اليهودي الإسكندري، وكانت ~~الإسكندرية قد خلفت أثينا كمركز للفلسفة واكتظت بالعلماء من مصريين ويهود ويونان ~~ورومان، وكانت جاليتها اليهودية غنية ms255 زاهرة آخذة بحظ عظيم من الثقافة اليونانية حتى ~~إنها لم تكن تقرأ التوراة إلا في الترجمة اليونانية المعروفة بالسبعينية، # 1 # وكانت تعتقد في معظمها أن الوحي الإلهي يشمل هذه الترجمة أيضا، وكان ~~فيلون كبير القدر في قومه، لم يضبط تاريخه، فهو يوضع ما بين سنة 40 قبل الميلاد ~~وسنة 40 بعده، ومما يذكر عنه أنه ذهب في أواخر أيامه في وفد إلى روما يشكو معاملة ~~الحاكم الروماني على مصر لأهل ملته، ولم يكن يعرف العبرانية فقرأ التوراة ~~باليونانية وشرحها بهذه اللغة، وغرضه أن يبين لليونان أن في التوراة فلسفة أقدم ~~وأسمى من فلسفتهم، وكان يهود الإسكندرية يشرحونها شرحا رمزيا كما كان اليونان قد ~~ألفوا أن يشرحوا هوميروس منذ زمن طويل، فكانوا يصورون التوراة بالإجمال كأنها قصة ~~النفس مع الله، تدنو منه تعالى أو تبتعد عنه بمقدار ابتعادها عن الجسر أو دنوها ~~منه، وكانوا يؤولون الفصل الأول من سفر التكوين مثلا بأن الله خلق عقلا ~~خالصا ثم صنع على مثال هذا العقل عقلا أقرب إلى الأرض «آدم» وأعطاه الحس «حواء» ~~معونة ضرورية له، فطاوع العقل الحس وانقاد للذة «الحية» وهكذا. ~~(ب) وفيلون يدمج في شرحه الضخم الآراء الفلسفية المعروفة في عصره مبعثرة من غير ~~ترتيب، ولا يعنى بتلخيص آرائه وتحديد معاني ألفاظه، بل لا يحجم أحيانا كثيرة عن ~~الجمع بين آراء متنافرة، بحيث يتعذر تصوير فكره، ويستخلص من هذا المزيج بضعة أفكار: ~~الفكرة الأساسية هي فكرة إله مفارق للعالم، خالق له، معني به ولكنه من البعد عن كل ~~ما يدركه العقل بحيث لا نستطيع أن نعلم عنه شيئا آخر، فكل ما ورد في التوراة من ~~تشبيه يجب أن يؤول بحسب هذا الاعتبار، وفكرة أخرى هي أن العناية ليست مباشرة ~~ولكنها تتخذ وسطاء، وكذلك لا تبلغ النفس إلى الله إلا بوسطاء، والوسيط الأول هو ~~«اللوغوس» أو الكلمة ابن الله نموذج العالم، ويليه الحكمة فرجل الله أو آدم الأول ~~فالملائكة فنفس الله وأخيرا «القوات» وهي كثيرة ملائكة وجن نارية أو هوائية تنفذ ~~الأوامر ms256 الإلهية، وتطهير النفس بالزهد وعلى الأخص بالعبادة الباطنة يصعد بها من ~~وسيط إلى وسيط حتى الوسيط الأعظم أي كلمة الله، ويبدأ التطهير والصعود والعودة إلى ~~الله حين يعلم الإنسان بطلان المحسوسات وزوالها - وفيلون يدلل عليه بحجج أناسيداموس ~~- وغاية النفس البلوغ إلى الله بالذات والاتحاد به لا الوقوف عند معرفة الله بواسطة ~~العالم - وهذا حظ الأكثرين - أو معرفة الله بالوسيط - وهذه درجة أرقى - فإذا ما ~~أردنا أن نتبين ماهية هؤلاء الوسطاء اعترضنا تعدد النصوص وتباينها: فاللوغوس هو ~~تارة الوسيط الذي خلق الله العالم به كما يصنع الفنان بآلة والذي نعرف الله به ~~والذي يشفع لنا عند الله، وهو طورا ملاك الله المذكور في التوراة أنه ظهر للآباء ~~وأعلن إليهم أوامر الله، وهو مرة قانون العالم وقدره على مذهب هرقليطس والرواقيين، ~~ومرة أخرى هو المثال والنموذج الذي خلق الله العالم على حسبه كما يقول أفلاطون، ~~وغير ذلك كثير، أما «القوات» فهو تارة يردها إلى المثل الأفلاطونية وطورا يتصورها ~~روابط تشد الأشياء وتوحدها على رأي الرواقيين، وحينا هي درجات صعود النفس إلى الله ~~وحينا آخر هي صفات الله. ~~(96) أفلوطين ~~(أ) من الإسكندرية أيضا خرج أفلوطين أكبر مجددي الأفلاطونية، ولد في ليقوبوليس ~~من أعمال مصر الوسطى سنة 205 ميلادية، وبقي بها إلى الثامنة والعشرين، ثم قصد إلى ~~الإسكندرية وتتلمذ لأمونيوس الملقب بساكاس أي الحمال؛ لأنه كان حمالا قبل أن ~~يشتغل بالفلسفة، وأمونيوس هو المؤسس الحقيقي للأفلاطونية الجديدة كمذهب فلسفي، نشأ ~~مسيحيا ثم ارتد إلى الوثنية اليونانية، ولسنا ندري عنه شيئا كثيرا فإنه لم يدون ~~آراءه، ولم يصلنا تفصيلها، إنما يقال: إنه كان يوجه همه إلى خلق حياة روحية في ~~تلاميذ قليلين مختارين، وظل أفلوطين يأخذ عنه إحدى عشرة سنة، ثم أراد أن يقف على ~~الأفكار الفارسية والهندية، فالتحق بالجيش الروماني المجرد على فارس، ولكن هذا ~~الجيش بعد أن طرد الفرس من سوريا انهزم في العراق، فلجأ أفلوطين إلى أنطاكية ثم رحل ~~إلى روما سنة 245 وأقام بها حتى مماته سنة 270، وكان مجلسه بها حافلا ms257 بالعلماء ~~وكبار رجال المدينة حتى لقد تتلمذ له الإمبراطور والإمبراطورة؛ لسمو نفسه وعظيم ~~حكمته في إرشاد مريديه في الحياة الروحية. ~~(ب) ولم يشرع في الكتابة إلا حوالي الخمسين، كان يكتب أو يملي على عجل ويدع ~~لتلميذه وكاتب سره فورفوريوس مراجعة الأوراق، كتب أربعا وخمسين رسالة هي صورة ~~لتعليمه الشفوي، وكان تعليمه شرحا على نص لأفلاطون أو لأرسطو أو لواحد من شراحهما، ~~أو علي قضية رواقية أو على دعوى شكية أو جوابا على سؤال أو ردا على اعتراض، ~~فليست رسائله عرضا منظما لمذهبه ولكنها سلسلة محاضرات لتوضيح نقط خاصة بالرجوع ~~إلى مذهب أفلاطون، والموضوعات المأثورة هي أقوال أفلاطون في الخير والجمال والحب ~~والجدل كما وردت في ثيماوس والمأدبة وفيدروس والمقالتين السادسة والسابعة من ~~الجمهورية، والموضوع الرئيسي النجاة: نجاة النفس من سجنها المادي وانطلاقها من عالم ~~الظواهر إلى موطنها الأصلي عالم الوجود والحقيقة، والمنهج تارة الجدل الصاعد من ~~الظواهر إلى الوجود، وطورا الجدل النازل من الوجود إلى الظواهر. وبعد وفاته جمع ~~فورفوريوس الرسائل وقدم لها بترجمة لأفلوطين ووزعها على ستة أقسام في كل قسم تسع ~~رسائل متابعة لاعتقاد الفيثاغوريين بمزايا الأعداد فسميت بالتاسوعات، ويمكن أن ~~يقال: إن التاسوعة الأولى خاصة بالإنسان، والثانية والثالثة بمحيطه أي بالعالم ~~المحسوس، والرابعة بالنفس، والخامسة بالعقل، والسادسة بالوجود. ~~(ج) قبل عرض مذهب أفلوطين يجب أن نذكر أركان الوجود عند أفلاطون، وهي ترجع إلى ~~أربعة: أولها «الواحد» الذي حل محل مثال الخير ومثال الجمال والصانع (33-د) والذي ~~ينطبق عليه من باب أولى أنه ليس بماهية وإنما هو شيء أسمى من الماهية لا يوصف، أو ~~لا يوصف إلا سلبا (34-ب). والركن الثاني النموذج الحي بالذات الحاوي جميع المثل. ~~الثالث النفس العالمية (35-أ). والرابع المادة. فأفلوطين يضع كذلك «أقانيم أربعة» أي ~~أربعة جواهر أولية: «الواحد» أو الأول ثم ثلاثة صادرة على النحو الآتي هي: العقل ~~فالنفس فالمادة، وهو يبرهن على وجودها بالجدل الصاعد ويبين الصدور بالجدل النازل، ~~فمن الوجه الأول يقول مع الرواقيين: إن تفاوت الموجودات في الوجود تابع لدرجة ms258 ~~توترها واتحاد أجزائها، ولكنه ينكر قولهم: إن اتحاد أجزاء المادة يتم بمادة فإن من ~~شأن المادة التفكك والتشتت، ويذهب إلى أنه يجب تصور وحدة الموجود على مثال وحدة ~~العقل والعلم؛ فإن العلم واحد مع تألفه من قضايا كثيرة؛ لأن كل قضية فهي تحتوي على ~~سائر القضايا بالقوة فأجزاء العلم متحدة غير منفصلة بفضل وحدة العقل الذي يدركها، ~~فالنظر في معنى الموجود وفي ضرورة وحدته يؤدي بنا من الجسمي إلى اللاجسمي، والوجود ~~الحقيقي هو التأمل والفكر الذي يرد الكثرة إلى الوحدة، وكل موجود لا يكون اتحاد ~~أجزائه تاما فهو يقتضي فوقه اتحادا أتم، وعلة الوحدة في الموجود الأدنى هي تأمله ~~المبدأ الأعلى؛ فإن الحيوان والنبات وكل موجود إنما يحصل على صورته بحسب تأمله ~~مثاله ونموذجه المعقول، والطبيعة كلها تتأمل النموذج الذي تحاول أن تحاكيه تأملا ~~صامتا لا يقارنه شعور، وفوق الطبيعة النفس علة وحدة الطبيعة كما أن النفس الجزئية ~~علة اتحاد أجزاء الجسم الحي، وفوق النفس الكلية العقل موضوع تأملها وعلة وحدتها، ~~فإن المعقولات مترابطة متضامنة وتقتضي عقلا كليا يحويها ويدرك ترابطها، وفوق ~~العقل «الواحد» الذي لا كثرة فيه البتة والذي هو رباط الأشياء جميعا. # 2 ~~(د) ومن الوجه الثاني أي بالجدل النازل # 3 # نبدأ بالواحد أو الأول وهو بسيط ليس فيه تنوع، ليس هو الوجود؛ «لأن ~~الوجود معين أي ماهية محدودة ومعقولة»، وإنما هو مبدأ الوجود ووالده والوجود بمثابة ~~ابنه البكر، فهو الأشياء جميعا؛ «لأنه يحويها بالقوة» دون أن يكون واحدا منها «من ~~حيث أن ليس فيه تعيين أو تمييز وأنه يظل في ذاته؛ إذ يعطيها الوجود»، وهو كامل لا ~~يفتقر إلى شيء، ولما كان كاملا فهو فياض، وفيضه يحدث شيئا غيره، فيتوجه الشيء ~~المحدث نحوه ليتأمله فيصير عقلا «أي يصير الأقنوم الثاني الذي هو وجود وعقل وعالم ~~معقول، فما هو غير معين في الأول يتعين في الثاني، والثاني حاو المثل الكلية أي ~~الأجناس والأنواع ومثل الجزئيات أيضا وإلا لكان العالم المحسوس أغنى من العالم ~~المعقول وهذا محال.» ولما كان ms259 العقل شبيها بالواحد فإنه يفيض قوته فيحدث صورة منه ~~هي النفس الكلية، وتتوجه النفس نحو العقل الصادرة عنه وتفيض فيوضا كثيرة «لا فيضا ~~واحدا كالأول والعقل» فتلد نفوس الكواكب ونفوس البشر وسائر المحسوسات، فالأشياء ~~جميعا بمثابة حياة تمتد في خط مستقيم من أعلى إلى أسفل، وكل نقطة من نقط هذا الخط ~~تختلف عن غيرها ولكن الخط كله متصل، «والعالم المحسوس حيوان كبير أو إنسان كبير، ~~والنفس علة حركاته الكلية أي حركات الأجرام السماوية؛ لأن الحركة الدائرية تحاكي ~~حركة النفس على ذاتها، والنفس الكلية وسط بين العالمين المعقول والمحسوس تتأمل ~~الأول وتدبر الثاني، أو بعبارة أدق تدبر الثاني بتأمل الأول.» والمادة آخر مراتب ~~الوجود قبل ظلمة العدم، وهي وجود مطلق «لا وجود ناقص له نسبة للصورة كما عند ~~أرسطو»، وهي مع ذلك غير معينة، فلا يوجد اتحاد حقيقي بين المادة والصورة وإنما ~~الشيء المحسوس عبارة عن انعكاس الصورة على المادة دون أن يؤثر هذا الانعكاس في ~~المادة، كما أن الضوء لا يؤثر في الهواء، وهذا القصور عن قبول الصورة والاحتفاظ بها ~~وعن الاتصاف بأي صفة هو الشر بالذات وهو أصل الشرور التي تلحق العالم ~~المحسوس. ~~(ه) واتصال النفس بالمادة هو كذلك أصل نقائصها وشرورها، فلا يكون التطهير بإخضاع ~~المادة بل بالخلاص منها والعودة إلى حال النفس الأول، والفلسفة وسيلة النفس في ~~صعودها حتى تصل إلى الأول الواحد، ولكنها لا تصل إليه بحدس عقلي من حيث إن المعين ~~وحده هو الذي يمكن أن يكون موضوع إدراك، بل بنوع من «التماس» لا يوصف ولا يصدق عليه ~~أنه معرفة ولا يميز فيه بين عارف ومعروف؛ لأنه عبارة عن اتحاد تام وغبطة بهذا ~~الاتحاد، وليس يستطيع أن يبين عن هذه الحال إلا الذين ذاقوها وهم قليل وهي نادرة عندهم، # 4 # وهم لا يستطيعون التحدث عنها إلا بالرجوع للذاكرة؛ إذ إنهم في حال ~~الاتحاد يفقدون كل شعور بأنفسهم، وهذا هو الانجذاب وهو أرفع من العقل والفكر، # 5 # وفي هذا يفترق أفلوطين عن أفلاطون - فيما يفترق - فإن ms260 أفلاطون بتوجهه ~~إلى مثال الخير ومثال الجمال كان يرمي إلى إدراك أسمى المعقولات، أما أفلوطين فيريد ~~أن يجاوز المعقول والإدراك إلى الاتصال والاتحاد بما لا مجال فيه لتعيين وتمييز، ~~وهو بهذا يخرج على الفلسفة العقلية ويشايع الأفكار الهندية. ~~(و) على أنه بوضعه الواحد اللامعين في رأس الوجود ومحاولته استخراج الأشياء منه ~~بالتدريج كان أمينا لموقف قديم متصل في الفلسفة اليونانية: ألم يقل أنكسيمندريس ~~باللامتناهي، وهرقليطس بالنار الإلهية، وبارمنيدس بالكرة التي هي وجود محض، ~~وأنبادوقليس بالكرة الأصلية الإلهية، وأنكساغوراس بالمزاج الأول؟ فأفلوطين فهم ~~مثلهم أن تفسير الوجود يقوم ببيان التدرج من اللامعين إلى المعين، وكانوا قد وضعوا ~~لهذا الأصل قانونا باطنا أسماه بعضهم الضرورة، وأسماه البعض الآخر «اللوغوس» ~~وربطوا الأشياء ربطا محكما لصدورها عن أصل واحد، وأفلوطين أخذ بهذه الفكرة وذهب ~~في تماسك العالم وتفاعل أجزائه إلى حد الاعتقاد بالتنجيم كالرواقيين وإضافة مفعولية ~~ضرورية للصلوات والتعزيمات السحرية بمجرد أنها تؤدى على طقوس معينة، فمال إلى الشرق ~~من هذه الناحية أيضا وأدخل في مذهبه أحط العقائد القديمة إلى جانب التصوف ~~العالي. ~~(97) بعد أفلوطين ~~(أ) ملخوس السوري الملقب بفورفوريوس (233-305) أظهر تلاميذ أفلوطين، ولد في صور ~~وعرف أفلوطين في روما سنة 263 فلزمه واتبع طريقته وجذب مرة واحدة في الثامنة ~~والستين على ما يذكر هو، شرح محاورات أفلاطون الكبرى وشرح من كتب أرسطو المقولات ~~والأخلاق والطبيعة والإلهيات، ووضع «المدخل إلى المعقولات» أجمل فيه الكلام على ~~طبيعة النفس والعالم المعقول أخذا عن التاسوعات، وكتابا «في الامتناع عن اللحوم» ~~نزع فيه منزع الفيثاغورية، وآخر «في أخبار الفلاسفة» مضى فيه لغاية أفلاطون، بقي ~~منه أجزاء، ولكنه مشهور بكتاب «إيساغوجي» أي «المدخل إلى مقولات أرسطو» (52-د)، وكتب ~~أيضا ضد النصرانية ودافع عن السحر والعرافة والتنجيم وكانت الكنيسة تحاربها، وهو ~~وأفلوطين وأمونيوس ومن تبعهم يسمون الفرع الإسكندري للأفلاطونية الجديدة. ~~(ب) ولها فرع سوري رأسه يامبليخوس من خلقيس - سوريا - المتوفى حوالي سنة 330، أخذ ~~عن فورفوريوس وقال بصدور الموجودات بعضها عن بعض ولكنه أكثر من مراتب الوجود وجعل ~~في كل ms261 مرتبة ثلاثة حدود. وللمدرسة أيضا فرع أثيني أشهر رجاله أبروقلوس من ~~القسطنطينية (410-485) شرح عدة محاورات لأفلاطون و«مبادئ» إقليدس وفلك بطليموس، وله ~~كتاب مطول في «الإلهيات الأفلاطونية» وآخر موجز في «مبادئ الإلهيات» مؤلف من قضايا ~~مبرهنة على طريقة إقليدس، وقد غلا في مزج الرياضيات بالفلسفة. ~~(98) خاتمة # وفي سنة 529 أغلق الإمبراطور يوستنيانوس مدارس الفلسفة في أثينا وكانت قد أقفرت ~~من التلاميذ وتناقص عدد العلماء فيها، # 6 # وكانت الإسكندرية قد فقدت مكانتها، فانتهت الفلسفة اليونانية بما هي ~~يونانية، انتهت بعد حياة استطالت أحد عشر قرنا وحفلت بأسمى وأبهى نتاج العقل، ~~ولكنها بقيت بما هي فلسفة، تناولتها عقول جديدة في الشرق والغرب فاصطنعت منها ما ~~اصطنعت وأنكرت ما أنكرت وهي على كل حال تعتبرها أصلا وتنهج نهجها، فكان لأفلاطون ~~بفضل نزعته الروحية حظ كبير عند المسيحيين في بلاد اليونان والرومان، ثم كان لأرسطو ~~مثل هذا الحظ عند السريان، نقلوا كتبه إلى لغتهم ثم إلى العربية، ولكنهم نقلوها عن ~~شراح كانوا قد أدخلوا عليها شيئا من التأويل الشخصي، وأكابر هؤلاء الشراح إسكندر ~~الإفروديسي (القرن الثالث للميلاد)، وفورفوريوس المذكور آنفا، وثامسطيوس (القرن ~~الرابع)، ويوحنا النحوي (القرن الخامس)، وسمبليقيوس (القرن السادس)، ونقل السريان ~~أيضا مختارات من التاسوعات الثلاث الأخيرة وأسموها «أوتولوجيا - إلهيات - ~~أرسطوطاليس» ومختارات من «مبادئ الإلهيات» لأبروقلوس وأسموها «كتاب العلل» وأضافوها ~~إلى أرسطو كذلك، فقبلها الإسلاميون بهذا الاعتبار، # 7 # وبدا لهم ما فيها من صوفية إشراقية تتمة طبيعية لكتب الحكمة الإنسانية، ~~فجاءت فلسفتهم مزيجا من الأرسطوطالية والأفلاطونية الجديدة وهم لا يدرون، عدا ~~اقتباسات أخرى من سائر المدارس اليونانية، بحيث يتعين على الناظر في الفلسفة ~~الإسلامية أن يرجع إلى كل هذه الأصول، ولما ترجمت الكتب العربية إلى اللاتينية في ~~القرن الثاني عشر ذاعت دراسة أرسطو في الغرب وبعثت فيه نهضة فكرية تطورت إلى ~~الفلسفة الحديثة، فالسلسلة متصلة الحلقات، والفضل للسابق. # | مراجع # المراجع كثيرة للغاية في اللغات القديمة والحديثة، وقد اقتصرنا هنا على الكتب ~~المفيدة لجمهرة قراء الفلسفة، يجد فيها طالب المزيد ذكر طائفة كبيرة مما ms262 ~~أغفلناه. ~~(1) مراجع عامة # تاريخ اليعقوبي: الجزء الأول فيما قبل الإسلام وفيه فصل عن اليونان، ~~والجزء الثاني في الإسلام حتى سنة 258ه، ليدن 1883. # الفهرست لابن أبي يعقوب النديم أنهى تأليفه سنة 377ه، ليبسيك ~~1872. # طبقات الأمم لصاعد الأندلسي المتوفى سنة 462ه، بيروت 1912. # الملل والنحل للشهرستاني 479-548ه، ليبسيك 1923. # إخبار العلماء بأخبار الحكماء لابن القفطي أو القفطي فقط، صنفه بعد سنة ~~624ه مستعينا بالفهرست وطبقات الأمم، ليبسيك 1903. # عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، ولد بعد سنة 590ه بقليل، ~~وتوفي سنة 668، وضع كتابه لأول مرة حوالي سنة 640، ثم أعاد تصنيفه فزاد ~~ونقح مستعينا بكتاب القفطي ونشره سنة 667. القاهرة 1882 وملحق 1884 لمولر ~~كونفسبرغ. # كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة، ولد حوالي 1010ه ~~بالقسطنطينية وتوفي سنة 1068، ليبسيك 1835-1858م، والقاهرة ~~1273ه/1857-1858. ليست هذه الكتب مصادر بمعنى الكلمة لتاريخ الفلسفة ~~اليونانية؛ فإن هذا التاريخ قد تقرر بالرجوع إلى الأصول، وفي الكتب ~~المذكورة خلط كثير وتقديم وتأخير ، فتجب قراءتها بكل حذر، ولكنها هامة ~~للوقوف على ما عرفه الإسلاميون عن هذه الفلسفة ورجالها وما وضعوه من ~~مصطلحات في نقلها. # ZELLER (Ed.), The philosophy of the Greeks in its ~~historical development, London 1877-1897, 6 vol.-Outlines of the ~~history of Greek philosophy, New-York and London, 13 ed. ~~1931. # GOMPERZ (Th.), Greek Thinkers, London 1901-1905, 4 ~~vol.-Les penseurs de la Grèce, Paris-Lausanne 1908-1909, 3 ~~vol. # هذه الكتب ألمانية الأصل، الأول أوسع المراجع وأكثرها اعتبارا، والثاني موجز، ~~والثالث تشوبه ثرثرة تخرج بالمؤلف عن حد تصوير الآراء إلى سرد آرائه هو، وأكثر ما ~~يظهر هذا العيب في كلامه على أرسطو. # BENN (A. W.), The Greek Philosophers, London 1882: 2 ed. ~~1911. # BURNET (John), Greek Philosophy. Part I: Thales to Plàto, ~~London 1911. # ROBIN (L.), La pensée grecque, Paris ~~1923. # BRÉHIER (E.), Histoire de la philosophie, tome I, Paris ~~1926. ~~(2) مراجع خاصة ~~(أ) ما قبل سقراط # RIVAUD (A.), Le problème du devenir et la notion de ~~la matière dans la philosophie grecque depuis les origines ~~jusqu’à Théophraste, Paris ms263 1905. # BURNET (John), Early Greek philosophy, 4 ed. London ~~1923. # في هذا الكتاب ترجمة الشذرات الباقية من الفلاسفة الأقدمين، وقد نقله إلى ~~الفرنسية # A. Reymond # بعنوان: # L’aurore de la philosophie grecque, Paris ~~1919 ~~. ~~(ب) سقراط # ROBIN (L.), Les Mémorables de Xénophon et notre ~~connaissance de la philosophie de Socrate (Année philosophique, ~~1910).-Sur une hypothèse récenté relative à Socrate (Revue des ~~Etudes grecques, XXIX, 1916). # DIÈS (Aug.), Autour de Platon, tome I, Paris ~~1927. # TAYLOR (A. E.), Socrates. Oxford 1932. ~~(ج) أفلاطون # Oeuvres de Platon, traduites par Victor Cousin, en 12 ~~volumes. Paris 1822-1840. # Oeuvres complètes de Platon, traduites par A. Saisset ~~et E: Chauvet, en 10 volumes. Paris 1869-1875. # Oeuvres completes de Platon (texte et traduction), ~~éditées par l’Association Guillaume Budé, Paris. (En cours de ~~publication). # هذه الترجمة الثالثة تقوم بها طائفة من أساتذة جامعات فرنسا وهي أوثق ترجمة ~~يزيد في فائدتها مقدمات مطولة وشروح. # DIÈS (Aug.), Autour de Platon, tome II, Paris ~~1927. # TAYLOR (A. E.), Plato, 3d ed. London ~~1929. # ROBIN (L.), Platon. Paris 1935. # جمهورية أفلاطون ترجمة حنا خباز القاهرة 1929. ~~(د) أرسطو # Oeuvres d’Aristote, traduites par Barthélémy ~~Saint-Hilaire en 35 volumes. Paris 1837-1892. # The Works of Aristotle. Oxford 1928 ~~... # ترجمة علمية. Physique, trad. Carteron: I-IV Paris 1926, V-VIII, ~~1931. # Métaphysique, Paris 1932, 2 vol.; De l’Ame, 1934; De ~~la Génération et de la Corruption, 1935-trad. J. ~~Tricot. # RAVAISSON (F.), Essai sur la Métaphysique ~~d’Aristote. 1 er vol. Paris 1836 (réimprimé en ~~1920). # كتاب قيم مشهور. # HAMELIN (O.), Le Système d’Aristote, Paris ~~1920. # كتاب واف متين فيما تناوله من تحقيق مؤلفات أرسطو ومن عرض للمنطق وللطبيعة، ~~ولكنه يوجز علم النفس وما بعد الطبيعة في صفحات، ولا يتضمن الأخلاق ولا ~~السياسة. # Ross (W. D.), Aristotle, London 1923; trad. Française Paris 1930. # كتاب يلخص مؤلفات أرسطو تلخيصا حسنا، صاحبه من كبار الأخصائيين في ~~أرسطو، وهو المشرف على ترجمة أكسفورد المذكورة آنفا. # ترجمات عربية: الدكتور طه حسين بك: نظام الأثينيين. القاهرة ~~1921. # ترجمات عربية: أحمد لطفي السيد باشا: ms264 الأخلاق إلى نيقوماخوس في ~~مجلدين. القاهرة 1924. الكون والفساد 1932. الطبيعة 1935. ~~(ه) الباب الرابع بالإجمال # RAVAISSON (F.), Essai sur la Métaphysique d’Aristote, ~~2e vol. ~~(و) أبيقورس # Trois letters, trad. O. Hamelin, Revue de ~~métaphysique et de morale, 1920 tome XVIII. # Doctrines et maximes, trad. Solovine, Paris ~~1925. # Lucrèce, De la Nature, texte et trad, par Ernout, ~~1920; commentaire par L. Robin, 1925-1926. # Lettres et peusées maitresses, trad. Ernout dans le ~~commentaire déjà mentionné de Robin, 1er volume ~~1925. # BAILEY (C.), Epicurus, the extant remains, with short ~~critical apparatus, translation and notes, Oxford ~~1926. # GUYAU (M.), La morale d’Epicure, 2 ed. Paris ~~1881. # JOYAU (E.), Epicure, Paris 1910. ~~(ز) الرواقية # BRÉHIER (E.), Chrysippe. Paris 1910. # RODIER (G.), Eludes de philosophie grecque, Paris ~~1926: Histoire extérieure et intérieure du stoïcism, pp. ~~219-269; La cohérence de la morale stoïcienne, pp. ~~270-308. # BROCHARD (V.), Etudes de philosophie ancienne et ~~moderne; Paris 1912: La logique des stoïciens, pp. ~~221-281. # HAMELIN (O.), sur la logique des stoïciens, Année ~~philosophique 1902, p. 23 sqq. ~~(ح) الشكاك والأكاديمية الجديدة # BROCHARD (V.), Les Sceptiques grecs, Paris 1887; 2e ~~éd. 1932. ~~(ط) الأفلاطونية الجديدة PHILON, Allégories des Saintes Lois, édit. et trad. Par E. Bréhier. Paris 1908. # BRÉHIER (E.), Les idées philosophiques et religieuses ~~de Philon d’Alexandrie, 2e éd. Paris 1924. PLOTIN, Ennéades, texte et trad. Par E. Bréhier. Paris 1924-1936. # BRÉHIER (E.), La philosophie de Plotin. Paris ~~1931. # WHITTAKER (E.), The Neoplatonists, 2d ed. Cambridge ~~1918. # INGE (W. R.), The philosophy of Plotinus. London ~~1918. ms265